← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

وعند البخاريّ (١)، من طريق جويرية بن أسماء، عن نافعٍ، عن ابن عمر، أن رسول اللَّه ﷺ حرّق نخل بني النّضير وقطع، وهي البويرة، ولها يقول حسان بن ثابتٍ (٢): [من الوافر] وهان على سراة بني لؤيٍّ … حريقٌ بالبُويرة مستطير فأجابه أبو سفيان بن الحارث يقول (٣): [من الوافر] أدام اللَّه ذلك من صنيعٍ … وحرّق في نواحيها السعير ستعلم أيّنا منها بنزهٍ … وتعلم أيّ أرضينا تضير قال ابن إسحاق: وقال كعب بن مالكٍ (٤) يذكر إجلاء بني النّضير وقتل كعب بن الأشرف، فاللَّه أعلم: [من الوافر] لقد خزيت بغدرتها الحبور … كذاك الدّهر ذو صرفٍ يدورُ وذلك أنهم كفروا بربٍّ … عظيمٍ أمره أمرٌ كبيرُ وقد أوتوا معًا فهمًا وعلمًا … وجاءهمُ من اللَّه النذيرُ نذير صادقٌ أدّى كتابًا … وآياتٍ مبيّنةً تنيرُ فقالوا ما أتيت بأمر صدقٍ … وأنت بمنكرٍ منا جديرُ فقال بلى لقد أدّيت حقًّا … يصدّقني به الفهِم الخبيرُ فمن يتبعه يهد لكلّ رشدٍ … ومن يكفر به يُجْزَ الكفورُ فلمّا أُشربوا غدرًا وكفرًا … وجدّ بهم عن الحقّ النّفورُ أرى اللَّه النَّبِيّ برأي صدقٍ … وكان اللَّه يحكم لا يجورُ فأيّده وسلّطه عليهم … وكان نصيره نعم النصيرُ فغودر منهم كعبٌ صريعًا … فذلّت بعد مصرعه النّضيرُ على الكفّين ثَمّ وقد علته … بأيدينا مشهّرةٌ ذُكورُ بأمر محمدٍ إذ دسّ ليلًا … إلى كعبٍ أخا كعبٍ يسيرُ فما كَره فأنزله بمَكرٍ … ومحمودٌ أخو ثقةٍ جسورُ فتلك بنو النّضير بدار سوءٍ … أبارهمُ بما اجترموا المبيرُ غداة أتاهمُ في الزّحف رهوًا … رسول اللَّه وهو بهم بصيرُ

стр. 1752

وغسّان الحماة مؤازروه … على الأعداء وهو لهم وزير فقال السّلم ويحكم فصدّوا … وخالف أمرهم كذبٌ وزور فذاقوا غبّ أمرهم وبالًا … لكلّ ثلاثةٍ منهم بعير وأجلوا عامدين لقينقاعٍ … وغودر منهمُ نخلٌ ودور وقد ذكر ابن إسحاق جوابها لسِمَاكٍ اليهوديّ، فتركناها قصدًا. قال ابن إسحاق (١): وكان ممّا قيل في بني النّضير، قول ابنِ لُقَيمٍ العبسيّ، ويقال: قالها قيس بن بحر بن طريفٍ الأشجعيّ: [من الطويل] أهلي فداءٌ لامرئٍ غير هالك … أحلّ اليهود بالحسيّ المزنّم يقيلون في جمر الغضاة وبدّلوا … أهيضب عودى بالوديّ المكمّم فإن يك ظنّي صادقًا بمحمدٍ … تروا خيله بين الصّلا ويرمرم يؤمّ بها عمرو بن بهثة إنّهم … عدوّ وما حيّ صديقٌ كمجرم عليهنّ أبطالٌ مساعيرُ في الوغى … يهزّون أطراف الوشيج المقوّم وكلّ رقيق الشّفرتين مهنّدٍ … توورثن من أزمان عادٍ وجرهم فمن مبلغٌ عني قريشًا رسألةً … فهل بعدهم في المجد من متكرّم بأنّ أخاهم فاعلمُنّ محمدًا … تليد النّدى بين الحجون وزمزم فدينوا له بالحقّ تجسم أموركم … وتسمو من الدّنيا إلى كلّ معظم نبيٌّ تلاقته من اللَّه رحمةٌ … ولا تسألوه أمر غيبٍ مرجّم فقد كان في بدرٍ لعمريَ عبرةٌ … لكم يا قريشًا والقليب الملمّم غداة أتى في الخزرجيّة عامدًا … إليكم مطيعًا للعظيم المكرّم معانًا بروح القدس ينكي عدوّه … رسولًا من الرحمن حقًّا بمعلم رسولًا من الرحمن يتلو كتابه … فلمّا أنار الحقّ لم يتلعثم أرى أمره يزداد في كلّ موطنٍ … علوًّا لأمرٍ حمّه اللَّه محكم قال ابن إسحاق (٢): وقال عليّ بن أبي طالبٍ -وقال ابن هشامٍ: قالها رجلٌ من المسلمين، ولم أر أحدًا يعرفها لعليٍّ-: [من المتقارب] عرفت ومن يعتدل يعرفِ … وأيقنت حقًّا ولم أصدفِ عن الكلم المحكم الآي (٣) من … لدى اللَّه ذي الرّأفة الأرأف

стр. 1753

رسائل تدرس في المؤمنين … بهنّ اصطفى أحمد المصطفي فأصبح أحمد فينا عزيزًا … عزيز المقامة والموقف فيا أيّها الموعدوه سفاهًا … ولم يأت جورًا ولم يعنف ألستم تخافون أدنى العذاب … وما آمِنُ اللَّه كالأخوف وأن تُصرعوا تحت أسيافه … كمصرع كعبٍ أبي الأشرف غداة رأى اللَّه طغيانه … وأعرض كالجمل الأجنف فأنزل جبريل في قتله … بوحيٍ إلى عبده ملطف فدسّ الرسول رسولًا له … بأبيض ذي هبّةٍ مرهف فباتت عيونٌ له معولاتٌ … متى ينع كعبٌ لها تذرف وقلن لأحمد ذرنا قليلًا … فإنّا من النّوح لم نشتف فخلّاهمُ ثم قال اظعنوا … دحورًا على رغم الآنف وأجلى النّضير إلى غربةٍ … وكانوا بدارٍ ذوي زخرف إلى أذرعاتٍ ردافًا وهم … على كلّ ذي دبَر أعجف وتركنا جوابها أيضًا من سَمَّاكٍ اليهوديّ قصدًا. ثم ذكر تعالى حكم الفيء، وأنه حكم بأموال بني النّضير لرسول اللَّه ﷺ ، وملّكها له، فوضعها رسول اللَّه ﷺ حيث أراه اللَّه تعالى، كما ثبت في "الصحيحين" عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنّه قال: كانت أموال بني النضير ممّا أفاء اللَّه على رسوله ﷺ ، ممّا لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركابٍ، فكانت لرسول اللَّه ﷺ خاصّةً، فكان يعزل نفقة أهله سنةً، ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدّةً في سبيل اللَّه، . ثم بينّ تعالى حكم الفيء، وأنّه للمهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسانٍ على منوالهم وطريقتهم: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]. قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عارمٌ وعفان، قالا: حَدَّثَنَا معتمرٌ، سمعت أبي يقول: حَدَّثَنَا أنس بن مالكٍ، عن نبيّ اللَّه ﷺ ، أن الرجل كان يجعل له من ماله النخلات، أو كما شاء اللَّه، حتى فتحت عليه قريظة والنّضير. قال: فجعل يردّ بعد ذلك. قال: وإنّ أهلي أمروني أن آتي النَّبِيّ ﷺ فأسأله الذي كان أهله أعطوه أو بعضه، وكان نبي اللَّه ﷺ أعطاه أمّ أيمن، أو كما شاء اللَّه. قال: فسألت النَّبِيّ ﷺ فأعطانيهنّ، فجاءت أمّ أيمن فجعلت الثوب في عنقي وجعلت تقول: كلا واللَّه الذي لا إله إلّا هو، لا يعطيكهن وقد أعطانيهنّ. أو كما قالت. فقال النَّبِيّ ﷺ : "لك كذا وكذا". وتقول: كلا واللَّه. قال: ويقول: "لك كذا وكذا". وتقول: كلَّا واللَّه. قال: ويقول: "لك كذا وكذا". حتى أعطاها -حسبته

стр. 1754

قال- عشرة أمثاله. أو قال: قريبًا من عشرة أمثاله. أو كما قال. أخرجاه بنحوه من طرقٍ، عن معتمرٍ به. ثم قال تعالى ذامًا للمنافقين الذين مالوا لبني النّضير في الباطن، كما تقدّم، ووعدهم النصر، فلم يكن من ذلك شيءٌ، بل خذلوهم أحوج ما كانوا إليهم، وغرّوهم من أنفسهم، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [الحشر: ١١ - ١٢]. ثم ذمّهم تعالى على جُبنهم، وقلّة علمهم، وخفّة عقلهم النافع، ثم ضرب لهم مثلًا قبيحًا شنيعًا بالشيطان حين قال للإنسان: ﴿اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [الحشر: ١٦ - ١٧]. قصّة عمرو بن سعدى القرظيّ حين مرّ على ديار بني النّضير وقد صارت يبابًا (١)، ليس بها داعٍ ولا مجيب وقد كانت بنو النّضير أشرف من بني قريظة، حتى حداه ذلك على الإسلام، وأظهر صفة رسول اللَّه ﷺ من التوراة. قال الواقديّ: ثنا إبراهيم بن جعفرٍ، عن أبيه قال: لمّا خرجت بنو النّضير من المدينة، أقبل عمرو بن سعدى، فأطاف بمنازلهم فرأى خرابها، وفكّر ثم رجع إلى بني قريظة، فوجدهم في الكنيسة، فنفخ في بوقهم، فاجتمعوا، فقال الزَّبير بن باطا: يا أبا سعيدٍ، أين كنت منذ اليوم لم نرك؛ وكان لا يفارق الكنيسة، وكان يتألّه في اليهوديّة، قال: رأيت اليوم عبرًا قد عبّرنا بها؛ رأيت منازل إخواننا خاليةً بعد ذلك العزّ والجلد، والشّرف الفاضل والعقل البارع، قد تركوا أموالهم، وملكها غيرهم، وخرجوا خروج ذُلٍّ، ولا والتوراة ما سلّط هذا على قومٍ قطُ للَّه بهم حاجةٌ، وقد أوقع قبل ذلك بابن الأشرف ذي عزّهم، ثم بيّته في بيته آمنًا، وأوقع بابن سُنينة سيّدهم، وأوقع ببني قينقاع فأجلاهم، وهم أهل جدٍّ يهود، وكانوا أهل عدّةٍ وسلاحٍ ونجدةٍ، فحصرهم، فلم يخرج إنسانٌ منهم رأسه حتى سباهم، وكلّم فيهم، فتركهم على أن أجلاهم من يثرب، يا قوم، قد رأيتم ما رأيتم، فأطيعوني وتعالوا نتّبع محمدًا، فواللَّه إنّكم لتعلمون أنّه نبيٌّ، قد بشّرنا به وبأمره ابن الهيّبان أبو عميرٍ وابن حراشٍ، وهما أعلم يهود، جاءانا يتوكّفان قدومه، وأمرانا باتباعه، جاءانا من بيت المقدس، وأمرانا أن نقرئه منهما السلام، ثم ماتا على دينهما، ودفنّاهما بحرّتنا هذه. فأسكت القوم، فلم يتكلّم منهم متكلّمٌ، ثم أعاد هذا الكلام ونحوه، وخوفهم بالحرب والسّباء والجلاء. فقال الزَّبير بن باطا: قد والتوراة قرأت صفته في التي نزلت على

стр. 1755

موسى، ليس في المثاني الذي أحدثنا. قال: فقال له كعب بن أسدٍ: ما يمنعك يا أبا عبد الرحمن من اتّباعه؛ قال: أنت. قال كعبٌ: فلم، والتوراة ما حلت بينك وبينه قطّ؟! قال الزَّبير: بل أنت صاحب عهدنا وعقدنا، فإن اتّبَعته اتّبعناه، وإن أبيت أبينا. فأقبل عمرو بن سعدى على كعبٍ. فذكر ما تقاولا في ذلك، إلى أن قال كعبٌ: ما عندي في أمره إلّا ما قلت، ما تطيب نفسي أن أصير تابعًا. رواه البيهقيّ (١). غزوة بني لحيان التي صلّى فيها صلاة الخوف بعسفان هاهنا ذكرها البيهقيّ في "الدلائل" (٢)، وإنما ذكرها ابن إسحاق، فيما رأيت، من طريق ابن هشامٍ (٣)، عن زيادٍ عنه، في جمادى الأولى من سنة ست من الهجرة بعد الخندق وبني قريظة، وهو أشبه ممّا ذكره البيهقيّ، واللَّه أعلم، فلنؤخِّرها إلى هناك. وقال الحافظ البيهقيّ (٤): أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، حدَّثنا أبو العباس الأصمّ، حدَّثنا أحمد بن عبد الجبار قال: حدَّثنا يونس بن بكيرٍ، عن ابن إسحاق قال: حدَّثنا عبد اللَّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزمٍ وغيره، قالوا: لمّا أصيب خبيبٌ وأصحابه خرج رسول اللَّه ﷺ طالبًا بدمائهم؛ ليصيب من بني لحيان غرّةً، فسلك طريق الشام؛ ليري أنّه لا يريد بني لحيان، حتى نزل بأرضهم، فوجدهم قد حذروا وتمنّعوا في رؤوس الجبال، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لو أنّا هبطنا عسفان؛ لرأت قريشٌ أنا قد جئنا مكة". فخرج في مئتي راكبٍ حتى نزل عسفان، ثم بعث فارسين حتى جاءا كراع الغميم، ثم انصرفا، فذكر أبو عياشٍ الزّرقيّ أن رسول اللَّه ﷺ صلّى بعسفان صلاة الخوف. وقد قال الإمام أحمد (٥): ثنا عبد الرّزاق، ثنا الثّوريّ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبي عيّاشٍ قال: كنّا مع رسول اللَّه ﷺ بعسفان، فاستقبلنا المشركون، عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا رسول اللَّه ﷺ الظهر، فقالوا: قد كانوا على حالٍ لو أصبنا غرّتهم. ثم قالوا: تأتي عليهم الآن صلاةٌ هي أحبّ إليهم من أبنائهم وأنفسهم. قال: فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢]. قال: فحضرت، فأمرهم رسول اللَّه ﷺ فأخذوا السلاح، فصففنا خلفه صفّين، ثم ركع، فركعنا جميعًا، ثم رفع فرفعنا جميعًا، ثم سجد بالصفّ الذي

