"لكنّ حمزة لا بواكي له" فجاء نساء الأنصار يبكين حمزة، فاستيقظ رسول اللَّه ﷺ فقال: "ويحهنّ! ما انقلبن بعدُ؟! مروهنّ فلينقلبن، ولا يبكين على هالكٍ بعد اليوم".
وقال موسى بن عقبة: ولما دخل رسول اللَّه ﷺ أزقَّة المدينة، إذا النّوح والبكاء في الدّور، فقال: "ما هذا؟ " قالوا: هذه نساء الأنصار يبكين قتلاهم. فقال: "لكنّ حمزة لا بواكي له". واستغفر له، فسمع ذلك سعد بن معاذٍ، وسعد بن عبادة، ومعاذ بن جبلٍ، وعبد اللَّه بن رواحة، فمشَوا إلى دورهم، فجمعوا كلّ نائحةٍ وباكيةٍ كانت بالمدينة فقالوا: واللَّه لا تبكين قتلى الأنصار حتى تبكين عمّ النبيّ ﷺ ، فإنه قد ذكر أنه لا بواكي له بالمدينة. وزعموا أن الذي جاء بالنّوائح عبد اللَّه بن رواحة، فلما سمع رسول اللَّه ﷺ قال: "ما هذا؟ " فأُخبر بما فعلت الأنصار بنسائهم، فاستغفر لهم، وقال لهم خيرًا، وقال: "ما هذا أردت، وما أحبّ البكاء" ونهى عنه.
وهكذا ذكر ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير سواءً.
قال موسى بن عقبة (١): وأخذ المنافقون، عند نكاء المسلمين، في المكر والتّفريق عن رسول اللَّه ﷺ وتحزين المسلمين، وظهر غشّ اليهود، وفارت المدينة بالنّفاق فَور المرجل، وقالت اليهود: لو كان نبيًا ما ظهروا عليه، ولا أصيب منه ما أصيب، ولكنّه طالب ملكٍ؛ تكون له الدّولة وعليه. وقال المنافقون مثل قولهم، وقالوا للمسلمين: لو كنتم أطعتمونا ما أصابكم الذين أصابوا منكم. فأنزل اللَّه القرآن في طاعة من أطاع ونفاق من نافق، وتعزية المسلمين؛ يعني فيمن قتل منهم، فقال: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢١] الآيات كلّها، كما تكلّمنا على ذلك في "التفسير" (٢) وللَّه الحمدُ والمنّة.
ذكر خروج النبيّ ﷺ بأصحابه، على ما بهم من القرح والجراح، في أثر أبي سفيان؛ إرهابًا له ولأصحابه حتى بلغ حمراء الأسد (٣) وهي على ثمانية أميالٍ من المدينة
قال موسى بن عقبة (٤) بعد اقتصاصه وقعة أحدٍ وذِكره رجوعه، ﵊، إلى المدينة:
стр. 1717
وقدم رجلٌ من أهل مكة على رسول اللَّه ﷺ ، فسأله عن أبي سفيان وأصحابه، فقال: نازلتُهم فسمعتهم يتلاومون؛ يقول بعضهم لبعضٍ: لم تصنعوا شيئًا؛ أصبتم شوكة القوم وحدّهم، ثم تركتموهم، ولم تبتروهم، فقد بقي منهم رؤوسٌ يجمعون لكم، فأمر رسول اللَّه ﷺ أصحابه، وبهم أشدُّ القَرح، بطلب العدوّ؛ ليسمعوا بذلك، وقال: "لا ينطلقنّ معي إلّا من شهد القتال". فقال عبد اللَّه بن أُبيّ: أنا راكبٌ معك. فقال: "لا". فاستجابوا للَّه ولرسوله على الذي بهم من البلاء، فانطلقوا، فقال اللَّه في كتابه العزيز: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٢].
قال: وأذن رسول اللَّه ﷺ لجابر بن عبد اللَّه حين ذكر أن أباه أمره بالمقام في المدينة على أخواته. قال: وطلب رسول اللَّه ﷺ العدوّ حتى بلغ حمراء الأسد.
وهكذا روى ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير سواءً.
وقال محمد بن إسحاق في "مغازيه": وكان يوم أحدٍ يوم السبت النّصف من شوّالٍ، فلما كان الغد من يوم الأحد لستّ عشرة ليلةً مضت من شوّالٍ، أذّن مُؤَذِّنُ رسول اللَّه ﷺ في الناس بطلب العدوّ، وأذّن مؤذّنه ألّا يخرجنّ أحدٌ إلّا من حضر يومنا بالأمس، فكلّمه جابر بن عبد اللَّه، فأذن له.
قال ابن إسحاق (١): وإنما خرج رسول اللَّه ﷺ مرهبًا للعدوّ، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم؛ ليظنّوا به قوةً، وأنّ الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوّهم.
قال ابن إسحاق، ﵀ (٢): فحدّثني عبد اللَّه بن خارجة بن زيد بن ثابتٍ، عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان، أن رجلًا من بني عبد الأشهل قال: شهدت أحدًا أنا وأخٌ لي فرجعنا جريحين، فلما أذّن مؤذّن رسول اللَّه ﷺ بالخروج في طلب العدوّ، قلت لأخي وقال لي: أتفوتنا غزوةٌ مع رسول اللَّه ﷺ ؟ واللَّه ما لنا من دابّةٍ نركبها، وما منّا إلا جريحٌ ثقيلٌ، فخرجنا مع رسول اللَّه ﷺ ، وكنت أيسر جرحًا منه، فكان إذا غُلب حملته عقبةً، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون.
قال ابن إسحاق: فخرج رسول اللَّه ﷺ حتى انتهى إلى حمراء الأسد، وهي من المدينة على ثمانية أميالٍ، فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة.
قال ابن هشامٍ: وقد كان استعمل على المدينة ابن أمّ مكتومٍ.
قال ابن إسحاق (٣): حدّثني عبد اللَّه بن أبي بكرٍ، أن معبد بن أبي معبدٍ الخزاعيّ، وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم عيبة نصحٍ لرسول اللَّه ﷺ بتهامة، صفقهم معه، لا يخفون عنه شيئًا كان بها، ومعبدٌ
стр. 1718
يومئذٍ مشركٌ، مرّ برسول اللَّه ﷺ وهو مقيمٌ بحمراء الأسد، فقال: يا محمد، أما واللَّه لقد عزّ علينا ما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن اللَّه عافاك فيهم. ثم خرج ورسول اللَّه ﷺ بحمراء الأسد حتى لقي أبا سفيان بن حربٍ ومن معه بالرّوحاء، وقد أجمعوا الرّجعة إلى رسول اللَّه ﷺ وأصحابه، وقالوا: أصبنا حدّ أصحابه وقادتهم وأشرافهم، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم؟! لنكرّنّ على بقيتهم فلنفرغنّ منهم. فلما رأى أبو سفيان معبدًا قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمدٌ قد خرج في أصحابه، يطلبكم في جمعٍ لم أر مثله قطُّ؛ يتحرّقون عليكم تحرّقًا، قد اجتمع معه من كان تخلّف عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنَق عليكم شيءٌ لم أر مثله قطُّ. قال: ويلك ما تقول؟ قال: واللَّهِ ما أُراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل، قال: فواللَّه لقد أجمعنا الكرّة عليهم؛ لنستأصل شأفتهم. قال: فإني أنهاك عن ذلك، واللَّه لقد حملني ما رأيت على أن قلتُ فيه أبياتًا من شعرٍ. قال: وما قلتَ؟ قال: قلتُ (١): [من البسيط]
كادت تهدّ من الأصوات راحلتي … إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل
تردي بأسدٍ كرامٍ لا تنابلةٍ … عند اللقاء ولا ميلٍ معازيل
فظلت عدوًا أظنّ الأرض مائلةً … لمّا سموا برئيسٍ غير مخذول
فقلت: ويل ابن حربٍ من لقائكمُ … إذا تغطمطت البطحاء بالجيل
إني نذيرٌ لأهل البسل ضاحيةً … لكلّ ذى إربةٍ منهم ومعقول
من جيش أحمد لا وخشٍ قنابلُه (٢) … وليس يُوصف ما أنذرت بالقيل
قال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه. ومرّ به ركبٌ من عبد القيس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: المدينة. قال: ولم؟ قالوا: نريد الميرة؟ قال: فهل أنتم مبلّغون عني محمدًا رسالةً أرسلكم بها إليه وأحمّل لكم هذه غدًا زبيبًا بعكاظٍ إذا وافيتموها؟ قالوا: نعم. قال: فإذا وافيتموه، فأخبروه أنّا قد أجمعنا السّير إليه وإلى أصحابه؛ لنستأصل بقيتهم. فمرّ الرّكب برسول اللَّه ﷺ وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال: "حسبنا اللَّه ونعم الوكيل". وكذا قال الحسن البصريّ.
وقد قال البخاريُّ (٣): ثنا أحمد بن يونس -أُراه قال:- ثنا أبو بكرٍ، عن أبي حَصينٍ، عن أبي الضّحى، عن ابن عباسٍ: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. قالها إبراهيم، ﵇، حين ألقي في النار، وقالها محمدٌ ﷺ حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] تفرّد بروايته البخاريّ.
وقد قال البخاريُّ (٤): حدّثنا محمد بن سَلَامٍ، حدّثنا أبو معاوية، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عائشة،
стр. 1719
﵂ ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٢]. قالت لعروة: يابن أُختي، كان أبواك منهم؛ الزُّبير، وأبو بكرٍ، ﵄، لمّا أصاب رسول اللَّه ﷺ ما أصاب يوم أحدٍ وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، فقال: "من يذهب في إثرهم؟ " فانتدب منهم سبعون رجلًا، فيهم أبو بكرٍ والزُّبير. هكذا رواه البخاريّ.
وقد رواه مسلمٌ مختصرًا (١) من أوجهٍ، عن هشامٍ.
وهكذا رواه سعيد بن منصورٍ وأبو بكرٍ الحميديّ جميعًا، عن سفيان بن عيينة (٢).
وأخرجه ابن ماجه (٣) من طريقه، عن هشام بن عروة به.
ورواه الحاكم في "مستدركه" (٤) من طريق أبي سعيدٍ المؤدّب، عن هشام بن عروة به، ورواه من حديث البهيّ، عن عروة، وقال في كلّ منهما: صحيحٌ، ولم يخرجاه. كذا قال.
وهذا السياق غريبٌ جدًا؛ فإن المشهور عند أصحاب المغازي، أن الذين خرجوا مع رسول اللَّه ﷺ إلى حمراء الأسد كلّ من شهد أحدًا، وكانوا سبعمئةٍ، كما تقدّم، قتل منهم سبعون، وبقي الباقون.
وقد روى ابن جريرٍ (٥) من طريق العوفيّ، عن ابن عباس قال: إن اللَّه قذف في قلب أبي سفيان الرّعب يوم أحدٍ، بعد الذي كان منه، فرجع إلى مكة، وكانت وقعة أحدٍ في شوّالٍ، وكان التّجّار يقدَمون في ذي القعدة المدينة، فينزلون ببدرٍ الصّغرى في كلّ سنةٍ مرةً، وإنهم قدموا بعد وقعة أحدٍ، وكان أصاب المسلمين القَرح، واشتكوا ذلك إلى رسول اللَّه ﷺ ، واشتدّ عليهم الذي أصابهم، وإن رسول اللَّه ﷺ ندب الناس لينطلقوا معه ويتّبعوا ما كانوا متّبعين، وقال: "إنما يرتحلون الآن فيأتون الحجّ، ولا يقدرون على مثلها حتى عامٍ قابلٍ". فجاء الشيطان يخوّف أولياءه، فقال: إنّ الناس قد جمعوا لكم. فأبَى عليه الناس أن يتّبعوه، فقال: "إني ذاهبٌ، وإن لم يتّبعني أحدٌ". فانتدب معه أبو بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٌّ، وطلحةُ، والزُّبير، وسعدٌ، وعبد الرحمن بن عوفٍ، وأبو عبيدة، وابن مسعود، وحذيفة، في سبعين رجلًا، فساروا في طلب أبي سفيان حتى بلغوا الصّفراء، فأنزل اللَّه: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وهذا غريبٌ أيضًا.
وقال ابن هشام (٦): ثنا أبو عبيدة، أن أبا سفيان بن حربٍ لمّا انصرف يوم أُحد أراد الرّجوع إلى
стр. 1720
المدينة، فقال لهم صفوان بن أميّة: لا تفعلوا؛ فإن القوم قد حرِبوا (١)، وقد خشينا أن يكون لهم قتالٌ غيرُ الذي كان، فارجعوا. فرجعوا، فقال النبيّ ﷺ وهو بحمراء الأسد حين بلغه أنهم همّوا بالرّجعة: "والذي نفسي بيده، لقد سُوّمت لهم حجارةٌ، لو صبّحوا بها لكانوا كأمس الذاهب". قال: وأخذ رسول اللَّه ﷺ في وجهه ذلك، قبل رجوعه إلى المدينة، معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمسٍ، جدّ عبد الملك بن مروان لأُمِّه عائشة بنت معاوية، وأبا عزّة الجمحيّ، وكان رسول اللَّه ﷺ قد أسره ببدرٍ ثم منّ عليه، فقال: يا رسول اللَّه، أقلني. فقال: "لا واللَّه، لا تمسح عارضيك بمكة تقول: خدعت محمدًا مرتين، اضرب عنقه يا زبير". فضرب عنقه.
قال ابن هشامٍ (٢): وبلغني عن ابن المسيّب أنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن المؤمن لا يلدغ من جحرٍ مرتين، اضرب عنقه يا عاصم بن ثابتٍ". فضرب عنقه.
وذكر ابن هشامٍ (٣) أن معاوية بن المغيرة بن أبي العاص استأمن له عثمان على أن لا يقيم بعد ثلاثٍ، فبعث إليه رسول اللَّه ﷺ بعدها زيد بن حارثة وعمّار بن ياسرٍ وقال: "ستجدانه في مكان كذا وكذا فاقتلاه". ففعلا، ﵄.
قال ابن إسحاق (٤): ولما رجع رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة كان عبد اللَّه بن أُبيٍّ، كما حدّثني الزهريِّ، له مقامٌ يقومه كلّ جمعةٍ، لا ينكَر له، شرفًا في نفسه وفي قومه، وكان فيهم شريفًا، إذا جلس رسول اللَّه ﷺ يوم الجمعة، وهو يخطب الناس، قال فقال: أيها الناس، هذا رسول اللَّه بين أظهركم، أكرمكم اللَّه به، وأعزّكم به فانصروه وعزّروه واسمعوا له وأطيعوا. ثم يجلس حتى إذا صنع يوم أحدٍ ما صنع، ورجع الناس، قام يفعل ذلك كما كان يفعله، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه، وقالوا: اجلس أي عدوّ اللَّه، واللَّه لست لذلك بأهلٍ، وقد صنعت ما صنعت. فخرج يتخطّى رقاب الناس وهو يقول: واللَّه لكأنما قلت بُجرًا أن قمت أشدّد أمره. فلقيه رجالٌ من الأنصار بباب المسجد فقالوا: ويلكَ، ما لك؟ قال: قمت أشدّد أمره فوثب إليَّ رجالٌ من أصحابه يجذبونني ويعنّفونني، لكأنما قلت بُجرًا أن قمت أشدّد أمره. قالوا: ويلك، ارجع يستغفر لك رسول اللَّه ﷺ . قال: واللَّه ما أبتغي أن يستغفر لي.
