← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

عليه، وقالوا: عضل والقارة. أي: كغدرهم بأصحاب الرَّجيع، خُبَيب وأصحابه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اللَّه أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين". قال موسى بن عقبه (١): ثم تقنَّع رسول اللَّه ﷺ بثوبه حين جاءه الخبر عن بني قريظة، فاضطجع ومكث طويلًا، فاشتد على الناس البلاء والخوف حين رأوه اضطجع، وعرفوا أنه لم يأته عن بني قريظة خير، ثم إنه رفع رأسه فقال: "أبشروا بفتح اللَّه ونصره". فلما أن أصبحوا، دنا القوم بعضهم من بعض، وكان بينهم رمي بالنبل والحجارة. وقال سعيد بن المسيب: قال رسول اللَّه ﷺ : "اللهم إني أسألك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تعبد". قال ابن إسحاق (٢): وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، [ونجم النفاق]، حتى قال معتِّب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط. وحتى قال أوس بن قيظي: يا رسول اللَّه، [إن] بيوتنا عورة من العدوِّ -وذلك عن ملأ من رجال قومه- فأذن لنا أن نرجع إلى دارنا؛ فإنها خارج من المدينة. قلت: وهؤلاء وأمثالهم المرادون بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: ١٢ - ١٣]. قال ابن إسحاق (٣): فأقام رسول اللَّه ﷺ يعني مرابطًا- وأقام المشركون يحاصرونه بضعًا وعشرين ليلة، قريبًا من شهر، ولم يكن بينهم حرب إِلَّا الرِّمِّيَا بالنبل، فلما اشتد على الناس البلاء، بعث رسول اللَّه ﷺ كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، ومن لا أتَّهم، عن الزُّهري- إلى عُيينة بن حصن، والحارث بن عوف المُرِّي، وهما قائدا غطفان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهم الصلح، حتى كتبوا الكتاب، ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصُّلح إِلَّا المراوضة، فلما أراد رسول اللَّه ﷺ أن يفعل ذلك، بعث إلى السَّعدين، فذكر لهما ذلك، واستشارهما فيه، فقالا: يا رسول اللَّه، أمرًا تحبه فنصنعه، أم شيئًا أمرك اللَّه به لا بد لنا من العمل به، أم شيئًا تصنعه لنا؛ فقال: "بل شيء أصنعه لكم، واللَّه ما أصنع ذلك إِلَّا أني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما". فقال له سعد بن معاذ: يا رسول اللَّه، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك باللَّه وعبادة الأوثان، لا نعبد اللَّه ولا

стр. 1787

نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة واحدة إِلَّا قِرًى أو بيعًا، أفحين أكرمنا اللَّه بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا! ما لنا بهذا من حاجة، واللَّه لا نعطيهم إِلَّا السيف، حتى يحكم اللَّه بيننا وبينهم. فقال النَّبِيّ ﷺ : "أنت وذاك". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال: ليجهدوا علينا. قال ابن إسحاق (١): فقام النَّبِيّ ﷺ وأصحابه محاصرين، ولم يكن بينهم وبين عدوهم قتال، إِلَّا أنَّ فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ودّ بن أبي قيس، أحد بني عامر بن لؤي، وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان، وضرار بن الخطَّاب بن مرداس، أحد بني محارب بن فهر، تلبسوا للقتال، ثم خرجوا على خيلهم، حتى مروا بمنازل بني كنانة فقالوا: تهيئوا يا بني كنانة للحرب، فستعلمون مَن الفرسان اليوم. ثم أقبلوا تعنق بهم خيلهم، حتى وقفوا على الخندق، فلما رأوه قالوا: واللَّه إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها. ثم تيمَّموا مكانًا من الخندق ضيقًا، فضربوا خيلهم فاقتحمت منه، فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع، وخرج علي بن أبي طالب في نفر معه من المسلمين، حتى أخذوا عليهم الثغرة التي أقحموا منها خيلهم، وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم، وكان عمرو بن عبد ودٍّ قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة، فلم يشهد يوم أحد، فلما كان يوم الخندق، خرج معلمًا ليرى مكانه، فلما وقف هو وخيله قال: من يبارز؛ فبرز له علي بن أبي طالب، ﵁، فقال له: يا عمرو، إنك كنت عاهدت اللَّه لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلّتين إِلَّا أخذتها منه. قال: أجل. قال له علي: فإني أدعوك إلى اللَّه وإلى رسوله وإلى الإسلام. قال: لا حاجة لي بذلك. قال: فإني أدعوك إلى النزال. قال له: لم يا بن أخي، فواللَّه ما أحب أن أقتلك. قال له علي: لكني واللَّه أحب أن أقتلك. فحمي عمرو عند ذلك، فاقتحم عن فرسه، فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على عليٍّ، فتنازلا وتجاولا، فقتله علي، ﵁، وخرجت خيلهم منهزمة، حتى اقتحمت من الخندق هاربة. قال ابن إسحاق (٢): وقال علي بن أبي طالب في ذلك: نَصَرَ الحجارة من سَفَاهَة رأيه … ونصرتُ ربَّ محمدٍ بصوابِ فصددتُ حين تركته متجدِّلًا … كالجذع بين دكادك وروابي وعَفَفْتُ عن أثوابه ولو أنني … كنت المقطّر بزّني أثوابي لا تحسبُنَّ اللَّه خاذلَ دينه … ونبيّه يا معشر الأحزابِ قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر يشك فيها لعليٍّ.

стр. 1788

قال ابن هشام: وألقى عكرمة رمحه يومئذ وهو منهزم عن عمرو، فقال في ذلك حسان بن ثابت (١): [من المتقارب] فَرَّ وألقى لنا رُمْحَهُ … لعلك عكرم لم تفعلِ ووليت تعدو كعدو الظليـ … ــم ما أن تحور عن المعدلِ ولم تلق ظهرك مستأنسًا … كأن قفاك قفا فُرعلِ قال ابن هشام: الفراعل: صغار الضباع. وذكر الحافظ البيهقي في "دلائل النبوة" (٢)، عن ابن إسحاق في موضع آخر غير "السيرة" قال: خرج عمرو بن عبد ودٍّ وهو مقنع بالحديد، فنادى: من يبارز" فقام علي بن أبي طالب فقال: أنا لها يا نبي اللَّه. فقال: "إنه عمرو، اجلس". ثم نادى عمرو: ألا رجل يبرز؟ فجعل يؤنِّبهم ويقول: أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها، أفلا تُبرزون إلي رجلًا؟ فقام علي فقال: أنا يا رسول اللَّه. فقال: "اجلس". ثم نادى الثالثة فقال: [من مجزوء الكامل] ولقد بححت من الندا … ء بجمعكم هل من مبارزْ ووقفت إذ جَبُنَ المشجـ … ــع موقف القرن المناجزْ ولذاك إني لم أزل … متسرعًا قِبل الهزاهزْ إن الشَّجَاعَة في الفتى … والجُود من خير الغرائزْ قال: فقام علي، ﵁، فقال: يا رسول اللَّه، أنا. فقال: "إنه عمرو". فقال: وإن كان عَمرًا. فأدْن له رسول اللَّه ﷺ ، فمشى إليه، حتى أتى وهو يقول: [من مجزوء الكامل] لا تعجلنَّ فقد أتا … ك مجيب صوتك غير عاجزْ في نيَّةٍ وبصيرةٍ … والصِّدق مَنْجى كل فَائزْ إني لأرجو أن أُقيـ … ــم عَليك نائحةَ الجنَائزْ من ضربة نجلاء يبـ … ــقى ذِكْرُهَا عند الهَزَاهِزْ فقال له عمرو: من أنت؟ قال: أنا علي. قال: ابن عبد مناف؟ قال: أنا علي بن أبي طالب. فقال: غيرك يابن أخي، ومن أعمامك من هو أسنُّ منك، فاني أكره أن أُهريق دمك. فقال له عليٌّ: لكني واللَّه لا أكره أن أهريق دمك فغضب، فنزل وسلَّ سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو على مغضبًا، واستقبله على بدرقته، فضربه عمرو في الدَّرقة فقدها وأثبت فيها السيف، وأصاب رأسه فشجه، وضربه عليٌّ على حبل عاتقه فسقط، وثار العجاج، وسمع رسول اللَّه ﷺ التكبير فعرف أن عليًا قد قتله. فثمّ علي يقول: [من الكامل]

стр. 1789

أعليَّ تقتحم الفوارس هكذا … عني وعنهم أخَّروا أصحابي اليوم تمنعني الفرار حفيظتي … ومصمَّم في الرأس ليس بنابي إلى أن قال: عبَد الحجارة من سَفَاهَة رأيه … وعبدت ربّ محمد بصوابِ الى آخرها. قال: ثم أقبل عليٌّ نحو رسول اللَّه ﷺ ووجهه يتهلل، فقال له عمر بن الخطّاب: هلا استلبته درعه، فإنه ليس للعرب درع خير منها؟ فقال: ضربته فاتقاني بسوأته، فاستحييت ابن عمي أن أسلبه. قال: وخرجتْ خيوله منهزمة حتى اقتحمت من الخندق. وذكر ابن إسحاق فيما حكاه عنه البيهقيّ (١)، أن عليًا طعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقِّه، فمات في الخندق، وبعث المشركون إلى رسول اللَّه ﷺ يشترون جيفته بعشرة آلاف، فقال: "هو لكم، لا نأكل ثمن الموتى". وقال الإمام أحمد (٢): ثنا نصر بن باب، ثنا حجَّاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس أنه قال: قتل المسلمون يوم الخندق رجلًا من المشركين، فأُعطوا بجيفته مالًا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ادفعوا إليهم جيفته، فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية". فلم يقبل منهم شيئًا. وقد رواه البيهقيّ (٣) من حديث حمَّاد بن سلمة، عن حجاج، هو ابن أرطاة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: أن رجلًا من المشركين قتل يوم الأحزاب، فبعثوا إلى رسول اللَّه ﷺ أن ابعث إلينا بجسده ونعطيك اثني عشر ألفًا. فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا خير في جسده ولا في ثمنه". وقد رواه الترمذي (٤)، من حديث سفيان الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، وقال: غريب. وقد ذكر موسى بن عقبة، أن المشركين إنما بعثوا يطلبون جسد نوفل بن عبد اللَّه المخزومي حين قتل، وعرضوا عليه الدية، فقال: "إنه خبيث خبيث الدية، فلعنه اللَّه ولعن ديته، فلا أرب لنا في ديته، ولسنا نمنعكم أن تدفنوه". وذكر يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: وخرج نوفل بن عبد اللَّه بن المغيرة المخزومي يسأل المبارزة، فخرج إليه الزبير بن العوام، فضربه، فشقه باثنتين، حتى فلَّ في سيفه فَلًّا، وانصرف وهو يقول: [من السريع]

стр. 1790

إني امرؤ أحمي وأحتمي … عن النبي المصطفى الأمي وقد ذكر ابن جرير (١) أن نوفلًا لما تورط في الخندق، رماه الناس بالحجارة، فجعل يقول: قِتلة أحسن من هذه يا معشر العرب. فنزل إليه علي فقتله، وطلب المشركون رمته من رسول الله ﷺ بالثمن، فأبى عليهم أن يأخذ منهم شيئًا، ومكَّنهم من أخذه إليهم. وهذا غريب من وجهين. وقد روى البيهقي (٢)، من طريق حمَّاد بن زيد، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، قال: جعلت يوم الخندق مع النساء والصبيان في الأطم، ومعي عُمر بن أبي سلمة، فجعل يطأطئ لي فأصعد على ظهره، فأنظر. قال: فنظرت إلى أبي وهو يحمل مرة هاهنا ومرة هاهنا، فما يرتفع له شيء إلا أتاه، فلما أمسى جاءنا إلى الأطم، قلت: يا أبت، رأيتك اليوم وما تصنع. قال: ورأيتني يا بني؟ قلت: نعم. قال: فدىً لك أبي وأمي. قال ابن إسحاق (٣): وحدثني أبو ليلى عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل الأنصاري، أخو بني حارثة، أن عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق، وكان من أحرز حصون المدينة. قال: وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن، قالت عائشة: وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب. قالت: فمرَّ سعد وعليه درع مقلَّصة، قد خرجت منها ذراعه كلها، وفي يده حربته يرقد بها ويقول: [من الرجز] لبِّث قليلًا يشهد الهيجا حمَلْ … لا بأس بالموت إذا حان الأجلْ فقالت له أمه: الحق بنيَّ، فقد والله أخرت. قالت عائشة: فقلت لها: يا أم سعد، والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي. قالت: وخفت عليه حيث أصاب السهم منه، فرمي سعد بن معاذ بسهم فقطع منه الأكحل. قال ابن إسحاق (٤): حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: رماه حبان بن قيس بن العرِقة، أحد بني عامر بن لؤي، فلما أصابه قال: خذها مني وأنا ابن العرِقة. فقال له سعد: عرَّق الله وجهك في النار، اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهد من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه، اللهم وإن كنتَ وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة.