стр. 1756

يليه، والآخرون قيامٌ يحرسونهم، فلمّا سجدوا وقاموا جلس الآخَرون فسجدوا في مكانهم، ثم تقدّم هؤلاء إلى مصافِّ هؤلاء، وجاء هؤلاء إلى مصافِّ هؤلاء. قال: ثم ركع فركعوا جميعًا، ثم رفع فرفعوا جميعًا، ثم سجد النَّبِيّ والصفّ الذي يليه والآخرون فيامٌ يحرسونهم، فلمّا جلسوا جلس الآخرون، فسجدوا؛ ثم سلّم عليهم، ثم انصرف. قال: فصلاها رسول اللَّه ﷺ مرتين؛ مرةً بعسفان ومرةً بأرض بني سليمٍ. ثم رواه أحمد (١)، عن غندرٍ، عن شعبة، عن منصورٍ به نحوه. وقد رواه أبو داود (٢) عن سعيد بن منصورٍ، عن جرير بن عبد الحميد، والنسائيّ (٣) عن الفلَّاس، عن عبد العزيز بن عبد الصمد، [و] عن محمد بن المثنى وبندارٍ، عن غندرٍ، عن شعبة، ثلاثتهم عن منصورٍ به. وهذا إسنادٌ على شرط "الصحيحين" ولم يخرجه واحدٌ منهما، لكن روى مسلم (٤) من طريق أبي خيثمة زهير بن معاوية، عن أبي الزّبير، عن جابرٍ قال: غزونا مع رسول اللَّه ﷺ قومًا من جهينة، فقاتلوا قتالًا شديدًا، فلمّا أن صلّي الظهر قال المشركون: لو ملنا عليهم ميلةً لاقتطعناهم. فأخبر جبريل رسول اللَّه ﷺ بذلك، وذكر لنا رسول اللَّه ﷺ قال: "وقالوا: إنّه ستأتيهم صلاةٌ هي أحبّ إليهم من الأولاد". فذكر الحديث كنحو ما تقدّم. وقال أبو داود الطّيالسيّ (٥): حدَّثنا هشامٌ، عن أبي الزّبير، عن جابر بن عبد اللَّه قال: صلّى رسول اللَّه ﷺ بأصحابه الظهر بنخلٍ، فهمّ به المشركون، ثُمَّ قالوا: دعوهم؛ فإنّ لهم صلاة بعد هذه الصلاة هي أحبّ إليهم من أبنائهم. قال: فنزل جبريل على رسول اللَّه ﷺ فأخبره، فصلّى بأصحابه العصر، فصفّهم صفّين؛ رسول اللَّه ﷺ بين أيديهم، والعدوّ بين يدى رسول اللَّه ﷺ ، فكبّر وكبّروا جميعًا، وركعوا جميعًا، ثم سجد الذين يلونه، والآخَرون قيامٌ، فلمّا رفعوا رؤوسهم سجد الآخرون، ثم تقدّم هؤلاء وتأخر هؤلاء، فكبّروا جميعًا، وركعوا جميعًا، ثم سجد الذين يلونهم، والآخرون قيامٌ، فلما رفعوا رؤوسهم سجد الآخرون. وقد استشهد البخاريّ في "صحيحه" (٦) برواية هشامٍ هذه، عن أبي الزُّبير، عن جابرٍ. وقال الإمام أحمد (٧): ثنا عبد الصمد، ثنا سعيد بن عُبيدٍ الهُنائيّ، ثنا عبد اللَّه بن شقيقٍ، حدَّثنا أبو هريرة أنّ رسول اللَّه ﷺ نزل بين ضجنان وعُسفان، فقال المشركون: إن لهؤلاء صلاةً هي أحبّ إليهم من آبائهم وأبنائهم -وهي العصر- فأجمعوا أمركم، فميلوا عليهم ميلةً واحدةً. وإن جبريل أتى

стр. 1757

رسول اللَّه ﷺ ، فأمره أن يقسم أصحابه شطرين، فيصلِّى ببعضهم، وتقوم الطائفة الأخرى وراءهم وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم؛ ثم تأتي الأُخرى فيصلون معه، ويأخذ هؤلاء حِذرهم وأسلحتهم ليكون لهم ركعةٌ ركعةٌ مع رسول اللَّه [ ﷺ ]، ولرسول اللَّه [ ﷺ ]، ركعتان. ورواه التّرمذيّ والنسائيّ (١) من حديث عبد الصمد به، وقال الترمذيّ: حسنٌ صحيحٌ. قلت: إن كان أبو هريرة شهد هذا، فهو بعد خيبر، وإلّا فهو من مرسلات الصحابيّ، ولا يضرّ ذلك عند الجمهور، واللَّه أعلم. ولم يذكر في سياق حديث جابرٍ عند مسلمٍ، ولا عند أبي داود الطيالسيّ، أمر عُسفان ولا خالد بن الوليد، لكن الظاهر أنّها واحدةٌ. بقي الشأن في أنّ غزوة عسفان قبل الخندق أو بعدها، فإن من العلماء، منهم الشافعيّ، من يزعم أنّ صلاة الخوف إنّما شرعت بعد يوم الخندق؛ فإنّهم أخروا الصلاة يومئذ عن ميقاتها لعذر القتال، ولو كانت صلاة الخوف مشروعةً إذ ذاك، لفعلوها ولم يؤخروها، ولهذا قال بعض أهل المغازي: إنّ غزوة بني لحيان التي صلَّى فيها صلاة الخوف بعُسفان، كانت بعد بني قريظة. وقد ذكر الواقديّ (٢) بإسناده، عن خالد بن الوليد قال: لمّا خرج رسول اللَّه ﷺ إلى الحديبية لقيته بعسفان، فوقفت بإزائه وتعرّضت له، فصلّى بأصحابه الظهر أمامنا، فهممنا أن نغير عليه، ثم لم يعزم لنا، فأطلعه اللَّه على ما في أنفسنا من الهمّ به، فصلّى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف. قلت: وعمرة الحديبية كانت في ذي القعدة سنة ستٍّ (٣) بعد الخندق وبني قريظة كما سيأتي. وفي سياق حديث أبي عيّاشٍ الزّرقيّ، ما يقتضي أنّ آية صلاة الخوف نزلت في هذه الغزوة يوم عُسفان، فاقتضى ذلك أنّها أول صلاة خوفٍ صلّاها، واللَّه أعلم (٤). وسنذكر، إن شاء اللَّه تعالى، كيفية صلاة الخوف واختلاف الروايات فيها في كتاب "الأحكام الكبير" إن شاء اللَّه، وبه الثقة، وعليه التّكلان. غزوة ذات الرِّقَاع (٥) قال ابن إسحاق (٦): ثم أقام رسول اللَّه ﷺ بالمدينة بعد غزوة بني النّضير شهري ربيعٍ وبعض

стр. 1758

جمادى، ثم غزا نجدًا يريد بني محاربٍ وبني ثعلبة من غطفان، واستعمل على المدينة أبا ذرٍّ. قال ابن هشامٍ: ويقال: عثمان بن عفان. قال ابن إسحاق: فسار حتى نزل نخلًا، وهي غزوة ذات الرّقاع. قال ابن هشامٍ: لأنهم رقّعوا فيها راياتهم، ويقال: لشجرةٍ هناك اسمها ذات الرّقاع. وقال الواقديّ: بجبلٍ فيه بقعٌ حمرٌ وسودٌ وبيضٌ. وفي حديث أبي موسى: إنما سمّيت بذلك لما كانوا يربطون على أرجلهم [من] الخِرَق من شدّة الحرّ. قال ابن إسحاق: فلقي بها جمعًا من غطفان، فتقارب الناس، ولم يكن بينهم حربٌ، وقد خاف الناس بعضهم بعضًا، حتى صلّى رسول اللَّه ﷺ بالناس صلاة الخوف. وقد أسند ابن هشامٍ (١) حديث صلاة الخوف هاهنا عن عبد الوارث بن سعيدٍ التّنّوريّ، عن يونس بن عبيدٍ، عن الحسن عن جابر بن عبد اللَّه، وعن عبد الوارث، عن أيوب، عن أبي الزّبير، عن جابرٍ، وعن عبد الوارث، عن أيوب، عن نافعٍ، عن ابن عمر. ولكن لم يذكر في هذه الطرق غزوة نجدٍ ولا ذات الرّقاع، ولم يتعرَّض لزمانٍ ولا مكانٍ. وفي كون غزوة ذات الرّقاع -التي كانت بنجدٍ، لقتال بني محاربٍ وبني ثعلبة بن غطفان- قبل الخندق نظرٌ. وقد ذهب البخاريّ إلى أنّ ذلك كان بعد خيبر، واستدلَّ على ذلك، بأنّ أبا موسى الأشعريّ شهدها، كما سيأتي، وقدومه إنّما كان ليالي خيبر صحبة جعفرٍ وأصحابه، وكذلك أبو هريرة، وقد قال: صلَّيت مع رسول اللَّه ﷺ في غزوة نجدٍ صلاة الخوف. ومما يدل على أنّها بعد الخندق أنّ ابن عمر إنّما أجازه رسول اللَّه ﷺ في القتال أول ما أجازه يوم الخندق. وقد ثبت [عنه] في "الصحيح" (٢) أنّه قال: غزوت مع رسول اللَّه ﷺ قبل نجدٍ، فذكر صلاة الخوف. وقول الواقديّ (٣): إنّه ﵇ خرج إلى ذات الرّقاع في أربعمئةٍ، ويقال: سبعمئةٍ، من أصحابه ليلة السبت، لعشرٍ خلون من المحرم سنة خمسٍ. فيه نظرٌ، ثم لا يحصل به نجاةٌ من أنّ صلاة الخوف إنّما شرعت بعد الخندق؛ لأنّ الخندق كان في شوالٍ سنة خمسٍ على المشهور، وقيل: في شوالٍ سنة أربعٍ. فتحصَّل على هذا القول مخلصٌ من حديث ابن عمر، فأما حديث أبي موسى وأبي هريرة فلا.

стр. 1759

قصة غورث بن الحارث قال ابن إسحاق (١) في هذه الغزوة: حدّثني عمرو بن عبيدٍ، عن الحسن، عن جابر بن عبد اللَّه، أن رجلًا من بني محاربٍ يقال له: غورثٌ، قال لقومه من غطفان ومحاربٍ: ألا أقتل لكم محمدًا؟ قالوا: بلى، وكيف تقتله؟ قال: أفتِك به. قال: فأقبل إلى رسول اللَّه ﷺ وهو جالسٌ، وسيف رسول اللَّه في حجره، فقال: يا محمد، أنظر إلى سيفك هذا؟ قال: "نعم". فأخذه فاستقه ثم جعل يهزّه ويهمّ، فكبته اللَّه. ثم قال: يا محمد، أما تخافني؟ قال: "لا، وما أخاف منك؟ " قال: أما تخافني وفي يدي السيف؟ قال: "لا، يمنعني اللَّه منك". ثم عمد إلى سيف النبيّ ﷺ ، فردّه عليه، فأنزل اللَّه، : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ١١]. قال ابن إسحاق (٢): وحدّثني يزيد بن رُومان، أنها [إنما] أنزلت في عمرو بن جحَاشٍ أخي بني النّضير، وما همّ به. هكذا ذكر ابن إسحاق قصة غورثٍ هذا، عن عمرو بن عبيدٍ القدَريّ، رأس الفرقة الضَّالة، وهو وإن كان لا يتّهم بتعمّد الكذب في الحديث، إلا أنه ممن لا ينبغي أن يروى عنه؛ لبدعته ودعائه إليها. وهذا الحديث ثابتٌ في "الصحيحين" من غير هذا الوجه، وللَّه الحمد. وقد أورد الحافظ البيهقي (٣) هاهنا طُرقًا لهذا الحديث من عدة أماكن، وهي ثابتة في "الصحيحين" (٤) من حديث الزُّهريّ، عن سنان بن أبي سنانٍ وأبي سلمة، عن جابرٍ أنه غزا مع رسول اللَّه ﷺ غزوة نجدٍ، فما قفل رسول اللَّه ﷺ ، أدركته القائلة في وادٍ كثير العضاه، فتفرّق الناس يستظلّون بالشجر، وكان رسول اللَّه ﷺ تحت ظلّ شجرةٍ، فعلَّق بها سيفه، قال جابرٌ: فنمنا نومةً، فإذا رسول اللَّه ﷺ يدعونا، فأجبناه، وإذا عنده أعرابيٌّ جالسٌ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن هذا اخترط سيفي وأنا نائمٌ، فاستيقظت وهو في يده صلتًا، فقال: من يمنعك مني؟ قلت: اللَّه. فقال: من يمنعك مني؟ قلت: اللَّه. فشام السيف وجلس". ولم يعاقبه رسول اللَّه ﷺ وقد فعل ذلك. وقد رواه مسلمٌ (٥) أيضًا عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عفَّان، عن أبانٍ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ،

