← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

قلت: وذكر قتادة أن رسول اللَّه ﷺ لمّا وقع لشقّه أُغمي عليه، فمرّ به سالمٌ مولى أبي حذيفة، فأجلسه ومسح الدم عن وجهه، فأفاق وهو يقول: "كيف يفلح قومٌ فعلوا هذا بنبيّهم وهو يدعوهم إلى اللَّه"؟ فأنزل اللَّه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية. رواه ابن جريرٍ، وهو مرسلٌ، وسيأتي بسط هذا في فصل وحده. قلت: كان أول النهار للمسلمين على الكُفَّار (١)، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٢ - ١٥٣]. قال الإمام أحمد (٢): ثنا سليمان بن داود، أنا عبد الرحمن بن أبي الرناد، عن أبيه، عن عبيد اللَّه، عن ابن عباسٍ أنّه قال: ما نصر اللَّه في موطني كما نصر يوم أحدٍ. قال: فأنكرنا ذلك، فقال: بيني وبين من أنكر [ذلك] كتاب اللَّه، إن اللَّه يقول في يوم أحدٍ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ يقول ابن عباسٍ: والحسّ القتل. ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْر﴾ إلى قوله: ﴿[وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ] وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ وإنما عنى بهذا الرّماة، وذلك أنّ النبيّ ﷺ أقامهم في موضعٍ، ثم قال: "احموا ظهورنا (٣)، فإن رأيتمونا نُقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا نغنم فلا تَشركونا". فلمّا غنم النبيّ ﷺ وأباحوا عسكر المشركين، أكبّ الرّماة جميعًا، فدخلوا في العسكر ينهبون، وقد التقت صفوف أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فهم هكذا -[وشبّك] بين [أصابع] يديه- والتبسوا (٤)، فلمّا أخلّ الرّماة تلك الخَلَّة (٥) التي كانوا فيها، دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب النبيّ ﷺ ، فضرب بعضهم بعضًا والتبسوا، وقتل من المسلمين ناسٌ كثيرٌ (٦)، وقد كان لرسول اللَّه ﷺ

стр. 1682

وأصحابه أول النهار، حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعةٌ أو تسعةٌ، وجال المسلمون جولةً نحو الجبل، ولم يبلغوا -حيث يقول الناس- الغار، إنما كانوا تحت المهراس (١)، وصاح الشيطان: قتل محمدٌ. فلم يشكّ فيه أنّه حقٌّ، فما زلنا كذلك ما نشكّ أنّه حقٌّ، حتى طلع رسول اللَّه ﷺ بين السّعدين، نعرفه بتكفُّئه إذا مشى. قال: ففرحنا كأنّه لم يصبنا ما أصابنا. قال: فرقي نحونا وهو يقول: "اشتدّ غضب [اللَّه] على قومٍ دمّوا وجه رسول اللَّه". ويقول مرّةً أخرى: "اللهمّ [إنّه] ليس لهم أن يعلونا". حتى انتهى إلينا فمكث ساعةً، فإذا أبو سفيان يُصيح في أسفل الجبل: [اعْلُ هُبَلْ] مرّتين، يعني آلهته أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر بن الخطاب: ألا أُجيبه؟ قال: "بلى". قال: فلمّا قال: اعل هبل. قال: اللَّه أعلى وأَجَلُّ. [فقال أبو سفيان: يا بن الخطّاب، قد أنعمت عينُها فعاد عنها. أو: فعال عنها. فقال: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: هذا رسول اللَّه ﷺ ، وهذا أبو بكرٍ، وها أنا ذا عمر. قال:] فقال أبو سفيان: يومٌ بيوم بدر، والأيام دول، وإنّ الحرب سجال. قال: فقال عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. قال: إنّكم لتزعمون ذلك، لقد خبنا إذن وخسرنا. ثم قال أبو سفيان: [أما] إنكم [سوف] تجدون في قتلاكم مُثْلَةً، ولم يكن ذلك عن رأي سراتنا. قال: ثم أدركته حميّة الجاهليّة فقال: أما إنّه إن كان ذلك لم نكرهه. وقد رواه ابن أبي حاتمٍ، والحاكم في "مستدركه" والبيهقي في "الدلائل" (٢) من حديث سليمان بن داود الهاشميّ به. وهذا حديثٌ غريبٌ، وهو من مرسلات ابن عباسٍ، وله شواهد من وجوهٍ كثيرةٍ، سنذكر منها ما تيسر، إن شاء اللَّه، وبه الثقة وعليه التّكلان، [وهو المستعان]. قال البخاريّ (٣): ثنا عبيد اللَّه بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: لقينا المشركين يومئذٍ وأجلس النبيّ ﷺ جيشًا من الرّماة، وأمّر عليهم عبد اللَّه بن جبيرٍ، وقال: "لا تبرحوا؛ إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا [فلا] تعينونا". فلما لقيناهم (٤) هربوا، حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل، رفعن عن سوقهن قد بدت خلاخلهنّ، فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة. فقال عبد اللَّه: عهد [إليّ] النبيّ ﷺ : أن لا تبرحوا. فأبوا، فلمّا أبوا صرفت وجوههم، فأصيب سبعون قتيلًا، وأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمدٌ؟ فقال: "لا تجيبوه".

стр. 1683

فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال: "لا تجيبوه". فقال: أفي القوم ابن الخطَّاب؟ فقال: إن هؤلاء قد قُتلوا (١)، فلو كانوا أحياءً لأجابوا. فلم يملك عمر نفسه، فقال: كذبت يا عدوّ اللَّه، واللَّه قد أبقى اللَّه لك ما يحزنك (٢). فقال أبو سفيان: اعل هبل. فقال النبيّ ﷺ : "أجيبوه". قالوا: ما نقول؟ قال: "قولوا: اللَّه أعلى وأجلُّ". فقال أبو سفيان: لنا العرى ولا عزّى لكم. فقال النبيّ ﷺ : "أجيبوه". قالوا: ما نقول؟ قال: "قولوا: اللَّه مولانا ولا مولى لكم". قال أبو سفيان: يومٌ بيوم بدر، والحرب سجال، وستجدون في القوم مثلةً لم آمر بها ولم تسؤني، وهذا من أفراد البخاريّ دون مسلمٍ. وقال الإمام أحمد (٣): حدّثنا حسن بن موسى (٤)، حدّثنا زهيرٌ، حدثنا أبو إسحاق، أن البرَاء بن عازبٍ قال: جعل رسول اللَّه ﷺ على الرّماة يوم أحدٍ، وكانوا خمسين رجلًا، عبد اللَّه بن جبيرٍ. قال: ووضعهم موضعًا، وقال: "إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا، حتى أرسل إليكم، [وإن رأيتمونا ظهرنا على العدوّ وأوطاناهم، فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم] ". قال: فهزموهم. قال: فأنا واللَّه رأيت النساء يشتددن على الجبل، قد بدت أسوقهنّ وخلاخلهنّ رافعاتٍ ثيابهنّ. فقال أصحاب عبد اللَّه [بن جبيرٍ]: الغنيمة، أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنظرون؟ قال عبد اللَّه بن جبيرٍ: أَفَنَسيتم (٥) ما قال لكم رسول اللَّه ﷺ ؟ فقالوا: إنا واللَّه لنأتين الناس فلنصيبنّ من الغنيمة. فلمّا أتوهم صرفت وجوههم، فأقبلوا منهزمين، فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع رسول اللَّه ﷺ غير اثني عشر رجلًا، فأصابوا منا سبعين [رجلًا]. وكان رسول اللَّه ﷺ وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدرٍ أربعين ومئةً؛ سبعين أسيرًا وسبعين قتيلًا، فقال أبو سفيان: أفي القوم محمدٌ؟ أفي القوم محمدٌ؟ أفي القوم محمدٌ؟ ثلاثًا، فنهاهم رسول اللَّه ﷺ أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن الخطَّاب؟ أفي القوم ابن الخطَّاب؟ أفي القوم ابن الخطَّاب؟ ثم أقبل على أصحابه، فقال: أمَّا هؤلاء فقد قتلوا وقد كفيتموهم، فما ملك عمر نفسه أن قال: كذبت واللَّه يا عدوّ اللَّه، إنّ الذين عددت لأحياءٌ كلّهم، وقد أبقى اللَّه (٦) لك ما يسوءك. فقال: يومٌ بيوم بدر، والحرب

стр. 1684

سجال، إنكم ستجدون في القوم مثلةً لم آمر بها ولم تسؤني، ثم أخذ يرتجز: [مجزوء الرجز] اعل هبل اعل هبل فقال رسول اللَّه ﷺ : "ألا تجيبونه؟ ". قالوا: يا رسول اللَّه، وما نقول؟ قال: "قولوا: اللَّه أعلى وأجلُّ". قال: إن العزّى لنا، ولا عرى لكم. قال رسول اللَّه ﷺ : "ألا تجيبونه؟ ". قالوا: يا رسول اللَّه، وما نقول؟ قال: "قولوا: اللَّه مولانا، ولا مولى لكم". ورواه البخاريّ (١) من حديث زهيرٍ، وهو ابن معاوية (٢)، مختصرًا، وقد تقدّم روايته له مطولةً من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق. وقال الإمام أحمد (٣): ثنا عفان، ثنا حمّاد بن سلمة، أنا ثابتٌ وعليّ بن زيدٍ، عن أنس بن مالكٍ أن المشركين لما رهقوا النبيّ ﷺ وهو في سبعةٍ من الأنصار ورجلين من قريشٍ، قال: "من يردهم عنا وهو رفيقي في الجنة؟ ". فجاء رجلٌ من الأنصار فقاتل حتى قتل، فلما رهقوه أيضًا قال: "من يردّهم عنا وهو رفيقي في الجنة؟ ". حتى قتل السبعة، فقال رسول اللَّه ﷺ لصاحبيه: "ما أنصفنا أصحابنا". ورواه مسلمٌ (٤)، عن هدبة بن خالدٍ، عن حمّاد بن سلمة به. وقال البيهقيّ في "الدلائل" (٥) بإسناده، عن عُمَارة بن غزيّة، عن أبي الزُّبير، عن جابرٍ قال: انهزم الناس عن رسول اللَّه ﷺ يوم أحدٍ، وبقي معه أحد عشر رجلًا من الأنصار وطلحة بن عبيدٍ اللَّه، وهو يصعد في الجبل، فلحقهم المشركون فقال: "ألا أحدٌ لهؤلاء؟ ". فقال طلحة: أنا يا رسول اللَّه. فقال رسول اللَّه ﷺ : "كما أنت يا طلحة". فقال رجلٌ من الأنصار: فأنا يا رسول اللَّه. فقاتل عنه، وصعِد رسول اللَّه ﷺ ومن بقي معه، ثم قتل الأنصاريّ فلحقوه، فقال: "ألا رجلٌ لهؤلاء؟ ". فقال طلحة مثل قوله، فقال رسول اللَّه ﷺ مثل قوله، فقال رجلٌ من الأنصار: فأنا يا رسول اللَّه. فأذن له. فقاتل مثل قتاله وقتال صاحبه، ورسول اللَّه ﷺ وأصحابه يصعدون، ثم قُتل فلحقوه، فلم يزل رسول اللَّه ﷺ يقول مثل فوله الأول، ويقول طلحة: أنا يا رسول اللَّه. فيحبسه فيستأذنه رجلٌ من الأنصار للقتال، فيأذن له فيقاتل مثل من كان قبله، حتى لم يبق معه إلا طلحة بن عُبيد اللَّه، فغشوهما، فقال رسول اللَّه ﷺ : "من لهؤلاء يا طلحة؟ ". فقال طلحة: أنا. فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله وأصيبت أنامله، فقال: حسّ. فقال رسول اللَّه ﷺ : "لو قلتَ: بسم اللَّه، أو ذكرت اسم اللَّه؛

стр. 1685

لرفعتك الملائكة والناس ينظرون إليك، حتى تلج بك في جوّ السماء". ثم صعِد رسول اللَّه ﷺ إلى أصحابه، وهم مجتمعون. وروى البخاريّ (١)، عن أبي بكرٍ عبد اللَّه بن أبي شيبة، عن وكيعٍ، عن إسماعيل، عن قيس بن أبي حازمٍ قال: رأيت يد طلحة شلّاء؛ وقى بها النبيّ ﷺ يوم أحدٍ. وفي "الصحيحين" (٢) من حديث معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عثمان النهديِّ قال: لم يبق مع النبي ﷺ في بعض تلك الأيام التي قاتل فيهن غير طلحة وسعدٍ، عن حديثهما. وقال الحسن بن عرفة (٣): حدّثنا مروان بن معاوية، عن هاشم بن هاشمٍ الزُّهريّ، سمعت سعيد بن المسيب يقول: سمعت سعد بن أبي وقّاصٍ يقول: نثل لي رسول اللَّه ﷺ كنانته يوم أحدٍ، وقال: "ارم، فداك أبي وأمي". وأخرجه البخاريّ (٤)، عن عبد اللَّه بن محمدٍ، عن مروان به. وفي "صحيح البخاريّ" (٥) من حديث عبد اللَّه بن شدّادٍ، عن عليٍّ بن أبي طالبٍ قال: ما سمعت النبيّ ﷺ جمع أبويه لأحدِ إلا لسعد بن مالكِ، فإني سمعته يقول يوم أحدٍ: "يا سعد، ارم فِداك أبي وأمي". وقال محمد بن إسحاق (٦): حدّثني صالح بن كيسان، عن بعض آل سعدٍ، عن سعد بن أبي وقَّاصٍ، أنه رمى يوم أحدٍ دون رسول اللَّه ﷺ . قال سعدٌ: فلقد رأيت رسول اللَّه ﷺ يناولني النبل ويقول: "ارم، فِداك أبي وأمي". حتى إنه ليناولني السهم ليس له نصلٌ فأرمي به. وثبت في "الصحيحين" (٧) من حديث إبراهيم بن سعد، عن أبيه [عن جده، عن سعد بن أبي وقّاص]، قال: رأيت يوم أحدٍ عن يمين النبيّ ﷺ وعن يساره رجلين عليهما ثيابٌ بيضٌ، يقاتلان عنه أشدّ القتال، ما رأيتهما قبل ذلك ولا بعده. يعني جبريل وميكائيل، ﵉. وقال أحمد (٨): ثنا عفَّان، ثنا حمادٌ، ثنا ثابتٌ، عن أنسٍ أن أبا طلحة كان يرمي بين يدي

