← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

لقد رحتَ في ساعة منكرة، ما كنت تروح في مثلها. فقال له رسول اللّه ﷺ : "أوما بلغك ما قال صاحبكم؟ "قال: أيُّ صاحب يا رسول اللّه؟ قال: "عبد اللّه بن أُبيٍّ". قال: وما قال؟ قال: "زعم أنَّه إن رجع إلى المدينة؛ أخرج الأعز منها الأذلَّ". قال: فأنت واللّه يا رسول اللّه، تخرجه إن شئت، هو واللّه الذَّليل وأنت العزيز. ثم قال: يا رسول اللّه ارفق به، فواللّه لقد جاءنا اللّه بك، وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوِّجُوه، فإنَّه ليرى أنَّك قد استلبته مُلكًا. ثم مشى رسول اللّه ﷺ بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مسَّ الأرض، فوقعوا نيامًا، وإنَّما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس؛ من حديث عبد اللّه بن أُبيٍّ، ثم راح رسول اللّه ﷺ بالناس، وسلك الحجاز، حتى نزل على ماءِ بالحجاز فُوَيق النَّقيع، يقال له: بقعاء. فلمَّا راح رسول اللّه ﷺ ، هبَّت على الناس ريح شديدة، فآذتهم وتخوَّفوها، فقال رسول اللّه ﷺ : "لا تخوَّفوها؛ فإنَّما هبَّت لموت عظيم من عظماء الكفار". فلمَّا قدموا المدينة وجدوا رِفَاعة بن زيد بن التَّابوت، أحد بني قينقاع، وكان عظيمًا من عظماء يهود، وكهفًا للمنافقين، مات ذلك اليوم (١). وهكذا ذكر موسى بن عقبة، والواقديُّ. وروى مسلم (٢)، من طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر نحو هذه القصة، إلَّا أنه لم يسمِّ الذي مات من المنافقين، قال: هبَّت ريح شديدة والنَّبِيُّ ﷺ في بعض أسفاره، فقال: "هذه لموت منافق". فلمَّا قدمنا المدينة، إذا هو قد مات عظيم من عظماء المنافقين. قال ابن إسحاق (٣): ونزلت السورة التي ذكر اللّه فيها المنافقين؛ في ابن أبيٍّ، ومن كان على مثل أمره، فأخذ رسول اللّه ﷺ (٤) بأذن زيد بن أرقم، وقال: "هذا الذي أوفى اللّه بأذنه". قلت: وقد تكلَّمنا على تفسيرها بتمامها؛ في كتابنا "التفسير" (٥) بما فيه كفاية عن إعادته هاهنا، وسردنا طرق هذا الحديث عن زيد بن أرقم، وللّه الحمد والمنَّة، فمن أراد الوقوف عليه، أو أحبَّ أن يكتبه هاهنا، فليطلبه من هناك، وباللّه التوفيق. قال ابن إسحاق (٦): حدَّثني عاصم بن عمر بن قتادة أنَّ عبد اللّه بن عبد اللّه بن أُبيِّ بن سلول أتى رسول اللّه ﷺ فقال: يا رسول اللّه، إنَّه بلغني أنَّك تريد قتل عبد اللّه بن أُبيِّ، فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلًا فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فواللّه لقد علمت الخزرج ما كان بها من رجل أبرَّ بوالده منّي،

стр. 1857

وإنِّي أخشى أن تأمر [به غيري] فيقتله، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد اللّه بن أبيٍّ يمشي في الناس، فأقتله، فأقتل مؤمنًا بكافر، فأدخل النار. فقال رسول اللّه ﷺ : "بل نترفَّق به، ونحسن صحبته ما بقي معنا". وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث؛ كان قومه هم الذين يعاتبونه، ويأخذونه ويعنِّفونه، فقال رسول اللّه ﷺ لعمر بن الخطَّاب، حين بلغه ذلك من شأنهم: "كيف ترى يا عمر، أما واللّه لو قتلتُه يوم قلت لي: اقتُله. لأرعدت له آنُف، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته". فقال عمر: قد واللّه علمت؛ لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمري. وقد ذكر عكرمة، وابن زيد، وغيرهما، أنَّ ابنه عبد اللّه، ﵁، وقف لأبيه عبد اللّه بن أُبي ابن سلول عند مضيق المدينة فقال: قف، فوالله لا تدخلها حتى يأذن رسول الله ﷺ في ذلك، فلمَّا جاء رسول الله ﷺ استأذنه في ذلك، فأذن له، فأرسله حتى دخل المدينة. قال ابن إسحاق (١) وأُصيب يومئذ من بني المُصْطَلق ناس، وقتل عليُّ بن أبي طالب منهم رجلين؛ مالكًا وابنه. قال ابن هشام (٢): وكان شعار المسلمين: يا منصور، أَمِتْ أَمِتْ. قال ابن إسحاق (٣): وكان رسول اللّه ﷺ أصاب منهم سبيًا كثيرًا، فقسمهم في المسلمين. وقال البخاريُّ (٤): ثنا قتيبة بن سعيد، أخبرني إسماعيل بن جعفر، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن محمد بن يحيى بن حبَّان، عن ابن محيريز، أنَّه قال: دخلت المسجد فرأيت أبا سعيد الخُدري فجلست إليه، فسألته عن العزل، فقال أبو سعيد: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق، فأصبنا سَبْيًا من سبي العرب، فاشتهينا النساء، واشتدَّت علينا العُزُوبة، وأحببنا العزل، وقلنا: نعزل ورسول اللّه ﷺ بين أظهرنا، قبل أن نسأله. فسألناه عن ذلك فقال: "ما عليكم أن لا تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلَّا وهي كائنة" وهكذا رواه (٥). قال ابن إسحاق (٦): وكان فيمن أُصيب يومئذ من السَّبايا جُويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، فحدَّثني محمد بن جعفر بن الزُّبير، عن عُروة، عن عائشة قالت: لمَّا قسم رسول الله ﷺ سبايا بني

стр. 1858

المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن شمَّاس، أو لابن عمٍّ له، فكاتبتْه على نفسها، وكانت امرأة حلوة ملَّاحة، لا يراها أحد إلَّا أخذت بنفسه، فأتت رسول اللّه ﷺ لتستعينه في كتابتها. قالت: فواللّه، ما هو إلَّا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها (١)، وعرفت أنَّه سيرى منها ما رأيت. فَدَخَلَتْ عليه فقالت: يا رسول اللّه، أنا جُويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيِّد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، فوقعتُ في السهم لثابت بن قيس بن شمَّاس، أو لابن عم له، فكاتبته على نفسي، فجئتك أستعينك على كتابتي. قال: "فهل لك في خير من ذلك؟ "قالت: وما هو يا رسول اللّه؟ قال: "أقضي عنك كتابتك، وأتزوَّجك؟ ". قالت: نعم، يا رسول اللّه. قال: "قد فعلت". قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول اللّه ﷺ قد تزوَّج جُويرية بنت الحارث، فقال الناس: أصهار رسول اللّه ﷺ . فأرسلوا ما بأيديهم. قالت: فلقد أعتق بتزويجه إيَّاها مئة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها. ثم ذكر ابن إسحاق (٢) قصة الإفك بتمامها في هذه الغزوة، وكذلك البخاريُّ (٣)، وغير واحد من أهل العلم، وقد حرَّرتُ طرق ذلك كلِّه في تفسير سورة النُّور (٤)، فليلحق بكماله إلى هاهنا. وباللّه المستعان. وقال الواقديُّ (٥): ثنا حرام، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، قال: قالت جُويرية بنت الحارث: رأيت قبل قدوم النبيِّ ﷺ بثلاث ليال، كأنَّ القمر يسير من يثرب، حتى وقع في حَجْري، فكرهت أن أخبر به أحدًا من الناس، حتى قدم رسول اللّه ﷺ ، فلمَّا سُبينا رجوت الرُّؤيا. قالت: فأعتقني رسول اللّه ﷺ وتزوَّجني، واللّه ما كلَّمته في قومي، حتى كان المسلمون هم الذين أرسلوهم، وما شعرت إلَّا بجارية من بنات عمِّي تخبرني الخبر، فحمدت اللّه تعالى. قال الواقديُّ (٦): ويقال: إنَّ رسول اللّه ﷺ جعل صداقها عتق أربعين من بني المصطلق. وذكر موسى بن عقبة (٧)، عن بني المصطلق أنَّ أباها طلبها وافتداها، ثم خطبها منه رسول الله ﷺ فزوَّجه إيَّاها. * * *

стр. 1859

ذكر قصة الإِفْكِ (١) وهذا سياق محمد بن إسحاق لحديث الإفك. قال ابن إسحاق (٢): حدَّثني الزُّهريُّ، عن علقمة بن وقّاص، وسعيد بن المسيب، وعُرْوَة بن الزُّبير، وعبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة. قال الزُّهريُّ: كلّ (٣) قد حدّثني بعض هذا الحديث، وبعض القوم كان أوعى له من بعض، وقد جمعت لك الذي حدَّثني القوم. قال ابن إسحاق (٤): وحدَّثني يحيى بن عبَّاد بن عبد اللّه بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة، وعبد اللّه بن أبي بكر، [عن عمرة بنت عبد الرحمن]، عن عائشة، عن نفسها، حين قال فيها أهل الإفك ما قالوا، فكلّ قد دخل في حديثها، عن هؤلاء جميعًا، يحدِّث بعضهم ما لم يحدِّث صاحبه، وكلّ كان عنها ثقة، فكلُّهم حدَّث عنها بما سمع، قالت: كان رسول اللّه ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتُهن خرج سهمها، خرج بها معه، فلمَّا كان غزوة بني المصطلق أقرع بين نسائه، كما كان يصنِع، فخرج سهمي عليهنَّ معه، فخرج بي رسول اللّه ﷺ . قالت: وكان النساء إذ ذاك يأكلن العُلق (٥)، لم يهبّجهنَّ (٦) اللحم فيثقلن، وكنت إذا رُحِّل لي بعيري جلست في هودجي، ثم يأتي القوم الذين كانوا يرحِّلون لي، ويحملونني فيأخذون بأسفل الهودج، فيرفعونه فيضعونه على ظهر البعير، فيشدُّونه بحباله، ثم يأخذون برأس البعير فينطلقون به. قالت: فلمَّا فرغ رسول اللّه ﷺ من سفره ذلك، وجَّه قافلًا، حتى إذا كان قريبًا من المدينة نزل منزلًا، فبات به بعضَ الليل، ثم أذَّن في الناس بالرحيل، فارتحل الناس، وخرجت لبعض حاجتي، وفي عنقي عقد لي، فيه جَزع ظفارِ، فلمَّا فرغت انسلَّ من عنقي، ولا أدري، فلمَّا رجعت إلى الرَّحل ذهبت ألتمسه في عنقي، فلم أجده، وقد أخذ الناس في الرَّحيل، فرجعت إلى مكاني الذي ذهبت إليه، فألتمسته حتى وجدته، وجاء القوم خلافي، الذين كانوا يرحِّلون لي البعير، وقد كانوا فرغوا من رحلته، فأخذوا الهودج وهم يظنُّون أنِّي فيه، كما كنت أصنع، فاحتملوه فشدُّوه على البعير، ولم يشكُّوا أنِّي فيه، ثم أخذوا برأس البعير فانطلقوا به، فرجعت إلى العسكر، وما فيه داع ولا مجيب، قد انطلق الناس. قالت: فتلفَّفت بجلبابي، ثم اضطجعت في

стр. 1860

مكاني، وعرفت أن لو افتُقدت لرُجع إليَّ. قالت: فواللّه إنِّي لمضطجعة إذ مرَّ بي صفوان بن المعطَّل السُّلميُّ، وقد كان تخلَّف عن العسكر لبعض حاجته، فلم يبت مع الناس، فرأى سوادي فأقبل حتى وقف عليَّ، وقد كان يراني قبل أن يُضرب علينا الحجاب، فلمَّا رآني قال: إنّا للّه وإنّا إليه راجعون، ظعينة رسول اللّه ﷺ وأنا متلفّفة في ثيابي. قال: ما خلَّفكِ، يرحمكِ اللّه؟ قالت: فما كلَّمته. ثم قرَّب إليَّ البعير، فقال: اركبي. واستأخر عني. قالت: فركبت، وأخذ برأس البعير، فانطلق سريعًا يطلب الناس، فواللّه ما أدركنا الناس، وما افتُقدت حتى أصبحت، ونزل الناس، فلمَّا اطمأنّوا طلع الرجل يقود بي، فقال أهل الإفك ما قالوا، وارتجَّ العسكر، وواللّه ما أعلم بشيء من ذلك، ثم قدمنا المدينة، فلم ألبث أن اشتكيت شكوى شديدة، لا يبلغني من ذلك شيء، وقد انتهى الحديث إلى رسول اللّه ﷺ وإلى أبويَّ، لا يذكرون لي منه قليلًا ولا كثيرًا، إلَّا أنّي قد أنكرت من رسول اللّه ﷺ بعض لطفه بي؛ كنت إذا اشتكيت رحمني، ولطف بي، فلم يفعل ذلك بي في شكواي تلك، فأنكرت ذلك منه، كان إذا دخل عليَّ وعندي أُمِّي تمرِّضني قال: كيف تيكم؟ لا يزيد على ذلك. قالت: حتى وجدت في نفسي فقلت: يا رسول اللّه - حين رأيت ما رأيت من جفائه لي - لو أذنت لي فانتقلت إلى أمّي فمرَّضتني؟ قال: "لا عليك". قالت: فانتقلت إلى أُمِّي، ولا علم لي بشيء ممَّا كان، حتى نقِهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة، وكنّا قومًا عربًا، لا نتَّخذ في بيوتنا هذه الكُنف التي تتَّخذها الأعاجم، نعافها ونكرهها، إنَّما كنا نخرج في فسح المدينة، وإنَّما كانت النساء يخرجن في كلّ ليلة في حوائجهنَّ، فخرجتُ ليلة لبعض حاجتي ومعي أُمُّ مسطح، ابنة أبي رُهم بن المطَّلب. قالت: فواللّه، إنَّها لتمشي معي، إذ عثرت في مِرطها فقالت: تعس مسطح. ومسطح لقب، واسمه عوف. قالت: فقلت: بئس لعمر اللّه ما قلت لرجل من المهاجرين، وقد شهد بدرًا. قالت: أوَما بلغك الخبر يا بنت أبي بكر؟ قالت: قلت: وما الخبر؟ فأخبرتني [بالذي] كان من قول أهل الإفك. قلت: أوَقد كان هذا؟ قالت: نعم واللّه لقد كان. قالت: فواللّه ما قدرت على أن أقضي حاجتي، ورجعت، فواللّه ما زلت أبكي حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدي. قالت: وقلت لأُمِّي: يغفر اللّه لك، تحدَّث الناس بما تحدَّثوا به ولا تذكرين لي من ذلك شيئًا؟ قالت: أي بُنيَّة، خَفِّضي (١) عليك الشأن، فواللّه لقلَّما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبُّها، لها ضرائر، إلَّا كثَّرن، وكثَّر الناس عليها. قالت: وقد قام رسول اللّه ﷺ فخطبهم، ولا أعلم بذلك، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال: "أيها الناس، ما بال رجال يؤذونني في أهلي، ويقولون عليهم غير الحقّ، واللّه ما علمت عليهم إلَّا خيرًا، ويقولون ذلك لرجل؛ واللّه ما علمت منه إلَّا خيرًا، وما يدخل بيتًا من بيوتي إلَّا وهو معي". قالت: وكان كِبْر ذلك عند عبد اللّه بن أُبيِّ ابن سلول، في رجال من الخزرج، مع الذي قال مسطح، وحمنة بنت جحش؛ وذلك أنَّ أُختها زينب بنت جحش [كانت] عند