стр. 1760

عن أبي سلمة، عن جابرٍ قال: أقبلنا مع رسول اللَّه ﷺ حتى إذا كنا بذات الرّقاع، وكنا إذا أتينا على شجرةٍ ظليلةٍ تركناها لرسول اللَّه ﷺ ، فجاءه رجل من المشركين وسيف رسول اللَّه ﷺ معلّقٌ بشجرةٍ، فأخذ سيف رسول اللَّه ﷺ فاخترطه، وقال لرسول اللَّه ﷺ : تخافني؟ قال: "لا" قال: فمن يمنعك مني؟ قال: "اللَّه يمنعني منك". قال: فتهدّده أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فأغمد السيف وعلّقه. قال: ونودي بالصلاة، فصلّى بطائفةٍ ركعتين، ثم تأخّروا وصلّى بالطائفة الأخرى ركعتين. قال: فكانت لرسول اللَّه ﷺ أربع ركعاتٍ وللقوم ركعتان. وقد علّقه البخاريّ (١) بصيغة الجزم، عن أبانٍ به. قال البخاريّ: وقال مسدّدٌ، عن أبي عوانة، عن أبي بشرٍ: إنّ اسم الرجل غورث بن الحارث. وأسند البيهقيّ (٢)، من طريق أبي عوانة، عن أبي بشرٍ، عن سليمان بن قيسٍ، عن جابرٍ قال: قاتل رسول اللَّه ﷺ محارب خصفة بنخلٍ، فرأوا من المسلمين غِرّةً، فجاء رجل منهم يقال له: غورث بن الحارث. حتى قام على رأس رسول اللَّه ﷺ بالسيف وقال: من يمنعك مني؟ قال: "اللَّه". فسقط السيف من يده، فأخذ رسول اللَّه ﷺ السيف وقال: "من يمنعك مني؟ ". فقال: كن خير آخذٍ. قال: "تشهد أن لا إله إلا اللَّه؟ ". قال: لا، ولكن أعاهدك على أن لا أُقاتلك ولا أكون مع قومٍ يقاتلونك. فخلّى سبيله، فأتى أصحابه، فقال: جئتكم من عند خير الناس. ثم ذكر صلاة الخوف، وأنه صلّى أربع ركعاتٍ، بكلّ طائفةٍ ركعتين. وقد أورد البيهقيّ هنا طرق صلاة الخوف بذات الرّقاع، عن صالح بن خوّات بن جبيرٍ، عن سهل بن أبي حثمة، وحديث الزهريّ، عن سالمٍ، عن أبيه في صلاة الخوف بنجدٍ، وموضع ذلك كتاب "الأحكام" واللَّه تعالى أعلم. قصة الذي أُصيبت امرأته في هذه الغزوة قال محمد بن إسحاق (٣): حدّثني عمّي صدقة بن يسارٍ (٤)، عن عقيل بن جابرٍ، عن جابر بن

стр. 1761

عبد اللَّه الأنصاريّ قال: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ في غزوة ذات الرّقاع من نخل، فأصاب [رجلٌ] امرأة رجل من المشركين، فلمّا انصرف رسول اللَّه ﷺ قافلًا، أتى زوجها وكان غائبًا، فلما أخبر الخبر، حلف لا ينتهي حتى يهريق في أصحاب محمدٍ دمًا. فخرج يتبع أثر رسول اللَّه ﷺ ، فنزل رسول اللَّه ﷺ منزلًا، فقال: "من رجلٌ يكلؤنا ليلتنا؟ " فانتدب رجلٌ من المهاجرين ورجلٌ من الأنصار. فقالا: نحن يا رسول اللَّه. قال: "فكُونا بفم الشّعب من الوادي". وهما عمار بن ياسرٍ، وعبّاد بن بشرٍ، فلمّا خرجا إلى فم الشّعب قال الأنصاريّ للمهاجريّ: أيّ الليل تحبّ أن أكفيكه؛ أوله أم آخره؟ قال: بل اكفني أوله. فاضطجع المهاجريّ فنام، وقام الأنصاريّ يصلّي. قال: وأتى الرجل، فلما رأى شخص الرجل، عرف أنه ربيئة القوم، فرمى بسهمٍ فوضعه فيه، فانتزعه ووضعه، وثبت قائمًا. قال: ثم رمى بسهمٍ آخر فوضعه فيه. قال: فانتزعه، فوضعه وثبت قائمًا. قال: ثم عاد له بالثالث، فوضعه فيه فنزعه فوضعه، ثم ركع وسجد، ثم أهبّ صاحبه، فقال: اجلس فقد أُثبتّ. قال: فوثب الرجل، فلمّا رآهما الرجل، عرف أن قد نذرا به، فهرب. قال: ولما رأى المهاجريّ ما بالأنصاريّ من الدماء، قال: سبحان اللَّه! أفلا أهببتني أول ما رماك؟! قال: كنت في سورةٍ أقرؤها، فلم أحبّ أن أقطعها حتى أنفدها، فلما تابع عليّ الرّمي ركعت فآذنتك، وايم اللَّه لولا أن أضيّع ثغرًا أمرني رسول اللَّه ﷺ بحفظه، لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفدها. هكذا ذكره ابن إسحاق في "المغازي". وقد رواه أبو داود (١)، عن أبي توبة، عن عبد اللَّه بن المبارك، عن ابن إسحاق به. وقد ذكر الواقديّ (٢)، عن عبد اللَّه العمريّ، عن أخيه عبيد اللَّه، عن القاسم بن محمدٍ، عن صالح بن خوّاتٍ، عن أبيه حديث صلاة الخوف بطوله قال: وكان رسول اللَّه ﷺ قد أصاب في محالّهم نسوةً، وكان في السبي جاريةٌ وضيئةٌ، وكان زوجها يحثها، فحلف ليطلبنّ محمدًا، ولا يرجع حتى يصيب دمًا أو يخلّص صاحبته. ثم ذكر من السياق نحو ما أورده محمد بن إسحاق. قال الواقديّ (٣): وكان جابر بن عبد اللَّه يقول: [بينا] أنا مع رسول اللَّه ﷺ ، إذ جاء رجلٌ من أصحابه بفرخِ طائرٍ، ورسول اللَّه ينظر إليه، فاقبل إليه أبواه أو أحدهما، حتى طرح نفسه في يدي الذي أخذ فرخه، فرأيت أن الناس عجبوا من ذلك، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أتعجبون من هذا الطائر؟! أخذتم فرخه فطرح نفسه رحمة لفرخه، فواللَّه لربّكم أرحم بكم من هذا الطائر بفرخه".

стр. 1762

قصة جمل جابرٍ في هذه الغزوة قال محمد بن إسحاق (١): حدّثني وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد اللَّه قال: خرجت مع رسول اللَّه ﷺ إلى غزوة ذات الرّقاع من نخل، على جملٍ لي ضعيفٍ، فلمّا قفل رسول اللَّه ﷺ جعلت الرّفاق تمضي، وجعلت أتخلّف حتى أدركني رسول اللَّه ﷺ فقال: "ما لك يا جابر؟ " قلت: يا رسول اللَّه، أبطأ بي جملي هذا. قال: "أنخه". قال: فأنخته وأناخ رسول اللَّه ﷺ ثم قال: "أعطني هذه العصا من يدك". أو: "اقطع عصًا من شجرةٍ". ففعل فأخذها رسول اللَّه ﷺ فَنَخَسَهُ بها نَخَسَاتٍ، ثم قال: اركب، فركبتُ، فخرج والذي بعثه بالحق يواهق ناقته مواهقةً فقال لي: "أتبيعني جملك هذا يا جابر؟ " قال: قلت: بل أهبه لك. قال: "لا، ولكن بعنيه". قال: قلت: فسُمنيه. قال: "قد أخذتُه بدرهمٍ". قال: قلت: لا، إذًا تغبنني يا رسول اللَّه. قال: "فبدرهمين". قال: قلت: لا. قال: فلم يزل يرفع لي رسول اللَّه ﷺ ، حتى بلغ الأوقيّة. قال: فقلت: أفَقد رضيت يا رسول اللَّه؟ قال: "نعم". قلت: فهو لك. قال: "قد أخذته". ثم قال: "يا جابر، هل تزوّجت بعد؟ " قال: قلت: نعم يا رسول اللَّه. قال: "أثيّبا أم بكرًا؟ " قال: قلت: بل ثيّبا. قال: "أفلا جاريةً تلاعبها وتلاعبك؟ ". قال: قلت: يا رسول اللَّه، إن أبي أُصيب يوم أحدٍ، وترك بناتٍ له سبعًا، فنكحت امرأةً جامعة، تجمع رؤوسهن، فتقوم عليهن. قال: "أصبت إن شاء اللَّه، أما إنا لو قد جئنا صرارًا، أمرنا بجزورٍ فنحرت فأقمنا عليها يومنا ذلك، وسمعتْ بنا فنفضت نمارقها". قال: فقلت: واللَّه يا رسول اللَّه، ما لنا من نمارق. قال: "إنّها ستكون، فإذا أنت قدمت فاعمل عملًا كيِّسًا". قال: فلمّا جئنا صرارًا أمر رسول اللَّه ﷺ بجزورٍ فنحرت، فأقمنا عليها ذلك اليوم، فلمّا أمسى رسول اللَّه ﷺ دخل ودخلنا. قال: فحدّثتُ المرأة الحديث، وما قال لي رسول اللَّه ﷺ . قالت: فدونك، فسمعٌ وطاعةٌ. فلمّا أصبحت أخذت برأس الجمل، فأقبلت به حتى أنخته على باب رسول اللَّه ﷺ ، ثم جلست في المسجد قريبًا منه. قال: وخرج رسول اللَّه ﷺ ، فرأى الجمل فقال: "ما هذا؟ ". قالوا: يا رسول اللَّه، هذا جملٌ جاء به جابرٌ. قال: "فأين جابرٌ؟ ". فدعيت له. قال: فقال: "يابن أخي، خذ برأس جملك، فهو لك". قال: ودعا بلالًا فقال: "اذهب بجابرٍ فأعطه أُوقيّة". قال: فذهبت معه، فأعطاني أوقيةً، وزادني شيئًا يسيرًا. قال: فواللَّه ما زال ينمي عندي ويرى مكانه من بيتنا، حتى أصيب أمس فيما أصيب لنا. يعني يوم الحرّة. وقد أخرجه صاحبا

стр. 1763

"الصحيح" من حديث عبيد اللَّه بن عمر العمريّ، عن وهب بن كيسان، عن جابرٍ بنحوه. (قال السّهيليّ (١): في هذا الحديث إشارةٌ إلى ما كان أخبر به رسول اللَّه ﷺ جابر بن عبد اللَّه؛ أن اللَّه أحيا [والده] وكلّمه، فقال له: "تمنّ عليّ". وذلك أنّه شهيدٌ، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] وزادهم على ذلك في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. ثم جمع لهم بين العوض والمعوّض، فردّ عليهم أرواحهم التي اشتراها منهم، فقال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. والرّوح للإنسان بمنزلة المطيّة، كما قال ذلك عمر بن عبد العزيز. قال: ولذلك اشترى رسول اللَّه [ ﷺ ] من جابرٍ جمله وهو مطيّته فأعطاه ثمنه، ثم ردّه عليه وزاده مع ذلك. قال: ففيه تحقيقٌ لما كان أخبره [به]، عن أبيه. وهذا الذي سلكه السهيليّ ههنا إشارةٌ غريبةٌ وتخيّلٌ بديعٌ. واللَّه أعلم) (٢). وقد ترجم الحافظ البيهقيّ في كتابه "دلائل النبوة" (٣) على هذا الحديث في هذه الغزوة فقال: باب ما ظهر في غزاته هذه من بركاته وآياته في جمل جابر بن عبد اللَّه، ﵁. وهذا الحديث له طرق عن جابرٍ وألفاظٌ كثيرةٌ، وفيه اختلافٌ كثيرٌ في كمية ثمن الجمل وكيفية ما اشترط في البيع. وتحرير ذلك واستقصاؤه لائق بكتاب البيع من "الأحكام" واللَّه أعلم. وقد جاء تقييده بهذه الغزوة، وجاء تقييده بغيرها، كما سيأتي، ومُسْتَبْعَد تعداد ذلك، واللَّه أعلم. غزوة بدرٍ الآخرة وهي بدرٌ الموعد (٤)، التي تواعدوا إليها من أحدٍ، كما تقدم. قال ابن إسحاق (٥): ولما رجع رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة من غزوة ذات الرّقاع، أقام بها بقية جمادى [الأولى] وجمادى الآخرة ورجبًا، ثم خرج في شعبان إلى بدر لميعاد أبي سفيان. قال ابن هشامٍ: واستعمل على المدينة عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أُبيّ بن سلول. قال ابن إسحاق: فنزل رسول اللَّه ﷺ بدرًّا، وأقام عليه ثمانيًا ينتظر أبا سفيان، وخرج أبو سفيان في أهل مكة، حتى نزل مجنّة من ناحية الظّهران، وبعض الناس يقول: قد بلغ عُسفان. ثم بدا له في الرجوع، فقال: يا معشر قريشٍ، إنه لا يصلحكم إلّا عامٌ خصيبٌ، ترعون فيه الشجر، وتشربون فيه اللبن، فإن عامكم هذا عامُ جدبٍ، وإني راجعٌ فارجعوا. فرجع الناس، فسمّاهم أهل مكة جيش السَّوَيق، يقولون: إنما خرجتم تشربون السّويق.