стр. 1686

رسول اللَّه ﷺ يوم أحدٍ، والنبيّ ﷺ خلفه يتترّس به، وكان راميًا، وكان إذا رمى رفع رسول اللَّه ﷺ شخصه ينظر أين يقع سهمه، ويرفع أبو طلحة صدره ويقول: هكذا بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه، لا يصيبك سهمٌ، نحري دون نحرك. وكان أبو طلحة يشور نفسه (١) بين يدي رسول اللَّه ﷺ ويقول: إني جلدٌ يا رسول اللَّه، فوجّهني في حوائجك، ومرني بما شئت. وقال البخاريّ (٢): حدّثنا أبو معمرٍ، حدّثنا عبد الوارث، حدّثنا عبد العزيز، عن أنسٍ قال: لما كان يوم أحدٍ انهزم الناس عن النبيّ ﷺ ، وأبو طلحة بين يدي رسول اللَّه ﷺ مجوِّبٌ عليه بحجفةٍ له، وكان أبو طلحة رجلًا راميًا شديد النّزع، كسر يومئذٍ قوسين أو ثلاثًا، وكان الرجل يمرّ معه بجعبةٍ من النّبل فيقول: انثرها لأبي طلحة. قال: ويشرف النبيّ ﷺ ينظر إلى القوم، فيقول أبو طلحة: بأبي أنت وأمي، لا تشرفْ يُصِبكَ سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك، ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكرٍ، وأمّ سليمٍ وإنهما لمشمرتان، أرى خدم سوقهما، تَنْقُزان القِرب على متونهما، تفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملآنها، ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم، ولقد وقع السيف من يدي أبي طلحة إما مرتين وإما ثلاثًا. قال البخاريّ (٣): وقال لي خليفة: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن أنسٍ، عن أبي طلحة قال: كنت فيمن تغشّاه النّعاس يوم أحدٍ حتى سقط سيفي من يدي مرارًا، يسقط وآخذه، ويسقط فآخذه. هكذا ذكره البخاريّ معلّقًا بصيغة الجزم، ويشهد له قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٤ - ١٥٥]. قال البخاريّ (٤): ثنا عبدان (٥)، ثنا أبو حمزة، عن عثمان بن موهبٍ قال: جاء رجلٌ حجّ البيت فرأى قومًا جلوسًا، فقال: من هؤلاء القعود؟ قالوا: هؤلاء قريشٌ. قال: من الشيخ؟ قالوا: ابن عمر. فأتاه فقال: إني سائلك عن شيءٍ أتحدّثني؟ قال: أنشدك بحرمة هذا البيت، أتعلم أنّ عثمان بن

стр. 1687

عفَّان فرّ يوم أحدٍ؟ قال: نعم. قال: فتعلمه تغيّب عن بدرٍ فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: فتعلم أنّه تخلّف عن بيعة الرّضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: فكبّر. قال ابن عمر: تعال لأخبرك ولأبيّن لك عما سألتني عنه؛ أما فراره يوم أحدٍ، فأشهد أن اللَّه عفا عنه، وأما تغيّبه عن بدرٍ؛ فإنه كان تحته بنت النبيّ ﷺ وكانت مريضةً، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "إن لك أجر رجلٍ ممّن شهد بدرًا وسهمه" وأما تغيّبه عن بيعة الرّضوان؛ فإنه لو كان أحدٌ أعزّ ببطن مكة من عثمان بن عفَّان لبعثه مكانه، فبعث عثمان، وكانت بيعة الرّضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكَّة، فقال النبي ﷺ بيده اليمنى: "هذه يد عثمان". فضرب بها على يده، فقال: "هذه لعثمان". اذهب بهذا الآن معك. وقد رواه البخاريّ أيضًا في موضعٍ آخر، والترمذيّ من حديث أبي عوانة (١)، عن عثمان بن عبد اللَّه بن موهبٍ به. وقال الأمويّ في "مغازيه" (٢): عن ابن إسحاق، حدّثني يحيى بن عبّادٍ، عن أبي، عن جدّه، سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "أوجب طلحة". حين صنع ما صنع برسول اللَّه ﷺ ، وقد كان الناس انهزموا عنه حتى بلغ بعضهم إلى المنقّى دون الأعوص، وفرّ عثمان بن عفَّان، وسعد بن عثمان وعقبة بن عثمان رجلان (٣) من الأنصار، حتى بلغوا الجلعب، جبل بناحية المدينة مما يلي الأعوص، فأقاموا ثلاثًا ثم رجعوا، فزعموا أن رسول اللَّه ﷺ قال لهم: "لقد ذهبتم فيها عريضةً". والمقصود أن أُحدًا وقع فيها أشياء مما وقع في بدرٍ، منها؛ حصول النّعاس حال التحام الحرب، وهذا دليلٌ على طمأنينة القلوب بنصر اللَّه وتأييده وتمام توكّلها على خالقها وبارئها. وقد تقدم الكلامِ على قوله تعالى في غزوة بدرٍ: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ (٤) أَمَنَةً مِنْهُ﴾ الآية [الأنفال: ١١] وقال هاهنا: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ يعني المؤمنين الكمّل، كما قال ابن مسعود وغيره من السلف: النّعاس في الحرب من الإيمان، والنّعاس في الصلاة من النفاق. ولهذا قال بعد هذا: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٤]. ومن ذلك أن رسول اللَّه ﷺ استنصر يوم أحدٍ كما استنصر يوم بدرٍ بقوله: "إن تشأ لا تعبد في الأرض". كما قال الإمام أحمد (٥): ثنا عبد الصَّمد وعفَّان، قالا: ثنا حمادٌ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ أن رسول اللَّه ﷺ كان يقول يوم أحدٍ: "اللهم إنك إن تشأ لا تعبد في الأرض".

стр. 1688

ورواه مسلمٌ (١)، عن حخاج بن الشاعر، عن عبد الصّمد، عن حمّاد بن سلمة به. وقال البخاريّ (٢): ثنا عبد اللَّه بن محمدٍ، ثنا سفيان، عن عمرو، سمع جابر بن عبد اللَّه قال: قال رجلٌ للنبيّ ﷺ يوم أحدٍ: أرأيت إن قتلت أين أنا؟ (٣) قال: "في الجنة" فألقى تمرات في يده ثم قاتل حتى قتل. ورواه مسلمٌ والنسائيّ (٤) من حديث سفيان بن عيينة به، وهذا شبيهٌ بقصة عمير بن الحمام التي تقدّمت في غزوة بدرٍ، ﵄ وأرضاهما. فصلٌ فيما لقي النبيّ ﷺ يومئذٍ من المشركين قبّحهم اللَّه قال البخاريّ (٥): ما أصاب النبيّ ﷺ من الجراح يوم أُحدٍ: حدّثنا إسحاق بن نصرٍ، ثنا عبد الرزاق، عن معمرٍ، عن همّام بن منبّهٍ، سمع أبا هريرة، ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اشتدّ غضب اللَّه على قوم فعلوا بنبيه -يشير إلى رباعيته- اشتد غضب اللَّه على رجلٍ يقتله رسول اللَّه في سبيل اللَّه". ورواه مسلمٌ (٦) من طريق عبد الرزاق. حدّثنا (٧) مخلد بن مالكٍ، حدّثنا يحيى بن سعيدٍ الأمويّ، حدثنا ابن جريجٍ، عن عمرو بن دينارٍ، عن عكرمة عن ابن عباسٍ قال: اشتد غضب اللَّه على من قتله النبيّ ﷺ في سبيل اللَّه، اشتد غضب اللَّه على قومٍ دمّوا وجه نبيّ اللَّه. وقال أحمد (٨): ثنا عفَّان، ثنا حمّادٌ، ثنا ثابتٌ، عن أنسٍ، أن رسول اللَّه ﷺ قال يوم أحدٍ، وهو يسلت الدم عن وجهه، وهو يقول: "كيف يفلح قومٌ شجّوا نبيّهم وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى اللَّه؟! ".

стр. 1689

فأنزل اللَّه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]. ورواه مسلمٌ (١) عن القعنبيّ، عن حمّاد بن سلمة به. ورواه الإمام أحمد (٢)، عن هشيمٍ ويزيد بن هارون، عن حميدٍ، عن أنسٍ أن رسول اللَّه ﷺ كسرت رباعيته يوم أحدٍ، وشجّ في جبهته حتى سال الدَّم على وجهه، فقال: "كيف يفلح قومٌ فعلوا هذا بنبيّهم وهو يدعوهم إلى ربّهم؟! ". فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية. وقال البخاريّ (٣): ثنا قتيبة، ثنا يعقوب، عن أبي حازمٍ، أنه سمع سهل بن سعدٍ وهو يسأل عن جرح رسول اللَّه ﷺ ، [فقال: أما واللَّه إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول اللَّه ﷺ ]، ومن كان يسكب الماء، وبما دووي. قال: كانت فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ تغسله، وعليٌّ يسكب عليه الماء بالمجنّ، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدَّم إلا كثرةً أخذت قطعةً من حصيرٍ، فأحرقتها [وألصقتها]، فاستمسك الدَّم، وكُسرت رباعيته يومئذٍ، وجرح وجهه، وكسرت البيضة على رأسه. وقال أبو داود الطيالسيّ في "مسنده" (٤): ثنا ابن المبارك، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد اللَّه، أخبرني عيسى بن طلحة، عن أمّ المؤمنين عائشة، ﵂، قالت: كان أبو بكرٍ إذا ذكر يوم أحدٍ بكى ثم قال: ذاك يومٌ كلّه لطلحة، ثم أنشأ يحدّث قال: كنت أول من فاء يوم أحدٍ، فرأيت رجلًا يقاتل مع رسول اللَّه ﷺ دونه. وأُراه قال: يحميه. قال: فقلت: كن طلحة. حيث فاتني ما فاتني، فقلت: يكون رجلًا من قومي أحبّ إليَّ، وبيني وبين المشرق رجلٌ لا أعرفه، وأنا أقرب إلى رسول اللَّه ﷺ منه، وهو يخطف المشي خطفًا لا أخطفه، فإذا هو أبو عبيدة بن الجرّاح، فانتهينا إلى رسول اللَّه ﷺ وقد كسرت رباعيته، وشجّ في وجهه، وقد دخل في وجنتيه حلقتان من حلق المغفر، قال رسول اللَّه ﷺ : "عليكما صاحبكما". يريد طلحة، وقد نزف فلم نلتفت إلى قوله، قال: وذهبتُ لأنزع ذاك من وجهه، فقال أبو عبيدة: أقسمت عليك بحقّي لما تركتني. فتركته، فكره أن يتناولهما بيده، فيؤذي رسول اللَّه ﷺ ، فأزم عليهما بفيه، فاستخرج إحدى الحلقتين، ووقعت ثنيّته مع الحلقة، وذهبت لأصنع ما صنع، فقال: أقسمت عليك بحقّي لما تركتني. قال: ففعل مثل ما فعل في المرة الأولى، فوقعت ثنيته الأخرى مع الحلقة، فكان أبو عبيدة، ﵁، من أحسن الناس هتمًا، فأصلحنا من شأن رسول اللَّه ﷺ ، ثم أتينا طلحة في بعض تلك الجفار، فإذا به بضعٌ وسبعون من بين طعنةٍ ورميةٍ وضربةٍ، واذا قد قطعت أصبعه، فأصلحنا من شأنه.

стр. 1690

وذكر الواقديّ (١) عن ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي فروة، عن أبي الحويرث، عن نافع بن جبيرٍ قال: سمعت رجلًا من المهاجرين يقول: شهدت أحدًا، فنظرت إلى النّبل تأتي من كلّ ناحيةٍ، ورسول اللَّه ﷺ وسطها، كلّ ذلك يصرف عنه، ولقد رأيت عبد اللَّه بن شهابٍ الزُّهريّ يقول يومئذٍ: دلّوني على محمد، لا نجوت إن نجا. ورسول اللَّه ﷺ إلى جنبه ما معه أحدٌ ثم جاوزه، فعاتبه في ذلك صفوان بن أميّة، فقال: واللَّه ما رأيته، أحلف باللَّه إنه منا ممنوعٌ، خرجنا أربعةً، فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله، فلم نخلص إليه. قال الواقديّ (٢): والثابت عندنا (٣) أن الذي رمى [في] وجنتي رسول اللَّه ﷺ ابن قمئة، والذي رمى في شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقَّاص -وقد تقدّم عن ابن إسحاق نحو هذا- وأن الرّباعية التي كسرت له، ﵊، هي اليمنى السّفلى. قال ابن إسحاق (٤): وحدّثني صالح بن كيسان، عمّن حدّثه، عن سعد بن [أبي] وقَّاصٍ قال: ما حرصت على قتل أحدٍ قطُّ ما حرصت على قتل عتبة بن أبي وقَّاصٍ، وإن كان ما علمت (٥) لسيّئ الخلق، مبغّضًا في قومه، ولقد كفاني فيه قول رسول اللَّه ﷺ : "اشتد غضب اللَّه على من دمّى وجه رسوله". وقال عبد الرزاق (٦): أنا معمرٌ، عن الزّهريّ، وعن عثمان الجزريِّ، عن مقسمٍ أن رسول اللَّه ﷺ دعا على عتبة بن أبي وقَّاصٍ يوم أحدٍ حين كسر رباعيته ودمّى وجهه فقال: "اللهم لا تُحل عليه الحول حتى يموت كافرًا". فما حال عليه الحول حتى مات كافرًا إلى النار. وقال أبو سليمان الجُوزجانيّ: ثنا محمد بن الحسن، حدّثني إبراهيم بن محمدٍ، حدّثني ابن عبد اللَّه بن محمد بن أبي بكر بن حزمٍ، عن أبيه، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيفٍ، أن رسول اللَّه ﷺ داوى وجهه يوم أحدٍ بعظمٍ بالٍ. هذا حديثٌ غريبٌ رأيته في أثناء كتاب "المغازي" للأمويّ في وقعة أحدٍ. ولمّا نال عبد اللَّه بن قمئة من رسول اللَّه ﷺ ما نال، رجع وهو يقول: قتلت محمدًا. وصرخ الشيطان أزبّ العقبة يومئذٍ بأبعد صوت: ألا إن محمدًا قد قتل. فحصل بهتَةٌ عظيمةٌ في المسلمين، واعتقد كثيرٌ من الناس ذلك، وصمّموا على القتال عن حوزة الإسلام حتى يموتوا على ما مات عليه رسول اللَّه ﷺ ،

