← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

وقد رواه مسلم والنّسائيّ جميعًا، عن قُتيبة، به (١). وفي "صحيح مسلم" والبيهقيّ (٢) من حديث سُهَيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ : "لأعطينّ الراية غدًا رجلًا يحبّ اللّهَ ورسوله، ويحبّه اللّهُ ورسوله يفتح اللّه عليه". قال عمر: فما أحببت الإمارة قطّ إلا يومئذ. فدعا عليًّا فبعثه، ثم قال: "اذهب فقاتل حتى يفتح اللّه عليك، ولا تلتفت". قال عليّ: على ما أقاتل الناس؟ قال: "قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه وأنّ محمدًا عبده ورسوله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم، إلا بحقّها، وحسابهم على اللّه" لفظ البيهقيّ. وقال الإمام أحمد (٣): ثنا مصعب بن المقدام، وحجين بن المثنّى قالا: ثنا إسرائيل، ثنا عبد اللّه بن عصمة العجليّ، سمعت أبا سعيد الخدريّ، ﵁، يقول: إنّ رسول اللّه ﷺ أخذ الراية فهزّها، ثم قال: "من يأخذها بحقّها؟ " فجاء فلان فقال: أنا. قال: "أمط". ثم جاء رجل، فقال: "أمط". ثم قال النَّبِيّ ﷺ : "والذي كرّم وجه محمد، لأعطينّها رجلًا لا يفرّ، هاك يا عليًّا. فانطلق حتى فتح الله عليه خيبر وفدك، وجاء بعجوتهما، وقديدهما. تفرَّد به أحمد، وإسناده لا بأس به، وفيه غرابة. وعبد الله بن عصمة - ويقال: ابن عُصَمَ - هذا يكنّى بأبي علوان العجليّ، وأصله من اليمامة، سكن الكوفة، وقد وثّقه ابن معين، وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: شيخ. وذكره ابن حبّان في "الثّقات" (٤) وقال: يخطئ كثيرًا. وذكره في "الضّعفاء" وقال (٥): يُحَدِّث عن الأثبات ممَّا لا يشبه حديث الثِّقات، حتى يسبق إلى القلب أنَّها موهومة أو موضوعة. وقال يونس بن بكير (٦)، عن محمد بن إسحاق: حدّثني بُريدة بن سُفْيَان بن فَرْوَة الأسلميّ، عن أبيه، عن سلمة بن عمرو بن الأَكْوَع [﵁] قال: بعث النَّبِيّ ﷺ أبا بكر، ﵁، إلى بعض حُصُون خيبر، فقاتل ثم رجع، ولم يكن فتح، وقد جَهد، ثم بعث عمر، ﵁، فقاتل ثم رجع، ولم يكن فتح، فقال رسول الله ﷺ : "لأعطينّ الراية غدًا رجلًا يحبّه اللّهُ ورسوله، ويحبّ اللّهَ ورسوله، يفتح اللّه على يديه، ليس بفزار". قال سلمة: فدعا رسول اللّه ﷺ على بن أبي طالب، ﵁، وهو يومئذ أرمد، فتفل في عينيه، ثم قال: "خذ الراية وامض بها، حتى يفتح الله

стр. 1892

عليك". فخرج بها واللهِ يأنِح (١)، يهرول هرولة، وإنّا لخلفه نتَّبع أثره، حتى ركز رايته في رضم من حجارة تحت الحصن، فاطّلع يهوديّ من رأس الحصن فقال: من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب. فقال اليهوديّ: علَيتم وما أُنزل على موسى. فما رجع حتى فتح اللّه على يديه. وقال البيهقيّ (٢): أنبأ الحاكم، أنبأ الأصمّ، أنبأ العُطَارديّ، عن يونس بن بُكير، عن الحسين بن واقد، عن عبد اللّه بن بُرَيدة، أخبرني أبي قال: لمّا كان يوم خيبر، أخذ اللواء أبو بكر، فرجع ولم يُفتح له، وقتِل محمود بن مسلمة، فرجع الناس، فقال رسول الله ﷺ : "لأدفعنّ لوائي غدًا إلى رجل يحبّ اللّهَ ورسوله، ويحبّه اللّهُ ورسوله، لن يرجع حتى يفتح له" فبتنا طيِّبة نفوسنا أنّ الفتح غدًا، فصلّى رسول اللّه ﷺ صلاة الغداة، ثم دعا باللّواء وقام قائمًا، فما منّا من رجل له منزلة من رسول اللّه ﷺ إلّا وهو يرجو أن يكون ذلك الرجل، حتى تطاولتُ أنا لها، ورفعت رأسي؛ لمنزلة كانت لي منه، فدعا عليّ بن أبي طالب، وهو يشتكي عينيه. قال: فمسحها، ثم دفع إليه اللّواء ففُتح له. فسمعت عبد اللّه بن بريدة يقول: حدّثني أبي أنّه كان صاحب مرحب. قال يونس: قال ابن إسحاق: كان أولُ حصون خيبر فتحًا حصنَ ناعم، وعنده قتل محمود بن مسلمة، أُلقيت عليه رحى منه فقتلته. ثم روى البيهقيّ (٣) عن يونس بن بُكَير، عن المسيّب بن مَسْلَمة الأزديّ، ثنا عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه قال: كان رسول اللّه ﷺ ربما أخذته الشقيقة، فيلبث اليوم واليومين لا يخرج، فلمّا نزل خيبر أخذته الشقيقة، فلم يخرج إلى الناس، وإنْ أبا بكر أخذ راية رسول اللّه ﷺ ، ثم نهض فقاتل قتالًا شديدًا ثم رجع، فأخذها عمر فقاتل قتالًا شديدًا هو أشدّ من القتال الأوَّل، ثم رجع، فأُخبر بذلك رسول اللّه ﷺ فقال: "لأعطينها غدًا رجلًا يحبّ اللّهَ ورسوله ويحبّه اللّهُ ورسوله، يأخذها عنوة". وليس ثمّ عليّ، فتطاولتْ لها قريش، ورجا كلّ رجل منهم أن يكون صاحب ذلك، فأصبح، وجاء عليّ [بن أبي طالب] على بعير له حتى أناخ قريبًا، وهو أرمد قد عصب عينه بشقّة برد قِطْريّ، فقال رسول اللّه ﷺ : "ما لك؟ " قال: رمدت بعدك. قال: "ادن مني". فتفل في عينه، فما وجِعها حتى مضى لسبيله، ثم أعطاه الراية فنهض بها، وعليه جبّة أُرجوان حمراء، قد أخرج خملها، فأتى مدينة خيبر، وخرج مرحب صاحب الحصن وعليه مغفر يمانيّ، وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه، وهو يرتجز ويقول: [من الرجز] قَدْ عَلِمَتْ خيبرُ أَنِّي مَرْحَبُ … شاكٍ سِلاحي بطلٌ مُجَرّبُ إذا اللّيوث أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ … وأَحْجَمَتْ عن صَوْلَةِ المُغَلَّبِ (٤)

стр. 1893

فقال عليّ، ﵁: [من الرجز] أَنَا الذي سَمَّتني أُمِّي حَيْدَرَه … كَلَيْث غَابَاب شَديد القَسْوَره أكيلكم بالصَّاع كيل السَّنْدَرَهْ قال: فاختلفا ضربتين، فبدره عليّ بضربة، فقدّ الحجر والمغفر ورأسه، ووقع في الأضراس، وأخذ المدينة (١). وقد روى الحافظ البزّار (٢)، عن عبَّاد بن يعقوب، عن عبد اللّه بن بكير، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قصة بعثِ أبي بكر، ثم عمر يوم خيبر، ثم بعثِ عليّ، فكان الفتح على يديه. وفي سياقه غرابة ونكارة، وفي إسناده من هو متّهم بالتشيع. والله أعلم. وقد روى مسلم والبيهقيّ (٣) واللفظ له، من طريق عِكْرِمَة بن عَمَّار، عن إياس بن سَلَمة بن الأَكْوَع، عن أبيه، فذكر حديثًا طويلًا، وذكر فيه رجوعهم من غزوة بني فزارة. قال: فلم نمكث إلا ثلاثًا، حتى خرجنا إلى خيبر. قال: وخرج عامر، فجعل يقول: [من الرجز] واللّه لَولا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا … وَلا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا وَنَحْنُ مِنْ فَضْلِكَ مَا استَغْنَيْنَا … فَأَنْزِلَنْ سَكِيْنَةً عَلَيْنَا وَثبِّت الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا قال: فقال رسول الله ﷺ : "من هذا القائل؟ " فقالوا: عامر. فقال: "غفر لك ربّك". قال: وما خصّ رسُول اللّه ﷺ قطّ أحدًا [به] إلا استُشهد. فقال عمر وهو على جمل: لولا متّعتنا بعامر. قال: فقدمنا خيبر، فخرج مرحب وهو يخطِر بسيفه ويقول (٤): [من الرجز] قَدْ عَلِمَتْ خَيبرُ أَنِّي مَرْحَبُ … شَاكِي السِّلاح بَطَلٌ مجربُ إِذَا الحُروبُ أَقْبَلَتْ تَلهّبُ قال: فبرز له عامر، ﵁، وهو يقول: [من الرجز] قد عَلِمَتْ خيبرُ أنِّي عَامِرُ … شَاكي السِّلاح بَطَلٌ مُغَامِرُ قال: فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر، فذهب يسفّل له، فرجع على نفسه،

стр. 1894

فقطع أكحله وكانت فيها نفسه. قال سلمة: فخرجت فإذا نفر من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: بطلَ عمل عامر؛ قتل نفسه. قال: فأتيت رسول اللّه ﷺ وأنا أبكي، فقال: "ما لك؟ " فقلت: قالوا: إن عامرًا بطل عمله. فقال: "من قال ذلك؟ " فقلت: نفر من أصحابك. فقال: "كذب أولئك، بل له الأجر مرتين". قال: وأرسل رسول الله ﷺ إلى علي [﵁] يدعوه وهو أرمد، وقال: "لأعطينَّ الراية اليوم رجلًا يحبّ اللّهَ ورسوله". قال: فجئت به أقوده. قال: فبصق رسول اللّه ﷺ في عينيه فبرأ، فأعطاه الرّاية، فبرز مرحب وهو يقول: [من الرجز] قَدْ عَلِمَتْ خَيبرُ أنِّي مَرْحَبُ … شَاكِي السِّلاح بَطَلٌ مُجَرّبُ إذا الحُروب أَقْبَلَتْ تلهّبُ قال: فبرز له عليّ وهو يقول: [من الرجز] أنا الذي سمَّتني أمّي حَيْدَرَه … كليث غابات كريهِ المنظره أوفيهم بالصّاع كيل السَّندره (١) قال: فضرب مرحبًا ففلق رأسه فقتله، وكان الفتح. هكذا وقع في هذا السياق أنّ عليًّا هو الذي قتل مرحبًا اليهوديّ، لعنه اللّه. وقال أحمد (٢): ثنا حسين بن حسن الأشقر، حدّثني ابن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن جدّه، [عن] على قال: لما قتلتُ مرحبًا جئت برأسه إلى رسول الله ﷺ . وقد روى موسى بن عقبة (٣)، عن الزهريّ أن الذي قتل مرحبًا هو محمد بن مسلمة. وكذلك قال محمد بن إسحاق (٤): حدّثني عبد اللّه بن سهل، أحد بني حارثة، عن جابر بن عبد اللّه قال: خرج مرحب اليهوديّ من حصن خيبر وهو يرتجز ويقول: [من الرجز] قَدْ عَلِمَتْ خَيبرُ أنِّي مَرْحَب … شَاكي السِّلاح بَطَلٌ مُجَرّبُ أطعُن أحيانًا وحينًا أضربُ … إذا اللَّيوث أقبلت تحرّب إنَّ حِمَايَ لَلْحِمَى لا يُقْرَبُ قال: فأجابه كَعْبُ بن مَالك (٥): [من الرجز]

стр. 1895

قَدْ عَلِمَتْ خيبرُ أَنّي كَعْبُ … مُفَرِّجُ الغمّا جريء صُلبُ إذ شُتت الحَرْبُ تلتها الحرب … مَعْيَ حُسامٌ كالعقيقِ عَضبُ يطأْكُمو حتى يَذلّ الصّعب … نعطي الجزاء أو يفيء النَّهبُ (١) بكفِّ ماضٍ ليس فيه عَتبُ قال: وجعل مرحب يرتجز، ويقول: هل من مبارز؟ [فقال رسول اللّه ﷺ ]: "من لهذا؟! فقال محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول [الله]، أنا والله الموتور الثائر، قتلوا أخي بالأمس. فقال: "قم إليه، اللهم أعنه عليه". قال: فلمّا دنا أحدهما من صاحبه دخلتْ بينهما شجرة عُمْرِيَّة (٢)، من شجر العُشَر (٣)، فجعل كل واحد منهما يلوذ من صاحبه بها، كلما لاذ بها أحدهما اقتطع [صاحبه] بسيفه ما دونه منها، حتى برز كلّ واحد منهما لصاحبه، وصارت بينهما كالرَّجل القائم، ما فيها فَنن، ثم حمل على محمد بن مسلمة فضربه فاتّقاه بالدّرقة، فوقع سيفه فيها، فعضّت به فأمسكته، وضربه محمد بن مسلمة حتى قتله. وقد رواه الإمام أحمد (٤)، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن إسحاق، بنحوه. قال ابن إسحاق (٥): وزعم بعض الناس أن محمدًا ارتجز حين ضربه وقال: [من الرجز] قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أنِّي ماضِ … حُلْوٌ إِذَا شئتُ وَسُمّ قاضِ وهكذا رواه الواقدي (٦)، عن جابر وغيره من السَّلَف، أن [محمد بن مسلمة] هو الذي قتل مرحبًا، وذكر الواقديّ أن محمدًا قطع رجلي مرحب، فقال له: أجهز عليّ. فقال: لا، ذق الموت كما ذاقه محمود بن مسلمة. فمر به عليّ وقطع رأسه، فاختصما في سلبه إلى رسول الله ﷺ ، فأعطى رسول اللّه ﷺ محمد بن مسلمة سيفه ورمحه ومغفره وبيضته. قال: وكان مكتوبًا على سيفه: [من مجزوء الرجز] هَذَا سيف مَرْحَبْ … مَن يذقه يَعْطَبْ ثم ذكر ابن إسحاق (٧) أن أخا مَرْحَب، وهو ياسر، خرج بعده وهو يقول: هل من مبارز؟ فزعم هشام بن عروة أن الزبير خرج له، فقالت أمَه صفية بنت عبد المطلب: يُقتلُ ابني يا رسول اللّه. فقال:

стр. 1896

"بل ابنك يقتله إن شاء اللّه". فالتقيا فقتله الزبير. [قال]: فكان الزّبير - إذا قيل له: واللّه إن كان سيفك يومئذ لصارمًا - يقول: واللّه ما كان صارمًا، ولكني أكرهته. وقال يونس، عن ابن إسحاق، عن بعض أهله، عن أبي رافع مولى رسول اللّه ﷺ قال: خرجنا مع عليّ حين بعثه رسول اللّه ﷺ [برايته]، فلمّا دنا من الحصن خرج إليه أهله، فقاتلهم، فضربه رجل منهم من يهود، فطرح تُرسه من يده، فتناول عليّ باب الحصن، فترّس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح اللّه عليه، ثم ألقاه من يده، فلقد رأيتُني في نفر معي سبعة أنا ثامنهم، نجهد على أن نقلب ذلك الباب، فما استطعنا أن نقلبه. وفي هذا الخبر جهالة وانقطاع ظاهر. ولكن روى الحافظ البيهقيّ (١)، والحاكم من طريق مُطَّلب بن زياد، عن ليث بن أبي سُليم، عن أبي جعفر الباقر، عن جابر، أن عليًّا حمل الباب يوم خيبر حتى صعِد المسلمون عليه فافتتحوها، وأنه جرّب بعد ذلك، فلم يحمله أربعون رجلًا. وفيه ضعف أيضًا. وفي رواية ضعيفة، عن جابر: ثم اجتمع عليه سبعون رجلًا، وكان جهدهم أن أعادوا الباب. وقال البخاريّ (٢): ثنا مكّيّ بن إبراهيم، ثنا يزيد بن أبي عبيد قال: رأيت أثر ضربة في ساق سلمة، فقلت: يا أبا مسلم، ما هذه الضربة؟ قال: هذه ضربة أصابتْها يوم خيبر، فقال الناس: أصيب سلمة. فأتيت النبيّ ﷺ فنفث فيه ثلاث نفَثات، فما اشتكيت حتى الساعة. ثم قال البخاريّ (٣): حَدَّثَنَا عبد اللّه بن مسلمة، حَدَّثَنَا ابن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل قال: التقى النبيّ ﷺ المشركون في بعض مغازيه فاقتتلوا، فمال كلّ قوم إلى عسكرهم، وفي المسلمين رجل لا يدَع من المشركين شاذّة ولا فاذّة إلّا اتّبعها فضربها [بسيفه]، فقيل: يا رسول اللّه، ما أجزأ أحدٌ ما أجزأ فلان. قال: "إنه من أهل النار". فقالوا: أيّنا من أهل الجنة إن كان هذا من أهل النار؟ فقال رجل من القوم: لأتّبعنّه، فإذا أسرع وأبطأ كنت معه. حتى جرح فاستعجل الموت، فوضع نصاب سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه فقتل نفسه. فجاء الرجل إلى النَّبِيّ ﷺ فقال: أشهد أنك رسول اللّه. قال: "وما ذاك؟ " فأخبره، فقال: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وإنه من أهل النار، ويعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس، وإنه من أهل الجنة". رواه أيضًا (٤) عن قتيبة، عن يعقوب، عن أبي حازم، عن سهل، فذكر مثله أو نحوه.

стр. 1897

وقال [البخاريّ] (١): ثنا أبو اليَمَان، ثنا شعيب، عن الزهريّ، أخبرني سعيد بن المسيّب أن أبا هريرة قال: شهدنا خيبر، فقال رسول الله ﷺ لرجل ممّن معه يدَّعي الإسلام: "هذا من أهل النار". فلمَّا حضر القتال قاتل الرجل أشدّ القتال، حتى كثرت به الجراحة، حتى كاد بعض الناس يرتاب، فوجد الرجل ألم الجراحة، فأهوى بيده إلى كنانته، فاستخرج منها أسهمًا فنحر بها نفسه، فاشتدّ رجال من المسلمين فقالوا: يا رسول الله، صدّق الله حديثَك، انتحر فلان فقتل نفسه. فقال: "قم يا فلان، فأذِّن أنه لا يدخل الجنة إلَّا مؤمن، وأنّ الله يؤيّد الدين بالرجل الفاجر". وقد روى موسى بن عقبة (٢) قصة العبد الأسود؛ الذي رزقه اللّه الإيمان والشهادة في ساعةٍ واحدةٍ، وكذلك رواها ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوَة، قالا: وجاء عبد حبشيّ أسود، من أهل خيبر، كان في غنم لسيده، فلمَّا رأى أهل خيبر قد أخذوا السلاح سألهم قال: ما تريدون؟ قالوا: نقاتل هذا الرجل الذي يزعم أنه نبيّ. فوقع في نفسه ذكر النَّبِيّ ﷺ ، فأقبل بغنمه حتى عمَد لرسول الله ﷺ ، فقال: إلى ما تدعو؟ قال: "أدعوك إلى الإسلام؛ أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وأن لا تعبد إلا الله". قال: فقال العبد: فماذا يكون لي إن شهدتُ بذلك وآمنت باللّه؛ قال رسول الله ﷺ : "الجنة إن متّ على ذلك". فأسلم العبد فقال: يا نبي الله، إن هذه الغنم عندي أمانة. فقال رسول اللّه ﷺ : "أخرجها من عسكرنا وارمها بالحصباء، فإن اللّه سيؤدِّي عنك أمانتك". ففعل فرجعت الغنم إلى سيدها، فعرف اليهوديّ أن غلامه قد أسلم. فقام رسول الله ﷺ فوعظ الناس، فذكر الحديث في إعطائه الراية عليًّا، ودنوّه من حصن اليهود وقتلِه مرحبًا، وقتل مع على ذلك العبد الأسود، فاحتمله المسلمون إلى عسكرهم، فأُدخل في الفُسطاط، فزعموا أن رسول الله ﷺ اطلع في الفسطاط، ثم اطلع على أصحابه فقال: "لقد أكرم اللّه هذا العبد وساقه إلى خير، قد كان الإسلام من نفسه حقًا، وقد رأيت عند رأسه اثنتين من الحور العين". وقد روى الحافظ البيهقيّ (٣) من طريق ابن وهب، عن حيوة بن شريح، عن ابن الهاد، عن شرحبيل بن سعد، عن جابر بن عبد الله قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة خيبر، فخرجت سريّة، فأخذوا إنسانًا معه غنم يرعاها، فذكر نحو قصة هذا العبد الأسود، وقال فيه: قتل شهيدًا وما سجد لله سجدة. ثم قال البيهقيّ (٤): أنبأ محمد بن محمد بن مَحْمِش الفقيه (٥)، أنبأ أبو بكر القطّان، أنبأ أبو الأزهر،

стр. 1898

أنبأ مؤمّل بن إسماعيل، أنبأ حمَّاد، أنبأ ثابت، عن أنس، أن رجلًا أتى رسول اللّه ﷺ فقال: يا رسول اللّه، إني رجل أسود اللون، قبيح الوجه، منتن الريح، لا مال لي، فإن قاتلتُ هؤلاء حتى أقتل، أدخلِ الجنة؟ قال: "نعم". فتقدَّم فقاتل حتى قتل، فأتى عليه رسول اللّه ﷺ وهو مقتول، فقال: "لقد حسّن اللّه وجهك، وطيّب ريحك، وكثّر مالك". و [قال]: "لقد رأيت زوجتيه من الحور العين يتنازعان جبَّته عنه؛ يدخلان فيما بين جلده وجبّته". ثم روى البيهقيّ (١)، من طريق ابن جُريج، أخبرني عِكْرِمَة بن خالد، عن [ابن] أبي عمَّار، عن شذاد بن الهاد، أن رجلًا من الأعراب جاء رسول الله ﷺ فآمن به واتّبعه، فقال: أهاجر معك. فأوصى به النَّبِيّ ﷺ بعض أصحابه، فلمَّا كانت غزوة خيبر غنم رسول الله ﷺ ، فقسمه وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلمّا جاء دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك رسول الله ﷺ . فقال: ما على هذا اتّبعتك، ولكني اتبعتك على أن أُرمى هاهنا - وأشار إلى حلقه - بسهم فأموت فأدخل الجنة. فقال: "إن تصدق اللّه يصدقك"، ثم نهضوا إلى قتال العدّو، فأُتي به رسول الله ﷺ يحمل، وقد أصابه سهم حيث أشار، فقال النَّبِيّ ﷺ : "هو هو؟ "قالوا: نعم. قال: "صدق الله فصدقه". وكفّنه النَّبِيّ [في جبّة النَّبِيّ] ﷺ ، ثم قدّمه فصلَّى عليه، فكان ممَّا ظهر من صلاته: "اللهم هذا عَبْدُكَ خرج مهاجرًا في سبيلك، قتل شهيدًا، أنا عليه شهيد". وقد رواه النسائيّ (٢)، عن سويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك، عن ابن جريج، به نحوه. * * * فصل قال ابن إسحاق (٣): وتدنّى رسول الله ﷺ الأموال، يأخُذُها مالًا مالًا، ويفتتحها حِصنًا حصنًا، وكان أول حصونهم فُتح حصن ناعم، وعنده قتل محمود بن مسلمة؛ أُلقيت عليه رحى منه فقتلته، ثم القموص حصن أبي الحُقيق، وأصاب رسول اللّه ﷺ منهم سبايا؛ منهن صَفِيّة بنت حُييّ بن أخطب، وكانت عند كِنَانَة بن الرَّبيع بن أبي الحُقَيق، وبنتا عمّ لها، فاصطفى رسول الله ﷺ صفيّة لنفسه، وكان دِحْيَة بن خَليفة قد سأل رسول الله ﷺ صفيّة، فلمّا اصطفاها لنفسه أعطاه ابنتي عمَّها. قال: وفشت السَّبَايا من خيبر في المسلمين، وأكل الناس لحوم الحمر. فذكر نهي رسول اللّه ﷺ إياهم عن أكلها.

стр. 1899

وقد اعتنى البخاريّ بهذا الفصل؛ فأورد النهي عنها من طرق جيدة، وتحريمُها مذهب جمهور العلماء سلفًا وخلفًا، وهو مذهب الأئمة الأربعة. وقد ذهب بعض السَّلف - منهم ابن عَبَّاس - إلى إباحتها، وتنوَّعت أجوبتهم عن الأحاديث الواردة في النهي عنها، فقيل: [لأنها كانت ظَهرًا يستعينون بها في الحمولة. وقيل: لأنها لم تكن خُمّست بعد. وقيل]: لأنها كانت تأكل العَذِرة، يعني جلَّالة. والصحيح أنه نُهي عنها لذاتها؛ فإن في [الأثر] الصحيح (١) أنه نادى [منادي] رسول اللّه ﷺ : إنَّ الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر؛ فإنها رجس. فأكفؤُوها والقدور تفور بها (٢)، وموضع تقرير ذلك في كتاب "الأحكام". قال ابن إسحاق (٣): حدّثني سلَّام بن كِرْكِرَة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله - ولم يشهد جابر خيبر - أن رسول الله ﷺ حين نهى الناس عن أكل لحوم الحمر أذن لهم في لحوم الخيل. وهذا الحديث أصله ثابت في "الصحيحين" (٤) من حديث حفاد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن علي، عن جابر، ﵁، قال: نهى رسول اللّه ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر، ورخص في الخيل. لفظ البخاريّ. قال ابن إسحاق (٥): وحَدَّثَنَا عبد الله بن أبي نجيح، عن مكحول أن النَّبِيّ ﷺ نهاهم يومئذ عن أربع؛ عن إتيان الحَبالى من النساء، وعن أكل الحمار الأهلي، وعن أكل كل ذي ناب من السِّباع، وعن بيع المغانم حتى تقسم. وهذا مرسل. وقال ابن إسحاق: وحَدَّثَنِي يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرزوق مولى تُجيب، عن حنش الصّنعانيّ قال: غزونا مع رويفع بن ثابت الأنصاريّ المغرب، فافتتح قرية من قرى المغرب يقال لها: جَرْبة. فقام فينا خطيبًا فقال: أيها الناس، إني لا أقول فيكم إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ يقول فينا يوم خيبر؛ قام فينا رسول الله ﷺ فقال: "لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر [أن يسقي ماءَه زرع غيره" يعني إتيان

стр. 1900

الحَبَالى من السّبي "ولا يحلّ لامرئ يؤمن باللّه واليوم الآخر] أن يصيب امرأة من السّبي حتى يستبرئها، ولا يحل لامرئ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يبيع مغنمًا حتى يقسم، ولا يحل لامرئ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردّها فيه، ولا يحلّ لامرئ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يلبس ثوبًا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه ردّه فيه". وهكذا روى هذا الحديث أبو داود من طريق محمد بن إسحاق، به (١). ورواه الترمذيّ (٢)، عن عمر بن حفص الشّيبانيّ (٣)، عن ابن وهب، عن يحيى بن أيوب، عن ربيعة بن سُليم، عن بشر بن عبيد الله، عن روُيفع بن ثابت، مختصرًا، وقال: حسن. وفي "صحيح البخاريّ" (٤) عن نافع، عن ابن عمر أن رسول اللّه ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهليّة وعن أكل الثّوم. وقد حكى ابن حزم، عن عليّ وشريك بن الحنبل، أنهما ذهبا إلى تحريم البصل والثّوم النِّيْءِ. والذي نقله الترمذيّ (٥) عنهما الكراهة. فاللّه أعلم. وقد تكلّم الناس في الحديث الوارد في "الصحيحين" (٦) من طريق الزهريّ، عن عبد اللّه والحسن ابني محمد ابن الحنفيّة، عن أبيهما، عن أبيه عليّ بن أبي طالب، ﵁، أن رسول اللّه ﷺ نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الأهليّة. هذا لفظ "الصحيحين" من طريق مالك وغيره، عن الزهريّ، وهو يقتضي تقييد تحريم نكاح المتعة بيوم خيبر، وهو مشكل من وجهين: أحدهما، أن يوم خيبر لم يكن ثَمّ نساء يتمتّعون بهنّ؛ إذ قد حصل لهم الاستغناء بالسِّباء عن نكاح المتعة. الثاني، أنه قد ثبت في "صحيح مسلم" (٧) عن الربيع بن سَبْرة بن مَعْبَد، عن أبيه، أن رسول اللّه ﷺ أذن لهم في المتعة زمن الفتح، ثم لم يخرج من مكة حتى نهى عنها، وقال: "إن الله قد حرّمها إلى يوم القيامة". فعلى هذا يكون قد نهى عنها، ثم أذن فيها، ثم حرّمت؛ فيلزم النّسخ مرتين، وهو بعيد. ومع هذا فقد نصَّ الشافعيّ على أنه لا يعلم شيئًا أُبيح ثم حرّم، ثم أبيح ثم حرّم، غير نكاح المتعة،

