← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

وقال أبو داود (١): ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا يحيى بن آدم، ثنا ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن الزهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ عام الفتح جاءه العباس بن عبد المطلب بأبي سفيان بن حرب، فأسلم بمرِّ الظَّهران، فقال له العباس: يا رسول الله، إن أبا سفيان [رجل] يحبُّ هذا الفخر، فلو جعلت له شيئًا؟ قال: "نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن". صِفَةُ دُخُولهِ ﷺ مَكَّةَ ثبت في "الصحيحين" (٢) من حديث مالك، عن الزُّهريِّ، عن أنس، أن رسول الله ﷺ دخل مكَّة وعلى رأسه المِغْفَر، فلما نزعه، جاءه رجل فقال: إن ابن خَطَل (٣) متعلق بأستار الكعبة. فقال: "اقتلوه". قال مالك: ولم يكن رسول الله ﷺ ، فيما نرى، والله أعلم محرِمًا. وقال أحمد (٤): ثنا عَفَّان، ثنا حمَّاد، أنا أبو الزُّبير، عن جابر، أن رسول الله ﷺ دخل [يوم فتح] مكّة وعليه عِمَامَةٌ سَوْدَاء. ورواه أهل السنن الأربعة (٥)، من حديث حماد بن سلمة، وقال الترمذيُّ: حسن صحيح. ورواه مسلم (٦)، عن قتيبة ويحيى بن يحيى، عن معاوية بن عمَّار الدُّهنيِّ، عن أبي الزُّبير، عن جابر، أن رسول الله ﷺ دخل مكة وعليه عمامة سوداء، من غير إحرام (٧). وروى مسلم (٨) من حديث أبي أُسامة، عن مساور الوَرَّاق، عن جعفر بن عمرو بن حُريث، عن أبيه

стр. 2032

قال: كأنِّي أنظر إلى رسول الله ﷺ يوم فتح مَكّة وعليه عِمَامَةٌ حَرَقانيَّة سوداء قد أرخى طرفيها بين كتفيه. وروى مسلم في "صحيحه"، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ (١) من حديث عَمَّار الدُّهنيِّ، عن أبي الزُّبير، عن جابر، أن رسول الله ﷺ دخل مكة وعليه عمامة سوداء. وروى أهل السنن الأربعة (٢) من حديث يحيى بن آدم، عن شريك القاضي، عن عمَّار الدُّهنيِّ، عن أبي الزُّبير، عن جابر قال: كان لواء رسول الله ﷺ يوم دخل مكة أبيض. وقال ابن إسحاق (٣)، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عائشة قالت: كان لواء رسول الله ﷺ يوم الفتح أبيض، ورايته سوداء تُسمَّى العُقَاب، وكانت قطعة من مرط مرحَّل. وقال البخاريُّ (٤): ثنا أبو الوليد، ثنا شعبة، عن معاوية بن قُرَّة قال: سمعت عبد الله بن مُغَفَّل يقول: رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ سورة "الفتح" يرجِّع. وقال (٥): لولا أن يجتمع الناس حولي لرجَّعت كما رجَّع. [وقال محمد بن إسحاق (٦): حدَّثني عبد الله بن أبي بكر، أن] رسول الله ﷺ لمَّا انتهى إلى ذي طُوى، وقف على راحلته معتجرًا بشقَّة برد [حِبَرة] حمراء، وإن رسول الله ﷺ ليضع رأسه تواضعًا لله، حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن عُثنونه ليكاد يمسُّ واسطة الرَّحل. وقال الحافظ البيهقيُّ (٧): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا دَعْلَج بن أحمد، ثنا أحمد بن عليٍّ الأبَّار، ثنا عبد الله بن أبي بكر المقدَّميُّ، ثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس قال: دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح وذَقَنه على راحلته متخشعًا. وقال (٨): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر بن بالويه، ثنا أحمد بن صاعد، ثنا إسماعيل بن أبي الحارث، ثنا جعفر بن عون، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن أبي مسعود أن رجلًا كلَّم

стр. 2033

رسول الله ﷺ يوم الفتح، فأخذته الرِّعدة، فقال: "هوِّن عليك، فإنَّما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد". قال: وهكذا رواه محمد بن سليمان بن فارس، وأحمد بن يحيى بن زهير، عن إسماعيل بن أبي الحارث، موصولًا. ثم رواه (١) عن أبي زكريا المزكِّي، عن أبي عبد الله محمد بن يعقوب، عن محمد بن عبد الوهاب، عن جعفر بن عون، عن إسماعيل عن قيس، مرسلًا، قال: وهو المحفوظ. وهذا التواضع في هذا الموطن عند دخوله ﷺ مكَّة، في مثل هذا الجيش الكثيف العَرَمْرَم، بخلاف ما اعتمده سُفَهَاء بني إسرائيل، حين أُمروا أن يدخلوا باب بيت المقدس وهم سجود، أي رُكَّعٌ، يقولون: حِطَّة. فدخلوا يزحفون على أستاههم وهم يقولون: حنطة في شعرة. وقال البخاريُّ (٢): ثنا الهيثم بن خارجة، ثنا حفص بن ميسرة، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، أن عائشة أخبرته أن رسول الله ﷺ دخل عام الفتح من كَداءٍ التي بأعلى مَكّة، وتابعه أبو أسامة ووهيب: في كَداء. ثنا (٣) عُبيد بن إسماعيل، ثنا أبو أُسامة، عن هشام، عن أبيه: دخل رسول الله ﷺ عام الفتح من أعلى مكة من كداء، وهو أصحُّ. إن أراد أن المرسل أصحُّ من المسند المتقدم انتظم الكلام، إلا فكداء بالمدِّ هي المذكورة في الروايتين، وهي في أعلى مكَّة، وكُدى مقصورًا في أسفل مكة، وهذا هو المشهور والأنسب. وقد تقدَّم أنَّه، ﵇، بعث خالد بن الوليد من أعلى مكّة، ودخل هو، ﵇، من أسفلها من كُدى، وهو في "صحيح البخاريِّ"، فالله أعلم. وقد قال البيهقيُّ (٤): أنبأنا أبو الحسن بن عَبْدَان، أنبأنا أحمد بن عبيد الصَّفَّارُّ، ثنا عبد الله بن [الصَّقر، عن] (٥) إبراهيم بن المنذر الحزاميِّ، ثنا معن، ثنا عبد الله بن عمر بن حفص، عن نافع، عن ابن عمر قال: لمَّا دخل رسول الله ﷺ عام الفتح رأى النساء يلطمن وجوه الخيل، فتبسَّم إلى أبي بكر وقال: "يا أبا بكر، كيف قال حَسَّان؟ " فأنشده أبو بكر، ﵁ (٦):

стр. 2034

عدِمت بنيَّتي إن لم تروها … تثير النَّقع من كتفي كَدا (١) ينازعن الأعنَّة مسرَجات … يلطِّمهن بالخُمُر النساء فقال رسول الله ﷺ : "ادخُلُوها مِنْ حَيْثُ قال حَسَّان". وقال محمد بن إسحاق (٢): حدَّثني يحيى بن عَبَّاد بن عبد الله بن الزُّبير، عن أبيه، عن جدتَّه أسماء بنت أبي بكر، قالت: لمَّا وقف رسول الله ﷺ بذي طوى، قال أبو قُحَافة لابنة له من أصغر ولده: أي بنيَّة، اظهري بي على أبي قُبيس. قالت: وقد كُفَّ بصره. قالت: فأشرفت به عليه، فقال: أي بنيَّة، ماذا تَرين؟ قالت: أرى سوادًا مجتمعًا. قال: تلك الخيل. قالت: وأرى رجلًا يسعى بين يدي ذلك السَّواد مقبلًا ومُدْبرًا. قال: أي بنيّة، ذلك الوازع. يعني الذي يأمر الخيل ويتقدَّم إليها. ثم قالت: قد والله انتشر السَّواد. فقال: قد والله إذًا دفعت الخيل، فأسرعي بي إلى بيتي. فانحطَّت به، وتلقَّاه الخيل قبل أن يصل إلى بيته. قالت: وفي عنق الجارية طوق من ورِق، فتلقاها رجل فيقتطعه من عنقها. قالت: فلمَّا دخل رسول الله ﷺ مكة ودخل المسجد، أتى أبو بكر بأبيه يقوده، فلمَّا رآه رسول الله ﷺ قال: "هلَّا تركت الشَّيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه؟ " قال أبو بكر: يا رسول الله، هو أحقُّ أن يمشي إليك من أن تمشيَ أنت إليه. قال: فقالت: فأجلسه بين يديه، ثم مسح صدره، ثم قال: "أسلم". فأسلم. قالت: ودخل به أبو بكر، وكان رأسه كالثَّغامة بياضًا، فقال رسول الله ﷺ :"غيِّروا هذا من شعره". ثم قام أبو بكر، فأخذ بيد أخته، وقال: أنشُد الله والإسلام طوق أختي. فلم يجبه أحد، قالت: فقال: أي أُخيَّة، احتسبي طوقك، فوالله إن الأمانة في الناس اليوم لقليل. يعني الصِّدِّيق ذلك اليوم على التَّعيين؛ لأن الجيش فيه كثرة، ولا يكاد أحد يلوي على أحد مع انتشار الناس، ولعل الذي أخذه تأوَّل أنَّه من حربيٍّ، والله أعلم. وقال الحافظ البيهقيُّ (٣): ثنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العبَّاس الأصمُّ، ثنا بحر بن نصر، ثنا ابن وهب، أخبرني ابن جريج، عن أبي الزُّبير، عن جابر أن عمر بن الخطاب أخذ بيد أبي قحافة، فأتى به النبيَّ ﷺ ، فلمَّا وقف به على رسول الله ﷺ قال: "غيِّروه ولا تقرِّبوه سوادًا". قال [ابن وهب]: وأخبرني عمر بن محمد، عن زيد بن أسلم، أن رسول الله ﷺ هنَّا أبا بكر بإسلام أبيه.

стр. 2035

قال ابن إسحاق (١): فحدَّثني عبد الله بن أبي نجيح، أن رسول الله ﷺ حين فرَّق جيشه من ذي طوى، أمر الزُّبير بن العوَّام أن يدخل في بعض الناس من كُدى، وكان الزُّبير على المجنَبة اليسرى، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كَداء. قال ابن إسحاق (٢): فزعم بعض أهل العلم أن سعدًا حين وجَّه داخلًا قال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلُّ الحرمة. فسمعها رجل، قال ابن هشام: يقال: إنه عمر بن الخطاب، فقال: [يا رسول الله،] أتسمع ما يقول سعد بن عبادة؟! ما نأمن أن يكون له في قريش صولة. فقال رسول الله ﷺ لعليٍّ: "أدركه فخذ الراية منه، فكن أنت تدخل بها". قلت: وذى غير محمد بن إسحاق، أن رسول الله ﷺ لما شكى إليه أبو سفيان قول سعد بن عبادة حين مرَّ به. وقال: يا أبا سفيان، اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلُّ الحرمة - يعني الكعبة - فقال النبيُّ ﷺ : "بل هذا يوم تعظَّم فيه الكعبة". وأمر بالراية - راية الأنصار - أن تؤخذ من سعد بن عبادة كالتأديب له، ويقال: إنها دُفعت إلى ابنه قيس بن سعد. وقال موسى بن عقبة، عن الزهريِّ: دفعها إلى الزُّبير بن العوام. فالله أعلم. وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة يعقوب بن إسحاق بن دينار، ثنا عبد الله بن السَّريِّ الأنطاكيُّ، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، وحدَّثني موسى بن عقبة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: دفع رسول الله ﷺ الراية يوم فتح مكة إلى سعد بن عبادة، فجعل يهزُّها ويقول: اليوم يوم الملحمة، يوم تستحلُّ الحرمة قال: فشقَّ ذلك على قريش وكبُر في نفوسهم. قال: فعارضت امرأة رسول الله ﷺ في مسيره وأنشأت تقولي (٣) [من الخفيف] يا نبيَّ الهُدى إليك لَجَا حيْـ … يُ قريش ولاتَ حينَ لَجَاءِ حين ضاقت عليهمُ سَعَةُ الأر … ضِ وعَادَاهُمْ إلهُ السَّمَاء [والتقت حلقتا البِطَانِ على القو … مِ ونُودُوا بالصَّيلم الصَّلعاءِ] (٤) إن سعدًا يريد قاصِمَة الظَّهْـ … رِ بأهل الحَجُونِ والبَطْحَاءِ خَزْرَجيٌّ لو يستطيعُ من الغَيْـ … ظِ رَمَانَا بالنَّسر والعَوَّاءِ فَانهَيَنْهُ فإنّه الأسَدُ الأسْـ … ودُ واللّيث والغٌ في الدِّمَاءِ

