← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

وهكذا رواه أبو داود والنَّسائيُّ من حديث يحيى بن سعيد القطَّان - زاد أبو داود: وبشر بن المفضَّل - وابن ماجة (١) من حديث اللَّيث بن سعد، ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد الأنصاريِّ، به. وقد ذكر البيهقيُّ (٢) أن بني فَزَارة أرادوا أن يقاتلوا رسول اللّه ﷺ مرجعه من خيبر، وتجمَّعوا لذلك، فبعث إليهم يواعدهم موضعًا معيَّنًا، فلمَّا تحقَّقوا ذلك، هربوا كلَّ مهرب، وذهبوا من طريقه كلَّ مذهب. وتقدَّم أن رسول الله ﷺ لما حلَّت صفية من استبرائها، دخل بها بمكان يقال له: سدُّ الصَّهباء، في أثناء طريقه إلى المدينة، وأولم عليها بحَيس، وأقام ثلاثة أيام يُبنى عليه بها، وأسلمت، فأعتقها وتزوَّجها، وجعل عتاقها صداقها، وكانت إحدى أمهات المؤمنين، كما فهمه الصحابة لما مدَّ عليها الحجاب وهو مردفها وراءه، ﵂. وذكر محمد بن إسحاق في "السيرة" (٣) قال: لمَّا أَعْرَسَ رسول اللّه ﷺ بصَفِيَّة بخيبر، أو ببعض الطّريق، وكانت التي جمَّلتها إلى رسول اللّه ﷺ ، ومشَّطتها، وأصلحت من أمرها أمُّ سليم بنت ملحان، أمُّ أنس بن مالك، وبات بها رسول اللّه ﷺ في قبَّة له، وبات أبو أيوب متوشِّحًا سيفه، يحرس رسول الله ﷺ ، ويطيف بالقُبَّة حتى أصبح، فلمَّا رأى رسول اللّه ﷺ مكانه قال: "ما لك يا أبا أيوب؟ " قال: خفت عليك من هذه المرأة، وكانت امرأة قد قتلتَ أباها وزوجها وقومها، وكانت حديثة عهد بكفر، فخِفتها عليك. فزعموا أن رسول اللّه ﷺ قال: "اللهم احفظ أبا أَيُّوب كما بات يحفظني". ثم قال: حدَّثني الزُّهريُّ، عن سعيد بن المسيَّب. فذكر نومهم عن صلاة الصُّبح مرجعهم من خيبر، وأن رسول اللّه ﷺ كان أولهم استيقاظًا، فقال: "ماذا صنعت بنا يا بلال؟ " قال: يا رسول اللّه، أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك. قال: "صدقت". ثم اقتاد ناقته غير كثير، ثم نزل فتوضَّأ، وصلَّى كما كان يصليها قبل ذلك. وهكذا رواه مالك، عن الزهريِّ، عن سعيد مرسلًا (٤). وهذا مرسل من هذا الوجه. وقد قال أبو داود (٥): ثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرة أن رسول اللّه ﷺ حين قفل من غزوة خيبر، فسار ليلة، حتى إذا أدركنا الكرى عرَّس، وقال لبلال: "اكلأ لنا الليل". قال: فغلبت بلالًا عيناه وهو مستند إلى راحلته، فلم

стр. 1927

يستيقظ النَّبِيُّ ﷺ ولا بلال، ولا أحد من أصحابه، حتى ضربتهم الشمس، وكان رسول اللّه ﷺ أَوَّلهم استيقاظًا، ففزع رسول اللّه ﷺ وقال: "يا بلال! " قال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، بأبي أنت وأمي يا رسول الله. قال: فاقتادوا رواحلهم شيئًا، ثم توضَّأ رسول اللّه ﷺ ، وأمر بلالًا فأقام لهم (١) الصلاة، وصلَّى بهم الصبح، فلمَّا أن قضى الصلاة قال: "من نسي صلاة فَلْيُصَلِّها إذا ذكرها، فإن الله تعالى قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ للذِّكْرِي﴾ (٢) [طه: ١٤] ". قال يونس: وكان ابن شهاب يقرؤها كذلك. وهكذا رواه مسلم (٣)، عن حرملة بن يحيى، عن عبد الله بن وهب، به. وفيه: أن ذلك كان مرجعهم من خيبر. وفي حديث شعبة، عن جامع بن شدَّاد، عن عبد الرحمن بن أبي علقمة، عن ابن مسعود أن ذلك كان مرجعهم من الحديبية، ففي رواية عنه أن بلالًا هو الذي كان يكلؤهم. وفي رواية أنه هو الذي كان يكلؤهم. قال الحافظ البيهقيُّ (٤): فيحتمل أن ذلك كان مرتين. قال: وفي حديث عمران بن حصين وأبي قتادة نومهم عن الصلاة، وفيه حديث الميضأة، فيحتمل أن ذلك إحدى هاتين المرتين، أو مرة ثالثة. قال: وذكر الواقديُّ في حديث أبي قتادة أن ذلك كان مرجعهم من غزوة تبوك. قال: وروى زافر بن سليمان، عن شعبة، عن جامع بن شدَّاد، عن عبد الرحمن، عن ابن مسعود أن ذلك كان مرجعهم من تبوك. فاللّه أعلم. ثم أورد البيهقيُّ (٥) ما رواه صاحب "الصَّحيح (٦) من قصة عوف الأعرابي، عن أبي رجاء، عن عِمْرَان بن حُصَين في قصة نومهم عن الصلاة، وقصة المرأة صاحبة السَّطيحتين، وكيف أخذوا منهما ماءً روَّى الجيش بكماله، ولم ينقص ذلك منهما شيئًا. ثم ذكر ما رواه مسلم (٧) من حديث ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة، وهو حديث طويل، وفيه نومهم عن الصلاة، وتكثير الماء من تلك الميضأة.

стр. 1928

وقد رواه عبد الرزاق (١)، عن مَعْمَر، عن قتادة. وقال البخاريُّ (٢): ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا عبد الواحد، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن أبي موسى الأشعريِّ قال: لما غزا رسول اللّه ﷺ خيبر - أو قال: لما توَّجه رسول اللّه ﷺ [إلى خيبر]- أشرف الناس على وادٍ، فرفعوا أصواتهم بالتكبير: اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا إله إلَّا اللّه. فقال رسول اللّه ﷺ : "اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم". وأنا خلف دابة رسول اللّه ﷺ ، فسمعني وأنا أقول: لا حول ولا قوة إلَّا باللّه. فقال: "يا عبد اللّه بن قيس. قلت: لبَّيك يارسول اللّه. قال: "ألا أدلُّك على كلمة من كنز الجنة؟ " قلت: بلى يا رسول اللّه، فداك أبي وأمي. قال: "لا حول ولا قوة إلَّا باللّه". وقد رواه بقية الجماعة (٣) من طرق، عن عبد الرحمن بن ملٍّ، أبي عثمان النَّهديِّ، عن أبي موسى الأشعريِّ. والصواب أنه كان مرجعهم من خيبر، فإنَّ أبا موسى إنَّما قدم بعد فتح خيبر، كما تقدَّم. قال ابن إسحاق (٤): وكان رسول اللّه ﷺ ، فيما بلغني، قد أعطى ابن لَقِيم العَبْسيَّ حين افتتح خَيبر ما بها من دَجَاجَة أو دَاجِنٍ، وكان فتح خيبر في صفر، فقال ابن لَقِيم في فتح خيبر: [من الكامل] رُمِيَتْ نَطاة من الرسول بفَيلقٍ … شهباءَ ذاتِ مناكبٍ وفَقارِ واستَيْقَنَتْ بالذُّلِّ لمَّا شُيِّعَتْ … ورجالُ أَسْلَمَ وسطَها وغِفَارِ صبحت بني عمرو بن زرعة غُدوةً … والشَّقُّ أظلم أهله بنهارِ جرَّت بأَبْطَحِهَا الذُّيول فلم تَدَعْ … إلا الدَّجاج تصيحُ بالأسحارِ ولكلِّ حصنٍ شاغلٌ من خيلهم … من عبد الأشْهلِ أو بني النَّجَّارِ ومهاجرينَ قَدَ اعلموا سيماهُمُ … فوق المَغَافِرِ لم يَنُوا لفرارِ ولقد علمتُ ليغلبنَّ محمد … وليثوبنَّ بها إلى أصفارِ فَرَّت يهودٌ عند ذلك في الوغى … تحت العَجَاج غمائمَ الأبصارِ * * *

стр. 1929

فصل من استشهد بخيبر من الصَّحَابة، على ما ذكره ابن إسحاق بن يسار (١) ﵀ وغيره من أصحاب المغازي فمن خير المهاجرين: ربيعة بن أَكْثَم بن سَخْبَرَة الأَسديُّ، مولى بني أُمَيَّة، وثقيفُ بن عمرو، ورفاعة بن مَسْرُوحٍ، حلفاء بني أمية، وعبد اللّه بن الهُبَيب بن أُهيب بن سُحَيم بن غِيَرَةَ، من بني سعد بن ليث، حليف بني أسد وابن أُختهم. ومن الأنصار: بِشر بن البَرَاء بن مَعْرُور - من أَكَلَةِ الشَّاة المَسْمُومة مع رسول اللّه ﷺ كما تقدَّم - وفُضَيل بن النُّعمان السَّلميَّان، ومسعود بن سعد بن قيس بن خلَدة بن عامر بن زُريق الزُّرقيُّ، ومحمود بن مسلمة الأشهليُّ، وأبو ضيَّاح بن ثابت بن النُّعمان العَمْريُّ، والحارث بن حاطب، وعُرْوَة بن مُرَّة بن سُرَاقة، وأوس الفائد، وأُنيف بن حبيب، وثابت بن أَثْلَةَ، وطلحة، وعُمَارة بن عُقبة، رمي بسهم فقتله، وعامر بن الأَكْوَع، أصابه طرف سيفه في ركبته فقتله، ﵀، كما تقدَّم، والأسود الرَّاعي. وقد أفرد ابن إسحاق هاهنا قصته، وقد أسلفناها في أوائل الغزوة، ولله الحمد والمِنَّة. قال ابن إسحاق (٢): وممَّن استُشهد بخيبر - فيما ذكره ابن شهاب [الزُّهري]- من بني زهرة، مسعود بن ربيعة، حليف لهم من القارة، ومن الأنصار ثم من بني عمرو بن عوف، أوس بن قتادة، ﵃ أجمعين. * * * [خبر الحَجَّاج بن عِلَاط البَهْزيّ ﵁] (٣) قال ابن إسحاق (٤): ولما افتتحت (٥) خيبر، كلَّم رسول اللّه ﷺ الحَجَّاج بن عِلَاط السُّلمِيّ ثم البَهْزيُّ، فقال: يا رسول الله، إن لي بمكّة مالًا عند صاحبتي أُمِّ شيبة بنت أبي طلحة - وكانت عنده، له منها معرِّض بن الحجَّاج - ومالًا متفرقًا في تجَّار أهل مكة، فأْذن لي يا رسول الله. فأذن له، فقال: إنه

стр. 1930

لا بد لي يا رسول اللّه من أن أقول. قال: "قل". قال الحَجَّاج: فخرجت حتى [إذا] قدمت مكّة، وجدت بثنيَّة البيضاء رجالًا من قريش يستمعون الأخبار، ويسألون عن أمر رسول اللّه، وقد بلغهم أنه قد سار إلى خيبر، وقد عرفوا أنها قرية الحجاز؛ ريفًا ومَنَعةً ورجالًا، وهم يتجسَّسون الأخبار من الرُّكبان، [فلمَّا رَأَوني] قالوا: الحَجَّاج بن عِلَّاط - قال: ولم يكونوا علموا بإسلامي - عنده واللّه الخبر، أخبرنا يا أبا محمد، فإنه قد بلغنا أن القاطع قد سار إلى خيبر، وهي بلد يهود وريف الحجاز. قال: قلت: قد بلغني ذلك، وعندي من الخبر ما يسرُّكم. قال: فالتبطوا بجنبي ناقتي يقولون: إيه يا حجاج. قال: قلت: هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قطُّ، وقد قتل أصحابه قتلًا لم تسمعوا بمثله [قطُ] وأسر محمد أسرًا، وقالوا: لا نقتله حتى نبعث به إلى مكة، فيقتلوه بين أظهرهم بمن كان أصاب من رجالهم. قال: فقاموا وصاحوا بمكة، وقالوا: قد جاءكم الخبر، وهذا محمد، إنما تنتظرون (١) أن يقدم [به] عليكم، فيقتل بين أظهركم. قال: قلت: أعينوني على جمع مالي بمكّة [و] على غُرمائي، فإني أُريد أن أقدَم خيبر، فأُصيب من فَلِّ محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التُّجار إلى ما هنالك. قال: فقاموا فجمعوا لي ما كان لي كأحثِّ جمع سمعت به. قال: وجئت صاحبتي فقلت: مالي - وكان عندها مال موضوع - فلعلي ألحق بخيبر فأصيب من فرص البيع قبل أن يسبقني التُّجار. قال: فلما سمع العباس بن عبد المطَّلب الخبر وجاءه عني، أقبل حتى وقف إلى جنبي وأنا في خيمة من خيام التُّجار، فقال: يا حَجَّاج، ما هذا الذي جئت به؛ قال: قلت: وهل عندك حفظ لما وضعت عندك؟ قال: نعم. قال: قلت: فاستأخر عنّي حتى ألقاك على خَلاء؛ فإني في جمع مالي كما ترى، فانصرف عنّي حتى أفرُغ. قال: حتى إذا فرغت من جمع كلِّ شيء كان لي بمكة، [و] أجمعت الخروج، لقيت العباس فقلت: احفظ عليَّ حديثي يا أبا الفضل، فإني أخشى الطلب، ثلاثًا، ثم قل ما شئت. قال: أفعل. قلت: فإني واللّه لقد تركت ابن أخيك عَروسًا على بنت ملكهم - يعني صَفِيّة بنت حُييٍّ - وقد افتتح خيبر، وانتثل ما فيها، وصارت له ولأصحابهء قال: ما تقول يا حجاج؟ قال: قلت: إي واللّه، فاكتم عني، ولقد أسلمت، وما جئت إلَّا لآخذ مالي؛ فرقًا من أن أغلب عليه، فإذا مضت ثلاث فأظهر أمرك، فهو واللّه [على ما تحبُّ. قال:] حتى إذا كان اليوم الثالث، لبس العباس حلَّة له وتخلَّق (٢) وأخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى الكعبة فطاف بها، فلمَّا رأوه قالوا: يا أبا الفضل، هذا واللّه التَّجلُد لحرِّ المصيبة. قال: كلَّا واللّه الذي حلفتم به، لقد افتتح محمد خيبر، وتُرك عَروسًا على بنت ملكهم، وأحرز أموالهم وما فيها، وأصبحت له ولأصحابه. قالوا: من جاءك بهذا الخبر؟ قال: الذي جاءكم بما جاءكم به، ولقد دخل عليكم مسلمًا وأخذ ماله، فانطلق ليلحق بمحمد وأصحابه فيكون معه. فقالوا: يا لَعباد الله،

