← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

القائلين الفاعليـ … ـن الآمرين بكلّ صالح المطعمين الشّحم فو … ق الخبز شحمًا كالأنافحْ نقل الجفان مع الجفا … ن إلى جفانٍ كالمناضح ليست بأصفارٍ لمن … يعفو ولا رحٍّ رحارح للضّيف ثم الضيف بعـ … ـد الضيف والبسط السّلاطح وهب المئين من المئيـ … ـن إلى المئين من اللّواقح سوق المؤبّل للمؤبّـ … ـل صادراتٍ عن بلادح لكرامهم فوق الكرا … م مزيّةٌ وزن الرّواجح كتثاقل الأرطال بالـ … ـقسطاس بالأيدي الموائح خذلتهمُ فئةٌ وهم … يحمون عورات الفضائح الضّاربين التّقدميّـ … ـة بالمهنّدة الصّفائح ولقد عناني صوتهم … من بين مستسقٍ وصائح للَّه درّ بني علـ … ـيٍ أيِّمٍ منهم وناكح إن لم يغيروا غارةً … شعواء تجحر كلّ نابح بالمقربات المبعدا … ت الطّامحات مع الطّوامح مُردًا على جردٍ إلى … أُسدٍ مكالبةٍ كوالح ويلاقِ قرنٌ قرنه … مشي المصافح للمصافح بزَهاء ألفٍ ثمّ ألـ … ـفٍ بين ذي بدنٍ ورامح قال ابن هشامٍ (١): تركنا منها بيتين نال فيهما من أصحاب رسول اللَّه ﷺ . قلت: هذا شعر المخذول المعكوس المنكوس، الذي حمله كثرة جهله وقلّة عقله، على أن مدح المشركين وذمّ المؤمنين، واستوحش بمكة من أبي جهل بن هشامٍ، وأضرابه من الكفرة اللئّام، والجهلة الطّغام، ولم يستوحش بها من عبد اللَّه ورسوله، وحبيبه وخليله، فَخر البشر، ومَن وجهه أنور من القمر، ذي العِلم الأكمل، والعقل الأشمل، ومِن صاحبه الصدّيق المبادر إلى التصديق، والسابق إلى الخيرات، وفعل المكرمات، وبذل الألوف والمئات، في طاعة ربّ الأرض والسماوات، وكذلك بقيّة أصحابه الغرّ الكرام، الذين هاجروا من دار الكفر والجهل إلى دار العلم والإسلام، رضي اللَّه عن جميعهم، ما اختلط الضّياء والظلام، وما تعاقبت الليالي والأيام، وقد تركنا أشعارًا كثيرةً أوردها ابن إسحاق، ﵀، خوف الإطالة وخشية الملالة، وفيما أوردنا كفايةٌ، وللَّه الحمد والمنّة.

стр. 1647

وقد قال الأمويّ في "مغازيه" (١): سمعت أبي، ثنا (٢) سليمان بن أرقم، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة أنّ رسول اللَّه ﷺ عفا عن شعر الجاهليّة. قال سليمان: فذكر ذلك للزّهريّ فقال: عفا عنه إلّا قصيدتين؛ كلمة أميّة التي ذكر فيها أهل بدرٍ، وكلمة الأعشى التي يذكر فيها الأحوص. وهذا حديثٌ غريب، وسليمان بن أرقم هذا متروكٌ (٣)، واللَّه أعلم. فصل في ذكر غزوة بني سُلَيمٍ سنة ثنتين من الهجرة النبويّة قال ابن إسحاق (٤): وكان فراغ رسول اللَّه ﷺ من بدرٍ في عَقِيْب (٥) شهر رمضان، أو في شوالٍ، ولمّا قدم المدينة لم يقم بها إلّا سبع ليالٍ حتى غزا بنفسه يريد بني سليمٍ. قال ابن هشامٍ (٦): واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاريّ، أو ابن أمّ مكتومٍ الأعمى. قال ابن إسحاق (٧): فبلغ ماءً من مياههم يقال له: الكُدْر، فأقام عليه ثلاث ليالي، ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق كَيْدًا، فأقام بها بقيّة شوالٍ وذا القعدة، وأفدى في إقامته تلك جُلّ تلك (٨) الأسارى من قريشٍ. فصل غزوهّ السّويق في ذي الحجّة منها، وهي غزوة قرقرة الكُدْر (٩) قال السّهيليّ (١٠): والقَرقرة: الأرض الملساء، والكُدْر: طيرٌ في ألوانها كدرةٌ.

стр. 1648

قال ابن إسحاق (١): وكان أبو سفيان -كما حدّثني محمد بن جعفر بن الزّبير، ويزيد بن رومان، ومن لا أتّهم- عن عبد اللَّه بن كعب بن مالكٍ، وكان من أعلم الأنصار، حين رجع إلى مكة ورجع فَلُّ قريشٍ من بدرٍ، نذر أن لا يمسّ رأسه ماءٌ من جنابةٍ حتى يغزو محمدًا، فخرج في مئتي راكبٍ من قريشٍ لتبرّ يمينه، فسلك النّجديّة حتى نزل بصدر قناةٍ إلى جبلٍ يقال له: ثيبٌ (٢). من المدينة على بريد أو نحوه، ثم خرج من الليل حتى أتى بني النّضير تحت الليل، فأتى حُيَيّ بن أخطب، فضرب عليه بابه، فأبى أن يفتح له وخافه، فانصرف عنه إلى سلّام بن مشكمٍ، وكان سيّد بني النّضير في زمانه ذلك، وصاحب كنزهم، فاستأذن عليه فأذن له، فقراه وسقاه، وبَطن له من خبر الناس، ثم خرج في عقب ليلته حتى أتى أصحابه، فبعث رجالًا من قريشٍ، فأتوا ناحيةً منها يقال لها: العريض، فحرّقوا في أصوارٍ من نخلٍ بها، ووجدوا رجلًا من الأنصار وحليفًا له في حرثٍ لهما، فقتلوهما وانصرفوا راجعين، فنذر بهم الناس، فخرج رسول اللَّه ﷺ في طبهم. قال ابن هشامٍ (٣): واستعمل على المدينة أبا لبابة بَشير بن عبد المنذر. قال ابن إسحاق: فبلغ قرقرة الكدر، ثم انصرف راجعًا، وقد فاته أبو سفيان وأصحابه، ووجد أصحابُ رسول اللَّه ﷺ أزوادًا كثيرةً قد ألقاها المشركون يتخفّفون منها وعامّتها سويقٌ، فسمّيت غزوة السّويق. قال المسلمون: يا رسول اللَّه، أنطمع أن تكون هذه لنا غزوةً؟ قال: "نعم". قالِ ابن إسحاق (٤): وقال أبو سفيان فيما كان من أمره هذا، ويمدح سلّام بن مشكمٍ اليهوديّ: [من الطويل] وإنّي تخيّرت المدينة واحدًا … لحلفٍ فلم أندم ولم أتلوّمِ سقاني فروّاني كُمَيتًا مُدامةً … على عجَلٍ منّي سلام بن مشكم ولمّا تولّى الجيش قلت ولم أكن … لأُفرحه: أبشر بغزوٍ ومغنم تأمّل فإنّ القوم سرٌّ وإنّهم … صريح لؤيٍّ لا شماطيط جُرهم وما كان إلّا بعض ليلة راكبٍ … أتى ساعيًا من غير خلّة معدم

стр. 1649

فصل في دخول علي بن أبي طالبٍ، ﵁ على زوجته فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ - وذلك في سنة ثنتين بعد وقعة بدرٍ، لما رواه البخاريّ ومسلمٌ (١)، من طريق الزّهريّ، عن عليٍّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن عليٍّ، عن عليٍّ بن أبي طالبٍ قال: كانت لي شارفٌ من نصيبي من المغنم يوم بدرٍ، وكان النبيّ ﷺ أعطاني شارفًا ممّا أفاء اللَّه عليه من الخمس يومئذٍ، فلمّا أردت أن أبتنيَ بفاطمة بنت النبيّ ﷺ ، واعدت رجلًا صوّاغًا في بني قينقاع أن يرتحل معي فنأتي بإذخرٍ، فأردت أن أبيعه من الصّوّاغين فأستعين به في وليمة عرسي، فبينا أنا أجمع لشارفيّ من الأقتاب والغرائر والحبال، وشارفايَ مناختان إلى جنب حجرة رجلٍ من الأنصار، حتى جمعت ما جمعت، فإذا أنا بشارفيّ قد أُجبّت أسنمتها، وبُقرت خواصرهما، وأُخذ من أكبادهما، فلم أملك عيني حين رأيت المنظر، فقلت: من فعل هذا؟ قالوا: فعله حمزة بن عبد المطّلب، وهو في هذا البيت، وهو في شَربٍ من الأنصار، وعنده قَينةٌ وأصحابه، فقالت في غنائها: [من الوافر] ألا يا حمزُ للشّرف النّواء فوثب حمزة إلى السيف، فأجبّ أسنمتهما (٢)، ويقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما. قال عليٌّ: فانطلقت حتى أدخل على النبيّ ﷺ وعنده زيد بن حارثة، فعرف النبيّ ﷺ الذي لقيت فقال: "ما لك؟ ". فقلت: يا رسول اللَّه، ما رأيت كاليوم، عدا حمزة على ناقتيّ فأجبّ أسنمتهما، وبقر خواصرهما، وها هو ذا في بيتٍ معه شَربٌ، فدعا النبيّ ﷺ بردائه فارتداه، ثم انطلق يمشي، واتّبعته أنا وزيد بن حارثة حتى جاء البيت الذي فيه حمزة، فاستأذن عليه فأذن له، فطفق النبيّ ﷺ يلوم حمزة فيما فعل، فإذا حمزة ثمِلٌ محمرّةٌ عيناه، فنظر حمزة إلى النبيّ ﷺ ، ثم صعّد النّظر فنظر إلى ركبتيه، ثم صعّد النظر فنظر إلى وجهه، ثم قال حمزة: وهل أنتم إلّا عبيدٌ لأبي؟ فعرف النبيّ ﷺ أنّه ثمِلٌ، فنكص رسول اللَّه ﷺ على عقبيه القهقرى، فخرج وخرجنا معه، هذا لفظ البخاريّ في كتاب المغازي. وقد رواه في أماكن أُخر من "صحيحه" بألفاظٍ كثيرةٍ، وفي هذا دليلٌ على ما قدّمناه من أن غنائم بدرٍ قد خمّست، لا كما زعمه أبو عبيدٍ القاسم بن سلّامٍ في كتاب "الأموال" (٣)، من أنّ الخمس إنّما نزل بعد

стр. 1650

قسمتها، وقد خالفه في ذلك جماعةٌ؛ منهم البخاريّ وابن جريرٍ، وبيّنّا غلطه في ذلك في "التفسير" (١) وفيما تقدّم، واللَّه أعلم. وكان هذا الصّنع من حمزة وأصحابه، ﵃، فبل أن تحزم الخمر، بل قد قُتل حمزة يوم أحدٍ، كما سيأتي، وذلك قبل تحريم الخمر، واللَّه أعلم. وقد يَستدلّ بهذا الحديث من يرى أنّ عبارة السّكران مسلوبةٌ لا تأثير لها؛ لا في طلاقٍ، ولا إقرارٍ، ولا غير ذلك، كما ذهب إليه من ذهب من العلماء، كما هو مقرَّرٌ في كتاب "الأحكام". وقال الإمام أحمد (٢): ثنا سفيان، عن ابن (٣) أبي نجيحٍ، عن أبيه، عن رجل سمع عليًّا يقول: أردت أن أخطب إلى رسول اللَّه ﷺ ابنته، فقلت: ما لي من شيءٍ، فكيف؟ ثم ذكرت صلته وعائدته، فخطبتها إليه، فقال: "هل لك من شيء؟ ". قلت: لا. قال: "فأين درعك الحطميّة التي أعطيتك يوم كذا وكذا؟ ". قال: هي عندي. قال: "فأعطنيها". قال: فأعطيتها إياه. هكذا رواه أحمد في "مسنده"، وفيه رجلٌ مبهمٌ. وقد قال أبو داود (٤): حدّثنا إسحاق بن إسماعيل الطّالقانيّ، ثنا عبدة، ثنا سعيدٌ، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما تزوّج عليٌّ فاطمة، ﵄، قال له رسول اللَّه ﷺ : "أعطها شيئًا". قال: ما عندي شيءٌ. قال: "أين دِرعك الحُطَميّة؟ ". ورواه النسائيّ (٥)، عن هارون بن إسحاق، عن عبدة بن سليمان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن أيوب السّختيانيّ به. وقال أبو داود (٦): حدّثنا كثير بن عبيدٍ الحمصيّ، ثنا أبو حيوة، عن شعيب بن أبي حمزة، حدثني غيلان بن أنسٍ من أهل حمصٍ، حدثني محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ ، أنّ عليًّا لما تزوّج فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ ، أراد أن يدخل بها، فمنعه رسول اللَّه ﷺ حتى يعطيها شيئًا، فقال: يا رسول اللَّه، ليس لي شيءٌ، فقال له النبيّ ﷺ : "أعطها درعك"، فأعطاها درعه، ثم دخل بها.