ثم ذكر ابن إسحاق (٥) ما نزل من القرآن في قصة أحدٍ من سورة "آل عمران"، من عند قوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢١]. قال: إلى تمام ستين آيةً. وتكلّم عليها، وقد بسطنا الكلام على ذلك في كتابنا "التفسير" بما فيه كفايةٌ. ثم شرع ابن إسحاق في
стр. 1721
ذكر شهداء أحدٍ، وتعدادهم بأسمائهم وأسماء آبائهم على قبائلهم، كما جرت عادته، فذكر من المهاجرين أربعةً؛ حمزة، ومصعب بن عميرٍ، وعبد اللَّه بن جحشٍ، وشمّاس بن عثمان، ﵃، ومن الأنصار إلى تمام خمسةٍ وستين رجلًا، واستدرك عليه ابن هشامٍ خمسةً آخرين، فصاروا سبعين على قول ابن هشامٍ، ثم سمّى ابن إسحاق من قتل من المشركين، وهم اثنان وعشرون رجلًا، على قبائلهم أيضًا.
قلت: ولم يؤسَر من المشركين سوى أبي عزّة الجمحيّ، كما ذكره الشافعيّ وغيره، وقتله رسول اللَّه ﷺ صبرًا بين يديه؛ أمر الزُّبيرَ -ويقال: عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح- فضرب عنقه.
فصل فيما تقاول به المؤمنون والكُفَّارُ في وقعة أحدٍ من الأشعار
وإنما نورد شعر الكُفَّار لنذكر جوابها من شعر الإسلام (١) ليكون أبلغ في وقعها من الأسماع والأفهام، وأقطع لشبهة الكفرة (٢) الطّغَام.
قال الإمام محمد بن إسحاق، ﵀: وكان مما قيل من الشعر يوم أحدٍ، قول هُبيرة بن أبي وهبٍ المخزوميّ -وهو على دين قومه من قريشٍ-: [من البسيط]
ما بال همّ عَميدٍ بات يطرقني … بالودّ من هندَ إذ تعدو عواديها
باتت تعاتبني هندٌ وتعذلُني … والحرب قد شغلت عنّي مواليها
مهلًا فلا تعذُليني إنّ من خُلُقي … ما قد علمتِ وما إن لستُ أخفيها
مساعفٌ لبني كعبٍ بما كلفوا … حمّال عبءٍ وَأَثْقَالٍ أعانيها
وقد حملت سلاحي فوق مشتَرفٍ … ساطٍ سبوحٍ إذا يجري يُبَاريها
كأنه إذْ جرى عَيرٌ بفدفدةٍ … مكدّمٌ لاحقٌ بالعُون يحميها
من آل أعوج يرتاح النّديُّ له … كجذع شعراء مستعلٍ مراقيها
أعددتُه ورقاق الحدّ منتخلًا … ومارنًا لخطوبٍ قد ألاقيها
هذا وبيضاء مثل النّهي محكمةً … نِيطَتْ عليّ فما تبدو مساويها
سقنا كنانة من أطراف ذي يمنٍ … عرض البلاد على ما كان يزجيها
قالت كنانة: أنّى تذهبون بنا … قلنا: النّخيل، فأمّوها ومن فيها
نحن الفوارس يوم الجرّ (٣) من أُحدٍ … هابت معدٌّ فقلنا نحن نأتيها
هابوا ضرابًا وطعنًا صادقًا خذِمًا … مما يرون وقد ضمّت قواصيها
стр. 1722
ثمّتَ رحنا كأنّا عارضٌ بردٌ … وقَام هام بني النجّار يبكيها
كأنّ هامهم عند الوغى فلقٌ … من قيض رُبدٍ نفته عن أداحيها
أو حنظلٌ ذعذعتْه الرِّيح في غصنٍ … بالٍ تعاوره منها سوافيها
قد نبذل المال سَحّا لا حساب له … ونطعنُ الخيل شزرًا في مآقيها
وليلةٍ يصطلي بالفرث جازرها … يختصّ بالنّقرى المثرين داعيها
وليلةٍ من جمادى ذات أنديةٍ … جربى جُماديّةٍ قد بثّ أسريها
لا ينبَح الكلب فيها غير واحدةٍ … من القريس ولا تسري أفاعيها
أَوقدتُ فيها لذي الضّرّاء جاحمةً … كالبرق ذاكية الأركان أحميها
أورثني ذاكمُ عمرٌو ووالده … من قبله كان بالمثني يغاليها
كانوا يبارون أنواء النجوم فما … دنّت عن السّورة العليا مساعيها
قال ابن إسحاق (١): فأجابه حسان بن ثابتٍ، ﵁، فقال -قال ابن هشامٍ: وتروى لكعب بن مالكٍ ولغيره. قلت: وقول ابن إسحاق أشهر وأكثر، واللَّه أعلم-: [من البسيط]
سقتم كنانة جهلًا من سفاهتكم … إلى الرَّسول فجند اللَّه مخزيها
أوردتموها حياض الموت ضاحيةً … فالنَّار موعدها والقتل لاقيها
جمعتموهم أحابيشًا بلا حسبٍ … أئمة الكُفْر غرّتكم طواغيها
ألّا اعتبرتم بخيل اللَّه إذ قَتلت … أهل القليب ومن ألقينه فيها
كم من أسيرٍ فككناه بلا ثمنٍ … وجزِّ ناصيةٍ كنا مواليها
قال ابن إسحاق (٢): وقال كعب بن مالكٍ، يجيب هُبيرة بن أبي وهبٍ المخزوميّ أيضًا: [من الطويل]
ألا هل أتى غسّان عنا ودونهم … من الأرض خرقٌ سيره متنعنعُ
صحارٍ وأعلامٌ كأنّ قتامها … من البعد نقعٌ هامدٌ متقطّع
تظلّ به البُزل العراميس رزّحًا … ويخلو به غيث السنين فيمرع
به جيف الحسرى يلوح صليبها … كما لاح كتّان التّجار الموضّع
به العين والآرام يمشين خلفةً … وبيض نعامٍ قيضه يتفلّع
مُجالدنا عن ديننا كلّ فخمةٍ … مذرّبةٍ فيها القوانس تلمع
وكلّ صموتٍ في الصّوان كأنها … إذا لبست نِهيٌ من الماء مترع
стр. 1723
ولكن ببدرٍ سائلوا من لقيتمُ … من النَّاس والأنباءُ بالغيب تنفع
وإنّا بأرض الخوف لو كان أهلها … سوانا لقد أجلوا بليلٍ فأقشعوا
إذا جاء منّا راكبٌ كان قوله … أعدّوا لما يزجي ابن حربٍ ويجمع
فمهما يهمّ الناس مما يكيدنا … فنحن له من سائر الناس أوسع
فلو غيرنا كانت جميعًا تكيده الـ … ــبريّة قد أعطوا يدًا وتوزّعوا
نجالد لا تبقى علينا قبيلةٌ … من الناسٍ إلا أن يهابوا ويفظعوا
ولمّا ابتنوا بالعرض قالت سراتنا … علام إذا لم نمنع العرض نزرع
وفينا رسول اللَّه نتبع أمره … إذا قال فينا القول لا نتطلّع
تدلّى عليه الرّوح من عند ربّه … ينزّل من جوّ السماء ويرفع
نشاوره فيما نريد وقصرنا … إذا ما اشتهى أنا نطيع ونسمع
وقال رسول اللَّه لمّا بدوا لنا … ذروا عنكم هول المنيّات واطمعوا
وكونوا كمن يشري الحياة تقرّبًا … إلى ملكٍ يحيا لديه ويرجع
ولكن خذوا أسيافكم وتوكّلوا … على اللَّه إنّ الأمر للَّه أجمع
فسرنا إليهم جهرةً في رحالهم … ضحيّا علينا البيض لا نتخشّع
بملمومةٍ فيها السَّنَوَّر والقنا … إذا ضربوا أقدامها لا تورّع
فجئنا إلى موجٍ من البحر وسطه … أحابيش منهم حاسرٌ ومقنّع
ثلاثة آلافٍ ونحن نصيّةٌ … ثلاث مِئِينٍ إن كثرنا وأربع
نغاورهم تجري المنيّة بيننا … نشارعهم حوض المنايا ونشرع
تهادى قسيّ النّبع فينا وفيهم … وما هو إلّا اليثربيّ المقطّع
ومنجوفةٌ حِرميّةٌ صاعديّةٌ … يذرُّ عليها السّمّ ساعة تصنع
تصوب بأبدان الرّجال وتارةً … تمرّ بأعراض البصار تقعقع
وخيلٌ تراها بالفضاء كأنّها … جراد صبًا في قرّة يتريّع
فلمّا تلاقينا ودارت بنا الرّحا … وليس لأمرٍ حمّه اللَّه مدفع
ضربناهمُ حتى تركنا سَراتهمٍ … كأنّهمُ بالقاع خُشْبٌ مُصَرَّع
كدُنْ غُدوةً حتى استفقنا عشيّةً … كأن ذكانا حرّ نارٍ تلفّع
وراحوا سراعًا موجعين كأنهم … جهامٌ هراقت ماءه الريح مقلع
ورحنا وأخرانا بطاءٌ كأننا … أسودٌ على لحمٍ ببيشة ظلّع
فنلنا ونال القوم منا وربما … فعلنا ولكن ما لدى اللَّه أوسع
ودارت رحانا واستدارت رحاهمُ … وقد جعلوا كُلٌّ من الشرّ يشبع
ونحن أناسٌ لا نرى القتل سُبّةً … على كلّ من يحمي الذّمار ويمنع
стр. 1724
جلادٌ على ريب الحوادث لا نرى … على هالكٍ عينًا لنا الدّهرَ تدمع
بنو الحرب لا نعيا بشيءٍ نقوله … ولا نحن مما جرّت الحرب نجزع
بنو الحرب إن نظفر فلسنا بفُحّشٍ … ولا نحن من أظفارها نتوجّع
وكنّا شهابًا يتّقي الناس حرّه … ويفرج عنه من يليه ويسفع
فخرت عليّ ابن الزّبعرى وقد سرى … لكم طلبٌ من آخر الليل متبع
فسل عنك في عليا معدٍّ وغيرها … من الناس مَنْ أخزى مقامًا وَأَشْنَعُ
ومن هو لم يترك له الحرب مفخرًا … ومن خدّه يوم الكريهة أضرع
شددنا بحول اللَّه والنصر شدّةً … عليكم وأطراف الأسنّة شرّع
تكرّ القنا فيكم كأن فروعها … عزالي مزادٍ ماؤها يتهزّع
عمدنا إلى أهل اللواء ومن يطر … بذكر اللّواء فهو في الحمد أسرع
فخانوا وقد أعطوا يدًا وتخاذلوا … أبى اللَّه إلَّا أمره وهو أصنع
[قال ابن إسحاق (١): وقال عبد اللَّه بن الزّبعري في يوم أحدٍ، وهو يومئذٍ مشركٌ بعد: [من الرمل]
يا غُرَابَ البينِ أسمعتَ فقُلْ … إنما تنطقُ شيئًا قد فُعلْ
إنّ للخير وللشرّ مدى … وكلا ذلك وجهٌ وقَبلْ
والعطيّات خساسٌ بينهم … وسواءٌ قبر مثرٍ ومقلْ
كلّ عيشٍ ونعيمٍ زائلٌ … وبنات الدّهر يلعبن بكلْ
أبلغنْ حسّان عنّي آيةً … فقريض الشّعر يشفي ذا الغُللْ
كم ترى بالجرّ من جمجمةٍ … وأكفّ قد أُترّت ورجلْ
وسرابيلَ حسانٍ سريت … عن كماةٍ أهلكوا في المنتزلْ
كم قتلنا من كريمٍ سيّدٍ … ماجد الجدّين مِقْدامٍ بطلْ
صادق النّجدة قرمٍ بارعٍ … غير ملتاثٍ لدى وقع الأسلْ
فسل المهراس ما ساكنه … بين أقحافٍ وهامٍ كالحجلْ
ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا … جزع الخزرج من وقع الأسلْ
حين حكّت بقباءٍ بركها … واستحرّ القتل في عبد الأشلْ
ثم خفّوا عند ذاكم رُقصًا … رقص الحفّان يعلو في الجبلْ
فقتلنا الضعف من أشرافهم … وعدلنا ميل بدرٍ فاعتدلْ
لا ألوم النّفس إلَّا أنّنا … لو كررنا لفعلنا المفتعل
стр. 1725
بسيوف الهند تعلو هامهم … عللًا تعلوهمُ بعد نهل
قال ابن إسحاق (١): فأجابه حسَّان بن ثابتٍ، ﵁: [من الرمل]
ذهبت بابن الزّبعرى وقعةٌ … كان منّا الفضل فيها لو عدلْ
ولقد نلتم ونلنا منكمُ … وكذاك الحرب أحيانًا دولْ
نضعُ الأسياف في أكتافكم … حيث نهوي عللًا بعد نهلْ
نخرج الأصبح من أستاهكم … كسُلاح (٢) النّيب يأكلن العصلْ
إذ تولّون على أعقابكمٍ … هرَّبًا في الشّعب أشباه الرّسلْ
إذ شددنا شدّةً صادقةً … فأجأناكم إلى سفح الجبلْ
بخناطيل كأمذاق الملا … من يلاقوه من الناس يهلْ
ضاق عنا الشّعب إذ نجزعه … وملأنا الفرط منه والرّجَلْ (٣)
برجالٍ لستمُ أمثالهم … أُيِّدوا جبريل نصرًا فنزلْ
وعلونا يوم بدرٍ بالتّقى … طاعة اللَّه وتصديق الرّسلْ
وقتلنا كلّ رأسٍ منهمُ … وقتلنا كلّ جحجاحٍ رفلْ
وتركنا في قريشٍ عورةً … يوم بدرٍ وأحاديث المثلْ
ورسول اللَّه حقًّا شاهدٌ … يوم بدرٍ والتّنابيل الهبلْ
في قريشٍ من جموعٍ جمّعوا … مثل ما يجمع في الخصب الهملْ
نحن لا أمثالكم ولد استها … نحضر البأس إذا البأس نزلْ
قال ابن إسحاق (٤): وقال كعبٌ يبكي حمزة ومن قتل من المسلمين يوم أحدٍ، ﵃: [من المتقارب]
نشجتَ وهل لك من منشج … وكنت متى تذّكر تلججِ
تذكُّر قومٍ أتاني لهم … أحاديث في الزمن الأعوجِ
فقلبك من ذكرهم خافقٌ … من الشّوق والحزن المنضجِ
وقتلاهمُ في جنان النعيم … كرام المداخل والمخرجِ
بما صبروا تحت ظلّ اللّواء … لواء الرسول بذى الأضوجِ
стр. 1726
غداة أجابت بأسيافها … جميعًا بنو الأوس والخزرجِ
وأشياع أحمد إذ شايعوا … على الحقّ ذي النور والمنهجِ
فما برحوا يضربون الكماة … ويمضون في القسطل المرهجِ
كذلك حتى دعاهم مليكٌ … إلى جنّةٍ دوحة المولجِ
كحمزة لمَّا وفى صادقًا … بذي هبّةٍ صارمٍ سلججِ
فَكُّلهم مات حُرَّ البلاء … على مِلَّة اللَّه لم يخْرَجِ
فلاقاه عبد بني نوفلٍ … يبربر كالجمل الأدعجِ
فأوجره حربةً كالشّهاب … تلهّب في الَّلَهب الموهَجِ
ونعمان أوفى بميثاقه … وحنظلة الخير لم يحنجِ
عن الحقّ حتى غدت روحه … إلى منزلٍ فاخر الزّبرجِ
أولئك لا من ثوى منكمُ … من النار في الدّرك المرتجِ
قال ابن إسحاق (١): وقال حسّان بن ثابتٍ يبكي حمزة ومن أصيب من المسلمين يوم أحدٍ - وهي على رويّ قصيدة أُمية بن أبي الصّلت في قتلى المشركين يوم بدرٍ.
