← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

ودعا بالتَّرجمان فقال: أيّكم أَقْرَبُ نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبيٌّ؟. قال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسبًا. قال: أدنوه مني، وقرِّبوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره. ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذبني فكذِّبوه، فوالله لولا أن يأثِروا عنِّي كذبًا لكذبت عنه، ثم كان أوَّل ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قطُّ قبله؟ قلت: لا. قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا. قال: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتدُّ أحد منهم سَخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا. قال: فهل كُنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مدَّة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: ولم تمكنِّي كلمة أُدخِل فيها شيئًا غيرَ هذه الكلمة. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إيَّاه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سِجَالٌ؛ ينال منَّا وننال منه. قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم. ويأمرنا بالصلاة والصِّدْق والعَفَاف والصِّلة. فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه، فزعمت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرُّسل تبعث في نسب قومها، وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله، فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله، لقلت: رجل يتأسَّى بقول قيل قبله. وسألتك هل كان من آبائه من ملك، فذكرت أن لا، فلو كان من آبائه من ملك، قلت: رجل يطلب مُلْكَ أبيه. وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذَر الكذب على الناس ويكذب على الله. وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاهم؟ فذكرت أن ضعفاهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل. وسألتك أيزيدون أم ينقصون، فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم، وسألتك أيرتدُّ أحد منهم سَخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب. وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرُّسل لا تغدِر. وسألتك بما يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصّدق والعَفَاف، فإن كان ما تقول حقًا، فسيملك موضع قدميَّ هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظنُّ أنه منكم، فلو أعلم أني أخلص إليه، لتجشَّمت لقاءه، ولو كنت عنده، لغَسّلْتُ عن قدميه. ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ الذي بعث به مع دِحْيَةَ إلى عظيم بُصرى، فدفعه إلى هرقل، فإذا فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمدٍ عبد الله ورسولهِ إلى هِرَقْلَ عظيم الرُّوم، سَلَامٌ على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسْلَم، يؤتك الله أجرك مَرَّتين، فإن توليتَ فإنّ عليك إثم الأريسيِّين (١)، و: ﴿يَاأَهْلَ

стр. 1997

الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] (١). قال أبو سفيان: فلمَّا قال ما قال، وفرغ من قراءة الكتاب، كثر عنده الصَّخب، وارتفعت الأصوات، وأُخرجنا، فقلت لأصحابي حين أُخرجنا: لقد أَمِرَ أمْرُ ابن أبي كَبْشَة! إنَّه يخافه مَلِكُ بني الأصفر! فما زلت موقنًا أنَّه سيظهر، حتى أدخل الله عليَّ الإسلام. قال: وكان ابن النَّاطور - صاحب إيلياء وهرقل - سُقُفًّا على نصارى الشام، يُحَدِّثُ أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يومًا خبيثَ النَّفس، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك. قال ابن الناطور: وكان هرقل حَزَّاءً ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه: إنَّي رأيت حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة؟ قالوا: ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمَّنَّك شأنهم، واكتب إلى مدائن ملكك فليقتلوا من فيهم من اليهود. فبينما هم على أمرهم، أتي هرقل برجل أَرسل به ملك غسَّان، يخبر عن خبر رسول الله ﷺ فلمَّا استخبره هرقل قال: اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا؟ فنظروا إليه، فحدثوه أنَّه مختتن. وسأله عن العرب، فقال: هم يختتنون. فقال هرقل: هذا مُلْك هذه الأمة قد ظهر. ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية، وكان نظيره في العلم، وسار هرقل إلى حمص، فلم يَرِم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه، يوافق رأي هرقل على خروج النبي ﷺ وأنه نبيّ، فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلِّقت، ثم اطَّلع فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرُّشد، وأن يثبُت لكم مُلككم، فتبايعوا لهذا النبيِّ. فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلِّقت، فلمَّا رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإيمان قال: ردُّوهم عليٌّ. وقال: إني إنما قلت مقالتي آنفًا أختبر بها شدَّتكم على دينكم، فقد رأيت. فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل. قال البخاري: ورواه صالح بن كيسان، ويونس، ومعمر، عن الزهريِّ. وقد رواه البخاريُّ في مواضع كثيرة في "صحيحه" بألفاظ يطول استقصاؤها (٢). وأخرجه بقية الجماعة، إلا ابن ماجه، من طرق عن الزُّهري (٣). وقد تكلَّمنا على هذا الحديث مطولًا في أول شرحنا لـ "صحيح البخاريِّ" بما فيه كفاية، وذكرنا فيه من الفوائد والنُّكت المعنوية واللفظية، ولله الحمد والمنَّة.

стр. 1998

وقال ابن لهيعة، عن الأسود، عن عُرْوَة قال (١): خرج أبو سفيان بن حرب إلى الشام تاجرًا في نفر من قريش، وبلغ هرقل شأن رسول الله ﷺ ، فأراد أن يعلم ما يعلم من أمر رسول الله ﷺ فأرسل إلى صاحب العرب الذي بالشام في ملكه، فأمره أن يبعث إليه برجال من العرب يسألهم عنه، فأرسل إليه ثلاثين رجلًا، منهم أبو سفيان بن حرب، فدخلوا عليه في كنيسة إيلياء التي في جوفها، فقال هرقل: أرسلت إليكم لتخبروني عن هذا الذي بمكة، ما أمره؟ قالوا: ساحر كذاب، وليس بنبيٍّ. قال: فأخبروني بأعلمِكم به وأقربكم منه رحمًا؟ قالوا: هذا أبو سفيان ابن عَمِّه، وقد قاتله. فلمَّا أخبروه ذلك، أمر بهم فأخرجوا عنه، ثم أجلس أبا سفيان فاستخبره، قال: أخبرني يا أبا سفيان. فقال: هو ساحر كذاب. فقال هرقل: إني لا أريد شتمه، ولكن كيف نسبه فيكم؟ قال: هو والله من بيت قريش. قال: كيف عقله ورأيه؟ قال: لم نعب له عقلًا ولا رأيًا قط. قال هرقل: هل كان حَلّافًا كذَّابًا مخادعًا في أمره؟ قال: لا والله ما كان كذلك. قال: لعله يطلب مُلكًا أو شرفًا كان لأحد من أهل بيته قبله؟ قال أبو سفيان: لا. ثم قال: من يتبعه منكم هل يرجع إليكم منهم أحد؟ قال: لا. قال هرقل: هل يغدر إذا عاهد؟ قال: لا، إلا أن يغدر مدَّته هذه. فقال هرقل: وما تخاف من مدَّته هذه؟ قال: إن قومي أمدُّوا حلفاءهم على حلفائه وهو بالمدينة. قال هرقل: إن كنتم أنتم بدأتم فأنتم أغدر. فغضب أبو سفيان وقال: لم يغلبنا إلا مرة واحدة وأنا يومئذ غائب - وهو يوم بدر - ثم غزوته مرَّتين في بيوتهم، بقر البطون، ونجدِّع الآذان والفروج. فقال هرقل: أكاذبًا تراه أم صادقًا؟ فقال: بل هو كاذب. فقال: إن كان فيكم نبي، فلا ثقتلوه، فإنَّ أفعل الناس لذلك اليهود. ثم رجع أبو سفيان. ففي هذا السياق غَرَابة، وفيه فوائد ليست عند ابن إسحاق، ولا البخاريِّ. وقد أورد موسى بن عقبة في "مغازيه" قريبًا مما ذكره عُروة بن الزُّبير، والله أعلم. وقال ابن جرير في "تاريخه" (٢): ثنا ابن حُميد، ثنا سلمة، ثنا محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم، أن هرقل قال لدِحْيَةَ بن خليفة الكلبيِّ حين قدم عليه بكتاب رسول الله ﷺ : والله إني لأعلم أن صاحبك نبي مرسل، وأنه الذي كنا ننتظر ونجده في كتابنا، ولكنِّي أخاف الروم على نفسي، ولولا ذلك لاتبعته، فاذهب إلى ضغاطر الأسقف، فاذكر له أمر صاحبكم، فهو والله في الروم أعظم منِّي، وأجوز قولًا عندهم منِّي، فانظر ماذا يقول لك؟ قال: فجاءه دحية، فاخبره بما جاء به من رسول الله ﷺ إلى هرقل، وبما يدعو إليه، فقال ضغاطر: صاحبك والله نبي مرسل، نعرفه بصفته، ونجده في كتابنا

стр. 1999

باسمه. ثم دخل وألقى ثيابًا كانت عليه سودًا، ولبس ثيابا بياضًا، ثم أخذ عصاه فخرج على الروم في الكنيسة فقال: يا معشر الرُّوم، إنه قد جاءنا كتاب من أحمد، يدعونا فيه إلى الله، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن أحمد عبده ورسوله. قال: فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، فضربوه حتى قتلوه. قال: فلما رجع دحية إلى هرقل، فأخبره الخبر، قال: قد قلت لك: إنا نخافهم على أنفسنا، فضغاطر والله كان أعظم عندهم، وأجوز قولًا منِّي. وقد روى الطبرانيُّ (١) من طريق يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن عبد الله بن شداد، عن دحية الكلبيِّ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى قيصر صاحب الرُّوم بكتاب، فقلت: استأذنوا لرسولِ رسولِ الله ﷺ . فأُتي قيصر فقيل له: إن على الباب رجلًا يزعم أنَّه رسول الله. ففزعوا لذلك، فقال: أدخله. فأدخلني عليه وعنده بطارقته، فأعطيته الكتاب، فإذا فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى قيصر صاحب الروم". فنخر ابن أخ له أحمر أَزرق سبط، فقال: لا تقرأ الكتاب اليوم، فإنه بدأ بنفسه، وكتب صاحبَ الرُّوم، ولم يكتب ملكَ الرُّوم. قال: فقرئ الكتاب حتى فرغ منه، ثم أمرهم فخرجوا من عنده، ثم بعث إليَّ، فدخلت عليه، فسألني فأخبرته، فبعث إلى الأسقفِّ فدخل عليه، وكان صاحب أمرهم، يصدرون عن رأيه وعن قوله، فلمَّا قرأ الكتاب قال الأسقفُّ: هو والله الذي بشَّرنا به موسى وعيسى، الذي كنا ننتظر. قال قيصر: فما تأمرني؟ قال الأسقفُّ: أمَّا أنا فإنِّي مُصَدِّقه ومتَّبعه. فقال قيصر: أعرف أنَّه كذلك، ولكن لا أستطيع أن أفعل، إن فعلتُ ذهب مُلْكي وقتلني الرُّوم. وبه قال محمد بن إسحاق (٢)، عن خالد بن يسار، عن رجل من قدماء أهل الشام قال: لمَّا أراد هرقل الخروج من أرض الشام إلى القسطنطينيَّة؛ لِما بلغه من أمر النبيِّ ﷺ جمع الرُّوم فقال: يا معشر الرُّوم، إني عارض عليكم أمورًا، فانظروا فيما أردت بها. قالوا: ما هي؟ قال: تعلمون والله أن هذا الرجل لنبي مرسل، نجده في كتابنا، نعرفه بصفته التي وُصف لنا، فهلمَّ فلنتَّبعه، فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا. فقالوا: نحن نكون تحت أيدي العرب، ونحن أعظم الناس ملكًا، وأكثرهم رجالًا، وأقصاهم بلدًا؟! قال: فهلمَّ أعطيه الجزية كلَّ سنة، أكسر عنِّي شوكته، وأستريح من حربه بما أعطيه إياه. قالوا: نحن نعطي العرب الذُّلّ والصغار بخرج يأخذونه منَّا، ونحن أكثر الناس عددًا، وأعظمهم ملكًا، وأمنعهم بلدًا؟! لا والله لا نفعل هذا أبدًا. قال: فهلمَّ فلأصالحه على أنْ أُعطيه أرض سورية، ويدعني وأرضَ الشام - قال: وكانت أرض سورية؛ فلسطين، والأردن، ودمشق، وحمص، وما دون

стр. 2000

الدرب من أرض سورية، وما كان وراء الدَّرب عندهم فهو الشام - فقالوا: نحن نعطيه أرض سورية وقد عرفتَ أنها سُرَّة الشام؟! لا نفعل هذا أبدًا. فلمَّا أبوا عليه قال: أما والله لتودُّن أنَّكم قد ظفرتم، إذا امتنعتم منه في مدينتكم. قال: ثم جلس على بغل له فانطلق، حتى إذا أشرف على الدَّرب، استقبل أرض الشام، ثم قال: السلام عليكِ يا أرض سورية تسليم الوداع، ثم ركض حتى دخل القسطنطينيَّة، والله أعلم. * * * إرساله ﷺ إلى ملك العرب من النصارى الذين بالشام قال ابن إسحاق (١): ثم بعث رسول الله ﷺ شُجَاع بن وَهْب، أخا بني أسد بن خُزيمة، إلى المنذر بن الحارث بن أبي شَمِر الغَسَّانيِّ، صاحب دمشق. قال الواقديٌّ (٢): وكتب معه: "سَلَامٌ على من اتَّبع الهُدى وآمنَ بهِ، وأدعوكَ إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريكَ له؛ يبقى لك مُلْكُكَ" (٣)، فقدم شُجَاع بن وَهْب فقرأه عليه فقال: ومن ينتزع ملكي؟ إنِّي سأسير إليه. * * * ذكر بعثه ﷺ إلى كِسْرى مَلِكِ الفُرس روى البخاريُّ (٤) من حديث اللّيث، عن يونس، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبةَ، عن ابن عبَّاس أن رسول اللّه ﷺ بعث بكتابه مع رجل إلى كسرى، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه كسرى مزّقَهُ. قال: فحسبت أن ابن المُسَيّب قال: فدعا عليهم رسول الله ﷺ أن يُمَزّقوا كلّ مُمَزّقٍ.