стр. 1651

وقال البيهقيّ في "الدلائل" (١): أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ (٢)، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصمّ، ثنا أحمد بن عبد الجبَّار، ثنا يونس بن بكيرٍ، عن ابن إسحاق، حدّثني عبد اللَّه بن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن عليٍّ قال: خَطبت فاطمة إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقالت مولاةٌ لي: هل علمت أنّ فاطمة قد خُطبت إلى رسول اللَّه ﷺ ؟ قلت: لا. قالت: فقد خُطبت، فما يمنعك أن تأتيَ رسول اللَّه ﷺ فيزوّجك؟ فقلت: وعندي شيءٌ أتزوج به؟ فقالت: إنّك إن جئت رسول اللَّه ﷺ زوّجك. قال: فواللَّه ما زالت تُرجّيني حتى دخلت على رسول اللَّه ﷺ ، فلما أن قعدت بين يديه أُفحمت، فواللَّه ما استطعت أن أتكلّم جلالةً وهيبةً، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما جاء بك، ألك حاجةٌ؟ ". فسكتّ، فقال: "ما جاء بك، ألك حاجةٌ؟ ". فسكتّ، فقال: "لعلّك جئت تخطب فاطمة". فقلت: نعم. فقال: "وهَلْ عندك من شيءٍ تستحلّها به". فقلت: لا واللَّه يا رسول اللَّه. فقال: "ما فعلت درعٌ سلّحتُكها؟ " فوالذي نفس عليٍّ بيده، إنّها لحُطَميّةٌ ما قيمتها أربعة دراهم، فقلت: عندي. فقال: "قد زوّجتكها، فابعث إليها بها فاستحلّها بها". فإن كانت لَصداق فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ . قال ابن إسحاق (٣): فولدت فاطمة لعليٍّ حسنًا، وحسينًا، ومحسّنًا، مات صغيرًا، وأمّ كلثومٍ، وزينب. ثم روى البيهقيّ (٤) من طريق عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عليٍّ قال: جهّز رسول اللَّه ﷺ فاطمة في خَميلٍ وقِربةٍ ووسادة أدُمٍ حشوها إذخرٌ. ونقل البيهقيّ عن كتاب "المعرفة" لأبي عبد اللَّه بن منده، أنّ عليًا تزوّج فاطمة بعد سنةٍ من الهجرة، وابتنى بها بعد ذلك بسنةٍ أخرى. قلت: فعلى هذا يكون دخوله بها في أوائل السنة الثالثة من الهجرة، فظاهر سياق حديث الشّارفين، يقتضي أنّ ذلك عقب وقعة بدرٍ بيسيرٍ، فيكون ذلك كما ذكرناه في أواخر السنة الثانية، واللَّه أعلم. فصل في ذكر جُمَلٍ من الحوادث الواقعة سنة ثنتين من الهجرة تقدّم ما ذكرناه من تزويجه، ﵊، بعائشة أمّ المؤمنين، ﵂، وذكرنا ما سلف من الغزوات المشهورة، وقد تضمّن ذلك وفيات أعيانٍ من المشاهير من المؤمنين والمشركين،

стр. 1652

فكان ممّن توفّي فيها: الشهداء يوم بدرٍ، وهم أربعة عشر، ما بين مهاجريٍّ وأنصاريٍّ، تقدّم تسميتهم، والرؤساء من مشركي قريش، وقد كانوا سبعين رجلًا على المشهور. وتوفّي بعد الوقعة بيسيرٍ أبو لهبٍ عبد العزّى بن عبد المطلب، لعنه اللَّه، كما تقدّم. ولما جاءت البشارة إلى المؤمنين من أهل المدينة مع زيد بن حارثة وعبد اللَّه بن رواحة، بما أحلّ اللَّه بالمشركين وبما فتح على المؤمنين، وجدوا رقيّة بنت رسول اللَّه ﷺ قد توفيت، وساووا عليها التراب، وكان زوجها عثمان بن عفان قد أقام عندها يمرّضها بأمر النبيّ ﷺ له بذلك، ولهذا ضرب له بسهمه في مغانم بدرٍ، وأجره عند اللَّه يوم القيامة، ثم زوّجه بأختها الأخرى أمّ كلثومٍ بنت رسول اللَّه ﷺ ، ولهذا كان يقال لعثمان بن عفان: ذو النّورين، ويقال: إنّه لم يُغْلِق أحدٌ على ابنتي نبيٍّ، واحدةً بعد الأخرى غيره، ﵁ وأرضاه. وفيها حوّلت القبلة، كما تقدّم (١)، وزيد في صلاة الحضر على ما سلف. وفيها فرض الصِّيام صيام رمضان، كما تقدم. وفيها فرضت الزكاة ذات النّصُب، وفرضت زكاة الفطر. وفيها خضع المشركون من أهل المدينة، واليهود الذين هم بها؛ من بني قينقاع وبني النّضير وبني قريظة، ويهود بني حارثة، وصانعوا المسلمين، وأظهر الإسلام طائفةٌ كثيرةٌ من المشركين واليهود، وهم في الباطن منافقون؛ منهم من هو على ما كان عليه، ومنهم من انحلّ بالكلّيّة، فبقي مذبذبًا، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، كما وصفهم اللَّه في كتابه. قال ابن جرير (٢): وفيها كتب رسول اللَّه ﷺ المعاقل، وكانت معلّقةً بسيفه. قال ابن جرير (٣): وقيل: إن الحسن بن عليٍّ ولد فيها. قال: وأما الواقديّ فإنّه زعم أنّ ابن أبي سبرة حدّثه عن إسحاق بن عبد اللَّه، عن أبي جعفرٍ، أنّ عليّ بن أبي طالبٍ بنى بفاطمة في ذي الحجّة منها. قال: فإن كانت هذه الرواية صحيحةً، فالقول الأوّل باطلٌ. * * *

стр. 1653

سنة ثلاثٍ من الهجرة في أوّلها كانت غزوة نجدٍ، ويقال لها: غزوة ذي أمرّ (١). قال ابن إسحاق (٢): فلما رجع رسول اللَّه ﷺ من غزوة السّويق أقام بالمدينة بقية ذي الحجّة أو قريبًا منها، ثم غزا نجدًا يريد غطفان، وهي غزوة ذي أمرّ. قال ابن هشامٍ (٣): واستعمل على المدينة عثمان بن عفَّان. قال ابن إسحاق: فأقام بنجدٍ صفَرًا كلّه أو قريبًا من ذلك، ثم رجع ولم يلق كيدًا. وقال الواقديّ (٤): بلغ رسولَ اللَّه ﷺ أن جمعًا من غطفان من بني ثعلبة بن محاربٍ تجمّعوا بذي أمرّ يريدون حربه، فخرج إليهم من المدينة يوم الخميس لثنتي عشرة ليلةً خلت من ربيعٍ الأول سنة ثلاثٍ، واستعمل على المدينة عثمان بن عفان، فغاب أحد عشر يومًا، وكان معه أربعمئةٍ وخمسون رجلًا، وهربت منه الأعراب في رؤوس الجبال، حتى بلغ ماءً يقال له: ذو أمرّ فعسكر به، وأصابهم مطرٌ كثيرٌ، فابتلّت ثياب رسول اللَّه ﷺ ، فنزل تحت شجرةٍ هناك، ونثر ثيابه لتجفّ، وذلك بمرأى من المشركين، واشتغل المسلمون في شؤونهم، فبعث المشركون رجلًا شجاعًا منهم، يقال له غورث بن الحارث أو دعثور بن الحارث. فقالوا: قد أمكنك اللَّه من قتل محمدٍ. فذهب ذلك الرجل، ومعه سيفٌ صقيلٌ، حتى قام على رسول اللَّه ﷺ بالسيف مشهورًا، فقال: يا محمد، من يمنعك مني اليوم؟ قال: "اللَّه". ودفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده، فأخذه رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "من يمنعك مني؟ ". قال: لا أحد، وأنا أشهد أن لا إله إلّا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، واللَّه لا أكثّر عليك جمعًا أبدًا. فأعطاه رسول اللَّه ﷺ سيفه، فلمّا رجع إلى أصحابه، فقالوا: ويلك، ما لك؟ فقال: نظرت إلى رجلٍ طويلٍ فدفع في صدري، فوقعت لظهري، فعرفت أنه ملَكٌ، وشهدت أن محمدًا رسول اللَّه، واللَّه لا أكثر عليه جمعًا، وجعل يدعو قومه إلى الإسلام. قالوا: ونزل في ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 1654

اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ الآية [المائدة: ١١]. قال البيهقيّ (١): وسيأتي في غزوة ذات الرّقاع قصةٌ تشبه هذه، فلعلّهما قصتان. قلت: إن كانت هذه محفوظة فهي غيرها قطعًا؛ لأن ذلك الرجل اسمه غورث بن الحارث أيضًا لم يسلم، بل استمر على دينه، ولكن عاهد النبيّ ﷺ أن لا يقاتله، واللَّه أعلم. غزوة الفُرُع (٢) من بُحْرَان (٣) قال ابن إسحاق (٤): فاقام بالمدينة ربيعًا الأول كلّه، أو إلّا قليلًا منه، ثم غزا يريد قريشًا. قال ابن هشامٍ (٥): واستعمل على المدينة ابن أمّ مكتومٍ. قال ابن إسحاق: حتى بلغ بُحران، وهو معدنٌ بالحجاز من ناحية الفرع، فأقام بها شهر ربيعٍ الآخر وجمادى الأولى، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدًا. وقال الواقديّ (٦): إنما كانت غيبته، ﵇، عن المدينة عشرة أيامٍ، فاللَّه أعلم. خبر يهود بني قينُقاع من أهل المدينة وقد وزعم الواقديّ (٧) أنها كانت في يوم السبت، النصف من شوالٍ سنة ثنتين من الهجرة، فاللَّه أعلم. وهم المرادون بقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الحشر: ١٥]. قال ابن إسحاق (٨): وقد كان فيما بين ذلك من غزو رسول اللَّه ﷺ أمر بني قينقاع. قال: وكان من حديثهم أنّ رسول اللَّه ﷺ جمعهم في سوقهم، ثم قال: "يا معشر يهود، احذروا من اللَّه مثل ما نزل بقريشٍ من النّقمة وأسلموا؛ فإنكم قد عرفتم أني نبيٌّ مرسلٌ، تجدون ذلك في كتابكم وعهد اللَّه إليكم". قالوا: يا محمد، إنك ترى أنّا قومك! لا يغرّنّك أنّك لقيت قومًا لا عِلم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصةً، إنّا واللَّه لئن حاربناك لتعلمنّ أنّا نحن الناس".

стр. 1655

قال ابن إسحاق (١): فحدثني مولًى لزيد بن ثابتٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، أو عن (٢) عكرمة، عن ابن عباس قال: ما نزل هؤلاء الآيات إلّا فيهم: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ يعني أصحاب بدرٍ من أصحاب رسول اللَّه ﷺ وقريشٍ: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٢ - ١٣]. قال ابن إسحاق (٣): وحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة أنّ بني قينقَاع كانوا أول يهود نقضوا العهد وحاربوا فيما بين بدرٍ وأحدٍ. قال ابن هشامٍ (٤): فذكر عبد اللَّه بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسْوَر بن مخرمة، عن أبي عونٍ، قال: كان من أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلبٍ لها، فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغٍ هناك منهم، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلمّا قامت انكشفت سوأتها؛ فضحكوا بها، فصاحت، فوثب رجلٌ من المسلمين على الصَّائغ فقتله، وكان يهوديًّا، فشدّت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فأُغضب (٥) المسلمون، فوقع الشرّ بينهم وبين بني قينقاع. قال ابن إسحاق (٦): فحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: فحاصرهم رسول اللَّه ﷺ حتى نزلوا على حكمه، فقام إليه عبد اللَّه بن أُبيٍّ بن سلول، حين أمكنه اللَّه منهم، فقال: يا محمد، أحسن في مواليّ -وكانوا حلفاء الخزرج- قال: فأبطأ عليه رسول اللَّه ﷺ ، فقال: يا محمد، أحسن في مواليّ. قال: فأعرض عنه. قال: فأدخل يده في جيب درع النبيّ ﷺ قال ابن هشامٍ (٧): وكان يقال لها: ذات الفضول- فقال له رسول اللَّه ﷺ : "أرسلني". وغضب رسول اللَّه ﷺ حتى رأوا لوجهه ظُلَلًا، ثم قال: "ويحك أرسلني". قال: لا واللَّه لا أُرسلك حتى تحسن في مواليّ؛ أربعمئة حاسرٍ وثلاثمئة دارعٍ، قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداةٍ واحدةٍ، إني واللَّه امرؤٌ أخشى الدّوائر. قال: فقال له رسول اللَّه ﷺ : "هم لك".

стр. 1656

قال ابن هشامٍ (١): واستعمل رسول اللَّه ﷺ على المدينة في محاصرته إياهم أبا لبابة بَشير بن عبد المنذر، وكانت محاصرته إياهم خمس عشرة ليلةً. قال ابن إسحاق (٢): وحدّثني أبي، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصَّامت قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول اللَّه ﷺ ، تشبّث بأمرهم عبد اللَّه بن أُبيٍّ، وقام دونهم، ومشى عبادة بن الصَّامت إلى رسول اللَّه ﷺ ، وكان من بني عوفٍ، لهم من حلفهم مثل الذي لهم من عبد اللَّه بن أُبيّ، فخلعهم إلى رسول اللَّه ﷺ ، وتبرّأ إلى اللَّه وإلى رسوله من حلفهم، وقال: يا رسول اللَّه، أتولّى اللَّه ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفَّار وولايتهم. قال: ففيه وفي عبد اللَّه بن أبيٍّ نزلت القصة من المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ الآيات، حتى قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ يعني عبد اللَّه بنُ أُبيٍّ، إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥١ - ٥٦] يعني عبادة بن الصَّامت. وقد تكلّمنا على ذلك في "التفسير" (٣). سريّة زيد بن حارثة [﵁] قال يونس بن بكيرٍ، عن ابن إسحاق: وكانت بعد وقعة بدرٍ بستة أشهرٍ. قال ابن إسحاق (٤): وكان من حديثها أنّ قريشًا خافوا طريقهم التي كانوا يسلكون إلى الشام، حين كان من وقعة بدرٍ ما كان، فسلكوا طريق العراق، فخرج منهم تجارٌ، فيهم أبو سفيان، ومعه فضةٌ كثيرةٌ، وهي عُظم تجارتهم، واستأجروا رجلًا من بكر بن وائلٍ، يقال له: فُرات بن حيّان -يعني العجليّ، حليف بني سهمٍ- ليدلّهم على تلك الطريق. قال ابن إسحاق (٥): فبعث رسول اللَّه ﷺ زيد بن حارثة، فلقيهم على ماءٍ يقال له: القَرَدة. من مياه نجدٍ، فأصاب تلك العِير وما فيها، وأعجزه الرجال، فقدم بها على رسول اللَّه ﷺ ، فقال في ذلك حسان بن ثابتٍ (٦): [من الطويل] دعوا (٧) فلجات الشام قد حال دونها … جلادٌ كأفواه المخاض الأواركِ

стр. 1657

بأيدي رجالٍ هاجروا نحو ربّهم … وأنصاره حقًّا وأيدي الملائكِ إذا سلكت للغور من بطن عالجٍ (١) … فقولا لها ليس الطريق هنالِكِ قال ابن هشامٍ (٢): وهذه الأبيات في قصيدةٍ لحسان، وقد أجابه فيها أبو سفيان بن الحارث. وقال الواقديّ (٣): كان خروج زيد بن حارثة في هذه السّريّة مستهلّ جمادى الأولى على رأس ثمانيةٍ وعشرين شهرًا من الهجرة، وكان رئيس هذه العِير صفوان بن أميّة، وكان سبب بعثه زيد بن حارثة؛ أنّ نعيم بن مسعودٍ قدم المدينة ومعه خبر هذه العِير، وهو على دين قومه، واجتمع بكنانة بن أبي الحُقَيق في بني النّضير، ومعهم سليط بن النّعمان وكان أسلم، فشربوا وكان ذلك قبل أن تحرّم الخمر، فتحدّث بقضية العير نعيم بن مسعودٍ، وخروج صفوان بن أميّة فيها، وما معه من الأموال، فخرج سليطٌ من ساعته فأعلم رسول اللَّه ﷺ ، فبعث من وقته زيد بن حارثة فلقوهم، فأخذوا الأموال، وأعجزهم الرِّجال، وإنما أسروا رجلًا أو رجلين وقدموا بالعير، فخمّسها رسول اللَّه ﷺ ، فبلغ خمسها عشرين ألفًا، وقسّم أربعة أخماسها على السّريّة، وكان فيمن أسر الدليل فُرات بن حيّان، فأسلم، ﵁. قال ابن جرير (٤): وزعم الواقديّ أن في ربيعٍ من هذه السنة تزوّج عثمان بن عفان أمّ كلثومٍ بنت رسول اللَّه ﷺ ، وأُدخلت عليه في جمادى الآخرة منها. مقتل كعب بن الأشرف اليهوديّ وكان من بني طيّئٍ، ثم أحد بني نبهان، ولكنّ أُمّه من بني النّضير. هكذا ذكره ابن إسحاق (٥) قبل جلاء بني النّضير، وذكره البخاريّ (٦) والبيهقيّ (٧) بعد قصة بني النّضير، والصحيح ما ذكره ابن إسحاق لما سيأتي، فإن بني النّضير إنما كان أمرها بعد وقعة أحدٍ، وفي محاصرتهم حرّمت الخمر، كما سنبيّنه بطريقه إن شاء اللَّه. قال البخاريّ في "صحيحه" (٨): قتل كعب بن الأشرف، حدّثنا عليّ بن عبد اللَّه، حدّثنا سفيان، عن عمرو: سمعت جابر بن عبد اللَّه يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَن لكعب بن الأشرف؛ فإنّه قد آذى

