← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

طريقُ إسلام خالد بن الوليد قال الواقديُّ (١): حدَّثني يحيى بن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: سمعت أبي يحدِّث عن خالد بن الوليد قال: لمَّا أراد الله بي ما أراد من الخير، قذف في قلبي الإسلام، وحضرني رُشدي، فقلت: قد شهدت هذه المواطن كلَّها على محمد ﷺ ، فليس [في] موطن أشهده إلا أنصرف وأنا أرى في نفسي أنِّي مُوضع في غير شيء، وأنَّ محمدًا سيظهر، فلمَّا خرج رسول الله ﷺ إلى الحُديبية خرجت في خيل من المشركين، فلقيت رسول الله ﷺ في أصحابه بعسفان، فقمت بإزائه وتعرَّضت [له] فصلَّى باصحابه الظُّهر أمامنا، فهممنا أن نغير عليهم، ثم لم يعزم لنا - وكانت فيه خِيَرة - فاطَّلع على ما في أنفسنا من الهمِّ به، فصلَّى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف، فوقع ذلك منَّا موقعًا، وقلت: الرجل ممنوع. فاعتزلَنا وعدل عن سير خيلنا، وأخذ ذات اليمين، فلمَّا صالح قريشًا بالحديبية، ودافعته قريش بالراح، قلت في نفسي: أيُّ شيء بقي؟ أين المذهب؟ إلى النجاشيِّ؟ فقد اتَّبع محمدًا، وأصحابه عنده آمنون، فأخرج إلى هرقل؟ فأخرج من ديني إلى نصرانيَّة أو يهودية، فأقيم مع عجم تابعًا، فأقيم في داري [فيمن بقي؟] فأنا في ذلك إذ دخل رسول الله ﷺ مكة في عمرة القضيَّة، فتغيَّبت ولم أشهد دخوله، وكان أخي الوليد بن الوليد قد دخل مع النبي ﷺ في عمرة القضيَّة، فطلبني فلم يجدني، فكتب إليَّ كتابًا، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، أمَّا بعد، فإنِّي لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام وعقلك عقلك! ومثل الإسلام جهله أحد؟! وقد سألني رسول الله ﷺ عنك، وقال: "أين خالد؟ " فقلت: يأتي الله به. فقال: " [ما] مثله جهل الإسلام، ولو كان جعل نكايته وحدَّه مع المسلمين كان خيرًا [له] ولقدَّمناه على غيره". فاستدرك يا أخي ما قد فاتك، فقد فاتك مواطن صالحة. قال: فلمَّا جاءني كتابه نشطت للخروج، وزادني رغبة في الإسلام، وسرَّني سؤال رسول الله ﷺ عني، وأرى في النوم كأنِّي في بلاد ضيِّقة مجدبة، فخرجت إلى بلاد خضراء واسعة، فقلت: إنَّ هذه لرؤيا، فلمَّا أن قدمت المدينة قلت: لأذكرنَّها لأبي بكر. فقال: مخرجك الذي هداك الله [للإسلام] والضِّيق الذي كنت فيه [من] الشرك. [قال:] فلمَّا أجمعت الخروج إلى رسول الله ﷺ ، قلت: من أُصاحب إلى رسول الله ﷺ ؟ فلقيت صفوان بن أُميَّة، فقلت: يا أبا وهب، أما ترى ما نحن فيه، إنَّما نحن كأضراس، وقد ظهر محمد على العرب والعجم، فلو قدمنا على محمد واتَّبعناه؛ فإنَّ شرف محمد لنا شرف. فأبى أشدَّ الإباء، فقال: لو لم يبق غيري ما اتَّبعته [أبدًا].

стр. 1962

فافترقنا، وقلت: هذا رجل قتل أبوه وأخوه ببدر. فلقيت عكرمة بن أبي جهل، فقلت له مثل ما قلت لصفوان بن أمية، فقال لي مثل ما قال صفوان بن أمية، قلت: فاكتم عليَّ. قال: لا أذكره. فخرجت إلى منزلي، فأمرت براحلتي، فخرجت بها إلى أن لقيت عثمان بن طلحة، فقلت: إنَّ هذا لي صديق، فلو ذكرت له ما أرجو. ثم ذكرت من قتل من آبائه، فكرهت أن أذكِّره، ثم قلت: وما عليَّ وأنا راحل من ساعتي. فذكرت له ما صار الأمر إليه، فقلت: إنما نحن بمنزلة ثعلب في جُحر، لو صبَّ فيه ذنوب من ماءٍ لخرج. وقلت له نحوًا ممَّا قلت لصاحبيَّ، فأسرع الإجابة، وقال: إنِّي غدوت اليوم وأنا أريد أن أغدوَ، وهذه راحلتي بفخٍّ مناخةً. قال: فاتَّعدت أنا وهو يأجَج؛ إن سبقني أقام، وإن سبقته أقمت [عليه]. قال: فأدلجنا سَحَرًا، فلم يطلع الفجر حتى التقينا بيأجج، فغدونا حتى انتهينا إلى الهدَة، فنجد عمرو بن العاص بها فقال: مرحبًا بالقوم. فقلنا: وبك. فقال: إلى أين مسيركم؟ فقلنا: وما أخرجك؟ فقال: وما أخرجكم؟ قلنا: الدخول في الإسلام واتّباع محمد ﷺ . قال: وذاك الذي أقدمني. فاصطحبنا جميعًا حتى دخلنا المدينة، فأنخنا بظهر الحرًّة ركابنا، فأُخبر بنا رسول الله ﷺ فسُرَّ بنا، فلبست من صالح ثيابي، ثم عمدت إلى رسول الله ﷺ فلقيني أخي، فقال: أسرع، فإنَّ رسول الله ﷺ قد أُخبر بك، فسرَّ بقدومك، وهو ينتظركم. فأسرعنا المشي، فاطَّلعت عليه، فما زال يتبسَّم إليَّ حتى وقفت عليه، فسلَّمت عليه بالنبوة، فردَّ عليَّ السلام بوجه طلق، فقلت: إنِّي أشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّك رسول الله. فقال: "تعال". ثم قال رسول الله ﷺ : "الحمد لله الذي هداك، وقد كنت أرى لك عقلًا رجوت أن لا يسلمك إلا إلى خير". قلت: يا رسول الله، قد رأيتَ ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك معاندًا للحقِّ، فادع الله [أن] يغفرها لي. فقال رسول الله ﷺ : "الإسلام يجبُّ ما كان قبله". قلت: يا رسول الله، على ذلك؟ قال: "اللهمَّ اغفر لخالد بن الوليد كلَّ ما أَوْضَعَ فيه من صدٍّ عن سبيلك". قال خالد: وتقدَّم عثمان وعمرو فبايعا رسول الله ﷺ . قال: وكان قدومنا في صفر سنة ثمان. قال: فوالله ما كان رسول الله ﷺ يعدل بي أحدًا من أصحابه فيما حزبه. * * * سريَّة شُجَاع بن وَهْب الأسديِّ إلى نفرٍ من هَوازِن قال الواقديُّ (١): [حدثني] ابن أبي سَبْرَة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فَرْوَة، عن عمر بن

стр. 1963

الحكم قال: بعث رسول الله ﷺ شُجَاع بن وَهْبٍ في أربعة وعشرين رجلًا إلى جمع من هَوازِن، وأمره أن يغير عليهم، فخرج وكان يسير الليل ويكمن النهار، حتى صبَّحهم غارِّين، وقد أوعز إلى أصحابه أن لا يُمعِنوا في الطَّلب، فأصابوا نَعَمًا كثيرًا وشاءً، فاستاقُوا ذلك حتى قدموا المدينة، فكانت سهامهم خمسة عشر بعيرا، كلَّ رجلٍ. وزعم غيره أنَّهم أصابوا سبيًا أيضًا، وأنَّ الأمير اصطفى منه جارية وضيئة، ثم قدم أهلوهم مسلمين، فشاور النبيُّ ﷺ أميرهم في ردِّهن إليهم، فقال: نعم. فردُّوهن، وخيَّر [الجارية] (١) التي عنده فاختارت المقام عنده. وقد تكون هذه السريَّة هي المذكورة فيما رواه الشافعيُّ (٢)، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنَّ رسول الله ﷺ بعث سريَّة قِبل نجد، فكان فيهم عبد الله بن عمر. قال: فأصبنا إبلًا كثيرًا، فبلغت سهامنا اثني عشر بعيرًا، ونفَّلنا رسول الله ﷺ بعيرًا بعيرًا. أخرجاه في "الصحيحين" من حديث مالك، ورواه مسلم أيضًا من حديث الليث، ومن حديث عبيد الله، كلُّهم عن نافع، عن ابن عمر، بنحوه (٣). وقال أبو داود (٤): حدَّثنا هنَّاد، حدَّثنا عبدة، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال: بعث رسول الله ﷺ سرية إلى نجد، فخرجتُ فيها، فأصبنا نعمًا كثيرًا فنفلنا أميرنا بعيرًا بعيرًا لكلِّ إنسان، ثم قدمنا على رسول الله ﷺ فقسم بيننا غنيمتنا، فأصاب كلُّ رجل منا اثني عشر بعيرًا بعد الخمس، وما حاسبنا رسول الله ﷺ بالذي أعطانا صاحبنا، ولا عاب عليه ما صنع، فكان لكلٍّ منا ثلاثة عشر بعيرًا بنفله (٥). سريَّة كعب بن عُمَير إلى بني قُضَاعَة من أرض الشام قال الواقديُّ (٦): حدَّثنا محمد بن عبد الله، [عن] الزُّهْريِّ، قال: بعث رسول الله ﷺ كَعْبَ بن عُمير الغِفَاريَّ في خمسة عشر رجلًا، حتى انتهَوا إلى ذات أطلاح (٧) من الشام، فوجدوا جمعًا من جمعهم كثيرًا، فدعوهم إلى الإسلام، فلم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنَّبل، فلمَّا رأى ذلك أصحاب رسول الله ﷺ ،

стр. 1964

قاتلوهم أشدَّ القتال حتى قُتلوا، فأفلت منهم رجل جريح في القتلى، فلمَّا أن برد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله ﷺ ، فهمَّ بالبعثة إليهم، فبلغه أنهم ساروا إلى موضع آخر. * * * غزوة مُؤْتَةَ (١) وهي سَرِية زيد بن حارثة، في نحو من ثلاثة آلاف، إلى أرض البلقاء مِنْ أرض الشام. قال [محمد] بن إسحاق (٢) بعد قصة عُمْرَة القضيَّة: فأقام رسول الله ﷺ بالمدينة بقية ذي الحجَّة - وولي تلك الحجة المشركون - والمحرَّم وصفرًا وشهري ربيع، وبعث في جمادى الأولى بَعْثَه إلى الشام، الذين أصيبوا بمؤتة، فحدَّثني محمد بن جعفر بن الزُّبير، عن عُروة بن الزُّبير قال: بعث رسول الله ﷺ بعثه إلى مُؤْتَةَ في جمادى الأولى من سنة ثمان، واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: "إن أُصيِبَ زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أُصيب جعفر فعبد الله بن رَوَاحَة على النّاس". فتجهَّز الناس ثم تهيَّؤوا للخروج، وهم ثلاثة آلاف. وقال الواقديُّ (٣): حدَّثني ربيعة بن عُثمان، عن عمر بن الحكم، عن أبيه قال: جاء النُّعمان بن فُنْحُصٍ اليهوديُّ، فوقف على رسول الله ﷺ مع الناس، فقال رسول الله ﷺ : "زيد بن حارثة أمير الناس، فإن قتل زيد فجعفر بن أبي طالب، فمان قتل جعفر فعبد الله بن رَوَاحَة، فإن قتل عبد الله بن رَوَاحَة فليرتض المسلمون بينهم رجلًا، فليجعلوه عليهم". فقال النُّعمان: أبا القاسم، إن كنت نبيًّا، فلو سمَّيت من سمَّيت قليلًا أو كثيرًا، أُصيبوا [جميعًا]، إن الأنبياء من بني إسرائيل كانوا إذا سمَّوا الرجل على القوم، فقالوا: إن أُصيب فلان

стр. 1965

ففلان. فلو سمَّوا مئة أُصيبوا جميعًا. ثم جعل اليهوديُّ يقول لزيد: اعهد فإنَّك لا ترجع أبدًا، إن كان محمد نبيًّا. فقال زيد: أشهد أنه نبيٌّ صادق بارٌّ. رواه البيهقيُّ (١). قال ابن إسحاق (٢): فلما حضر خروجهم، ودَّع الناس أمراء رسول الله ﷺ وسلَّموا عليهم، فلمَّا ودِّع عبد الله بن رواحة مع من وُدَّع بكى، فقالوا: ما يبكيك يا بن رواحة؟ فقال: أما والله ما بي حبُّ الدنيا ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١]، فلست أدري كيف لي بالصَّدر بعد الورود؟ فقال المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم، وردَّكم إلينا صالحين. فقال عبد الله بن رواحة (٣): [من البسيط] لكنَّني أسأل الرحمنَ مغفرةً … وضربةً ذات فَرْغٍ تَقْذِفُ الزَّبَدا أو طعنةً بيدَي حرَّان مُجْهِرَةً … بحربةٍ تُنْفِذُ الأحشاءَ والكَبِدا حتى يُقَال إذا مَرُّوا على جَدَثي … أرشَدَهُ الله من غازٍ وقد رَشَدا قال ابن إسحاق (٤): ثم إن القوم تهيَّؤوا للخروج، فأتى عبد الله بن رواحة رسول الله ﷺ ، فودَّعه ثم قال (٥): [من البسيط] فَثَبَّتَ الله مَا آتَاكَ مِنْ حَسَنٍ … تثبيتَ موسى ونصرًا كالذي نُصِرُوا إنِّي تَفَرَّسْتُ فيك الخَيْرَ نافلةً (٦) … الله يَعْلَمُ أني ثابتُ البَصَرِ (٧) أَنْتَ الرَّسُولُ فَمَنْ يُحْرَمْ نَوَافِلَهُ … والوَجْهَ منه فقد أزرى به القَدَرُ قال ابن إسحاق (٨): ثم خرج القوم وخرج رسول الله ﷺ يشيِّعهم، حتى إذا ودَّعهم وانصرف قال عبد الله بن رواحة (٩): [من الكامل] خَلَفَ السَّلامُ عَلَى امرئٍ وَدَّعْتُهُ … في النَّخْلِ خَيْرِ مُشَيِّع وَخَلِيْلِ

