← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

لقد سَجَمَت (١) من دمع عينيَ عبرةٌ … وحُقَّ لعيني أن تفيضَ على سعدِ قتيلٌ ثوى في معرك فجعتْ بهِ … عيون ذواري الدمع دائمة الوَجدِ على مِلَّة الرحمن وارث جَنًّةٍ … مع الشُّهداء وَفْدُهَا أَكْرَمُ الوفدِ فإن تك قد ودَّعتَنا وتركتنا (٢) … وأمسيتَ في غبراءَ مظلمةِ اللَّحدِ فأنت الذي يا سعد أُبت بمشهد … كريم وأثواب المكارم والحمدِ بحكمك في حيَّي قُريظة بالذي … قضى الله فيهم ما قضيتَ على عمدِ فوافق حكمَ الله حكمُكَ فيهمُ … ولم تعفُ إذ ذكِّرت ما كان من عهدِ فإن كان ريب الدَّهر أمضاك في الألى (٣) … شَروا هذه الدنيا بجنَّاتها (٤) الخُلْدِ فنعمَ مَصِيرُ الصَّادقين إذا دُعُوا … إلى الله يومًا للوجاهةِ والقَصْدِ * * * فصل فيما قيل من الأشعار في الخندق وبني قُرَيْظَةَ قال البخاريُّ (٥): ثنا حجَّاج بن منهال، ثنا شعبة، ثنا عديُّ بن ثابت، أنه سمع البَرَاء بن عازب قال: قال النبيُّ ﷺ لحسَّان: "اهجهم - أو هاجهم - وجبريل معك". قال البخاريُّ (٦): وزاد إبراهيم بن طَهْمَان، عن الشَّيبانيِّ، عن عديِّ بن ثابت، عن البَرَاء بن عازب قال: قال النبيُّ ﷺ يوم قُريظة لحسَّان بن ثابت: "اهج المشركين، فإنَّ جبريل معك". وقد رواه البخاريُّ أيضًا، ومسلم والنَّسائي (٧)، من طرق، عن شعبة، بدون الزيادة التي ذكرها البخاريُّ يوم بني قُريظة. قال ابن إسحاق (٨)، ﵀: وقال ضرار بن الخَطَّاب بن مرداس، أخو بني مُحَارب بن فهر في يوم الخندق - قلت: وذلك قبل إسلامه -: [من الوافر]

стр. 1822

ومشفقةٍ تظنُّ بنا الظُّنونا … وقد قُدنا عَرندسةً طَحُونَا كأنَّ زُهاءها أُحُدٌ إذا ما … بدت أركانُه للناظرينَا ترى الأبدان فيها مُسبِغات … على الأبطال واليَلَبَ الحصينَا وجُردًا (١) كالقداح مسوَّمات … نؤمُّ بها الغُواة الخاطئينَا كأنَّهمُ إذا صالوا وصلنا … بباب الخندفين مصافحونَا أُناس لا نرى فيهم رشيدًا … وقد قالوا ألسنا راشدينَا فأحجرناهمُ شهرًا كريتا (٢) … وكنَّا فوقهم كالقاهرينَا نراوحهم ونغدو كلَّ يوم … عليهم في السِّلاح مدجَّجينَا بأيدينا صوارم مُرهفات … نقدُّ بها المفارق والشُّؤونَا كأنَّ وميضهنَّ معرَّياتٍ … إذا لاحت بأيدي مصلِتينَا وميض عقيقة لَمعت بليلٍ … ترى فيها العقائق مستبينَا فلولا خندقٌ كانوا لديه … لدمَّرنا عليهم أجمعينَا ولكن حال دونهمُ وكانوا … به من خوفنا متعوِّذينا فإن نرحل فإنَّا قد تركنا … لدى أبياتكم سعدًا رهينا إذا جنَّ الظّلام سمعت نَوْحَى … على سعد يرجِّعن الحنينا وسوف نزوركم عمَّا قريبٍ … كما زرناكم متوازرينَا بجمع من كنانة غير عُزْلٍ … كأُسد الغاب إذ حَمَتِ العرينَا قال: فأجابه كعب بن مالك أخو بني سلمة، ﵁ (٣)، فقال: [من الوافر] وسائلةٍ تُسائل ما لقينا … ولو شهدت رأتنا صابرينَا صبرنا لا نرى لله عِدلًا … على ما نابنا متوكِّلينَا وكان لنا النَّبيُّ وزيرَ صدقٍ … به نعلو البريَّة أجمعينَا نقاتل معشرًا ظلموا وعقُّوا … وكانوا بالعداوة مُرصدينَا نعاجلهم إذا نهضوا إلينا … بضرب يُعْجِلُ المُتَسرِّعينَا ترانا في فضافضَ سابغات … كغدران المَلَا متسربلينَا وفي أيماننا بيض خِفَافٌ … بها نشفي مراح الشاغبينَا بباب الخندقين كأنَّ أُسدًا … شوابكهنَّ يحمين العرينَا

стр. 1823

فوارسنا إذا بكروا وراحوا … على الأعداء شوسًا معلِمينَا لننصر أحمدًا والله حتى … نكون عباد صدق مخلصينَا ويعلم أهل مكَة حين ساروا … وأحزابٌ أتوا متحزِّبينَا بأنَّ الله ليس له شريك … وأنَّ الله مولى المؤمنينَا فإما تقتلوا سعدًا سَفاهًا … فإن الله خير القادرينَا سيدخله جنانًا طيِّبات … تكون مُقامة للصَّالحينَا كما قد ردَّكم فلًّا شريدًا … بغيظكمُ خزايا خائبينَا خزايا لم تنالوا ثَمَّ خيرًا … وكدتم أن تكونوا دامرينَا بريح عاصف هبَّت عليكم … فكنتم تحتها متكمِّهينَا قال ابن إسحاق (١): وقال عبد الله بن الزِّبعرى السَّهميُّ (٢) في يوم الخندق - قلت: وذلك قبل أن يُسْلِم -: [من الكامل] حيِّ الدِّيار محَا معارف رسمها … طولُ البلى وتراوح الأحقابِ فكأنما كتب اليهودُ رسومها … إلا الكنيف ومعقد الأطنابِ قفرًا كأنَّك لم تكن تلهو بها … في نعمة بأوانس أترابِ فاترك تذكُّر ما مضى من عيشة … ومحلَّة خلَق المقام يبابِ واذكر بلاء معاشر واشكرهمُ … ساروا بأجمعه من الأنصابِ أنصابِ مَكَّة عامدين ليثربٍ … في ذي غياطل جحفل جبجاب (٣) يدع الحُزون (٤) مناهجًا معلومة … في كلِّ نشز ظاهر وشعابِ فيها الجياد شوازب مجنوبة (٥) … قبُّ البطون لواحق الأقرابِ من كلِّ سَلهبة (٦) وأجرد سلهب … كالسِّيد بادر غفلة الرُّقابِ جيشٌ عيينةُ قاصد بِلوائه … فيه وصخر قائد الأحزابِ

стр. 1824

قرمان (١) كالبدرين أصبح فيهما … غيث الفقير ومعقل الهرَّابِ حتَّى إذا وردوا المدينة وارتدوا … للموت كلَّ مجرَّب قضَّابِ شهرًا وعشرًا قاهرين محمدًا … وصحابه في الحرب خير صحابِ نادوا برحلتهم صبيحة قلتمُ … كدنا نكون بها مع الخيَّابِ لولا الخنادق غادروا من جمعهم … قتلى لطيرٍ سُغَّبٍ وذئابِ قال: فأجابه حسان بن ثابت (٢)، ﵁، فقال: [من الكامل] هل رسمُ دارسةِ المقام يباب … متكلَّم لمحاور بجوابِ قفرٌ عفا رِهَم السَّحاب رُسومه … وهبوب كلِّ مُطلَّة مربابِ (٣) ولقد رأيت بها الحلول يزينهُمْ … بيض الوجوه ثواقب الأحسابِ فدع الدِّيار وذكر كلِّ خريدة … بيضاء آنسة الحديث كَعابِ واشك الهموم إلى الإله وما ترى … من معشر ظلموا الرسول غضابِ ساروا بجمعهمُ إليه وألَّبوا … أهل القرى وبوادي الأعرابِ جيشٌ عيينة وابن حرب فيهمُ … متخمِّطون (٤) بحلبة الأحزابِ حتى إذا وردوا المدينة وارتجَوا … قتل الرسول ومغنم الأسلابِ وغدوا علينا قادرين بأيدهم (٥) … رُدُّوا بغيظهمُ على الأعقابِ بهبوب معصفة تفرِّق جمعهم … وجنود ربِّك سيد الأربابِ فكفى الإله المؤمنين قتالهم … وأثابهم في الأجر خير ثوابِ من بعد ما قنطوا ففرَّق جمعهم … تنزيل نصر مليكنا الوهَّابِ وأقرَّ عين محمد وصحابه … وأذلَّ كلَّ مكذِّب مرتابِ عاتي الفؤاد موقَّع (٦) ذي ريبة … في الكفر ليس بطاهر الأثوابِ علِق الشقاءُ بقلبه ففؤاده … في الكفر آخر هذه الأحقابِ قال: وأجابه كعب بن ماللث (٧)، ﵁، أيضًا فقال: [من الكامل] أبقى لنا حدَث الحروب بقيَّة … من خير نِحلة ربِّنا الوهَّابِ

стр. 1825

بيضاء مشرفة الذُّرى ومعاطنًا … حمَّ الجذوع غزيرة الأحلابِ كاللُّوب يُبْذَلُ جمُها وحفيلها … للجار وابن العمِّ والمنتابِ ونزائعا (١) مثل السِّراح نمى بها … علف الشَّعير وجزَّة المقضابِ عري الشَّوى منها وأردف نحضها … جرد المتون وسائر الآرابِ قودًا تراحُ إلى الصِّياح إذا غدت … فعل الضِّراء تراح للكَلَّاب (٢) وتحوط سائمة الديار وتارة … تُردي العدا وتؤوب بالأسلابِ حوشَ الوحوش مُطارة عند الوغى … عبس الفقاء مبينة الإنجابِ علفت على دعة فصارت بُدَّنًا … دُخس (٣) البضيع خفيفة الأقصابِ يغدون بالزَّغف المضاعف شكُّه … وبمترصاتٍ في الثِّقاف صيابِ وصوارمٍ نزع الصَّياقل علْبها (٤) … وبكلِّ أروع ماجد الأنسابِ يصل اليمين بمارن متقارب … وُكلت وقيعته إلى خبَّابِ وأغرَّ أزرق في القناة كأنَّه … في طُخيه (٥) الظَّلماء ضوءُ شهابِ وكتيبة ينفي القِرانَ قتيرُها … وتردُّ حدِّ قواحز (٦) النُّشَّابِ جأوي (٧) ململمة كأنَّ رماحها … في كلِّ مجمعة ضريمة غابِ تأوى إلى ظلِّ اللِّواء كأنَّه … في صعدة الخطِّيِّ فيء عقابِ أعيت أبا كرِب وأعيت تبَّعًا … وأبت بسالتها على الأعرابِ ومواعظ من ربِّنا نُهدى بها … بلسان أزهر طيِّب الأثوابِ عرضت علينا فاشتهينا ذكرها … من بعد ما عرضت على الأحزابِ حِكمًا يراها المجرمون بزعمهم … حرجًا ويفهمها ذوو الألبابِ جاءت سخينة كي تغالب ربَّها … فليغلبنَّ مغالب الغلَّابِ قال ابن هشام (٨): حدَّثني من أثق به، حدَّثني عبد الملك بن يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير، أن رسول الله ﷺ قال له لمَّا سمع منه هذا البيت: "لقد شكرك الله يا كعب على قولك هذا".

стр. 1826

قلت: ومراده بسخينة: قريش، وإنما كانت العرب تسمِّيهم بذلك لكثرة أكلهم الطعام السُّخن، الذي لا يتهيَّأ لغيرهم غالبًا من أهل البوادي، فالله أعلم. قال ابن إسحاق (١): وقال كعب بن مالك أيضًا: [من الكامل] من سرَّه ضرب يمعمع (٢) بعضه … بعضًا كمعمعة الأَبا (٣) المحرَقِ فليأت مأسدة تسنُّ سيوفها … بين المذاد وبين جزع الخندقِ درِبوا بضرب المعلِمين وأسلموا … مهجات أنفسهم لربِّ المشرقِ في عصبة نصر الإله نبيَّه … بهمُ وكان بعبده ذا مرفقِ في كلِّ سابغة يحطُّ فضولها … كالنِّهي (٤) هبَّت ريحه المترقرقِ بيضاءَ محكمة كأنَّ قتيرها … حدق الجنادب (٥) ذات شكّ موثقِ جدلاء يحفزها نجاد مهنَّد … صافي الحديدة صارم ذي رونقِ تلكم مع التَّقوى تكون لباسنا … يوم الهياج وكلَّ ساعة مصدقِ نصل السيوف إذا قصرن بخطونا … قدمًا ونُلحقها إذا لم تلحقِ فترى الجماجم ضاحيًا هاماتها … بَلْهَ الأكفِّ كأنها لم تُخلقِ نلقى العدوَّ بفخمة ملمومة … تنفي الجموع كقصد رأس المُشرقِ ونعدُّ للأعداء كلَّ مقلَّص … وَرْدٍ ومحجول القوائم أبلقِ تردي بفرسان كأنَّ كماتهم … عند الهياج أسود طلٍّ مُلْثِقِ صدق يعاطون الكماة حتوفهم … تحت العماية بالوشيج المزهقِ أمر الإله بربطها لعدوِّه … في الحرب إن الله خير موفِّقِ لتكون غيظًا للعدوِّ وحُيَّطًا … للدار إن دلفت خيول النزَّقِ ويعيننا الله العزيز بقوة … منه وصدق الصبر ساعة نلتقي ونطيع أمر نبيِّنا ونجيبه … وإذا دعا لكريهة لم نُسبقِ ومتى يناد إلى الشدائد نأتها … ومتى نر الحومات فيها نعنقِ من يتَّبع قول النبيِّ فإنه … فينا مطاع الأمر حقُّ مصدِّقِ فبذاك ينصرنا ويظهر عزَّنا … ويصيبنا من نيل ذاك بمرفقِ إن الذين يكذِّبون محمدًا … كفروا وضلُّوا عن سبيل المتَّقي