стр. 1658

اللَّه ورسوله؟ ". فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول اللَّه، أتحبّ أن أقتله؟ قال: "نعم". قال: فأذن لي أن أقول شيئًا. قال: "قل". فأتاه محمد بن مسلمة فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقةً، وإنّه قد عنّانا، وإني قد أتيتك أستسلفك. قال: وأيضًا واللَّه لتملّنّه. قال: إنّا قد اتبعناه، فلا نحبّ أن ندعه حتى ننظر إلى أيّ شيءٍ يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا. قال: نعم، ارهنوني. قلت: أيّ شيءٍ تريد؟ قال: ارهنوني نساءكم. فقالوا: كيف نرهنك نساءنا، وأنت أجمل العرب. قال: فارهنوني أبناءكم. قالوا: كيف نرهنك أبناءنا؛ فيسبّ أحدهم، فيقال: رهن بوسقٍ أو وسقين. هذا عارٌ علينا، ولكن نرهنك اللأمَةَ. قال سفيان: يعني السلاح. فواعده أن يأتيه ليلًا، فجاءه ليلًا ومعه أبو نائلة، وهو أخو كعبٍ من الرضاعة، فدعاهم إلى الحصن، فنزل إليهم، فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟ وقال غير عمروٍ: قالت: أسمع صوتًا كأنّه يقطر منه الدم. قال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنةٍ بليلٍ لأجاب. قال: ويُدخل محمد بن مسلمة معه رجلين، قيل لسفيان: سمّاهم عمروٌ؟ قال: سمّى بعضهم. قال عمروٌ: جاء معه برجلين. وقال غير عمروٍ: أبو عبس بن جبرٍ والحارث بن أوسٍ وعبّاد بن بشرٍ - قال عمروٌ: جاء معه برجلين فقال: إذا ما جاء، فإني نائلٌ (١) بشَعره فأشمّه، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه. وقال مرّةً: ثم أشمّكم. فنزل إليهم متوشّحًا وهو ينفح منه ريح الطّيب، فقال: ما رأيت كاليوم ريحًا. أي: أطيب. وقال غير عمروٍ: قال: عندي أعطر نساء العرب وأجمل العرب. قال عمروٌ: فقال: أتأذن لي أن أشمّ رأسك؟ قال: نعم. فشمّه ثم أشمّ أصحابه، ثم قال: أتأذن لي؟ قال: نعم. فلما استمكن مِنْهُ، قال: دونكم. فقتلوه، ثم أتوا النبيّ ﷺ فأخبروه. وقال محمد بن إسحاق (٢): كان من حديث كعب بن الأشرف، وكان رجلًا من طيّئٍ ثم أحد بني نبهان، وأمّه من بني النّضير، أنه لما بلغه الخبر عن مقتل أهل بدرٍ، حين قدم زيد بن حارثة وعبد اللَّه بن رواحة، قال: واللَّه لئن كان محمدٌ أصاب هؤلاء القوم، لَبطن الأرض خير من ظهرها. فلما تيقّن عدوّ اللَّه الخبر، خرج إلى مكة، فنزل على المطّلب بن أبي وداعة بن ضبيرة السّهميّ، وعنده عاتكة بنت أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد منافٍ فأنزلته وأكرمته، وجعل يحرّض على قتال رسول اللَّه ﷺ وينشد الأشعار، ويندب من قتل من المشركين يوم بدرٍ. فذكر ابن إسحاق قصيدته التي أولها: [من الكامل] طحنتْ رحى بدرٍ لمهلك أهله … ولمثل بدرٍ تستهلّ وتدمعُ وذكر جوابها من حسان بن ثابتٍ (٣)، ﵁، ومن غيره، ثم عاد إلى المدينة فجعل يشبّب بنساء المسلمين، ويهجو النبيّ ﷺ وأصحابه.

стр. 1659

وقال موسى بن عقبة: وكان كعب بن الأشرف أحد بني النّضير، أو فيهم، قد آذى رسول اللَّه ﷺ بالهجاء، وركب إلى قريشٍ فاستغواهم، وقال له أبو سفيان وهو بمكة: أناشدك اللَّه، أديننا أحبّ إلى اللَّه أم دين محمدٍ وأصحابه؟ وأيّنا أهدى في رأيك وأقرب إلى الحقّ؟ إنّا نطعم الجزور الكوماءَ، ونسقي اللبن على الماء، ونطعمهم ما هئت الشّمال. فقال له كعب بن الأشرف: أنتم أهدى منهم سبيلًا. قال: فانزل اللَّه على رسوله ﷺ : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥١ - ٥٢]. قال موسى ومحمد بن إسحاق (١): وقدم المدينة فجعل يعلن بالعداوة ويحرّض الناس على الحرب، ولم يخرج من مكة حتى أجمع أمرهم على قتال رسول اللَّه ﷺ ، وجعل يشبّب بأمّ الفضل بنت الحارث، وبغيرها من نساء المسلمين حتى آذاهم. قال ابن إسحاق (٢): فقال رسول اللَّه ﷺ كما حدّثني عبد اللَّه بن المغيث بن أبي بردة: "من لي بابن الأشرف؟ ". فقال له محمد بن مسلمة أخو بني عبد الأشهل: أنا لك به يا رسول اللَّه، أنا أقتله. قال: "فافعل إن قدرت على ذلك". قال: فرجع محمد بن مسلمة، فمكث ثلاثًا لا يأكل ولا يثرب إلّا ما يُعلق نفسه، فذكر ذلك لرسول اللَّه ﷺ ، فدعاه فقال له: "لم تركت الطعام والشراب؟ ". فقال: يا رسول اللَّه، قلت لك قولًا لا أدري هل أفي لك به أم لا؟ قال: "إنما عليك الجهد". قال: يا رسول اللَّه، إنه لا بدّ لنا من أن نقول. قال: "فقولوا ما بدا لكم، فأنتم في حلٍّ من ذلك". قال: فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة، وسِلكان بن سلامة بن وقشٍ، وهو أبو نائلة، أحد بني عبد الأشهل، وكان أخا كعب بن الأشرف من الرَّضاعة، وعبّاد بن بثر بن وقشٍ، أحد بني عبد الأشهل، والحارث بن أوس بن معاذٍ، أحد بني عبد الأشهل، وأبو عبسٍ بن جبرٍ أخو بني حارثة. قال: فقدّموا بين أيديهم إلى عَدُوِّ اللَّه كعبٍ سلكان بن سلامة أبا نائلة، فجاءه فتحدّث معه ساعةً، تناشدا شعرًا -وكان أبو نائلة يقول الشعر- ثم قال: ويحك يا بن الأشرف، إني قد جئتك لحاجةٍ أريد ذكرها لك فاكتم عني. قال: أفعل. قال: كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء؛ عادتْنا العرب، ورمتنا عن قوسٍ واحدةٍ، وقطعت عنا السّبل، حتى ضاع العيال، وجهدت الأنفس، وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا. فقال كعب بن

стр. 1660

الأشرف: أما واللَّه لقد كنت أخبرك يابن سلامة أن الأمر سيصير إلى ما أقول. فقال له سِلكان: إني فد أردت أن تبيعنا طعامًا ونرهنك ونوثق لك، وتحسن في ذلك. قال: ترهنوني أبناءكم؟ قال: لقد أردت أن تفضحنا، إن معي أصحابًا لي على مثل رأيي، وقد أردت أن آتيك بهم فتَبيعهم، وتحسن في ذلك، ونرهنك من الحلْقة ما فيه وفاءٌ. وأراد سِلكان أن لا ينكر السلاح إذا جاؤوا بها، فقال: إن في الحلْقة لوفاءً. قال: فرجع سلكان إلى أصحابه، فأخبرهم خبره، وأمرهم أن يأخذوا السلاح ثم ينطلقوا، فيجتمعو إليه، فاجتمعوا عند رسول اللَّه ﷺ . قال ابن إسحاق (١): فحدّثني ثور بن زيدٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ قال: مشى معهم رسول اللَّه ﷺ إلى بقيع الغرقد ثم وخههم وقال: "انطلقوا على اسم اللَّه، اللهم أعنهم". ثم رجع رسول اللَّه ﷺ إلى بيته في ليلةٍ مقمرةٍ، فانطلقوا حتى انتَهوا إلى حصنه، فهتف به أبو نائلة، وكان حديث عهدٍ بعرسٍ، فوثب في ملحفته، فأخذت امرأته بناحيتها، وقالت: أنت امرؤٌ محاربٌ، وإن أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة. قال: إنه أبو نائلة، لو وجدني نائمًا ما أيقظني. فقالت: واللَّه إني لأعرف في صوته الشرّ. قال: يقول لها كدب: لو دعي الفتى لطعنةٍ أجاب. فنزل فتحدّث معهم ساعةً وتحدّثوا معه، ثم قالوا: هل لك يا بن الأشرف أن نتماشى إلى شِعب العجوز، فنتحدّث به بقية ليلتنا هذه؟ قال: إن شتئم. فخرجوا يتماشَون فمشوا ساعةً، ثم إن أبا نائلة شام يده في فود رأسه، ثم شمّ يده، فقال: ما رأيت كالليلة طيبًا أعطر قطّ. ثم مشى ساعةً، ثم عاد لمثلها حتى اطمأنّ، ثم مشى ساعةً، ثم عاد لمثلها فأخذ بفود رأسه، ثم قال: اضربوا عدوّ اللَّه. فاختلفت عليه أسيافهم فلم تُغْنِ شيئًا. قال محمد بن مسلمة: فذكرت مِغولًا في سيفي فأخذته، وقد صاح عدوّ اللَّه صيحةً لم يبق حولنا حصنٌ إلّا أُوقدت عليه نارٌ. قال: فوضعته في ثنّته، ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته، فوقع عدوّ اللَّه، وقد أصيب الحارث بن أوس بن معاذٍ بجرحٍ في رجله أو في رأسه، أصابه بعض أسيافنا. قال: فخرجنا حتى سلكنا على بني أُمية بن زيدٍ، ثم على بني قريظة، ثم على بعاثٍ، حتى أسندنا في حرّة العُرَيض، وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث بن أوس، ونزفه الدَّم، فوقفنا له ساعةً، ثم أتانا يتبع آثارنا، فاحتملناه، فجئنا به رسول اللَّه ﷺ آخر الليل وهو قائمٌ يصلي، فسلّمنا عليه، فخرج إلينا، فأخبرناه بقتل عدوّ اللَّه، وتفل رسول اللَّه ﷺ على جرح صاحبنا، ورجعنا إلى أهلنا، فأصبحنا، وقد خافت يهود لوقعتنا بعدوّ اللَّه، فليس بها يهوديٌّ إلّا وهو خائفٌ على نفسه. قال ابن جريرٍ (٢): وزعم الواقديّ أنهم جاؤوا برأس كعب بن الأشرف إلى رسول اللَّه ﷺ . قال ابن إسحاق (٣): وفي ذلك يقول كعب بن مالكٍ: [من الوافر]

стр. 1661

فغودر منهم كعبٌ صريعًا … فذلّت بعد مصرعه النّضير على الكفّين ثم وقد علتْه … بأيدينا مشهّرةٌ ذكور بأمر محمدٍ إذ دسّ ليلًا … إلى كعبٍ أخا كعبٍ يسير فما كره فأنزله بمكرٍ … ومحمودٌ أخو ثقةٍ جسور قال ابن هشامٍ (١): وهذه الأبيات في قصيدةٍ له في يوم بني النّضير ستأتي. قلت: كان قتل كعب بن الأشرف على يدي الأوس بعد وقعة بدرٍ، ثم إن الخزرج قتلوا أبا رافع بن أبي الحُقيق بعد وقعة أحدٍ، كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه، وبه الثقة. وقد أورد ابن إسحاق شعر حسان بن ثابت (٢): [من الكامل] للَّه درّ عصابةٍ لاقَيتَهم … يابن الحُقيق وأنت يابن الأشرف يسْرون بالبيض الخفَاف إليكمُ … مرُحًا كأُسدٍ في عَرِينٍ مغرف حتى أتوكم في محلِّ بلادكم … فسقوكمُ حتفًا ببيضٍ ذفّف مستنصيرين لنصر دين نبيّهم … مستصغرين لكلّ أمرٍ مجحفِ قال محمد بن إسحاق (٣): وقال رسول للَّه ﷺ : "من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه". فوثب عند ذلك محيّصة بن مسعودٍ الأوسيّ على ابن سنينة -رجلٍ من تجار يهود كان يلابسهم ويبايعهم- فقتله، وكان أخوه حويّصة بن مسعودٍ أسنّ منه، ولم يسلم بعد، فلمّا قتله جعل حويّصة يضربه ويقول: أي عدوّ اللَّه، أقتلتَه؟ أما واللَّه لربّ شحمٍ في بطنك من ماله. قال محيّصة: فقلت: واللَّه لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لضربت عنقك. قال: فواللَّه إن كان لأول إسلام حويّصة، وقال: واللَّه لو أمرك محمدٌ بقتلي لتقتلني؟! قال: نعم، واللَّه لو أمرني بضرب عنقك لضربتها. قال: فواللَّه إن دِينًا بلغ بك هذا لعجبٌ، فأسلم حويّصة. قال ابن إسحاق (٤): حدّثني بهذا الحديث مولًى لبني حارثة، عن ابنة محيّصة، عن أبيها. وقال في ذلك محيّصة: [من الطويل] يلوم ابنُ أمّ لو أمرت بقتله … لطبّقت ذِفراه بأبيضَ قاضب حسامٍ كلون الملح أُخلص صقله … متى ما أُصوّبه فليس بكاذب وما سرّني أنّي قتلتك طائعًا … وأنّ لنا ما بين بصرى ومأرب