стр. 1861

رسول اللّه ﷺ ، ولم تكن امرأة من نسائه تناصيني (١) في المنزلة عنده غيرها، فأمَّا زينب فعصمها الله بدينها فلم تقل إلَّا خيرًا، وأمَّا حمنة فأشاعت من ذلك ما أشاعت، تضارُّني لأختها، فشقيت بذلك، فلمَّا قال رسول اللّه ﷺ تلك المقالة، قال أُسيد بن حضير: يا رسول اللّه، إن يكونوا من الأوس، نكفكهم، وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج، فمرنا أمرك، فواللّه إنَّهم لأهلٌ أن تضرب أعناقهم. قالت: فقام سعد بن عبادة وكان قبل ذلك [يُرى] رجلًا صالحًا، فقال: كذبت، لعمر الله، لا تضرب أعناقهم، أما واللّه ما قلت هذه المقالة إلَّا أنَّك قد عرفت أنَّهم من الخزرج، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا. فقال أُسيد [بن حضير]: كذبت لعمر اللّه، ولكنَّك منافق تجادل عن المنافقين. قالت: وتساور الناس، حتى كاد يكون بين هذين الحيَّين من الأوس والخزرج شرٌّ، ونزل رسول اللّه ﷺ فدخل عليَّ. قالت: فدعا عليّ بن أبي طالب، وأسامة بن زيد فاستشارهما، فأمَّا أسامة فأثنى خيرًا وقاله، ثم قال: يا رسول اللّه، أهلك ولا نعلم منهم إلَّا خيرًا، وهذا الكذب والباطل، وأمَّا عليٌّ فإنَّه قال: يا رسول الله، إنَّ النساء لكثير، وإنَّك لقادر على أن تستخلف، وسل الجارية فإنَّها ستصدقك. فدعا رسول الله ﷺ بَرِيرة ليسألها. قالت: فقام إليها عليّ فضربها ضربًا شديدًا، ويقول: اصدقي رسول اللّه ﷺ . قالت: فتقول: واللّه ما أعلم إلَّا خيرًا، وما كنت أعيب على عائشة شيئًا، إلَّا أنِّي كنت أعجن عجيني، فآمرها أن تحفظه، فتنام عنه، فتأتي الشاة فتأكله. قالت: ثم دخل عليّ رسول الله ﷺ وعندي أبواي، وعندي امرأة من الأنصار، وأنا أبكي وهي تبكي، فجلس فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال: يا عائشة، إنَّه قد كان ما قد بلغك من قول الناس، فاتَّقي اللّه، وإن كنتِ قد قارفت سوءًا مما يقول الناس، فتوبي إلى الله؛ فإنَّ اللّه يقبل التوبة عن عباده. قالت: فواللّه إن هو إلَّا أن قال لي ذلك، فقلص (٢) دمعي، حتى ما أحسّ منه شيئًا، وانتظرت [أبويَّ] أن يجيبا عنِّي رسول اللّه ﷺ ، فلم يتكلَّما. قالت: وايم اللّه لأنا كنت أحقر في نفسي، وأصغر [شأنًا] من أن يُنَزِّل اللّه فيَّ قرآنًا يُقرأ به ويصلَّى به، ولكنّي كنت أرجو أن يُرى النَّبِيِّ ﷺ في نومه شيئًا يكذب به اللّه عني؛ لما يعلم من براءتي، أو يخبر خبرًا، وأمَّا قرآنًا ينزل فيّ، فواللّه لنفسي كانت أحقر عندي من ذلك. قالت: فلمَّا لم أر أبويَّ يتكلَّمان، قلت لهما: ألا تجيبان رسول اللّه ﷺ ؟ فقالا: واللّه ما ندري بماذا نجيبه. قالت: ووالله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر في تلك الأيام. قالت: فلمَّا استعجما عليّ، استعبرت فبكَيت، ثم قلت: والله لا أتوب إلى اللّه ممَّا ذكرت أبدًا، واللّه إنّي لأعلم لئن أقررت بما يقول الناس، واللّه يعلم أنِّي منه بريئة، لأقولنَّ ما لم يكن، ولئن أنا أنكرت ما يقولون، لا تصدِّقونني. قالت: ثم التمست اسم يعقوب، فما أذكره، فقلت: ولكن سأقول كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]. قالت: فواللّه ما برح رسول الله ﷺ مجلسه، حتى تغشَّاه من اللّه ما كان يتغشَّاه،

стр. 1862

فسجِّي بثوبه، ووضعت وسادة من أدم تحت رأسه، فأمَّا أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت، فواللّه ما فزعت وما باليت، قد عرفت أنِّي بريئة، وأنَّ اللّه غير ظالمي، وأمَّا أبواي فوالذي نفس عائشة بيده، ما سُرِّي عن رسول الله ﷺ ، حتى ظننت لتخرجنَّ أنفسهما؛ فرقًا من أن يأتي من اللّه تحقيق ما قال الناس: قالت: ثم سُرِّي عن رسول اللّه ﷺ ، فجلس وإنَّه ليتحدَّر من وجهه مثل الجمان (١) في يوم شاتٍ، فجعل يمسح العرق عن جبينه ويقول: أبشري يا عائشة، قد أنزل اللّه، [ ]، براءتك. قالت: قلت: الحمد لله (٢). ثم خرج إلى الناس فخطبهم [وتلا عليهم] ما أنزل اللّه، ، من القرآن في ذلك، ثم أمر بمسطح بن أُثاثة، وحسان ين ثابت، وحمنة بنت جحش، وكانوا ممَّن أفصح بالفاحشة، فضربوا حدَّهم. وهذا الحديث مخرَّج في "الصحيحين" (٣) عن الزُّهريِّ. وهذا السياق فيه فوائد جمَّة، وذكر حذ القذف لحسان ومن معه رواه أبو داود في "سننه" (٤). قال ابن إسحاق (٥): وقال قائل من المسلمين في ضرب حسان وأصحابه: [من الطويل] لقد ذاق حسّان الذي كان أهله … وحَمْنَةُ إذ قالوا هجيرًا ومسطح تعاطَوا برجم الغيب زوج نبيِّهم … وسَخطةَ ذي العرش الكريم فأُتْرِحوا وآذَوا رسول اللّه فيها فجُلِّلوا … مخازي تبقى عمّموها وفُضِّحوا وصبّت عليهم محصدات كأنَّها … شآبيب قطر من ذرا المزن تسفح وقد ذكر ابن إسحاق (٦) أن حسان بن ثابت قال شعرًا (٧)، يهجو فيه صفوان بن المعطَّل وجماعة من قريش ممَّن تخاصم على الماء من أصحاب جهجهاه كما تقدَّم، أوَّله: [من البسيط] أمسى الجلابيب قد عزّوا وقد كثروا … وابنُ الفُريعة أمسى بيضةَ البلد قد ثكلت أمُّه من كنت صاحبه … أو كان منتشبًا في بُرثن الأسد ما لقتيلي الذي أغدو فآخذه … من دية فيه يعطاها ولا قوَد ما البحر حين تهبُّ الرِّيح شامِيَة … فيغطئلّ ويرمي العبر بالزَّبد يومًا بأغلب منِّي حين تبصرني … ملغيظ أفري كفري العارض الرد

стр. 1863

أمَّا قريش فإني لا أسالمها … حتى ينيبوا من الغيَّات للرَّشد ويتركوا اللآت والعزَّى بمعزلة … ويسجدوا كلُّهم للواحد الصمد ويشهدوا أنَّ ما قال الرسول لهم … حقّ فَيُوفوا بحقّ اللّه والوُكد قال: فاعترضه صفوان بن المعطّل، فضربه بالسيف وهو يقول: [من الطويل] تلقَّ ذُباب السيف عنِّي فإنَّني … غلامٌ إذا هُوجيت لستُ بشاعرِ وذكر (١) أن ثابت بن قيس بن شمَّاس أخذ صفوان حين ضرب حسَّان، فشدَّه وَثاقًا، فلقيه عبد اللّه بن رواحة فقال: ما هذا؟ فقال: ضرب حسَّان بالسيف. فقال عبد اللّه: هل علم رسول اللّه ﷺ بشيء مما صنعت؟ قال: لا. فأطلقه، ثم أتَوا كلّهم رسول اللّه ﷺ ، فقال ابن المعطَّل: يا رسول اللّه، آذاني وهجاني، فاحتملني الغضب فضربته. فقال رسول اللّه ﷺ : "يا حسّان، أتشوَّهت على قومي إذ هداهم اللّه". ثم قال: "أحسن يا حسان فيما أصابك". فقال: هي لك يا رسول الله. فعوَّضه منها بيرحاء التي تصدَّق بها أبو طلحة، وجارية قبطيَّة، يقال لها: سيرين. جاءه منها ابنه عبد الرحمن (٢). قال: وكانت عائشة تقول: سُئل [عن] ابن المعطَّل، فوجد رجلًا حصورًا (٣) ما يأتي النساء، ثم قتل بعد ذلك شهيدًا، ﵁. قال ابن إسحاق (٤): ثم قال حسان بن ثابت (٥)، يعتذر من الذي كان قال في شأن عائشة: [من الطويل] حَصَانٌ رزانٌ ما تُزَنّ بريبةٍ … وتصبح غَرْثَى من لحوم الغَوافلِ عقيلة حيّ من لؤيّ بن غالب … كرام المساعي مجدهم غير زائلِ مهذَّبة قد طيّب اللّه خِيمها … وطهَّرها من كلِّ سوءٍ وباطلِ فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتمُ … فلا رفعتْ سوطي إليّ أناملي وكيف وودِّي ما حييت ونصرتي … لآل رسول اللّه زين المحافلِ له رَتَب عالٍ على الناس كلِّهم … تقاصر عنه سَورة المتطاولِ فإنَّ الذي قد قيل ليس بلائط … ولكنَّه قول امرئ بي ما حلِ وقد زاد يونس بن بكير في روايته عن ابن إسحاق قبل البيت الأَوَّل:

стр. 1864

رأيتكِ وليغفر لك اللّه حُرَّة … من المحصنات غير ذات غوائلِ حصان رزان ما تُزنّ بريبة … وتصبح غرثى من لحوم الغوافلِ وإن الذي قد قيل ليس بلائط … بك الدَّهر بل قيل امرئ متماحلِ فإن كنت أهجوكم كما بلَّغوكمُ … فلا رجعت سوطي إليَّ أناملي فكيف وودّي ما حييت ونصرتي … لآل رسول اللّه زين المحافلِ وإنَّ لهم عزًّا يرى الناس دونه … قصارًا وطال العزّ كلّ التّطاولِ ولتكتب هاهنا الآيات من سورة النُّور، وهي من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ إلى قوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: ١١ - ٢٦]. وما أوردناه هنالك من الأحاديث، والطُّرق، والآثار عن السَّلف والخلف (١)، وباللّه التوفيق. * * * غَزوَة الحُدَيْبِيَة (٢) وقد كانت في ذي القعدة سنة ستّ بلا خلاف. وممَّن نصَّ على ذلك الزُّهريُّ، ونافع مولى ابن عمر، وقتادة، وموسى بن عقبة، ومحمد بن إسمحاق بن يسار، وغيرهم، وهو الذي رواه ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عُروة أنها كانت في ذي القعدة سنة ستّ. وقال يعقوب بن سفيان (٣): ثنا إسماعيل بن الخليل، عن عليّ بن مسهر، أخبرني هشام بن عُروة، عن أبيه قال: خرج رسول اللّه ﷺ إلى الحُديبية في رمضان، وكانت الحُديبية في شوَّال، وهذا غريب جدًّا عن عُروة. وقد روى البخاريُّ ومسلم (٤) جميعًا، عن هُدْبَة، عن هَمَّام، عن قتادة، أن أنس بن مالك أخبره أن رسول اللّه اعتمر أربع عُمَرٍ، كلُّهنَّ في ذي القعدة [إلَّا العُمْرَة التي مع حجَّته، عمرة من الحُديبية في ذي القعدة] وعُمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعُمْرَة من الجِعْرَانَة (٥) في ذي القعدة، حيث قسم غنائم حنين، وعمرة مع حجَّته. وهذا لفظ البخاريّ.