стр. 1827

قال ابن إسحاق (١): وقال كعب بن مَالك (٢) أيضًا: [من الطول] لقد علم الأحزاب حين تألَّبوا … علينا وراموا ديننا ما نُوادعُ أضاميم من قيس بن عيلان أَصْفَقَتْ … وخندف لم يدروا بما هو واقعُ يذودوننا عن ديننا ونذودهم … عن الكفر والرحمن راءً وسامعُ إذا غايظونا في مقام أعاننا … على غيظهم نصر من الله واسعُ وذلك حفظ الله فينا وفضله … علينا ومن لم يحفظ الله ضائعُ هدانا لدين الحقِّ واختاره لنا … ولله فوق الصانعين صنائعُ قال ابن هشام (٣): وهذه الأبيات في قصيدة له. يعني طويلة. قال ابن إسحاق (٤): وقال حَسَّان بن ثابت (٥) في مقتل بني قُريظة: [من الوافر] لقد لقيت قريظة ماسآها … وما وجدت لذلٍّ من نصيرِ أصابهمُ بلاء كان فيه … سوى ما قد أصاب بني النَّضيرِ غداة أتاهمُ يهوي إليهم … رسول الله كالقمر المنيرِ له خيل مجنّبة تعادى … بفرسان عليها كالصقورِ تركناهم وما ظفروا بشيء … دماؤهمُ عليها كالعبيرِ فهم صرعى تحوم الطير فيهم … كذاك يُدان ذو العند الفجورِ فأنذر مثلها نصحًا قريشًا … من الرحمن إن قبلت نذيري قال: وقال حسَّان بن ثابت (٦) أيضًا في بني قريظة: [من الوافر] تفاقد معشر نصروا قريشًا … وليس لهم ببلدتهم نصيرُ همُ أوتوا الكتاب فضيَّعوه … وهم عمي من التوراة بورُ كفرتم بالقُرانِ وقد أتيتم … بتصديق الذي قال النذيرُ فهان على سراة بني لؤيّ … حريق بالبويرة مستطيرُ فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب فقال: [من الوافر] أدام الله ذلك من صنيعٍ … وحرَّق في طوائفها السعيرُ

стр. 1828

ستعلم أيُّنا منها بنُزه … وتعلم أيَّ أَرْضَينا تضيرُ فلو كان النَّخيل بها ركابًا … لقالوا لا مقام لكم فسيروا قلت: وهذا قاله أبو سفيان بن الحارث قبل أن يسلم، وقد تقدَّم في "صحيح البخاريِّ" بعض هذه الأبيات. وذكر ابن إسحاق (١) جواب حسَّان في ذلك لجبل بن جوَّال الثعلبيِّ، تركناه قصدًا. قال ابن إسحاق (٢): وقال حَسَّان بن ثابت (٣) أيضًا يبكي سعدًا وجماعة ممن استشهد يوم بني قُريظة: [من الطويل] ألا يا لقومي هل لما حمَّ دافع … وهل ما مضى من صالح العيش راجعُ تذكَّرت عصرًا قد مضى فتهافتت … بنات الحشا وانهلَّ مني المدامعُ صبابة وجد ذكَّرتنيَ إخوةً … وقتلى مضى فيها طفيل ورافع وسعد فأضحوا في الجنان وأوحشت … منازلهم فالأرض منهم بلاقعُ وفَوا يوم بدر للرسول وفوقهم … ظلال المنايا والسيوف اللَّوامعُ دعا فأجابوهُ بحقِّ وكلُّهم … مطيع له في كلِّ أمر وسامعُ فما نكلوا حتى توالَوا جماعة … ولا يقطع الآجال إلّا المصارعُ لأنهمُ يرجون منه شفاعة … إذا لم يكن إلا النبيون شافعُ فذلك يا خير العباد بلاؤنا … إجابتنا لله والموتُ ناقعُ لنا القدم الأولى إليك وخلفنا … لأولنا في ملة الله تابعُ ونعلم أن الملك لله وحده … وأن قضاء الله لابد واقعُ * * * مقتل أبي رَافِعٍ سَلّام بن أبي الحُقَيق اليهودي لعنه الله وكان في قصر له في أرض خيبر، وكان تاجرًا مشهورًا بأرضر الحجاز (٤) قال ابن إسحاق (٥): ولما انقضى شأن الخندق وأمرُ بني قريظة، وكان سلَّام بن أبي الحُقَيق - وهو

стр. 1829

أبو رافع - فيمن حزَّب الأحزاب على رسول الله ﷺ ، وكانت الأوس قبل أحد قد قتلت كعب بن الأشرف، فاستأذن الخزرج رسول الله ﷺ في قتل سلَّام بن أبي الحُقيق وهو بخيبر، فأذن لهم. قال ابن إسحاق (١): فحدثني محمد بن مسلم الزهري، عن عبد الله [بن كعب] بن مالك، قال: وكان مما صنع الله لرسوله ﷺ أن هذين الحيين من الأنصار؛ [الأوس] والخزرج، كانا يتصاولان مع رسول الله ﷺ تصاول [الفحلين]، لا تصنع الأوس شيئًا فيه غناء عن رسول الله ﷺ إلا قالت الخزرج: والله لا يذهبون بهذه فضلًا علينا عند رسول الله ﷺ وفي الإسلام. فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها، وإذا فعلت الخزرج شيئًا قالت الأوس مثل ذلك. قال: ولما أصابت الأوس كعب بن الأشرف في عداوته لرسول الله ﷺ ، قالت الخزرج: والله لا يذهبون بها فضلًا علينا أبدًا. قال: فتذاكروا مَن رجل لرسول الله ﷺ في العداوة [كابن الأشرف]، فذكروا ابن أبي الحُقيق، وهو بخيبر، فأستاذنوا رسول الله ﷺ في قتله، فأذن لهم، فخرج إليه من الخزرج من بني سلمة خمسة نفر، عبد الله بن عتيك، ومسعود بن سنان، وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة الحارث بن ربعي، وخزاعيُّ بن أسود، حليف لهم من أسلم، فخرجوا، وأمَّر عليهم رسول الله ﷺ عبد الله بن عتيك، ونهاهم أن يقتلوا وليدًا أو امرأة، فخرجوا، حتى إذا قدموا خيبر، أتوا دار ابن أبي الحُقيق ليلًا، فلم يدعوا بيتًا في الدار إلَّا أغلقوه على أهله. قال: وكان في علِّيَّة، له إليها عجلة. قال: فأسندوا إليها حتى قاموا على بابه، فاستأذنوا، فخرجت إليهم امرأته فقالت: من أنتم؟ قالوا: أُناس من العرب نلتمس الميرة. قالت: ذاكم صاحبكم فادخلوا عليه. قال: فلما دخلنا أغلقنا علينا وعليه الحجرة؛ تخوُّفًا أن يكون دونه مجاولة تحول بيننا وبينه. قال: فصاحت امرأته، فنوَّهت بنا، فابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا، فوالله ما يدلُّنا عليه في سواد الليل إلا بياضه، كأنه قُبطيَّة ملقاة. قال: فلما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه، ثم يذكر نهي رسول الله ﷺ فيكفُّ يده، ولولا ذلك لفرغنا منها بليل. قال: فلما ضربناه بأسيافنا تحامل عليه عبد الله بن أُنيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه وهو يقول: قطني قطني. أي حسبي حسبي. قال: وخرجنا، وكان عبد الله بن عتيك رجلًا سيِّئ البصر. قال: فوقع من الدَّرجة، فوثئت يده وثئًا شديدًا، وحملناه حتى نأتيَ به منهرًا من عيونهم فندخل فيه، فأوقدوا النيران، واشتدُّوا في كل وجه يطلبوننا، حتى إذا يئسوا رجعوا إلى صاحبهم فاكتنفوه وهو يقضي. قال: فقلنا: كيف لنا بأن نعلم بأن عدوَّ الله قد مات؟ قال: فقال رجل منا: أنا أذهب فأنظر لكم. فانطلق حتى دخل في الناس، قال: فوجدتها - يعني امرأته - ورجال يهود حوله، وفي يدها المصباح تنظر في وجهه وتحدِّثهم وتقول: أما سمعت صوت ابن عتيك ثم أَكْذَبْتُ [نفسي] وقلت: أنَّى ابن عتيك بهذه البلاد؟ ثم أكبَّت عليه تنظر في وجهه، فقالت: فاظ وإله يهود. فما سمعت كلمة كانت ألذَّ على نفسي منها. قال: ثم جاءنا فأخبرنا الخبر، فاحتملنا صاحبنا وقدمنا على رسول الله ﷺ ، فأخبرناه بقتل عدوِّ الله، واختلفنا عنده في قتله، كلُّنا يدَّعيه. قال:

стр. 1830

فقال: "هاتوا أسيافكم". فجئنا بها، فنظر إليها، فقال لسيف عبد الله بن أُنيس: "هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام". قال ابن إسحاق: فقال حسان بن ثابث (١) في ذلك: [من الكامل] لله درُّ عِصابة لاقيتُهُمْ … يابن الحُقَيق وأنت يابن الأشرف يَسْرُون بالبيض الخِفاف إليكمُ … مُرحًا كأُسد في عرين مُغرف حتى أتَوكم في محلِّ بلادكم … فسقَوكُم حتفًا ببيضٍ ذُقَّف مستبصرين لنصر دين [نبيِّهم] … مستصغرين لكلِّ أمر مُجحف هكذا أورد هذه القصة الإمام محمد بن إسحاق، ﵀. وقد قال الإمام أبو عبد الله البخاريُّ (٢): ثنا إسحاق بن نصر، ثنا يحيى بن آدم، ثنا ابن أبي زائدة، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: بعث النبي ﷺ رهطًا إلى أبي رافع، فدخل عليه عبد الله بن عتيك بيته ليلًا وهو نائم فقتله. ثم قال البخاريُّ (٣): ثنا يوسف بن موسى، ثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: بعث رسول الله ﷺ إلى أبي رافع اليهوديِّ رجالًا من الأنصار، وأمَّر عليهم عبد الله بن عتيك، وكان أبو رافع يؤذي رسول الله ﷺ ، ويعين عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز، فلمَّا دنوا منه، وقد غربت الشمس، وراح الناس بسرحهم، قال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم، فإني منطلق ومتلطِّف للبوَّاب؛ لعلِّي أن أدخل. فأقبل حتى دنا من الباب، ثم تقنَّع بثوبه كأنه يقضي حاجته، وقد دخل الناس، فهتف به البوَّاب: يا عبد الله، إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإني أريد أن أغلق الباب. فدخلت فكمنت، فلمَّا دخل الناس أغلق الباب، ثم علَّق الأغاليق على وَدٍّ. قال: فقمت إلى الأقاليد فأخذتها ففتحت الباب، وكان أبو رافع يُسمَر عنده، وكان في علاليَّ له، فلمَّا ذهب عنه أهل سمره، صَعِدت إليه، فجعلت كلما فتحت بابًا أغلقت عليَّ من داخل، فقلت: إنِ القوم نذِروا بي لم يخلصوا إليَّ حتى أقتله. فانتهيت إليه، فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله، لا أدري أين هو من البيت، قلت: أبا رافع. قال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف وأنا دهش، فما أغنيت شيئًا، وصاح فخرجت من البيت، فأمكث غير بعيد، ثم دخلت إليه فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ فقال: لأُمِّك الويل، إنَّ رجلًا في البيت ضربني قبل بالسيف. قال: فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله، ثم وضعت ضبيب الشف في بطنه، حتى أخذ في ظهره، فعرفت أني فتلته، فجعلت أفتح

стр. 1831

الأبواب بابًا بابًا، حتى انتهيت إلى درجة له فوضعت رجلي، وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض، فوقعت في ليلة مقمرة، فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامة، ثم انطلقت حتى جلست على الباب، فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته. فلمَّا صاح الديك، قام الناعي على السُّور فقال: أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز. فانطلقت إلى أصحابي، فقلت: النَّجاء، فقد قتل الله أبا رافع. فانتهيت إلى النبيِّ ﷺ فحدَّثته، فقال لي: "ابسط رِجلك". فبسطت رجلي فمسحها، فكأنما لم أشتكها قطُّ. ثم قال البخاري (١): ثنا أحمد بن عثمان بن حكيم الأوديُّ، ثنا شريح، ثنا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق، سمعت البراء قال: بعث رسول الله ﷺ إلى أبي رافع عبد الله بن عتيك وعبد الله بن عتبة في ناس معهم، فانطلقوا حتى دنَوا من الحصن، فقال لهم عبد الله بن عتيك: امكثوا أنتم حتى أنطلق أنا فأنظر. قال: فتلطَّفت حتى أدخل الحصن، ففقدوا حمارًا لهم، فخرجوا بقبس يطلبونه. قال: فخشيت أن أُعرف. قال: فغطيت رأسي، وجلست كأني أقضي حاجة، فقال البواب: من أراد أن يدخل فليدخل قبل أن أُغلقه. فدخلت ثم اختبأت في مربط حمار عند باب الحصن، فتعشَّوا عند أبي رافع، وتحدَّثوا حتى ذهبت ساعة من الليل، ثم رجعوا إلى بيوتهم، فلمَّا هدأت الأصوات ولا أسمع حركة، خرجت. قال: ورأيت صاحب الباب حيث وضع مفتاح الحصن في كوَّة، فأخذتُه ففتحت به باب الحصن. قال: قلت: إن نذِر بي القوم انطلقت على مَهَل، ثم عمدت إلى أبواب بيوتهم فغلَّقتها عليهم من ظاهر، ثم صعِدت إلى أبي رافع في سلَّم، فإذا البيت مظلم، قد طفئ سراجه، فلم أدر أين الرجل؟ فقلت: أبا رافع. قال: من هذا؟ قال: فعمدت نحو الصوت فأضربه وصاح، فلم تغن شيئًا. قال: ثم جئت كأني أُغيثه، فقلت: ما لك أبا رافع؟ وغيَّرت صوتي. قال: ألا أُعجبك، لأُمِّك الويل، دخل عليَّ رجل فضربني بالسيف. قال: فعمدت إليه أيضًا فأضربه أخرى فلم تغن شيئًا، فصاح وقام أهله، ثم جئت وغيَّرت صوتي كهيئة المغيث، فإذا هو مستلق على ظهره، فأضع السيف في بطنه ثم أنكفئ عليه، حتى سمعت صوت العظم، ثم خرجت دهشًا، حتى أتيت السُّلَّم أريد أن أنزل، فأسقط منه فانخلعت رِجلي، فعصبتها ثم أتيت أصحابي أحجل، فقلت: انطلقوا فبشِّروا رسول لله ﷺ ، فإني لا أبرح حتى أسمع الناعية، فلمَّا كان في وجه الصبح صعِد الناعية فقال: أنعى أبا رافع. قال: فقمت أمشي ما بي قلَبة، فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا رسول الله ﷺ فبشَّرته. تفرد به البخاريّ بهذه السياقات من بين أصحاب الكتب الستة. قلت: يحتمل أن عبد الله بن عتيك لما سقط من تلك الدرجة، انفكَّت قدمه، وانكسرت ساقه، ووثئت رِجله ويده، فلمَّا عصبها استكن ما به؟ لما هو فيه من الأمر الباهر، ولما أراد المشي أعين على ذلك؛ لما هو فيه من الجهاد النافع، ثم لما وصل إلى رسول الله ﷺ واستقرَّت نفسه، ثاوره الوجع في