стр. 1791

قال ابن إسحاق (١): وحدثني من لا أتَّهم، عن عبد الله بن كعب بن مالك أنه كان يقول: ما أصاب سعدًا يومئذ إلا أبو أسامة الجشمي، حليف بني مخزوم. وقد قال أبو أسامة في ذلك شعرًا، قاله لعِكْرِمَة بن أبي جهل: أعكرم هلا لمتني إذ تقول لي … فداك بآطام المدينة خالدُ ألست الذي ألزمت سعدًا مرشة … لها بين أثناء المرافق عاند قضى نحبه منها سعيد فأعولت … عليه مع الشمط العذارى النواهِدُ وأنت الذي دافعت عنه وقد دعا … عُبيدة جمعًا منهم إذ يكابد على حين ما هم جائر عن طريقه … وآخر مرعوب عن القصد قاصد قال ابن إسحاق (٢): والله أعلم أي ذلك كان. قال ابن هشام: ويقال: إن الذي رمى سعدًا خفاجة بن عاصم بن حبان. قلت: وقد استجاب الله دعوة وليه سعد بن معاذ في بني قريظة، أقر الله عينه؛ فحكم فيهم بقدرته وتيسيره، وجعلهم هم الذين يطلبون ذلك، كما سيأتي بيانه، فحكم بقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم، حتى قال له رسول الله ﷺ : "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة" (٣). قال ابن إسحاق (٤): وحدثني يحيى بن عَبَّاد بن عبد الله بن الزُّبير، عن أبيه عَبَّاد، قال: كانت صفية بنت عبد الله في فارعٍ حصن حسَّان بن ثابت، قال: وكان حسَّان معنا فيه مع النساء والصبيان. قالت صفية: فمر بنا رجل من يهود، فجعل يطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة، وقطعت ما بينها وبين رسول الله ﷺ ، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله ﷺ والمسلمون في نحور عدوهم، لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا إن أتانا آتٍ، فقلت: يا حسان، إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن، وإني والله ما آمنه أن يدل على عورتنا مَن وراءنا من يهود، وقد شغل رسول الله ﷺ وأصحابه، فانزل إليه فاقتله. قال: يغفر الله لك يا بنة عبد المطلب، والله لقد عرفتِ ما أنا بصاحب هذا. قالت: فلما قال لي ذلك ولم أر عنده شيئًا، احتجزت ثم أخذت عمودًا، ثم نزلت من الحصن إليه، فضربته بالعمود حتى قتلته، فلما فرغت منه، رجعت إلى الحصن، فقلت: يا حسان، انزل فاسلبه، فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل. قال: ما لي بسلبه حاجة يا بنة عبد المطلب.

стр. 1792

حكى السهيلي (١) عن بعضهم أنه قال: كان حسان جبانًا شديد الجبن. قال: وأنكر آخرون ذلك، وطعنوا في الخبر، فقالوا: هو منقطع. قالوا: وقد كان يهاجي المشركين من الشعراء؛ كابن الزِّبعرى، وضرار بن الخطاب، وغيرهما، فلم يعيِّره واحد منهم بالجبن. قال: وممن أنكر ذلك الشيخ أبو عمر النمري. قالوا: وبتقدير صحة هذا الخبر، لعله كان منقطعًا في الآطام لعلة عارضة. ومال إلى هذا السهيلي. والله أعلم. قال موسى بن عقبة (٢): وأحاط المشركون بالمسلمين حتى جعلوهم في مثل الحصن بين كتائبهم، فحاصروهم قريبًا من عشرين ليلة، وأخذوا بكل ناحية، حتى لا يدري الرجل أتم صلاته أم لا. قال: ووجَّهوا نحو منزل رسول الله ﷺ كتيبة غليظة، فقاتلوهم يومًا إلى الليل، فلما حانت صلاة العصر، دنت الكتيبة، فلم يقدر النبي ﷺ ولا أحد من أصحابه الذين كانوا معه أن يصلوا الصلاة على نحو ما أرادوا، فانكفأت الكتيبة مع الليل، فزعموا أن رسول الله ﷺ قال: "شغلونا عن صلاة العصر، ملأ الله بطونهم وقلوبهم - وفي رواية: وقبورهم - نارًا". فلما اشتد البلاء، نافق ناس كثير، وتكلموا بكلام قبيح، فلما رأى رسول الله ﷺ ما بالناس من البلاء والكرب، جعل يبشرهم ويقول: "والذي نفسي بيده ليفرَّجن عنكم ما ترون من الشدة، وإني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق آمنًا، أن يدفع الله إليَّ مفاتيح الكعبة، وليهلكنَّ الله كسرى وقيصر، ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله". وقد قال البخاري (٣): ثنا إسحاق، ثنا روح، ثنا هشام، عن محمد، عن عبيدة، عن علي، عن النبي ﷺ أنه قال يوم الخندق: "ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارًا؛ كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس". وهكذا رواه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من طرق، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، عن علي، به. ورواه مسلم والترمذي (٤) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي حسان الأعرج، عن عبيدة، عن علي، به، وقال الترمذي: حسن صحيح. ثم قال البخاري (٥): حدثنا المكي بن إبراهيم، حدثنا هشام، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله، أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس، فجعل يسب كفار قريش، وقال: يا رسول الله، ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب. قال النبي ﷺ : "والله ما صليتها". فنزلنا مع رسول الله ﷺ بطحان، فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها، فصلى العصر بعدما غربت

стр. 1793

الشمس، ثم صلى بعدها المغرب. وقد رواه البخاري أيضًا ومسلم والترمذي والنسائي، من طرق، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، به (١). وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا عبد الصمد، حدثنا ثابت، حدثنا هلال، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قاتل النبي ﷺ عدوًا، فلم يفرغ منهم حتى أخر العصر عن وقتها، فلما رأى ذلك، قال: "اللهم مَن حبسنا عن الصلاة الوسطى، فاملأ بيوتهم نارًا واملأ قبورهم نارًا". ونحو ذلك. تفرد به أحمد، وهو من رواية هلال بن خباب العبدي الكوفي، وهو ثقة، يصحح له الترمذي وغيره. وقد استدل طائفة من العلماء بهذه الأحاديث على كون الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، كما هو منصوص عليه في هذه الأحاديث. وألزم القاضي الماوردي مذهب الشافعي بهذا؛ لصحة الحديث، وقد حررنا ذلك نقلًا واستدلالًا عند قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وقد استدل طائفة بهذا الصنيع على جواز تأخير الصلاة لعذر القتال، كمال هو مذهب مكحول والأوزاعي، وقد بوب البخاري على ذلك (٣)، واستدل بهذا الحديث، وبقوله ﷺ يوم أمرهم بالذهاب إلى بني قريظة، كما سيأتي: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة". وكان من الناس من صلى العصر في الطريق، ومنهم من لم يصل إلا في بني قريظة بعد الغروب، ولم يعنِّف واحدًا من الفريقين، واستدل بما ذكره عن الصحابة ومن معهم في حصار تستَر سنة عشرين في زمن عمر، حيث صلوا الصبح بعد طلوع الشمس؛ لعذر القتال واقتراب فتح الحصن. وقال آخرون من العلماء، وهم الجمهور، منهم الشافعي: هذا الصنيع يوم الخندق منسوخ بشرعية صلاة الخوف بعد ذلك، فإنها لم تكن مشروعة إذ ذاك، فلهذا أخروها يومئذ. وهو مشكل، فإن ابن إسحاق وجماعة ذهبوا إلى أن النبي ﷺ صلى صلاة الخوف بعسفان، وقد ذكرها ابن إسحاق، وهو إمام في المغازي، قبل الخندق، وكذلك ذات الرقاع ذكرها قبل الخندق، فالله أعلم. وأما الذين قالوا: إن تأخير الصلاة يوم الخندق وقع نسيانًا. كما حكاه شراح مسلم عن بعض الناس، فهو مشكل، إذ يبعد أن يقع هذا من جمع كبير، مع شدة حرصهم على المحافظة على الصلاة، كيف وقد روى أنهم تركوا يومئذ الظهر والعصر والمغرب حتى صلوا الجميع في وقت العشاء. قال الإمام أحمد (٤): حدثنا يزيد وحجاج قالا: حدثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه قال: حبسنا يوم الخندق حتى ذهب هَويٌّ من الليل، حتى

стр. 1794

كفينا، وذلك قوله: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥]. قال: فدعا رسول الله ﷺ بلالًا، فأمره فأقام، فصلى الظهر كما كان يصليها في وقتها، ثم أقام العصر فصلاها كذلك، ثم أقام المغرب فصلاها كذلك، ثم أقام العشاء فصلاها كذلك، وذلك قبل أن يُنزَّل - قال حجاج: في صلاة الخوف -: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٩]. وقد رواه النسائي (١)، عن الفلاس، عن يحيى القطان، عن ابن أبي ذئب، به: قال: شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتى غربت الشمس. فذكره. وقال أحمد (٢): ثنا هشيم، ثنا أبو الزبير، عن نافع بن جبير، عن أبي عُبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، أن المشركين شغلوا رسول الله ﷺ يوم الخندق عن أربع صلوات، حتى ذهب من الليل ما شاء الله. قال: فأمر بلالًا فأذن ثم أقام فصلَّى الظهر، ثم أقام فصلَّى العصر، ثم أقام فصلَّى المغرب، ثم أقام فصلَّى العشاء. وقال الحافظ أبو بكر البزَّار (٣): ثنا محمد بن معمر، ثنا مؤمَّل، يعني ابن إسماعيل، حدثنا حمَّاد، يعني ابن سلمة، عن عبد الكريم، يعني ابن أبي المخارق، عن مجاهد، عن جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ شُغل يوم الخندق عن صلاة الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، فأمر بلالًا فأذَّن وأقام، فصلَّى الظهر، ثم أمره فأذَّن وأقام، فصلى العصر، ثم أمره فأذَّن وأقام، فصلى المغرب، ثم أمره فأذَّن وأقام، فصلى العشاء، ثم قال: "ما على وجه الأرض قوم يذكرون الله في هذه الساعة غيركم". تفرَّد به البزار، وقال: لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقد رواه بعضهم عن عبد الكريم، عن مجاهد، عن أبي عبيدة، عن عبد الله. فصل في دعائه [عليه] السلام على الأحزاب وكيف صرفهم الله تعالى، بحوله وقوته؛ استجابة لرسوله ﷺ (٤)، وصيانة لحوزته الشريفة، فزلزل قلوبهم، ثم أرسل عليهم الرِّيح الشديدة؛ فزلزل أبدانهم.

стр. 1795

قال الإمام أحمد (١): ثنا أبو عامر، ثنا الزُّبير - يعني ابن عبد الله - ثنا رُبيح بن أبي سعيد [الخدري]، عن أبيه قال: قلنا [يوم الخندق]: يا رسول الله، هل من شيء نقوله؟ [فقد] بلغت القلوب الحناجر. قال: "نعم، اللهم استر عوراتِنا وآمن روعاتِنا". قال: فصرف (٢) الله وجوه أعدائه بالرِّيح، فهزمهم الله بالرّيح. وقد رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣) عن أبيه، عن أبي عامر، وهو العَقَديُّ (٤)، عن الزّبير بن عبد الله مولى عثمان بن عَفَّان، عن رُبيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي سعيد. فذكره، وهذا هو الصواب. وقال الإمام أحمد (٥): ثنا حسين، [عن] ابن أبي ذئب، عن رجل من بني سلمة، عن جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ أتى مسجد الأحزاب فوضع رداءه، وقام ورفع يديه مدًّا يدعو عليهم، ولم يصل. قال: ثم جاء ودعا عليهم وصلّى. وثبت في "الصحيحين (٦) من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب فقال: "اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم". وفي رواية (٧): "اهزمهم وانصرنا عليهم". وروى البخاري (٨)، عن قُتيبة، عن اللَّيث، عن سعيد المَقْبُري، عن أبيه، عن أبي هُريرة أن رسول الله ﷺ كان يقول: "لا إله إلا الله وحده، أعزّ جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده، فلا شيء بعده". وقال ابن إسحاق (٩): وأقام رسول الله ﷺ وأصحابه في ما وصف الله من الخوف والشدة؛ لتظاهر

стр. 1796

عدوهم عليهم، وإتيانهم إياهم من فوقهم ومن أسفل منهم. قال: ثم إن نُعَيْم بن مسعود بن عامر بن أُنيف [بن ثعلبة] بن قنفذ بن هلال بن خُلَاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت و "إن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله ﷺ : "إنما أنت فينا رجل واحد، فَخَذِّلْ عَنَّا إن استطعت، فإن الحرب خُدْعَة". فخرج نُعَيم بن مسعود حتى أتى بني قُريظة، وكان لهم نديمًا في الجاهلية، فقال: يا بني قريظة، قد عرفتم وُدِّي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم. قالوا: صدقت، لست عندنا بمتَّهم. فقال لهم: إن قريشًا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشًا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم ونساؤهم وأموالهم بغيره فليسوا كأنتم، فإن رأوا نُهْزَةً أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رُهنًا من أشرافهم يكونون بأيديكم؛ ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدًا حتى تناجزوه. قالوا: لقد أشرت بالرأي. ثم خرج حتى أتى قريشًا فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش: قد عرفتم وُدِّي لكم وفراقي محمدًا، وإنه قد بلغني أمر قد رأيت عليَّ حقًا أن أبلغكموه؛ نصحًالكم، فاكتموه عني. قالوا: نفعل. قال: تعلَّموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه أنَّا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالًا من أشرافهم، فنُعطيَكهم فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم حتى تستأصلهم؟ فأرسل إليهم أن نعم. فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رُهُنًا من رجالكم، فلا تدفعوا إليهم منكم رجلًا واحدًا. ثم خرج حتى أتى غطفان، فقال: يا معشر غطفان، إنكم أصلي وعشيرتي، وأحب الناس إليَّ، ولا أراكم تتَّهموني. قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتَّهم. قال: فاكتموا عنِّي. قالوا: نفعل. ثم قال لهم مثل ما قال لقريش، وحذّرهم ما حذّرهم، فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس، وكان من صنع الله تعالى لرسوله ﷺ أن أرسل أبو سفيان بن حرب ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل، في نفر من قريش وغطفان، فقال لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخفّ والحافر، فأعدُّوا للقتال حتى نناجز محمدًا ونفرغ مما بيننا وبينه. فأرسلوا إليهم: إن اليوم يوم السبت، وهو يوم لا نعمل فيه شيئًا، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدَثًا فأصابهم ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدًا حتى تعطونا رُهُنًا من رجالكم يكونون بأيدينا؛ ثقة لنا حتى نناجز محمدًا، فإنا نخشى إن ضرَّسَتكم (١) الحرب، واشتد عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا، والرجل في بلادنا، ولا طاقة لنا بذلك منه. فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة، قالت قريش وغطفان: والله إن الذي حدَّثكم نُعيم بن مسعود لحق. فأرسلوا إلى بني قريظة: إنا والله لا ندفع إليكم رجلًا واحدًا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فأخرجوا فقاتلوا. فقالت بنو قريظة حين