стр. 1931

انفلت عدوُّ اللّه، أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن. قال: ولم يَنْشَبُوا (١) أن جاءهم الخبر بذلك. هكذا ذكر ابن إسحاق هذه القصة منقطعةً. وقد أسند ذلك الإمام أحمد بن حنبل (٢) فقال: ثنا عبد الرزاق، ثنا مَعْمَر، سمعت ثابتًا يُحَدِّث عن أنس قال: لما افتتح رسول اللّه ﷺ خَيْبَرَ، قال الحَجَّاج بن عِلَاط: يا رسول الله، إن لي بمكّة مالًا، وإن لي بها أهلًا، وإنِّي أُريد أن آتيهم، أفأنا في حلٍّ إن أنا نِلْتُ مِنْكَ أو قلت شيئًا؟ فأذن له رسول اللّه ﷺ أن يقول ما شاء، فأتى امرأته حين قدم فقال: اجمعي لي ما كان عندكِ؛ فإني أُريد أن أشتري من غنائم محمدٍ وأصحابه، فإنهم قد استُبيحوا وأُصيبت أموالهم. قال: وفشى ذلك بمكَّة، فانقمع (٣) المسلمون وأظهر المشركون فرحًا وسرورًا. قال: وبلغ الخبر العباس فعقر، وجعل لا يستطيع أن يقوم. قال مَعْمَر: فأخبرني عُثمان الجَزَريُّ، عن مِقْسَم قال: فأخذ ابنًا له يقال له: قُثَم. واستلقى ووضعه على صدره وهو يقول: [من مجزوء الرجز] حَيَّ قُثَم [حيَّ قثم] (٤) شَبيه ذي الأَنْفِ الأَشَمّ نَبيِّ ذي النِّعَمْ بِرَغْمِ مَنْ رَغِمْ قال ثابت: عن أنس: ثم أرسل غلامًا له إلى الحجاج بن علاط: ويلك ما جئت به وماذا تقول؟ فما وعد الله خير مما جئت به، فقال الحجاج بن علاط لغلامه: أقرئ على أبي الفضل السلام، وقل له فليخل لي في بعض بيوته لآتيه، فإنّ الخبر على ما يسرُّه. فجاء غلامه، فلمَّا بلغ باب الدار قال: أبشر يا أبا الفضل. قال: فوثب العباس فرحًا حتى قبَّل بين عينيه، فأخبره ما قال الحجاج فأعتقه. قال: ثم جاءه الحَجَّاج فأخبره أن رسول اللّه ﷺ قد افتتح خيبر وغنم أموالهم، وجرت سهام اللّه في أموالهم، واصطفى رسول اللّه ﷺ صفية بنت حُييٍّ واتخذها لنفسه، وخيَّرها أن يعتقها وتكون زوجة، أو تلحق بأهلها، فاختارت أن يعتقها وتكون زوجته. قال: ولكني جئت لمال كان لي هاهنا أردت أن أجمعه فأذهب به، فاستأذنت رسول اللّه ﷺ ، فأذن لي أن أقول ما شئت، فأخف عليَّ ثلاثًا، ثم اذكر ما بدا لك. قال: فجمعت امرأته ما كان عندها من حليٍّ ومتاع، فجمعته ودفعته إليه، ثم استمرَّ به، فلمَّا كان

стр. 1932

بعد ثلاث أتى العباس امرأة الحجاج، فقال: ما فعل زوجكِ؟ فأخبرته أنه ذهب يوم كذا وكذا، وقالت: لا يحزنك اللّه يا أبا الفضل، لقد شقَّ علينا الذي بلغك. قال: أجل، لا يُحزنني اللّه، ولم يكن بحمد اللّه إِلَّا ما أحببنا، فتح اللّه خيبر على رسوله، وجرت فيها سهام اللّه، واصطفى رسول الله ﷺ صفيةَ لنفسه، فإن كانت لك حاجة في زوجك فالحقي به. قالت: أظنُّك واللّه صادقًا. قال: فإني صادق، والأمر على ما أخبرتك. ثم ذهب حتى أتى مجالس قريش، وهم يقولون إذا مرَّ بهم: لا يصيبك إِلَّا خير يا أبا الفضل. قال: لم يصبني إِلَّا خير بحمد اللّه، أخبرني الحجاج بن علاط أن خيبر فتحها اللّه على رسوله، وجرت فيها سهام اللّه، واصطفى صفية لنفسه، وقد سألني أن أخفي عليه ثلاثًا، وإنما جاء ليأخذ ماله وما كان له من شيء هاهنا، ثم يذهب. قال: فردَّ اللّه الكآبة التي كانت بالمسلمين على المشركين، وخرج المسلمون ومن كان دخل بيته مكتئبًا حتى أتوا العباس، فأخبرهم الخبر، فسُرَّ المسلمون وردَّ اللّه ما كان من كآبة أو غيظ أو حزن على المشركين. وهذا الإسناد على شرط الشيخين، ولم يخرّجه أحد من أصحاب الكتب الستة سوى النَّسائيِّ (١)، عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، به نحوه. ورواه الحافظ البيهقيُّ (٢)، من طريق محمود بن غيلان، عن عبد الرزاق. ورواه أيضًا (٣) من طريق يعقوب بن سفيان، عن زيد بن المبارك، عن محمد بن ثور، عن مَعْمَر، به نحوه. وكذلك ذكر موسى بن عقبة في "مغازيه" (٤) أن قريشًا كان بينهم تراهن عظيم وتبايع، منهم من يقول: يظهر محمد وأصحابه. ومنهم من يقول: يظهر الحليفان ويهود خيبر. وكان الحجَّاج بن علاط السُّلميُّ ثم البهزيّ قد أسلم وشهد مع رسول اللّه ﷺ فتح خيبر، وكانت تحته أمُّ شيبة أخت [بني] عبد الدار بن قصيٍّ، وكان الحجَّاج مكثرًا من المال، وكانت له معادن أرض بني سليم، فلما ظهر رسول اللّه على خيبر، استأذن الحَجَّاج رسول اللّه ﷺ في الذَّهاب إلى مكَّة يجمع أمواله، فأذن له، فذكر نحو ما تقدَّم، واللّه أعلم. قال ابن إسحاق (٥): ومما قيل من الشعر في غزوة خيبر قول حَسَّان (٦): [من الخفيف]

стр. 1933

بئسَ مَا قَاتَلَتْ خيابرُ عمَّا … جفَعوا من مَزَارعٍ ونخيلِ كَرهُوا الموتَ فَاستُبيح حِمَاهُمْ … وأقرُّوا فِعْلَ اللَّئيم الذَّليلِ أَمِن الموت يهرُبون فإنَّ الـ … ــموت موت الهزال غير جميلِ وقالا كعب بن مالك (١) فيما ذكره ابن هشام، عن أبي زيد الأنصاريِّ: [من الطويل] ونحن وردنا خيبرًا وفُروضَه … بكلِّ فتى عاري الأَشَاجِعِ مِذودِ (٢) جوادٍ لدى الغايات لا واهنِ القُوى … جريء على الأعداءِ في كلِّ مَشْهَدِ عظيمِ رماد القِدر في كلِّ شتوة … ضروبٍ بنصل المشرفيِّ المُهَنَّدِ يرى القَتْل مَدْحًا إنْ أَصَاب شهادةً … مِن الله يرجوها وفوزًا بأحمدِ يذود ويَحْمِي عن ذِمَارِ محمدٍ … وَيدْفَعُ عنه باللِّسانِ وباليدِ ويَنْصُرُهُ مِنْ كلِ أمرٍ يَريبُهُ … يجُودُ بنفسٍ دونَ نفسِ محمدِ يُصَدِّقُ بالإنباءَ بالغَيب مخلصًا … يُريدُ بذاكَ العزَّ والفَوزَ في غدِ * * * فصل في مروره ﷺ - بوادي [القُرى] ومحاصرته قومًا من اليهود، [ومصالحته يهود] تيماء على ما ذكره الواقديُّ قال الواقديُّ (٣): حدَّثني عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن الزهريِّ، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هُريرة [قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ من خيبر إلى وادي القرى، وكان رفاعة، بن زيد بن وهب الجذامِيُّ قد وهب لرسول اللّه ﷺ عبدًا أسود يقال له: مِدعم. وكان يرحِّل لرسول اللّه ﷺ ، فلمَّا نزلنا بوادي القرى انتهينا إلى يهود، وقدم إليها ناس من العرب، فبينا مِدعم يحطُّ رحل رسول الله ﷺ ، وقد استقبلتنا يهود بالرَّمي حين نزلنا، ولم نكن على تعبئة، وهم يصيحون في آطامهم، فيقبل سهم عائر، فأصاب مدعمًا فقتله، فقال الناس: هنيئًا له بالجنة. فقال النَّبِيُّ ﷺ : "كلَّا والذي نفسي بيده، إن الشَّملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم، لتشتعل عليه نارًا". فلمَّا سمع بذلك الناس، جاء رجل إلى رسول اللّه ﷺ بشِراك أو شراكين، فقال النَّبِيّ ﷺ : "شراك من نار أو شراكان من نار". وهذا الحديث

стр. 1934

في "الصحيحين" من حديث مالك، عن ثور بن زيد، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة، عن النَّبِيِّ ﷺ بنحوه (١). قال الواقديُّ (٢): فعبَّى رسول اللّه ﷺ أصحابه للقتال وصفَّهم، ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة، وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سهل بن حنيف، وراية إلى عبَّاد بن بشر، ثم دعاهم إلى الإسلام، وأخبرهم أنهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم وحقنوا دماءهم، وحسابهم على اللّه. قال: فبرز رجل منهم، فبرز إليه الزُّبير بن العوام فقتله، ثم برز آخر، فبرز إليه عليٌّ فقتله، ثم برز آخر، فبرز إليه أبو دجانة فقتله، حتى قتل منهم أحد عشر رجلًا، كلَّما قتل منهم رجل، دعا من بقي منهم إلى الإسلام، ولقد كانت الصلاة تحضر ذلك اليوم، فيصلِّي رسول اللّه ﷺ بأصحابه، ثم يعود فيدعوهم إلى الإسلام وإلى اللّه ورسوله، وقاتلهم حتى أمسَوا، وغدا عليهم، فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا بأيديهم، فتحها عنوة، وغنَّمهم اللّه أموالهم، وأصابوا أثاثًا ومتاعًا كثيرًا، وأقام رسول اللّه ﷺ بوادي القرى أربعة أيام، فقسم ما أصاب على أصحابه، وترك الأرض والنَّخيل في أيدي اليهود وعاملهم عليها، فلما بلغ يهود تيماء ما وطئ به رسول اللّه ﷺ خيبر وفدك ووادي القرى، صالحوا رسول اللّه ﷺ على الجزية، وأقاموا بأيديهم أموالهم، فلمَّا كان عمر أخرج يهود خيبر وفدك، ولم يخرج أهل تيماء ووادي القرى؛ لأنهما داخلتان في أرض الشام، ويرى أن ما دون وادي القرى إلى المدينة حجاز، وما وراء ذلك من الشام. قال: ثم انصرف رسول اللّه ﷺ راجعًا إلى المدينة بعد أن فرغ من خيبر ووادي القرى، وغنَّمه اللّه . قال الواقديُّ (٣): حدَّثني يعقوب بن محمد، عن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن أبي صعْصَعَة، عن الحارث بن عبد اللّه بن كعب، عن أُمِّ عُمَارة، قالت: سمعت رسول اللّه ﷺ بالجرف وهو يقول: "لا تطرقوا النساء بعد صلاة العشاء" (٤). قالت: فذهب رجل من الحيِّ، فطرق أهله فوجد ما يكره، فخلَّى سبيله ولم يهِجْه، وضنَّ بزوجته أن يفارقها، وكان له منها أولاد، وكان يحبُّها، فعصى رسول اللّه ﷺ ، فرأى ما يكره. * * *

стр. 1935

فصل ثبت في "الصحيحين" (١) أن رسول اللّه ﷺ لما افتتح خيبر، عامل يهودها على شطر ما يخرج منها من تمر أو زرع. وقد ورد في بعض ألفاظ هذا الحديث: على أن يعملوها من أموالهم. وفي بعضها (٢): وقال لهم النبيُّ ﷺ : "نقرُّكم [فيها] ما شئنا". وفي "السِّير" أنه كان يبعث عليهم عبد اللّه بن رواحة، يَخْرُصُهَا عليهم عند استواء ثمارها، ثم يضمِّنهم إياه، فلما قتل عبد اللّه بن رواحة بمؤتة، بعث جبَّار بن صخر، كما تقدَّم. وموضع تحرير ألفاظه وبيان طرقه كتاب المزارعة من كتاب "الأحكام الكبير" إن شاء اللّه وبه الثقة. وقال محمد بن إسحاق (٣): سألت ابن شهاب: كيف كان إعطاء رسول اللّه ﷺ يهود خيبر نخلهم؟ فأخبرني أن رسول اللّه ﷺ افتتح خيبر عنوة بعد القتال، وكانت خيبر مما أفاء اللّه عليه، خمَّسها وقسمها بين المسلمين، ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعد القتال، فدعاهم رسول اللّه ﷺ فقال: "إن شئتم دفعت إليكم هذه الأموال؛ على أن تعملوها وتكون ثمارها بيننا [وبينكم] فأقرُّكم ما أقرَّكم اللّه". فقبلوا، وكانوا على ذلك يعملونها، وكان رسول اللّه ﷺ يبعث عبد اللّه بن رواحة فيقسم ثمرها، ويعدل عليهم في الخرص، فلما توفَّى اللّه نبيَّه ﷺ ، أقرَّها أبو بكر بأيديهم، على المعاملة التي عاملهم عليها رسول الله ﷺ حتى توفِّي، ثم أقرَّهم عمر بن الخطاب صدرًا من إمارته، ثم بلغ عمر أن رسول اللّه ﷺ قال في وجعه الذي قبضه اللّه فيه: "لا يجتمعنَّ بجزيرة العرب دينان" (٤). ففحص عمر عن ذلك حتى بلغه الثَّبَت، فأرسل إلى يهود فقال: إن اللّه قد أذن لي [في] إجلائكم، وقد بلغني أن رسول اللّه ﷺ قال: "لا يجتمعنَّ في جزيرة العرب دينان". فمن كان عنده عهد من رسول الله ﷺ فليأتني به أنفذه له، ومن لم يكن عنده عهد فليتجهَّز للجلاء. فأجلى عمر من لم يكن عنده عهد من رسول اللّه ﷺ .