стр. 1832

رجله، فلما بسط رجله ومسح رسول الله ﷺ ، ذهب ما كان بها من بأس في الماضي، ولم يبق بها وجع يتوقَّع حصوله في المستقبل، جمعًا بين هذه الرواية والتي تقدَّمت، والله أعلم. هذا وقد ذكر موسى بن عقبة في "مغازيه" (١) مثل سياق محمد بن إسحاق، وسمَّى الجماعة الذين ذهبوا إليه كما ذكره ابن إسحاق، وإبراهيم، وأبو عُبيد. ثم قال: قال الزَّهريُّ: قال ابن كعب (٢): فقدموا على رسول الله ﷺ وهو على المنبر، فقال: "أفلحت الوجوه" قالوا: أفلح وجهك يا رسول الله، قال: "أفتكتموه؟ " قالوا: نعم، قال: "ناولني السّيف" فسلَّه فقال: "أجل هذا طعامه في ذُباب السيف". * * * مقتل خالد بن سُفْيَان بن نُبَيح الهُذَلي (٣) ذكره الحافظ البيهقيُّ في "الدلائل" (٤) تِلو مقتل أبي رافع. قال الإمام أحمد (٥): ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدَّثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن ابن عبد الله بن أُنيس، عن أبيه قال: دعاني رسول الله ﷺ فقال: "إنه قد بلغني أن خالد بن سفيان بن نُبيح الهُذَليَّ يجمع لي الناس ليغزوني، وهو بعُرَنَه (٦) فأْته فاقتله". قال: قلت: يا رسول الله، انعته لي حتى أعرفه. قال: "إذا رأيته وجدت له قُشعريرة". قال: فخرجت متوشِّحًا سيفي حتى وقعت عليه، وهو بعُرَنَةَ مع ظُعُنٍ يرتاد لهنّ منزلًا، حين (٧) كان وقت العصر، فلمَّا رأيته وجدت ما وصف لي رسول الله ﷺ من القُشعريرة، فأقبلت نحوه، وخشيت أن يكون بيني وبينه مجاولة تشغلني عن الصلاة، فصلَّيت وأنا أمشي نحوه؛ أومئ برأسي للركوع والسجود، فلمَّا انتهيت إليه قال: من الرجل؟ قلت: رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل، فجاءك لذلك. قال: أجل، إنّا في ذلك. قال: فمشَيت معه شيئًا، حتى إذ أمكنني حملت عليه السيف حتى قتلته، ثم خرجت وتركت ظعائنه مُكبَّات عليه، فلمَّا قدمت على رسول الله ﷺ فرآني قال: "أفلح الوجه". قال: قلت: قتلته يا رسول الله.

стр. 1833

قال: "صدقت". قال: ثم قام معي رسول الله ﷺ ، فدخل في بيته فأعطاني عصًا فقال: "أمسك هذه عندك يا عبد الله بن أنيس". قال: فخرجت بها على الناس، فقالوا: ما هذه العصا؟ قال: قلت: أعطانيها رسول الله ﷺ ، وأمرني أن أمسكها. قالوا: أو لا ترجع إلى رسول الله ﷺ فتسأله عن ذلك؟ قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، لم أعطيتني هذه العصا؟ قال: "آية بيني وبينك يوم القيامة، إنَّ أقلَّ الناس المتخصِّرون يومئذ". قال: فقرنها عبد الله بسيفه، فلم تزل معه، حتى إذا مات أمر بها فضمَّت في كفنه، ثم دفنا جميعًا. ثم رواه الإمام أحمد (١)، عن يحيى بن آدم، عن عبد الله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر أبن الزبير،، عن بعض ولد عبد الله بن أُنيس - أو قال: عن عبد الله بن عبد الله بن أُنيس - عن عبد الله بن أُنيس، فذكر نحوه. وهكذا رواه أبو داود (٢)، عن أبي معمر، عن عبد الوارث، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر، عن ابن عبد الله بن أُنيس، عن أبيه، فذكر نحوه. ورواه الحافظ البيهقيُّ (٣)، من طريق محمد بن سلمة (٤)، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله بن أنيس، عن أبيه فذكره. وقد ذكر نحوه عُروة بن الزبير، وموسى بن عقبة في "مغازيهما" مرسلة، فالله أعلم. قال ابن هشام (٥): وقال عبد الله بن أنيس في قتله خالد بن سُفيان: [من الطويل] تَرَكْتُ ابن ثَورٍ كالحُوار وحولَهُ … نوائحُ تَفْرِي كلَّ جَيب مقدَّدِ تناولتُه والظُّعن خلفي وخلفَه … بأبيض من ماء الحديد مُهَنَّدِ عَجُومٍ لهام الدَّارعين كأنه … شهاب غضىً من مُلهب متوقِّدِ أقولُ له والسَّيفُ يَعْجُمُ رَأْسَهُ … أنا ابنُ أُنيسٍ فارسًا غير قُعدُدِ أنا ابنُ الذي لم يُنْزِلِ الدَّهْرَ قِدْرَهُ … رحيبُ فناءَ الدَّارِ غيرُ مزنَّد وقلت له خُذْهَا بضربة ماجدٍ … حنيفِ على دين النبيِّ محمدِ وكنتُ إذا هَمَّ النَّبيُّ بكَافِير … سَبَقْتُ إليه باللِّسان وباليدِ قلت: عبد الله بن أُنيس بن أسعد بن حرام، أبو يحيى الجُهَنيُّ، صحابيٌّ مشهور كبير القدر، كان

стр. 1834

فيمن شهد العقبة، وشهد أحدًا والخندق وما بعد ذلك، وتأخَّر موته بالشام إلى سنة ثمانين على المشهور، وقيل: توفَّي سنة أربع وخمسين (١)، والله أعلم. وقد فرَّق عليُّ بن المديني، وخليفة بن خيَّاط بينه وبين عبد الله بن أنيس أبي عيسى الأنصاريِّ (٢)، الذي روى عن النبيِّ ﷺ أنه دعا يوم أحد بإداوة فيها ماء، فخنث فمها وشرب منها، كما رواه أبو داود والترمذيُّ (٣)، من طريق عبد الله العمريِّ، عن عيسى بن عبد الله بن أنيس، عن أبيه. ثم قال الترمذيُّ: وليس إسناده يصحُّ، وعبد الله العمريُّ ضعيف من قبل حفظه. * * * قصة عمرو بن العاص مع النجاشي وإسلامه (٤) قال محمد بن إسحاق (٥)، بعد مقتل أبي رافع: وحدَّثني يزيد بن أبي حبيب، عن راشد (٦) مولى حبيب بن أبي أوس الثَّقفيِّ، عن حبيب بن أبي أوس، حدَّثني عمرو بن العاص، مِن فيه، قال: لما انصرفنا يوم الأحزاب عن الخندق، جمعت رجالًا من قريش كانوا يرون رأيي، ويسمعون مني، فقلت لهم: تعلمون والله أني أرى أمر محمد يعلو الأمور علوًّا منكرًا، وإني قد رأيت أمرًا، فما ترون فيه؟ قالوا: وما رأيت؟ قال: رأيت أن نلحق بالنجاشيِّ فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي، فإنّا أن نكون تحت يديه أحبُّ إلينا من أن نكون تحت يدي محمد، وإن ظهر قومنا فنحن مَن قد عرفوا، فلن يأتينا منهم إلا خير. قالوا: إنّ هذا لرأي. قلت: فاجمعوا لنا ما نُهدي له. وكان أحبَّ ما يهدى إليه من أرضنا الأَدَم (٧)، فجمعنا له أدمًا كثيرًا، ثم خرجنا حتى قدمنا عليه، فوالله إنا لعنده، إذ جاءه عمرو بن أمية الضَّمريُّ، وكان رسول الله ﷺ قد بعثه إليه في شأن جعفر وأصحابه. قال: فدخل عليه ثم خرج من عنده. قال: فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أُمية، لو قد دخلتُ على النجاشي فسألته إيَّاه فأعطانيه فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك رأت قريش أني قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد. قال: فدخلت عليه، فسجدت له كما كنت أصنع. فقال: مرحبًا بصديقي، هل أهديت لي من بلادك

стр. 1835

شيئًا؟ قال: قلت: نعم أيُّها الملك، قد أهديت لك أَدَمًا كثيرًا. قال: ثم قرَّبتُه إليه، فأعجبه واشتهاه، ثم قلت له: أيُّها الملك، إني قد رأيت رجلًا خرج من عندك، وهو رسول رجل عدوّ لنا، فأعطنيه لأقتله؛ فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا. قال: فغضب ثم مدَّ يده، فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره، فلو انشقَّت الأرض لدخلت فيها فرَقًا منه. ثم قلت له: أيُّها الملك، والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه. قال: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله؟! قال: قلت: أيُّها الملك، أكذاك هو؟ قال: ويحك يا عمرو! أطعني واتبعه، فإنَّه والله لعلى الحقِّ، وليظهرنَّ على من خالفه، كما ظهر موسى بن عِمْرَان على فرعون وجنوده. قال: قلت: أفتبايعني له على الإسلام؟ قال: نعم. فبسط يده، فبايعته على الإسلام، ثم خرجت على أصحابي وقد حال رأي عما كان عليه، وكتمت أصحابي إسلامي، ثم خرجت عامدًا إلى رسول الله ﷺ لأسلم، فلقيت خالد بن الوليد، وذلك قبيل الفتح، وهو مقبل من مكة، فقلت: أين أبا سليمان؟ فقال: والله لقد استقام المِيسم، وإنَّ الرجل لنبيّ، أذهب والله فأسلم، فحتى متى؟ قال: قلت: والله ما جئت إلا لأسلم. قال: فقدمنا المدينة على النبي ﷺ ، فتقدَّم خالد بن الوليد فأسلم وبايع، ثم دنوت فقلت: يا رسول الله، إني أبايعك على أن يغفر لي ما تقدَّم من ذنبي، ولا أذكر ما تأخر. قال: فقال رسول الله ﷺ : "يا عمرو، بايع فإن الإسلام يجبُّ ما كان قبله، وإن الهجرة تجبُّ ما كان قبلها". قال: فبايعته ثم انصرفت. قال ابن إسحاق (١): وقد حدَّثني من لا أنَّهم أن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة كان معهما، أسلم حين أسلما، فقال عبد الله بن الزبَعْرى السَهميُّ (٢): [من الطويل] أَنْشُدُ عُثمان بن طلحة حِلْفَنَا … ومُلقى نِعَال القومِ عند المُقَبَّلِ وما عَقَدَ الآباءُ من كلِّ حِلفة … وما خالدٌ من مثلها بمحلَّلِ أمفتاحَ بيتٍ غير بيتكَ تبتغي … وما يبتغى من مَجْدِ بيتٍ مؤثَّلِ فلا تأمننَّ خالدًا بعد هذه … وعثمان جاءا بالدُّهيم المعضلِ قلت: كان إسلامهم بعد الحُديبية، وذلك أن خالد بن الوليد كان يومئذ في خيل المشركين، كما سيأتي بيانه، فكان ذكر هذا الفصل في إسلامهم بعد ذلك أنسب، ولكن ذكرنا ذلك تبعًا للإمام محمد بن إسحاق، رحمه الله تعالى؛ لأن أول ذهاب عمرو بن العاص إلى النجاشى كان بعد وقعة الخندق، والظاهر أنه ذهب في بقيَّة سنة خمس، والله أعلم.

стр. 1836

فصل في تزويج النَّبيِّ ﷺ بأُم حَبيبة بنت أبي سُفْيَان (١) ذكر البيهقيُّ (٢) بعد وقعة الخندق من طريق الكلبيِّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ [الممتحنة: ٧]. قال: هو تزويج النبي - ﷺ بأم حبيبة بنت أبي سفيان، فصارت أمَّ المؤمنين، وصار معاوية خال المؤمنين. ثم قال البيهقيُّ (٣): أنبا أبو عبد الله الحافظ، ثنا علي بن عيسى (٤) ثنا أحمد بن نجدة، ثنا يحيى بن عبد الحميد، أنبأ ابن المبارك، عن معمر، عن الزُّهريِّ، عن عُرْوَة، عن أُمِّ حبيبة، أنها كانت عند عبيد الله بن جحش، وكان رحل إلى النجاشيِّ فمات، وأن رسول الله ﷺ تزوَّج بأُمِّ حبيبة وهي بأرض الحبشة، وزوَّجها إيّاه النجاشيُّ، ومَهَرَهَا أربعة آلاف درهم، وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة وجهَّزها من عنده، وما بعث إليها رسول الله ﷺ بشيء. قال: وكان مهور أزواج النبيِّ ﷺ أربعمئة. قلت: الصحيح أن مهور أزواج النبيِّ ﷺ كانت ثنتي عشرة أوقيَّة ونشًّا، والأوقيَّة أربعون درهمًا، والنَّشنُ: النصف، وذلك يعدل خمسمئة درهم. ثم روى البيهقيُّ (٥)، من طريق ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوَة، أن عبيد الله بن جحش مات بالحبشة نصرانيًا، فَخَلَفَ على زوجته أُمِّ حبيبة رسول الله ﷺ ، زوَّجها منه عثمان بن عَفَّان، ﵁. قلت: أمّا تنصُّر عبيد الله بن جَحْش فقد تقدَّم بيانه، وذلك على أثر ما هاجر مع المسلمين إلى أرض الحبشة؛ استزلَّه الشيطان فزيَّن له دين النَّصارى، فصار إليه حتى مات، عليه لعنة الله، وكان يلقى المسلمين فيقول لهم: أبصرنا وصأصأتم (٦). وقد تقدَّم شرح ذلك في هجرة الحبشة. وأما قول عُروة: إنَّ عثمان زوَّجها منه فغريب؛ لأن عثمان كان قد رجع إلى مَكَّة قبل ذلك، ثم هاجر إلى المدينة وصحبته زوجته رُقيَّة كما تقدَّم، والله أعلم.