стр. 1797

انتهت إليهم الرسل بهذا: إن الذي ذكر لكم نُعيم بن مسعود لَحق، ما يريد القوم إلا أن تقاتلوا، فإن رأوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم، وخلَّوا بينكم وبين الرجل في بلدكم. فأرسلوا إلى قريش وغطفان: إنا والله ما نقاتل معكم حتى تعطونا رُهُنًا. فابوا عليهم، وخذَّل الله بينهم، وبعث الله الرِّيح في ليلة (١) شاتية شديدة البرد، فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم. وهذا الذي ذكره ابن إسحاق (٢) من قصة نُعيم بن مسعود أحسن مما ذكره موسى بن عقبة. وقد أورده عنه البيهقي في "الدلائل" (٣)، فإنه ذكر ما حاصله أن نُعيم بن مسعود كان يُذيع ما يسمعه من الحديث، فاتفق أنه مر برسول الله ﷺ ذات يومٍ عشاءً، فأشار إليه أن تعال، فجاء فقال: "ما وراءك؟ ". فقال: إنه قد بعثت قريش وغطفان إلى بني قريظة يطلبون منهم أن يخرجوا إليهم فيناجزوك، فقالت بنو قريظة: نعم. فأرسلوا إلينا بالرُّهُن. وقد ذكر، كما تقدم، أنهم إنما نقضوا العهد على يدي حُيي بن أخطب، بشرط أن يأتيهم برهائن تكون عندهم توثقة، قال: فقال له رسول الله ﷺ :، إني مُسِرٌّ إليك شيئًا فلا تذكره". قال: "إنهم قد أرسلوا إليَّ يدعونني إلى الصُّلح وأَرُدُّ بني النضير إلى دورهم وأموالهم". فخرج نُعيم بن مسعود عامدًا إلى غطفان، وقال رسول الله ﷺ : "الحرب خُدْعَة، وعسى أن يصنع الله لنا". فأتى نعيم غطفان وقريشًا فأعلمهم، فبادر القوم وأرسلوا إلى بني قريظة عكرمة وجماعة معه، واتفق ذلك ليلة السبت، يطلبون منهم أن يخرجوا للقتال معهم، فاعتلت اليهود بالسبت، ثم أيضًا طلبوا الرهن توثقة، فأوقع الله بينهم واختلفوا. قلت: وقد يحتمل أن [تكون] قريظة لما يئسوا من انتظام أمرهم مع قريش وغطفان، بعثوا إلى رسول الله ﷺ يطلبون منه الصلح على أن يردَّ بني النضير إلى المدينة، والله أعلم. قال ابن إسحاق (٤): فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ ما اختلف من أمرهم وما فرّق الله من جماعتهم، دعا حُذيفة بن اليمان، فبعثه إليهم لينظر ما فعل القوم ليلًا. قال ابن إسحاق (٥): فحدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي قال: قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله، أرأيتم رسول الله ﷺ وصحبتموه؟ قال: نعم يا بن أخي قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجتهد. قال: فقال: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، ولحملناه على أعناقنا. قال: فقال حذيفة: يابن أخي، والله لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ بالخندق، وصلى رسول الله ﷺ هوتًا من الليل، ثم التفت إلينا فقال: "مَن رجل يقوم فينظر لنا ما فعل

стр. 1798

القوم ثم يرجع" شرط له رسول الله ﷺ الرجعة "أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنةا. فما قام رجل من القوم؛ من شدة الخوف وشدة الجوع والبرد، فلما لم يقم أحد دعاني، فلم يكن لي بُدٌّ من القيام حين دعاني، فقال: "يا حُذيفة، اذهب فادخل في القوم، فانظر ماذا يفعلون، ولا تحدثنَّ شيئًا حتى تأتينا". قال: فذهبت فدخلت في القوم، والرّيح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقرّ لهم قدرًا ولا نارًا ولا بناءً، فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش، لينظر امرؤ مَن جليسه. قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي فقلت: من أنت؟ قال: فلان بن فلان. ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخفّ، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون؛ ما تطمئن لنا قِدر، ولا تقومْ لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا، فإني مرتحل. ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه، ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فوالله ما أطلق عقاله إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله ﷺ إليَّ: "لا تُحدثْ شيئًا حتى تأتيني". ثم شئت؛ لقتلته بسهم. قال حذيفة: فرجعت إلى رسول الله ﷺ وهو قائم يصلي في مِرط لبعض نسائه مراجل، فلما رآني أدخلني إلى رجليه، وطرح عليَّ طرف المرط، ثم ركع وسجد وإني لفيه، فلما سلم أخبرته الخبر، وسمعت غطفان بما فعلت قريش، فانشمروا راجعين إلى بلادهم. وهذا منقطع من هذا الوجه. وقد روى هذا الحديث مسلم بن الحجَّاج في "صحيحه" (١) من حديث الأعمش، عن إبراهيم بن يزيد التّيمي، عن أبيه قال: كنا عند حذيفة فقال له رجل: لو أدركتُ رسول الله ﷺ قاتلت معه وأبليت. فقال حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك؛ لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب في ليلة ذات ريح شديدة وقُرّ، فقال رسول الله ﷺ : "ألا رجل يأتيني بخبر القوم يكون معي يوم القيامة؟ " فلم يجبه منا أحد، ثم الثانية ثم الثالثة مثله، ثم قال: "يا حُذيفة، قم فأتنا بخبر القوم" فلم أجد بُدًّا إذ دعاني باسمي أن أقوم، فقال: "ائتني بخبر القوم ولا تذعرهم عليَّ". قال: فمضيت كأنما أمشي في حَمَّام حتى أتيتهم، فإذا أبو سفيان يَصْلِي ظهره بالنار، فوضعت سهمًا في كبد قوسي وأردت أن أرميه، ثم ذكرت قول رسول الله ﷺ : "لا تذعرهم عليَّ". ولو رميته لأصبته، فرجعت كأنما أمشي في حَمَّام، فأتيت رسول الله ﷺ ، فأصابني البَرْد حين رجعت وقُررت، فأخبرت رسول الله ﷺ ، وألبسني من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائمًا حتى الصبح، فلما أن أصبحت قال رسول الله ﷺ : "قم يا نومان". وقد روى الحاكم، والحافظ البيهقي في "الدلائل" (٢) هذا الحديث مبسوطًا من حديث عكرمة بن عَمَّار، عن محمد بن عبد الله الدُّؤَليّ، عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة قال: ذكر حذيفة مشاهدهم مع رسول الله ﷺ ، فقال جلساؤه: أمَا والله لو كنا شهدنا ذلك لكنا فعلنا وفعلنا. فقال حذيفة: لا تمنّوا

стр. 1799

ذلك، لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافُّون قعود، وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا، وقريظة اليهود أسفل منا، نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة ولا أشد ريحًا منها، في أصوات ريحها أمثال الصواعق، وهي ظلمة ما يرى أحدنا أصبعه، فجعل المنافقون يستأذنون النبي ﷺ ، ويقولون: إن بيوتنا عورة. وما هي بعورة، فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له، ويأذن لهم ويتسللون، ونحن ثلاثمئة ونحو ذلك إذ استقبلنا رسول الله ﷺ رجلًا رجلًا، حتى أتى عليَّ، وما عليَّ جُنَّةٌ من العدو ولا من البرد إلا مِرط لامرأتي ما يجاوز ركبتي. قال: فأتاني وأنا جاثٍ على ركبتي فقال: "من هذا؟ " فقلت: حذيفة. فقال: "حذيفة! ". فتقاصرتُ بالأرض، فقلت: بلى يا رسول الله. كراهية أن أقوم. قال: "قم". فقمت، فقال: "إنه كائن في القوم خبر، فأتني بخبر القوم". قال: وأنا من أشد الناس فزعًا وأشدهم قُرًّا. قال: فخرجت، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم احفظه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته". قال: فوالله ما خلق الله فزعًا ولا قُرًّا في جوفي إلا خرج من جوفي، فما أجد منه شيئًا. قال: فلما ولَّيت قال: "يا حذيفة، لا تُحْدِثَن في القوم شيئًا حتى تأتيني". قال: فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت في ضوء نار لهم توقَّد، وإذا رجل أدهم ضخم يقول بيديه على النار، ويمسح خاصرته ويقول: الرحيل الرحيل. ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك، فانتزعت سهمًا من كنانتي أبيض الريش، فأضعه على كبد قوسي لأرميه به في ضوء النار، فذكرت قول رسول الله ﷺ :"لا تُحدثنَّ فيهم شيئًا حتى تأتيني". فأمسكت ورددت سهمي إلى كنانتي، ثم إني شجَّعت نفسي حتى دخلت العسكر، فإذا أدنى الناس مني بنو عامر، يقولون: يا آل عامر، الرحيل الرحيل، لا مقام لكم. وإذا الريح في عسكرهم ما تجاوز عسكرهم شبرًا، فوالله إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرشهم، الريح تضربهم بها، ثم خرجت نحو رسول الله ﷺ ، فلما انتصفت بي الطريق أو نحو من ذلك، إذ أنا بنحو من عشرين فارسًا أو نحو ذلك مُعْتَمِّين، فقالوا: أخبر صاحبك أن الله قد كفاه. قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ وهو مشتمل في شملة يصلِّي، فوالله ما عدا أن رجعت؛ راجعني القُرُّ وجعلت أُقَرْقِفُ، فأوما إليَّ رسول الله ﷺ بيده، وهو يصلي، فدنوت منه فأسبل عليَّ شملته، وكان رسول الله ﷺ إذا حَزَبَه أمر صلى، فأخبرته خبر القوم؛ أخبرته أني تركتهم يرحلون. قال: وأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ يعني الآيات كلها إلى قوله: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب:٩ - ٢٥]. أي صرف الله عنهم عدوهم بالرِّيح التي أرسلها عليهم والجنود من الملائكة وغيرهم التي بعثها الله إليهم. ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ أي؛ لم يحتاجوا إلى منازلتهم ومبارزتهم، بل صرفهم القوي العزيز بحوله وقوته.

стр. 1800

لهذا ثبت في "الصحيحين" (١) عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعزَّ جنده، وهزم الأحزاب وحده، فلا شيء بعده"، وفي قوله: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾. إشارة إلى وضع الحرب بينهم وبينهم. وهكذا وقع، ولم ترجع قريش بعدها إلى حرب المسلمين، كما قال محمد بن إسحاق (٢)، ﵀: فلما انصرف أهل الخندق عن الخندق؟ قال رسول الله ﷺ فيما بلغنا: "لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزونهم". قال: فلم تغزهم قريش بعد ذلك، وكان يغزوهم بعد ذلك، حتى فتح الله عليه مكة. وهذا بلاغ من [ابن] إسحاق. وقد قال الإمام أحمد (٣): ثنا يحيى، عن سفيان، حدثني أبو إسحاق، سمعت سليمان بن صُرَدٍ، ﵁، يقول: قال رسول الله ﷺ : "الآن نغزوهم ولا يغزونا". وهكذا رواه البخاري، من حديث إسرائيل وسفيان الثوري، كلاهما عن أبي إسحاق السبيعي، عن سليمان بن صُرَد، به (٤). قال ابن إسحاق (٥): واستشهد من المسلمين يوم الخندق ستة؛ ثلاثة من بني عبد الأشهل، وهم: سعد بن معاذ - وستأتي وفاته مبسوطة - وأنس بن أوس بن عتيك بن عمرو، وعبد الله بن سهل، والطفيل بن النعمان، وثعلبة بن غنَمة الجشميان السلميان، وكعب بن زيد النجاري، أصابه سهم غرب فقتله. قال: وقتل من المشركين ثلاثة، وهم: مُنَبِّه بن عثمان بن عبيد بن السبَّاق بن عبد الدار، أصابه سهم فمات منه بمكة، ونوفل بن عبد الله بن المغيرة، اقتحم الخندق بفرسه فتورَّط فيه فقتل هناك، وطلبوا جسده بثمن كبير كما تقدم، وعمرو بن عبد ودٍّ العامري، قتله علي بن أبي طالب. قال ابن هشام (٦): وحدثني الثقة أنه حُدِّث عن الزُّهري، أنه قال: قتل عليٌّ يومئذ عمرو بن عبد ودٍّ وابنه حسل بن عمرو. قال ابن هشام: يقال: عمرو بن عبد ودٍّ. ويقال: عمرو بن عبدٍ.