стр. 1901

وما حداه على هذا، ﵀، إلا اعتماده على هذين الحديثين، كما قدَّمناه. وقد حكى السهيليّ (١) وغيره، عن بعضهم أنه ادّعى أنها أبيحت ثلاث مرات، وحرّمت ثلاث مرات. وقال آخرون: أربع مرات. وهذا بعيد جدًّا. والله أعلم. واختلفوا؛ أيّ وقت أول ما حرّمت؟ فقيل: في خيبر. وقيل: في عمرة القضاء. وقيل: في عام الفتح. وهو الذي يظهر، وقيل: في أوطاس. وهو قريب من الذي قبله. وقيل: في تبوك. وقيل: في حجَّة الوداع، رواه أبو داود (٢). وقد حاول بعض العلماء أن يجيب عن حديث عليّ، ﵁، بأنه وقع فيه تقديم وتأخير. وإنما المحفوظ فيه ما رواه الإمام أحمد (٣): حَدَّثَنَا سفيان، عن الزهريّ، عن الحسن وعبد الله ابني محمد، عن أبيهما - وكان حسن أرضاهما في أنفسهما - أن عليًّا قال لابن عباس: إن رسول اللّه ﷺ نهى عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر. قالوا: فاعتقد الراوي أن قوله: "خيبر". ظرف للمنهيّ عنهما، وليس كذلك، إنما هو ظرف للنهي عن لحوم الحمر، فأمَّا نكاح المتعة فلم يذكر له ظرفًا، وإنما جمعه معه؛ لأن عليًّا، ﵁، بلغه أن ابن عباس أباح نكاح المتعة، ولحوم الحمر الأهلية، كما هو المشهور عنه، فقال له أمير المؤمنين علي: إنك امرؤ تائهٌ، إن رسول اللّه ﷺ نهى عن نكاح المتعة ولحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، فجمع له النهي ليرجع عما كان يعتقده في ذلك من الإباحة، وإلى هذا التقرير كان ميل شيخنا الحافظ أبي الحجّاج المزّيّ، تغمَّده الله برحمته، آمين. ومع هذا ما رجع ابن عباس عما كان يذهب إليه من إباحة الحمر والمتعة، أما النهي عن الحمر، فتأوَّله بأنَّها كانت حَمولتهم، وأما المتعة، فإنما كان يبيحها عند الضّرورة في الأسفار، وحمل النهي على ذلك في حال الرَّفاهية والوجدان، وقد تبعه على ذلك طائفة من أصحابه وأتباعهم، ولم يزل ذلك مشهورًا عن علماء الحجاز، إلى زمن ابن جريج، وبعده. وقد حكي عن الإمام أحمد بن حنبل رواية كمذهب ابن عباس، وهي ضعيفة، وحاول بعض من صنّف في الخلاف نقل رواية عن الإمام أحمد بمثل ذلك، ولا يصحّ أيضًا، واللّه أعلم. وموضع تحرير ذلك في كتاب "الأحكام"، وبالله المستعان. قال ابن إسحاق (٤): ثم جعل رسول الله (٢) يتدنَّى الحصون والأموال، فحدّثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدّثه بعضُ أَسْلَم أن بني سهم من أسلم أتوا رسول اللّه ﷺ فقالوا: والله يا رسول الله، لقد جهدنا وما بأيدينا من شيء. فلم يجدوا عند رسول اللّه ﷺ شيئًا يعطيهم إيّاه، فقال: "اللهم إنك فد عرفتَ حالهم، وأن

стр. 1902

ليست بهم قوة، وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إيّاه، فافتح عليهم أعظم حصونها عندهم، وأكثرها طعامًا وودكًا". فغدا الناس ففتح عليهم حصن الضعب بن معاذ، وما بخيبر حصن كان أكثر طعامًا وودكًا منه. قال ابن إسحاق (١): ولما افتتح رسول الله ﷺ من حصونهم ما افتتح، وحاز من الأموال ما حاز، انتهَوا إلى حصنهم الوطيح، والسَّلالم، وكان آخر حصون خيبر افتتاحًا، فحاصرهم رسول الله ﷺ بضع عشرة ليلة. قال ابن هشام: وكان شعارهم يوم خيبر: يا منصور، أمت أمت. قال ابن إسحاق (٢): وحدّثني بريدة بن سفيان الأسلميّ، عن بعض رجال بني سلمة، عن أبي اليَسَر كعب بن عمرو قال: إنّا لمع رسول الله ﷺ بخيبر ذات عشية، إذ أقبلت غنم لرجل من يهود، تريد حصنهم ونحن محاصروهم، فقال رسول اللّه ﷺ : "من رجل يطعمنا من هذه الغنم؟ "قال أبو اليسر: فقلت: أنا يا رسول اللّه. قال: "فافعل". قال: فخرجت أشتدّ مثل الظّليم، فلمّا نظر إليّ رسول اللّه ﷺ مولِّيًا قال: "اللهمم أمتعنا به". قال: فأدركت الغنم وقد دخلت أولاها الحصن، فأخذت شاتين من أُخراها فاحتضنتهما تحت يديّ، ثم جئت بما أشتدّ، كأنه ليس معي شيء، حتى ألقيتهما عند رسول الله ﷺ فذبحهما فأكلوها، فكان أبو اليَسَر من آخر أصحاب رسول الله ﷺ موتًا "وكان إذا حدّث هذا الحديث بكى، ثم قال: أُمتعوا بي لعمري، حتى كنت من آخرهم [موتًا]. وقال الحافظ البيهقيّ في "الدلائل" (٣): أخبرنا أبو محمد عبد اللّه بن يوسف الأصبهانيّ، ثنا أبو سعيد بن الأعرابيّ، ثنا سعدان بن نصر، ثنا أبو معاوية، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النّهديّ، أو عن أبي قلابة قال: لما قدم النَّبِيّ ﷺ خيبر قدم والثمرة خضِرة، قال: فأسرع الناس فيها، فَحُمُّوا، فشكوا ذلك إليه، فأمرهم أن يقرّسوا (٤) الماء في الشّنان، ثم يحدروا عليهم بين أذاني الفجر، ويذكروا اسم اللّه عليه، ففعلوا ذلك فكأنما نشطوا من عُقُل. قال البيهقيّ: ورويناه عن عبد الرحمن بن رافع موصولًا، وعنه: بين صلاتي المغرب والعشاء. وقال الإمام أحمد (٥): ثنا يحيى وبهز، قالا: ثنا سليمان بن المغيرة، ثنا حميد بن هلال، ثنا

стр. 1903

عبد الله بن مغفّل، قال: دُلِّيَ جراب من شحم يوم خيبر. قال: فالتزمته، فقلت: لا أعطي أحدًا منه شيئًا. قال: فالتفت فإذا رسول اللّه ﷺ يتبسّم. وقال أحمد (١): ثنا عفان، ثنا شعبة، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن مغفل، قال: كنا محاصرين قصر خيبر، فأُلقي إلينا جراب فيه شحم، فذهبت آخذه، فرأيت النَّبِيّ ﷺ فاستحييت. وقد أخرجه صاحبا "الصحيح" من حديث شعبة. ورواه مسلم (٢) أيضًا عن شيبان بن فرّوخ، عن سليمان بن المغيرة، به نحوه. وقال ابن إسحاق (٣): وحَدَّثَنِي من لا أتَّهم، عن عبد اللّه بن مُغَفَّل المزنيّ، قال: أصبت من فيء خيبر جراب شحم. قال: فاحتملته على عنقي إلى رحلي وأصحابي. قال: فلقيني صاحب المغانم الذي جعل عليها، فأخذ بناحيته، وقال: هلمّ هذا؛ حتى نقسمه بين المسلمين. قال: وقلت: لا واللّه لا أعطيكه. قال: وجعل يجاذبني الجراب. قال: فرآنا رسول الله ﷺ ونحن نصنع ذلك فتبسّم ضاحكًا، ثم قال لصاحب المغانم: ["لا أبا لك]، خلّ بينه وبينه". قال: فأرسله، فانطلقت به إلى رحلي وأصحابي فأكلناه. وقد استدلَّ الجمهور بهذا الحديث على الإمام مالك؛ في تحريمه شحوم ذبائح اليهود - ما كان حرامًا عليهم - على غيرهم من المسلمين؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. قال: لكم. قال: وليس هذا من طعامهم. فاستدلوا عليه بهذا الحديث، وفيه نظر، وقد يكون هذا الشّحم ممّا كان حلالًا لهم. واللّه أعلم. وقد استدلوا بهذا الحديث على أن الطعام لا يُخمّس. ويَعْضُدُ ذلك ما رواه الإمام أبو داود (٤): ثنا محمد بن العلاء، ثنا أبو معاوية، ثنا [أبو] إسحاق الشّيبانيّ، عن محمد بن أبي مجالد، عن عبد اللّه بن أبي أوفى قال: قلتُ: هل كنتم تخمّسون الطعام في عهد رسول اللّه ﷺ ، فقال: أصبنا طعامًا يوم خيبر، فكان الرجل يجيء، فيأخذ منه قدر ما يكفيه، ثم ينصرف، تفرّد به أبو داود، وهو حسن (٥). * * *

стр. 1904

ذكر قصّة صَفِيَّة بنت حُيَي بن أخطب النّضرية (١) ﵂ وكان من شأنها أنه لما أَجلى رسول اللّه ﷺ يهود بني النّضير من المدينة، كما تقدَّم، فذهب عامّتهم إلى خيبر، وفيهم حُيَيّ بن أخطب، وبنو أبي الحُقَيق، وكانوا ذوي أموال وشرف في قومهم، وكانت صَفِيّة إذ ذاك طفلة دون البُلوغ، ثم لمّا تأهّلت للتّزويج، تزوّجها بعض بني عمِّها، فلما زُفت إليه وأُدخلت عليه بنى بها، ومضى على ذلك ليالٍ، رأت في منامها كأنَّ قمر السماء قد سقط في حَجْرِهَا، فقصَّت رؤياها على ابن عَمِّهَا، فلطم وجهها، وقال: أتتمنّين مَلِكَ يَثْربَ أن يَصير بَعْلَكِ. فما كان إلا مجيء رسول الله ﷺ وحصاره إيَّاهم، وكانت صَفِيَّة في جملة السَّبي، وكان زوجها في جملة القَتْلَى. ولمَّا اصطفاها رسول الله ﷺ ، وصارت في حوزه وملكه، كما سيأتي، وبنى بها، بعد استبرائها [وحِلّها]، وجد أثر [تلك] اللَّطمة في خدّها، فسألها: "ما شأنها؟ " فذكرت له ما كانت رأت من تلك الرؤيا الصَّالحة، ﵂ وأرضاها. قال البخاريّ (٢): ثنا سليمان بن حرب، ثنا حمَّاد بن زيد، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: صلى النَّبِيّ ﷺ الصُّبْحَ قريبًا من خيبر بغلس ثم قال: "الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا [بساحة] قومٍ فساء صباح المنذَرين" فخرجوا يسعون في السِّكك، فقتل النَّبِيّ ﷺ المقاتلة وسبى الذُّرِّية، وكان من السَّبي صَفيَّةُ، فصارت إلى دِحْيَةَ الكلبيّ، ثم صارت إلى النَّبي ﷺ ، فجعل عِتْقَهَا صَدَاقَها. ورواه مسلم (٣) أيضًا من حديث حماد بن زيد - وله طرق - عن أنس. وقال البخاريّ (٤): ثنا آدم، ثنا شُعبة، عن عبد العزيز بن صهيب [قال]: سمعت أنس بن مالك يقول: سبى النَّبِيّ ﷺ صَفِيَّة، فاعتقها وتزوّجها. قال ثابت لأنس: ما أصدقها؟ قال: أصدقها نفسها فأعتقها. تفرّد به البخاريّ من هذا الوجه.

стр. 1905

وقال البخاريّ (١): ثنا عبد الغفَّار بن داود، ثنا يعقوب بن عبد الرحمن. [ح] وثنا أحمد [بن عيسى] ثنا ابن وهب، أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن الزهريّ، عن عمرو مولى المطلب، عن أنس بن مالك قال: قدمنا خيبر، فلمَّا فتح الله [عليه] الحصن، ذُكر له جمال صَفِيَّة بنت حُيَيّ بن أَخْطَب، وقد قتل زوجها، وكانت عروسًا، فاصطفاها النَّبِيّ ﷺ لنفسه، فخرج بها حتى بلغ بها سدَّ الصَّهْباء حلّت، فبنى بها رسول الله ﷺ ، ثم صنع حَيْسًا في نطع صغير، ثم قال لي: "آذن من حولك". فكانت تلك وليمته على صفية، ثم خرجنا إلى المدينة، فرأيت النَّبِيّ ﷺ يحوّي لها وراءه بعباءة، ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب. تفرَّد به دون مسلم. وقال البخاريّ (٢): ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير، أخبرني حميد أنه سمع أنسًا يقول: أقام رسول الله ﷺ بين خيبر والمدينة ثلاث ليال، يُبنى عليه بصفية، فدعوت المسلمين إلى وليمته، وما كان فيها من خبز و [لا] لحم، وما كان فيها إلا أن أمر بلالًا بالأنطاع فبسطت، فألقى عليها التمر والأقِط والسّمن، فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه؟ فقالوا: إن حجبها فهي إحدى أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه. فلمّا ارتحل وطَّأ لها خلفه، ومدَّ الحِجَاب. انفرد به البُخاريّ. وقال أبو داود (٣): ثنا مسدِّد، ثنا حمَّاد بن زيد، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك قال: صارت صفية لدِحية الكلبيّ، ثم صارت لرسول الله ﷺ . وقال أبو داود (٤): ثنا يعقوب بن إبراهيم، [قال]: ثنا ابن علية، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: جمع السَّبي - يعني بخيبر - فجاء دحية فقال: يا رسول اللّه، أعطني جارية من السَّبي. قال: "اذهب فخذ جارية". فأخذ صفيَّة بنت حييّ، فجاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا نبيّ الله، أَعطيت [دِحْيَةَ]- قال يعقوب: صفيَّة بنت حيي سيدة قريظة والنّضير؟ - ما تصلح إلا لك. قال: "ادع بها". فلمّا نظر إليها النَّبِيّ ﷺ قال: "خذ جارية من السَّبي غيرها". وإنَّ رسول الله ﷺ أعتقها وتزوّجها، وأخرجاه (٥) من حديث ابن عُليَّة. وقال أبو داود (٦): ثنا محمد بن خلاد الباهليّ، ثنا بهز بن أسد، ثنا حمَّاد بن سلمة، ثنا ثابت، عن