стр. 1936

قلت: قد ادَّعى يهود خيبر في أزمان متأخرة بعد الثلاثمئة، أن بأيديهم كتابًا من رسول اللّه ﷺ ؛ فيه أنه وضع الجزية عنهم، وقد اغترَّ بهذا الكتاب بعض العلماء، حتى قال بإسقاط الجزية عنهم؛ من الشافعية الشيخ أبو عليٍّ بن خيرون، وهو كتاب مزوَّر مكذوب مفتعل لا أصل له، وقد بيَّنت بطلانه من وجوه عديدة في كتاب مفرد، وقد تعرَّض لذكره وإبطاله جماعة من الأصحاب في كتبهم، كابن الصَّبَّاغ في "شامله"، والشيخ أبي حامد في "تعليقه"، وصنَّف فيه ابن المُسلمة جزءًا منفردًا للرد عليه. وقد تحرَّكوا به بعد السبعمائة، وأظهروا كتابًا فيه نسخة ما ذكره الأصحاب في كتبهم، وقد وقفت عليه، فإذا هو مكذوب؛ فإن فيه شهادة سعد بن معاذ، وقد كان مات قبل زمن خيبر، وفيه شهادة معاوية بن أبي سفيان، ولم يكن أسلم يومئذ، وفي آخره: وكتبه عليُّ بن أبو طالب. وهذا لحن وخطأ، وفيه وضع الجزية، ولم تكن شرعت بعدُ، فإنها إنما شرعت أول ما شرعت وأخذت من أهل نجران. وذكروا أنهم وفدوا في حدود سنة تسع، والله أعلم. ثم قال ابن إسحاق (١): وحدَّثني نافع مولى عبد اللّه بن عمر، عن ابن عمر قال: خرجت أنا والزبير بن العوام والمقداد بن الأسود إلى أموالنا بخيبر نتعاهدها، فلمَّا قدمنا تفرَّقنا في أموالنا. قال: فعُدِي عليَّ تحت الليل وأنا نائم على فراشي، ففدعت يداي من مرفقيَّ، فلما استصرخت عليَّ صاحبيَّ؛ فأتياني فسألاني: من صنع هذا بك؛ فقلت: لا أدري. فأصلحا من يديَّ، ثم قدما بي إلى عمر، فقال: هذا عمل يهود. ثم قام في الناس خطيبًا فقال: أيها الناس، إن رسول الله ﷺ كان عامل يهود خيبر على أنَّا نخرجهم إذا شئنا، وقد عدوا على عبد اللّه بن عمر، ففدعوا يديه كما بلغكم، مع عَدْوتهم على الأنصاريِّ قبله، لا نشكُّ أنهم كانوا أصحابه، ليس لنا هناك عدوٌّ غيرهم، فمن كان له مال من خيبر فليلحق به، فإنِّي مخرج يهود. فأخرجهم. قلت: كان لعمر بن الخطاب سهمه الذي بخيبر، وقد كان وقفه في سبيل الله، وشرط في الوقف ما أشار به رسول اللّه ﷺ ، كما هو ثابت في "الصحيحين" (٢) وشرط أن يكون النظر فيه للأرشد فالأرشد من بناته وبنيه. قال الحافظ أبو بكر البيهقيُّ في "الدلائل" (٣): جماع أبواب السَّرايا التي تذكر بعد فتح خيبر وقبل عمرة القضيَّة، وإن كان تاريخ بعضها ليس بالواضح عند أهل المغازي.

стр. 1937

سريَّة أبي بكر الصِّدِّيق إلى بني فَزَارَة قال الإمام أحمد (١): ثنا بهز، ثنا عكرمة بن عمَّار، ثنا إياس بن سلمة، حدَّثني أبي قال: خرجنا مع أبي بكر بن أبي قحافة، وأمَّره رسول اللّه ﷺ علينا، فغزونا بني فزارة، فلما دنونا من الماء، أمرنا أبو بكر فعرَّسنا، فلمَّا صلَّينا الصبح أمرنا أبو بكر فشننَّا الغارة، فقتلنا على الماء من [مرَّ] قِبلنا (٢). قال سلمة: ثم نظرت إلى عنق من الناس فيه من الذُّرية والنساء، نحو الجبل وأنا أعدو في آثارهم، فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل، فرميت بسهم فوقع بينهم وبين الجبل. قال: فجئت بهم أسوقهم إلى أبي بكر حتى أتيته على الماء، وفيهم امرأة من فزارة عليها قشع من أدم، ومعها ابنة لها من أحسن العرب. قال: فنفَّلني أبو بكر بنتها. قال: فما كشفت لها ثوبًا حتى قدمت المدينة، ثم بتُّ فلم أكشف لها ثوبًا. قال: فلقيني رسول الله ﷺ في السوق، فقال لي: "يا سلمة، هب لي المرأة". قال: فقلت: والله يا رسول الله لقد أعجبتني، وما كشفت لها ثوبًا. قال: فسكت رسول الله ﷺ وتركني، حتى إذا كان من الغد لقيني رسول اللّه ﷺ في السوق فقال: "يا سلمة، هب لي المرأة، للّه أبوك". قال: فقلت: يا رسول الله، واللّه لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبًا. وهي لك يا رسول اللّه. قال: فبعث بها رسول الله ﷺ إلى أهل مكة، وفي أيديهم أسارى من المسلمين، ففداهم رسول اللّه ﷺ بتلك المرأة. وقد رواه مسلم والبيهقيُّ (٣) من حديث عكرمة بن عَمَّار، به. * * * سريَّة عمر بن الخطاب، ﵁ إلى تُربةَ من أرض هَوَازِن وراء مَكَّة بأربعة أميال ثم أورد البيهقيُّ (٤) من طريق الواقديِّ بأسانيده أن رسول اللّه ﷺ بعث عمر بن الخطَّاب، ﵁، في ثلاثين راكبًا، ومعه دليل من بني هلال، وكانوا يسيرون الليل ويكمنون النَّهار، فلمّا انتهوا إلى بلادهم هربوا منهم، وكرَّ عمر راجعًا إلى المدينة، فقيل له: هل لك في قتال خثعم؟ فقال: إن رسول اللّه ﷺ لم يأمرني إِلَّا بقتال هوازن في أرضهم.

стр. 1938

سريَّة عبد الله بن رَوَاحَة إلى يُسير بن رِزام اليهوديّ ثم أورد (١) من طريق ابن لهيعة (٢)، عن أبي الأسود، عن عروة، ومن طريق موسى بن عقبة، عن الزهريِّ، أن رسول اللّه ﷺ بعث عبد اللّه بن رواحة في ثلاثين راكبًا، فيهم عبد اللّه بن أنيس، إلى يُسير بن رِزام اليهوديِّ، حتى أتوه بخيبر، وبلغ رسولَ اللّه ﷺ أنه يجمع غطفان ليغزوه بهم، فأتوه فقالوا: أرسلنا إليك رسول الله ﷺ ليستعملك على خيبر. فلم يزالوا به حتى تبعهم في ثلاثين رجلًا، مع كل رجل منهم رديف من المسلمين، فلمَّا بلغوا قرقرة ثبار، وهي من خيبر على ستة أميال، ندم يسير بن رزام، فأهوى بيده إلى سيف عبد اللّه بن أُنيس، ففطن له عبد اللّه بن أنيس، فزجر بعيره، ثم اقتحم يسوق بالقوم، حتى إذا استمكن من يُسير، ضرب رجله فقطعها، واقتحم يُسير وفي يده مخرش من شوحط، فضرب به وجه عبد اللّه بن أُنيس فشخه شخة مأمومة، وانكفأ كلُّ رجل من المسلمين على رديفه فقتله، غير رجل واحد من اليهود أعجزهم شدًّا، ولم يصب من المسلمين أحد، ولصق رسول اللّه ﷺ في شجَّة عبد الله بن أُنيس، فلم تقِح ولم تؤذه حتى مات. * * * سريَّة أخرى مع بَشير بن سعدٍ روى (٣) من طريق الواقدي بإسناده، أن رسول الله ﷺ بعث بَشير بن سعد في ثلاثين راكبًا إلى بني مرَّة في أرض فَدَك، فاستاق نعمهم، فقاتلوه وقتلوا عامة من معه، وصبر هو يومئذ صبرًا عظيمًا، وقاتل قتالًا شديدًا، ثم لجأ إلى فَدَك، فبات بها عند رجل من اليهود، ثم كرَّ راجعًا إلى المدينة. قال الواقديُّ (٤): [ثم] بعث إليهم رسول اللّه ﷺ غالب بن عبد الله ومعه جماعة من كبار الصحابة. فذكر منهم أسامة بن زيد، وأبا مسعود البدريِّ، وكعب بن عجرة، ثم ذكر مقتل أسامة بن زيد لمرداس بن نَهِيك حليف بني مرَّة، وقوله حين علاه بالسيف: لا إله إِلَّا اللّه. وأن الصحابة لاموه على ذلك، حتى سُقط في يده وندم على ما فعل.

стр. 1939

وقد ذكر هذه القصة يونس بن بُكير، [عن] ابن إسحاق، عن شيخٍ من بني سلِمة، عن رجال من قومه، أن رسول الله ﷺ بعث غالب بن عبد الله الكلبيّ إلى أرض بني مُرَّة، فأصاب مرداس بن نَهيك حليفًا لهم من الحُرقة. قال: فقتله أُسامة. قال ابن إسحاق (١): فحدَّثني محمد بن أُسامة بن محمد بن أُسامة، عن أبيه، عن جدِّه أُسامة بن زيد قال: أدركته أنا ورجل من الأنصار - يعني مرداسَ بن نَهيك - فلما شهرنا عليه السِّلاح قال: أشهد أن لا إله إِلَّا الله. فلم ننزع عنه حتى قتلناه، فلمَّا قدمنا على رسول الله ﷺ أخبرناه، فقال: "يا أسامة، من لك بلا إله إِلَّا الله؟ " فقلت: يا رسول الله، إنما قالها تعوُّذًا من القتل. قال: "فمن لك يا أُسامة بلا إله إِلَّا الله؛، فوالذي بعثه بالحق ما زال يردِّدها عليَّ حتى تمنَّيت أن ما مضى من إسلامي لم يكن، وأني أسلمت يومئذٍ ولم أقتله. فقلت: إني أُعطي الله عهدًا أن لا أقتل رجلًا يقول: لا إله إِلَّا الله، أبدًا. فقال: "بعدي يا أسامة". فقلت: بعدك. قال الإمام أحمد (٢): حَدَّثَنَا هُشَيم بن بَشير، أنبا حُصين، عن أبي ظَبيان قال: سمعت أُسامة بن زيد يُحَدِّث قال: بَعثنا رسول الله ﷺ إلى الحُرقة من جهينة. قال: فصبَّحناهم، وكان منهم رجل إذا أقبل القوم كان من أشدِّهم علينا، واذا أدبروا كان حاميتَهم. قال: فغشيته أنا ورجل من الأنصار، فلمَّا تغشَّيناه قال: لا إله إِلَّا الله. فكفَّ عنه الأنصاريُّ وقتلتُه، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: "يا أُسامة، أقتلته بعد ما قال: لا إله إِلَّا الله؟! قال: قلت: يا رسول الله، إنما كان متعوِّذًا [من القتل]. قال: فكرَّرها على حتى تمنَّيت أني لم أكن أسلمت إِلَّا يومئذ. وأخرجه البخاريُّ ومسلم (٣) من حديث هشيم به نحوه. وقال ابن إسحاق (٤): حدَّثني يعقوب بن عتبة، عن مسلم بن عبد الله الجُهَنيِّ، عن جُنْدب بن مَكيثٍ الجُهنيِّ قال: بعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله الكلبيِّ، كلب ليث، إلى بني الملوَّح بالكَدِيد (٥)، وأمره أن يغير عليهم، وكنت في سريَّته، فمضينا حتى إذا كنا بالقُدَيد (٦)، لقينا الحارث بن مالك بن

стр. 1940

البرصاء اللَّيثيُّ، فأخذناه فقال: إني إنما جئت لأسلم. فقال له غالب بن عبد الله: إن كنت إنما جئت لِتُسلم، فلا يضرُّك رباط يوم وليلة، وإن كنت على غير ذلك استوثقنا [منك]. قال: فأوثقه رباطًا وخلَّف عليه رويجلًا أسود كان معنا، وقال: امكث معه حتى نمرَّ عليك، فإن نازعك فاحتزَّ رأسه. ومضينا حتى أتينا بطن الكَديد، فنزلنا عشيَّة بعد العصر، فبعثني أصحابي إليه، فعمدت إلى تلٍّ يطلعني على الحاضر فانبطحت عليه، وذلك قبل غروب الشمس، فخرج رجل منهم، فنظر فرآني منبطحًا على التَّلِّ، فقال لامرأته: إني لأرى سوادًا على هذا التَّلِّ ما رأيته في أول النَّهار، فانظري لا تكون الكلاب اجترَّت بعض أوعيتِك؟ فنظرت فقالت: والله ما أفقد منها شيئًا. قال: فناوليني قوسي وسهمين من نبلي. فناولته، فرماني بسهم في جبيني - أو قال: في جنبي - فنزعته فوضعته ولم أتحرَّك، ثم رماني بالآخر فوضعه في رأس منكبي، فنزعته فوضعته ولم أتحرَّك. فقال لامرأته: أما والله لقد خالطه سَهْمَايَ، ولو كان ربيئةً (١) لتحرَّك، فإذا أصبحتِ فابتغي سهميَّ فخذيهما، لا تمضغهما عليَّ الكلاب. قال: فأمهلنا، حتى إذا راحت روايحهم، وحتى احتلبوا وعطَّنوا وسكنوا، وذهبت عتَمة من الليل، شننَّا عليهم الغارة فقتلنا واستقنا النَّعم، ووجَّهنا قافلين به، وخرج صريخ القوم إلى قومهم بقربنا. قال: وخرجنا سراعًا حتى نمرَّ بالحارث بن مالك بن البَرْصَاء وصاحبه، فانطلقنا به معنا، وأتانا صريخ الناس، فجاءنا ما لا قِبل لنا به، حتى إذا لم يكن بيننا وبينهم إلا بطن الوادي من قُدَيْدٍ، بعث الله من حيث شاء ماءً، ما رأينا قبل ذلك مطرًا ولا حالًا، وجاء بما لا يقدر أحد أن يُقدِم عليه، فلقد رأيتهم وقوفًا ينظرون إلينا، ما يقدر أحد منهم أن يقدم عليه، ونحن نجدُّ بها أو نحدوها - شكَّ النُّفَيليُّ - فذهبنا سراعًا حتى أسندنا بها في المسلك، ثم حدرنا عنه حتى أعجزنا القوم بما في أيدينا. وقد رواه أبو داود (٢) من حديث محمد بن إسحاق، فقال في روايته: عبد الله بن غالب. والصواب غالب بن عبد الله كما تقدَّم. وذكر الواقديُّ (٣) هذه القصة بإسناد آخر، وقال فيه: وكان معه من الصحابة مئة وثلاثون رجلًا. ثم ذكر البيهقيُّ (٤) من طريق الواقديِّ سرية بَشير بن سعد أيضًا إلى ناحية خيبر، فلقوا جمعًا من العرب، وغنموا نعمًا كثيرًا، وكان بعثه في هذه السَّرِيَّة بإشارة أبي بكر وعُمَرَ، ﵄، وكان