стр. 2036

فلئن أقحم اللواءَ ونَادَى … يا حُمَاةَ اللّوَاءِ أَهْلَ اللّواءِ لَتَكُونَنَّ بالبطَاحِ قريشٌ … بقعة القاع في أكفِّ الإماءِ إنّه مُصْلَتٌ يُريد لها الرأ … يَ صَمُوتٌ كالحيَّةِ الصَّمَّاءِ قال: فلما سمع رسول الله ﷺ هذا الشعر دخله رحمة لهم ورَأفةٌ بهم، وأمر بالراية فأخذت من سعد بن عبادة، ودفعت إلى ابنه قيس بن سعد. قال: فيروى أنه، ﵊، أحبَّ أن لا يخيِّبها إذ رغبت إليه واستغاثت به، وأحبَّ أن لا يغضب سعد، فأخذ الراية منه فدفعها إلى ابنه. قال ابن إسحاق (١): وذكر ابن أبي نَجيح في حديثه أن رسول الله ﷺ أمر خالد بن الوليد، فدخل من اللِّيط أسفل مكَّة في بعض الناس، وكان خالد على المجنبة اليمنى، وفيها: أسلم، وسليم، وغفار، ومزينة، وجهينة، وقبائل من قبائل العرب، وأقبل أبو عبيدة بن الجرَّاح بالصَّفِّ من المسلمين، ينصبُّ لمكة بين يدي رسول الله ﷺ ، ودخل رسول الله ﷺ من أذاخر، حتى نزل بأعلى مكة، فضربت له هنالك قُبَّتُهُ. وروى البخاريُّ (٢)، من حديث الزُّهريِّ، عن عليِّ بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أُسامة بن زيد، أنه قال زمن الفتح: يا رسول الله، أين تنزل غدًا؟ فقال: "وهل ترك لنا عقيل من رِباع؟ ". ثم قال: "لا يرث المؤمن الكافر ولا الكافر المؤمن". ثم قال البخاريُّ (٣): ثنا أبو اليَمَان، ثنا شعيب، ثنا أبو الزِّناد، عن عبد الرحمن، عن أبي سلمى عن أبي هُريرة، عن النبيِّ ﷺ قال: "منزلنا - إن شاء الله، إذا فتح الله - الخَيْفُ، حيث تَقَاسَمُوا عَلَى الكُفْرِ". وقال الإمام أحمد (٤): ثنا يونس، ثنا إبراهيم، يعني ابن سعد، عن الزُّهريّ، عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "منزلنا غدًا، إن شاء الله، بخَيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر". ورواه البخاريُّ (٥) من حديث إبراهيم بن سعد، به نحوه. وقال ابن إسحاق (٦): وحدَّثني عبد الله بن أبي نَجيح وعبد الله بن أبي بكر، أن صَفْوَان بن أُمية، وعِكْرِمَة بن أبي جهل، وسُهَيل بن عمرو، كانوا قد جمعوا ناسًا بالخَنْدَمَةِ ليقاتلوا، وكان حِمَاسُ بن قيس بن خالد، أخو بني بكر يُعِدُّ سلاحًا قبل قدوم رسول الله ﷺ ويصلح منه، فقالت له امرأته: لماذا

стр. 2037

تُعِدُّ ما أرى؟ قال: لمحمد وأصحابه. فقالت: والله ما أرى يقوم لمحمد وأصحابه شيء. قال: والله إني لأرجو أن أُخدمك بعضهم. ثم قال: [من الرجز] إن يُقْبلوا اليوم فما لي عِلَّهْ … هَذَا سِلَاحٌ كَامِلٌ وألَّهْ وذو غِرَارَينِ سريعُ السَّلَّهْ قال: ثم شهد الخَنْدَمَة (١) مع صفوان، وعِكْرِمَة، وسهيل، فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد، ناوشوهم شيئًا من قتال، فقتل كرز بن جابر، أحد بني محارب بن فهر، وخنيس بن خالد بن ربيعة بن أصرم، حليف بني منقذ، وكانا في جيش خالد، فشذا عنه، فسلكا غير طريقه، فقتلا جميعًا، وكان قبل كرز قتل خنيس. قالا: وقتل من خيل خالد أيضًا سلمة بن الميلاء الجهنيُّ، وأصيب من المشركين قريب من اثني عشر أو ثلاثة عشر، ثم انهزموا، فخرج حماس منهزمًا حتى دخل بيته، ثم قال لامرأته: أغلقي عليَّ بابي. قالت: فأين ما كنت تقول؟ فقال: [من الرجز] إنّك لو شَهِدْتِ يوم الخَنْدَمَه … إذ فرَّ صَفْوانُ وفَرَّ عِكْرِمَهْ وأبو يزيدَ قائمٌ كالموتَمة (٢) … واستقبلتهم بالسيوف المسلمهْ يقطعن كلَّ ساعد وجُمجمة … ضربًا فلا يسمع إلا غمغمهْ لهم نَهيت خلفنا وهمهمة … لم تنطقي في اللوم أدنى كلِمهْ قال ابن هشام (٣): وتُروى هذه الأبيات للرّعَّاش الهُذليِّ. قال: وكان شعار المهاجرين يوم الفتح وحنين والطائف: يا بني عبد الرحمن. وشعار الخزرج: يا بني عبد الله. وشعار الأوس: يا بني عبيد الله. وقال الطبرانيُّ (٤): ثنا عليُّ بن سعيد الرازيُّ، ثنا أبو حسان الزِّياديُّ، ثنا شعيب بن صفوان، عن عطاء بن السائب، عن طاوس، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ قال: "إن الله حرَّم هذا البلد يوم خلق السموات والأرض وصاغه يوم صاغ الشمس والقمر، وما حِياله من السماء حرام، وإنه لا يحلُّ لأحد قبلي، وإنما حلَّ لي ساعة من نهار، ثم عاد كما كان". فقيل له: هذا خالد بن الوليد يقتل. فقال: "قم يا فلان فأْت خالد بن الوليد، فقل له فليرفع يديه من القتل". فأتاه الرجل فقال: إن النبيَّ ﷺ

стр. 2038

يقول: اقتل من قدرت عليه. فقتل سبعين إنسانًا، فأتى النبيَّ ﷺ فذكر ذلك له، فأرسل إلى خالد فقال: "ألم أنهك عن القتل؟ " فقال: جاءني فلان فأمرني أن أقتل من قدرتُ عليه. فأرسل إليه: "ألم آمرك؟ " قال: أردتُ أمرًا، وأراد الله أمرًا، فكان أمر الله فوق أمرك، وما استطعت إلا الذي كان. فسكت عنه النبيُّ ﷺ ، فما ردَّ عليه شيئًا. قال ابن إسحاق (١): وقد كان رسول الله ﷺ عهد إلى أمرائه أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، غير أنه أهدر دم نفر سمَّاهم، وإن وُجدوا تحت أستار الكعبة، وهم عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح؛ كان قد أسلم وكتب الوحي ثم ارتدَّ، فلما دخل رسول الله ﷺ مكَّة وقد أهدر دمه، فرَّ إلى عثمان، وكان أخاه من الرَّضاعة، فلما جاء به ليستأمن له، صمت عنه رسول الله ﷺ طويلًا، ثم قال: "نعم". فلما انصرف مع عثمان قال رسول الله ﷺ لمن حوله: "أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني قد صمتُّ فيقتله". فقالوا: يا رسول الله، هلا أومأت إلينا؟ فقال: "إن النبيَّ لا يقتُل بالإشارة". وفي رواية: "إنه لا ينبغي لنبيٍّ أن تكون له خائنة الأعين". قال ابن هشام (٢): وقد حَسُنَ إسلامه بعد ذلك، وولاه عمر بعض أعماله، ثم ولاه عثمان. قلت: ومات وهو ساجد في صلاة الصبح، أو بعد انقضاء صلاتها في بيته، كما سيأتي بيانه. قال ابن إسحاق (٣): وعبد الله بن خطل؛ رجل من بني تيم بن غالب - قلت: ويقال: إن اسمه عبد العزَّى بن خطل. ويحتمل أنه كان كذلك، ثم لما أسلم سمِّي عبد الله - ولما أسلم بعثه رسول الله ﷺ مصدِّقًا وبعث معه رجلًا من الأنصار، وكان معه مولى له فغضب عليه غضبة فقتله، ثم ارتدَّ مشركًا (٤)، وكان له قَينتان؛ فَرْتَنَى وصاحبتها، فكانتا تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ والمسلمين، فلهذا أهدر دمه ودم قَينتيه، فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة، اشترك في قتله أبو برزة الأسلميُّ، وسعيد بن حُريث المخزوميُّ، وقتلت إحدى قَينتيه، واستؤمن للأخرى. قال: والحُويرث بن نُقَيذ بن وهب بن عبد بن قصيٍّ، وكان ممن يؤذي رسول الله ﷺ بمكَّة، ولما تحمَّل العباس بفاطمة وأمِّ كلثوم ليذهب بهما إلى المدينة يلحقهما برسول الله ﷺ أول الهجرة، نخس بهما الحُويرث هذا الجمل الذي هما عليه، فسقطتا إلى الأرض، فلما أهدر دمه قتله عليُّ بن أبي طالب. قال: ومِقْيَس بن صُبابة؛ لأنه قتل قاتل أخيه خطأً بعدما أخذ الدِّيَة، ثم ارتدَّ مشركًا، قتله رجل من قومه يقال له: نُميلة بن عبد الله. قال: وسَارَة

стр. 2039

مولاة لبني عبد المطلب ولعكرمة بن أبي جهل؛ لأنها كانت تؤذي رسول الله ﷺ وهي بمكَّة. قلت: وقد تقدم عن بعضهم أنها التي تحمَّلت الكتاب من حاطب بن أبي بلتعة، وكأنها عُفي عنها أو هربت ثم أُهدر دمها، والله أعلم، فهربت حتى استُؤمن لها من رسول الله ﷺ فأمَّنها، فعاشت إلى زمن عمر فأَوطَأها رجلٌ فرسًا فماتت. وذكر السُّهيليُّ (١) أن فَرْتَنَى أسلمت أيضًا. قال ابن إسحاق (٢): وأما عِكْرمة بن أبي جهل فهرب إلى اليمن، وأسلمت امرأته أُمُّ حكيم بنت الحارث بن هشام، واستأمنت له من رسول الله ﷺ فَأَمَّنه، فذهبت في طلبه، حتى أتت به رسول الله ﷺ ، فأسلم. وقال البيهقي (٣): أنبأنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمِش الفقيه، أنبأ أبو بكر محمد بن الحسين القطَّان، أنبأ أحمد بن يوسف السُّلميُّ، ثنا أحمد بن المفضَّل، ثنا أسباط بن نصر الهمدانيُّ، قال: زعم السُّدِّيُّ، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، وقال: "اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلِّقين بأستار الكعبة". وهم عِكْرِمَة بن أبي جهل، وعبد الله بن خَطَل، ومِقْيَسُ بن صُبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح. فأما عبد الله بن خَطَل فأُدرك وهو متعلِّق بأستار الكعبة، فاستبق إليه سعيد بن حُريث، وعمَّار بن ياسر، فسبق سعيد عمَّارًا، وكان أشبَّ الرجلين، فقتله، وأما مِقْيَسُ فأدركه الناس في السوق فقتلوه، وأما عِكْرِمَةُ فركب البحر فأصابتهم قاصف، فقال أهل السفينة لأهل السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئًا هاهنا. فقال عكرمة: والله لئن لم ينج في البحر إلا الإخلاص فإنه لا ينجي في البرِّ غيره، اللهم إنَّ لك عليَّ عهدًا إن أنت عافيتني مما أنا فيه، أن آتي محمدًا حتى أضع يدي في يده فلأجدنَّه عفوًّا كريمًا، فجاء فأسلم، وأما عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح فإنه اختبأ عند عثمان بن عَفّان، فلما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على النبيِّ ﷺ فقال: يا رسول الله، بايع عبد الله. فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثًا، كلُّ ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه فقال:" أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟ " فقالوا: ما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك، هلا أومأت إلينا بعينك؟ فقال: "إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين". ورواه أبو داود والنَّسائيُّ (٤) من حديث أحمد بن المفضَّل به نحوه.

стр. 2040

وقال البيهقيُّ (١): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو العباس الأصمُّ، أنبأنا أبو زُرعة الدِّمشقيُّ، ثنا الحَسَن بن بِشْر الكُوفيُّ، ثنا الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: أَمَّن رسول الله ﷺ الناس يوم فتح مَكَّة إلا أربعة؛ عبد العزَّى بن خَطَل، ومِقْيَسَ بن صُبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، وأُمَّ سَارَة. فأمَّا عبد العزى بن خَطَل فإنه قُتل وهو متعلِّق بأستار الكعبة. قال: ونذر رجل من الأنصار أن يقتل عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح إذا رآه، وكان أخا عثمان بن عَفّان من الرَّضاعة، فأتى به رسولَ الله ﷺ ليشفع له، فلما بُصر به الأنصاريُّ اشتمل على السَّيف، ثم أتاه فوجده في حلقة رسول الله ﷺ ، فجعل يتردَّد ويكره أن يقدم عليه، فبسط النبيُّ ﷺ يده فبايعه، ثم قال للأنصاريِّ: "قد انتظرتك أن توفي بنذرك". قال: يا رسول الله، هِبْتك، أفلا أَومَضْتَ إليَّ؟ قال: "إنه ليس للنبيِّ أن يُومِض". وأما مِقْيَس بن صُبَابة، فذكر قصته في قتله رجلًا مسلمًا بعد إسلامه، ثم ارتداده بعد ذلك. قال: وأما أُمُّ سَارَة فكانت مولاة لقريش، فأتت النبيَّ ﷺ فشكت إليه الحاجة فأعطاها شيئًا، ثم بعث معها رجلٌ بكتاب إلى أهل مكّة، فذكر قصة حاطب بن أبي بلتعة. وروى محمد بن إسحاق (٢)، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، أن مِقْيَس بن صُبابة قُتل أخوه هشام يوم بني المصطلق، قتله رجل من المسلمين وهو يظنُّه مشركًا، فقدم مِقْيَس مظهرًا للإسلام ليطلب دِيَة أخيه، فلما أخذها عدا على قاتل أخيه فقتله، ورجع إلى مَكَّة مشركًا، فلما أهدر رسول الله ﷺ دمه قُتِلَ وهو بين الصَّفا والمروة. وقد ذكر ابن إسحاق والبيهقيُّ (٣) شعره حين قتل قاتل أخيه، وهو قوله: [من الطويل] شفى النفس من (٤) قد بات بالقاع مسندًا … يضرِّج ثوبيه دماءُ الأخادع وكانت هموم النفس من قبل قتله … تلمُّ وتنسيني وطاء المضاجع قتلت به فِهرًا وغرَّمت عقله … سَراة بني النَّجَّار أرباب فارع حللت به نذري وأدركت ثؤرتي … وكنت إلى الأوثان أول راجع [قلت:] وقيل: إن القَينتين اللّتين أُهدر دمهما كانتا لمِقْيَس بن صُبابة هذا، وإنَّ ابن عمه قتله بين الصفا والمروة.