стр. 1837

والصحيح ما ذكره يونس، عن محمد بن إسحاق قال: بلغني أن الذي ولي نكاحها ابن عَمِّها خالد بن سعيد بن العاص. قلت: وكان وكيل رسول الله ﷺ في قبول العقد أَصْحَمَة النجاشيُّ ملك الحبشة، كما قال يونس، عن محمد بن إسحاق: حدَّثني أبو جعفر محمد بن عليِّ بن الحسين قال: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أُميَّة الضَّمريَّ إلى النجاشيِّ، فزوَّجه أمِّ حَبيبة بنت أبي سفيان، وساق عنه أربعمئة دينار. وقال الزُّبير بن بكَّار (١): حدَّثني محمد بن الحسن، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن زهير، عن إسماعيل بن عمرو، أن أمَّ حبيبة بنت أبي سفيان قالت: ما شعرت وأنا بأرض الحبشة إلا برسول النجاشيِّ جارية يقال لها: أَبرهة. كانت تقوم على ثيابه ودهنه، فاستأذنت عليَّ فأذنت لها، فقالت: إن الملك يقول لك: إن رسول الله ﷺ كتب إليَّ أن أُزوِّجكِه. فقلت: بشَرك الله بالخير. وقالت: يقول لك الملك: وكِّلي من يزوِّجك. قالت: فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص، فوكَّلته، وأَعطيت أَبرهة سوارين من فضَّة، وخدمتين (٢) من فضة كانتا عليَّ، وخواتيم من فضة كانت في كلِّ أصابع رجليَّ؛ سرورًا بما بشَّرتني به، فلما أن كان من العشيِّ أمر النجاشيُّ جعفر بن أبي طالب ومن كان هناك من المسلمين أن يحضروا، وخطب النجاشيُّ وقال: الحمد لله، الملك القدُّوس السلام، المؤمن المهيمن العزيز الجبار، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنه الذي بشَّر به عيسى ابن مريم، أمَّا بعد، فإن رسول الله ﷺ كتب إليَّ أن أزوجه أمَّ حبيبة بنت أبي سفيان، فأجبت إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ ، وقد أصدقتها أربعمائة دينار. ثم سكب الدنانير بين يدي القوم، فتكلَّم خالد بن سعيد فقال: الحمد لله، أحمده وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحقِّ ليظهره على الدين كلَّه ولو كره المشركون، أمّا بعد، فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ ، وزوَّجته أمِّ حبيبة بنت أبي سفيان، فبارك الله لرسول الله ﷺ . ودفع النجاشيُّ الدنانير إلى خالد بن سعيد فقبضها، ثم أرادوا أن يقوموا، فقال: اجلسوا، فإن من سنة الأنبياء إذا تزوَّجوا أن يؤكل طعام على التزويج، فدعا بطعام فأكلوا ثم تفرَّقوا. قلت: فلعل عمرو بن العاص لما رأى عمرو بن أُمية خارجًا من عند النجاشيِّ بعد الخندق إنما كان في قضية أُمِّ حبيبة، فالله أعلم. لكن قال الحافظ البيهقيُّ (٣): ذكر أبو عبد الله بن منده أن تزويجه، ﵇، بأُمِّ حبيبة كان في سنة ستّ، وأن تزويجه بأُمِّ سلمة كان في سنة أربع.

стр. 1838

قلت: وكذا قال خليفة، وأبو عُبيدة مَعْمَر بن المثنَّى، وابن البرقيِّ: إن تزويج أُمِّ حبيبة كان في سنة ستّ. وقال بعض الناس: سنة سبع. قال البيهقي: وذهب ابن إسحاق إلى أنه ﷺ تزوج بأُم حبيبة قبل أُمِّ سلمة. قال البيهقيُّ: وهو أشبه. قلت: قد تقدَّم تزويجه، ﵇، بأُمِّ سلمة في أواخر سنة أربع، وأمَّا أُمُّ حبيبة فيحتمل أن يكون قبل ذلك، ويحتمل أن يكون بعده، وكونه بعد الخندق أشبه؛ لما تقدَّم من ذكر عمرو بن العاص أنه رأى عمرو بن أُمية عند النجاشيِّ، فهو في قضيتها، والله أعلم. وقد حكى الحافظ ابن الأثير في "الغابة" (١) عن قتادة، أن أمِّ حبيبة لما هاجرت من الحبشة إلى المدينة خطبها رسول الله ﷺ وتزوَّجها. وحَكَى عن بعضهم أنه تزوَّجها بعد إسلام أبيها بعد الفتح، واحتجَّ هذا القائل بما رواه مسلم (٢) من طريق عكرمة بن عمَّار اليماميِّ (٣)، عن أبي زميل سماك بن الوليد، عن ابن عباس أن أبا سفيان قال: يا رسول الله، ثلاث أعطنيهن. قال: "نعم". قال: تؤمِّرني على أن أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين. قال: "نعم". قال: ومعاوية تجعله كاتبًا بين يديك. قال: "نعم". قال: وعندي أحسن العرب وأجملهم أمُّ حبيبة بنت أبي سفيان أزوَّجكها … الحديث بتمامه. قال ابن الأثير: وهذا الحديث مما أُنكر على مسلم، لأن أبا سُفيان لما جاء يجدِّد العقد قبل الفتح، دخل على ابنته أمِّ حبيبة فثنت عنه فراش النبيِّ ﷺ ، فقال: والله ما أدري أرغبتِ بي عنه، أو به عني؟ قالت: بل هذا فراش رسول الله ﷺ ، وأنت رجل مشرك. فقال: والله لقد أصابك بعدي يا بنيَّة شرّ. وقال ابن حزم: هذا الحديث وضعه عكرمة بن عفَار. وهذا القول منه لا يتابع عليه. وقال آخرون: أراد أن يجدِّد العقد لما فيه بغير إذنه من الغضاضة عليه. وقال بعضهم: لأنه اعتقد انفساخ نكاح ابنته بإسلامه. وهذه كلُّها ضعيفة، والأحسن في هذا أنه أراد أن يزوِّجه ابنته الأخرى عزَّة، لما رأى في ذلك من الشرف له، واستعان بأختها أُمِّ حبيبة كما في "الصحيحين" (٤)، وإنما وهم الراوي هذا بتسميته أُمَّ حبيبة، وقد أفردنا لذلك جزءًا مفردًا. قال أبو عبيد القاسم بن سلَّام: توفيت أُمُّ حبيبة سنة أربع وأربعين (٥).

стр. 1839

وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: توفِّيت قبل معاوية بسنة، وكانت وفاة معاوية في رجب سنة ستين. * * * تزويجه، ﵇، بزينب بنت جَحش (١) وهي بنت أُميمة بنت عبد المطلب، عمَّة رسول الله ﷺ ، وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة ﵁. قال قتادة، والواقدي، وبعض أهل المدينة: تزوَّجها، ﵇، سنة خمس. زاد بعضهم: في ذي القعدة. قال الحافظ البيهقيُّ: تزوَّجها بعد بني قُريظة. وقال خليفة بن خيَّاط، وأبو عبيدة معمر بن المثنَّى، وابن منده: تزوَّجها سنة ثلاث. والأول أشهر، وهو الَّذي سلكه ابن جرير وغير واحد من أهل التاريخ. وقد ذكر غير واحد من المفسِّرين، والفقهاء، وأهل التاريخ في سبب تزويجه إيَّاها، ﵇، حديثًا ذكره أحمد بن حنبل في "مسنده" (٢) تركنا إيراده قصدًا؛ لئلَّا يضعه بعض من لا يفهم على غير موضعه، وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧) مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٧ - ٣٨]. وقد تكلَّمنا على ذلك في "التفسير" (٣) بما فيه كفاية. فالمراد بالَّذي أنعم الله عليه - هاهنا - زيد بن حارثة، مولى رسول الله ﷺ ، أنعم الله أعليه، بالإسلام، وأنعم عليه رسول الله ﷺ بالعتق، وزوَّجه بابنة عمَّته زينب بنت جحش. قال مُقاتل بن حيَّان: وكان صداقه لها عشرة دنانير وستين درهمًا وخِمَارًا، وملحفةً ودرعًا، وخمسين مُدًّا من طعام، وعشرة أمداد من تمر، فمكثت عنده قريبًا من سنة أو فوقها، ثم وقع بينهما، فجاء زوجها يشكوها إلى رسول الله ﷺ ، فجعل ﷺ يقول له: "اتق الله وأمسك عليك زوجك". قال الله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾

стр. 1840

قال علي بن الحسين زين العابدين، والسُّدِّيُّ: كان اللّه قد أعلمه أنها ستكون من أزواجه، فهو الذي كان في نفسه، ﵇. وقد تكلم كثير من السَّلف بآثار غريبة، وبعضها فيه نظر، تركناها قصدًا. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ وذلك أنَّ زيدًا طلَّقها، فلما انقضت عدتها، بعث إليها رسول اللّه، يخطبها إلى نفسها، ثم تزوجها، وكان الذي زوَّجها منه ربُّ العالمين ﵎ (١)، كما ثبت في "صحيح البخاري" (٢) عن أنس بن مالك، أن زينب بنت جحش كانت تفخر على أزواج النبي ﷺ فتقول: زوجكن أهاليكنَّ، وزوَّجني اللّه من فوق سبع سماوات. وفي رواية (٣) من طريق عيسى بن طَهْمَان، عن أنس قال: كانت زينب تفخر على نساء النبي ﷺ وتقول: أنكحني اللّه من السماء. وفيها أنزلت آية الحجاب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٣]. وروى البيهقي (٤) من حديث حَمَّاد بن زيد، عن ثابت، عن أنس قال: جاء زيد يشكو زينب، فجعل رسول اللّه ﷺ يقول: "اتق اللّه، وأمسك عليك زوجك". قال أنس: فلو كان رسول اللّه ﷺ كاتمًا شيئًا لكتم هذه، فكانت تفخر على أزواج النَّبِيِّ ﷺ تقول: زوَّجكن أهاليكنَّ، وزوَّجني اللّه من فوق سبع سماوات. ثم قال: رواه البخاري، عن أحمد، عن محمد بن أبي بكر المقدَّمي، عن حمَّاد بن زيد. ثم روى البيهقيُّ (٥) من طريق عَفَّان، عن حَمَّاد بن زيد، عن ثابت، عن أنس، قال: جاء زيد يشكو إلى رسول اللّه ﷺ من زينب بنت جحش، فقال النبي ﷺ : "أمسك عليك أهلك". فنزلت: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾. ثم قال: [رواه] البخاري (٦)، عن محمد بن عبد الرحيم، عن معلَّى بن منصور، عن حَمَّاد مختصرًا. وقال ابن جرير: ثنا ابن حميد، ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي قال: كانت زينب تقول للنبي ﷺ : إنِّي لأدِلُّ عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدِلُّ بهنَّ؛ أنَّ جدِّي وجدَّك واحد - تعني عبد المطَّلب، فإنه أبو أَبي النبي ﷺ وأبو أُمِّها أُميمة بنت عبد المطلب - وأني أنكحنيك اللّه، ، من السماء، وأن السفير جبريل، ﵇.

стр. 1841

وقال الإمام أحمد (١): ثنا هاشم - يعني ابن القاسم أبا النَّضر - ثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: لما انقضت عدَّة زينب، قال النبيُّ ﷺ لزيد: "اذهب فاذكرها عليَّ". فانطلق حتى أتاها وهي تخفر عجينها. قال: فلمَّا رأيتها، عَظمت في صدري، حتى ما أستطيع أن أنظر إليها أنَّ رسول اللّه ﷺ ذكرها، فولَّيتها ظهري، ونكصت على عقبيَّ وقلت: يا زينب، أبشري، أرسلني رسول اللّه ﷺ يذكرك. قالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتى أؤامر ربِّي، . فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول اللّه ﷺ فدخل عليها بغير إذن. قال أنس: ولقد رأيتنا حين دخل عليها رسول الله ﷺ ، أطعمنا عليها الخبز واللحم، فخرج الناس، وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطَّعام، فخرج رسول اللّه ﷺ واتَّبعتُه، فجعل يتَبَّع حُجَر نسائه يسلِّم عليهنَّ، ويقلن: يا رسول اللّه ﷺ ، كيف وجدت أهلك؟ فما أدري أنا أخبرته أنَّ القوم (٢) قد خرجوا، أو أُخبر. قال: فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه، فألقى السِّتر بيني وبينه، ونزل الحجاب، ووعِظ القوم بما وعِظوا به ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ الآية. وكذا رواه مسلم والنسائي (٣) من طرق، عن سليمان بن المغيرة. * * * ذكر نزول الحِجَاب صَبيحة عُرْسِهَا (٤) الذي ولي اللّه عقد نكاحه فناسب نزول الحجاب في هذا العرس صيانة لها ولأَخواتها من أُمَّهَات المؤمنين، وذلك وفق الرأي العُمَريِّ. قال البخاريُّ (٥): ثنا محمد بن عبد الله الرَّقاشيُّ، ثنا معتمر بن سليمان، سمعت أبي، ثنا أبو مجلز، عن أنس بن مالك قال: لما تزوَّج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش دعا القوم فطَعِمُوا ثم جلسوا يتحدَّثون، فإذا هو يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلمَّا رأى ذلك قام، فلمَّا قام، قام من قام، وقعد ثلاثة نفرٍ، وجاء النبي ﷺ ليدخل فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا فانطلقوا، فجئت فأخبرت النبي ﷺ أنهم قد