стр. 2001

وقال عبد الله بن وهب (١)، عن يونس، عن الزُّهريِّ، حدثني عبد الرحمن بن عبد القاريُّ، أنَّ رسول الله ﷺ قام ذات يومٍ على المنبر خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه وتشهَّد ثم قال: "أمَّا بعد: فإنِّي أُريد أن أبعث بعضكم إلى مُلُوك الأعاجم، فلا تختلفوا عليَّ كما اختلفت بنو إسرائيل على عيسى ابن مريم". فقال المهاجرون: يا رسول الله، إنا لا نختلف عليك في شيء أبدًا فمرنا وابعثنا. فبعث شُجَاع بن وَهْب إلى كسرى؛ فأمر كسرى بإيوانه أن يزيَّن، ثم أذن لعظماء فارس، ثم أذن لشُجَاع بن وَهْب، فلما أن دخل عليه أمرَ كسرى بكتاب رسول الله ﷺ أن يقبض منه، فقال شُجَاع بن وهب: لا، حتى أدفعه أنا إليك كما أمرني رسول الله ﷺ . فقال كسرى: ادنه. فدنا فناوله الكتاب، ثم دعا كاتبًا له من أهل الحيرة فقرأه، فإذا فيه: "من محمد عبد الله ورسوله إلى كسرى عظيم فارس". قال: فأغضبه حين بدأ رسول الله ﷺ بنفسه، وصَاح وغضب ومَزَّق الكِتَاب قبل أن يعلم ما فيه، وأمر بشُجَاع بن وهب فأُخرج، فلمَّا رأى ذلك قعد على راحلته، ثم سار، ثم قال: والله ما أُبالي على أيّ الطريقين أكون إذ أَدَّيت كتاب رسول الله ﷺ . قال: ولما ذهب عن كسرى سورة غضبه بعث إلى شجاع ليدخل عليه، فالتُمس فلم يوجد، فطُلِبَ إلى الحيرة فسَبَق، فلما قدم شُجَاع على النبيِّ ﷺ أخبره بما كان من أمر كسرى وتمزيقه لكتاب رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "مَزَّق كِسْرى مُلْكَهُ". وروى محمد بن إسحاق (٢)، عن عبد الله بن أبي بكر، [عن الزُّهريِّ] عن أبي سلمة، أن رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن حذافة بكتابه إلى كسرى، فلما قرأه مزَّقه، فلما بلغ رسولَ الله ﷺ قال: "مزَّق ملكه". وقال ابن جرير (٣): ثنا أحمد بن حُمَيد، ثنا سلمة، ثنا ابن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: وبَعَثَ عبدَ الله بن حُذَافَةَ بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم إلى كسرى بن هرمز ملك فارس، وكتب معه: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله ﷺ إلى كسرى عظيم فارس، سَلامٌ على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاء الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة؛ لأُنذر من كان حيًا، ويحقَّ القول على الكافرين، فإن تُسلِمْ تَسلَمْ، وإن أبيت فإن إثم المجوس عليك" (٤) قال: فلما قرأه شقَّه، وقال: يكتب إليَّ بهذا وهو عبدي؟! قال: ثم كتب كسرى إلى باذام، وهو نائبه على اليمن، أن ابعث إلى هذا الرجل

стр. 2002

بالحجاز رجلين من عندك جَلدين فليأتياني به. فبعث باذام قهرمانه، وكان كاتبًا حاسبًا بكتاب فارس، وبعث معه رجلًا من الفرس يقال له: خُرخرة. وكتب معهما إلى رسول الله ﷺ يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى، وقال لأباذويه: ائت بلاد هذا الرجل وكلِّمه وأتني بخبره. فخرجا حتى قدما الطائف، فوجدا رجلًا من قريش في أرض الطائف، فسألوه عنه فقال: هو بالمدينة. واستبشر أهل الطائف - يعني وقريش بهما - وفرحوا، وقال بعضهم لبعض: أبشروا، فقد نصِب له كسرى ملك الملوك، كفيتم الرجل. فخرجا حتى قدما على رسول الله ﷺ ، فكلَّمه أباذويه فقال: شاهنشاه ملك الملوك [كسرى] قد كتب إلى الملك باذام يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك، وقد بعثني إليك لتنطلق معي، فإن فعلت كتب لك إلى ملك الملوك ينفعك ويكفه عنك، وإن أبيت فهو من قد علمت، فهو مهلكك ومهلك قومك ومخرِّب بلادك. ودخلا على رسول الله ﷺ وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما، فكره النظر إليهما، وقال: "ويلكما! من أمركما بهذا؟! " قالا: أمرنا ربُّنا. يعنيان كسرى، فقال رسول الله ﷺ : "ولكنَّ ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقصّ شاربي". ثم قال: "ارجعا حتى تاتياني غدًا". قال: وأتى رسول الله ﷺ الخبِر من السماء، بأن الله قد سلَّط على كسرى ابنه شيرويه، فقتله في شهر كذا وكذا، في ليلة كذا وكذا؛ من الليل؛ سُلِّط عليه ابنه شيرويه فقتله. قال: فدعاهما فأخبرهما فقالا: هل تدري ما تقول؟! إنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر من هذا، فنكتب عنك بهذا ونخبر الملك باذام؟ قال: "نعم أخبراه ذلك عني، وقولا له: إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى، وينتهي إلى منتهى الخفِّ والحافر، وقولا له: إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك، وملكتك على قومك من الأبناء". ثم أعطى خُرخرة منطقة فيها ذهب وفضة كان أهداها له بعض الملوك، فخرجا من عنده حتى قدما على باذام فأخبراه الخبر، فقال: والله ما هذا بكلام ملك، وإني لأرى الرجل نبيًّا كما يقول، وليكوننَّ ما قد قال، فلئن كان هذا حقًا فإنه نبيٌّ مرسل، وإن لم يكن فسنرى فيه رأينا. فلم ينشب باذام أن قدم عليه كتاب شيرويه: أما بعد، فإني قد قتلت كسرى، ولم أقتله إلا غضبًا لفارس؛ لما كان استحلَّ من قتل أشرافهم ونحرهم في ثغورهم، فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممن قِبلك، وانطلق إلى الرجل الذي كان كسرى قد كتب فيه، فلا تهجه حتى يأتيك أمري فيه. فلما انتهى كتاب شيرويه إلى باذام قال: إن هذا الرجل لرسول. فأسلم وأسلمت الأبناء من فارس من كان منهم باليمن. قال: وقد قال باذويه لباذام: ما كلَّمت أحدًا أهيب عندي منه. فقال له باذام: هل معه شُرَط؟ قال: لا. قال الواقديُّ (١)، ﵀: وكان قتل كسرى على يدي ابنه شيرويه ليلة الثلاثاء، لعشر ليالٍ مضين من جمادى الأولى من سنة سبع من الهجرة، لست ساعات مضت منها.

стр. 2003

قلت: وفي شعر بعضهم ما يُرشد أن قتله كان في شهرٍ حَرامٍ، وهو قول بعض الشعراء: [الرمل] قَتَلوا كسرى بليلٍ مُحْرِمًا … فتولَّى لم يُمَتَّع بكَفَنْ وقال بعض شعراء العرب: [من الوافر] وكِسْرى إذ تقاسمه بنُوهُ … بأسيافٍ كما اقتُسِمَ اللِّحامُ تمخضت المنُونُ له بيومٍ … أتى ولكلِّ حاملةٍ تَمَامُ وروى الحافظ البيهقي (١) من حديث حَمَّاد بن سَلَمَة، عن حُمَيد، عن الحسن، عن أبي بكرة، أن رجلًا من أهل فارس أتى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ :"إنّ رَبّي قد قتل الليلة ربَّك". قال: وقيل له - يعني النبيَّ ﷺ : إنه قد استخلف ابنته. فقال: "لا يُفْلِحُ قومٌ تَمْلِكُهُمُ امْرَأَةٌ". قال البيهقيُّ (٢): وروي في حديث دحية بن خليفة، أنه لما رجع من عند قيصر وجد عند رسول الله ﷺ رسل عامل كسرى، وذلك أن كسرى بعث يتوعَّد صاحب صنعاء، ويقول له: ألا تكفيني أمر رجل قد ظهر بأرضك يدعوني إلى دينه؟ لتكفينَّه أو لأفعلنَّ بك. فبعث إليه، فقال لرسله: "أخبروه أن ربي قد قتل ربَّه الليلة". فوجدوه كما قال. قال (٣): وروى داود بن أبي هند، عن عامر الشعبيِّ نحو هذا. ثم روى البيهقيُّ (٤) من طريق أبي بكر بن عيَّاش، عن داود بن أبي هند، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: أقبل سعد إلى رسول الله ﷺ فقال: "إن في وجه سعد خبرًا". فقال: يا رسول الله، هلك كسرى. فقال: "لعن الله كسرى، أول الناس هلاكًا فارس ثم العرب". قلت: الظّاهر أنه لما أَخبر رسول الله ﷺ بهلاك كسرى لذينك الرجلين - يعني الأميرين اللذين قدما من نائب اليمن باذام - فلما جاء الخبر بوفق ما أخبر به، ﵊، وشاع في البلاد، وكان سعد بن أبي وقاص أول من سمع، جاء إلى رسول الله ﷺ فأخبره بوفق إخباره، ﵇، وهكذا بنحو هذا التقدير. ذكره البيهقي، ﵀. ثم روى البيهقيُّ (٥) من غير وجه، عن الزُّهريِّ، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أنه بلغه أن كسرى بينما هو في دسكرة ملكه بُعث له - أو قيض له - عارض يعرض عليه الحقَّ، فلم يفجأ كسرى إلا

стр. 2004

برجل يمشي وفي يده عصا، فقال: يا كسرى، هل لك في الإسلام قبل أن أكسر هذه العصا؟ فقال كسرى: نعم، لا تكسرها. فولَّى الرجل، فلما ذهب، أرسل كسرى إلى حجَّابه فقال: من أذن لهذا الرجل عليَّ؟ فقالوا: ما دخل عليك أحد. فقال: كذبتم. قال: فغضب عليهم وتهدَّدهم، ثم تركهم. قال: فلما كان رأس الحول، أتى ذلك الرجل ومعه العصا، قال: يا كسرى، هل لك في الإسلام قبل أن أكسر هذه العصا؟ قال: نعم، لا تكسرها. فلما انصرف عنه دعا حجَّابه، فقال لهم كالمرة الأولى، فلما كان العام المستقبل أتاه ذلك الرجل، معه العصا، فقال له: هل لك يا كسرى في الإسلام قبل أن أكسر العصا؟ فقال: لا تكسرها. فكسرها، فأهلك الله كسرى عند ذلك. وقال الإمام الشافعيُّ: أنبأنا ابن عُيينة، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هُريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا هَلَكَ كِسرى فلا كِسْرى بعده، وإذا هَلَكَ قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقنَّ كنوزهما في سبيل الله". أخرجه مسلم (١) من حديث ابن عُيينة، وأخرجا (٢) من حديث الزُّهريِّ، به. قال الشافعيُّ: ولما أُتي كسرى بكتاب رسول الله ﷺ مَزَّقه، فقال رسول الله ﷺ : "تَمَزَّقَ مُلْكُهُ". وحفظنا أن قيصر أكرم كتاب رسول الله ﷺ ووضعه في مَسْكٍ (٣)، فقال رسول الله ﷺ :"ثَبَتَ مُلْكُهُ". قال الشافعيُّ وغيره من العلماء (٤): ولمَّا كانت العرب تأتي الشام والعراق للتجارة، فأسلم من أسلم منهم، شكوا خوفهم من ملكي العراق والشام إلى رسول الله ﷺ فقال: "إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده". قال: فباد مُلك الأكاسرة بالكُلِّية، وزال مُلْكُ قيصر عن الشام بالكُلِّية، وإن ثبت لهم ملك في الجملة ببركة دعاء رسول الله ﷺ لهم حين عَظَّموا كتابه، والله أعلم. قلت: وفي هذا بشارة عظيمة بأن مُلْكَ الروم لا يعود أبدًا إلى أرض الشام، وكانت العرب تُسمِّي قيصر لمن ملك الشام مع الجزيرة من الرُّوم، وكسرى لمن ملك الفُرس، والنجاشيُّ لمن ملك الحَبَشة، والمقوقس لمن ملك الإسكندرية، وفرعون لمن ملك مصر كافرًا، وبطليموس لمن ملك الهند، ولهم أعلامُ أجناس غير ذلك؛ وقد ذكرناها في غير هذا الموضع، والله أعلم.