стр. 2041

وقال بعضهم: قتل ابن خَطَل الزُّبير بن العَوَّام، ﵁. قال ابن إسحاق (١): حدَّثني سعيد بن أبي هند، عن أبي مرَّة مولى عقيل بن أبي طالب، أن أُمَّ هانئ ابنة أبي طالب قالت: لما نزل رسول الله ﷺ بأعلى مكة فرَّ إليَّ رجلان من أحمائي من بني مخزوم. قال ابن هشام (٢): هما الحارث بن هشام، وزهير بن أبي أُمية بن المغيرة. قال ابن إسحاق (٣): وكانت عند هبيرة بن أبي وهب المخزوميِّ، قالت: فدخل عليَّ أخي عليُّ بن أبي طالب فقال: والله لأقتلنّهما. فأغلقتُ عليهما باب بيتي، ثم جئت رسول الله ﷺ وهو بأعلى مَكَّة، فوجدته يغتسل من جفنة (٤)، إنَّ فيها لأثر العجين، وفاطمة ابنته تستره بثوبه، فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشَّح به، ثم صلى ثمانيَ ركعات من الضحى، ثم انصرف إليَّ، فقال: "مرحبًا وأهلًا بأُمِّ هانئ، ما جاء بك؟ " فأخبرته خبر الرجلين وخبر عليٍّ، فقال: "قد أجرنا من أَجْرتِ وأَمَّنَّا من أَمَّنتِ، فلا يَقْتُلُهما". وقال البخاريُّ (٥): ثنا أبو الوليد، ثنا شعبة، عن عمرو بن مرَّة، عن ابن أبي ليلى قال: ما أخبرنا أحد أنه رأى النبيَّ ﷺ يصلي الضُّحى غير أمِّ هانئ، فإنها ذكرت أنه يوم فتح مَكّة اغتسل في بيتها، ثم صلَّى ثمانيَ ركعات. قالت: ولم أره صلَّى أخفَّ منها، غير أنه يتمُّ الرّكوع والسجود. وفي "صحيح مسلم" (٦) من حديث اللَّيث، عن يزيد بن أبي حَبيب، عن سعيد بن أبي هند، أن أبا مُرَّة مولى عقيل حَدَّثَهُ أن أمَّ هانئ بنت أبي طالب حدَّثته أنه لما كان عام الفتح، فَرَّ إليها رجلان من بني مخزوم فأجارتْهما، قالت: فدخل عليَّ عليٌّ فقال: أقتلهما. فلما سمعتُه أتيت رسول الله ﷺ وهو بأعلى مَكَّة، فلما رآني رحَّب، وقال: "ما جاء بكِ؟ " قلت: يا نبيَّ الله، كنت أمَّنت رجلين من أحمائي، فاراد عليٌّ قتلهما. فقال رسول الله ﷺ : "قد أجرنا من أجرتِ يا أمَّ هانئ". ثم قام رسول الله ﷺ إلى غسله فسترت عليه فاطمة، ثم أخذ ثوبًا فالتحف به، ثم صلى ثمانيَ ركعات سبحة الضُّحى. وفي رواية (٧): أنها دخلت عليه وهو يغتسل وفاطمة ابنته تستره بثوب، فقال: "من هذه؟ " قالت:

стр. 2042

أمُّ هانئ. قال: "مرحبًا بأمِّ هانئ". قالت: يا رسول الله، زعم ابن أمِّي عليُّ بن أبي طالب أنه قاتلٌ رجلين قد أجرتهما. فقال: "قَدْ أَجَرْنَا من أجرت يا أمَّ هانئ". قالت: ثم صلى ثماني ركعات، وذلك ضحى. فظَّن كثير من العلماء أن هذه كانت صلاة الضحى. وقال آخرون: بل كانت هذه صلاة الفتح. وجاء التصريح بأنه كان يسلِّم مِنْ كلِّ ركعتين. وهو يردُّ على السهيليِّ (١) وغيره ممن يزعم أن صلاة الفتح تكون ثمانيًا بتسليمة واحدة. وقد صلى سعد بن أبي وقاص يوم فتح المدائن في إيوان كسرى، ثماني ركعات، يُسَلّم من كل ركعتين، ولله الحمد. قال ابن إسحاق (٢): وحدَّثني محمد بن جعفر بن الزُّبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن صَفية بنت شَيبة أن رسول الله ﷺ لما نزل بمكَّة واطمأن الناس، خرج حتى جاء البيت فطاف به سبعًا على راحلته، يستلم الرُّكن بمحجن في يده، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحت له فدخلها فوجد فيها حَمَامَةً من عيدان، فكسرها بيده ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة وقد استكفَّ له الناس في المسجد. وقال موسى بن عقبة (٣): ثم سَجَدَ سَجْدَتين، ثم انصرف إلى زمزم فاطَّلع فيها ودعا بماءً فشرب منها وتوضأ، والناس يبتدرون وضوءه، والمشركون يتعجَّبون من ذلك، ويقولون: ما رأينا ملكًا قط ولا سمعنا به - يعني مثل هذا - وأخَّر المقام إلى مقامه اليوم وكان ملصقًا بالبيت. قال محمد بن إسحاق (٤): فحدَّثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ قام على باب الكعبة فقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كلُّ مأثُرة أو دم أو مال يُدَّعى فهو موضوع تحت قدميَّ هاتين، إلا سِدانة البيت وسقاية الحاجِّ، ألا وقتيل الخطأ شبه العمد بالسَّوط والعصا ففيه الدية مغلَّظة؛ مئة من الإبل؛ أربعون منها في بطونها أولادها، يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظُّمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب" ثم تلا هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ الآية كلها [الحجرات: ١٣]. ثم قال: "يا معشر قريش، ما ترون أنى فاعل فيكم؟ " قالوا: خيرًا؛ أخ كريم وابن أخ كريم. قال: "اذهبوا فأنتم الطُلقاء". ثم جلس رسول الله ﷺ في المسجد، فقام إليه عليُّ بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده،

стр. 2043

فقال: يا رسول الله، اجمع لنا الحجابة مع السّقَاية، صلَّى الله عليك. فقال رسول الله ﷺ : "أين عثمان بن طلحة؟ " فدعي له فقال: "هاكَ مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم برٍّ ووفاء". وقال الإمام أحمد (١): ثنا سفيان، عن ابن جُدْعَان، عن القاسم بن ربيعة، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ ، يوم فتح مَكَّة، وهو على درج الكعبة: "الحمد لله الذي صدَق وعدَه، ونصر عبدَه، وهزم الأحزاب وحدَه، ألا إن قتيل العمد الخطأ بالسَّوط أو العصا فيه مئة من الإبل". وقال مرة أخرى: "مغلَّظة فيها، أربعون خَلِفة في بطونها أولادها، ألا إن كلَّ مأثُرة كانت في الجاهلية ودم ودعوى - وقال مرة: ومال - تحت قدميَّ هاتين، إلا ما كان من سقاية الحاجِّ وسِدَانَة البيت، فإني أمضيتهما لأهلهما على ما كانت". وهكذا رواه أبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه (٢) من حديث علي بن زيد بن جُدْعَان، عن القاسم بن ربيعة بن جوشن الغطفانيِّ، عن ابن عمر به. قال ابن هشام (٣): وحدَّثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ دخل البيت يوم الفتح، فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم، ورأى إبراهيم، ﵇، مصوَّرًا في يده الأزلام يستقسم بها، فقال: "قاتلهم الله، جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام، ما شأن إبراهيم والأزلام؟! ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] ثم أمر بتلك الصُّور كلِّها فطمست. وقال الإمام أحمد (٤): ثنا سليمان، أنبأ عبد الرحمن، عن موسى بن عقبة، عن أبي الزبير، عن جابر قال: كان في الكعبة صور، فأمر رسول الله ﷺ [عمر بن الخطاب] أن يمحوها، فبلَّ عمر ثوبًا ومحاها به، فدخلها رسول الله ﷺ وما فيها منها شيء. وقال البخاريُّ (٥): ثنا صدقة بن الفضل، ثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال: دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح، وحول البيت ستون وثلاثمئة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده، ويقول: "جاء الحقُّ وزهق الباطل، جاء الحقُّ وما يبدئ الباطل وما يعيد". وقد رواه مسلم (٦) من حديث ابن عُيينة.

стр. 2044

وروى البيهقيُّ (١)، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عليِّ بن عبد الله بن عباس، عن أبيه قال: دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح مكة، وعلى الكعبة ثلاثمئة صنم، فأخذ قضيبه فجعل يهوي به إلى الصنم، وهو يهوي، حتى مرَّ عليها كلِّها. ثم من طريق سويد، عن القاسم بن عبد الله، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أنَّ رسول الله ﷺ لمَّا دخل مَكَّة وجد بها ثلاثمئة وستين صنمًا، فأشار إلى كلِّ صنم بعصًا وقال: "جاء الحقّ وزهق الباطل، إنَّ الباطل كان زهوقًا". فكان لا يشير إلى صَنَمٍ إلا ويَسْقُطُ من غير أن يمسَّه بعصاه. ثم قال: وهذا وإن كان ضعيفًا، فالذي قبله يؤكده. وقال حنبل بن إسحاق (٢): أنبأنا أبو الربيع، عن يعقوب القمِّيِّ، ثنا جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبزى قال: لمَّا افتتح رسول الله ﷺ مكة، جاءت عجوز شمطاء حبشيَّة تخمش وجهها، وتدعو بالويل، فقال رسول الله ﷺ : "تلك نائلة، أيست أن تعبد ببلدكم هذا أبدًا". وقال ابن هشام (٣): حدَّثني من أثق به من أهل الرواية في إسناد له، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس أنَّه قال: دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح على راحلته، فطاف عليها، وحول الكعبة أصنام مشدودة بالرَّصاص، فجعل النبيُّ ﷺ يشير بقضيب في يده إلى الأصنام ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل، إنَّ الباطل كان زهوقًا". فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه، ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه، حتى ما بقي منها صنم إلا وقع، فقال تميم بن أَسدٍ الخزاعيُّ: [من الوافر] وفي الأصنام معتبَرٌ وعلمٌ … لمن يرجو الثّواب أو العِقَابَا وفي "صحيح مسلم" (٤) عن شيبان بن فروخ، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي هريرة، في حديث فتح مكة، قال: وأقبل رسول الله ﷺ حتى أقبل إلى الحجر فاستلمه، وطاف بالبيت، وأتى إلى صنم إلى جنب البيت كانوأ يعبدونه، وفي يد رسول الله ﷺ قوس، وهو آخذ بسِيتها، فلمَّا أتى على الصنم، جعل يطعُن في عينه ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل، إنَّ الباطل كان زهوقًا". فلمَّا فرغ من طوافه أتى الصفا، فعلا عليه، حتى نظر إلى البيت، فرفع يديه وجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو.