قال ابن هشامٍ: ومن [أهل العلم بالشعر من] ينكر هذه لحسان، واللَّه أعلم-: [من مجزوء الرجز]
يا ميّ قومي فاندُبنْ … بسُحيرةٍ شجو النّوائحْ
كالحاملات الوقر بالثّقْـ … ـل الملحّات الدّوالحْ
المعولات الخامشا … ت وجوه حرّاتٍ صحائحْ
وكأنّ سيل دموعها الـ … أنصاب تخضب بالذّبائحْ
ينقضن أشعارًا لهنْ … ـن هناك بادية المسائحْ
وكأنّها أذناب خيـ … ـلٍ بالضّحى شمسٍ روامح
من بين مشزورٍ ومَجْـ … ـزورٍ يذعذع بالبوارح
يبكين شجوًا مسلبا … تٍ كدّحتهنّ الكوادح
ولقد أصاب قلوبها … مجلٌ له جلبٌ قوارح
إذ أقصد الحدثان مَن … كنّا نرجّي إذ نشايح
أصحاب أُحْد غالهم … دهرٌ ألمّ له جوارح
من كان فارسنا وحا … مِيَنا إذا بعث المسالح
يا حمز لا واللَّه لا … أنساك ما صرّ اللّقائح
стр. 1727
لمناخ أيتامٍ وأضـ … ـيافٍ وأرملةٍ تلامح
ولما ينوب الدّهرُ في … حرب لحربٍ وهي لاقحْ
يا فارسًا يا مدرهًا … يا حمز قد كنت المصامحْ
عنا شديدات الخطوب … إذا ينوب لهن فادخْ
ذكّرتني أسد الرسو … ل وذاك مدرهنا المنافحْ
عنا وكان يعدّ إذ … عدّ الشّريفون الجحاجحْ
يعلو القماقم جهرةً … سبط اليدين أغرّ واضح
لا طائشٌ رعشٌ ولا … ذو علّةٍ بالحمل آنحْ
بحرٌ فليس يغبّ جا … رًا منه سيبٌ أو منادحْ
أودى شباب أولي الحفا … ئظ والثّقيلون المراجح
المطعمون إذا المشا … تي ما يصفّفهنّ ناضح
لحم الجلاد وفوقه … من شحمه شطبٌ شرائح
ليدافعوا عن جارهم … ما رام ذو الضّغن المكاشح
لهفي لشبانٍ رُزِئـ … ناهم كأنهم المصابحْ
شمّ بطارقةٍ غطا … رفةٍ خضارمةٍ مسامح
المشترون الحمد بالأ … موال إن الحمد رابحْ
والجامزون بلجمهم … يومًا إذا ما صاح صائح
من كان يُرمى بالنّوا … قر من زمانٍ غير صالح
ما إن تزال ركابه … يرسمن في غُبرٍ صحاصح
راحت تبارى وهو في … ركبٍ صدورهمُ رواشح
حتى تَؤُوبَ له المعا … لي ليس من فوز السّفائح
يا حمز قد أوحدتني … كالعود شذّبه الكوافح
أشكو إليك وفوقك التّـ … ـرب المكوّر والصّفائح
من جندلٍ يلقيه … فوقك إذ أجاد الضّرح ضارح
في واسعٍ يحشونه … بالتُّرْب سوّته المماسح
فعزاؤنا أنّا نقو … ل وقولنا برحٌ بوارح
من كان أمسى وهو عمْـ … ـما أوقع الحِدثان جانح
فليأتنا فلتبك عيـ … ـناه لهلكانا النّوافح
القائلين الفاعليـ … ـن ذوي السّماحة والممادح
من لا يزال ندى يديـ … ـه له طوال الدّهر مائحْ
стр. 1728
قال ابن هشام (١): وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لحسان.
قال ابن إسحاق (٢): وقال كعب بن مالكٍ يبكي حمزة وأصحابه: [من الكامل]
طرقتْ همومك فالرّقاد مسهّدُ … وجزعت أن سلخ الشباب الأغيدُ
ودعت فؤادك للهوى ضمريّةٌ … فهواك غوريٌ وصحوك منجدُ
فدع التّماديَ في الغواية سادرًا … قد كنت في طلب الغواية تفندُ
ولقد أنى لك أن تناهى طائعًا … أو تستفيق إذا نهاك المرشد
ولقد هددت لفقد حمزة هدّةً … ظلّت بنات الجوف منها ترعد
ولو أنّه فجعت حراء بمثله … لرأيت راسيَ صخرها يتبدّد
قرمٌ تمكّن في ذؤابة هاشمٍ … حيث النّبوّة والنّدى والسّؤدُد
والعاقر الكوم الجلاد إذا غدت … ريحٌ يكاد الماء منها يجمد
والتارك القرن الكميّ مجدّلًا … يوم الكريهة والقنا يتقصّد
وتراه يرفُل في الحديد كأنه … ذو لبدةٍ شثن البراثن أربد
عمّ النبيّ محمدٍ وصفيّه … ورد الحِمام فطاب ذاك المورد
وأتى المنيّة معلمًا في أسرةٍ … نصروا النبيّ ومنهمُ المستشهدُ
ولقد إخال بذاك هندًا بشّرت … لتميت داخل غصّةٍ لا تبرد
مما صبحنا بالعقنقل قومها … يومًا تغيّب فيه عنها الأسعد
وببئر بدرٍ إذ يردّ وجوههم … جبريل تحت لوائنا ومحمد
حتى رأيت لدى النبيّ سراتهم … قسمين يفتل من يشاء ويطرد
فأقام بالعطن المعطّن منهمُ … سبعون عتبة منهم والأسودُ
وابن المغيرة قد ضربنا ضَرْبَةً … فوق الوريد لها رشاشٌ مزبد
وأميّة الجمحيّ قوّم ميله … عضبٌ بأيدي المؤمنين مهنّد
فأتاك فَلّ المشركين كأنّهم … والخيل تثفنهم نعامٌ شرّد
شتّان من هو في جهنّم ثاويًا … أبدًا ومن هو في الجنان مخلّد
قال ابن إسحاق (٣): وقال عبد اللَّه بن رواحة يبكي حمزة وأصحابه يوم أحدٍ -قال ابن هشامٍ: وأنشدنيها أبو زيدٍ لكعب بن مالكٍ، فاللَّه أعلم-: [من الوافر]
стр. 1729
بكت عيني وحُقّ لها بكاها … وما يغني البكاء ولا العويلُ
على أسد الإله غداة قالوا … أحمزة ذاكم الرجل القتيل
أصيب المسلمون به جميعًا … هناك وقد أصيب به الرسولُ
أبا يعلى لك الأركان هدّت … وأنس الماجد البرّ الوصول
[عليك سلام ربّك في جنانٍ … مخالطها نعيمٌ لا يزول]
ألا يا هاشم الأخيار صبرًا … فكل فعالكم حسنٌ جميل
رسول اللَّه مصطبرٌ كريمٌ … بأمر اللَّه ينطق إذ يقول
ألا من مبلغٌ عني لؤيّا … فبعد اليوم دائلةٌ تدول
وقبل اليوم ما عرفوا وذاقوا … وقائعنا بها يُشفى الغليل
نسيتم ضربنا بِقَلِيب بدرٍ … غداة أتاكمُ الموت العجيل
غداة ثوى أبو جهلٍ صريعًا … عليه الطير حائمةً تجول
وعتبة وابنه خرَّا جميعًا … وشيبة عضّه السيف الصّقيل
ومتركنا أميّة مجلعبًّا … وفي حيزومه لدْنٌ نبيل
وهام بني ربيعة سائلوها … ففي أسيافنا منها فلول (١)
ألا يا هند فابكي لا تملّي … فأنت الواله العبرى الهبول
ألا يا هند لا تبدي شماتًا … بحمزة إنّ عزّكمُ ذليلُ
قال ابن إسحاق (٢): وقالت صفيّة بنت عبد المطلب تبكي أخاها حمزة بن عبد المطلب -وهي أمّ الزّبير، عمّة النبيّ ﷺ ، ورضي اللَّه عنهم أجمعين-: [من الطويل]
أسائلةٌ أصحاب أُحْدٍ مخافةً … بنات أبي من أعجمٍ وخبيرِ
فقال الخبير إنّ حمزة قد ثوى … وزير رسول اللَّه خير وزيرِ
دعاه إله الحقّ ذو العرش دعوةً … إلى جنةٍ يحيا بها وسرورِ
فذلك ما كنا نرجّي ونرتجي … لحمزة يوم الحشر خير مصيرِ
فواللَّه لا أنساك ما هبّت الصَّبا … بكاءً وحزنًا محضري ومسيري
على أسد اللَّه الذي كان مِدرها … يذود عن الإسلام كلّ كفور
فيا ليت شِلوي عند ذاك وأعظمي … لدى أصبغٍ تعتادني ونسور
أقول وقد أعلى النّعيّ عشيرتي … جزى اللَّه خيرًا من أخٍ ونصيرٍ
стр. 1730
قال ابن إسحاق (١): وقالت نُعْمُ امرأة شمّاس بن عثمان تبكي زوجها: [من البسيط]
يا عين جودي بفيضٍ غير إبساسِ … على كريمٍ من الفتيان لبّاس
صعب البديهة ميمونٍ نقيبته … حمّال ألويةٍ ركَّاب أفراس
أقول لمَّا أتى الناعي له جزعًا … أودى الجواد وأودى المطعم الكاسي
وقلت لمّا خلت منه مجالسه … لا يبعد اللَّه منا قرب شمّاس
قال: فأجابها أخوها الحكم بن سعيد بن يربوعٍ يعزّيها فقال: [من البسيط]
إقْنَيْ حياءك في سترٍ وفي كرمٍ … فإنّما كان شمّاسٌ من الناس
لا تقتلي النفس إذ حانت منيّته … في طاعة اللَّه يوم الرَّوع والباس
قد كان حمزة ليث اللَّه فاصطبري … فذاق يومئذٍ من كأس شمّاس
وقالت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان، حين رجعوا من أحدٍ: [من الطويل]
رجعتُ وفي نفسي بلابل جمّةٌ … وقد فاتني بعض الذي كان مطلبي
من أصْحابِ بدرٍ من قريشٍ وغيرهم … بني هاشمٍ منهم ومن أهل يثرب
ولكنّني قد نلت شيئًا ولم يكن … كما كنت أرجو في مسيري ومركبي
وقد أورد ابن إسحاق في هذا أشعارًا كثيرة، تركنا كثيرًا منها، خشية الإطالة وخوف الملالة، وفيما ذكرنا كفايةٌ، وللَّه الحمد.
وقد أورد الأمويّ في "مغازيه" من الأشعار أكثر ممّا ذكره ابن إسحاق، كما جرت عادته، ولا سيّما هاهنا، فمن ذلك ما ذكره لحسان بن ثابتٍ أنّه قال في غزوة أحد -فاللَّه أعلم-: [من الرمل]
طاوَعوا الشيطان إذ أخزاهم … فاستبان الخزي فيهم والفشل
حين صاحوا صيحةً واحدةً … مع أبي سفيان قالوا اعل هبل
فأجبناهم جميعًا كلّنا … ربّنا الرحمن أعلى وأجلّ
اُثبتوا نسقيكموها مُرّةً … من حياض الموت والموت نهل
واعلموا أنّا إذا ما نضّجت … عن حيال الموت قدرٌ تشتعل
وكأنّ هذه الأبيات قطعةٌ من جوابه لعبد اللَّه بن الزّبعرى (٢)، واللَّه أعلم.
стр. 1731
آخر الكلام على وقعة أحدٍ
فصلٌ
قد تقدّم ما وقع في هذه السنة الثالثة من الحوادث والغزوات والسّرايا، ومن أشهرها وقعة أحدٍ، وكانت في النصف من شوالٍ منها، وقد تقدّم بسطها، وللَّه الحمد.
وفيها في أحدٍ توفّي شهيدًا أبو يعلى، ويقال: أبو عمارة. أيضًا؛ حمزة بن عبد المطلب عمّ رسول اللَّه ﷺ ، الملقّب بأسد اللَّه وأسد رسوله، وكان رضيع النبيّ ﷺ (١)، هو وأبو سلمة بن عبد الأسد، أرضعتهم كلّهم ثويبة مولاة أبي لهبٍ، كما ثبت ذلك في الحديث المتفق عليه (٢)، فعلى هذا يكون قد جاوز الخمسين من السنين يوم قتل، ﵁، فإنّه كان من الشجعان الأبطال، ومن الصدّيقين الكبار، وقتل معه يومئذٍ تمام السبعين، ﵃ أجمعين.
قال مصعبُ الزّبيريّ: ولد ليعلى بن حمزة خمسة بنين، كلّهم انقرضوا. وكانت له بنتٌ لها: عُمارة.
قلت: وهي التي تناولها عليٌّ، وقال لفاطمة: دونك ابنة عمّك، فاختصم في حضانتها عليٌّ وزيد بن حارثة وجعفرٌ، فقضى بها النبيُّ ﷺ لخالتها امرأة جعفرٍ، وقال: "الخالة بمنزلة الأمّ" (٣).
وفيها عقد عثمان بن عفَّان عقده (٤) على أمّ كلثومٍ بنت رسول اللَّه ﷺ ، بعد وفاة أختها رُقَيّة، وكان عقده عليها في ربيع الأول منها، وبنى بها في جمادى الآخرة منها، كما تقدّم، فيما ذكره الواقديّ.
وفيها، قال ابن جريرٍ (٥): ولد لفاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ الحسن بن عليّ بن أبي طالبٍ. قال: وفيها علقت بالحسين، ﵃ أجمعين.
* * *
стр. 1732
سنة أربع من الهجرة النبويّة
في المحرّم منها كانت سريّة أبي سلمة بن عبد الأسد إلى طليحة الأسديّ، فانتهى إلى ماءٍ يقال له: قطنٌ.