стр. 2005

وروى مسلم (١)، عن قُتيبة وغيره، عن أبي عَوَانة، عن سِمَاك، عن جابر بن سَمُرَة قال: قال رسول الله ﷺ : "لتَفتحنَّ عِصَابَةٌ من المسلمين كُنُوزَ كسرى في القصر الأبيض". وروى أسباط، عن سماك، عن جابر بن سَمُرَة مثل ذلك (٢)، وزاد: وكنت أنا وأبي فيهم، فأصبنا من ذلك ألف درهم. * * * بعثه ﷺ [إلى] المُقَوقِس صاحب مدينة الإسكندرية واسمه جُرَيج بن مِيْنَا القِبْطِيُّ قال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدَّثني الزُّهريُّ، عن عبد الرحمن بن عبد القاريِّ، أن رسول الله ﷺ بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، فمضى بكتاب رسول الله ﷺ إليه، فَقَبَّلَ الكتاب، وأكرم حاطبًا وأحسن نزله، وسرَّحه إلى النبيِّ ﷺ ، وأهدى له مع حاطب كسوة، وبغلة بسرجها، وجاريتين؛ إحداهما أمُّ إبراهيم (٣)، وأمّا الأخرى فوهبها رسول الله ﷺ لمحمد بن قيس العبدي. رواه البيهقى (٤). ثم روى من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، ثنا يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه، عن جدِّه حاطب بن أبي بلتعة، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى المقوقس ملك الإسكندرية. قال: فجئته بكتاب رسول الله ﷺ فأنزلني في منزله وأقمت عنده، ثم بعث إليَّ وقد جمع بطارقته، وقال: إنِّي سائلك عن كلام، فأحبُّ أن تفهم عني. قال: قلت: هَلُمَّ. قال: أخبرني عن صاحبك، أليس هو نبيًّا؟ قلت: بلى، هو رسول الله. قال: فما له حيث كان هكذا، لم يدعُ على قومه حيث أخرجوه من بلده إلى غيرها؟ قال: فقلت: عيسى ابن مريم، أليس تشهد أنَّه رسول الله؟ قال: بلى. قلت: فما له حيث أخذه قومه، فأرادوا أن يصلبوه، ألَّا يكون دعا عليهم بأن يهلكهم الله حتى رفعه الله إلى السماء الدنيا؟ فقال لي: أنت حكيم، قد جاء من عند حكيم، هذه هدايا أبعث بها معك إلى محمد، وأرسل معك ببذرقة يبذرقونك إلى مامنك. قال: فأهدى إلى رسول الله ﷺ ثلاث جوار، منهنَّ أمُّ إبراهيم ابن رسول الله ﷺ وواحدة وهبها رسول الله ﷺ لأبي جهم بن حذيفة العدويِّ،

стр. 2006

وواحدة وهبها رسول الله ﷺ لحشَّان بن ثابت الأنصاريِّ (١)، وأرسل إليه بطرف من طرفهم. وذكر ابن إسحاق (٢) أنه أهدى إلى رسول الله ﷺ أربع جوارٍ؛ إحداهنَّ مارية أمُّ إبراهيم، والأخرى سِيْرين التي وهبها لحَسَّان بن ثابت، فولدت له عبد الرحمن بن حَسَّان (٣). قلت: وكان في جملة الهديَّة غلام أسود خصي، اسمه مأبور، وخُفَّان ساذَجان أسودان، وبغلة بيضاء اسمها الدُّلدل، وكان مأبور هذا خصيًّا، ولم يعلموا بأمره بادئ الأمر، فصار يدخل على مارية، كما كان من عاداتهم ببلاد مصر، فجعل بعض الناس يتكلم فيهما بسبب ذلك، ولا يعلمون بحقيقة الحال، وأنَّه خصي، حتى قال بعضهم: إنَّه الذي أمر رسول الله ﷺ عليَّ بن أبي طالب بقتله، فوجده خصيًّا فتركه، والحديث في "صحيح مسلم" (٤). قال ابن إسحاق (٥): وبعث رسول الله ﷺ سَلِيطَ بن عمرو بن عبد ودٍّ، أخا بني عامر بن لؤي، إلى هَوذَة بن علي صاحب اليمامة، وبعث العلاء بن الحضرميِّ، إلى المنذر بن ساوى، أخي بني عبد القيس، صاحب البحرين، وعمرو بن العاص إلى جيفر بن الجلندى وعمَّار (٦) بن الجُلَنْدى الأزديَّين، صاحبي عُمَان. * * * غَزْوَةُ ذاتِ السّلاسِل (٧) ذكرها الحافظ البيهقي (٨) هاهنا فبل غزوة الفتح، فساق من طريق موسى بن عقبة وعُروة بن الزّبير، قالا: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص إلى ذات السَّلاسل من مشارف الشام في بَلِيٍّ، وعبد الله، ومن يليهم من قُضَاعَة - قال عُرْوَةُ بن الزّبير: بنو بَلِيٍّ أخوال العاص بن وائل - فلما صار إلى هناك خاف من كثرة

стр. 2007

عدوّه، فبعث إلى رسول الله ﷺ يستمده، فندب رسول الله ﷺ المهاجرين الأولين، فانتدب أبو بكر وعمر في جماعة من سَراة المهاجرين، ﵃ أجمعين، وأَمَّر عليهم رسول الله ﷺ أَبا عبيدة بن الجَرَّاح. قال موسى بن عُقبة: فلما قَدِموا على عمرو قال: أنا أَميركم، وأنا أَرسلت إلى رسول الله ﷺ أستمده بكم. فقال المهاجرون: بل أنت أمير أصحابك، وأَبو عبيدة أمير المهاجرين. فقال عمرو: إنَّما أنتم مددٌ أُمددته. فلما رأى ذلك أَبو عُبيدة - وكان رجلًا حسن الخلُق ليِّن الشِّيمة - قال: تعلَّم يا عمرو أن آخر ما عهد إليَّ رسول الله ﷺ أن قال: "إذا قَدِمْتَ على صَاحِبكَ فتطاوعا". وإنك إن عَصيتني لأُطيعَنَّك، فسلَّم أبو عُبيدة الإمارة لعمرو بن العاص. وقال محمد بن إسحاق (١): حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحُصَين التَّميمي قال: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص يستنفر العرب إلى الإسلام، وذلك أن أمَّ العاص بن وائل كانت من بني بليٍّ، فبعثه رسول الله ﷺ [إليهم] يستألفهم بذلك، حتى إذا كان على ماءٍ بأرض جذام يقال له: السلاسل. وله سميت تلك الغزوة ذات السلاسل. قال: فلمَّا كان عليه وخاف، بعث إلى رسول الله ﷺ يستمده، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح في المهاجرين الأوَّلين، فيهم أبو بكر وعمر، وقال لأبي عبيدة حين وجَّهه: "لا تختلفا". فخرج أبو عبيدة، حتى إذا قدم عليه قال له عمرو: إنَّما جئت مددًا إليَّ. فقال له أبو عبيدة: لا، ولكنِّي على ما أنا عليه، وأنت على ما أنت عليه. وكان أبو عبيدة رجلًا ليِّنًا سهلًا، هيِّنًا عليه أمر الدنيا، فقال له عمرو: أنت مددي. فقال له أبو عبيدة: يا عمرو، إنَّ رسول الله ﷺ قد قال لي: "لا تختلفا". وإنك إن عصيتني أطعتك. فقال له عمرو: فإني أميرٌ عليك، وإنَّما أنت مددٌ لي. قال: فدونك. فصلى عمرو [بن العاص] بالناس. وقال الواقديُّ (٢): حدثني ربيعة بن عثمان، عن يزيد بن رومان، أنَّ أبا عبيدة لمَّا آب إلى عمرو بن العاص، فصاروا خمسمئة، فساروا الليل والنهار حتى وطئ بلاد بلي ودوَّخها، وكلَّما انتهى إلى موضع بلغه أنَّه قد كان بهذا الموضع جمع، فلمَّا سمعوا بك تفرَّقوا، حتى انتهى إلى أقصى بلاد بليٍّ وعذرة وبلقين، ولقي في آخر ذلك جمعًا ليس بالكثير، فاقتتلوا ساعةً، وتراموا بالنَّبل، ورمي يومئذٍ عامر بن ربيعة وأصيب ذراعه، وحمل المسلمون عليهم فهربوا، وأعجزوا هربًا في البلاد وتفرَّقوا، ودوَّخ عمرو ما هناك، وأقام أيامًا لا يسمع لهم بجمع ولا مكان صاروا فيه، وكان يبعث أصحاب الخيل فيأتون بالشاء والنعم، فكانوا ينحرون ويذبحون، ولم يكن في ذلك أكثر من ذلك، ولم تكن غنائم تقسم.

стр. 2008

وقال أبو داود (١): ثنا ابن المثنَّى، ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي، سمعت يحيى بن أيوب يُحَدِّث عن يزيد بن أبي حبيب، عن عِمْرَان بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص، قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السَّلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك. قال: فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "يا عمرو، صليتَ بأصحابك وأنت جنب؟ " قال: فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إنى سمعت الله يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فضحك نبي الله ﷺ ولم يقل شيئًا. ثنا (٢) محمد بن سلمة، [ثنا ابن وهب،] ثنا ابن لهيعة، وعمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حَبيب، عن عِمْرَان بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جُبير، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، أنَّ عمرو بن العاص كان على سرية. فذكر الحديث بنحوه، قال: فغسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم صلى بهم. فذكر نحوه، ولم يذكر التيمم. قال أبو داود: وروى هذه القصة عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، وقال فيه: فتيمَّم. وقال الواقدي (٣): حدثني أفلح بن سعيد بن عبد الرحمن بن رُقَيش (٤)، عن أبي بكر بن حزم قال: كان عمرو بن العاص حين قفلوا، احتلم في ليلة باردة كأشد ما يكون من البرد، فقال لأصحابه: ما ترون؟ قد والله احتلمت، فإن اغتسلت مت. فدعا بماءً فتوضأ، وغسل فرجه وتيمَّم، ثم قام فصلى بهم، - فكان أوَّل من بعث عوف بن مالك بريدًا، قال عوف: فقدمت على رسول الله ﷺ في السحر وهو يصلي في بيته، فسلمت عليه، فقال رسول الله ﷺ : "عوف بن مالك؟ " فقلت: عوف بن مالك يا رسول الله. قال: "صاحب الجزور؟ " قلت: نعم. ولم يزد على هذا بعد ذلك شيئًا، ثم قال: "أخبرني" [فأخبرته] بما كان من مسيرنا، وما كان بين أبي عبيدة وعمرو، ومطاوعة أبى عبيدة، فقال رسول الله ﷺ : "يرحم الله أبا عبيدة بن الجراح". قال: ثم أخبرته أن عَمرًا صلى بالناس وهو جنب ومعه ماءٌ، لم يزد على أن غسل فرجه وتوضأ. فسكت رسول الله ﷺ ، فلما قدم عمرو على رسول الله ﷺ سأله عن صلاته، فأخبره فقال: والذي بعثك بالحق، إنى لو اغتسلت لمت، لم أجد بردًا قط مثله، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. قال: فضحك رسول الله ﷺ ، ولم يبلغنا أنَّه قال له شيئًا.

стр. 2009

وقال ابن إسحاق (١): حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن عوف بن مالك الأشجعي قال: كنت في الغزوة التي بعث فيها رسول الله ﷺ عمرو بن العاص، وهي غزوة ذات السلاسل، فصحبت أبا بكر وعمر، فمررت بقوم وهم على جزور قد نحروها، وهم لا يقدرون على أن يُعضُّوها (٢)، وكنت امرأً جازرًا، فقلت لهم: تعطوني منها عَشيرًا (٣) على أن أقسمها بينكم؟ قالوا: نعم. فأخذت الشفرة، فجزَّأتها مكاني، وأخذت منها جزءًا فحملته إلى أصحابي، فاطَّبخناه وأكلناه، فقال أبو بكر وعمر: أنَّى لك هذا اللحم يا عوف؟ فأخبرتهما، فقالا: لا والله ما أحسنت حين أطعمتنا هذا. ثم قاما يتقيَّآن ما في بطونهما منه، فلمَّا أن قفل الناس من ذلك السفر، كنت أول قادم على رسول الله ﷺ ، فجئته وهو يصلي في بيته فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. فقال: "أعوف بن مالك؟ " فقلت: نعم، بأبي أنت وأمي. فقال: "صاحبُ الجزور؟ " ولم يزدني على ذلك شيئًا. هكذا رواه محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبى حَبيب، عن عوف بن مالك، وهو منقطع، بل معضل. قال الحافظ البيهقي (٤): وقد رواه ابن لهيعة وسعيد بن أبي أيوب، عن يزيد بن أبي حَبيب، عن ربيعة بن لقيط، عن مالك بن هِدم، أظنُّه عن عوف بن مالك، فذكر نحوه، إلا أنَّه قال: فعرضته على عمر فسألني عنه، فأخبرته فقال: قد تعجلت أجرك. ولم يأكله. ثم حكى عن أبي عُبَيْدَة مثله، ولم يذكر فيه أبا بكر، وتمامه كنحو ما تقدَّم. وقال الحافظ البيهقي (٥): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، ثنا يحيى بن أبي طالب، ثنا عليُّ بن عاصم، ثنا خالد الحَذَّاء، عن أبي العثمان النَّهْديِّ، سمعت عمرو بن العاص يقول: بعثني رسول الله ﷺ على جيش ذات السَّلاسل، وفي القوم أبو بكر وعمر، فحدَّثت نفسي أنَّه لم يبعثني على أبي بكر وعمر إلا لمنزلة لي عنده. قال: فأتيته حتى قعدت بين يديه، فقلت: يا رسول الله، من أحبُّ الناس إليك؟ قال: "عائشة". قلت: إنِّي لست أسألك عن أهلك. قال: "فأبوها". قلت: ثم من؟ قال: "عمر". قلت: ثم من؟ حتى عدَّد رهطًا، قال: قلت في نفسي: لا أعود أسأل عن هذا.

стр. 2010

وهذا الحديث مخرَّج في "الصحيحين" (١) من طريق خالد بن مِهْرَان الحَذَّاء، عن أبي عثمان النَّهديِّ، واسمه عبد الرحمن بن مَلٍّ، حدثني عمرو بن العاص أنَّ رسول الله ﷺ بعثه على جيش ذات السَّلاسل، فأتيته فقلت: أيُّ الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة". قلت: فمن الرجال؟ قال: "أبوها". قلت: ثم من؟ قال: "ثمَّ عمر بن الخطاب". فعدَّ رجالًا، وهذا لفظ البخاري. وفي رواية (٢): قال عمرو: فسكتُّ مخافة أن يجعلني في آخرهم. * * * سَرِيةُ أَبي عُبَيْدَةَ بن الجَرَّاحِ إلى سيف البحر (٣) قال الإمام مالك، عن وهب بن كيسان، عن جابر قال: بعث رسول الله ﷺ بعثًا قبل الساحل، وأمَّر عليهم أبا عبيدة بن الجرَّاح، وهم ثلاثمئة. قال جابر: وأنا فيهم، فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد، فأتوا أبا عبيدة بأزواد ذلك الجيش، فجُمع كلُّه، فكان مزودَي تمر، فكان يقوتنا كل يوم قليلًا قليلًا حتى فني، فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة. قال: فقلت: وما تعني تمرة؟ فقال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت. قال: ثم انتهينا إلى البحر، فإذا حوت مثل الظرب. قال: فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة، ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا، ثم أمر براحلة فرحلت، ثم مرَّت تحتهما فلم تصبهما. أخرجاه في "الصحيحين" (٤) من حديث مالك، بنحوه. وهو في "الصحيحين" أيضًا (٥) من طريق سفيان بن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر قال: بعثنا رسول الله ﷺ في ثلاثمئة راكب، وأميرنا أبو عبيدة بن الجراح، نرصد عيرًا لقريش، فأصابنا جوع شديد، حتى أكلنا الخبَط، فسمى ذلك الجيش جيش الخبَط. قال: ونحر رجل ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم ثلاثًا، فنهاه أبو عبيدة. قال: وألقى البحر دابة يقال لها: العنبر. فأكلنا منها نصف شهر وادّهنّا، حتى ثابت إلينا أجسامنا وصلحت. ثم ذكر قصة الضِّلع. فقوله في الحديث: نرصد عيرًا لقريش. دليل على أنَّ هذه السريَّة كانت قبل صلح الحُدَيبية، والله أعلم.