стр. 1691

منهم أنس بن النضر وغيره ممن سيأتي ذكره، وقد أنزل اللَّه تعالى التّسلية في ذلك على تقدير وقوعه فقال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤ - ١٥١]. وقد تكلمنا على ذلك مستقصى في كتابنا "التفسير" (١) وللَّه الحمد. وقد خطب الصدِّيق، ﵁، في أول مقامٍ قامه بعد وفاة رسول اللَّه ﷺ فقال: أيها الناس، من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد اللَّه فإن اللَّه حيٌّ لا يموت. ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ الآية. قال: فكأنّ الناس لم يسمعوها قبل ذلك، فما من الناس أحدٌ إلا يتلوها. وروى البيهقيّ في "دلائل النبوة" (٢) من طريق ابن نجيحٍ، عن أبيه قال: مرّ رجلٌ من المهاجرين يوم أحدٍ على رجل من الأنصار، وهو يتشحّط في دمه، فقال له: يا فلان، أشعرت أن محمدًا قد قتل؟ فقال الأنصاريّ: إن كان محمدٌ ﷺ قد قتل فقد بلّغ الرسالة، فقاتلوا عن دينكم. فنزل [قوله تعالى]: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية، ولعل هذا الأنصاريّ هو أنس بن النّضر، ﵁، وهو عمّ أنس بن مالكٍ. قال الإمام أحمد (٣): ثنا يزيد، ثنا حميدٌ، عن أنسٍ أن عمّه غاب عن قتال بدرٍ فقال: غبت عن أول قتالٍ قاتله النبيّ ﷺ للمشركين، لئن أشهدني اللَّه قتالًا للمشركين ليرينّ اللَّه (٤) ما أصنع. فلما كان يوم أحدٍ انكشف المسلمون، فقال: [اللهم] إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني أصحابه- وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء -يعني المشركين- ثم تقدم، فلقيه سعد بن معاذٍ دون أحدٍ، فقال سعدٌ: أنا معك. قال سعدٌ: فلم أستطع أصنع ما صنع. فوجد فيه بضعٌ وثمانون من بين ضربةٍ بسيف، وطعنةٍ برمحٍ، ورميةٍ بسهمٍ. قال: فكنا نقول: فيه وفي أصحابه نزلت: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب: ٢٣].

стр. 1692

ورواه الترمذيّ عن عبد بن حميدٍ، والنسائيّ عن إسحاق بن راهويه، كلاهما عن يزيد بن هارون به (١)، وقال الترمذيّ: حسنٌ. قلت: بل على شرط "الشيخين" (٢) من هذا الوجه. وقال أحمد (٣): حدثني، بهزٌ وثنا هاشمٌ [قالا]: ثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابتٍ (٤) قال: قال أنسٌ: عَمِّي -قال هاشمٌ: أنس بن النّضير- سمّيت به، ولم يشهد مع رسول اللَّه ﷺ يوم بدرٍ. قال: فشقّ عليه، وقال: أول مشهدٍ شهده رسول اللَّه ﷺ غبت عنه! لئن أراني اللَّه مشهدًا فيما بعد مع رسول اللَّه ﷺ ليرين اللَّه ما أصنع. قال: فهاب أن يقول غيرها، فشهد مع رسول اللَّه ﷺ يوم أحدٍ. قال: فاستقبل سعد بن معاذٍ، فقال له أنسٌ: يا أبا عمرو أين؟ واهًا لريح الجنة، أجده دون أحدٍ. قال: فقاتلهم حتى قتل، فوجد في جسده بضعٌ وثمانون من ضربةٍ وطعنةٍ ورميةٍ. قال: فقالت أخته عمتي الرّبيّع بنت النّضر: فما عرفت أخي إلا ببنانه. ونزلت هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه. ورواه مسلم (٥) عن محمد بن حاتمٍ، عن بهز بن أسدٍ. ورواه الترمذيّ والنسائيّ (٦) من حديث عبد اللَّه بن المبارك، وزاد النسائى: وأبي داود، حَدَّثَنَا حمّاد بن سلمة، أربعتهم عن سليمان بن المغيرة به. وقال الترمذيّ: حسنٌ صحيحٌ. وقال أبو الأسود، عن عروة بن الزبير قال: كان أبيّ بن خلفٍ، أخو بني جمح، قد حلف وهو بمكة ليقتلنّ رسول اللَّه ﷺ ، فلما بلغت رسول اللَّه ﷺ حلْفتُه قال: "بل أنا أقتله إن شاء اللَّه". فلما كان يوم أحدٍ أقبل أبيّ في الحديد مقنّعًا، وهو يقول: لا نجوت إن نجا محمدٌ، فحمل على رسول اللَّه ﷺ يريد قتله، فاستقبله مصعب بن عميرٍ، أخو بني عبد الدَّار، يقي رسول اللَّه ﷺ بنفسه، فقتل مصعب بن عميرٍ، وأبصر رسول اللَّه ﷺ ترقوة أُبيّ بن خلفٍ من فرجةٍ بين سابغة الدرع والبيضة، فطعنه بحربته، فوقع إلى الأرض عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دمٌ، فأتاه أصحابه فاحتملوه، وهو يخور خُوار الثّور، فقالوا له: ما أجزعك! إنما هو خدشٌ. فذكر لهم قول رسول اللَّه ﷺ : "أنا أَقتُلُ أبيًا". ثم قال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون. فمات إلى النار، فسحقًا لأصحاب السّعير (٧).

стр. 1693

وقد رواه موسى بن عقبة في "مغازيه"، عن سعيد بن المسيّب نحوه. وقال ابن إسحاق (١): لما أسند رسول اللَّه ﷺ في الشّعب، أدركه أُبيّ بن خلفٍ وهو يقول: لا نجوتُ إن نجوتَ. فقال القوم: يا رسول اللَّه، يعطف عليه رجلٌ منا؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "دعوه". فلما دنا تناول رسول اللَّه ﷺ الحربة من الحارث بن الصّمّة، فقال بعض القوم، فيما ذكر لي، فلما أخذها رسول اللَّه ﷺ انتفض بها انتفاضةً، تطايرنَ عنه تطاير الشُّعر عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله رسول اللَّه ﷺ فطعنه في عنقه طعنةً تدأدأ منها (٢) عن فرسه مرارًا. وذكر الواقديّ (٣)، عن يونس بن محمدٍ، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد اللَّه بن كعب بن مالكٍ، عن أبيه نحو ذلك. قال الواقديّ (٤): وكان ابن عمر يقول: مات أبيّ بن خلفٍ ببطن رابغٍ، فإني لأسير ببطن رابغٍ بعد هويٍّ من الليل، فإذا أنا بنارٍ تأجّج، فهبتها، وإذا رجلٌ يخرج منها في سلسلةِ يجتذبها يهيّجه العطش، فإذا رجل يقول: لا تسقه؛ فإنّه قتيل رسول اللَّه ﷺ ، هذا أُبيّ بن خلفٍ. وقد ثبت في "الصحيحين" (٥) كما تقدم من طريق عبد الرزاق، عن معمرٍ، عن همامٍ، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اشتد غضب اللَّه على رجلٍ يقتله رسول اللَّه في سبيل اللَّه". ورواه البخاريّ من طريق ابن جريجٍ، عن عمرو بن دينارٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ: اشتد غضب اللَّه على من قتله رسول اللَّه في سبيل اللَّه. وقال البخاريّ (٦): وقال أبو الوليد، عن شعبة، عن ابن المنكدر، سمعت جابرًا قال: لما قتل أَبِي جعلت أبكي وأكشف الثوب عن وجهه، فجعل أصحاب النبيّ ﷺ ينهونني، والنبي ﷺ لم ينه. وقال النبيّ ﷺ : "لا تبكه -أو ما تبكيه- مازالت الملائكة تظلّه بأجنحتها حتى رفع". هكذا ذكر هذا الحديث هاهنا معلّقًا، وقد أسنده في الجنائز، عن بندارٍ، عن غندرٍ، عن شعبة. ورواه مسلمٌ والنسائيُّ (٧) من طرقٍ، عن شعبة به. وقال البخاريّ (٨): ثنا عبدان، أنا عبد اللَّه [بن المبارك]، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن

стр. 1694

أبيه إبراهيم، أن عبد الرحمن بن عوفٍ أتي بطعامٍ، وكان صائمًا، فقال: قتل مصعب بن عميرٍ وهو خيرٌ مني، كفّن في بردةٍ إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطّي رجلاه بدا رأسه -وأراه قال: وقتل حمزة وهو خيرٌ مني- ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط -أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا- وقد خشينا (١) أن تكون حسناتنا عجّلت لنا. ثم جعل يبكي حتى ترك الطّعام. انفرد به البخاريّ. وقال البخاريّ (٢): حدّثنا أحمد بن يونس، حدّثنا زهيرٌ، حَدَّثَنَا الأعمش، عن شقيقٍ، عن ختاب بن الأرتّ قال: هاجرنا مع النبيّ ﷺ ونحن نبتغي وجه اللَّه، فوجب أجرنا على اللَّه، فمنا من مضى -أو: ذهب- لم يأكل من أجره شيئًا؛ كان منهم مصعب بن عميرٍ، قتل يوم أحدٍ، فلم يترك إلّا نمرةً، كنا إذا غطّينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطّي بها رجلاه خرج رأسه، فقال لنا النبيّ ﷺ : "غطّوا بها رأسه، واجعلوا على رجليه الإذخر". ومنا من أينعت له ثمرته فهو يَهْدِبُها. وأخرجه بقية الجماعة (٣) إلا ابن ماجه، من طرقٍ عن الأعمش به. وقال البخاريّ (٤): ثنا عبيد اللَّه بن سعيدٍ، ثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: لما كان يوم أحدٍ هزم المشركون، فصرخ إبليس، [لعنة اللَّه عليه]: أي عباد اللَّه أخراكم. فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم، فبصر حذيفة، فإذا هو بأبيه اليمان، فقال: [أي] عباد اللَّه، أَبي أبي. [قال]: قالت: فواللَّه ما احتجزوا حتى قتلوه. فقال حذيفة: يغفر اللَّه لكم. قال عروة: فواللَّه مازالت في حذيفة بقيّة خيرٍ حتى لقي اللَّه، . قلت: كان سبب ذلك؛ أن اليمان وثابت بن وقشٍ كانا في الآطام مع النساء؛ لكبرهما وضعفهما، فقالا: إنَّه لم يبق من آجالنا إلا ظِمءُ حمارٍ. فنزلا ليحضرا الحرب، فجاء طريقهما ناحية المشركين؛ فأما ثابتٌ فقتله المشركون، وأما اليمان فقتله المسلمون خطأً، وتصدَّق حذيفة بدية أبيه على المسلمين، ولم يعاتب أحدًا منهم؛ لظهور العذر في ذلك. فصلٌ قال ابن إسحاق (٥): وأصيبت يومئذٍ عين قتادة بن النّعمان (٦) حتى سقطت على وجنته، فردّها رسول اللَّه ﷺ بيده، فكانت أحسن عينيه وأحدّهما.

стр. 1695

وفي الحديث، عن جابر بن عبد اللَّه، أن قتادة بن النعمان أصيبت عينه يوم أحدٍ حتى سألت على خدّه، فردّها رسول اللَّه ﷺ مكانها، فكانت أحسن عينيه وأحدّهما، وكانت لا ترمد إذا رمدت الأخرى (١). وروى الدارقطنيّ (٢) بإسناب غريب عن مالكٍ، عن محمد بن عبد اللَّه بن أبي صَعْصَعة، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن أخيه قتادة بن النّعمان قال: أصيبت عيناي يوم أحدٍ فسقطتا على وجنتيّ، فأتيت بهما رسول اللَّه ﷺ فأعادهما مكانهما، وبصق فيهما فعادتا تبرقان. والمشهور الأول: أنه إنما أصيبت عينه الواحدة. ولهذا لمّا وفد بعض ولده على عمر بن عبد العزيز قال له: من أنت؟ فقال له مرتجلًا (٣): [من الطويل] أنا ابن الذي سالت على الخدّ عينُه … فرُدّت بكفّ المصطفى أحسن الرّدِّ فعادت كما كانت لأول أمرها … فيا حسن ما عينٍ ويا حسن ما خدِّ فقال عمر بن عبد العزيز عند ذلك (٤): [من البسيط] تلك المكارم لا قَعبانِ من لبنٍ … شِيبا بماءٍ فعادا بعد أبوالا ثم وصله فأحسن جائزته، ﵁. فصلٌ قال ابن هشامٍ (٥): وقاتلت أمّ عُمَارة نسيبة بنت كعبٍ المازنيّة يوم أحدٍ، فذكر سعيد بن أبي زيدٍ الأنصاريّ، أنّ أمّ سعدٍ بنت سعد بن الرّبيع كانت تقول: دخلت على أمّ عُمَارة فقلت لها: يا خالة، أخبريني خبرك. فقالت: خرجت أول النهار وأنا أنظر ما يصنع الناس، ومعي سقاءٌ فيه ماءٌ، فانتهيت إلى رسول اللَّه ﷺ وهو في أصحابه، والدّولة والرّيح للمسلمين، فلمّا انهزم المسلمون انحزت إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقمت أباشر القتال، وأذبُّ عنه بالسيف، وأرمي عن القوس، حتى خلصت الجراح إليّ. قالت: فرأيت على عاتقها جرحًا أجوف له غَورٌ، فقلت لها: من أصابك بهذا؟ قالت: ابن قمئة أقمأه اللَّه، لمّا ولّى الناس عن رسول اللَّه ﷺ أقبل يقول: دلّوني على محمد، فلا نجوت إن نجا، فاعترضت له أنا ومصعب بن عميرٍ، وأناسٌ ممّن ثبت مع رسول اللَّه ﷺ فضربني هذه الضربة، ولقد ضربته على ذلك ضربات، ولكنّ عدوّ اللَّه كانت عليه درعان.