قال الواقديّ (١): ثنا عمر بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيدٍ اليربوعيّ، عن سلمة بن عبد اللَّه بن عمر بن أبي سلمة وغيره، قالوا: شهد أبو سلمة أحدًا، فجرح جرحًا على عضده، فأقام شهرًا يداوى، فلمَّا كان هلال (٢) المحرّم على رأس خمسةٍ وثلاثين شهرًا من الهجرة، دعاه رسول اللَّه ﷺ فقال: "اخرج في هذه السّريّة، فقد استعملتك عليها". وعقد له لواءً وقال: "سر حتى أرض بنى أسدٍ، فأغر عليهم". وأوصاه بتقوى اللَّه، وبمن معه من المسلمين خيرًا، وخرج معه في تلك السّرية خمسون ومئةٌ، فانتهى إلى أدنى قطنٍ، وهو ماءٌ لبني أسدٍ، وكان هناك طليحة الأسديّ وأخوه سلمة ابنا خويلدٍ، وقد جمعا خلقًا من بني أسدٍ ليقصدوا حرب النبيّ ﷺ ، فجاء رجلٌ منهم إلى النبيّ ﷺ فأخبره بما تمالؤوا عليه، فبعث معه أبا سلمة في سريّته هذه، فلما انتهوا إلى أرضهم، تفرّقوا وتركوا نعَمًا كثيرًا لهم من الإبل والغنم، فأخذ ذلك كلّه أبو سلمة، وأسر منهم معه ثلاثة مماليك، وأقبل راجعًا إلى المدينة، فأعطى ذلك الرجل الأسديّ الذي دلّهم نصيبًا وافرًا من المغنم، وأخرج صفيّ النبيّ ﷺ ؛ عبدًا، وخمّس الغنيمة، وقسمها بين أصحابه، ثم قدم المدينة.
قال عمر بن عثمان: فحدّثني عبد الملك بن عميرٍ، عن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوعٍ، عن عمر بن أبي سلمة قال: كان الذي جرح أبي أبو أسامة الجشميّ، فمكث شهرًا يداويه فبرأ، فيما نرى، وبعثه رسول اللَّه ﷺ في المحرّم -يعني من سنة أربع- إلى قطنٍ، فغاب بضع عشرة ليلةً، فلمّا دخل المدينة انتقض به جرحه، فمات لثلاثٍ بقين من جمادى الأولى.
قال عمر: واعتدّت أمي حتى خلت أربعة أشهرٍ وعشر، ثم تزوّجها رسول اللَّه ﷺ ودخل بها في ليالٍ بقِين من شوّالٍ، وكانت أمي تقول: ما بأسٌ بالنكاح في شوال والدخول فيه، وقد تزوّجني رسول اللَّه ﷺ في شوّالٍ وأعرس بي فيه (٣).
стр. 1733
قال: وماتت أمّ سلمة في ذي القعدة سنة تسعٍ وخمسين. رواه البيهقيّ (١).
قلت: سنذكر في أواخر هذه السنة في شوّالها تزويج النبيّ ﷺ بأمّ سلمة، وما يتعلّق بذلك من ولاية الابن أمّه في النِّكاح، ومذاهب العلماء في ذلك، إن شاء اللَّه تعالى، وبه الثقة.
غزوة الرّجيع (٢)
قال الواقديّ: وكانت في صفرٍ -يعني سنة أربع- بعثهم رسول اللَّه ﷺ إلى أهل مكة ليخبروه. قال: والرّجيع على سبعة أميالٍ من عُسفان.
قال البخاريّ (٣): ثنا إبراهيم بن موسى، ثنا هشام بن يوسف، عن معمرٍ، عن الزّهريّ، عن عمرو بن أبي سفيان الثّقفيّ، عن أبي هريرة قال: بعث النبيّ ﷺ سريّةً عينًا، وأمّر عليهم عاصم بن ثابتٍ، وهو جدّ عاصم بن عمر بن الخطَّاب، فانطلقوا حتى إذا كانوا بين عسفان ومكّة، ذكروا لحيٍّ من هذيلٍ يقال لهم: بنو لحيان، فتبعوهم بقريبٍ من مئة رامٍ، فاقتصّوا آثارهم، حتى أتوا منزلًا نزلوه فوجدوا فيه نوى تمرٍ تزوّدوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب. فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم، فلما انتهى عاصمٌ وأصحابه لجؤوا إلى فدفدٍ، وجاء القوم فأحاطوا بهم، فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا؛ ألّا نقتل منكم رجلًا. فقال عاصمٌ: أمّا أنا فلا أنزل في ذمة كافرٍ، اللهم أخبر عنا رسولك. فقاتلوهم حتى قتلوا عاصمًا في سبعة نفرٍ بالنّبل، وبقي خبيبٌ وزيدٌ ورجلٌ آخر، فأعطوهم العهد والميثاق، فلمّا أعطوهم العهد والميثاق، نزلوا إليهم، فلمّا استمكنوا منهم، حلّوا أوتار قسيّهم فربطوهم بها، فقال الرجل الثالث الذي معهما: هذا أول الغدر. فأبى أن يصحبهم، فجرّوه، عالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل، فقتلوه، وانطلقوا بخبيبٍ وزيدٍ حتى باعوهما بمكة، فاشترى خبيبًا بنو الحارث بن عامر بن نوفلٍ، وكان خبيبٌ هو قتل الحارث يوم بدرٍ، فمكث عندهم أسيرًا، حتى إذا أجمعوا قتله، استعار موسى من بعض بنات الحارث ليستحدّ بها فأعارته. قالت: فغفلت عن صبيٍّ لي، فدرج إليه حتى أتاه، فوضعه على فخذه، فلمّا رأيته فزعت فزعةً عرف ذلك مني، وفي يده الموسى، فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذاك إن شاء اللَّه. وكانت تقول: ما رأيت أسيرًا قطٌ خيرًا من خبيبٍ، لقد رأيته يأكل من قطف عنبٍ وما بمكة يومئذٍ ثمرةٌ، وإنه لموثَقٌ في الحديد، وما كان إلا رزقًا رزقه اللَّه. فخرجوا به من الحرم ليقتلوه، فقال: دعوني أصلّي ركعتين. ثم انصرف إليهم فقال: لولا أن تروا أنّ ما بي جزعٌ من الموت لزدت. فكان
стр. 1734
أوّل من سنّ الركعتين عند القتل هو، ثم قال: اللهمّ أحصهم عددًا واقتلهم بددًا. ثم قال: [من الطويل]
ولستُ أبالي حين أُقتل مسلمًا … على أيّ شقٍّ كان في اللَّه مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ … يبارك على أوصال شلوٍ ممزّع
قال: ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله، وبعثت قريشٌ إلى عاصمٍ؛ ليؤتَوا بشيءٍ من جسده يعرفونه، وكان عاصمٌ قتل عظيمًا من عظمائهم يوم بدرٍ، فبعث اللَّه عليه مثل الظّلّة من الدّبْر، فحمته من رسلهم، فلم يقدروا منه على شيءٍ.
وقال البخاريّ (١): ثنا عبد اللَّه بن محمدٍ، ثنا سفيان، عن عمرو، سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: الذي قتل خبيبًا هو أبو سِروعة.
قلت: واسمه عقبة بن الحارث، وقد أسلم بعد ذلك، وله حديثٌ في الرّضاع، وقد قيل: إن أبا سِروعة وعقبة أخوان، فاللَّه أعلم.
هكذا ساق البخاريّ في كتاب المغازي من "صحيحه" قصة أصحاب الرّجيع.
ورواه أيضًا في التوحيد وفي الجهاد (٢)، من طرقٍ، عن الزُّهريّ، عن عَمْرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية الثَّقفي حليف بني زهرة، ومنهم من يقول: عُمَر بن أبي سفيان. والمشهور عَمْرٌو.
وفي لفظٍ للبخاريّ (٣): بعث رسول اللَّه ﷺ عشرة رهطٍ سريّةً عينًا، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح. وساق نحوه.
وقد خالفه محمد بن إسحاق، وموسى بن عقبة وعروة بن الزّبير في بعض ذلك، ولنذكر كلام ابن إسحاق؛ ليعرف ما بينهما من التفاوت والاختلاف، على أنّ ابن إسحاق إمامٌ في هذا الشأن، وغير مدافعٍ، كما قال الشافعيّ، ﵀: من أراد المغازي فهو عِيالٌ على محمدٍ بن إسحاق.
قال محمد بن إسحاق (٤)، ﵀: ثنا عاصم بن عمر بن قتادة قال: قدم على رسول اللَّه ﷺ بعد أحدٍ رهطٌ من عضلٍ والقارة، فقالوا: يا رسول اللَّه، إن فينا إسلامًا، فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقّهوننا في الدين، ويقرئوننا القرآن، ويعلّموننا شرائع الإسلام. فبعث رسول اللَّه ﷺ معهم نفرًا ستة من أصحابه وهم؛ مَرثد بن أبي مرثدٍ الغنويّ، حليف حمزة بن عبد المطلب -قال ابن إسحاق: وهو أمير القوم- وخالد بن البكير اللّيثيّ، حليف بني عديٍّ، وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، أخو بني عمرو بن عوفٍ، وخبيب بن عديٍّ، أخو بني جحجبى بن كلفة بن عمرو بن عوفٍ، وزيد بن الدّثنة، أخو بني
стр. 1735
بياضة بن عامرٍ، وعبد اللَّه بن طارقٍ، حليف بني ظَفرٍ. ﵃. هكذا قال ابن إسحاق أنّهم كانوا ستةً، وكذا ذكر موسى بن عقبة (١)، وسقاهم كما قال ابن إسحاق.
وعند البخاريّ أنهم كانوا عشرةً، وعنده أنّ أميرهم عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، فاللَّه أعلم.
قال ابن إسحاق (٢): فخرجوا مع القوم، حتى إذا كانوا على الرّجيع -ماءٍ لهذيلٍ بناحية الحجاز، من صدور الهدأة- غدروا بهم، فاستصرخوا عليهم هذيلًا، فلم يرع القوم -وهم في رحالهم- إلا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم، فقالوا لهم: إنا واللَّه ما نريد قتلكم، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئًا من أهل مكة، ولكن عهد اللَّه وميثاقه أن لا نقتلكم. فأما مرثدٌ وخالد بن البكير وعاصم بن ثابتٍ فقالوا: واللَّه لا نقبل من مشركٍ عهدًا ولا عقدًا أبدًا. وقال عاصم بن ثابتٍ: [من الرجز]
ما عِلّتي وأنا جلدٌ نابل … والقوس فيها وَتَرٌ عنابل
تزلّ عن صفحتها المعابل … الموت حقّ والحياة باطل
وكل ما حمّ الإله نازل … بالمرء والمرء إليه آيل
إن لم أقاتلكم فأمّي هابل
وقال عاصمٌ أيضًا: [من الرجز]
أبو سليمان وريش المقعد … وضالةٌ مثل الجحيم الموقد
إذا النّواجي افترشت لم أرعد … ومجنأٌ من جلد ثورٍ أجرد
ومؤمنٌ بما على محمد
وقال أيضًا: [من الرجز]
أبو سليمان ومثلي رامى … وكان قومي معشرًا كراما
قال: ثم قاتل حتى قتل، وقتل صاحباه، فلمّا قتل عاصمٌ، أرادت هذيلٌ أخذ رأسه؛ ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شُهَيدٍ (٣)، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها يوم أحدٍ؛ لئن قدرت على رأس عاصمٍ، لتشربنّ في قِحفه الخمر، فمنعته الدّبْر -هكذا ذكره البخاريّ بعد وصول خبيبٍ وزيد بن الدّثنة إلى مكة. وهذا الذي ذكره ابن إسحاق أنسب- قال: فلمّا حالت بينهم وبينه قالوا: دعوه حتى يمسي فتذهب عنه فنأخذه. فبعث اللَّه الوادي، فاحتمل عاصمًا فذهب به، وقد كان عاصمٌ قد أعطى اللَّه عهدًا أن لا يمسّه مشركٌ، ولا يمسّ مشركًا أبدًا؛ تنجّسًا، فكان عمر بن الخطاب يقول حين بلغه أن الدّبْر منعته:
стр. 1736
يحفظ اللَّه العبد المؤمن، كان عاصمٌ نذر أن لا يمسه مشركٌ، ولا يمسّ مشركًا أبدًا في حياته، فمنعه اللَّه بعد وفاته كما امتنع منه في حياته.
قال ابن إسحاق (١): وأما خبيبٌ وزيد بن الدّثنة وعبد اللَّه بن طارقٍ فلانوا ورقّوا ورغبوا في الحياة، وأعطوا بأيديهم فأشروهم، ثم خرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها، حتى إذا كانوا بالظّهران، انتزع عبد اللَّه ابن طارقٍ يده من القِران، ثم أخذ سيفه، واستأخر عنه القوم، فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقبره بالظّهران، وأما خبيب بن عديٍّ، وزيد بن الدّثنة، فقدموا بهما مكة.
قال ابن هشامٍ: فباعوهما من قريشٍ بأسيرين من هذيلٍ كانا بمكَّة.
قال ابن إسحاق: فابتاع خبيبًا حجير بن أبي إهابٍ التّميميّ، حليف بني نوفلٍ لعقبة بن الحارث بن عامر بن نوفلٍ، وكان أبو إهابٍ أخا الحارث بن عامرٍ لأمّه؛ ليقتله بأبيه. قال: وأما زيد بن الدّثنة فابتاعه صفوان بن أمية؛ ليقتله بأبيه، فبعثه مع مولى له يقال له: نسطاسٌ. إلى التّنعيم، وأخرجه من الحرم ليقتله، واجتمع رهطٌ من قريشٍ، فيهم أبو سفيان بن حربٍ، فقال له أبو سفيان حين قدّم ليقتل: أنشدك اللَّه يا زيد، أتحبّ أنّ محمدًا عندنا الآن مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ قال: واللَّه ما أحبّ أنّ محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكةٌ تؤذيه وأني جالسٌ في أهلي. قال: يقول أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدًا يحبّ أحدًا كحبّ أصحاب محمدٍ محمدًا. قال: ثم قتله نسطاسٌ. قال: وأما خبيب بن عديّ، فحدّثني عبد اللَّه بن أبي نجيحٍ، أنه حدّث عن ماويّة مولاة حجير بن أبي إهابٍ، وكانت قد أسلمت، قالت: كان خبيبٌ عندي، حبس في بيتي، فلقد أطّلعت عليه يومًا، وإنّ في يده لقِطفًا من عنبٍ مثل رأس الرّجل يأكل منه، وما أعلم في أرض اللَّه عنبًا يؤكل.
قال ابن إسحاق (٢): وحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة، وعبد اللَّه بن أبي نجيحٍ أنهما قالا: قالت: قال لي حين حضره القتل: ابعثي إليّ بحديدةٍ أتطهّر بها للقتل. قالت: فأعطيت غلامًا من الحيّ الموسى، فقلت له: ادخل بها على هذا الرجل البيت. قالت: فواللَّه إن هو إلا أن ولّى الغلام بها إليه، فقلت: ماذا صنعت؟ أصاب واللَّه الرجل ثأره بقتل هذا الغلام، فيكون رجلًا برجلٍ. فلما ناوله الحديدة أخذها من يده، ثم قال: لعمرك ما خافت أمّك غدري [حين] بعثتك بهذه الحديدة إليّ، ثمَّ خلّى سبيله.