стр. 1764

قال: وأتى مخشيّ بن عمرو الضّمريّ، وقد كان وادع النبيّ ﷺ في غزوة وَدّان على بني ضمرة، فقال: يا محمد، أجئت للقاء قريشٍ على هذا الماء؟ قال: "نعم يا أخا بني ضمرة، وإن شئت رددنا إليك ما كان بيننا وبينك وجالدناك، حتى يحكم اللَّه بيننا وبينك". قال: لا واللَّه يا محمد، ما لنا بذلك من حاجةٍ. ثم رجع رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة، ولم يلق كيدًا. قال ابن إسحاق (١): وقد قال عبد اللَّه بن رواحة -يعني في انتظارهم أبا سفيان، ورجوعه بقريشٍ عامه ذلك - قال ابن هشامٍ: وقد أنشدنيها [أبو] زيدٍ لكعب بن مالك (٢): [من الطويل] وعدنا أبا سفيان بدرًا فلم نجد … لميعاده صدقًا وما كان وافيا فأُقسم لو لاقيتنا فلقيتنا … لأُبْتَ ذَميمًا وافتقدت المواليا تركنا به أوصال عتبة وابنه … وعَمْرًا أبا جهل تركناه ثاويا عصيتم رسول اللَّه أُفٍّ لدينكم … وأمركم السَّيْءِ الذي كان غاويا فإني وإن عنّفتموني لقائلٌ … فِدًى لرسول اللَّه أهلي وماليا أطعناه لم نعدله فينا بغيره … شهابًا لنا في ظلمة الليل هاديًا قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابتٍ في ذلك (٣): [من الطويل] دعوا فلجات الشام قد حال دونها … جلادٌ كأفواه المخاض الأواركِ بأيدي رجالٍ هاجروا نحو ربّهم … وأنصاره حقًّا وأيدي الملائكِ إذا سلكت للغَور من بطن عالجٍ … فقولا لها ليس الطريق هنالكِ أقمنا على الرّسّ النّزوع ثمانيًا … بأرعن جرّارٍ عريض المباركِ بكلّ كميتٍ جَوزه نصف خلقه … وقُبٍّ طوالٍ مشرفات الحواركِ ترى العرفج العاميّ تذري أصوله … مناسم أخفاف المطيّ الرّواتكِ فإن نلق في تطوافنا والتماسنا … فرات بن حيّانٍ يكن رهن هالك وإن تلق قيس بن امرئ القيس بعده … يزد في سواد لونُه لونُ حالكِ فأبلغ أبا سفيان عني رسالةً … فإنك من غرّ الرجال الصّعالك قال: فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب -وقد أسلم فيما بعد ذلك-: [من الطويل] أحسان إنَّا يا بن آكلة الغفا … وجدّك نغتال الخروق (٤) كذلكِ

стр. 1765

خرجنا وما تنجوا اليعافير بينا … ولو وأَلت منا بشدٍّ مدارك إذا ما انبعثنا من مناخٍ حسبتَه … مُدَمَّنَ أهل الموسم المتعارك أقمتَ على الرّش النّزوع تريدنا … وتتركنا في النخل عند المداركِ على الزرع تمشي خيلنا وركابنا … فما وطئت ألصقنه بالدَّكادك أقمنا ثلاثًا بين سلعٍ وفارعٍ … بجرد الجياد والمطيّ الرّواتك حسبتم جلاد القوم عند فنائكم … كمأخذكم بالعين أرطال آنُك فلا تبعث الخيل الجياد وقل لها … على نحو قول المعصم المتماسك سعدتم بها وغيركم كان أهلها … فوارس من أبناء فهر بن مالكِ فإنك لا في هجرة إن ذكرتَها … ولا حرمات دينها أنت ناسكُ قال ابن هشامٍ (١): تركنا منها أبياتًا؛ لاختلاف قوافيها. وقد ذكر موسى بن عقبة (٢)، عن الزّهريّ، وابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزّبير، أن رسول اللَّه ﷺ استنفر الناس لموعد أبي سفيان، وانبعث المنافقون في الناس يثبّطونهم، فسلّم اللَّه أولياءه، وخرج المسلمون صحبة رسول اللَّه ﷺ إلى بدرٍ، وأخذوا معهم بضائع، وقالوا: إن وجدنا أبا سفيان، وإلّا اشترينا من بضائع موسم بدرٍ. ثم ذكر نحو سياق ابن إسحاق في خروج أبي سفيان إلى مجنّةَ ورجوعه، وفي مقاولة الضّمريّ، وعرض النبيّ ﷺ المنابذة فأبى ذلك. قال الواقديُّ (٣): خرج رسول اللَّه ﷺ إليها في ألفٍ وخمسمئةٍ من أصحابه، واستخلف على المدينة عبد اللَّه بن رواحة، وكان خروجه إليها في مستهل ذي القعدة. يعني سنة أربعٍ. والصحيح قول ابن إسحاق أن ذلك في شعبان من هذه السنة الرابعة، ووافق قول موسى بن عقبة أنها في شعبان، لكن قال: في سنة ثلاثٍ. وهذا وهمٌ؛ فإن هذه تواعدوا إليها من أحدٍ، وقد كانت أحدٌ في شوالٍ سنة ثلاثٍ كما تقدّم، واللَّه أعلم. قال الواقديّ (٤): فأقاموا ببدرٍ مدة الموسم الذي كان يعقد فيها ثمانية أيامٍ، فرجعوا وقد ربحوا من الدرهم درهمين. وقال غيره: فانقلبوا، كما قال اللَّه : ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤].

стр. 1766

فصلٌ في جملٍ من الحوادث الواقعة سنة أربعٍ من الهجرة قال ابن جريرٍ (١): وفي جمادى الأولى من هذه السنة مات عبد اللَّه بن عثمان بن عفَّان، ﵁ -قلت: من رُقَيّة بنت رسول اللَّه ﷺ وهو ابن ست سنين، فصلّى عليه رسول اللَّه ﷺ ، ونزل في حفرته والده عثمان بن عفَّان، ﵁. قلت: وفيه توفّي أبو سلمة عبد اللَّه بن عبد الأسد بن هلال بن عبد اللَّه بن عُمَر بن مخزومٍ القرشيّ المخزوميّ (٢)، وأمّه برّة بنت عبد المطلب، عمّة رسول اللَّه ﷺ ، وكان رضيع رسول اللَّه ﷺ ؛ ارتضعا من ثويبة مولاة أبي لهبٍ، وكان إسلام أبي سلمة وأبي عبيدة وعثمان بن عفان (٣) والأرقم بن أبي الأرقم قديمًا في يومٍ واحدٍ، وقد هاجر هو وزوجته أمّ سلمة إلى أرض الحبشة، ثم عاد إلى مكة، وقد ولد لهما بالحبشة أولادٌ، ثم هاجر من مكَّة إلى المدينة، وتبعته أمّ سلمة إلى المدينة كما تقدّم، وشهد بدرًا وأحدًا، ومات من آثار جرح جرحه بأُحدٍ، ﵁ وأرضاه، له حديثٌ واحدٌ في الاسترجاع عند المصيبة، سيأتي في سياق تزويج رسول اللَّه ﷺ بأمّ سلمة قريبًا. قال ابن جريرٍ (٤): وفي ليالٍ خلون من شعبان ولد الحسين بن عليّ من فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ ، ورضي اللَّه عنهم. قال (٥): وفي شهر رمضان من هذه السنة، تزوّج رسول اللَّه ﷺ زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد اللَّه بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلاليّة. وقد حكى أبو عمر بن عبد البرّ (٦)، عن علي بن عبد العزيز الجرجانيّ أنه قال: كانت أخت ميمونة بنت الحارث، ثم استغربه وقال: لم أره لغيره، وهي التي يقال لها: أمّ المساكين. لكثرة صدقاتها عليهم وبرّها لهم وإحسانها إليهم، وأصدقها ثنتي عشرة أوقيّةً ونشًّا، ودخل بها في رمضان، وكانت قبله عند الطّفيل بن الحارث فطلَّقها.

стр. 1767

قال أبو عمر بن عبد البرّ (١)، عن علي بن عبد العزيز الجرجانيّ: ثم خلف عليها أخوه عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد منافٍ. قال ابن الأثير في "الغابة" (٢): وقيل: كانت تحت عبد اللَّه بن جحشٍ، فقتل عنها يوم أحدٍ. قال أبو عمر: ولا خلاف أنها ماتت في حياة رسول اللَّه ﷺ ، وقيل: لم تلبث عنده إلا شهرين أو ثلاثة حتى توفيت، ﵂. وقال الواقديّ (٣): في شوالٍ من هذه السنة تزوج رسول اللَّه ﷺ أمّ سلمة بنت أبي أميّة. قلت: وكانت قبله عند زوجها، أبي أولادها، أبي سلمة بن عبد الأسد، وقد كان شهد بدرًا وأحدًا كما تقدّم، وجرح يوم أحدٍ، فداوى جرحه شهرًا حتى برأ، ثم خرج في سريةٍ، فغنم منها نَعَما ومغنمًا جيدًا، ثم أقام بعد ذلك سبعة عشر يومًا، ثم انتقض عليه جرحه، فمات لثلاثٍ بقين من جمادى الأولى من هذه السنة، فلما حلّت في شوالٍ خطبها رسول اللَّه ﷺ إلى نفسها بنفسه الكريمة، وبعث إليها عمر بن الخطاب في ذلك مرارًا، فتذكر أنها امرأةٌ غيرى؛ أي شديدة الغيرة، وأنها مُصبيةٌ؛ أي لها صبيانٌ يشغلونها عنه، ويحتاجون إلى مؤنةٍ، تحتاج معها أن تعمل لهم في قوتهم، فقال: "أما الصّبية فإلى اللَّه وإلى رسوله -أي نفقتهم- ليس إليك، وأما الغيرة فأدعو اللَّه فيذهبها". فأذنت في ذلك، وقالت لعمر آخر ما قالت له: قم، فزوّج النبيّ ﷺ . تعني: قد رضيت وأذنت. فتوهّم بعض العلماء أنها تقول لابنها عمر بن أبي سلمة، وقد كان إذ ذاك صغيرًا لا يلي مثله العقد، وقد جمعت في ذلك جزءًا مفردًا بينت فيه الصواب في ذلك، وللَّه الحمد والمنة، وأن الذي ولي عقدها عليه ابنها سلمة بن أبي سلمة، وهو أكبر ولدها، وساغ هذا؛ لأن أباه ابن عمّها، فللابن ولاية أمّه إذا كان سببًا لها من غير جهة البنوّة بالإجماع. وكذا إذا كان معتقًا أو حاكمًا، فأما محض البنوة فلا يلي بها عقد النكاح عند الشافعيّ وحده، وخالفه الثلاثة؛ أبو حنيفة ومالكٌ وأحمد بن حنبلٍ، ﵏، ولبسط هذا موضعٌ آخر يذكر فيه، وهو كتاب النِّكاح من "الأحكام الكبير"، إن شاء اللَّه. قال الإمام أحمد (٤): ثنا يونس، ثنا ليث، يعني ابن سعدٍ، عن يزيد بن عبد اللَّه بن أسامة بن الهاد، عن عمرو بن أبي عمرٍو، عن المطلب، عن أمّ سلمة قال: أتاني أبو سلمة يومًا من عند رسول اللَّه ﷺ فقال: لقد سمعت من رسول اللَّه ﷺ قولًا فسررت به؛ قال: "لا يصيب أحدًا من المسلمين مصيبةٌ، فيسترجع عند مصيبته، ثم يقول: اللهم أجُرني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها. إلا فعل به". قالت

стр. 1768

أمّ سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما توفّي أبو سلمة استرجعت، وقلت: اللهم أجُرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها. ثم رجعت إلى نفسي، قلت: من أين لي خيرٌ من أبي سلمة؟ فلما انقضت عدّتي استأذن عليّ رسول اللَّه ﷺ وأنا أدبغ إهابًا لي، فغسلت يديّ من القرظ، وأذنت له، فوضعت له وسادة أدمٍ حشوها ليفٌ، فقعد عليها، فخطبني إلى نفسي، فلمّا فرغ من مقالته قلت: يا رسول اللَّه، ما بي أن لا تكون بك الرّغبة، ولكني امرأةٌ فيّ غيرةٌ شديدةٌ؛ فأخاف أن ترى مني شيئًا يعذّبني اللَّه به، وأنا امرأةٌ قد دخلت في السنّ، وأنا ذات عيالٍ. فقال: "أمّا ما ذكرتِ من الغيرة فسيذهبها اللَّه عنك، وأما ما ذكرت من السنّ؛ فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي". قالت: فقد سلَّمت لرسول اللَّه ﷺ . فقالت أم سلمة: فقد أبدلني اللَّه بأبي سلمة خيرًا منه؛ رسول اللَّه ﷺ . وقد رواه الترمذيّ والنسائيّ (١)، من حديث حمّاد بن سلمة، عن ثابتٍ، عن عمر بن أبي سلمة، عن أمّه أمّ سلمة، عن أبي سلمة به، وقال الترمذي: حسن غريب، وفي رواية للنسائي (٢) عن ثابت عن ابن عمر بن أبي سلمة. ورواه ابن ماجه (٣)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، عن عبد الملك بن قدامة الجمحيّ، عن أبيه، عن عمر بن أبي سلمة به. وقال ابن إسحاق (٤): ثم انصرف رسول اللَّه ﷺ يعني من بدرٍ الموعد- راجعًا إلى المدينة، فأقام بها حتى مضى ذو الحجّة، وولي تلك الحجّة المشركون، وهي سنة أربعٍ. وقال الواقديّ (٥): وفي هذه السنة -يعني سنة أربع- أمر رسول اللَّه ﷺ زيد بن ثابتٍ أن يتعلّم كتاب يهود. قلت: فثبت عنه في "الصحيح" (٦) أنه قال: تعلّمته في خمسة عشر يومًا، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1769