стр. 1941

معه من المسلمين ثلاثمئة رجل، ودليله حُسَيل بن نُويرة، وهو الذي كان دليلَ النبيِّ ﷺ [إلى خَيبر]. قاله الواقديُّ (١). * * * سَرِيَّة أبي حَدْرَدٍ إلى الغَابَةِ قال يونس، عن محمد بن إسحاق (٢): كان من حديث قصة أبي حدرد وغزوته إلى الغابة ما حدَّثني جعفر بن عبد الله بن أسلم، عن أبي حدرد قال: تزوَّجت امرأة من قومي فأصدقتها مئتي درهم. قال: فأتيت رسول الله ﷺ أستعينه على نكاحي، فقال: "كم أصدقت؟ " فقلت: مئتي درهم. فقال: "سُبْحَان الله! والله لو كنتم تأخذونها من واب ما وادٍ، والله ما عندي ما أُعينك به". فلبثت أيامًا، ثم أقبل رجل من جشم بن معاوية يقال له: رفاعة بن قيس، أو قيس بن رفاعة. في بطن عظيم من جُشَم، حتى نزل بقومه ومن معه بالغابة، يريد أن يجمع قيسًا على محاربة رسول الله ﷺ ، وكان ذا اسم وشرف في جشم. قال: فدعاني رسول الله ﷺ ورجلين من المسلمين فقال: "اخرجوا إلى هذا الرجل حتى تأتوا منه بخبر وعلم". وقدَّم لنا شارِفًا عجفاء، فحمل عليها أحدنا، فوالله ما قامت به ضعفًا، حتى دعمها الرجال من خلفها بأيديهم، حتى استقلت وما كادت، وقال: "تبلَّغوا على هذه". فخرجنا ومعنا سلاحنا من النَّبل والسيوف، حتى إذا جئنا قريبًا من الحاضر مع غروب الشمس، فكمنت في ناحية، وأمرت صاحبيَّ فكمنا في ناحية أخرى من حاضر القوم، وقلت لهما: إذا سمعتماني قد كبَّرت وشددت في العسكر فكبِّرا وشدَّا معي. فوالله إنا لكذلك ننتظر أن نرى غرَّة أو نرى شيئًا، وقد غشينا الليل حتى ذهبت فحمة العشاء، وقد كان لهم راع قد سرَّح في ذلك البلد، فأبطأ عليهم وتخوَّفوا عليه، فقام صاحبهم رفاعة بن قيس، فأخذ سيفه فجعله في عنقه فقال: والله لأتيقَّننَّ أمر راعينا، ولقد أصابه شرٌّ. فقال نفر ممَّن معه: والله لا تذهب، نحن نكفيك. فقال: لا يذهب إلا أنا. قالوا: فنحن معك. فقال: والله لا يتبعني منكم أحد. وخرج حتى يمرُّ بي، فلمَّا أمكنني نفحته بسهم، فوضعته في فؤاده، فوالله ما تكلَّم، فوثبت إليه فاحتززت رأسه، ثم شددت ناحية العسكر وكبَّرت، وشدَّ صاحباي وكبَّرا، فوالله ما كان إلا النَّجاءُ ممَّن كان [فيه] عندك [عندك] (٣)، بكلِّ ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم وما خفَّ معهم من أموالهم، واستَقنا إبلًا عظيمة وغنمًا كثيرة، فجئنا بها إلى رسول الله ﷺ ، وجئت برأسه أحمله معي، فأعطاني من تلك الإبل ثلاثة عشر بعيرًا في صداقي، فجمعت إليَّ أهلي.

стр. 1942

السَّريَّة التي قتل فيها محلّمُ بن جثَّامة عامرَ بن الأَضْبَط قال ابن إسحاق (١): حدَّثني يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن ابن عبد الله بن أبي حدرد، عن أبيه قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى إضم في نفر من المسلمين، منهم؛ أبو قتادة الحارث بن ربعيٍّ، ومحلِّم بن جثَّامة بن قيس، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم، مرَّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعيُّ على قعود له، معه مُتيِّع له، ووطب من لبن، فسلَّم علينا بتحية الإسلام، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلِّم بن جثَّامة فقتله لشيء كان بينه وبينه، وأخذ بعيره ومتيِّعه، فلمَّا قدمنا على رسول الله ﷺ أخبرناه الخبر، فنزل فينا القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤]. وهكذا رواه الإمام أحمد، عن يعقوب، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد، عن أبيه فذكرة (٢). قال ابن إسحاق (٣): حدَّثني محمد بن جعفر، سمعت زياد بن ضميرة بن سعد الضَّمريَّ يحدِّث عُرْوَة بن الزّبير، عن أبيه وجدِّه - قال: وكانا شهدا حنينًا - قال: فصلَّى رسول الله ﷺ صلاة الظهر، فقام إلى ظلِّ شجرة، فقعد فيه، فقام إلى عيينة بن بدر يطلب بدم عامر بن الأضبط الأشجعيِّ، وهو سيد قيس، وجاء الأقرع بن حابس يردُّ عن محلِّم بن جثَّامة وهو سيد خندفَ، فقال رسول الله ﷺ لقوم عامر: "هل لكم أن تأخذوا منا الآن خمسين بعيرًا وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة؟ " فقال عيينة بن بدر: والله لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحزن مثل ما أذاق نسائي. فقام رجل من بني ليث يقال له: ابن مُكَيتل. وهو قصد من الرجال، فقال: يا رسول الله، ما أجد لهذا القتيل مثلًا في غرَّة الإسلام إلا كغنم وردت فرميت أُولاها فنفرت أُخراها، اسنن اليوم وغيِّر غدًا. فقال رسول الله ﷺ : "هل لكم أن تأخذوا خمسين بعيرًا الآن وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة؟ " فلم يزل بهم حتى رضوا بالدِّية، فقال قوم محلِّم بن جثَّامة: ائتوا به حتى يستغفر له رسول الله ﷺ . قال: فجاء رجل طُوال ضرب اللحم، في حلَّة قد تهيَّأ فيها للقتل، فقام بين يدي النبيِّ ﷺ ، فقال النبيُّ ﷺ : "اللهم لا تغفر لمحلِّم" [قالها ثلاثًا] فقام وإنه ليتلقَّى دموعه بطرف ثوبه. قال محمد بن إسحاق: زعم قومه أنه استغفر له بعد ذلك.

стр. 1943

وهكذا رواه أبو داود (١) من طريق حَمّاد بن سلمة، عن ابن إسحاق. ورواه ابن ماجه (٢)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر، عن زيد بن ضميرة، عن أبيه وعمِّه، فذكر بعضه. والصواب كما رواه ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر، عن زياد بن سعد بن ضميرة، عن أبيه وجدِّه. وهكذا رواه أبو داود (٣) من طريق ابن وهب، عن عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن محمد بن جعفر، عن زياد بن سعد بن ضميرة، عن أبيه وجدِّه، بنحوه كما تقدَّم. وقال ابن إسحاق (٤): حدَّثني سالم أبو النَّضر أنه قال: لم يقبلوا الدية حتى قام الأقرع بن حابس فخلا بهم وقال: يا معشر قيس، سألكم رسول الله ﷺ قتيلًا تتركونه ليصلح به بين الناس فمنعتموه إيَّاه، أفأمنتم أن يغضب عليكم رسول الله ﷺ فيغضب الله لغضبه، أو يلعنكم رسول الله ﷺ فيلعنكم الله بلعنته لكم، والله لتُسلمنَّه إلى رسول الله ﷺ أو لآتينَّ بخمسين من بني تميم [كلُّهم] يشهدون أن القتيل كافر ما صلَّى قط، فلأطُلَّنَّ دمه. فلمَّا قال ذلك لهم، أخذوا الدِّية. وهذا منقطع معضلٌ. وقد روى ابن إسحاق (٥)، عمَّن لا يتَّهم، عن الحسن البصريِّ، أن محلِّمًا لما جلس بين يديه، ﵊، قال له: "أمَّنته بالله ثم قتلته؟! " ثم دعا عليه. قال الحسن: فوالله ما مكث محلِّم إلا سبعًا حتى مات، فلفظته الأرض، ثم دفنوه، فلفظته الأرض، ثم دفنوه، فلفظته الأرض، فرضموا عليه من الحجارة حتى واروه، فبلغ رسول الله ﷺ فقال: "إن الأرض لتطَّابق على من هو شرٌّ منه، ولكنَّ الله أراد أن يعظكم في حُرْم ما بينكم بما أراكم منه". وقال ابن جرير (٦): ثنا وكيع، ثنا جرير، عن ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال: بعث رسول الله ﷺ محلِّم بن جَثَّامة مبعثًا، فلقيهم عامر بن الأضبط فحيَّاهم بتحية الإسلام - وكانت بينهم حِنَةٌ في الجاهلية - فرماه محلِّم بسهم فقتله، فجاء الخبر إلى رسول الله ﷺ ، فتكلَّم فيه عُيينة والأقرع، فقال الأقرع: يا رسول الله، سُنَّ اليوم وغيِّر غدًا. فقال عيينة: لا والله حتى تذوق نساؤه من الثُكل ما ذاق نسائي. فجاء محلِّم في بُردين، فجلس بين يدي رسول الله ﷺ ليستغفر له، فقال رسول الله ﷺ :

стр. 1944

"لا غفر الله لك". فقام وهو يتلَّقى دموعه ببرديه، فما مضت له سابعة حتى مات، فدفنوه فلفظته الأرض، فجاؤوا النبيَّ ﷺ فذكروا ذلك له، فقال: "إنَّ الأرض تقبل من هو شرٌّ من صاحبكم، ولكنَّ الله أراد أن يعظكم من حرمتكم". ثم طرحوه بين صدفي جبل، فألقوا عليه من الحجارة، ونزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية [النساء: ٩٤]. وقد ذكره موسى بن عقبة، عن الزهريِّ، ورواه شعيب، عن الزهريِّ، عن عبد الله بن موهب، عن قبيصة بن ذؤيب نحو هذه القصة، إلا أنه لم يسمِّ محلِّم بن جثَّامة، ولا عامر بن الأضبط. وكذلك رواه البيهقيُّ (١)، عن الحسن البصريِّ بنحو هذه القصة، وقال: وفيه نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية. قلت: وقد تكلَّمنا في سبب نزول هذه الآية ومعناها في "التفسير" (٢) بما فيه الكفاية، ولله الحمد والمنة. * * * سَرِيَّة عبد الله بن حُذَافَة السَّهْمِيِّ ثبت في "الصحيحين" (٣) من طريق الأعمش، عن سعد بن عُبيدة، عن أبي عبد الرحمن السُّلميِّ، عن عليِّ بن أبي طالب قال: استعمل النبيُّ ﷺ رجلًا من الأنصار على سريَّة، بعثهم وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا. قال: فأغضبوه في شيء فقال: اجمعوا لي حطبًا. فجمعوا، فقال: أوقدوا نارًا. فأوقدوا، ثم قال: ألم يأمركم رسول الله ﷺ أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى. قال: فادخلوها. قال: فنظر بعضهم إلى بعض، وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله ﷺ من النار. قال: فسكن غضبه وطفئت النار، فلما قدموا على النبيِّ ﷺ ، ذكروا ذلك له، فقال: "لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف". وهذه القصة ثابتة أيضًا في "الصحيحين" (٤) من طريق يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وقد تكلَّمنا عن هذه الآية بما فيه كفاية في "التفسير" (٥) ولله الحمد والمنة.

стр. 1945

عمْرَةُ القَضَاءِ ويقال: القِصاص، ورجَّحه السهيليُّ. ويقال: عمرة القضيَّة. فالأول قضاء عما كان أحصر عام الحُديبية، والثاني من قوله تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤]. والثالث من المقاضاة التي كان قاضاهم عليها، على أن يرجع عنهم عامه هذا، ثم يأتي في العام القابل، ولا يدخل مكة إلا في جُلبان السلاح، وأن لا يقيم أكثر من ثلاثة أيام، وهذه العمرة هي المذكورة في قوله تعالى في سورة "الفتح" المباركة: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ الآية [الفتح: ٢٧]. وقد تكلَّمنا عليها مستقصى في كتابنا "التفسير" بما فيه كفاية. وهي الموعود بها في قوله، ﵊، لعمر بن الخطاب حين قال له: ألم تكن تحدِّثنا أنَّا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: "بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟ " قال: لا. قال: "فإنك آتيه ومطوِّف به". وهي المشار إليها في قول عبد الله بن رَوَاحة حين دخل بين يدي رسول الله ﷺ إلى مكة، يوم عمرة القضاء وهو يقول (١): [من الرجز] خلُّوا بني الكُفَّار عن سبيله … اليوم نضربكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله أي: هذا تأويل الرُّؤيا التي كان رآها رسول الله ﷺ ، جاءت مثل فلق الصبح. قال ابن إسحاق (٢): فلما رجع رسول الله ﷺ من خيبر إلى المدينة، أقام بها شهري ربيع وجماديين ورجبًا وشعبان وشهر رمضان وشوَّالًا، يبعث فيما بين ذلك سراياه، ثم خرج في ذي القعدة، في الشهر الذي صدَّه فيه المشركون، معتمرًا عمرة القضاء، مكان عمرته التي صدُّوه عنها - قال ابن هشام: واستعمل على المدينة عويف بن الأضبط الدُّئليَّ - ويقال لها: عمرة القصاص؛ لأنهم صدُّوا رسول الله ﷺ في ذي القعدة في الشهر الحرام من سنة ستٍّ، فاقتصنَّ رسول الله ﷺ منهم، فدخل مكة في ذي القعدة، في الشهر الحرام الذي صدُّوه فيه من سنة سبع. بلغنا عن ابن عباس أنه قال: فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾. وقال معتمر بن سليمان (٣)، عن أبيه في "مغازيه": لمَّا رجع رسول الله ﷺ من خيبر، أقام بالمدينة وبعث سراياه، حتى استهل ذو القعدة، فنادى في الناس أن يتجهَّزوا للعمرة. فتجهَّزوا وخرجوا إلى مكة.