стр. 1906

أنس قال: وقع في سهم دِحْيَة جَارِيَةٌ جميلة، فاشتراها رسول اللّه ﷺ بسبعة أرؤس، ثم دفعها إلى أمّ سُليم تصنعها وتهيّئها. قال حمّاد: وأحسبه قال: وتعتدّ في بيتها - صفية بنت حُييّ. تفرّد به أبو داود. قال ابن إسحاق (١): فلما افتتح رسول اللّه ﷺ القموص، حصن بني أبي الحُقيق، أُتي بصَفية بنت حييّ بن أخطب وبأُخرى (٢) معها، فمرّ بهما بلال - وهو الذي جاء بهما - على قتلى من قتلى يهود، فلمّا رأتهم التي مع صفية، صاحت، وصكّت وجهها، وحثَت التراب على رأسها، فلمّا رآها رسول اللّه ﷺ قال: "أعزبوا (٣) عني هذه الشيطانة". وأمر بصَفِيَّة فحِيزت خلفه، وألقى عليها رداءه، فعرف المسلمون أن رسول اللّه ﷺ قد اصطفاها لنفسه. وقال رسول اللّه ﷺ لبلال - فيما بلغني -[حين رأى بتلك اليهودية ما رأى]: "أنُزعتْ منكَ الرحمة يا بلال حتى تمرَّ بامرأتين على قتلى رجالهما! ". وكانت صفية قد رأت في المنام وهي عروس بكنانة بن الربيع بن أبي الحُقيق، أن قمرًا وقع في حَجرها، فعرضت رؤياها على زوجها، فقال: ما هذا إلّا أنك تمنّين مَلِكَ الحجاز محمدًا. فلطم وجهها لطمةً خَضَّر عينها منها. فأُتي بها رسول اللّه ﷺ وبها أثر منه، فسألها: "ما هذا؟ " فأخبرته الخبر. قال ابن إسحاق (٤): وأُتي رسول اللّه ﷺ بكنانة بن الربيع، وكان عنده كَنْزُ بني النَّضير، فسأله عنه، فجحد أن يكون يعلم مكانه، فأتى رسول الله ﷺ رجل من اليهود، فقال لرسول اللّه ﷺ : إني رأيت كنانة يَطيف بهذه الخرِبة كلّ غداة. فقال رسول اللّه ﷺ لكنانة: "أرأيت إن وجدناه عندك أقتلُكَ؟! قال: نعم. فأمر رسول الله ﷺ بالخربة فحفرت، فأخرج منها بعض كنزهم، ثم سأله عما بقي، فأبى أن يؤدّيه، فأمر به رسول اللّه ﷺ الزّبير بن العَوَّام فقال: "عذِّبه حتى تستأصل ما عنده". وكان الزبير يقدح بزَنْدٍ في صدره حتى أشرف على نفسه، ثم دفعه رسول اللّه ﷺ إلى محمد بن مسلمة، فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة. فصل قال ابن إسحاق (٥): وحاصر رسول اللّه ﷺ أهل خيبر في حصنَيهم الوطيح والسُّلالم، حتى [إذا]

стр. 1907

أيقنوا بالهلكة، سألوه أن يسيرهم (١) و [أن] يحقن دماءهم، ففعل، وكان رسول اللّه ﷺ قد حاز الأموال كلّها؛ الشّق، والنّطاة، والكتيبة، وجميع حصونهم، إلا ما كان من ذينك الحصنَين، فلمّا سمع [بهم] أهل فدك [قد صنعوا ما صنعوا] بعثوا إلى رسول اللّه ﷺ يسألونه أن يسيّرهم ويحقن دماءهم، ويخلّوا له الأموال، ففعل. [وكان ممّن مشى بين رسول اللّه ﷺ وبينهم في ذلك محيّصة بن مسعود، أخو بني حارثة] فلمَّا نزل أهل خيبر [على ذلك] سألوا رسول اللّه ﷺ أن يعاملهم [في الأموال، على النصف] وقالوا: نحن أعلم بها منكم، وأعمر لها، فصالحهم [رسول اللّه ﷺ على النصف] على أنّا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم، وعامل أهل فَدَك بمثل ذلك. * * * فصل في فتح حصونها (٢) وقسم أرضها قال الواقديُّ (٣): لما تحوّلت اليهود من حصن ناعم وحصن الصّعب بن معاذ إلى قلعة الزَّبِير، حاصره رسول الله ﷺ ثلاثة أيام، فجاء رجل من اليهود يقال له: غزّال. فقال: يا أبا القاسم، تؤمِّنني على أن أدلّك على ما تستريح به من أهل النّطاة، وتخرج إلى أهل الشّقّ، فإن أهل الشّقّ قد هلكوا رُعبًا منك؟ قال: فأمّنه رسول الله ﷺ على أهله وماله، فقال له اليهوديّ: إنك لو أقمت شهرًا تحاصرهم ما بالوا بك، إنّ لهم تحت الأرض دُبُولًا يخرجون بالليل فيشربون منها، ثم يرجعون إلى قلعتهم. فأمر رسول الله ﷺ بقطع دُبولهم، فخرجوا فقاتلوا أشدَّ القتال، وقتل من المسلمين يومئذ [نفر] وأصيب من اليهود عشرة، وافتتحه رسول اللّه ﷺ ، وكان آخر حصون النّطاة، وتحوَّل إلى الشق، وكان به حصون ذوات عُدَد، فكان أول حصن بدأ به منها حصن أُبيّ، فقام رسول اللّه ﷺ على قلعة يقال لها: سُمْوَان (٤)، فقاتل عليها أهل الحصن أشدّ القتال، فخرج منهم رجل يقال له: عزول. فدعا إلى البِراز، فبرز إليه الحباب بن المنذر، فقطع يده اليمنى من نصف ذراعه، ووقع السيف من يده، وفرّ اليهوديّ راجعًا، فاتّبعه الحباب فقطع عُرقوبه، وبرز منهم آخر، فقام إليه رجل من المسلمين، فقتله اليهوديّ، فنهض إليه

стр. 1908

أبو دُجانة فقتله وأخذ سلبه، وأحجموا عن البِراز، فكبّر المسلمون، ثم تحاملوا على الحصن فدخلوه، وأمامهم أبو دجانة، فوجدوا فيه أثاثًا ومتاعًا وغنمًا وطعامًا، وهرب من كان فيه من المقاتلة، وتقحَّموا الجُدُر كأنهم الظباء، حتى صاروا إلى حصن النّزار بالشّقّ، وتمنعوا أشدّ الامتناع، فزحف إليهم رسول الله ﷺ وأصحابه، فتراموا، ورمى معهم رسول اللّه ﷺ بيده الكريمة، حتى أصاب نبلُهم ثيابَه، ﵊. فأخذ ﵇ كفًّا من الحصا فرمى حصنهم بها، فرجف بهم حتى ساخ في الأرض، وأخذهم المسلمون أخذًا باليد. وقال الواقديّ (١): ثم تحوّل رسول اللّه ﷺ إلى أهل الكَتيبة والوَطِيح والسُّلَالم؛ حِصنَي بني أبي الحُقيق، وتحصَّنوا أشدَّ التَّحصُّن، وجاء إليهم كلُّ فَلٍّ كان قد انهزم من النَّطاة والشِّقِّ، فتحصَّنوا معهم في القموص - وهو في الكتيبة، وكان حصنًا منيعًا - وفي الوطيح والسُّلالم، وجعلوا لا يطلعون من حصونهم، حتى همَّ رسول الله ﷺ أن ينصب المنجنيق عليهم، فلمَّا أيقنوا بالهلكة - وقد حصرهم رسول اللّه ﷺ أربعة عشر يومًا - نزل إليه ابن أبي الحُقيق، فصالحه على حقن دمائهم ويُسيِّرهم، ويخلُّون بين رسول اللّه ﷺ وبين ما كان لهم من الأرض، والأموال، والصَّفْرَاء، والبيضاء، والكراع والحَلْقة، وعلى البزّ، إلا ما كان على ظهر الإنسان، يعني لباسهم، فقال رسول اللّه ﷺ : "وبرئت منكم ذِمَّةُ اللّه وذِمَّةُ رسوله إن كتمتم شيئًا" فصالحوه على ذلك. قلت: ولهذا لما كتموا وكذبوا وأخفَوا ذلك المسك الذي كان فيه أموال جزيلة، تبيَّن أنه لا عهد لهم، فقتل ابن أبي الحقيق وطائفة من أهله، بسبب نقض العهود منهم والمواثيق. وقال الحافظ البيهقيُّ (٢): أنبأ أبو الحسن عليُّ بن محمد المقرئ الإسفرايينيّ بها (٣)، ثنا الحسن بن محمد بن إسحاق، ثنا يوسف [بن] يعقوب، ثنا عبد الواحد بن غياث، ثنا حمَّاد بن سلمة، ثنا عبيد اللّه بن عمر - فيما يحسب أبو سلمة - عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم، فغلب على الأرض والزَّرع والنَّخل، فصالحوه على أن يُجلَوا منها، ولهم ما حملت ركابهم، ولرسول اللّه ﷺ الصّفراء والبيضاء، ويخرجون منها، واشترط عليهم أن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئًا، فإن فعلوا فلا ذمَّة لهم ولا عهد، فغيَّبوا مَسْكًا (٤) فيه مال وحليٌّ لحييٍّ بن أخطب، وكان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النَّضير، فقال رسول اللّه ﷺ لعمِّ حييِّ: "ما فعل مَسك حييٍّ الذي جاء به من النضير؟ " فقال: أذهبته النَّفقات والحروب. فقال: "العهد قريب والمال أكثر من ذلك".

стр. 1909

فدفعه رسول الله ﷺ إلى الزُّبير، فمسَّه بعذاب، وقد كان حُييٌّ قبل ذلك دخل خَرِبةً، فقال: قد رأيت حييًّا يطوف في خَرِبةٍ هاهنا. فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة، فقتل رسول الله ﷺ ابني أبي الحُقيق، وأحدهما زوج صَفية بنت حييِّ بن أخطب، وسبى رسول الله ﷺ نساءهم وذرارئهم، وقسم أموالهم بالنَّكث الذي نكثوا، وأراد إجلاءهم منا، فقالوا: يا محمد، دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها. ولم يكن لرسول الله ﷺ ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها، وكانوا لا يفرُغون أن يقوموا عليها، فأعطاهم خيبر على أنَّ لهم الشَّطر من كل زرع ونخيل وشيء ما بدا لرسول الله ﷺ ، وكان عبد الله بن رواحة يأتيهم كلَّ عام فيخرصها عليهم، ثم يضمِّنهم الشَّطر، فشكوا إلى رسول الله ﷺ شدة خَرصه، وأرادوا أن يرشوه، فقال: يا أعداء الله، تطعموني السُّحت، والله لقد جئتكم من عند أحبِّ الناس إليَّ، ولأنتم أبغض إليَّ من عدَّتكم من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم وحبِّي إياه على أن لا أعدل عليكم. فقالوا: بهذه قامت السموات والأرض. قاك: فرأى رسول الله ﷺ بعين صفية خُضرة، فقال: "يا صفية، ما هذه الخضرة؟ " فقالت: كان رأسي في حجر ابن أبي الحقيق وأنا نائمة، فرأيت كأنَّ قمرًا وقع في حجري، فأخبرته بذلك فَلَطَمَني، وقال: تتمنَّين مَلِكَ يثرب؟! قالت: وكان رسول الله ﷺ من أبغض الناس إليَّ؛ قتل زوجي وأبي، فما زال يعتذر إليَّ ويقول: "إنَّ أباكِ ألَّب عليَّ العرب". وفعل وفعل، حتى ذهب ذلك من نفسي. وكان رسول الله ﷺ يعطي كلَّ امرأة من نسائه ثمانين وَسقًا من تمر كلَّ عام، وعشرين وسقًا من شعير، فلمَّا كان في زمان عمر غشُّوا المسلمين، وألقَوا ابن عمر من فوق بيت ففدعوا يديه (١)، فقال عمر: من كان له سهم بخيبر فليحضر حتى نقسمها. فقسمها بينهم. فقال رئيسهم: لا تخرجنا، دعنا نكون فيها كما أقرَّنا رسول اللّه ﷺ وأبو بكر. فقال عمر لرئيسهم: أتُراني سقط عني قول رسول الله ﷺ : "كيف بك إذا رقصت بك راحلتك نحو الشام يومًا ثم يومًا ثم يومًا؟ " وقسمها عمر بين من كان شهد خيبر من أهل الحُديبية. وقد رواه أبو داود (٢) مختصرًا من حديث حمَّاد بن سلمة. قال البيهقيّ (٣): علَّقه البخاريُّ في "كتابه" فقال: ورواه حمَّاد بن سلمة. قلت: ولم أره في "الأطراف" (٤) فالله أعلم. وقال أبو داود (٥): وحدَّثني سليمان بن داود المهريُّ، ثنا ابن وهب، أخبرني أُسَامة بن زيد اللَّيثيُّ،

стр. 1910

عن نافع، عن عبد اللّه بن عمر قال: لما فتحت خيبر سألتْ يهودُ رسول اللّه ﷺ أن يقرَّهم، على أن يعملوا على النصف مما خرج منها، فقال رسول اللّه ﷺ : "أقرُّكم فيها على ذلك ما شئنا". فكانوا على ذلك، وكان التمر يقسم على السُّهمان من نصف خيبر، ويأخذ رسول اللّه ﷺ الخمس، وكان أطعم كلَّ امرأة من أزواجه من الخمس مئة وَسق [من] تمر، وعشرين وسقًا [من] شعير، فلما أراد عمر إخراج اليهود، أرسل إلى أزواج النبيِّ ﷺ فقال لهن: من أحبَّ منكن أن أقسم لها نخلًا بخَرصها مئة وسق، فيكون لها أصلها وأرضها وماؤها، ومن الزرع مزرعةً عشرين وسقًا من شعير فعلنا، ومن أحبَّ أن نعزل الذي لها في الخمس كما هو فعلنا. وقد روى أبو داود (١) من حديث محمد بن إسحاق، حدَّثني نافع، عن عبد اللّه بن عمر، أن عمر قال: أيها الناس، إن رسول الله ﷺ عامل يهود خيبر على أن يخرجهم إذا شاء، فمن كان له مال فليلحق به، فإني مخرج يهود. فأخرجهم. وقال البخاريُّ (٢): ثنا يحيى بن بكير، ثنا اللَّيث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب أن جبير بن مطعم أخبره قال: مشَيت أنا وعثمان بن عفان إلى رسول اللّه ﷺ فقلنا: أعطيتَ بني المطَّلب من خمس خيبر وتركتنا، ونحن وهم بمنزلة واحدة منك. فقال: "إنما بنو هاشم وبنو المطَّلب شيء واحد". قال جُبير بن مُطْعم: ولم يقسم النبيُّ ﷺ لبني عبد شمس وبني نوفل شيئًا. وفي لفظ (٣): أن رسول اللّه ﷺ قال: "إن بني هاشم وبني المطَّلب شيء واحد، إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام". قال الشافعيُّ: دخلوا معهم في الشِّعب، وناصروهم في إسلامهم وجاهليتهم. قلت: وقد ذمَّ أبو طالب بني عبد شمس وبني نوفل حيث يقول: جَزَى اللّه عَنَّا عبد شمس ونَوفلًا … عقوبة شرٍّ عاجلًا غير آجلِ وقال البخاريُّ (٤): ثنا الحسن بن إسحاق، ثنا محمد بن سابق، ثنا زائدة، عن عبيد اللّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قسم رسول اللّه ﷺ يوم خيبر للفرس سهمين وللراجل سهمًا. قال: فسَّره نافع فقال: إذا كان مع الرجل فرس، فله ثلاثة أسهم، وإن لم يكن معه فرس، فله سهم.