стр. 1662

وحكى ابن هشامٍ (١): عن أبي عبيدة، عن أبي عمروٍ المدنيّ أنّ هذه القصة كانت بعد مقتل بني قريظة، وأن المقتول كان كعب بن يهوذا، فلمّا قتله محيّصة عن أمر رسول اللَّه ﷺ ، يوم بني قريظة، قال له أخوه حويّصة ما قال، فردّ عليه محيّصه بما تقدّم، فأسلم حويّصة يومئذٍ، فاللَّه أعلم. تنبيهٌ: ذكر البيهقيّ والبخاريّ قبله خبر بني النّضير قبل وقعة أحدٍ، والصواب إيرادها بعد ذلك، كما ذكر ذلك محمد بن إسحاق وغيره من أئمة المغازي، وبرهانه أنّ الخمر حرّمت ليالي حصار بني النّضير، وثبت في "الصحيح" (٢) أنّه اصطبح الخمرَ جماعةٌ ممّن قتل يوم أحدٍ شهيدًا، فدلّ على أن الخمر كانت إذ ذاك حلالًا، وإنما حرّمت بعد ذلك، فتبيّن ما قلناه من أن قصة بني النّضير بعد وقعة أحدٍ (٣)، واللَّه أعلم. تنبيهٌ آخر: خبر يهود بني قينقاع بعد وقعة بدرٍ كما تقدّم، وكذلك قتل كعب بن الأشرف اليهوديّ على يدي الأوس، وخبر بني النّضير بعد وقعة أحدٍ كما سيأتي، وكذلك مقتل أبي رافعٍ اليهوديّ تاجر أهل الحجاز، على يدي الخزرج على المشهور، وخبر يهود بني قريظة بعد يوم الأحزاب وقصة الخندق، كما سيأتي. غزوة أُحدٍ في شوالٍ سنة ثلاثٍ فائدةٌ ذكرها المؤلف في تسمية أحدٍ: قال: سمّي أحدٌ أحدًا؛ لتوحّده من بين تلك الجبال (٤). وفي "الصحيح" (٥): "أحدٌ جبلٌ يحبّنا ونحبّه". قيل: معناه أهله. وقيل: لأنّه كان يبشّره بقرب أهله إذا رجع من سفره، كما يفعل المُحبُّ. وقيل: على ظاهره، كقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]. وفي الحديث عن أبي عبس بن جبرٍ (٦): "أحدٌ يحبّنا ونحبّه، وهو على باب الجنة، وعِيرٌ (٧) يبغضُنا

стр. 1663

ونبغضه، وهو على بابب من أبواب النار". قال السّهيليّ مقوّيًا لهذا الحديث: وقد ثبت أنّه، ﵊، قال: "المرء مع من أحبّ". وهذا من غريب صنع السهيليّ؛ فإن هذا الحديث إنما يراد به الناس، ولا يسمّى الجبل امرأً. وكانت هذه الغزوة في شوالٍ سنة ثلاثٍ. قاله الزّهريّ، وقتادة، وموسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق، ومالكٌ (١). قال ابن إسحاق: للنصف من شوالٍ. وقال قتادة: يوم السبت الحادي عشر منه. قال مالكٌ: وكانت الوقعة في أول النهار، وهي على المشهور التي أنزل اللَّه فيها قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ الآيات وما بعدها إلى قوله: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٢١ - ١٧٩]. وقد تكلّمنا على تفاصيل ذلك في كتابنا" بما فيه كفايةٌ. وللَّه الحمد والمنة. ولنذكر هاهنا ملخّص الوقعة ممّا ساقه محمد بن إسحاق، وغيره من علماء هذا الشأن. قال ابن إسحاق ﵀: وكان من حديث أحدٍ، كما حدّثني محمد بن مسلمٍ الزُّهريّ، ومحمد بن يحيى بن حبّان، وعاصيم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذٍ، وغيرهم من علمائنا، كلهم قد حدّث ببعض هذا الحديث عن يوم أحدٍ، وقد اجتمع حديثهم كُلُّه فيما سقت، قالوا -أو من قال منهم-: لمّا أصيب يوم بدرٍ من كفَّار قريشٍ أصحابُ القليب، ورجع فُلُّهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بن حربٍ بعِيره، مشى عبد اللَّه بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهلٍ، وصفوان بن أُمية، في رجالٍ من قريشٍ ممَّن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدرٍ، فكلّموا أبا سفيان ومن كانت له في تلك العِير من قريشٍ تجارةٌ، فقالوا: يا معشر قريشٍ، إن محمدًا قد وتَرَكم وقتل خياركم؛ فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا ندرك منه ثأرنا، ففعلوا. قال ابن إسحاق (٢): ففيهم كما ذكر لي بعض أهل العلم أنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦].

стр. 1664

قالوا: فأجمعت قريشٌ لحرب رسول اللَّه ﷺ ، حين فعل ذلك أبو سفيان وأصحاب العِير، بأحابيشها (١) ومن أطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة، وكان أبو عزّة عمرو بن عبد اللَّه الجمحيّ قد منّ عليه رسول اللَّه ﷺ يوم بدرٍ، وكان فقيرًا ذا عيالٍ وحاجةٍ، وكان في الأسارى، فقال له صفوان بن أمية: يا أبا عزّة، إنّك امرؤٌ شاعرٌ، فأعنّا بلسانك واخرج معنا. فقال: إن محمدًا قد منّ عليّ، فلا أريد أن أُظاهر عليه. قال: بلى، فأعنّا بنفسك، فلك اللَّه إن رجعت أن أُعينك، وإن قتلت أن أجعل بناتك مع بناتي، يصيبهنّ ما أصابهنّ من عسرٍ ويسرٍ. فخرج أبو عزّة يسير في تهامة ويدعو بني كنانة ويقول: [من الرجز] أيا بني عبد مناة الزُّزّامْ … أنتم حماةٌ وأبوكمُ حامْ لا يعدوني نصركم بعد العامْ … لا تسلموني لا يحلّ إسلامْ قال: وخرج مسافع بن عبد مناف بن وهب بن حذافة بن جمح إلى بني مالك بن كنانة يحرّضهم ويقول: [من الرجز] يا مال مال الحسب المقدَّمِ … أنشد ذا القربى وذا التّذمّمِ من كان ذا رحمٍ ومن لم يرحمِ … الحِلْفَ وسْط البلد المحرّم عند حطيم الكعبة المعظّم قال: ودعا جبير بن مطعمٍ غلامًا حبشيًّا، يقال له: وحشيٌّ. يقذف بحربةٍ له قذف الحبشة، قلّما يخطئ بها، فقال له: اخرج مع الناس، فإن أنت قتلت حمزة عمّ محمدٍ بعمِّي طُعيمة بن عديٍّ، فأنت عتيقٌ. فخرجت قريشٌ بحدّها وحديدها وجدّها وأحابيشها، ومن تابعها من بني كنانة وأهل تهامة، وخرجوا معهم بالظّعن؛ التماس الحفيظة وأن لا يفرّوا، وخرج أبو سفيان صخر بن حربٍ، وهو قائد الناس، ومعه زوجته هند بنت عتبة بن ربيعة، وخرج عكرمة بن أبي جهل بزوجته ابنة عمّه أمّ حكيمٍ بنت الحارث بن هشام بن المغيرة، وخرج عمّه الحارث بن هشام بزوجته فاطمة بنت الوليد بن المغيرة، وخرج صفوان بن أمية ببرزة بنت مسعود بن عمرو بن عميرٍ الثّقفيّة، وخرج عمرو بن العاص برَيْطة بنت منبّه بن الحجّاج، وهي أمّ ابنه عبد اللَّه بن عمروٍ. وذكر غيرهم ممّن خرج بامرأته، قال: وكان وحشيٌّ كلما مَرَّ بهند بنت عتبة، أو مرّت به، تقول: ويهًا أبا دسمة، اشف واشتف -يعني تَحَرِّضه على قتل حمزة بن عبد المطلب- فأقبلوا حتى نزلوا بعينين بجبلٍ ببطن السّبخة من قناةٍ على شفير الوادي مقابل المدينة، فلمّا سمع بهم رسول اللَّه ﷺ والمسلمون، قال لهم: "إنّي قد رأيت واللَّه خيرًا، رأيت بقرًا تذبح، ورأيت في ذباب سيفي ثَلمًا، ورأيت أني أدخلت يدي في درعٍ حصينةٍ، فأوّلتها المدينة". وهذا الحديث رواه البخاريّ ومسلمٌ (٢) جميعًا، عن أبي كريبٍ، عن أبي أسامة، عن بريد بن عبد اللَّه بن أبي

стр. 1665

بردة، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعريّ، عن النبيّ ﷺ قال: "رأيت في المنام أنّي أهاجر من مكة إلى أرضٍ بها نخلٌ، فذهب وهَلي إلى أنّها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب، ورأيت في رؤياي هذه أني هززت سيفًا فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحدٍ، ثم هززته أخرى، فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء اللَّه به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها أيضًا بقرًا، واللَّه خيرٌ، فإذا هم النّفر من المؤمنين يوم أحدٍ، وإذا الخير ما جاء اللَّه به من الخير وثواب الصّدق الذي آتانا اللَّه (١) بعد يوم بدرٍ". وقال البيهقيّ (٢): أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أخبرنا الأصمّ، أخبرنا محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم، أخبرنا ابن وهبٍ، أخبرني ابن أبي الزّناد، عن أبيه، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن ابن عباسٍ، قال: تنفّل رسول اللَّه ﷺ سيفه ذا الفقَار يوم بدرٍ. قال ابن عباسٍ: وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحدٍ؛ وذلك أنّ رسول اللَّه ﷺ لمّا جاءه المشركون يوم أحدٍ، كان رأيه أن يقيم بالمدينة، فيقاتلهم فيها، فقال له ناسٌ لم يكونوا شهدوا بدرًا: تخرج بنا يا رسول اللَّه إليهم نقاتلهم بأحدٍ. ورجَوا أن يصيبهم من الفضيلة ما أصاب أهل بدرٍ، فما زالوا برسول اللَّه ﷺ حتى لبس أداته، ثم ندموا وقالوا: يا رسول اللَّه، أقم، فالرّأي رأيك. فقال لهم: "ما ينبغي لنبيٍّ أن يضع أداته بعدما لبسها، حتى يحكم اللَّه بينه وبين عدوّه". قال: وكان قال لهم يومئذٍ قبل أن يلبس الأداة: "إنّي رأيت أنّي في درع حصينةٍ، فأوّلتها المدينة، وأنّي مردفٌ كبشًا، فأوّلته كبش الكتيبة، ورأيت أنّ سيفي ذا الفقَار فُلّ، فأوّلته فَلًّا فيكم، ورأيت بقرًا تذبح، فبقرٌ، واللَّه خيرٌ". ورواه التّرمذيّ وابن ماجه، من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه به (٣). وروى البيهقيّ (٤) من طريق حمّاد بن سلمة، عن علي بن زيدِ، عن أنسٍ مرفوعًا، قال: "رأيت فيما يرى النائمُ كأنّي مردفٌ كبشًا، وكأن ظبة سيفي انكسرت، فأوّلت أنّي أقتل كبش القوم، وأوّلت كسر ظبة سيفي قتل رجلٍ من عترتي". فقتل حمزة، وقتل رسول اللَّه ﷺ طلحة، وكان صاحب اللّواء. وقال موسى بن عقبة: ورجعت قريشٌ فاستجلبوا من أطاعهم من مشركي العرب، وسار أبو سفيان بن حربٍ في جمع قريشٍ، وذلك في شوالٍ من السنة المقبلة من وقعة بدرٍ، حتى نزلوا ببطن

стр. 1666

الوادي الذي قِبَل أُحدٍ، وكان رجالٌ من المسلمين لم يشهدوا بدرًا، ندموا على ما فاتهم من السابقة، وتَمَنَّوا لقاء العدوّ؛ ليبلوا ما أبلى إخوانهم يوم بدرٍ، فلمّا نزل أبو سفيان والمشركون بأصل أُحدٍ، فرح المسلمون الذين لم يشهدوا بدرًا بقدوم العدوّ عليهم، وقالوا: قد ساق اللَّه علينا أمنيّتنا. ثم إنّ رسول اللَّه ﷺ أُري ليلة الجمعة رؤيا، فأصبح، فجاءه نفرٌ من أصحابه فقال لهم: "رأيت البارحة في منامي بقرأ تذبح، واللَّه خيرٌ، ورأيت سيفي ذا الفقار انقصم من عند ظبيه -أو قال: "به فلولٌ"- فكرهته، وهما مصيبتان، ورأيت أنّي في درعٍ حصينةٍ، وأنّي مردفٌ كبشًا" فلمّا أخبرهم رسول اللَّه ﷺ برؤياه، قالوا: يا رسول اللَّه، ماذا أوّلتَ رؤياك؟ قال: "أَوّلْتُ البقر الذي رأيت نفرأ فينا وفي القوم، وكرهت ما رأيت بسيفي". ويقول رجالٌ: كان الذي رأى بسيفه، الذي أصاب وجهه؛ فإن العدوّ أصاب وجهه يومئذٍ، وقصموا رباعيته وخرقوا شفته، يزعمون أنّ الذي رماه عتبة بن أبي وقّاص، وكان البقر مَن قتل من المسلمين يومئذٍ. وقال: "أوّلت الكبش أنّه كبش كتيبة العدوّ يقتله اللَّه، وأوّلت الدّرع الحصينة المدينة، فامكثوا واجعلوا الذّراريّ في الآطام، فإن دخل علينا القوم في الأزقّة، قاتلناهم ورُموا من فوق البيوت". وكانوا قد سكّوا أزقّة المدينة بالبنيان حتى كانت كالحصن. فقال الذين لم يشهدوا بدرًا: كنّا نتمنّى هذا اليوم وندعو اللَّه، فقد ساقه اللَّه إلينا وقرّب المسير. وقال رجالٌ من الأنصار: متى نقاتلهم يا رسول اللَّه إذا لم نقاتلهم عند شِعبنا؟ وقال رجالٌ: ماذا نمنع إذا لم نمنع الحرث يزرع؟ وقال رجالٌ قولًا صدقوا به ومضوا عليه، منهم حمزة بن عبد المطلب، قال: والذي أنزل عليك الكتاب لنجالدنّهم. وقال نعمان بن مالك بن ثعلبة، وهو أحد بني سالمٍ: يا نبيّ اللَّه، لا تحرمنا الجنَّة، فوالذي نفسي بيده لأدخلنها. فقال له رسول اللَّه ﷺ : "بم؟ ". قال: لأنّي أحبّ اللَّه ورسوله، ولا أفرّ يوم الزّحف. فقال له رسول اللَّه ﷺ : "صدقت". واستُشهد يومئذٍ. وأبي كثير من الناس إلّا الخروج إلى العدوّ، ولم يتناهوا إلى قول رسول اللَّه ﷺ ورأيه، ولو رضوا بالذي أمرهم كان ذلك، ولكن غلب القضاء والقدر، وعامّة من أشار عليه بالخروج رجالٌ لم يشهدوا بدرًا، قد علموا الذي سبق لأصحاب بدرٍ من الفضيلة، فلمّا صلّى رسول اللَّه ﷺ الجمعة، وعظ الناس وذكّرهم وأمرهم بالجدّ والجهاد، ثم انصرف من خطبته وصلاته، فدعا بلأمته فلبسها، ثم أذّن في الناس بالخروج، فلمّا رأى ذلك رجالٌ من ذوي الرأي، قالوا: أمرنا رسول اللَّه ﷺ أن نمكث بالمدينة، وهو أعلم باللَّه وما يريد، ويأتيه الوحي من السماء، فقالوا: يا رسول اللَّه، امكث كما أمرتنا. فقال: "ما ينبغي لنبيٍّ إذا أخذ لأمة الحرب وأذّن بالخروج إلى العدوّ، أن يرجع حتى يقاتل، وقد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم إلّا الخروج، فعليكم بتقوى اللَّه والصبر عند البأس إذا لقيتم العدوّ، وانظروا ما آمركم به فافعلوه". قال: فخرج رسول اللَّه ﷺ والمسلمون، فسلكوا على البدائع، وهم ألف رجلٍ، والمشركون ثلاثة آلافٍ، فمضى رسول اللَّه ﷺ حتى نزل بأحدٍ، ورجع عنه عبد اللَّه بن أُبيّ بن سلول في ثلاثمئةٍ، فبقي رسول اللَّه ﷺ ، في سبعمئةٍ.