стр. 1946

وقال ابن إسحاق (١): وخرج معه المسلمون ممن كان صُدَّ معه في عمرته تلك، وهي سنة سبع، فلما سمع به أهل مكة خرجوا عنه، وتحدَّثت قريش بينها أن محمدًا وأصحابه في عسرة وجهد وشدَّة. قال ابن إسحاق (٢): فحدَّثني من لا أتَّهم، عن عبد الله بن عباس قال: صفُّوا له عند دار الندوة؛ لينظروا إليه وإلى أصحابه، فلما دخل رسول الله ﷺ المسجد، اضطبع بردائه، وأخرج عضده اليمنى، ثم قال: "رحم الله امرأ أراهم اليوم من نفسه قوة". ثم استلم الركن، وخرج يهرول، ويهرول أصحابه معه، حتى إذا واراه البيت منهم واستلم الركن اليمانيَّ، مشى حتى يستلم الركن الأسود، ثم هرول كذلك ثلاثة أطواف ومشى سائرها. فكان ابن عباس يقول: كان الناس يظنُّون أنها ليست عليهم؛ وذلك أن رسول الله ﷺ إنما صنعها لهذا الحيِّ من قريش؛ للذي بلغه عنهم، حتى حجَّ حَجَّة الوداع، فلزمها، فمضت السُّنَّة بها. وقال البخاريُّ (٣): ثنا سليمان بن حرب، ثنا حمَّاد، هو ابن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قدم رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال المشركون: إنه يقدَم عليكم وفد وهَنهم حمَّى يثرب. فأمرهم النبيُّ ﷺ أن يرمُلوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الرُّكنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلَّها إلا الإبقاء عليهم. قال أبو عبد الله: وزاد ابن سلمة - يعني حمَّاد بن سلمة - عن أيوب، عن سعيد، عن ابن عباس قال: لمَّا قدم النبيُّ ﷺ لعامه الذي استأمن قال: "ارملوا ليرى المشركون قوَّتكم"، والمشركون من قبل قعيقعان. ورواه مسلم (٤)، عن أبي الَّربيع الزَّهرانيِّ، عن حماد بن زيد. وأسند البيهقيُّ (٥) طريق حَمَّاد بن سَلَمَة. وقال البخاريُّ (٦): ثنا عليُّ بن عبد الله، ثنا سفيان، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، سمع ابن أبي أوفى يقول: لما اعتمر رسول الله ﷺ ، سترناه من غِلْمَان المشركين ومنهم؛ أن يؤذوا رسول الله ﷺ . وسيأتي بقية الكلام على هذا المقام. قال ابن إسحاق (٧): وحدَّثني عبد الله بن أبي بكر، أن رسول الله ﷺ حين دخل مكة في تلك العمرة، دخلها وعبد الله بن رواحة آخذ بخطام ناقته يقول (٨): [من الرجز]

стр. 1947

خلُّوا بني الكُفَّار عن سبيله … خلُّوا فكلُّ الخير في رسولهِ يا ربِّ إني مؤمنٌ بقِيلهِ … أعرفُ حقَّ الله في قبولهِ نحن قَتَلْنَاكُمْ على تأويله … كما قتلناكم على تَنْزِيْلِهِ ضَرْبًا يُزِيل الهَامَ عن مَقِيْلِهِ … ويُذْهِلُ الخَلِيلَ عَنْ خَليلهِ قال ابن هشام (١): نحن قتلناكم على تأويله. إلى آخر الأبيات لعمَّار بن ياسر في غير هذا اليوم. يعني يوم صفِّين. قاله السهيليُّ (٢). قال ابن هشام: والدليل على ذلك أن ابن رواحة إنما أراد المشركين، والمشركون لم يقرُّوا بالتنزيل، وإنما يقتل على التأويل من أقرَّ بالتنزيل. وفيما قاله ابن هشام نظرٌ؛ فإنَّ الحافظ البيهقيَّ روى من غير وجه (٣)، عن عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزّهريِّ، عن أنس قال: لمَّا دخل النبيُّ ﷺ مَكَّةَ في عُمْرَةِ القَضَاءِ، مشى عبد الله بن رواحة بين يديه - وفي رواية: وهو آخذ بغَرْزِه (٤) - وهو يقول: [من الرجز] خلُّوا بني الكُفَّار عن سبيلهِ … قد نزَّل الرحمن في تنزيلهِ بأنَّ خير القتل في سبيلهِ … [نحن قَتَلْنَاكُم على تأويلهِ] وفي رواية بهذا الإسناد بعينه: [من الرجز] خلُّوا بني الكُفَّار عن سبيلهِ … اليوم نضربكم على تنزيله ضربًا يُزيل الهَامَ عَنْ مَقِيْلِهِ … ويُذْهِلُ الخَلِيْلَ عَنْ خليلهِ يَا ربِّ إنِّي مؤمنٌ بقِيلهِ وقال يونس بن بكير (٥)، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، أنَّ رسول الله ﷺ دخل عام القضيَّة مكة، فطاف بالبيت على ناقته، واستلم الرُّكن بمحجنه - قال هشام: من غير علَّة - والمسلمون يشتدُّون حوله، وعبد الله بن رواحة يقول (٦): [من الرجز] بسم الّذي لا دِيْنَ إلا دينُهُ … بسمِ الذي محمدٌ رسولُهُ خلُّوا بني الكفَّار عن سبيلِهِ

стр. 1948

قال موسى بن عقبة (١)، عن الزهريِّ: ثم خرج رسول الله ﷺ من العام القابل من عام الحُديبية معتمرًا، في ذي القعدة سنة سبع، وهو الشهر الذي صدَّه المشركون عن المسجد الحرام، حتى إذا بلغ يأجَج وضع الأداة كلَّها؛ الحجف والمجانَّ والرماح والنَّبل، ودخلوا بسلاح الراكب؛ السيوف، وبعث رسول الله ﷺ بين يديه جعفر بن أبي طالب إلى ميمونة بنت الحارث العَامِريَّة، فخطبها عليه، فجعلت أمرها إلى العباس، وكان تحته أختها أمُّ الفضل بنت الحارث، فزوَّجها العباس رسول الله ﷺ ، فلمَّا قدم رسول الله ﷺ ، أمر أصحابه فقال: "اكشفوا عن المناكب، واسعوا في الطواف". ليرى المشركون جلدهم وقوَّتهم، وكان يكايدهم بكلِّ ما استطاع، فاستكفَّ أهل مكة؛ الرجال والنساء والصِّبيان، ينظرون إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، وهم يطوفون بالبيت، وعبد الله بن رواحة يرتجز بين يدي رسول الله ﷺ متوشِّحًا بالسيف، وهو يقول (٢): [من الرجز] خلُّوا بني الكُفَّار عن سبيله … خلّوا فَكُلُّ الخيرِ في رَسُولِهِ (٣) قد أنزل الرحمن في تنزيله … في صحُف تتلى على رسوله فاليوم نضربكم على تأويله … كما ضربناكم على تنزيله ضربًا يزيل الهام عن مقِيله … ويذهل الخليل عن خليله قال: وتغيَّب رجال من أشراف المشركين أن ينظروا إلى رسول الله ﷺ ؛ غيظًا وحنقًا، ونفاسة، وحسدًا، وخرجوا إلى الخندمة، فقام رسول الله ﷺ بمكة، وأقام ثلاث ليال، وكان ذلك آخر القضية يوم الحديبية، فلمَّا أن أصبح من اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزَّى، ورسول الله ﷺ في مجلس الأنصار يتحدَّث مع سعد بن عبادة، فصاح حويطب بن عبد العزَّى: نناشدك الله والعقد لمّا خرجت من أرضنا، فقد مضت الثلاث. فقال سعد بن عبادة: كذبت، لا أمَّ لك، ليس بأرضك ولا بأرض آبائك، والله لا يخرج. ثم نادى رسول الله ﷺ سهيلًا وحويطبًا فقال: "إني قد نكحت فيكم امرأة، فما يضرُّكم أن أمكث حتى أدخل بها، ونصنع الطعام فنأكل وتأكلون معنا؟ ". فقالوا: نناشدك الله والعقد إلا خرجت عنا. فأمر رسول الله ﷺ أبا رافع فأذَّن بالرحيل، وركب رسول الله ﷺ حتى نزل بطن سرِف، وأقام المسلمون، وخلَّف رسول الله ﷺ أبا رافع ليحمل ميمونة، وأقام بسرف حتى قدمت عليه ميمونة، [وقد لقيت ميمونة] ومن معها عناةً وأذى من سفهاء المشركين ومن

стр. 1949

صبيانهم، فقدمت على رسول الله ﷺ بسرف، فبنى بها، ثم أدلج، فسار حتى قدم (١) المدينة. وقدَّر الله أن يكون موت ميمونة بسرف بعد ذلك بحين، فماتت حيث بنى بها رسول الله ﷺ . ثم ذكر قصة ابنة حمزة، إلى أن قال: وأنزل الله، ، في تلك العمرة: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤]. فاعتمر رسول الله ﷺ في الشهر الحرام الذي صُدَّ فيه. وقد [روى] ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عُروة بن الزبير نحوًا من هذا السِّياق. [ولهذا السياق] شواهد كثيرة من أحاديث متعددة، ففي "صحيح البخاريِّ" (٢) من طريق فليح بن سليمان، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ خرج معتمرًا، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحًا إلا سيوفًا، ولا يقيم بها إلا ما أحبُّوا. فاعتمر من العام المقبل، فدخلها كما كان صالحهم، فلمَّا أن أقام بها ثلاثًا أمروه أن يخرج فخرج. وقال الواقديُّ (٣): حدَّثني عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر قال: لم تكن هذه عمرة قضاء، وإنما كانت شرطًا على المسلمين أن يعتمروا من قابل، في الشهر الذي صدَّهم فيه المشركون. وقال أبو داود (٤): ثنا النُّفيليُّ، ثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن ميمون، سمعت أبا حاضر الحميريَّ يحدِّث [أبي] مَيمونَ بن مِهْرَان قال: خرجت معتمرًا عام حاصر أهل الشام ابن الزّبير بمكّة، وبعث معي رجال من قومي بهدي. قال: فلما انتهينا إلى أهل الشام، منعونا أن ندخل الحرم. قال: فنحرت الهدي مكاني، ثم أحللت، ثم رجعت، فلمَّا كان من العام المقبل خرجت لأقضي عمرتي، فأتيت ابن عباس فسألته، فقال: أبدل الهدي؛ فإن رسول الله ﷺ أمر أصحابه أن يبدلوا الهدي الذي نحروا عام الحُديبية، في عمرة القضاء. تفرَّد به أبو داود من حديث أبي حاضر عثمان بن حاضر الحميريِّ، عن ابن عباس، فذكره. وقال الحافظ البيهقيُّ (٥): أنبأ الحاكم، أنبأ الأصمُّ، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يُونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدَّثني عمرو بن ميمون قال: كان أبي يُسأل كثيرًا: هل كان رسول الله ﷺ أبدل هديه الذي نحر، حين صدَّه المشركون عن البيت؟ ولا يجد في ذلك شيئًا، حتى سمعته يسأل أبا حاضر

стр. 1950

الحميريَّ عن ذلك، فقال له: على الخبير سقطتَ، حججت عام ابن الزُّبير في الحصر الأول، فأهديت هديًا، فحالوا بيننا وبين البيت، فنحرت في الحرم، ورجعت إلى اليمن، وقلت: لي برسول الله ﷺ أسوة. فلمَّا كان العام المقبل حججت، فلقيت ابن عباس، فسألته عما نحرت: عليَّ بدله أم لا؟ قال: نعم فأبدل، فإن رسول الله ﷺ وأصحابه قد أبدلوا الهدي الذي نحروا عام صدَّهم المشركون، فأبدلوا ذلك في عمرة القضاء، فعزَّت الإبل عليهم، فرخَّص لهم رسول الله ﷺ في البقر. وقال الواقديُّ (١): حدَّثني غانم بن أبي غانم، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: جعل رسول الله ﷺ ناجية بن جندب الأسلميَّ على هديه، يسير بالهدي أمامه، يطلب الرِّعي في الشجر، معه أربعة فتيان من أسلم، وقد ساق رسول الله ﷺ في عمرة المضيَّة ستين بَدَنةً. فحدَّثني (٢) محمد بن نُعَيم المُجْمِر، عن أبيه، عن أبي هُريرة قال: كنت مع صاحب البدن أسوقها. قال الواقديُّ (٣): وسار رسول الله ﷺ يلبِّي والمسلمون معه يلبُّون، ومضى محمد بن مسلمة بالخيل إلى مرِّ الظَّهران، فيجد بها نفرًا من قريش، فسألوا محمد بن مسلمة، فقال: هذا رسول الله ﷺ يصبِّح هذا المنزل غدًا إن شاء الله. ورأوا سلاحًا كثيرًا مع بشير بن سعد، فخرجوا سراعًا حتى أتوا قريشًا، فأخبروهم بالذي رأوا من السلاح والخيل، ففزعت قريش وقالوا: والله ما أحدثنا حدثًا، وإنا على كتابنا وهدنتنا، ففيم يغزونا محمد في أصحابه؟ ونزل رسول الله ﷺ مرَّ الظَّهران، وقدَّم رسول الله ﷺ السلاح إلى بطن يأجَج، حيث ينظر إلى أنصاب الحرم، وبعثت قريش مِكرز بن حفص بن الأحنف في نفر من قريش، حتى لقوه ببطن يأجج، ورسول الله ﷺ في أصحابه والهدي والسلاح، قد تلاحقوا، فقالوا: يا محمد، ما عُرفت صغيرًا ولا كبيرًا بالغدر، تدخل بالسلاح في الحرم على قومك، وقد شرطت لهم أن لا تدخل إلا بسلاح المسافر؛ السيوف في القرب؟ فقال النبيُّ ﷺ : "إني لا أُدخل عليهم السلاح". فقال مِكرز بن حفص: هذا الذي تعرف به؛ البرُّ والوفاء. ثم رجع سريعًا بأصحابه إلى مكة [فقال: إن محمدًا لا يدخل بسلاح، وهو على الشرط الذي شرط لكم] فلما أن جاء مكرز بن حفص بخبر النبيِّ ﷺ ، خرجت قريش من مكة إلى رؤوس الجبال، وخلَّوا مكة، وقالوا: لا ننظر إليه ولا إلى أصحابه. فأمر رسول الله ﷺ بالهدي أمامه حتى حبس بذي طوى، وخرج رسول الله ﷺ وأصحابه وهو على ناقته القصواء، وهم محدقون به يلبُّون، وهم متوشِّحون السيوف، فلما انتهى إلى ذي طُوى، وقف على ناقته