стр. 1911

وقال البخاريُّ (١): ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا محمد بن جعفر، أخبرني زيد، عن أبيه، أنه سمع عمر بن الخطّاب يقول: أما والذي نفسي بيده، لولا أن أترك آخر الناس ببَّانًا (٢) ليس لهم شيء، ما فتحت على قرية إلا قسمتها كما قسم النَّبِيُّ ﷺ خيبر، ولكني أتركها خزانة لهم يقتسمونها. وقد رواه البخاريُّ أيضًا (٣) من حديث مالك، وأبو داود، عن أحمد بن حنبل، عن ابن مهديٍّ، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، به. وهذا السياق يقتضي أنَّ خيبر بكمالها قسمت بين الغانمين. وقد قال أبو داود (٤): ثنا ابن السَّرح، أنبأنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: بلغني أن رسول اللّه ﷺ افتتح خيبر عنوة بعد القتال، ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعد القتال. وبهذا قال الزهريّ (٥): خمَّس رسول اللّه ﷺ خيبر، ثم قسم سائرها على من شهدها. وفيما قاله الزُّهريُّ نظر؛ فإن الصحيح أن خيبر جميعها لم تقسم، وإنما قسم نصفها بين الغانمين كما سيأتي بيانه، وقد احتجَّ بهذا مالك ومن تابعه على أن الإمام مخيَّر في الأراضي المغنومة؛ إن شاء قسمها، وإن شاء أرصدها لمصالح المسلمين، وإن شاء قسم بعضها وأرصد بعضها لما ينوبه في الحاجات والمصالح. قال أبو داود: حَدَّثَنَا الربيع بن سليمان المؤذِّن، ثنا أسد بن موسى، حَدَّثَنَا يحيى بن زكريا، حدَّثني سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن بُشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة، قال: قسم رسول اللّه ﷺ خيبر نصفين؛ نصفًا لنوائبه [وحاجته]، ونصفًا بين المسلمين، قسمها بينهم على ثمانية عشر سهمًا. تفرَّد به أبو داود. ثم رواه أبو داود من حديث بُشير بن يسار مرسلًا (٦)، فعيَّن نصف النَّوائب؛ الوطيح والكتيبة والسُّلالم وما حِيز معها، ونصف المسلمين؛ الشِّقَّ والنَّطاة وما حيز معهما، وسهم رسول اللّه ﷺ فيما حيز معهما. وقال أيضًا (٧): ثنا حسين بن عليٍّ، ثنا محمد بن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن بُشَير بن يسار، مولى الأنصار، عن رجال من أصحاب رسول اللّه ﷺ أن رسول اللّه ﷺ لما ظهر على خيبر فقسمها على

стр. 1912

ستة وثلاثين سهمًا، جمع كلُّ سهم مئة سهم، فكان لرسول اللّه ﷺ وللمسلمين النصف من ذلك، وعزل النصف الثاني لمن نزل به من الوفود والأمور ونوائب الناس. تفرَّد به أبو داود. قال أبو داود (١): ثنا محمد بن عيسى، ثنا مجمِّع بن يعقوب بن مجمِّع بن يزيد الأنصاريُّ، سمعت أبي يعقوب بن مجمِّع يقول، عن عمِّه عبد الرحمن بن يزيد الأنصاريِّ، عن عمه مجمِّع بن جارية الأنصاريِّ - وكان أحد القرَّاء الذين قرؤوا القرآن - قال: قسمت خيبر على أهل الحديبية، فقسمها رسول اللّه ﷺ على ثمانية عشر سهمًا، وكان الجيش ألفًا وخمسمئة، فيهم ثلاثمئة فارس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهمًا. تفرَّد به أبو داود. وقال مالك: عن الزهريِّ، أن سعيد بن المسيَّب أخبره أن النَّبِيَّ ﷺ افتتح بعض خيبر عنوة. رواه أبو داود (٢). ثم قال أبو داود (٣): قرئ على الحارث بن مسكين وأنا شاهد، أخبركم ابن وهب، حدَّثني مالك بن أنس، عن ابن شهاب: أن خيبر بعضها كان عنوة، وبعضها صلحًا، والكَتيبة أكثرها عنوة، وفيها صلح. قلت لمالك: وما الكتيبة؟ قال: أرض خيبر، وهي أربعون ألف عَذق. قال أبو داود: والعَذق: النَّخلة. والعِذق: العُرجون (٤). ولهذا قال البخاريُّ (٥): ثنا محمد بن بشَّار، ثنا حرميٌّ، ثنا شعبة، ثنا عُمارة، عن عكرمة، عن عائشة قالت: لما فتحت خيبر قلنا: الآن نشبع من التمر. ثنا الحسن، ثنا قرَّة بن حبيب، ثنا عبد الرحمن بن عبد اللّه بن دينار، عن أبيه، عن ابن عمر قال: ما شبعنا - يعني من التمر - حتى فتحنا خيبر. وقال محمد بن إسحاق (٦): كانت الشِّقُّ والنَّطاة في سهمان المسلمين؛ الشِّقُّ ثلاثة عشر سهمًا، ونطاة خمسة أسهم، قسم الجميع على ألف وثمانمائة سهم، ودفع ذلك إلى من شهد الحديبية؛ من

стр. 1913

حضر خيبر ومن غاب عنها، ولم يغِب عن خيبر ممّن شهد الحديبية إلا جابر بن عبد اللّه، فضرب له بسهمه. قال: وكان أهل الحديبية ألفًا وأربعمئة، وكان معهم مئتا فرس، لكل فرس سهمان، فصُرف إلى كلِّ مئة رجل سهمٌ من ثمانية عشر سهمًا، وزيد المئتا فارس أربعمئة سهمٍ لخيولهم. وهكذا رواه البيهقيُّ (١) من طريق سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن صالح بن كيسان أنهم كانوا ألفًا وأربعمئة، ومئتا فرس. قلت: وضرب رسول الله ﷺ معهم بسهم، وكان أول سهم من سهمان الشِّقِّ مع عاصم بن عديٍّ. قال ابن إسحاق (٢): وكانت الكتيبة خُمُسًا لله تعالى، وسهم النَّبِيّ ﷺ ، وسهم ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وطعمة أزواج النَّبيِّ ﷺ ، وطعمة أقوام مشوا في صلح أهل فدك، منهم محيصة بن مسعود، أقطعه رسول الله ﷺ ثلاثين وسقًا من تمر، وثلاثين وَسقًا من شعير. قال: وكان وادياها اللَّذان قسّمت عليه يقال لهما: وادي السُّرير ووادي خاص. ثم ذكر ابن إسحاق تفاصيل الإقطاعات منها فأجاد وأفاد، ﵀. قال: وكان الذي ولي قسمتها وحسابها جبَّار بن صخر بن أُمية بن خنساء، أخو بني سلمة، وزيد بن ثابت، ﵄. قلت: وكان الأميرَ على خرص نخيل خيبر عبدُ اللّه بن رواحة، فخرصها سنتين، ثم لما قُتل، ﵁ كما سيأتي في يوم مؤتة - ولي بعده جبَّار بن صخر، ﵁. وقد قال البخاريُّ (٣): حَدَّثَنَا إسماعيل، حدَّثَنِي مالك، عن عبد المجيد بن سُهيل، عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي سعيد الخدريِّ وأبي هريرة، أن رسول الله ﷺ استعمل رجلًا على خيبر، فجاءه بتمرٍ جَنيبٍ، فقال رسول اللّه ﷺ : "كل تمر خيبر هكذا؟ "قال: لا واللّه يا رسول اللّه، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة. فقال: "لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جَنيبًا". قال البخاريُّ: وقال الدَّراورديُّ، عن عبد المجيد، عن سعيد بن المسيِّب أن أبا سعيد وأبا هريرة حدَّثاه أن رسول الله ﷺ بعث أخا بني عدي من الأنصار إلى خيبر وأمَّره عليها. وعن عبد المجيد، عن أبي صالح السَّمَّان، عن أبي سعيد وأبي هريرة، مثله. قلت: كان سهم النَّبِيِّ ﷺ الذي أصاب مع المسلمين مما قسم بخيبر وفدك بكمالها - وهي طائفة كبيرة من أرض خيبر، نزلوا من شدة رعبهم منه، صلوات اللّه وسلامه عليه، فصالحوه - وأموال بني النَّضير، المتقدِّم ذكرها، مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت هذه الأموال لرسول اللّه ﷺ

стр. 1914

خاصة، وكان يعزل منها نفقة أهله لسنة، ثم يجعل ما بقي مَجعل مال اللّه؛ يصرفه في الكراع والسلاح ومصالح المسلمين، فلمَّا مات، صلوات الله وسلامه عليه، اعتقدت فاطمة وأزواج النَّبِيّ ﷺ أو أكثرهن - أن هذه الأراضيَ تكون موروثة عنه، ولم يبلغهن ما ثبت عنه من قوله ﷺ : "نحن معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه فهو صدقة" (١). ولمَّا طلبت فاطمة وأزواج النَّبِيِّ ﷺ والعباس نصيبهم من ذلك، وسألوا الصِّدِّيق أن يسلمه إليهم، ذكر لهم قول رسول اللّه ﷺ : "لا نورث، ما تركنا فهو صدقة". وقال: أنا أعول من كان يعول رسول اللّه ﷺ ، واللّه لقرابة رسول اللّه ﷺ أحبَّ إليَّ أن أصل من قرابتي. وصدق، ﵁ وأرضاه، فإنه البارُّ الراشد في ذلك، التابع للحقِّ، وطلب العباس وعليٌّ - على لسان فاطمة، إذ قد فاتهم الميراث - أن ينظرا في هذه الصدقة، وأن يصرفا ذلك في المصارف التي كان النَّبِيُّ ﷺ يصرفها فيها، فأبى عليهم الصِّدِّيق ذلك، ورأى أنَّ حقًّا عليه أن يقوم فيما كان يقوم قيه رسول الله ﷺ ، وأن لا يخرج من مسلكه ولا عن سننه. فتغضَّبت فاطمة، ﵂، عليه في ذلك، ووجدت في نفسها بعض الموجدة، ولم يكن لها ذلك، والصديق من قد عرفت هي والمسلمون محلَّه ومنزلته من رسول اللّه ﷺ ، وقيامه في نصرة النَّبِيِّ ﷺ في حياته وبعد وفاته، فجزاه اللّه عن نبيه وعن الإسلام وأهله خيرًا، وتوفِّيت فاطمة، ﵂، بعد ستة أشهر، ثم جدَّد عليٌّ البيعة بعد ذلك، فلما كان أيام عمر بن الخطاب، سألوه أن يفوِّض أمر هذه الصدقة إلى عليٍّ، والعباس، وثقلوا عليه بجماعة من سادات الصحابة، ففعل عمر، ﵁، ذلك، وذلك لكثرة أشغاله واتساع مملكته وامتداد رعيَّته، فتغلَّب على عليٍّ عمُّه العباس فيها، ثم تساوقا يختصمان إلى عمر، وقدَّما بين أيديهما جماعة من الصحابة، وسألا منه أن يقسمها بينهما، فينظر كلٌّ منهما فيما لا ينظر فيه الآخر. فامتنع عمر من ذلك أشدَّ الامتناع، وخشي أن تكون هذه القسمة تشبه قسمة المواريث، وقال: انظرا فيها وأنتما جميع، فإن عجزتما عنها فادفعاها إليَّ، والذي تقوم السماء والأرض بأمره لا أقضي فيها قضاء غير هذا. فاستمرَّا فيها، ومن بعدهما من ولدهما إلى أيام بني العباس، تصرف في المصارف التي كان رسول الله ﷺ يصرفها فيها، أموال بني النَّضير وفدك، وسهم رسول اللّه ﷺ من خيبر. * * *

стр. 1915

فصل وأما من شهد خيبر من العبيد والنساء، فرضخ (١) لهم رسول اللّه ﷺ شيئًا من الغنيمة، ولم يسهم لهم. قال أبو داود (٢): ثنا أحمد بن حنبل، ثنا بشر بن المفضَّل، عن محمد بن زيد، حدَّثني عمير مولى آبي اللَّحم قال: شهدت خيبر مع سادتي، فكلَّموا فيَّ رسول اللّه ﷺ ، فأمر بي فقلِّدت سيفًا، فإذا أنا أجرُّه، فأخبر أني مملوك، فأمر لي بشيء من خرثيِّ المتاع. ورواه الترمذيُّ والنَّسائيُّ (٣) جميعًا، عن قتيبة عن بشر بن المفضَّل [به. وقال الترمذيُّ: حسن صحيح. ورواه ابن ماجة (٤)، عن عليِّ بن محمد، عن وكيع، عن هشام بن سعد] عن محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ، عن عمير، به. وقال محمد بن إسحاق (٥): وشهد خيبر مع رسول الله ﷺ نساء، فرضخ لهنَّ [من الفيء] (٦) ولم يضرب لهنَّ بسهم، حدَّثني سليمان بن سحيم، عن أمية بنت أبي الصَّلت، عن امرأة من بني غفار قد سمَّاها لي، قالت: أتيت رسول اللّه ﷺ في نسوة من بني غفار، فقلنا: يا رسول الله، قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك هذا - وهو يسير إلى خيبر - فنداوي الجرحى، ونعين المسلمين بما استطعنا. فقال: "على بركة اللّه". قالت: فخرجنا معه. قالت: وكنت جارية حدثة [السنِّ]، فأردفني رسول اللّه ﷺ على حقيبة رحله. [قالت]: فواللّه لنزل رسول اللّه ﷺ إلى الصبح [وأناخ] (٧) ونزلت عن حقيبة رحله. [قالت:] وإذا بها دم مني، وكانت أول حيضة حضتها. قالت: فتقبَّضت إلى الناقة واستحييت. فلمَّا رأى رسول الله ﷺ ما بي، ورأى الدم، قال: "ما لك؟ لعلك نفست؟ "قالت: نعم. قال: "فأصلحي من نفسك، ثم خذي إناء من ماء، فاطرحي فيه ملحًا، ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم، ثم عودي لمركبك". قالت: فلمَّا فتح اللّه خيبر، رضخ لنا من الفيء، وأخذ هذه القلادة التي ترين في عنقي، فأعطانيها وعلَّقها بيده في عنقي، فواللّه لا تفارقني [أبدًا]. وكانت في عنقها حتى ماتت، ثم أوصت أن تدفن معها. قالت: وكانت لا تطَّهَّر من حيضها إلّا جعلت في طهورها ملحًا، وأوصت به أن يجعل في غسلها حين ماتت.