стр. 2011

والرجل الذي نحر لهم الجزائر هو قَيس بن سَعد بن عُبَادَة، ﵄. وقال الحافظ البيهقي (١): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو بكر بن إسحاق، ثنا إسماعيل بن قُتيبة، ثنا يحيى بن يحيى، ثنا أبو خَيْثَمَة، وهو زُهير بن معاوية، عن أبي الزّبير، عن جابر قال: بعثنا رسول الله ﷺ ، وأَمَّر علينا أبا عُبيدة، نتلقَّى عيرًا لقريش، وزوَّدنا جِرَابًا (٢) من تمرٍ، لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة. قال: فقلت: كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: كنا نمصها كما يمص الصبيُّ، ثم نشرب عليها الماء، فتكفينا يومنا إلى الليل، وكنا نضرب بعِصيِّنا الخبَط، ثم نبلُّه بالماء فنأكله. قال: فانطلقنا إلى ساحل البحر، فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا به دابَّة تدعى العنبر، فقال أبو عبيدة: ميتة. ثم قال: لا، بل نحن رسل رسول الله ﷺ وفي سبيل الله، وقد اضطررتم؛ فكلوا. قال: فأقمنا عليه شهرًا ونحن ثلاثمئة حتى سمنَّا، ولقد كنّا نغرف من وقب عينه بالقلال الدُّهن، ونقتطع منه الفِدَر كالثَّور، أو كقَدر الثور، ولقد أخذ منَّا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلًا، فأقعدهم في عينه، وأخذ ضلعًا من أضلاعه، فأقامها ثم رحل أعظم بعير منها، فمرَّ تحتها، وتزوَّدنا من لحمها وشائقَ، فلما قدمنا المدينة، أتينا رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له، فقال: "هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم شيء من لحمه تطعمونا؟ " قال: فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ فأكل منه. ورواه مسلم، عن يحيى بن يحيى وأحمد بن يونس، وأبو داود، عن النُّفيليِّ، ثلاثتهم عن أبي خيثمة زهير بن معاوية الجعفي [الكوفي] عن أبي الزُّبير محمد بن مسلم بن تَدْرُس المَكِّي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، [به]. قلت: ومقتضى [أكثر] هذه السِّيَاقَات، أنَّ هذه السريَّة كانت قبل صُلح الحُديبية، ولكن أوردناها هاهنا تبعًا للحافظ البيهقيِّ، ﵀، فإنَّه أوردها بعد مُؤْتَةَ وقبل غزوة الفتح، والله أعلم. وقد ذكر البخارب (٣) بعد غزوة مؤتة سرية أُسامة بن زيد إلى الحُرَقَات (٤) من جُهينة، فقال: حدَّثنا عمرو بن محمد، ثنا هشيم، أنبأنا حصين بن جندب، ثنا أبو ظبيان، قال: سمعت أسامة بن زيد يقول: بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحُرَقة، فصبَّحْنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم، فلمَّا غشيناه قال: لا إله إلا الله. فكف الأنصاري، فطعنته برمحي حتى قتلته، فلمّا قدمنا بلغ النبيَّ ﷺ فقال: "يا أسامة، أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟ " قلت: كان متعوِّذًا. فما زال يكرِّرها، حتى تمنَّيت أنِّي لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم. وقد تقدَّم هذا الحديث والكلام عليه فيما سلف.

стр. 2012

ثم روى البخاري (١) من حديث يزيد بن أبي عُبيد، عن سلمة بن الأكوع قال: غزوتُ مع رسول اللّه ﷺ سبع غزوات، وخرجت فيما يبعث من البعوث تسع غزوات، علينا مرّة أبو بكر، ومرّة أُسامة بن زيد، ﵄. ثم ذكر الحافظ البيهقيُّ (٢) هاهنا موت النجاشي - صاحب الحبشة - على الإسلام، ونَعيَ رسول الله ﷺ له إلى المسلمين، وصلاته عليه (٣)، فروى من طريق مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي هُريرة، أنَّ رسول الله ﷺ نَعى إلى الناس النجاشيَّ في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلَّى، فصفَّ بهم وكبَّر أربع تكبيرات. أخرجاه (٤) من حديث مالك، وأخرجاه أيضًا (٥) من حديث اللّيث، عن عقيل، عن الزهريِّ، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة بنحوه. وأخرجاه (٦) من حديث ابن جُريج، عن عطاءٍ، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "مَاتَ اليومَ رَجُلٌ صَالِحٌ" فصلَّوا على أَصْحَمَة. وقد تقدَّمت هذه الأحاديث أيضًا والكلام عليها، ولله الحمد. قلت: والظَّاهر أن موت النجاشيِّ كان قبل الفتح بكثير؛ فإنَّ في "صحيح مسلم" أنَّه لمَّا كتب إلى ملوك الآفاق، كتب إلى النَّجاشيِّ، وليس هو بالمسلم (٧)، وزعم آخرون كالواقدي أنَّه هو، والله أعلم. وروى الحافظ البيهقي (٨) من طريق مسلم بن خالد الزَّنجيِّ، عن موسى بن عقبة، عن أبيه، عن أم كلثوم قالت: لمَّا تزوج النبيّ ﷺ أُمَّ سَلَمة قال: "قد أَهْدَيْتُ إلى النجاشيِّ أواقي من مِسكٍ وحُلّة، وإنِّي لا أراه إلا قد مات، ولا أرى الهدية إلا ستُرَدُّ عليَّ، فإن ردَّت عليَّ - أظنُّه قال - قسمتها بينكنَّ" أو "فهي لكِ". قال: فكان كما قاله رسول الله ﷺ ؛ مات النجاشيُّ وردَّت الهدية، فلمَّا رُدَّت عليه، أعطى كلَّ

стр. 2013

امرأةٍ من نسائهِ أوقيَّةً من ذلك المِسْكِ، وأعطى سائره أُمَّ سلمة، وأعطاها الحُلّة، والله أعلم. * * * غَزْوَةُ الفتح الأعظم (١) وكانت في رمضان سنة ثمان وقد ذكرها الله تعالى في القرآن في غير موضع، فقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ الآية [الحديد: ١٠]. وقال تعالى ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾: [النصر: ١ - ٣]. وكان سبب الفتح بعد هُدنة الحُديبية ما ذكره محمد بن إسحاق، حدثني الزُّهريُّ، عن عُرْوَة بن الزّبير، عن المسور بن مَخْرَمَة، ومروان بن الحكم، أنهما حدَّثاه جميعًا قالا: كان في صُلح الحُديبية أنه من شاء أن يدخُل في عقد محمدٍ وعهده دخل، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل، فتواثبت خُزَاعَة وقالوا: نحن ندخل في عقد محمدٍ وعهده. وتواثبت بنو بكر وقالوا: نحن ندخل في عقد قريش وعهدهم. فمكثوا في تلك الهُدنة نحو السبعة أو الثمانية عثر شهرًا، ثم إن بني بكر وثبوا على خُزَاعة ليلًا، بماءً يقال له: الوتير. وهو قريب من مكة، وقالت قريش: ما يعلم بنا محمدٌ، وهذا الليل وما يرانا أحد. فأعانوهم عليهم بالكراع والسلاح، وقاتلوهم معهم، للضِّغن على رسول الله ﷺ ، وإنَّ عمرو بن سالم ركب عندما كان من أمر خُزَاعَة وبني بكر بالوتير، حتى قدم على رسول الله ﷺ يخبره الخبر، وقد قال أبيات شعر، فلما قدم على رسول الله ﷺ أنشده إياها: [من الرجز] لا هُمَّ إني ناشدٌ محمدا … حِلْفَ أبيه وأبينا الأتلَدَا قد كنتم وُلدًا وكنا والدا … ثُمَّت أسلمنا فلم ننزع يدا فانصر رَسُولَ الله نصرًا أعتدا (٢) … وادعُ عباد الله يأتوا مَدَدا فيهم رسولُ الله قد تجرَّدا … إن سِيمَ خسفًا وجههُ تَرَبَّدَا

стр. 2014

في فَيْلَقٍ كالبحر يجري مُزبدا … إن قريشًا أخلفوك الموعدَا ونقضوا ميثاقَكَ المؤكَّدا … وجعلوا لي في كَداءٍ رُصَّدا وزعموا أن لستُ أدعو أحدا … فهم أَذَلُّ وأقل عددا هم بيّتونا بالوتير هُجَّدا … وقتَّلونا رُكَّعًا وسُجَّدا فقال رسول الله: "نصرت يا عمرو بن سالم". فما برح رسول الله ﷺ حتى مرَّت بنا عَنَانَةُ (١) في السماء، فقال رسول الله ﷺ :"إن هذه السَّحَابَة لَتَسْتَهِلُّ بنصر بني كعب". وأمر رسول الله ﷺ الناس بالجهاز، وكتمهم مخرجه، وسأل الله أن يُعَمِّي على قريش خبره، حتى يبغتهم في بلادهم. قال ابن إسحاق (٢): وكان السبب الذي هاجهم، أنَّ رجلًا من بني الحضرميِّ، اسمه مالك بن عبَّاد، من خلفاء الأسود بن رزن خرج تاجرًا، فلمَّا توسط أرض خُزَاعَة، عدوا عليه، فقتلوه وأخذوا ماله، فعدت بنو بكر على رجل من بني خُزَاعَة فقتلوه، فعدت خُزَاعة قبيل الإسلام على بني الأسود بن رزن الدُّئِليّ - وهم منخر بني كنانة وأشرافهم؛ سلمى وكلثوم وذؤيب - فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم. قال ابن إسحاق (٣): وحدثني رجل من الدُّئِل قال: كان بنو الأسود بن رزن يودَون في الجاهلية ديتين ديتين. قال ابن إسحاق (٤): فبينا بنو بكر وخُزَاعَة على ذلك، إذ حجز بينهم الإسلام، فلمَّا كان يوم الحُديبية، ودخل بنو بكر في عقد قريش، ودخلت خُزَاعَةُ في عقد رسول الله ﷺ ، وكانت الهُدْنة، اغتنمها بنو الدُّئل من بني بكر، وأرادوا أن يصيبوا من خزاعة ثأرًا بأولئك النفر، فخرج نوفل بن معاوية الدُّئليُّ في قومه، وهو يومئذٍ سيدُهم وقائدهم، وليس كلُّ بني بكر تابعة، فبيَّت خزاعة وهم على الوتير - ماءٍ لهم - فأصابوا رجلًا منهم، وتحاوزوا واقتتلوا، ورفدت قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيًا، حتى حازوا خزاعة إلى الحرم، فلمَّا انتهوا إليه، قالت بنو بكر: [يا نوفل] إنا قد دخلنا الحرم! إلهك إلهك. فقال كلمةً عظيمةً: لا إله اليوم، يا بنى بكر أصيبوا ثأركم، فلعمري إنَّكم لتشرقون في الحرم، أفلا تصيبون ثأركم فيه؟! ولجأت خزاعة إلى دار بُديل بن ورقاء بمكة، وإلى دار مولى لهم يقال له: رافعٌ.

стр. 2015

وقد قال الأخزر بن لُعْطٍ الدُّئليُّ في ذلك (١): [من الطويل] ألا هل أتى قُصوى الأحابيش أنَّنا … رَدَدْنا بني كعبٍ بأفوقَ ناصلِ حَبَسْنَاهُمُ في دارةِ العبد رافعٍ … وعندَ بُدَيْل مَحْبِسًا غير طَائلِ بدار الذليل الآخذ الضّيم بعدما … شفَينا النُّفوس مِنْهمُ بالمناصلِ حبسناهمُ حتى إذا طالَ يومهم … نَفَحْنَا لهم مِنْ كُلِّ شعبٍ بوابلِ نُذَبِّحُهمْ ذبح التّيُوس كأنَّنا … أُسُودٌ تبارى فيهمُ بالقواصلِ هم ظلَمونا واعتدَوا في مسيرهمْ … وكانوا لدى الأنصاب أَوَّل قَاتلِ كأنَّهم بالجِزْعِ إذ يطرودُنَهم … قَفَا ثورَ حَفَّانُ النَّعام الجَوَافلِ قال: فأجابه بُدَيل بن عبد مناة بن سلمة بن عمرو بن الأجب، وكان يقال له: بُديل بن أُمِّ أَصْرَم، فقال: [من الطويل] تعاقد قوم يفخرونَ ولم نَدَعْ … لهم سيّدًا يندوهمُ غير نافلِ أمن خيفةِ القوم الأُلى تزدريهمُ … تجيز الوتير خائفًا غير آيلِ وفي كلِّ يوم نحن نحبوحباءنا … لعقلٍ ولايُحبى لنا في المعاقلِ ونحن صبحنا بالتَّلاعة داركم … بأسيافنا يسبقن لوم العواذلِ ونحن منعنا بين بيض وعتْوَد … إلى خَيف رضوى من مجرِّ القنابلِ ويوم الغميم قد تكفَّتَ ساعيًا … عبيس فجعناه بجلد حلاحلِ أأنْ أجمرت في بيتها أُمُّ بعضكم … بجعموسها تنزون إن لم نُقَاتلِ كذبتم وبيتِ اللهِ ما إن قتلتمُ … ولكن تركنا أمركم في بَلابِلِ قال ابن إسحاق (٢): فحدثني عبد الله بن أبي سلمة أن رسول الله ﷺ قال: "كأنكم بأبي سُفيان قد جاءكم يشدُّ في العقد ويزيد في المدة". قال ابن إسحاق (٣): ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة، حتى قدموا على رسول الله ﷺ ، فأخبروه بما أصيب منهم، ومظاهرة قريش بني بكر عليهم، ثم انصرفوا راجعين، حتى لقوا أبا سفيان بعسفان، قد بعثته قريش إلى رسول الله ﷺ يشدُّ العقد ويزيد في المدة، وقد رهبوا للذي صنعوا، فلمَّا لقي أبو سفيان بُديلًا قال: من أين أقبلت يا بديل؟ وظنَّ أنه قد أتى رسول الله ﷺ ، فقال: سرت في