стр. 1966

وقال الإمام أحمد (١): ثنا عبد الله بن محمد، ثنا أبو خالد الأحمر، عن الحجَّاج، عن الحكم، عن مِقْسَم، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ بعث إلى مُؤْتَة، فاستعمل زيدًا، فإن قُتل زيدٌ فجعفر، فإن قُتل جعفر فابنُ رَوَاحَة، فتخلَّف ابن رَوَاحَة، فجمَّع مع النبي ﷺ ، فرآه فقال: "مَا خَلَّفك؟ " فقال: أُجمِّع معك. قال: "لَغَدْوَةٌ أو رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فيْهَا". وقال أحمد (٢): ثنا معاوية، ثنا الحَجَّاج، عن الحَكَم، عن مِقْسَم، عن ابن عباس قال: بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن رَوَاحَة في سرية، فوافق ذلك يوم الجمعة. قال: فقدَّم أصحابه، وقال: أتخلَّف فأصلِّي مع رسول الله ﷺ الجمعة، ثم ألحقهم. قال: فلمَّا صلَّى رسول الله ﷺ رآه فقال: "ما مَنَعَكَ أن تغدوَ مع أصحابك؟ " قال: فقال: أردت أن أُصليَ معك الجمعة، ثم ألحقهم. قال: فقال رسول الله ﷺ :" لَو أَنْفَقْتَ ما في الأرض جَميعًا مَا أَدْرَكْتَ غَدْوَتَهُمْ". وهذا الحديث قد رواه الترمذيُّ (٣) من حديث أبي مُعَاوية، عن الحَجَّاج - وهو ابن أرطاة - ثم علَّله الترمذيُّ بما حكاه عن شُعْبَة أنه قال: لم يسمع الحكم عن مِقْسَم إلّا خمسة أحاديث، وليس هذا منها. قلت: والحجَّاج بن أرطاة في روايته نظر، والله أعلم، والمقصود من إيراد هذا الحديث، أنه يقتضي أن خروج الأمراء إلى مُؤْتَةَ كان في يوم جمعة، والله أعلم. قال ابن إسحاق (٤): ثم مضوا حتى نزلوا مَعَان من أرض الشام (٥)، فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآبّ (٦) من أرض البلقاء، في مئة ألف من الرُّوم، وانضمَّ إليه من لخْم وجذام والقين وبهراء وبليٍّ مئة ألف منهم، عليهم رجل من بليٍّ، ثم أحد إراشة، يقال له: مالك بن زافلة - وفي رواية يونس، عن ابن إسحاق: فبلغهم أن هرقل نزل بمآب، في مئة ألف من الرُّوم ومئة ألف من المستعربة [وقيل: كان الرُّوم مئتي ألف، ومَن عداهم خمسون ألفًا. وأقلُّ ما قيل: إن الرُّوم كانوا مئة ألف، ومن العرب خمسون ألفًا. حكاه السُّهَيليُّ (٧)] فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معانَ ليلتين ينظرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ نخبره بعدد عدوِّنا؛ فإما أن يمدَّنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضيَ

стр. 1967

له. قال: فشجَّع الناس عبد الله بن رَوَاحة وقال: يا قوم، والله إن التي تكرهون لَلتي خرجتم تطلبون؛ الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدِّين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين؛ إما ظهور وإما شهادة. قال: فقال الناس: قد والله صدق ابن رَوَاحة، فمضى الناس، فقال عبد الله بن رَوَاحَة في محبسهم ذلك (١): [من الوافر] جَلَبْنَا الخيل من أجإٍ وَفَرْعٍ … تُغَرُّ من الحشيش لها العُكُومُ حَذْونَاهَا من الصَّوَّان سِبْتًا … أَزَلَّ كأَنَّ صَفْحَتَهُ أَديمُ أقَامتْ ليلتينِ على معانٍ … فاُعقب بعد فَتْرَتِهَا جُمُومُ فَرُحْنَا والجيادُ مُسوَّمات … تنفَّسُ في مناخِرِهَا السَّمُومُ فلا وأبي مآبَ لنأتينها .. وإن كَانَتْ بها عَرَبٌ ورُوْمُ فعبَّأنا أَعنَّتها فَجَاءَتْ … عوابسَ والغبارُ لها بريمُ بذي لَجَب كأنَّ البَيضَ فيهِ … إذا برزت قَوَانِسُهَا النّجومُ فراضيةُ المعيشة طلّقتْها … أَسِنَّتُنا فتنكحُ أو تَئِيْمُ قال ابن إسحاق (٢): فحدَّثني عبد الله بن أبي بكر، أنه حُدِّث عن زيد بن أَرْقَم قال: كنت يتيمًا لعبد الله بن رواحة في حجره، فخرج بي في سفره ذلك، مُرْدِفي على حقيبةِ رَحْلِهِ، فوالله إنه ليسير ليلة إذ سمعته وهو ينشد أبياته هذا (٣): [من الوافر] إِذا أدَّيتِني (٤) وحَمَلْتِ رَحْلِي … مَسِيْرَةَ أَرْبَعٍ بعدَ الحِسَاءِ (٥) فَشَأْنُكَ أَنْعُمٌ وخَلاكِ ذَمٌّ … ولا أَرْجِعْ إلى أَهْلي وَرَائي وجَاءَ المُسْلِمُونَ وغَادَرُوني … بأرض الشّام مشتهيَ الثَّواءِ وردَّكِ كُلُّ ذي نسبٍ قريبٍ … إلى الرحمن مُنْقَطِعَ الإخاءِ هُنَالِكَ لا أُبالي طَلْعَ بَعْلٍ … ولا نَخلٍ أسافلُها رَواءِ قال: فلمَّا سمعتهن منه بكَيت، فخفقني بالدِّرَّة وقال: ما عليك يا لكع أن يرزقني الله الشهادة، وترجع بين شعبتي الَّرحل؟! ثم قال عبد الله بن رواحة في بعض سفره ذلك وهو يرتجز (٦): [من الرجز]

стр. 1968

يا زيدَ زيدَ اليَعْمَلاتِ الذُّبَّلِ … تطاول اللَّيلُ هُدِيتَ فَانزِلِ قال ابن إسحاق (١): ثم مضى الناس، حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء، لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب، بقرية من قرى البلقاء يقال لها: مشارف. ثم دنا العدوُّ، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها: مؤتة. فالتقى الناس عندها، فتعبَّأ لهم المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلًا من بني عذرة يقال له: قطبة بن قتادة. وعلى ميسرتهم رجلًا من الأنصار يقال له: عباية بن مالك. وقال الواقديُّ (٢): حدَّثني ربيعة بن عثمان، عن المقبريِّ، عن أبي هُريرة قال: شهدت مُؤْتَةَ، فلمَّا دنا منا المشرِكون، رأينا ما لا قبل لأحد به، من العُدَّة، والسِّلاح، والكُراع، والدّيباج، والحرير، والذهب، فبَرِقَ بَصَري، فقال لي ثابت بن أَقْرَمَ: يا أبا هُريرة، كأنك ترى جموعًا كثيرة! قلت: نعم. قال: إنك لم تشهد معنا بدرًا، إنا لم نُنْصَر بالكثرة. رواه البيهقيُّ (٣). قال ابن إسحاق (٤): ثم التقى الناس فاقتتلوا، فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله ﷺ حتى شاط (٥) في رماح القوم، ثم أخذها جعفر، فقاتل [بها، حتى إذا ألحمه القتال]، اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها، ثم قاتل القوم حتى قُتِلَ، فكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر في الإسلام. وقال ابن إسحاق (٦): وحدَّثني يحيى بن عبَّاد [بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عبَّاد] حدَّثني أبي الذي أرضعني، وكان أحد بني مرَّة بن عوف، وكان في تلك الغزوة غزوة مؤتة، قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء ثم عقرها، ثم قاتل القوم حتى قثل وهو يقول: [من الرجز] يا حبَّذا الجنةُ واقترابها … طيبة وباردًا شرابُها والروم روم قد دنا عذابها … كافرةً بعيدةً أنسابُها عليَّ إن لاقيتها ضِرابُهَا وهذا الحديث قد رواه أبو داود (٧) من حديث ابن إسحاق، ولم يذكر الشعر. وقد استدل [به] من

стр. 1969

جوَّز قتل الحيوان خشية أن ينتفع به العدوُّ، كما يقول أبو حنيفة في الأغنام إذا لم تتبع في السَّير، ويخشى من لحوق العدو لها وانتفاعهم بها، أنها تذبح وتحرَّق؛ ليحال بينهم وبين ذلك. والله أعلم. قال السهيليُّ (١): ولم يُنكر أَحَدٌ على جعفر، فدلّ على جوازه [إذا خيف] أخذ العدوِّ له، ولا يدخل ذلك في النهي عن قتل الحيوان عبثًا. قال ابن هشام (٢): وحدَّثني من أثق به من أهل العلم أن جعفرًا أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه، حتى قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنةً، فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء، ويقال: إن رجلًا من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه بنصفين. قال ابن إسحاق (٣): وحدَّثني يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عبَّاد قال: حدَّثني أبي الذي أرضعني، وكان أحد بني مرَّة بن عوف، قال: فلما قتل جعفر، أخذ عبد الله بن رواحة الراية، ثم تقدَّم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه، ويتردَّد بعض التردُّد، ثم قال (٤): [من الرجز] اقسمت يا نفسُ لتنزِلنَّهْ … لتنزِلنَّ أو لتكرهنَّهْ إن أجلب الناس وشدُّوا الرَّنَّه … ما لي أراك تكرهين الجنَّهْ قد طال ما قد كنت مطمئنَّهْ … هل أنت إلا نطفة في شنَّهْ وقال أيضًا: [من الرجز] يا نفسُ إن لا تقتلي تموتي … هذا حِمام الموت قد صَليْتِ وما تَمَنّيتِ فقد أُعطيت … إن تفعلي فعلهما هُدِيتِ يريد صاحبيه؛ زيدًا وجعفرًا ثم نزل، فلمَّا نزل أتاه ابن عمِّ له بعَرق من لحم فقال: شدَّ بهذا صلبك، فإنك قد لقيت في أيَّامك هذه ما لقيت. فأخذه من يده، فانتهس منه نهسة، ثم سمع الحطمة في ناحية الناس فقال: وأنت في الدنيا؟! ثم ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه، ثم تقدَّم فقاتل حتى قتل، ﵁. قال: ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم، أخو بني العجلان، فقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم. قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل. فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية دافع القوم وحاشى بهم، ثم انحاز وانحيز عنه حتى انصرف بالناس.

стр. 1970

قال ابن إسحاق (١): ولما أُصيب القوم، قال رسول الله ﷺ ، فيما بلغني: "أخذ الراية زيد بن حارثة، فقاتل بها حتى قتل شهيدًا، ثم أخذها جعفر، فقاتل بها حتى قتل شهيدًا". قال: ثم صمت رسول الله ﷺ حتى تغيَّرت وجوه الأنصار، وظنُّوا أنه قد كان في عبد الله بن رواحة بعض ما يكرهون، ثم قال: "ثم أخذها عبد الله بن رواحة، فقاتل بها حتى قتل شهيدًا". ثم قال: "لقد رفعوا إليَّ في الجنة، فيما يرى النائم، على سُرر من ذهب، فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازورارًا عن سريري صاحبيه، فقلت: عمَّ هذا؟ " فقيل لي: مضيا، وتردَّد عبد الله بن رواحة بعض التردُّد ثم مضى". هكذا ذكر ابن إسحاق هذا منقطعًا. وقد قال البخاريُّ (٢): ثنا أحمد بن واقد، ثنا حمَّاد بن زيد، عن أيوب، عن حميد بن هلال، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ نعى زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناس، قبل أن يأتيَهم خبرهم، فقال: "أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب - وعيناه تذرفان - حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله، حتى فتح الله عليهم". تفرَّد به البخاريُّ، ورواه في موضع آخر (٣)، وقال فيه وهو على المنبر: "وما يسرُّهم أنهم عندنا". وقال البخاريُّ (٤): ثنا أحمد بن أبي بكر، ثنا مُغِيْرَة بن عبد الرحمن - المَخْزُوميُّ وليس بالخزاميِّ - عن عبد الله بن سعيد، عن نافع، عن عبد الله بن عمر قال: أمَّر رسول الله ﷺ في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فقال رسول الله ﷺ : "إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة". قال عبد الله: كنت فيهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب، فوجدناه في القتلى، ووجدنا في جسده بضعًا وتسعين من طعنة ورمية. تفرَّد به البخاريُّ أيضًا. وقال البخاريُّ أيضًا (٥): حدَّثنا أحمد، ثنا ابن وهب، عن عمرو، عن ابن أبي هلال - هو سعيد بن أبي هلال اللَّيثيُّ - قال: وأخبرني نافع أن ابن عمر أخبره أنه وقف على جعفر بن أبي طالب يومئذ وهو قتيل، فعددت به خمسين، بين طعنة وضربة، ليس منها شيء في دُبره. وهذا أيضًا من أفراد البخاريُّ. ووجه الجمع بين هذه الرواية والتي قبلها، أن ابن عمر، ﵄، اطَّلع على هذا العدد، وغيره اطَّلع على أكثر من ذلك. أو أن هذه في قُبُله أصيبها قبل أن يقتل، فلمَّا صرع إلى الأرض، ضربوه أيضًا ضربات في ظهره، فعدَّ ابن عمر ما كان في قُبُله وهو في وجوه الأعداء قبل أن يقتل، ﵁. ومما يشهد لما ذكره ابن هشام من قطع يمينه وهي ممسكة اللواء، ثم شماله، مارواه