стр. 1865

وقال ابن إسحاق (١): ثم قام رسول اللّه ﷺ بالمدينة رمضان وشوَّالًا، وخرج في ذي القعدة معتمرًا لا يريد حربًا. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة نُمَيْلَة بن عبد اللّه اللَّيثيّ. قال ابن إسحاق: واستنفر العربَ ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه، وهو يخشى من قريش أن يعرضوا له بحرب، أو يصدُّوه عن البيت، فأبطا عليه كثير من الأعراب، وخرج رسول الله ﷺ بمن معه من المهاجرين والأنصار، ومن لحق به من العرب، وساق معه الهَدْيَ، وأحرم بالعُمْرَة؛ ليأمن الناسُ من حربه، وليعلم الناس أنه إنما خرج زائرًا لهذا البيت، ومعظمًا له. قال ابن إسحاق (٢): وحدَّثني محمد بن مُسلم بن شِهَاب الزُّهريّ، عن عُروة بن الزبير، عن المِسْوَر بن مَخْرَمَة، ومَرْوان بن الحَكَم، أنَّهما حدَّثاه قَالا: خرج رسول اللّه ﷺ عام الحُديبية، يريد زِيارة البيت لا يريد قتالًا، وساق معه الهَدْيَ سبعين بدنة، وكان الناس سبعمئة رجل، وكانت كل بدنة عن عشرة نفرٍ، وكان جابر بن عبد الله فيما بلغني يقول: كُنَّا أصحاب الحُديبية أربع عشرة مئة. قال الزهريُّ (٣): وخرج رسول الله ﷺ ، حتى إذا كان بعُسْفَان لقيه بِشْر (٤) بن سُفيان الكَعبيّ فقال: يا رسول الله، هذه قريش قد سمعت بمسيرك، فخرجوا معهم العُوذُ المَطَافِيل، قد لبسوا جلود النّمور، وقد نزلوا بذي طُوى (٥)، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدًا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم، قد قدَّموها إلى كُرَاع الغَمِيم (٦). قال: فقال رسول الله ﷺ : "يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب ماذا عليهم لو خلَّوا بيني وبين سائر العرب؛ فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظنّ قريش؟ فواله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السَّالفة". ثم قال: "من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟ ". قال ابن إسحاق: فحدَّثني عبد الله بن أبي بكر أن رجلًا من أسلم قال: أنا يا رسول الله. قال: فسلك بهم طريقًا وعرًا أجرل (٧) بين شعاب، فلمَّا خرجوا منه، وقد شقَّ ذلك على المسلمين، فأفضَوا

стр. 1866

إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، قال رسول اللّه ﷺ : "قولوا: نستغفر اللّه ونتوب إليه". فقالوا ذلك، فقال: "واللّه إنها للحطّة (١) التي عرضت على بني إسرائيل، فلم يقولوها". قال ابن شهاب: فأمر رسول اللّه ﷺ الناس فقال: "اسلكوا ذات اليمين" بين ظهري الحَمْضِ في طريق تخرجه على ثنيَّة المرار، مهبط الحُديبية من أسفل مكّة. قال: فسلك الجيش ذلك الطريق، فلمَّا رأت خيل قريش قَتَرَةَ الجيش (٢) قد خالفوا عن طريقهم، ركضوا راجعين إلى قريش، وخرج رسول اللّه ﷺ ، حتى إذا سلك في ثنيّة المُرَار (٣) بركت ناقته، فقال الناس: خلأت. فقال: "ما خلأت، وما هو لها بخُلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، لا تدعوني قريش اليوم إلى خُطّة يسألونني فيها صلة الرَّحم، إلا أعطيتهم إيَّاها". ثم قال للناس: "انزلو". قيل له: يا رسول اللّه، ما بالوادي ماء ننزل عليه. فأخرج سهمًا من كنانته، فأعطاه رجلًا من أصحابه، فنزل به في قليب من تلك القُلُب، فغرزه في جوفه، فجاش بالرَّواء، حتى ضرب الناس عنه بعطن (٤). قال ابن إسحاق (٥): فحدَّثني بعض أهل العلم، عن رجال من أسلم، أن الذي نزل في القليب بسهم رسول اللّه ﷺ ناجية بن جندب، سائق بدن رسول اللّه ﷺ . قال ابن إسحاق: وقد زعم بعض أهل العلم أن البراء بن عازب كان يقول: أنا الذي نزلتُ بسهم رسول اللّه ﷺ . فاللّه أعلم أيّ ذلك كان. ثم استدلّ ابن إسحاق للأول بأن جارية من الأنصار جاءت البئر، وناجية في أسفله يميح، فقالت: [من الرجز] يا أيُّها المائح دَلوي دونكا … إني رأيت الناس يحمدونكا يُثنون خيرًا ويُمجّدونكا فأجابها فقال: قد علمت جاريةٌ يمانيهْ … أنّي أنا المائح واسمي ناجيه وطعنة ذات رشاش واهيه … طعنتها عند صدور العاديه قال الزهريّ في حديثه: فلمَّا أطمأنّ رسول اللّه ﷺ ، أتاه بُديل بن ورقاء، في رجال من خزاعة، فكلَّموه وسألوه ما الذي جاء به، فأخبرهم أنه لم يأت يريد حربًا، وإنما جاء زائرًا للبيت ومعظِّمًا لحرمته.

стр. 1867

ثم قال لهم نحوًا مما قال لبشر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش، إنكم تعجلون على محمد، إن محمدًا لم يأت لقتال، إنما جاء زائرًا لهذا البيت. فاتّهموهم وجبّهوهم وقالوا: وإن كان جاء ولا يريد قتالًا؛ فواللّه لا يدخلها علينا عنوة أبدًا، ولا تحدّث بذلك عنا العرب. قال الزّهريّ: وكانت خزاعة عيبة نصح رسول اللّه ﷺ ؛ مسلمها ومشركها، لا يخفون عنه شيئًا كان بمكة. قال: ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الأخيف، أخا بني عامر بن لؤيّ، فلمّا رآه رسول اللّه ﷺ مقبلًا قال: "هذا رجل غادر". فلمّا انتهى إلى رسول اللّه ﷺ وكلَّمه، قال له رسول الله ﷺ نحوًا مما قال لبديل وأصحابه، فرجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول اللّه ﷺ ، ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة، أو ابن زبّان، وكان يومئذ سيد الأحابيش، وهو أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة، فلمّا رآه رسول اللّه ﷺ قال: "إنَّ هذا من قوم يتألّهون، فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه". فلمّا رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده، قد أكل أوباره من طول الحبس عن محلّه، رجع إلى قريش، ولم يصل إلى رسول اللّه ﷺ ؛ إعظامًا لما رأى، فقال لهم ذلك. قال: فقالوا له: اجلس، فإنما أنت أعرابي لا علم لك. قال ابن إسحاق: فحدّثني عبد اللّه بن أبي بكر أن الحُليس غضب عند ذلك وقال: يا معشر قريش، واللّه ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم، أَيُصَدُّ عن بيت اللّه من جاءه معظّمًا له؛ والذي نفس الحُليس بيده لتخلُنّ بين محمد وبين ما جاء له، أو لأنفرنّ بالأحابيش نفرة رجل واحد. قالوا: مه، كفّ عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به. قال الزّهريّ في حديثه (١): ثم بعثوا إلى رسول اللّه ﷺ عروة بن مسعود الثقفيّ، فقال: يا معشر قريش، إني قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمد إذا جاءكم؛ من التّعنيف، وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنكم والد وأني ولد - وكان عُرْوَة لسُبَيْعَة بنت عبد شمس - وقد سمعتُ بالذي نابكم، فجمعت من أطاعني من قومي، [ثم] جئتكم، حتى آسيتكم بنفسي. قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتّهم. فخرج حتى أتى رسول اللّه ﷺ ، فجلس بين يديه، ثم قال: يا محمد، أجمعت أوشاب الناس، ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضّها بهم، إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله، لا تدخلها عليهم عنوة أبدًا، وايم اللّه لكأنّي بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدًا. قال: وأبو بكر الصِّدِّيق، ﵁، خلف رسول اللّه ﷺ ، فقال: امصص بظر اللّات، أنحن ننكشف عنه؟ قال: من هذا يا محمد؟ قال: "هذا ابن أبي قُحَافة". قال: أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها، ولكن هذه بها. قال: ثم جعل يتناول لحية رسول اللّه ﷺ وهو يكلّمه. قال: والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول اللّه ﷺ في الحديد. قال: فجعل يقرع يده، إذا تناول لحية رسول اللّه ﷺ ويقول: اكفف يدك عن وجه رسول اللّه ﷺ ، قبل ألّا تصل إليك. قال: فيقول عروة: ويحك، ما أفظّك

стр. 1868

وأغلظك. قال: فتبسّم رسول اللّه ﷺ ، فقال له عروة: من هذا يا محمّد؟ قال: "هذا ابن أخيك، المغيرة بن شعبة". قال: أي غدر، وهل غَسَلْتُ سَوْءَتَكَ إلَّا بالأمس؟! قال الزّهريّ: فكلَّمه رسول اللّه ﷺ ، بنحو ممّا كلّم به أصحابه، وأخبره أنه لم يأت يريد حربًا، فقام من عند رسول اللّه ﷺ ، وقد رأى ما يصنع به أصحابه، لا يتوضأ إلّا ابتدروا وضوءه، ولا يبصق بصاقًا إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلّا أخذوه، فرجع إلى قريش، فقال: يا معشر قريش، إني قد جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنّجاشيّ في ملكه، وإني واللّه ما رأيت ملكًا في قومه قطّ مثل محمد في أصحابه، ولقد رأيت قومًا لا يُسلمونه لشيء أبدًا، فَرَوا رأيكم. قال ابن إسحاق (١): وحدّثني بعض أهل العلم أن رسول اللّه ﷺ دعا خراش بن أمية الخزاعيّ، فبعثه إلى قريش بمكة، وحمله على بعير له، يقال له: الثّعلب. ليبلّغ أشرافهم عنه ما جاء له، فعقروا به جمل رسول اللّه ﷺ ، وأرادوا قتله، فمنعه الأحابيش، فخلّوا سبيله، حتى أتى رسول اللّه ﷺ . قال ابن إسحاق (٢): وحدّثني بعض من لا أتّهم، عن عكرمة، [عن ابن عباس] أن قريشًا كانوا بعثوا أربعين رجلًا منهم أو خمسين، وأمروهم أن يُطيفوا بعسكر رسول اللّه [ ﷺ ]، ليصيبوا لهم من أصحابه أحدًا، فأُخذوا [أخذًا]، فأُتي بهم رسول اللّه ﷺ ، فعفا عنهم وخلّى سبيلهم، وقد كانوا رموا في عسكر رسول اللّه ﷺ بالحجارة والنّبل، ثم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة، فيبلّغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال: يا رسول اللّه، إني أخاف قريشًا على نفسي، وليس بمكة من بني عديّ بن كعب أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إيّاها وغلظتي عليها، ولكني أدلّك على رجل أعزّ بها مني، عثمان بن عفان. فدعا رسول اللّه ﷺ عثمان بن عفان، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش، يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وإنما جاء زائرًا لهذا البيت ومعظِّمًا لحرمته، فخرج عثمان إلى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة، أو قبل أن يدخلها، فحمله بين يديه، ثم أجاره حتى بلَّغ رسالة رسول اللّه ﷺ ، فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعُظماء قريش، فبلَّغهم عن رسول اللّه ﷺ ما أرسله به، فقالوا لعثمان حين بلّغ رسالة رسول اللّه ﷺ إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف. قال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول اللّه ﷺ . واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول اللّه ﷺ والمسلمين أن عثمان قد قتل. قال ابن إسحاق (٣): فحدّثني عبد اللّه بن أبي بكر أن رسول اللّه ﷺ قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: "لا نبرح حتى نناجز القوم". ودعا رسول اللّه ﷺ إلى البيعة، فكانت بيعة الرّضوان تحت الشجرة،

стр. 1869

فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله ﷺ على الموت. وكان جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله ﷺ لم يبايعنا على الموت، ولكن بايعنا على ألَّا نفرَّ. فبايع رسول الله ﷺ الناس، ولم يتخلّف عنه أحد من المسلمين حضرها، إلَّا الجدّ بن قيس، أخو بني سلمة، وكان جابر بن عبد الله يقول: والله لكأنِّي أنظر إليه لاصقًا بإبط ناقته، [قد] ضبأ إليها، يستتر من الناس، ثم أتى رسول الله ﷺ أن الذي كان من [أمر] عثمان باطل. قال ابن هشام (١): فذكر وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشّعبيّ أن أول من بايع رسول الله ﷺ بيعة الرِّضوان أبو سنان الأسديّ. قال ابن هشام (٢): وحَدَّثَنِي من أثق به، عمّن حدَّثه بإسناد له، عن ابن أبي مُلَيكَة، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ بايع لعثمان، فضرب بإحدى يديه على الأخرى. وهذا الحديث الذي ذكره ابن هشام بهذا الإسناد الضعيف ثابت في "الصحيحين" (٣). قال ابن إسحاق (٤): قال الزّهريّ: ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو أخا بني عامر بن لؤيّ إلى رسول اللّه ﷺ وقالوا: ائت محمدًا وصالحه، ولا يكن في صلحه إلَّا أن يرجع عن عامه هذا، فواللّه لا يتحدَّث العرب أنه دخلها عنوة أبدًا. فأتاه سهيل بن عمرو، فلمّا رآه رسول الله ﷺ مقبلًا قال: "قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل". فلما انتهى سهيل إلى رسول اللّه ﷺ ، تكلَّم فأطال الكلام وتراجعا، ثم جرى بينهما الصلح، فلمَّا التأم الأمر ولم يبق إلَّا الكتاب، وثب عمر فأتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر، أليس برسول الله؟! قال: بلى. قال: أو لسنا بالمسلمين؟! قال: بلى. قال: أوليسوا بالمشركين؟! قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدَّنِيَّة في ديننا؟! قال أبو بكر: يا عمر، الزم غرزه، فإني أشهد أنه رسول الله. قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول اللّه. ثم أتى رسول اللّه ﷺ فقال: يا رسول الله، ألست برسول الله؟! قال: "بلى". قال: أوَلسنا بالمسلمين؟! قال: "بلى". قال: أو ليسوا بالمشركين؟! قال: "بلى". قال: فعلام نعطي الدَّنِيَّة في ديننا؟! قال: "أنا عبد اللّه ورسوله، لن أخالف أمره ولن يضيّعني". فكان عمر، ﵁ يقول: ما زلت أصوم، وأتصدّق، وأصلِّي، وأعتق، من الذي صنعت يومئذ؛ مخافة كلامي الذي تكلَّمت يومئذ، حتى رجوت أن يكون خيرًا. قال: ثم دعا رسول اللّه ﷺ عليّ بن أبي طالب، ﵁، فقال: "اكتب: بسم اللّه الرحمن الرحيم". قال: فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهمّ. قال:

стр. 1870

فقال رسول اللّه ﷺ : "اكتب: باسمك اللهمّ". فكتبها، ثم قال: "اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول اللّه سهيل بن عمرو". [قال: فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول اللّه لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. قال: فقال رسول الله ﷺ : "اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو"] اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيهنّ الناس، ويكفّ بعضهم عن بعض، [على] أنه من أتى محمدًا من قريش بغير إذن وليه ردّه عليهم، ومن جاء قريشًا ممّن مع محمد لم يردّوه عليه، وأنّ بيننا عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال، وأنه من أحبّ أن يدخل في عقد محمد [وعهده] دخل فيه، ومن أحبّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه - فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده. وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم - وأنك ترجع عنا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك، فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثًا، معك سلاح الراكب؛ السيوف في القرب، لا تدخلها بغيرها. قال: فبينا رسول الله ﷺ يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو، إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسُف في الحديد، قد انفلت إلى رسول اللّه ﷺ ، وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ خرجوا وهم لا يشكّون في الفتح؛ لرؤيا رآها رسول اللّه ﷺ ، فلمّا رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع، وما تحمّل عليه رسول اللّه ﷺ في نفسه، دخل [على] الناس من ذلك أمر عظيم، حتى كادوا يهلكون، فلما رأى سهيل أبا جندل، قام إليه فضرب وجهه، وأخذ بتلبيبه، وقال: يا محمد، قد لجّت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيَك هذا. قال: "صدقت". فجعل ينتره بتلبيبه ويجرّه، يعني ليردّه إلى قريش، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أردّ إلى المشركين يفتنونني في ديني؟! فزاد ذلك الناس إلى ما بهم. فقال رسول اللّه ﷺ : "يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن اللّه جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنّا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا، وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد اللّه، وإنّا لا نغدر بهم". قال: فوثب عمر بن الخطاب مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول: [اصبر] يا أبا جندل، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب. قال: ويدني قائم السيف منه. قال: يقول عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب أباه. قال: فضنّ الرجل بأبيه، ونفذت القضية. فلمّا فرغ رسول اللّه ﷺ من الكتاب، أشهد على الصلح رجالًا من المسلمين، ورجالًا من المشركين؛ أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد اللّه بن سهيل بن عمرو، وسعد بن أبي وقاص، ومحمود بن مسلمة، ومكرز بن حفص - وهو [يومئذ] مشرك - وعليّ بن أبي طالب، وكتب، وكان هو كاتب الصحيفة. وكان رسول اللّه ﷺ مضطربًا في الحلّ، وكان يصلّي في الحرم، فلما فرغ من الصلح قام إلى هديه فنحره، ثم جلس فحلق رأسه، وكان الذي حلقه في ذلك اليوم خراش بن أمية بن الفضل الخزاعيّ، فلمّا رأى الناس أن رسول اللّه ﷺ قد نحر وحلق، تواثبوا ينحرون ويحلقون.

стр. 1871

قال ابن إسحاق (١): وحدّثني عبد اللّه بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: حلق رجال يوم الحديبية وقصّر آخرون، فقال رسول اللّه ﷺ : "يرحم اللّه المحلِّقين". قالوا: والمقصّرين يا رسول اللّه؟ قال: "يرحم اللّه المحلّقين". قالوا: والمقصّرين يا رسول اللّه؛ قال: "يرحم اللّه المحلّقين". قالوا: والمقصّرين يا رسول اللّه؟ قال: "والمقصّرين". قالوا: يا رسول اللّه فلم ظاهرت التّرحيم للمحلّقين دون المقصّرين؟ قال: "لم يشكّوا". وقال عبد اللّه بن أبي نجيح: حدّثني مجاهد، عن ابن عباس أنّ رسول اللّه ﷺ أهدى عام الحديبية - في هداياه - جملًا لأبي جهل، في رأسه برة من فضّة؛ ليغيظ بذلك المشركين. هذا سياق محمد بن إسحاق، ﵀، لهذه القصة، وفي سياق البخاريّ - كما سيأتي - مخالفة في بعض الأماكن لهذا السياق، كما ستراها إن شاء اللّه تعالى، وبه الثقة. ولنوردها بتمامها، ونذكر ما في الأحاديث الصّحاح والحسان ما فيه شاهد، في كلّ موطن بحسبه، إن شاء اللّه تعالى، وعليه التّكلان، وهو المستعان. قال البخاريّ (٢): ثنا خالد بن مخلد، ثنا سليمان بن بلال، ثنا صالح بن كيسان، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه، عن زيد بن خالد قال: خرجنا مع رسول اللّه ﷺ عام الحديبية، فأصابنا مطر ذات ليلة، فصلّى لنا رسول اللّه ﷺ الصبح، ثم أقبل [بوجهه] علينا فقال: "أتدرون ماذا قال ربكم؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. [فقال]: "قال اللّه تعالى: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي؛ فأمّا من قال: مطرنا برحمة اللّه، وبرزق اللّه، وبفضل اللّه. فهو مؤمن بي كافر بالكوكب، وأمّا من قال: مطرنا بنجم كذا. فهو مؤمن بالكوكب كافر بي". وهكذا رواه في غير موضع من "صحيحه". ومسلم من طرق (٣). وقد روى عن الزّهريّ، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه، عن أبي هريرة. وقال البخاريّ (٤): ثنا عُبيد اللّه بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: تعدّون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعدّ الفتح بيعة الرّضوان يوم الحُديبية، كنا مع النَّبِيّ ﷺ أربع عشرة مئة، والحُديبية بئر، فنزحناها فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النَّبِيّ ﷺ ، فأتاها فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماءً، فتوضّأ ثم مضمض ودعا، ثم صبّه فيها، فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا. انفرد به البخاريّ. وقال ابن إسحاق (٥) في قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧]: صلح الحُديبية.

стр. 1872

قال الزهريّ: فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلمّا كانت الهدنة، ووضعت الحرب أوزارها، وأمن الناس كلّهم بعضهم بعضًا، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلَّم أحد في الإسلام - يعقل شيئًا - إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان دخل في الإسلام قبل ذلك أو أكثر. قال ابن هشام: والدليل على ما قاله الزّهريّ أن رسول اللّه ﷺ خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة رجل في قول جابر، ثم خرج [عام فتح مكة] بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف. وقال البخاريّ (١): ثنا يوسف بن عيسى، ثنا ابن فضيل، ثنا حصين، عن سالم، عن جابر، قال: عطش الناس يوم الحديبية، ورسول اللّه ﷺ بين يديه ركوة، فتوضَّأ منها، ثم أقبل الناس نحوه، فقال رسول اللّه ﷺ : "ما لكم؟ "قالوا: يا رسول اللّه، ليس عندنا ماء نتوضّأ به ولا [ما] نشرب إلّا ما في ركوتك. قال: فوضع النَّبِيّ ﷺ يده في الرّكوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون. قال: فشربنا وتوضّأنا. فقلنا لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: [لو] كنا مئة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مئة. وقد رواه البخاريّ أيضًا، ومسلم (٢) من طُرق، عن حُصَين، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر، به. وقال البخاريّ (٣): ثنا الصّلت بن محمد، ثنا يزيد بن زُرَيْع، عن سعيد، عن قتادة، قلت لسعيد بن المسيّب: بلغني أن جابر بن عبد اللّه كان يقول: كانوا أربع عشرة مئة. فقال لي سعيد: حدّثني جابر: كانوا خمس عشرة مئة، الذين بايعوا النَّبِيّ ﷺ يوم الحُديبية. تابعه أبو داود (٤): حَدَّثَنَا قُرّة، عن قتادة. تفرّد به البخاريّ. ثم قال البخاريّ (٥): ثنا عليّ بن عبد اللّه، ثنا سفيان، قال عمرو: سمعت جابرًا، قال: قال لنا رسول اللّه ﷺ يوم الحديبية: "أنتم خير أهل الأرض". وكنا ألفًا وأربعمئة، ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة. وقد رواه البخاريّ أيضًا، ومسلم (٦) من طُرق، عن سُفيان بن عُيينة به.

стр. 1873

وهكذا رواه اللَّيث بن سعد، عن أبي الزُّبير، عن جابر، أن عبدًا لحاطب جاء يشكوه فقال: يا رسول اللّه، ليدخلنّ حاطب النار. فقال رسول اللّه ﷺ : "كذبت، لا يدخلها؛ فإنه شهد بدرًا والحديبية". رواه مسلم (١). وعند مسلم (٢) أيضًا من طرق [عن] ابن جُريج، أخبرني أبو الزّبير، أنه سمع جابرًا يقول: أخبرتني أمّ مبشّر (٣) أنها سمعت رسول اللّه ﷺ يقول عند حفصة: "لا يدخل أحدٌ النَّار، إن شاء الله، من أصحاب الشجرة، الذين بايعوا تحتها. فقالت حَفْصَةُ: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقالت حَفْصَةُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، فقال رسول اللّه ﷺ : "قد قال اللّه تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢] ". قال البخاريّ (٤): وقال عبيد اللّه بن معاذ: ثنا أبي، ثنا شعبة، عن عمرو بن مُرَّة، حدّثني عبد اللّه بن أبي أوفى قال: كان أصحاب الشجرة ألفًا وثلاثمئة، وكانت أَسْلَم ثُمُن المهاجرين. تابعه محمد بن بشار، حَدَّثَنَا أبو داود، حَدَّثَنَا شعبة. هكذا رواه البخاريّ معلّقًا، عن عبيد اللّه. وقد رواه مسلم (٥)، عن عُبيد اللّه بن معاذ، عن أبيه، عن شُعبة، وعن محمد بن المثنى، عن أبي داود، عن إسحاق بن إبراهيم، عن النّضر بن شُمَيل، كلاهما عن شُعبة، به. ثم قال البخاريّ (٦): ثنا عليّ بن عبد اللّه، ثنا سفيان، عن الزّهريّ، عن عُرْوَة، عن مروان والمِسْوَر بن مخرمة قالا: خرج النّبيّ ﷺ عام الحُديبية في بضع عشرة مئة من أصحابه، فلمّا كان بذي الحُليفة قلّد الهديَ، وأشعر، وأحرم منها. تفرّد به البخاريّ، وسيأتي هذا السياق بتمامه. والمقصود أن هذه الروايات كلّها مخالفة لما ذهب إليه ابن إسحاق؛ من أن أصحاب الحديبية كانوا سبعمئة، وهو - واللّه أعلم - إنما قال ذلك تفقّها من تلقاء نفسه؛ من حيث إنّ البدن كنّ سبعين بدنةً، وكل منها عن عشرة، على اختياره، فيكون المهلّون سبعمئة، ولا يلزم أن يهدي كلّهم، ولا أن يحرم كلّهم أيضًا؛ فقد ثبت أن رسول الله ﷺ بعث طائفة منهم، فيهم أبو قتادة، ولم يُحْرِم أبو قتادة حتى قتل ذلك الحِمَار الوحشيّ، فَأكل منه هو وأصحابه، وحملوا منه إلى رسول الله ﷺ في أثناء الطريق، فقال: "أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها؟ "قالوا: لا. قال: "فكلوا ما بقي من لَحْمِهَا".

стр. 1874

وقد قال البخاري (١): ثنا سعيد بن الربيع، ثنا على بن المبارك، عن يحيى، عن عبد اللّه بن أبي قتادة، أن أباه حدَّثه قال: انطلقنا مع النبي ﷺ عام الحُديبية، فأحرم أصحابه ولم أُحرم. وقال البخاريُّ: ثنا محمد بن رافع، ثنا شَبَابَة [بن سَوَّار الفَزَاريُّ]، ثنا شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه قال: لقد رأيت الشجرة، ثم أتيتها بعد فلم أعرفها. ثنا (٢) موسى، ثنا أبو عوانة، ثنا طارق، عن سعيد بن المسيَّب، عن أبإه، أنه كان ممن بايع تحت الشجرة، فرجعنا إليها العام المقبل، فَعُمّيَتْ علينا. وقال البخاريُّ (٣) أيضًا: ثنا محمود، ثنا عبيد اللّه، عن إسرائيل، عن طارق بن عبد الرحمن، قال: انطلقت حاجًّا فمررت بقوم يصلُّون، فقلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة، حيث بَايَعَ النَّبِيّ ﷺ بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيِّب فأخبرته، فقال سعيد: حدَّثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة. قال: فلمَّا كان من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها. ثم قال سعيد: إن أصحاب محمد ﷺ لم يعلموها وعلمتموها أنتم؟ فأنتم أعلم. ورواه البخاريُّ ومسلم (٤) من حديث الثوري وأبي عَوَانة وشَبَابةَ عن طارق. وقال البخاريُّ (٥): ثنا إسماعيل، حدّثني أخي، عن سليمان، عن عمرو بن يحيى، عن عبّاد بن تميم قال: لما كان يوم الحرّة والناس يبايعون لعبد الله بن حنظلة، فقال ابن زيد: عَلَامَ يبايع ابن حنظلة الناس؟ قيل له: على الموت. فقال: لا أبايع على ذلك أحدًا بعد رسول الله ﷺ . وكان شهد معه الحُديبية. وقد رواه البخاريّ أيضًا، ومسلم (٦) من طرق، عن عمرو بن يحيى، به. وقال البخاريّ (٧): ثنا قتيبة [بن سعيد]، ثنا حاتم، عن يزيد بن أبي عُبيد قال: قلت لسلمة بن الأَكْوَع: على أيِّ شيء بايعتم رسول الله ﷺ يوم الحُديبية؟ قال: على الموت. ورواه مسلم (٨) من حديث يزيد بن أبي عُبيد.