стр. 2016

خزاعة في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي. قال: فعمَد أبو سفيان إلى مبرك راحلته فأخذ من بعرها ففتَّه، فرأى فيه النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمدًا. ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله ﷺ المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة، فلمَّا ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته، فقال: يا بنية، ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أو رغبت به عنِّي؟ فقالت: هو فراش رسول الله ﷺ ، وأنت مشرك نجس، فلم أحبَّ أن تجلس على فراشه. فقال: يا بنية، والله لقد أصابك بعدي شرٌّ. ثم خرج فأتى رسول الله ﷺ فكلَّمه، فلم يردَّ عليه شيئًا، ثم ذهب إلى أبي بكر فكلَّمه أن يكلِّم له رسول الله ﷺ ، فقال: ما أنا بفاعل. ثم أتى عمر بن الخطاب فكلَّمه، فقال عمر: أنا أشفع لكم إلى رسول الله ﷺ ؟! فوالله لو لم أجد لكم إلا الذَّرَّ لجاهدتكم به. ثم خرج فدخل على علي بن أبي طالب، وعنده فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وعندها حسن، غلام يدب بين يديها، فقال: يا عليُّ، إنك أمسُّ القوم بي رحمًا، وأقربهم مني قرابةً، وقد جئت في حاجةٍ، فلا أرجعنَّ كما جئت بن خائبًا، فاشفع لي إلى رسول الله ﷺ . فقال: ويحك أبا سفيان! والله لقد عزم رسول الله ﷺ على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه. فالتفت إلى فاطمة فقال: يا بنت محمد، هل لك أن تأمري بُنيَّك هذا فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ فقالت: والله ما بلغ بُنيَّ ذلك أن يجير بين الناس، وما يجير أحدٌ على النبيِّ ﷺ . فقال: يا أبا الحسن، إنِّي أرى الأمور قد اشتدت عليَّ، فانصحني؟ قال: والله ما أعلم شيئًا يغني عنك، ولكنَّك سيد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك. فقال: أوَترى ذلك مغنيًا عنِّي شيئًا؟ قال: لا والله ما أظنُّ، ولكن لا أجد لك غير ذلك. فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: أيُّها الناس، إنِّي قد أجرت بين الناس. ثم ركب بعيره فانطلق، فلمَّا قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدًا فكلمته، فوالله ما ردَّ عليَّ شيئًا، ثم جئت ابن أبي قحافة، فوالله ما وجدت فيه خيرًا، ثم جئت عمر فوجدته أعدى العدوِّ، ثم جئت عليًا فوجدته ألين القوم، وقد أشار عليَّ بأمر صنعته، فوالله ما أدري هل يغني عنَّا شيئًا أم لا؟ قالوا: بماذا أمرك؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس، ففعلت. قالوا: هل أجاز ذلك محمدٌ؟ قال: لا. قالوا: ويحك! ما زادك الرجل على أن لعب بك، فما يغني عنَّا ما قلت. فقال: لا والله ما وجدت غير ذلك. فائدةٌ ذكرها السُّهيليُّ (١)، تكلَّم على قول فاطمة في هذا الحديث: وما يُجِيرُ أحدٌ على رسول الله ﷺ . على ما جاء في الحديث: "ويجير على المسلمين أدناهم". قال: وجه الجمع بينهما، بأن المراد بالحديث من يجير واحدًا أو نفرًا يسيرًا، وقول فاطمة فيمن يجير عدوًّا من غزو الإمام إيَّاهم فليس له ذلك. قال: كان سحنون وابن الماجشون يقولان: إن أمان المرأة موقوفٌ على إجازة الإمام، لقوله ﷺ

стр. 2017

لأمِّ هانئ: قد أجرنا من أجرت يا أمَّ هانئ". قال: ويروى هذا عن عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد، وقال أبو حنيفة: لا يجوز أمان العبد. وفي قوله ﵊: "ويجير عليهم أدناهم". ما يقتضي دخول العبد والمرأة، والله أعلم. وقد روى البيهقي (١) من طريق حَمَّاد بن سَلَمَة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هُريرة قال: قالت بنو كعبٍ: [من الرجز] لاهُمَّ إنِّي ناشدٌ محمدًا … حلف أبينا وأبيه الأَتْلَدَا فانصر هداك الله نصرًا أعْتدا … وادع عباد الله يأتوا مددا وقال موسى بن عقبة في فتح مكة (٢): ثم إن بني نفاثة من بني الدُّئل أغاروا على بني كعب، وهم في المدَّة التي بين رسول الله ﷺ وبين قريش، وكانت بنو كعب في صلح رسول الله ﷺ ، وكانت بنو نفاثة في صلح قريش، فأعانت بنو بكر بني نفاثة، وأعانتهم قريش بالسلاح والرَّقيق، واعتزلتهم بنو مدلج، ووفوا بالعهد الذي كانوا عاهدوا عليه رسول الله ﷺ ، وفي بني الدُّئل رجلان هما سيداهم؛ سلم بن الأسود، وكلثوم بن الأسود، ويذكرون أن ممَّن أعانهم صفوان بن أمية، وشيبة بن عثمان، وسهيل بن عمرو، فأغارت بنو الدُّئل على بني عمرو، وعامَّتهم - زعموا - نساءٌ وصبيانٌ وضعفاءُ الرجال، فألجؤوهم وقتلوهم حتى أدخلوهم إلى دار بُديل بن ورقاء بمكة، فخرج ركبٌ من بني كعب حتى أتوا رسول الله ﷺ فذكروا له الذي أصابهم، وما كان من قريش عليهم في ذلك، فقال لهم رسول الله - ﷺ :"ارجعوا فتفرَّقوا في البلدان". وخرج أبو سفيان من مكَّة إلى رسول الله ﷺ ، وتخوَّف الذي كان، فقال: يا محمد، اشدد العقد، وزدنا في المدة. فقال رسول الله ﷺ : "ولذلك قدمتَ؟ هل كان من حدث قِبلكم؟ " فقال: معاذ الله، نحن على عهدنا وصلحنا يوم الحديبية، لا نغيّر ولا نبدل. فخرج من عند رسول الله ﷺ فأتى أبا بكر فقال: جدد العقد، وزدنا في المدة. فقال أبو بكر: جواري في جوار رسول الله ﷺ ، والله لو وجدت الذَّرَّ تقاتلكم لأعنتها عليكم. ثم خرج فأتى عمر بن الخطاب فكلمه، فقال عمر بن الخطاب: ما كان من حلفنا جديدًا فأخلقه الله، وما كان منه متينًا فقطعه الله، وما كان منه مقطوعًا فلا وصله الله. فقال له أبو سفيان: جزيت من ذي رحم شرًّا. ثم دخل على عثمان فكلَّمه، فقال عثمان: جواري في جوار رسول الله ﷺ . ثم اتَّبع أشراف قريش يكلمهم، فكلُّهم، يقول: عقدنا في عقد رسول الله ﷺ . فلمَّا يئس ممَّا عندهم، دخل على فاطمة بنت رسول الله ﷺ فكلمها، فقالت: إنما أنا امرأة، وإنَّما ذلك

стр. 2018

إلى رسول الله ﷺ . فقال لها: فأْمري أحد ابنيك. فقالت: إنَّهما صبيَّان، وليس مثلهما يجير. قال: فكلِّمي عليًّا. فقالت: أنت فكلِّمه. فكلَّم عليًّا، فقال له: يا أبا سفيان، إنَّه ليس أحدٌ من أصحاب رسول الله ﷺ يفتات على رسول الله ﷺ بجوار، وأنت سيد قريش وأكبرها وأمنعها، فأجِر بين عشيرتك. قال: صدقت، وأنا كذلك، فخرج فصاح: ألا إنِّي قد أجرت بين الناس، ولا والله ما أظنُّ أن يُخفرني أحدٌ. ثم دخل على النبيِّ ﷺ فقال: يا محمد، إني قد أجرت بين الناس، ولا والله ما أظنُّ أن يُخفرني أحدٌ ولا يردَّ جواري. فقال: "أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة؟! " فخرج أبو سفيان على ذلك، فزعموا - والله أعلم - أن رسول الله ﷺ قال حين أدبر أبو سفيان: "اللهمَّ خذ على أسماعهم وأبصارهم، فلا يرونا إلا بغتةً، ولا يسمعوا بنا إلا فجأة". وقدم أبو سفيان مكة، فقالت له قريش: ما وراءك؟ هل جئت بكتاب من محمد أو عهد؟ قال: لا والله، لقد أبى عليَّ، وقد تتبعت أصحابه، فما رأيت قومًا لملك عليهم أطوع منهم له، غير أنَّ عليَّ بن أبي طالب قد قال لي: لم تلتمس جوار الناس على محمد، ولا تجير أنت عليه وعلى قومك، وأنت سيد قريش وأكبرها وأحقُّها أن لا يُخفر جواره؟ فقمت بالجوار، ثم دخلت على محمد، فذكرت له أنَّي قد أجرت بين الناس، وقلت: ما أظنُّ أن تُخفرني. فقال: "أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة؟! " فقالوا مجيبين له: رضيت بغير رضا، وجئتنا بما لا يغني عنَّا ولا عنك شيئًا، وإنما لعب بك عليٌّ، لعمر الله ما جوارك بجائز، وإنَّ إخفارك عليهم لهيِّنٌ. ثم دخل على امرأته فحدَّثها الحديث فقالت: قبحك الله من وافد قوم، فما جئت بخير. قال: ورأى رسولُ الله ﷺ سحابًا فقال: "إنَّ هذه السحاب لتبِضُّ بنصر بني كعب". فمكث رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يمكث بعدما خرج أبو سفيان، ثم أخذ في الجَهاز، وأمر عائشة أن تجهّزه وتخفي ذلك، ثم خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد أو إلى بعض حاجاته، فدخل أبو بكر على عائشة، فوجد عندها حنطة تُنسف وتُنقَّى، فقال لها: يا بنيَّة، لماذا تصنعين هذا الطعام؟ فسكتت، فقال: أيريد رسول الله ﷺ أن يغزو؟ فصمتت، فقال: يريد بني الأصفر؟ - وهم الرُّوم - فصمتت، قال: فلعله يريد أهل نجد؟ فصمتت، قال: فلعله يريد قريشًا؟ فصمتت. قال: فدخل رسول الله ﷺ ، فقال له: يا رسول الله، أتريد أن تخرج مخرجًا؟ قال: "نعم". قال: فلعلك تريد بني الأصفر؟ قال: "لا". قال: أتريد أهل نجد؟ قال: "لا". قال: فلعلك تريد قريشًا؟ قال: "نعم". قال أبو بكر: يا رسول الله، أليس بينك وبينهم مدَّةٌ؟ قال: "ألم يبلغك ما صنعوا ببني كعب؟ " قال: وأذَّن رسول الله ﷺ في الناس بالغزو، وكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش، وأطلع الله رسوله ﷺ على الكتاب. وذكر القصة كما سيأتي.

стр. 2019

وقال محمد بن إسحاق (١): حدثني محمد بن جعفرٍ، عن عُروة، عن عائشة أن أبا بكر دخل على عائشة وهي تغربل حنطة، فقال: ما هذا؟ أمركم رسول اللّه ﷺ بالجهاز؟ قالت: نعم فتجهز. قال: وإلى أين؟ قالت: ما سمَّى لنا شيئًا، غير أنَّه قد أمرنا بالجهاز. قال ابن إسحاق (٢): ثم إن رسول اللّه ﷺ أعلم الناس أنَّه سائر إلى مكة، وأمر بالجدِّ والتهيُّؤ، وقال: "اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش، حتى نبغتها في بلادها". فتجهز الناس، فقال حَسَّان يحرّض الناس، ويذكر مصاب خُزَاعَة (٣): [من الطويل] عناني ولم أشهد ببطحاء مكَّة … رجال بني كَعْبٍ تحزُّ رِقَابُهَا بأيدي رجال لم يَسُلّوا سيوفهم … وقتلى كثير لم تجنَّ ثيابها أَلا لَيْتَ شِعْري هل تنالنَّ نُصرتي … سهيل بن عمرو حرُّها وعقابها وصفوان عَود حزَّ من شُفر استه … فهذا أوان الحرب شُدَّ عصابها فلا تأمننَّا يا بن أمِّ مجالد … إذا احتلبت صرفًا وأعصل نابُها ولا تجزعوا منها فإن سيوفنا … لها وقعة بالموت يفتح بابُها * * * قصةُ حاطب بن أبي بَلْتَعَة قال محمد بن إسحاق (٤): حدثني محمد بن جعفر، عن عروة بن الزُّبير وغيره من علمائنا قالوا: لمَّا أجمع رسول اللّه ﷺ المسير إلى مكَّة، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابًا إلى قريش، يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول اللّه ﷺ من الأمر في السير إليهم، ثم أعطاه امرأة - زعم محمد بن جعفر أنَّها من مزينة، وزعم لي غيره أنَّها سارة، مولاة لبعض بني عبد المطلب - وجعل لها جُعلًا على أن تبلِّغه قريشًا، فجعلته في رأسها، ثم فتلت عليه قرونها ثم خرجت به، وأتى رسولَ اللّه ﷺ الخبرُ من السماء بما صنع حاطب، فبعث عليَّ بن أبي طالب، والزُّبير بن العوام فقال: "أدركا امرأة قد كتب معها حاطب بن أبي بلتعة بكتاب إلى قريش، يحذِّرهم ما قد أجمعنا له من أمرهم". فخرجا حتى أدركاها بالخليقة خليقة بني أبي أحمد، فاستنزلاها، فالتمساه في رحلها فلم يجدا فيه شيئًا، فقال لها عليٌّ: إنِّي أحلف بالله ما كذب رسول اللّه ﷺ ولا كذبنا، ولتخرجِنَّ لنا هذا الكتاب أو لنكشفنَّك.