стр. 1971

البخاريُّ (١)، ثنا محمد بن أبي بكر، ثنا عمر بن علي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر قال: كان ابن عمر إذا حيَّا ابن جعفر قال: السلام عليك يا بن ذي الجناحين. ورواه أيضًا (٢) في المناقب، والنسائيُّ من حديث يزيد بن هارون، عن إسماعيل بن أبي خالد به. وقال البخاريُّ (٣): ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان، عن إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت خالد بن الوليد يقول: لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية. ثم رواه (٤) عن محمد بن المثنَّى، عن يحيى، عن إسماعيل، حدَّثني قيس، سمعت خالد بن الوليد يقول: لقد دُقَّ في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، وصبرت في يدي صفيحة يمانية. انفرد به البخاريُّ. قال الحافظ أبو بكر البيهقيُّ (٥): أخبرنا أبو نصر بن قَتَادَة، أخبرنا أبو عمرو بن مَطَر، ثنا أبو خليفة الفضل بن الحُبَاب الجُمَحيُّ، ثنا سليمان بن حَرْب، ثنا الأسود بن شيبان، عن خالد بن سُمَير قال: قدم علينا عبد الله بن رباح الأنصاريُّ، وكانت الأنصار تفقَّهه، فغشيه الناس، فغشيتُه في من غشيه فقال: حدَّثنا أبو قتادة، فارس رسول الله ﷺ قال: بعث رسول الله ﷺ جيش الأمراء، وقال:" عليكم زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فجعفر، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة". قال: فوثب جعفر وقال: يا رسول الله، ما كنت أرهب أن تستعمل زيدًا علي. قال: "امض، فإنك لا تدري أيُّ ذلك خير". فانطلقوا فلبثوا ماشاء الله، فصعِد رسول الله ﷺ المنبر، فأمر فنودي: الصلاة جامعة. فاجتمع الناس إلى رسول الله ﷺ فقال:" أخبركم عن جيشكم هذا؛ إنَّهم انطلقوا فلقوا العدوَّ، فقتل زيد شهيدًا - فاستغفر له - ثم أخذ اللواء جعفر، فشدَّ على القوم حتى قتل شهيدًا - شهد له بالشهادة، واستغفر له - ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة، فأثبت قدميه حتى قتل شهيدًا - فاستغفر له - ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الأمراء، هو أمَّر نفسه". ثم قال رسول الله ﷺ : "اللهمَّ إنه سيف من سيوفك، فأنت تنصره". فمن يومئذ سمي خالد سيف الله. ورواه النسائي (٦) من حديث عبد الله بن المبارك، عن الأسود بن شيبان، به نحوه. وفيه زيادة حسنة، وهو أنه، ﵊، لمَّا اجتمع إليه الناس قال: "ثاب خبر، ثاب خبر … " وذكر الحديث.

стр. 1972

وقال الواقديُّ (١): حدَّثني عبد الجَبَّار بن عُمَارَة بن غزيَّة، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم قال: لمَّا التقى الناس بمؤتة، جلس رسول الله ﷺ على المنبر، وكشف الله له ما بينه وبين الشام، فهو ينظر إلى معتَركهم، فقال: "أخذ الراية زيد بن حارثة، فجاءه الشيطان، فحبَّب إليه الحياة، وكرَّه إليه الموت، وحبَّب إليه الدُّنيا، فقال: الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين، تحبِّب إليَّ الدُنيا؟! فمضى قدمًا حتى استشهد". فصلى عليه رسول الله ﷺ ، وقال: "استغفروا له، فقد دخل الجنة وهو يسعى". قال الواقديُّ (٢): وحدَّثني محمد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة، أن رسول الله ﷺ قال: "لمَّا قتل زيد أخذ الراية جعفر بن أبي طالب، فجاءه الشيطان، فحبَّب إليه الحياة، وكره إليه الموت، ومنَّاه الدُّنيا، فقال: الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تُمنِّيني الدنيا؟! ثم مضى قدما حتى استشهد". فصلى عليه رسول الله ﷺ ، ثم قال: "استغفروا لأخيكم، فإنَّه شهيد، دخل الجنة، فهو يطير في الجنة بجناحين من ياقوت، حيث يشاء من الجنة". قال: "ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة، فاستشهد، ثم دخل الجنة معترَضًا". فشقَّ ذلك على الأنصار، فقيل: يا رسول الله، ما اعتراضه؟ قال: "لمَّا أصابته الجراح نكل، فعاتب نفسه فتشجَّع، واستشهد فدخل الجنة". فسُرِّي عن قومه. قال الواقديُّ (٣): وحدَّثني عبد الله بن الحارث بن الفضيل، عن أبيه قال: لمَّا أخذ خالد بن الوليد الراية، قال رسول الله ﷺ : "الآن حَمِيَ الوَطِيس". قال الواقديُّ (٤): فحدَّثني العَطَّاف بن خالد قال: لمَّا قتل ابن رواحة مساءً، بات خالد بن الوليد، فلمَّا أصبح، غدا وقد جعل مقدمته ساقته، وساقته مقدمته، وميمنته ميسرته. قال: فأنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئتهم، وقالوا: قد جاءهم مدد. فرُعبوا وانكشفوا منهزمين. قال: فقتلوا مقتلة لم يُقتلها قوم. وهذا يوافق ما ذكره موسى بن عقبة، ﵀، في "مغازيه"، فإنَّه قال بعد عمرة الحديبية: ثم صدر رسول الله ﷺ إلى المدينة، فمكث بها ستة أشهر، ثم إنه بعث جيشًا إلى مؤتة، وأمَّر عليهم زيد بن حارثة، وقال: "إن أصيب فجعفر بن أبي طالب أميرهم، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة أميرهم". فانطلقوا، حتى لقوا ابن أبي سبرة الغسَّانيَّ بمؤتة، وبها جموع من نصارى العرب والروم، بها تنوخ وبهراء، فأغلق ابن أبي سبرة دون المسلمين الحصن ثلاثة أيام، ثم خرجوا فالتقَوا على

стр. 1973

رَدَع (١) أحمر، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقتل، ثم أخذه جعفر فقتل، ثم أخذه عبد الله بن رواحة فقتل، ثم اصطلح المسلمون بعد أمراء رسول الله ﷺ على خالد بن الوليد المخزوميِّ، فهزم الله العدوَّ، وأظهر المسلمين. قال: وبعثهم رسول الله ﷺ في جمادى الأولى، يعني سنة ثمان. قال موسى بن عقبة: وزعموا أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مرَّ عليَّ جعفر في الملائكة، يطير كما يطيرون، له جناحان". قال: وزعموا، والله أعلم، أنَّ يعلى بن أميَّة قدم على رسول الله ﷺ بخبر أهل مؤتة، فقال له رسول الله ﷺ : "إن شئت فأخبرني، وإن شئت أخبرتُك". قال: أخبرني يا رسول الله. قال: فأخبرهم رسول الله ﷺ خبرهم كلَّه ووصفه لهم. فقال: والذي بعثك بالحقِّ ما تركت من حديثهم حرفًا لم تذكره، وإنَّ أمرهم لكما ذكرت. فقال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله رفع لي الأرض حتى رأيت معتركهم". فهذا السياق فيه فوائد كثيرة ليست عند ابن إسحاق، وفيه مخالفة لما ذكره ابن إسحاق، من أنَّ خالدًا إنَّما حاشى بالقوم، حتى تخلَّصوا من الروم وعرب النصارى فقط، وموسى بن عقبة والواقديُّ مصرِّحان بأنهم هزموا جموع الروم والعرب الذين معهم، وهو ظاهر الحديث المتقدم عن أنس مرفوعًا: "ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله، ففتح الله على يديه". رواه البخاريُّ (٢)، وهذا هو الذي رجَّحه ومال إليه الحافظ البيهقيُّ (٣) بعد حكاية القولين؛ لما ذكره من الحديث. قلت: ويمكن الجمع بين قول ابن إسحاق وبين قول الباقين، وهو أن خالدًا لمَّا أخذ الراية حاشى بالقوم المسلمين، حتى خلَّصهم من أيدي الكافرين من الروم والمستعربة، فلمَّا أصبح وحوَّل الجيش ميمنةً وميسرة، ومقدمة وساقة، كما ذكره الواقدفيُّ، توهَّم الروم أن ذلك عن مدد جاء إلى المسلمين، فلما حمل عليهم خالد، هزموهم بإذن الله، والله أعلم. ولكن قال ابن إسحاق (٤): حدَّثني محمد بن جعفر، عن عروة قال: لمَّا أقبل أصحاب مؤتة، تلقاهم رسول الله ﷺ والمسلمون معه، قال: ولقيهم الصبِّيان يشتدون، ورسول الله ﷺ مقبل مع القوم على دابة، فقال: "خذوا الصبيان فاحملوهم، وأعطوني ابن جعفر". فاُتي بعبد الله، فأخذه فحمله بين يديه. قال: وجعل الناس يحثون عليهم بالتراب ويقولون: يا فرَّار، فررتم في سبيل الله؟!. فقال رسول الله ﷺ : "ليسوا بالفرَّار، ولكنهم الكرَّار إن شاء الله تعالى". وهذا مرسل من هذا الوجه، وفيه غرابة. وعندي، أن ابن إسحاق قد وهم في هذا السياق، فظنَّ أن هذا لجمهور الجيش، وإنمَّا كان للذين فرُّوا حين التقى الجمعان، وأما بقيَّتُهم فلم يفرُّوا، بل نصروا، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ

стр. 1974

المسلمين وهو على المنبر، في قوله: "ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله، ففتح الله على يديه". فما كان المسلمون ليسمُّوهم فُرَّارًا بعد ذلك، وإنما تلقَّوهم؛ إكرامًا لهم وإعظامًا، وإنما كان التأنيبُ وحَثي التُّراب للذين فرَّوا وتركوهم هنالك، وقد كان فيهم عبد الله بن عمر، ﵄. وقد قال الإمام أحمد (١): ثنا حسن، ثنا زهير، ثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عمر قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله ﷺ ، فحاص الناس حيصة، وكنت فيمن حاص، فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبُؤنا بالغضب؟ ثم قلنا: لو دخلنا المدينة فبتنا. ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ﷺ ، فإن كانت لنا توبة، وإلا ذهبنا. فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: "مَن القوم؟ " قال: فقلنا: نحن الفرَّارون. فقال: "لا، بل أنتم العكَّارون، أنا فئتكم، وأنا فئة المسلمين". قال: فأتيناه حتى قبَّلنا يده. ثم رواه عن غُنْدرٍ (٢)، عن شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي ليلى، عن ابن عمر قال: كنّا في سريَّة ففررنا، فأردنا أن نركب البحر، فأتينا رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله، نحن الفرَّارون. فقال: "لا، بل أنتم العكَّارون". ورواه أبو داود، والترمذيُّ، وابن ماجة (٣) من حديث يزيد بن أبي زياد، وقال الترمذيُّ: حسن، لا نعرفه إلا من حديثه. وقال أحمد (٤): ثنا إسحاق بن عيسى، وأسود بن عامر قالا: ثنا شريك، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن عمر قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سريَّة، فلمَّا لقينا العدوَّ انهزمنا في أول غادية، فقدمنا المدينة في نفر ليلًا فاختفينا، ثم قلنا: لو خرجنا إلى رسول الله ﷺ واعتذرنا إليه. فخرجنا إليه، فلمَّا لقيناه قلنا: نحن الفرَّارون يا رسول الله. قال: "بل أنتم العكَّارون، وأنا فئتكم". قال الأسود: "وأنا فئة كلِّ مسلم". وقال ابن إسحاق (٥): حدَّثني عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عامر بن عبد الله بن الزُّبير، [عن بعض آل الحارث بن هشام، وهم أخواله] أنَّ أمَّ سلمة زوج النبي ﷺ قالت لامرأة سلمة بن هشام بن المغيرة: ما لي لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول الله ومع المسلمين؟ قالت: ما يستطيع أن

стр. 1975

يخرج، كلمَّا خرج صاح به الناس: يا فُرَّار، فررتم في سبيل الله؟! حتى قعد في بيته ما يخرج. وكان في غزاة مؤتة. قلت: لعلَّ طائفة منهم فرُّوا لمَّا عاينوا كثرة جموع العدوِّ، وكانوا أكثر منهم بأضعاف مضاعفة؛ فإنَّ الصحابة، ﵃، كانوا ثلاثة آلاف، وكان العدُّو - على ما ذكروه - مئتي ألف، ومثل هذا يسوِّغ الفرار، على ما قد تقرَّر، فلمَّا فرَّ هؤلاء، ثبت باقيهم، وفتح الله عليهم، وتخلصوا من أيدي أولئك، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، كما ذكره الواقديُّ وموسى بن عقبة من قبله. ويؤيّد ذلك [أيضًا ويزيده قوة ويشهد له] بالصحة، ما رواه الإمام أحمد (١): ثنا الوليد بن مسلم، حدَّثني صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعيِّ قال: خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة من المسلمين، في غزوة مؤتة، [ورافقني] (٢) مدديٌّ من اليمن، ليس معه غير سيفه، فنحر رجل من المسلمين جزورًا، فسأله المدديُّ طائفة من جلده، فأعطاه إياه، فاتخذه كهيئة الدَّرقة، ومضينا فلقينا جموع الروم، وفيهم رجل على فرس له أشقر، عليه سرج مذهَّب وسلاح مذهَّب، فجعل الروميُّ يغري بالمسلمين، وقعد له المدديُّ خلف صخرة، فمرَّ به الروميُّ فعرقب فرسه، فخرَّ وعلاه، فقتله، وحاز فرسه وسلاحه، فلمَّا فتح الله للمسلمين، بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ منه السلب. قال عوف: فأتيته فقلت: يا خالد، أما علمتَ أنَّ رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى، ولكنِّي استكثرته. فقلت: لتردَّنَّه إليه أو لأعرِّفنَّكها عند رسول الله ﷺ . فأبى أن يردَّ عليه، قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله ﷺ ، فقصصت عليه قصة المدديِّ وما فعل خالد، فقال رسول الله ﷺ : "يا خالد، ردَّ عليه ما أخذت منه". قال عوف: فقلت: دونك يا خالد، ألم أفِ لك؟! فقال رسول الله ﷺ : "وما ذاك؟ " فأخبرته، فغضب رسول الله ﷺ وقال: "يا خالد، لا تردَّ عليه، هل أنتم تاركو لي أمرائي، لكم صفوة أمرهم، وعليهم كدره". قال الوليد: سألت ثورًا عن هذا الحديث، فحدَّثني عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن عوف، بنحوه. ورواه مسلم وأبو داود (٣)، من حديث جبير بن نفير، عن عوف بن مالك، به نحوه. وهذا يقتضي أنَّهم غنموا منهم، وسلبوا من أشرافهم، وقتلوا من أمرائهم، وقد تقدَّم فيما رواه البخاريُّ (٤) أن خالدًا، ﵁، قال: اندقَّت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، وما ثبت في يدي إلا