стр. 1951

القصواء، [والمسلمون حوله، ثم دخل من الثَّنيَّة التي تطلعه على الحَجون على راحلته القصواء] وابن رواحة آخذ بزمامها، وهو يرتجز بشعره ويقول (١): [من الرجز] خلُّوا بني الكُفَّار عن سبيله إلى آخره. وفي "الصحيحين" (٢) من حديث ابن عباس قال: قدم رسول الله ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة - يعني من ذي القعدة سنة سبع - فقال المشركون: إنه يقدَم عليكم وفد قد وهَنتهم حمَّى يثرب. فأمر رسول الله ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الرُّكنين، ولم يمنعه أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم. وقال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا محمد بن الصَّبَّاح، ثنا إسماعيل، يعني ابن زكريا، عن عبد الله بن عثمان، عن أبي الطُّفيل، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ لما نزل مرَّ الظَّهران في عمرته، بلغ أصحاب رسول الله ﷺ أن قريشًا تقول: ما يتباعثون من العجف. فقال أصحابه: لو انتحرنا من ظهرنا، فأكلنا من لحمه، وحسونا من مرقه، أصبحنا غدًا حين ندخل على القوم وبنا جَمامة. فقال: "لا تفعلوا، ولكن اجمعوا لي من أزوادكم". فجمعوا له، وبسطوا الأنطاع، فأكلوا حتى تركوا، وحثا كلُّ واحد منهم في جرابه، ثم أقبل رسول الله ﷺ حتى دخل المسجد، وقعدت قريش نحو الحِجر، فاضطبع بردائه ثم قال: "لا يرى القوم فيكم غَميزة". فاستلم الرُّكن ثم رمل، حتى إذا تغيَّب بالركن اليمانيِّ مشى إلى الركن الأسود، فقالت قريش: ما يرضَون بالمشي، أما إنهم لينقزون نقز الظِّباء. ففعل ذلك ثلاثة أطواف، فكانت سُنَّة. قال أبو الطُّفيل: وأخبرني ابن عباس أن رسول الله ﷺ فعل ذلك في حجَّة الوداع. تفرَّد به أحمد من هذا الوجه. قال أبو داود (٤): ثنا أبو سلمة موسى، ثنا حمَّاد - يعني ابن سلمة - أنبأنا أبو عاصم الغنويُّ، عن أبي الطُّفيل قال: قلت لابن عباس: يزعم قومك أن رسول الله ﷺ قد رمل بالبيت، وأن ذلك سُنَّة. فقال: صدقوا وكذبوا. قلت: ما صدقوا وما كذبوا؟ قال: صدقوا؛ رمل رسول الله ﷺ ، وكذبوا؛ ليس بسُنة، إنَّ قريشًا قالت زمن الحديبية: دعوا محمدًا وأصحابه حتى يموتوا موت النَّغف. فلمَّا صالحوه على أن يجيئوا من العام المقبل فيقيموا بمكة ثلاثة أيام، فقدم رسول الله ﷺ والمشركون من قِبل

стр. 1952

قعيقعان، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "ارملوا بالبيت ثلاثًا". قال: وليس بسُنة. وقد رواه مسلم (١) من حديث سعيد الجُريريِّ، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، وعبد الملك بن سعيد بن أبجر، ثلاثتهم عن أبي الطُّفيل عامر بن واثلة، عن ابن عباس، به نحوه. وكونُ الرَّمَل في الطَّواف سُنة مذهب الجمهور، فإن رسول الله ﷺ رمل في عمرة القضاء، وفي عمرة الجعرانة أيضًا، كما رواه أبو داود وابن ماجه، من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الطُّفيل، عن ابن عباس، فذكره (٢). وثبت في حديث جابر عند مسلم وغيره، أنه ﷺ رمل في حجة الوداع في الطواف (٣). ولهذا قال عمر بن الخطاب: فيم الرَّملان وقد أطَّأ (٤) الله الإسلام؟ ومع هذا لا نترك شيئًا فعله رسول الله ﷺ (٥) وموضع تقرير هذا كتاب "الأحكام". وكان ابن عباس في المشهور عنه لا يرى ذلك سُنة، كما ثبت في "الصحيحين" (٦) من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس قال: إنما سعى النبيُّ ﷺ بالبيت وبين الصّفا والمروة؛ ليُريَ المشركين قوَّته، لفظ البخاريِّ. وقال الواقديُّ (٧): لما قضى رسول الله ﷺ نسكه في القضاء، دخل البيت، فلم يزل فيه حتى أذَّن بلال الظهر فوق ظهر الكعبة، وكان رسول الله ﷺ أمره بذلك، فقال عكرمة بن أبي جهل: لقد أكرم الله أبا الحكم حيث لم يسمع هذا العبد يقول ما يقول. وقال صفوان بن أمية: الحمد لله الذي أذهب أبي قبل أن يرى هذا. وقال خالد بن أسيد: الحمد لله الذي أمات أبي ولم يشهد هذا اليوم، حين يقوم بلال بن أمِّ بلال ينهق فوق الكعبة. وأما سهيل بن عمرو ورجال معه، لمَّا سمعوا بذلك غَطَّوا وجوههم. قال الحافظ البيهقيُّ (٨): قد أكرم الله أكثرهم بالإسلام. قلت: كذا ذكره البيهقيُّ (٩) من طريق الواقديِّ؛ أن هذا كان في عُمْرَة القَضَاء. والمشهور أن ذلك كان في عام الفتح، والله أعلم.

стр. 1953

وأما قصة تزويجه، ﵊، بِمَيمُونَةَ فقال ابن إسحاق (١): حدَّثني أبان بن صالح وعبد الله بن أبي نجيح، عن عطاء ومجاهد، عن ابن عباس، أنَّ رسول الله ﷺ ميمونة بنت الحارث في سفره ذلك وهو حرام، وكان الذي زوَّجه إيَّاها العباس بن عبد المطَّلب. قال ابن هشام: كانت جعلت أمرها إلى أختها أمِّ الفضل، فجعلت أمُّ الفضل أمرها إلى زوجها العباس، فزوَّجها رسول الله ﷺ ، وأصدقها عنه أربعمئة درهم. وذكر السُّهيليُّ (٢) أنَّه لمَّا انتهت إليها خِطبة رسول الله ﷺ لها وهي راكبة بعيرًا قالت: الجمل وما عليه لرسول الله ﷺ . قال: وفيها نزلت الآية: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. وقد روى البخاريُّ (٣) من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنَّ رسول الله ﷺ تزوَّج مَيْمُونَة وهو محرمٌ، وبنى بها وهو حلالٌ، وماتت بِسَرِف. قال السُّهيليُّ (٤): وروى الدارقطنيُّ من طريق أبي الأسود يتيم عروة، ومن طريق مطر الورَّاق، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنَّ رسول الله ﷺ تزوَّج ميمونة وهو حلال. قال: وتأوَّلوا رواية ابن عباس الأولى أنَّه كان محرمًا؛ أي في شهر حرام، كما قال الشاعر (٥): [من الكامل] قَتَلوا ابنَ عَفَّان الخليفةَ مُحْرِمًا … فدَعا (٦) فلم أر مثله مخذولًا أي: في شهر حرام. قلت: وفي هذا التأويل نظر؛ لأنَّ الروايات متظافرة عن ابن عباس بخلاف ذلك، ولا سيَّما قوله: تزوَّجها وهو محرم، وبنى بها وهو حلال، وقد كان في شهر ذي القعدة أيضًا، وهو شهر حرام. وقال محمد بن يحيى الذُّهْليُّ: ثنا عبد الرزاق قال: قال لي الثَّوريُّ: لا تلتفت إلى قول أهل المدينة؛ أخبرني عمرو، عن أبي الشَّعثاء، عن ابن عباس، أنَّ رسول الله ﷺ تزوَّج وهو محرم.

стр. 1954

قال أبو عبد الله (١): قلت لعبد الرزاق: روى سفيان الحديثين جميعًا؛ عن عمرو عن أبي الشَّعثاء عن ابن عباس (٢)، وابن خُثَيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (٣)؟ قال: نعم، أمَّا حديث ابن خثيم فحدَّثنا هاهنا - يعني باليمن - وأمَّا حديث عمرو فحدَّثنا ثَمَّ - يعني بمكة - وأخرجاه في "الصحيحين" (٤) من حديث عمرو بن دينار به. وفي "صحيح البخاريِّ" (٥) من طريق الأوزاعيِّ، أنبأنا عطاء، عن ابن عباس، أنَّ رسول الله ﷺ تزوَّج مَيمونة وهو محرمٌ. فقال سعيد بن المسيَّب: وَهَم (٦) ابن عباس، وإن كانت خالته؛ ما تزوَّجها إلا بعد ما أَحَلَّ. وقال يونس (٧)، عن ابن إسحاق: حدَّثني ثقة، عن سعيد بن المسيَّب أنَّه قال: هذا عبد الله بن عباس، يزعم أنَّ رسول الله ﷺ نكح ميمونة وهو محرم. فذكر كلمته: إنَّما قدم رسول الله ﷺ مكة، فكان الحلُّ والنِّكاح جميعًا، فشُبِّه ذلك على الناس. وروى مسلم وأهل السُّنن (٨) من طرق، عن يزيد بن الأصمِّ العامريِّ، عن خالته ميمونة بنت الحارث قال: تزوَّجني رسول الله ﷺ ونحن حلالان بسرف. ولكن قال الترمذيُّ: روى غير واحد هذا الحديث، عن يزيد بن الأصمِّ مرسلًا، أنَّ رسول الله ﷺ تزوَّج ميمونة [وهو حلال]. وقال الحافظ البيهقيُّ (٩): أنبأنا أبو عبد الله [الحافظ، أنبانا أبو عبد الله] محمد بن عبد الله الأصفهانيُّ الزاهد، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، ثنا مطر الورَّاق، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع قال: تزوَّج رسول الله ﷺ ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت الرسولَ بينهما.

стр. 1955

وهكذا رواه الترمذيُّ والنَّسائيُّ (١) جميعًا، عن قتيبة، عن حَمَّاد بن زيد، به، ثم قال الترمذيُّ: حسن، ولا نعلم أحدًا أسنده غير حَمَّاد عن مطر. ورواه مالك، عن ربيعة، عن سليمان مرسلًا. ورواه سليمان بن بلال، عن ربيعةَ مرسلًا. قلت: وكانت وفاتها بسرف سنة ثلاث وستين، [ويقال: سنة ستين]، ﵂. * * * ذكر خروجه ﷺ من مَكَّة بعد قضاء عُمْرَتِهِ قد تقدَّم ما ذكره موسى بن عقبة؛ أنَّ قريشًا بعثوا إليه حُويطب بن عبد العُزَّى بعد مضيِّ أربعة أيام ليرحل عنهم، كما وقع به الشّرط، فعرض عليهم أن يعمل وليمة عُرْسه بمَيْمُونةَ عندهم، وإنَّما أراد تأليفهم بذلك، فأبوا عليه وقالوا: بل اخرُج عنا، فخرج وكذلك ذكره ابن إسحاق (٢). وقال البخاريُّ (٣): ثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: اعتمر النبيُّ ﷺ في ذي القعدة، فأبى أهل مكة [أن يدعوه يدخل مَكَّة] حتى قاضاهم على أن يقيموا بها ثلاثة أيام، فلمَّا كتبوا الكتاب، كتبوا: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. قالوا: لا نقرُّ بهذا، لو نعلم أنَّك رسول الله ما منعناك شيئًا، ولكن أنت محمد بن عبد الله. قال: "أنا رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله". ثم قال لعلى بن أبي طالب: "امْحُ رسول الله". قال: لا والله لا أمحوك أبدًا. فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب، وليس يُحسن يكتب، فكتب (٤): هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله؛ لا يُدخل مَكَّةَ إلَّا السيفَ في القِراب، وأن لا يخرج من أهلها بأحد أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع من أصحابه أحدًا أراد أن يقيم بها. فلمَّا دخلها ومضى الأجل، أتَوا عليًّا فقالوا: قل لصاحبك: اخرج عنا، فقد مضى الأجل. فخرج النبيُّ ﷺ فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عمّ، ياعمّ. فتناولها عليٌّ فأخذ بيدها، وقال لفاطمة: دونكِ ابنةَ عمِّكِ. فحملتها، فاختصم فيها عليٌّ وزيد