стр. 1842

انطلقوا، فجاء حتى دخل فذهبت أدخل فأَلقى الحجاب بيني وبينه، فأنزل اللّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٣]. وقد رواه البخاري في مواضع أُخر ومسلم والنسائي (١)، من طرق عن معتمر. ثم رواه البخاريُّ (٢) منفردًا به من حديث أيوب، عن أبي قِلابة، عن أنس، بنحوه. وقال البخاريُّ (٣): ثنا أبو معمر، ثنا عبد الوارث، ثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، قال: بُنيَ على النبي ﷺ بزينب بنت جحش بخبز ولحم، فَأُرْسِلْتُ على الطعام داعيًا، فيجئ قوم فيأكلون ويخرجون، ثم يجئ قوم فيأكلون ويخرجون، فدعوت حتى ما أجد أحدًا أدعوه، فقلت: يا نبيَّ اللّه، ما أجد أحدًا أدعوه. قال: "فارفعوا طعامكم. وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت، فخرج النبي ﷺ ، فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: "السلام عليكم أهل البيت ورحمة اللّه وبركاته". قالت: وعليك السلام ورحمة اللّه، كيف وجدت أهلك، بارك اللّه لك؟ فتقرَّى (٤) حُجَر نسائه كلِّهن، يقول لهن كما يقول لعائشة، ويقُلن له كما قالت عائشة، ثم رجع النبي ﷺ ، فإذا رهط ثلاثة في البيت يتحدثون، وكان النبي ﷺ شديد الحياء، فخرج منطلقًا نحو حجرة عائشة، فما أدري أَخْبَرْتُهُ، أم أُخبر أن القوم خرجوا؟ فخرج حتى إذا وضع رجله في أُسكفَّة الباب (٥) داخلة (٦) وأخرى خارجة، أرخى السِّتر بيني وبينه، وأُنزلت آية الحجاب. تفرَّد به البخاريُّ من هذا الوجه. ثم رواه (٧) منفردًا به أيضًا، عن إسحاق - هو ابن منصور - عن عبد اللّه بن بكر السَّهميِّ، عن حميد، عن أنس، بنحو ذلك، وقال: رجلان، بدل: ثلاثة، فاللّه أعلم. قال البخاريُّ (٨): وقال إبراهيم بن طَهْمَان، عن الجَعْد أبي عثمان، عن أنس، فذكر نحوه. وقد قال ابن أبي حاتم (٩): ثنا أبي، ثنا أبو المظفَّر، ثنا جعفر بن سليمان، عن الجعد أبي عثمان اليشكريِّ، عن أنس بن مالك، قال: أَعْرَس رسول اللّه ﷺ ببعض نسائه، فصنعت أُمُّ سُلَيم حَيْسًا ثم

стр. 1843

وضعته في تَوْر (١)، فقالت: اذهب بهذا إلى رسول الله ﷺ ، وأخبره أنَّ هذا مِنَّا له قليل. قال أنس: والناس يومئذ في جهد، فجئت به فقلت: يا رسول الله بعثتْ بهذا أمُّ سُلَيم إليك، وهي تقرئك السلام وتقول: أخبره أن هذا منّا له قليل. فنظر إليه ثم قال: "ضعه". فوضعتُه في ناحية البيت، ثم قال: "اذهب فادع لي فلانًا وفلانًا" فسمَّى رجالًا كثيرًا. قال: "ومن لقيتَ من المسلمين". فدعوت من قال لي، ومن لقيت من المسلمين، فجئت والبيت والصُّفة والحُجْرَة ملأى من الناس، فقلت: يا أبا عثمان، كم كانوا؟ قال: كانوا زهاء ثلاثمئة. قال أنس: فقال لي رسول الله ﷺ : "جئ به". فجئت به إليه، فوضع يده عليه ودعا، وقال: "ما شاء الله". ثم قال: "ليتحلَّق عشرة عشرة، ويُسَمُّوا، وليأكل كلُّ إنسان مما يليه". فجعلوا يسمُّون ويأكلون حتى أكلوا كلُّهم، فقال لي رسول اللّه ﷺ : "ارفعه". قال: فجئت فأخذت التَّوْر فنظرت، فما أدري أهو حين وضعته أكثر أم حين رفعته. قال: وتخلَّف رجال يتحدَّثون في بيت رسول الله ﷺ ، وزوج رسول الله ﷺ التي دخل بها معهم مولِّية وجهها إلى الحائط، فأطالوا الحديث، فشقُّوا على رسول الله ﷺ ، وكان أشدَّ الناس حياء، ولو علموا كان ذلك عليهم عزيزًا، فقام رسول الله ﷺ ، فخرج فسلَّم على حجره وعلى نسائه، فلمَّا رأوه قد جاء ظنُوا أنهم قد ثفلوا عليه، ابتدروا الباب فخرجوا، وجاء رسول اللّه ﷺ ، حتى أرخى السِّتر، ودخل البيت وأنا في الحجرة، فمكث رسول الله ﷺ في بيته يسيرًا، وأَنزل الله عليه القرآن، فخرج وهو يقرأ هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣) إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣، ٥٤]. قال أنس: فقرأهن عليَّ قبل الناس، وأنا أَحْدَثُ الناس بهن عهدًا. وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي (٢) جميعًا، عن قتيبة، عن جعفر بن سليمان، عن الجعد أبي عثمان به. وقال الترمذي: حسن صحيح. ورواه مسلم أيضًا (٣)، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الجعد أبي عثمان، به. وقد روى هذا الحديث البخاريُّ والترمذيُّ والنسائيُّ (٤)، من طرق، عن بيان أبي بشر الأحمسيِّ الكوفيِّ، عن أنس، بنحوه.

стр. 1844

ورواه ابن أبي حاتم (١) من حديث أبي نَضْرَةَ العَبْدي، عن أنس، بنحوه، ولم يخرجوه. ورواه ابن جرير (٢) من حديث عمرو بن سعيد، ومن حديث الزهري، عن أنس، بنحو ذلك. قلت: كانت زينب بنت جحش، ﵂، من المهاجرات الأُوَل، وكانت كثيرة الخير والصَّدقة، وكان اسمها أولًا بَرَّة فسمَّاها النبيُّ ﷺ زينب، وكانت تُكنَّى بأُمِّ الحكم، قالت عائشة، ﵂: ما رأيت امرأة قطُّ خيرًا في الدِّين من زينب، وأتقى للّه، وأصدق حديثًا، وأوصل للرَّحم، وأعظم أمانة وصدقة. وثبت في "الصحيحين" (٣) كما سيأتي في حديث الإفك، عن عائشة أنها قالت: وسأل رسول اللّه ﷺ عنِّي زينب بنت جحش، وهي التي كانت تُسَاميني من نساء النبي ﷺ ، فعصمها اللّه بالورع، فقالت: يا رسول اللّه، أحمي سمعي وبصري، ما علمت إلَّا خيرًا. وقال مسلم بن الحجاج في "صحيحه" (٤): ثنا محمود بن غيلان، ثنا الفضل بن موسى السِّينانيُّ، ثنا طلحة بن يحيى بن طلحة، [عن عائشة بنت طلحة]، عن عائشة أُمِّ المؤمنين قالت: قال رسول اللّه ﷺ : "أسرعكنَّ لُحوقًا بي أطولكن يدًا". قال: فكنّا نتطاول أَيُّنا أطول يدًا. قالت: فكانت زينب أطولنا يدًا؛ لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدَّق. انفرد به مسلم. قال الواقديُّ وغيره من أهل السِّير والمغازي والتَّواريخ (٥): توفِّيت سنة عشرين من الهجرة، وصلَّى عليها أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب، ﵁، ودفنت بالبقيع، وهي أول امرأة صُنِعَ لها النَّعش. * * *

стр. 1845

سنة ست من الهجرة النبوية قال البيهقي (١): يقال: في المحرم منها كانت سرية محمد بن مسلمة قِبَلَ نجد، وأسروا فيها ثُمامة بن أُثال اليمامي. قلت: لكن في سياق ابن إسحاق، عن سعيد المقبريِّ، عن أبي هريرة، أنه شهد ذلك، وهو إنما هاجر بعد خيبر، فتؤخَّر إلى ما بعدها، والله أعلم. وهي السنة التي كان في أوائلها غزوة بني لِحْيَان، على الصحيح. قال ابن إسحاق (٢): وكان فتح بني قُريظة في ذي القعدة وصدر من ذي الحجَّة، وولي تلك الحجَّة المشركون. يعني في سنة خمس كما تقدَّم. قال: ثم أقام رسول الله ﷺ بالمدينة ذا الحجَّة والمحرَّم وصفرًا وشهري ربيع، وخرج في جُمادى الأولى على رأس ستة أشهر من فتح بني قريظة إلى بني لحيان يطلب بأصحاب الرَّجيع، خُبيب وأصحابه، وأظهر أنه يريد الشام ليصيب من القوم غِرَّة. قال ابن هشام (٣): واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، والمقصود أنه، ﵇، لما انتهى إلى منازلهم هربوا من بين يديه، فتحصَّنوا في رؤوس الجبال فمال إلى عُسْفَان فلقي بها جمعًا من المشركين، وصلَّى بها صلاة الخوف. وقد تقدَّم ذِكر هذه الغزوة في سنة أربع، وهنالك ذكرها البيهقيُّ، والأشبه ما ذكره ابن إسحاق أنها كانت بعد الخندق، فإن صلاة الخوف على المشهور إنما فُعلت بعد يوم الخندق. وقد ثبت أنه صلَّى بعُسْفَان يوم بني لحيان، فلتكتب هاهنا، وتحوَّل من هناك اتِّباعًا لإمام أصحاب المغازي في زمانه وبعده، كما قال الشافعيُّ ﵀: من أراد المغازي فهو عيال على محمد بن إسحاق. وقد قال كعب بن مالك (٤) في غزوة بني لحيان: [من الطويل]

стр. 1846

لَوَ أنَّ بني لحيان كانوا تناظروا … لقُوا عُصَبًا في دارهم ذات مَصْدَقِ لقُوا سَرَعانًا يملأ السَّرب رَوعه … أمام طَحونٍ كالمجرَّة فيلقِ ولكنَّهم كانوا وِبارًا تتبَّعت … شِعابَ حجارٍ غير ذي متنفَّقِ * * * غَزْوَة ذي قرد قال ابن إسحاق (١): ثم قدم رسول الله ﷺ المدينة، فلم يقم بها إلَّا ليالي قلائل، حتى أغار عُيينة بن حصن [بن حذيفة] بن بدر الفَزَاريُّ، في خيل من غطفان على لقاح النبيِّ ﷺ بالغابة، وفيها رجلٌ من بني غِفَار ومعه امرأته، فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة في اللِّقاح. قال ابن إسحاق (٢): فحدَّثني عاصم بن عمر بن قَتَادة، وعبد اللّه بن أبي بكر، ومن لا أتَّهم، عن عبد اللّه بن كعب بن مالك - كلٌّ قد حدَّث في غزوة ذي قَرَد بعض الحديث - أنه كان أول من نذِر بهم سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي، غدا يريد الغابة متوشح قوسه ونبله، ومعه غلام لطلحة بن عُبيد اللّه معه فرس له يقوده، حتى إذا علا ثَنِيَّةَ الوَدَاع (٣) نظر إلى بعض خيولهم، فأشرف في ناحية سَلْع (٤)، ثم صرخ: واصباحاه. ثم خرج يشتدُّ في آثار القوم، وكان مثل السَّبُع، حثى لحق بالقوم، فجعل يردّهم بالنَّبل ويقول إذا رمى: [من مجزوء الرجز] خُذْهَا [و] أنا ابنُ الأَكوعْ … اليومُ يوم الرُّضعْ فإذا وجِّهت الخيل نحوه انطلق هاربًا ثم عارضهم، فإذا أمكنه الرَّمي رمى، ثم قال: خُذْهَا [و] أنا ابن الأَكوعْ … اليومُ يوم الرّضعْ قال: فيقول قائلهم أُوَيْكِعُنا (٥) هو أول النهار. قال: وبلغ رسول اللّه ﷺ صياح ابن الأَكوع، فصرخ بالمدينة: "الفَزَعَ الفَزَعَ". فترامت الخيول إلى رسول اللّه ﷺ ، فكان أول من انتهى إليه من الفُرسان المقداد بن الأسود، ثم عبَّاد بن بشر، وسعد بن زيد، وأُسيد بن ظهير - يشك فيه - وعُكَّاشة بن