стр. 1976

صفيحة يمانية. وهذا يقضي أنَّهم أثخنوا فيهم قتلًا، ولو لم يكن كذلك لما قدروا على التخلُّص منهم، وهذا وحده دليل مستقلٌّ، والله أعلم. وهذا هو اختيار موسى بن عقبة والواقديِّ والبيهقيِّ، وحكاه ابن هشام (١) عن الزهريِّ. قال البيهقيُّ (٢)، ﵀: اختلف أهل المغازي في فرارهم وانحيازهم، فمنهم من ذهب إلى ذلك، ومنهم من زعم أن المسلمين ظهروا على المشركين، وأن المشركين انهزموا. قال: وحديث أنس بن مالك، عن النبيّ ﷺ : "ثم أخذها خالد، ففتح الله عليه" يدلُّ على ظهورهم عليهم. والله أعلم. قلت: وقد ذكر ابن إسحاق (٣) أن قُطبة بن قتادة العذريَّ، وكان رأس ميمنة المسلمين، حمل على مالك بن زافلة - قال ابن هشام: ويقال: رافلة. بالراء - وهو أمير أعراب النَّصارى، فقتله، وقال يفتخر بذلك: [من المتقارب] طعنتُ ابن زافلةَ بن الإراش … برُمحٍ مضى فيه ثم انحطَمْ ضربت على جيده ضربة … فمال كما مال غصن السَّلَمْ وسقنا نساء بني عمِّه … غداة رقوقين سوق النَّعَمْ وهذا يؤيِّد ما نحن فيه؛ لأنَّ من عادة أمير الجيش إذا قتل، أن يفرَّ أصحابه، ثم إنَّه صرَّح في شعره بأنهم سبوا من نسائهم، وهذا واضح فيما ذكرناه. والله أعلم. وأمَّا ابن اسحاق فإنه ذهب إلى أنه لم يكن إلا المخاشاة والتخلُّص من أيدي الروم، وسمَّى هذا نصرًا وفتحًا؛ أي: باعتبار ما كانوا فيه من إحاطة العدوِّ بهم، وتراكمهم وتكاثرهم وتكاثفهم عليهم، فكان مقتضى العادة أن يصطلموا بالكليَّة، فلمَّا تخلَّصوا منهم وانحازوا عنهم، كان هذا غاية المرام في هذا المقام، وهذا محتمل، لكنَّه خلاف الظاهر من قوله ﵊: "ففتح الله عليهم". والمقصود أن ابن اسحاق يستدلُّ على ما ذهب إليه، فقال: وقد قال - فيما كان من أمر الناس، وأمر خالد بن الوليد، ومخاشاته بالناس، وانصرافه بهم - قيس بن المحسَّر اليعمريُّ، يعتذر ممَّا صنع يومئذ وصنع الناس: [من الطويل] فواللّه لا تَنْفَكُّ نفسي تَلُومني … على موقفي والخَيل قابعةٌ قُبْلُ وقفت بها لا مُستجِيرًا فنافذًا … ولا مانعًا من كان حمَّ لَهُ القَتْلُ على أنَّني آسيت نفسي بخالدٍ … أَلا خالدٌ في القوم ليس له مِثْلُ

стр. 1977

جاشت إليَّ النفسُ من نحو جعفرٍ … بمُؤْتَةَ إذ لا يَنْفَعُ النّابِلَ النَّبْلُ وضَمَّ إلينا حُجْزَتَيْهِمْ كِلَيْهِمَا … مُهَاجِرَةٌ لا مُشْركون ولا عُزْل قال ابن اسحاق (١): فبيَّن قيس ما اختلف فيه الناس من ذلك في شعره؛ أن القوم حاجزوا وكرهوا الموت، وحقَّق انحياز خالد بمن معه. قال ابن هشام: وأمَّا الزهريُّ فقال، فيما بلغنا عنه: أمَّر المسلمون عليهم خالد بن الوليد، ففتح الله عليهم، وكان عليهم حتى رجع إلى المدينة. * * * فصل قال ابن إسحاق (٢): حدَّثني عبد الله بن أبي بكر، عن أمِّ عيسى الخُزَاعيَّة، عن أمِّ جعفر بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب، عن جدَّتها أسماء بنت عُمَيس قالت: لمَّا أُصيب جعفر وأصحابه، دخل عليَّ رسول الله ﷺ ، وقد دبغت أربعين مَنًّا، وعجنت عجيني، وغَسَّلْت بَنِيَّ ودهَّنتهم ونظفتهم. قالت: فقال رسول الله ﷺ : "ائتيني ببني جعفر". فأتينه بهم فشمَّهم وذرفت عيناه، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمِّي، ما يُبكيك، أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟ قال: "نعم، أُصيبوا هذا اليوم". قالت: فقُمت أَصيح، واجتمع إليَّ النساء، وخرج رسول الله ﷺ إلى أهله فقال: "لا تغفلوا عن آل جعفر أن تصنعوا لهم طعامًا؛ فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم". وهكذا رواه الإمام أحمد (٣) من حديث ابن اسحاق. ورواه ابن ماجه (٤) من طريق محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أمِّ عيسى، عن أمِّ عون بنت محمد بن جعفر، عن أسماء، فذكر الأمر بعمل الطعام، والصواب أنَّها أمُّ جعفر وأمُّ عون. وقال الإمام أحمد (٥): ثنا سفيان، ثنا جعفر بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر قال: لمَّا جاء نَعي جعفر حين قتل، قال النبيُّ ﷺ : "اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم أمر يشغلهم". أو: "أتاهم ما يشغلهم".

стр. 1978

وهكذا رواه أبو داود والترمذيُّ وابن ماجه (١) من حديث سُفيان بن عُيينة، عن جعفر بن خالد بن سَارَة المَخْزُوميِّ المكيِّ، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، وقال الترمذيُّ: حسن. ثم قال محمد بن إسحاق (٢): حدَّثني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي ﷺ قال: لما أتى نعيُ جعفر، عرفنا في وجه رسول الله ﷺ الحُزْنَ. قالت: فدخل عليه رجل، فقال: يا رسول الله، إن النساء عنَّيننا وفتنَّنا. قال: "ارجع إليهنَّ فأسكتْهنَّ". قالت: فذهب ثم رجع، فقال له مثل ذلك. قالت: وربما ضرَّ التَّكلُّف، يعني أهله. قالت: قال: "فاذهب فأسكتْهن، فإن أَبين فاحثُ في أفواههنَّ التُّراب". قالت: وقلت في تفسي: أبعدك الله، فوالله ما تركتَ نفسك، وما أنت بمطيع رسول الله ﷺ . قالت: وعرفت أنَّه لا يقدر [على أن] يحثي في أفواههنَّ التراب. انفرد به ابن إسحاق من هذا الوجه، وليس في شيء من الكتب. وقال البخاريُّ (٣): ثنا قتيبة، ثنا عبد الوهَّاب، سمعت يحيى بن سعيد قال: أخبرتني عَمْرَة قالت: سمعت عائشة تقول: لمَّا قُتل ابن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رَوَاحة، جلس رسول الله ﷺ يُعرف في وجهه الحُزن. قالت عائشة: وأنا أطَّلع من صائر الباب - شقٍّ - فأتاه رجل فقال: أي رسول الله، إن نساء جعفر. وذكر بكاءهنَّ، فأمره أن ينهاهنَّ. قالت: فذهب الرجل، ثم أتى فقال: واللّه لقد غلبننا. فَزَعَمَتْ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "فاحث في أفواههنَّ من التُّرَاب". قالت عائشة، ﵂: فقلت: أَرْغَمَ الله أَنْفَكَ، فو الله ما أنت تفعل، وما تركتَ رسول الله ﷺ من العناء. وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائيُّ (٤) من طُرُقٍ، عن يحيى بن سعيد الأنصاريِّ، عن عَمْرَة، عنها. وقال الإمام أحمد (٥): ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي، سمعت محمد بن أبي يعقوب يحدِّث عن الحسن بن سعد، عن عبد الله بن جعفر قال: بعث رسول الله ﷺ جيشًا، استعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: "إن قُتِلَ زيدٌ أو استشهد فأميركم جعفر، فإن قتل أو استشهد فأميركم عبد الله بن رواحة" فلقوا العدوَّ، فأخذ الراية زيد فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الراية جعفر فقاتل حتى قتل، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الراية خالد بن الوليد ففتح الله عليه، وأتى خبرُهم النبيَّ ﷺ فخرج إلى

стр. 1979

الناس، فحمد الله وأثنى عليه وقال: إنَّ إخوانكم لقوا العدوَّ، وإنَّ زيدًا أخذ الراية فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية بعده جعفر بن أبي طالب فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله؛ خالد بن الوليد، ففتح الله عليه". قال: ثم أمهل آل جعفر ثلاثًا أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: "لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ادعوا لي بني أخي". قال: فجيء بنا كأننا أفرخ، فقال: "ادعوا لي الحلاق". فجيء بالحلاق، فحلق رؤوسنا، ثم قال: "أما محمد فشبيه عمِّنا أبي طالب، وأمَّا عبد الله فشبيه خَلقي وخُلقي". ثم أخذ بيدي فأشالها وقال: "اللهم اخلف جعفرًا في أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه". قالها ثلاث مرات. قال: فجاءت أُمُّنا فذكرت له يتمنا، وجعلت تفرح له، فقال: "العيلة تخافين عليهم وأنا وليُّهم في الدنيا والآخرة؟! " ورواه أبو داود ببعضه، والنسائيُّ في السِّير بتمامه من حديث وهب بن جرير، به (١). وهذا يقتضي أنه، ﵊، أرخص لهم في البكاء ثلاثة أيام، ثم نهاهم عنه بعدها. ولعلَّه معنى الحديث الذي رواه الإمام أحمد (٢)، من حديث الحكم، عن عبد الله بن شداد، عن أسماء، أنَّ رسول الله ﷺ قال لها لمَّا أصيب جعفر: "تسلَّبي ثلاثًا ثم اصنعي ما شئت". تفرد به أحمد. فيحتمل أنه أذن لها في التسلُّب، وهو المبالغة في البكاء وشق الثياب، ويكون هذا من باب التخصيص لها بهذا؛ لشدَّة حزنها على جعفرٍ أبي أولادها، وقد يحتمل أن يكون أمرًا لها بالتسلُّب، وهو المبالغة في الإحداد ثلاثة أيام، ثم تصنع بعد ذلك ما شاءت؛ مما يفعله المعتدات على أزواجهنَّ، من الإحداد المعتاد، والله أعلم. ويُروى: "تسلَّي ثلاثًا" أي: تصبَّري، ثلاثًا، وهذا بخلاف الرِّواية الأخرى، والله أعلم. فأما الحديث الذي قال الإمام أحمد (٣): ثنا يزيد، ثنا محمد بن طلحة، ثنا الحَكَم بن عُتيبة، عن عبد الله بن شدَّاد، عن أسماء بنت عُميس قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ اليوم الثالث من قتل جعفر فقال: "لا تُحِدِّي بعد يومك هذا" فإنه من أفراد أحمد أيضًا، وإسناده لا بأس به (٤)، ولكنَّه مشكل إن حمل على ظاهره؛ لأنَّه قد ثبت في "الصحيحين" (٥) أن رسول الله ﷺ قال: "لا يَحِلّ لامرأة تُؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحدَّ على ميتها أكثر من ثلاثة أيام، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا"، فإن كان ما رواه الإمام أحمد

стр. 1980

محفوظًا، فتكون مخصوصة بذلك، أو هو أمر بالمبالغة في الإحداد هذه الثلاثة أيام كما تقدم، والله أعلم. قلت: وَرَثَتْ أسماء بنت عميس زَوجها بقصيدة تقول فيها: [من الطويل] فآليت لا تَنْفَكُّ نفسي حزينةً … عليكَ ولا يَنْفَكُّ جِلْديَ أَغْبَرا فلله عينا مَنْ رأى مثلَه فتىً … أَكَرَّ وأَحْمَى في الهِيَاجِ وأَصْبَرا ثم لم تَنْشَبْ أن انقضت عدَّتُها، فخطبها أبو بكر الصِّدِّيق، ﵁، فتزوَّجها، فأَولم، وجاء الناس للوليمة، فكان فيهم عليُّ بن أبي طالب، فلمَّا ذهب الناس استأذن عليُّ أبا بكر، ﵄، في أن يكلِّم أسماء من وراء السِّتر، فأذن له، فلما اقترب من السِّتر نفحه ريح طيبها، فقال لها عليٌّ، على وجه البَسْطِ: من القائلة في شعرها: [من الطويل] فآليتُ لا تَنْفَكُّ نفسي حزينةً … عليك ولا يَنْفَكُّ جِلْديَ أَغْبَرا قالت: دعنا منك يا أبا الحسن، فإنَّك امرؤ فيك دُعَابة، فولدت للصِّدِّيق محمد بن أبي بكر، ولدته بالشجرة بين مكة والمدينة، ورسول الله ﷺ ذاهب إلى حَجَّة الوَدَاع، فأمرها أن تغتسل وتُهِلَّ، وسيأتي في موضعه، ثم لمَّا توفي الصِّدِّيق، تزوَّجها بعده عليُّ بن أبي طالب، وولدت له أولادًا، ﵁ وعنها وعنهم أجمعين. * * * فصل قال ابن إسحاق (١): فحدَّثني محمد بن جعفر بن الزُّبير، عن عُرْوَة بن الزُّبير قال: فلما دنوا من المدينة تلقَّاهم رسول الله ﷺ والمسلمون. قال: ولقيهم الصِّبيان يشتدُّون، ورسول الله ﷺ مقبل مع القوم على دابة، فقال: "خذوا الصِّبيان فاحملوهم وأعطوني ابن جعفر". فأُتي بعبد الله بن جعفر، فأخذه فحمله بين يديه. قال: وجعل الناس يحثون على الجيش التراب ويقولون: يا فرَّار، فررتم في سبيل الله؟! قال: فيقول رسول الله ﷺ : "ليسوا بالفرَّار، ولكنهم الكرَّار إن شاء الله" وهذا مرسل. وقد قال الإمام أحمد (٢): ثنا أبو مُعَاوية، ثنا عاصم، عن مُورِّق العِجْليِّ، عن عبد الله بن جعفر قال: كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر تُلقِّي بالصبيان من أهل بيته، وإنه قدم من سفر فسبق بي إليه.