قال ابن هشامٍ: ويقال: إنّ الغلام ابنها.
قال ابن إسحاق: قال عاصمٌ: ثم خرجوا بخبيبٍ، حتى جاءوا به إلى التّنعيم ليصلُبوه، قال لهم: إن رأيتم أن تدَعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا. قالوا: دونك فاركع. فركع ركعتين أتمهّما وأحسنهما،
стр. 1737
ثم أقبل على القوم فقال: أما واللَّه لولا أن تظنّوا أني إنما طوّلت جزعا من القتل، لاستكثرت من الصلاة. قال: فكان خبيبٌ أول من سنّ هاتين الركعتين عند القتل للمسلمين.
قال: ثم رفعوه على خشبةٍ، فلمّا أوثقوه قال: اللهمّ إنا قد بلّغنا رسالة رسولك، فبلّغه الغداة ما يصنع بنا. ثم قال: اللهمّ أحصهم عددًا، واقتلهم بَدَدًا، ولا تغادر منهم أحدًا. ثم قتلوه. وكان معاوية بن أبي سفيان يقول: حضرته يومئذٍ فيمن حضره مع أبي سفيان، فلقد رأيته يلقيني إلى الأرض فرقًا من دعوة خبيبٍ، وكانوا يقولون: إنّ الرجل إذا دعي عليه فاضطجع لجنبه، زلّت عنه.
فائدةٌ: قال السّهيلّيّ (١): وإنَّما صارت الركعتان سنَّةً -يعني عند القتل- لأنها فعلت في زمان النبيّ ﷺ ، فأقرّ عليها، واستحسنت من صنيعه. قال: وقد صلّاها زيد بن حارثة في حياة النبيّ ﷺ . ثم ساق (٢) بإسناده من طريق أبي بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن معينٍ، عن يحيى بن عبد اللَّه بن بكيرٍ، عن اللّيث بن سعدٍ قال: بلغني أن زيد بن حارثة استأجر من رجلٍ بغلًا من الطائف، واشترط عليه المكري أن ينزله حيث شاء، فمال به إلى خرِبةٍ، فإذا بها قتلى كثيرةٌ، فلمّا همّ بقتله قال له زيدٌ: دعني حتى أصلّي ركعتين. فقال: صلّ ركعتين، لطالما صلّى هؤلاء فلم تنفعهم صلاتهم شيئًا. قال: فصلّيت ثم جاء ليقتلني، فقلت: يا أرحم الراحمين. فإذا صارخٌ يقول: لا تقتله، فهاب وذهب ينظر، فلم ير شيئًا، ثم جاء ليقتلني فقلت: يا أرحم الراحمين. فسمع أيضًا الصوت يقول: لا تقتله. فذهب لينظر ثم جاء، فقلت: يا أرحم الراحمين. فإذا أنا بفارسٍ على فرسٍ، في يده حربةٌ في رأسها شُعْلةٌ من نارٍ، فطعنه بها حتى أنفذه فوقع ميتًا. ثم قال: لمّا دعوتَ اللَّه في المرة الأولى كنت في السماء السابعة، ولمّا دعوته في المرة الثانية كنت في السماء الدّنيا، ولمّا دعوته في الثالثة أتيتك. قال السّهيليّ: وقد صلّاها حجر بن عديٍّ بن الأدبر حين حمل إلى معاوية من العراق، ومعه كتاب زياد بن أبيه، وفيه أنّه خرج عليه وأراد خلعه، وفي الكتاب شهادة جماعةٍ من التابعين، منهم الحسن وابن سيرين، فلمّا دخل على معاوية قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين. قال: أوَ أنا أمير المؤمنين؟ وأمر بقتله، فصلّى ركعتين قبل قتله، ﵀. قال: وقد عاتبت معاوية عائشة في قتله، فقال: إنّما قتله من شهد عليه. ثم قال: دعيني وحجرًا، فإنّي سألقاه على الجادّة يوم القيامة. قالت: فأين ذهب عنك حلم أبي سفيان؟ قال: حين غاب عنّي مثلك من قومي.
وفي "مغازي موسى بن عقبة" (٣): أنّ خبيبًا وزيد بن الدّثنة قتلا في يومٍ واحدٍ، وأنّ رسول اللَّه ﷺ سمع يوم قتلا وهو يقول: "وعليكما -أو عليك- السلام، خبيبٌ قتلته قريشٌ".
стр. 1738
وذكر أنّهم لمّا صلبوا زيد بن الدّثنة، رموه بالنّبل ليفتنوه عن دينه، فما زاده إلّا إيمانًا وتسليمًا. وذكر عروة وموسى بن عقبة أنّهم لمّا رفعوا خبيبًا على الخشبة، نادَوه يناشدونه: أتحبّ أنّ محمدًا مكانك؟ قال: لا واللَّه العظيم، ما أحبّ أن يفديني بشوكةٍ يشاكها في قدمه. فضحكوا منه. وهذا ذكره ابن إسحاق في قصة زيد بن الدّثنة. فاللَّه أعلم.
قال موسى بن عقبة: زعموا أنّ عمرو بن أمية دفن خبيبًا.
قال ابن إسحاق (١): وحدّثني يحيى بن عبّاد بن عبد اللَّه بن الزّبير، عن أبيه عبادٍ، عن عقبة بن الحارث قال: سمعته يقول: واللَّه ما أنا قتلت خبيبًا؛ لأنّي كنت أصغر من ذلك، ولكنّ أبا ميسرة أخا بني عبد الدار أخذ الحربة، فجعلها في يدي، ثم أخذ بيدي وبالحربة، ثم طعنه بها حتى قتله.
قال ابن إسحاق (٢): وحدّثني بعض أصحابنا قال: كان عمر بن الخطَّاب استعمل سعيد بن عامر بن حِذْيمٍ الجمحيّ على بعض الشام، فكانت تصيبه غشيةٌ وهو بين ظهري القوم، فذكر ذلك لعمر وقيل: إن الرجل مصابٌ. فسأله عمر في قَدمةٍ قدمها عليه، فقال: يا سعيد، ما هذا الذي يصيبك؟ فقال: واللَّه يا أمير المؤمنين ما بي من بأسٍ، ولكنّي كنت فيمن حضر خبيب بن عديّ حين قتل، وسمعت دعوته، فواللَّه ما خطرت على قلبي وأنا في مجلسٍ قطّ إلَّا غشي عليّ. فزادته عند عمر خيرًا.
وقد قال الأمويّ: حدّثني أبي قال: قال ابن إسحاق: وبلغنا أنّ عمر قال: من سرّه أن ينظر إلى رجلٍ نسيج وحده فلينظر إلى سعيد بن عامرٍ.
قال ابن هشام (٣): أقام خبيبٌ في أيديهم حتى انسلخت الأشهر الحرم ثم قتلوه.
وقد روى البيهقيّ، من طريق إبراهيم بن إسماعيل، حدّثني جعفر بن عمرو بن جعفر بن عمرو بن أمية، عن أبيه، عن جدّه عمرو بن أمية، أنّ رسول اللَّه ﷺ كان بعثه عينًا وحده، قال: جئت إلى خشبة خبيبٍ فرقيت فيها وأنا أتخوّف العيون، فأطلقتُه فوقع إلى الأرض، ثم اقتحمت فانتبذت قليلًا، ثم التفتّ فلم أر شيئًا، فكأنّما ابتلعته الأرض، فلم تذكر لخبيبٍ رمّةٌ حتى الساعة.
ثم روى ابن إسحاق (٤)، عن محمد بن أبي محمدٍ، عن سعيدٍ أو عكرمة، عن ابن عباسٍ قال: لمّا قتل أصحاب الرّجيع قال ناسٌ من المنافقين: يا ويح هؤلاء المفتونين الذين هلكوا هكذا، لا هم أقاموا في أهليهم، ولا هم أدّوا رسالة صاحبهم. فأنزل اللَّه فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]: وما بعدها. وأنزل اللَّه في أصحاب السّريّة:
стр. 1739
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧].
قال ابن إسحاق: وكان ممّا قيل من الشعر في هذه الغزوة قول خبيبٍ حين أجمعوا على قتله -قال ابن هشامٍ: ومن الناس من ينكرها له-: [من الطويل]
لقد جمّع الأحزاب حولي وألّبوا … قبائلهم واستجمعوا كلّ مجمعِ
وكلّهم مبدي العداوة جاهدٌ … عليّ لأنّي في وثاقٍ مضيّع
وقد جمّعوا أبناءهم ونساءهم … وقرّبتُ من جذعٍ طويلٍ ممنّع
إلى اللَّه أشكو غربتي ثم كُربتي … وما أرصد الأعداءُ لي عند مَصْرَعي
فذا العرش صبّرني على ما يُراد بي … فقد بضّعوا لحمي وقد ياس مطمعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأْ … يبارك على أوصال شلوٍ ممزّع
وقد خيّروني الكفر والموت دونه … وقد هملت عيناي من غير مجزع
وما بي حِذار الموت إنّي لميّتٌ … ولكن حذاري جحم نارٍ ملفّع
فواللَّه ما أرجو إذا متّ مسلمًا … على أيّ جنبٍ كان في اللَّه مضجعي (١)
فلست بمبدٍ للعدوّ تخشعًا … ولا جزعًا إنّي إلى اللَّه مرجعي
وقد تقدّم في "صحيح البخاريّ" بيتان من هذه القصيدة، وهما قوله: [من الطويل]
فلست أبالي حين أقتل مسلمًا … على أيّ شقٍّ كان في اللَّه مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ … يبارك على أوصال شلوٍ ممزّع
وقال حسان بن ثابتٍ (٢) يبكي خبيبًا، فيما ذكره ابن إسحاق: [من البسيط]
ما بال عينك لا ترقا مدامعها … سحّا على الصدر مثل اللؤلؤ القلق
على خبيبٍ فتى الفتيان قد علموا … لا فشلٍ حين تلقاه ولا نزِق
فاذهب خبيب جزاك اللَّه طيّبةً … وجنّة الخُلد عند الحور في الرُفُق
ماذا تقولون إن قال النبيّ لكم … حين الملائكة الأبرار في الأفق
فيم قتلتم شهيد اللَّه في رجلٍ … طاغٍ قد اوعث في البلدان والرُّفَق
قال ابن هشامٍ: تركنا بعضها؛ لأنه أقذع فيها.
وقال حسان (٣) يهجو الذين غدروا بأصحاب الرّجيع من بني لحيان، فيما ذكره ابن إسحاق: [من البسيط]
стр. 1740
إن سرك الغدر صِرفًا لا مزاج له … فأت الرَّجيع فسل عن دار لحيان
قومٌ تواصوا بأكل الجار بينهم … فالكلب والقرد والإنسان مثلان
لو ينطق التَّيس يومًا قام يخطبهم … وكان ذا شرفٍ فيهم وذا شان
وقال حسان بن ثابتٍ (١) أيضًا يهجو هذيلًا وبني لحيان على غدرهم بأصحاب الرَّجيع، رضي اللَّه تعالى عنهم أجمعين: [من الطويل]
لعمري لقد شانت هذيل بن مدركٍ … أحاديث كانت في خُبيبٍ وعاصمِ
أحاديث لحيانٍ صَلَوْا بقبيحها … ولحيان جرّامون شرّ الجرائم
أناسٌ همُ من قومهم في صميمهم … بمنزلة الزّمعان دُبْر القوادم
همُ غدروا يوم الرّجيع وأسلمت … أمانتهم ذا عفّةٍ ومكارم
رسول رسول اللَّه غدرًا ولم تكن … هذيلٌ توقّى منكرات المحارم
فسوف يرون النصر يومًا عليهمُ … بقتل الذي تحميه دون الحرائم
أبابيل دبرٍ شُمّسٍ دون لحمه … حمت لحم شهّادٍ عظام الملاحم
لعلّ هذيلًا أن يروا بمصابه … مصارع قتلى أو مقامًا لماتم
ونوقع فيها وقعةً ذات صولةٍ … يوافي بها الرّكبان أهل المواسم
بأمر رسول اللَّه إنّ رسوله … رأى رأي ذي حزمٍ بلحيان عالم
قُبيلةٌ ليس الوفاء يُهمّهم … وإن ظلموا لم يدفعوا كفّ ظالم
إذا الناس حلّوا بالفضاء رأيتهم … بمجرى مسيل الماء بين المخارم
محلّهمُ دار البوار ورأيهم … إذا نابهم أمرٌ كرأي البهائم
وقال حسان، ﵁، أيضًا (٢) يمدح أصحاب الرّجيع، ويسمّيهم في شعره كما ذكره ابن إسحاق، رحمه اللَّه تعالى: [من الكامل]
صَلَّى الإله على الذين تتابعوا … يوم الرّجيع فأُكرموا وأُثيبوا
رأس السّريّة مرثدٌ وأميرهم … وابن البكير أمامهم وخُبيبُ
وابنٌ لطارق وابن دثنة منهمُ … وافاه ثُمَّ حِمامه المكتوب
والعاصم المقتول عند رجيعهم … كسب المعالي إنه لكسوب
منع المقادة أن ينالوا ظهره … حتى يجالد إنه لنجيب
стр. 1741
قال ابن هشامٍ (١): وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لحسَّان.
سريّة عمرو بن أُميّة الضّمريّ، على إثر مقتل خُبيبٍ (٢)
قال الواقديّ (٣): حدّثني إبراهيم بن جعفرٍ عن أبيه، وعبد اللَّه بن أبي عبيدة، عن جعفر بن عمر بن أُمية الضمري، وعبد اللَّه بن جعفر، عن عبد الواحد بن أبي عونٍ، وزاد بعضهم على بعضٍ، قالوا: كان أبو سفيان بن حربٍ قد قال لنفير من قريشٍ بمكة: ما أحدٌ يغتال محمدًا؟ فإنه يمشي في الأسواق فندرك ثأرنا؟ فأتاه رجلٌ من العرب فدخل عليه منزله، وقال له: إن أنت قوّيتني خرجت إليه حتى أغتاله، فإني هادٍ بالطريق خرّيتٌ، معي خنجرٌ مثل خافية النّسر. قال: أنت صاحبنا. وأعطاه بعيرًا ونفقةً، وقال: اطو أمرك؛ فإني لا آمن أن يسمع هذا أحدٌ فينميه إلى محمدٍ. قال: قال: العربيّ: لا يعلمه أحدٌ. فخرج ليلًا على راحلته فسار خمسًا، وصبّح ظهر الحرّة صبح سادسةٍ، ثم أقبل يسأل عن رسول اللَّه ﷺ ، حتى أتى المصلّى، فقال له قائلٌ: قد توجّه إلى بني عبد الأشهل. فخرج الأعرابيّ يقود راحلته حتى انتهى إلى بني عبد الأشهل، فعقل راحلته، ثم أقبل يؤمٌ رسول اللَّه ﷺ فوجده في جماعةٍ من أصحابه، يحدّث في مسجده، فدخل، فلمّا رآه رسول اللَّه ﷺ قال لأصحابه:
"إنّ هذا الرجل يريد غدرًا، واللَّه حائلٌ بينه وبين ما يريده". فوقف وقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال له رسول اللَّه ﷺ : "أنا ابن عبد المطلب". فذهب يُجنئ على رسول اللَّه ﷺ كأنه يسارّه، فجبذه أسيد بن حضيرٍ وقال: تنحّ عن رسول اللَّه ﷺ . وجذب بداخلة إزاره، فإذا الخنجر، فقال: يا رسول اللَّه، هذا غادرٌ. فأسقط في يد الأعرابيّ، وقال: دمي دمي يا محمد. وأخذه أسيد بن حضيرٍ يلبّبه، فقال له النبيّ ﷺ : "اصدقني، ما أنت وما أقدمك؟ فإن صدقتني نفعك الصِّدق، وإن كذبتني فقد أطلعت على ما هممت به". قال العربيّ: فأنا آمنٌ؟ قال: "فانت آمنٌ". فأخبره بخبر أبي سفيان وما جعل له، فأمر به فحبس عند أسيد بن حضيرٍ، ثم دعا به من الغد فقال: "قد آمنتك، فاذهب حيث شئت، أوَ خيرٌ لك من ذلك؟ ". قال: وما هو؟ فقال: "أن تشهد أن لا إله إلا اللَّه وأنّي رسول اللَّه". فقال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأنك أنت رسول اللَّه، واللَّه يا محمد، ما كنت أفرَق [من] الرجال، فما هو إلا أن رأيتك فذهب عقلي وضعفت نفسي، ثم اطّلعتَ على ما هممت به مما سبقت به الرّكبان، ولم يطّلع عليه أحدٌ، فعرفت أنك ممنوعٌ وأنك على حقٍّ، وأن حزب أبي سفيان حزب الشيطان. فجعل النبيّ ﷺ يتبسّم، وأقام أيامًا، ثم استأذن النبيّ ﷺ فخرج من عنده ولم يسمع له بذكرٍ.