стр. 1916

وهكذا رواه الإمام أحمد وأبو داود (١) من حديث محمد بن إسحاق، به. قال شيخنا أبو الحجَّاج المزِّيُّ في "أطرافه" (٢): ورواه الواقديُّ، عن أبي بكر بن أبي سبرة، عن سليمان بن سحيم، عن أمِّ عليٍّ بنت أبي الحكم، عن أميَّة بنت أبي الصَّلت، عن النَّبِيِّ ﷺ به. وقال الإمام أحمد (٣): ثنا حسن بن موسى، ثنا رافع بن سلمة الأشجعيُّ، حدَّثني حشرج بن زياد، عن جدَّته أُمِّ أبيه، قالت: خرجنا مع رسول اللّه ﷺ في غزاة خيبر، وأنا سادسة ستِّ نسوة. قالت: فبلغ النَّبِيَّ ﷺ أنَّ معه نساء. قالت: فأرسل إلينا فدعانا. قالت: فرأينا في وجهه الغضب، فقال: "ما أخرجكن، وبأمر من خرجتن؟ " قلنا: خرجنا نناول السهام، ونسقي السَّويق، ومعنا دواء للجرحى، ونغزل الشَّعر فنعين به في سبيل اللّه. قال: "قمن فانصرفن". قالت: فلمَّا فتح اللّه عليه خيبر أخرج لنا سهامًا كسهام الرجال. فقلت لها: يا جدَّة، وما الذي أخرج لكنَّ؟ قالت: تمرًا. قلت: إنما أعطاهن من الحاصل، فأمَّا أنه أسهم لهن في الأرض كسهام الرجال فلا. واللّه أعلم. وقال الحافظ البيهقيُّ (٤): وفي كتابي، عن أبي عبد الله الحافظ، أن عبد اللّه الأصبهانيِّ أخبره، حَدَّثَنَا الحسين بن الجهم، ثنا الحسين بن الفرج، ثنا الواقديُّ، حدَّثني عبد السلام بن موسى بن جبير، عن أبيه، عن جدِّه، عن عبد اللّه بن أنيس، قال: خرجت مع رسول الله ﷺ إلى خيبر، ومعي زوجي وهي حبلى، فنفست في الطريق، فأخبرت رسول اللّه ﷺ فقال لي: "انقع [لها] تمرًا، فإذا انغمر بلُّه، فامرثه لتشربه". ففعلت، فما رأت شيئًا تكرهه، فلما فتحنا خيبر أَجْدَى (٥) النساء، [و] لم يسهم لهن، فَأَجْدَى زوجتي وولدي الذي ولد. قال عبد السلام: لست أدري غلام أو جارية. ذكر قدوم جعفر بن أبي طالب ﵁ ومن كان بقي بالحبشة ممن هاجر إليها من المسلمين، ومن انضمَّ إليهم من أهل اليمن، على رسول الله ﷺ وهو مخيِّم بخيبرَ (٦) قال البخاريُّ (٧): ثنا [محمد] بن العلاء، ثنا أبو أُسامة، ثنا بُرَيد بن عبد اللّه بن أبي بُرْدَة، عن أبي

стр. 1917

بُرْدَة، عن أبي موسى قال: بلغنا مخرج النَّبِيّ ﷺ ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي، أنا أصغرهم؛ [أحدهما] أبو بُردة، والآخر أبو رُهم - إمَّا قال: في بضع. وإما قال: في ثلاثة وخمسين، أو اثنين وخمسين رجلًا من قومي - فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشيِّ بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب، فأقمنا معه حتى قدمنا جميعًا، فوافقنا النَّبِيَّ ﷺ حين افتتح خيبر، فكان أناس من الناس يقولون لنا - يعني لأهل السفينة - سبقناكم بالهجرة. ودخلت أسماء بنت عميس، وهي ممن قدم معنا، على حفصة زوج النَّبِيِّ ﷺ زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة، وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس. قال عمر: الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ قالت أسماء: نعم. قال: سبقناكم [بالهجرة] فنحن أحقُّ برسول الله [ ﷺ ] منكم. فغضبت وقالت: كلَّا واللّه، كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في دار - أو [في] أرض - البُعداء والبغضاء بالحبشة، وذلك في الله وفي رسول الله ﷺ ، وايم اللّه لا أطعم ولا أشرب شرابًا حتى أذكر ما قلت للنبي ﷺ وأسأله، وواللّه لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه. فلمَّا جاء النَّبِيُّ ﷺ قالت: يا نبيَّ الله، إن عمر قال كذا وكذا. قال: "فما قلت له؟ "قالت: قلت كذا وكذا. قال: "ليس بأحقَّ بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان". قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتوني أرسالًا يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النَّبِيُّ. قال أبو بردة: قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى، وإنه ليستعيد هذا الحديث مني. وقال أبو بُرْدَة، عن أبي موسى، قال النَّبِيُّ ﷺ : "إني لأعرف أصوات رُفْقَة الأَشعريِّين بالقرآن، حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار، ومنهم حكيم [بن حِزَام]، إذا لقي العدوَّ - أو قال: الخيل - قال لهم: إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم". وهكذا رواه مسلم (١)، عن أبي كريب وعبد اللّه بن برَّاد، عن أبي أسامة، به. ثم قال البخاريُّ (٢): حَدَّثَنَا إسحاق بن إبراهيم، ثنا حفص بن غياث، ثنا بريد بن عبد الله بن أبي بُردة، عن أبي بُردة، عن أبي موسى قال: قدمنا على النَّبِيِّ ﷺ بعد أن افتتح خيبر، فقسم لنا ولم يقسم لأحد لم يشهد الفتح غيرنا. تفرَّد به البخاريُّ دون مسلم (٣).

стр. 1918

ورواه أبو داود، والترمذيُّ وصحَّحه من حديث بُريد، به (١). وقد ذكر محمد بن إسحاق (٢) أن رسول اللّه ﷺ بعث عمرو بن أُمَيَّة الضَّمْريَّ إلى النجاشيِّ، يطلب منه من بقي من أصحابه بالحبشة، فقدموا صحبة جعفر وقد فتح النَّبِيُّ ﷺ خيبر. قال [ابن هشام] (٣): وذكر سفيان بن عُيينة، عن الأجلح، عن الشعبيِّ، أن جعفر بن أبي طالب قدم على رسول اللّه ﷺ يوم فتح خيبر، فقبَّل رسول اللّه ﷺ بين عينيه والتزمه، وقال: ما أدري بأيِّهما أنا أسرُّ؛ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟ " وهكذا رواه سفيان الثَّوريُّ، عن الأجلح، عن الشعبي مرسلًا. وأسند البيهقيُّ (٤)، من طريق حسن بن حسين العُرَنيِّ عن الأجلح، عن الشعبيِّ، عن جابر قال: لما قدم رسول اللّه ﷺ من خَيبر قدم جعفر من الحبشة، فتلقاه وقبَّل جبهته وقال: "واللّه ما أدري بأيِّهما أفرح، بفتح خيبر أم بقدوم جَعْفَرَ". ثم قال البيهقيُّ (٥): أنبأنا أبو عبد اللّه الحافظ، ثنا أبو الحسين بن أبي إسماعيل العلويُّ، ثنا أحمد بن محمد البَيْرُوتيُّ، ثنا محمد بن أحمد بن أبي طيبة، حدثني مكِّيُّ بن إبراهيم الرُّعينيُّ، ثنا سُفيان الثَّوريُّ، عن أبي الزُّبير، عن جابر قال: لما قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة، تلقَّاه رسول اللّه ﷺ ، فلمَّا نظر جعفر إليه حَجَلَ - قال مكيٌّ: يعني مشى على رجل واحدةٍ؛ إعظامًا لرسول اللّه ﷺ - فقبَّل رسول اللّه ﷺ بين عينيه. ثم قال البيهقيُّ: في إسناده من لا يعرف إلى الثَّوريِّ. قال ابن إسحاق (٦): وكان الذين تأخَّروا مع جعفر من أهل مَكَّة إلى أن قدموا معه خيبر ستة عشر رجلًا. وسرد أسماءهم وأسماء نسائهم وهم؛ جعفر بن أبي طالب الهاشميُّ، وامرأته أسماء بنت عُمَيس، وابنه عبد اللّه، ولد بالحبشة، وخالد بن سعيد بن العاص بن أُمَيَّة بن عبد شمس، وامرأته أمينة بنت خلف بن أسعد، وولداه سعيد وأَمَةُ بنت خالدٍ، ولدا بأرض الحبشة، وأخوه عمرو بن سعيد بن العاص، ومُعَيقيب بن أبي فاطمة، وكان إلى آل سعيد بن العاص. قال: وأبو موسى الأشعريُّ عبد اللّه بن قيس، [حليف] آل عُتبة بن ربيعة، وأسود بن نوفل بن

стр. 1919

خُويلد بن أسد الأسديُّ، وجهم بن قيس [بن عبد شرحبيل] العبدريُّ، وقد ماتت امرأته أمُّ حَرْمَلَة [بنت] عبد الأسود بأرض الحبشة، وابنه عمرو وابنته خُزَيمة ماتا بها، ﵏، وعامر بن أبي وقاص الزُّهريُّ، وعُتبة بن مسعود، حليف لهم من هُذَيل، والحارث بن خالد بن صخر التَّيميُّ، وقد هلكت بها امرأته ريطة بنت الحارث، رحمها اله، وعُثمان بن ربيعة بن أُهبان الجمحيُّ، ومحمية بن جزء الزُّبيديُّ حليف بني سهم، ومعمر بن عبد الله بن نضلة العدويُّ، وأبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس، ومالك بن ربيعة بن قيس بن عبد شمس العامريان، ومع مالك هذا امرأته عَمْرَة بنت السَّعديِّ، والحارث بن عبد قيس بن لقيط الفِهْريُّ. قلت: ولم يذكر ابن إسحاق الأشعريِّين الذين كانوا مع أبي موسى [الأشعريِّ] وأخويه أبا بُرْدَة وأبا رهم، وعمَّه أبا عامر، بل لم يذكر من الأشعريِّين غير أبي موسى، ولم يتعرَّض لذكر أخويه وهما أسنّ منه، كما تقدَّم في "صحيح البخاريِّ". وكال ابن إسحاق، ﵀، لم يطلع على حديث أبي موسى في ذلك، والله أعلم. قال: وقد كان معهم في السفينتين نساء، من نساء من هلك من المسلمين هناك. وقد حرَّر هاهنا شيئًا كثيرًا حسنًا. قال البخاريُّ (١): ثنا عليُّ بن عبد الله، ثنا سُفيان، سمعت الزُّهْريَّ وسأله إسماعيل بن أُمَية، قال: أخبرني عنبسة بن سعيد، أن أبا هُريرة أتى رسول الله ﷺ فسأله - يعني أن يقسم له - فقال بعض بني سعيد بن العاص: لا تعطه. فقال أبو هُريرة: هذا قاتل ابن قَوقَل. فقال: واعجبًا لوبرٍ تدلَّى من قَدُوم الضأن، تفرَّد به دون مسلم. قال البخاريُّ (٢): ويذكر عن الزّبيديِّ، عن الزُّهريِّ، أخبرني عَنْبَسَة بن سعيد، أنه سمع أبا هُريرة يخبر سعيد بن العَاص قال: بعث رسول الله ﷺ [أبانًا] على سرية من المدينة قبل نجد. قال أبو هريرة: فقدم أبان وأصحابه على النَّبِيِّ ﷺ بخيبر بعد ما افتتحها، وإن حزم خيلهم لليف. قال أبو هريرة: فقلت: يا رسول الله، لا تقسم لهم. فقال أبان: وأنت بهذا يا وبر تحدَّر من رأس ضال؟ فقال النَّبِيُّ [ ﷺ ]: "يا أبان، اجلس". ولم يقسم لهم. وقد أسند أبو داود (٣) هذا الحديث، عن سعيد بن منصور، عن إسماعيل بن عيَّاش، عن محمد بن الوليد الزُّبيديِّ، به نحوه.

стр. 1920

ثم قال البخاريُّ (١): ثنا موسى بن إسماعيل، وثنا عمرو بن يحيى بن سعيد، أخبرني جدِّي - وهو سعيد بن عمرو بن سعيد بن العَاص - أن أبان بن سعيد أقبل إلى النَّبِيِّ ﷺ فسلَّم عليه، فقال أبو هُريرة: يا رسول اللّه، هذا قاتل ابن قَوقَل. فقال أَبَانُ لأبي هُريرة: واعجبًا لك، وَبرٌ تردَّى من قدوم ضالٍ (٢) تنعى عليَّ امْرَأً أكرمه اللّه بيدي، ومنعه أن يهينني بيده. هكذا رواه منفردًا به هاهنا. وقال في الجهاد (٣): حَدَّثَنَا الحُميديُّ، عن سُفْيَان، عن الزُّهريِّ، عن عَنْبَسَة بن سعيد، عن أبي هُريرة قال: أتيت رسول اللّه ﷺ وهو بخيبر بعد ما افتتحها، فقلت: يا رسول اللّه، أسهم لي. فقال بعض آل سعيد بن العاص: لا تقسم له. فقلت: يا رسول اللّه، هذا قاتل ابن قَوقَل. الحديث. قال سفيان: حدَّثنيه السَّعيديُّ - يعني عمرو بن يحيى بن سعيد - عن جدِّه، عن أبي هريرة بهذا. ففي هذا الحديث التصريح من أبي هُريرة بأنه لم يشهد خيبر، وتقدَّم في أول هذه الغزوة، رواه الإمام أحمد (٤) من طريق عراك بن مالك، عن أبي هُريرة، وأنه قدم على رسول اللّه ﷺ بعد ما افتتح خيبر، فكلَّم المسلمين، فأشركونا في أسهامهم. وقال الإمام أحمد (٥): ثنا روح، ثنا حمَّاد بن سَلَمة، عن عليِّ بن زيد، عن عمَّار بن أبي عمَّار قال: قال أبو هُريرة: ما شهدت مع رسول اللّه ﷺ مغنمًا قطُ إلا قسم لي، إلّا خيير، فإنها كانت لأهل الحُديبية خاصة. قلت: وكان أبو هريرة وأبو موسى، جاءا (٦) بين الحُديبية وخَيبر. وقد قال البخاريُّ (٧): ثنا عبد اللّه بن محمد، ثنا معاوية بن عمرو، ثنا أبو إسحاق، عن مالك بن أنس، حدَّثني سالم، مولى عبد اللّه بن مطيع، أنه سمع أبا هُريرة يقول: افتتحنا خيبر، فلم نغنم ذهبًا ولا فضة، إنما غنمنا الإبل، والبقر، والمتاع، والحوائط، ثم انصرفنا مع رسول اللّه ﷺ إلى وادي القرى، ومعه عبد له يقال له: مِدْعَمٌ. أهداه له بعض بني الضُّبيب، فبينما هو يحطُ رحل رسول اللّه ﷺ إذ جاءه سهم عائر، حتى أصاب ذلك العبد، فقال الناس: هنيئًا له الشهادة. فقال رسول اللّه ﷺ : "كلا، والذي نفسي بيده إنَّ الشَّملة التي أصابها يوم خيبر: لم تصبها المقاسم، لتشتعل عليه نارًا".