стр. 1875

وفي "صحيح مسلم" (١) عن سلمة أنه بايع ثلاث مرّات؛ في أوائل الناس ووسطهم وأواخرهم. وفي "صحيح مسلم" (٢) عن معقل بن يسار، أنه كان آخذًا بأغصان الشجرة عن وجه رسول اللّه ﷺ وهو يبايع الناس. وكان أول من بايع رسول الله ﷺ يومئذ أبو سِنَان، وهو وهب بن محصن، أخو عُكَاشة بن مِحْصَن، وقيل: سِنَان بن أبي سِنَان. وقال البخاريّ (٣): ثنا شجاع بن الوليد، سمع النضر بن محمد، ثنا صَخْرُ بن الربيع، عن نافع قال: إن الناس يتحدَّثون أن ابن عمر أسلم قبل عمر، وليس كذلك، ولكن عمر يوم الحُديبية أرسل عبد الله إلى فرس له، عند رجل من الأنصار، أن يأتي به ليقاتل عليه، ورسول اللّه ﷺ يبايع عند الشجرة، وعمر لا يَدْري بذلك، فبايعه عبد الله، [ثم ذهب إلى الفَرَس، فجاء به إلى عمر، وعمر يَستلئمُ للقتال، فأخبره أن رسول الله ﷺ يبايع تحت الشجرة] (٤). قال: فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله ﷺ ، وهي التي يتحدَّث (٥) الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر. وقال هشام بن عمَّار: ثنا الوليد بن مسلم، ثنا عمر بن محمد العُمَريّ، أخبرني نافع، عن ابن عمر أن الناس كانوا مع النبي ﷺ يوم الحُديبية تفرَّقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس مُحْدقُون بالنَّبِيّ ﷺ ، فقال: يا عبد الله، انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله ﷺ ؟ فوجدهم يبايعون، فبايع ثم رجع إلى عمر، فخرج فيايع. تفرَّد به البخاريّ (٦) من هذين الوجهين. * * * ذكر (٧) سياق البخاريّ لعُمْرَة الحُديبية قال في كتاب المغازي (٨): ثنا عبد الله بن محمد، ثنا سفيان، سمعت الزَّهريّ حين حدّث هذا الحديث، حفظت بعضه، وثبَّتني مَعْمَر، عن عُرْوَة بن الزُّبير، عن المِسْوَر بن مَخْرَمة ومَرْوَان بن الحَكم، يزيد أحدهما على صاحبه، قالا: خرج النبيّ ﷺ عام الحُديبية في بضع عشرة مئة من أصحابه،

стр. 1876

فلمّا أتى ذا الحُليفة قلّد الهدي وأشهره، وأحرم منها بعمرة، وبعث عينًا له من خُزَاعَة، وسار النبيّ ﷺ حتى إذا كان بغُدَير الأَشْطَاط (١) أتاه عينه، قال: إن قريشًا قد جمعوا لك جموعًا، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت ومانعوك. فقال: "أشيروا أيها الناس عليّ، أترون أن أميل إلى عيالهم، وذراريّ هؤلاء الذين يريدون أن يصدُّونا عن البيت؟ فإن يأتونا كان الله قد قطع عينًا من المشركين وإلا تركناهم محروبين". قال أبو بكر: يا رسول الله، خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب [أحد] فتوجَّه له، فمن صدّنا عنه قاتلناه. قال: "امضوا على اسم الله". هكذا رواه هاهنا، ووقف، ولم يزد شيئًا على هذا. وقال في كتاب الشّهادات (٢): ثنا عبد الله بن محمد، ثنا عبد الرزّاق، أنبأ مَعْمَر، أخبرني الزّهريّ، أخبرني عُرَوة بن الزّبير، عن المِسْوَر بن مَخْرَمة ومَروان بن الحكم، يصدّق كل واحد منهما حديث صاحبه، قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحُديبية، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النَّبِيّ ﷺ : "إن خالد بن الوليد بالغميم، في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين". فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيرًا لقريش، وسار النبيّ ﷺ حتى إذا كان بالثّنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حَلْ حَلْ. فألحْت، فقالو: خَلأَتِ القَصْواء، خلأت القصواء. فقال رسول الله ﷺ : "ما خَلأَت القصواء، وما ذاك لها بخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل". ثم قال: "والذي نفسي بيده لا يسألوني خطّة يعظّمون فيها حرمات اللّه [إلا أعطيتهم إيّاها] ". ثم زجرها فوثبت، فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحُديبية، على ثَمَد قليل الماء يَتَبَرَّضُه الناس تبرُّضًا، فلم يلبّثه الناس حتى نزحوه، وشكي إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهمًا من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالرّيّ حتى صدروا عنه، فبينما هم كذلك إذ جاء بُديل بن وَرْقَاء الخُزَاعيّ، في نفر من قومه من خُزَاعة - وكانوا عيبة نصح رسول الله ﷺ من أهل تِهَامة - فقال: إني تركت كعب بن لؤيّ، وعامر بن لؤيّ، نزلوا أعداد مياه الحُديبية، معهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت. فقال النَّبِيّ ﷺ : "إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب وأضرّت بهم، فإن شاؤوا مادَدْتُهم مدة، ويخلّوا بيني وبين الناس، [فإن أظهر، فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس] فعلوا، وإلّا فقد جمُّوا، وإن هم أبوا، فوالذي نفسي بيده لأقاتلنّهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذنّ أمر الله". قال بديل: سأبلّغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشًا، فقال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولًا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا. فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء. وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول. قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدّثهم بما قال رسول الله ﷺ ، فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم، ألستم

стр. 1877

بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: أولست بالولد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتَّهموني؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ، فلمَّا بلّحوا عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فإنَّ هذا قد عرض لكم خطّة رشد اقبلوها ودعوني آته. فقالوا: ائته. فأتاه، فجعل يكلِّم النَّبِيّ ﷺ ، فقال النبي ﷺ نحوًا من قوله لبديل، فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت [بأحد] من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى، فإني والله لا أرى وجوهًا، [وإني لأرى] أشوابًا من الناس خليقًا أن يفزوا ويدعوك. فقال له أبو بكر: امصص بظر اللَّات، أنحن نفرّ عنه وندعه؟ قال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها، لأجبتك. قال: وجعل يكلّم النَّبِيّ ﷺ ، فكلما تكلّم أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول اللّه ﷺ ، ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية رسول الله ﷺ ضرب يده بنعل السيف، وقال [له]: أخّر يدك عن لحية رسول اللّه ﷺ . فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة. فقال: أي غدر، ألست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة بن شعبة صحب قومًا في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي ﷺ : "أمَّا الإسلام فأقبل، وأمَّا المال فلست منه في شيء". ثم إن عروة [جعل] يرمق أصحاب رسول الله ﷺ بعينيه، قال: فوالله ما تنخّم رسول الله ﷺ نخامة إلَّا وقعت في كفّ رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحذون إليه النظر تعظيمًا له. فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك؛ وفدت على قيصر وكسرى والنّجاشيّ، والله إن رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدًا، والله إن تنخم نخامة إلّا وقعت في كفّ رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضَّأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون النظر إليه تعظيمًا له، وإنه قد عرض عليكم خطّة رشد فاقبلوها. فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلمَّا أشرف على النَّبِيِّ ﷺ وأصحابه قال رسول الله ﷺ : "هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له". فبعثت له، واستقبله الناس يلبُّون، فلمَّا رأى ذلك قال: سبحان اللّه ما ينبغي لهؤلاء أن يصدّوا عن البيت. [فلمَّا رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلّدت وأشعرت، فما أرأى أن يصدّوا عن البيت]. فقام رجل منهم يقال له: مكرز بن حفص. فقال: دعوني آته. قالوا: ائته. فلمّا أشرف عليهم قال رسول الله ﷺ : "هذا مكرز، وهو رجل فاجر". فجعل يكلِّم النبي ﷺ فبينما هو يكلِّمه، إذ جاء سهيل بن عمرو. قال معمر: فأخبرني أيوب، عن عكرمة أنه لما جاء سهيل بن عمرو قال رسول الله ﷺ : " [لقد] سُهِّلَ لَكُمْ [من] أَمْرِكُمْ". قال معمر: قال الزهريّ في حديثه: فجاء سهيل فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابًا. فدعا النَّبِيّ ﷺ الكاتب، فقال النَّبِيّ ﷺ : "اكتب بسم اللّه الرحمن الرحيم". فقال سهيل: أمَّا الرحمن، فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهمّ، كما كنت تكتب. فقال

стр. 1878

المسلمون: واللّه لا نكتبها إلا بسم اللّه الرحمن الرحيم. فقال النبيّ (١): "اكتب باسمك اللهمّ". ثم قال: "هذا ما قاضى عليه محمد رسول اللّه". فقال سهيل: واللّه لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك [عن] البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله. فقال رسول اللّه ﷺ : "واللّه إني لرسول الله وإن كذّبتموني، اكتب محمد بن عبد الله". [قال الزهريّ]: وذلك لقوله: "لا يسألوني خطّة يعظّمون فيها حُرُمَات الله، إلّا أعطيتهم إيّاها". فقال له النَّبِيّ ﷺ : "على أن تخلّوا بيننا وبين البيت فنطوف به". قال سهيل: واللّه لا تتحدّث العرب أنا أُخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل. فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منّا رجل، وإن كان على دينك، إلّا رددته إلينا. قال المسلمون: سبحان اللّه كيف يردّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا. فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يوسُف في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد، أول من أقاضيك عليه أن تردّه إليّ. فقال النبي ﷺ : "إنا لم نقض الكتاب بعد". قال: فواللّه إذًا لم أصالحك على شيء أبدًا. فقال النَّبِيّ ﷺ : "فأجزه لي". قال: ما أنا بمجيزه لك. قال: "بلى، فافعل". قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بل قد أجزناه لك. قال أبو جندل: أي معشر المسلمين، أُردّ إلى المشركين وقد جئت مسلمًا؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ - وكان فد عذّب عذابًا شديدًا في اللّه - قال: فقال عمر، ﵁: فأتيت رسول اللّه ﷺ فقلت: ألست نبيّ اللّه حقًّا؟ قال: "بلى". قلت: ألسنا على الحقِّ، وعدوّنا على الباطل؟ قال: "بلى". قلت: [فلم] نعطي الدّنيّة في ديننا إذًا؟. قال: "إني رسول الله، ولست أعصيه وهو ناصري". قلت: أولست كنت تحدّثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: "بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ " [قال]: قلت: لا. قال: "فإنك آتيه ومطوّف به". قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبيّ اللّه حقًّا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحقّ، وعدوّنا على الباطل؟. قال: بلى. [قال]: قلت: فلم نعطي الدّنِيَّة في ديننا إذًا؟ قال: أيها الرجل، إنه لرسول اللّه، وليس يعصي ربّه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فواللّه إنه على الحقّ. قلت: أليس كان يحدّثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ فقلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوِّف به. قال الزهريّ: قال عمر: فعملت لذلك أعمالًا. قال: فلمّا فرغ من قضيّة الكتاب، قال رسول اللّه ﷺ [لأصحابه]: "قوموا فانحروا ثم احلقوا". قال: فواللّه ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلمّا لم يقم منهم أحد دخل على أمّ سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أمّ سلمة: يا نبى اللّه، أتحبّ ذلك؟ اخرج ثم لا تكلّم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بُدنك، وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلّم أحدًا منهم حتى فعل ذلك؛ نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلمّا رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا. ثم جاءه نسوة مؤمنات، فأنزل الله

стр. 1879

[تعالى]: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ [فَامْتَحِنُوهُنَّ]﴾ حتى بلغ ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فطلّق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشِّرك، فتزوَّج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية. ثم رجع النَّبِيّ ﷺ إلى المدينة فجاءه أبو بصير - رجل من قريش - وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا. فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: واللّه إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدًا. فاستَّله الآخر فقال: أجل واللّه إنه لجيد، لقد جرّبت به، [ثم جرّبت به]، ثم جرَّبت. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه. فأمكنه منه، فضربه حتى برد، وفرّ الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله ﷺ [حين رآه]: "لقد رأى هذا ذُعرًا". فلمّا انتهى إلى النَّبِيّ ﷺ قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول. فجاء أبو بصير فقال: يا نبيَّ الله، قد واللّه أوفى اللّه ذمّتك، قد رددتني إليهم، ثم أنجاني اللّه منهم. فقال النَّبِيّ ﷺ : "ويلُ امِّه، مسعرَ حرب، لو كان له أحد". فلما سمع ذلك عرف أنه سيردّه إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر. قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فواللّه ما يسمعون بعِير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النَّبِيّ ﷺ تناشده اللّه والرّحم لما أرسل [إليهم]، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النَّبِيّ ﷺ [إليهم]، فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ [مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ] حتى بلغ ﴿[الْحَمِيَّةَ] حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٤ - ٢٦]. وكانت حميّتهم أنهم لم يقرّوا أنه نبيّ اللّه، ولم يقرّوا ببسم اللّه الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت. فهذا السياق فيه زيادات وفوائد حسنة ليست في رواية ابن إسحاق عن الزهريّ، فقد رواه عن الزهريّ جماعة؛ منهم سفيان بن عيينة، ومعمر، ومحمد بن إسحاق، كلّهم عن الزهريّ، عن عروة، عن مروان، ومسور، فذكر القصة. وقد رواه البخاريّ (١) في أول كتاب الشّروط، عن يحيى بن بكير، عن اللَّيث بن سعد، عن عقيل، عن الزهريّ، عن عروة، عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة، عن أصحاب رسول اللّه ﷺ ، فذكر القصة. وهذا هو الأشبه؛ فإن مروان، ومسورًا كانا صغيرين يوم الحديبية، والظاهر أنهما أخذاه عن الصحابة، ﵃ أجمعين. وقال البخاريّ: ثنا الحسن بن إسحاق، ثنا محمد بن سابق، ثنا مالك بن مِغْوَل، سمعت أبا حصين قال: قال أبو وائل: لمّا قدم سهل بن حنيف من صفّين أتيناه نستخبره، فقال: اتّهموا الرأي، فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أردّ على رسول الله ﷺ أمره لرددت، والله ورسوله أعلم، وما وضعنا

стр. 1880

أسيافنا على عواتقنا لأمر يفظعنا إلا أسهلنَ بنا إلى أمر نعرفه قبل هذا الأمر، ما نسدّ منها خُصمًا (١) إلا انفجر علينا خصم، ما ندري كيف نأتي له. وقال البخاريّ: ثنا عبد اللّه بن يوسف، أنبا مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان يسير في بعض أسفاره، و [كان] عمر بن الخطَّاب يسير معه ليلًا، فسأله عمر بن الخطاب عن شيء فلم يجبه رسول اللّه ﷺ ، ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، فقال عمر بن الخطاب: ثكلتك أُمّك [يا] عمر، نزّرت رسول اللّه ﷺ ثلاث مرات، كلّ ذلك لا يجيبك. قال عمر: فحرّكت بعيري ثم تقدّمت [أمام] المسلمين، وخشيت أن ينزل فيّ قرآن، فما نشبت أن سمعت صارخًا يصرخ بي، قال: فقلت: لقد خشيت أن يكون نزل فيّ قرآن. فجئت رسول الله ﷺ فسلَّمت عليه فقال: "لقد أُنزلت عليّ الليلة سورة لهي أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس". ثم قرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]. قلت: وقد تكلَّمنا على سورة "الفتح" بكمالها في كتابنا "التفسير" (٢) بما فيه كفاية، وللّه الحمد والمنة، ومن أحبّ أن يكتب ذلك هاهنا (٣) فليفعل. * * * فصل في ذكر السّرايا والبعوث التي كانت في سنة ستّ من الهجرة وتلخيص ذلك ما أورده الحافظ البيهقي، عن الواقديّ قال: في ربيع الأول منها أو الآخر، بعث رسول اللّه ﷺ عكاشة بن محصن، في أربعين رجلًا إلى [الغَمْر] (٤) فهربوا منه، ونزل على مياههم، وبعث في آثارهم، وأخذ منهم مائتي بعير، فاستاقها إلى المدينة. وفيها كان بعث [أبي] عُبيدة بن الجرّاح إلى ذي القصّة، في أربعين رجلًا أيضًا، فساروا ليلتهم مشاة، حتى أتوها في عماية الصّبح، فهربوا منه في رؤوس الجبال، فأسر منهم رجلًا، فقدم به على رسول الله ﷺ فأسلم. وبعث محمد بن مسلمة في عشرة نفر، فكمن القوم لهم حتى ناموا، [فقتل] أصحاب محمد بن مسلمة كلّهم، وأفلت هو جريحًا.