وقال رسول اللَّه ﷺ لعمرو بن أمية الضّمريّ ولسلمة بن أسلم بن حريشٍ: "اخرجا حتى تأتيا
стр. 1742
أبا سفيان بن حربٍ، فإن أصبتما منه غرّةً فاقتلاه". قال عمرٌو: فخرجت أنا وصاحبي حتى أتينا بطن يأجج، فقيّدنا بعيرنا، وقال لي صاحبي: يا عمرو، هل لك في أن نأتي مكَّة، فنطوف بالبيت أسبوعًا ونصلي ركعتين؟ فقلت: إني أعرَف بمكة من الفرس الأبلق، وإنهم إن رأوني عرفوني، وأنا أعرف أهل مكة؛ إنهم إذا أمسوا انفجعوا بأفنيتهم، فأبى عليّ فانطلقنا، فأتينا مكَّة فطفنا أسبوعًا (١) وصلّينا ركعتين، فلمّا خرجت لقيني معاوية بن أبي سفيان فعرّفني وقال: عمرو بن أمية! وأخبر أباه، فنذر بنا أهل مكَّة فقالوا: ما جاء عمرٌو في خيرٍ. وكان عمرٌو فاتكًا في الجاهلية، فحشد أهل مكة وتجمّعوا، وهرب عمرٌو وسلمة، وخرجوا في طلبهما، واشتدّوا في الجبل. قال عمرٌو: فدخلت غارًا فتغيّبت عنهم حتى أصبحت، وباتوا يطلبوننا في الجبل، وعمّى اللَّه عليهم طريق المدينة أن يهتدوا لراحلتنا، فلما كان الغد ضحوةً، أقبل عثمان بن مالك بن عبيد اللَّه التّيميّ يختلي لفرسه حشيشًا، فقلت لسلمة بن أسلم: إذا أبصرنا أشعر بنا أهل مكَّة، وقد أقصروا عنا. فلم يزل يدنو من باب الغار حتى أشرف علينا. قال: فخرجت إليه فطعنته طعنةً تحت الثّدي بخنجري، فسقط وصاح، فأسمع أهل مكَّة، فأقبلوا بعد تفرّقهم، ودخلت الغار، وقلت لصاحبي: لا تتحرّك. فأقبلوا حتى أتوه، وقالوا: من قتلك؟ قال: عمرو بن أمية الضّمريّ. فقال أبو سفيان: قد علمنا أنه لم يأت لخيرٍ. ولم يستطع أن يخبرهم بمكاننا، فإنه كان بآخر رمقٍ فمات، وشغلوا عن طلبنا بصاحبهم، فحملوه، فمكثنا ليلتين في مكاننا حتى خرجنا، فقال صاحبي: يا عمرو بن أُمية، هل لك في خبيب بن عديٍّ ننزله؟ فقلت له: أين هو؟ قال: هو ذاك مصلوبٌ، حوله الحرس. فقلت: أمهلني وتنحّ عني، فإن خشيت شيئًا فانح إلى بعيرك فاقعد عليه، فأت رسول اللَّه ﷺ فأخبره الخبر ودعني، فإني عالم بالمدينة. ثم اشتددت عليه حتى وجدته فحملته على ظهري، فما مشيت به إلّا عشرين ذراعًا حتى استيقظوا، فخرجوا في أثري فطرحت الخشبة، فما أنسى وقعها دب (٢) -يعني صوتها- ثم أهلت عليه التُّراب برجلي، فأخذت طريق الصّفراء، فأعيوا ورجعوا، وكنتُ لا أُدرك مع بقاء نَفَسي، فانطلق صاحبي إلى البعير فركبه وأتى النبيّ ﷺ فأخبره، وأقبلت حتى أشرفت على الغميم، غميم ضجَنان، فدخلت في غارٍ معي قوسي وأسهمي وخنجري، فبينما أنا فيه إذ أقبل رجلٌ من بني بكرٍ من بني الدّيل، أعور طويلٌ، يسوق غنمًا ومعزى، فدخل الغار وقال: من الرجل؟ فقلت: رجلٌ من بني بكرٍ. فقال: وأنا من بني بكرٍ. ثم اتّكأ ورفع عقيرته يتغنّى ويقول: [من الوافر]
فلست بمسلمٍ ما دمت حيًا … ولست أدين دين المسلمينا
فقلت في نفسي: واللَّه إني لأرجو أن أقتلك. فلمّا نام قمت إليه، فقتلته شرّ قِتلةٍ قتلتها أحدًا قطُ، ثم خرجت حتى هبطت، فلما أسهلت في الطريق إذا رجلان بعثتهما قريشٌ يتجسَّسان الأخبار، فقلت: استأسرا. فأبى أحدهما، فرميته فقتلته، فلما رأى ذلك الآخر استأسر، فشددته وثاقًا، ثم أقبلت به إلى
стр. 1743
النبيّ ﷺ ، فلما قدمت المدينة رآني صبيانٌ وهم يلعبون، وسمعوا أشياخهم يقولون: هذا عمرٌو. فاشتدّ الصِّبيان إلى النبيّ ﷺ فأخبروه، وأتيته بالرجل قد ربطت إبهاميه بوَتر قوسي، فلقد رأيت النبيّ ﷺ وهو يضحك، ثم دعا لي بخيرٍ. وكان قدوم سلمة قبل قدوم عمرو بثلاثة أيامٍ. رواه البيهقيّ (١).
وقد تقدّم أن عَمْرًا لما أهبط خبيبًا لم ير له رِمّةً ولا جسدًا، فلعله دفن مكان سقوطه. واللَّه أعلم، وهذه السّريّة إنما استدركها ابن هشامٍ على ابن إسحاق، وساقها بنحوٍ من سياق الواقديّ لها، لكن عنده أن رفيق عمرو بن أمية في هذه السّرية جبّار بن صخرٍ، فاللَّه أعلم، وللَّه الحمد.
سرية بئر مَعُونَة
وقد كانت في صفرٍ منها، وأكرب مكحولُ (٢)، ﵀، حيث قال (٣): إنها كانت بعد الخندق (٤).
قال البخاريّ (٥): ثنا أبو معمرٍ، ثنا عبد الوارث (٦) حدثنا عبد العزيز، عن أنس بن مالك قال: بعث النبيُّ ﷺ (٧) سبعين رجلًا لحاجةٍ يقال لهم: القرّاء. فعرض لهم حيان من بني سليمٍ -رِعلٌ وذكوان- عند بئرٍ يقال لها: بئر معونة. فقال القوم: واللَّه ما إيّاكم أردنا، وإنما نحن مجتازون في حاجة للنبيّ ﷺ . فقتلوهم، فدعا النبيّ ﷺ عليهم شهرًا في صلاة الغداة، وذاك بدء القنوت، وما كنا نقنت.
ورواه مسلمٌ (٨)، من حديث حمّاد بن سلمة، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، بنحوه.
ثم قال البخاري (٩): ثنا عبد الأعلى بن حمّادٍ، ثنا يزيد بن زريعٍ، ثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن أنس بن مالكٍ أن رِعلًا وذكوان وعصيّة وبني لحيان استمدّوا رسول اللَّه ﷺ على عدوٍّ، فأمدَّهم بسبعين من الأنصار، كنا نسمّيهم القرّاء في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار، ويصلّون بالليل، حتى إذا كانوا ببئر معونة قتلوهم وغدروا بهم، فبلغ النبيّ ﷺ ، فقنت شهرًا يدعو في الصّبح على أحياءٍ من أحياء العرب؛
стр. 1744
على رِعلٍ وذكوان وعصيّة وبني لحيان. قال أنسٌ: فقرّأنا فيهم قرآنًا، ثم إنّ ذلك رفع: "بلّغوا عنا قومنا أنّا لقينا ربّنا فرضي عنّا وأرضانا".
ثم قال البخاريّ (١): ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا همّامٌ، عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، حدّثني أنس بن مالكٍ أن النبيّ ﷺ بعث خاله حرامًا -أخًا لأمِّ سليم- في سبعين راكبًا، وكان رئيس المشركين عامر بن الطّفيل خيَّر رسول اللَّه ﷺ بين ثلاث خصال، فقال: يكون لك أهل السهل، ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك، أو أغزوك بأهل غطفان بألفٍ وألفٍ. فطعن (٢) عامرٌ في بيت أمّ فلانٍ، فقال: غدّةٌ كغدّة البكر في بيت امرأةٍ من آل فلانٍ، ائتوني بفرسي، فمات على ظهر فرسه، فانطلق حرامٌ، أخو أمّ سليمٍ، وهو رجلٌ أعرج، ورجلٌ من بني فلانٍ، فقال: كونا قريبًا حتى آتيهم، فإن آمنوني كنتم قريبًا، وإن قتلوني أتيتم أصحابكم. فقال: أتؤمنوني حتى أُبَلِّغ رسالة رسول اللَّه ﷺ ؟ فجعل يحدّثهم، وأومؤوا إلى رجلٍ فأتاه من خلفه فطعنه. قال همَّام: أحسبه قال: حتى أنفذه بالرّمح. فقال: اللَّه أكبر، فزت وربّ الكعبة. فلحق الرجل، فقتلوا كلُّهم غير الأعرج، وكان في رأس جبلٍ، فأنزل اللَّه علينا، ثم كان من المنسوخ: "إنا قد لقينا ربّنا فرضي عنا وأرضانا". فدعا النبيّ ﷺ عليهم ثلاثين صباحًا؛ على رِعلٍ وذَكوان وبني لحيان وعصية الذين عصوا اللَّه ورسوله.
وقال البخاريّ (٣): ثنا حِبّان، ثنا عبد اللَّه، أخبرني معمرٌ، حدّثني ثمامة بن عبد اللَّه بن أنسٍ، أنه سمع أنس بن مالكٍ يقول: لما طعن حرام بن ملحان -وكان خاله- يوم [بئر] معونة قال بالدَّم هكذا؛ فنضحه على وجهه ورأسه، ثم قال: فزت وربّ الكعبة.
وروى البخاريّ (٤)، عن عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن هشام بن عروة، أخبرني أبي قال: لما قتل الذين ببئر معونة، وأُسر عمرو بن أُمية الضّمريّ، قال له عامر بن الطّفيل: من هذا؟ فأشار إلى قتيلٍ، فقال له عمرو بن أُمية: هذا عامر بن فُهيرة. قال: لقد رأيته بعدما قتل رفع إلى السماء، حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض، ثم وضع. فأتى النبيّ ﷺ خبرهم، فنعاهم فقال: "إن أصحابكم قد أصيبوا، وإنهم قد سألوا ربّهم، فقالوا: ربّنا أخبر عنَّا إخواننا بما رضينا عنك، ورضيت عنا، فأخبرهم عنهم".
وأصيب يومئذٍ فيهم عروة بن أسماء بن الصّلت، فسمّي عروة به، ومنذر بن عمرو، وسمّي به منذرًا.
стр. 1745
هكذا وقع في رواية البخاريّ مرسلًا عن عروة.
وقد رواه البيهقيّ (١) من حديث يحيى بن سعيدٍ، عن أبي أسامة، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عائشة، فساق من حديث الهجرة، وأدرج في آخره ما ذكره البخاريّ هاهنا، فاللَّه أعلم.
وروى الواقديّ (٢)، عن مصعب بن ثابتٍ، عن أبي الأسود، عن عروة، فذكر القصة، وشأن عامر بن فهيرة، وإخبار عامر بن الطّفيل أنه رفع إلى السَّماء، وذكر أنّ الذي قتله جبّار بن سُلمى الكلابيّ، قال: ولما طعنه بالرّمح قال: فزت وربّ الكعبة. ثم سأل جبّارٌ بعد ذلك: ما معنى قوله: فزت؟! قالوا: يعني بالجنَّة، فقال: صدق واللَّه، ثم أسلم جبّارٌ بعد ذلك لذلك.
وفي "مغازي موسى بن عقبة" (٣)، عن عروة أنه قال: لم يوجد جسد عامر بن فُهيرة، يرون أن الملائكة وارته.