стр. 1667

قال البيهقيّ (١): هذا هو المشهور عند أهل المغازي؛ أنّهم بقوا في سبعمئة مقاتلٍ. قال: والمشهور عن الزّهريّ أنهم بقوا في أربعمئة مقاتلٍ، كذلك رواه يعقوب بن سفيان (٢)، عن أصبغ، عن ابن وهبٍ، عن يونس، عن الزّهريّ. وقيل عنه بهذا الإسناد: سبعمئةٍ، فاللَّه أعلم. قال موسى بن عقبة: وكان على خيل المشركين خالد بن الوليد، وكان معهم مئة فرسٍ، وكان لواؤه مع طلحة بن عثمان. قال: ولم يكن مع المسلمين فرسٌ واحدةٌ. ثم ذكر الوقعة كما سيأتي تفصيلها، إن شاء اللَّه تعالى. وقال محمد بن إسحاق (٣): لمّا قصّ رسول اللَّه ﷺ رؤياه على أصحابه قال لهم: "إن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدَعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشرّ مقامٍ، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها". وكان رأي عبد اللَّه بن أُبيّ بن سلول مع رأي رسول اللَّه ﷺ في أن لا يخرج إليهم، فقال رجالٌ من المسلمين ممن أكرم اللَّه بالشهادة يوم أحدٍ وغيره ممّن كان فاته بدرٌ: يا رسول اللَّه، اخرج بنا إلى أعدائنا، لا يرون أنّا جبُنّا عنهم وضعفنا. فقال عبد اللَّه بن أُبي: يا رسول اللَّه، لا تخرج إليهم، فواللَّه ما خرجنا منها إلى عدوٍّ قطُّ إلّا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلّا أصبنا منه. فلم يزل الناس برسول اللَّه ﷺ حتى دخل فلبس لأمته، وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة، وقد مات في ذلك اليوم رجلٌ من بني النجّار يقال له: مالك بن عمروٍ. فصلّى عليه ثم خرج عليهم، وقد ندم الناس، وقالوا: استكرهنا رسول اللَّه ﷺ ، ولم يكن لنا ذلك. فلمّا خرج عليهم قالوا: يا رسول اللَّه، إن شئت فاقعد. فقال: "ما ينبغي لنبيٍّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل". فخرج رسول اللَّه ﷺ في ألفٍ من أصحابه. قال ابن هشامٍ (٤): واستعمل على المدينة ابن أمّ مكتومٍ. قال ابن إسحاق (٥): حتى إذا كان بالشّوط بين المدينة وأُحدٍ، انخزل عنه عبد اللَّه بن أُبيٍّ بثلث الناس وقال: أطاعهم وعصاني، وما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيّها الناس؟! فرجع بمن اتّبعه من قومه من أهل النِّفَاق والرّيب، واتّبعهم عبد اللَّه بن عمرو بن حرامٍ السّلميّ، والد جابر بن عبد اللَّه، فقال: يا قوم، أذكّركم اللَّه أن لا تخذلوا قومكم ونبيكم عند ما حضر من عدوّهم. قالوا: لو نعلم أنّكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أنّه يكون قتالٌ. فلمّا استعصوا عليه وأبوا إلّا الانصراف، قال: أبعدكم اللَّه أعداء اللَّه، فسيغني اللَّه عنكم نبيّه.

стр. 1668

قلت: وهؤلاء القوم هم المرادون بقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٧] يعني، أنّهم كاذبون في قولهم: لو نعلم قتالًا لاتّبعاكم. وذلك لأنّ وقوع القتال أمره ظاهرٌ بينٌ واضحٌ، لا خفاء به ولا شكّ فيه، وهم الذين أنزل اللَّه فيهم: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ الآية [النساء: ٨٨]. وذلك أن طائفةً قالت: نقاتلهم. وقال آخرون: لا نقاتلهم. كما ثبت وبُيّن في "الصحيح" (١). وذكر الزّهريّ أن الأنصار استأذنوا حينئذٍ رسول اللَّه ﷺ في الاستعانة بحلفائهم من يهود المدينة، فقال: "لا حاجة لنا فيهم". وذكر عروة وموسى بن عقبة أنّ بني سلمة وبني حارثة، لما رجع عبد اللَّه بن أُبيٍّ وأصحابه، همّتا أن تفشلا، فثبّتهما اللَّه تعالى. ولهذا قال: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]. قال جابر بن عبد اللَّه: ما أُحبّ أنها لم تنزل، واللَّه يقول: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾. كما هو ثابتٌ في "الصحيحين" عنه (٢). قال ابن إسحاق (٣): ومضى رسول اللَّه ﷺ حتى سلك في حرّة بني حارثة، فذبّ فرسٌ بذَنبه، فأصاب كلّاب سيفٍ فاستلّه فقال رسول اللَّه ﷺ لصاحب السيف: "شِم سيفك -أي أغمده- فإنّي أرى السيوف ستُسلّ اليوم". ثم قال النبيّ ﷺ لأصحابه: "مَن رجلٌ يخرج بنا على القوم من كثَبٍ -أي من قربٍ- من طريقٍ لا يمرّ بنا عليهم؟ ". فقال أبو خيثمة أخو بني حارثة بن الحارث: أنا يا رسول اللَّه. فنفذ به في حرّة بني حارثة وبين أموالهم، حتى سلك به في مالٍ لمربع بن قيظيٍّ، وكان رجلًا منافقًا ضرير البصر، فلما سمع حسّ رسول اللَّه ﷺ ومن معه من المسلمين، قام يحثي في وجوههم التراب ويقول: إن كنت رسول اللَّه، فإنّي لا أحلّ لك أن تدخل في حائطي. قال ابن إسحاق (٤): وقد ذُكر لي أنّه أخذ حفنةً من ترابٍ في يده، ثم قال: واللَّه لو أعلم أنّي لا أصيب بها غيرك يا محمد، لضربت بها وجهك. فابتدره القوم ليقتلوه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا تقتلوه، فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر". وقد بدر إليه سعد بن زيدٍ أخو بني عبد الأشهل، قبل نهي رسول اللَّه ﷺ ، فضربه بالقوس في رأسه فشجّه، ومضى رسول اللَّه ﷺ حتى نزل الشّعب من

стр. 1669

أحدٍ، في عُدْوة الوادي إلى الجبل، وجعل ظهره وعسكره إلى أحدٍ، وقال: "لا يقاتلن أحدٌ حتى نأمره بالقتال". وقد سرّحت قريشٌ الظّهر والكراع في زروعٍ كانت بالصّمغة من قناة للمسلمين، فقال رجلٌ من الأنصار حين نهى رسول اللَّه ﷺ عن القتال، أتُرعى زروعُ بني قيلة ولما نضارب؟! وتعبَّأ رسول اللَّه ﷺ للقتال وهو في سبعمئة رجلٍ، وأمّر على الرّماة يومئذٍ عبد اللَّه بن جبير أخا بني عمرو بن عوف، وهو معلَّم يومئذ بثيابٍ بيضٍ، والرّماة خمسون رجلًا، فقال: "انضح الخيل عنا بالنّبل، لا يأتونا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك، لا نؤتينّ من قِبلك" وسيأتي شاهد هذا في "الصحيحين" إن شاء اللَّه تعالى. قال ابن إسحاق (١): وظاهرَ رسول اللَّه ﷺ بين درعين -يعني لبس درعًا فوق درعٍ- ودفع اللّواء إلى مصعب بن عميرٍ، أخي بني عبد الدار. قلت: وقد ردّ رسول اللَّه ﷺ جماعةً من الغلمان يوم أحدٍ، فلم يمكّنهم من حضور الحرب لصغرهم؛ منهم عبد اللَّه بن عمر، كما ثبت عنه في "الصحيحين" قال: عُرضتُ على النبيّ ﷺ يوم أحدٍ فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة، فأجازني. وكذلك ردّ يومئذٍ أسامة بن زيدٍ، وزيد بن ثابتٍ، والبراء بن عازبٍ، وأسيد بن ظهيرٍ، وعَرابة بن أوس بن قيظيٍّ، ذكره ابن قتيبة في "المعارف" (٢) وأورده السّهيليّ (٣). قال: وهو الذي يقول فيه الشّمّاخ (٤): [من الوافر] إذا ما رايةٌ رفعت لمجدٍ … تلقّاها عَرابة باليمين ومنهم سعد ابن حبتة، ذكره السّهيليّ أيضًا، وأجازهم كلّهم يوم الخندق، وكان قد ردّ يومئذٍ سمرة بن جندبٍ ورافع بن خديجٍ، وهما ابنا خمس عشرة سنةً، فقيل: يا رسول اللَّه، إنّ رافعًا رامٍ. فأجازه. فقيل: يا رسول اللَّه، فإن سمرة يصرع رافعًا. فأجازه. قال ابن إسحاق، ﵀ (٥): وتعبّأتْ قريشٌ، وهم ثلاثة آلافٍ، ومعهم مئتا فرسٍ قد جنَّبوها، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل بن هشامٍ. وقال رسول اللَّه ﷺ : "من يأخذ هذا السيف بحقّه؟ ". فقام إليه رجالٌ، فأمسكه عنهم، حتى قام إليه أبو دجانة سماك بن خرشة، أخو بني ساعدة فقال: وما حقّه يا رسول اللَّه؟ قال: "أن تضرب به في العدوّ حتى ينحني". قال: أنا آخذه يا رسول اللَّه بحقّه. فأعطاه إياه. هكذا ذكره ابن إسحاق منقطعًا.

стр. 1670

وقد قال الإمام أحمد (١): حدّثنا يزيد وعفان قالا: حدّثنا حمّادٌ، هو ابن سلمة، أخبرنا ثابت، عن أنسٍ، أن رسول اللَّه ﷺ أخذ سيفًا يوم أحدٍ فقال: "من يأخذ هذا السيف؟ ". فأخذه قومٌ فجعلوا ينظرون إليه، فقال: "من يأخذه بحقّه؟ ". فأحجم القوم، فقال أبو دجانة سماكٌ: أنا آخذه بحقّه. فأخذه ففلق به هام المشركين. ورواه مسلمٌ (٢)، عن أبي بكرٍ، عن عفّان به. قال ابن إسحاق (٣): وكان أبو دجانة رجلًا شجاعًا يختال عند الحرب، وكان له عصابةٌ حمراء يعلم بها عند الحرب، يعتصب بها فيعلم الناس أنه سيقاتل. قال: فلمّا أخذ السيف من يد رسول اللَّه ﷺ أخرج عصابته تلك فاعتصب بها، ثم جعل يتبختر بين الصّفين. قال: فحدّثني جعفر بن عبد اللَّه بن أسلم مولى عمر بن الخطاب، عن رجل من الأنصار من بني سلمة قال: قال رسول اللَّه ﷺ حين رأى أبا دجانة يتبختر: "إنها لمشيةٌ يبغضها اللَّه إلا في مثل هذا الموطن". قال ابن إسحاق (٤): وقد قال أبو سفيان لأصحاب اللّواء من بني عبد الدار يحرّضهم على القتال: يا بني عبد الدار، قد ولّيتم لواءنا يوم بدرٍ، فأصابنا ما قد رأيتم، وإنما يؤتى الناس من قِبل راياتهم، إذا زالت زالوا، فإما أن تكفُونا لواءنا، وإما أن تخلّوا بيننا وبينه فنكفيكموه. فهمّوا به وتواعدوه، وقالوا: نحن نسلِّم إليك لواءنا! ستعلم غدًا إذا التقينا كيف نصنع. وذلك أراد أبو سفيان. قال: فلما التقى الناس، ودنا بعضهم من بعضٍ، قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها، وأخذن الدّفوف يضربن بها خلف الرجال، ويحرّضن على القتال، فقالت هند فيما تقول: [من الرجز] ويْهًا بني عبد الدار … ويْهًا حماة الأدبار ضربًا بكلّ بتّار وتقول أيضًا: [من مجزوء الرجز] إن تُقبلوا نعانق … ونفرش النّمارق أو تدبروا نفارق … فراقَ غيرِ وامق قال ابن إسحاق (٥): وحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة، أن أبا عامرٍ عبد عمرو بن صيفيّ بن مالك بن النعمان، أحد بني ضبيعة، وقد كان خرج إلى مكة مباعدًا لرسول اللَّه ﷺ معه خمسون غلامًا من الأوس،

стр. 1671

وبعض الناس يقول: كانوا خمسة عشر. وكان يعِد قريشًا أن لو قد لقي قومه، لم يختلف عليه منهم رجلان. فلما التقى الناس، كان أول من لقيهم أبو عامرٍ في الأحابيش وعبدان أهل مكة، فنادى: يا معشر الأوس، أنا أبو عامرٍ. قالوا: فلا أنعم اللَّه بك عينًا يا فاسق. وكان يسمّى في الجاهلية الراهب، فسماه رسول اللَّه ﷺ الفاسق. فلما سمع ردّهم عليه قال: لقد أصاب قومي بعدي شرٌّ. ثم قاتلهم قتالًا شديدًا، ثم راضخهم بالحجارة. قال ابن إسحاق (١): فاقتتل الناس حتى حميت الحرب، وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس. قال ابن هشامٍ (٢): وحدّثني غير واحدٍ من أهل العلم، أنّ الزّبير بن العوّام قال: وجدتُ في نفسي حين سألت رسول اللَّه ﷺ السيف فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة: وقلت: أنا ابن صفيّة عمّته ومن قريشٍ، وقد قصت إليه فسألته إياه قبله، فأعطاه أبا دجانة وتركني، واللَّه لأنظرنّ ما يصنع. فاتّبعته فأخرج عصابةً له حمراء، فعصب بها رأسه، فقالت الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت. وهكذا كانت تقول له إذا تعقمب، فخرج وهو يقول: [من الرجز] أنا الذي عاهدني خليلي … ونحن بالسّفح لدى النخيلِ أن لا أقوم الدهر في الكَيّول … أَضربْ بسيف اللَّه والرسولِ وقال الأمويّ: حدّثني أبو عبيدٍ في حديث النبيّ ﷺ (٣)؛ أن رجلًا أتاه وهو يقاتل، فسأله سيفًا يقاتل به، فقال: "لعلك إن أعطيتك، تقاتل في الكَيّول؟ ". قال: لا. فأعطاه سيفًا، فجعل يرتجز ويقول: أنا الذي عاهدني خليلي … أن لا أقوم الدهر في الكَيّول وهذا حديثٌ يروى عن شعبة، ورواه إسرائيل، كلاهما عن أبي إسحاق، عن هنيدة بن خالدٍ أو غيره يرفعه. الكيّول يعني مؤخّر الصفوف، سمعته من عدّةٍ من أهل العلم، ولم أسمع هذا الحرف إلا في هذا الحديث. قال ابن إسحاق (٤): فجعل لا يلقى أحدًا إلا قتله، وكان في المشركين رجلٌ لا يدع جريحًا إلا ذفّف عليه، فجعل كلّ منهما يدنو من صاحبه، فدعوت اللَّه أن يجمع بينهما، فالتقيا فاختلفا ضربتين، فضرب المشرك أبا دجانة، فاتّقاه بدرقته (٥)، فعضت بسيفه، وضربه أبو دجانة فقتله، ثم رأيته قد حمل السيف