стр. 1696

قال ابن إسحاق (١): وترّس أبو دجانة دون رسول اللَّه ﷺ بنفسه، يقع النّبل في ظهره، وهو منحنٍ عليه، حتى كثر فيه النّبل. قال ابن إسحاق (١): وحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة، أنّ رسول اللَّه ﷺ رمى عن قوسه حتى اندقّت سِيتها (٢)، فأخذها قتادة بن النّعمان، فكانت عنده. قال ابن إسحاق (٣): وحدّثني القاسم بن عبد الرحمن [بن رافعٍ] أخو بني عديّ بن النجَّار قال: انتهى أنس بن النّضر عمّ أنس بن مالكٍ إلى عمر بن الخطَّاب وطلحة بن عبيد اللَّه، في رجالٍ من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم، فقال: فما يجلسكم؟ قالوا: قتل رسول اللَّه ﷺ . قال: فما تصنعون بالحياة بعدّه؟! قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول اللَّه ﷺ ، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل، وبه سمّي أنس بن مالكٍ. فحدّثني (٤) حميدٌ الطويل، عن أنس بن مالكٍ قال: لقد وجدنا بأنس بن النَّضر يومئذٍ سبعين ضربةً، فما عرفه إلّا أخته، عرفته ببنانه (٥). قال ابن هشامٍ (٦): وحدّثني بعض أهل العلم، أنّ عبد الرحمن بن عوفٍ أصيب فوه يومئذٍ، فهتم وجرح عشرين جراحةً أو أكثر، أصابه بعضها في رجله فعرج. فصلٌ قال ابن إسحاق (٧): وكان أول من عرف رسول اللَّه ﷺ بعد الهزيمة وقول الناس: قُتل رسول اللَّه ﷺ . كما ذكر لي الزّهريّ- كعب بن مالكٍ، قال: رأيت عينيه تزهران من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين، أبشروا، هذا رسول اللَّه ﷺ . فأشار إليّ (٨) رسول اللَّه ﷺ أن أنصت. قال ابن إسحاق (٩): فلمّا عرف المسلمون رسول اللَّه ﷺ نهضوا به، ونهض معهم نحو الشّعب، معه

стр. 1697

أبو بكرٍ الصدّيق، وعمر بن الخطَّاب، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد اللَّه، والزّبير بن العوَّام، والحارث بن الصّمّة، ورهطٌ من المسلمين، فلمّا أسند رسول اللَّه ﷺ في الشّعب أدركه أبيّ بن خلفٍ، فذكر قتله ﵊ أُبيًا كما تقدّم. قال ابن إسحاق (١): وكان أبيّ بن خلفٍ -كما حدّثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف- يلقى رسول اللَّه ﷺ بمكّة فيقول: يا محمد، إنّ عندي العودَ؛ فرسًا أعلفه كلّ يومٍ فَرْقًا من ذُرةٍ، أقتلك عليه. فيقول رسول اللَّه ﷺ : "بل أمَّا أقتلك، إن شاء اللَّه". فلمّا رجع إلى قريشٍ، وقد خدشه في عنقه خدشًا غير كبيرٍ، فاحتقن الدم، فقال: قتلني واللَّه محمدٌ. فقالوا له: ذهب واللَّه فؤادك، واللَّه إنْ بك بأسٌ. قال: إنّه قد كان قال لي بمكّة: "أنا أقتلك" فواللَّه لو بصق عليّ لقتلني. فمات عدوّ اللَّه بسرفٍ (٢)، وهم قافلون به إلى مكة. قال ابن إسحاق (٣): فقال حسان بن ثابتٍ في ذلك (٤): [من الوافر] لقد ورث الضّلالة عن أبيه … أُبيّ يوم بارزه الرَّسولُ أتيت إليه تحمل رِمّ عظمٍ … وتوعده وأنت به جهولُ وقد قتلت بنو النجّار منكم … أميّة إذ يغوِّث يا عقيلُ وتبّ ابنا ربيعة إذ أطاعا … أبا جهلٍ لأمّهما الهَبُولُ وأفلت حارثٌ لمّا شغلنا … بأسر القوم أُسرته فليلُ وقال حسان بن ثابتٍ أيضًا (٥): [من الوافر] ألا من مبلغٌ عني أُبيّا … لقد ألقيت في سحق السّعيرِ تمنّى بالضَّلَالة من بعيدٍ … وتقسم إن قدرت مع النّذورِ تمنّيك الأماني من بعيدٍ … وقول الكُفر يرجع في غرورِ فقد لاقتك طعنة ذي حفاظٍ … كريم البيت ليس بذي فجورِ له فضلٌ على الأحياء طُرَّا … إذا نابت ملمَّات الأمورِ قال ابن إسحاق (٦): فلمّا انتهى رسول اللَّه ﷺ إلى فم الشّعب، خرج عليّ بن أبي طالبٍ حتى ملأ

стр. 1698

درقته ماءً من المهراس، فجاء بها إلى رسول اللَّه ﷺ ليشرب منه، فوجد له ريحًا فعافه ولم يشرب منه، وغسل عن وجهه الدّم، وصبّ على رأسه وهو يقول: "اشتدّ غضب اللَّه على من دمّى وجه نبيّه". وقد تقدّم شواهد ذلك من الأحاديث الصحيحة بما فيه الكفاية. قال ابن إسحاق (١): فبينا رسول اللَّه ﷺ في الشّعب، معه أولئك النّفر من أصحابه، إذ علت عاليةٌ من قريشٍ الجبل. قال ابن هشامٍ: فيهم خالد بن الوليد. قال ابن إسحاق: فقال رسول اللَّه ﷺ : "اللهمّ إنّه لا ينبغي لهم أن يعلونا". فقاتل عمر بن الخطَّاب ورهطٌ معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل، ونهض النبيّ ﷺ إلى صخرةٍ من الجبل ليعلوها، وقد كان بدّن رسول اللَّه ﷺ وظاهر بين درعين، فلمّا ذهب لينهض لم يستطع، فجلس تحته طلحة بن عبيد اللَّه، فنهض به حتى استوى عليها، فحدّثني يحيى بن عبَّاد بن عبد اللَّه بن الزّبير، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن الزُّبير [عن الزبير] قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول يومئذٍ: "أوجب طلحة". حين صنع برسول اللَّه ﷺ يومئذٍ ما صنع. قال ابن هشامٍ (٢): وذكر عمر مولى غُفْرَة (٣) أن رسول اللَّه ﷺ صلّى الظهر يوم أحد قاعدًا من الجراح التي أصبته، وصلّى المسلمون خلفه قعودًا. قال ابن إسحاق (٤): وحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: كان فينا رجلٌ أتيٌّ (٥) لا يُدرى من هو، يقال له: قُزمان. فكان رسول اللَّه ﷺ يقول إذا ذكر له: "إنّه لمن أهل النَّار". قال: فلمّا كان يوم أحدٍ قاتل قتالًا شديدًا، فقتل وحده ثمانيةً أو سبعةً من المشركين، وكان ذا بأسٍ، فأثبتته الجراحة، فاحتمل إلى دار بني ظفرٍ. قال: فجعل رجالٌ من المسلمين يقولون له: واللَّه لقد أبليت اليوم يا قزمان، فأبشر. قال: بماذا أبشّر؟ فواللَّه إنْ قاتلت إلا عن أحساب قومي، ولولا ذلك ما قاتلت. قال: فلمّا اشتدّت عليه جراحته أخذ سهمًا من كنانته فقتل به نفسه. وقد ورد مثل قصة هذا في غزوة خيبر، كما سيأتي، إن شاء اللَّه. قال الإمام أحمد (٦): حدّثنا عبد الرّزاق، حدّثنا معمرٌ، عن الزّهريّ، عن ابن المسيّب، عن أبي

стр. 1699

هريرة قال: شهدنا مع رسول اللَّه ﷺ خيبر، فقال لرجل ممّن يدّعي الإسلام: "هذا من أهل النار". فلمّا حضر القتال قاتل الرجل قتالًا شديدًا، فأصابته جراحةٌ، فقيل: يا رسول اللَّه، الرجل الذي قلت: "إنّه من أهل النار". فإنّه قاتل اليوم قتالًا شديدًا، وقد مات. فقال النبيّ ﷺ : "إلى النَّار". فكاد بعض القوم أن يرتاب، فبينما هم على ذلك، إذ قيل: فإنّه لم يمت، ولكن به جراحٌ شديدةٌ. فلمّا كان من الليل لم يصبر على الجراح، فقتل نفسه، فأُخبر النبيّ ﷺ بذلك فقال: "اللَّه أكبر، أشهد أنّي عبد اللَّه ورسوله". ثم أمر بلالًا فنادى في الناس: "إنّه لا يدخل الجنَّة إلا نفسٌ مسلمةٌ، وإنّ اللَّه يؤيّد هذا الدين بالرجل الفاجر". وأخرجاه في "الصحيحين" (١) من حديث عبد الرّزاق به. قال ابن إسحاق (٢): وكان مّمن قتل يوم أحدٍ مخيريق، وكان أحد بني ثعلبة ابن الفِطْيَون، فلمَّا كان يوم أحد قال: يا معشر يهود، واللَّه لقد علمتم أن نصر محمدٍ عليكم لحقٌّ. قالوا: إن اليوم يوم السبت. قال: لا سبت لكم. فأخذ سيفه وعدّته وقال: إن أُصبت فمالي لمحمدٍ يصنع فيه ما شاء. ثم غدا إلى رسول اللَّه ﷺ فقاتل معه حتى قتل، فقال رسول اللَّه ﷺ فيما بلغنا: "مخيريق خير يهود". قال السّهيليُّ (٣): فجعل رسول اللَّه ﷺ أموال مخيريق -وكانت سبع حوائط- أوقافًا بالمدينة. قال محمد بن كعبٍ القرظيُّ: وكانت أول وقفٍ بالمدينة. وقال ابن إسحاق (٤): وحدّثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذٍ، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، عن أبي هريرة، أنّه كان يقول: حدّثوني عن رجلٍ دخل الجنة لم يصلّ قطّ، فإذا لم يعرفه الناس سألوه: من هو؟ فيقول: أُصيرم بني عبد الأشهل عمرو بن ثابت بن وقشٍ. قال الحصين: فقلت لمحمود بن لبيدٍ (٥): كيف كان شأن الأُصيرم؟ قال: كان يأبى الإسلام على قومه، فلمّا كان يوم أحدٍ بدا له، فأسلم ثم أخذ سيفه، فعدا حتى دخل في عُرض الناس، فقاتل حتى أثبتته الجراحة. قال: فبينما رجالٌ من بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة، إذا هم به، فقالوا: واللَّه إنّ هذا لَلأصيرمُ، ما جاء به؟! لقد تركناه وإنه لمنكرٌ لهذا الحديث! فسألوه فقالوا: ما جاء بك يا عمرو؛ أحدبٌ على قومك، أم رغبةٌ في الإسلام؟ فقال: بل رغبةٌ في الإسلام، آمنت باللَّه وبرسوله وأسلمت، ثم أخذت سيفي وغدوت مع رسول اللَّه ﷺ ، فقاتلت حتى أصابني ما أصابني.

стр. 1700

فلم يلبث أن مات في أيديهم، فذكروه لرسول اللَّه ﷺ فقال: "إنّه لمن أهل الجنَّة". قال ابن إسحاق (١): وحدّثني أبي، عن أشياخٍ من بني سلمة قالوا: كان عمرو بن الجموح رجلًا أعرج شديد العرج، وكان له بنون أربعةٌ مثل الأسد، يشهدون مع رسول اللَّه ﷺ المشاهد، فلمّا كان يوم أحدٍ أرادوا حبسه، وقالوا: إنّ اللَّه قد عذرك. فأتى رسول اللَّه ﷺ وقال: إنّ بنيَّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه، فواللَّه إنّي لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنَّة. فقال رسول اللَّه ﷺ : "أما أنت فقد عذرك اللَّه، فلا جهاد عليك". وقال لبنيه: "ما عليكم أن لا تمنعوه، لعلّ اللَّه أن يرزقه الشهادة". فخرج معه فقتل يوم أحدٍ، ﵁. قال ابن إسحاق (٢): ووقعت هند بنت عتبة -كما حدّثني صالح بن كيسان- والنّسوة اللاتي معها، يمثّلن بالقتلى من أصحاب رسول اللَّه ﷺ يجدّعن الآذان والأنوف، حتى اتّخذت هند من آذان الرجال وأنوفهم خدمًا (٣) وقلائد، وأعطت خدمها وقلائدها وقِرطتها وحشيًا، وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها، فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها. وذكر موسى بن عقبة، أنّ الذي بقر عن كبد حمزة وحشيٌّ، فحملها إلى هند، فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها، فاللَّه أعلم. قال ابن إسحاق (٤): ثم علت على صخرة مشرفة، فصرخت بأعلى صوتها فقالت: [من الرجز] نحن جزيناكم بيوم بدر … والحرب بعد الحرب ذات سُعرِ ما كان عن عتبة لي من صبر … ولا أخي وعمّه وبكري شفيت نفسي وقضيت نذري … شفيتَ وحشيُّ غليل صدري فشكر وحشيٍّ عليّ عمري … حتى ترمّ أعظمي في قبري قال: فأجابتها هند بنت أثاثة بن عبّاد بن المطلب فقالت: خزيت في بدرٍ وبعد بدر … يا بنت (٥) وقّاعٍ عظيم الكفر صبّحك اللَّه غداة الفجر … ملهاشميّين (٦) الطّوال الزّهر بكلّ قطّاعٍ حسامٍ يفري … حمزة ليثي وعليٌّ صقري