стр. 1981

قال: فحملني بين يديه. قال: ثم جيء بأحد ابنَي فاطمة، إما حَسَن وإما حُسَين، فأردفه خلفه، فدخلنا المدينة ثلاثة على دابة. وقد رواه مسلم وأبو داود والنسائيُّ وابن ماجه (١) من حديث عاصم [الأحول] عن مورِّق به. وقال الإمام أحمد (٢): [ثنا روح]، ثنا ابن جريج، ثنا جعفر بن خالد بن سَارَة، أن أباه أخبره أن عبد الله بن جعفر قال: لو رأيتني وقثم وعبيد الله ابنَي العباس ونحن صبيان نلعب، إذ مر النبيُّ ﷺ على دابة فقال: "ارفعوا هذا إليَّ". [فحملني أَمامه وقال لقثم: "ارفعوا هذا إليَّ"] فجعله وراءه، وكان عبيد الله أحبَّ إلى عباس من قثم، فما استحى من عمِّه أن حمل قثم وتركه. قال: ثم مسح على رأسي ثلاثًا، وقال كلَّما مسح: "اللهم اخلف جعفرًا في ولده". قال: قلت لعبد الله: ما فعل قثم؟ قال: استُشهد. قال: قلت: الله ورسوله أعلم بالخير، قال: أجل. ورواه النسائيُّ في "اليوم والليلة" (٣) من حديث ابن جُريج، به. وهذا كان بعد الفتح؛ فإن العَبَّاس إنما قدم المدينة بعد الفتح. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد (٤): ثنا إسماعيل، ثنا حبيب بن الشَّهيد، عن عبد الله بن أبي مليكة، قال: قال عبد الله بن جعفر لابن الزبير: أتذكر إذ تلقَّينا رسول الله ﷺ أنا وأنت وابن العباس؟ قال: نعم. فحملنا وتركك. هكذا رأيته في "المسند"، وكأنه غلط في النسخة، فإنه من مسند عبد الله بن جعفر، فصوابه: قال: قال عبد الله بن الزبير لعبد الله بن جعفر: أتذكر إذ تلقَّينا رسول الله ﷺ أنا وأنت وابن العباس؟ قال: نعم، فحملنا وتركك. وبهذا اللفظ أخرجه البخاريُّ، ومسلم (٥) من حديث حبيب بن الشَّهيد. وهذا يعدُّ من الأجوبة المسكتة، ويروى أن عبد الله بن عباس أجاب به ابن الزبير أيضًا، وهذه القصة قصة أخرى كانت بعد الفتح، كما قدَّمنا بيانه، والله أعلم.

стр. 1982

فصل في فضل هؤلاء الأمراء الثلاثة؛ زيد وجعفر وعبد الله، [﵃] أما زيد بن حارثة (١) بن شَرَاحيلَ بن كعب بن عبد العُزَّى بن امرئ القيس بن عامر بن النّعمان بن عامر بن عبد ودِّ بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن عُذْرَة بن زيد اللّات بن رُفَيدة بن ثَور بن كلب بن وَبَرَةَ بن تَغْلِبَ بن حُلْوَان بن عِمْرَان بن الحافِ بن قُضَاعة الكلبيُّ القضاعي، مولى رسول الله ﷺ ؛ وذلك أن أُمَّه ذهبت تزور أهلها، فأغارت عليهم خيل بلقَين فأخذوه، فاشتراه حكيم بن حزام لعمَّته خديجة بنت خويلد. وقيل: اشتراه رسول الله ﷺ لها، فوهبته من رسول الله قبل النبوة، فوجده أبوه، فاختار المقام عند رسول الله ﷺ ، فأعتقه وتبنَّاه فكان يقال له: زيد بن محمد، وكان رسول الله ﷺ يحبُّه حُبًّا شديدًا، وكان أول من أسلم من الموالي، ونزل فيه آيات من القرآن؛ منها قوله [تعالى]: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]. وقوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]. وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. وقوله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]. أجمعوا أن هذه الآيات أنزلت فيه، ومعنى (أنعم الله عليه) أي بالإسلام، (وأنعمتَ عليه) أي بالعِتْقِ، وقد تكلَّمنا عليها في "التفسير" (٢). والمقصود أن الله تعالى لم يسمِّ أحدًا من الصحابة في القرآن غيره، وهداه إلى الإسلام، وأعتقه رسول الله ﷺ ، وزوَّجه مولاته أمَّ أيمن، واسمها بركة، فولدت له أسامة بن زيد، فكان يقال له: الحِبُّ بن الحِبِّ. ثم زوَّجه بابنة عمَّته زينب بنت جحش، وآخى بينه وبين عمِّه حمزة بن عبد المطلب، وقدَّمه في الإمرة على ابن عمِّه جعفر بن أبي طالب يوم مؤتة، كما ذكرناه. وقد قال الإمام أحمد (٣)، والإمام الحافظ أبو بكر بن أبي شَيبة - وهذا لفظه -: ثنا محمد بن عُبيد،

стр. 1983

عن وائل بن داود، سمعت البَهِيَّ (١) يُحَدِّث أن عائشة كانت تقول: ما بَعَثَ رسولُ الله ﷺ زيدَ بن حارثة في سريةٍ إلَّا أمَّره عليهم، ولو بقي بعده لاستخلفه. ورواه النسائيُّ (٢)، عن أحمد بن سليمان، عن محمد بن عبيد الطَّنافسيِّ، به، وهذا إسناد جيد قويٌّ على شرط الصحيح، وهو غريب جدًّا، والله أعلم. وقال الإمام أحمد (٣): ثنا سليمان، ثنا إسماعيل، أخبرني ابن دينار، عن ابن عمر، ﵁، أن رسول الله ﷺ بعث بعثًا، وأمَّر عليهم أُسامةَ بن زيد، فطعن بعض الناس في إمرته، فقام رسول الله ﷺ فقال: "إنْ تطعنوا في إمرته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقًا للإمارة، وإن كان لمن أحبِّ الناس إليَّ، وإن هذا لمن أَحبِّ الناس إليَّ بعده". وأخرجاه في "الصحيحين" (٤) عن قُتيبة، عن إسماعيل - هو ابن جعفر بن أبي كثير المدنيُّ - عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر … فذكره. ورواه البخاريُّ (٥) من حديث موسى بن عقبة، عن سالم، عن أبيه. ورواه البزّار من حديث عاصم بن عمر، عن عبيد الله بن عمر العُمَريِّ، عن نافع، عن ابن عمر، ثم استغربه من هذا الوجه. وقال الحافظ أبو بكر البزَّار (٦): ثنا عمر بن إسماعيل [بن مجالد، حدثني أبي] عن مجالد، عن الشعبيِّ، عن مَسروق، عن عائشة قالت: لما أُصيب زيد بن حارثة، جيء بأُسامة بن زيد، فأُوقف بين يدي رسول الله ﷺ ، فدمعت عينا رسول الله ﷺ ، فأُخِّرَ، ثم عاد من الغد فوقف بين يديه فقال: "أُلاقي [مِنْكَ] اليوم ما لقيت منك أَمس" وهذا الحديث فيه غَرَابة، والله أعلم. وقد تقدم في "الصحيحين" (٧) أنه لما ذكر مُصَابهم وهو ﵊ فوق المنبر، جعل يقول: "أَخَذَ الراية زَيد فأُصيب، ثم أَخذها جعفر فأُصيب، ثم أخذها [عبد الله] بن رَوَاحَة [فأُصيب] ثم أخذها سيف من سيوف الله ففتح الله عليهم". قال: وإن عينيه لتَذْرِفَان. وقال: "وما يسرُّهم أنهم عندنا".

стр. 1984

في الحديث الآخر أنه شهد لهم بالشهادة، فهم ممن يقطع لهم بالجنَّة (١). وقد قال حَسَّان بن ثابت (٢) يرثي زيد بن حارثة وابن رَوَاحَة: [من الخفيف] عَينُ جُودي بدمعِكِ المنزُورِ … واذكُري في الرَّخاءِ أَهْلَ القُبُورِ واذكري مُؤْتَةَ وما كان فيها … يوم راحوا في وقعة التَّغويرِ حينَ راحوا وغادروا ثَمَّ زَيدًا … نعم مَأوى الضَّريك (٣) والمأسورِ حِبَّ خير الأنام طُرًّا جميعًا … سَيّدِ الناس حُبُّهُ في الصُّدورِ ذاكُمُ أحمدُ الذي لا سِوَاهُ … ذاك حُزْني له معًا وَسُرُوري إنَّ زيدًا قد كَان مِنَّا بأمرٍ … ليس أَمْرَ المُكَذَّب المَغْرورِ ثم جُودي للخَزْرجيِّ بدمعٍ … سَيِّدًا كان ثَمَّ غير نَزُورِ قد أَتَانَا من قتلهم ما كَفَانَا … فَبحُزنٍ نَبيتُ غيرِ سرورِ وأما جعفر بن أبي طالب (٤) بن عبد المطلب بن هاشم، فهو ابن عُمِّ رسول الله ﷺ ، وكان أكبر من أخيه عليٍّ بعشر سنين، وكان عَقيلٌ أَسَنَّ من جعفر بعشر سنين، وكان طَالب أَسَنَّ من عَقيلٍ بعشر سنين، أسلم جعفرٌ قديمًا، وهاجر إلى الحبشة، وكانت له هنالك مواقف مشهورة، ومقامات محمودة، وأجوبة سديدة، وأحوال رشيدة، وقد قدَّمنا ذلك في هجرة الحبشة، ولله الحمد. وقد قَدِم على رسول الله ﷺ يوم خيبر فقال ﵊: "ما أدري بأيهما أنا أسر؛ أبقدوم جعفرٍ، أم بفتح خيبر؟ " وقام إليه واعتنقه وقبَّل بين عينيه، وقال له يوم خرجوا من عمرة القضية: "أشبهت خَلقي وخُلقي". فيقال: إنَّه حجل عند ذلك فرحًا. كما تقدَّم ذلك في موضعه. ولله الحمد والمنة. ولمَّا بعثه إلى مؤتة جعله في الإمرة مصلِّيًا - أي: ثانيًا - لزيد بن حارثة، ولمَّا قتل وجدوا فيه بضعًا وتسعين ما بين ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، وهو في ذلك كلِّه مقبل غيرُ مدبر، وكانت قد قطعت يده اليمنى ثم اليسرى وهو ممسك اللواء، فلمَّا فقدهما احتضنه حتى قتل وهو كذلك. فيقال: إنَّ رجلًا من الرُّوم ضربه بسيف فقطعه باثنتين، رضي الله عن جعفر ولعن قاتله. وقد أَخبر عنه رسول الله ﷺ بأنه شهيد، فهو ممن يُقطع له بالجنَّة، وجاء في الأحاديث تسميته بذي الجَنَاحين.

стр. 1985

وروي البخاريُّ (١)، عن ابن عُمَرَ أنَّه كان إذا سَلَّم على ابنه عبد الله بن جعفر يقول: السلام عليك يا بن ذي الجَنَاحَين. وبعضهم يرويه عن عمر بن الخَطَّاب نفسِه، والصحيح ما في "الصحيح" عن ابن عمر. قالوا: لأن الله تعالى عَوَّضه عن يديه بجَنَاحين في الجَنَّة، وقد تقدَّم بعض ما رُوي في ذلك. قال الحافظ أبو عيسى الترمذيُّ (٢): ثنا عليُّ بن حجر، ثنا عبد الله بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت جعفرًا يطير في الجنة مع الملائكة". وتقدَّم في حديث أنَّه، ﵁، قُتل وعمره ثلاث وثلاثون سنة. وقال ابن الأثير في "الغابة" (٣): كان عمره يوم قتل إحدى وأربعين سنة. قال: وقيل غير ذلك. قلت: وعلى ما قيل: إنَّه كان أسن من عليٍّ بعشر سنين. يقتضي أن عمره يوم قتل تسع وثلاثون سنة؛ لأن عليًا أسلم وهو ابن ثمان سنين على المشهور، فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وهاجر وعمره إحدى وعشرون سنة، ويوم مؤتة كان في سنة ثمان من الهجرة، والله أعلم. وقد كان يقال لجعفر بعد قتله: الطَّيَّار. لما ذكرنا، وكان كريمًا جوادًا ممدَّحًا، وكان لكرمه يُقال له: أبو المَسَاكين، لإحسانه إليهم. قال الإمام أحمد (٤): ثنا عفَّان، ثنا وُهيب، ثنا خالد، عن عِكْرمة، عن أبي هُريرة قال: ما احتذى النعال ولا انتعل، ولا ركب المطايا، ولا لبس الثياب من رجل بعد رسول الله ﷺ أفضلُ من جعفر بن أبي طالب. وهذا إسناد جيِّد إلى أبي هريرة، وكأنه [إنَّما] يفضِّله في الكَرَم، فأما في الفضيلة الدِّينية، فمعلوم أنَّ الصِّديق والفَاروق بل وعثمان بن عفَّان أفضل منه، وأمَّا أخوه عليٌّ، ﵄، فالظَّاهر أنَّهما متكافئان، أو عليٌّ أفضل منه. وإنَّما أراد أبو هُريرة تفضيله في الكرم، بدليل ما رواه البخاريُّ (٥)؛ ثنا أحمد ابن أبي بكر، ثنا محمد بن إبراهيم بن دينار أبو عبد الله الجُهَنيُّ، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المَقْبُريِّ، عن أبي هُريرة أنَّ