стр. 1672

على مفرق رأس هند بنت عتبة، ثم عدل السيف عنها. قال الزّبير: فقلت: اللَّه ورسوله أعلم. وقد رواه البيهقيّ في "الدلائل" (١) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن الزّبير بن العوّام بذلك. قال ابن إسحاق (٢): قال أبو دجانة: رأيت إنسانًا يُحمش الناس حمشًا شديدًا، فصمدت له، فلمّا حملت عليه السيف وَلْوَلَ، فإذا امرأةٌ، فأكرمتُ سيف رسول اللَّه ﷺ أن أضرب به امرأةً. وذكر موسى بن عقبة أنّ رسول اللَّه ﷺ لما عرضه، طلبه منه عمر، فأعرض عنه، ثم طلبه منه الزّبير، فأعرض عنه، فوجدا في أنفسهما من ذلك، ثم عرضه الثالثة، فطلبه أبو دجانة، فدفعه إليه، فأعطى السيف حقّه. قال: فزعموا أنّ كعب بن مالكٍ قال: كنت فيمن جرح من المسلمين، فلمّا رأيت مَثْل المشركين بقتلى المسلمين قمت فتجاوزت، فإذا رجلٌ من المشركين جمع اللأْمة يحوز المسلمين، وهو يقول: استوسقوا كما استوسقت جزر الغنم. قال: وإذا رجلٌ من المسلمين قائمٌ ينتظره وعليه لأمته، فمضيت حتى كنت من ورائه، ثم قمت أقدُر المسلم والكافر ببصرى، فإذا الكافر أفضلهما عدّةً وهيئةً. قال: فلم أزل أنتظرهما حتى التقيا، فضرب المسلم الكافر على حبل عاتقه ضربةً بالسيف فبلغت ورِكه، وتفرّق فرقتين، ثم كشف المسلم عن وجهه وقال: كيف ترى يا كعب؟ أنا أبو دجانة. مقتل حمزة، ﵁ قال ابن إسحاق (٣): وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتَل أرطاة بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف [بن عبد الدار]، وكان أحد النَّفر الذين يحملون اللواء. وكذلك قتَل عثمانَ بنَ أبي طلحة، وهو حامل اللواء، وهو يقول: [من الرجز] إن على أهل اللواء حقا … أن يخضبوا الصّعدة أو تندقَّا فحمل عليه حمزة فقتله، ثم مرّ به سباع بن عبد العزّى الغبشانيّ، وكان يكنى بأبي نيارٍ، فقال حمزة: هلمّ [إليّ] يابن مقطّعة البُظور. وكانت أمّه أمّ أنمارٍ مولاة شريق بن عمرو بن وهبٍ الثّقفيّ، وكانت ختّانةً بمكة، فلما التقيا ضربه حمزة فقتله، قال وحشيٌّ غلام جبيرٍ بن مطعم: واللَّه إنّي لأنظر إلى حمزة يهدّ الناس بسيفه ما يُليق شيئًا، مثل الجمل الأورق، إذ قد تقدّمني إليه سباعٌ، فقال حمزة: هلمّ إليّ يا بن مقطعة البظور. فضربه ضربةً فكأنما أخطأ رأسه، وهززت حربتي، حتى إذا رضيتُ منها دفعتُها عليه، فوقعت في ثنّته (٤) حتى خرجت من بين رجليه، فأقبل نحوى، فغلب فوقع، وأمهلته

стр. 1673

حتى إذا مات جئت فأخذت حربتي، ثم تنحّيت إلى العسكر، ولم يكن لي بشيءٍ حاجةٌ غيره. (وقال أبو بكر بن أبي عاصمٍ: حدّثني عبد الوهّاب بن نجدة، حدّثنا بقيّة، عن بحيرٍ، عن خالد بن معدان، عن أبي بلالٍ، عن عبد اللَّه بن السائب، أنّ رسول اللَّه ﷺ كان يوم الشّعب آخر أصحابه، ولم يكن بينه وبين العدوّ غير حمزة يقاتل العدوّ، فرصده وحشيٌّ فقتله، وقد قتل اللَّه بيد حمزة من الكُفَّار أحدًا وثلاثين، وكان يدعى أسد اللَّه) (١). قال ابن إسحاق (٢): وحدّثني عبد اللَّه بن الفضل بن عبّاس بن ربيعة بن الحارث، عن سليمان بن يسارٍ، عن جعفر بن عمرو بن أميَّة الضّمريّ قال: خرجت أنا وعبيد اللَّه بن عديٍّ بن الخيار، أخو (٣) بني نوفل بن عبد منافٍ، في زمان معاوية، فأدربنا (٤) مع الناس، فلما مررنا بحمص، وكان وحشيٌّ مولى جبيرٍ قد سكنها وأقام بها، فلمّا قدمناها قال عبيد اللَّه بن عديٍّ: هل لك في أن نأتي وحشيًا، فنسأله عن قتل حمزة كيف قتله؟ قال: قلت له: إن شئت. فخرجنا نسأل عنه بحمص، فقال لنا رجلٌ ونحن نسأل عنه: إنكما ستجدانه بفناء داره، وهو رجلٌ قد غلبت عليه الخمر، فإن تجداه صاحيًا تجدا رجلًا عربيًا، وتجدا عنده بعض ما تريدان، وتصيبا عنده ما شئتما من حديثٍ تسألانه عنه، وإن تجداه وبه بعض ما يكون به، فانصرفا عنه [ودعاه]. قال: فخرجنا نمشي حتى جئناه، فإذا هو بفناء داره على طنفسةٍ له، وإذا شيخٌ كبيرٌ مثل البغاث، وإذا هو صاحٍ لا بأس به، فلمّا انتهينا إليه سلّمنا عليه، فرفع رأسه إلى عبيد اللَّه بن عديّ فقال: ابنٌ لعديّ بن الخيار أنت؟ قال: نعم. قال: أما واللَّه ما رأيتُك منذ ناولتُك أمّك السّعديّة التي أرضعتك بذي طوى، فإنّي ناولتُكها وهي على بعيرها، فأخذتْك بعُرضيك، فلمعت لي قدماك حين رفعتُك إليها، فواللَّه ما هو إلا أن وقفتَ عليّ فعرفتُهما. قال: فجلسنا إليه فقلنا: جئناك لتحدّثنا عن قتلك حمزة، كيف قتلته؟ فقال: أما إنّي سأحدّثكما كما حدّثت رسول اللَّه ﷺ حين سألني عن ذلك؛ كنت غلامًا لجبيرٍ بن مطعمٍ، وكان عمُّه طعيمة بن عديٍّ قد أصيب يوم بدر، فلمّا سارت قريشٍ إلى أُحدٍ قال لي جبيرٌ: إن قتلت حمزة عمّ محمدٍ بعمّي طُعَيْمَة (٥)، فأنت عتيقٌ. قال: فخرجت مع الناس، وكنت رجلًا حبشيًّا أقذف بالحربة قذف الحبشة، قلّما أخطئ بها شيئًا، فلمّا التقى الناس خرجتُ أنظر حمزة وأتبصّره، حتى رأيته في عرض الناس كأنّه الجمل الأورق، يهدّ الناس بسيفه هدًّا ما يقوم له شيءٌ، فواللَّه إني لأتهيّأ له، أريده وأستتر منه بشجرةٍ أو بحجرٍ ليدنو مني، إذ تقدّمني إليه سباع بن عبد العزّى،

стр. 1674

فلمّا رآه حمزة قال: هلمّ إليَّ يابن مقطعة البظور. قال: فضربه ضربةً كأنما أخطأ رأسه. قال: وهززت حربتي، حتى إذا رضيتُ منها، دفعتُها عليه، فوقعت في ثنّته حتى خرجت من بين رجليه، وذهب لينوءَ نحوي فغُلب، وتركته وإياها حتى مات، ثم أتيته فأخذت حربتي، ثم رجعت إلى العسكر، فقعدت فيه، ولم يكن لي بغيره حاجةٌ، إنما قتلته لأُعتق، فلمّا قدمت مكة عتقت ثم أقمت، حتى [إذا] افتتح رسول اللَّه ﷺ مكة، هربت إلى الطَّائف فكنت بها، فلما خرج وفدُ الطَائف إلى رسول اللَّه ﷺ ليسلموا، تعيّت عليّ المذاهب، فقلت: ألحق بالشام، أو باليمن، أو ببعض البلاد، فواللَّه إني لفي ذلك من همّي، إذ قال لي رجلٌ: ويحك! إنه واللَّه ما يقتل أحدًا من الناس دخل في دينه وشهد شهادة الحقّ. قال: فلمّا قال لي ذلك، خرجت حتى قدمت على رسول اللَّه ﷺ المدينة، فلم يَرُعْه إلا بي قائمًا على رأسه أشهد شهادة الحقّ، فلما رآني قال (١): "أوحشيٌّ؟ ". قلت: نعم يا رسول اللَّه. قال: "اقعد فحدّثني كيف قتلت حمزة". قال: فحدّثته كما حدّثتكما، فلمّا فرغت من حديثي قال: "ويحك! غيّب عني وجهك فلا أرينّك". قال: فكنت أتنكّب رسول اللَّه ﷺ حيث كان؛ لئلّا يراني، حتى قبضه اللَّه، ، فلما خرج المسلمون إلى مسيلمة الكذّاب صاحب اليمامة، خرجت معهم، وأخذت حربتي التي قتلت بها حمزة، فلما التقى الناس رأيت مسيلمة قائمًا في يده السيف، وما أعرفه، فتهيّأت له، وتهيّأ له رجلٌ من الأنصار من الناحية الأخرى، كلانا يريده، فهززت حربتي، حتى إذا رضيت منها، دفعتها عليه، فوقعت فيه، وشدّ عليه الأنصاريّ بالسيف، فربُّك أعلم أيّنا قتله، فإن كنت قتلتُه، فقد قتلت خير الناس بعد رسول اللَّه ﷺ ، وقتلت شرّ الناس. قلت: الأنصاريّ هو أبو دجانة سماك بن خرشة، كما سيأتي في مقتل أهل اليمامة مع مسيلمة. وقال الواقديّ في "الرّدّة": هو عبد اللَّه بن زيد بن عاصمٍ المازنيّ. وقال سيف بن عمر (٢): هو عديّ بن سهلٍ، وهو القائل: [من المتقارب] ألم ترأني ووحشيَّهم … قتلتُ مسيلمةَ المفتتَنْ ويسألني الناس عن قتله … فقلت ضربتُ وهذا طعنْ والمشهور أنّ وحشيًّا هو الذي بدره بالضربة، وذفّف عليه أبو دجانة؛ لما روى ابن إسحاق (٣)، عن عبد اللَّه بن الفضل، عن سليمان بن يسارٍ، عن ابن عمر، قال: سمعت صارخًا يوم اليمامة يقول: قتله العبد الأسود.

стр. 1675

وقد روى البخاريّ (١) قصة مقتل حمزة، من طريق عبد العزيز بن عبد اللَّه بن أبي سلمة الماجشون، عن عبد اللَّه بن الفضل، عن سليمان بن يسارٍ، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمريّ قال: خرجت مع عبيد اللَّه بن عديِّ بن الخيار. فذكر القصة كما تقدّم. وذكر أن عبيد اللَّه بن عديٍّ كان معتجرًا عمامةً، لا يَرى منه وحشيٌّ إلا عينيه ورجليه، فذكر من معرفته له ما تقدّم، وهذه قيافة عظيمةٌ -كما عرف مجرّزٌ المدلجيّ أقدام زيدٍ وابنه أسامة مع اختلاف ألوانهما (٢) - وقال في سياقته: فلمّا أن صفّ الناس للقتال، خرج سباعٌ فقال: هل من مبارزٍ؟ فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فقال له: يا سباع، يا بن أمّ أنمارٍ مقطّعة البظور، أتحادُّ اللَّه ورسوله؟ ثم شدّ عليه، فكان كأمس الذاهب. قال: وكمنتُ لحمزة تحت صخرةٍ، فلما دنا مني رميته بحربتي، فأضعها في ثنّته حتى خرجت من بين ورِكيه. قال: فكان ذلك آخر العهد به. إلى أن قال: فلما قبض رسول اللَّه ﷺ وخرج مسيلمة الكَذَّاب، قلت: لأخرج إلى مسيلمة لعلّي أقتله فأكافئ به حمزة. قال: فخرجت مع الناس، فكان من أمره ما كان. قال: فإذا رجلٌ قائمٌ في ثلمة جدارٍ، كأنّه جملٌ أورق، ثائر الرأس. قال: فرميته بحربتي، فأضعها بين ثديَيه حتى خرجت من كتفيه. قال: ووثب إليه رجلٌ من الأنصار فضربه بالسيف على هامته. قال عبد اللَّه بن الفضل: فأخبرني سليمان بن يسارٍ، أنّه سمع عبد اللَّه بن عمر يقول: فقالت جاريةٌ على ظهر البيت: وا أميرا (٣)، قتله العبد الأسود. قال ابن هشامٍ (٤): فبلغني أن وحشيًّا لم يزل يُحَدّ في الخمر حتى خُلع من الدّيوان، فكان عمر بن الخطاب يقول: قد علمت أنّ اللَّه لم يكن ليدع قاتل حمزة. قلت: وتوفّي وحشيّ بن حربٍ أبو دَسْمة -ويقال: أبو حرب- بحمص، وكان أول من لبس الثياب المدلوكة. قال ابن إسحاق (٥): وقاتل مصعب بن عميرٍ دون رسول اللَّه ﷺ حتى قتل، وكان الذي قتله ابن قمِئة [الليثيّ]، وهو يظنّ أنَّه رسول اللَّه [ ﷺ ]، فرجع إلى قريشٍ فقال: قتلت محمدًا. قلت: وذكر موسى بن عقبة في "مغازيه" (٦)، عن سعيد بن المسيّب أنّ الذي قتل مصعبًا هو أُبيّ بن خلفٍ، فاللَّه أعلم.

