← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

سرقت لقطعت يدها". ثم أمر رسول الله ﷺ بتلك المرأة فقطعت يدها، فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوَّجت، قالت عائشة: فكانت تأتيني بعد ذلك فأَرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ . وقد رواه البخاريُّ في موضع آخر، ومسلم (١) من حديث ابن وهب، عن يونس، عن الزّهريِّ، عن عروة، عن عائشة به. وفي "صحيح مسلم" (٢) من حديث سبرة بن معبد الجُهنيِّ قال: أمرنا رسول الله ﷺ بالمتعة عام الفتح حين دخل مكة، ثم لم يخرج حتى نهانا عنها. وفي رواية فقال: "ألا إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة". وفي رواية في "مسند أحمد" و"السنن" أن ذلك كان في حجة الوداع (٣)، فالله أعلم. وفي "صحيح مسلم" (٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يونس بن محمد، عن عبد الواحد بن زياد، عن أبي العُميس، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه أنه قال: رخَّص لنا رسول الله ﷺ عام أوطاس في متعة النساء ثلاثًا، ثم نهانا عنها. قال البيهقيُّ (٥): وعام أوطاس هو عام الفتح، فهو وحديث سبرة سواء. قلت: من أثبت النَّهي عنها في غزوة خيبر قال: إنها أُبيحت مرتين وحرِّمت مرتين، وقد نصَّ على ذلك الشافعيُّ وغيره. وقد قيل: إنها أبيحت وحرِّمت أكثر من مرتين، فالله أعلم. وقيل: إنها حرِّمت مرة واحدة، وهي هذه المرة في غزوة الفتح. وقيل: إنها إنما أبيحت للضرورة. فعلى هذا إذا وجدت ضرورة أبيحت، وهذا رواية عن الإمام أحمد (٦)، وقيل: بل لم تحرَّم مطلقًا، وهي على الإباحة. هذا هو المشهور عن ابن عباس وأصحابه وطائفة من الصحابة، وموضع تحرير ذلك في "الأحكام". * * *

стр. 2067

فصل قال الإمام أحمد (١): حدَّثنا عبد الرزاق، ثنا ابن جريج، أنبأنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، أن محمد بن الأسود بن خلف أخبره أن أباه الأسود رأى رسول الله ﷺ يبايع الناس يوم الفتح. قال: جلس عند قرن مسقلة، فبايع الناس على الإسلام والشهادة. قال: قلت: وما الشهادة؟ قال: أخبرني محمد بن الأسود بن خلف أنه بايعهم على الإيمان بالله، وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله. تفرَّد به أحمد. وعند البيهقي: فجاءه الناس؛ الكبار والصغار، والرجال والنساء، فبايعهم على الإسلام والشهادة. وقال ابن جرير (٢): ثم اجتمع الناس بمكة لبيعة رسول الله ﷺ على الإسلام، فجلس لهم - فيما بلغني - على الصَّفا، وعمر بن الخطاب أسفل من مجلسه، فأخذ على الناس السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا. قال: فلما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء، وفيهن هند بنت عثبة متنقِّبة متنكَّرة بحديثها؛ لما كان من صنيعها بحمزة، فهي تخاف أن يأخذها رسول الله ﷺ بحدثها ذلك، فلما دنين من رسول الله ﷺ ليبايعهن قال: "بايعنني على أن لا تشركن بالله شيئًا". فقالت هند: والله إنك لتأخذ علينا ما لا تأخذه على الرجال. قال: "ولا تسرقن". فقالت: والله إني كنت أصبت من مال أبي سفيان الهَنة بعد الهنة، وما كنت أدري أكان ذلك حلالًا لي أم لا؟ فقال أبو سفيان، وكان شاهدًا لما تقول: أما ما أصبتِ فيما مضى فأنت منه في حلٍّ. فقال رسول الله ﷺ : "وإنك لهند بنت عتبة؟! " قالت: نعم، فاعف عما سلف، عفا الله عنك. ثم قال: "ولا تزنين". فقالت: يا رسول الله، وهل تزني الحرة؟! ثم قال: "ولا تقتلن أولادكن". قالت: قد ربَّيناهم صغارًا، وقتلتهم ببدر كبارًا، فانت وهم أعلم. فضحك عمر بن الخطاب حتى استغرب، ثم قال: "ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن". فقالت: والله إنَّ إتيان البهتان لقبيح، ولبعض التَّجاوز أمثل. ثم قال: "ولا تعصينني". فقالت: في معروف. فقال رسول الله ﷺ لعمر: "بايعهن واستغفر لهن الله، إن الله غفور رحيم". فبايعهن عمر، وكان رسول الله ﷺ لا يصافح النساء، ولا يمسُّ إلا امرأة أحلَّها الله له، أو ذات محرم منه. وثبت في "الصحيحين" (٣) عن عائشة، ﵂، أنها قالت: لا والله ما مسَّت يد رسول الله ﷺ يد امرأة قطُّ.