стр. 1701

إذْ رام شيبٌ وأبوك غدري … فخضّبا منه ضواحي النّحر ونذرك السّوء فشرُّ نذر قال ابن إسحاق (١): وكان الحليس بن زبان أخو بني الحارث بن عبد مناة، وهو يومئذٍ سيّد الأحابيش، مرّ بأبي سفيان وهو يضرب في شدق حمزة بن عبد المطلب بزجّ الرّمح ويقول: ذق عُقق. فقال الحليس: يا بني كنانة، هذا سيد قريشٍ يصنع بابن عمّه ما ترون لحمًا (٢). فقال: ويحك! اكتمها عنّي؛ فإنّها كانت زلّةً. قال ابن إسحاق (٣): ثم إنّ أبا سفيان، حين أراد الانصراف، أشرف على الجبل، ثم صرخ بأعلى صوته: أنعمت فعال، إن الحرب سجال، يومٌ بيوم بدر، اعل هبل. أي أظهر: دينك. فقال رسول اللَّه ﷺ لعمر: "قم يا عمر فأجبه، فقل: اللَّه أعلى وأجلُّ، لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار". فقال له أبو سفيان: هلمّ إليّ يا عمر. فقال رسول اللَّه ﷺ لعمر: "ائته فانظر ما شأنه". فجاءه فقال له أبو سفيان: أنشدك اللَّه يا عمر، أقتَلنا محمدًا؟ فقال عمر: اللهم لا، وإنّه ليسمع كلامك الآن. قال: أنت أصدق عندي من ابن قمئة وأبرّ. قال ابن إسحاق: ثم نادى أبو سفيان: إنه قد كان في قتلاكم مَثْلٌ، واللَّه ما رضيت وما سخطت وما نهيتُ ولا أمرت. قال: ولمّا انصرف أبو سفيان نادى: إنّ موعدكم بدرٌ العام القابل. فقال رسول اللَّه ﷺ لرجلٍ من أصحابه: "قل: نعم، هو بيننا وبينك موعدٌ". قال ابن إسحاق: ثم بعث رسول اللَّه ﷺ عليّ بن أبي طالبٍ، فقال: "اخرج في آثار القوم، فانظر ماذا يصنعون وما يريدون، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل، فإنّهم يريدون مكّة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل، فهم يريدون المدينة، والذي نفسي بيده إن أرادوها، لأسيرنّ إليهم فيها ثم لأُناجزنّهم". قال عليٌّ: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون، فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجّهوا إلى مكة. ذكر (٤) دعاء النبيّ ﷺ بعد الوقعة يوم أحدٍ قال الإمام أحمد (٥): ثنا مروان بن معاوية الفَزَاريُّ، ثنا عبد الواحد بن أيمن المكِّيّ، عن ابن رفاعة

стр. 1702

الزّرقيّ، عن أبيه قال: لما كان يوم أحدٍ وانكفأ المشركون، قال رسول اللَّه ﷺ : "استووا حتى أُثني على ربي، ". فصاروا خلفه صفوفًا، فقال: "اللهم لك الحمد كُلُّه، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مُضلَّ لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرّب لما باعدت، ولا مبعّد لما قرّبت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك النّعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة (١)، والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذٌ بك من شرّ ما أعطيتنا وشرّ ما منعتنا، اللهم حبّب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكُفْرَ والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفّنا مسلمين، وأحينا مسلمين وألحقنا بالصَّالحين، غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذّبون رسلك ويصدّون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحقّ". ورواه النسائيّ في "اليوم والليلة" (٢)، عن زياد بن أيوب، عن مروان بن معاوية، عن عبد الواحد ابن أيمن، عن عبيد بن رفاعة، عن أبيه به. فصلٌ قال ابن إسحاق (٣): وفرغ الناس لقتلاهم، فحدّثني محمد بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازنيّ، أخو بني النجّار، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من رجلٌ ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع؟ أفي الأحياء هو أم في الأموات؟ " فقال رجلٌ من الأنصار: أنا. فنظر فوجده جريحًا في القتلى وبه رمقٌ، قال: فقلت له: إن رسول اللَّه ﷺ أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات. فقال: أنا في الأموات، فأبلغ رسول اللَّه ﷺ عني السلام، وقل له: إن سعد بن الرّبيع يقول لك: جزاك اللَّه عنَّا خير ما جزى نبيًا عن أمّته. وأبلغ قومك عنِّي السّلام، وقل لهم: إن سعد بن الرّبيع يقول لكم: إنّه لا عذر لكم عند اللَّه إن خلص إلى نبيّكم، ومنكم عينٌ تطرف. قال: ثم لم أبرح حتى مات. قال: فجئت النبيّ ﷺ فأخبرته خبره. قلت: كان الرجل الذي التمس سعدًا في القتلى محمد بن مسلمة، فيما ذكره محمد بن عمر الواقديّ (٤)، وذكر أنه ناداه مرتين فلم يجبه، فلما قال: إن رسول اللَّه أمرني أن أنظر خبرك. أجابه بصوتٍ ضعيفٍ، وذكره.

стр. 1703

وقال الشيخ أبو عمر في "الاستيعاب" (١): كان الرجل الذي التمس سعدًا أُبيّ كعبٍ. فاللَّه أعلم. وكان سعد بن الربيع من النّقباء ليلة العقبة، ﵁، وهو الذي آخى رسول اللَّه ﷺ بينه وبين عبد الرحمن بن عوفٍ. قال ابن إسحاق (٢): وخرج رسول اللَّه ﷺ ، فيما بلغني، يلتمس حمزة بن عبد المطلب فوجده ببطن الوادي، قد بقر بطنه عن كبده، ومثّل به؛ فجُدع أنفه وأذناه، فحدّثني محمد بن جعفر بن الزُّبير أن رسول اللَّه ﷺ قال حين رأى ما رأى: "لولا أن تحزن صفتة، وتكون سنّةً من بعدي، لتركته حتى يكون في بطون السّباعٍ وحواصل الطَّير، ولئن أظهرني اللَّه على قريشٍ في موطنٍ من المواطن لأمثّلنّ بثلاثين رجلًا منهم". فلما رأى المسلمون حزن رسول اللَّه ﷺ ، وغيظه على من فعل بعمّه ما فعل، قالوا: واللَّه لئن. أظفرنا اللَّه بهم يومًا من الدّهر لنمثّلنّ بهم مثلةً لم يمثّلها أحدٌ من العرب. قال ابن إسحاق (٣): فحدّثني بريدة بن سفيان بن فروة الأسلميّ، عن محمد بن كعبٍ، وحدّثني من لا أتّهم، عن ابن عباسٍ أن اللَّه، ، أنزل في ذلك: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٦ - ١٢٧]، الآية، قال: فعفا رسول اللَّه ﷺ ، وصبر، ونهى عن المثلة. قلت: هذه الآيات مكَيّةٌ، وقصة أحدٍ بعد الهجرة بثلاث سنين، فكيف يلتئم هذا مع هذا، فاللَّه أعلم. قال ابن إسحاق (٤): وحدّثني حميدٌ الطويل، عن الحسن، عن سمرة قال: ما قام رسول اللَّه ﷺ في مقامِ قطُّ ففارقه حتى يأمر بالصَّدقة، وينهى عن المثلة. وقال ابن هشامٍ (٥): ولما وقف النبيّ ﷺ على حمزة قال: "لن أُصاب بمثلك أبدًا، ما وقفت موقفًا قطُّ أغيظ إليّ من هذا". ثم قال: "جاءني جبريل فأخبرني أن حمزة مكتوبٌ في أهل السماوات السبع: حمزة بن عبد المطلب أسد اللَّه وأسد رسوله". قال ابن هشامٍ: وكان حمزة وأبو سلمة بن عبد الأسد أخوي رسول اللَّه ﷺ من الرّضاعة؛ أرضعتهم ثلاثتهم ثُويبة مولاة أبي لهبٍ. وقال الإمام أحمد (٦): حَدَّثَنَا سليمان بن داود الهاشميّ، أنبأنا عبد الرحمن، يعني ابن أبي الزِّناد،

стр. 1704

عن هشامٍ، عن عروة قال: أخبرني أبي الزُّبيرُ أنه لمّا كان يوم أحدٍ أقبلت امرأةٌ تسعى، حتى إذا كادت أن تشرف على القتلى. قال: فكره النبيّ ﷺ أن تراهم، فقال: "المرأةَ المرأة". قال الزُّبير: فتوسّمت أنّها أمي صفية، قال: فخرجت أسعى إليها، فأدركتها قبل أن تنتهي إلى القتلى، قال: فلدمت في صدري، وكانت امرأةً جلدة، قالت: إليك، لا أرض لك. قال: فقلت: إن رسول اللَّه ﷺ عزم عليك. قال: فوقفت، وأخرجت ثوبين معها، فقالت: هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة، فقد بلغني مقتله، فكفّنوه فيهما. قال: فجئنا بالثوبين لنكفِّن فيهما حمزة، فإذا إلى جنبه رجلٌ من الأنصار قتيلٌ، قد فُعل به كما فعل بحمزة. قال: فوجدنا غضاضةً وحياءً أن نكفِّن حمزة في ثوبين والأنصاريّ لا كفن له، فقلنا: لحمزة ثوبٌ وللأنصاريّ ثوبٌ، فقدّرناهما فكان أحدهما أكبر من الآخر، فأقرعنا بينهما، فكفّنّا كلّ واحدٍ منهما في الثوب الذي طار له (١). ذكر الصلاة على حمزة وقتلى أُحدٍ قال ابن إسحاق (٢): وحدّثني من لا أتّهم، عن مقسمٍ، عن ابن عباسٍ قال: أمر رسول اللَّه ﷺ بحمزة فسجّي ببردةٍ، ثم صلّى عليه فكبّر سبع تكبيراتٍ، ثم أُتي بالقتلى يوضعون إلى حمزة، فصلّى عليهم وعليه معهم، حتى صلّى عليه ثنتين وسبعين صلاةً. وهذا غريبٌ وسنده ضعيفٌ. قال السّهيليّ (٣): ولم يقل به أحدٌ من علماء الأمصار. وقد قال الإمام أحمد (٤): ثنا عفَّان، ثنا حمّادٌ، ثنا عطاء بن السَّائب، عن الشّعبيّ، عن ابن مسعودٍ قال: إن النساء كنّ يوم أُحدٍ خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين، فلو حلفتُ يومئذٍ رجوت أن أبرّ: إنه ليس أحدٌ منا يريد الدنيا، حتى أنزل اللَّه: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢]. فلمّا خالف أصحاب رسول اللَّه ﷺ وعصوا ما أُمروا به، أُفرد رسول اللَّه ﷺ في [تسعة]؛ سبعةٍ من الأنصار ورجلين (٥) من قريشٍ، وهو عاشرهم، فلمّا رهِقوه قال: "رحم اللَّه رجلًا ردّهم عنَّا". (قال: فقام رجلٌ من الأنصار فقاتل ساعةً حتى قتل، فلما رهِقوه أيضًا قال: "رحم اللَّه رجلًا ردّهم عنا") (٦). فلم يزل يقول ذا حتى قتل السبعة، فقال رسول اللَّه ﷺ

стр. 1705

لصاحبيه: "ما أنصفنا أصحابنا" (١). فجاء أبو سفيان فقال: اعل هبل. فقال رسول اللَّه ﷺ : "قولوا: اللَّه أعلى وأجل". فقالوا: اللَّه أعلى وأجلّ. فقال أبو سفيان: لنا العزّى ولا عزّى لكم. فقال رسول اللَّه ﷺ : "قولوا: اللَّه مولانا ولا مولى لكم". ثم قال أبو سفيان: يومٌ بيوم بدرٍ، يومٌ لنا ويومٌ علينا، ويومٌ نُساء ويومٌ نُسرّ، حنظلة بحنظلة، وفلانٌ بفلانٍ. فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا سواء، أما قتلانا فأحياءٌ يرزقون، وقتلاكم في النَّار يعذّبون". قال أبو سفيان: قد كانت في القوم مُثْلةٌ، وإن كانت لعن غير ملأٍ منَّا، ما أمرت ولا نهيت، ولا أحببت ولا كرهت، ولا ساءني ولا سرّني. قال: فنظروا، فإذا حمزة قد بُقر بطنه، وأخذت هند كبده فلاكتها، فلم تستطع أن تأكلها، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أأكلتْ منه شيئًا؟ " قالوا: لا. قال: "ما كان اللَّه ليدخل شيئًا من حمزة في النَّار". قال: فوضع رسول اللَّه ﷺ حمزة فصلَّى عليه، وجيء برجلٍ من الأنصار فوضع إلى جنبه فصلّى عليه، فرفع الأنصاريّ وترك حمزة، ثم جيء بآخر فوضعه إلى جنب حمزة فصلَّى عليه، ثم رفع وترك حمزة، حتى صلّى عليه يومئذٍ سبعين صلاةً. تفرّد به أحمد. وهذا إسنادٌ فيه ضعفٌ أيضًا من جهة عطاء بن السائب، فاللَّه أعلم. والذي رواه البخاريّ (٢) أثبت، حيث قال: حدّثنا قتيبة، حَدَّثَنَا اللّيث، عن ابن شهابٍ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالكٍ، أن جابر بن عبد اللَّه أخبره أن رسول اللَّه ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أُحدٍ في ثوبٍ واحدٍ، ثم يقول: "أيُّهم أكثر أخذًا للقرآن؟ ". فإذا أشير له إلى أحدهما (٣) قدّمه في اللّحد وقال: "أنا شهيدٌ على هؤلاء يوم القيامة". وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصلّ عليهم، ولم يغسّلوا. تفرّد به البخاريّ دون مسلمٍ. ورواه أهل "السنن" (٤) من حديث اللّيث بن سعدٍ به. وقال أحمد (٥): ثنا محمدٌ، يعني ابن جعفرٍ، ثنا شعبة، سمعت عبد ربّه يحدّث عن الزُّهريّ، عن ابن جابرٍ، عن جابر بن عبد اللَّه، عن النبيّ ﷺ أنه قال في قتلى أُحدٍ: "فإنّ كلّ جرحٍ أو كلّ دمٍ يفوح مسكًا يوم القيامة" ولم يصلّ عليهم. وثبت أنه صلَّى [عليهم] بعد ذلك بسنين عديدةٍ قبل وفاته بيسيرٍ، كما قال البخاريّ (٦): ثنا محمد بن عبد الرّحيم، ثنا زكريا بن عديٍّ، أنا [ابن] المبارك، عن حيوة، عن يزيد بن أبي حبيبٍ،