стр. 1921

فجاء رجل حين سمع ذلك من رسول الله ﷺ بشراك أو شراكين فقال: هذا شيء كنت أصبته. فقال رسول اللّه ﷺ : "شراك أو شراكان من نار". ذكر قصَّة الشَّاة المَسْمُومَة وما كان من أمر البرهان الذي ظهر عندها قال البخاريُّ (١): رواه عُرْوَة، عن عائشة، عن النَّبِيِّ ﷺ . ثم قال: حَدَّثَنَا عبد الله بن يوسف، ثنا اللَّيث، حدَّثني سعيد، عن أبي هريرة قال: لما فُتحت خيبر أُهديت لرسول الله ﷺ شاة فيها سَمٌّ. هكذا أورده هاهنا مختصرًا. وقد قال الإمام أحمد (٢): ثنا حَجَّاج، ثنا ليث، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هُريرة قال: لما فتحت خيبر أُهديت للنبي ﷺ شاة فيها سمٌّ، فقال رسول اللّه ﷺ : "اجْمَعوا لي من كان هاهنا من اليهود". فجمعوا له، فقال رسول الله ﷺ : "إنِّي سائلكم عن شيء، فهل أنتُم صَادِقِيَّ عنه؟ " قالوا: نعم يا أبا القاسم. فقال لهم رسول اللّه ﷺ : "من أَبُوكم؟ "قالوا: أَبُونا فلان. فقال رسول اللّه ﷺ : "كذبتم، بل أبوكم فُلان". قالوا: صدقت وبررت. فقال: "هل أنتم صادقيَّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ " قالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا، كما عرفته في أبينا. فقال رسول الله ﷺ : "من أهل النار؟ ". فقالوا: نكون فيها يسيرًا، ثم تخلفونا فيها. فقال لهم رسول الله ﷺ : "والله لا نخلفكم فيها أبدًا". ثم قال لهم: "هل أنتم صادقيَّ عن شيء سألتكم؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم. فقالي: "هل جعلتم في هذه الشاة سُمًّا؟ " فقالوا: نعم. قال: "ما حملكم على ذلك؟ ". قالوا: أردنا إن كنت كاذبًا أن نستريح منك، وإن كنت نبيًّا لم يضرَّك. وقد رواه البخاريُّ (٣) في الجزية، عن عبد الله بن يوسف، وفي المغازي أيضًا، عن قُتيبة كلاهما عن اللَّيث، به. وقال البيهقيُّ (٤): أنبا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ أبو العَبَّاس الأصمُّ، ثنا سعيد بن سليمان، ثنا عبَّاد بن العوَّام، عن سُفْيَان بن حسين، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسيَّب، وأبي سَلَمَة بن عبد الرحمن، عن أبي هُريرة أن امرأة من اليهود أَهدت لرسول الله ﷺ شاة مسمومة، فقال لأصحابه: "أمسكوا؛ فانها

стр. 1922

مَسْمُومَةٌ". وقال لها: "ما حَمَلَكِ على ما صنعت؟ " قالت: أردت أن أعلم؛ إن كنت نبيًّا فسيطلعك اللّه عليه وإن كنت كاذبًا أُريح الناس منك. قال: فما عرض لها رسول اللّه ﷺ . رواه أبو داود" (١)، عن هارون بن عبد اللّه، عن سعيد بن سليمان، به. ثم روى البيهقيُّ (٢) عن طريق عبد الملك بن أبي نضرة، عن أبيه، عن جابر بن عبد اللّه نحو ذلك. وقال الإمام أحمد (٣): ثنا سُرَيج، ثنا عَبَّاد، عن هلال - هو ابن خبَّاب - عن عكرمة، عن ابن عباس أن امرأة من اليهود أهدت لرسول اللّه ﷺ شاة مسمومة، فأرسل إليها، فقال: "ما حملكِ على ما صنعت؟ " قالت: أحببت - أو: أردت - إن كنت نبيًّا فإن اللّه سيطلعك عليه، وإن لم تكن نبيًّا أُريح الناس منك. قال: فكان رسول اللّه ﷺ إذا وجد من ذلك شيئًا احتجم. قال: فسافر مرة، فلمَّا أحرم وجد من ذلك شيئًا فاحتجم. تفرَّد به أحمد، وإسناده حسن. وفي "الصحيحين" (٤) من حديث شُعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس بن مالك أن امرأة يهوديَّة أتت رسول اللّه ﷺ بشاة مَسْمُومة، فأكل منها، فجيء بها إلى رسول اللّه ﷺ ، فسألها عن ذلك. قالت: أردت لأقتُلك. فقال: "ما كان اللّه ليسلِّطك عليَّ". أو قال: "على ذلك". قالوا: ألا نقتلها؟ قال: "لا". قال أنس: فما زلت أعرفها في لَهوات (٥) رسول اللّه ﷺ . وقال أبو داود (٦): ثنا سليمان بن داود المهريُّ، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: كان جابر بن عبد اللّه يحدِّث أن يهوديَّة من أهل خيبر سمَّت شاة مَصْلِيَّةً، ثم أهدتها لرسول اللّه ﷺ ، فأخذ رسول الله ﷺ الذراع، فأكل منها، وأكل رهط من أصحابه معه، ثم قال لهم رسول الله ﷺ : "ارفعوا أيديكم". وأرسل رسول اللّه ﷺ إلى المرأة، فدعاها فقال لها: "أسممت هذه الشاة؟ " قالت اليهوديَّة: من أخبرك؟ قال: "أخبرتني هذه التي في يدي". وهي الذراع. قالت: نعم. قال: "فما أردتِ بذلك؟ " قالت: قلت: إن كنت نبيًّا فلن تضرَّك، وإن لم تكن نبيًّا استرحنا منك. فعفا عنها رسول اللّه ﷺ ، ولم يعاقبها، وتوفِّي بعض أصحابه الذين أكلوا من الشاة، واحتجم النبيُّ ﷺ على كاهله، من أجل الذي أكل من الشاة، حجمه أبو هند بالقَرن والشَّفرة، وهو مولى لبني بياضة من الأنصار.

стр. 1923

ثم قال أبو داود (١): ثنا وهب بن بقيَّة، ثنا خالد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة أن رسول اللّه ﷺ أهدت له يهوديَّة بخيبر شاة مَصْلِيَّةً، نحو حديث جابر، قال: فات بشْر بن البَرَاء بن مَعْرُور، فأرسل إلى اليهوديَّة، فقال: "ما حملكِ على الذي صنعت؟ " فذكر نحو حديث جابر، فأمر بها رسول اللّه ﷺ فقتلت. ولم يذكر أمر الحِجَامة. قال البيهقيُّ (٢): ورويناه من حديث حَمَّاد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هُريرة. قال: ويحتمل أنه لم يقتلها في الابتداء، ثم لما مات بشر بن البَرَاء أمر بقتلها. وروى البيهقيُّ (٣) من حديث عبد الرزَّاق، عن مَعْمَر، عن الزهريِّ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، أن امرأة يهوديَّة أَهْدَت إلى رسول اللّه ﷺ شاة مَصْلِيَّةً بخيبر، فقال: "ما هذه؟ "قالت: هديَّة. وحذرت أن تقول: صدقة. فلا يأكل. قال: فأكل وأصحابه، ثم [قال:] "أمسكوا". ثم قال للمرأة: "هل سممت هذه الشَّاة؟ " قالت: من أخبرك هذا؟ قال: "هذا العظم" لساقها، وهو في يده. قالت: نعم. قال: "لم؟ " قالت: أردت إن كنت كاذبًا أن نستريح منك، وإن كنت نبيًّا لم يضرَّك. قال: فاحتجم رسول اللّه ﷺ على الكاهل، وأمر أصحابه فاحتجموا، ومات بعضهم. قال الزهريُّ: فأسلمت، فتركها النَّبِيُّ ﷺ . قال البيهقيُّ، هذا مرسل، ولعله قد يكون عبد الرحمن حمله عن جابر بن عبد اللّه، ﵁. وذكر ابنُ لهيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوَة، وكذلك موسى بن عقبة، عن الزهريِّ قالوا: لما فتح رسول اللّه ﷺ خيبر، وقتل منهم من قتل، أهدت زينب بنت الحارث اليهوديَّة - وهي ابنة أخي مرحب - لصفيَّة شاة مَصْلِيَّةً وسمَّتها، وأكثرت في الكتف والذِّراع؛ لأنه بلغها أنه أحبُّ أعضاء الشاة إلى رسول اللّه ﷺ ، فدخل رسول اللّه ﷺ على صفيَّة، ومعه بشر بن البَرَاء بن مَعْرُور، وهو أحد بني سلِمة، فقدَّمت إليهم الشاة المصليَّة، فتناول رسول اللّه ﷺ الكتف، وانتهش منها، وتناول بِشر عظمًا فانتهش منه، فلما استرط رسول الله ﷺ لقمته، اسْتَرَط (٤) بِشر بن البراء ما في فيه، فقال رسول اللّه ﷺ : "ارفعوا أيديكم؛ فإن كتف هذه الشاة يخبرني أني نعيت فيها". فقال بشر بن البراء: والذي أكرمك لقد وجدت ذلك في أُكلتي التي أكلتُ فما منعني أن ألفظها إلا أنِّي أعظمتك أن أنغِّصك طعامك، فلمَّا [أَسَغْتَ] ما في فيك، لم أرغب بنفسي عن نفسك، ورجوت أن لا تكون استرطتها وفيها نعي. فلم يقم بشر من مكانه حتى عاد لوْنُهُ كالطَّيلسان، وماطله وجعه، حتى كان لا يتحوَّل حتى يحوّل. قال الزهريُّ: قال جابر: واحتجم

стр. 1924

رسول اللّه ﷺ يومئذ، حجمه مولى بني بياضة بالقرن والشَّفرة، وبقي رسول اللّه ﷺ بعده ثلاث سنين، حتى كان وجعه الذي توفِّي فيه، فقال: "ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت من الشاة يوم خيبر عدادًا، حتى كان هذا أوان انقطاع أبهري". فتوفِّي رسول اللّه ﷺ شهيدًا (١) ". وقال محمد بن إسحاق (٢): فلمَّا اطمأن رسول اللّه ﷺ أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلَّام بن مِشكم شاة مصليَّة، وقد سألت: أيُّ عضو أحبُّ إلى رسول اللّه ﷺ ؟ فقيل لها: الذِّراع. فأكثرت فيها من السُّمِّ، ثم سمَّت سائر الشاة، ثم جاءت بها، فلمَّا وضعتها بين يديه، تناول الذِّراع، فلاك منها مضغة فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء بن معرور، قد أخذ منها كما أخذ رسول اللّه ﷺ ؛ فأمَّا بشر فأساغها، وأما رسول اللّه ﷺ فلفظها ثم قال: [إنَّ] هذا العظم يخبرني أنه مسموم". ثم دعا بها، فاعترفت، فقال: "ما حملك على ذلك؟ " قالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك. فقلت: إن كان كذَّابًا استرحت منه، وإن كان نبيًّا فسيخبَر. قال: فتجاوز عنها رسول اللّه ﷺ ، ومات بشر من أكلته التي أكل. قال ابن إسحاق (٣): وحدَّثني مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلَّى قال: كان رسول اللّه ﷺ قد قال في مرضه الذي توفِّي فيه - ودخلت عليه أمُّ بشر بنت البراء بن معرور -: "يا أُمَّ بشر، إنَّ هذا الأوان وجدت [فيه] انقطاع أبهري من الأكلة التي أكلت مع أخيك بخيبر". قال ابن هشام: الأَبْهَرُ: العرق المعلَّق بالقلب. قال: فإن كان المسلمون لَيرون أن رسول اللّه ﷺ مات شهيدًا، مع ما أكرمه اللّه به من النبوة. وقال الحافظ أبو بكر البزَّار (٤): حَدَّثَنَا هلال بن بشر وسليمان بن سيف الحرَّانيُّ قالا: ثنا أبو عتَّاب سهل بن حمّاد، ثنا عبد الملك بن أبي نضرة، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدريِّ، أن يهوديَّة أهدت إلى رسول اللّه ﷺ شاة سميطًا، فلما بسط القوم أيديهم، قال رسول اللّه ﷺ : "أمسكوا، فإنَّ عضوًا من أعضائها يخبرني أنها مسمومة". فأرسل إلى صاحبتها: "أسممت طعامك؟ "قالت: نعم. قال: "ما حملك على ذلك؟ "قالت: أحببت إن كنت كاذبًا أن أُريح الناس منك، وإن كنت صادقًا علمت أن اللّه سيطلعك عليه. فبسط يده وقال: "كلوا بسم اللّه". قال: فأكلنا وذكرنا اسم اللّه، فلم يضرَّ أحدًا منا. ثم قال: لا يروى عن عبد الملك بن أبي نضرة إلَّا من هذا الوجه. قلت: وفيه نكارة وغرابة شديدة، واللّه أعلم.

стр. 1925

وذكر الواقديُّ (١) أن عُيَينة بن حِصْن قبل أن يُسْلِمَ رأى في منامه رؤيا ورسول اللّه ﷺ محاصر خيبر، فطمع من رؤياه أنه يقاتل رسول اللّه ﷺ فيظفر به، فلمَّا قدم على رسول اللّه ﷺ خيبر وجده قد افتتحها، فقال: يا محمد، أعطني ما غنمت من حلفائي - يعني أهل خيبر - فقال له رسول اللّه ﷺ : "كذبت رؤياك". وأخبره بما رأى، فرجع عيينة، فلقيه الحارث بن عوف فقال: ألم أقل إنك توضع في غير شيء؟! والله ليظهرنَّ محمد على ما بين المشرق والمغرب، وإنَّ يهود كانوا يخبروننا بهذا، أشهد لسمعت أبا رافع سلَّام بن أبي الحقيق يقول: إنا لنحسد محمدًا على النبوة حيث خرجت من بني هارون، إنه لمرسل، ويهود لا تطاوعني على هذا، ولنا منه ذبحان؛ واحد بيثرب، وآخر بخيبر. قال الحارث: قلت لسلَّام: يملك الأرض؟! قال: نعم والتوراة التي أُنزلت على موسى، وما أحبُّ أن تعلم يهود بقولي فيه. * * * فصل قال ابن إسحاق (٢): فلمَّا فرغ رسول اللّه ﷺ من خيبر، انصرف إلى وادي القُرى، فحاصر أهلها ليالي، ثم انصرف راجعًا إلى المدينة. ثم ذكر من قصة مِدعم، وكيف جاءه سهم غارب فقتله، وقال الناس: هنيئًا له الشهادة. فقال رسول اللّه ﷺ : "كلَّا والذي نفسي بيده، إن الشَّملة التي أخذها يوم خيبر، لم تصبها المقاسم، لتشتعل عليه نارًا". وقد تقدَّم في "صحيح البخاريِّ" (٣) نحو ما ذكره ابن إسحاق. واللّه أعلم، وسيأتي ذكر قتاله، ﵇، بوادي القُرَى. قال الإمام أحمد (٤): ثنا يحيى بن سعيد (٥)، [عن يحيى بن سعيد] (٦)، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن أبي عمرة، عن زيد بن خالد الجهنيِّ، أن رجلًا من أشجع من أصحاب رسول اللّه ﷺ توفِّي [يوم خيبر]، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "صلُّوا على صاحبكم". فتغيَّر وجوه الناس من ذلك، فقال: "إن صاحبكم غلَّ في سبيل الله". ففتَّشنا متاعه، فوجدنا خرزًا من خرز يهود ما يساوي درهمين.