стр. 1801

فصل في غزوة بني قُريظة (١) وما أحلَّ الله تعالى بهم من البأس الشديد، مع ما ادخر (٢) الله لهم في الآخرة من العذاب الأليم، وذلك لكفرهم ونقضهم العهود والمواثيق (٣) التي كانت بينهم وبين رسول الله ﷺ ، وممالأتهم الأحزاب عليه، فما أجدى ذلك عنهم شيئًا، وباؤوا بغضب من الله ورسوله، والصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب:٢٥ - ٢٧]. قال البخاري (٤): ثنا محمد بن مقاتل، ثنا عبد الله، ثنا موسى بن عقبة، عن سالم ونافع، عن عبد الله أن رسول الله ﷺ كان إذا قفل من الغزو والحج والعمرة، يبدأ فيكبِّر ثم يقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون، لربِّنا حامدون؛ صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده". وقال محمد بن إسحاق (٥)، ﵀: ولما أصبح رسول الله ﷺ انصرف عن الخندق راجعًا إلى المدينة والمسلمون، ووضعوا السلاح، فلما كانت الظهر أتى جبريلُ رسول الله ﷺ ، كما حدثني الزهري، معتجرًا بعمامة من إستبرق، على بغلة عليها رِحَالةٌ، عليها قطيفة من ديباج، فقال: أوَقد وضعتَ السلاح يا رسول الله؟ قال: "نعم". فقال جبريل: ما وضعتِ الملائكة السلاح بعدُ، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم، إن الله يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة، فإي عامد إليهم فمزلزل بهم. فأمر رسول الله ﷺ مؤذِّنًا فأذن [في] الناس: من كان سامعًا مطيعًا فلا يصلِّين العصر إلا في بني قُريظة. قال ابن هشام (٦): واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم.

стр. 1802

وقال البخاري (١): ثنا [عبد الله] بن أبي شيبة، ثنا ابن نُمَير (٢)، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: لما رجع النبي ﷺ من الخندق ووضع السلاح واغتسل، أتاه جبريل فقال: قد وضعتَ السلاح، والله ما وضعناه، فأخرج إليهم. قال: "فإلى أين؟ " قال: هاهنا. وأشار إلى بني قُريظة. فخرج النبي ﷺ إليهم. وقال أحمد (٣): وثنا حسن، ثنا حمَّاد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة، أن رسول الله ﷺ لما فرغ من الأحزاب دخل المغتسل ليغتسل، وجاء جبريل، فرأيته من خلل البيت قد عصب رأسه الغبار، فقال: يا محمد، أوَضعتم أسلحتكم؟ فقال (٤): "وضعنا أسلحتنا" فقال (٥): إنّا لم نضع أسلحتنا بعدُ، انهد إلى بني قريظة. ثم قال البخاري (٦): ثنا موسى، ثنا جرير بن حازم، عن حميد بن هلال، عن أنس بن مالك قال: كأني أنظر إلى الغبار ساطعًا في زقاق بني غنم، موكب جبريل حين سار رسول الله ﷺ إلى بني قريظة. ثم قال البخاري (٧): ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، ثنا جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: "لا يُصَلّينَّ أحد العصر إلا في بني قريظة". فأدرك بعضَهم العصرُ في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي العصر حتى نأتيَها. وقال بعضهم: بل نصلي؛ لم يرد منا ذلك. فذكر ذلك للنبيّ ﷺ فلم يعنف واحدًا منهم. وهكذا رواه مسلم (٨)، عن عبد الله بن محمد بن أسماء، به. وقال الحافظ البيهقي (٩): ثنا أبو عبد الله الحافظ (١٠)، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن خالد بن خَلِيٍّ، ثنا بشر بن شعيب، عن أبيه، ثنا الزهري، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عمه عبيد الله أخبره أن رسول الله ﷺ لما رجع من طلب الأحزاب، وضع عنه اللأْمة واغتسل واستجمر، فتبدى له جبريل، ﵇،

стр. 1803

فقال: عَذِيرك من محارب، ألا أراك قد وضعتَ اللأْمة وما وضعناها بعدُ. قال: فوثب النبي ﷺ فزعًا، فعزم على الناس أن لا يصلّوا صلاة العصر حتى يأتوا بني قريظة. قال: فلبس الناس السلاح، فلم يأتوا بني قريظة حتى غربت الشمس، فاختصم الناس عند غروب الشمس، فقال بعضهم: إن رسول الله ﷺ عزم علينا أن لا نصلِّي حتى نأتيَ بني قريظة، فإنما نحن في عزيمة رسول الله ﷺ ، فليس علينا إثم. وصلى طائفة من الناس احتسابًا، وتركت طائفة منهم الصلاة حتى غربت الشمس، فصلَّوها حين جاؤوا بني قريظة احتسابًا، فلم يعنف رسول الله ﷺ واحدًا من الفريقين. ثم روى البيهقي (١) من طريق عبد الله العمري، عن أخيه عبيد الله، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ كان عندها، فسلَّم علينا رجل ونحن في البيت، فقام رسول الله ﷺ فزعًا، وقمت في أثره، فإذا بدِحية الكلبي، فقال: "هذا جبريل، أمرني أن أذهب إلى بني قريظة، وقال: قد وضعتم السلاح، لكنا لم نضع، طلبنا المشركين حتى بلغنا حمراء الأسد". وذلك حين رجع رسول الله ﷺ من الخندق. فقال رسول الله ﷺ فزعًا، وقال لأصحابه: "عزمت عليكم أن لا تصلوا صلاة العصر حتى تأتوا بني قريظة". فغربت الشمس قبل أن يأتوهم، فقالت طائفة من المسلمين: إن رسول الله ﷺ لم يرد أن تدَعوا الصلاة. فصلّوا. وقالت طائفة: والله إنَّا لفي عزيمة رسول الله ﷺ ، وما علينا من إثم. فصلت طائفة إيمانًا واحتسابًا، وتركت طائفة إيمانًا واحتسابًا، ولم يعنِّف رسول الله ﷺ واحدًا من الفريقين، وخرج رسول الله ﷺ فمر بمجالس بينه وبين بني قريظة، فقال: "هل مرَّ بكم أحد؟ " فقالوا: مرَّ علينا دِحْيَة الكلبي (٢) على بغلة شهباء، تحته قطيفة ديباج. فقال: "ذلك جبريل، أُرسل إلى بني قريظة ليزلزلهم ويقذف في قلوبهم الرعب". فحاصرهم النبي ﷺ ، وأمر أصحابه أن يستروه بالحجف (٣) حتى يسمعهم كلامه، فناداهم: "يا إخوة القردة والخنازير". فقالوا: يا أبا القاسم، لم تكن فحاشًا. فحاصرهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، وكانوا حلفاءه، فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم ونساؤهم. ولهذا الحديث طرق جديدة، عن عائشة وغيرها. وقد اختلف العلماء في المصيب من الصحابة يومئذ، من هو؟ بل الإجماع على أن كلًّا من الفريقين مأجور ومعذور، غير معنّف؛ فقالت طائفة من العلماء: الذين أخّروا الصلاة عن وقتها المقدّر لها، حتى صلّوها في بني قُريظة، هم المصيبون؛ لأن أمرهم يومئذ بتأخير الصلاة خاصّ، فيقدم على عموم الأمر بها في وقتها المقدر لها شرعًا.

стр. 1804

قال أبو محمد بن حزم الظّاهري في كتابه (١) "السيرة" (٢): وعلم الله أنا لو كنَّا هناك، لم نصلِّ العصر إلا في بني قُريظة، ولو بعد أيام. وهذا القول منه ماشٍ على قاعدته الأصلية الموصلة (٣) إلى الأخذ بالظَّاهر. وقالت طائفة أخرى من العلماء: بل الذين صلّوا الصلاة في وقتها لما أدركتهم وهم في مسيرهم، هم المصيبون؛ لأنهم فهموا أن المراد إنما هو تعجيل السير إلى بني قريظة، لا تأخير الصلاة، فعملوا بمقتضى الأدلّة الدالة على أفضلية (٤) الصلاة في أول وقتها، مع فهمهم عن الشارع ما أراد، ولهذا لم يعنّفهم، ولم يأمرهم بإعادة الصلاة في وقتها الذي حوِّلت إليه يومئذ، كما يدَّعيه أولئك، وأما أولئك الذين أخّروا، فعذروا بحسب ما فهموا، وأكثر ما كانوا يؤمرون (٥) بالقضاء، وقد فعلوه. وأما على قول من يجوِّز تأخير الصلاة لعذر القتال، كما فهمه البخاري، حيث احتجّ على ذلك بحديث ابن عمر المتقدم في هذا، فلا إشكال على من أخّر، ولا على من قدّم أيضًا، والله أعلم. ثم قال ابن إسحاق (٦): وقَدَّم رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ومعه رايته (٧)، [إلى بني قُريظة] وابتدرها الناس. وقال موسى بن عقبة في "مغازيه" (٨)، عن الزهري: عن رسول الله ﷺ في مغتسله، كما يزعمون، قد رَجَّلَ أحد شقيه، أتاه جبريل على فوس عليه لأْمَتُهُ، حتى وقف بباب المسجد عند موضع الجنائز، فخرج إليه رسول الله ﷺ ، فقال له جبريل: غفر الله لك، أوَقد وضعتَ السلاح؟ قال: "نعم". فقال جبريل: لكنا لم نضعه منذ نزل بك العدو، وما زِلْتُ في طلبهم حتى هزمهم الله. ويقولون: إن على وجه جبريل لأثر الغبار. فقال له جبريل: إن الله قد أمرك بقتال بني قُريظة، فَأَنَا عامد إليهم بمن معي من الملائكة؛ لأُزلزل بهم الحصون، فاخْرُجْ بالناسِ. فخرج رسول الله ﷺ في أثر جبريل، فمرّ على مجلس بني غَنْمٍ وهم ينتظرون رسول الله ﷺ ، فسألهم فقال: "مرَّ عليكم فارس آنفًا؟ " قالوا: مرَّ علينا دِحْيَةُ الكلبي على فرس أبيض، تحته نمط أو قطيفة من ديباج، عليه اللأْمَةُ.

стр. 1805

فذكروا أن رسول الله ﷺ ، قال: "ذاك جبريل". وكان رسول الله ﷺ يُشَبِّهُ دِحْيَةَ الكلبي بجبريل، فقال: "الحقوني ببني قريظة، فصلّوا فيهم العصر". فقاموا ومن شاء الله من المسلمين، فانطلقوا إلى بني قريظة، فحانت صلاة العصر وهم بالطريق، فذكروا الصلاة، فقال بعضهم لبعض: ألم تعلموا أن رسول الله ﷺ أمركم أن تصلوا العصر في بني قريظة؟! وقال آخرون: هي الصلاة. فصلى منهم قوم، وأخرت طائفة الصلاة حتى صلَّوها في بني قُريظة بعد أن غابت الشمس، فذكروا لرسول الله ﷺ من عجَّل منهم الصلاة ومن أخّرها، فذكروا أن رسول الله ﷺ لم يعنّف واحدًا من الفريقين. قال: فلما رأى علي بن أبي طالب رسول الله ﷺ مقبلًا تلقاه وقال: ارجع يا رسول الله، فإن الله كافيك اليهود. وكان علي قد سمع منهم قولًا سيئًا لرسول الله ﷺ وأزواجه، ﵅، فكره عليٌّ أن يسمع ذلك رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "لم تأمرني بالرجوع؟ " فكتمه ما سمع منهم، فقال: "أظنُك سمعت لي منهم أذى، فامض فإن أعداء الله لو قد رأوني، لم يقولوا شيئًا مما سمعت". فلما نزل رسول الله ﷺ بحصنهم، وكانوا في أعلاه، نادى بأعلى صوته نفرًا من أشرافهم، حتى أسمعهم، فقال: "أجيبوا يا معشر يهود، يا إخوة القردة، قد نزل بكم خزي الله " ". فحاصرهم رسول الله ﷺ بكتائب المسلمين بضع عشرة ليلة، وردَّ الله حُيَي بن أخطب، حتى دخل حصن بني قُريظة، وقذف الله في قلوبهم الرعب، واشتد عليهم الحصار، فصرخوا بأبي لبابة بن عبد المنذر، وكانوا حلفاء الأنصار، فقال أبو لبابة: لا آتيهم حتى يأذن لي رسول الله ﷺ . فقال له رسول الله ﷺ : "قد أذنتُ لك". فأتاهم أبو لبابة فبكوا إليه وقالوا: يا أبا لبابة، ماذا ترى وماذا تأمرنا؟ فإنه لا طاقة لنا بالقتال. فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه، وأمرَّ عليه أصابعه، يريهم أنما يراد بكم القتل. فلما انصرف أبو لبابة سُقط في يده، ورأى أنه قد أصابته فتنة عظيمة، فقال: والله لا أنظر في وجه رسول الله ﷺ حتى أحدث لله توبة نصوحًا، يعلمها الله من نفسي. فرجع إلى المدينة، فربط يديه إلى جِذع من جذوع المسجد. وزعموا أنه ارتبط قريبًا من عشرين ليلة، فقال رسول الله ﷺ ، كما ذكر (١)، حين راث (٢) عليه أبو لبابة: "أما فرغ أبو لبابة من حلفائه؟ " قالوا: يا رسول الله، قد والله انصرف من عند الحصن، وما ندري أين سلك. فقال رسول الله ﷺ : "قد حدث لأبي لبابة أمر، ما كان عليه". فأقبل رجل من عند المسجد فقال: يا رسول الله، قد رأيت أبا لبابة ارتبط بحبل إلى جذع من جذوع المسجد. فقال رسول الله ﷺ :" لقد أصابته بعدي فتنة، ولو جاءني لاستغفرت له، وإذ قد فعل هذا فلن أُحَرِّكه من مكانه حتى يقضيَ الله فيه ما يشاء". وهكذا رواه ابن لهيعة (٣)، عن أبي الأسود، عن عُرْوَة.