стр. 2020

فلمَّا رأت الجدَّ منه قالت: أعرض. فأعرض، فحلت قرون رأسها، فاستخرجت الكتاب منها فدفعته إليه، فأتى به رسول اللّه ﷺ ، فدعا رسول اللّه ﷺ حاطبًا فقال: "يا حاطب، ما حملك على هذا؟ " فقال: يا رسول الله، أما والله إنِّي لمؤمنٌ بالله وبرسوله، ما غيَّرت ولا بدلت، ولكنَّني كنت امرأ ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليهم. فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، دعني فلأضرب عنقه؛ فإنَّ الرَّجل قد نافق. فقال رسول الله: "وما يدريك يا عمر، لعلَّ الله قد اطلع إلى أصحاب بدر يوم بدر. فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". وأنزل الله تعالى في حاطب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ إلى آخر القصة. هكذا أورد ابن إسحاق هذه القصة مرسلة، وقد ذكر السهيليُّ (١) أنه كان في كتاب حاطب: إنَّ رسول الله ﷺ قد توجَّه إليكم بجيش كالليل يسير كالسَّيل، وأقسم بالله لو سار إليكم وحده لنصره الله عليكم، فإنَّه منجز له ما وعده. قال: وفي "تفسير ابن سَلام" (٢) أنَّ حاطبًا كتب: إن محمدًا قد نفر؛ فإمَّا إليكم وإمَّا إلى غيركم، فعليكم الحذر. وقد قال البخاري (٣): ثنا قُتيبة، ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، أخبرني الحسن بن محمد، أنَّه سمع عبيد الله بن أبي رافع، سمعت عليًا يقول: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزُّبير والمقداد فقال: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإنَّ بها ظعينةً معها كتاب فخذوه منها". فانطلقنا تعادى بنا خيلُنا حتى أتينا الرَّوضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب. فقالت: ما معي كتاب. فقلنا: لتخرجِنَّ الكتاب أو لنلقينَّ الثياب. قال: فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول اللّه ﷺ ، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة. إلى ناسٍ بمكَّة من المشركين، يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ ، فقال: "يا حاطب، ما هذا؟ " فقال: يا رسول الله، لا تعجل عليَّ، إنَّي كنت امرأً ملصقًا في قريش - يقول: كنت حليفًا ولم أكن من أنفسها - وكان من معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتدادًا عن ديني، ولا رضًا

стр. 2021

بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : "أما إنَّه قد صدقكم". فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: "إنَّه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعلَّ الله قد اطلع على من شهد بدرًا فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". فأنزل الله السورة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١]. وأخرجه بقية الجماعة (١)، إلا ابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الإمام أحمد (٢): ثنا حُجَينٌ ويونس قالا: حدثنا ليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، أن حاطب بن أبي بلتعة كتب إلى أهل مكَّة يذكر أنَّ رسول الله ﷺ أراد غزوهم، فدُلَّ رسول الله ﷺ على المرأة التي معها الكتاب، فأرسل إليها، فأخذ كتابها من رأسها، وقال: "يا حاطب، أفعلت؟ " قال: نعم. قال: أما إنّي لم أفعله غشًّا لرسول الله ﷺ ولا نفاقًا، قد علمت أنَّ الله مظهر رسوله، ومتمٌّ له أمره، غير أنِّي كنت عريرًا (٣) بين ظَهريهم، وكانت والدتي معهم، فأردت أن أتخذ هذا عندهم. فقال له عمر: ألا أضرب رأس هذا؟ فقال: "أتقتل رجلًا من أهل بدر، وما يدريك لعل الله قد اطَّلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم". تفرد بهذا الحديث من هذا الوجه الإمام أحمد، وإسناده على شرط مسلم، ولله الحمد. * * * فصل قال ابن إسحاق (٤): فحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهريُّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: ثم مضى رسول الله ﷺ لسفره، واستخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفاري، وخرج لعشر مضين من شهر رمضان، فصام وصام الناس معه، حتى إذا كان بالكَديد، بين عسفان وأمج أفطر، ثم مضى حتى نزل مرَّ الظهران في عشرة آلاف من المسلمين - وقال عروة بن الزُّبير: كان معه اثنا عشر ألفًا. وكذا قال الزهريُّ وموسى بن عقبة - فسبَّعت سُلَيم، وبعضهم يقول: ألَّفت سليم - وألَّفت مزينة،

стр. 2022

وفي كلِّ القبائل عدد وإسلام، وأوعب مع رسول الله ﷺ المهاجرون والأنصار فلم يتخلف عنه منهم أحد. وروى البخاريُّ (١)، عن محمود، عن عبد الرَّزَّاق، عن معمر، عن الزهريِّ نحوه. وقد روى البيهقي (٢) من حديث عاصم بن علي، عن الليث بن سعد، عن عقيل، عن الزهريِّ، أخبرني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، أنَّ رسول الله ﷺ غزا غزوة الفتح في رمضان. قال: وسمعت سعيد بن المسيَّب يقول مثل ذلك، لا أدري أخرج في ليال من شعبان فاستقبل رمضان، أو خرج في رمضان بعدما دخل؟ غير أن عبيد الله بن عبد الله أخبرني أن ابن عباس قال: صام رسول الله ﷺ حتى بلغ الكدَيد - الماء الذي بين قُديد وعسفان - أفطر، فلم يزل يفطر حتى انصرم الشهر. ورواه البخاريُّ، عن عبد الله بن يوسف، عن الليث، غير أنَّه لم يذكر التَّرديد بين شعبان ورمضان. وقال البخاريُّ (٣): ثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس قال: سافر رسول الله ﷺ في رمضان، فصام حتى بلغ عُسفان، ثم دعا بإناءٍ فشرب نهارًا ليراه الناس، فأفطر حتى قدم مكة. قال: وكان ابن عباس يقول: صام رسول الله ﷺ في السَّفر وأفطر، فمن شاء صام، ومن شاء أفطر. وقال يونس، عن إبن إسحاق، عن الزهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: مضى رسول الله ﷺ لسفرة الفتح، واستعمل على المدينة أبا رُهم كلثوم بن الحصين الغفاريَّ، وخرج لعشر مضين من رمضان، فصام وصام الناس معه، حتى أتى الكَديد - ماءً بين عسفان وأمَج - فأفطر، ودخل مكة مفطرًا، فكان الناس يرون أن آخر الأمرين من رسول الله ﷺ الفطر، وأنَّه نسخ ما كان قبله. قال البيهقيُّ (٤): فقوله: خرج لعشر من رمضان. مدرج في الحديث، وكذلك ذكره عبد الله بن إدريس، عن ابن إسحاق. ثم روى من طريق يعقوب بن سفيان، عن حامد بن يحيى، عن صدقة، عن ابن إسحاق، أنَّه قال: خرج رسول الله ﷺ لعشر مضين من رمضان سنة ثمان. ثم روى البيهقئ (٥) من حديث أبي إسحاق الفزاريِّ، عن محمد بن أبي حفصة، عن الزهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: كان الفتح لثلاث عشرة خلت من شهر رمضان. قال البيهقيُّ: وهذا الإدراج وهم، إنما هو من كلام الزهريِّ. ثم روى من طريق ابن وهب، عن يونس، عن الزهريِّ قال: غزا رسول الله ﷺ غزوة الفتح - فتح

стр. 2023

مكة - فخرج من المدينة في رمضان ومعه من المسلمين عشرة آلاف، وذلك على رأس ثماني سنين ونصف سنة من مقدمه المدينة، وافتتح مكة لثلاث عشرة بقين من رمضان. وروى البيهقيُّ (١) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ خرج في رمضان ومعه عشرة آلاف من المسلمين، فصام حتى بلغ الكَديد ثم أفطر. فقال الزهريُّ: وإنَّما يؤخذ بالأحدث فالأحدث. قال الزهريُّ: فصبَّح رسول الله ﷺ مكة لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان. ثم عزاه إلى "الصَّحيحين" من طريق عبد الرزاق، والله أعلم. وروى البيهقيُّ (٢) من طريق سعيد بن عبد العزيز التَّنوخيِّ، عن عطية بن قيس، عن قزعة بن يحيى، عن أبي سعيد الخدريِّ قال: آذننا رسول الله ﷺ بالرَّحيل عام الفتح لليلتين خلتا من رمضان، فخرجنا صُوَّامًا حتى بلغنا الكَديد، فأمرنا رسول الله ﷺ بالفطر، فأصبح الناس شَرجين؛ منهم الصَّائم ومنهم المفطر، حتى إذا بلغنا المنزل الذي نلقى العدوَّ فيه، أمرنا بالفطر فأفطرنا أجمعون. وقد رواه الإمام أحمد (٣)، عن أبي المغيرة، عن سعيد بن عبد العزيز، حدَّثني عطية بنُ قيس، عمَّن حدَّثه، عن أبي سعيد الخدريِّ قال: آذننا رسول الله ﷺ بالرَّحيل عام الفتح لليلتين خلتا من رمضان، فخرجنا صُوَّامًا حتى بلغنا الكَديد، فأمرنا رسول الله ﷺ بالفطر، فأصبح الناس منهم الصَّائم ومنهم المفطر، حتى إذا بلغ أدنى منزل تلقاء العدوِّ، أمرنا بالفطر، فأفطرنا أجمعون. قلت: فعلى ما ذكره الزهريُّ من أن الفتح كان يوم الثالث عشر من رمضان، وما ذكره أبو سعيد من أنَّهم خرجوا من المدينة في ثاني شهر رمضان، يقتضي أن مسيرهم كان بين مكة والمدينة في إحدى عشرة ليلة. ولكن روى البيهقيُّ (٤)، عن أبي الحسين بن الفضل، عن عبد الله بن جعفر، عن يعقوب بن سفيان، عن الحسن بن الربيع، عن ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن الزهريِّ، ومحمد بنِ علي بن الحسين، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعمرو بن شعيب، وعبد الله بن أبي بكر وغيرهم قالوا: كان فتح مكة في عشر بقيت من شهر رمضان سنة ثمان. وقال أبو داود الطَّيالسيُّ (٥): ثنا وهيب، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال:

стр. 2024

خرج رسول الله ﷺ عام الفتح صائمًا حتى أتى كراع الغميم، والناس معه مشاة وركبانًا، وذلك في شهر رمضان، فقيل: يا رسول الله، إنَّ الناس قد اشتدَّ عليهم الصوم، وإنَّما ينظرون إليك كيف فعلت. فدعا رسول الله ﷺ بقدح فيه ماءٌ فرفعه، فشرب والناس ينظرون، فصام بعض الناس وأفطر البعض، حتى أُخبر النبيُّ ﷺ أنَّ بعضهم صائمٌ، فقال رسول الله ﷺ :"أولئك العصاة". وقد رواه مسلم (١) من حديث الثَّقفيِّ والدَّراورديِّ، عن جعفر بن محمد. وروى الإمام أحمد (٢) من حديث محمد بن إسحاق، حدَّثني بُشَير بن يسار، عن ابن عباس قال: خرج رسول الله ﷺ عام الفتح في رمضان، فصام وصام المسلمون معه، حتى إذا كان بالكَديد دعا بماءٍ في قعب وهو على راحلته، فشرب والناس ينظرون؛ يُعلمهم أنَّه قد أفطر، فأفطر المسلمون. تفرَّد به أحمد. * * * فصل في إسلام العبَّاس بن عبد المطَّلب عمِّ النبيِّ ﷺ وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطَّلب ابن عمِّ رسول الله ﷺ وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزوميِّ أخي أمِّ سلمة أمِّ المؤمنين وهجرتهم إلى رسول الله ﷺ فوجدوه في أثناء الطريق وهو ذاهب إلى فتح مكة قال ابن إسحاق (٣): وقد كان العبَّاس بن عبد المطَّلب لقي رسول الله ﷺ ببعض الطريق. قال ابن هشام: لقيه بالجُحفة مهاجرًا بعياله، وقد كان قبل ذلك مقيمًا بمكة على سقايته، ورسول الله ﷺ عنه راضٍ، فيما ذكره ابن شهاب الزهريُّ. قال ابن إسحاق (٤): وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطَّلب، وعبد الله بن أبي أُمَيَّة قد لقيا رسول الله ﷺ أيضًا بنِيقِ العُقَاب فيما بين مكَّة والمدينة (٥)، والتمسا الدُّخول عليه، فكلَّمته أُمُّ سلمة

стр. 2025

فيهما، فقالت: يا رسول الله، ابنُ عمِّك، وابن عمِّتك وصهرك. قال: "لا حاجة لي بهما؛ أمَّا ابن عَمِّي فهتك عِرْضي (١)، وأمَّا ابن عَمَّتي فهو الذي قال لي بمكَّة ما قال (٢). قال: فلمَّا خرج إليهما الخبر بذلك ومع أبي سفيان بُنيٌّ له، فقال: والله ليأذننَّ لي أو لآخذنَّ بيد بنيَّ هذا، ثم لنذهبنَّ في الأرض حتى نموت عطشًا وجوعًا. فلمَّا بلغ ذلك النبيَّ ﷺ رقَّ لهما، ثم أذن لهما فدخلا عليه فأسلما، وأنشد أبو سفيان قوله في إسلامه، واعتذر إليه ممَّا كان مضى منه: [من الطويل] لَعَمْرُكَ إني يومَ أحملُ رايةً … لِتَغْلِبَ خيل اللَّاتِ خيلِ محمدِ لكَالُمْدلج الحَيْرَان أظلم لَيْلُهُ … فهذا أَوَاني حين أُهدى وأَهْتَدي هَدَاني هادٍ غير نفسي ونالني … مع الله من طَرَّدْتُ كل مطرَّدِ أَصُدُّ وأنأى جاهدًا عن محمدٍ … وأُدعى وإنْ لم أنتسب من محمِد هُمُ ما هُمُ من لم يَقُلْ بِهواهُمُ … وإن كان ذَا رأى يُلَمْ ويفنَّدِ أُريد لأُرضيهم ولَسْتُ بلائطٍ … مع القوم ما لم أُهد في كل مقعدِ فقُلْ لثقيف لا أُريد قِتَالَهَا … وقُل لثقيفٍ تلك غيريَ أَو عدي فما كُنْتُ في الجيش الذي نال عَامرًا … وما كان عن جَرَّا لساني ولا يدي قبائلُ جاءَت من بلادٍ بعيدةٍ … نزائعُ جاءت مِنْ سهامٍ وسَرْدُدِ قال ابن إسحاق (٣): فزعموا أنَّه حين أنشد رسول الله ﷺ : ................. ونالني … مع الله من طرَّدت كل مُطَرَّد ضرب رسول الله ﷺ بيده في صدره وقال: "أنت طَرَّدتني كُلَّ مُطَرَّد! ". * * * فصل ولمَّا انتهى رسول الله ﷺ إلى مرِّ الظَّهران (٤)، نزل فيه فأقام؛ كما روى البخاريُّ عن يحيى بن بكير،