стр. 1847

محصن، ومحرز بن نضلة، أخو بني أَسد بن خزيمة، وأبو قتادة الحارث بن ربعيِّ، أخو بني سلمة، وأبو عيَّاش عُبيد بن زيد بن صامت، أخو بني زريق. قال: فلمَّا اجتمعوا إلى رسول اللّه ﷺ ، أَمَّر عليهم سعد بن زيد، ثم قال: "اخرج في طلب القوم حتى ألحقك في الناس". وقد قال النبيُّ ﷺ لأبي عيَّاش فيما بلغني عن رجال من بني زريق: "يا أبا عيَّاش، لو أَعطيت هذا الفرس رجلًا هو أفرس منك فلحق بالقوم. قال أبو عيَّاش: فقلت: يا رسول اللّه، أنا أفرس الناس. ثم ضربت الفرس، فواللّه ما جرى بي خمسين ذراعًا حتى طرحني، فعجبت من ذلك، فزعم رجال من بني زريق أن رسول اللّه ﷺ أعطى فرس أبي عيَّاش معاذ بن ماعص، أو عائذ بن ماعص بن قيس بن خَلَدَة، وكان ثامنًا. قال: وبعض الناس يعدُّ سَلَمَةَ بن الأكوع ثامنًا، ويطرح أُسيد بن ظهير، فاللّه أعلم أيُّ ذلك كان. قال: ولم يكن سلمة بن الأكوع يومئذ فارسًا، وقد كان أول من لحق بالقوم على رجليه. قال: فخرج الفرسان حتى تلاحقوا، فحدَّثني عاصم بن عمر بن قتادة أن أول فارس لحق بالقوم محرز بن نضلة، وكان يقال له: الأخرم. ويقال له: قُمير. وكانت [الفرس] التي تحته لمحمود بن مسلمة - وكان يقال للفرس: ذو اللِّمَّة. فلما انتهى إلى العدوِّ قال لهم: قفوا معشر بني اللَّكيعة حتى يلحق بكم من وراءكم من أدباركم من المهاجرين والأنصار. قال: فحمل عليه رجل منهم فقتله، وجال الفرس فلم يُقدر عليه حتى وقف على أَرِيَّة من بني عبد الأشهل، أي: رجع إلى مربطه الذي كان فيه بالمدينة. قال ابن إسحاق (١): ولم يقتل يومئذ من المسلمين غيره. قال ابن هشام (٢): وقد ذكر غير واحد من أهل العلم أنه قد قتل معه أيضًا وقَّاص بن مجزِّز المدلجيُّ. قال ابن إسحاق (٣): وحدَّثني بعض من لا أتَّهم، عن عبد اللّه بن كعب بن مالك، أن محرزًا كان على فرس لعُكَاشة بن محصن يقال لها: الجَنَاح، فقتل محرز واستلبت الجَنَاح، فاللّه أعلم. قال (٤): ولما تلاحقت الخيل قتل أبو قتادة حَبيب بن عُيينة وغشَّاه برده، ثم لحق بالناس، وأقبل رسول اللّه ﷺ في المسلمين - قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أمِّ مكتوم - فإذا حبيبٌ مسجّى ببُرد أبي قتادة، فاسترجع الناس، وقالوا: قتل أبو قتادة. فقال رسول اللّه ﷺ : "ليس بأبي قتادة، ولكنه قتيل لأبي قتادة، ووضع عليه برده لتعرفوا أنه صاحبه". قال: وأدرك عُكَّاشة بن محصن أوبارًا وابنه عمرو بن أوبار، وهما على بعير واحد، فانتظمهما بالرُّمح فقتلهما جميعًا واستنقذوا بعض اللِّقاح. قال: وسار رسول اللّه ﷺ حتى نزل بالجبل من ذي قَرَد، وتلاحق به الناس، فأقام عليه يومًا وليلة، وقال له سلمة بن الأكوع: يا رسول اللّه، لو سرَّحتني في مئة رجل لاستنقذت بقية السَّرح وأخذت بأعناق

стр. 1848

القوم. فقال رسول اللّه ﷺ - فيما بلغني -: "إنهم الآن ليُغبَقون في غطفان". فقسم رسول اللّه ﷺ في أصحابه في كل مائة رجل جزورًا، وأقاموا عليها، ثم رجع قافلًا حتى قدم المدينة. قال: وأقبلت امرأة الغفاريِّ على ناقة من إبل النبيِّ ﷺ ، حتى قدمت عليه المدينة فأخبرته الخبر، فلمَّا فرغت قالت: يا رسول اللّه، إني قد نذرت للّه أن أنحرها إن نجَّاني اللّه عليها. قال: فتبسَّم رسول اللّه ﷺ ثم قال: "بئس ما جزيتِها أن حملك اللّه عليها ونجَّاك بها ثم تنحرينها، إنه لا نذر في معصية اللّه، ولا فيما لا تملكين، إنما هي ناقة من إبلي، فارجعي إلى أهلك على بركة اللّه". قال ابن إسحاق (١): والحديث في ذلك عن أبي الزُّبير المكِّيِّ، عن الحسن البصريِّ. هكذا أورد ابن إسحاق هذه القصة بما ذكره من الإسناد والسِّياق. وقد قال البخاريُّ (٢): ﵀، بعد قصة الحُديبية وقبل خيبر: غزوة ذي قَرَد، وهي الغزوة التي أغاروا على لِقَاح النبيِّ ﷺ قبل خيبر بثلاث، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا حاتم، عن يزيد بن أبي عُبيد، سمعت سلمة بن الأكوع يقول: خرجت قبل أن يؤذَّن بالأولى، وكانت لقاح النبيِّ ﷺ ترعى بذي قرد، قال: فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف، فقال: أُخذت لقاح النبيِّ ﷺ . فقلت: من أخذها؟ قال: غطفان. قال: فصرخت ثلاث صرخات: يا صباحاه. قال: فأسمعت ما بين لابتي المدينة، ثم اندفعت على وجهي حتى أدركتهم وقد أخذوا يستقون من الماء، فجعلت أرميهم بنجلي، وكنت راميًا، وأقول: أنا ابن الأكوع، اليوم يوم الرُّضَّع. وأرتجز حتى استنقذت اللِّقاح منهم واستلبت منهم ثلاثين بردة. قال: وجاء النبيُّ ﷺ والناس فقلت: يا رسول اللّه، قد حميت القوم الماء، وهم عطاش، فابعث إليهم الساعة. فقال: "يابن الأكوع ملكت فَأَسْجِحْ (٣). ثم رجعنا، ويردفني رسول اللّه ﷺ على ناقته حتى قدمنا المدينة. وهكذا رواه مسلم (٤)، عن قتيبة، به، ورواه البخاريُّ (٥)، عن أبي عاصم النَّبيل، عن يزيد بن أبي عُبيد، عن مولاه سلمة، بنحوه. وقال الإمام أحمد (٦): ثنا هاشم بن القاسم، ثنا عكرمة بن عمَّار، حدَّثني إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه قال: قدمنا المدينة زمن الحُديبية مع رسول اللّه ﷺ ، فخرجت أنا ورباح غلام النبيِّ بظهر رسول اللّه ﷺ ، وخرجت بفرس لطلحة بن عبيد اللّه، كنت أريد أن أندِّيَه مع الإبل، فلمَّا كان بغَلَسٍ

стр. 1849

أغار عبد الرحمن بن عُيينة على إبل رسول الله ﷺ ، فقتل راعيها وخرج يطردها هو وأناس معه في خيل، فقلت: يا رباح، اقعد على هذا الفرس فألحقه بطلحة، وأخبر رسول اللّه ﷺ أنه قد أُغير على سرحه. قال: وقمت على تلّ فجعلت وجهي من قبل المدينة، ثم ناديت ثلاث مرات: يا صباحاه. قال: ثم اتَّبعت القوم، معي سيفي ونبلي، فجعلت أرميهم وأعقر بهم، وذلك حين يكثر الشَّجر. فإذا رجع إليَّ فارس جلست له في أصل شجرة، ثم رميت، فلا يُقبل على فارس إلا عقرت به، فجعلت أرميهم، وأنا أقول: أنا ابن الأَكوع، واليوم يوم الرُّضَّع. قال: فألحق برجل منهم فأرميه، وهو على راحلته فيقع سهمي في الرَّجل حتى انتظم كتفه، فقلت: خُذْهَا وأنا ابن الأكوعِ … اليوم يوم الرُّضَّعِ فإذا كنت في الشجر أحرقتهم بالنَّبل، فإذا تضايقت الثَّنايا علوت الجبل فردَيتهم بالحجارة، فما زال ذاك شأني وشانهم أتبعهم وأرتجز، حتى ما خلق اللّه شيئًا من ظهر رسول الله ﷺ إلَّا خلَّفته وراء ظهري، فاستنقذته من أيديهم، ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحًا، وأكثر من ثلاثين بردة يستخفُون منها، ولا يلقون من ذلك شيئًا إلا جعلت عليه حجارة، وجمعت على طريق رسول الله ﷺ ، حتى إذا امتدَّ الضحى أتاهم عيينة بن بدر الفزاريُّ مددًا لهم، وهم [في] ثنيَّة ضيقة، ثم علوت الجبل، فأنا فوقهم، فقال عيينة: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقِينا [من هذا] البرح، ما فارقنا بسحر حتى الآن، وأخذ كلَّ شيء في أيدينا وجعله وراء ظهره. فقال عُيينة: لولا أنَّ هذا يرى أنَّ وراءه طلبًا لقد ترككم، ليقم إليه نفر منكم. فقام إليه نفر منهم أربعة، فصعِدوا في الجبل، فلمَّا أسمعتُهم الصوت قلت: أتعرفونني؟ قالوا: ومن أنت؟ قلت: أنا ابن الأكوع، والذي كرَّم وجه محمد لا يطلبني رجل منكم فيدركني ولا أطلبه فيفوتني. فقال رجل منهم: إنْ أَظُن. قال: فما برحتُ مقعدي ذلك حتى نظرت إلى فوارس رسول اللّه ﷺ ، يتخَلَّلون الشجر، وإذا أولهم الأخرم الأسدي، وعلى أثره أبو قتادة فارس رسول اللّه ﷺ وعلى أثر أبي قتادة المقداد بن الأسود الكنديُّ، فولَّى المشركون مدبرين، وأنزل من الجبل فآخذ عنان فرسه، فقلت: يا أخرم، انذر القوم - يعني احذرهم - فإني لا آمن أن يقتطعوك، فاتَّئد حتى يلحق رسول اللّه ﷺ وأصحابه. قال: يا سلمة، إن كنت تؤمن باللّه واليوم الآخر وتعلم أنَّ الجنة حقّ والنار حقٌّ، فلا تحل بيني وبين الشهادة. قال: فخلَّيت عَنَانَ فرسه، فيلحق بعبد الرحمن بن عُيينة، ويعطف عليه عبد الرحمن، فاختلفا طعنتين، فعقر الأخرم بعبد الرحمن، وطعنه عبد الرحمن فقتله، فتحوَّل عبد الرحمن على فرس الأخرم، فيلحق أبو قتادة بعبد الرحمن فاختلفا طعنتين فعقر بأبي قتادة، وقتله أبو قتادة، وتحوَّل أبو قتادة على فرس الأخرم، ثم إني خرجت أعدو في أثر القوم حتى ما أرى من غبار صحابة النبيِّ ﷺ شيئًا، ويعرضون قبل غيبوبة الشَّمس إلى شِعْبٍ فيه ماءٌ يقال له: ذو قرد. فأرادوا أن يشربوا منه، فأبصروني أعدو وراءهم فعطفوا عنه، واشتدوا في الثنيَّة ثنَّيةِ ذي بئر، وغربت الشمس، وألحق رجلًا فأرميه فقلت:

стр. 1850

خذها وأنا ابن الأَكوع … اليوم يوم الرُّضَّعِ قال: فقال: يا ثُكل أمِّ أكوع بُكرةَ. فقلت: نعم، أي عدوَّ نفسه. وكان الذي رميته بكرة، وأتبعته سهمًا آخر فعلق به سهمان، ويخلفون فرسين فجئت [بهما] أسوقهما إلى رسول اللّه ﷺ وهو على الماء الذي أجليتهم عنه، ذو قرد، وإذا بنبيِّ الله ﷺ في خمسمئة، وإذا بلال قد نحر جزورًا مما خَلَفْتُ، فهو يشوي لرسول اللّه ﷺ من كبدها وسنامها، فأتيت رسول اللّه ﷺ فقلت: يا رسول اللّه، خلِّني فأنتخب من أصحابك مائة، فآخذ على الكُفَّار بالعشوة، فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته. فقال: "أكنتَ فاعلًا ذلك يا سلمة؟ "قال: قلت: نعم والذي أكرمك. فضحك رسول اللّه ﷺ ، حتى رأيت نواجذه في ضوء النار، ثم قال: "إنهم يُقْرَون الآن بأرض غطفان". فجاء رجل من غطفان فقال: مَرُّوا على فلان الغطفانيِّ، فنحر لهم جزورًا، فلمَّا أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرة، فتركوها وخرجوا هرابًا، فلمَّا أصبحنا قال رسول اللّه ﷺ : "خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجَّالتنا سلمة". فأعطاني رسول اللّه ﷺ سهم الفارس والراجل جميعًا، ثم أردفني وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة، فلمَّا كان بيننا وبينها قريب من ضحوة، وفي القوم رجل من الأنصار كان لا يسبق، جعل ينادي: هل من مسابق؟ ألا رجل يسابق إلى المدينة؟ فأعاد ذلك مرارًا، وأنا وراء رسول اللّه ﷺ مردفي، فقلت له: أما تكرم كريمًا ولا تهاب شريفًا؟ قال: لا، إلا رسول اللّه ﷺ . قال: قلت يا رسول اللّه، بأبي أنت وأمي، خلِّني فلأسابق الرجل. قال: "إن شئت". قلت: اذهب إليك. فطفر عن راحلته وثنيت رجليَّ فطفرت عن الناقة، ثم إني ربطت عليه شرفًا أو شرفين، يعني استبقيت من نفسي، ثم إني عدوت حتى ألحقه، فأَصُكُّ بين كتفيه بيدي، قلت: سبقتك واللّه. أو كلمة نحوها. قال: فضحك وقال: إن أظنُّ. حتى قدمنا المدينة. وهكذا رواه مسلم (١)، من طرق، عن عكرمة بن عمَّار، بنحوه، وعنده: سبقتُه إلى المدينة، فلم نلبث إلا ثلاثًا حتى خرجنا إلى خيبر. ولأحمد هذا السياق. ذكر البخاريُّ والبيهقيُّ هذه الغزوة بعد الحديبية وقبل خيبر، وهو أشبه مما ذكره ابن إسحاق، واللّه أعلم، فينبغي تأخيرها إلى أوائل سنة سبع من الهجرة، فإنَّ خيبر كانت في صفر منها. وأما قصة المرأة التي نجت على ناقة النبيِّ ﷺ ونذرت نحرها لنجاتها عليها، فقد أوردها ابن إسحاق (٢) بروايته، عن أبي الزبير، عن الحسن البصريِّ مرسلًا، وقد جاء متَّصلًا من وجوه أخر. قال الإمام أحمد (٣): ثنا عفَّان، ثنا حمَّاد بن زيد، ثنا أيوب، عن أبي قِلابة، عن أبي المُهَلَّب،