стр. 1956

وجعفر، فقال عليٌّ: أنا أخذتها وهي ابنة عَمِّي. وقال جعفر: ابنة عَمِّي، وخالتها تحتي. وقال زيد: ابنةُ أخي، فقضى بها النبيُّ ﷺ لخالتها (١) وقال: "الخَالَةُ بمنزلةِ الأُمِّ". وقال لعليٍّ: "أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ". وقال لجعفر: "أَشْبَهْتَ خَلْقي وَخُلُقي". وقال لزيد: "أَنْتَ أَخُونَا وَمَولانَا". قال عليٌّ: ألا تتزوَّج ابنةَ حمزة؟ قال: "إنها ابنةُ أخي من الرَّضَاعَةِ". تفرَّد به البخاريُّ من هذا الوجه. وقد روى الواقديُّ (٢) قصة ابنة حمزة، فقال: حدَّثني ابن أبي حَبيبة، عن داود بن الحُصَين، عن عِكْرِمَة، عن ابن عباس، أن عُمَارة ابنة حمزة بن عبد المطلب، وأمُّها سَلمى بنت عُميس، كانت بمكة، فلمَّا قدم رسول الله ﷺ كلَّم عليُّ بن أبي طالب رسول الله ﷺ فقال: علام نترك ابنة عمِّنا يتيمة بين ظهراني المشركين؟ فلم ينه النبيُّ ﷺ عن إخراجها، فخرج بها، فتكلَّم زيد بن حارثة وكان وصيَّ حمزة، وكان النبيُّ ﷺ قد آخى بينهما حين آخى بين المهاجرين، فقال: أنا أحقُّ بها؛ ابنة أخي. فلمَّا سمع بذلك جعفر قال: الخالة والدة، وأنا أحقُّ بها لمكان خالتها عندي أسماء بنت عميس. وقال عليٌّ: ألا أراكم تختصمون، هي ابنة عمِّي، وأنا أخرجتها من بين أظهر المشركين، وليس لكم إليها سبب دُوني، وأنا أحقُّ بها منكم. فقال النبيُّ ﷺ : "أنا أَحْكُمُ بينكم، أمّا أنت يا زيد فمولى الله ومولى رسول الله، [وأمّا أنت يا عليُّ فأخي وصَاحبي]، وأما أنت يا جَعْفَرُ فتشبه خَلْقي وخُلُقي، وأنت يا جعفر أولى بها؛ تحتك خالتُها، ولا تنكح المرأة على خالتها ولا على عمَّتها" فقضى بها لجعفر. قال الواقديُّ: فلما قضى بها لجعفر، قام جعفر فحَجَل حول رسول الله ﷺ ، فقال: "ما هذا يا جعفر؟ " فقال: يا رسول الله، كان النَّجاشيُّ إذا أرضى أحدًا، قام فَحَجَل حوله. فقال للنبيِّ ﷺ : تزوَّجها. فقال: "ابنة أخي من الرَّضاعة". فزوَّجها رسول الله ﷺ سَلَمَةَ بن أبي سَلَمَة، فكان النبيُّ ﷺ يقول: "هَلْ جَزَيْتُ سَلَمَة؟ ". قلت: لأنَّه ذَكَرَ الواقديّ وغيره، أنَّه هو الذي زوَّج رسول الله ﷺ بأُمِّهَ أُمِّ سَلَمَةَ؛ لأنَّه كان أكبر من أخيه عُمر بن أبي سلمة، والله أعلم. قال ابن إسحاق (٣): ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة في ذي الحجَّة، وتولَّى المشركون تلك الحجَّة. قال ابن هشام (٤): وأنزل الله في هذه العُمرة، فيما حدَّثني أبو عبيدة، قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ

стр. 1957

﴿اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧] يعني خَيبر. * * * فصل ذكر البيهقيُّ (١) هاهنا سريَّة ابن أبي العَوجَاء السُّلميِّ إلى بني سُليم، ثم ساق بسنده عن الواقديِّ (٢): حدَّثني محمد بن عبد الله بن مسلم، عن الزُّهريِّ قال: لمَّا رجع رسول الله ﷺ من عمرة القضيَّة، رجع في ذي الحجَّة من سنة سبع، فبعث ابن أبي العوجاء السُّلميَّ في خمسين رجلًا، فخرج [إلى بني سُليم، وكان عين بني سليم معه، فلما فصل من المدينة، خرج] العين إلى قومه، فحذَّرهم وأخبرهم، فجمعوا جمعًا كثيرًا، وجاءهم ابن أبي العوجاء والقوم معدُّون، فلمَّا أن رآهم أصحاب رسول الله ﷺ ورأوا جمعهم، دعوهم إلى الإسلام، فرشقوهم بالنَّبل ولم يسمعوا قولهم، وقالوا: لا حاجة لنا إلى ما دعوتم إليه، فرموهم ساعة، وجعلت الأمداد تأتي، حتى أحدقوا بهم من كلِّ جانب، فقاتل القوم قتالًا شديدًا، حتى قتل عامَّتهم، وأُصيب ابن أبي العوجاء بجراحات كثيرة، فتحامل حتى رجع إلى المدينة بمن بقي معه من أصحابه في أول يوم من صفر سنة ثمان. * * * فصل قال الواقديُّ (٣): في المحرَّم من هذه السنة - يعني سنة سبع - ردَّ رسول الله ﷺ ابنته زينب على زوجها أبي العاص بن الربيع، وقد قدَّمنا الكلام على ذلك. وفيها قدم حاطب بن أبي بلتعة من عند المقوقس ومعه مارية وسيرين، وقد أسلمتا في الطريق، وغلام خصيٌّ. قال الواقديُّ (٤): وفيها اتَّخذ رسول الله ﷺ منبره درجتين ومقعده. قال: والثَّبَتُ عندنا أنَّه عُمل في سنة ثمان.

стр. 1958

ربّ يسّر وأَعِنْ بحولِكَ وقوتك سنة ثمان من الهجرة النبوية فصل في إسلام عمرو بن العَاص، وخالد بن الوليد، وعثمان بن طلحة، ﵃، وكان قدومهم أوائل سنة ثمانٍ، على ما سيأتي قد تقدَّم طرف من ذلك، فيما ذكره ابن إسحاق بعد مقتل أبي رافعٍ اليهوديِّ، وذلك في سنة خمس من الهجرة، وإنَّما ذكره الحافظ البيهقيُّ (١) هاهنا بعد عُمْرَة القَضَاء، فروى من طريق الواقديِّ (٢): أنبأ عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه قال: قال عمرو بن العاص: كنت للإسلام مجانبًا معاندًا، حضرت بدرًا مع المشركين فنجوت، ثم حضرت أُحدًا فنجوتُ، ثم حضرت الخَنْدَقَ فنجوتُ. قال: فقلت في نفسي: كم أُوضِعُ (٣)؟ والله ليظهرنَّ محمدٌ على قريش، فلحقتُ بمالي بالوَهْطِ (٤)، وأقللت من الناس - أي: من لقائهم - فلمَّا حضر الحُديبية، وانصرف رسول الله ﷺ في الصُّلح، ورَجَعَتْ قريش إلى مَكّة، جعلت أقول: يَدْخُل محمدٌ قابلًا مَكَّة بأصحابه، ما مَكَّةُ بمنزل ولا الطائف ولا شيء خير من الخروج. وأنا بعدُ ناءٍ عن الإسلام، وأرى لو أَسْلَمَتْ قريشٌ كلُّها لم أُسْلِمْ، فقدمتُ مَكَّة وجمعت رجالًا من قومي، وكانوا يرون رأبي، ويسمعون مني، ويقدِّمونني فيما نابهم، فقلت لهم: كيف أنا فيكم؟ قالوا: ذو رأينا ومِدْرَهُنَا (٥) في يُمن نقيبة وبركةِ أمرٍ، قال: قلت: تعلمون أنِّي والله لأَرى أَمْرَ محمدٍ أَمْرًا يعلو الأمور علوًّا منكرًا، وإنِّي قد رأيت رأيًا. قالوا: وما هو؟ قلت: نَلْحَقُ بالنجاشيِّ فنكون معه، فإن يظهر محمدٌ

стр. 1959

كنا عند النجاشيِّ، فنكون تحت يد النَّجاشيِّ أحبُّ إلينا من أن نكون تحت يد محمدٍ، وإن تظهر قريش فنحن مَن قد عرفوا. قالوا: هذا الرأي. قال: قلت: فاجمعوا ما نهديه له. وكان أحبَّ ما يُهدى إليه من أرضنا الأَدَمُ، فجمعنا أَدَمًا كثيرًا، ثم خرجنا حتى قدمنا على النجاشيِّ، فوالله إنَّا لعنده إذ جاء عمرو بن أُمَيَّة الضَّمْرِيّ، وكان رسولُ الله ﷺ قد بعثه بكتابٍ كَتَبَهُ، يُزَوِّجُه أُمَّ حَبيبة بنت أبي سُفيان، فدخل عليه ثم خرج من عنده، فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أُمَيَّة، ولو قد دخلت على النجاشيِّ فسألته إيَّاه فأعطانيه فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك سَرَرْتُ قريشًا، وكنت قد أجزأْتُ عنها حين قتلت رسول محمد. فدخلت على النجاشيِّ فسجدت له كما كنت أصنع، فقال: مرحبًا بصديقي، أهديت لي من بلادك شيئًا؟ قال: قلت: نعم أيها الملك، أهديت لك أدمًا كثيرًا. ثُمَّ قدَّمته فاعجبه، وفرَّق منه شيئًا بين بطارقته، وأمر بسائره فأدخل في موضع، وأمر أن يكتب ويحتفظ به، فلما رأيت طيب نفسه قلت: أيها الملك، إني قد رأيت رجلًا خرج من عندك، وهو رسول عدوٍّ لنا قد وترنا، وقتل أشرافنا وخيارنا، فأعطنيه فأقتله. فغضب من ذلك، ورفع يده فضرب بها أنفي ضربة ظننت أنَّه كسره، فابتدر منخِراي، فجعلت أتلقَّى الدَّم بثيابي، فأصابني من الذُّلِّ ما لو انشقَّت بي الأرض دخلت فيها؛ فرَقًا منه. ثم قلت: أيها الملك، لو ظننت أنَك تكره ما قلت ما سألتك. قال: فاستحيا وقال: يا عمرو، تسألني أن أعطيك رسول من يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، والذي كان يأتي عيسى لتقتله؟ قال عمرو: فغيَّر الله قلبي عمَّا كنت عليه، وقلت في نفسي: عرف هذا الحقَّ العرب والعجم وتخالف أنت؟ ثم قلت: أتشهد أيُّها الملك بهذا؟ قال: نعم، أشهد به عند الله يا عمرو، فاطعني واتَّبعه، فوالله إنَّه لعلى الحقِّ، وليظهرن على من خالفه، كما ظهر موسى على فرعون وجنوده. قلت: أتبايعني له على الإسلام؟ قال: نعم. فبسط يده فبايعني على الإسلام، ثم دعا بطَست، فغسل عني الدم وكساني ثيابًا، وكانت ثيابي قد امتلأت بالدّم فألقيتها، ثم خرجت على أصحابي، فلمَّا رأوا كسوة النجاشيِّ سُرُّوا بذلك وقالوا: هل أدركت من صاحبك ما أردت؟ فقلت لهم: كرهت أن أكلِّمه في أول مرة، وقلت: أعود إليه. فقالوا: الرأي ما رأيت. قال: ففارقتهم وكأنِّي أعمد لحاجة، فعمدت إلى موضع السُّفن، فأجد سفينة قد شحنت تدفع. قال: فركبت معهم ودفعوها، حتى انتهوا إلى الشُعيبة، وخرجت من السفينة ومعي نفقة، فابتعت بعيرًا، وخرجت أريد المدينة، حتى مررت على مرِّ الظَّهران، ثم مضيت، حتى إذا كنت بالهدَة، فإذا رجلان قد سبقاني بغير كثير يريدان منزلًا، وأحدهما داخل في الخيمة، والآخر يمسك الرَّاحلتين. قال: فنظرت فإذا خالد بن الوليد. قال: قلت: أين تريد؟ قال: محمدًا؛ دخل الناس في الإسلام، فلم يبق أحد به طعم، والله لو أقمت لأُخذ برقابنا كما يؤخذ برقبة الضَّبع في مغارتها. قلت: وأنا والله قد أردت محمدًا، وأردت الإسلام. فخرج عثمان بن طلحة فرحَّب بي، فنزلنا جميعًا في المنزل، ثم ترافقنا حتى أتينا المدينة، فما أنسى قول رجل لقيناه ببئر أبي عنبة يصيح: يا رباح،

стр. 1960

يا رباح، يا رباح. فتفاءلنا بقوله وسررنا، ثم نظر إلينا فأسمعه يقول: قد أعطت مكة المقادة بعد هذين. فظننت أنه يعنيني ويعني خالد بن الوليد، وولَّى مدبرًا إلى المسجد سريعًا، فظننت أنَّه بشَّر رسول الله ﷺ بقدومنا، فكان كما ظننت، وأنخنا بالحرَّة، فلبسنا من صالح ثيابنا، ثم نودي بالعصر، فانطلقنا حتى اطَّلعنا عليه وإنَّ لوجهه تهلُّلًا، والمسلمون حوله قد سُرُّوا بإسلامنا، فتقدَّم خالد بن الوليد فبايع، ثم تقدَّم عثمان بن طلحة فبايع، ثم تقدَّمتُ، فوالله ما هو إلا أن جلست بين يديه، فما استطعت أن أرفع طرفي [إليه] حياء منه. قال: فبايعته على أن يغفر لي ما تقدَّم من ذنبي، ولم يحضرني ما تأخَّر، فقال: "إنَّ الإسلام يجبُّ ما كان قبله، والهجرة تجبُّ ما كان قبلها". قال: فوالله ما عدل بي رسول الله ﷺ وبخالد بن الوليد أحدًا من أصحابه في أمر حزَبه منذ أسلمنا، ولقد كنَّا عند أبي بكر بتلك المنزلة، ولقد كنت عند عمر بتلك الحالة، وكان عمر على خالد كالعاتب. قال عبد الحميد بن جعفر شيخ الواقديِّ (١): فذكرت هذا الحديث ليزيد بن أبي حبيب، فقال: أخبرني راشد مولى حبيب بن أبي أوس الثقفيِّ، عن مولاه حبيب، عن عمرو بن العاص نحو ذلك. قلت: كذلك رواه محمد بن إسحاق (٢)، عن يزيد بن أبي حبيب، عن راشد، عن مولاه حبيب قال: حدَّثني عمرو بن العاص مِن فيه. فذكر ما تقدَّم في سنة خمس بعد مقتل أبي رافع. وسياق الواقديِّ أبسط وأحسن. قال الواقديُّ، عن شيخه عبد الحميد: فقلت ليزيد بن أبي حبيب: وقَّت لك متى قدم عمرو وخالد؟ قال: لا، إلا أنَّه قال: قبل الفتح. قلت: فإنَّ أبي أخبرني أنَّ عَمْرًا وخالدًا وعثمان بن طلحة قدموا لهلال صفر سنة ثمان. وسيأتي عند وفاة عمرو من "صحيح مسلم" (٣) ما يشهد لسياق إسلامه، وكيفية حُسن صحبته لرسول الله ﷺ مدة حياته، وكيف مات وهو يتأسَّف على ما كان منه في مدة مباشرته الإمارة بعده، ﵊، وصفة موته، ﵁. * * *