стр. 1676

قال ابن إسحاق (١): فلمّا قُتل فصعب بن عميرٍ، أعطى رسول اللَّه ﷺ اللّواء عليَّ بن أبي طالبٍ. وقال يونس بن بكيرٍ، عن ابن إسحاق: كان اللواء أولًا مع عليّ بن أبي طالبٍ، فلمّا رأى رسول اللَّه ﷺ لواء المشركين مع بني عبد الدار قال: "نحن أحقّ بالوفاء منهم" أخذ اللواء من عليٍّ فدفعه إلى مصعب بن عميرٍ، فلما قُتل مصعبٌ أعطى اللواء عليَّ بن أبي طالبٍ. قال ابن إسحاق (٢): وقاتَل عليّ بن أبي طالبٍ ورجالٌ من المسلمين. قال ابن هشامٍ (٣): وحدّثني مسلمة بن علقمة المازني قال: لمَّا اشتد القتال يوم أُحدٍ، جلس رسول اللَّه ﷺ تحت راية الأنصار، وأرسل إلى عليٍّ أن قدّم الرَّاية، فتقدّم عليٌّ وهو يقول: أنا أبو القصم. فناداه أبو سعد بن أبي طلحة، وهو صاحب لواء المشركين، أن هل لك يا أبا القُصَم في البِراز من حاجةٍ؟ قال: نعم. فبرزا بين الصفّين، فاختلفا ضربتين، فضربه عليٌّ فصرعه، ثم انصرف ولم يُجْهِز عليه، فقال له بعض أصحابه: أفلا أجهزت عليه؟ فقال: إنه استقبلني بعورته، فعطفتْني عليه الرّحمُ، وعرفت أنّ اللَّه قد قتله. [وقد فعل ذلك عليٌّ، ﵁، يوم صفّين مع بُسر بن أبي أرطاة، لما حمل عليه ليقتله، أبدى له عن عورته فرجع عنه، وكذلك فعل عمرو بن العاص حين حمل عليه عليٌّ في بعض أيام صفّين، أبدى عن عورته فرجع عليٌّ أيضًا. ففي ذلك يقول الحارث بن النّضر: [من الطويل] أفي كلّ يومٍ فارسٌ غير منتهٍ … وعورتُه وسْط العجاجة باديه يكُفّ لها عنه عليٌّ سِنانه … ويضحك منها في الخَلاء معاويهْ وذكر يونس، عن ابن إسحاق (٤)، أن طلحة بن أبي طلحة العبدريّ حامل لواء المشركين يومئذٍ دعا إلى البِراز، فأحجم الناس عنه، فبرز إليه الزبير بن العوّام، فوثب حتى صار معه على جمله، ثم اقتحم به الأرض، فألقاه عنه وذبحه بسيفه، فأثنى عليه رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّ لكلّ نبيٍّ حواريًا، وحواريّ الزبير" (٥). وقال: "لو لم يبرز إليه؛ لما رأيت من إحجام الناس عنه".

стр. 1677

وقال ابن إسحاق (١): قتل أبا سعد بن أبي طلحة سعدُ بن أبي وقاصٍ، وقاتل عاصمُ بن ثابت بن أبي الأقلح، فقتَل مسافع بن طلحة بن أبي طلحة وأخاه الجُلاس، كلاهما يشعره سهمًا، فيأتي أمّه سلافة، فيضع رأسه في حِجرها، فتقول: يا بنيّ، من أصابك؟ فيقول: سمعت رجلًا حين رماني وهو يقول: خذها وأنا ابن أبي الأقلح. فنذرت إن أمكنها اللَّه من رأس عاصمٍ، أن تشرب فيه الخمر، وكان عاصمٌ قد عاهد اللَّه أن لا يمسّ مشركًا أبدًا، ولا يمسّه. ولهذا حماه اللَّه منهم يوم الرّجيع، كما سيأتي. قال ابن إسحاق (٢): والتقى حنظلة بن أبي عامر -واسمه عمرٌو، ويقال: عبد عمرو بن صيفيّ. وكان يقال لأبي عامرٍ في الجاهلية: الراهب. لكثرة عبادته، فسماه رسول اللَّه ﷺ : الفاسق؛ لمَّا خالف الحقّ وأهله، وخرج من المدينة هربًا من الإسلام، ومخالفةً للرسول، ﵇، وحنظلة الذي يُعْرَفُ بحنظلة الغسيل؛ لأنه غسّلته الملائكة، كما سيأتي- هو وأبو سفيان صخر بن حربٍ، فلمّا علاه حنظلة رآه شدّاد بن الأسود، وهو الذي يقال له: ابن شَعوب. فضربه شدّادٌ فقتله، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ صاحبكم لتغسّله الملائكة، فاسألوا أهله ما شأنه". فسُئلت صاحبته -قال الواقديّ: هي جميلة بنت عبد اللَّه بن أُبيّ بن سلول، وكانت عروسًا عليه تلك الليلة- فقالت: خرج وهو جنبٌ حين سمع الهاتفة. فقال رسول اللَّه ﷺ : "لذلك غسّلته الملائكة". وقد ذكر موسى بن عقبة أنّ أباه ضرب برجله في صدره وقال: ذنبان أصبتهما، ولقد نهيتك عن مصرعك هذا، ولقد واللَّه كنت وصولًا للرّحم، برًّا بالوالد. قال ابن إسحاق (٣): وقال شدّاد بن الأسود في قتله حنظلة: [من الرجز] لأحمينّ صاحبي ونفسي … بطعنةٍ مثلِ شُعاع الشمسِ وقال ابن شَعوب: [من الطويل] ولولا دفاعي يا بن حربٍ ومشهدي … لأُلفيتُ يوم النّعف غير مجيبِ ولولا مَكرِّي المهرَ بالنّعف قرقرت … عليه ضِباعٌ أو ضِراءُ كَليب وقال أبو سفيان: [من الطويل] ولو شئتُ نختني كمَيتٌ طِمرّةٌ … ولم أحملِ النّعماءَ لابن شَعوب وما زال مُهري مزجر الكلب منهمُ … لدُنْ غدوةٍ حتى دنت لِغُروب أقاتلهم وأدّعي يا لغالبٍ … وأدفعهم عني بركن صليبِ

стр. 1678

فبكّي ولا ترعي مقالة عاذلٍ … ولا تسأَمي مِن عَبرةٍ ونحيبِ أباك وإخوانًا له قد تتابعوا … وحقّ لهم من عيرةٍ بنصيب وسلّى الذي قد كان في النّفس أَنَّني … قتلت من النّجّار كلّ نجيب ومِن هاشمٍ قَرمًا كريمًا ومُصعبًا … وكان لدى الهيجاء غيرَ هَيوب فلو أنني لم أشفِ نفسيَ منهمُ … لكانت شجًى في القلب ذاتَ نُدوب فآبوا وفد أودى الجلابيبُ منهمُ … بهم خدَبٌ من مُعبطٍ (١) وكئيب أصابهمُ مَن لم يكن لدمائهم … كِفاء ولا في خَطّةٍ بضريب فأجابه حسان بن ثابتٍ (٢): ذكرتَ القُروم الصِّيد من آل هاشمٍ … ولستَ لزُورٍ قلتَه بمصيبِ أتعجبُ أن أقصدتَ حمزةَ منهمُ … نجيبًا وقد سمّيتَه بنجيبِ ألم يقتلوا عَمرًا وعتبةَ وابنَه … وشيبةَ والحجّاجَ وابنَ حبيبِ غداةَ دعا العاصي عليّا فراعه … بضربة عضبٍ بلّه بخضيبِ فصل قال ابن إسحاق (٣): ثم أنزل اللَّه نصره على المسلمين، وصدقهم وعده فحسّوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن العسكر، وكانت الهزيمة لا شكّ فيها. وحدّثني يحيى بن عبّاد بن عبد اللَّه بن الزّبير، عن أبيه [عبّاد]، عن عبد اللَّه بن الزّبير، عن الزبير قال: واللَّه لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها؛ مشمّراتٍ هوارب، ما دون أخذهنّ فليلٌ ولا كثير، إذ مالت الرُّمَاة على العسكر حين كشفنا القوم عنه، وخلّوا ظهورنا للخيل، فأُتينا من خلفنا، وصرخ صارخٌ: ألا إنّ محمدًا قد قتل. فانكفأنا وانكفأ القوم علينا بعد أن أصبنا أصحاب اللواء، حتى ما يدنو منه أحدٌ منهم. قال: فحدّثني بعض أهل العلم، أن اللواء لم يزل صريعًا حتى أخذته عمرة بنت علفمة الحارثيّة، فرفعته لقريشٍ، فلاثوا به، وكان اللواء مع صؤابٍ، غلامٍ لبني أبي طلحة، حبشيٍّ، وكان آخر من أخذه منهم، فقاتل به حتى قطعت يداه، ثم برك عليه، فأخذ اللواء بصدره وعنقه حتى قتل عليه، وهو يقول: اللهمّ هل أعزرتُ؟ يعني اللهمّ هل أعذرتُ؟.

стр. 1679

فقال حسان بن ثابتٍ في ذلك (١): فخرتم باللّواء وشرُّ فخرٍ … لواءٌ حين ردّ إلى صُؤابِ جعلتم فخركم فيه لعبدٍ … وألأمِ مَن يطا عفر التّرابِ ظننتم والسّفيه له ظنونٌ … وما إن ذاك من أمر الصّوابِ بأنّ جِلادنا يوم التقينا … بمكة بيعكم حمر العيابِ أقرّ العين أن عصبت يداه … وما إن تعصبان على خضابِ وقال حسان بن ثابت [أيضًا] في رفع عمرة بنت علقمة اللواء لهم (٢): إذا عضلٌ سيقت إلينا كأنّها … جَداية (٣) شِركٍ (٤) معلَمات الحواجبِ أقمنا لهم طعنًا مبيرًا منكّلًا … وحزناهمُ بالضرب من كلّ جانبِ فلولا لواء الحارثيّة أصبحوا … يباعون في الأسواق بيع الجلائبِ قال ابن إسحاق: فانكشف المسلمون، وأصاب منهم العدوّ، وكان يوم بلاءً وتمحيصٍ، أكرم اللَّه فيه من أكرم بالشّهادة، حتى خلص العدوّ إلى رسول اللَّه ﷺ ، فدثّ بالحجارة حتى وقع لشقّه، فأصيبت رباعيته، وشجّ في وجهه، وكلمت شفته، وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقَّاصٍ. فحدّثني حميدٌ الطّويل (٥)، عن أنس بن مالكٍ قال: كسرت رباعِية النبيّ ﷺ يوم أحدٍ، وشجّ في وجهه، وجعل الدَّم يسيل في وجهه، فجعل يمسِح الدَّم ويقول: "كيف يفلح قومٌ خضبوا وجه نبيّهم وهو يدعوهم إلى اللَّه"؟ فأنزل اللَّه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]. قال ابن جريرٍ في "تاريخه" (٦): حدّثنا محمد بن الحسين، حدّثنا أحمد بن المفضّل (٧)، حدّثنا أسباطٌ، عن السُّدّيِّ قال: أتى ابن قمئة الحارثيّ، فرمى رسول اللَّه ﷺ بحجرٍ، فكسر أنفه ورباعيته، وشجّه في وجهه فأثقله، وتفرّق عنه أصحابه، ودخل بعضهم المدينة، وانطلق طائفةٌ فوق الجبل إلى الصّخرة، وجعل رسول اللَّه ﷺ يدعو الناس: "إليّ عباد اللَّه، إليّ عباد اللَّه". فاجتمع إليه ثلاثون رجلًا، فجعلوا يسيرون بين يديه، فلم يقف أحدٌ إلّا طلحة وسهل بن حنيفٍ، فحماه طلحة، فرمي بسهمٍ في يده فيبست يده، وأقبل أُبيّ بن خلفٍ الجمحيّ، وقد حلف ليقتلنّ النبيّ ﷺ فقال: "بل أنا أقتله".

стр. 1680

فقال: يا كذاب، أين تفرّ؟. فحمل عليه، فطعنه النبيّ ﷺ في جيب الدّرع، فجرح جرحًا خفيفًا، فوقع يخور خُوار الثّور، فاحتَمَلوه وقالوا: ليس بك جراحةٌ، فما يجزعك؟ قال: أليس قال: "لأقتلنّك"؟ لو كانت بجميع ربيعة ومضر لقتلتهم. فلم يلبث إلّا يومًا أو بعض يومٍ حتى مات من ذلك الجرح، وفشا في الناس أنَّ رسول اللَّه ﷺ قد قُتل، فقال: بعض أصحاب الصخرة: ليت لنا رسولًا إلى عبد اللَّه بن أُبيّ، فيأخذ لنا أمنةً من أبي سفيان، يا قوم، إنّ محمدًا قد قتل، فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلُوكم. فقال أنس بن النضر: يا قوم، إن كان محمدٌ قد قتل، فإن ربّ محمدٍ لم يقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمدٌ ﷺ ، اللهمّ إنّي أعتذر إليك ممّا يقول هؤلاء، وأبرأ إليك ممّا جاء به هؤلاء. ثم شدّ بسيفه فقاتل حتى قتل، وانطلق رسول اللَّه ﷺ يدعو الناس، حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة، فلمّا رأوه وضع رجلٌ سهمًا في قوسه، فأراد أن (١) يَرْميه، فقال: "أنا رسول اللَّه". ففرحوا بذلك حين وجدوا رسول اللَّه ﷺ ، وفرح رسول اللَّه ﷺ حين رأى [أنّ] في أصحابه من يمتنع [به]، فلمّا اجتمعوا وفيهم رسول اللَّه ﷺ ، ذهب عنهم الحزْن، فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه، ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا، فقال اللَّه ، في الذين قالوا: إن محمدًا قد قتل، فارجعوا إلى قومكم: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٤٤] (٢) فأقبل أبو سفيان حتى أشرف عليهم، فلمّا نظروا إليه نسوا ذلك الذي كانوا عليه، وهمّهم أبو سفيان، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ليس لهم أن يعلونا، اللهمّ إن تقتل هذه العصابة، لا تعبد في الأرض". ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم، فقال أبو سفيان يومئذٍ: اعل هبل، حنظلة بحنظلة، ويوم أحدٍ بيوم بدر. وذكر تمام القصّة. وهذا غريبٌ جدًا، وفي بعضه نكارةٌ، واللَّه أعلم (٣). قال ابن هشامٍ (٤): وزعم ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيدٍ [عن أبيه، عن أبي سعيدٍ] أنّ عتبة بن أبي وقَّاصٍ رمى رسول اللَّه ﷺ فكسر رباعيته اليمنى السّفلى، وجرح شفته السّفلى، وأنّ عبد اللَّه بن شهابٍ الزّهريّ شجّه في جبهته (٥)، وأنّ [عبد اللَّه] بن قمئة جرح وجنته، فدخلت حلْقتان من حلق المغفر في وجنته، ووقع رسول اللَّه ﷺ في حفرةٍ من الحفر التي عمل أبو عامرٍ؛ ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون، فأخذ عليّ بن أبي طالبٍ بيده ﷺ ، ورفعه طلحة بن عبيد اللَّه حتى استوى قائمًا، ومصّ مالك بن سنانٍ، أبو أبي سعيدٍ، الدَّم من وجه رسول اللَّه ﷺ ثم ازدرده (٦)، فقال: "من مسّ دمه دمي لم تصبه النَّار".