стр. 1851

عن عِمْرَان بن حُصين قال: كانت العضباء لرجل من بني عقيل، وكانت من سوابق الحاجِّ، [فأسر الرجل] (١)، فأخذت العضباء معه. قال: فمرَّ به رسول اللّه ﷺ وهو في وثاق، ورسول اللّه ﷺ على حمار عليه قطيفة فقال: يا محمد، علام تأخذوني وتأخذون سابقة الحاجّ؟ فقال رسول اللّه ﷺ : "نأخذك بجريرة حلفائك ثقيف". قال: وكانت ثقيف قد أسروا رجلين من أصحاب النبي ﷺ . وقال فيما قال: وإني مسلم. فقال رسول اللّه ﷺ : "لو قلتها وأنت تملك أمرك، أفلحت كلَّ الفلاح". قال: ومضى رسول اللّه ﷺ فقال: يا محمد، إني جائع فأطعمني، وإني ظمآن فاسقني. فقال رسول اللّه ﷺ : "هذه حاجتك". ثم فدي بالرجلين، وحبس رسول اللّه ﷺ العضباء لرحله. قال: ثم إن المشركين أغاروا على سرح المدينة، فذهبوا [به]، وكانت العضباء فيه، قال: وأسروا امرأة من المسلمين. قال: وكانوا إذا نزلوا أراحوا إبلهم بأفنيتهم. قال: فقامت المرأة ذات ليلة بعد ما نوَّموا، فجعلت كلما أتت على بعير رغا حتى أتت على العضباء، فأتت على ناقة ذلول مجرَّسة (٢) فركبتها، ثم وجّهتها قبل المدينة. قال: ونذرت إنِ اللّهُ أنجاها عليها لتنحرنَّها، فلمَّا قدمت المدينة عرفت الناقة، فقيل: ناقة رسول اللّه ﷺ . قال: وأُخبر رسول الله ﷺ بنذرها، أو أتته فأخبرته، فقال: "بئس ما جزيتها" أو: "بئس ما جزتها أن أنجاها اللّه عليها لتنحرنَّها". قال: ثم قال رسول الله ﷺ : "لا وفاء لنذر في معصية اللّه، ولا فيما لا يملك ابن آدم". ورواه مسلم (٣)، عن أبي الرَّبيع الزَّهراني، عن حمَّاد بن زيد، به. قال ابن إسحاق (٤): وكان مما قيل من الأشعار في غزوة ذي قَرَد قول حسان بن ثابت، ﵁ (٥): [من الكامل] لولا الذي لاقت ومسَّ نُسورها … بجنوب سايةَ أمس فى التَّقوادِ للقينكم يحملن كلَّ مدجَّج … حامي الحقيقة ماجدِ الأجدادِ ولسرَّ أولاد اللَّقيطة أننا … سِلْم غداة فوارس المقدادِ كنّا ثمانية وكانوا جحفلًا … لجِبًا فشُكُوا بالرِّماح بدادِ كنا من القوم الذين يلونهم … ويقدِّمون عنان كلِّ جوادِ كلَّا وربِّ الراقصات إلى منى … يقطعن عرض مخارم الأطوادِ حتى نبيل الخيل في عرصاتكم … ونؤوب بالملَكات والأولادِ رهوًا بكلِّ مقلَّص وطِمرَّة … في كلِّ معترك عطفن ووادِ

стр. 1852

أفنى دوابرها ولاح متونها … يومٌ تقاد به ويوم طرادِ فكذاك إنَّ جيادنا ملبونةٌ … والحرب مشعلة بريح غوادِ وسيوفنا بيض الحدائد تجتلي … جنن الحديد وهامة المرتادِ أخذ الإله عليهم لحرامه … ولعزَّة الرحمن بالأسدادِ كانوا بدار ناعمين فبدِّلوا … أيام ذي قَرَد وجوه عنادِ قال ابن إسحاق (١): فغضب سعد بن زيد أمير سرية الفوارس المتقدمين أمام رسول اللّه ﷺ على حسان، وحلف لا يكلِّمه أبدًا، وقال: انْطَلَقَ إلى خيلي وفوارسي فجعَلها للمقداد، فاعتذر إليه حسان بأنه وافق الرَّويّ اسم المقداد، ثم قال أبياتًا يمدح بها سعد بن زيد (٢): [من الرجز] إذا أردتم الأشدَّ الجلدا … أو ذا غناءَ فعليكم سعدا سعد بن زيد لا يهدُّ هدًّا قال: فلم تقع منه بموقع. وقال حسان بن ثابت (٣) في يوم ذي قرد: [من المتقارب] أظنَّ عُيينةُ إذ زارها … بأن سوف يهدم فيها قُصُورا فأُكذبتَ ما كنت صدَّقته … وقلتم سنغنم أمرًا كبيرا فعفت المدينة إذ زرتها … وآنست للأُسد فيها زئيرا وولَّوا سراعًا كشدِّ النَّعام … ولم يكشفوا عن ملطٍّ حصيرا أمير علينا رسول المليـ … ــك أحبب بذاك إلينا أميرا رسول نصدِّق ما جاءه … ويتلو كتابًا مضيئًا منيرا وقال كعب بن مالك (٤) في يوم ذي قرد، يمدح الفرسان يومئذ من المسلمين: [من الطويل] أيحسب أولاد اللَّقيطة أننا … على الخيل لسنا مثلهم في الفوارسِ وإنا أُناس لا نرى القتل سُبَّة … ولا ننثني عند الرِّماح المداعسِ وإنا لنقري الضَّيف من قمع الذُّرى … ونضرب رأس الأبلخ (٥) المتشاوسِ نردُّ كُماة المعلَمين إنا انتخوا … بضرب يسلِّي نخوة المتقاعسِ بكلِّ فتى حامي الحقيقة ماجد … كريم كسِرحان العِضَاهِ مخالسِ

стр. 1853

يذودون عن أحسابهم وتِلادهم … ببيض تقدُّ الهام تحت القوانسِ فسائل بني بدر إذا ما لقيتهم … بما فعل الإخوان يوم التَّمارسِ إذا ما خرجتم فاصدقوا من لقيتمُ … ولا تكتموا أخباركم في المجالسِ وقولوا زللنا عن مخالب خادر … به وحَر في الصدر ما لم يمارسِ * * * غَزوَةُ بني المُصْطَلِقْ من خُزَاعَة قال البخاريُّ: وهي غزوة المُرَيْسِيع (١). قال محمد بن إسحاق (٢): وذلك في سنة ستّ. وقال موسى بن عقبة: سنة أربع. وقال النُّعمان بن راشد، عن الزُّهريِّ: كان حديث الإفك في غزوة المريسيع. هكذا حكاه البخاريُّ، عن مغازي موسى بن عقبة؛ أنَّها كانت في سنة أربع (٣). والذي حكاه البيهقيُّ (٤) عنه وعن عروة؛ أنَّها كانت في شعبان، سنة خمس. وقال الواقديُّ (٥): كانت لليلتين من شعبان، سنة خمس، في سبعمئة من أصحابه. وقال محمد بن إسحاق بن يسار (٦)، بعدما أورد قصة ذي قَرَد: فأقام رسول الله ﷺ بالمدينة بعض جمادى الآخرة، ورجا، ثم غزا بني المُصْطَلِقْ من خُزَاعَة في شعبان، سنة ستّ. قال ابن هشام (٧): واستعمل على المدينة أبا ذرٍّ الغفاريَّ، ويقال: نُمَيْلَة بن عبد اللّه اللَّيثيُّ. قال ابن إسحاق (٨): فحدَّثني عاصم بن عمر بن قَتَادَة، وعبد الله بن أبي بكر، ومحمد بن يحيى بن حبَّان، كُلّ قد حدَّثني بعض حديث بني المُصْطَلِقْ، قالوا: بلغ رسول الله ﷺ أنَّ بني المُصْطَلِقْ يجمعون

стр. 1854

له، وقائدهم الحارث بن أبي ضِرَار، أبو جُويرية بنت الحارث التي تزوَّجها رسول الله ﷺ بعد هذا، فلمَّا سمع بهم خرج إليهم، حتى لقيهم على ماءً من مياههم يقال له: المُرَيْسِيع، من ناحية قُديد إلى الساحل، فتزاحم الناس واقتتلوا، فهزم اللّه بني المصطلق، وقتل من قتل منهم، ونفَّل رسول الله ﷺ أبناءهم ونساءهم وأموالهم، فأفاءهم عليه. وقال الواقديُّ (١): خرج رسول اللّه ﷺ لليلتين خلتا من شعبان، سنة خمس من الهجرة، في سبعمئة من أصحابه إلى بني المصطلق، وكانوا حلفاء بني مدلج، فلمَّا انتهى إليهم، دفع راية المهاجرين إلى أبي بكر الصِّدِّيق، ويقال: إلى عمّار بن ياسر. وراية الأنصار إلى سعد بن عُبَادة، ثم أمر عمر بن الخطَّاب، فنادى في الناس، أن قولوا: لا إله إلا اللّه، تمنعوا بها أنفسكم، وأموالكم. فأبوا، فتراموا بالنَّبل، ثم أمر رسول الله ﷺ المسلمين، فحملوا حملة رجل واحد، فما أفلت منهم رجل واحد، وقتل منهم عشرة، وأسر سائرهم، ولم يقتل من المسلمين إلَّا رجل واحد. وثبت في "الصحيحين" (٢) من حديث عبد اللّه بن عون، قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدُّعاء قبل القتال، فقال: قد أغار رسول اللّه ﷺ على بني المصطلق وهم غازُون، وأنعامهم تُسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى سبيهم، فأصاب يومئذ - أحسبه قال: - جُويرية بنت الحارث (٣). وأخبرني عبد اللّه بن عمر بذلك، وكان في ذلك الجيش. قال ابن إسحاق: وقد أُصيب رجل من المسلمين، يقال له: هشام بن صُبابة. أصابه رجل من الأنصار، وهو يرى أنه من العدوِّ، فقتله خطأ. وذكر ابن إسحاق (٤) أنَّ أخاه مِقْيَس بن صُبابة قدم من مكة مظهرًا للإسلام، فطلب دية أخيه هشام من رسول اللّه ﷺ ؛ لأنَّه قتل خطأ، فأعطاه ديته، ثم مكث يسيرًا، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله، ورجع مرتدًّا إلى مكة، وقال في ذلك: [من الطويل] شَفَى النفس أن قد بات بالقاع مُسْنَدًا … يُضرِّج (٥) ثَوبيه دماءُ الأخادعِ

стр. 1855

وكانت همومُ النفس من قبل قتله … تُلمُّ فتحميني وطاء المضاجعِ حللت به وِتْرِي وأدركت ثُؤرتي … وكنت إلى الأوثان أوَّل راجعِ ثأرت به فِهرًا وحمَّلت عقله … سَراة بني النَّجّار أربابَ فَارعِ (١) قلت: ولهذا كان مِقْيَسُ هذا من الأربعة الذين أهدر رسول اللّه ﷺ يوم الفتح دماءهم، وإن وجدوا مُعلَّقين بأستار الكعبة. قال ابن إسحاق (٢): فبينا الناس (٣) على ذلك الماء، وردت واردة الناس، ومع عمر بن الخطَّاب أجير له من بني غِفَار، يقال له: جهجاه بن مسعود، يقود فرسه، فازدحم جهجاه، وسنان بن وبر الجهني، حليف بني عوف بن الخزرج، على الماء، فاقتتلا، فصرخ الجهنيُّ: يا معشر الأنصار، وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين، فغضب عبد اللّه بن أبي بن سلول، وعنده رهط من قومه، فيهم زيد بن أرقم؛ غلامٌ حدث، فقال: أوقد فعلوها؟ قد نَافرونا، وكاثرونا في بلادنا، واللّه ما أعُدُّنا وجلابيب قريش (٤) هذه، إلَّا كما قال الأول: سَمِّنْ كلبك يأكلك (٥)، أما واللّه، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزُّ منها الأذلَّ. ثم أقبل على من حضره من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم؟ أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما واللّه، لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم؛ لتحَّولوا إلى غير داركم. فسمع ذلك زيد بن أرقم، فمشى به إلى رسول الله ﷺ ، وذلك عند فراغ رسول اللّه ﷺ من عدوِّه، فأخبره الخبر، وعنده عمر بن الخطاب فقال: مر به عبّاد بن بشر فليقتله. فقال رسول اللّه ﷺ : "فكيف يا عمر، إذا تحدَّث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، لا، ولكن أذِّن بالرحيل". وذلك في ساعة لم يكن رسول اللّه ﷺ يرتحل فيها، فارتحل الناس، وقد مشى عبد الله بن أُبى بن سلول إلى رسول اللّه ﷺ ، حين بلغه أن زيد بن أرقم قد بلَّغه ما سمع منه، فحلف باللّه: ما قلت ما قال، ولا تكلَّمت به. وكان في قومه شريفًا عظيمًا، فقال من حضر رسول اللّه ﷺ من الأنصار من أصحابه: يا رسول اللّه، عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثه، ولم يحفظ ما قال الرجل. حَدَبًا (٦) على ابن أُبيٍّ ودفعًا عنه. فلمَّا استقلَّ رسول اللّه ﷺ وسار، لقيه أُسيد بن حضير، فحيَّاه بتحية النبوة وسلَّم عليه، وقال: يا رسول اللّه، واللّه