стр. 2068

وفي رواية: ما كان يبايعهن إلا كلامًا ويقول: "إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمئة امرأة" (١). وفي "الصحيحين" (٢) عن عائشة، أن هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان أتت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بَنيَّ، فهل عليَّ من حرج إذا أخذت من ماله بغير علمه؟ قال: "خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك". وروى البيهقيُّ (٣)، من طريق يحيى بن بكير، عن الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، أن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله، ما كان مما على وجه الأرض أخباء أو أهل خِباء - الشكُّ من ابن بكير - أحبَّ إليَّ من أن يذلُّوا من أهل أخبائك - أو خِبائك - ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل أخباء - أو خِباء - أحبَّ إليَّ من أن يعزّوا من أهل أخبائك - أو خبائك -. فقال رسول الله ﷺ : "وأيضا والذي نفس محمد بيده". قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل مسيك، فهل عليَّ حرج أن أطعم من الذي له؟ قال: "لا، إلا بالمعروف". ورواه البخاريُّ (٤)، عن يحيى بن بكير بنحوه، وتقدَّم ما يتعلَّق بإسلام أبي سفيان. وقال أبو داود (٥): ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: "لا هجرة ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا". ورواه البخاريُّ (٦)، عن عثمان ابن أبي شيبة، ومسلم عن يحيى بن يحيى، عن جرير. وقال الإمام أحمد (٧): ثنا عفان، ثنا وهيب، ثنا ابن طاوس، عن أبيه، عن صفوان بن أمية أنه قيل له: إنه لا يدخل الجنة إلا من هاجر. فقلت له: لا أدخل منزلي حتى آتي رسول الله ﷺ فأسأله. فأتيته فذكرت له فقال: "لا هجرة بعد فتح مكة، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا". تفرد به أحمد. وقال البخاريُّ (٨): ثنا محمد بن أبي بكر، ثنا الفضيل بن سليمان، ثنا عاصم، عن أبي عثمان النَّهديِّ، عن مجاشع بن مسعود قال: انطلقت بأبي معبدٍ إلى النبيِّ ﷺ ليبايعه على الهجرة، فقال:

стр. 2069

"مضت الهجرة لأهلها، أُبايعه على الإسلام والجهاد". فلقيت أبا معبدٍ فسألته، فقال: صدق مجاشع. وقال خالد، عن أبي عثمان عن مجاشع، أنه جاء بأخيه مجالد. وقال البخاريُّ (١): ثنا عمرو بن خالد، ثنا زهير، ثنا عاصم، عن أبي عثمان قال: حدَّثني مجاشع قال: أتيت رسول الله ﷺ بأخي بعد يوم الفتح فقلت: يا رسول الله، جئتك بأخي لتبايعه على الهجرة، قال: "ذهب أهل الهجرة بما فيها". فقلت: على أي شيء تبايعه؟ قال: "أبايعه على الإسلام والإيمان والجهاد". فلقيت أبا معبد بعد، وكان أكبرهما سنًّا، فسألته، فقال: صدق مجاشع. وقال البخاريُّ (٢): ثنا محمد بن بشَّار، ثنا غندر، ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد قال: قلت لابن عمر: أريد أن أهاجر إلى الشام. فقال: لا هجرة، ولكن جهاد، انطلق فاعرض نفسك، فإن وجدت شيئًا وإلا رجعت. وقال النَّضر: أنا شعبة، أنا أبو بشر، سمعت مجاهدًا قال: قلت لابن عمر، فقال: لا هجرة اليوم - أو بعد رسول الله ﷺ - … مثله. حدَّثنا (٣) إسحاق بن يزيد، ثنا يحيى بن حمزة، حدَّثني أبو عمرو الأوزاعيُّ، عن عبدة بن أبي لبابة، عن مجاهد بن جبر، أن عبد الله بن عمر قال: لا هجرة بعد الفتح. وقال البخاريُّ (٤): ثنا إسحاق بن يزيد، أنا يحيى بن حمزة، أنا الأوزاعيُّ، عن عطاء بن أبي رباح قال: زرت عائشة مع عبيد بن عمير، فسألها عن الهجرة فقالت: لا هجرة اليوم، كان المؤمن يفرُّ أحدهم بدينه إلى الله، ، وإلى رسوله ﷺ ؛ مخافة أن يفتن عليه، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام، فالمؤمن يعبد ربَّه حيث يشاء، ولكن جهاد ونيَّة. وهذه الأحاديث والآثار دالة على أن الهجرة - إما الكاملة أو مطلقًا - قد انقطعت بعد فتح مكة؛ لأن الناس دخلوا في دين الله أفواجًا، وظهر الإسلام وثبتت أركانه ودعائمه، فلم تبق هجرة، اللهمَّ إلا أن يعرض حال يقتضي الهجرة بسبب مجاورة أهل الحرب، وعدم القدرة على إظهار الدين عندهم، فتجب الهجرة إلى دار الإسلام، وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء، ولكنَّ هذه الهجرة ليست كالهجرة قبل الفتح، كما أن كلًّا من الجهاد والإنفاق في سبيل الله مشروع ومرغَّب فيه إلى يوم القيامة، ولكن ليس كالإنفاق ولا الجهاد قبل الفتح، فتح مكة. قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ الآية [الحديد: ١٠].

стр. 2070

وقد قال الإمام أحمد (١): ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن عمرو بن مرَّة، عن أبي البختري الطَّائيِّ، عن أبي سعيد الخدريِّ، عن رسول الله ﷺ أنه قال: لما نزلت هذه السورة الكريمة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١ - ٣]. قرأها رسول الله ﷺ حتى ختمها، وقال: "الناس حيز وأنا وأصحابي حيز". وقال: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونيَّة". فقال له مروان: كذبت. وعنده رافع بن خديج وزيد بن ثابت قاعدان معه على السَّرير، فقال أبو سعيد: لو شاء هذان لحدَّثاك، ولكن هذا يخاف أن تنزعه عن عِرافة قومه، وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة. فرفع مروان عليه الدِّرَّة ليضربه، فلما رأيا ذلك قالا: صدق. تفرَّد به أحمد. وقال البخاريُّ (٢): ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا أبو عَوَانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأنَّ بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم تُدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن قد علمتم. فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم، فما رُئيت أنه أدخلني فيهم يومئذ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قول الله : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستعفره إذا نصرنا وفتح علينا. وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذاك تقول يا بن عباس؟ فقلت: لا. فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له؛ قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. فذلك علامة أجلك؛ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. قال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما تقول. تفرَّد به البخاريُّ. وهكذا روي من غير وجه، عن ابن عباس أنه فسَّر ذلك بنعي رسول الله ﷺ في أجله. وبه قال مجاهد وأبو العالية والضَّحَّاك وغير واحد كما قال ابن عباس وعمر بن الخطاب، ﵄. فأما الحديث الذي قال [فيه] الإمام أحمد (٣): ثنا محمد بن فضيل، ثنا عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. قال رسول الله ﷺ : "نُعيت إلي نفسي". بأنه مقبوض في تلك السنة. تفرَّد به الإمام أحمد، وفي إسناده عطاء بن أبي مسلم الخُرَاساني، وفيه ضعف، تكلَّم فيه غير واحد من الأئمة، وفي لفظه نكارة شديدة، وهو قوله بأنه مقبوض في تلك السنة، وهذا باطل؛ فإن الفتح كان في سنة ثمان في رمضان منها، كما تقدَّم بيانه، وهذا لا خلاف فيه.