стр. 1806

وكذا ذكره محمد بن إسحاق في "مغازيه" (١) في مثل سياق موسى بن عقبة، عن الزُّهري، ومثل رواية أبي الأسود، عن عُرْوَة. قال ابن إسحاق (٢): ونزل رسول الله ﷺ على بئر من آبار بني قريظة من ناحية أموالهم، يقال لها: بئر أُنا (٣)، فحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة، حتى جهدهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب، وقد كان حُيَي بن أخطب دخل معهم حصنهم، حين رجعت عنهم قريش وغطفان؛ وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه، فلما أيقنوا بأن رسول الله ﷺ غير منصرف عنهم حتى يناجزهم، قال كعب بن أسد: يا معشر يهود، قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإني عارض عليكم خلالًا ثلاثًا، فخذوا بما شئتم منها. قالوا: وما هن؟ قال: نتابع هذا الرجل ونُصَدِّقه، فوالله لقد تبين لكم أنه لَنبي مرسل، وأنه للذي تجدونه في كتابكم، فتأمنون به على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم. قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدًا، ولا نستبدل به غيره. قال: فإذا أبيتم عليَّ هذه، فهلمَّ فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالًا مصلتين بالسيوف، لم نترك وراءنا ثَقَلًا، حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإنْ نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلًا نخشى عليه، وإنْ نظهر فلعمري لنَجِدَنَ النساء والأبناء. قالوا: أنقتل هؤلاء المساكين؟ فما خير العيش بعدهم! قال: فإن أبيتم على هذه، فإن الليلة ليلة السبت، وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أَمَّنُونا فيه، فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غِرَّة. قالوا: أنفسد سبتنا ونُحدِث فيه ما لم يُحدِث فيه مَن كان قبلنا، إلا من قد علمت، فأصابه ما لم يخفَ عنك من المسخ. فقال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازمًا. ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله ﷺ أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف - وكانوا حلفاء الأوس - نستشيره في أمرنا. فأرسله رسول الله ﷺ ، فلما رأوه، قام إليه الرجال، وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه، فَرَقَّ لهم، وقالوا: يا أبا لبابة، أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: "نعم". وأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح. قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي من مكانهما، حتى عرفت أني قد خُنْتُ الله ورسوله ﷺ . ثم انطلق أبو لبابة على وجهه، ولم يأت رسول الله ﷺ حتَّى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده، وقال: لا أبرح مكاني حتى يتوب الله عليَّ مما صنعت. وعَاهَدَ الله؛ أن لا أطأ بني قُريظة أبدًا، ولا أُرى في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدًا.

стр. 1807

قال ابن هشام (١): وأنزل الله، فيما قال سفيان بن عُيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي قتادة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]. قال ابن هشام (٢): أقام مرتبطًا ست ليال، تأتيه امرأته في وقت كل صلاة، فتحله حتى يتوضأ ويصلي ثم يرتبط، حتى نزلت توبته في قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٢]. وقول موسى بن عقبة: إنه مكث عشرين ليلة مرتبطًا به، أشبه، والله أعلم. وذكر ابن إسحاق (٣) أن الله أنزل توبته على رسوله ﷺ من آخر الليل، وهو في بيت أُمِّ سلمة، فجعل يتبسّم (٤)، فسألته أُمُّ سلمة، فأخبرها بتوبة الله على أبي لبابة، فاستأذنته أن تبشّره، فأذن لها فخرجت فبشّرته، فثار الناس إليه يبشّرونه، وأرادوا أن يحلّوه من رباطه فقال: والله لا يحلني منه إلا رسول الله ﷺ . فلما خرج رسول الله ﷺ إلى صلاة الفجر حلَّه من رباطه، ﵁ وأرضاه. قال ابن إسحاق (٥): ثم إنَّ ثعلبة بن سَعْية، وأُسَيد بن سَعْيَةَ، وأسد بن عُبيد، وهم نفر من بني [هَدْلٍ]، ليسوا من بني قُريظة ولا النّضير، نسبُهم فوق ذلك، هم بنو عم القوم، أسلموا في تلك الليلة التي نزلت فيها قريظة على حكم رسول الله ﷺ . وخرج في تلك الليلة عمرو بن سُعدى القرظي، فمر بحرس رسول الله ﷺ ، وعليهم محمد بن مسلمة تلك الليلة، فلما رآه قال: من هذا؟ قال: [أنا] عمرو بن سُعْدى [وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول الله ﷺ ، وقال: لا أغدر بمحمد أبدًا]. فقال محمد بن مسلمة حين عرفه: اللهم لا تحرمني [إقالة] عثرات الكرام. ثم خفى سبيله، فخرج على وجهه، حتى بات في مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة تلك الليلة، ثم ذهب فلم يُدْرَ أين توجه من الأرض إلى يومه هذا. فذكر شأنه لرسول الله ﷺ فقال: "ذاك رجل نجَّاه الله بوفائه". وبعض الناس يزعم أنه كان أوثق برُمَّة فيمن أُوثق [من بني قريظة]، فأصبحت رُمَّته ملقاة، ولم يُدر أين ذهب، فقال رسول الله ﷺ فيه تلك المقالة، والله أعلم أيُّ ذلك كان. قال ابن إسحاق (٦): فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فتواثبت الأوس فقالوا: يا رسول الله، إنهم [كانوا] موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمتَ. يعنون عفوه عن بني قينقاع حين سأله فيهم عبد الله بن أُبي، كما تقدم.

стр. 1808

قال ابن إسحاق (١): فلما كلّمته الأوس قال رسول الله ﷺ : "يا معشر الأوس، ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟ " قالوا: بلى. قال: "فذلك إلى سعد بن معاذ" وكان رسول الله ﷺ [قد جعل سعد بن معاذ] في خيمة لامرأة من أسلم، يقال لها: رُفيدة. في مسجده، وكانت تداوي الجرحى، فلما حكَّمه في بني قريظة، أتاه قومه فحملوه على حمار قد وطَّؤوا له بوسادة من أَدَم، وكان رجلًا جسيمًا جميلًا، ثم أقبلوا معه إلى رسول الله ﷺ وهم يقولون: يا أبا عمرو، أحسن في مواليك، فإنَّ رسول الله ﷺ إنما ولَّاك ذلك لتحسن فيهم. فلما أكثروا [عليه] قال: قد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بني عبد الأشهل، فنعى لهم رجالَ بني قريظة قبل أن يصل إليهم سعد؛ عن كلمته التي سمع منه، فلمَّا انتهى سعد إلى رسول الله ﷺ والمسلمين، قال رسول الله ﷺ : "قوموا إلى سيِّدكم". فأما المهاجرون من قريش فيقولون: إنما أراد الأنصار. وأما الأنصار فيقولون: قد عمَّ رسول الله ﷺ المسلمين. فقاموا إليه فقالوا: يا أبا عمرو، إن رسول الله ﷺ قد ولَّاك أمر مواليك لتحكم فيهم. فقال سعد: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه، أن الحكم [فيهم] لما حكمتُ؟ قالوا: نعم. قال: وعلى من هاهنا؟ في الناحية التي فيها رسول الله ﷺ ، وهو معرض عن رسول الله ﷺ ؛ إجلالًا له، فقال رسول الله ﷺ : "نعم". قال سعد: فإني أحكم فيهم أن يقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتُسبى الذَّراري والنساء. قال ابن إسحاق (٢): فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن عمرو (٣) بن سعد بن معاذ، عن علقمة بن وقّاص اللَّيثي قال: قال رسول الله ﷺ لسعد: "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعةٍ (٤). وقال ابن هشام (٥): حدثني من أثق به من أهل العلم، أنَّ علي بن أبي طالب صاح وهم محاصرو بني قريظة: يا كتيبة الإيمان. وتقدم هو والزبير بن العوَّام، وقال: والله لأَذوقنَّ ما ذاق حمزةُ أو أقتحم حصنهم. فقالوا: يا محمد، ننزل على حكم سعد بن معاذ. وقد قال الإمام أحمد (٦): ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، سمعت أبا أُمامة بن سهل، سمعت أبا سعيد الخدري، قال: نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ. قال: فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد، فأتاه على حمار، فلمَّا دنا قريبًا من المسجد، قال رسول الله ﷺ : "قوموا إلى

стр. 1809

سَيِّدكم (١)، أو: خيركم". ثم قال: "إن هؤلاء نزلوا على حُكمك". قال: تُقْتَلُ مقاتلتهم وتسبى ذُرِّيتهم. قال: فقال رسول الله ﷺ : "قضيت بحكم الله". وربما قال: "قضيت بحكم الملِك". وفي رواية (٢): "المَلَكِ أخرجاه في "الصحيحين" (٣) من طرق عن شعبة. وقال الإمام أحمد (٤): ثنا حُجَينٌ ويونس، قالا: ثنا اللَّيث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، أنه قال: رمي يوم الأحزاب سعد بن معاذ، فقطعوا أكحله، فحسمه (٥) رسول الله ﷺ بالنار، فانتفخت يده، فحسمه أخرى (٦)، فانتفخت يده فنزفه، فلما رأى ذلك، قال: اللهم لا تخرج نفسي حتى تقرَّ عيني من بني قريظة. فاستمسك عرقه، فما قطر قطرةً حتى نزلوا على حكم سعد، فأرسل إليه، فحكم أن تقتل رجالهم، وتسبى نساؤهم، وذراريهم، يستعين بهم المسلمون، فقال رسول الله ﷺ : "أصبت حكم الله فيهم" وكانوا أربعمئة، فلمَّا فرغ من قتلهم، انفتق عرقه فمات. وقد رواه الترمذي والنسائي جميعًا (٧)، عن قتيبة، عن اللَّيث به، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الإمام أحمد (٨): ثنا ابن نُمير، عن هشام، أخبرني أبي، عن عائشة، قالت: لمَّا رجع رسول الله ﷺ من الخندق، ووضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل وعلى رأسه الغبار، فقال: قد وضعت السلاح فوالله ما وضعتها، اخرج إليهم. قال رسول الله ﷺ :" فأين؟ " قال: هاهنا. وأشار إلى بني فريظة، فخرج رسول الله ﷺ إليهم. قال هشام: فأخبرني أبي أنهم نزلوا على حكم النبي ﷺ ، فردَّ الحكم فيهم إلى سعد، قال: فإنِّي أحكم أن تقتل المقاتلة، وتسبى النساء والذرِّيَّة، وتقسم أموالهم. قال هشام: قال أبي: فأُخبرت أن رسول الله ﷺ قال: "لقد حكمت فيهم بحكم الله". وقال البخاري (٩): ثنا زكريا بن يحيى، ثنا عبد الله بن نمير، ثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: أُصيب سعد يوم الخندق، رماه رجل من قريش يقال له: حِبَّان بن العَرِقة، رماه في الأكحل، فضرب النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب، فلما رجع رسول الله ﷺ من الخندق، وضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل وهو ينفض رأسه من الغبار، فقال: قد وضعت السلاح والله ما وضعته، اخرج

стр. 1810

إليهم. قال النبي ﷺ : "فأين؟ " فأشار إلى بني قُريظة، فأتاهم رسول الله ﷺ فنزلوا على حكمه، فردَّ الحكم إلى سعد، قال: فإنِّي أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة، وأن تسبى النساء والذُّرِّيَّة، وأن تقسم أموالهم. قال هشام: فأخبرني أبي، عن عائشة، أن سعدًا قال: اللهم إنَّك تعلم أنه ليس أحد أحبَّ إليَّ أن أجاهدهم فيك، من قوم كذَّبوا رسولك وأخرجوه، اللهم فإني أظنّ أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء، فأبقني له حتى أجاهدهم فيك، وإن كنت وضعت الحرب، فافجرها واجعل موتي فيها. فانفجرت من لبَّته (١) فلم يرُعهم، وفي المسجد خيمة من بني غِفَار، إلّا الدَّمُ يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة، ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو (٢) جرحه دمًا، فمات منها. وهكذا رواه مسلم (٣) من حديث عبد الله بن نُمير، به. قلت: كان دعا أولًا بهذا الدعاء قبل أن يحكم في بني قريظة، ولهذا قال فيه: ولا تمتني حتى تقرَّ عيني من بني قريظة، فاستجاب الله له، فلما حكم فيهم، وأقرَّ الله عينه أتمَّ قرارٍ، دعا ثانيًا بهذا الدعاء، فجعلها الله له شهادة، ﵁ وأرضاه. وسيأتي ذكر وفاته قريبًا، إن شاء الله. وقد رواه الإمام أحمد (٤) من وجه آخر، عن عائشة مطولًا جدًّا، وفيه فوائد، فقال: ثنا يزيد، أنبأ محمد بن عمرو، عن أبيه، عن جدِّه علقمة بن وقّاص قال: أخبرتني عائشة، قالت: خرجت يوم الخندق أقفو الناس، فسمعت وئيد الأرض ورائي، فإذا أنا بسعد بن معاذ، ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجنَّة. قالت: فجلست إلى الأرض، فمرَّ سعد وعليه درع من حديد، قد خرجت منها أطرافه، فأنا أتخوَّف على أطراف سعد. قالت: وكان سعد من أعظم الناس وأطولهم، فمرَّ وهو يرتجز ويقول: [من الرجز] لَبِّثْ قليلًا يُدرك الهيجا حَمَلْ … مَا أَحْسَنَ الموتَ إذا حَانَ الأَجَلْ قالت: فقمت فاقتحمت حديقة، فإذا فيها نفر من المسلمين، وإذا فيهم عمر بن الخطاب، وفيهم رجل عليه تسبغة (٥) له؛ تعني المغفر، فقال عمر: ما جاء بك، والله إنكِ لجريئة، وما يؤمنكِ أن يكون بلاءٌ أو يكون تحوُّز. فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت لي ساعتئذ فدخلت فيها، فرفع الرجل التسبغة (٦) عن وجهه، فإذا هو طلحة بن عبيد الله، فقال: يا عمر، ويحك، إنك قد أكثرت منذ اليوم،