стр. 2026

عن اللَّيث، ومسلم (١) عن أبي الطَّاهر، عن ابن وهب كلاهما، عن يونس، عن الزهريِّ، عن أبي سلمة، عن جابر قال: كنَّا مع رسول الله ﷺ بمرِّ الظَّهران نجتني الكباثَ (٢)، وإنَّ رسول الله ﷺ قال: "عليكم بالأسود منه فإنَّه أطيب". قالوا: يا رسول الله، أكنت ترعى الغنم؟ قال: "نعم، وهل من نبيٍّ إلا وقد رعاها؟ ". وقال البيهقيُّ (٣): عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجَبَّار، عن يونس بن بُكير، عن سِنَان بن إسماعيل، عن أبي الوليد سعيد بن مينا قال: لمَّا فرغ أهل مُؤْتَةَ ورجعوا، أمَرهم رسول الله ﷺ بالمسير إلى مَكّة، فلمَّا انتهى إلى مرِّ الظَّهران نزل بالعقبة، فأرسل الجُناة يَجْتَنُون الكَبَاث، فقلت لسعيد: وما هو؟ قال: ثمر الأراك. قال: فانطلق ابن مسعود فيمن يجتني. قال: فجعل أحدهم إذا أصاب حَبَّة طيبة قذفها في فيه، وكانوا ينظرون إلى دقَّة ساقي ابن مسعود وهو يرقى في الشَّجرة فيضحكون، فقال رسول الله ﷺ : "تَعْجَبُونَ مِنْ دِقَّة سَاقَيْهِ؟ فوالذي نفسي بيَدِهِ لهُمَا أَثْقَلُ في الميزان من أُحد". وكان ابن مسعود ما اجتنى من شيءٍ، جاء به وخياره فيه إلى رسول الله ﷺ ، فقال في ذلك (٤): هَذَا جَنَايَ وخِيَارُه فيهْ … إذْ كلُّ جانٍ يدهُ إلى فِيهْ وفي "الصَّحيحين" (٥) عن أنس قال: أنفجنا (٦) أرنبًا ونحن بمرِّ [الظَّهران] فسعى القوم فلغبوا، فأدركتها فأخذتها، فأتيت بها أبا طلحة فذبحها، وبعث إلى رسول الله ﷺ بورِكها أو فخذيها فقبله. وقال ابن إسحاق (٧): ونزل رسول الله ﷺ مرَّ الظَّهران، وقد عُمِّيت الأخبار عن قريش، فلا يأتيهم خبر عن رسول الله ﷺ ، ولا يدرون ما رسول الله ﷺ فاعل، وخرج في تلك الليالي أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وبُديل بن ورقاء، يتحسَّسون الأخبار، وينظرون هل يجدون خبرًا أو يسمعون به. وذكر ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عُروبرة (٨) أنَّ رسول الله ﷺ بعث بين يديه خيلًا يقتضُّون

стр. 2027

العيون، وخُزَاعَة لا تدع أحدًا يمضي وراءها، فلمَّا جاء أبو سفيان وأصحابه أخذتهم خيل المسلمين، وقام إليه عمر يجأ في عنقه، حتى أجاره العبَّاس بن عبد المطَّلب، وكان صاحبًا لأبي سفيان. قال ابن إسحاق (١): وقال العبَّاس حين نزل رسول الله ﷺ مرَّ الظَّهران: قلت: واصباح قريش، والله لئن دخل رسول الله ﷺ مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر. قال: فجلستُ على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء، فخرجت عليها حتى جئت الأراك، فقلت: لعلّي أجد بعض الحطَّابة، أو صاحب لبن، أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول الله ﷺ ؛ ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخل عليهم عنوة. قال: فوالله إني لأسير عليها وألتمس ما خرجت له، إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانًا قطُّ ولا عسكرًا! قال: يقول بُديل: هذه والله خُزَاعَة حمشتها الحرب. قال: يقول أبو سفيان: خُزَاعَة أذلُّ وأقلُّ من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها. قال: فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة. فعرف صوتي، فقال: أبو الفضل؟ قال: قلت: نعم. قال: مالك، فدى لك أبي وأُمي؟ قال: قلت: ويحك يا أبا سفيان! هذا رسول الله ﷺ في الناس، واصباح قريش والله. قال: فما الحيلة، فداك أبي وأمي؟ قال: قلت: والله لئن ظفر بك ليضربنَّ عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله ﷺ فأستأمنه لك. قال: فركب خلفي ورجع صاحباه - وقال عُرْوَة: بل ذهبا إلى النبي ﷺ فأسلما، وجعل يستخبرهما عن أهل مكّة. وقال الزهريُّ وموسى بن عقبة: بل دخلوا مع العباس على رسول الله ﷺ [قال ابن إسحاق:] قال: فجئت به كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله ﷺ وأنا عليها قالوا: عمُّ رسول الله ﷺ على بغلة رسول الله ﷺ . حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال: من هذا؟ وقام إليَّ، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال: أبو سفيان عدوُّ الله الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد [وزعم عُرْوَة بن الزّبير أن عمر وجأ (٢) في رقبة أبي سفيان، وأراد قتله فمنعه منه العباس. وهكذا ذكر موسى بن عقبة، عن الزُّهريِّ أن عيون رسول الله ﷺ أخذوهم بأزمَّة جِمالهم، فقالوا: من أنتم؟ قالوا: وفد رسول الله ﷺ . فلقيهم العباس، فدخل بهم على رسول الله، فحادثهم عامَّة الليل، ثم دعاهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فشهدوا، وأن محمدًا رسول الله، فشهد حكيم وبديل، وقال أبو سفيان: ما أعلم ذلك. ثم أسلم بعد الصبح، ثم سألوه أن يؤمِّن قريشًا، فقال: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن - وكانت بأعلى مكة - ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن - وكانت بأسفل مكة - ومن أغلق بابه فهو آمن".

стр. 2028

قال العباس:] ثم خرج [عمر] يشتدُّ نحو رسول الله ﷺ وركضت البغلة، فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء. قال: فاقتحمتُ عن البغلة، فدخلت على رسول الله ﷺ ودخل عليه عمر، فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد، فدعني فلأضرب عنقه. قال: قلت: يا رسول الله، إني قد أجرته. ثم جلست إلى رسول الله ﷺ فأخذت برأسه، فقلت: والله لا يناجيه الليلة دوني رجل. فلما أكثر عمر في شأنه. قال: قلت: مهلًا يا عمر، فوالله أن [لو] كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف. فقال: مهلًا يا عباس، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحبَّ إليَّ من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحبَّ إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب لو أسلم. فقال رسول الله ﷺ : "اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به". قال: فذهبت به إلى رحلي، فبات عندي، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله ﷺ ، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: "ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟ " فقال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى عني شيئًا بعد. قال: "ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ " قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، أمَّا هذه واللّه فإن في النفس منها حتى الآن شيئًا. فقال له العباس: ويحك! أسلم واشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، قبل أن تضرب عنقك. قال: فشهد شهادة الحق فأسلم. قال العباس: فقلت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحبُّ هذا الفخر، فاجعل له شيئًا. قال: " [نعم] من دخل دار أبي سفيان فهوآمن [زاد عُرْوَة: "ومن دخل دار حكيم بن حِزَام فهو آمن". وهكذا قال موسى بن عقبة عن الزهريِّ] ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن". فلما ذهب لينصرف قال رسول الله ﷺ :"يا عباس، احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل؛ حتى تمرَّ به جنود الله فيراها". [وذكر موسى بن عقبة، عن الزهريِّ أن أبا سفيان وبُدَيْلًا، وحكيم بن حِزَام كانوا وقوفًا مع العباس عند خطم الجبل، وذكر أن سعدًا لما قال لأبي سفيان: اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستحل الحُرمة. فشكى أبو سفيان إلى رسول الله ﷺ ، فعزله عن راية الأنصار، وأعطاها الزبير بن العوَّام، فدخل بها من أعلى مكة وغرزها بالحَجون، ودخل خالد من أسفل مكة، فلقيه بنو بكر وهذيل، فقتل من بني بكر عشرين ومن هذيل ثلاثة أو أربعة، وانهزموا فقتلوا بالحزْورة حتى بلغ قتلهم باب المسجد]. قال [العباس (١):] فخرجت بأبي سفيان حتى حبسته بمضيق الوادي حيث أمرني رسول الله ﷺ أن

стр. 2029

أحبسه. قال: ومرَّت القبائل على راياتها، كلما مرَّت قبيلة قال: يا عباس، من هؤلاء؟ فأقول: سُلَيم. فيقول: ما لي ولسليم. ثم تمرُّ به القبيلة فيقول: يا عباس، من هؤلاء؟ فأقول: مزينة. فيقول: ما لي ولمزينة. حتى نفِدت القبائل، ما تمرُّ به قبيلة إلا سألني عنها، فإذا أخبرته قال: ما لي ولبني فلان. حتى مرَّ رسول الله ﷺ في كتيبته الخضراء وفيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحَدق من الحديد، فقال: سبحان [الله] يا عباس، من هؤلاء؟ قال: قلت: هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار. قال: ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيمًا. قال: قلت: يا أبا سفيان، إنها النبوة. قال: فنعم إذًا. قال: قلت: النَّجاء إلى قومك. حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قِبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. فقامت إليه هند بنت عُتبة، فأخذت بشاربه فقالت: اقتلوا الحمِيت الدَّسم الأحمس، قبِّح من طليعة قوم. فقال أبو سفيان: ويلكم لا تغرَّنَّكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. قالوا: قاتلك الله، وما تغني عنا دارك؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد. وذكر عُرْوَة بن الزُّبير أن رسول الله ﷺ لما مرَّ بابي سفيان قال له: إني لأرى وجوهًا كثيرة لا أعرفها، لقد كثرت هذه الوجوه عليَّ. فقال له رسول الله ﷺ :" أنت فعلت هذا وقومك، إن هؤلاء صدَّقوني إذ كذَّبتموني، ونصروني إذ أخرجتموني". ثم شكى إليه قول سعد بن عبادة حين مرَّ عليه فقال: يا أبا سفيان، اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستحل الحُرمة. فقال رسول الله ﷺ : "كذب سعد، بل هذا يوم يعظَّم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة". وذكر عُرْوَة أن أبا سُفيان لما أصبح صبيحة تلك الليلة التي كان عند العباس، ورأى الناس يجنحون للصلاة، وينتشرون في استعمال الطَّهارة خاف وقال للعباس: ما بالهم؟ قال: إنهم سمعوا النّداء، فهم ينتشرون للصلاة. فلما حضرت الصلاةُ ورآهم يركعون بركوعه، ويسجدون بسجوده قال: يا عباس، ما يأمرهم بشيء إلا فعلوه! قال: نعم، والله لو أمرهم بترك الطعام والشراب لأطاعوه. وذكر موسى بن عقبة، عن الزهريِّ (١)، أنه لما توضَّأ رسول الله ﷺ جعلوا يتكفَّفون، فقال: يا عَبَّاس، ما رأيت كالليلة ولا مُلْكَ كِسْرى وقَيْصَرَ. وقد روى الحافظ البيهقيُّ (٢)، عن الحاكم وغيره، عن الأصمِّ، عن أحمد بن عبد الجَبّار، عن

стр. 2030

يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكر هذه القصة بتمامها كما أوردها زياد البكَّائيُّ، عن ابن إسحاق منقطعة. فالله أعلم. على أنه قد روى البيهقي (١) من طريق أبي بلال الأشعري، عن زياد البكَّائيِّ، عن محمد بن إسحاق، عن الزهريِّ، عن عبيد الله، عن ابن عباس قال: جاء العباس بأبي سفيان إلى رسول الله ﷺ ، قال: فذكر القصة، إلا أنه ذكر أنه أسلم من ليلته قبل أن يصبح بين يدي رسول الله ﷺ ، وأنه لما قال له رسول الله ﷺ :"من دخل دار أبي سفيان فهو آمن". قال أبو سفيان: وما تسع داري؟ فقال: "ومن دخل الكعبة فهو آمن". قال: وما تسع الكعبة؟ فقال: "ومن دخل المسجد فهو آمن". قال: وما يسع المسجد؟ فقال: "ومن أغلق عليه بابه فهو آمن". فقال أبو سفيان: هذه واسعة. وقال البخاريُّ (٢): ثنا عُبيد بن إسماعيل، ثنا أبو أُسامة، عن هشام، عن أبيه قال: لما سار رسول الله ﷺ عام الفتح فبلغ ذلك قريشًا، خرج أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حِزَام، وبُديل بن وَرْقَاء، يلتمسون الخبر عن رسول الله ﷺ ، فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مرَّ الظَّهران، فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة، فقال أبو سفيان: ما هذه؟ كأنها نيران عرفة! فقال بديل بن ورقاء: نيران بني عمرو. فقال أبو سفيان: عمرو أقلُّ من ذلك. فرآهم ناس من حرس رسول الله ﷺ فأدركوهم فأخذوهم، فأتوا بهم رسول الله ﷺ ، فأسلم أبو سفيان، فلما سار، قال للعباس: "احبس أبا سفيان عند خطم الجبل حتى ينظر إلى المسلمين". فحبسه العباس، فجعلت القبائل تمرُّ مع رسول الله ﷺ ، تمرُّ كتيبة كتيبة على أبي سفيان، فمرَّت كتيبة فقال: يا عباس، من هذه؟ قال: هذه غفار. قال: ما لي ولغفار. ثم مرَّت جهينة فقال مثل ذلك، ثم مرَّت سعد بن هذيم فقال مثل ذلك، ومرَّت سليم فقال مثل ذلك، حتى أقبلت كتيبة لم ير مثلها فقال: من هذه؟ قال: هؤلاء الأنصار، عليهم سعد بن عبادة معه الراية. فقال سعد بن عبادة: يا أبا سفيان، اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستحل الكعبة. فقال أبو سفيان: يا عباس، حبذا يوم الذِّمار. ثم جاءت كتيبة، وهي أقل الكتائب، فيهم رسول الله ﷺ وأصحابه، وراية رسول الله ﷺ مع الزبير بن العوام، فلما مرَّ رسول الله ﷺ بأبي سفيان قال: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ فقال: "ما قال؟ " قال: كذا وكذا. فقال: "كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظمِّ الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة". وأمر رسول الله ﷺ أن تركز رايته بالحجون. قال عروة: وأخبرني نافع بن جبير بن مطعم، قال: سمعت العباس يقول للزبير بن العوَّام: ههنا أمرك رسول الله ﷺ أن تركز الراية؟ قال: نعم. قال: وأمر رسول الله ﷺ خالد بن الوليد أن يدخل مِن أعلى مكة من كَداء، ودخل رسول الله ﷺ من كُدى قتل من خيل خالد بن الوليد يومئذ رجلان؛ حبيش بن الأشعر، وكُرز بن جابر الفهريُّ.