стр. 2045

وقال البخاريُّ (١): ثنا إسحاق بن منصور، ثنا عبد الصّمد، ثنا أبي، ثنا أيوب، عن عِكْرِمَة، عن ابن عباس، أنَّ رسول الله ﷺ لمَّا قدم مَكَّة، أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأُخرجت، فأُخرج صورة إبراهيم وإسماعيل، ﵉، وفي أيديهما من الأزلام، فقال: "قاتلهم الله، لقد علموا ما استقسما بها قطُّ". ثم دخل البيت، فكبَّر في نواحي البيت، وخرج ولم يصلِّ. تفرَّد به البخاريُّ دون مسلم. وقال الإمام أحمد (٢): ثنا عبد الصمد، ثنا همام، ثنا عطاء، عن ابن عباس، أنَّ رسول الله ﷺ دخل الكعبة وفيها ست سوار، فقام إلى كلِّ سارية، فدعا ولم يصلِّ فيه. ورواه مسلم، عن شيبان بن فرُّوخ، عن همام بن يحيى العوذيِّ، عن عطاء به. وقال الإمام أحمد (٣): ثنا هارون بن معروف، ثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أنَّ بكيرًا حدَّثه عن كريب، عن ابن عباس، أنَّ رسول الله ﷺ حين دخل البيت وجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم، فقال: "أمَّا هم فقد سمعوا أنَّ الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة، هذا إبراهيم مصوَّرًا، فما باله يستقسم؟! ". وقد رواه البخاريُّ والنسائيُّ (٤) من حديث ابن وهب به. وقال الإمام أحمد (٥): ثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، أخبرني عثمان الجزريُّ، أنَّه سمع مِقسمًا يحدِّث عن ابن عباس قال: دخل رسول الله ﷺ البيت فدعا في نواحيه، ثم خرج فصلَّى ركعتين. تفرَّد به أحمد. وقال الإمام أحمد (٦): ثنا إسماعيل، أخبرنا ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر، أنَّ رسول الله ﷺ صلَّى في البيت ركعتين. قال البخاريُّ (٧): وقال الليث: ثنا يونس، أخبرني نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ أقبل يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته، مردفًا أسامة بن زيد، [ومعه بلال]، ومعه عثمان بن طلحة، من الحجبة، حتى أناخ في المسجد، فأمره أن يأتي بمفتاح الكعبة، فدخل ومعه أسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة، فمكث فيه نهارًا طويلًا، ثم خرج فاستبق الناسُ، فكان عبد الله بن عمر أول

стр. 2046

من دخل، فوجد بلالًا وراء الباب قائمًا، فسأله: أين صلى رسول الله ﷺ وهو حديث صحيح.؟ فأشار له إلى المكان الذي صلَّى فيه. قال عبد الله: فنسيت أن أسأله كم صلَّى من سجدة. ورواه الإمام أحمد (١)، عن هشيم، ثنا غير واحد وابن عون، عن نافع، عن ابن عمر قال: دخل رسول الله ﷺ البيت ومعه الفضل بن عباس، وأسامة بن زيد، وعثمان بن طلحة، وبلال، فأمر بلالًا فأجاف عليهم الباب، فمكث فيه ما شاء الله، ثم خرج. قال ابن عمر: فكان أوَّل من لقيت منهم بلالًا، فقلت: أين صلَّى رسول الله ﷺ ؟ قال: هاهنا بين الأسطوانتين. قلت: وقد ثبت في "صحيح البخاريِّ" وغير (٢)، أنَّه ﷺ صلى في الكعبة تلقاء وُجهة بابِها من وراء ظهره، فجعل عمودين عن يمينه، وعمودًا عن يساره، وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، وكان بينه وبين الحائط الغربيِّ مقدار ثلاثة أذرع. قال ابن هشام (٣): وحدَّثني بعض أهل العلم، أنَّ رسول الله ﷺ دخل الكعبة عام الفتح ومعه بلال، فأمره أن يؤذِّن، وأبو سفيان بن حرب وعتَّاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتَّاب: لقد أكرم الله أسِيدًا أن لا يكون سمع هذا، فيسمع منه ما يغيظه. فقال الحارث بن هشام: أما والله لو أعلم أنه محقٌّ لاتَّبعته. فقال أبو سفيان: لا أقول شيئًا، لو تكلَّمت لأَخبرت عني هذه الحصا. فخرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: "قد علمت الذي قلتم". ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارث وعتَّاب: نشهد أنَّك رسول الله، ما اطَّلع على هذا أحد كان معنا فنقول: أخبرك. وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدَّثني والدي، حدَّثني بعض آل جبير بن مطعم، أنَّ رسول الله ﷺ لمَّا دخل مكة أمر بلالًا، فعلا على الكعبة على ظهرها، فأذَّن عليها بالصلاة، فقال بعض بني سعيد بن العاص: لقد أكرم الله سعيدًا إذ قبضه قبل أن يسمع (٤) هذا الأسود على ظهر الكعبة. وقال عبد الرزاق (٥)، عن معمر، عن أيوب قال: قال ابن أبي مليكة: أمر رسول الله ﷺ بلالًا فأذَّن يوم الفتح فوق الكعبة، فقال رجل من قريش للحارث بن هشام: ألا ترى إلى هذا العبد أين صعِد؟! فقال: دعه، فإن يكن الله يكرهه، فسيغيِّره.

стр. 2047

وقال يونس بن بكير وغيره، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، أنَّ رسول الله ﷺ أمر بلالًا عام الفتح فأذن على الكعبة ليغيظ به المشركين. وقال محمد بن سعد (١)، عن محمد بن عبيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، أنَّ أبا سفيان بن حرب بعد فتح مكة كان جالسًا، فقال في نفسه: لو جمعت لمحمد جمعًا، فإنَّه ليحدِّث نفسه بذلك، إذ ضرب رسول الله ﷺ بين كتفيه وقال: "إذًا يُخْزِيْكَ الله". قال: فرفع رأسه، فإذا رسول الله ﷺ قائم على رأسه، فقال: ما أَيْقَنْتُ أنَّك نبيٌّ حتى السَّاعة. قال البيهقيُّ: وقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ إجازة، أنبأنا أبو حامد أحمد بن علي بن الحسن المقرى، أنبأنا أحمد بن يوسف السُّلميُّ، ثنا محمد بن يوسف الفِرْيَابيُّ، ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السَّفر، عن ابن عباس قال: رأى أبو سفيان رسول الله ﷺ يمشي والناس يطؤون عقبه، فقال بينه وبين نفسه: لو عاودت هذا الرجل القتال. فجاء رسول الله ﷺ حتى ضرب بيده في صدره فقال: "إذا يخزيك الله". فقال: أتوب إلى الله، وأستغفر الله مما تفوَّهتُ به. ثم روى البيهقيُّ، من طريق ابن خزيمة وغيره، عن أبي حامد بن الشَّرقيِّ، عن محمد بن يحيى الذُّهليِّ، ثنا [محمد] بن موسى بن أعين الجزري، ثنا أبي، عن إسحاق بن راشد، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسيَّب قال: لمَّا كان ليلة دخل الناس مكة ليلة الفتح، لم يزالوا في تكبير وتهليل وطواف بالبيت حتى أصبحوا، فقال أبو سفيان لهند: أتريْن هذا من الله؟ قالت: نعم، هذا من الله. قال: ثم أصبح أبو سفيان فغدا إلى رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : "قلت لهند: أترين هذا من الله؟ قالت: نعم، هذا من الله". فقال أبو سفيان: أشهد أنَّك عبد الله ورسوله، والذي يحلف به ما سمع قولي هذا أحد من الناس غير هند. وقال البخاريُّ (٢): ثنا إسحاق، ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، أخبرني حسن بن مسلم، عن مجاهد، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الله حرَّم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام بحرام الله إلى يوم القيامة، لم تحلَّ لأحد قبلي، ولا تحلُّ لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعةً من الدَّهر، لا ينفَّر صيدها، ولا يعضد شوكها، ولا يختلى خلاها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد". فقال العباس بن عبد المطلب: إلا الإذخر يا رسول الله؛ فإنَّه لا بدَّ منه للقَين والبيوت. فسكت ثم قال: "إلا الإذخر، فإنَّه حلال".

стр. 2048

وعن ابن جريج، أخبرني عبد الكريم - هو ابن مالك الجزريُّ - عن عكرمة (١)، عن ابن عباس بمثل هذا أو نحو هذا. ورواه أبو هريرة عن النبيِّ ﷺ . تفرَّد به البخاريُّ من الوجه الأوَّل، وهو مرسل، ومن الوجه الثاني أيضًا. وبهذا الحديث وأمثاله استدلَّ من ذهب إلى أن مَكَّة فتحت عَنْوَة، وللوقعة التي كانت في الخَنْدَمَة (٢)، كما تقدَّم، وقد قتل فيها قريب من عشرين نفسًا من المسلمين والمشركين، وهي ظاهرة في ذلك، وهو مذهب جمهور العلماء. والمشهور عن الشافعي أنها فتحت صلحًا؛ لأنها لم تقسم، ولقوله ﷺ ليلة الفتح: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل الحرم فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن". وموضع تقرير هذه المسألة في كتاب "الأحكام الكبير"، إن شاء الله تعالى. وقال البخاريُّ (٣): ثنا سعيد بن شرحبيل، ثنا الليث، عن المقبريِّ، عن أبي شريح العدويِّ، أنَّه قال لعمرو بن سعيد، وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيُّها الأمير، أحدِّثك قولًا قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح، سمعتْه أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلَّم به؛ إنَّه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إنَّ مكة حرَّمها الله ولم يحرِّمها الناس، لا يحلُّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرًا، فإنْ أحد ترخَّص لقتال رسول الله ﷺ فقولوا: إنَّ الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم. وإنما أذن لي فيها ساعةً من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلِّغ الشاهد الغائب". فقيل لأبي شريح: ماذا قال لك عمرو؟ قال: قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًّا بدم، ولا فارًا بخربة. وروى البخاريُّ أيضًا ومسلم (٤)، عن قتيبة، عن اللّيث بن سعد به نحوه. وذكر ابن إسحاق (٥) أن رجلًا يقال له: ابن الأَثْوَع. قتل رجلًا في الجاهلية من خُزَاعَة يقال له: أحمر بأسًا. فلمَّا كان يوم الفتح قتلت خزاعة ابن الأثوع وهو بمكة، قتله خراش بن أمية، فقال رسول الله ﷺ : "يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل، لقد كثر القتل إن نفع، لقد قتلتم رجلًا لأدينَّه".

стр. 2049

قال ابن إسحاق (١): وحدَّثني عبد الرحمن بن حرملة الأسلميُّ، عن سعيد بن المسيَّب قال: لمَّا بلغ رسولَ الله ﷺ ما صنع خراش بن أمية قال: "إنَّ خراشًا لقتَّال". وقال ابن إسحاق (٢): وحدَّثني سعيد بن أبي سعيد المقبريُّ، عن أبي شريح الخزاعيِّ العدويِّ قال: لمَّا قدم عمرو بن الزّبير مكة لقتال أخيه عبد الله بن الزبير، جئته فقلت له: يا هذا، إنا كنا مع رسول الله ﷺ حين افتتح مكة، فلمَّا كان الغد من يوم الفتح، عدت خزاعة على رجل من هذيل فقتلوه وهو مشرك، فقام رسول الله ﷺ فينا خطيبًا فقال: "يا أيُّها الناس، إن الله قد حرَّم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام من حرام الله إلى يوم القيامة، فلا يحلُّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دمًا، ولا يعضد فيها شجرًا، لم تحلل لأحد كان قبلي، ولا تحلُّ لأحد يكون بعدي، ولم تحلل لي إلا هذه الساعة؛ غضبًا على أهلها، ألا ثُمَّ قد رجعت كحرمتها بالأمس، فليبلِّغ الشاهد منكم الغائب، فمن قال لكم: إنَّ رسول الله ﷺ قد قاتل فيها. فقولوا: إن الله قد أحلَّها لرسوله، ولم يحلَّها لكم. يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل فلقد كثر إن نفع، لقد قتلتم قتيلًا لأدينَّه، فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النَّظرين؛ إن شاؤوا فدم قاتله، وإنْ شاؤوا فعقله". ثم ودى رسول الله ﷺ ذلك الرجل الذي قتلته خزاعة، فقال عمرو لأبي شريح: انصرف أيُّها الشيخ، فنحن أعلم بحرمتها منك، إنها لا تمنع سافك دم، ولا خالع طاعة، ولا مانع جزية. فقال أبو شريح: إني كنتُ شاهدًا، وكنتَ غائبًا، وقد أمرنا رسول الله ﷺ أن يبلِّغ شاهدنا غائبًا، وقد أبلغتك، فأنت وشأنك. قال ابن هشام (٣): وبلغني أنَّ أوَّل قتيل وداه رسول الله ﷺ يوم الفتح جُنَيْدب بن الأكوع، قتلتْه بنو كعب، فوداه رسول الله ﷺ بمئة ناقة. وقال الإمام أحمد (٤): ثنا يحيى، عن حسين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: لمَّا فتحت مكَّة على رسول الله ﷺ قال: "كُفُّوا السّلاح، إلا خُزَاعَة عن بني بكر". فأذن لهم حتى صلَّى العصر، ثم قال: "كفُّوا السلاح". فلقي رجل من خُزَاعَة رجلًا من بني بكر من غد بالمزدلفة فقتله، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقام خطيبًا فقال - فرأيته وهو مسند ظهره إلى الكعبة قال -: "إنَّ أعدى الناس على الله من قتل في الحرم، أو قتل غير قاتله، أو قتل بذحول الجاهلية". وذكر تمام الحديث، وهذا غريب جدًّا.