стр. 1811

وأين التحوُّز أو الفرار إلَّا إلى الله ؟ قالت: ويرمي سعدًا رجل من قريش، يقال له: ابن العَرِقة. وقال: خذها وأنا ابن العَرِقَة. فأصاب أكحله فقطعه، فدعا الله سعد، فقال: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة. قالت: وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية. قالت: فرقأ كَلْمُهُ، وبعث الله الريح على المشركين، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾ [الأحزاب: ٢٥]. فلحق أبو سفيان ومن معه بتِهَامة، ولحق عُيينة بن بدر ومن معه بنجد، ورجعت بنو قريظة فتحصّنوا في صياصيهم (١)، ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، وأمر بقبَّة من أَدَمٍ فضربت على سعد في المسجد. قالت: فجاءه جبريل، وإنَّ على ثناياه لنقعَ الغبار، فقال: أقد وَضَعْتَ السلاح؟ لا والله ما وضعتِ الملائكة السلاح بعدُ، اخرج إلى بني قُريظة فقاتلهم. قالت: فلبس رسول الله ﷺ لأْمَتَهُ، وأذَّن في الناس بالرَّحيل أن يخرُجوا، فمرَّ على بني غَنْم، وهم جيران المسجد حوله، فقال: "من مرَّ بكم؟ " قالوا: مرَّ بنا دِحْيَةُ الكلبيُّ. وكان دِحْيَةُ الكلبيُّ تشبه لحيته وسنُّه ووجهه جبريل، ﵇، فأتاهم رسول الله ﷺ فحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة، فلمَّا اشتد حصرهم واشتدَّ البلاء، قيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله ﷺ . فاستشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأشار إليهم أنَّه الذَّبح، قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ. فقال رسول الله ﷺ : "انزلوا على حكم سعد بن معاذ". فأتي به على حمار عليه إكاف من ليف، قد حمل عليه وحفَّ به قومه، فقالوا: يا أبا عمرو، حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية ومن قد علمت. قالت: ولا يرجع إليهم شيئًا، ولا يلتفت إليهم، حتى إذا دنا من دورهم التفت إلى قومه، فقال: قد آن لي أن لا أبالي في الله لومة لائم. - قال: قال أبو سعيد: فلما طلع قال رسول الله ﷺ : "قوموا إلى سيِّدكم فأنزلوه". قال عمر: سيدنا الله. - قال: "أنزلوه". فأنزلوه، قال رسول الله ﷺ : "احكم فيهم". فقال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وتُسبى ذراريهم، وتقسم أموالهم. فقال رسول الله ﷺ : "لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله". ثم دعا سعد، فقال: اللهمَّ إن كنتَ أبقيت على نبيِّك ﷺ من حرب قريش شيئًا، فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم، فاقبضني إليك. قالت: فانفجر كلْمُه، وكان قد برئ حتى لا يرى منه إلَّا مثل الخرص، ورجع إلى قبَّته التي ضرب عليه رسول الله ﷺ . قالت عائشة: فحضره رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر. قالت: فوالذي نفس محمد بيده، إنِّي لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وأنا في حجرتي، وكانوا كما قال الله تعالى: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. قال علقمة: فقلت: يا أُمَّه، فكيف كان رسول الله ﷺ يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد، ولكنَّه إذا وجد، فإنَّما هو آخذ بلحيته. وهذا الحديث إسناده جيد (٢)، وله شواهد من وجوه كثيرة. وفيه التَّصريح بدعاء سعد مرتين؛ مرَّة

стр. 1812

قبل حكمه في بني قريظة، ومرة بعد ذلك كما قلناه أولًا، ولله الحمد والمنَّة، وسنذكر كيفية وفاته (١) ودفنه وفضله في ذلك، ﵁ وأرضاه، بعد فراغنا من القصة. قال ابن إسحاق (٢): ثم استنزلوا فحبسهم رسول الله ﷺ بالمدينة في دار بنت الحارث، امرأة من بني النَّجَّار. - قلت: هي نسيبة بنت الحارث بن كرز بن حبيب بن عبد شمس، وكانت تحت مسيلمة الكذَّاب، ثم خلف عليها عبد الله بن عامر بن كريز. ثم خرج إلى سوق المدينة، فخندق بها خنادق، ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق، فخُرج بهم إليه أرسالًا، وفيهم عدوُّ الله حييُّ بن أخطب، وكعب بن أسد، رأس القوم، وهم ستُمئة أو سبعمئة، والمكثِّر لهم يقول: كانوا ما بين الثمانمئة والتِّسعمئة. قلت: وقد تقدَّم فيما رواه اللَّيث، عن أبي الزبير، عن جابر، أنَّهم كانوا أربعمئة، فالله أعلم. قال ابن إسحاق (٣): وقد قالوا لكعب بن أسد وهم يُذْهَبُ بهم إلى رسول الله ﷺ أرسالًا: يا كعب، ما تُراه يُصنع بنا؟ قال: أفي كل موطن لا تعقلون! ألا ترون الداعى لا ينزع! وأنَّه من ذهب به منكم لا يرجع، هو والله القتل. فلم يزل ذلك الدَّأب حتى فرغ منهم، وأُتي بحييِّ بن أخطب وعليه حلَّة له فُقّاحيَّة، قد شقها عليه من كل ناحية قدر أُنملةٍ؛ لئلّا يُسلبها، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، فلمَّا نظر إلى رسول الله ﷺ قال: أما والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولكنَّه من يخذل الله يخذل. ثم أقبل على الناس فقال: أيُّها الناس، إئه لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر وملحمة كتبها الله على بني إسرائيل. ثم جلس فضربت عنقه، فقال جبل بن جوَّال الثعلبيُّ: [من الطويل] لعمرك ما لام ابنُ أخطب نفسه … ولكنَّه من يخذُل الله يُخْذَلِ لجاهد حتى أبلغ النَّفس عُذرها … وقَلْقَل يبغي العِزَّ كلَّ مُقَلْقَلِ وقد ذكر ابن إسحاق (٤) قصة الزبِير بن باطا، وكان شيخًا كبيرًا، وكان قد منَّ يوم بعاث على ثابت بن قيس بن شمَّاس، وجز ناصيته، فلمَّا كان هذا اليوم أراد أن يكافئه فجاءه فقال: هل تعرفني يا أبا عبد الرحمن؟ قال: وهل يجهل مثلي مثلك؟ فقال له ثابت: أُريد أن أُكافئك. فقال: إنَّ الكريم يجزي [الكريم]. فذهب ثابت إلى رسول الله ﷺ فاستطلقه؛ فأطلقه له، ثم جاءه فأخبره، فقال: شيخ كبير لا أهل [له] ولا ولد، فما يصنع بالحياة؟ فذهب إلى رسول الله ﷺ فاستطلق له امرأته وولده، فأطلقهم له، ثم جاءه، فأخبره فقال: أهل [بيت] بالحجاز لا مال [لهم]، فما بقاؤهم على ذلك؟ فأتى ثابت إلى رسول الله ﷺ فاستطلق مال الزبِير بن باطا، فأطلقه له، ثم جاءه فأخبره، فقال له: يا ثابت، ما فعل

стр. 1813

الذي كان وجهه مرآة صينيَّة تتراءى فيها عذارى الحيّ؟ يعني كعب بن أسد. قال: قتل. قال: فما فعل سيِّد الحاضر والبادي حُييُّ بن أخطب؟ قال: قتل. قال: فما فعل مقدِّمتنا إذا شددنا (١) وحاميتنا إذا فررنا؛ عزَّال بن شموأل؟ قال: قتل. قال: فما فعل المجلسان؟ يعني بني كعب بن قُريظة وبني عمرو بن قُريظة. قال: ذهبوا قتلوا. قال: فإنِّي أسألك يا ثابت، بيدي عندك، إلَّا ألحقتني بالقوم، فوالله ما في العيش بعد هؤلاء من خير، فما أنا بصابر لله فيلة دلو ناضحٍ حتى ألقى الأحبَّة. فقدَّمه ثابت فضربت عنقه، فلمَّا بلغ [أبا بكر] الصدِّيق قوله: ألقى الأحبَّة. قال: يلقاهم والله في نار جهنم خالدًا فيها مخلَّدًا. قال ابن إسحاق: "فيلة". بالفاء [والياء المثنَّاة من أسفل]. وقال ابن هشام (٢): بالقاف والباء الموحَّدة. وقال ابن هشام: الناضح: البعير الذي يستقي الماء لسقي النَّخل. وقال أبو عُبيدة: معناه إفراغة دلو. قال ابن "إسحاق (٣): وكان رسول الله ﷺ قد أمر بقتل [كلِّ] من أنبت منهم، فحدَّثني شعبة بن الحجَّاج، عن عبد الملك بن عمير، عن عطيَّة القرظيِّ قال: كان رسول الله ﷺ قد أمر أن يقتل من بني قريظة كل من أنبت [منهم]، وكنت غلامًا، فوجدوني لم أُنبت فخلَّوا سبيلي. ورواه أهل "السنن الأربعة (٤) "، من حديث عبد الملك بن عُمير، عن عطية القرظيِّ نحوه. وقد استدلَّ به من ذهب من العلماء إلى أنَّ إنبات الشَّعر الخشن حول الفرج دليل على البلوغ، بل هو بلوغ في أصحِّ قولي الشافعيِّ. ومن العلماء من يفرِّق بين صبيان أهل الذمَّة، فيكون بلوغًا في حقهم دون غيرهم؛ لأن المسلم قد يتأذَّى بذلك المقصد. وقد روى ابن إسحاق (٥)، عن أيوب بن عبد الرحمن، أن سلمى بنتَ قيس أُمَّ المنذر استطلقت من رسول الله ﷺ رفاعة بن سِمْوالَ، وكان قد بلغ، فلاذ بها، وكان يعرفهم قبل ذلك، فأطلقه لها، وكانت قالت: يا رسول الله، إن رفاعة يزعم أنَّه سيصلِّي ويأكل لحم الجمل. فأجابها إلى ذلك فأطلقه.

стр. 1814

قال ابن إسحاق (١): وحدَّثني محمد بن جعفر بن الزُّبير، عن عروة، عن عائشة، قالت: لم يقتل من نسائهم إلَّا امرأة واحدة. قالت: والله إنَّها لعندي تحدَّث معي تضحك ظهرًا وبطنًا، ورسول الله ﷺ يقتل رجالها في السوق، إذ هتف هاتف باسمها: أين فلانة؟ قالت: أنا والله. قالت: قلت لها: ويلك ما لك؟ قالت: أُفتل. قلت: ولم؟ قالت: لحدث أحدثتُه. قالت: فانطلق بها فضربت عنقها. وكانت عائشة، تقول: فوالله ما أنسى عجبًا منها؛ طِيب نفسها وكثرة ضحكها، وقد عرفت أنَّها تُقتل. وهكذا رواه الإمام أحمد (٢)، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، به. قال ابن إسحاق (٣): هي التي طرحت الرَّحا على خلَّاد بن سويد فقتلته. يعني فقتلها رسول الله ﷺ به (٤). قاله ابن إسحاق في موضع آخر، وسمَّاها نُباتة (٥) امرأة الحكم القرظيِّ. قال ابن إسحاق (٦): ثم إنَّ رسول الله ﷺ قسم أموال بني قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين بعدما أخرج الخمس، وقسم للفارس ثلاثة أسهم؛ سهمين للفرس، وسهمًا لراكبه، وسهمًا للراجل، وكانت الخيل يومئذ ستًا وثلاثين. قال: وكان أول فيء وقعت فيه السُّهمان وخُمِّس. قال ابن إسحاق (٧): وبعث رسول الله ﷺ سعد بن زيد بسبايا من بني قريظة إلى نجد، فابتاع بها خيلًا وسلاحًا، وكان رسول الله ﷺ قد اصطفى من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خُنافة، إحدى نساء بني عمرو بن قريظة، وكان عليها حتى توفِّي عنها وهي في ملكه، وقد كان رسول الله ﷺ عرض عليها الإسلام فامتنعت، ثم أسلمت بعد ذلك، فسرَّ رسول الله ﷺ بإسلامها، وقد عرض عليها أن يعتقها ويتزوَّجها، فاختارت أن تستمرَّ على الرِّقِّ ليكون أسهل عليها، فلم تزل عنده حتى توفي، ﵊. ثم تكلم ابن إسحاق (٨) على ما نزل من الآيات في قصة الخندق من أول سورة الأحزاب. وقد ذكرنا ذلك مستقصىً في تفسيرها (٩)، ولله الحمد والمنَّة.