стр. 2031

وقال أبو داود (١): ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا يحيى بن آدم، ثنا ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن الزهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ عام الفتح جاءه العباس بن عبد المطلب بأبي سفيان بن حرب، فأسلم بمرِّ الظَّهران، فقال له العباس: يا رسول الله، إن أبا سفيان [رجل] يحبُّ هذا الفخر، فلو جعلت له شيئًا؟ قال: "نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن". صِفَةُ دُخُولهِ ﷺ مَكَّةَ ثبت في "الصحيحين" (٢) من حديث مالك، عن الزُّهريِّ، عن أنس، أن رسول الله ﷺ دخل مكَّة وعلى رأسه المِغْفَر، فلما نزعه، جاءه رجل فقال: إن ابن خَطَل (٣) متعلق بأستار الكعبة. فقال: "اقتلوه". قال مالك: ولم يكن رسول الله ﷺ ، فيما نرى، والله أعلم محرِمًا. وقال أحمد (٤): ثنا عَفَّان، ثنا حمَّاد، أنا أبو الزُّبير، عن جابر، أن رسول الله ﷺ دخل [يوم فتح] مكّة وعليه عِمَامَةٌ سَوْدَاء. ورواه أهل السنن الأربعة (٥)، من حديث حماد بن سلمة، وقال الترمذيُّ: حسن صحيح. ورواه مسلم (٦)، عن قتيبة ويحيى بن يحيى، عن معاوية بن عمَّار الدُّهنيِّ، عن أبي الزُّبير، عن جابر، أن رسول الله ﷺ دخل مكة وعليه عمامة سوداء، من غير إحرام (٧). وروى مسلم (٨) من حديث أبي أُسامة، عن مساور الوَرَّاق، عن جعفر بن عمرو بن حُريث، عن أبيه

стр. 2032

قال: كأنِّي أنظر إلى رسول الله ﷺ يوم فتح مَكّة وعليه عِمَامَةٌ حَرَقانيَّة سوداء قد أرخى طرفيها بين كتفيه. وروى مسلم في "صحيحه"، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ (١) من حديث عَمَّار الدُّهنيِّ، عن أبي الزُّبير، عن جابر، أن رسول الله ﷺ دخل مكة وعليه عمامة سوداء. وروى أهل السنن الأربعة (٢) من حديث يحيى بن آدم، عن شريك القاضي، عن عمَّار الدُّهنيِّ، عن أبي الزُّبير، عن جابر قال: كان لواء رسول الله ﷺ يوم دخل مكة أبيض. وقال ابن إسحاق (٣)، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عائشة قالت: كان لواء رسول الله ﷺ يوم الفتح أبيض، ورايته سوداء تُسمَّى العُقَاب، وكانت قطعة من مرط مرحَّل. وقال البخاريُّ (٤): ثنا أبو الوليد، ثنا شعبة، عن معاوية بن قُرَّة قال: سمعت عبد الله بن مُغَفَّل يقول: رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ سورة "الفتح" يرجِّع. وقال (٥): لولا أن يجتمع الناس حولي لرجَّعت كما رجَّع. [وقال محمد بن إسحاق (٦): حدَّثني عبد الله بن أبي بكر، أن] رسول الله ﷺ لمَّا انتهى إلى ذي طُوى، وقف على راحلته معتجرًا بشقَّة برد [حِبَرة] حمراء، وإن رسول الله ﷺ ليضع رأسه تواضعًا لله، حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن عُثنونه ليكاد يمسُّ واسطة الرَّحل. وقال الحافظ البيهقيُّ (٧): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا دَعْلَج بن أحمد، ثنا أحمد بن عليٍّ الأبَّار، ثنا عبد الله بن أبي بكر المقدَّميُّ، ثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس قال: دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح وذَقَنه على راحلته متخشعًا. وقال (٨): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر بن بالويه، ثنا أحمد بن صاعد، ثنا إسماعيل بن أبي الحارث، ثنا جعفر بن عون، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن أبي مسعود أن رجلًا كلَّم

стр. 2033

رسول الله ﷺ يوم الفتح، فأخذته الرِّعدة، فقال: "هوِّن عليك، فإنَّما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد". قال: وهكذا رواه محمد بن سليمان بن فارس، وأحمد بن يحيى بن زهير، عن إسماعيل بن أبي الحارث، موصولًا. ثم رواه (١) عن أبي زكريا المزكِّي، عن أبي عبد الله محمد بن يعقوب، عن محمد بن عبد الوهاب، عن جعفر بن عون، عن إسماعيل عن قيس، مرسلًا، قال: وهو المحفوظ. وهذا التواضع في هذا الموطن عند دخوله ﷺ مكَّة، في مثل هذا الجيش الكثيف العَرَمْرَم، بخلاف ما اعتمده سُفَهَاء بني إسرائيل، حين أُمروا أن يدخلوا باب بيت المقدس وهم سجود، أي رُكَّعٌ، يقولون: حِطَّة. فدخلوا يزحفون على أستاههم وهم يقولون: حنطة في شعرة. وقال البخاريُّ (٢): ثنا الهيثم بن خارجة، ثنا حفص بن ميسرة، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، أن عائشة أخبرته أن رسول الله ﷺ دخل عام الفتح من كَداءٍ التي بأعلى مَكّة، وتابعه أبو أسامة ووهيب: في كَداء. ثنا (٣) عُبيد بن إسماعيل، ثنا أبو أُسامة، عن هشام، عن أبيه: دخل رسول الله ﷺ عام الفتح من أعلى مكة من كداء، وهو أصحُّ. إن أراد أن المرسل أصحُّ من المسند المتقدم انتظم الكلام، إلا فكداء بالمدِّ هي المذكورة في الروايتين، وهي في أعلى مكَّة، وكُدى مقصورًا في أسفل مكة، وهذا هو المشهور والأنسب. وقد تقدَّم أنَّه، ﵇، بعث خالد بن الوليد من أعلى مكّة، ودخل هو، ﵇، من أسفلها من كُدى، وهو في "صحيح البخاريِّ"، فالله أعلم. وقد قال البيهقيُّ (٤): أنبأنا أبو الحسن بن عَبْدَان، أنبأنا أحمد بن عبيد الصَّفَّارُّ، ثنا عبد الله بن [الصَّقر، عن] (٥) إبراهيم بن المنذر الحزاميِّ، ثنا معن، ثنا عبد الله بن عمر بن حفص، عن نافع، عن ابن عمر قال: لمَّا دخل رسول الله ﷺ عام الفتح رأى النساء يلطمن وجوه الخيل، فتبسَّم إلى أبي بكر وقال: "يا أبا بكر، كيف قال حَسَّان؟ " فأنشده أبو بكر، ﵁ (٦):

стр. 2034

عدِمت بنيَّتي إن لم تروها … تثير النَّقع من كتفي كَدا (١) ينازعن الأعنَّة مسرَجات … يلطِّمهن بالخُمُر النساء فقال رسول الله ﷺ : "ادخُلُوها مِنْ حَيْثُ قال حَسَّان". وقال محمد بن إسحاق (٢): حدَّثني يحيى بن عَبَّاد بن عبد الله بن الزُّبير، عن أبيه، عن جدتَّه أسماء بنت أبي بكر، قالت: لمَّا وقف رسول الله ﷺ بذي طوى، قال أبو قُحَافة لابنة له من أصغر ولده: أي بنيَّة، اظهري بي على أبي قُبيس. قالت: وقد كُفَّ بصره. قالت: فأشرفت به عليه، فقال: أي بنيَّة، ماذا تَرين؟ قالت: أرى سوادًا مجتمعًا. قال: تلك الخيل. قالت: وأرى رجلًا يسعى بين يدي ذلك السَّواد مقبلًا ومُدْبرًا. قال: أي بنيّة، ذلك الوازع. يعني الذي يأمر الخيل ويتقدَّم إليها. ثم قالت: قد والله انتشر السَّواد. فقال: قد والله إذًا دفعت الخيل، فأسرعي بي إلى بيتي. فانحطَّت به، وتلقَّاه الخيل قبل أن يصل إلى بيته. قالت: وفي عنق الجارية طوق من ورِق، فتلقاها رجل فيقتطعه من عنقها. قالت: فلمَّا دخل رسول الله ﷺ مكة ودخل المسجد، أتى أبو بكر بأبيه يقوده، فلمَّا رآه رسول الله ﷺ قال: "هلَّا تركت الشَّيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه؟ " قال أبو بكر: يا رسول الله، هو أحقُّ أن يمشي إليك من أن تمشيَ أنت إليه. قال: فقالت: فأجلسه بين يديه، ثم مسح صدره، ثم قال: "أسلم". فأسلم. قالت: ودخل به أبو بكر، وكان رأسه كالثَّغامة بياضًا، فقال رسول الله ﷺ :"غيِّروا هذا من شعره". ثم قام أبو بكر، فأخذ بيد أخته، وقال: أنشُد الله والإسلام طوق أختي. فلم يجبه أحد، قالت: فقال: أي أُخيَّة، احتسبي طوقك، فوالله إن الأمانة في الناس اليوم لقليل. يعني الصِّدِّيق ذلك اليوم على التَّعيين؛ لأن الجيش فيه كثرة، ولا يكاد أحد يلوي على أحد مع انتشار الناس، ولعل الذي أخذه تأوَّل أنَّه من حربيٍّ، والله أعلم. وقال الحافظ البيهقيُّ (٣): ثنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العبَّاس الأصمُّ، ثنا بحر بن نصر، ثنا ابن وهب، أخبرني ابن جريج، عن أبي الزُّبير، عن جابر أن عمر بن الخطاب أخذ بيد أبي قحافة، فأتى به النبيَّ ﷺ ، فلمَّا وقف به على رسول الله ﷺ قال: "غيِّروه ولا تقرِّبوه سوادًا". قال [ابن وهب]: وأخبرني عمر بن محمد، عن زيد بن أسلم، أن رسول الله ﷺ هنَّا أبا بكر بإسلام أبيه.

стр. 2035

قال ابن إسحاق (١): فحدَّثني عبد الله بن أبي نجيح، أن رسول الله ﷺ حين فرَّق جيشه من ذي طوى، أمر الزُّبير بن العوَّام أن يدخل في بعض الناس من كُدى، وكان الزُّبير على المجنَبة اليسرى، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كَداء. قال ابن إسحاق (٢): فزعم بعض أهل العلم أن سعدًا حين وجَّه داخلًا قال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلُّ الحرمة. فسمعها رجل، قال ابن هشام: يقال: إنه عمر بن الخطاب، فقال: [يا رسول الله،] أتسمع ما يقول سعد بن عبادة؟! ما نأمن أن يكون له في قريش صولة. فقال رسول الله ﷺ لعليٍّ: "أدركه فخذ الراية منه، فكن أنت تدخل بها". قلت: وذى غير محمد بن إسحاق، أن رسول الله ﷺ لما شكى إليه أبو سفيان قول سعد بن عبادة حين مرَّ به. وقال: يا أبا سفيان، اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلُّ الحرمة - يعني الكعبة - فقال النبيُّ ﷺ : "بل هذا يوم تعظَّم فيه الكعبة". وأمر بالراية - راية الأنصار - أن تؤخذ من سعد بن عبادة كالتأديب له، ويقال: إنها دُفعت إلى ابنه قيس بن سعد. وقال موسى بن عقبة، عن الزهريِّ: دفعها إلى الزُّبير بن العوام. فالله أعلم. وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة يعقوب بن إسحاق بن دينار، ثنا عبد الله بن السَّريِّ الأنطاكيُّ، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، وحدَّثني موسى بن عقبة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: دفع رسول الله ﷺ الراية يوم فتح مكة إلى سعد بن عبادة، فجعل يهزُّها ويقول: اليوم يوم الملحمة، يوم تستحلُّ الحرمة قال: فشقَّ ذلك على قريش وكبُر في نفوسهم. قال: فعارضت امرأة رسول الله ﷺ في مسيره وأنشأت تقولي (٣) [من الخفيف] يا نبيَّ الهُدى إليك لَجَا حيْـ … يُ قريش ولاتَ حينَ لَجَاءِ حين ضاقت عليهمُ سَعَةُ الأر … ضِ وعَادَاهُمْ إلهُ السَّمَاء [والتقت حلقتا البِطَانِ على القو … مِ ونُودُوا بالصَّيلم الصَّلعاءِ] (٤) إن سعدًا يريد قاصِمَة الظَّهْـ … رِ بأهل الحَجُونِ والبَطْحَاءِ خَزْرَجيٌّ لو يستطيعُ من الغَيْـ … ظِ رَمَانَا بالنَّسر والعَوَّاءِ فَانهَيَنْهُ فإنّه الأسَدُ الأسْـ … ودُ واللّيث والغٌ في الدِّمَاءِ
следующие страницы →