стр. 1881

* وفيها كان بعث زيد بن حارثة بالحموم، فأصاب امرأة من مُزَيْنَة، يقال لها: حَليمة، فدلّتهم على محلّة من محال بني سُليم، فأصابوا منها نعمًا، وشاءً وأسراء (١)، وكان فيهم زوج حليمة هذه، فوهبها (٢) رسول الله ﷺ لزوجها، وأطلقهما. * وفيها كان بَعْثُ زيد بن حارثة أيضًا، في جمادى الأولى إلى بني ثَعْلَبة، في خمسة عشر رجلًا، فهربت منه الأعراب، فأصاب من نَعَمهم عشرين بعيرًا، ثم رجع بعد أربع ليالي. * وفيها خرج زيدُ بن حارثة في جمادى الأولى إلى العِيص. قال: وفيها أُخذت الأموال التي كانت مع أبي العاص بن الرَّبيع، فاستجار بزَينب بنت رسول الله ﷺ فأجارته، وقد ذكر ابن إسحاق قصّته حين أُخذت العِير التي كانت معه، وقتل أصحابه، وفرَّ هو من بينهم حتى قدم المدينة، وكانت امرأته زينب بنت رسول الله ﷺ قد هاجرت بعد بدر، فلمَّا جاء المدينة استجار بها، فأجارته بعد صلاة الصّبح، فأجاره لها رسول الله ﷺ ، وأمر الناس بردِّ ما أخذوا من عِيره، فردُّوا كلّ شيء كانوا أخذوه منه، حتى لم يفقد منه شيئًا، فلمَّا رجع بها إلى مكة، وأدَّى إلى أهلها ما كان لهم معه من الودائع، أسلم وخرج من مكة راجعًا إلى المدينة، فردَّ عليه رسول اللّه ﷺ زوجته (٣) بالنكاح الأول، ولم يُحْدِث نكاحًا ولا عقدًا، كما تقدَّم بيان ذلك. وكان بين إسلامه وهجرتها ست سنين، ويروى سنتان. وقد بيَّنَّا أنه لا منافاة بين الروايتين؛ وأنّ إسلامه تأخّر عن وقت تحريم المؤمنات على الكفار بسنتين، وكان إسلامه في سنة ثمان في سنة الفتح، لا كما تقدم من كلام الواقديّ، من أنّه سنة ستّ، والله أعلم. وذكر الواقدي في هذه السنة، أن دِحْيَة بن خليفة الكلبي أقبل من عند قيصر، وقد أجازه بأموال وخِلَعٍ، فلمَّا كان بحِسْمَى (٤) لقيه ناس من جذام، فقطعوا عليه الطريق، فلم يتركوا معه شيئًا، فبعث إليهم رسول اللّه ﷺ زيد بن حارثة أيضًا، ﵁. قال الواقديّ (٥): حدّثني عبد اللّه بن جعفر، عن يعقوب بن عتبة قال: خرج عليّ، ﵁، في مائة رجل إلى أن نزل إلى حيّ من بني سعد بن بكر، وذلك أنه بلغ رسول الله ﷺ أنَّ لهم جَمْعًا يريدون أن يمدُّوا يهود خيبر، فسار إليهم باللّيل، وكمن بالنهار، وأصاب عينًا لهم، فأقرَّ له أنه بعث إلى خيبر، يعرض عليهم نصرهم على أن يجعلوا لهم تمر خيبر.

стр. 1882

قال الواقديّ، رحمه اللّه تعالى: وفي سنة ستّ، في شعبان منها، كانت سريّة عبد الرحمن [بن] عوف، إلى دومة الجندل، وقال له رسول اللّه ﷺ : "إن هم أطاعوا فتزوّج بنت ملكهم". فأسلم القوم، وتزوّج عبد الرحمن بنت ملكهم؛ تُماضِر بنت الأصبغ الكلبية، وهي أمّ أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. قال الواقديّ: في شوال سنة ستّ كانت سريّة كرز بن جابر الفهريّ إلى العرنيين الذين قتلوا راعيَ رسول اللّه ﷺ ، واستاقوا النعم، فبعث رسول اللّه ﷺ في آثارهم كرز بن جابر، في عشرين فارسًا، فردَّوهم. فكان من أمرهم ما أخرجه البخاريّ، ومسلم (١)، من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أن رهطًا من عكل وعرينة - وفي رواية: من عكل أو عرينة - أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول [اللّه]، إنا أناس أهل ضَرْعٍ، ولم نكن أهل ريف، فاستوخمنا المدينة. فأمر لهم رسول اللّه ﷺ بذود وراعٍ، وأمرهم أن يخرجوا فيها، فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فانطلقوا، حتى إذا كانوا ناحية الحرّة قتلوا راعي رسول اللّه ﷺ ، واستاقوا الذّود، وكفروا بعد إسلامهم، فبعث النَّبِيّ ﷺ في طلبهم، فأمر بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم، وتركهم في ناحية الحرّة حىَ ماتوا وهم كذلك. قال قتادة: فبلغنا أن رسول الله ﷺ كان إذا خطب بعد ذلك حضّ على الصّدقة، ونهى عن المثلة. وهذا الحديث قد رواه جماعة عن قتادة، ورواه جماعة عن أنس بن مالك. وفي رواية مسلم (٢)، عن معاوية بن قرّة، عن أنس، أنّ نفرًا من عرينة أتوا رسول الله ﷺ فاسلموا وبايعوه، وقد وقع في المدينة المُومُ - وهو البِرْسَام (٣) - فقالوا: هذا الوجع قد وقع يا رسول الله، فلو أذنت لنا فرجعنا إلى الإبل. قال: "نعم، فأخرجوا فكونوا فيها". فخرجوا فقتلوا الرَّاعيين، وذهبوا بالإبل، وعنده شباب من الأنصار قريب من عشرين، فأرسلهم إليهم، وبعث معهم قائفًا يقتصّ أثرهم، فأُتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم. وفي "صحيح البخاريّ" (٤) من طريق أيوب، عن أبي قِلابة، عن أنس، أنه قال: قدم رَهْطٌ من عُكل فاسلموا، واجتَوَوُا المدينة، فأَتوا رسول الله ﷺ فذكروا ذلك له فقال: "الحقوا بالإبل، واشربوا من أبوالها وألبانها". فذهبوا فكانوا فيها ما شاء اللّه، فقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، فجاء الصّريخ إلى رسول الله ﷺ [فأرسل في طلبهم] فلم ترتفع الشمس حتى أُتي بهم، فأمر بمسامير فأحميت فكواهم

стр. 1883

بها، وقطع أيديهم وأرجلهم، وألقاهم في الحرّة يستسقون فلا يسقون، حتى ماتوا ولم يحسمهم. وفي رواية عن أنس، قال (١): فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه من العطش. قال أبو قِلابة (٢): فهؤلاء قتلوا، وسرقوا، وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا اللّه ورسوله. وقد روى البيهقيّ (٣) من طريق عُثمان بن أبي شَيبة، عن عبد الرحمن بن سليمان، عن محمد بن عبيد الله، عن أبي الزّبير، عن جابر، أن رسول اللّه ﷺ لما بعث في آثارهم قال: "اللّهمّ عمّ عليهم الطريق، واجعلها عليهم أضيق من مَسك حمل". قال: فعمّى اللّه عليهم السبيل فأُدْرِكوا، فأُتي بهم رسول الله ﷺ ، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسَمَل أعينهم. وفي "صحيح مسلم" (٤): إنما سملهم؛ لأنهم سَمَلوا أَعْيُنَ الرّعاء. * * * فصل فيما وقع من الحوادث في هذه السنة أعني سنة ستّ من الهجرة * فيها نزل فرض الحجّ (٥)، كما قرّره الشافعيّ، ﵀، زمن الحُديبية، في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ولهذا ذهب إلى أن الحجّ على التَّراخي لا على الفور؛ لأنه ﷺ لم يحجّ إلَّا في سنة عشر. وخالفه الثلاثة؛ مالك وأبو حنيفة وأحمد، فعندهم أن الحجّ يجب على كل من استطاعه على الفور، ومنعوا أن يكون الوجوب مستفادًا من قوله [تعالى]: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. وإنما في هذه الآية الأمر بالإتمام بعد الشروع فقط، واستدلوا بأدلة قد أوردنا كثيرًا منها عند تفسير هذه الآية من كتابنا "التفسير"، وله الحمد والمنة، بما فيه كفاية. * وفي هذه السنة حرّمت المسلمات على المشركين؛ تخصيصًا لعموم ما وقع به الصلح عام الحُديبية

стр. 1884

على أنه: لا يأتيك منا أحد، وإن كان على دينك، إلا رددته علينا. فنزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ الآية [الممتحنة: ١٠]. * وفي هذه السنة كانت غزوة المُرَيْسِيع (١)، التي كانت فيها قضيّة الإفك، ونزول براءة أمّ المؤمنين عائشة، ﵂، كما تقدَّم. * وفيها كانت عُمْرَة الحُديبية، وما كان من صدّ المشركين لرسول الله ﷺ ، وكيف وقع الصلح بينهم على وضع الحرب عشر سنين، فأمن الناس فيهن بعضهم بعضًا، وعلى أنه لا إغلال ولا إسلال، وقد تقدَّم كلّ ذلك مبسوطًا في أماكنه، ولله الحمد والمنة، وولي الحجّ في هذه السنة المشركون. * قال الواقدي (٢): وفيها في ذي الحجّة منها بعث رسول الله ﷺ ستة نفرٍ مصطحبين حاطب بن أبي بَلْتَعَة، إلى المُقوقس صاحب الإسكندرية، وشُجاع بن وهب، من بني أَسد بن خُزيمة، شهد بدرًا، إلى الحارث بن أبي شمر الغسَّانِيّ، يعني ملك عرب النّصارى [بالشام]، ودِحْيَةَ بن خليفة الكلبيّ، إلى قَيْصَر، وهو هِرَقل ملك الرُّوم، وعبد الله بن حُذَافَة السَّهميّ إلى كِسْرى ملك الفرس، وسَلِيط بن عمرو العَامريّ إلى هَوْذة بن عليّ الحنفيّ، وعمرو بن أُمية الضّمريّ، إلى النجاشيّ ملك النَّصارى بالحبشة، وهو أصمحة بن أبجر (٣). * * *

стр. 1885

سنة سبع من الهجرة النبوية غزوة خَيبر في أوَّلها قال شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، في قوله: ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨]. قال: خيبر. وقال موسى بن عقبة (١) لمّا رجع رسول الله ﷺ من الحُديبية مَكَثَ بالمدينة عشرين يومًا (٢)، أو قريبًا من ذلك، ثم خرج إلى خيبر، وهي التي وعده الله إيَّاها. وحكى موسى، عن الزهريّ، أنَّ افتتاح خيبر في سنة ستّ. والصحيح أن ذلك في أول سنة سبع كما قدّمنا. قال ابن إسحاق (٣): ثم أقام رسول الله ﷺ بالمدينة، حين رجع من الحُديبية، ذا الحجّة وبعض المحرّم، ثم خرج في بقية المحرّم إلى خيبر. وقال يونس بن بُكَير (٤)، عن محمد بن إسحاق، عن الزهريّ، عن عُرْوَة، عن مروان والمِسْوَر، قالا: انصرف رسول اللّه ﷺ عام الحُديبية، فنزلت عليه سورة الفتح بين مكة والمدينة، فقدم المدينة في ذي الحجّة، فأقام بها حتى سار إلى خيبر [في المحرَّم]، فنزل بالرَّجيع؛ وادٍ بحن خيبر وغطفان، فتخوّف أن تُمدّهم غطفان، فبات حتى أصبح، فغدا إليهم. قال البيهقيّ: وبمعناه رواه الواقديّ عن شيوخه، في خروجه في أوَّل سنة سبع من الهجرة. وقال عبد الله بن إدريس، عن ابن إسحاق، حدّثني عبد الله بن أبي بكر قال: كان افتتاح خيبر في عقب المحرّم، وقدم النبي ﷺ في آخر صفر. قال ابن هشام (٥): واستعمل على المدينة نُمَيْلَة بن عبد الله اللَّيثيّ.