стр. 1815

وقد قال ابن إسحاق (١): واستُشهد من المسلمين يوم بني قريظة خلَّاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو الخزرجيُّ، طرحت عليه رحًا فشدخته شدخًا شديدًا، فزعموا أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ له لأجر شهيدين". قلت: كان الذي ألقى عليه الرَّحا، تلك المرأة التي لم يُقتل من بني قُريظة امرأة غيرها، كما تقدَّم، والله أعلم. قال ابن إسحاق (٢): ومات أبو سنان بن محصن بن حُرثان من بنى أسد بن خزيمة، ورسول الله ﷺ محاصر بني قريظة، فدفن في مقبرتهم اليوم. * * * وفاة سعد بن معاذ (٣) ﵁ قد تقدَّم أن حبَّان بن العَرِقة، لعنه الله، رماه بسهم فأصاب أكحله، فحسمه رسول الله ﷺ كيًا بالنار، فاستمسك الجرح، وكان سعد قد دعا الله أن لا يميته حتى يقرَّ عينه من بني قريظة، وذلك حين نقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله ﷺ من العهود والمواثيق والذِّمام، ومالوا عليه مع الأحزاب، فلمَّا ذهب الأحزاب وانقشعوا عن المدينة، وباءت (٤) بنو قريظة بسواد الوجه والصَّفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة، وسار إليهم رسول الله ﷺ ليحاصرهم كما تقدَّم، فلمَّا ضيَّق عليهم وأخذهم من كل جانب، أنابوا إلى أن ينزلوا على حكم رسول الله ﷺ فيحكم فيهم بما أراه الله، فردَّ الحكم فيهم إلى رئيس الأوس، وكانوا حلفاءهم في [الجاهليَّة]، وهو سعد بن معاذ، فرضوا بذلك، ويقال: بل نزلوا ابتداء (٥) على حكم سعد؟ لما يرجون من حنوِّه عليهم وإحسانه وميله إليهم، ولم يعلموا بأنَّهم أبغض إليه من أعدادهم من القردة والخنازير؛ لشدَّة إيمانه وصدِّيقيَّته، ﵁ وأرضاه، فبعث إليه رسول الله ﷺ ، وكان في خيمة في المسجد النبويِّ، فجيء به على حمار تحته إكافٌ قد وطِّئ تحته لمرضه، ولمَّا قارب خيمة الرسول ﷺ أمر ﵇ من هناك بالقيام له، قيل: لينزَّل من شدَّة مرضه. وقيل: توقيرًا له بحضرة المحكوم عليهم؛ ليكون أبلغ في نفوذ حكمه، والله أعلم، فلمَّا حكم فيهم بالقتل والسَّبي، وأقرَّ الله عينه وشفى صدره منهم، وعاد إلى خيمته من المسجد النبويِّ صحبة رسول الله ﷺ ، دعا الله ، أن

стр. 1816

تكون له شهادة، واختار الله له ما عنده، فانفجر جرحه من الليل، فلم يزل يخرج منه الدم حتى مات، ﵁. قال ابن إسحاق (١): فلمَّا انقضى شأن بني قُريظة انفجر بسعد بن معاذ جرحه، فمات منه شهيدًا. حدَّثني معاذ بن رفاعة الزُّرقيُّ، قال: حدَّثني من شئت من رجال قومي، أنَّ جبريل أتى رسول الله ﷺ ، حين قبض سعد بن معاذ، من جوف الليل، معتجرًا بعمامة من إستبرق، فقال: يا محمد، من هذا الميِّت الذي فتحت له أبواب السماء، واهتزَّ له العرش (٢)؟ قال: فقام رسول الله ﷺ سريعًا يجرُّ ثوبه إلى سعد، فوجده قد مات، ﵁. هكذا ذكره ابن إسحاق، ﵀. وقد قال الحافظ البيهقيُّ في "الدلائل" (٣): حدَّثنا أبو عبد الله الحافظ، حدَّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدَّثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدَّثنا أبي وشعيب بن اللَّيث، قالا: حدَّثنا اللَّيث بن سعد، عن يزيد بن الهاد، عن معاذ بن رِفَاعة، عن جابر بن عبد الله قال: جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ فقال: من هذا العبد الصالح الذي مات ففتحت له أبواب السماء، وتحرَّك له العرش؟ قال: فخرج رسول الله ﷺ فإذا سعد بن معاذ. قال: فجلس رسول الله ﷺ على قبره وهو يدفن، فبينما هو جالس إذ قال: "سبحان الله" مرَّتين، فسبَّح القوم. ثم قال: "الله أكبر، الله أكبر". فكبَّر القوم. فقال رسول الله ﷺ : "عجبت لهذا العبد الصالح، شُدَّد عليه في قبره، حتى كان هذا حين فُرِّج له". وروى الإمام أحمد والنَّسائي من طريق يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، ويحيى بن سعيد، عن معاذ بن رفاعة، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ لسعد يوم مات وهو يدفن: "سبحان الله لهذا العبد الصالح الذي تحرَّك له عرش الرحمن، وفتحت له أبواب السماء، شدَّد عليه، ثم فرَّج الله عنه" (٤). وقال محمد بن إسحاق (٥): حدَّثني معاذ بن رفاعة، عن محمود بن عبد الرحمن بن عمرو بن الجموح، عن جابر بن عبد الله قال: لمَّا دفن سعد ونحن مع رسول الله ﷺ ، سبَّح رسول الله ﷺ ، فسبَّح الناس معه، ثم كبَّر فكبَّر الناس معه، فقالوا: يا رسول الله، ممَّ سبَّحت؟ قال: "لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره، حتى فرَّجه الله عنه". وهكذا رواه الإمام أحمد (٦)، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق، به.

стр. 1817

قال ابن هشام (١): ومجاز هذا الحديث قول عائشة: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ للقبر ضمَّة، لو كان أحد منها ناجيًا لكان سعد بن معاذ". قلت: وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد (٢): حدَّثنا يحيى، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن نافع، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: "إن للقبر ضغطة، ولو كان أحد ناجيًا منها لنجا سعد بن معاذ". وهذا الحديث سنده على شرط "الصحيحين" إلَّا أن الإمام أحمد رواه عن غندر، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن إنسان، عن عائشة، به (٣). وقد رواه الحافظ البزَّار (٤)، عن نافع، عن ابن عمر قال: [حدَّثنا عبد الأعلى بن حمَّاد، حدَّثنا داود بن عبد الرحمن، حدَّثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال:] قال رسول الله ﷺ : "لقد هبط يوم مات سعد بن معاذ سبعون ألف مَلك إلى الأرض، لم يهبطوا قبل ذلك، ولقد ضمَّه القبر ضمَّة". قال: ثم بكى نافع. وهذا إسناد جيد، لكن قال البزَّار: رواه غيره، عن عبيد الله، عن نافع مرسلًا. ثم رواه البزَّار (٥)، عن سليمان بن سيف، عن أبي عتَّاب، عن مسكين بن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد بن الخطاب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد نزل لموت سعد بن معاذ سبعون ألف ملك، ما وطئوا الأرض قبلها". وقال حين دفن: "سبحان الله لو انفلت أحد من ضغطة القبر لانفلت منها سعد". قال البزَّار (٦): [حدَّثنا] إسماعيل بن حفص، حدَّثنا محمد بن فضيل، حدَّثنا عطاء بن السَّائب، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: اهتزَّ العرش لحبِّ لقاء الله سعد بن معاذ. قال: فقال: إنَّما يعني السَّرير. ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠]. قال: تفسَّخت أعواده. قال: ودخل رسول الله ﷺ قبره فاحتبس، فلمَّا خرج قيل له: يارسول الله، ما حبسك؟ قال: "ضمَّ سعد في القبر ضمَّة،

стр. 1818

فدعوت الله فكشف عنه". قال البزَّار: تفرَّد به عطاء بن السائب. قلت: وهو متكلَّم فيه (١). وقد ذكر البيهقي (٢)، ﵀، بعد روايته ضمَّة سعد، ﵁، في القبر، أثرًا غريبًا فقال: حدَّثنا أبو عبد الله الحافظ، حدَّثنا أبو العباس، حدَّثنا أحمد بن عبد الجبَّار، حدَّثنا يونس، عن ابن إسحاق، حدَّثني أُميَّة بن عبد الله أنَّه سأل بعض أهل سعد: ما بلغكم من قول رسول الله ﷺ في هذا؟ فقالوا: ذكر لنا أنَّ رسول الله ﷺ سئل عن ذلك فقال: "كان يقصِّر في بعض الطُّهور من البول". وقال البخاريُّ (٣): حدَّثنا محمد بن المثنَّى، حدَّثنا الفضل بن مساور، حدَّثنا أبو عوانة عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: سمعت النبيَّ ﷺ يقول: "اهتزَّ العرش لموت سعد بن معاذ". وعن الأعمش (٤)، حدَّثنا أبو صالح، عن جابر، عن النبيِّ ﷺ مثله، فقال رجل لجابر: فإن البراء بن عازب يقول: اهتزَّ السَّرير. فقال: إنَّه كان بين هذين الحيَّين ضغائن، سمعت النبيَّ ﷺ يقول: "اهتزَّ عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ". ورواه مسلم، عن عمرو الناقد، عن عبد الله بن إدريس، وابن ماجه، عن عليِّ بن محمد، عن أبي معاوية، كلاهما عن الأعمش، به. وليس عندهما زيادة قول الأعمش، عن أبي صالح، عن جابر (٥). وقال أحمد (٦): ثنا عبد الرزاق، [عن] ابن جريج، أخبرني أبو الزُّبير، أنَّه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ [يقول] وجنازة سعد بن معاذ بين أيديهم: "اهتزَّ لها عرش الرحمن". ورواه مسلم (٧)، عن عبد بن حميد، والتِّرمذيُّ، عن محمود بن غيلان، كلاهما عن عبد الرزاق، به. وقال الإمام أحمد (٨): ثنا يحيى بن سعيد، ثنا عوف، ثنا أبو نضرة، سمعت أبا سعيد، عن النبيِّ ﷺ : "اهتزَّ العرش لموت سعد بن معاذ". ورواه النسائيُّ (٩)، عن يعقوب بن إبراهيم، عن يحيى، به.

стр. 1819

وقال أحمد (١): ثنا عبد الوهَّاب، عن سعيد، قال قتادة: ثنا أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال وجنازته موضوعة: "اهتزَّ لها عرش الرحمن". ورواه مسلم (٢) عن محمد بن عبد الله الرُّزِّيِّ، عن عبد الوهَّاب، به. وقد روى البيهقيُّ (٣) من حديث المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحسن البصريِّ قال: اهتزَّ عرش الرحمن فرحًا بروحه. وقال الحافظ البزَّار (٤): ثنا زهير بن محمد، أخبرنا عبد الرَّزاق (٥)، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أنس قال: [لما] حملت جنازة سعد قال المنافقون: ما أخفَّ جنازته. وذلك لحكمه في بني قريظة، فسئل رسول الله ﷺ فقال: "لا، ولكنَّ الملائكة كانت تحمله". إسناد جيد. وقال البخاريُّ (٦): ثنا محمد بن بشار، ثنا غندر، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمعت البراء بن عازب يقول: أُهديت للنبيِّ ﷺ حلَّة حرير، فجعل أصحابه يمسُّونها، ويعجبون من لينها، فقال: "أتعجبون من لين هذه، لمناديل سعد بن معاذ خير منها أو ألين". ثم قال: رواه قتادة والزهريُّ، سمعنا أنسًا، عن النبي ﷺ . وقال أحمد (٧): ثنا عبد الوهَّاب، عن سعيد، هو ابن أبي عَرُوبَة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أنَّ أُكَيْدِر دُومة أهدى إلى رسول الله ﷺ جُبَّة، وذلك قبل أن ينهى عن الحرير، فلبسها، فعجب الناس منها، فقال: "والذي نفس محمد بيده، لمناديل سعد في الجنة أحسن من هذه". وهذا إسناد على شرط الشيخين، ولم يخرجوه، وإنَّما ذكره البخاريُّ تعليقًا (٨). وقال أحمد (٩): ثنا يزيد، ثنا محمد بن عمرو، حدَّثني واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ - قال محمد: وكان واقد من أحسن الناس وأعظمهم وأطولهم - قال: دخلت على أنس بن مالك فقال لي: من أنت؟ قلت: أنا واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ. فقال: إنَّك بسعد لشبيه. ثم بكى وأكثر البكاء،