стр. 1856

لقد رحتَ في ساعة منكرة، ما كنت تروح في مثلها. فقال له رسول اللّه ﷺ : "أوما بلغك ما قال صاحبكم؟ "قال: أيُّ صاحب يا رسول اللّه؟ قال: "عبد اللّه بن أُبيٍّ". قال: وما قال؟ قال: "زعم أنَّه إن رجع إلى المدينة؛ أخرج الأعز منها الأذلَّ". قال: فأنت واللّه يا رسول اللّه، تخرجه إن شئت، هو واللّه الذَّليل وأنت العزيز. ثم قال: يا رسول اللّه ارفق به، فواللّه لقد جاءنا اللّه بك، وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوِّجُوه، فإنَّه ليرى أنَّك قد استلبته مُلكًا. ثم مشى رسول اللّه ﷺ بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مسَّ الأرض، فوقعوا نيامًا، وإنَّما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس؛ من حديث عبد اللّه بن أُبيٍّ، ثم راح رسول اللّه ﷺ بالناس، وسلك الحجاز، حتى نزل على ماءِ بالحجاز فُوَيق النَّقيع، يقال له: بقعاء. فلمَّا راح رسول اللّه ﷺ ، هبَّت على الناس ريح شديدة، فآذتهم وتخوَّفوها، فقال رسول اللّه ﷺ : "لا تخوَّفوها؛ فإنَّما هبَّت لموت عظيم من عظماء الكفار". فلمَّا قدموا المدينة وجدوا رِفَاعة بن زيد بن التَّابوت، أحد بني قينقاع، وكان عظيمًا من عظماء يهود، وكهفًا للمنافقين، مات ذلك اليوم (١). وهكذا ذكر موسى بن عقبة، والواقديُّ. وروى مسلم (٢)، من طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر نحو هذه القصة، إلَّا أنه لم يسمِّ الذي مات من المنافقين، قال: هبَّت ريح شديدة والنَّبِيُّ ﷺ في بعض أسفاره، فقال: "هذه لموت منافق". فلمَّا قدمنا المدينة، إذا هو قد مات عظيم من عظماء المنافقين. قال ابن إسحاق (٣): ونزلت السورة التي ذكر اللّه فيها المنافقين؛ في ابن أبيٍّ، ومن كان على مثل أمره، فأخذ رسول اللّه ﷺ (٤) بأذن زيد بن أرقم، وقال: "هذا الذي أوفى اللّه بأذنه". قلت: وقد تكلَّمنا على تفسيرها بتمامها؛ في كتابنا "التفسير" (٥) بما فيه كفاية عن إعادته هاهنا، وسردنا طرق هذا الحديث عن زيد بن أرقم، وللّه الحمد والمنَّة، فمن أراد الوقوف عليه، أو أحبَّ أن يكتبه هاهنا، فليطلبه من هناك، وباللّه التوفيق. قال ابن إسحاق (٦): حدَّثني عاصم بن عمر بن قتادة أنَّ عبد اللّه بن عبد اللّه بن أُبيِّ بن سلول أتى رسول اللّه ﷺ فقال: يا رسول اللّه، إنَّه بلغني أنَّك تريد قتل عبد اللّه بن أُبيِّ، فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلًا فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فواللّه لقد علمت الخزرج ما كان بها من رجل أبرَّ بوالده منّي،

стр. 1857

وإنِّي أخشى أن تأمر [به غيري] فيقتله، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد اللّه بن أبيٍّ يمشي في الناس، فأقتله، فأقتل مؤمنًا بكافر، فأدخل النار. فقال رسول اللّه ﷺ : "بل نترفَّق به، ونحسن صحبته ما بقي معنا". وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث؛ كان قومه هم الذين يعاتبونه، ويأخذونه ويعنِّفونه، فقال رسول اللّه ﷺ لعمر بن الخطَّاب، حين بلغه ذلك من شأنهم: "كيف ترى يا عمر، أما واللّه لو قتلتُه يوم قلت لي: اقتُله. لأرعدت له آنُف، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته". فقال عمر: قد واللّه علمت؛ لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمري. وقد ذكر عكرمة، وابن زيد، وغيرهما، أنَّ ابنه عبد اللّه، ﵁، وقف لأبيه عبد اللّه بن أُبي ابن سلول عند مضيق المدينة فقال: قف، فوالله لا تدخلها حتى يأذن رسول الله ﷺ في ذلك، فلمَّا جاء رسول الله ﷺ استأذنه في ذلك، فأذن له، فأرسله حتى دخل المدينة. قال ابن إسحاق (١) وأُصيب يومئذ من بني المُصْطَلق ناس، وقتل عليُّ بن أبي طالب منهم رجلين؛ مالكًا وابنه. قال ابن هشام (٢): وكان شعار المسلمين: يا منصور، أَمِتْ أَمِتْ. قال ابن إسحاق (٣): وكان رسول اللّه ﷺ أصاب منهم سبيًا كثيرًا، فقسمهم في المسلمين. وقال البخاريُّ (٤): ثنا قتيبة بن سعيد، أخبرني إسماعيل بن جعفر، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن محمد بن يحيى بن حبَّان، عن ابن محيريز، أنَّه قال: دخلت المسجد فرأيت أبا سعيد الخُدري فجلست إليه، فسألته عن العزل، فقال أبو سعيد: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق، فأصبنا سَبْيًا من سبي العرب، فاشتهينا النساء، واشتدَّت علينا العُزُوبة، وأحببنا العزل، وقلنا: نعزل ورسول اللّه ﷺ بين أظهرنا، قبل أن نسأله. فسألناه عن ذلك فقال: "ما عليكم أن لا تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلَّا وهي كائنة" وهكذا رواه (٥). قال ابن إسحاق (٦): وكان فيمن أُصيب يومئذ من السَّبايا جُويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، فحدَّثني محمد بن جعفر بن الزُّبير، عن عُروة، عن عائشة قالت: لمَّا قسم رسول الله ﷺ سبايا بني

стр. 1858

المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن شمَّاس، أو لابن عمٍّ له، فكاتبتْه على نفسها، وكانت امرأة حلوة ملَّاحة، لا يراها أحد إلَّا أخذت بنفسه، فأتت رسول اللّه ﷺ لتستعينه في كتابتها. قالت: فواللّه، ما هو إلَّا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها (١)، وعرفت أنَّه سيرى منها ما رأيت. فَدَخَلَتْ عليه فقالت: يا رسول اللّه، أنا جُويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيِّد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، فوقعتُ في السهم لثابت بن قيس بن شمَّاس، أو لابن عم له، فكاتبته على نفسي، فجئتك أستعينك على كتابتي. قال: "فهل لك في خير من ذلك؟ "قالت: وما هو يا رسول اللّه؟ قال: "أقضي عنك كتابتك، وأتزوَّجك؟ ". قالت: نعم، يا رسول اللّه. قال: "قد فعلت". قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول اللّه ﷺ قد تزوَّج جُويرية بنت الحارث، فقال الناس: أصهار رسول اللّه ﷺ . فأرسلوا ما بأيديهم. قالت: فلقد أعتق بتزويجه إيَّاها مئة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها. ثم ذكر ابن إسحاق (٢) قصة الإفك بتمامها في هذه الغزوة، وكذلك البخاريُّ (٣)، وغير واحد من أهل العلم، وقد حرَّرتُ طرق ذلك كلِّه في تفسير سورة النُّور (٤)، فليلحق بكماله إلى هاهنا. وباللّه المستعان. وقال الواقديُّ (٥): ثنا حرام، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، قال: قالت جُويرية بنت الحارث: رأيت قبل قدوم النبيِّ ﷺ بثلاث ليال، كأنَّ القمر يسير من يثرب، حتى وقع في حَجْري، فكرهت أن أخبر به أحدًا من الناس، حتى قدم رسول اللّه ﷺ ، فلمَّا سُبينا رجوت الرُّؤيا. قالت: فأعتقني رسول اللّه ﷺ وتزوَّجني، واللّه ما كلَّمته في قومي، حتى كان المسلمون هم الذين أرسلوهم، وما شعرت إلَّا بجارية من بنات عمِّي تخبرني الخبر، فحمدت اللّه تعالى. قال الواقديُّ (٦): ويقال: إنَّ رسول اللّه ﷺ جعل صداقها عتق أربعين من بني المصطلق. وذكر موسى بن عقبة (٧)، عن بني المصطلق أنَّ أباها طلبها وافتداها، ثم خطبها منه رسول الله ﷺ فزوَّجه إيَّاها. * * *

стр. 1859

ذكر قصة الإِفْكِ (١) وهذا سياق محمد بن إسحاق لحديث الإفك. قال ابن إسحاق (٢): حدَّثني الزُّهريُّ، عن علقمة بن وقّاص، وسعيد بن المسيب، وعُرْوَة بن الزُّبير، وعبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة. قال الزُّهريُّ: كلّ (٣) قد حدّثني بعض هذا الحديث، وبعض القوم كان أوعى له من بعض، وقد جمعت لك الذي حدَّثني القوم. قال ابن إسحاق (٤): وحدَّثني يحيى بن عبَّاد بن عبد اللّه بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة، وعبد اللّه بن أبي بكر، [عن عمرة بنت عبد الرحمن]، عن عائشة، عن نفسها، حين قال فيها أهل الإفك ما قالوا، فكلّ قد دخل في حديثها، عن هؤلاء جميعًا، يحدِّث بعضهم ما لم يحدِّث صاحبه، وكلّ كان عنها ثقة، فكلُّهم حدَّث عنها بما سمع، قالت: كان رسول اللّه ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتُهن خرج سهمها، خرج بها معه، فلمَّا كان غزوة بني المصطلق أقرع بين نسائه، كما كان يصنِع، فخرج سهمي عليهنَّ معه، فخرج بي رسول اللّه ﷺ . قالت: وكان النساء إذ ذاك يأكلن العُلق (٥)، لم يهبّجهنَّ (٦) اللحم فيثقلن، وكنت إذا رُحِّل لي بعيري جلست في هودجي، ثم يأتي القوم الذين كانوا يرحِّلون لي، ويحملونني فيأخذون بأسفل الهودج، فيرفعونه فيضعونه على ظهر البعير، فيشدُّونه بحباله، ثم يأخذون برأس البعير فينطلقون به. قالت: فلمَّا فرغ رسول اللّه ﷺ من سفره ذلك، وجَّه قافلًا، حتى إذا كان قريبًا من المدينة نزل منزلًا، فبات به بعضَ الليل، ثم أذَّن في الناس بالرحيل، فارتحل الناس، وخرجت لبعض حاجتي، وفي عنقي عقد لي، فيه جَزع ظفارِ، فلمَّا فرغت انسلَّ من عنقي، ولا أدري، فلمَّا رجعت إلى الرَّحل ذهبت ألتمسه في عنقي، فلم أجده، وقد أخذ الناس في الرَّحيل، فرجعت إلى مكاني الذي ذهبت إليه، فألتمسته حتى وجدته، وجاء القوم خلافي، الذين كانوا يرحِّلون لي البعير، وقد كانوا فرغوا من رحلته، فأخذوا الهودج وهم يظنُّون أنِّي فيه، كما كنت أصنع، فاحتملوه فشدُّوه على البعير، ولم يشكُّوا أنِّي فيه، ثم أخذوا برأس البعير فانطلقوا به، فرجعت إلى العسكر، وما فيه داع ولا مجيب، قد انطلق الناس. قالت: فتلفَّفت بجلبابي، ثم اضطجعت في

стр. 1860

مكاني، وعرفت أن لو افتُقدت لرُجع إليَّ. قالت: فواللّه إنِّي لمضطجعة إذ مرَّ بي صفوان بن المعطَّل السُّلميُّ، وقد كان تخلَّف عن العسكر لبعض حاجته، فلم يبت مع الناس، فرأى سوادي فأقبل حتى وقف عليَّ، وقد كان يراني قبل أن يُضرب علينا الحجاب، فلمَّا رآني قال: إنّا للّه وإنّا إليه راجعون، ظعينة رسول اللّه ﷺ وأنا متلفّفة في ثيابي. قال: ما خلَّفكِ، يرحمكِ اللّه؟ قالت: فما كلَّمته. ثم قرَّب إليَّ البعير، فقال: اركبي. واستأخر عني. قالت: فركبت، وأخذ برأس البعير، فانطلق سريعًا يطلب الناس، فواللّه ما أدركنا الناس، وما افتُقدت حتى أصبحت، ونزل الناس، فلمَّا اطمأنّوا طلع الرجل يقود بي، فقال أهل الإفك ما قالوا، وارتجَّ العسكر، وواللّه ما أعلم بشيء من ذلك، ثم قدمنا المدينة، فلم ألبث أن اشتكيت شكوى شديدة، لا يبلغني من ذلك شيء، وقد انتهى الحديث إلى رسول اللّه ﷺ وإلى أبويَّ، لا يذكرون لي منه قليلًا ولا كثيرًا، إلَّا أنّي قد أنكرت من رسول اللّه ﷺ بعض لطفه بي؛ كنت إذا اشتكيت رحمني، ولطف بي، فلم يفعل ذلك بي في شكواي تلك، فأنكرت ذلك منه، كان إذا دخل عليَّ وعندي أُمِّي تمرِّضني قال: كيف تيكم؟ لا يزيد على ذلك. قالت: حتى وجدت في نفسي فقلت: يا رسول اللّه - حين رأيت ما رأيت من جفائه لي - لو أذنت لي فانتقلت إلى أمّي فمرَّضتني؟ قال: "لا عليك". قالت: فانتقلت إلى أُمِّي، ولا علم لي بشيء ممَّا كان، حتى نقِهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة، وكنّا قومًا عربًا، لا نتَّخذ في بيوتنا هذه الكُنف التي تتَّخذها الأعاجم، نعافها ونكرهها، إنَّما كنا نخرج في فسح المدينة، وإنَّما كانت النساء يخرجن في كلّ ليلة في حوائجهنَّ، فخرجتُ ليلة لبعض حاجتي ومعي أُمُّ مسطح، ابنة أبي رُهم بن المطَّلب. قالت: فواللّه، إنَّها لتمشي معي، إذ عثرت في مِرطها فقالت: تعس مسطح. ومسطح لقب، واسمه عوف. قالت: فقلت: بئس لعمر اللّه ما قلت لرجل من المهاجرين، وقد شهد بدرًا. قالت: أوَما بلغك الخبر يا بنت أبي بكر؟ قالت: قلت: وما الخبر؟ فأخبرتني [بالذي] كان من قول أهل الإفك. قلت: أوَقد كان هذا؟ قالت: نعم واللّه لقد كان. قالت: فواللّه ما قدرت على أن أقضي حاجتي، ورجعت، فواللّه ما زلت أبكي حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدي. قالت: وقلت لأُمِّي: يغفر اللّه لك، تحدَّث الناس بما تحدَّثوا به ولا تذكرين لي من ذلك شيئًا؟ قالت: أي بُنيَّة، خَفِّضي (١) عليك الشأن، فواللّه لقلَّما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبُّها، لها ضرائر، إلَّا كثَّرن، وكثَّر الناس عليها. قالت: وقد قام رسول اللّه ﷺ فخطبهم، ولا أعلم بذلك، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال: "أيها الناس، ما بال رجال يؤذونني في أهلي، ويقولون عليهم غير الحقّ، واللّه ما علمت عليهم إلَّا خيرًا، ويقولون ذلك لرجل؛ واللّه ما علمت منه إلَّا خيرًا، وما يدخل بيتًا من بيوتي إلَّا وهو معي". قالت: وكان كِبْر ذلك عند عبد اللّه بن أُبيِّ ابن سلول، في رجال من الخزرج، مع الذي قال مسطح، وحمنة بنت جحش؛ وذلك أنَّ أُختها زينب بنت جحش [كانت] عند
следующие страницы →