стр. 1706

عن أبي الخير، عن عقبة بن عامرٍ قال: صلّى رسول اللَّه ﷺ على قتلى أحدٍ بعد ثماني سنين، كالمودّع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: "إني بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيدٌ، وإنّ موعدكم الحوض، وإني لأَنظر إليه من مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكنى (١) أخشى عليكم الدُّنيا أن تنافسوها". قال: فكان آخر نظرةٍ نظرتها إلى رسول اللَّه ﷺ . ورواه البخاريّ في مواضع أخر، ومسلمٌ، وأبو داود، والنّسائيّ (٢)، من حديث يزيد بن أبي حبيبٍ به نحوه. وقال الأمويّ: حدّثني أبي، ثنا الحسن بن عُمارة، عن حبيب بن أبي ثابتٍ قال: قالت عائشة: خرجنا من السّحَر مخرج رسول اللَّه ﷺ إلى أحدٍ نستطلع الخبر، حتى إذا طلع الفجر إذا رجلٌ محتجرٌ ينشد (٣) ويقول: "لبّث قليلًا يشهد (٤) الهيجا حمل" قالت: فنظرنا فإذا أسيد بن حضيرٍ، ثم مكثنا بعد ذلك، فإذا بعيرٌ قد أقبل، عليه امرأةٌ بين وَسقين. قالت: فدنونا منها، فإذا هي امرأة عمرو بن الجموح، فقلنا لها: ما الخبر؛ قالت: دفع اللَّه عن رسول اللَّه ﷺ واتّخذ من المؤمنين شهداء، ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ ثم قالت لبعيرها: حل. ثم نزلت، فقلنا لها: ما هذا؟ قالت: أخي وزوجي. وقال ابن إسحاق (٥): وقد أقبلت صفية بنت عبد المطلب لتنظر إليه (٦)، وكان أخاها لأبيها وأمّها، فقال رسول اللَّه ﷺ لابنها الزّبير بن العوَّام: "القَها فأرجعها؛ لا ترى ما بأخيها". فقال لها: يا أمّه، إنّ رسول اللَّه ﷺ يأمرك أن ترجعي. قالت: ولم وقد بلغني أنه مُثّل بأخي، وذلك في اللَّه؟! فما أرضانا ما كان من ذلك، لأحتسبنّ ولأصبرنّ إن شاء اللَّه. فلما جاء الزُّبير إلى رسول اللَّه ﷺ وأخبره بذلك، قال: "خلّ سبيلها". فأتته فنظرت إليه، وصلّت عليه، واسترجعت واستغفرت. قال ابن إسحاق (٧): ثم أمر به رسول اللَّه ﷺ فدفن، ودفن معه ابن أُخته عبد اللَّه بن جحشٍ -وأمّه

стр. 1707

أميمة بنت عبد المطلب- وكان قد مُثّل به، غير أنه لم يبقر عن كبده، ﵄. قال السّهيليّ (١): وكان يقال له: المجذع في اللَّه. قال: وذكر سعدٌ أنه هو وعبد اللَّه بن جحشٍ دعوا بدعوةٍ فاستجيبت لهما؛ فدعا سعدٌ أن يلقى فارسًا من المشركين فيقتله ويستلبه، فكان ذلك، ودعا عبد اللَّه بن جحشٍ أن يلقاه فارسٌ فيقتله ويجدع أنفه في اللَّه. فكان ذلك. وذكر الزُّبير بن بكّارٍ أن سيفه يومئذٍ انقطع، فأعطاه رسول اللَّه ﷺ عُرجونًا (٢)، فصار في يد عبد اللَّه بن جحشٍ سيفًا يقاتل به، ثم بيع في تركة بعض ولده بمئتى دينارٍ. وهذا كما تقدّم لعكّاشة في يوم بدرٍ. وقد تقدّم في "صحيح البخاريّ" أيضًا أن رسول اللَّه ﷺ كان يجمع بين الرجلين والثلاثة في القبر الواحد، بل في الكفن الواحد، وإنما أرخص لهم في ذلك؛ لما بالمسلمين من الجراح التي يشقّ معها أن يحفروا لكلّ واحدٍ واحدًا، ويقدّم في اللّحد أكثرهما أخذًا للقرآن، وكان يجمع بين الرجلين المتصاحبين في اللّحد الواحد، كما جمع بين عبد اللَّه بن عمرو بن حرامٍ، والد جابرٍ، وبين عمرو بن الجموح؛ لأنهما كانا متصاحبين، ولم يغسّلوا (٣)، بل تركهم بجراحهم ودمائهم، كما روى ابن إسحاق (٤)، عن الزّهريّ، عن عبد اللَّه بن ثعلبة بن صُعيرٍ، أنّ رسول اللَّه ﷺ لمّا أشرف على القتلى يوم أحدٍ قال: "أنا شهيدٌ على هؤلاء، إنه ما من جريحٍ يجرح في اللَّه، إلا واللَّه يبعثه يوم القيامة يدمى جرحه، اللون لون دمٍ، والريح ريح مسكٍ". قال: وحدّثني عمّي موسى بن يسارٍ، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال أبو القاسم ﷺ : "ما من جريحٍ يجرح في اللَّه، إلا واللَّه يبعثه يوم القيامة وجرحه يدمى، اللون لون الدَّم، والرِّيح ريح المسك". وهذا الحديث ثابتٌ في "الصحيحين" (٥) من غير هذا الوجه. وقال الإمام أحمد (٦): ثنا عليّ بن عاصمٍ، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ قال: أمر رسول اللَّه ﷺ يوم أحدٍ بالشهداء أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وقال: "ادفنوهم بدمائهم وثيابهم". ورواه أبو داود وابن ماجه (٧) من حديث عليٍّ بن عاصمٍ به.

стр. 1708

وقال الإمام أبو داود في "سننه" (١): حَدَّثَنَا القعنبيّ، أنّ سليمان بن المغيرة حدّثهم، عن حميد بن هلالٍ، عن هشام بن عامرٍ أنه قال: جاءت الأنصار إلى رسول اللَّه ﷺ يوم أحدٍ فقالوا: قد أصابنا قرحٌ وجهدٌ، فكيف تأمرنا؟ فقال: "احفروا وأوسعوا، واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر الواحد (٢) ". قيل: يا رسول اللَّه، فأيّهم يقدّم؟ قال: "أكثرهم قرآنًا". ثم رواه (٣) من حديث الثوريّ، عن أيوب، عن حميد بن هلالٍ، عن هشام بن عامرٍ، فذكره، وزاد: "وأعمقوا". قال ابن إسحاق (٤): وقد احتمل ناسٌ من المسلمين قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم بها، ثم نهى رسول اللَّه ﷺ عن ذلك وقال: "ادفنوهم حيث صُرعوا". وقد قال الإمام أحمد (٥): ثنا عليّ بن إسحاق، ثنا عبد اللَّه وعتّابٌ، أنا عبد اللَّه، أنا عمر بن سلمة بن أبي يزيد المدينيّ، حدثني أبي، سمعت جابر بن عبد اللَّه يقول: استشهد أبي بأحدٍ، فأرسلنني (٦) أخواتي إليه بناضحٍ لهن، فقلن: اذهب فاحتمل أباك على هذا الجمل، فادفنه في مقبرة بني سلمة. قال: فجئته وأعوانٌ لي، فبلغ ذلك نبيّ اللَّه ﷺ وهو جالسٌ بأحدٍ، فدعاني فقال: "والذي نفسي بيده لا يدفن إلا مع إخوته" فدفن مع أصحابه بأحدٍ، تفرّد به أحمد. وقال الإمام أحمد (٧): ثنا محمد بن جعفرٍ، ثنا شعبة، عن الأسود بن قيسٍ، عن نُبيحٍ، عن جابر بن عبد اللَّه، أن قتلى أحدٍ حملوا من مكانهم، فنادى منادي النبيّ ﷺ أن ردّوا القتلى إلى مضاجعهم. وقد رواه أبو داود والنسائيّ (٨) من حديث الثّوريّ، والترمذيّ من حديث شعبة (٩)، والنسائيّ أيضًا وابن ماجه (١٠) من حديث سفيان بن عيينة، كلّهم عن الأسود بن قيسٍ به. وقال أحمد (١١): ثنا عفَّان ثنا أبو عوانة، ثنا الأسود بن قيس، عن نبيح العنزيّ (١٢)، عن جابر بن

стр. 1709

عبد اللَّه قال: خرج رسول اللَّه ﷺ من المدينة إلى المشركين ليقاتلهم، وقال لي أبي عبد اللَّه: يا جابر، لا عليك أن تكون في نظاري أهل المدينة، حتى تعلم إلى ما يصير أمرنا، فإني واللَّه لولا أني أترك بناتٍ لي بعدي، لأحببت أن تقتل بين يديّ. قال: فبينا أنا في النّظّارين، إذ جاءت عمتي بأبي وخالي، عادلتهما على ناضحٍ، فدخلتْ بهما المدينة لتدفنهما في مقابرنا، إذ لحق رجلٌ ينادي: ألا إنّ النبيّ ﷺ يأمركم أن ترجعوا بالقتلى، فتدفنوها في مصارعها حيث قتلت. فرجعنا بهما، فدفنّاهما حيث قتلا، فبينا أنا في خلافة معاوية بن أبي سفيان، إذ جاءني رجلٌ فقال: يا جابر بن عبد اللَّه، واللَّه لقد أثار أباك عمّال معاوية، فبدا فخرج طائفةٌ منه. فأتيته فوجدته على النّحو الذي دفنتُه، لم يتغيّر إلا ما لم يدع القتل، أو القتيل. ثم ساق الإمام أحمد قصة وفائه دين أبيه، كما هو ثابتٌ في "الصحيحين" (١). وروى البيهقيُّ (٢)، من طريق حمّاد بن زيدٍ، عن أيوب، عن أبي الزّبير، عن جابر بن عبد اللَّه قال: لما أجرى معاوية العين عند قتلى أحدٍ، بعد أربعين سنةً، استصرخناهم إليهم، فأتيناهم فأخرجناهم، فأصابت المسحاة قدم حمزة فانبعث دمًا. وفي رواية ابن إسحاق، عن جابرٍ قال: فأخرجناهم كأنما دفنوا بالأمس. وذكر الواقديّ (٣)، أن معاوية لمّا أراد أن يجري العين، نادى مناديه: من كان له قتيلٌ بأُحدٍ فليشهد. قال جابرٌ: فحفرنا عنهم، فوجدت أبي في قبره كأنما هو نائمٌ على هيئته، ووجدت جاره في قبره عمرو بن الجموح، ويده على جرحه فأزيلت عنه، فانبعث جرحه دمًا. ويقال: إنه فاح من قبورهم مثل ريح المسك، ﵃ أجمعين، وذلك بعد ستٍّ وأربعين سنةً من يوم دفنوا. وقد قال البخاريّ (٤): ثنا مسدّدٌ، ثنا بشر بن المفضّل، ثنا حسينٌ المعلّم، عن عطاءٍ، عن جابرٍ قال: لما حضر أحدٌ، دعاني أبي من الليل فقال لي: ما أراني إلا مقتولًا في أول من يُقتَل من أصحاب النبيّ ﷺ ، وإني لا أترك بعدي أعزّ علي منك، غير نفس رسول اللَّه ﷺ ، وإنّ عليّ دينًا فاقض، واستوص بأخواتك خيرًا. فأصبحنا فكان أول قتيلٍ، فدفنت معه آخَر في قبره، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخَر، فاستخرجته بعد ستة أشهرٍ، فإذا هو كيوم وضعته، هُنَيَّةً غير أُذنه. وثبت في "الصحيحين" (٥) من حديث شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابرٍ أنه لما قتل أبوه،

стр. 1710

جعل يكشف عنه الثوب ويبكي، فنهاه الناس، فقال رسول اللَّه ﷺ : "تبكيه أو لا تبكيه، لم تزل الملائكة تظلّه بأجنحتها حتى رفعتموه" (١). وفي روايةٍ، أن عمّته هي الباكية. وقال البيهقيّ (٢): أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، وأبو بكرٍ أحمد بن الحسن القاضي قالا: حَدَّثَنَا أبو العباس محمد بن يعقوب، حَدَّثَنَا محمد بن إسحاق، حدّثنا فيض بن وثيقٍ البصريّ، حَدَّثَنَا أبو عبادة الأنصاريّ، عن الزُّهريّ، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ لجابرٍ: "يا جابر، ألا أبشّرك؟ " قال: بلى، بشّرك اللَّه بالخير. فقال: "أشعرتَ أن اللَّه أحيا أباك فقال: تمنّ عليّ عبدي ما شئت أعطكه. قال: يا ربّ، ما عبدتك حق عبادتك، أتمنّى عليك أن تردّني إلى الدنيا، فأُقتل مع نبيّك، وأقتل فيك مرةً أخرى. قال: إنه قد سلف مني أنّه إليها لا يرجع". وقال البيهقيّ (٣): أنا أبو الحسن محمد بن أبي المعروف الإسفرايينيّ، ثنا أبو سهل بشر بن أحمد، أنا أحمد بن الحسين بن نصرٍ، ثنا عليّ بن المدينيّ، حدّثنا موسى بن إبراهيم [بن كثيرٍ] بن بشير بن الفاكه الأنصاريّ، قال: سمعت طلحة بن خراش بن عبد الرحمن بن خراش بن الصّمّة الأنصاريّ ثم السّلميّ قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه قال: نظر إليّ رسول اللَّه ﷺ فقال: "ما لي أراك مهتمًا؟ " قال: قلت: يا رسول اللَّه، قتل أبي، وترك دينًا وعيالًا. فقال: "ألا أخبرك" ما كلّم اللَّه أحدًا إلا من وراء حجابٍ، وإنه كَلَّم أباك كفاحًا، وقال له يا عبدي، سلني أعطك. فقال: أسألك أن تردّني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانيًا. فقال: إنه قد سبق مني [القول] إنّهم إليها لا يرجعون. قال: يا ربّ، فأبلغ من ورائي". فأنزل اللَّه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٩]. وقال ابن إسحاق (٤): وحدّثني بعض أصحابنا، عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيلٍ، سمعت جابرًا يقول: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "ألا أبشّرك يا جابر؟ " قال: قلت: بلى. قال: "إنّ أباك حيث أصيب بأحدٍ، أحياه اللَّه، ثم قال له: ما تحبّ يا عبد اللَّه بن عمرو أن أفعل بك؟ قال: أي ربِّ، أحبّ أن تردّني إلى الدنيا، فأقاتل فيك، فأقتل مرّة أخرى". وقد رواه أحمد (٥)، عن عليّ بن المدينيّ، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن عليّ بن ربيعة السّلميّ، عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيلٍ، عن جابرٍ، وزاد: فقال اللَّه: "إني قضيت أنهم إليها لا يرجعون".