стр. 1986

الناس كانوا يقولون: أكثر أبو هريرة، وإنِّي كنت ألزم رسول الله ﷺ بشِبَع بطني حين لا آكل الخمير، ولا ألبس الحرير، ولا يخدمني فلان وفلانة، وكنت أُلصق بطني بالحصباء من الجوع، وإنِّي كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معي؛ كي ينقلب [بي] فيطعمني، وكان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب، وكان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إن كان ليُخرج إلينا العكَّة التي ليس فيها شيء فنشقُّها فنلعق ما فيها. تفرَّد به البخاريُّ. وقال حسَّان [بن ثابت] يرثي جعفرًا (١): [من الكامل] ولقد بَكيتُ وَعَزَّ مَهْلِكُ جعفرٍ … حبِّ النبيِّ على البريَّة كُلِّهَا ولقد جَزِعْتُ وقُلْتُ حين نُعِيْتَ لي … مَن للجِلادِ لدى العُقَاب وظِلِّهَا بالبيض حين تُسَلُّ من أَغمادِهَا … ضربًا وإنهال الرِّماح وعلِّهَا بعد ابنِ فَاطمةَ المُبَاركِ جعفرٍ … خيرِ البريَّة كُلِّهَا وأجلِّهَا رُزْءًا وأَكرَمِهَا جميعًا مَحْتِدًا … وأَعزِّها متظلِّمًا وأذلِّهَا للحَقِّ حين يَنُوب غير تَنَحُّلٍ … كَذِبًا وأنداهَا يَدًا وأقلِّهَا فُحْشًا وأكثرها إذا ما يُجتدى … فَضْلًا وأبذَلِهَا ندىً وأبلِّهَا بالعرفِ غيرَ مُحمدٍ لا مثلُه … حَيٌّ مِنَ أحياء البريَّة كُلِّهَا وأمَّا ابن رَوَاحَة، فهو عبد الله بن رَوَاحَة (٢) بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس الأكبر بن مالك بن الأغرَّ بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج أبو محمد - ويقال: أبو رواحة. ويقال: أبو عمر - الأنصاريُّ الخزرجيُّ، وهو خال النعمان بن بشير، أخته عمرة بنت رواحة، أسلم قديمًا وشهد العقبة، وكان أحد النُّقباء ليلتئذ لبني الحارث بن الخزرج، وشهد بدرًا وأُحدًا والخندق والحديبية وخيبر، وكان يبعثه ﷺ على خرصها كما قدَّمنا، وشهد عمرة القضاء، ودخل يومئذ وهو ممسك بزمام ناقة رسول الله ﷺ وقيل: بغرزها. يعني الرِّكاب - وهو يقول: خلُّوا بني الكُفَّار عن سبيله الأبيات، كما تقدَّم. وكان أحد الأمراء الشهداء يوم مؤتة، كما تقدَّم، وقد شجَّع المسلمين للقاء الروم حين اشتوروا في

стр. 1987

ذلك، وشجَّع نفسه أيضًا حتى نزل بعدما قتل صاحباه، وقد شهد له رسول الله ﷺ بالشهادة، فهو ممن يقطع له بدخول الجنة. ويروي أنَّه لمَّا أنشد النبيَّ ﷺ شعره - حين ودَّعه، الذي يقول فيه: [من البسيط] فثبَّت الله ما أَتاك من حسن … تثبيت موسى ونصرًا كالَّذي نُصروا - قال رسول الله ﷺ : "وأنت فثبَّتك الله". قال هشام بن عروة: فثبَّته الله حتى قتل شهيدًا ودخل الجنَّة. وروى حَمَّاد بن زيد، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أنَّ عبد الله بن رَوَاحة أتى رسول الله ﷺ وهو يخطب فسمعه يقول: "اجلسوا". فجلس مكانَه خارجًا من المسجد، حتى فرغ النبيُّ من خطبته، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ فقال: "زادك الله حرصًا على طواعية الله وطواعية رسوله". وقال البخاريُّ في "صحيحه" (١): وقال مُعاذ: اجلس بنا نؤمن ساعة. وقد ورد الحديث المرفوع في ذلك، عن عبد الله بن رواحة بنحو ذلك، فقال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا عبد الصمد، عن عمارة، عن زياد النُميريِّ، عن أنس قال: كان عبد الله بن رواحة إذا لقي الرجل من أصحابه يقول: تعال نؤمن بربِّنا ساعة. فقال ذات يوم لرجل، فغضب الرجل فجاء فقال: يا رسول الله، ألا ترى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة! فقال النبيُّ ﷺ : "يرحم الله ابن رواحة، إنه يحبُّ المجالس التي تتباهى بها الملائكة". وهذا حديث غريب جدًّا. وقال البيهقيُّ: أنبأ الحاكم، أنبا أبو بكر، أنبا محمد بن أيوب، أنبأ أحمد بن يونس، ثنا شيخ من أهل المدينة، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار أنَّ عبد الله بن رواحة قال لصاحب [له]: تعال [حتى] نؤمن ساعة. قال: أولسنا بمؤمنين؟ قال: بلى، ولكنَّا نذكر الله فنزداد إيمانًا. وقد روى الحافظ أبو القاسم اللَّالكائيُّ، من حديث أبي اليمان، عن صفوان بن سُلَيم، عن شريح بن عبيد، أنَّ عبد الله بن رواحة كان يأخذ بيد الرجل من أصحابه فيقول: قم بنا نؤمن ساعة فنجلس في مجلس ذكر. وهذا مرسل من هذين الوجهين، وقد استقصينا الكلام على ذلك في أول "شرح البخاري". ولله الحمد والمنة.

стр. 1988

وفي "صحيح [البخاري] (١) عن أبي الرَّرداء قال: كنَّا مع رسول الله ﷺ في سفر في حرٍّ شديد، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة. ﵁. وقد كان من شعراء الصَّحابة المشهورين. وممَّا نقله البخاريُّ (٢) من شعره قوله في رسول الله ﷺ (٣): [من الطويل] وَفِينا رسولُ الله يتلو كتابَهُ … [إذا] انشقَّ معروف من الفجر ساطعُ يَبِيْتُ يُجَافي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ … إذا استَثْقلَتْ بالمشركين المَضَاجِعُ أتى بالهُدى بعد العمى فُقُلوبُنَا … به مُوقنِاتٌ أنَّ ما قال واقعُ وقال البخاريُّ (٤): ثنا عِمْرَان بن مَيْسَرة، ثنا محمد بن فضيل، عن حصين، عن عامر، عن النعمان بن بشير قال: أغمي على عبد الله بن رواحة، فجعلت أخته عمرة تبكي: واجبلاه، واكذا، واكذا تعدِّد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئًا إلا قيل لي: أنت كذلك؟! ثنا قُتيجة، ثنا عَبْثَرٌ، عن حصين، عن الشعبيِّ، عن النعمان بن بشير قال: أُغمي على عبد الله بن رواحة … بهذا، فلمَّا مات لم تبك عليه. وقد قدَّمنا ما رثاه به حسان بن ثابت مع غيره. وقال شاعر من المسلمين ممن رجع من مؤتة مع من رجع، ﵃: كفى حزنًا أنِّي رجعت وجعفر … وزيد وعبد الله في رَمس أقبُرِ قضوا نحبهم لمَّا مضوا لسبيلهم … وخلِّفت للبلوى مع المتغبِّرِ وسيأتي إن شاء الله تعالى بقية ما رثي به هؤلاء الأمراء الثلاثة من شعر حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، ﵄ وأرضاهما. فصل في ذكر من استشهد يوم مُؤْتَةَ من المسلمين (٥) فمن المهاجرين: جعفر بن أبي طالب، ومولاهم زَيد بن حارثة [الكلبيُّ] ومسعود بن الأسود بن

стр. 1989

حارثة بن نضلة العَدَويُّ، وَوَهْب بن سعد بن أبي سَرْح، فهؤلاء أربعة نفر. ومن الأنصار: عبد الله بن رَوَاحَة، وعبَّاد بن قيس الخزرجيَّان، والحارث بن النُّعمان بن إساف بن نَضْلَة النجّاريُّ، وسُرَاقة بن عمرو بن عطيَّة بن خَنْسَاء المازنيُّ، أربعة نفر. فمجموع من قتل من المسلمين يومئذٍ هؤلاء الثمانية، على ما ذكره ابن إسحاق (١). لكن قال ابن هشام (٢): وممَّن استشهد يوم مؤتة، فيما ذكره ابن شِهَاب الزّهريُّ، أبو كُلَيب، وجابر، ابنا عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول المازنيَّان، وهما شقيقان لأب وأم، وعمرو، وعامر، ابنا سعد بن الحارث بن عبَّاد بن سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى. فهؤلاء أربعة من الأنصار أيضًا (٣)، فالمجموع على القولين اثنا عشر رجلًا، وهذا عظيم جدًّا أن يتقاتل جيشان متعاديان في الدين؛ أحدهما، وهو الفئة التي تقاتل في سبيل الله، عدَّتها ثلاثة آلاف مقاتل، وأخرى كافرة عدَّتها مئتا ألف مقاتل؛ من الروم مئة ألف، ومن نصارى العرب مئة ألف، يتبارزون ويتصاولون، ثم مع هذا كله لا يُقتل من المسلمين إلا اثنا عشر رجلًا، وقد قتل من المشركين خلق كثير. هذا خالد وحده يقول: لقد اندقَّت في يدي يومئذ تسعة أسياف، وما صبرت في يدي إلا صفيحة يمانية. فماذا ترى قد قتل بهذه الأسياف كلَّها؟! دع غيره من الأبطال والشجعان، من حَمَلَةِ القرآن، وقد تحكَّموا في عبدة الصُّلبان، عليهم لعائن الرحمن، في ذلك الزمان، وفي كل أوان. وهذا مما يدخل في قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٣]. * * * حديثٌ فيه فضيلة عظيمة لأمراء هذه السَّريَّة وهم: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رَوَاحة، ﵃. قال الإمام العالم الحافظ أبو زُرْعَة عُبَيْدُ الله (٤) بن عبد الكريم الرَّازيّ - نضَّر الله وجهه - في كتابه

стр. 1990

"دلائل النبوة" وهو كتاب جليل (١) -: ثنا صَفْوان بن صالح الدمشقيُّ، ثنا الوليد، ثنا ابن جابر. (ح) وحدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، ثنا الوليد وعمرو - يعني ابن عبد الواحد - قالا: ثنا ابن جابر، سمعت سُلَيم بن عامر الخبائريَّ يقول: أخبرني أبو أمامة الباهليُّ، سمع رسول الله ﷺ يقول: "بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان، فأخذا بضَبْعيَّ فأتيا بي جبلًا وعرًا فقالا: اصعد. فقلت: لا أطيقه. فقالا: إنَّا سنسهله لك. قال: فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا أنا بأصوات شديدة، فقلت: ما هؤلاء الأصوات؟ فقالا: عواء أهل النار. ثم انطلقا بي، فإذا بقوم معلَّقين بعراقيبهم، مشقَّقة أشداقهم، تسيل أشداقُهم دمًا، فقلت: ما هؤلاء؟ فقالا: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلَّة صومهم". فقال: "خابت اليهود والنصارى". قال سُليم: [لا أدري] أسمعه من رسول الله ﷺ أم من رأيه "ثم انطلقا بي، فإذا قوم أشدُّ شيء انتفاخًا، وأنتنُ شيء ريحًا، كأنَّ ريحهم المراحيض، قلت: من هؤلاء؟ قالا: هؤلاء قتلى الكفار. ثم انطلقا بي، فإذا بقوم أشد [شيء] انتفاخًا، وأنتن شيء ريحًا، كأن ريحهم المراحيض. قلت: من هؤلاء؟ قالا: هؤلاء الزانون والزواني، ثم انطلقا بي، فإذا بنساءٍ تَنْهَشُ ثُدِيَّهُنَّ الحِيات، فقلت: ما بال هؤلاء؟ قالا: هؤلاء اللاتي يمنعن أولادهن ألبانهن. ثم انطلقا بي، فإذا بغِلْمَان يلعبون بين بحرين، قلت: من هؤلاء؟ قالا: هؤلاء ذراريُّ المؤمنين. ثم أشرفا بي شرفًا، فإذا بنفر ثلاثة يشربون من خمر لهم، فقلت: من هؤلاء؟ قالا: هؤلاء جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة. ثم أشرفا بي شرفًا آخر، فإذا أنا بنفر ثلاثة، فقلت: من هؤلاء؟ قالا: هؤلاء إبراهيم، وموسى، وعيسى، ﵈، وهم ينتظرونك" (٢). * * * فصل فيما قيل من الأشعار في غَزْوَة مُؤْتَةَ قال ابن إسحاق (٣): وكان مما بُكِي به أصحاب مؤتة قول حَسَّان (٤): [من الطويل] تأوّبني ليلٌ بيثربَ أَعسرُ … وهمٌّ إذا ما نوَّم الناس مسهرُ