стр. 2071

وقد توفِّي رسول الله ﷺ في ربيع الأول من سنة إحدى عشرة، بلا خلاف أيضًا. وهكذا الحديث الذي رواه الحافظ أبو القاسم الطَّبرانيُّ (١)، ﵀: ثنا إبراهيم بن أحمد بن عمر الوكيعيُّ، ثنا أبي، ثنا جعفر بن عون، عن أبي العُمَيس، عن أبي بكر بن أبي الجهم، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: آخر سورة نزلت من القرآن جميعًا: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ وفيه نكارة أيضًا، وفي إسناده نظر أيضًا، ويحتمل أن يكون أنها آخر سورة نزلت جميعها كما قال، والله أعلم. وقد تكلَّمنا على تفسير هذه السورة الكريمة بما فيه كفاية (٢)، ولله الحمد والمنَّة. وقال البخاريُّ (٣): ثنا سليمان بن حرب، ثنا حمَّاد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قِلَابة، عن عمرو بن سلِمة - قال لي أبو قِلَابة: ألا تلقاه فتسأله فلقيته فسألته - قال: كنا بماء ممرَّ الناس، وكان يمرُّ بنا الرُّكبان فنسألهم ما للناس ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله وأوحى إليه كذا. فكنت أحفظ ذاك الكلام، فكأنما يَغرى في صدري، وكانت العرب تلوَّم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبيٌّ صادق. فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كلُّ قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم. فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي حقًا، قال: "صلُّوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذِّن أحدكم، وليؤمَّكم أكثرُكم قرآنًا". فنظروا فلم يكن أحد أكثرَ قرآنًا مني؟ لما كنت أتلقَّى من الرُّكبان، فقدَّموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت عليَّ بردة إذا سجدت تقلَّصت عنِّي. فقالت امرأة من الحيِّ: ألا تغطُون عنا استَ قارئكم؟ فاشتروا، فقطعوا لي قميصًا، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص، تفرَّد به البخاريُّ دون مسلم. * * * غزوة هَوَازن يوم حُنَينٍ قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى

стр. 2072

الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٧]. وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسارٍ في كتابه (١) أن خروج رسول الله ﷺ إلى هَوَازن بعد الفتح في خامس شوالٍ سنة ثمان، وزَعَمَ أن الفتح كان لعشرٍ بقين من شهر رمضان قبل خروجه إليهم بخمس عشرة ليلة. وهكذا رَوَى عن ابن مسعودٍ، وبه قال عُرْوَة بن الزُّبير، واختاره ابن جريير في "تاريخه" (٢). وقال الواقديُّ (٣): خرج رسول الله ﷺ إلى هوازن لستٍّ خلون من شوالٍ، فانتهى إلى حُنينٍ في عاشره. وقال أبو بكرٍ الصِّدِّيق: لن نُغْلَبَ اليوم من قلَّةٍ، فانهزموا، فكان أول من انهزم بنو سليمٍ، ثم أهل مَكَّة، ثم بقية الناس. قال ابن إسحاق (٤): ولما سَمِعَتْ هَوَازن برسول الله ﷺ وما فتح الله عليه من مكَّة جمعها مَلِكها مالكُ بن عوفٍ النَّصريُّ، فاجثمع إليه مع هَوَازن ثفيفٌ كلُّها، واجتمعت نصرٌ، وجُشم كلُّها، وسعد بن بكر، وناس من بني هلالٍ وهم قليلٌ، ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء، وغاب عنها، ولم يحضرها من هوازن كعبٌ وكلابٌ، ولم يشهدها منهم أحدٌ له اسمٌ، وفي بني جُشم دريد بن الصِّمَّة شيخٌ كبيرٌ، ليس فيه شيءٌ إلا التَّيمُّن برأيه ومعرفته بالحرب، وكان شيخًا مجرَّبًا، وفي ثقيفٍ سيِّدان لهم، وفي الأحلاف قارب بن الأسود بن مسعود بن معتِّبٍ، وفي بني مالكٍ ذو الخمار سُبيع بن الحارث وأخوه أحمر بن الحارث، وجِماع أمر الناس إلى مالك بن عوفٍ النَّصريِّ، فلما أجمع السير إلى رسول الله ﷺ حطَّ مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فلما نزل بأوطاسٍ اجتمع إليه الناس، وفيهم دُريد بن الصِّمَّة في شجارٍ له يقاد به، فلما نزل قال: بأيِّ وادٍ أنتم؟ قالوا: بأوطاسٍ. قال: نعم مجال الخيل، لا حَزنٌ ضرس، ولا سهلٌ دِهس، ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟! قالوا: ساق مالك بن عوفٍ مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم. قال: أين مالكٌ؟ قالوا: هذا مالكٌ. ودُعي له. قال: يا مالك، إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يومٌ كائنٌ له ما بعده من الأيام،