стр. 1711

وقال أحمد (١): ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدّثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد اللَّه، عن جابر بن عبد اللَّه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول، إذا ذَكر أصحاب أحدٍ: "أما واللَّه لوددت أني غودرت مع أصحاب نحصِ الجبل". يعني سفح الجبل، تفرّد به أحمد. وقد روى البيهقيّ (٢)، من حديث عبد الأعلى بن عبد اللَّه بن أبي فروة، عن قطن بن وهبٍ، عن عبيد بن عميرٍ، عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ حين انصرف من أحد مرَّ على مصعب بن عُمير وهو مقتولٌ على طريقه، فوقف عليه، فدعا له ثم قرأ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. قال: "أشهد أنّ هؤلاء شهداء عند اللَّه يوم القيامة، فأتوهم وزوروهم، والذي نفسي بيده، لا يسلّم عليهم أحدٌ إلى يوم القيامة؛ إلا ردّوا عليه". وهذا حديثٌ غريبٌ، وروي عن عبيد بن عميرٍ مرسلًا. وروى البيهقيّ (٣) من حديث موسى بن يعقوب، عن عبّاد بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: كان النبيّ ﷺ يأتي قبور الشهداء، فإذا أتى فرضة الشّعب (٤) قال: "السلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدَّار". ثم كان أبو بكرٍ بعد النبيّ ﷺ يفعله، وكان عمر بعد أبي بكرٍ يفعله، وكان عثمان بعد عمر يفعله. قال الواقديّ (٥): كان النبيّ ﷺ يزورهم كلّ حولٍ، [فإذا تفوَّه] (٦) الشّعبَ يقول: "السلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدَّار]. ثم كان أبو بكرٍ يفعل ذلك كلّ حولي، ثم عمر، ثم عثمان، وكانت فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ تأتيهم، فتبكي عندهم وتدعو لهم، وكان سعدٌ يسلّم، ثم يقبل على أصحابه فيقول: ألا تسلّمون على قومٍ يردّون عليكم. ثم حكى زيارتهم، عن أبي سعيدٍ، وأبي هريرة، وعبد اللَّه ابن عمر، وأمّ سلمة، ﵃. وقال ابن أبي الدّنيا (٧): حدّثني إبراهيم، حدثني الحكم بن نافعٍ، ثنا العطّاف بن خالدٍ، حدّثتني خالتي قالت: ركبت يومًا إلى قبور الشهداء -وكانت لا تزال تأتيهم- فنزلت عند حمزة، فصلّيت ما شاء اللَّه أن أصلّي، وما في الوادي داعٍ ولا مجيبٌ، إلا غلامًا قائمًا آخذًا برأس دابّتي، فلما فرغت من صلاتي قلت هكذا بيدي: السلام عليكم. قالت: فسمعت ردّ السلام عليّ يخرج من تحت الأرض،

стр. 1712

أعرفه كما أعرف أن اللَّه خلقني، وكما أعرف الليل من النهار، فاقشعرّت كلّ شعرةٍ مني. وقال محمد بن إسحاق (١)، عن إسماعيل بن أميّة، عن أبي الزّبير، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ قال: قال النبيّ ﷺ : "لما أصيب إخوانكم يوم أحدٍ، جعل اللَّه أرواحهم في أجواف طيرٍ خضرٍ، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلّقةٍ في ظلّ العرش، فلمّا وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم، وحسن مقيلهم قالوا: من يبلّغ إخواننا عنا أنّا أحياءٌ في الجنة نرزق؛ لئلا ينكلوا عن الحرب، ولا يزهدوا في الجهاد؟ فقال اللَّه : أنا أبلّغهم عنكم". فأنزل اللَّه في الكتاب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. وروى مسلمٌ والبيهقيّ (٢) من حديث أبي معاوية، عن الأعمش، عن عبد اللَّه بن مرّة، عن مسروقٍ قال: سألنا عبد اللَّه بن مسعودٍ عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول اللَّه ﷺ فقال: "أرواحهم كطيرٍ خضرٍ (٣)، تسرح في أيّها شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلّقةٍ بالعرش". قال: "فبينما هم كذلك، إذ اطّلع عليهم ربّك اطّلاعةً، فقال: سلوني ما شئتم. فقالوا: يا ربّنا، وما نسألك ونحن نسرح في الجنَّة في أيّها شئنا؟! فلمّا رأوا أن لن يُتركوا من أن يسالوا، قالوا: نسألك أن تردّ أرواحنا إلى أجسادنا في الدّنيا، نقتل في سبيلك". قال: "فلما رأى أنهم لا يسألون إلا هذا تُركوا". فصلٌ في عدد الشّهداء قال موسى بن عقبة (٤): جميع من استشهد يوم أحدٍ من المهاجرين والأنصار، تسعةٌ وأربعون رجلًا. وقد ثبت في الحديث الصحيح عند البخاريّ (٥) عن البراء، أنهم قتلوا من المسلمين سبعين رجلًا، فاللَّه أعلم. وقال قتادة، عن أنسٍ (٦): قتل من الأنصار يوم أحدٍ سبعون (٧)، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة سبعون.

стр. 1713

وقال حمّاد بن سلمة، عن ثابتٍ، عن أنس أنه كان يقول: قارب السبعين يوم أحدٍ، ويوم بئر معونة، ويوم مؤتة، ويوم اليمامة. وقال مالكٌ (١)، عن يحيى بن سعيدٍ الأنصاريّ، عن سعيد بن المسيّب: قتل من الأنصار يوم أحدٍ سبعون، ويوم اليمامة سبعون، ويوم جسر أبي عبيدٍ سبعون. وهكذا قال عكرمة، وعروة، والزهريّ، ومحمد بن إسحاق، في قتلى أحدٍ. ويشهد له قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ [آل عمران: ١٦٥] يعني أنهم قتلوا يوم بدرٍ سبعين وأسروا سبعين. وعن ابن إسحاق (٢): قتل من الأنصار يوم أحدٍ خمسةٌ وستون، أربعةٌ من المهاجرين؛ حمزة، وعبد اللَّه بن جحشٍ، ومصعب بن عميرٍ، وشمّاس بن عثمان، والباقون من الأنصار، وسرد أسماءّهم على قبائلهم، وقد استدرك عليه ابن هشامٍ زيادةً على ذلك خمسةً آخرين، فصاروا سبعين على قول ابن هشامٍ، وسرد ابن إسحاق أسماء الذين قتلوا من المشركين، وهم اثنان وعشرون رجلًا. وعن عروة: كان الشهداء يوم أحدٍ أربعةً -أو قال: سبعةً- وأربعين. وقال موسى بن عقبة: تسعةٌ وأربعون. قال موسى: وقتل من المشركين يومئذٍ ستة عشر رجلًا. وقال عروة: تسعة عشر. وقال ابن إسحاق: اثنان وعشرون. وقال الرّبيعُ (٣)، عن الشافعيّ: ولم يؤسر من المشركين سوى أبي عزّة الجمحيِّ، وقد كان في الأسارى يوم بدرٍ، فمنّ عليه رسول اللَّه ﷺ بلا فديةٍ، واشترط عليه ألَّا يقاتله، فلمّا أسر يوم أحدٍ قال: يا محمد، امنن عليّ لبناتي، وأعاهد أن لا أقاتلك. فقال له رسول اللَّه ﷺ : "لا أدعك تمسح عارضيك بمكَّة، وتقول: خدعت محمدًا مرتين". ثم أمر به فضربت عنقه. وذكر بعضهم أنه يومئذٍ قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين". فصل قال ابن إسحاق (٤): ثم انصرف رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة فلقيتْه حمنةُ بنت جحشٍ، كما ذكر لي، فلما لقيت الناسَ ونعي إليها أخوها عبد اللَّه بن جحشٍ، فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعي لها خالها حمزة بن عبد المطلب، فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعي لها زوجها مصعب بن عميرٍ، فصاحت

стр. 1714

وولولت، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن زوج المرأة منها لبمكان". لما رأى من تثبُّتها عند أخيها وخالها، وصياحها على زوجها. وقد قال ابن ماجه (١): ثنا محمد بن يحيى، ثنا إسحاق بن محمدٍ الفَرْوي، ثنا عبد اللَّه بن عمر، عن إبراهيم بن محمد بن عبد اللَّه بن جحشٍ، عن أبيه، عن حمنة بنت جحشٍ أنه قيل لها: قُتل أخوك. فقالت: ﵀، وإنا للَّه وإنا إليه راجعون. قالوا: قتل زوجك. قالت: واحزناه. فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن للزوج من المرأة لشعبةً، ما هي لشيءٍ"! قال ابن إسحاق (٢): وحدّثني عبد الواحد بن أبي عونٍ، عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقّاصٍ قال: مرّ رسول اللَّه ﷺ بامرأة من بني دينارٍ، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول اللَّه ﷺ بأحدٍ، فلما نعوا لها قالت: ما فعل رسول اللِّه ﷺ ؟ قالوا: خيرًا يا أمّ فلانٍ، هو بحمد اللَّه كما تحبّين. قالت: أرُونيه حتى أنظر إليه. قال: فأشير لها إليه، حتى إذا رأته قالت: كلّ مصيبةٍ بعدك جللٌ. قال ابن هشامٍ: الجَلل يكون من القليل ومن الكثير، وهو هاهنا من القليل. قال امرؤ القيس (٣): [من المتقارب] لقتل بني أسدٍ ربّهم … ألا كلّ شيءٍ خلاه جلل أي: صغيرٌ وقليلٌ. قال ابن إسحاق (٤): فلما انتهى رسول اللَّه ﷺ إلى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة فقال: "اغسلي عن هذا دمه يا بنيّة، فواللَّه لقد صدقني في هذا اليوم". وناولها عليّ بن أبي طالبٍ سيفه فقال: وهذا فاغسلي عنه دمه، فواللَّه لقد صدقني اليوم. فقال رسول اللَّه ﷺ : "لئن كنت صدقت القتال، لقد صدقه معك سهل بن حُنيفٍ وأبو دُجانة". وقال موسى بن عقبة في موضعٍ آخر: ولما رأى رسول اللَّه ﷺ سيف عليٍّ مخضّبًا بالدِّماء قال: "لئن كنتَ أحسنت القتال فقد أحسن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، والحارث بن الصمّة، وسهل بن حنيفٍ". وروى البيهقيُّ (٥)، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينارٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ قال: جاء عليّ بن أبي طالبٍ بسيفه يوم أحدٍ وقد انحنى فقال لفاطمة: هاكِ السَّيف حميدًا؛ فإنها قد شفتْني.

стр. 1715

فقال رسول اللَّه ﷺ : "لئن كنت أجدت الضرب بسيفك، لقد أجاده سهل بن حنيفٍ، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابتٍ، والحارث بن الصّمّة". قال ابن هشام (١): وسيف رسول اللَّه ﷺ هذا هو ذو الفقَار. قال: وحدّثني بعض أهل العلم، عن ابن أبي نجيحٍ قال: نادى منادٍ يوم أحدٍ: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا عليٌّ (٢). قال: وحدّثني بعض أهل العلم أن رسول اللَّه ﷺ قال لعليٍّ: "لا يصيب المشركون منَّا مثلها حتى يفتح اللَّه علينا". قال ابن إسحاق (٣): ومرّ رسول اللَّه ﷺ بدار بني عبد الأشهل، فسمع البكاء والنّوائح على قتلاهم، فذرفت عينا رسول اللَّه ﷺ ، فبكى ثم قال: "لكن حمزة لا بواكي له". فلما رجع سعد بن معاذٍ، وأُسيد بن الحضير إلى دار بني عبد الأشهل، أمرا نساءهم أن يتحزّمن، ثم يذهبن فيبكين على عمّ رسول اللَّه ﷺ . فحدّثني (٤) حكيم بن حكيم بن عبّاد بن حنيفٍ، عن بعض رجال بني عبد الأشهل قال: لما سمع رسول اللَّه ﷺ بكاءهن على حمزة خرج عليهنَّ وهنَّ على باب مسجده يبكين عليه، فقال: "ارجعن يرحمكن اللَّه، فقد آسيتنّ بأنفسكن". قال: ونهى رسول اللَّه يومئذٍ عن النّوح. فيما قال ابن هشامٍ. وهذا الذي ذكره ابن إسحاق منقطعٌ، ومنه مرسلٌ. وقد أسنده الإمام أحمد فقال: ثنا زيد بن الحباب، حدّثني أسامة بن زيدٍ، حدّثني نافع، عن ابن عمر، أن رسول اللَّه ﷺ لما رجع من أحدٍ، فجعل نساء الأنصار يبكين على من قُتل من أزواجهنّ، قال: فقال رسول اللَّه ﷺ : "ولكنّ حمزة لا بواكي له". قال: ثم نام فاستنبه، وهنّ يبكين، قال: "فهنَّ اليوم إذا يبكين يندبن حمزة؟! ". وهذا على شرط مسلمٍ (٥). وقد رواه ابن ماجه (٦)، عن هارون بن سعيدٍ، عن ابن وهبٍ، عن أسامة بن زيدٍ اللّيثيّ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، أن رسول اللَّه ﷺ مرّ بنساء بني عبد الأشهل يبكين هلكاهنّ يوم أحدٍ، فقال رسول اللَّه ﷺ :

стр. 1716

"لكنّ حمزة لا بواكي له" فجاء نساء الأنصار يبكين حمزة، فاستيقظ رسول اللَّه ﷺ فقال: "ويحهنّ! ما انقلبن بعدُ؟! مروهنّ فلينقلبن، ولا يبكين على هالكٍ بعد اليوم". وقال موسى بن عقبة: ولما دخل رسول اللَّه ﷺ أزقَّة المدينة، إذا النّوح والبكاء في الدّور، فقال: "ما هذا؟ " قالوا: هذه نساء الأنصار يبكين قتلاهم. فقال: "لكنّ حمزة لا بواكي له". واستغفر له، فسمع ذلك سعد بن معاذٍ، وسعد بن عبادة، ومعاذ بن جبلٍ، وعبد اللَّه بن رواحة، فمشَوا إلى دورهم، فجمعوا كلّ نائحةٍ وباكيةٍ كانت بالمدينة فقالوا: واللَّه لا تبكين قتلى الأنصار حتى تبكين عمّ النبيّ ﷺ ، فإنه قد ذكر أنه لا بواكي له بالمدينة. وزعموا أن الذي جاء بالنّوائح عبد اللَّه بن رواحة، فلما سمع رسول اللَّه ﷺ قال: "ما هذا؟ " فأُخبر بما فعلت الأنصار بنسائهم، فاستغفر لهم، وقال لهم خيرًا، وقال: "ما هذا أردت، وما أحبّ البكاء" ونهى عنه. وهكذا ذكر ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير سواءً. قال موسى بن عقبة (١): وأخذ المنافقون، عند نكاء المسلمين، في المكر والتّفريق عن رسول اللَّه ﷺ وتحزين المسلمين، وظهر غشّ اليهود، وفارت المدينة بالنّفاق فَور المرجل، وقالت اليهود: لو كان نبيًا ما ظهروا عليه، ولا أصيب منه ما أصيب، ولكنّه طالب ملكٍ؛ تكون له الدّولة وعليه. وقال المنافقون مثل قولهم، وقالوا للمسلمين: لو كنتم أطعتمونا ما أصابكم الذين أصابوا منكم. فأنزل اللَّه القرآن في طاعة من أطاع ونفاق من نافق، وتعزية المسلمين؛ يعني فيمن قتل منهم، فقال: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢١] الآيات كلّها، كما تكلّمنا على ذلك في "التفسير" (٢) وللَّه الحمدُ والمنّة. ذكر خروج النبيّ ﷺ بأصحابه، على ما بهم من القرح والجراح، في أثر أبي سفيان؛ إرهابًا له ولأصحابه حتى بلغ حمراء الأسد (٣) وهي على ثمانية أميالٍ من المدينة قال موسى بن عقبة (٤) بعد اقتصاصه وقعة أحدٍ وذِكره رجوعه، ﵊، إلى المدينة:

стр. 1717

وقدم رجلٌ من أهل مكة على رسول اللَّه ﷺ ، فسأله عن أبي سفيان وأصحابه، فقال: نازلتُهم فسمعتهم يتلاومون؛ يقول بعضهم لبعضٍ: لم تصنعوا شيئًا؛ أصبتم شوكة القوم وحدّهم، ثم تركتموهم، ولم تبتروهم، فقد بقي منهم رؤوسٌ يجمعون لكم، فأمر رسول اللَّه ﷺ أصحابه، وبهم أشدُّ القَرح، بطلب العدوّ؛ ليسمعوا بذلك، وقال: "لا ينطلقنّ معي إلّا من شهد القتال". فقال عبد اللَّه بن أُبيّ: أنا راكبٌ معك. فقال: "لا". فاستجابوا للَّه ولرسوله على الذي بهم من البلاء، فانطلقوا، فقال اللَّه في كتابه العزيز: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٢]. قال: وأذن رسول اللَّه ﷺ لجابر بن عبد اللَّه حين ذكر أن أباه أمره بالمقام في المدينة على أخواته. قال: وطلب رسول اللَّه ﷺ العدوّ حتى بلغ حمراء الأسد. وهكذا روى ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير سواءً. وقال محمد بن إسحاق في "مغازيه": وكان يوم أحدٍ يوم السبت النّصف من شوّالٍ، فلما كان الغد من يوم الأحد لستّ عشرة ليلةً مضت من شوّالٍ، أذّن مُؤَذِّنُ رسول اللَّه ﷺ في الناس بطلب العدوّ، وأذّن مؤذّنه ألّا يخرجنّ أحدٌ إلّا من حضر يومنا بالأمس، فكلّمه جابر بن عبد اللَّه، فأذن له. قال ابن إسحاق (١): وإنما خرج رسول اللَّه ﷺ مرهبًا للعدوّ، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم؛ ليظنّوا به قوةً، وأنّ الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوّهم. قال ابن إسحاق، ﵀ (٢): فحدّثني عبد اللَّه بن خارجة بن زيد بن ثابتٍ، عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان، أن رجلًا من بني عبد الأشهل قال: شهدت أحدًا أنا وأخٌ لي فرجعنا جريحين، فلما أذّن مؤذّن رسول اللَّه ﷺ بالخروج في طلب العدوّ، قلت لأخي وقال لي: أتفوتنا غزوةٌ مع رسول اللَّه ﷺ ؟ واللَّه ما لنا من دابّةٍ نركبها، وما منّا إلا جريحٌ ثقيلٌ، فخرجنا مع رسول اللَّه ﷺ ، وكنت أيسر جرحًا منه، فكان إذا غُلب حملته عقبةً، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون. قال ابن إسحاق: فخرج رسول اللَّه ﷺ حتى انتهى إلى حمراء الأسد، وهي من المدينة على ثمانية أميالٍ، فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة. قال ابن هشامٍ: وقد كان استعمل على المدينة ابن أمّ مكتومٍ. قال ابن إسحاق (٣): حدّثني عبد اللَّه بن أبي بكرٍ، أن معبد بن أبي معبدٍ الخزاعيّ، وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم عيبة نصحٍ لرسول اللَّه ﷺ بتهامة، صفقهم معه، لا يخفون عنه شيئًا كان بها، ومعبدٌ

стр. 1718

يومئذٍ مشركٌ، مرّ برسول اللَّه ﷺ وهو مقيمٌ بحمراء الأسد، فقال: يا محمد، أما واللَّه لقد عزّ علينا ما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن اللَّه عافاك فيهم. ثم خرج ورسول اللَّه ﷺ بحمراء الأسد حتى لقي أبا سفيان بن حربٍ ومن معه بالرّوحاء، وقد أجمعوا الرّجعة إلى رسول اللَّه ﷺ وأصحابه، وقالوا: أصبنا حدّ أصحابه وقادتهم وأشرافهم، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم؟! لنكرّنّ على بقيتهم فلنفرغنّ منهم. فلما رأى أبو سفيان معبدًا قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمدٌ قد خرج في أصحابه، يطلبكم في جمعٍ لم أر مثله قطُّ؛ يتحرّقون عليكم تحرّقًا، قد اجتمع معه من كان تخلّف عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنَق عليكم شيءٌ لم أر مثله قطُّ. قال: ويلك ما تقول؟ قال: واللَّهِ ما أُراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل، قال: فواللَّه لقد أجمعنا الكرّة عليهم؛ لنستأصل شأفتهم. قال: فإني أنهاك عن ذلك، واللَّه لقد حملني ما رأيت على أن قلتُ فيه أبياتًا من شعرٍ. قال: وما قلتَ؟ قال: قلتُ (١): [من البسيط] كادت تهدّ من الأصوات راحلتي … إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل تردي بأسدٍ كرامٍ لا تنابلةٍ … عند اللقاء ولا ميلٍ معازيل فظلت عدوًا أظنّ الأرض مائلةً … لمّا سموا برئيسٍ غير مخذول فقلت: ويل ابن حربٍ من لقائكمُ … إذا تغطمطت البطحاء بالجيل إني نذيرٌ لأهل البسل ضاحيةً … لكلّ ذى إربةٍ منهم ومعقول من جيش أحمد لا وخشٍ قنابلُه (٢) … وليس يُوصف ما أنذرت بالقيل قال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه. ومرّ به ركبٌ من عبد القيس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: المدينة. قال: ولم؟ قالوا: نريد الميرة؟ قال: فهل أنتم مبلّغون عني محمدًا رسالةً أرسلكم بها إليه وأحمّل لكم هذه غدًا زبيبًا بعكاظٍ إذا وافيتموها؟ قالوا: نعم. قال: فإذا وافيتموه، فأخبروه أنّا قد أجمعنا السّير إليه وإلى أصحابه؛ لنستأصل بقيتهم. فمرّ الرّكب برسول اللَّه ﷺ وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال: "حسبنا اللَّه ونعم الوكيل". وكذا قال الحسن البصريّ. وقد قال البخاريُّ (٣): ثنا أحمد بن يونس -أُراه قال:- ثنا أبو بكرٍ، عن أبي حَصينٍ، عن أبي الضّحى، عن ابن عباسٍ: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. قالها إبراهيم، ﵇، حين ألقي في النار، وقالها محمدٌ ﷺ حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] تفرّد بروايته البخاريّ. وقد قال البخاريُّ (٤): حدّثنا محمد بن سَلَامٍ، حدّثنا أبو معاوية، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عائشة،

стр. 1719

﵂ ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٢]. قالت لعروة: يابن أُختي، كان أبواك منهم؛ الزُّبير، وأبو بكرٍ، ﵄، لمّا أصاب رسول اللَّه ﷺ ما أصاب يوم أحدٍ وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، فقال: "من يذهب في إثرهم؟ " فانتدب منهم سبعون رجلًا، فيهم أبو بكرٍ والزُّبير. هكذا رواه البخاريّ. وقد رواه مسلمٌ مختصرًا (١) من أوجهٍ، عن هشامٍ. وهكذا رواه سعيد بن منصورٍ وأبو بكرٍ الحميديّ جميعًا، عن سفيان بن عيينة (٢). وأخرجه ابن ماجه (٣) من طريقه، عن هشام بن عروة به. ورواه الحاكم في "مستدركه" (٤) من طريق أبي سعيدٍ المؤدّب، عن هشام بن عروة به، ورواه من حديث البهيّ، عن عروة، وقال في كلّ منهما: صحيحٌ، ولم يخرجاه. كذا قال. وهذا السياق غريبٌ جدًا؛ فإن المشهور عند أصحاب المغازي، أن الذين خرجوا مع رسول اللَّه ﷺ إلى حمراء الأسد كلّ من شهد أحدًا، وكانوا سبعمئةٍ، كما تقدّم، قتل منهم سبعون، وبقي الباقون. وقد روى ابن جريرٍ (٥) من طريق العوفيّ، عن ابن عباس قال: إن اللَّه قذف في قلب أبي سفيان الرّعب يوم أحدٍ، بعد الذي كان منه، فرجع إلى مكة، وكانت وقعة أحدٍ في شوّالٍ، وكان التّجّار يقدَمون في ذي القعدة المدينة، فينزلون ببدرٍ الصّغرى في كلّ سنةٍ مرةً، وإنهم قدموا بعد وقعة أحدٍ، وكان أصاب المسلمين القَرح، واشتكوا ذلك إلى رسول اللَّه ﷺ ، واشتدّ عليهم الذي أصابهم، وإن رسول اللَّه ﷺ ندب الناس لينطلقوا معه ويتّبعوا ما كانوا متّبعين، وقال: "إنما يرتحلون الآن فيأتون الحجّ، ولا يقدرون على مثلها حتى عامٍ قابلٍ". فجاء الشيطان يخوّف أولياءه، فقال: إنّ الناس قد جمعوا لكم. فأبَى عليه الناس أن يتّبعوه، فقال: "إني ذاهبٌ، وإن لم يتّبعني أحدٌ". فانتدب معه أبو بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٌّ، وطلحةُ، والزُّبير، وسعدٌ، وعبد الرحمن بن عوفٍ، وأبو عبيدة، وابن مسعود، وحذيفة، في سبعين رجلًا، فساروا في طلب أبي سفيان حتى بلغوا الصّفراء، فأنزل اللَّه: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وهذا غريبٌ أيضًا. وقال ابن هشام (٦): ثنا أبو عبيدة، أن أبا سفيان بن حربٍ لمّا انصرف يوم أُحد أراد الرّجوع إلى

стр. 1720

المدينة، فقال لهم صفوان بن أميّة: لا تفعلوا؛ فإن القوم قد حرِبوا (١)، وقد خشينا أن يكون لهم قتالٌ غيرُ الذي كان، فارجعوا. فرجعوا، فقال النبيّ ﷺ وهو بحمراء الأسد حين بلغه أنهم همّوا بالرّجعة: "والذي نفسي بيده، لقد سُوّمت لهم حجارةٌ، لو صبّحوا بها لكانوا كأمس الذاهب". قال: وأخذ رسول اللَّه ﷺ في وجهه ذلك، قبل رجوعه إلى المدينة، معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمسٍ، جدّ عبد الملك بن مروان لأُمِّه عائشة بنت معاوية، وأبا عزّة الجمحيّ، وكان رسول اللَّه ﷺ قد أسره ببدرٍ ثم منّ عليه، فقال: يا رسول اللَّه، أقلني. فقال: "لا واللَّه، لا تمسح عارضيك بمكة تقول: خدعت محمدًا مرتين، اضرب عنقه يا زبير". فضرب عنقه. قال ابن هشامٍ (٢): وبلغني عن ابن المسيّب أنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن المؤمن لا يلدغ من جحرٍ مرتين، اضرب عنقه يا عاصم بن ثابتٍ". فضرب عنقه. وذكر ابن هشامٍ (٣) أن معاوية بن المغيرة بن أبي العاص استأمن له عثمان على أن لا يقيم بعد ثلاثٍ، فبعث إليه رسول اللَّه ﷺ بعدها زيد بن حارثة وعمّار بن ياسرٍ وقال: "ستجدانه في مكان كذا وكذا فاقتلاه". ففعلا، ﵄. قال ابن إسحاق (٤): ولما رجع رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة كان عبد اللَّه بن أُبيٍّ، كما حدّثني الزهريِّ، له مقامٌ يقومه كلّ جمعةٍ، لا ينكَر له، شرفًا في نفسه وفي قومه، وكان فيهم شريفًا، إذا جلس رسول اللَّه ﷺ يوم الجمعة، وهو يخطب الناس، قال فقال: أيها الناس، هذا رسول اللَّه بين أظهركم، أكرمكم اللَّه به، وأعزّكم به فانصروه وعزّروه واسمعوا له وأطيعوا. ثم يجلس حتى إذا صنع يوم أحدٍ ما صنع، ورجع الناس، قام يفعل ذلك كما كان يفعله، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه، وقالوا: اجلس أي عدوّ اللَّه، واللَّه لست لذلك بأهلٍ، وقد صنعت ما صنعت. فخرج يتخطّى رقاب الناس وهو يقول: واللَّه لكأنما قلت بُجرًا أن قمت أشدّد أمره. فلقيه رجالٌ من الأنصار بباب المسجد فقالوا: ويلكَ، ما لك؟ قال: قمت أشدّد أمره فوثب إليَّ رجالٌ من أصحابه يجذبونني ويعنّفونني، لكأنما قلت بُجرًا أن قمت أشدّد أمره. قالوا: ويلك، ارجع يستغفر لك رسول اللَّه ﷺ . قال: واللَّه ما أبتغي أن يستغفر لي. ثم ذكر ابن إسحاق (٥) ما نزل من القرآن في قصة أحدٍ من سورة "آل عمران"، من عند قوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢١]. قال: إلى تمام ستين آيةً. وتكلّم عليها، وقد بسطنا الكلام على ذلك في كتابنا "التفسير" بما فيه كفايةٌ. ثم شرع ابن إسحاق في
следующие страницы →