стр. 1681

قلت: وذكر قتادة أن رسول اللَّه ﷺ لمّا وقع لشقّه أُغمي عليه، فمرّ به سالمٌ مولى أبي حذيفة، فأجلسه ومسح الدم عن وجهه، فأفاق وهو يقول: "كيف يفلح قومٌ فعلوا هذا بنبيّهم وهو يدعوهم إلى اللَّه"؟ فأنزل اللَّه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية. رواه ابن جريرٍ، وهو مرسلٌ، وسيأتي بسط هذا في فصل وحده. قلت: كان أول النهار للمسلمين على الكُفَّار (١)، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٢ - ١٥٣]. قال الإمام أحمد (٢): ثنا سليمان بن داود، أنا عبد الرحمن بن أبي الرناد، عن أبيه، عن عبيد اللَّه، عن ابن عباسٍ أنّه قال: ما نصر اللَّه في موطني كما نصر يوم أحدٍ. قال: فأنكرنا ذلك، فقال: بيني وبين من أنكر [ذلك] كتاب اللَّه، إن اللَّه يقول في يوم أحدٍ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ يقول ابن عباسٍ: والحسّ القتل. ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْر﴾ إلى قوله: ﴿[وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ] وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ وإنما عنى بهذا الرّماة، وذلك أنّ النبيّ ﷺ أقامهم في موضعٍ، ثم قال: "احموا ظهورنا (٣)، فإن رأيتمونا نُقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا نغنم فلا تَشركونا". فلمّا غنم النبيّ ﷺ وأباحوا عسكر المشركين، أكبّ الرّماة جميعًا، فدخلوا في العسكر ينهبون، وقد التقت صفوف أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فهم هكذا -[وشبّك] بين [أصابع] يديه- والتبسوا (٤)، فلمّا أخلّ الرّماة تلك الخَلَّة (٥) التي كانوا فيها، دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب النبيّ ﷺ ، فضرب بعضهم بعضًا والتبسوا، وقتل من المسلمين ناسٌ كثيرٌ (٦)، وقد كان لرسول اللَّه ﷺ

стр. 1682

وأصحابه أول النهار، حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعةٌ أو تسعةٌ، وجال المسلمون جولةً نحو الجبل، ولم يبلغوا -حيث يقول الناس- الغار، إنما كانوا تحت المهراس (١)، وصاح الشيطان: قتل محمدٌ. فلم يشكّ فيه أنّه حقٌّ، فما زلنا كذلك ما نشكّ أنّه حقٌّ، حتى طلع رسول اللَّه ﷺ بين السّعدين، نعرفه بتكفُّئه إذا مشى. قال: ففرحنا كأنّه لم يصبنا ما أصابنا. قال: فرقي نحونا وهو يقول: "اشتدّ غضب [اللَّه] على قومٍ دمّوا وجه رسول اللَّه". ويقول مرّةً أخرى: "اللهمّ [إنّه] ليس لهم أن يعلونا". حتى انتهى إلينا فمكث ساعةً، فإذا أبو سفيان يُصيح في أسفل الجبل: [اعْلُ هُبَلْ] مرّتين، يعني آلهته أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر بن الخطاب: ألا أُجيبه؟ قال: "بلى". قال: فلمّا قال: اعل هبل. قال: اللَّه أعلى وأَجَلُّ. [فقال أبو سفيان: يا بن الخطّاب، قد أنعمت عينُها فعاد عنها. أو: فعال عنها. فقال: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: هذا رسول اللَّه ﷺ ، وهذا أبو بكرٍ، وها أنا ذا عمر. قال:] فقال أبو سفيان: يومٌ بيوم بدر، والأيام دول، وإنّ الحرب سجال. قال: فقال عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. قال: إنّكم لتزعمون ذلك، لقد خبنا إذن وخسرنا. ثم قال أبو سفيان: [أما] إنكم [سوف] تجدون في قتلاكم مُثْلَةً، ولم يكن ذلك عن رأي سراتنا. قال: ثم أدركته حميّة الجاهليّة فقال: أما إنّه إن كان ذلك لم نكرهه. وقد رواه ابن أبي حاتمٍ، والحاكم في "مستدركه" والبيهقي في "الدلائل" (٢) من حديث سليمان بن داود الهاشميّ به. وهذا حديثٌ غريبٌ، وهو من مرسلات ابن عباسٍ، وله شواهد من وجوهٍ كثيرةٍ، سنذكر منها ما تيسر، إن شاء اللَّه، وبه الثقة وعليه التّكلان، [وهو المستعان]. قال البخاريّ (٣): ثنا عبيد اللَّه بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: لقينا المشركين يومئذٍ وأجلس النبيّ ﷺ جيشًا من الرّماة، وأمّر عليهم عبد اللَّه بن جبيرٍ، وقال: "لا تبرحوا؛ إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا [فلا] تعينونا". فلما لقيناهم (٤) هربوا، حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل، رفعن عن سوقهن قد بدت خلاخلهنّ، فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة. فقال عبد اللَّه: عهد [إليّ] النبيّ ﷺ : أن لا تبرحوا. فأبوا، فلمّا أبوا صرفت وجوههم، فأصيب سبعون قتيلًا، وأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمدٌ؟ فقال: "لا تجيبوه".

стр. 1683

فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال: "لا تجيبوه". فقال: أفي القوم ابن الخطَّاب؟ فقال: إن هؤلاء قد قُتلوا (١)، فلو كانوا أحياءً لأجابوا. فلم يملك عمر نفسه، فقال: كذبت يا عدوّ اللَّه، واللَّه قد أبقى اللَّه لك ما يحزنك (٢). فقال أبو سفيان: اعل هبل. فقال النبيّ ﷺ : "أجيبوه". قالوا: ما نقول؟ قال: "قولوا: اللَّه أعلى وأجلُّ". فقال أبو سفيان: لنا العرى ولا عزّى لكم. فقال النبيّ ﷺ : "أجيبوه". قالوا: ما نقول؟ قال: "قولوا: اللَّه مولانا ولا مولى لكم". قال أبو سفيان: يومٌ بيوم بدر، والحرب سجال، وستجدون في القوم مثلةً لم آمر بها ولم تسؤني، وهذا من أفراد البخاريّ دون مسلمٍ. وقال الإمام أحمد (٣): حدّثنا حسن بن موسى (٤)، حدّثنا زهيرٌ، حدثنا أبو إسحاق، أن البرَاء بن عازبٍ قال: جعل رسول اللَّه ﷺ على الرّماة يوم أحدٍ، وكانوا خمسين رجلًا، عبد اللَّه بن جبيرٍ. قال: ووضعهم موضعًا، وقال: "إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا، حتى أرسل إليكم، [وإن رأيتمونا ظهرنا على العدوّ وأوطاناهم، فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم] ". قال: فهزموهم. قال: فأنا واللَّه رأيت النساء يشتددن على الجبل، قد بدت أسوقهنّ وخلاخلهنّ رافعاتٍ ثيابهنّ. فقال أصحاب عبد اللَّه [بن جبيرٍ]: الغنيمة، أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنظرون؟ قال عبد اللَّه بن جبيرٍ: أَفَنَسيتم (٥) ما قال لكم رسول اللَّه ﷺ ؟ فقالوا: إنا واللَّه لنأتين الناس فلنصيبنّ من الغنيمة. فلمّا أتوهم صرفت وجوههم، فأقبلوا منهزمين، فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع رسول اللَّه ﷺ غير اثني عشر رجلًا، فأصابوا منا سبعين [رجلًا]. وكان رسول اللَّه ﷺ وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدرٍ أربعين ومئةً؛ سبعين أسيرًا وسبعين قتيلًا، فقال أبو سفيان: أفي القوم محمدٌ؟ أفي القوم محمدٌ؟ أفي القوم محمدٌ؟ ثلاثًا، فنهاهم رسول اللَّه ﷺ أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن الخطَّاب؟ أفي القوم ابن الخطَّاب؟ أفي القوم ابن الخطَّاب؟ ثم أقبل على أصحابه، فقال: أمَّا هؤلاء فقد قتلوا وقد كفيتموهم، فما ملك عمر نفسه أن قال: كذبت واللَّه يا عدوّ اللَّه، إنّ الذين عددت لأحياءٌ كلّهم، وقد أبقى اللَّه (٦) لك ما يسوءك. فقال: يومٌ بيوم بدر، والحرب

стр. 1684

سجال، إنكم ستجدون في القوم مثلةً لم آمر بها ولم تسؤني، ثم أخذ يرتجز: [مجزوء الرجز] اعل هبل اعل هبل فقال رسول اللَّه ﷺ : "ألا تجيبونه؟ ". قالوا: يا رسول اللَّه، وما نقول؟ قال: "قولوا: اللَّه أعلى وأجلُّ". قال: إن العزّى لنا، ولا عرى لكم. قال رسول اللَّه ﷺ : "ألا تجيبونه؟ ". قالوا: يا رسول اللَّه، وما نقول؟ قال: "قولوا: اللَّه مولانا، ولا مولى لكم". ورواه البخاريّ (١) من حديث زهيرٍ، وهو ابن معاوية (٢)، مختصرًا، وقد تقدّم روايته له مطولةً من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق. وقال الإمام أحمد (٣): ثنا عفان، ثنا حمّاد بن سلمة، أنا ثابتٌ وعليّ بن زيدٍ، عن أنس بن مالكٍ أن المشركين لما رهقوا النبيّ ﷺ وهو في سبعةٍ من الأنصار ورجلين من قريشٍ، قال: "من يردهم عنا وهو رفيقي في الجنة؟ ". فجاء رجلٌ من الأنصار فقاتل حتى قتل، فلما رهقوه أيضًا قال: "من يردّهم عنا وهو رفيقي في الجنة؟ ". حتى قتل السبعة، فقال رسول اللَّه ﷺ لصاحبيه: "ما أنصفنا أصحابنا". ورواه مسلمٌ (٤)، عن هدبة بن خالدٍ، عن حمّاد بن سلمة به. وقال البيهقيّ في "الدلائل" (٥) بإسناده، عن عُمَارة بن غزيّة، عن أبي الزُّبير، عن جابرٍ قال: انهزم الناس عن رسول اللَّه ﷺ يوم أحدٍ، وبقي معه أحد عشر رجلًا من الأنصار وطلحة بن عبيدٍ اللَّه، وهو يصعد في الجبل، فلحقهم المشركون فقال: "ألا أحدٌ لهؤلاء؟ ". فقال طلحة: أنا يا رسول اللَّه. فقال رسول اللَّه ﷺ : "كما أنت يا طلحة". فقال رجلٌ من الأنصار: فأنا يا رسول اللَّه. فقاتل عنه، وصعِد رسول اللَّه ﷺ ومن بقي معه، ثم قتل الأنصاريّ فلحقوه، فقال: "ألا رجلٌ لهؤلاء؟ ". فقال طلحة مثل قوله، فقال رسول اللَّه ﷺ مثل قوله، فقال رجلٌ من الأنصار: فأنا يا رسول اللَّه. فأذن له. فقاتل مثل قتاله وقتال صاحبه، ورسول اللَّه ﷺ وأصحابه يصعدون، ثم قُتل فلحقوه، فلم يزل رسول اللَّه ﷺ يقول مثل فوله الأول، ويقول طلحة: أنا يا رسول اللَّه. فيحبسه فيستأذنه رجلٌ من الأنصار للقتال، فيأذن له فيقاتل مثل من كان قبله، حتى لم يبق معه إلا طلحة بن عُبيد اللَّه، فغشوهما، فقال رسول اللَّه ﷺ : "من لهؤلاء يا طلحة؟ ". فقال طلحة: أنا. فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله وأصيبت أنامله، فقال: حسّ. فقال رسول اللَّه ﷺ : "لو قلتَ: بسم اللَّه، أو ذكرت اسم اللَّه؛

стр. 1685

لرفعتك الملائكة والناس ينظرون إليك، حتى تلج بك في جوّ السماء". ثم صعِد رسول اللَّه ﷺ إلى أصحابه، وهم مجتمعون. وروى البخاريّ (١)، عن أبي بكرٍ عبد اللَّه بن أبي شيبة، عن وكيعٍ، عن إسماعيل، عن قيس بن أبي حازمٍ قال: رأيت يد طلحة شلّاء؛ وقى بها النبيّ ﷺ يوم أحدٍ. وفي "الصحيحين" (٢) من حديث معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عثمان النهديِّ قال: لم يبق مع النبي ﷺ في بعض تلك الأيام التي قاتل فيهن غير طلحة وسعدٍ، عن حديثهما. وقال الحسن بن عرفة (٣): حدّثنا مروان بن معاوية، عن هاشم بن هاشمٍ الزُّهريّ، سمعت سعيد بن المسيب يقول: سمعت سعد بن أبي وقّاصٍ يقول: نثل لي رسول اللَّه ﷺ كنانته يوم أحدٍ، وقال: "ارم، فداك أبي وأمي". وأخرجه البخاريّ (٤)، عن عبد اللَّه بن محمدٍ، عن مروان به. وفي "صحيح البخاريّ" (٥) من حديث عبد اللَّه بن شدّادٍ، عن عليٍّ بن أبي طالبٍ قال: ما سمعت النبيّ ﷺ جمع أبويه لأحدِ إلا لسعد بن مالكِ، فإني سمعته يقول يوم أحدٍ: "يا سعد، ارم فِداك أبي وأمي". وقال محمد بن إسحاق (٦): حدّثني صالح بن كيسان، عن بعض آل سعدٍ، عن سعد بن أبي وقَّاصٍ، أنه رمى يوم أحدٍ دون رسول اللَّه ﷺ . قال سعدٌ: فلقد رأيت رسول اللَّه ﷺ يناولني النبل ويقول: "ارم، فِداك أبي وأمي". حتى إنه ليناولني السهم ليس له نصلٌ فأرمي به. وثبت في "الصحيحين" (٧) من حديث إبراهيم بن سعد، عن أبيه [عن جده، عن سعد بن أبي وقّاص]، قال: رأيت يوم أحدٍ عن يمين النبيّ ﷺ وعن يساره رجلين عليهما ثيابٌ بيضٌ، يقاتلان عنه أشدّ القتال، ما رأيتهما قبل ذلك ولا بعده. يعني جبريل وميكائيل، ﵉. وقال أحمد (٨): ثنا عفَّان، ثنا حمادٌ، ثنا ثابتٌ، عن أنسٍ أن أبا طلحة كان يرمي بين يدي
следующие страницы →