стр. 2050

وقد روى أهل السُّنَنَ (١) بعض هذا الحديث، فأما ما فيه من أنه رخَّص لخُزَاعة أن تأخذ بثأرها من بني بكر إلى العصر من يوم الفتح، فلم أره إلا في هذا الحديث (٢)، وكأنه - إن صحَّ - من باب الاختصاص لهم ممَّا كانوا أصابوا منهم ليلة الوتير. والله أعلم. وروى الإمام أحمد (٣)، عن يحيى بن سعيد، وسفيان بن عيينة، ويزيد بن هارون، ومحمد بن عبيد، كلُّهم عن زكريا بن أبي زائدة، عن عامر الشعبي، عن الحارث بن مالك ابن البرصاء الخزاعيِّ، سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم فتح مكة: "لا تُغزى هذه بعد اليوم إلى يوم القيامة". ورواه الترمذيُّ (٤)، عن بُنْدَار، عن يحيى بن سعيد القطَّان به، وقال: حسن صحيح. قلت: فإن كان نهيًا، فلا إشكال، وإن كان نفيًا، فقال البيهقيُّ (٥): معناه على كفر أهلها. وفي "صحيح مسلم" (٦) من حديث زكريا بن أبي زائدة، عن عامر الشعبي، عن عبد الله بن مطيع، عن أبيه مطيع بن الأسود العدويِّ قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكَّة: "لا يقتل قرشيٌّ صبرًا بعد اليوم إلى يوم القيامة". والكلام عليه كالأول سواء. قال ابن هشام (٧): وبلغني أنَّ رسول الله ﷺ حين افتتح مكَّة ودخلها، قام على الصفا يدعو وقد أحدقت به الأنصار، فقالوا فيما بينهم: أتُرون رسول الله ﷺ إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها؟ فلمَّا فرغ من دعائه قال: "ماذا قلتم؟ " قالوا: لا شيء يا رسول الله. فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال رسول الله ﷺ : "معاذ الله، المحيا محياكم، والممات مماتكم". وهذا الذي علَّقه ابن هشام قد أسنده الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده" (٨) فقال: ثنا بهز وهاشم، قالا: حدَّثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، وقال هاشم: حدَّثني ثابت البناني، ثنا عبد الله بن رباح، قال: وفدت وفود إلى معاوية أنا فيهم وأبو هريرة، وذلك في رمضان، فجعل بعضنا يصنع لبعض الطعام. قال: وكان أبو هريرة يكثر ما يدعونا - قال هاشم: يكثر أن يدعونا - إلى رحله. قال: فقلت:

стр. 2051

ألا أصنع طعامًا فأدعوهم إلى رحلي؟ قال: فأمرت بطعام يصنع، ولقيت أبا هريرة من العشاء. قال: قلت: يا أبا هريرة، الدَّعوة عندي الليلة. قال: أستبقتني؟! - قال هاشم: قلت: نعم - قال: فدعوتهم فهم عندي. قال: فقال أبو هريرة: ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار؟ قال: فذكر فتح مكة. قال: أقبل رسول الله ﷺ فدخل مكة. قال: فبعث الزبير على إحدى المجنِّبتين، وبعث خالدًا على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحُسَّر، وأخذوا بطن الوادي، ورسول الله ﷺ في كتيبته. قال: وقد وبَّشت قريش أوباشها. قال: قالوا: نقدِّم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن أُصيبوا أعطيناه الذي سئلنا. قال أبو هريرة: فنظر فرآني فقال: "يا أبا هريرة". فقلت: لبيك رسول الله. فقال: "اهتف لي بالأنصار، ولا يأتيني إلا أنصاريٌّ". فهتفت بهم، فجاؤوا فأطافوا برسول الله ﷺ . قال: فقال رسول الله ﷺ : "أتَرون إلى أوباش قريش وأتباعهم؟ " ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى: "احصدوهم حصدًا حتى توافوني بالصفا". قال: فقال أبو هريرة: فانطلقنا، فما يشاء أحد منا أن يقتل منهم ما شاء، وما أحد منهم يوجِّه إلينا منهم شيئًا. قال: فقال أبو سفيان: يا رسول الله، أُبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم قال: فقال رسول الله ﷺ : "من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن". قال: فغلَّق الناس أبوابهم. قال: وأقبل رسول الله ﷺ إلى الحجر فاستلمه ثم طاف بالبيت. قال: وفي يده قوس؛ آخذ بسِية القوس. قال: فأتى في طوافه على صنم إلى جنب البيت يعبدونه. قال: فجعل يطعُن بها في عينه ويقول: "جاء الحقُّ وزهق الباطل". قال: ثم أتى الصفا فعلاه حيث ينظر إلى البيت، فرفع يديه، فجعل يذكر الله بما شاء أن يذكره ويدعوه. قال: والأنصار تحته. قال: يقول بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته. قال أبو هريرة: وجاء الوحي، وكان إذا جاء لم يخف علينا، فليس أحد من الناس يرفع طرفه إلى رسول الله ﷺ حتى يقضي. قال هاشم: فلما قضى الوحي رفع رأسه، ثم قال: "يا معشر الأنصار، أقلتم: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته؟ " قالوا: قلنا ذلك يا رسول الله. قال: "فما اسمي إذًا؟! كلا، إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم والممات مماتكم". قال: فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضِّنَّ بالله ورسوله. قال: فقال رسول الله ﷺ : "إن الله ورسوله يصدِّقانكم ويعذِرانكم". وقد رواه مسلم والنَّسائيُّ (١) من حديث سليمان بن المغيرة، زاد النَّسائيُّ: وسلام بن مسكين.

стр. 2052

ورواه مسلم أيضًا (١) من حديث حَمَّاد بن سلمة، ثلاثتهم عن ثابت، عن عبد الله بن رباح الأنصاريِّ نزيل البصرة، عن أبي هريرة به نحوه. وقال ابن هشام (٢): وحدَّثني - يعني بعض أهل العلم - أن فضالة بن عمير بن الملوَّح، يعني الليثيَّ، أراد قتل النبيِّ ﷺ وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه قال رسول الله ﷺ : "أفضالة؟ " قال: نعم، فضالة يا رسول الله. قال: "ماذا كنت تحدِّث به نفسك؟ " قال: لا شيء، كنت أذكر الله. قال: فضحك النبيُّ ﷺ ثم قال: "استغفر الله". ثم وضع يده على صدره، فسكن قلبه، فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شي أحبَّ إليَّ منه. قال فضالة: فرجعت إلى أهلي، فمررت بامرأة كنت أتحدَّث إليها فقالت: هلمَّ إلى الحديث. فقال: لا. وانبعث فضالة يقول (٣): [من الكامل] قالت هَلُمَّ إلى الحديث فقلت لا … يأبى عليكِ اللهُ والإسلامُ أو ما رأيت محمدًا وقبيله … بالفتح يوم تكسَّر الأصنامُ لرأيتِ دين الله أضحى بيِّنًا … والشِّرك يغشى وجهه الإظلامُ قال ابن إسحاق (٤): وحدَّثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، قال: خرج صفوان بن أمية يريد جدَّة ليركب منها إلى اليمن، فقال عمير بن وهب: يا نبيَّ الله، إن صفوان بن أمية سيد قومه، وقد خرج هاربًا منك ليقذف نفسه في البحر، فامِّنه يا رسول الله، صلَّى الله عليك. فقال: "هو آمن". فقال: يا رسول الله، فأعطني آية يعرف بها أمانك. فأعطاه رسول الله ﷺ عمامته التي دخل فيها مكة، فخرج بها عمير حتى أدركه وهو يريد أن يركب في البحر، فقال: يا صفوان، فداك أبي وأمي، الله الله في نفسك أن تهلكها، هذا أمان من رسول الله ﷺ وقد جئتك به، قال: ويلك! اعزُب عني فلا تكلِّمني. قال: أي صفوان، فداك أبي وأمي، أفضل الناس وأبرُّ الناس وأحلم الناس وخير الناس ابن عمك، عِزه عزُّك وشرفه شرفك وملكه ملكك. قال: إني أخافه على نفسي. قال: هو أحلم من ذلك وأكرم. فرجع معه حتى وقف على رسول الله ﷺ ، فقال صفوان: إن هذا يزعم أنك قد أمَّنتني. قال: "صدق". قال: فاجعلني بالخيار فيه شهرين. قال: "أنت بالخيار أربعة أشهر". ثم حكى ابن إسحاق (٥)، عن الزهريِّ أن فاختة بنت الوليد امرأة صفوان، وأمَّ حكيم بنت الحارث بن

стр. 2053

هشام امرأة عكرمة بن أبي جهل [أسلمتا]، وقد ذهبت وراءه إلى اليمن، فاسترجعتْه فأسلم، فلما أسلما أقرَّهما رسول الله ﷺ تحتهما بالنكاح الأول. قال ابن إسحاق (١): وحدَّثني سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت قال: رمى حسَّان ابنَ الزِّبعرى وهو بنَجْرَان ببيت واحد ما زاد عليه: [من الكامل] لا تَعْدَ مَنْ رجلًا أحلَّك بُغْضُه … نجران في عيش أحذَّ لئيمِ فلما بلغ ذلك ابن الزِّبعرى (٢)، خرج إلى رسول الله ﷺ فأسلم، وقال حين أسلم: [من الخفيف] يا رسول المَلِيْكِ إنَّ لساني … راتِقٌ ما فتقتُ إذ أنا بُورُ إذ أُباري الشيطان في سنن الغَـ … ـيِّ ومن مال ميله مثبورُ آمَنَ اللحم والعظام لربِّي … ثم قلبي الشّهيد أنت النَّذيرُ إنني عنك زاجرٌ ثَمَّ حيًّا … من لؤيٍّ وكلُّهم مغرورُ قال ابن إسحاق (٣): وقال عبد الله بن الزِّبعرى (٤) أيضًا حين أسلم: [من الكامل] مَنَعَ الرُّقَادَ بلابلٌ وهمومُ … والليل معتلجُ الرِّواق بهيمُ ممّا أتاني أنَّ أحمدَ لامني … فيه فبتُّ كأنني محمومُ يا خير مَنْ حملت على أوصالها … عيرانةٌ سُرُحُ اليدين غَشومُ إني لمعتذر إليكَ من الذي … أَسْدَيْتَ إذ أنا في الضَّلالِ أَهيمُ أيام تأمرني بأغوى خُطَّةٍ … سهمٌ وتأمرني بها مخزومُ وأَمُدُّ أسباب الرَّدى ويَقُودني … أمر الغُواة وأمرهم مشؤومُ فاليوم آمنَ بالنبيِّ محمدٍ … قلبي ومخطئ هذه محرومُ مضت العَدَاوَةُ وانقضت أسبابها … ودعت أواصر بيننا وحلومُ فاغفر فدىً لك والِدايَ كلاهما … زَلَلي فإنك راحمٌ مرحومُ وعليك من علم المليك عَلامةٌ … نورٌ أغرُّ وخاتم مختومُ أعطاكَ بعد محبة برهانَهُ … شرفًا وبرهانُ الإله عظيمُ

стр. 2054

ولقد شَهِدْتُ بأن دينكَ صادقٌ … حقٌّ وأنك في العباد جسيمُ واللهُ يشهدُ أن أحمدَ مصطفىً … مستقبلٌ في الصَّالحين كَريمُ قَرْمٌ علا بنيانُه من هاشم … فرعٌ تمكَّن في الذُّرى وأرومُ قال ابن هشام (١): وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها له. قلت: كان عبد الله بن الزِّبعرى السَّهْميُّ من أكبر أعداء الإسلام، ومن الشعراء الذين استعملوا قواهم في هجاء المسلمين، ثم مَنَّ الله عليه بالتوبة والإنابة والرجوع إلى الإسلام والقيام بنصره والذَّبِّ عنه. * * * فصل قال ابن إسحاق (٢): وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف؛ من بني سُليم سبعمئة، ويقول بعضهم: ألف. ومن بني غِفَار أربعمئة، ومن أسلم أربعمئة، ومن مُزَيْنَة ألف وثلاثة نفر، وسائرهم من قريش والأنصارِ وحلفائهم وطوائف العرب من تميم وقيس وأسد. وقال عُرْوَة والزُّهريُّ وموسى بن عقبة: كان المسلمون يوم الفتح الذين مع رسول الله ﷺ اثني عشر ألفًا، فالله أعلم. قال ابن إسحاق (٣): وكان مما قيل من الشعر في يوم الفتح قول حَسَّان بن ثابت (٤): [من الوافر] عَفَتْ ذاتُ الأصابعِ فالجِوَاءُ … إلى عَذْرَاءَ مَنْزِلُهَا خَلاءُ ديارٌ من بني الحَسْحَاسِ قَفْرٌ … تُعَفِّيهَا الرَّوَامِسُ والسَّمَاءُ وكَانَتْ لا يَزَالُ بها أنيسٌ … خِلالَ مُرُوجِهَا نَعَمٌ وشاءُ فَدَعْ هَذَا ولكن مَن لِطَيفٍ … يُؤرقني إذا ذَهَبَ العَشَاءُ لشَعْثَاءَ التي قد تيَّمته … فليس لقلبه منها شفاءُ كأن خبيئةً من بيتِ رأسٍ … يكونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ ومَاءُ إذا مَا الأَشْرِبَاتُ ذُكِرْنَ يومًا … فَهُنَّ لطيِّب الرَّاح الفِدَاءُ

стр. 2055

نُولِّيهَا الملامة إنْ ألمنا … إذَا مَا كَانَ مَغْثٌ أو لِحَاءُ ونَشْرَبُهَا فَتَتْرُكُنَا ملوكًا … وأُسدًا مَا يُنَهْنِهُنَا اللقَاءُ عَدِمْنَا خَيْلَنَا إنْ لَمْ تَرَوْهَا … تُثِيرُ النَّقْعَ موعدهَا كَدَاءُ يُنازعن الأعنَّة مصغياتٍ … على أكتافها الأَسَلُ الظِّمَاءُ تَظَلُّ جِيادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ … يُلَطِّمُهُن بالخُمُرِ النِّسَاءُ فَإِمَّا تُعرضوا عنَّا اعتمرنا … وكان الفَتْحُ وانكشف الغِطَاءُ وإلا فَاصْبِروا لجِلادِ يومٍ … يعزُّ الله فيه من يشاءُ وجِبريل رسولُ الله فِيْنَا … ورُوح القُدْسِ ليس لَهُ كِفَاءُ وقال اللهُ قد أرسلتُ عبدًا … يقول الحَق إن نفع البلاءُ شَهِدْتُ به فقوموا صدِّقوه … فقُلْتُم لا نَقُوم ولا نَشَاءُ وقال الله قد سيَّرت جُنْدًا … هُمُ الأَنْصَارُ عُرضتها اللقاءُ لنا في كل يوم من معدّ … سِباب أو قِتَالٌ أوهِجَاءُ فنُحكم بالقَوافي من هَجَانَا … ونضربُ حينَ تختلطُ الدِّماءُ ألا أَبْلِغْ أبا سُفْيَانَ عنّي … مغلغلة فقد برح الخَفَاءُ بأنَّ سيُوفنا تركتك عبدًا … وعبد الدّار سَادَتُهَا الإماءُ هجوتَ محمدًا فأجبت عنه … وعند الله في ذاك الجَزَاءُ أتهجوه وَلَسْتَ لَهُ بكُفءٍ … فشرُّ كما لخيركُما الفِدَاءُ هجوتَ مباركًا برًا حَنيْفًا … أمينَ الله شِيْمَتُهُ الوفاءُ أمن يهجو رَسُولَ الله مِنْكُم … وَيمْدَحُهُ ويَنْصُرُهُ سَوَاءُ فإنَّ أبي ووالده وعِرْضي … لِعْرضِ مُحمدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ لِسَاني صَارِمٌ لا عَيْبَ فيهِ … وبَحْري لا تُكَدّرهُ الدِّلاءُ قال ابن هشام (١): قالها حَسَّان قبل الفتح. قلت: والذي قاله متوجِّه؛ لما في أثناء هذه القصيدة مما يدلُّ على ذلك، وأبو سُفْيَان المذكور في البيت هو أبو سُفيان بن الحَارث بن عبد المطلب. قال ابن هشام (٢): وبلغني عن الزُّهري أنه قال: لما رأى رسول الله ﷺ النساء يلطِّمن الخيل بالخمُر، تبسَّم إلى أبي بكر، ﵁.