стр. 1820

وقال: رحمة الله على سعد، كان من أعظم الناس وأطولهم. ثم قال: بعث رسول الله ﷺ جيشًا إلى أُكَيْدِر دُومة، فأرسل إلى رسول الله ﷺ بجُبَّة من ديباج، منسوج فيها الذهب، فلبسها رسول الله ﷺ ، فقام على المنبر، أو جلس، قلم يتكلَّم، ثم نزل فجعل الناس يلمسون الجُبَّة، وينظرون إليها، فقال رسول الله ﷺ : "أتعجبون منها؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن ممَّا ترون". وهكذا [رواه] الترمذيُّ والنِّسائيُّ (١)، من حديث [محمد بن] عمرو به، وقال الترمذيُّ: حسن صحيح. قال ابن إسحاق (٢)، بعد ذكر اهتزاز العرش لموت سعد بن معاذ: وفي ذلك يقول رجل من الأنصار: [من الطويل] وما اهتزَّ عرش الله من موت هالك … سمعنا به إلَّا لسعدٍ أبي عمرو قال: وقالت أمُّه - يعني كُبيشةَ بنت رافع بن معاوية بن عبيد بن ثعلبة الخدريَّة الخزرجيَّة - حين احتمل سعد على نعشه تندبه: [من مجزوء الرجز] ويل امِّ سعد سعدا … صرامة وحدّا وسُؤددًا ومجدا … وفارسًا معدا سدَّ به مسدا … [يقدُّ هامًا قدّا] قال: يقول رسول الله ﷺ : "كلُّ نائحة تكذب إلَّا نائحة سعد بن معاذ". قلت: كانت وفاته بعد انصراف الأحزاب بنحو من خمس وعشرين ليلة، وكان قدوم الأحزاب (٣) في شوَّال سنة خمس كما تقدَّم، فأقاموا قريبًا من شهر، ثم خرج رسول الله ﷺ لحصار بني قُريظة فأقام عليهم خمسًا وعشرين ليلة، ثم نزلوا على حكم سعد، فمات بعد حكمه عليهم بقليل، فيكون ذلك في أواخر ذي القعدة أو أوائل ذي الحجَّة من سنة خمس، والله أعلم. وهكذا قال محمد بن إسحاق (٤): إن فتح بني قريظة كان في ذي القعدة وصدر ذي الحجَّة. قال: وولي تلك الحجَّة المشركون. قال ابن إسحاق (٥): وفال حسَّان بن ثابث (٦) يرثي سعد بن معاذ، ﵁: [من الطويل]

стр. 1821

لقد سَجَمَت (١) من دمع عينيَ عبرةٌ … وحُقَّ لعيني أن تفيضَ على سعدِ قتيلٌ ثوى في معرك فجعتْ بهِ … عيون ذواري الدمع دائمة الوَجدِ على مِلَّة الرحمن وارث جَنًّةٍ … مع الشُّهداء وَفْدُهَا أَكْرَمُ الوفدِ فإن تك قد ودَّعتَنا وتركتنا (٢) … وأمسيتَ في غبراءَ مظلمةِ اللَّحدِ فأنت الذي يا سعد أُبت بمشهد … كريم وأثواب المكارم والحمدِ بحكمك في حيَّي قُريظة بالذي … قضى الله فيهم ما قضيتَ على عمدِ فوافق حكمَ الله حكمُكَ فيهمُ … ولم تعفُ إذ ذكِّرت ما كان من عهدِ فإن كان ريب الدَّهر أمضاك في الألى (٣) … شَروا هذه الدنيا بجنَّاتها (٤) الخُلْدِ فنعمَ مَصِيرُ الصَّادقين إذا دُعُوا … إلى الله يومًا للوجاهةِ والقَصْدِ * * * فصل فيما قيل من الأشعار في الخندق وبني قُرَيْظَةَ قال البخاريُّ (٥): ثنا حجَّاج بن منهال، ثنا شعبة، ثنا عديُّ بن ثابت، أنه سمع البَرَاء بن عازب قال: قال النبيُّ ﷺ لحسَّان: "اهجهم - أو هاجهم - وجبريل معك". قال البخاريُّ (٦): وزاد إبراهيم بن طَهْمَان، عن الشَّيبانيِّ، عن عديِّ بن ثابت، عن البَرَاء بن عازب قال: قال النبيُّ ﷺ يوم قُريظة لحسَّان بن ثابت: "اهج المشركين، فإنَّ جبريل معك". وقد رواه البخاريُّ أيضًا، ومسلم والنَّسائي (٧)، من طرق، عن شعبة، بدون الزيادة التي ذكرها البخاريُّ يوم بني قُريظة. قال ابن إسحاق (٨)، ﵀: وقال ضرار بن الخَطَّاب بن مرداس، أخو بني مُحَارب بن فهر في يوم الخندق - قلت: وذلك قبل إسلامه -: [من الوافر]

стр. 1822

ومشفقةٍ تظنُّ بنا الظُّنونا … وقد قُدنا عَرندسةً طَحُونَا كأنَّ زُهاءها أُحُدٌ إذا ما … بدت أركانُه للناظرينَا ترى الأبدان فيها مُسبِغات … على الأبطال واليَلَبَ الحصينَا وجُردًا (١) كالقداح مسوَّمات … نؤمُّ بها الغُواة الخاطئينَا كأنَّهمُ إذا صالوا وصلنا … بباب الخندفين مصافحونَا أُناس لا نرى فيهم رشيدًا … وقد قالوا ألسنا راشدينَا فأحجرناهمُ شهرًا كريتا (٢) … وكنَّا فوقهم كالقاهرينَا نراوحهم ونغدو كلَّ يوم … عليهم في السِّلاح مدجَّجينَا بأيدينا صوارم مُرهفات … نقدُّ بها المفارق والشُّؤونَا كأنَّ وميضهنَّ معرَّياتٍ … إذا لاحت بأيدي مصلِتينَا وميض عقيقة لَمعت بليلٍ … ترى فيها العقائق مستبينَا فلولا خندقٌ كانوا لديه … لدمَّرنا عليهم أجمعينَا ولكن حال دونهمُ وكانوا … به من خوفنا متعوِّذينا فإن نرحل فإنَّا قد تركنا … لدى أبياتكم سعدًا رهينا إذا جنَّ الظّلام سمعت نَوْحَى … على سعد يرجِّعن الحنينا وسوف نزوركم عمَّا قريبٍ … كما زرناكم متوازرينَا بجمع من كنانة غير عُزْلٍ … كأُسد الغاب إذ حَمَتِ العرينَا قال: فأجابه كعب بن مالك أخو بني سلمة، ﵁ (٣)، فقال: [من الوافر] وسائلةٍ تُسائل ما لقينا … ولو شهدت رأتنا صابرينَا صبرنا لا نرى لله عِدلًا … على ما نابنا متوكِّلينَا وكان لنا النَّبيُّ وزيرَ صدقٍ … به نعلو البريَّة أجمعينَا نقاتل معشرًا ظلموا وعقُّوا … وكانوا بالعداوة مُرصدينَا نعاجلهم إذا نهضوا إلينا … بضرب يُعْجِلُ المُتَسرِّعينَا ترانا في فضافضَ سابغات … كغدران المَلَا متسربلينَا وفي أيماننا بيض خِفَافٌ … بها نشفي مراح الشاغبينَا بباب الخندقين كأنَّ أُسدًا … شوابكهنَّ يحمين العرينَا

стр. 1823

فوارسنا إذا بكروا وراحوا … على الأعداء شوسًا معلِمينَا لننصر أحمدًا والله حتى … نكون عباد صدق مخلصينَا ويعلم أهل مكَة حين ساروا … وأحزابٌ أتوا متحزِّبينَا بأنَّ الله ليس له شريك … وأنَّ الله مولى المؤمنينَا فإما تقتلوا سعدًا سَفاهًا … فإن الله خير القادرينَا سيدخله جنانًا طيِّبات … تكون مُقامة للصَّالحينَا كما قد ردَّكم فلًّا شريدًا … بغيظكمُ خزايا خائبينَا خزايا لم تنالوا ثَمَّ خيرًا … وكدتم أن تكونوا دامرينَا بريح عاصف هبَّت عليكم … فكنتم تحتها متكمِّهينَا قال ابن إسحاق (١): وقال عبد الله بن الزِّبعرى السَّهميُّ (٢) في يوم الخندق - قلت: وذلك قبل أن يُسْلِم -: [من الكامل] حيِّ الدِّيار محَا معارف رسمها … طولُ البلى وتراوح الأحقابِ فكأنما كتب اليهودُ رسومها … إلا الكنيف ومعقد الأطنابِ قفرًا كأنَّك لم تكن تلهو بها … في نعمة بأوانس أترابِ فاترك تذكُّر ما مضى من عيشة … ومحلَّة خلَق المقام يبابِ واذكر بلاء معاشر واشكرهمُ … ساروا بأجمعه من الأنصابِ أنصابِ مَكَّة عامدين ليثربٍ … في ذي غياطل جحفل جبجاب (٣) يدع الحُزون (٤) مناهجًا معلومة … في كلِّ نشز ظاهر وشعابِ فيها الجياد شوازب مجنوبة (٥) … قبُّ البطون لواحق الأقرابِ من كلِّ سَلهبة (٦) وأجرد سلهب … كالسِّيد بادر غفلة الرُّقابِ جيشٌ عيينةُ قاصد بِلوائه … فيه وصخر قائد الأحزابِ

стр. 1824

قرمان (١) كالبدرين أصبح فيهما … غيث الفقير ومعقل الهرَّابِ حتَّى إذا وردوا المدينة وارتدوا … للموت كلَّ مجرَّب قضَّابِ شهرًا وعشرًا قاهرين محمدًا … وصحابه في الحرب خير صحابِ نادوا برحلتهم صبيحة قلتمُ … كدنا نكون بها مع الخيَّابِ لولا الخنادق غادروا من جمعهم … قتلى لطيرٍ سُغَّبٍ وذئابِ قال: فأجابه حسان بن ثابت (٢)، ﵁، فقال: [من الكامل] هل رسمُ دارسةِ المقام يباب … متكلَّم لمحاور بجوابِ قفرٌ عفا رِهَم السَّحاب رُسومه … وهبوب كلِّ مُطلَّة مربابِ (٣) ولقد رأيت بها الحلول يزينهُمْ … بيض الوجوه ثواقب الأحسابِ فدع الدِّيار وذكر كلِّ خريدة … بيضاء آنسة الحديث كَعابِ واشك الهموم إلى الإله وما ترى … من معشر ظلموا الرسول غضابِ ساروا بجمعهمُ إليه وألَّبوا … أهل القرى وبوادي الأعرابِ جيشٌ عيينة وابن حرب فيهمُ … متخمِّطون (٤) بحلبة الأحزابِ حتى إذا وردوا المدينة وارتجَوا … قتل الرسول ومغنم الأسلابِ وغدوا علينا قادرين بأيدهم (٥) … رُدُّوا بغيظهمُ على الأعقابِ بهبوب معصفة تفرِّق جمعهم … وجنود ربِّك سيد الأربابِ فكفى الإله المؤمنين قتالهم … وأثابهم في الأجر خير ثوابِ من بعد ما قنطوا ففرَّق جمعهم … تنزيل نصر مليكنا الوهَّابِ وأقرَّ عين محمد وصحابه … وأذلَّ كلَّ مكذِّب مرتابِ عاتي الفؤاد موقَّع (٦) ذي ريبة … في الكفر ليس بطاهر الأثوابِ علِق الشقاءُ بقلبه ففؤاده … في الكفر آخر هذه الأحقابِ قال: وأجابه كعب بن ماللث (٧)، ﵁، أيضًا فقال: [من الكامل] أبقى لنا حدَث الحروب بقيَّة … من خير نِحلة ربِّنا الوهَّابِ

стр. 1825

بيضاء مشرفة الذُّرى ومعاطنًا … حمَّ الجذوع غزيرة الأحلابِ كاللُّوب يُبْذَلُ جمُها وحفيلها … للجار وابن العمِّ والمنتابِ ونزائعا (١) مثل السِّراح نمى بها … علف الشَّعير وجزَّة المقضابِ عري الشَّوى منها وأردف نحضها … جرد المتون وسائر الآرابِ قودًا تراحُ إلى الصِّياح إذا غدت … فعل الضِّراء تراح للكَلَّاب (٢) وتحوط سائمة الديار وتارة … تُردي العدا وتؤوب بالأسلابِ حوشَ الوحوش مُطارة عند الوغى … عبس الفقاء مبينة الإنجابِ علفت على دعة فصارت بُدَّنًا … دُخس (٣) البضيع خفيفة الأقصابِ يغدون بالزَّغف المضاعف شكُّه … وبمترصاتٍ في الثِّقاف صيابِ وصوارمٍ نزع الصَّياقل علْبها (٤) … وبكلِّ أروع ماجد الأنسابِ يصل اليمين بمارن متقارب … وُكلت وقيعته إلى خبَّابِ وأغرَّ أزرق في القناة كأنَّه … في طُخيه (٥) الظَّلماء ضوءُ شهابِ وكتيبة ينفي القِرانَ قتيرُها … وتردُّ حدِّ قواحز (٦) النُّشَّابِ جأوي (٧) ململمة كأنَّ رماحها … في كلِّ مجمعة ضريمة غابِ تأوى إلى ظلِّ اللِّواء كأنَّه … في صعدة الخطِّيِّ فيء عقابِ أعيت أبا كرِب وأعيت تبَّعًا … وأبت بسالتها على الأعرابِ ومواعظ من ربِّنا نُهدى بها … بلسان أزهر طيِّب الأثوابِ عرضت علينا فاشتهينا ذكرها … من بعد ما عرضت على الأحزابِ حِكمًا يراها المجرمون بزعمهم … حرجًا ويفهمها ذوو الألبابِ جاءت سخينة كي تغالب ربَّها … فليغلبنَّ مغالب الغلَّابِ قال ابن هشام (٨): حدَّثني من أثق به، حدَّثني عبد الملك بن يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير، أن رسول الله ﷺ قال له لمَّا سمع منه هذا البيت: "لقد شكرك الله يا كعب على قولك هذا".
следующие страницы →