стр. 1991

لذكرى حبيبٍ هَيَّجَتْ لي عَبرةً … سَفُوحًا وأسبابُ البُكاء التَّذَكُّرُ بلى إنّ فُقدان الحبيبِ بليّةٌ … وكم من كريم يُبتلى ثم يَصْبِرُ رأيت خيارَ المسلمين تواردوا … شعوبًا وخلفًا بعدهم يتأخرُ فلا يُبْعِدَنَّ الله قتلى تتابعوا … بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفرُ وزيد وعبد الله حين تتابعوا … جميعًا وأسباب المنية تخطرُ غداة مضَوا بالمؤمنين يقودهم … إلى الموت ميمون النقيبة أزهرُ أغرُّ كضوء البدر من آل هاشم … أبيّ إذا سيم الظلامة مجسرُ فَطَاعَنَ حتّى مَالَ غير موسّدٍ … بمعترَك فيه القنا مُتَكَسِّرُ فَصَارَ مع المستشهدين ثَوَابُهُ .... جِنَانٌ وملتفّ الحدائقِ أَخضرُ وكنا نرى في جعفر مِنْ محمدٍ … وفاءً وأَمرًا حازمًا حين يأمرُ وما زال في الإسلام من آل هاشمٍ … دعائمُ عزّ لا يُزلْن ومفخرُ هُمُ جبل الإسلام والناس حولهم … رِضام إلى طود يروق ويقهرُ بهاليلُ منهم جعفر وابن أمه … عليّ ومنهم أحمد المتخيَّرُ وحمزة والعبّاس منهم ومنهمُ … عقيل وماء العود من حيث يُعصرُ بهم تفرجُ اللأواء في كلّ مأزق … عَمَاسٍ إذا ما ضَاقَ بالناس مَصْدَرُ هُمُ أولياء الله أنزل حكمَه … عليهم وفيهم ذا الكتاب المطهّرُ وقال كعب بن مالك رضي الله عنا (١): [من الكامل] نام العيونُ ودمعُ عينك يهمُلُ … سَحًّا كما وكَفَ الطِّبابُ المُخضِلُ في ليلة وردت عليَّ هُمُومُهَا … طورًا أَحِنُّ وتارةً أتمَلملُ واعتادني حُزْنٌ فبِتّ كأنّني … ببناتِ نعشٍ والسِّمَاكُ مُوَكَّلُ وكأنما بين الجَوانِحِ والحَشَا … ممّا تأوَّبني شِهَابٌ مُدْخَلُ وَجدًا على النّفر الذين تتابعوا … يومًا بمؤتة أسندوا لم ينقلوا صلى الإله عليهمُ من فتيةٍ … وسقى عِظَامَهُمُ الغَمَامُ المسبلُ صبروا بمُؤْتَةَ للإله نفوسهمْ … حَذَرَ الرّدى ومَخَافَةً أن يَنْكُلُوا فمَضَوا أمام المسلمين كأنّهم … فُنُقُ (٢) عليهن الحديد المرفلُ إذ يهتدونَ بجعفرٍ ولوائهِ … قُدَّام أولهم فنعم الأوّلُ

стр. 1992

حتى تفرجت الصفوف وجعفرٌ … حيث التقى وعث الصفوف مجدّلُ فتغيّر القمرُ المنيرُ لفقدهِ … والشمسُ قد كَسَفَتْ وكادت تأفِلُ قرْم علا بنيانه من هاشم … فرعًا أشمّ وسؤددا ما ينقلُ قوم بهم عَصَمَ الإلهُ عِبَادَهُ … وعليهمُ نَزَلَ الكِتَابُ المنزلُ فضلوا المعاشر عزّة وتكرّمًا … وتغمّدت أحلامهم من يجهلُ لا يطلقون إلى السّفاه حُبُاهُمُ … ويرى خطيبهمُ بحق يفصلُ بيض الوجوه ترى بطون أَكُفِّهِمْ … تندى إذا اعتَذَرَ الرمَانُ الممحلُ وبهَدْيِهِمْ رضي الإلهُ لِخَلْقِهِ … وبجدّهم نُصِرَ النَّبيّ المرسلُ * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب بعث رسول الله ﷺ إلى ملوك الآفاق وكتبه إليهم يدعوهم إلى الله، ، وإلى الدخول في الإسلام (١) ذكر الواقديّ (٢) أن ذلك كان في آخر سنة ستّ في ذي الحجَّة، بعد عُمْرَة الحُديبية. وذكر البيهقيّ (٣) هذا الفصل في هذا الموضع، بعد غزوة مُؤْتَةَ، والله أعلم. ولا خلاف بينهم أن بدء ذلك كان قبل فتح مكة وبعد الحُديبية؛ لقول أبي سُفيان لهِرَقْلَ حين سأله: هل يَغْدرُ؟ فقال: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها. وفي لفظ للبخاري (٤): وذلك في المدة التي مادّ (٥) فيها أبو سُفيان رسول الله.

стр. 1993

وقال محمد بن إسحاق (١): كان ذلك ما بين الحُدَيبية ووفاته، ﵊. ونحن نذكر ذلك هاهنا، وإن كان قول الواقدي محتملًا، والله أعلم. وقد روى مسلم (٢)، عن يوسف بن حَمَّاد المعنيّ، عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عَرُوْبَة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ كتب قبل موته إلى كسرى وقَيصر، وإلى النجاشي، وإلى كلّ جَبَّار؛ يدعوهم إلى الله، ، وليس بالنجاشيّ الذي صلّى عليه. وقال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، حدثني الزّهريّ (٣)، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن عبد الله بن عباس، حدثني أبو سفيان، مِن فيه إلى فيّ، قال: كنا قومًا تُجَّارًا، وكانت الحرب قد حصرتنا حتى نهكت أموالنا، فلمّا كانت الهُدْنَة - هُدْنَة الحُدَيبية - بيننا وبين رسول الله ﷺ لم نأمن أن وجدنا أمنًا، فخرجْتُ تاجرًا إلى الشام مع رهطٍ من قريش، فوالله ما علمت بمكة امرأة ولا رجلًا إلا وقد حمّلني بضاعةً، وكان وجه متجرنا من الشام غَزَّة من أرض فلسطين، فخرجنا حتى قدمناها، وذلك حين ظهر قيصر صاحب الروم على من كان في بلاده من الفرس، فأخرجهم منها، وردّ عليه صليبه الأعظم، وقد كان استلبوه إياه، فلمّا أن بلغه ذلك، وقد كان منزله بحمص من أرض الشام، فخرج منها يمشي متشكّرًا إلى بيت المقدس؛ ليصلي فيه، تُبسط له البسط، وتطرح له عليها الرَّياحين، حتى انتهى إلى إيلياء فصلّى بها، فأصبح ذات غداة وهو مهموم، يقلَّب طرفه إلى السماء، فقالت بطارقته: أيها الملك، لقد أصبحت مهمومًا. فقال: أجل. فقالوا: وما ذاك؟ فقال: أُريت في هذه الليلة أن ملك الختان ظاهرٌ. فقالوا: والله ما نعلم أمة من الأمم تختن إلا اليهود، وهم تحت يديك وفي سلطانك، فإن كان قد وقع هذا في نفسك منهم، فابعث في مملكتك كلّها، فلا يبقى يهوديّ إلا ضربت عنقه، فتستريح من هذا الهم. فإنهم في ذلك من رأيهم يدبرونه، إذ أتاهم رسول صاحب بُصْرَى برجل من العرب قد وقع إليهم، فقال: أيها الملك، إن هذا رجل من العرب من أهل الشاء والإبل، يحدثك عن حدث كان ببلاده، فاسأله عنه. فلمّا انتهى إليه، قال لترجمانه: سله ما هذا الخبر الذي كان في بلاده؟ فسأله فقال: رجل من العرب من قريش، خرج يزعم أنه نبيّ، وقد اتبعه أقوام وخالفه آخرون، وقد كانت بينهم ملاحم في مواطن، فخرجتُ من بلادي وهم على ذلك. فلمّا أخبره الخبر قال: جرّدوه. فإذا هو مختون، فقال: هذا والله الذي قد أُريت، لا ما تقولون، أعطه ثوبه، انطلق لشأنك. ثم إنه دعا صاحب شرطته، فقال له: قَلِّب لي الشام ظهرًا لبطنٍ، حتى تأتيَ برجل من قوم هذا أسأله عن شأنه.

стр. 1994

قال أبو سفيان: فوالله إني وأصحابي لَبِغزّة، إذ هجم علينا، فسألنا: ممّن أنتم؟ فأخبرناه، فساقنا إليه جميعًا، فلمّا انتهينا إليه، قال أبو سفيان: فوالله ما رأيت من رجل قط أزعم أنه كان أدهى من ذلك الأغلف - يريد هرقل - قال: فلمّا انتهينا إليه قال: أيكم أمسّ به رحمًا؟ فقلت: أنا. قال: أدنوه مني. قال: فأجلسني بين يديه ثم أمر بأصحابي، فأجلسهم خلفي، وقال: إن كذب فردوا عليه. قال أبو سفيان: فلقد عرفت أني لو كذبت ما ردوا عليّ، ولكنّي كنت امرءًا سَيّدًا، أتكرم وأستحي من الكذب، وعرفت أنّ أدنى ما يكون في ذلك أن يرووه عنّي، ثم يتحدثوا به عنّي بمكّة، فلم أكذبه. فقال: أخبرني عن هذا الرجل الذي خرج فيكم. فزهَّدْتُ له شأنه، وصَغّرت له أَمْرَهُ، فوالله ما التفت إلى ذلك منّي، وقال لي: أخبرني عما أسألك عنه من أمره. فقلت: سلني عما بدا لك؟ فقال: كيف نسبه فيكم؟ فقلت: محضًا (١)، من أوسطنا نسبًا. قال: فأخبرني هل كان من أهل بيته أحد يقول مثل قوله، فهو يتشبّه به؟ فقلت: لا. قال: فأخبرني هل كان له مُلك فاستلبتموه إيَّاه، فجاء بهذا الحديث لتردّوه عليه؟ قلت: لا. قال: فأخبرني عن أتباعه، من هم؟ فقلت: الأحداثُ والضّعفاء والمساكين، فأمّا أشرافهم وذوو الأسنان (٢) فلا. قال: فأخبرني عمّن يصحبه، أيحبه ويلزمه، أم يقليه ويفارقه؟ قلت: قلّ ما صحبه رجل ففارقه. قال: فأخبرني عن الحرب بينكم وبينه؟ فقلت: سِجَال، يُدال علينا ونُدال عليه. قال: فأخبرني هل يغدر؟ فلم أجد شيئًا أغرّه به إلا هي، قلت: لا، ونحن منه في مدّة، ولا نأمن غدره فيها، فوالله ما التفت إليها مني. قال: فأعاد عليّ الحديث، فقال: زعمتَ أنه [من] أمحضكم نسبًا، وكذلك يأخذ الله النبيّ إذا أخذه، لا يأخذه إلا من أوسط قومه، وسألتك هل كان من أهل بيته أحد يقول مثل قوله فهو يتشبّه به، فقلت: لا. وسألتك هل كان له مُلك فاستلبتموه إيَّاه، فجاء بهذا الحديث لتردّوا عليه ملكه، فقلتَ: لا. وسألتك عن أتباعه، فزعمت أنهم الأحداث والمساكين والضعفاء، وكذلك أتباع الأنبياء في كلّ زمان، وسألتك عمّن يتبعه، أيحبه ويلزمه، أم يَقليه ويفارقه، فزعمت أنه قلّ من يصحبه فيفارقه، وكذلك حلاوة الإيمان، لا تدخل قلبًا فثخرج منه، وسألتك كيف الحرب بينكم وبينه، فزعمت أنها سِجَال؛ يُدال عليكم وتدالون عليه، وكذلك تكون حرب الأنبياء، ولهم تكون العاقبة، وسألتك هل يغدر، فزعمت أنه لا يغدر، فلئن كنت صدقتني، ليغلبنّ على ما تحت قدميّ هاتين، ولوددت أني عنده فأغسل عن قدميه. ثم قال: الحَق بشأنك. قال: فقمت وأنا أضرب بإحدى يديّ على الأخرى، وأقول: يا عباد الله، لقد أَمِر أمْرُ ابن أبي كبشة (٣) أصبح ملوك بني

стр. 1995

الأصفر (١) يخافونه في سلطانهم. قال ابن إسحاق (٢): وحدثني الزّهريّ قال: حدثني أُسقفٌّ من النَّصارى، قد أدرك ذلك الزمان قال: قدم دِحْيَةُ بن خليفة على هِرَقْل بكتاب رسول الله ﷺ فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هِرَقْلَ عظيم الزوم، سَلَامٌ على من اتَّبَع الهُدَى. أمّا بعد: فأسلِم تَسلَم، وأَسلِم يؤتك الله أَجْرَكَ مَرَّتين، فإن أَبَيْتَ فإنَّ إثم الأكّارين (٣) عَلَيْكَ". قال: فلمّا انتهى إليه كتابه وقرأه، أخذه فجعله بين فخذه وخاصرته، ثم كتب إلى رجل من أهل رُومية، كان يقرأ من العِبْرَانِيّة ما يقرأ، يخبره عما جاءه من رسول الله ﷺ ، فكتب إليه: إنه النبيُّ الذي ينتظر لا شك فيه، فاتّبعه. فأمر بعظماء الرُّوم، فجمعوا له فى دَسْكرة (٤) ملكه، ثم أمر بها فأشرجت عليهم، واطلع عليهم من عِلِّيّة له وهو منهم خائف، فقال: يا معشر الرُّوم، إنه قد جاءني كتاب أحمد، وإنه والله النبيّ الذي كُنَّا ننتظر ونجد ذكره فى كتابنا، نعرفه بعلاماته وزمانه، فأسلموا واتبعوه تسلم لكم دنياكم وآخرتكم. فنخروا نَخرة رجل واحد، وابتدروا أبواب الدَّسكرة فوجدوها مُغْلَقةً دونهم، فخافهم وقال: ردُّوهم عليَّ. فردّوهم عليه، فقال لهم: يا معشر الرُّوم، إني إنما قلت لكم هذه المقالة أختبركم بها؛ لأنظر كيف صلابتكم في دينكم، فلقد رأيت منكم ما سرَّني. فوقعوا له سُجَّدًا، ثم فتحت لهم أبواب الدَّسْكَرَة فخرجوا. وقد روى البخاريُّ قصة أبي سفيان مع هرقل بزيادات أُخر، أحببنا أن نوردها بسندها وحروفها من "الصحيح"؛ ليُعلم ما بين السياقين من التباين، وما فيها من الفوائد. قال البخاريُّ قبل الإيمان من "صحيحه" (٥): حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، ثنا شعيب، عن الزُّهريِّ، أخبرني عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مَسعود، أن عبد الله بن عباس أخبره، أن أبا سُفْيَان أخبره أن هِرَقْلَ أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تُجَّارًا بالشام في المدَّة التي كان رسول الله ﷺ مادَّ فيها أبا سفيان وكُفّار قريش، فأتوه وهم بإيليا (٦)، فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الرّوم، ثم دعاهم