سنة خمس من الهجرة النبوية غزوة دومة الجَنْدَل (١) في ربيع الأول [منها] قال ابن إسحاق (٢): ثم غزا رسول اللَّه ﷺ دومة الجندل (٣). قال ابن هشام (٤): في ربيع الأول -[يعني] من سنة خمس- واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري. قال ابن إسحاق (٥): ثم رجع إلى المدينة قبل أن يصل إليها، ولم يلق كيدًا، فأقام بالمدينة بقية سنته. هكذا قال ابن إسحاق. وقد قال محمد بن عمر الواقدي (٦) بإسناده، عن شيوخه، عن جماعة من السَّلَف قالوا: أراد رسول اللَّه ﷺ أن يدنو إلى أداني الشام، وقيل له: إن ذلك مما يفزع قيصر وذكر له [أن] بدومة الجندل جمعًا كثيرًا (٧)، وأنهم يظلمون من مر بهم، وكان بها (٨) سوق عظيم، وهم يريدون أن يدنوا من المدينة، فندب رسول اللَّه ﷺ الناس، فخرج في ألف من المسلمين، فكان يسير الليل، ويكمُن النهار، ومعه دليل له من بني عذرة يقال له: مذكور. هادٍ خِرِّيت (٩)، فلما دنا من دومة الجَنْدَل أخبره دليله بسوائم بني تميم، فسار حتى هجم على ماشيتهم ورعائهم، فأصاب من أصاب، وهرب من هرب في كل [وجه]، وجاء الخبرُ أهلَ دومة الجندل فتفرقوا، فنزل رسول اللَّه ﷺ بساحتهم، فلم يجد بها (١٠) أحدًا، فأقام بها

стр. 1770

أيامًا، وبثَّ السرايا، ثم رجعوا، وأخذ محمد بن مسلمة رجلًا منهم، فأتى به رسول اللَّه ﷺ ، فسأله عن أصحابه، فقال: هربوا أمس. فعرض عليه رسول اللَّه ﷺ [الإسلام]، فأسلم، ورجع رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة. قال الواقدي (١): وكان خروجه، ﵇، إلى دومة الجندل في ربيع الأول (٢) سنة خمس. قال: وفيه (٣) توفيت أم سعد بن عبادة، وابنها مع رسول اللَّه ﷺ (٤) في هذه الغزوة. وقد قال أبو عيسى الترمذي في "جامعه" (٥): ثنا محمد بن بشار، ثنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب: أن أم سعد ماتت والنبي ﷺ غائب، فلما قدم صلى عليها وقد مضى لذلك شهر. وهذا مرسل جيد (٦)، وهو يقتضي أنه، ﵇، غاب في هذه الغزوة شهرًا فما فوقه، على ما ذكره الواقدي، ﵀. غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب وقد أنزل اللَّه تعالى فيها صدر سورة "الأحزاب"، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١٤) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧) قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ

стр. 1771

كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩) يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (٢٠) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩ - ٢٧]، وقد تكلمنا على كل من هذه الآيات الكريمات في "التفسير" (١)، وللَّه الحمد والمنَّة. ولنذكر هاهنا ما يتعلق بالقصة إن شاء اللَّه، وبه الثقة وعليه التّكلان. وقد كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة. نصَّ على ذلك ابن إسحاق، وعروة بن الزُّبير، وقتادة، والبيهقي، وغير واحد من العلماء، سلفًا وخلفًا (٢). وقد روى موسى بن عقبة، عن الزُّهري، أنه قال: ثم كانت وقعة الأحزاب في شوال سنة أربع، وكذلك قال الإمام مالك بن أنس، فيما رواه أحمد بن حنبل، عن موسى بن داود، عنه (٣). قال البيهقي (٤): ولا اختلاف بينهم في الحقيقة؛ لأن مرادهم أن ذلك بعد مضي أربع سنين وقبل استكمال خمس. ولا شك أن المشركين لما انصرفوا عن أُحد واعدوا المسلمين إلى بدر العام القابل، فذهب النبي ﷺ وأصحابه كما تقدم في شعبان سنة أربع (٥)، ورجع أبو سفيان بقريش لجدب ذلك العام، فلم يكونوا ليأتوا إلى المدينة بعد شهرين، فتعيَّن أن الخندق في شوال من سنة خمس (٦)، واللَّه أعلم. وقد صرَّح الزُّهري (٧) بأن الخندق كانت بعد أُحد بسنتين، ولا خلاف أن أُحدًا في شوال سنة ثلاث،

стр. 1772

إلا على قول من ذهب إلى أن أول التاريخ من محرم السنة التالية لسنة الهجرة، ولم يعدوا الشهور الباقية من سنة الهجرة من ربيع الأول إلى آخرها، كما حكاه البيهقي، وبه قال يعقوب بن سفيان الفَسَوي، وقد صرّح بأن بدرًا في الأولى، وأحدًا في سنة ثنتين، وبدرًا الموعد في شعبان سنة ثلاث، والخندق في شوال سنة أربع. وهذا مخالف لقول الجمهور؛ فإن المشهور أن أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب جعل أول التاريخ من محرم سنة الهجرة. وعن مالك: من ربيع الأول سنة الهجرة، فصارت الأقوال ثلاثة، واللَّه أعلم. والصحيح قول الجمهور أن أُحدًا في شوال سنة ثلاث، وأن الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة، واللَّه أعلم. فأما الحديث المتفق عليه في "الصحيحين" (١) من طريق عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر، أنه قال: "عُرضتُ على رسول اللَّه ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يُجزني، وعُرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني". فقد أجاب عنه جماعة من العلماء، منهم البيهقي (٢) بأنه عُرض يوم أحد في أول الرابعة عشرة، ويوم الأحزاب في أواخر الخامسة عشر (٣). قلت: ويحتمل أنه أراد أنّه لما عرض عليه [في] يوم الأحزاب، كان قد استكمل خمس عشرة سنة، التي يجاز لمثلها الغِلمان، فلا يبقى على هذا زيادة عليها. ولهذا لما بلّغ نافعٌ عمرَ بن عبد العزيز هذا الحديث قال: إن هذا لفرق بين الصغير والكبير، ثم كتب به إلى الآفاق، واعتمد على ذلك جمهور العلماء، واللَّه أعلم. وهذا سياق القصة، مما ذكره ابن إسحاق وغيره: قال ابن إسحاق (٤): ثم كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس، فحدثني يزيد بن رُومان، عن عُروة، ومن لا أتَّهم، عن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، ومحمد بن كعب القُرظي، والزُّهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد اللَّه بن أبي بكر، وغيرهم من علمائنا، وبعضهم يُحَدِّث ما لا يحدِّث بعض، قالوا: إنه كان من حديث الخندق أن نفرًا من اليهود - منهم: سلّام بن أبي الحُقيق النّضري، وحُييّ بن أخطب النّضري، وكِنَانَة بن الرَّبيع بن أبي الحُقيق، وهَوْذَة بن قيس الوائلي، وأبو عَمَّار الوائلي، في نفر من بني النضير ونفر من بني وائل، وهم الذين حزَّبوا الأحزاب على رسول اللَّه ﷺ ،

стр. 1773

خرجوا حتى قدموا على قريش مكة، فدعوهم إلى حرب رسول اللَّه ﷺ وقالوا: إنا سنكون معكم عليه، حتى نستأصله. فقالت لهم قريش: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفَديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحقِّ منه. فهم الذين أنزل اللَّه عليهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥١ - ٥٢] فلما قالوا ذلك لقريش سرّهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول اللَّه ﷺ ، فاجتمعوا لذلك واتَّعدوا له، ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاؤوا غطفان من قيس عيلان، فدعوهم إلى حرب النَّبي ﷺ وأخبروهم أنهم يكونون معهم عليه، وأن قريشًا قد تابعوهم على ذلك واجتمعوا معهم فيه، فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان، وخرجت غطفان وقائدها عُيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، في بني فزارة، والحارث بن عوف [بن] أبي حارثة المُرِّي، في بني مُرَّة، ومِسْعَر بن رُخيلة بن نُويرة بن طريف بن سُحمة بن عبد اللَّه بن هلال بن خُلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان فيمن تابعه من قومه من أشجع. فلما سمع بهم رسول اللَّه ﷺ وما أجمعوا له من الأمر، ضرب الخندق على المدينة. قال ابن هشام (١): يقال: إن الذي أشار به سلمان. قال الطَّبري والسُّهيلي (٢): أَوّل من حفر الخنادق منوشهر بن إيرج بن أفريدون، وكان في زمن موسى، ﵇. قال ابن إسحاق (٣): فعمل فيه رسول اللَّه ﷺ ترغيبًا للمسلمين في الأجر، وعمل فيه المسلمون، وتخلَّف طائفة من المنافقين يعتذرون بالضعف، ومنهم من يَنْسَلُّ خفية بغير إذنه ولا علمه، ﵊. وقد أنزل اللَّه تعالى في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢) لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٢ - ٦٤].

стр. 1774

قال ابن إسحاق (١): فعمل المسلمون فيه حتى أحكموه، وارتجزوا فيه برجل من المسلمين يقال له: جُعيل. سمَّاه رسول اللَّه ﷺ عَمرًا، فقالوا فيما يقولون: [من الرجز] سمَّاه من بعد جُعَيْلٍ عَمْرا … وكان للبائس يومًا ظهرا (٢) وكانوا إذا قالوا: عَمرا. قال معهم رسول اللَّه ﷺ : "عَمرًا". وإذ قالوا: ظهرًا. قال لهم: "ظهرًا". وقد قال البخاري (٣): ثنا عبد اللَّه بن محمد، ثنا معاوية بن عمرو، ثنا أبو إسحاق، عن حميد، سمعت أنسًا، قال: خرج رسول اللَّه ﷺ إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النَّصَب والجوع قال: "اللهم إن العيش عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة". فقالوا مجيبين له: [من الرجز] نحن الذين بايعوا محمدا … على الجهاد ما بقينا أبدا وفي "الصحيحين" (٤) من حديث شعبة، عن معاوية بن قُرّة، عن أنس، نحوه. وقد رواه مسلم (٥) من حديث حَمَّاد بن سَلَمَة، عن ثابت، وحُميد، عن أنس، بنحوه. وقال البخاري (٦): ثنا أبو معمر، ثنا عبد الوارث، عن عبد العزيز، عن أنس قال: جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة، وينقلون التراب على متونهم، ويقولون: نحن الذين بايعوا محمدا … على الجهاد ما بقينا أبدا قال: يقول النبي ﷺ يجيبهم: "اللهم [إنه] لا خير إلا خير الآخرة، فبارك في الأنصار والمهاجرة". قال: ويؤتون بملء كفي من الشعير، فيصنع [لهم] بإهالة سنِخة توضع بين يدي القوم والقوم جياع، وهي بشعة في الحلق، ولها ريح منتن. وقال البخاري (٧): ثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ في الخندق، وهم يحفرون، ونحن ننقل التراب على أكتادنا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للمهاجرين والأنصار".

стр. 1775

ورواه مسلم (١)، عن القَعْنَبيّ، عن عبد العزيز، به. وقال البخاري (٢): ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: كان النبيُّ ﷺ ينقل التراب يوم الخندق حتى أغبرّ بطنُه -أو اغبرّ بطنه- يقول: [من الراجز] واللَّه لولا اللَّه ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا … وثبت الأقدام إن لا قينا إن الأُلى قد بغَوا علينا … إذا أرادوا فتنة أبينا ورفع بها صوته: "أبينا، أبينا". ورواه مسلم (٣)، من حديث شعبة به. ثم قال البخاري (٤): ثنا أحمد بن عثمان، ثنا شريح بن مَسْلَمة، حدثني إبراهيم بن يوسف، حدثني أبي، عن أبي إسحاق، عن البراء يحدث قال: لما كان يوم الأحزاب وخَنْدَق رسول اللَّه ﷺ ، رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الترابُ جلدة بطنه، وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات عبد اللَّه بن رواحة (٥)، وهو ينقل من التراب يقول: [من الرجز] اللهم لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلّينا فأنزلن سكينة علينا … وثبت الأقدام إن لا قينا إن الألى قد بغَوا علينا … إذا أرادوا فتنة أبينا ثم يمدُّ صوته بآخرها. وقال البيهقي في "الدلائل" (٦): أنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفَّار، ثنا إسماعيل بن الفضل البلخي (٧) ثنا إبراهيم بن يوسف البلخي، ثنا المسيّب بن شريك، عن زياد بن أبي زياد، عن أبي عثمان، عن سلمان، [أن] رسول اللَّه ﷺ ضرب في الخندق وقال: [من الرجز] بسم اللَّه وبه هُدِينا … ولو عَبَدْنَا غيرَه شَقِيْنَا يا حبذا ربًّا وحبَّ دِيْنًا