стр. 1886

وقد قال الإمام أحمد (١): ثنا عَفَّان، ثنا وهيب، ثنا خُثَيم - يعني ابن عِرَاك - عن أبيه أنَّ أبا هُريرة قدم المدينة في رهط من قومه والنبيّ ﷺ بخيبر، وقد استخلف سِبَاع بن عُرْفُطَةَ - يعني الغَطَفَانيّ - على المدينة. قال: فانتهيت إليه وهو يقرأ في صلاة الصّبح في الركعة الأولى بـ ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] وفي الثانية: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١]، فقلت في نفسي: ويل لفلان، إذا اكتال اكتال بالوافي، وإذا كال كال بالنَّاقص. قال: فلمَّا صلَّى زوَّدَنا شيئًا حتى أتينا خيبر، وقد افتتح النَّبِيّ ﷺ خيبر. قال: فكلَّم المسلمين، فأشركونا في سهامهم. وقد رواه البيهقيّ (٢)، من حديث سليمان بن حرب، عن وهيب، عن خُثَيم بن عِرَاك، عن أبيه، عن نفر من بني غِفَار قالوا: إن أبا هُريرة قدم المدينة … فذكره. قال ابن إسحاق (٣): وكان رسول اللّه ﷺ ، حين خرج من المدينة إلى خيبر، سلك على عِصر، فبُني له فيها مسجد، ثم على الصّهباء، ثم أقبل بجيشه حتى نزل به بواب يقال له: الرَّجيع. فنزل بينهم وبين غطفان؛ [ليحول بينهم وبين أن يمدّوا أهل خيبر، وكانوا لهم مظاهرين على رسول الله ﷺ ، فبلغني أن غطفان، لمَّا سمعوا بذلك جمعوا، ثم خرجوا ليظاهروا يهود عليه، حتى إذا ساروا منقلة، سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حسًّا، ظنوا أن القوم قد خالفوا إليهم، فرجعوا على أعقابهم، فأقاموا في أموالهم وأهليهم، وخلّوا بين رسول اللّه ﷺ وبين خيبر. وقال البخاري (٤): ثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن بُشير أن سويد بن النّعمان أخبره أنه خرج مع رسول اللّه ﷺ عام خيبر، حتى إذا كانوا بالصّهباء، وهي من أدنى خيبر، صلَّى العصر، ثم دعا بالأزواد، فلم يُؤت إلا بالسَّويق، فأمر به فثُرِّي، فأكل وأكلنا، ثم قام إلى المغرب فمضمض، ثم صلى ولم يتوضَّأ. وقال البخاريّ (٥): ثنا عبد الله بن مسلمة، ثنا حاتم بن إسماعيل، عن يزيد بن أبي عُبيد، عن سَلَمَة بن الأَكْوَع قال: خرجنا مع رسول اللّه ﷺ إلى خيبر، فسرنا ليلًا، فقال رجل من القوم لعامر: يا عامر، ألا تُسمعنا من هُنَيْهَاتِكَ؟ وكان عامر رجلًا شاعرًا، فنزل يحدو بالقوم، يقول: [من الرجز] لاهُم (٦) لولا [أنتَ] ما اهْتَدَينَا … ولا تَصَدَّقْنَا ولا صَلَّيْنَا فاغفر فِدَاءً لَكَ ما اتّقينا … وثَبِّتِ الأَقْدَامَ إن لاقينا

стр. 1887

وألقيَن (١) سكينة علينا … إنا إذا صيح بنا أَبَيْنَا وبالصّياح عوّلوا علينا فقال رسولُ الله ﷺ : "من هذا السَّائق؟ " قالوا: عامر بن الأكوع. قال: "يرحمه الله". فقال رجل من القوم: وجبت يا نبيّ الله، لولا أمتعتنا به. فأتينا خيبر فحاصرناهم حتى أصابتنا مَخْمَصَةٌ شديدة، ثم إن الله فتحها عليهم، فلمَّا أمسى الناس مساء اليوم الذي فتحت عليهم، أوقدوا نيرانًا كثيرة، فقال رسول الله ﷺ : "ما هذه النّيران؟ على أَيِّ شيء تُوقدون؟ " قالوا: على لحم. قال: "على أيِّ لحم؟ " قالوا: لحم الحمر الإنسيّة. قال النَّبِيّ ﷺ أهريقُوها واكسروها". فقال رجل: يا رسول الله، أو نهريقها ونغسلها؟ فقال: "أو ذاك. فلمّا تصافّ الناس كان سيف عامر قصيرًا، فتناول به ساق يهوديّ ليضربه، فيرجع ذباب سيفه، فأصاب عين ركبة عامرٍ فمات منه، فلمَّا قفلوا قال سلمة: رآني رسول الله ﷺ وهو آخذ بيدي، قال: "ما لك؟ " قلت: فداك أبي وأُمّي، زعموا أن عامرًا حبط عمله. قال النَّبِيّ ﷺ : "كذب من قاله، إنّ له لأجرين" - وجمع بين إصبعيه - "إنّه لجاهِد مُجَاهِدٌ، قلّ عربيّ مشى بها مثله". ورواه مسلم (٢) من حديث حاتم بن إسماعيل، وغيره، عن يزيد بن أبي عُبيد، عن سلمة، به نحوه. ويروى: "نشأ بها مثله". قال السّهيليّ (٣): ويروى: "قلّ عربيّ مشابهًا مثله". ويكون منصوبًا على الحالية من نكرة، وهو سائغ؛ إذا دلّت على تصحيح معنى، كما جاء في الحديث: فصلَّى وراءه رجال قيامًا. وقد روى ابن إسحاق (٤) قصة عامر بن الأكوع من وجه آخر فقال: حدّثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التّيميّ، عن أبي الهيثم بن نصر بن دهر الأسلميّ أن أباه حدّثه أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول في مسيره إلى خيبر لعامر بن الأكوع، وهو عمّ سلمة بن عمرو بن الأكوع: "انزل يا بن الأكوع، فخذ لنا من هَناتك". قال: فنزل يرتجز لرسول الله ﷺ فقال: [من الرجز] والله لَولا الله مَا أهْتَدَيْنَا … ولا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّينَا إنَّا إذا قَومٌ بَغوا علينا … وإن أرادوا فتنةً أبَينَا فَأَنْزِلَنْ سَكِيْنَةً علينا … وثبْت الأَقْدَامَ إنْ لاقَيْنَا

стр. 1888

فقال رسول الله ﷺ : "يَرْحَمُكَ ربُّك". فقال عمر بن الخطّاب: وجبت يا رسول اللّه، لو أمتعتنا به. فقُتل يوم خيبر شهيدًا. ثم ذكر صفة قتله كنحو ما ذكره البخاريّ. قال ابن إسحاق (١): وحدّثني من لا أتّهم، عن عطاء بن أبي مروان الأسلميّ، عن أبيه، عن أبي معتّب بن عمرو أنَّ رسول اللّه ﷺ لمّا أشرف على خيبر قال لأصحابه وأنا فيهم: "قفوا". ثم قال: "اللهمّ ربّ السموات وما أظللن، وربّ الأرضين وما أقللن، وربّ الشياطين وما أضللن، وربّ الرّياح وما أذرَين، فإنّا نسألك خير هذه القرية، وخير أهلها، وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرّها، وشرّ أهلها، وشرّ ما فيها، أقدموا بسم اللّه". وهذا حديث غريب جدًّا من هذا الوجه. وقد رواه الحافظ البيهقيّ (٢)، عن الحاكم، عن الأصمّ، عن العطارديّ، عن يونس بن بكير، عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمّع، عن صالح بن كيسان، عن أبي مروان الأسلميّ، عن أبيه، عن جدّه قال: خرجنا مع رسول اللّه ﷺ إلى خيبر، حتى إذا كنّا قريبًا وأشرفنا عليها، قال رسول اللّه ﷺ للناس: "قفوا". فوقف الناس، فقال: "اللهم ربّ السموات السبع وما أظللن، وربّ الأرضين السبع وما أقللن، وربّ الشياطين وما أضللن، فإنّا نسألك خير هذه القرية، وخير أهلها، وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرّ هذه القرية، وشرّ أهلها، وشرّ ما فيها، أقدموا بسم اللّه الرحمن الرحيم". قال ابن إسحاق (٣): وحدّثني من لا أتّهم، عن أنس بن مالك قال: كان رسول اللّه ﷺ إذا غزا قومًا لم يُغِر عليهم حتى يصبح، فإن سمع أذانًا أمسك، وإن لم يسمع أذانًا أغار، فنزلنا خيبر ليلًا، فبات رسول الله ﷺ حتى [إذا] أصبح لم يسمع أذانًا، فركب وركبنا معه، وركبت خلف أبي طلحة، وإنّ قدمي لتمسّ قدم رسول اللّه ﷺ ، واستقبلنا عُمَّال خيبر غادين، قد خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم، فلمّا رأوا رسول اللّه ﷺ والجيش، قالوا: محمد والخميس معه. فأدبروا هرّابًا، فقال رسول اللّه ﷺ : "اللّه أكبر، خربت خيبر، إنّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذَرين". قال ابن إسحاق (٤): ثنا هارون، عن حميد، عن أنس، بمثله. وقال البخاريّ (٥): ثنا عبد اللّه بن يوسف، ثنا مالك، عن حميد الطَّويل، عن أنس بن مالك، أنّ رسول اللّه ﷺ أثى خيبر ليلًا، وكان إذا أتى قومًا بليل لم يَقْرَبْهُم حتى يصبح، فلمّا أصبح خرجت اليهود

стр. 1889

بمساحيهم ومكاتلهم، فلمّا رأوه قالوا: محمد واللهِ، محمد والخميس. فقال رسول الله ﷺ : "خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحةِ قوم فساء صباح المنذَرين". تفرّد به دون مسلم. وقال البخاريّ (١): حَدَّثَنَا صدقة بن الفضل، حَدَّثَنَا ابن عيينة، حَدَّثَنَا أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أنس بن مالك قال: صبَّحْنا خيبر بكرة، فخرج أهلها بالمساحي، فلمَّا بَصُروا بالنبيّ ﷺ قالوا: محمد والله، محمد والخميس. فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر، خربت خيبر، إنَّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذَرين". قال: فأصبنا من لحوم الحمر، فنادى منادي النَّبِيّ ﷺ : إنَّ الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر؛ فإنها رجس. تفرَّد به البخاريّ دون مسلم. وقال الإمام أحمد (٢): ثنا عبد الرزاق، ثنا مَعْمَر، عن قتادة، عن أنس قال: لمْا أتى النَّبِيّ ﷺ خَيبرَ، فوجدهم حين خرجوا إلى زرعهم و [معهم] مساحيهم، فلمَّا رأوه ومعه الجيش، نَكَصُوا فرجعوا إلى حِصْنِهِمْ، فقال النَّبِيّ ﷺ : "الله أكبر، خَرِبَتْ خيبر، إنّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذَرين". تفرَّد به أحمد، وهو على شرط "الصحيحين". وقال البخاريّ (٣): ثنا سليمان بن حرب، ثنا حمَّاد بن زيد، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: [صلَّى النَّبِيّ] ﷺ الصُّبح قريبًا من خيبر بغَلس، ثم قال: "الله أكبر خَرِبَتْ خيبر، إنَّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذَرين". فخرجوا يسعَون في السّكك، فقتل النَّبِيّ ﷺ المقاتلة، وسبى الذّرّيّة، وكان في السّبي صفية، فصارت إلى دحية الكلبي، ثم صارت إلى النَّبِيّ ﷺ ، فجعل عتقها صداقها. قال عبد العزيز بن صهيب لثابت: يا أبا محمد، أأنت قلت لأنس: ما أصدقها؟ فحرّك ثابت رأسه تصديقًا له. تفرَّد به دون مسلم. وقد أورد البخاريّ ومسلمٌ (٤) النَّهي عن لحوم الحمر الأهليَّة من طرق تُذكر في كتاب "الأحكام". وقد قال الحافظ البيهقيّ (٥): أنبا أبو طَاهِر الفقيه، أنبأ حاجب بن أحمد الطّوسيّ، ثنا محمد بن حماد الأبيورديّ، ثنا محمد بن الفضيل، عن مسلم الأعور الملائِيّ، عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ يعود المريض، ويتّبع الجنائز، ويجيب دعوة المملوك، ويركب الحمار، وكان يوم قريظة والنّضير على حمار، ويوم خيبر على حمار مخطوم برسن ليف، وتحته إكاف من ليف. وقد روى هذا الحديث بتمامه الترمذيّ، عن عليّ بن حُجر، عن عليّ بن مسهر، وابن ماجة، عن

стр. 1890

محمد بن الصّبّاح، عن سفيان، وعن عمرو بن رافع، عن جرير، كلّهم عن مسلم، وهو ابن كيسان الملائيّ الأعور الكوفيّ، عن أنس، به (١). وقال الترمذيّ: لا نعرفه إلا من حديثه، وهو يضعّف. قلت: والذي ثبت في "الصحيح" عند البخاريّ (٢) عن أنس، أنّ رسول الله ﷺ أجرى في زقاق خيبر، حتى انحسر الإزار عن فخذه. فالظاهر أنّه كان يومئذ على فرس، لا على حمار. ولعلّ هذا الحديث - إن كان صحيحًا - محمول على أنه ركبه في بعض الأيّام وهو محاصرها، واللّه أعلم. وقال البخاريّ (٣): ثنا محمد بن سعيد الخزاعيّ، ثنا زياد بن الرَّبيع، عن أبي عمران الجونيّ قال: نظر أنس إلى الناس يوم الجمعة، فرأى طيالسة (٤)، فقال: كأنّهم الساعة يهود خيبر. وقال البخاريّ (٥): ثنا عبد اللّه بن مسلمة، ثنا حاتم، عن يزيد بن أبي عُبيد، عن سلمة بن الأكوع قال: كان علي بن أبي طالب تخلّف عن رسول الله ﷺ في خيبر، وكان رمِدًا فقال: أنا أتخلّف عن النَّبِيّ ﷺ ؟ فلحق به، فلمّا بتنا الليلة التي فتحت خيبر قال: "لأعطينّ الراية غدًا - أو: ليأخذن الراية غدًا - رجل يحبّه الله ورسوله، يُفتح عليه". فنحن نرجوها. فقيل: هذا عليّ. فأعطاه، ففُتح عليه. ورواه البخاريّ أيضًا ومسلم (٦)، عن قتيبة، عن حاتم، به. ثم قال البخاري (٧): ثنا قتيبة، ثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم قال: أخبرني سهل بن سعد، أنّ رسول اللّه ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطين هذه الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه، يحبُّ اللّهَ ورسوله، ويحبّه اللهُ ورسوله". قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم؛ أيّهم يُعطاها؟ فلمَّا أصبح الناس غدَوا على النَّبِيّ ﷺ ، كلّهم يرجو أن يعطاها، فقال: "أين عليّ بن أبي طالب؟ " فقالوا: هو يا رسول اللّه، يشتكي عينيه. قال: فأرسلوا إليه، فأُتي به، فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له، فبَرأ حتى كان لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال عليّ: يا رسول اللّه، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال ﷺ : "انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حقّ الله تعالى فيه، فواللّه لأن يهدي اللّه بك رجلًا واحدًا، خير لك من أن يكون لك حُمُر النّعم".