стр. 2056

قال ابن إسحاق (١): وقال أنس بن زُنَيم الدُّئليُّ، يعتذر إلى رسول الله ﷺ مما كان قال فيهم عمرو بن الخُزَاعيُّ - يعني لما جاء يستنصر عليهم، كما تقدَّم - (٢): [من الطويل] أأنتَ الذي تُهدَى معدٌّ بأمره … بل الله يهديهم وقال لك اشْهَدِ وما حَمَلَتْ من ناقة فوق رَحْلها … أبرَّ وأوفى ذمَّة من محمدِ أحثَّ على خير وأسبغ نائلًا … إذا راح كالسيف الصَّقيل المُهَنَّدِ وأَكسى لبرد الخال قبل ابتذاله … وأعطى لرأس السَّابق المتجرِّدِ تعلَّمْ رسولَ الله أنك مُدركي … وأن وعيدًا منك كالأخذ باليدِ تعلَّمْ رسول الله أنك قادرٌ … على كلِّ صرم متهِمين ومنجدِ تعلَّم بأنَّ الرَّكب ركب عويمر … هم الكاذبون المخلفو كلِّ موعدِ ونبَّوا رسول الله أني هجوته … فلا حملت سوطي إليَّ إذًا يدي سوى أنني قد قُلت ويل امِّ فِتْيَةٍ … أصيبوا بنحس لا بطلق وأسعدِ أصابهمُ من لم يكن لدمائهم … كفاء فعزَّت عبرتي وتبلُّدي وإنك قد أخفرت إن كنت ساعيًا … بعبد بن عبد الله وابنة مهودِ ذؤيب وكلثوم وسلمى تتابعوا … جميعًا فإن لا تدمع العين أكمدِ وسَلْمَى وسَلْمى ليس حيٌّ كمثله … وإخوتهِ وهل مُلوك كأَعبدِ فإنِّيَ لا دينًا فتقت ولا دمًا … هرقت تبيَّنْ عالم الحقِّ واقصدِ قال ابن إسحاق (٣): وقال بجير بن زهير بن أبي سلمى في يوم الفتح (٤): [من الوافر] نفَى أهلَ الحَبَلَّقِ (٥) كلَّ فجٍّ … مزينةُ غدوة وبنو خفافِ ضَربناهم بمكَّة يوم فتح النْـ … ـبِيِّ الخيرِ بالبيضِ الخِفَافِ صَبَحْنَاهِم بسبع من سُلَيمٍ … وألفٍ من بني عثمان وافِ نَطَا أَكْتَافهُمْ ضربًا وطعنًا … ورشقًا بالمُرَيَّشةِ اللِّطافِ ترى بين الصُّفوف لها حفيفًا … كما انْصَاعَ الفُواق من الرِّصافِ فرحنا والجياد تجول فيهم … بأرماح مقوَّمة الثِّقافِ

стр. 2057

فأبنا غانمين بما اشتهينا … وآبوا نادمين على الخلافِ وأعطينا رسولَ الله مِنَّا … مواثقنا على حُسنِ التَّصَافي وقَدْ سَمِعُوا مَقَالتَنَا فهمُّوا … غَدَاةَ الرَّوع مِنَّا بانْصِرَافِ وقال ابن هشام (١): وقال عباس بن مِرْدَاس السُّلميُّ في فتح مكة (٢): [من الكامل] منَّا بمكّة يوم فتح محمدٍ … ألفٌ تسيل به البِطَاح مُسَوَّمُ نَصروا الرَّسُولَ وشَاهَدوا آياتهِ … وشِعَارُهُمْ يَومَ اللِّقاءَ مُقَدَّمُ في منزل ثبتت به أَقْدَامُهُمْ … ضَنْكٍ كأنَّ الهامَ فيه الحَنْتَمُ جرَّت سَنَابِكَهَا بنجدٍ قَبْلَهَا … حتى استقامَ لها الحِجَازُ الأَدْهَمُ الله مَكَّنهُ لهُ وأذلَّه … حُكْم السيوفِ لنا وجدٌّ مِزْحَمُ عُود الرِّياسة شامخ عِرْنِيْنُهُ … متطِّلعٌ ثُغَرَ المَكَارِمِ خِضْرِمُ وذكر ابن هشام (٣) في سبب إسلام عباس بن مِرْدَاس، أن أباه كان يعبد صنمًا من حجارة يقال له: ضِمَار. فلما حضرته الوفاة أوصاه به، فبينما هو يومًا يخدمه إذ سمع صوتًا من جوفه وهو يقول: [من الكامل] قُل للقبائل من سُلَيم كلِّها … أودى ضِمَارُ وعَاشَ أَهْلُ المَسْجدِ إن الذي ورث النّبُوّةَ والهُدى … بعدَ ابن مَرْيَمَ مِنْ قُرَيشٍ مُهتدي أودى ضِمَارُ وكان يُعْبَدُ مَرَّةً … قبل الكِتَابِ إلى النَّبيِّ محمدِ قال: فحرَّق عباس ضِمَارًا، ثم لحق برسول الله ﷺ فأسلم. وقد تقدَّمت هذه القصة بكمالها في باب هواتف الجانِّ، مع أمثالها وأشكالها، ولله الحمد والمِنَّة. * * * بعثه ﷺ خالد بن الوليد بعد الفتح إلى بني جَذِيمَة من كِنَانَة قال ابن إسحاق (٤): فحدَّثني حكيم بن حكيم بن عَبَّاد بن حنيف، عن أبي جعفر محمد بن عليٍّ

стр. 2058

قال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد حين افتتح مكّة داعيًا، ولم يبعثه مقاتلًا، ومعه قبائل من العرب؛ سُلَيم بن منصور ومُدْلج بن مُرَّة، فوطئوا بني جَذيمة بن عامر بن عبد مَنَاة بن كِنَانة، فلمَّا رآه القوم أخذوا السلاح، فقال خالد: ضعوا السلاح، فإن الناس قد أسلموا. قال ابن إسحاق (١): وحدَّثني بعض أصحابنا من أهل العلم من بني جَذيمة قال: لمّا أمرنا خالد أن نضع السلاح، قال رجل منا - يقال له: جحدم -: ويلكم يا بني جَذيمة، إنه خالد، والله ما بعد وضع السلاح إلا الإسار، وما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق، والله لا أضع سلاحي أبدا. قال: فأخذه رجال من قومه، فقالوا: يا جحدم، أتريد أن تسفك دماءنا؟ إن الناس قد أسلموا ووضعت الحرب، وأمن الناس. فلم يزالوا به حتى نزعوا سلاحه، ووضع القوم سلاحهم لقول خالد. قال ابن إسحاق (٢): فحدثني حكيم بن حكيم، عن أبي جعفر قال: فلمَّا وضعوا السِّلاح أمر بهم خالد [عند ذلك]، فَكُتِّفوا، ثم عرضهم على السَّيف، فقتل من فتل منهم، فلمَّا انتهى الخبر إلى رسول الله ﷺ رفع يديه إلى السَّمَاء ثم قال: "اللهمَّ إني أبرأ إليك ممَّا صنع خالد بن الوليد" (٣). قال ابن هشام: حدَّثني بعض أهل العلم أنه انفلت رجل من القوم، فأتى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، فقال رسول الله ﷺ : "هَلْ أَنكَرَ عليه أحد؟ " فقال: نعم، قد أنكر عليه رجل أبيض ربعة، فنهمه خالد (٤)، فسكت عنه، وأنكر عليه رجل آخر طويل مضطرب، فراجعه فاشتدَّت مراجعتهما، فقال عمر بن الخطاب: أمَّا الأول يا رسول الله، فابني عبد الله، وأمَّا الآخر فسالم مولى أبي حُذيفة. قال ابن إسحاق (٥): فحدَّثني حكيم بن حكيم، عن أبي جعفر قال: ثم دعا رسول الله ﷺ عليَّ بن أبي طالب فقال: "يا علي، اخرج إلى هؤلاء القوم، فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك". فخرج عليٌّ حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله ﷺ ، فودى لهم الدماء وما أصيب لهم من الأموال حتى إنه لَيَدِي مِيلغة الكلب (٦)، حتى إذا لم يبق شيء من دمٍ ولا مالٍ إلا وداه، بقيت معه بقية من المال، فقال لهم عليٌّ حين فرغ منهم: هل بقي لكم دم أو مال لم يودَ لكم؟ قالوا: لا. قال: فإني

стр. 2059

أُعطيكم هذه البقية من هذا المال احتياطًا لرسول الله ﷺ مما لا نعلم ولا تعلمون. ففعل، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، فقال: "أَصبتَ وأَحْسَنْتَ". ثم قام رسول الله ﷺ فاستقبل القِبْلَةَ قائمًا شاهرًا يديه، حتى إنه ليُرى ما تحت منكبيه يقول: "اللهمَّ إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد" ثلاث مرات. قال ابن إسحاق (١): وقد قال بعض من يعْذِرُ خالدًا: إنه قال: ما قاتلت حتى أمرني بذلك عبد الله بن حُذَافَة السَّهميُّ، وقال: إن رسول الله ﷺ قد أمرك أن تقاتلهم لامتناعهم من الإسلام. قال ابن هشام (٢): قال أبو عمرو المدينيُّ: لمَّا أتاهم خالد بن الوليد قالوا: صبأنا (٣) صبأنا، وهذه مرسلات ومنقطعات. وقد قال الإمام أحمد: حدَّثنا عبد الرَّزَّاق، ثنا مَعْمَر، عن الزُّهريِّ، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر قال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى بني - أحسبه قال: - جَذيمة. فدعاهم إلى الإسلام، فلم يُحسنوا أن يقولوا: أسلمنا؛ فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا. وجعل خالد بهم أسرًا وقتلًا (٤). قال: ودفع إلى كلِّ رجل منا أسيرًا، حتى إذا أصبح يومًا أمر خالد أن يقتل كلُّ رجل منَّا أسيره. قال ابن عمر: فقلت: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل أحد من أصحابي أسيره. قال: فقدموا على النبيِّ ﷺ فذكروا له صنيع خالد، فقال النبيُّ ﷺ ورفع يديه: "اللهم إني أبرأ إليك ممَّا صنع خالد" مرتين (٥). ورواه البخاريُّ والنسائيُّ (٦) من حديث عبد الرزاق به نحوه. قال ابن إسحاق (٧): وقد قال لهم جَحْدَم لمَّا رأى ما يَصنع بهم خالد: يا بني جَذيمة، ضاع الضَّرب، قد كنت حذَّرتكم ما وقعتم فيه. قال ابن إسحاق (٨): وقد كان بين خالد وبين عبد الرحمن بن عوف - فيما بلغني - كلام في ذلك، فقال له عبد الرحمن: عملت بأمر الجاهلية في الإسلام؟ فقال: إنما ثأَرتُ بأبيك. فقال عبد الرحمن:

стр. 2060

كذبتَ، قد قتلت قاتل أبي، ولكنك ثأرتَ بعمِّك الفاكه بن المغيرة. حتى كان بينهما شرٌّ، فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ فقال: "مهلًا يا خالد، دع عنك أصحابي، فوالله لو كان لك أُحُدٌ ذهبًا ثم أنفقتَه في سبيل الله، ما أدركتَ غَدوة رجل من أصحابي ولا رَوحتَه". ثم ذكر ابن إسحاق (١) قصة الفَاكِه بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، عمِّ خالد بن الوليد، في خروجه هو وعوف بن عبد عوف (٢) بن عبد الحارث بن زُهرة، ومعه ابنه عبد الرحمن، وعَفَّان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، ومعه ابنه عثمان في تجارة إلى اليمن، ورجوعهم، ومعهم مال لرجل من بني جذيمة كان هلك باليمن، فحملوه إلى ورثته، فادَّعاه رجل منهم يقال له: خالد بن هشام. ولقيهم بأرض بني جذيمة فطلبه منهم قبل أن يصلوا إلى أهل الميِّت، فأبوا عليه، فقاتلهم فقاتلوه، حتى قتل عَوف والفاكه وأخذت أموالهما، وقتل عبد الرحمن قاتل أبيه خالد بن هشام، وفرَّ منهم عفَّان ومعه ابنه عثمان إلى مكة، فهمَّت قريش بغزو بني جَذيمة، فبعثت بنو جَذيمة يعتذرون إليهم بأنه لم يكن عن ملأ منهم، وودَوا لهم القتيلين وأموالهما، ووضعوا الحرب بينهم. يعني فلهذا قال خالد بن الوليد لعبد الرحمن: إنما ثأرتُ بأبيك. يعني حين قتلته بنو جَذيمة، فأجابه بانه قد أخذ ثأره وقتل قاتله، وردَّ عليه بانه إنما ثأر بعمِّه الفاكه بن المغيرة حين قتلوه وأخذوا أمواله، والمظنون بكل منهما أنه لم يقصد شيئًا من ذلك، وإنما يُقال هذا في وقت المخاصمة، فإنما أراد خالد بن الوليد نُصرة الإسلام وأهله، وإن كان قد أخطأ في أمر، واعتقد أنهم ينتقصون الإسلام بقولهم: صبأنا صبأنا. ولم يفهم عنهم أنهم أسلموا، فقتل طائفة كثيرة منهم وأسر بقيَّتهم، وقتل أكثر الأسرى أيضًا، ومع هذا لم يعزله رسول الله ﷺ ، بل استمرَّ به أميرًا، وإن كان قد تبرَّأ منه في صنيعه ذلك، وودَى ما كان جناه خطأ في دمٍ أو مالٍ، ففيه دليلٌ لأحد القولين بين العلماء في أن خطأ الإمام يكون في بيت المال لا في ماله، والله أعلم، ولهذا لم يعزله الصِّدِّيق حين قتل مالك بن نُوَيْرَة أيام الرِّدَّة، وتأوَّل عليه ما تأوَّل حين ضرب عنقه واصطفى امرأته أمَّ تميم، فقال له عمر بن الخطاب: اعزله؛ فإن في سيفه رهقا. فقال الصديق: لا أغمد سيفًا سلَّه الله على المشركين (٣). وقال ابن إسحاق (٤): حدَّثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، عن الزهريِّ، عن ابن أبي

стр. 2061

حَدْرَد الأَسْلَميِّ قال: كنت يومئذٍ في خيل خالد بن الوليد، فقال فتى من بني جَذيمة، وهو في سنِّي، وقد جُمِعَتْ يداه إلى عنقه برُمَّة، ونسوة مجتمعات غير بعيد منه: يا فتى. فقلت: ما تشاء؟ قال: هل أنت آخذ بهذه الرُّمَّة، فقائدي إلى هؤلاء النِّسوة حتى أقضي إليهن حاجة، ثم تردَّني بعد، فتصنعوا بي ما بدا لكم؟ قال: قلت: والله ليسيرٌ ما طلبت. فأخذت برُمَّته فقدته بها، حتى وقفته عليهن فقال: اسلَمي حُبَيش على نفد العيش (١): [من الطويل] أَريتُكِ إذ طالبتُكم فَوَجَدْتُكُمْ … بحَلْيَةَ أو ألفيتكُم بالخوانِقِ ألم يَكُ أهلًا أن يُنوَّل عاشقٌ … تكلَّف إدلاج السُّرى والودائقِ فلا ذَنْبَ لي قَدْ قُلْتُ إذ أَهْلُنَا مَعًا … أثيبي بودٍّ قبل إحدى الصَّفائقِ أثيبي بودٍّ قبل أن تشحط النَّوى … ويناى الأمير بالحَبيب المُفَارقِ فإنِّيَ لا ضيَّعتُ سِرَّ أَمَانَةٍ … ولا رَاقَ عيني عنكِ بعدكِ رائقُ سوى أنَّ ما نال العَشيرة شَاغلٌ … عن الودِّ إلا أن يكون التَّوامقُ (٢) قالت: وأنت فحُييت عشرًا، وتسعًا وترًا، وثمانيًا تترى (٣). قال: ثم انصرفت به، فضربت عنقه. قال ابن إسحاق (٤): فحدَّثني أبو فراس بن أبي سُنبلة الأسلميُّ، عن أشاخ منهم، عمَّن كان حضرها منهم، قالوا: فقامت إليه حين ضُرِبَتْ عنفه فأكبَّت عليه، فما زالت تقبِّله حتى ماتت عنده. وروى الحافظ البيهقيُّ (٥) من طريق الحُمَيديِّ، عن سفيان بن عُيينة، عن عبد الملك بن نوفل بن مُسَاحق، أنه سمع رجلًا من مزينة يقال له: ابن عِصَام، عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث سرية قال: "إذا رأيتم مسجدًا أو سمعتم مؤذنًا فلا تقتلوا أحدًا". قال: فبعثنا رسول الله ﷺ في سرية وأمرنا بذلك، فخرجنا قِبَل تهامة، فأدركنا رجلًا يسوق بظعائن، فقلنا له: أسلم. فقال: وما الإسلام؟ فأخبرناه به، فإذا هو لا يعرفه، قال: أفرأيتم إن لم أفعل، ما أنتم صانعون؟ قال: قلنا: نقتلك. فقال: فهل أنتم منظريّ حتى أدرك الظَّعائن؟ قال: قلنا: نعم، ونحن مدركوك. قال: فأدرك الظَّعائن فقال: اسلمي حُبَيش قبل نفاد العيش. فقالت الأخرى: اسلم عشرًا، وتسعًا وترًا، وثمانيًا تترى. ثم

стр. 2062

ذكر الشعر المتقدِّم إلى قوله: وينأى الأمير بالحَبيب المفارق. ثم رجع إلينا فقال: شأنكم. قال: فقدَّمناه، فضربنا عنقه. قال: فانحدرت الأخرى من هَوْدَجها، فحنت عليه حتى ماتت. ثم روى البيهقيُّ (١) من طريق أبي عبد الرحمن النسائي، ثنا محمد بن علي بن حرب المروزيُّ، ثنا علي بن الحُسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحويِّ، عن عِكْرِمَة، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ بعث سرية فغنموا، وفيهم رجل فقال لهم: إنِّي لست منهم، إنِّي عشقت امرأة فلحقتها، فدعوني أنظر إليها نظرة، ثم اصنعوا بي ما بدا لكم. قال: فإذا امرأة أدماء طويلة، فقال لها: اسلَمي حُبَيش قبل نفاد العيش. ثم ذكر البيتين بمعناهما. قال: فقالت: نعم فديتك. قال: فقدَّموه فضربوا عنقه، فجاءت المرأة فوفعت عليه، فشهقت شهقة أو شهقتين ثم ماتت، فلمَّا قدموا على رسول الله ﷺ أخبروه الخبر، فقال: "أَمَا كَانَ فِيْكُمْ رَجُلٌ رَحِيْمٌ؟ ". * * * بعث خالد بن الوليد لهدمِ العُزَّى قال ابن جرير (٢): وكان هدمها لخمس بقين من رمضان عامئذ. قال ابن إسحاق (٣): ثم بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى العزَّى، وكانت بيتًا بنخلة يعظِّمه قريش وكِنَانة ومُضر، وكان سدنتها وحُجَّابُهَا من بني شيبان من بني سُلَيم حلفاء بني هاشم، فلمَّا سمع حاجبها السُّلميُّ بمسير خالد بن الوليد إليها علَّق سيفه عليها، ثم اشتدَّ في الجبل الذي هي فيه وهو يقول: [من ألطويل] أيا عُزَّ شُدّي شدَّة لا شَوَى لها … على خالد ألقي القناع وشمِّري أيا عُزَّ إن لم تقتُلي المرءَ خالدًا … فبوئي بإثم عاجل أو تَنَصَّري قال: فلمَّا انتهى خالد إليها هدمها، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ . وقد روى الواقديُّ (٤) وغيره أنه لمَّا قدمها خالد لخمس بقين من رمضان فهدمها، ورجع فأخبر رسول الله ﷺ ، فقال: "ما رأيتَ؟ " قال: لم أر شيئًا، فأمره بالرُّجوع، فلمَّا رجع خرجت إليه من ذلك البيت امرأة سوداء ناشرة شعرها تولول، فعلاها بالسيف وجعل يقول: [من الرجر]

стр. 2063

يا عُزَّ كُفْرَانَك لا سُبحانَكِ … إني رأيتُ اللهَ قَدْ أَهَانكِ ثم خرَّب ذلك البيت الذي كانت فيه، وأخذ ما كان فيه من الأموال، ﵁ وأرضاه، ثم رجع فأخبر رسول الله ﷺ ، فقال: "تلك العُزَّى ولا تُعْبَدُ أَبَدًا". وقال البيهقيُّ (١): أنبأنا محمد بن أبي بكر الفقيه، أنبأنا محمد بن أبي جعفر، أنبأنا أحمد بن عليٍّ، ثنا أبو كُريب، عن ابن فُضيل، عن الوليد بن جُميع، عن أبي الطُّفيل قال: لمَّا فتح رسول الله ﷺ مَكَّة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة، وكانت بها العُزَّى، فأتاها، وكانت على ثلاث سَمُرات، فقطع السَّمرات وهَدَمَ البيت الذي كان عليها، ثم أتى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: "ارجع فإنك لم تصنع شيئًا". فرجع خالد، فلمَّا نظرت إليه السَّدنة وهم حجَّابها، أمعنوا هربًا في الجبل وهم يقولون: يا عُزَّى خَبِّليه، يا عُزَّى عوِّريه، وإلا فموتي برغمٍ. قال: فأتاها خالد، فإذا امرأة عُرْيَانَةٌ ناشرةٌ شعرها، ثحثو التُّراب على رأسها ووجهها، فعمَّمها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى النبي فأخبره، فقال: "تلك العُزَّى". * * * فصل في مدة إقامته، ﵇، بمكَّة لا خلاف أنه، ﵊، أقام بقية شهر رمضان يَقْصُرُ الصَّلاة ويُفطرُ، وهذا دليل من قال من العلماء: إن المسافر إذا لم يجمع الإقامة فله أن يَقْصُرَ ويُفْطِرَ إلى ثمانية عشر يومًا في أحد القولين، وفي القول الآخر، كما هو مقرَّر في موضعه. قال البخاريُّ (٢): ثنا أبو نُعيم، ثنا سُفيان. (ح) وحدَّثنا قَبيصة، ثنا سفيان، عن يحيى بن أبي إسحاق، عن أنس بن مالك قال: أقمنا مع رسول الله ﷺ عشرًا نَقْصُرُ الصلاة. وقد رواه بقية الجماعة (٣) من طرق متعددة، عن يحيى بن أبي إسحاق الحضرميِّ البصريِّ، عن أنس به نحوه.

стр. 2064

ثم قال البخاريُّ (١): ثنا عبدان، ثنا عبد الله، أنبأنا عاصم، عن عِكْرِمَة، عن ابن عباس قال: أقام رسول الله ﷺ بمكة تسعة عشر يومًا يصلي ركعتين. ورواه البخاريُّ أيضًا من وجه آخر - زاد البخاريُّ: وحصين كلاهما - وأبو داود، والترمذيُّ، وابن ماجه، من حديث عاصم بن سليمان الأحول، عن عكرمة، عن ابن عباس به (٢). وفي لفظ لأبي داود: سبع عشرة. وحدَّثنا (٣) أحمد بن يونس، ثنا أبو شهاب، عن عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أقمنا مع رسول الله ﷺ في سفرٍ تسع عشرة نَقْصُرُ الصلاة. وقال ابن عباس: فنحن نقصر ما بيننا وبين تسع عشرة، فإذا زدنا أتممنا. وقال أبو داود (٤): ثنا إبراهيم بن موسى، ثنا ابن عليَّة، ثنا عليُّ بن زيد، عن أبي نضرة، عن عمران بن حصين قال: غزوت مع رسول الله ﷺ وشهدت معه الفتح، فأقام ثماني عشرة ليلة لا يصلِّي إلا ركعتين، يقول: "يا أهل البلد، صلُّوا أربعًا فإنا سَفْر". وهكذا رواه الترمذيُّ (٥) من حديث عليِّ بن زيد بن جدعان، وقال: هذا حديث حسن صحيح. ثم روى أبو داود (٦) من حديث محمد بن إسحاق، عن الزهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: أقام رسول الله ﷺ عام الفتح خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة. ثم قال: رواه غير واحد، عن ابن إسحاق، لم يذكروا ابن عباس. وقال ابن إدريس (٧)، عن محمد بن إسحاق، عن الزهريِّ، ومحمد بن عليِّ بن الحسين، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر، وعمرو بن شعيب، وغيرهم قالوا: أقام رسول الله ﷺ بمكة خمس عشرة ليلة. * * *