وقال يونس، عن ابن إسحاق (٤): فاقام رسول اللَّه ﷺ ، يعني بعد أحدٍ، بقية شوّالٍ وذا القعدة وذا الحجّة والمحرّم، ثم بعث أصحاب بئر معونة في صفرٍ على رأس أربعة أشهرٍ من أُحدٍ، فحدثني أبي إسحاق بن يسارٍ، عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشامٍ، وعبد اللَّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزمٍ، وغيرهما من أهل العلم قالوا: قدم أبو براءٍ عامر بن مالك بن جعفرٍ ملاعب الأسنّة على رسول اللَّه ﷺ بالمدينة، فعرض عليه الإسلام ودعاه إليه فلم يسلم ولم يبعد، وقال: يا محمد، لو بعثت رجالًا من أصحابك إلى أهل نجدٍ يدعونهم إلى أمرك، رجوتُ أن يستجيبوا لك. فقال ﷺ : "إني أخشى عليهم أهل نجدٍ". فقال أبو براءٍ: أنا لهم جارٌ. فبعث رسول اللَّه ﷺ المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة، المعنق ليموت في أربعين رجلًا من أصحابه من خيار المسلمين؛ فيهم الحارث بن الصّمّة، وحرام بن ملحان، أخو بني عديّ بن النجار، وعروة بن أسماء بن الصّلت السّلميّ، ونافع بن بُديل بن ورقاء الخزاعيّ، وعامر بن فُهيرة، مولى أبي بكرٍ، في رجالٍ من خيار المسلمين، فساروا حتى نزلوا بئر معونة، وهي بين أرض بني عامرٍ وحرّة بني سليمٍ، فلما نزلوا بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول اللَّه ﷺ إلى عدوّ اللَّه عامر بن الطّفيل، فلمّا أتاه لم ينظر في الكتاب حتى عدا على الرجل فقتله، ثم استصرخ عليهم بني عامرٍ، فأبوا أن يجيبوا إلى ما دعاهم، وقالوا: لن نخفر أبا براءٍ، وقد عقد لهم عقدًا وجوارًا. فاستصرخ عليهم قبائل من بني سُليمٍ، عصيّة ورعلًا وذكوان والقارة، فأجابوه إلى ذلك، فخرجوا حتى غشوا القوم، فأحاطوا بهم في رحالهم، فلمَّا رأوهم أخذوا أسيافهم، ثم قاتلوا القوم حتى قتلوا عن
стр. 1746
آخرهم، إلّا كعب بن زيدٍ أخا بني دينار بن النجار، فإنهم تركوه وبه رمقٌ، فارتثّ من بين القتلى، فعاش حتى قتل يوم الخندق، وكان في سرح القوم عمرو بن أُمية الضّمريّ، ورجلٌ من الأنصار من بني عمرو بن عوفٍ، فلم ينبئهما بمصاب القوم إِلَّا الطير تحوم حول العسكر، فقالا: واللَّه إن لهذه الطير لشأنًا. فأقبلا لينظرا، فإذا القوم في دمائهم، وإذا الخيل التي أصابتهم واقفةٌ، فقال الأنصاريّ لعمرو بن أمية: ماذا ترى؟ فقال: أرى أن نلحق برسول اللَّه ﷺ فنخبره الخبر. فقال الأنصاريّ: لكني لم أكن لأرغب بنفسي عن موطنٍ قتل فيه المنذر بن عمروٍ، وما كنت لأخبر عنه الرجال. فقاتل القوم حتى قتل، وأخذ عمرٌو أسيرًا، فلمّا أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامرُ بن الطّفيل، وجزّ ناصيته، وأعتقه عن رقبةٍ كانت على أمّه، فيما زعم. قال: وخرج عمرو بن أمية، حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة، أقبل رجلان من بني عامرٍ حتى نزلا في ظِلٍّ هو فيه، وكان مع العامريّين عهدٌ من رسول اللَّه ﷺ وجوارٌ لم يعلمه عمرو بن أمية، وقد سألهما حين نزلا: ممّن أنتما؟ قالا: من بني عامرٍ، فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما وقتلهما، وهو يرى أن قد أصاب بهما ثأرًا من بني عامرٍ فيما أصابوا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فلمّا قدم عمرو بن أمية على رسول اللَّه ﷺ ، أخبره بالخبر، فقال رسول اللَّه: "لقد قتلت قتيلين، لأدينّهما". ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "هذا عمل أبي براءٍ، قد كنت لهذا كارهًا متخوّفًا". فبلغ ذلك أبا براءٍ فشقّ عليه إخفار عامرٍ إيّاه، وما أصاب من [أصحاب رسول اللَّه ﷺ ] بسببه وجواره.
فقال حسَّان بن ثابتٍ (١) في إخفار عامرٍ أبا براءٍ، ويحرّض بني أبي براءٍ على عامرٍ: [من الوافر]
بني أمّ البنين ألم يرعكم … وأنتم من ذوائب أهل نجدِ
تهكّم عامرٍ بأبي براءٍ … ليخفره وما خطأٌ كعمد
ألا أبلغ ربيعة ذا المساعي … فما أحدثت في الحَدَثان بعدي
أبوك أبو الحروب أبو براءٍ … وخالك ماجدٌ حَكَمُ بن سعدِ
قال ابن هشامٍ (٢): أمّ البنين، أمّ أبي براءٍ، وهي بنت عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
قال: فحمل ربيعة بن عامر بن مالكٍ على عامر بن الطّفيل، فطعنه في فخذه، فأشواه، ووقع عن فرسه، وقال: هذا عمل أبي براءٍ، إن أمت فدمي لعمّي فلا يتبعنّ به، وإن أعش فسأرى رأيي. وذكر موسى بن عقبة، عن الزّهريّ نحو سياق محمد بن إسحاق، قال موسى: وكان أمير القوم المنذر بن عمرٍو، وقيل: مرثد بن أبي مرثدٍ.
стр. 1747
وقال حسان بن ثابت (١) يبكي قتلى بئر معونة -فيما ذكره ابن إسحاق، ﵀، واللَّه أعلم-: [من الوافر]
على قتلى معونة فاستهلّي … بدمع العين سَحّا غير نزرِ
على خيل الرّسول غداة لاقَوا … ولاقتهم مناياهم بقدر
أصابهم الفناء بعقد قومٍ … تُخوّن عقد حبلهمُ بغدر
فيا لهفي لمنذر إذ تولّى … وأعنق في منيّته بصبر
وكائن قد أصيب غداة ذاكم … من أبيض ماجدٍ من سرّ عمرو
غزوة بني النَّضير (٢) وهي التي أنزل اللَّه فيها سورة "الحشر"
في "صحيح البخاريّ" (٣) عن ابن عباسٍ، أنه كان يسمّيها سورة بني النّضير.
وحكى البخاريّ (٤) عن الزّهريّ، عن عروة أنه قال: كانت بنو النّضير بعد بدرٍ بستة أشهرٍ قبل أحدٍ.
وقد أسنده ابن أبي حاتمٍ في "تفسيره" (٥) عن أبيه، عن عبد اللَّه بن صالحٍ، عن اللّيث، عن عقيلٍ، عن الزّهريّ به.
وهكذا روى حنبل بن إسحاق، عن هلال بن العلاء، عن عبد اللَّه بن جعفرٍ الرّقِّيّ، عن مطرّف بن مازنٍ اليمانيّ، عن معمرٍ، عن الزّهريّ، فذكر غزوة بدرٍ في سابع عشر رمضان سنة اثنتين، قال: ثم غزا بني النضير، ثم غزا أحدًا في شوالٍ سنة ثلاثٍ، ثم قاتل يوم الخندق في شوالٍ سنة أربعٍ.
وقال البيهقيّ (٦): وقد كان الزّهريّ يقول: هي قبل أحدٍ. قال: وذهب آخرون إلى أنّها بعدها، وبعد بئر معونة أيضًا.
قلت: هكذا ذكره ابن إسحاق كما تقدّم؛ فإنّه بعد ذكره بئر معونة، ورجوع عمرو بن أميّة، وقتله ذينك الرجلين من بني عامرٍ، ولم يشعر بعهدهما الذي معهما من رسول اللَّه ﷺ ، ولهذا قال له رسول اللَّه ﷺ : "لقد قتلت رجلين، لأدينّهما".
стр. 1748
قال ابن إسحاق (١): ثم خرج رسول اللَّه ﷺ إلى بني النّضير يستعينهم في دية ذَيْنَكَ القتيلين من بني عامر، اللذين قتلهما عمرو بن أُمية، للعهد الذي كان رسول اللَّه ﷺ قد أعطاهما، وكان بين بني النّضير وبين بني عامرٍ عقدٌ وحلفٌ، فلما أتاهم رسول اللَّه ﷺ قالوا: نعم يا أبا القاسم، نعينك على ما أحببت. ثم خلا بعضهم ببعضٍ فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه -ورسول اللَّه ﷺ إلى جنب جدارٍ من بيوتهم قاعدٌ- فمن رجلٌ يعلو على هذا البيت، فيلقي عليه صخرةً ويريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحّاش بن كعبٍ، فقال: أنا لذلك. فصعِد ليلقي عليه صخرةً كما قال، ورسول اللَّه ﷺ في نفرٍ من أصحابه، فيهم أبو بكرٍ وعمر وعليّ، فأتى رسول اللَّه ﷺ الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعًا إلى المدينة، فلما استلبث (٢) النَّبِيّ ﷺ أصحابه، قاموا في طلبه، فلقوا رجلًا مقبلًا [من المدينة]، فسألوه عنه، فقال: رأيته داخلًا المدينة. فأقبل أصحاب رسول اللَّه ﷺ حتى انتهوا إليه، فأخبرهم الخبر بما كانت يهود أرادت من الغدر به.
قال الواقدي (٣): فبعث رسول اللَّه ﷺ إليهم محمد بن مسلمة يأمرهم بالخروج من جواره وبلده، فبعث إليهم أهل النّفاق يثبّتونهم ويحرّضونهم على المقام، ويعِدونهم النَّصر، فقويت عند ذلك نفوسهم، وحمي حييّ بن أخطب، وبعثوا إلى رسول اللَّه ﷺ أنهم لا يخرجون، ونابذوه بنقض العهود، فعند ذلك أمر الناس بالخروج إليهم.
قال الواقديُّ (٤): فحاصرهم (٥) خمس عشرة ليلةً.
وقال ابن إسحاق (٦): وأمر النَّبِيّ ﷺ بالتهيّؤ لحربهم والمسير إليهم. قال ابن هشامٍ: واستعمل على المدينة ابن أمّ مكتومٍ، وذلك في شهر ربيعٍ الأول.
قال ابن إسحاق (٧): فسار حتى نزل بهم، فحاصرهم ستّ ليالٍ، ونزل تحريم الخمر حينئذٍ (٨)، وتحصّنوا منه في الحصون، فأمر رسول اللَّه ﷺ بقطع النخجل والتحريق فيها، فنادَوه: أن يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد، وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخيل وتحريقها؛ قال: وقد كان رهطٌ من بني عوف بن الخزرج، منهم عبد اللَّه بن أُبيّ، ووديعة ومالكٌ وسويدٌ وداعسٌ، قد بعثوا إلى بني
стр. 1749
النّضير؛ أن اثبتوا وتمنّعوا، فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم. فتربّصوا ذلك من نصرهم، فلم يفعلوا، وقذف اللَّه في قلوبهم الرُّعب، فسألوا رسول اللَّه ﷺ أن يجليَهم ويكفّ عن دمائهم، على أنّ لهم ما حملت الإبل من أموالهم إِلَّا الحلقة (١)، ففعل.
وقال العوفيّ عن ابن عباسٍ: أعطى كلّ ثلاثةٍ منهم بعيرًا يعتقبونه، وسقاءً. رواه البيهقيّ (٢).
وروى (٣) من طريق يعقوب بن محمدٍ الزُّهريّ، عن إبراهيم بن جعفر بن محمود بن محمد بن مسلمة، عن أبيه، عن جدّه، عن محمدٍ بن مسلمة، أنّ رسول اللَّه ﷺ بعثه إلى بني النّضير، وأمره أن يؤجّلهم في الجلاء ثلاث ليالٍ.
وروى البيهقيّ (٤) وغيره أنه كانت لهم ديونٌ مؤجّلةٌ، فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : "ضعوا وتعجّلوا" وفي صحته نظرٌ، واللَّه أعلم.
قال ابن إسحاق (٥): فاحتملوا من أموالهم ما استقلّت به الإبل، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نِجاف بابه، فيضعه على ظهر بعيره، فينطلق به، فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، فكان من أشراف في ذهب منهم إلى خيبر؛ سلّام بن أبي الحُقيق، وكنانة بن الرَّبيع بن أبي الحقيق، وحييّ بن أخطب. فلمّا نزلوها دان لهم أهلها.
فحدّثني (٦) عبد اللَّه بن أبي بكرٍ أنه حدّث أنهم استقبلوا بالنساء والأبناء والأموال، معهم الدّفوف والمزامير، والقيان يعزفن خلفهم، بزهاءً وفخرٍ ما رئي مثله لحي من الناس في زمانهم. قال: وخلّوا الأموال لرسول اللَّه ﷺ يعني النخيل والمزارع- فكانت له خاصةً، يضعها حيث يشاء، فقسمها على المهاجرين الأوّلين دون الأنصار، إِلَّا أن سهل بن حنيفٍ وأبا دجانة ذكَرا فقرًا فأعطاهما. وأضاف بعضهم إليهما الحارث بن الصّمّة. حكاه السّهيليّ (٧).
قال ابن إسحاق (٨): ولم يسلم من بني النّضير إِلَّا رجلان؛ وهما يامين بن عمير بن كعبٍ، ابن عمّ عمرو بن جحّاشٍ، وأبو سعد بن وهبٍ، فأحرزا أموالهما.
قال ابن إسحاق: وقد حدّثني بعض آل يامين أن رسول اللَّه ﷺ قال ليامين: "ألم تر ما لقينا من ابن
стр. 1750
عمّك، وما همّ به من شأني؟ " فجعل يامين لرجلٍ جُعلًا على أن يقتل عمرو بن جحّاشٍ فقتله، لعنه اللَّه.
قال ابن إسحاق: فأنزل اللَّه فيهم سورة "الحشر" بكمالها، يذكر فيها ما أصابهم به من نقمته وما سَلَّطَ عليهم به رسوله ﷺ ، وما عمل به فيهم.
ثم شرع ابن إسحاق يفسّرها، وقد تكلّمنا عليها بطولها مبسوطةً في كتابنا "التفسير" (١) وللَّه الحمد.
قال اللَّه تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤) مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ١ - ٥].
سبّح نفسه الكريمة، وأخبر أنه يسبّح له جميع مخلوقاته العلويّة والسّفليّة، وأنه العزيز وهو منيع الجناب، فلا ترام عظمته وكبرياؤه، وأنه الحكيم في جميع ما خلق وجميع ما قدّر وشرع، فمن ذلك تقديره وتدبيره وتيسيره لرسول اللَّه ﷺ وعباده المؤمنين في ظفرهم بأعدائهم من اليهود، الذين شاقّوا اللَّه ورسوله، وجانبوا رسوله وشرعه، وما كان من السبب المقتضي لقتالهم، كما تقدّم، حتى حاصرهم المؤيّد بالرعب والرّهب مسيرة شهرٍ، ومع هذا فأسرهم بالمحاصرة بجنوده ونفسه الشريفة ستّ ليالٍ، فذهب بهم الرعب كلّ مذهبٍ، حتى صانعوا وصالحوا على حقن دمائهم، وأن يأخذوا من أموالهم ما استقلّت به ركابهم، على أنهم لا يستصحبون شيئًا من السلاح؛ إهانة لهم واحتقارًا، فجعلوا ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾. ثم ذكر تعالى أنه لو لم يصبهم هذا الجلاء، وهو التّسيير والنّفي من جوار الرسول ﷺ من المدينة، لأصابهم ما هو أشدّ منه من العذاب الدنيويّ، وهو القتل، مع ما ادّخر لهم في الآخرة من العذاب الأليم المقدّر لهم. ثم ذكر تعالى حكمة ما وقع من تحريق نخلهم، وترك ما بقي منه لهم، وأن ذلك كلّه سائغ، فقال: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ وهو جيّد التمر ﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إن الجميع قد أُذن فيه شرعًا وقدرًا، فلا حرج عليكم فيه، ولنعم ما رأيتم من ذلك، وليس هو بفسادٍ، كما قاله شرار العباد، إنما هو إظهار للقوة، وإخزاءٌ للكفرة الفجرة.