стр. 1891

وقد رواه مسلم والنّسائيّ جميعًا، عن قُتيبة، به (١). وفي "صحيح مسلم" والبيهقيّ (٢) من حديث سُهَيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ : "لأعطينّ الراية غدًا رجلًا يحبّ اللّهَ ورسوله، ويحبّه اللّهُ ورسوله يفتح اللّه عليه". قال عمر: فما أحببت الإمارة قطّ إلا يومئذ. فدعا عليًّا فبعثه، ثم قال: "اذهب فقاتل حتى يفتح اللّه عليك، ولا تلتفت". قال عليّ: على ما أقاتل الناس؟ قال: "قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه وأنّ محمدًا عبده ورسوله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم، إلا بحقّها، وحسابهم على اللّه" لفظ البيهقيّ. وقال الإمام أحمد (٣): ثنا مصعب بن المقدام، وحجين بن المثنّى قالا: ثنا إسرائيل، ثنا عبد اللّه بن عصمة العجليّ، سمعت أبا سعيد الخدريّ، ﵁، يقول: إنّ رسول اللّه ﷺ أخذ الراية فهزّها، ثم قال: "من يأخذها بحقّها؟ " فجاء فلان فقال: أنا. قال: "أمط". ثم جاء رجل، فقال: "أمط". ثم قال النَّبِيّ ﷺ : "والذي كرّم وجه محمد، لأعطينّها رجلًا لا يفرّ، هاك يا عليًّا. فانطلق حتى فتح الله عليه خيبر وفدك، وجاء بعجوتهما، وقديدهما. تفرَّد به أحمد، وإسناده لا بأس به، وفيه غرابة. وعبد الله بن عصمة - ويقال: ابن عُصَمَ - هذا يكنّى بأبي علوان العجليّ، وأصله من اليمامة، سكن الكوفة، وقد وثّقه ابن معين، وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: شيخ. وذكره ابن حبّان في "الثّقات" (٤) وقال: يخطئ كثيرًا. وذكره في "الضّعفاء" وقال (٥): يُحَدِّث عن الأثبات ممَّا لا يشبه حديث الثِّقات، حتى يسبق إلى القلب أنَّها موهومة أو موضوعة. وقال يونس بن بكير (٦)، عن محمد بن إسحاق: حدّثني بُريدة بن سُفْيَان بن فَرْوَة الأسلميّ، عن أبيه، عن سلمة بن عمرو بن الأَكْوَع [﵁] قال: بعث النَّبِيّ ﷺ أبا بكر، ﵁، إلى بعض حُصُون خيبر، فقاتل ثم رجع، ولم يكن فتح، وقد جَهد، ثم بعث عمر، ﵁، فقاتل ثم رجع، ولم يكن فتح، فقال رسول الله ﷺ : "لأعطينّ الراية غدًا رجلًا يحبّه اللّهُ ورسوله، ويحبّ اللّهَ ورسوله، يفتح اللّه على يديه، ليس بفزار". قال سلمة: فدعا رسول اللّه ﷺ على بن أبي طالب، ﵁، وهو يومئذ أرمد، فتفل في عينيه، ثم قال: "خذ الراية وامض بها، حتى يفتح الله

стр. 1892

عليك". فخرج بها واللهِ يأنِح (١)، يهرول هرولة، وإنّا لخلفه نتَّبع أثره، حتى ركز رايته في رضم من حجارة تحت الحصن، فاطّلع يهوديّ من رأس الحصن فقال: من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب. فقال اليهوديّ: علَيتم وما أُنزل على موسى. فما رجع حتى فتح اللّه على يديه. وقال البيهقيّ (٢): أنبأ الحاكم، أنبأ الأصمّ، أنبأ العُطَارديّ، عن يونس بن بُكير، عن الحسين بن واقد، عن عبد اللّه بن بُرَيدة، أخبرني أبي قال: لمّا كان يوم خيبر، أخذ اللواء أبو بكر، فرجع ولم يُفتح له، وقتِل محمود بن مسلمة، فرجع الناس، فقال رسول الله ﷺ : "لأدفعنّ لوائي غدًا إلى رجل يحبّ اللّهَ ورسوله، ويحبّه اللّهُ ورسوله، لن يرجع حتى يفتح له" فبتنا طيِّبة نفوسنا أنّ الفتح غدًا، فصلّى رسول اللّه ﷺ صلاة الغداة، ثم دعا باللّواء وقام قائمًا، فما منّا من رجل له منزلة من رسول اللّه ﷺ إلّا وهو يرجو أن يكون ذلك الرجل، حتى تطاولتُ أنا لها، ورفعت رأسي؛ لمنزلة كانت لي منه، فدعا عليّ بن أبي طالب، وهو يشتكي عينيه. قال: فمسحها، ثم دفع إليه اللّواء ففُتح له. فسمعت عبد اللّه بن بريدة يقول: حدّثني أبي أنّه كان صاحب مرحب. قال يونس: قال ابن إسحاق: كان أولُ حصون خيبر فتحًا حصنَ ناعم، وعنده قتل محمود بن مسلمة، أُلقيت عليه رحى منه فقتلته. ثم روى البيهقيّ (٣) عن يونس بن بُكَير، عن المسيّب بن مَسْلَمة الأزديّ، ثنا عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه قال: كان رسول اللّه ﷺ ربما أخذته الشقيقة، فيلبث اليوم واليومين لا يخرج، فلمّا نزل خيبر أخذته الشقيقة، فلم يخرج إلى الناس، وإنْ أبا بكر أخذ راية رسول اللّه ﷺ ، ثم نهض فقاتل قتالًا شديدًا ثم رجع، فأخذها عمر فقاتل قتالًا شديدًا هو أشدّ من القتال الأوَّل، ثم رجع، فأُخبر بذلك رسول اللّه ﷺ فقال: "لأعطينها غدًا رجلًا يحبّ اللّهَ ورسوله ويحبّه اللّهُ ورسوله، يأخذها عنوة". وليس ثمّ عليّ، فتطاولتْ لها قريش، ورجا كلّ رجل منهم أن يكون صاحب ذلك، فأصبح، وجاء عليّ [بن أبي طالب] على بعير له حتى أناخ قريبًا، وهو أرمد قد عصب عينه بشقّة برد قِطْريّ، فقال رسول اللّه ﷺ : "ما لك؟ " قال: رمدت بعدك. قال: "ادن مني". فتفل في عينه، فما وجِعها حتى مضى لسبيله، ثم أعطاه الراية فنهض بها، وعليه جبّة أُرجوان حمراء، قد أخرج خملها، فأتى مدينة خيبر، وخرج مرحب صاحب الحصن وعليه مغفر يمانيّ، وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه، وهو يرتجز ويقول: [من الرجز] قَدْ عَلِمَتْ خيبرُ أَنِّي مَرْحَبُ … شاكٍ سِلاحي بطلٌ مُجَرّبُ إذا اللّيوث أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ … وأَحْجَمَتْ عن صَوْلَةِ المُغَلَّبِ (٤)

стр. 1893

فقال عليّ، ﵁: [من الرجز] أَنَا الذي سَمَّتني أُمِّي حَيْدَرَه … كَلَيْث غَابَاب شَديد القَسْوَره أكيلكم بالصَّاع كيل السَّنْدَرَهْ قال: فاختلفا ضربتين، فبدره عليّ بضربة، فقدّ الحجر والمغفر ورأسه، ووقع في الأضراس، وأخذ المدينة (١). وقد روى الحافظ البزّار (٢)، عن عبَّاد بن يعقوب، عن عبد اللّه بن بكير، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قصة بعثِ أبي بكر، ثم عمر يوم خيبر، ثم بعثِ عليّ، فكان الفتح على يديه. وفي سياقه غرابة ونكارة، وفي إسناده من هو متّهم بالتشيع. والله أعلم. وقد روى مسلم والبيهقيّ (٣) واللفظ له، من طريق عِكْرِمَة بن عَمَّار، عن إياس بن سَلَمة بن الأَكْوَع، عن أبيه، فذكر حديثًا طويلًا، وذكر فيه رجوعهم من غزوة بني فزارة. قال: فلم نمكث إلا ثلاثًا، حتى خرجنا إلى خيبر. قال: وخرج عامر، فجعل يقول: [من الرجز] واللّه لَولا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا … وَلا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا وَنَحْنُ مِنْ فَضْلِكَ مَا استَغْنَيْنَا … فَأَنْزِلَنْ سَكِيْنَةً عَلَيْنَا وَثبِّت الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا قال: فقال رسول الله ﷺ : "من هذا القائل؟ " فقالوا: عامر. فقال: "غفر لك ربّك". قال: وما خصّ رسُول اللّه ﷺ قطّ أحدًا [به] إلا استُشهد. فقال عمر وهو على جمل: لولا متّعتنا بعامر. قال: فقدمنا خيبر، فخرج مرحب وهو يخطِر بسيفه ويقول (٤): [من الرجز] قَدْ عَلِمَتْ خَيبرُ أَنِّي مَرْحَبُ … شَاكِي السِّلاح بَطَلٌ مجربُ إِذَا الحُروبُ أَقْبَلَتْ تَلهّبُ قال: فبرز له عامر، ﵁، وهو يقول: [من الرجز] قد عَلِمَتْ خيبرُ أنِّي عَامِرُ … شَاكي السِّلاح بَطَلٌ مُغَامِرُ قال: فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر، فذهب يسفّل له، فرجع على نفسه،

стр. 1894

فقطع أكحله وكانت فيها نفسه. قال سلمة: فخرجت فإذا نفر من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: بطلَ عمل عامر؛ قتل نفسه. قال: فأتيت رسول اللّه ﷺ وأنا أبكي، فقال: "ما لك؟ " فقلت: قالوا: إن عامرًا بطل عمله. فقال: "من قال ذلك؟ " فقلت: نفر من أصحابك. فقال: "كذب أولئك، بل له الأجر مرتين". قال: وأرسل رسول الله ﷺ إلى علي [﵁] يدعوه وهو أرمد، وقال: "لأعطينَّ الراية اليوم رجلًا يحبّ اللّهَ ورسوله". قال: فجئت به أقوده. قال: فبصق رسول اللّه ﷺ في عينيه فبرأ، فأعطاه الرّاية، فبرز مرحب وهو يقول: [من الرجز] قَدْ عَلِمَتْ خَيبرُ أنِّي مَرْحَبُ … شَاكِي السِّلاح بَطَلٌ مُجَرّبُ إذا الحُروب أَقْبَلَتْ تلهّبُ قال: فبرز له عليّ وهو يقول: [من الرجز] أنا الذي سمَّتني أمّي حَيْدَرَه … كليث غابات كريهِ المنظره أوفيهم بالصّاع كيل السَّندره (١) قال: فضرب مرحبًا ففلق رأسه فقتله، وكان الفتح. هكذا وقع في هذا السياق أنّ عليًّا هو الذي قتل مرحبًا اليهوديّ، لعنه اللّه. وقال أحمد (٢): ثنا حسين بن حسن الأشقر، حدّثني ابن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن جدّه، [عن] على قال: لما قتلتُ مرحبًا جئت برأسه إلى رسول الله ﷺ . وقد روى موسى بن عقبة (٣)، عن الزهريّ أن الذي قتل مرحبًا هو محمد بن مسلمة. وكذلك قال محمد بن إسحاق (٤): حدّثني عبد اللّه بن سهل، أحد بني حارثة، عن جابر بن عبد اللّه قال: خرج مرحب اليهوديّ من حصن خيبر وهو يرتجز ويقول: [من الرجز] قَدْ عَلِمَتْ خَيبرُ أنِّي مَرْحَب … شَاكي السِّلاح بَطَلٌ مُجَرّبُ أطعُن أحيانًا وحينًا أضربُ … إذا اللَّيوث أقبلت تحرّب إنَّ حِمَايَ لَلْحِمَى لا يُقْرَبُ قال: فأجابه كَعْبُ بن مَالك (٥): [من الرجز]

стр. 1895

قَدْ عَلِمَتْ خيبرُ أَنّي كَعْبُ … مُفَرِّجُ الغمّا جريء صُلبُ إذ شُتت الحَرْبُ تلتها الحرب … مَعْيَ حُسامٌ كالعقيقِ عَضبُ يطأْكُمو حتى يَذلّ الصّعب … نعطي الجزاء أو يفيء النَّهبُ (١) بكفِّ ماضٍ ليس فيه عَتبُ قال: وجعل مرحب يرتجز، ويقول: هل من مبارز؟ [فقال رسول اللّه ﷺ ]: "من لهذا؟! فقال محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول [الله]، أنا والله الموتور الثائر، قتلوا أخي بالأمس. فقال: "قم إليه، اللهم أعنه عليه". قال: فلمّا دنا أحدهما من صاحبه دخلتْ بينهما شجرة عُمْرِيَّة (٢)، من شجر العُشَر (٣)، فجعل كل واحد منهما يلوذ من صاحبه بها، كلما لاذ بها أحدهما اقتطع [صاحبه] بسيفه ما دونه منها، حتى برز كلّ واحد منهما لصاحبه، وصارت بينهما كالرَّجل القائم، ما فيها فَنن، ثم حمل على محمد بن مسلمة فضربه فاتّقاه بالدّرقة، فوقع سيفه فيها، فعضّت به فأمسكته، وضربه محمد بن مسلمة حتى قتله. وقد رواه الإمام أحمد (٤)، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن إسحاق، بنحوه. قال ابن إسحاق (٥): وزعم بعض الناس أن محمدًا ارتجز حين ضربه وقال: [من الرجز] قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أنِّي ماضِ … حُلْوٌ إِذَا شئتُ وَسُمّ قاضِ وهكذا رواه الواقدي (٦)، عن جابر وغيره من السَّلَف، أن [محمد بن مسلمة] هو الذي قتل مرحبًا، وذكر الواقديّ أن محمدًا قطع رجلي مرحب، فقال له: أجهز عليّ. فقال: لا، ذق الموت كما ذاقه محمود بن مسلمة. فمر به عليّ وقطع رأسه، فاختصما في سلبه إلى رسول الله ﷺ ، فأعطى رسول اللّه ﷺ محمد بن مسلمة سيفه ورمحه ومغفره وبيضته. قال: وكان مكتوبًا على سيفه: [من مجزوء الرجز] هَذَا سيف مَرْحَبْ … مَن يذقه يَعْطَبْ ثم ذكر ابن إسحاق (٧) أن أخا مَرْحَب، وهو ياسر، خرج بعده وهو يقول: هل من مبارز؟ فزعم هشام بن عروة أن الزبير خرج له، فقالت أمَه صفية بنت عبد المطلب: يُقتلُ ابني يا رسول اللّه. فقال:
следующие страницы →