стр. 1776

وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وقال الإمام أحمد (١): ثنا سليمان، ثنا شعبة، عن معاوية بن قُرَّة، عن أنس، أن رسول اللَّه ﷺ قال، وهم يحفرون الخندق: "اللهم لا خير إلا خير الآخرة، فأصلح الأنصار والمهاجرة". وأخرجاه في "الصحيحين" (٢) من حديث غُنْدَر (٣)، عن شُعبة. قال ابن إسحاق (٤): وقد كان في حفر الخندق أحاديث بلغتني، فيها [من اللَّه] تعالى عبرة في تصديق رسول اللَّه ﷺ ، وتحقيق نبوّته، عاين ذلك المسلمون، فمن ذلك أن جابر بن عبد اللَّه كان يُحدّث أنه اشتدت عليهم في حفر الخندق كُدْيَة (٥)، فشكَوها إلى رسول اللَّه ﷺ ، فدعا بإناءٍ من ماءٍ، فتفل فيه، ثم دعا بما شاء اللَّه أن يدعو به، ثم نضح الماء على تلك الكُدْيَة، فيقول من حضرها: فوالذي بعثه بالحقّ لانهالت حتى عادت كالكثيب ما ترد فأسًا ولا مسحاة. هكذا ذكره ابن إسحاق منقطعًا، عن جابر بن عبد اللَّه، ﵁. وقد قال البخاري (٦)، ﵀: [حدثنا خلَّاد بن يحيى]، ثنا عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه قال: أتيت جابرًا فقال: إنَّا يوم الخندق نحفر، فعرضت كَيْدة (٧) شديدة، فجاءوا النبي ﷺ فقالوا: هذه كُدية عرضت في الخندق. فقال: "أنا نازل". ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذَواقًا، فأخذ النبي ﷺ المعول فضرب، فعاد كثيبًا أهيل أو أهيم، فقلت: يا رسول اللَّه، ائذن لي إلى البيت. فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي ﷺ شيئًا ما كان في ذلك صبر، فَعِنْدي شيء؟ قالت: عندي شعير وعَنَاق (٨). فذبحت العناق، وطحنت الشعير، حتى جعلنا اللحم في البُرمة، ثم جئت النبي ﷺ ، والعجين قد انكسر، والبرمة بين الأثافي قد كادت أن تنضج، فقلت: طُعيم (٩) لي، فقم أنت يا رسول اللَّه ورجل أو رجلان. قال: "كم هو؟ ". فذكرت له، قال: "كثير طيب، قل لها لا تنزع البرمة و [لا] الخبز من التنُّور حتى آتي". فقال: "قوموا". فقام المهاجرون والأنصار، فلما دخل على امرأته قال: ويحكِ، جاء النبي ﷺ بالمهاجرين والأنصار ومن معهم. قالت: هل سألك؟ قلت:

стр. 1777

نعم. فقال: "ادخلوا ولا تضاغطوا" (١). فجعل يكسر الخبز، ويجعل عليه اللحم، ويخمِّر البُرمة والتنُّور إذا أخذ منه، ويقرّب إلى أصحابه، ثم ينزع، فلم يزل يكسر [الخبز] ويغرف حتى شبعوا، وبقي بقية، قال: "كلي هذا وأهدِي، فإنَّ الناس أصابتهم مجاعة". تفرَّد به البخاري. وقد رواه الإمام أحمد (٢)، عن وكيع، عن عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه أيمن الحبشي مولى بني مخزوم، عن جابر بقصة الكُدية وربط الحجر على بطنه الكريم. ورواه البيهقي في "الدلائل" (٣) عن الحاكم (٤)، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبَّار، عن يونس بن بكير، عن عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه، عن جابر، بقصة الكُدية والطعام، وطوله أتم من رواية البخاري؛ قال فيه: لما علم النبي ﷺ بمقدار الطّعام قال للمسلمين جميعًا: "قوموا إلى جابر". فقاموا، قال: فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا اللَّه، وقلت: جاء بالخَلق على صاع من شعير وعناق! ودخلت على امرأتي أقول: افتضحتِ؛ جاءكِ رسول اللَّه ﷺ بالخندق أجمعين. فقالت: هل كان سألك كم طعامك؟ قل: نعم. فقالت: اللَّه ورسوله أعلم. قال: فكشفت عني غمًّا شديدًا. قال: فدخل رسول اللَّه ﷺ فقال: "خذي ودعيني من اللحم". وجعل رسول اللَّه ﷺ يثرد ويغرف اللحم، ثم يخمِّر هذا ويخمِّر هذا، فما زال يقرِّب إلى الناس حتى شبعوا أجمعين، ويعود التنور والقِدْرُ أملأَ ما كانا، ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "كلي وأهدي". فلم نزل نأكل ونهدي يومنا أجمع. وقد رواه كذلك أبو بكر بن أبي شيبة (٥)، عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه، عن جابر، به، وأَبْسَطُ أيضًا، وقال في آخره: وأخبرني أنهم كانوا ثمانمئة أو قال: ثلاثمئة. وقال يونس بن بكير، عن هشام بن سعد، عن أبي الزّبير، عن جابر، فذكر القصة بطولها في الطعام فقط، وقال: وكانوا ثلاثمئة. ثم قال البخاري (٦): حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو عاصم، حدثنا حنظلة بن أبي سفيان، أخبرنا سعيد بن ميناء، سمعت جابر بن عبد اللَّه قال: لما حُفر الخندق رأيت من النبي ﷺ خَمَصًا [شديدًا]، فانكفأت إلى امرأتي، فقلت: هل عندك شيء؛ [فإني] رأيت برسول اللَّه ﷺ خمصًا شديدًا. فأخرجت إليّ جرابًا فيه صاع من شعير، ولنا بُهيمة داجن فذبحتها، وطحنت [الشعير]، ففرغت إلى فراغي، وقطعتها في برمتها، ثم وليت إلى رسول اللَّه ﷺ فقالت: لا تفضحني برسول اللَّه ﷺ وبمن معه. فجئته

стр. 1778

فساررته فقلت: يا رسول اللَّه، [ذبحنا] بهيمة لنا، وطحنَّا صاعًا من شعير كان عندنا، فتعال أنت ونفر معك. فصاح رسول اللَّه ﷺ فقال: "يا أهل الخندق، إن جابرًا قد صنع سُؤْرًا (١)، فحي هلًا بكم". فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا تُنزلنَّ برمتكم، ولا تخبزُنَّ عجينكم حتى أجيء". فجئت، وجاء رسول اللَّه ﷺ يقدَم الناس، حتى جئت امرأتي فقالت: بك وبك، فقلت: قد فعلتُ الذي قلتِ. فأخرجت لنا عجينًا، فبصق فيه وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك، ثم قال: "ادع خَبَّازة فلتخبز معك، واقدحي من بُرمتكم ولا تنزلوها". وهم ألف، فأقسم باللَّه لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن بُرمتنا لتغطّ كما هي، وإنّ عجيننا كما هو. [ورواه مسلم (٢)، عن حجَّاج بن الشاعر، عن أبي عاصم، به نحوه]. وقد روى محمد بن إسحاق (٣) هذا الحديث، وفي سياقه غرابة من بعض الوجوه، فقال: حدثني سعيد بن ميناء، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: عملنا مع رسول اللَّه ﷺ في الخندق، وكانت عندي شُويهة غير جدِّ سمينة. قال: فقلت: واللَّه لو صنعناها لرسول اللَّه ﷺ . قال: وأمرتُ امرأتي فطحنت لنا شيئًا من شعير، فصنعت لنا منه خبزًا، وذبحتُ تلك الشاة فشويناها لرسول اللَّه ﷺ ، فلما أمسينا وأراد رسول اللَّه ﷺ الانصراف عن الخندق. قال: وكنا نعمل فيه نهارًا، فإذا أمسينا رجعنا إلى أهالينا. قال: فقلت: يا رسول اللَّه، إني قد صنعت لك شُويهة (٤) كانت عندنا، وصنعنا معها شيئًا من خبز هذا الشعير، فأنا أحب أن تنصرف معي إلى منزلي. قال: وإنما أريد أن ينصرف معي رسول اللَّه ﷺ وحده. قال: فلما أن قلت ذلك قال: "نعم". ثم أمر صارخًا، فصرخ أن انصرفوا مع رسول اللَّه ﷺ إلى بيت جابر بن عبد اللَّه. قال: قلت: إنا للَّه وإنا إليه راجعون. قال: فأقبل رسول اللَّه ﷺ ، وأقبل معه الناس (٥)، فجلس وأخرجناها إليه. قال: فبرّك وسمى اللَّه تعالى ثم أكل، وتواردها الناس، كلما فرغ قوم. قاموا وجاء ناس، حتى صدر أهل الخندق عنها. والعجب أن الإمام أحمد إنما رواه (٦) من طريق سعيد بن ميناء؛ عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق، عنه، عن جابر مثله سواء.

стр. 1779

قال محمد بن إسحاق (١): وحدثني سعيد بن ميناء أنه قد حُدِّث أن ابنةً لبشير بن سعد أخت النعمان بن بشير قالت: دعتني أمي عَمْرَة بنت رواحة، فأعطتني حَفنة من تمرٍ في ثوبي، ثم قالت: أي بنية، اذهبي إلى أبيك وخالك عبد اللَّه بن رواحة بغدائهما. قالت: فأخذتها وانطلقت بها، فمررت برسول اللَّه ﷺ وأنا ألتمس أبي وخالي، فقال: "تعالي يا بُنية، ما هذا معك؟ ". قالت: قلت: يا رسول اللَّه، هذا تمر بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد، وخالي عبد اللَّه بن رواحة يتغديانه. فقال: "هاتيه". قالت: "فصببته في كفي رسول اللَّه ﷺ ، فما ملأتهما، ثم أمر بثوب فبسط له، ثم دحا (٢) بالتمر عليه، فتبدد فوق الثوب، ثم قال لإنسان عنده: "اصرخ في أهل الخندق أن هَلُمَّ إلى الغداء". فاجتمع أهل الخندق عليه، فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد، حتى صدر أهل الخندق عنه، وإنه ليسقط من أطراف الثوب. هكذا رواه ابن إسحاق، وفيه انقطاع، وهكذا رواه الحافظ البيهقي (٣) من طريقه، ولم يزد. قال ابن إسحاق (٤): وحُدِّثت عن سلمان الفارسي أنه قال: ضربت في ناحية من الخندق فغلظت عليّ [صخرة]، ورسول اللَّه ﷺ قريب مني، فلما رآني أضرب ورأى شدة المكان عليّ، نزل فأخذ المعول من يدي، فضرب [به] ضربة لمعت تحت المعول بُرْقَةٌ، ثم ضرب به ضربة أخرى فلمعت تحته بُرْقَةٌ أخرى. قال: ثم ضرب به الثالثة فلمعت بُرْقَةٌ أخرى. قال: قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه! ما هذا الذي رأيت لمع تحت المعول [وأنت تضرب؟] قال: "أوَ قد رأيت ذلك يا سلمان؟ " قال: قلت: نعم. قال: "أما الأولى، فإن اللَّه فتح على بها اليمن، وأما الثانية، فإن اللَّه فتح على بها الشام والمغرب، وأما الثالثة، فإن اللَّه فتح عليّ بها المشرق". قال البيهقي (٥): وهذا الذي ذكره ابن إسحاق قد ذكره موسى بن عقبة في "مغازيه"، وذكره أبو الأسود، [عن] عروة. ثم روى البيهقي (٦) من طريق محمد بن يونس الكديمي، وفي حديثه نظر. لكن رواه ابن جرير في "تاريخه" (٧) عن محمد بن بشار بُنْدَار، كلاهما عن محمد بن خالد بن

стр. 1780

عثمة، عن كثير بن عبد اللَّه بن عمروبن عوف المُزَني، عن أبيه، عن جدِّه، فذكر حديثًا فيه أن رسول اللَّه ﷺ خطَّ الخندق بين كل عشرة أربعين ذراعًا. قال: واحتق (١) المهاجرون والأنصار في سلمان، فقال رسول اللَّه ﷺ : "سلمان منَّا أهل البيت". قال عمرو بن عوف: فكنت أنا، وسلمان، وحذيفة، والنعمان بن مُقَرِّن، وستة من الأنصار في أربعين ذراعًا، فحفرنا حتى إذا بلغنا الندى، ظهرت لنا صخرة بيضاء مَرْوَة، فكسرت حديدنا وشقت علينا، فذهب سلمان إلى رسول اللَّه ﷺ وهو في قبة تركية، فأخبره عنها، فجاء فأخذ المعول من سلمان، فضرب الصخرة ضربة صدعها، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها -يعني المدينة- حتى كأنها مصباح في جوف ليل مظلم، فكبَّر رسول اللَّه ﷺ تكبير فتح، وكبَّر المسلمون، ثم ضربها الثانية فكذلك، ثم الثالثة فكذلك. وذكر ذلك سلمان والمسلمون لرسول اللَّه ﷺ ، وسألوه عن ذلك النور، فقال: "لقد أضاء لي من الأولى قصور الحيرة ومدائن كسرى، كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، ومن الثانية أضاءت قصور الحمر من أرض الروم، كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، ومن الثالثة أضاءت قصور صنعاء، كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، فأبشروا". واستبشر المسلمون، وقالوا: الحمد للَّه، موعود صادق. قال: ولما طلعت الأحزاب قال المؤمنون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢] وقال المنافقون: يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم، وأنتم تحفرون الخندق لا تستطيعون أن تبرَّزوا؟! فنزل فيهم: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢]. وهذا حديث غريب. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (٢): ثنا هارون بن ملول، ثنا أبو عبد الرحمن، ثنا عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: لما أمر النبيُّ ﷺ بالخندق فَخُنْدق على المدينة، قالوا: يا رسول اللَّه، إنا وجدنا صفاه (٣) لا نستطيع حفرها، فقام النبي ﷺ ، وقمنا معه، فلما أتاها أخذ المعول، فضرب به ضربة وكبَّر، فسمعت هدَّة لم أسمع مثلها قط، فقال: ["فتحت فارس". ثم ضرب أخرى فكبَّر، فسمعت هدَّة لم أسمع مثلها قط، فقال:] "فتحت الروم". ثم ضرب أخرى فكبَّر، فسمعت هدَّة لم أسمع مثلها قط، فقال: "جاء اللَّه بحِمْيَر أعوانًا وأنصارًا". وهذا أيضًا غريب من هذا الوجه، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي فيه ضعف، فاللَّه أعلم.