وقد روى البخاريّ ومسلم (٢)، جميعًا عن قتيبة، عن اللّيث، عن نافعٍ، عن ابن عمر، أنّ رسول اللَّه ﷺ حرّق نَخْل بني النّضير، وقطع، وهي البويرة (٣)، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾.
стр. 1751
وعند البخاريّ (١)، من طريق جويرية بن أسماء، عن نافعٍ، عن ابن عمر، أن رسول اللَّه ﷺ حرّق نخل بني النّضير وقطع، وهي البويرة، ولها يقول حسان بن ثابتٍ (٢): [من الوافر]
وهان على سراة بني لؤيٍّ … حريقٌ بالبُويرة مستطير
فأجابه أبو سفيان بن الحارث يقول (٣): [من الوافر]
أدام اللَّه ذلك من صنيعٍ … وحرّق في نواحيها السعير
ستعلم أيّنا منها بنزهٍ … وتعلم أيّ أرضينا تضير
قال ابن إسحاق: وقال كعب بن مالكٍ (٤) يذكر إجلاء بني النّضير وقتل كعب بن الأشرف، فاللَّه أعلم: [من الوافر]
لقد خزيت بغدرتها الحبور … كذاك الدّهر ذو صرفٍ يدورُ
وذلك أنهم كفروا بربٍّ … عظيمٍ أمره أمرٌ كبيرُ
وقد أوتوا معًا فهمًا وعلمًا … وجاءهمُ من اللَّه النذيرُ
نذير صادقٌ أدّى كتابًا … وآياتٍ مبيّنةً تنيرُ
فقالوا ما أتيت بأمر صدقٍ … وأنت بمنكرٍ منا جديرُ
فقال بلى لقد أدّيت حقًّا … يصدّقني به الفهِم الخبيرُ
فمن يتبعه يهد لكلّ رشدٍ … ومن يكفر به يُجْزَ الكفورُ
فلمّا أُشربوا غدرًا وكفرًا … وجدّ بهم عن الحقّ النّفورُ
أرى اللَّه النَّبِيّ برأي صدقٍ … وكان اللَّه يحكم لا يجورُ
فأيّده وسلّطه عليهم … وكان نصيره نعم النصيرُ
فغودر منهم كعبٌ صريعًا … فذلّت بعد مصرعه النّضيرُ
على الكفّين ثَمّ وقد علته … بأيدينا مشهّرةٌ ذُكورُ
بأمر محمدٍ إذ دسّ ليلًا … إلى كعبٍ أخا كعبٍ يسيرُ
فما كَره فأنزله بمَكرٍ … ومحمودٌ أخو ثقةٍ جسورُ
فتلك بنو النّضير بدار سوءٍ … أبارهمُ بما اجترموا المبيرُ
غداة أتاهمُ في الزّحف رهوًا … رسول اللَّه وهو بهم بصيرُ
стр. 1752
وغسّان الحماة مؤازروه … على الأعداء وهو لهم وزير
فقال السّلم ويحكم فصدّوا … وخالف أمرهم كذبٌ وزور
فذاقوا غبّ أمرهم وبالًا … لكلّ ثلاثةٍ منهم بعير
وأجلوا عامدين لقينقاعٍ … وغودر منهمُ نخلٌ ودور
وقد ذكر ابن إسحاق جوابها لسِمَاكٍ اليهوديّ، فتركناها قصدًا.
قال ابن إسحاق (١): وكان ممّا قيل في بني النّضير، قول ابنِ لُقَيمٍ العبسيّ، ويقال: قالها قيس بن بحر بن طريفٍ الأشجعيّ: [من الطويل]
أهلي فداءٌ لامرئٍ غير هالك … أحلّ اليهود بالحسيّ المزنّم
يقيلون في جمر الغضاة وبدّلوا … أهيضب عودى بالوديّ المكمّم
فإن يك ظنّي صادقًا بمحمدٍ … تروا خيله بين الصّلا ويرمرم
يؤمّ بها عمرو بن بهثة إنّهم … عدوّ وما حيّ صديقٌ كمجرم
عليهنّ أبطالٌ مساعيرُ في الوغى … يهزّون أطراف الوشيج المقوّم
وكلّ رقيق الشّفرتين مهنّدٍ … توورثن من أزمان عادٍ وجرهم
فمن مبلغٌ عني قريشًا رسألةً … فهل بعدهم في المجد من متكرّم
بأنّ أخاهم فاعلمُنّ محمدًا … تليد النّدى بين الحجون وزمزم
فدينوا له بالحقّ تجسم أموركم … وتسمو من الدّنيا إلى كلّ معظم
نبيٌّ تلاقته من اللَّه رحمةٌ … ولا تسألوه أمر غيبٍ مرجّم
فقد كان في بدرٍ لعمريَ عبرةٌ … لكم يا قريشًا والقليب الملمّم
غداة أتى في الخزرجيّة عامدًا … إليكم مطيعًا للعظيم المكرّم
معانًا بروح القدس ينكي عدوّه … رسولًا من الرحمن حقًّا بمعلم
رسولًا من الرحمن يتلو كتابه … فلمّا أنار الحقّ لم يتلعثم
أرى أمره يزداد في كلّ موطنٍ … علوًّا لأمرٍ حمّه اللَّه محكم
قال ابن إسحاق (٢): وقال عليّ بن أبي طالبٍ -وقال ابن هشامٍ: قالها رجلٌ من المسلمين، ولم أر أحدًا يعرفها لعليٍّ-: [من المتقارب]
عرفت ومن يعتدل يعرفِ … وأيقنت حقًّا ولم أصدفِ
عن الكلم المحكم الآي (٣) من … لدى اللَّه ذي الرّأفة الأرأف
стр. 1753
رسائل تدرس في المؤمنين … بهنّ اصطفى أحمد المصطفي
فأصبح أحمد فينا عزيزًا … عزيز المقامة والموقف
فيا أيّها الموعدوه سفاهًا … ولم يأت جورًا ولم يعنف
ألستم تخافون أدنى العذاب … وما آمِنُ اللَّه كالأخوف
وأن تُصرعوا تحت أسيافه … كمصرع كعبٍ أبي الأشرف
غداة رأى اللَّه طغيانه … وأعرض كالجمل الأجنف
فأنزل جبريل في قتله … بوحيٍ إلى عبده ملطف
فدسّ الرسول رسولًا له … بأبيض ذي هبّةٍ مرهف
فباتت عيونٌ له معولاتٌ … متى ينع كعبٌ لها تذرف
وقلن لأحمد ذرنا قليلًا … فإنّا من النّوح لم نشتف
فخلّاهمُ ثم قال اظعنوا … دحورًا على رغم الآنف
وأجلى النّضير إلى غربةٍ … وكانوا بدارٍ ذوي زخرف
إلى أذرعاتٍ ردافًا وهم … على كلّ ذي دبَر أعجف
وتركنا جوابها أيضًا من سَمَّاكٍ اليهوديّ قصدًا.
ثم ذكر تعالى حكم الفيء، وأنه حكم بأموال بني النّضير لرسول اللَّه ﷺ ، وملّكها له، فوضعها رسول اللَّه ﷺ حيث أراه اللَّه تعالى، كما ثبت في "الصحيحين" عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنّه قال: كانت أموال بني النضير ممّا أفاء اللَّه على رسوله ﷺ ، ممّا لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركابٍ، فكانت لرسول اللَّه ﷺ خاصّةً، فكان يعزل نفقة أهله سنةً، ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدّةً في سبيل اللَّه، .
ثم بينّ تعالى حكم الفيء، وأنّه للمهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسانٍ على منوالهم وطريقتهم: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧].
قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عارمٌ وعفان، قالا: حَدَّثَنَا معتمرٌ، سمعت أبي يقول: حَدَّثَنَا أنس بن مالكٍ، عن نبيّ اللَّه ﷺ ، أن الرجل كان يجعل له من ماله النخلات، أو كما شاء اللَّه، حتى فتحت عليه قريظة والنّضير. قال: فجعل يردّ بعد ذلك. قال: وإنّ أهلي أمروني أن آتي النَّبِيّ ﷺ فأسأله الذي كان أهله أعطوه أو بعضه، وكان نبي اللَّه ﷺ أعطاه أمّ أيمن، أو كما شاء اللَّه. قال: فسألت النَّبِيّ ﷺ فأعطانيهنّ، فجاءت أمّ أيمن فجعلت الثوب في عنقي وجعلت تقول: كلا واللَّه الذي لا إله إلّا هو، لا يعطيكهن وقد أعطانيهنّ. أو كما قالت. فقال النَّبِيّ ﷺ : "لك كذا وكذا". وتقول: كلا واللَّه. قال: ويقول: "لك كذا وكذا". وتقول: كلَّا واللَّه. قال: ويقول: "لك كذا وكذا". حتى أعطاها -حسبته
стр. 1754
قال- عشرة أمثاله. أو قال: قريبًا من عشرة أمثاله. أو كما قال. أخرجاه بنحوه من طرقٍ، عن معتمرٍ به.
ثم قال تعالى ذامًا للمنافقين الذين مالوا لبني النّضير في الباطن، كما تقدّم، ووعدهم النصر، فلم يكن من ذلك شيءٌ، بل خذلوهم أحوج ما كانوا إليهم، وغرّوهم من أنفسهم، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [الحشر: ١١ - ١٢]. ثم ذمّهم تعالى على جُبنهم، وقلّة علمهم، وخفّة عقلهم النافع، ثم ضرب لهم مثلًا قبيحًا شنيعًا بالشيطان حين قال للإنسان: ﴿اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [الحشر: ١٦ - ١٧].
قصّة عمرو بن سعدى القرظيّ حين مرّ على ديار بني النّضير وقد صارت يبابًا (١)، ليس بها داعٍ ولا مجيب
وقد كانت بنو النّضير أشرف من بني قريظة، حتى حداه ذلك على الإسلام، وأظهر صفة رسول اللَّه ﷺ من التوراة.
قال الواقديّ: ثنا إبراهيم بن جعفرٍ، عن أبيه قال: لمّا خرجت بنو النّضير من المدينة، أقبل عمرو بن سعدى، فأطاف بمنازلهم فرأى خرابها، وفكّر ثم رجع إلى بني قريظة، فوجدهم في الكنيسة، فنفخ في بوقهم، فاجتمعوا، فقال الزَّبير بن باطا: يا أبا سعيدٍ، أين كنت منذ اليوم لم نرك؛ وكان لا يفارق الكنيسة، وكان يتألّه في اليهوديّة، قال: رأيت اليوم عبرًا قد عبّرنا بها؛ رأيت منازل إخواننا خاليةً بعد ذلك العزّ والجلد، والشّرف الفاضل والعقل البارع، قد تركوا أموالهم، وملكها غيرهم، وخرجوا خروج ذُلٍّ، ولا والتوراة ما سلّط هذا على قومٍ قطُ للَّه بهم حاجةٌ، وقد أوقع قبل ذلك بابن الأشرف ذي عزّهم، ثم بيّته في بيته آمنًا، وأوقع بابن سُنينة سيّدهم، وأوقع ببني قينقاع فأجلاهم، وهم أهل جدٍّ يهود، وكانوا أهل عدّةٍ وسلاحٍ ونجدةٍ، فحصرهم، فلم يخرج إنسانٌ منهم رأسه حتى سباهم، وكلّم فيهم، فتركهم على أن أجلاهم من يثرب، يا قوم، قد رأيتم ما رأيتم، فأطيعوني وتعالوا نتّبع محمدًا، فواللَّه إنّكم لتعلمون أنّه نبيٌّ، قد بشّرنا به وبأمره ابن الهيّبان أبو عميرٍ وابن حراشٍ، وهما أعلم يهود، جاءانا يتوكّفان قدومه، وأمرانا باتباعه، جاءانا من بيت المقدس، وأمرانا أن نقرئه منهما السلام، ثم ماتا على دينهما، ودفنّاهما بحرّتنا هذه. فأسكت القوم، فلم يتكلّم منهم متكلّمٌ، ثم أعاد هذا الكلام ونحوه، وخوفهم بالحرب والسّباء والجلاء. فقال الزَّبير بن باطا: قد والتوراة قرأت صفته في التي نزلت على
стр. 1755
موسى، ليس في المثاني الذي أحدثنا. قال: فقال له كعب بن أسدٍ: ما يمنعك يا أبا عبد الرحمن من اتّباعه؛ قال: أنت. قال كعبٌ: فلم، والتوراة ما حلت بينك وبينه قطّ؟! قال الزَّبير: بل أنت صاحب عهدنا وعقدنا، فإن اتّبَعته اتّبعناه، وإن أبيت أبينا. فأقبل عمرو بن سعدى على كعبٍ. فذكر ما تقاولا في ذلك، إلى أن قال كعبٌ: ما عندي في أمره إلّا ما قلت، ما تطيب نفسي أن أصير تابعًا. رواه البيهقيّ (١).
غزوة بني لحيان التي صلّى فيها صلاة الخوف بعسفان
هاهنا ذكرها البيهقيّ في "الدلائل" (٢)، وإنما ذكرها ابن إسحاق، فيما رأيت، من طريق ابن هشامٍ (٣)، عن زيادٍ عنه، في جمادى الأولى من سنة ست من الهجرة بعد الخندق وبني قريظة، وهو أشبه ممّا ذكره البيهقيّ، واللَّه أعلم، فلنؤخِّرها إلى هناك.
وقال الحافظ البيهقيّ (٤): أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، حدَّثنا أبو العباس الأصمّ، حدَّثنا أحمد بن عبد الجبار قال: حدَّثنا يونس بن بكيرٍ، عن ابن إسحاق قال: حدَّثنا عبد اللَّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزمٍ وغيره، قالوا: لمّا أصيب خبيبٌ وأصحابه خرج رسول اللَّه ﷺ طالبًا بدمائهم؛ ليصيب من بني لحيان غرّةً، فسلك طريق الشام؛ ليري أنّه لا يريد بني لحيان، حتى نزل بأرضهم، فوجدهم قد حذروا وتمنّعوا في رؤوس الجبال، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لو أنّا هبطنا عسفان؛ لرأت قريشٌ أنا قد جئنا مكة". فخرج في مئتي راكبٍ حتى نزل عسفان، ثم بعث فارسين حتى جاءا كراع الغميم، ثم انصرفا، فذكر أبو عياشٍ الزّرقيّ أن رسول اللَّه ﷺ صلّى بعسفان صلاة الخوف.
وقد قال الإمام أحمد (٥): ثنا عبد الرّزاق، ثنا الثّوريّ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبي عيّاشٍ قال: كنّا مع رسول اللَّه ﷺ بعسفان، فاستقبلنا المشركون، عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا رسول اللَّه ﷺ الظهر، فقالوا: قد كانوا على حالٍ لو أصبنا غرّتهم. ثم قالوا: تأتي عليهم الآن صلاةٌ هي أحبّ إليهم من أبنائهم وأنفسهم. قال: فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢]. قال: فحضرت، فأمرهم رسول اللَّه ﷺ فأخذوا السلاح، فصففنا خلفه صفّين، ثم ركع، فركعنا جميعًا، ثم رفع فرفعنا جميعًا، ثم سجد بالصفّ الذي