стр. 1926

وهكذا رواه أبو داود والنَّسائيُّ من حديث يحيى بن سعيد القطَّان - زاد أبو داود: وبشر بن المفضَّل - وابن ماجة (١) من حديث اللَّيث بن سعد، ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد الأنصاريِّ، به. وقد ذكر البيهقيُّ (٢) أن بني فَزَارة أرادوا أن يقاتلوا رسول اللّه ﷺ مرجعه من خيبر، وتجمَّعوا لذلك، فبعث إليهم يواعدهم موضعًا معيَّنًا، فلمَّا تحقَّقوا ذلك، هربوا كلَّ مهرب، وذهبوا من طريقه كلَّ مذهب. وتقدَّم أن رسول الله ﷺ لما حلَّت صفية من استبرائها، دخل بها بمكان يقال له: سدُّ الصَّهباء، في أثناء طريقه إلى المدينة، وأولم عليها بحَيس، وأقام ثلاثة أيام يُبنى عليه بها، وأسلمت، فأعتقها وتزوَّجها، وجعل عتاقها صداقها، وكانت إحدى أمهات المؤمنين، كما فهمه الصحابة لما مدَّ عليها الحجاب وهو مردفها وراءه، ﵂. وذكر محمد بن إسحاق في "السيرة" (٣) قال: لمَّا أَعْرَسَ رسول اللّه ﷺ بصَفِيَّة بخيبر، أو ببعض الطّريق، وكانت التي جمَّلتها إلى رسول اللّه ﷺ ، ومشَّطتها، وأصلحت من أمرها أمُّ سليم بنت ملحان، أمُّ أنس بن مالك، وبات بها رسول اللّه ﷺ في قبَّة له، وبات أبو أيوب متوشِّحًا سيفه، يحرس رسول الله ﷺ ، ويطيف بالقُبَّة حتى أصبح، فلمَّا رأى رسول اللّه ﷺ مكانه قال: "ما لك يا أبا أيوب؟ " قال: خفت عليك من هذه المرأة، وكانت امرأة قد قتلتَ أباها وزوجها وقومها، وكانت حديثة عهد بكفر، فخِفتها عليك. فزعموا أن رسول اللّه ﷺ قال: "اللهم احفظ أبا أَيُّوب كما بات يحفظني". ثم قال: حدَّثني الزُّهريُّ، عن سعيد بن المسيَّب. فذكر نومهم عن صلاة الصُّبح مرجعهم من خيبر، وأن رسول اللّه ﷺ كان أولهم استيقاظًا، فقال: "ماذا صنعت بنا يا بلال؟ " قال: يا رسول اللّه، أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك. قال: "صدقت". ثم اقتاد ناقته غير كثير، ثم نزل فتوضَّأ، وصلَّى كما كان يصليها قبل ذلك. وهكذا رواه مالك، عن الزهريِّ، عن سعيد مرسلًا (٤). وهذا مرسل من هذا الوجه. وقد قال أبو داود (٥): ثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرة أن رسول اللّه ﷺ حين قفل من غزوة خيبر، فسار ليلة، حتى إذا أدركنا الكرى عرَّس، وقال لبلال: "اكلأ لنا الليل". قال: فغلبت بلالًا عيناه وهو مستند إلى راحلته، فلم

стр. 1927

يستيقظ النَّبِيُّ ﷺ ولا بلال، ولا أحد من أصحابه، حتى ضربتهم الشمس، وكان رسول اللّه ﷺ أَوَّلهم استيقاظًا، ففزع رسول اللّه ﷺ وقال: "يا بلال! " قال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، بأبي أنت وأمي يا رسول الله. قال: فاقتادوا رواحلهم شيئًا، ثم توضَّأ رسول اللّه ﷺ ، وأمر بلالًا فأقام لهم (١) الصلاة، وصلَّى بهم الصبح، فلمَّا أن قضى الصلاة قال: "من نسي صلاة فَلْيُصَلِّها إذا ذكرها، فإن الله تعالى قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ للذِّكْرِي﴾ (٢) [طه: ١٤] ". قال يونس: وكان ابن شهاب يقرؤها كذلك. وهكذا رواه مسلم (٣)، عن حرملة بن يحيى، عن عبد الله بن وهب، به. وفيه: أن ذلك كان مرجعهم من خيبر. وفي حديث شعبة، عن جامع بن شدَّاد، عن عبد الرحمن بن أبي علقمة، عن ابن مسعود أن ذلك كان مرجعهم من الحديبية، ففي رواية عنه أن بلالًا هو الذي كان يكلؤهم. وفي رواية أنه هو الذي كان يكلؤهم. قال الحافظ البيهقيُّ (٤): فيحتمل أن ذلك كان مرتين. قال: وفي حديث عمران بن حصين وأبي قتادة نومهم عن الصلاة، وفيه حديث الميضأة، فيحتمل أن ذلك إحدى هاتين المرتين، أو مرة ثالثة. قال: وذكر الواقديُّ في حديث أبي قتادة أن ذلك كان مرجعهم من غزوة تبوك. قال: وروى زافر بن سليمان، عن شعبة، عن جامع بن شدَّاد، عن عبد الرحمن، عن ابن مسعود أن ذلك كان مرجعهم من تبوك. فاللّه أعلم. ثم أورد البيهقيُّ (٥) ما رواه صاحب "الصَّحيح (٦) من قصة عوف الأعرابي، عن أبي رجاء، عن عِمْرَان بن حُصَين في قصة نومهم عن الصلاة، وقصة المرأة صاحبة السَّطيحتين، وكيف أخذوا منهما ماءً روَّى الجيش بكماله، ولم ينقص ذلك منهما شيئًا. ثم ذكر ما رواه مسلم (٧) من حديث ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة، وهو حديث طويل، وفيه نومهم عن الصلاة، وتكثير الماء من تلك الميضأة.

стр. 1928

وقد رواه عبد الرزاق (١)، عن مَعْمَر، عن قتادة. وقال البخاريُّ (٢): ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا عبد الواحد، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن أبي موسى الأشعريِّ قال: لما غزا رسول اللّه ﷺ خيبر - أو قال: لما توَّجه رسول اللّه ﷺ [إلى خيبر]- أشرف الناس على وادٍ، فرفعوا أصواتهم بالتكبير: اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا إله إلَّا اللّه. فقال رسول اللّه ﷺ : "اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم". وأنا خلف دابة رسول اللّه ﷺ ، فسمعني وأنا أقول: لا حول ولا قوة إلَّا باللّه. فقال: "يا عبد اللّه بن قيس. قلت: لبَّيك يارسول اللّه. قال: "ألا أدلُّك على كلمة من كنز الجنة؟ " قلت: بلى يا رسول اللّه، فداك أبي وأمي. قال: "لا حول ولا قوة إلَّا باللّه". وقد رواه بقية الجماعة (٣) من طرق، عن عبد الرحمن بن ملٍّ، أبي عثمان النَّهديِّ، عن أبي موسى الأشعريِّ. والصواب أنه كان مرجعهم من خيبر، فإنَّ أبا موسى إنَّما قدم بعد فتح خيبر، كما تقدَّم. قال ابن إسحاق (٤): وكان رسول اللّه ﷺ ، فيما بلغني، قد أعطى ابن لَقِيم العَبْسيَّ حين افتتح خَيبر ما بها من دَجَاجَة أو دَاجِنٍ، وكان فتح خيبر في صفر، فقال ابن لَقِيم في فتح خيبر: [من الكامل] رُمِيَتْ نَطاة من الرسول بفَيلقٍ … شهباءَ ذاتِ مناكبٍ وفَقارِ واستَيْقَنَتْ بالذُّلِّ لمَّا شُيِّعَتْ … ورجالُ أَسْلَمَ وسطَها وغِفَارِ صبحت بني عمرو بن زرعة غُدوةً … والشَّقُّ أظلم أهله بنهارِ جرَّت بأَبْطَحِهَا الذُّيول فلم تَدَعْ … إلا الدَّجاج تصيحُ بالأسحارِ ولكلِّ حصنٍ شاغلٌ من خيلهم … من عبد الأشْهلِ أو بني النَّجَّارِ ومهاجرينَ قَدَ اعلموا سيماهُمُ … فوق المَغَافِرِ لم يَنُوا لفرارِ ولقد علمتُ ليغلبنَّ محمد … وليثوبنَّ بها إلى أصفارِ فَرَّت يهودٌ عند ذلك في الوغى … تحت العَجَاج غمائمَ الأبصارِ * * *

стр. 1929

فصل من استشهد بخيبر من الصَّحَابة، على ما ذكره ابن إسحاق بن يسار (١) ﵀ وغيره من أصحاب المغازي فمن خير المهاجرين: ربيعة بن أَكْثَم بن سَخْبَرَة الأَسديُّ، مولى بني أُمَيَّة، وثقيفُ بن عمرو، ورفاعة بن مَسْرُوحٍ، حلفاء بني أمية، وعبد اللّه بن الهُبَيب بن أُهيب بن سُحَيم بن غِيَرَةَ، من بني سعد بن ليث، حليف بني أسد وابن أُختهم. ومن الأنصار: بِشر بن البَرَاء بن مَعْرُور - من أَكَلَةِ الشَّاة المَسْمُومة مع رسول اللّه ﷺ كما تقدَّم - وفُضَيل بن النُّعمان السَّلميَّان، ومسعود بن سعد بن قيس بن خلَدة بن عامر بن زُريق الزُّرقيُّ، ومحمود بن مسلمة الأشهليُّ، وأبو ضيَّاح بن ثابت بن النُّعمان العَمْريُّ، والحارث بن حاطب، وعُرْوَة بن مُرَّة بن سُرَاقة، وأوس الفائد، وأُنيف بن حبيب، وثابت بن أَثْلَةَ، وطلحة، وعُمَارة بن عُقبة، رمي بسهم فقتله، وعامر بن الأَكْوَع، أصابه طرف سيفه في ركبته فقتله، ﵀، كما تقدَّم، والأسود الرَّاعي. وقد أفرد ابن إسحاق هاهنا قصته، وقد أسلفناها في أوائل الغزوة، ولله الحمد والمِنَّة. قال ابن إسحاق (٢): وممَّن استُشهد بخيبر - فيما ذكره ابن شهاب [الزُّهري]- من بني زهرة، مسعود بن ربيعة، حليف لهم من القارة، ومن الأنصار ثم من بني عمرو بن عوف، أوس بن قتادة، ﵃ أجمعين. * * * [خبر الحَجَّاج بن عِلَاط البَهْزيّ ﵁] (٣) قال ابن إسحاق (٤): ولما افتتحت (٥) خيبر، كلَّم رسول اللّه ﷺ الحَجَّاج بن عِلَاط السُّلمِيّ ثم البَهْزيُّ، فقال: يا رسول الله، إن لي بمكّة مالًا عند صاحبتي أُمِّ شيبة بنت أبي طلحة - وكانت عنده، له منها معرِّض بن الحجَّاج - ومالًا متفرقًا في تجَّار أهل مكة، فأْذن لي يا رسول الله. فأذن له، فقال: إنه

стр. 1930

لا بد لي يا رسول اللّه من أن أقول. قال: "قل". قال الحَجَّاج: فخرجت حتى [إذا] قدمت مكّة، وجدت بثنيَّة البيضاء رجالًا من قريش يستمعون الأخبار، ويسألون عن أمر رسول اللّه، وقد بلغهم أنه قد سار إلى خيبر، وقد عرفوا أنها قرية الحجاز؛ ريفًا ومَنَعةً ورجالًا، وهم يتجسَّسون الأخبار من الرُّكبان، [فلمَّا رَأَوني] قالوا: الحَجَّاج بن عِلَّاط - قال: ولم يكونوا علموا بإسلامي - عنده واللّه الخبر، أخبرنا يا أبا محمد، فإنه قد بلغنا أن القاطع قد سار إلى خيبر، وهي بلد يهود وريف الحجاز. قال: قلت: قد بلغني ذلك، وعندي من الخبر ما يسرُّكم. قال: فالتبطوا بجنبي ناقتي يقولون: إيه يا حجاج. قال: قلت: هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قطُّ، وقد قتل أصحابه قتلًا لم تسمعوا بمثله [قطُ] وأسر محمد أسرًا، وقالوا: لا نقتله حتى نبعث به إلى مكة، فيقتلوه بين أظهرهم بمن كان أصاب من رجالهم. قال: فقاموا وصاحوا بمكة، وقالوا: قد جاءكم الخبر، وهذا محمد، إنما تنتظرون (١) أن يقدم [به] عليكم، فيقتل بين أظهركم. قال: قلت: أعينوني على جمع مالي بمكّة [و] على غُرمائي، فإني أُريد أن أقدَم خيبر، فأُصيب من فَلِّ محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التُّجار إلى ما هنالك. قال: فقاموا فجمعوا لي ما كان لي كأحثِّ جمع سمعت به. قال: وجئت صاحبتي فقلت: مالي - وكان عندها مال موضوع - فلعلي ألحق بخيبر فأصيب من فرص البيع قبل أن يسبقني التُّجار. قال: فلما سمع العباس بن عبد المطَّلب الخبر وجاءه عني، أقبل حتى وقف إلى جنبي وأنا في خيمة من خيام التُّجار، فقال: يا حَجَّاج، ما هذا الذي جئت به؛ قال: قلت: وهل عندك حفظ لما وضعت عندك؟ قال: نعم. قال: قلت: فاستأخر عنّي حتى ألقاك على خَلاء؛ فإني في جمع مالي كما ترى، فانصرف عنّي حتى أفرُغ. قال: حتى إذا فرغت من جمع كلِّ شيء كان لي بمكة، [و] أجمعت الخروج، لقيت العباس فقلت: احفظ عليَّ حديثي يا أبا الفضل، فإني أخشى الطلب، ثلاثًا، ثم قل ما شئت. قال: أفعل. قلت: فإني واللّه لقد تركت ابن أخيك عَروسًا على بنت ملكهم - يعني صَفِيّة بنت حُييٍّ - وقد افتتح خيبر، وانتثل ما فيها، وصارت له ولأصحابهء قال: ما تقول يا حجاج؟ قال: قلت: إي واللّه، فاكتم عني، ولقد أسلمت، وما جئت إلَّا لآخذ مالي؛ فرقًا من أن أغلب عليه، فإذا مضت ثلاث فأظهر أمرك، فهو واللّه [على ما تحبُّ. قال:] حتى إذا كان اليوم الثالث، لبس العباس حلَّة له وتخلَّق (٢) وأخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى الكعبة فطاف بها، فلمَّا رأوه قالوا: يا أبا الفضل، هذا واللّه التَّجلُد لحرِّ المصيبة. قال: كلَّا واللّه الذي حلفتم به، لقد افتتح محمد خيبر، وتُرك عَروسًا على بنت ملكهم، وأحرز أموالهم وما فيها، وأصبحت له ولأصحابه. قالوا: من جاءك بهذا الخبر؟ قال: الذي جاءكم بما جاءكم به، ولقد دخل عليكم مسلمًا وأخذ ماله، فانطلق ليلحق بمحمد وأصحابه فيكون معه. فقالوا: يا لَعباد الله،
следующие страницы →