стр. 1961

طريقُ إسلام خالد بن الوليد قال الواقديُّ (١): حدَّثني يحيى بن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: سمعت أبي يحدِّث عن خالد بن الوليد قال: لمَّا أراد الله بي ما أراد من الخير، قذف في قلبي الإسلام، وحضرني رُشدي، فقلت: قد شهدت هذه المواطن كلَّها على محمد ﷺ ، فليس [في] موطن أشهده إلا أنصرف وأنا أرى في نفسي أنِّي مُوضع في غير شيء، وأنَّ محمدًا سيظهر، فلمَّا خرج رسول الله ﷺ إلى الحُديبية خرجت في خيل من المشركين، فلقيت رسول الله ﷺ في أصحابه بعسفان، فقمت بإزائه وتعرَّضت [له] فصلَّى باصحابه الظُّهر أمامنا، فهممنا أن نغير عليهم، ثم لم يعزم لنا - وكانت فيه خِيَرة - فاطَّلع على ما في أنفسنا من الهمِّ به، فصلَّى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف، فوقع ذلك منَّا موقعًا، وقلت: الرجل ممنوع. فاعتزلَنا وعدل عن سير خيلنا، وأخذ ذات اليمين، فلمَّا صالح قريشًا بالحديبية، ودافعته قريش بالراح، قلت في نفسي: أيُّ شيء بقي؟ أين المذهب؟ إلى النجاشيِّ؟ فقد اتَّبع محمدًا، وأصحابه عنده آمنون، فأخرج إلى هرقل؟ فأخرج من ديني إلى نصرانيَّة أو يهودية، فأقيم مع عجم تابعًا، فأقيم في داري [فيمن بقي؟] فأنا في ذلك إذ دخل رسول الله ﷺ مكة في عمرة القضيَّة، فتغيَّبت ولم أشهد دخوله، وكان أخي الوليد بن الوليد قد دخل مع النبي ﷺ في عمرة القضيَّة، فطلبني فلم يجدني، فكتب إليَّ كتابًا، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، أمَّا بعد، فإنِّي لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام وعقلك عقلك! ومثل الإسلام جهله أحد؟! وقد سألني رسول الله ﷺ عنك، وقال: "أين خالد؟ " فقلت: يأتي الله به. فقال: " [ما] مثله جهل الإسلام، ولو كان جعل نكايته وحدَّه مع المسلمين كان خيرًا [له] ولقدَّمناه على غيره". فاستدرك يا أخي ما قد فاتك، فقد فاتك مواطن صالحة. قال: فلمَّا جاءني كتابه نشطت للخروج، وزادني رغبة في الإسلام، وسرَّني سؤال رسول الله ﷺ عني، وأرى في النوم كأنِّي في بلاد ضيِّقة مجدبة، فخرجت إلى بلاد خضراء واسعة، فقلت: إنَّ هذه لرؤيا، فلمَّا أن قدمت المدينة قلت: لأذكرنَّها لأبي بكر. فقال: مخرجك الذي هداك الله [للإسلام] والضِّيق الذي كنت فيه [من] الشرك. [قال:] فلمَّا أجمعت الخروج إلى رسول الله ﷺ ، قلت: من أُصاحب إلى رسول الله ﷺ ؟ فلقيت صفوان بن أُميَّة، فقلت: يا أبا وهب، أما ترى ما نحن فيه، إنَّما نحن كأضراس، وقد ظهر محمد على العرب والعجم، فلو قدمنا على محمد واتَّبعناه؛ فإنَّ شرف محمد لنا شرف. فأبى أشدَّ الإباء، فقال: لو لم يبق غيري ما اتَّبعته [أبدًا].

стр. 1962

فافترقنا، وقلت: هذا رجل قتل أبوه وأخوه ببدر. فلقيت عكرمة بن أبي جهل، فقلت له مثل ما قلت لصفوان بن أمية، فقال لي مثل ما قال صفوان بن أمية، قلت: فاكتم عليَّ. قال: لا أذكره. فخرجت إلى منزلي، فأمرت براحلتي، فخرجت بها إلى أن لقيت عثمان بن طلحة، فقلت: إنَّ هذا لي صديق، فلو ذكرت له ما أرجو. ثم ذكرت من قتل من آبائه، فكرهت أن أذكِّره، ثم قلت: وما عليَّ وأنا راحل من ساعتي. فذكرت له ما صار الأمر إليه، فقلت: إنما نحن بمنزلة ثعلب في جُحر، لو صبَّ فيه ذنوب من ماءٍ لخرج. وقلت له نحوًا ممَّا قلت لصاحبيَّ، فأسرع الإجابة، وقال: إنِّي غدوت اليوم وأنا أريد أن أغدوَ، وهذه راحلتي بفخٍّ مناخةً. قال: فاتَّعدت أنا وهو يأجَج؛ إن سبقني أقام، وإن سبقته أقمت [عليه]. قال: فأدلجنا سَحَرًا، فلم يطلع الفجر حتى التقينا بيأجج، فغدونا حتى انتهينا إلى الهدَة، فنجد عمرو بن العاص بها فقال: مرحبًا بالقوم. فقلنا: وبك. فقال: إلى أين مسيركم؟ فقلنا: وما أخرجك؟ فقال: وما أخرجكم؟ قلنا: الدخول في الإسلام واتّباع محمد ﷺ . قال: وذاك الذي أقدمني. فاصطحبنا جميعًا حتى دخلنا المدينة، فأنخنا بظهر الحرًّة ركابنا، فأُخبر بنا رسول الله ﷺ فسُرَّ بنا، فلبست من صالح ثيابي، ثم عمدت إلى رسول الله ﷺ فلقيني أخي، فقال: أسرع، فإنَّ رسول الله ﷺ قد أُخبر بك، فسرَّ بقدومك، وهو ينتظركم. فأسرعنا المشي، فاطَّلعت عليه، فما زال يتبسَّم إليَّ حتى وقفت عليه، فسلَّمت عليه بالنبوة، فردَّ عليَّ السلام بوجه طلق، فقلت: إنِّي أشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّك رسول الله. فقال: "تعال". ثم قال رسول الله ﷺ : "الحمد لله الذي هداك، وقد كنت أرى لك عقلًا رجوت أن لا يسلمك إلا إلى خير". قلت: يا رسول الله، قد رأيتَ ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك معاندًا للحقِّ، فادع الله [أن] يغفرها لي. فقال رسول الله ﷺ : "الإسلام يجبُّ ما كان قبله". قلت: يا رسول الله، على ذلك؟ قال: "اللهمَّ اغفر لخالد بن الوليد كلَّ ما أَوْضَعَ فيه من صدٍّ عن سبيلك". قال خالد: وتقدَّم عثمان وعمرو فبايعا رسول الله ﷺ . قال: وكان قدومنا في صفر سنة ثمان. قال: فوالله ما كان رسول الله ﷺ يعدل بي أحدًا من أصحابه فيما حزبه. * * * سريَّة شُجَاع بن وَهْب الأسديِّ إلى نفرٍ من هَوازِن قال الواقديُّ (١): [حدثني] ابن أبي سَبْرَة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فَرْوَة، عن عمر بن

стр. 1963

الحكم قال: بعث رسول الله ﷺ شُجَاع بن وَهْبٍ في أربعة وعشرين رجلًا إلى جمع من هَوازِن، وأمره أن يغير عليهم، فخرج وكان يسير الليل ويكمن النهار، حتى صبَّحهم غارِّين، وقد أوعز إلى أصحابه أن لا يُمعِنوا في الطَّلب، فأصابوا نَعَمًا كثيرًا وشاءً، فاستاقُوا ذلك حتى قدموا المدينة، فكانت سهامهم خمسة عشر بعيرا، كلَّ رجلٍ. وزعم غيره أنَّهم أصابوا سبيًا أيضًا، وأنَّ الأمير اصطفى منه جارية وضيئة، ثم قدم أهلوهم مسلمين، فشاور النبيُّ ﷺ أميرهم في ردِّهن إليهم، فقال: نعم. فردُّوهن، وخيَّر [الجارية] (١) التي عنده فاختارت المقام عنده. وقد تكون هذه السريَّة هي المذكورة فيما رواه الشافعيُّ (٢)، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنَّ رسول الله ﷺ بعث سريَّة قِبل نجد، فكان فيهم عبد الله بن عمر. قال: فأصبنا إبلًا كثيرًا، فبلغت سهامنا اثني عشر بعيرًا، ونفَّلنا رسول الله ﷺ بعيرًا بعيرًا. أخرجاه في "الصحيحين" من حديث مالك، ورواه مسلم أيضًا من حديث الليث، ومن حديث عبيد الله، كلُّهم عن نافع، عن ابن عمر، بنحوه (٣). وقال أبو داود (٤): حدَّثنا هنَّاد، حدَّثنا عبدة، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال: بعث رسول الله ﷺ سرية إلى نجد، فخرجتُ فيها، فأصبنا نعمًا كثيرًا فنفلنا أميرنا بعيرًا بعيرًا لكلِّ إنسان، ثم قدمنا على رسول الله ﷺ فقسم بيننا غنيمتنا، فأصاب كلُّ رجل منا اثني عشر بعيرًا بعد الخمس، وما حاسبنا رسول الله ﷺ بالذي أعطانا صاحبنا، ولا عاب عليه ما صنع، فكان لكلٍّ منا ثلاثة عشر بعيرًا بنفله (٥). سريَّة كعب بن عُمَير إلى بني قُضَاعَة من أرض الشام قال الواقديُّ (٦): حدَّثنا محمد بن عبد الله، [عن] الزُّهْريِّ، قال: بعث رسول الله ﷺ كَعْبَ بن عُمير الغِفَاريَّ في خمسة عشر رجلًا، حتى انتهَوا إلى ذات أطلاح (٧) من الشام، فوجدوا جمعًا من جمعهم كثيرًا، فدعوهم إلى الإسلام، فلم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنَّبل، فلمَّا رأى ذلك أصحاب رسول الله ﷺ ،

стр. 1964

قاتلوهم أشدَّ القتال حتى قُتلوا، فأفلت منهم رجل جريح في القتلى، فلمَّا أن برد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله ﷺ ، فهمَّ بالبعثة إليهم، فبلغه أنهم ساروا إلى موضع آخر. * * * غزوة مُؤْتَةَ (١) وهي سَرِية زيد بن حارثة، في نحو من ثلاثة آلاف، إلى أرض البلقاء مِنْ أرض الشام. قال [محمد] بن إسحاق (٢) بعد قصة عُمْرَة القضيَّة: فأقام رسول الله ﷺ بالمدينة بقية ذي الحجَّة - وولي تلك الحجة المشركون - والمحرَّم وصفرًا وشهري ربيع، وبعث في جمادى الأولى بَعْثَه إلى الشام، الذين أصيبوا بمؤتة، فحدَّثني محمد بن جعفر بن الزُّبير، عن عُروة بن الزُّبير قال: بعث رسول الله ﷺ بعثه إلى مُؤْتَةَ في جمادى الأولى من سنة ثمان، واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: "إن أُصيِبَ زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أُصيب جعفر فعبد الله بن رَوَاحَة على النّاس". فتجهَّز الناس ثم تهيَّؤوا للخروج، وهم ثلاثة آلاف. وقال الواقديُّ (٣): حدَّثني ربيعة بن عُثمان، عن عمر بن الحكم، عن أبيه قال: جاء النُّعمان بن فُنْحُصٍ اليهوديُّ، فوقف على رسول الله ﷺ مع الناس، فقال رسول الله ﷺ : "زيد بن حارثة أمير الناس، فإن قتل زيد فجعفر بن أبي طالب، فمان قتل جعفر فعبد الله بن رَوَاحَة، فإن قتل عبد الله بن رَوَاحَة فليرتض المسلمون بينهم رجلًا، فليجعلوه عليهم". فقال النُّعمان: أبا القاسم، إن كنت نبيًّا، فلو سمَّيت من سمَّيت قليلًا أو كثيرًا، أُصيبوا [جميعًا]، إن الأنبياء من بني إسرائيل كانوا إذا سمَّوا الرجل على القوم، فقالوا: إن أُصيب فلان

стр. 1965

ففلان. فلو سمَّوا مئة أُصيبوا جميعًا. ثم جعل اليهوديُّ يقول لزيد: اعهد فإنَّك لا ترجع أبدًا، إن كان محمد نبيًّا. فقال زيد: أشهد أنه نبيٌّ صادق بارٌّ. رواه البيهقيُّ (١). قال ابن إسحاق (٢): فلما حضر خروجهم، ودَّع الناس أمراء رسول الله ﷺ وسلَّموا عليهم، فلمَّا ودِّع عبد الله بن رواحة مع من وُدَّع بكى، فقالوا: ما يبكيك يا بن رواحة؟ فقال: أما والله ما بي حبُّ الدنيا ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١]، فلست أدري كيف لي بالصَّدر بعد الورود؟ فقال المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم، وردَّكم إلينا صالحين. فقال عبد الله بن رواحة (٣): [من البسيط] لكنَّني أسأل الرحمنَ مغفرةً … وضربةً ذات فَرْغٍ تَقْذِفُ الزَّبَدا أو طعنةً بيدَي حرَّان مُجْهِرَةً … بحربةٍ تُنْفِذُ الأحشاءَ والكَبِدا حتى يُقَال إذا مَرُّوا على جَدَثي … أرشَدَهُ الله من غازٍ وقد رَشَدا قال ابن إسحاق (٤): ثم إن القوم تهيَّؤوا للخروج، فأتى عبد الله بن رواحة رسول الله ﷺ ، فودَّعه ثم قال (٥): [من البسيط] فَثَبَّتَ الله مَا آتَاكَ مِنْ حَسَنٍ … تثبيتَ موسى ونصرًا كالذي نُصِرُوا إنِّي تَفَرَّسْتُ فيك الخَيْرَ نافلةً (٦) … الله يَعْلَمُ أني ثابتُ البَصَرِ (٧) أَنْتَ الرَّسُولُ فَمَنْ يُحْرَمْ نَوَافِلَهُ … والوَجْهَ منه فقد أزرى به القَدَرُ قال ابن إسحاق (٨): ثم خرج القوم وخرج رسول الله ﷺ يشيِّعهم، حتى إذا ودَّعهم وانصرف قال عبد الله بن رواحة (٩): [من الكامل] خَلَفَ السَّلامُ عَلَى امرئٍ وَدَّعْتُهُ … في النَّخْلِ خَيْرِ مُشَيِّع وَخَلِيْلِ
следующие страницы →