стр. 1781

وقال الطبراني (١) أيضًا: ثنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، حدثني سعيد بن محمد الجرمي، ثنا أبو تُميلة، ثنا نُعَيم بن سعيد العبدي أن عكرمة حدث عن ابن عباس، قال: احتفر رسول اللَّه ﷺ الخندق، وأصحابه قد شَدُّوا الحجارة على بطونهم من الجوع، فلما رأى ذلك رسول اللَّه ﷺ قال: "هل دللتم على رجل يطعمنا أَكلة؟ " قال رجل: نعم. قال: "إما لا فتقدَّم فدلنا عليه". فانطلقوا إلى [بيت] الرجل، فإذا هو في الخندق يعالج نصيبه منه، فأرسلت امرأته أن جئ؛ فإن رسول اللَّه ﷺ قد أتانا. فجاء الرجل يسعى وقال: بأبي وأمي. وله معزة ومعها جديها، فوثب إليها، فقال النَّبِيّ ﷺ : "الجدي من ورائها". فذبح الجدي، وعمدت المرأة إلى طحينة لها فعجنتها وخبزت، فأدركت القِدر، فثردت قصعتها، فقربتها إلى رسول اللَّه ﷺ وأصحابه، فوضع رسول اللَّه ﷺ أصبعه فيها، وقال: "بسم اللَّه، اللهم بارك فيها، اطعموا". فأكلوا منها حتى صدروا، ولم يأكلوا منها إِلَّا ثلثها، وبقي ثلثاها، فسرح أولئك العشرة الذين كانوا معه، أن اذهبوا وسرِّحوا إلينا بعدَّتكم. فذهبوا، فجاء أولئك العشرة، فأكلوا منها حتى شبعوا، ثم قام ودعا لربَّة البيت، وسمت عليها وعلى أهل بيتها، ثم مشوا إلى الخندق فقال: "اذهبوا بنا إلى سلمان". وإذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها، فقال رسول اللَّه ﷺ : "دعوني فأكون أول من ضربها". فقال: "بسم اللَّه". فضربها فوقعت فلقة ثلثها، فقال: "اللَّه أكبر، قصور الروم (٢) ورّب الكعبة". ثم ضرب أخرى فوقعت فِلقة، فقال: "اللَّه أكبر، قصور فارس ورب الكعبة". فقال عندها المنافقون: نحن نخندق على أنفسنا، وهو يعدنا قصور فارس والرُّوم. ثم قال الحافظ البيهقيّ (٣): أنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا محمد بن غالب بن حرب، ثنا هوذة، ثنا عوف، عن ميمون بن أستاذ الزهري (٤)، حدثني البراء بن عازب الأنصاري، قال: لما كان حين أمرنا رسول اللَّه ﷺ بحفر الخندق، عرض لنا في بعض الخندق صخرة عظيمة شديدة، لا تأخذ فيها المعاول، فشكوا ذلك إلى رسول اللَّه ﷺ ، فلما رآها أخذ المعول وقال: "بسم اللَّه". وضرب ضربة فكسر ثلثها، وقال: "اللَّه أكبر، أُعطيت مفاتيح الشام، واللَّه إني لأبصر قصورها الحمر إن شاء اللَّه". ثم ضرب الثانية فقطع ثلثًا آخر، فقال: "اللَّه أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، واللَّه إني لأبصر قصر المدائن الأبيض". ثم ضرب الثالثة، فقال: "بسم اللَّه". فقطع [بقية] الحجر، فقال: "اللَّه أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، واللَّه إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة".

стр. 1782

وهذا حديث غريب أيضًا، تفرَّد به ميمون بن أستاذ هذا، وهو بصري روى عن البراء، وعبد اللَّه بن عمرو، وعنه حُميد الطويل، والجريرش، وعوف الأعرابي. قال أبو حاتم (١)، عن إسحاق بن منصور، عن ابن معين: كان ثقة. وقال علي بن المديني: كان يحيى بن سعيد القطان لا يحدِّث عنه. وقال النسائي (٢): ثنا عيسى بن يونس، ثنا ضمرة، عن أبي زرعة السَّيباني، عن أبي سكينة -رجل من المحرَّرين- عن رجل من أصحاب النَّبِيّ ﷺ ، قال لما أمر رسول اللَّه ﷺ بحفر الخندق، عرضت لهم صخرة حالت بينهم وبين الحفر، فقام النَّبِيّ ﷺ وأخذ المعول، ووضع رداءه ناحية الخندق، وقال: " ﴿وَتَمَّتْ كَلمات (٣) رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥] ". فندر ثلث الحجر، وسلمان الفارسي قائم ينظر، فبرق مع ضربة رسول اللَّه ﷺ برقة، ثم ضرب الثانية، وقال: " ﴿وَتَمَّتْ كلمات رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ". فندر الثلث الآخر وبرقت برقة، فرآها سلمان، ثم ضرب الثالثة، وقال: " ﴿وَتَمَّتْ كلمات رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ". فندر الثلث الباقي، وخرج رسول اللَّه ﷺ فأخذ رداءه وجلس، فقال سلمان: يا رسول اللَّه، رأيتك حين ضربت لا تضرب ضربة إِلَّا كانت معها برقة. قال رسول اللَّه ﷺ : "يا سلمان، رأيتَ ذلك؟ ". قال: إي والذي بعثك بالحق يا رسول اللَّه. قال: "فإني حين ضربت الضربة الأولى رفعت لي مدائن كسرى وما حولها ومدائن كثيرة، حتى رأيتها بعيني". فقال له من حضره من أصحابه: يا رسول اللَّه، ادع اللَّه أن يفتحها علينا ويغنِّمنا ذراريهم، ونخرِّب بأيدينا بلادهم. فدعا بذلك، قال: "ثم ضربت الضربة الثانية، فرفعت لي مدائن فيصر وما حولها، حتى رأيتها بعيني". قالوا: يا رسول اللَّه، اللَّه أن يفتحها علينا ويغنمنا ذراريهم، ونخرب بأيدينا بلادهم. فدعا، ثم قال: "ثم ضربت الضربة الثالثة، فرفعت لي مدائن الحبشة وما حولها من القرى، حتى رأيتها بعيني". ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم". هكذا رواه النسائي مطولًا. وإنما روى منه أبو داود (٤): "دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم". عن عيسى بن محمد الرملي، عن ضمرة بن ربيعة، عن أبي زرعة يحيى بن أبي عمرو السَّيباني، به. ثم قال ابن إسحاق (٥): وحدثني من لا أتَّهم، عن أبي هريرة أنه كان يقول حين فتحت هذه الأمصار

стр. 1783

في زمان عمر وزمان عثمان وما بعده: افتتِحوا ما بدا لكم، فوالذي نفس أبي هريرة بيده، ما افتتحتم من مدينة ولا تفتحونها إلى يوم القيامة، إِلَّا وقد أعطى اللَّه محمدًا ﷺ مفاتيحها قبل ذلك. وهذا من هذا الوجه منقطع أيضًا، وقد وصل من غير وجه، وللَّه الحمد. فقال الإمام أحمد (١): ثنا حجَّاج، حدَّثنا ليث، حدثني عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "بعثت بجوامع الكلم، ونصرتُ بالرُّعب، وبينا أنا نائم أُتيت بمفاتيح خزائن الأرض، فوضعت في يدي". وقد رواه البخاري (٢) منفردًا به، عن يحيى بن بكير، وسعيد بن عفير، كلاهما عن الليث، به، وعنده، قال أبو هريرة: فذهب رسول اللَّه ﷺ وأنتم تنتثلونها. وقال الإمام أحمد (٣): ثنا يزيد، ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "نُصرت بالرُّعب، وأوتيت جوامع الكَلِم، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وبينا أنا نائم أُتيت بمفاتيح خزائن الأرض فَتُلَّت (٤) في يدي". وهذا إسناد جيد قوي على شرط مسلم ولم يخرجوه. وفي "الصحيحين" (٥): "إذا هَلَكَ قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هَلَكَ كسرى فلا كسرى بعده، والذي نفسي بيده لتُنْفِقُنَّ كنوزهما في سبيل اللَّه". وفي الحديث الصحيح (٦): "إن اللَّه زوى لي الأرض؛ مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أُمتي ما زُوي لي منها". فصل قال ابن إسحاق (٧): ولما فرغ رسول اللَّه ﷺ من الخندق، أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال

стр. 1784

من رومه (١)، بين الجُرف (٢) وزَغَابَةُ (٣)، في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تِهَامة، وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد، حتى نزلوا بذنب نَقَمَى إلى جانب أُحد، وخرج رسول اللَّه ﷺ والمسلمون، حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع (٤) في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هنالك عسكره، والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا فوق الآطام. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم. قلت: وهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠]. قال البخاري (٥): ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا عبدة، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾ قالت: ذلك يوم الخندق. قال موسى بن عقبة: ولما نزل الأحزابُ حول المدينة أغلق بنو قريظة حصنهم دونهم. قال ابن إسحاق (٦): وخرج حُي بن أخطب النَّضري حتى أتى كعب بن أسد القُرظي صاحب عقدهم وعهدهم، فلما سمع به كعب أغلق باب حصنه دون حُيي، فاستأذن عليه، فأبى أن يفتح له، فناداه: ويحك يا كعب! افتح لي. قال: ويحك يا حُيي! إنك امرؤ مشؤوم، وإني قد عاهدت محمدًا، فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إِلَّا وفاءً وصدقًا. قال: ويحك! افتح لي أُكلّمك. قال: ما أنا بفاعل. قال: واللَّه إن أغلقت دوني إِلَّا خوفًا على جشيشتك (٧) أن آكل معك منها. فأحفظ الرجل، ففتح له، فقال: ويحك يا كعب! جئتك بعزّ الدّهر وبحر طامٍ. قال: وما ذاك؟ قال: جئتك بقريش على قادتها وسادتها، حتى أنزلتُهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها، حتى أنزلتُهم بذَنب نَقَمى إلى جانب أحد، قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدًا ومن معه. فقال كعب: جئتني واللَّه بذلِّ الدهر، وبجهام (٨) قد هراق ماؤه، يَرْعَد ويُبْرق، وليس فيه شيء، ويحك يا حيي! فدعني وما أنا عليه؛ فإني لم أر من محمد إِلَّا وفاءً وصدقًا.

стр. 1785

وقد تكلم عمرو بن سعد القُرظي فأحسنَ، فيما ذكره موسى بن عقبة (١)، ذكرهم ميثاق رسول اللَّه ﷺ وعهده، ومعاقدتهم إياه على نصره، وقال: إذا لم تنصروه فاتركوه وعدوَّه. قال ابن إسحاق (٢): فلم يزل حُيي بكعب يفتل في الذروة والغارب حتى سمح له -يعني في نقض عهد رسول اللَّه ﷺ ، وفي محاربته مع الأحزاب- على أن أعطاه حى عهد اللَّه وميثاقه: لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدًا؛ أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب بن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول اللَّه ﷺ . قال موسى بن عقبة: وأمر كعب بن أسد وبنو قريظة حُيى بن أخطب أن يأخذ لهم من قريش وغطفان رهائن تكون عندهم. يعني لئلا ينالهم ضيم إن هم رجعوا ولم يناجزوا محمدًا. قالوا: وتكون الرهائن تسعين رجلًا من أشرافهم. فنازلهمِ حُى على ذلك، فعند ذلك نقضوا العهد، ومزّقوا الصحيفة التي كان فيها العهد، إِلَّا بني سَعْيَة أَسد، وأَسِيد، وثعلبة، فإنهم خرجوا إلى رسول اللَّه ﷺ . قال ابن إسحاق (٣): فلما انتهى الخبر إلى رسول اللَّه ﷺ وإلى المسلمين، بعث سعد بن معاذ، وهو يومئذ سَيِّد الأوس، وسعد بت عُبَادة، وهو يومئذ سَيِّد الخزرج، ومعهما عبد اللَّه بن رواحة وخوَّات بن جبير، فقال: "انطلقوا حتى تأتوا هؤلاء القوم فتنظروا أحق ما بلغنا عنهم، فإن كان حقًّا فالحنوا لي لحنًا أعرفه، ولا تفتُّوا فى أعضاد المسلمين، وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس". قال: فخرجوا حتى أتوهم. قال موسى بن عقبة (٤): فدخلوا معهم حصنهم، فدعوهم إلى الموادعة وتجديد الحلف، فقالوا: الآن وقد كسر جناحنا وأخرجهم؟! يريدون بني النَّضير، ونالوا من رسول اللَّه ﷺ ، فجعل سعد بن عبادة يشاتمهم، فاغضبوه، فقال له سعد بن معاذ: إنا واللَّه ما جئنا لهذا، ولمَا بيننا أكبر من المشاتمة. ثم ناداهم سعد بن معاذ فقال: إنكم قد علمتم الذي بيننا وبينكم يا بني قريظة، وأنا خائف عليكم مثل يوم بنى النَّضير أو أَمَرَّ منه. فقالوا: أكلت أير أبيك. فقال: غير هذا من القول كان أجمل بكم وأحسن. وقال ابن إسحاق (٥): نالوا من رسول اللَّه ﷺ ، [وقالوا]: مَنْ رسول اللَّه؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد. فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه، وكان رجلًا فيه حِدّة، فقال له سعد بن عُبَادة: دع عنك مشاتمهم، لِما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة. ثم أقبل السعدان ومن معهما إلى رسول اللَّه ﷺ فسلَّموا