стр. 2065

فصل فيما حكم به ﷺ بمكَّة من الأحكام قال البخاريُّ (١): حدَّثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، عن النبيِّ ﷺ . (ح) وقال اللّيث (٢): حدَّثني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عُروة بن الزبير، أن عائشة قالت: كان عُتبة بن أبي وقّاص عهد إلى أخيه سعد أن يقبِض ابن وليدة زمعة، وقال عُتبة: إنه ابني. فلمَّا قدم رسول الله ﷺ مكة في الفتح، أخذ سعد بن أبي وقاص ابن وليدة زمعة، فأقبل به إلى رسول الله ﷺ ، وأقبل معه عبد بن زمعة، فقال سعد بن أبي وقاص: هذا ابن أخي، عهد إليَّ أنه ابنهُ، فقال عبد بن زمعة: يا رسول الله، هذا أخي، هذا ابن زمعة ولد على فراشه. فنظر رسول الله ﷺ إلى ابن وليدة زمعة، فإذا هو أشبه الناس بعتبة بن أبي وقَّاص، فقال رسول الله ﷺ : "هو لك، هو أخوك يا عبد بن زمعة، من أجل أنه ولد على فراشه". وقال رسول الله ﷺ : "احتجبي منه يا سودة". لما رأى من شبه عتبة بن أبي وقَّاص. قال ابن شهاب، قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ : "الولد للفراش وللعاهر الحجر". قال ابن شهاب: وكان أبو هريرة يصرِّح بذلك. وقد رواه البخاري أيضًا، ومسلم، وأبو داود، والترمذيُّ، جميعًا عن قتيبة، عن الليث به. وابن ماجه من حديث (٣)، وانفرد البخاريُّ بروايته له من حديث مالك، عن الزهريِّ. ثم قال البخاريُّ (٤): ثنا محمد بن مقاتل، أنبأنا عبد الله، أنا يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير، أن امرأة سرقت في عهد رسول الله ﷺ في غزوة الفتح، ففزع قومها إلى أسامة بن زيد يستشفعونه. قال عروة: فلمَّا كلَّمه أسامة فيها، تلوَّن وجه رسول الله ﷺ وقال: "أتكلِّمني في حدٍّ من حدود الله؟! " فقال أسامة: استغفر لي يا رسول الله. فلمَّا كان العشيُّ قام رسول الله ﷺ خطيبًا فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: "أمَّا بعد، فإنما أهلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدَّ، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد

стр. 2066

سرقت لقطعت يدها". ثم أمر رسول الله ﷺ بتلك المرأة فقطعت يدها، فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوَّجت، قالت عائشة: فكانت تأتيني بعد ذلك فأَرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ . وقد رواه البخاريُّ في موضع آخر، ومسلم (١) من حديث ابن وهب، عن يونس، عن الزّهريِّ، عن عروة، عن عائشة به. وفي "صحيح مسلم" (٢) من حديث سبرة بن معبد الجُهنيِّ قال: أمرنا رسول الله ﷺ بالمتعة عام الفتح حين دخل مكة، ثم لم يخرج حتى نهانا عنها. وفي رواية فقال: "ألا إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة". وفي رواية في "مسند أحمد" و"السنن" أن ذلك كان في حجة الوداع (٣)، فالله أعلم. وفي "صحيح مسلم" (٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يونس بن محمد، عن عبد الواحد بن زياد، عن أبي العُميس، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه أنه قال: رخَّص لنا رسول الله ﷺ عام أوطاس في متعة النساء ثلاثًا، ثم نهانا عنها. قال البيهقيُّ (٥): وعام أوطاس هو عام الفتح، فهو وحديث سبرة سواء. قلت: من أثبت النَّهي عنها في غزوة خيبر قال: إنها أُبيحت مرتين وحرِّمت مرتين، وقد نصَّ على ذلك الشافعيُّ وغيره. وقد قيل: إنها أبيحت وحرِّمت أكثر من مرتين، فالله أعلم. وقيل: إنها حرِّمت مرة واحدة، وهي هذه المرة في غزوة الفتح. وقيل: إنها إنما أبيحت للضرورة. فعلى هذا إذا وجدت ضرورة أبيحت، وهذا رواية عن الإمام أحمد (٦)، وقيل: بل لم تحرَّم مطلقًا، وهي على الإباحة. هذا هو المشهور عن ابن عباس وأصحابه وطائفة من الصحابة، وموضع تحرير ذلك في "الأحكام". * * *

стр. 2067

فصل قال الإمام أحمد (١): حدَّثنا عبد الرزاق، ثنا ابن جريج، أنبأنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، أن محمد بن الأسود بن خلف أخبره أن أباه الأسود رأى رسول الله ﷺ يبايع الناس يوم الفتح. قال: جلس عند قرن مسقلة، فبايع الناس على الإسلام والشهادة. قال: قلت: وما الشهادة؟ قال: أخبرني محمد بن الأسود بن خلف أنه بايعهم على الإيمان بالله، وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله. تفرَّد به أحمد. وعند البيهقي: فجاءه الناس؛ الكبار والصغار، والرجال والنساء، فبايعهم على الإسلام والشهادة. وقال ابن جرير (٢): ثم اجتمع الناس بمكة لبيعة رسول الله ﷺ على الإسلام، فجلس لهم - فيما بلغني - على الصَّفا، وعمر بن الخطاب أسفل من مجلسه، فأخذ على الناس السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا. قال: فلما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء، وفيهن هند بنت عثبة متنقِّبة متنكَّرة بحديثها؛ لما كان من صنيعها بحمزة، فهي تخاف أن يأخذها رسول الله ﷺ بحدثها ذلك، فلما دنين من رسول الله ﷺ ليبايعهن قال: "بايعنني على أن لا تشركن بالله شيئًا". فقالت هند: والله إنك لتأخذ علينا ما لا تأخذه على الرجال. قال: "ولا تسرقن". فقالت: والله إني كنت أصبت من مال أبي سفيان الهَنة بعد الهنة، وما كنت أدري أكان ذلك حلالًا لي أم لا؟ فقال أبو سفيان، وكان شاهدًا لما تقول: أما ما أصبتِ فيما مضى فأنت منه في حلٍّ. فقال رسول الله ﷺ : "وإنك لهند بنت عتبة؟! " قالت: نعم، فاعف عما سلف، عفا الله عنك. ثم قال: "ولا تزنين". فقالت: يا رسول الله، وهل تزني الحرة؟! ثم قال: "ولا تقتلن أولادكن". قالت: قد ربَّيناهم صغارًا، وقتلتهم ببدر كبارًا، فانت وهم أعلم. فضحك عمر بن الخطاب حتى استغرب، ثم قال: "ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن". فقالت: والله إنَّ إتيان البهتان لقبيح، ولبعض التَّجاوز أمثل. ثم قال: "ولا تعصينني". فقالت: في معروف. فقال رسول الله ﷺ لعمر: "بايعهن واستغفر لهن الله، إن الله غفور رحيم". فبايعهن عمر، وكان رسول الله ﷺ لا يصافح النساء، ولا يمسُّ إلا امرأة أحلَّها الله له، أو ذات محرم منه. وثبت في "الصحيحين" (٣) عن عائشة، ﵂، أنها قالت: لا والله ما مسَّت يد رسول الله ﷺ يد امرأة قطُّ.

стр. 2068

وفي رواية: ما كان يبايعهن إلا كلامًا ويقول: "إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمئة امرأة" (١). وفي "الصحيحين" (٢) عن عائشة، أن هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان أتت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بَنيَّ، فهل عليَّ من حرج إذا أخذت من ماله بغير علمه؟ قال: "خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك". وروى البيهقيُّ (٣)، من طريق يحيى بن بكير، عن الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، أن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله، ما كان مما على وجه الأرض أخباء أو أهل خِباء - الشكُّ من ابن بكير - أحبَّ إليَّ من أن يذلُّوا من أهل أخبائك - أو خِبائك - ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل أخباء - أو خِباء - أحبَّ إليَّ من أن يعزّوا من أهل أخبائك - أو خبائك -. فقال رسول الله ﷺ : "وأيضا والذي نفس محمد بيده". قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل مسيك، فهل عليَّ حرج أن أطعم من الذي له؟ قال: "لا، إلا بالمعروف". ورواه البخاريُّ (٤)، عن يحيى بن بكير بنحوه، وتقدَّم ما يتعلَّق بإسلام أبي سفيان. وقال أبو داود (٥): ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: "لا هجرة ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا". ورواه البخاريُّ (٦)، عن عثمان ابن أبي شيبة، ومسلم عن يحيى بن يحيى، عن جرير. وقال الإمام أحمد (٧): ثنا عفان، ثنا وهيب، ثنا ابن طاوس، عن أبيه، عن صفوان بن أمية أنه قيل له: إنه لا يدخل الجنة إلا من هاجر. فقلت له: لا أدخل منزلي حتى آتي رسول الله ﷺ فأسأله. فأتيته فذكرت له فقال: "لا هجرة بعد فتح مكة، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا". تفرد به أحمد. وقال البخاريُّ (٨): ثنا محمد بن أبي بكر، ثنا الفضيل بن سليمان، ثنا عاصم، عن أبي عثمان النَّهديِّ، عن مجاشع بن مسعود قال: انطلقت بأبي معبدٍ إلى النبيِّ ﷺ ليبايعه على الهجرة، فقال:

стр. 2069

"مضت الهجرة لأهلها، أُبايعه على الإسلام والجهاد". فلقيت أبا معبدٍ فسألته، فقال: صدق مجاشع. وقال خالد، عن أبي عثمان عن مجاشع، أنه جاء بأخيه مجالد. وقال البخاريُّ (١): ثنا عمرو بن خالد، ثنا زهير، ثنا عاصم، عن أبي عثمان قال: حدَّثني مجاشع قال: أتيت رسول الله ﷺ بأخي بعد يوم الفتح فقلت: يا رسول الله، جئتك بأخي لتبايعه على الهجرة، قال: "ذهب أهل الهجرة بما فيها". فقلت: على أي شيء تبايعه؟ قال: "أبايعه على الإسلام والإيمان والجهاد". فلقيت أبا معبد بعد، وكان أكبرهما سنًّا، فسألته، فقال: صدق مجاشع. وقال البخاريُّ (٢): ثنا محمد بن بشَّار، ثنا غندر، ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد قال: قلت لابن عمر: أريد أن أهاجر إلى الشام. فقال: لا هجرة، ولكن جهاد، انطلق فاعرض نفسك، فإن وجدت شيئًا وإلا رجعت. وقال النَّضر: أنا شعبة، أنا أبو بشر، سمعت مجاهدًا قال: قلت لابن عمر، فقال: لا هجرة اليوم - أو بعد رسول الله ﷺ - … مثله. حدَّثنا (٣) إسحاق بن يزيد، ثنا يحيى بن حمزة، حدَّثني أبو عمرو الأوزاعيُّ، عن عبدة بن أبي لبابة، عن مجاهد بن جبر، أن عبد الله بن عمر قال: لا هجرة بعد الفتح. وقال البخاريُّ (٤): ثنا إسحاق بن يزيد، أنا يحيى بن حمزة، أنا الأوزاعيُّ، عن عطاء بن أبي رباح قال: زرت عائشة مع عبيد بن عمير، فسألها عن الهجرة فقالت: لا هجرة اليوم، كان المؤمن يفرُّ أحدهم بدينه إلى الله، ، وإلى رسوله ﷺ ؛ مخافة أن يفتن عليه، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام، فالمؤمن يعبد ربَّه حيث يشاء، ولكن جهاد ونيَّة. وهذه الأحاديث والآثار دالة على أن الهجرة - إما الكاملة أو مطلقًا - قد انقطعت بعد فتح مكة؛ لأن الناس دخلوا في دين الله أفواجًا، وظهر الإسلام وثبتت أركانه ودعائمه، فلم تبق هجرة، اللهمَّ إلا أن يعرض حال يقتضي الهجرة بسبب مجاورة أهل الحرب، وعدم القدرة على إظهار الدين عندهم، فتجب الهجرة إلى دار الإسلام، وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء، ولكنَّ هذه الهجرة ليست كالهجرة قبل الفتح، كما أن كلًّا من الجهاد والإنفاق في سبيل الله مشروع ومرغَّب فيه إلى يوم القيامة، ولكن ليس كالإنفاق ولا الجهاد قبل الفتح، فتح مكة. قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ الآية [الحديد: ١٠].

стр. 2070

وقد قال الإمام أحمد (١): ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن عمرو بن مرَّة، عن أبي البختري الطَّائيِّ، عن أبي سعيد الخدريِّ، عن رسول الله ﷺ أنه قال: لما نزلت هذه السورة الكريمة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١ - ٣]. قرأها رسول الله ﷺ حتى ختمها، وقال: "الناس حيز وأنا وأصحابي حيز". وقال: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونيَّة". فقال له مروان: كذبت. وعنده رافع بن خديج وزيد بن ثابت قاعدان معه على السَّرير، فقال أبو سعيد: لو شاء هذان لحدَّثاك، ولكن هذا يخاف أن تنزعه عن عِرافة قومه، وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة. فرفع مروان عليه الدِّرَّة ليضربه، فلما رأيا ذلك قالا: صدق. تفرَّد به أحمد. وقال البخاريُّ (٢): ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا أبو عَوَانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأنَّ بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم تُدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن قد علمتم. فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم، فما رُئيت أنه أدخلني فيهم يومئذ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قول الله : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستعفره إذا نصرنا وفتح علينا. وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذاك تقول يا بن عباس؟ فقلت: لا. فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له؛ قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. فذلك علامة أجلك؛ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. قال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما تقول. تفرَّد به البخاريُّ. وهكذا روي من غير وجه، عن ابن عباس أنه فسَّر ذلك بنعي رسول الله ﷺ في أجله. وبه قال مجاهد وأبو العالية والضَّحَّاك وغير واحد كما قال ابن عباس وعمر بن الخطاب، ﵄. فأما الحديث الذي قال [فيه] الإمام أحمد (٣): ثنا محمد بن فضيل، ثنا عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. قال رسول الله ﷺ : "نُعيت إلي نفسي". بأنه مقبوض في تلك السنة. تفرَّد به الإمام أحمد، وفي إسناده عطاء بن أبي مسلم الخُرَاساني، وفيه ضعف، تكلَّم فيه غير واحد من الأئمة، وفي لفظه نكارة شديدة، وهو قوله بأنه مقبوض في تلك السنة، وهذا باطل؛ فإن الفتح كان في سنة ثمان في رمضان منها، كما تقدَّم بيانه، وهذا لا خلاف فيه.
следующие страницы →