стр. 1996

ودعا بالتَّرجمان فقال: أيّكم أَقْرَبُ نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبيٌّ؟. قال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسبًا. قال: أدنوه مني، وقرِّبوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره. ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذبني فكذِّبوه، فوالله لولا أن يأثِروا عنِّي كذبًا لكذبت عنه، ثم كان أوَّل ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قطُّ قبله؟ قلت: لا. قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا. قال: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتدُّ أحد منهم سَخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا. قال: فهل كُنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مدَّة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: ولم تمكنِّي كلمة أُدخِل فيها شيئًا غيرَ هذه الكلمة. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إيَّاه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سِجَالٌ؛ ينال منَّا وننال منه. قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم. ويأمرنا بالصلاة والصِّدْق والعَفَاف والصِّلة. فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه، فزعمت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرُّسل تبعث في نسب قومها، وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله، فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله، لقلت: رجل يتأسَّى بقول قيل قبله. وسألتك هل كان من آبائه من ملك، فذكرت أن لا، فلو كان من آبائه من ملك، قلت: رجل يطلب مُلْكَ أبيه. وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذَر الكذب على الناس ويكذب على الله. وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاهم؟ فذكرت أن ضعفاهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل. وسألتك أيزيدون أم ينقصون، فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم، وسألتك أيرتدُّ أحد منهم سَخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب. وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرُّسل لا تغدِر. وسألتك بما يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصّدق والعَفَاف، فإن كان ما تقول حقًا، فسيملك موضع قدميَّ هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظنُّ أنه منكم، فلو أعلم أني أخلص إليه، لتجشَّمت لقاءه، ولو كنت عنده، لغَسّلْتُ عن قدميه. ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ الذي بعث به مع دِحْيَةَ إلى عظيم بُصرى، فدفعه إلى هرقل، فإذا فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمدٍ عبد الله ورسولهِ إلى هِرَقْلَ عظيم الرُّوم، سَلَامٌ على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسْلَم، يؤتك الله أجرك مَرَّتين، فإن توليتَ فإنّ عليك إثم الأريسيِّين (١)، و: ﴿يَاأَهْلَ

стр. 1997

الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] (١). قال أبو سفيان: فلمَّا قال ما قال، وفرغ من قراءة الكتاب، كثر عنده الصَّخب، وارتفعت الأصوات، وأُخرجنا، فقلت لأصحابي حين أُخرجنا: لقد أَمِرَ أمْرُ ابن أبي كَبْشَة! إنَّه يخافه مَلِكُ بني الأصفر! فما زلت موقنًا أنَّه سيظهر، حتى أدخل الله عليَّ الإسلام. قال: وكان ابن النَّاطور - صاحب إيلياء وهرقل - سُقُفًّا على نصارى الشام، يُحَدِّثُ أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يومًا خبيثَ النَّفس، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك. قال ابن الناطور: وكان هرقل حَزَّاءً ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه: إنَّي رأيت حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة؟ قالوا: ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمَّنَّك شأنهم، واكتب إلى مدائن ملكك فليقتلوا من فيهم من اليهود. فبينما هم على أمرهم، أتي هرقل برجل أَرسل به ملك غسَّان، يخبر عن خبر رسول الله ﷺ فلمَّا استخبره هرقل قال: اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا؟ فنظروا إليه، فحدثوه أنَّه مختتن. وسأله عن العرب، فقال: هم يختتنون. فقال هرقل: هذا مُلْك هذه الأمة قد ظهر. ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية، وكان نظيره في العلم، وسار هرقل إلى حمص، فلم يَرِم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه، يوافق رأي هرقل على خروج النبي ﷺ وأنه نبيّ، فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلِّقت، ثم اطَّلع فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرُّشد، وأن يثبُت لكم مُلككم، فتبايعوا لهذا النبيِّ. فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلِّقت، فلمَّا رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإيمان قال: ردُّوهم عليٌّ. وقال: إني إنما قلت مقالتي آنفًا أختبر بها شدَّتكم على دينكم، فقد رأيت. فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل. قال البخاري: ورواه صالح بن كيسان، ويونس، ومعمر، عن الزهريِّ. وقد رواه البخاريُّ في مواضع كثيرة في "صحيحه" بألفاظ يطول استقصاؤها (٢). وأخرجه بقية الجماعة، إلا ابن ماجه، من طرق عن الزُّهري (٣). وقد تكلَّمنا على هذا الحديث مطولًا في أول شرحنا لـ "صحيح البخاريِّ" بما فيه كفاية، وذكرنا فيه من الفوائد والنُّكت المعنوية واللفظية، ولله الحمد والمنَّة.

стр. 1998

وقال ابن لهيعة، عن الأسود، عن عُرْوَة قال (١): خرج أبو سفيان بن حرب إلى الشام تاجرًا في نفر من قريش، وبلغ هرقل شأن رسول الله ﷺ ، فأراد أن يعلم ما يعلم من أمر رسول الله ﷺ فأرسل إلى صاحب العرب الذي بالشام في ملكه، فأمره أن يبعث إليه برجال من العرب يسألهم عنه، فأرسل إليه ثلاثين رجلًا، منهم أبو سفيان بن حرب، فدخلوا عليه في كنيسة إيلياء التي في جوفها، فقال هرقل: أرسلت إليكم لتخبروني عن هذا الذي بمكة، ما أمره؟ قالوا: ساحر كذاب، وليس بنبيٍّ. قال: فأخبروني بأعلمِكم به وأقربكم منه رحمًا؟ قالوا: هذا أبو سفيان ابن عَمِّه، وقد قاتله. فلمَّا أخبروه ذلك، أمر بهم فأخرجوا عنه، ثم أجلس أبا سفيان فاستخبره، قال: أخبرني يا أبا سفيان. فقال: هو ساحر كذاب. فقال هرقل: إني لا أريد شتمه، ولكن كيف نسبه فيكم؟ قال: هو والله من بيت قريش. قال: كيف عقله ورأيه؟ قال: لم نعب له عقلًا ولا رأيًا قط. قال هرقل: هل كان حَلّافًا كذَّابًا مخادعًا في أمره؟ قال: لا والله ما كان كذلك. قال: لعله يطلب مُلكًا أو شرفًا كان لأحد من أهل بيته قبله؟ قال أبو سفيان: لا. ثم قال: من يتبعه منكم هل يرجع إليكم منهم أحد؟ قال: لا. قال هرقل: هل يغدر إذا عاهد؟ قال: لا، إلا أن يغدر مدَّته هذه. فقال هرقل: وما تخاف من مدَّته هذه؟ قال: إن قومي أمدُّوا حلفاءهم على حلفائه وهو بالمدينة. قال هرقل: إن كنتم أنتم بدأتم فأنتم أغدر. فغضب أبو سفيان وقال: لم يغلبنا إلا مرة واحدة وأنا يومئذ غائب - وهو يوم بدر - ثم غزوته مرَّتين في بيوتهم، بقر البطون، ونجدِّع الآذان والفروج. فقال هرقل: أكاذبًا تراه أم صادقًا؟ فقال: بل هو كاذب. فقال: إن كان فيكم نبي، فلا ثقتلوه، فإنَّ أفعل الناس لذلك اليهود. ثم رجع أبو سفيان. ففي هذا السياق غَرَابة، وفيه فوائد ليست عند ابن إسحاق، ولا البخاريِّ. وقد أورد موسى بن عقبة في "مغازيه" قريبًا مما ذكره عُروة بن الزُّبير، والله أعلم. وقال ابن جرير في "تاريخه" (٢): ثنا ابن حُميد، ثنا سلمة، ثنا محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم، أن هرقل قال لدِحْيَةَ بن خليفة الكلبيِّ حين قدم عليه بكتاب رسول الله ﷺ : والله إني لأعلم أن صاحبك نبي مرسل، وأنه الذي كنا ننتظر ونجده في كتابنا، ولكنِّي أخاف الروم على نفسي، ولولا ذلك لاتبعته، فاذهب إلى ضغاطر الأسقف، فاذكر له أمر صاحبكم، فهو والله في الروم أعظم منِّي، وأجوز قولًا عندهم منِّي، فانظر ماذا يقول لك؟ قال: فجاءه دحية، فاخبره بما جاء به من رسول الله ﷺ إلى هرقل، وبما يدعو إليه، فقال ضغاطر: صاحبك والله نبي مرسل، نعرفه بصفته، ونجده في كتابنا

стр. 1999

باسمه. ثم دخل وألقى ثيابًا كانت عليه سودًا، ولبس ثيابا بياضًا، ثم أخذ عصاه فخرج على الروم في الكنيسة فقال: يا معشر الرُّوم، إنه قد جاءنا كتاب من أحمد، يدعونا فيه إلى الله، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن أحمد عبده ورسوله. قال: فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، فضربوه حتى قتلوه. قال: فلما رجع دحية إلى هرقل، فأخبره الخبر، قال: قد قلت لك: إنا نخافهم على أنفسنا، فضغاطر والله كان أعظم عندهم، وأجوز قولًا منِّي. وقد روى الطبرانيُّ (١) من طريق يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن عبد الله بن شداد، عن دحية الكلبيِّ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى قيصر صاحب الرُّوم بكتاب، فقلت: استأذنوا لرسولِ رسولِ الله ﷺ . فأُتي قيصر فقيل له: إن على الباب رجلًا يزعم أنَّه رسول الله. ففزعوا لذلك، فقال: أدخله. فأدخلني عليه وعنده بطارقته، فأعطيته الكتاب، فإذا فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى قيصر صاحب الروم". فنخر ابن أخ له أحمر أَزرق سبط، فقال: لا تقرأ الكتاب اليوم، فإنه بدأ بنفسه، وكتب صاحبَ الرُّوم، ولم يكتب ملكَ الرُّوم. قال: فقرئ الكتاب حتى فرغ منه، ثم أمرهم فخرجوا من عنده، ثم بعث إليَّ، فدخلت عليه، فسألني فأخبرته، فبعث إلى الأسقفِّ فدخل عليه، وكان صاحب أمرهم، يصدرون عن رأيه وعن قوله، فلمَّا قرأ الكتاب قال الأسقفُّ: هو والله الذي بشَّرنا به موسى وعيسى، الذي كنا ننتظر. قال قيصر: فما تأمرني؟ قال الأسقفُّ: أمَّا أنا فإنِّي مُصَدِّقه ومتَّبعه. فقال قيصر: أعرف أنَّه كذلك، ولكن لا أستطيع أن أفعل، إن فعلتُ ذهب مُلْكي وقتلني الرُّوم. وبه قال محمد بن إسحاق (٢)، عن خالد بن يسار، عن رجل من قدماء أهل الشام قال: لمَّا أراد هرقل الخروج من أرض الشام إلى القسطنطينيَّة؛ لِما بلغه من أمر النبيِّ ﷺ جمع الرُّوم فقال: يا معشر الرُّوم، إني عارض عليكم أمورًا، فانظروا فيما أردت بها. قالوا: ما هي؟ قال: تعلمون والله أن هذا الرجل لنبي مرسل، نجده في كتابنا، نعرفه بصفته التي وُصف لنا، فهلمَّ فلنتَّبعه، فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا. فقالوا: نحن نكون تحت أيدي العرب، ونحن أعظم الناس ملكًا، وأكثرهم رجالًا، وأقصاهم بلدًا؟! قال: فهلمَّ أعطيه الجزية كلَّ سنة، أكسر عنِّي شوكته، وأستريح من حربه بما أعطيه إياه. قالوا: نحن نعطي العرب الذُّلّ والصغار بخرج يأخذونه منَّا، ونحن أكثر الناس عددًا، وأعظمهم ملكًا، وأمنعهم بلدًا؟! لا والله لا نفعل هذا أبدًا. قال: فهلمَّ فلأصالحه على أنْ أُعطيه أرض سورية، ويدعني وأرضَ الشام - قال: وكانت أرض سورية؛ فلسطين، والأردن، ودمشق، وحمص، وما دون

стр. 2000

الدرب من أرض سورية، وما كان وراء الدَّرب عندهم فهو الشام - فقالوا: نحن نعطيه أرض سورية وقد عرفتَ أنها سُرَّة الشام؟! لا نفعل هذا أبدًا. فلمَّا أبوا عليه قال: أما والله لتودُّن أنَّكم قد ظفرتم، إذا امتنعتم منه في مدينتكم. قال: ثم جلس على بغل له فانطلق، حتى إذا أشرف على الدَّرب، استقبل أرض الشام، ثم قال: السلام عليكِ يا أرض سورية تسليم الوداع، ثم ركض حتى دخل القسطنطينيَّة، والله أعلم. * * * إرساله ﷺ إلى ملك العرب من النصارى الذين بالشام قال ابن إسحاق (١): ثم بعث رسول الله ﷺ شُجَاع بن وَهْب، أخا بني أسد بن خُزيمة، إلى المنذر بن الحارث بن أبي شَمِر الغَسَّانيِّ، صاحب دمشق. قال الواقديٌّ (٢): وكتب معه: "سَلَامٌ على من اتَّبع الهُدى وآمنَ بهِ، وأدعوكَ إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريكَ له؛ يبقى لك مُلْكُكَ" (٣)، فقدم شُجَاع بن وَهْب فقرأه عليه فقال: ومن ينتزع ملكي؟ إنِّي سأسير إليه. * * * ذكر بعثه ﷺ إلى كِسْرى مَلِكِ الفُرس روى البخاريُّ (٤) من حديث اللّيث، عن يونس، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبةَ، عن ابن عبَّاس أن رسول اللّه ﷺ بعث بكتابه مع رجل إلى كسرى، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه كسرى مزّقَهُ. قال: فحسبت أن ابن المُسَيّب قال: فدعا عليهم رسول الله ﷺ أن يُمَزّقوا كلّ مُمَزّقٍ.
следующие страницы →