стр. 1786

عليه، وقالوا: عضل والقارة. أي: كغدرهم بأصحاب الرَّجيع، خُبَيب وأصحابه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اللَّه أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين". قال موسى بن عقبه (١): ثم تقنَّع رسول اللَّه ﷺ بثوبه حين جاءه الخبر عن بني قريظة، فاضطجع ومكث طويلًا، فاشتد على الناس البلاء والخوف حين رأوه اضطجع، وعرفوا أنه لم يأته عن بني قريظة خير، ثم إنه رفع رأسه فقال: "أبشروا بفتح اللَّه ونصره". فلما أن أصبحوا، دنا القوم بعضهم من بعض، وكان بينهم رمي بالنبل والحجارة. وقال سعيد بن المسيب: قال رسول اللَّه ﷺ : "اللهم إني أسألك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تعبد". قال ابن إسحاق (٢): وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، [ونجم النفاق]، حتى قال معتِّب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط. وحتى قال أوس بن قيظي: يا رسول اللَّه، [إن] بيوتنا عورة من العدوِّ -وذلك عن ملأ من رجال قومه- فأذن لنا أن نرجع إلى دارنا؛ فإنها خارج من المدينة. قلت: وهؤلاء وأمثالهم المرادون بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: ١٢ - ١٣]. قال ابن إسحاق (٣): فأقام رسول اللَّه ﷺ يعني مرابطًا- وأقام المشركون يحاصرونه بضعًا وعشرين ليلة، قريبًا من شهر، ولم يكن بينهم حرب إِلَّا الرِّمِّيَا بالنبل، فلما اشتد على الناس البلاء، بعث رسول اللَّه ﷺ كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، ومن لا أتَّهم، عن الزُّهري- إلى عُيينة بن حصن، والحارث بن عوف المُرِّي، وهما قائدا غطفان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهم الصلح، حتى كتبوا الكتاب، ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصُّلح إِلَّا المراوضة، فلما أراد رسول اللَّه ﷺ أن يفعل ذلك، بعث إلى السَّعدين، فذكر لهما ذلك، واستشارهما فيه، فقالا: يا رسول اللَّه، أمرًا تحبه فنصنعه، أم شيئًا أمرك اللَّه به لا بد لنا من العمل به، أم شيئًا تصنعه لنا؛ فقال: "بل شيء أصنعه لكم، واللَّه ما أصنع ذلك إِلَّا أني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما". فقال له سعد بن معاذ: يا رسول اللَّه، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك باللَّه وعبادة الأوثان، لا نعبد اللَّه ولا

стр. 1787

نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة واحدة إِلَّا قِرًى أو بيعًا، أفحين أكرمنا اللَّه بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا! ما لنا بهذا من حاجة، واللَّه لا نعطيهم إِلَّا السيف، حتى يحكم اللَّه بيننا وبينهم. فقال النَّبِيّ ﷺ : "أنت وذاك". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال: ليجهدوا علينا. قال ابن إسحاق (١): فقام النَّبِيّ ﷺ وأصحابه محاصرين، ولم يكن بينهم وبين عدوهم قتال، إِلَّا أنَّ فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ودّ بن أبي قيس، أحد بني عامر بن لؤي، وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان، وضرار بن الخطَّاب بن مرداس، أحد بني محارب بن فهر، تلبسوا للقتال، ثم خرجوا على خيلهم، حتى مروا بمنازل بني كنانة فقالوا: تهيئوا يا بني كنانة للحرب، فستعلمون مَن الفرسان اليوم. ثم أقبلوا تعنق بهم خيلهم، حتى وقفوا على الخندق، فلما رأوه قالوا: واللَّه إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها. ثم تيمَّموا مكانًا من الخندق ضيقًا، فضربوا خيلهم فاقتحمت منه، فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع، وخرج علي بن أبي طالب في نفر معه من المسلمين، حتى أخذوا عليهم الثغرة التي أقحموا منها خيلهم، وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم، وكان عمرو بن عبد ودٍّ قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة، فلم يشهد يوم أحد، فلما كان يوم الخندق، خرج معلمًا ليرى مكانه، فلما وقف هو وخيله قال: من يبارز؛ فبرز له علي بن أبي طالب، ﵁، فقال له: يا عمرو، إنك كنت عاهدت اللَّه لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلّتين إِلَّا أخذتها منه. قال: أجل. قال له علي: فإني أدعوك إلى اللَّه وإلى رسوله وإلى الإسلام. قال: لا حاجة لي بذلك. قال: فإني أدعوك إلى النزال. قال له: لم يا بن أخي، فواللَّه ما أحب أن أقتلك. قال له علي: لكني واللَّه أحب أن أقتلك. فحمي عمرو عند ذلك، فاقتحم عن فرسه، فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على عليٍّ، فتنازلا وتجاولا، فقتله علي، ﵁، وخرجت خيلهم منهزمة، حتى اقتحمت من الخندق هاربة. قال ابن إسحاق (٢): وقال علي بن أبي طالب في ذلك: نَصَرَ الحجارة من سَفَاهَة رأيه … ونصرتُ ربَّ محمدٍ بصوابِ فصددتُ حين تركته متجدِّلًا … كالجذع بين دكادك وروابي وعَفَفْتُ عن أثوابه ولو أنني … كنت المقطّر بزّني أثوابي لا تحسبُنَّ اللَّه خاذلَ دينه … ونبيّه يا معشر الأحزابِ قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر يشك فيها لعليٍّ.

стр. 1788

قال ابن هشام: وألقى عكرمة رمحه يومئذ وهو منهزم عن عمرو، فقال في ذلك حسان بن ثابت (١): [من المتقارب] فَرَّ وألقى لنا رُمْحَهُ … لعلك عكرم لم تفعلِ ووليت تعدو كعدو الظليـ … ــم ما أن تحور عن المعدلِ ولم تلق ظهرك مستأنسًا … كأن قفاك قفا فُرعلِ قال ابن هشام: الفراعل: صغار الضباع. وذكر الحافظ البيهقي في "دلائل النبوة" (٢)، عن ابن إسحاق في موضع آخر غير "السيرة" قال: خرج عمرو بن عبد ودٍّ وهو مقنع بالحديد، فنادى: من يبارز" فقام علي بن أبي طالب فقال: أنا لها يا نبي اللَّه. فقال: "إنه عمرو، اجلس". ثم نادى عمرو: ألا رجل يبرز؟ فجعل يؤنِّبهم ويقول: أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها، أفلا تُبرزون إلي رجلًا؟ فقام علي فقال: أنا يا رسول اللَّه. فقال: "اجلس". ثم نادى الثالثة فقال: [من مجزوء الكامل] ولقد بححت من الندا … ء بجمعكم هل من مبارزْ ووقفت إذ جَبُنَ المشجـ … ــع موقف القرن المناجزْ ولذاك إني لم أزل … متسرعًا قِبل الهزاهزْ إن الشَّجَاعَة في الفتى … والجُود من خير الغرائزْ قال: فقام علي، ﵁، فقال: يا رسول اللَّه، أنا. فقال: "إنه عمرو". فقال: وإن كان عَمرًا. فأدْن له رسول اللَّه ﷺ ، فمشى إليه، حتى أتى وهو يقول: [من مجزوء الكامل] لا تعجلنَّ فقد أتا … ك مجيب صوتك غير عاجزْ في نيَّةٍ وبصيرةٍ … والصِّدق مَنْجى كل فَائزْ إني لأرجو أن أُقيـ … ــم عَليك نائحةَ الجنَائزْ من ضربة نجلاء يبـ … ــقى ذِكْرُهَا عند الهَزَاهِزْ فقال له عمرو: من أنت؟ قال: أنا علي. قال: ابن عبد مناف؟ قال: أنا علي بن أبي طالب. فقال: غيرك يابن أخي، ومن أعمامك من هو أسنُّ منك، فاني أكره أن أُهريق دمك. فقال له عليٌّ: لكني واللَّه لا أكره أن أهريق دمك فغضب، فنزل وسلَّ سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو على مغضبًا، واستقبله على بدرقته، فضربه عمرو في الدَّرقة فقدها وأثبت فيها السيف، وأصاب رأسه فشجه، وضربه عليٌّ على حبل عاتقه فسقط، وثار العجاج، وسمع رسول اللَّه ﷺ التكبير فعرف أن عليًا قد قتله. فثمّ علي يقول: [من الكامل]

стр. 1789

أعليَّ تقتحم الفوارس هكذا … عني وعنهم أخَّروا أصحابي اليوم تمنعني الفرار حفيظتي … ومصمَّم في الرأس ليس بنابي إلى أن قال: عبَد الحجارة من سَفَاهَة رأيه … وعبدت ربّ محمد بصوابِ الى آخرها. قال: ثم أقبل عليٌّ نحو رسول اللَّه ﷺ ووجهه يتهلل، فقال له عمر بن الخطّاب: هلا استلبته درعه، فإنه ليس للعرب درع خير منها؟ فقال: ضربته فاتقاني بسوأته، فاستحييت ابن عمي أن أسلبه. قال: وخرجتْ خيوله منهزمة حتى اقتحمت من الخندق. وذكر ابن إسحاق فيما حكاه عنه البيهقيّ (١)، أن عليًا طعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقِّه، فمات في الخندق، وبعث المشركون إلى رسول اللَّه ﷺ يشترون جيفته بعشرة آلاف، فقال: "هو لكم، لا نأكل ثمن الموتى". وقال الإمام أحمد (٢): ثنا نصر بن باب، ثنا حجَّاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس أنه قال: قتل المسلمون يوم الخندق رجلًا من المشركين، فأُعطوا بجيفته مالًا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ادفعوا إليهم جيفته، فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية". فلم يقبل منهم شيئًا. وقد رواه البيهقيّ (٣) من حديث حمَّاد بن سلمة، عن حجاج، هو ابن أرطاة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: أن رجلًا من المشركين قتل يوم الأحزاب، فبعثوا إلى رسول اللَّه ﷺ أن ابعث إلينا بجسده ونعطيك اثني عشر ألفًا. فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا خير في جسده ولا في ثمنه". وقد رواه الترمذي (٤)، من حديث سفيان الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، وقال: غريب. وقد ذكر موسى بن عقبة، أن المشركين إنما بعثوا يطلبون جسد نوفل بن عبد اللَّه المخزومي حين قتل، وعرضوا عليه الدية، فقال: "إنه خبيث خبيث الدية، فلعنه اللَّه ولعن ديته، فلا أرب لنا في ديته، ولسنا نمنعكم أن تدفنوه". وذكر يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: وخرج نوفل بن عبد اللَّه بن المغيرة المخزومي يسأل المبارزة، فخرج إليه الزبير بن العوام، فضربه، فشقه باثنتين، حتى فلَّ في سيفه فَلًّا، وانصرف وهو يقول: [من السريع]

стр. 1790

إني امرؤ أحمي وأحتمي … عن النبي المصطفى الأمي وقد ذكر ابن جرير (١) أن نوفلًا لما تورط في الخندق، رماه الناس بالحجارة، فجعل يقول: قِتلة أحسن من هذه يا معشر العرب. فنزل إليه علي فقتله، وطلب المشركون رمته من رسول الله ﷺ بالثمن، فأبى عليهم أن يأخذ منهم شيئًا، ومكَّنهم من أخذه إليهم. وهذا غريب من وجهين. وقد روى البيهقي (٢)، من طريق حمَّاد بن زيد، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، قال: جعلت يوم الخندق مع النساء والصبيان في الأطم، ومعي عُمر بن أبي سلمة، فجعل يطأطئ لي فأصعد على ظهره، فأنظر. قال: فنظرت إلى أبي وهو يحمل مرة هاهنا ومرة هاهنا، فما يرتفع له شيء إلا أتاه، فلما أمسى جاءنا إلى الأطم، قلت: يا أبت، رأيتك اليوم وما تصنع. قال: ورأيتني يا بني؟ قلت: نعم. قال: فدىً لك أبي وأمي. قال ابن إسحاق (٣): وحدثني أبو ليلى عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل الأنصاري، أخو بني حارثة، أن عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق، وكان من أحرز حصون المدينة. قال: وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن، قالت عائشة: وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب. قالت: فمرَّ سعد وعليه درع مقلَّصة، قد خرجت منها ذراعه كلها، وفي يده حربته يرقد بها ويقول: [من الرجز] لبِّث قليلًا يشهد الهيجا حمَلْ … لا بأس بالموت إذا حان الأجلْ فقالت له أمه: الحق بنيَّ، فقد والله أخرت. قالت عائشة: فقلت لها: يا أم سعد، والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي. قالت: وخفت عليه حيث أصاب السهم منه، فرمي سعد بن معاذ بسهم فقطع منه الأكحل. قال ابن إسحاق (٤): حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: رماه حبان بن قيس بن العرِقة، أحد بني عامر بن لؤي، فلما أصابه قال: خذها مني وأنا ابن العرِقة. فقال له سعد: عرَّق الله وجهك في النار، اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهد من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه، اللهم وإن كنتَ وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة.
следующие страницы →