стр. 2073

ما لي أسمع رُغاء البعير، ونهاق الحمير، وبُكاء الصغير، ويُعار الشاء؟ قال: سقت مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم. قال: ولم؟ قال: أردت أن أجعل خلف كلِّ رجلٍ أهله وماله ليقاتل عنهم. قال: فأنقض به (١). ثم قال: راعي ضأنٍ والله، هل يردُّ المنهزم شيءٌ؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجلٌ بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فُضحت في أهلك ومالك. ثم قال: ما فعلت كعبٌ وكلابٌ؟ قال: لم يشهدها منهم أحدٌ. قال: غاب الحدُّ والجِدُّ، لو كان يوم غلاءً ورفعةٍ لم تغب عنه كعبٌ وكلابٌ، ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعبٌ وكلابٌ، فمن شهدها منكم؟ قالوا: عمرو بن عامرٍ، وعوف بن عامرٍ. قال: ذانك الجذَعان من عامرٍ لا ينفعان ولا يضران. ثم قال: يا مالك، إنك لم تصنِع بتقديم البيضة بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئًا، ثم قال دريدٌ لمالك بن عوفٍ: ارفعهم إلى متمنع بلادهم وعليا قومهم، ثم ألق الصُّبِيَّ على متون الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك، قال: والله لا أفعل، إنك قد كبرت وكبر عقلك. ثم قال مالكٌ: والله لتطيعنَّني يا معشر هوازن أو لأتَّكئنَّ على هذا السيف حتى يخرج من ظهري - وكره أن يكون لدريدٍ فيها ذِكرٌ أو رأيٌ - فقالوا: أطعناك. فقال دريدٌ: هذا يومٌ لم أشهده ولم يَفُتْني (٢): [من مجزوء الرجز] يا ليتني فيها جَذَع … أخبُّ فيها وأضَعْ أقود وطْفاء الزَّمع … كأنها شاةٌ صَدَعْ ثم قال مالكٌ للناس: إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم، ثم شدُّوا شدة رجلٍ واحدٍ. قال ابن إسحاق (٣): وحدَّثني أُمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أنه حدِّث أن مالك بن عوفٍ بعث عيونًا من رجاله، فأتَوه وقد تفرَّقت أوصالهم، فقال: ويلكم، وما شأنكم؟ قالوا: رأينا رجالًا بيضًا على خيلٍ بُلقٍ، فوالله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى. فوالله ما ردَّه ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد. قال ابن إسحاق (٤): ولما سمع بهم نبيُّ الله ﷺ بعث إليهم عبد الله بن أبي حدردٍ الأسلميَّ، وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم، ثم يأتيه بخبرهم، فانطلق ابن أبي حدردٍ، فدخل فيهم

стр. 2074

فأقام فيهم حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله ﷺ ، وسمع من مالكٍ وأمر هوازن ما هم عليه، ثم أقبل حتى أتى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر. فلما أجمع رسول الله ﷺ السير إلى هوازن ذكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعًا له وسلاحًا، فأرسل إليه وهو يومئذٍ مشركٌ فقال: "يا أبا أمية، أعرنا سلاحك هذا نلق فيه عدوَّنا غدًا". فقال صفوان: أغَصبًا يا محمد؟ قال: "بل عاريَّةً مضمونةً حتى نُؤدِّيَها إليك". قال: ليس بهذا بأسٌ. فأعطاه مائة درعٍ بما يكفيها من السلاح، فزعموا أن رسول الله ﷺ سأله أن يكفيهم حملها ففعل. هكذا أورد هذا ابن إسحاق من غير إسنادٍ. وقد روى يونس بن بكيرٍ، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبيه. وعن عمرو بن شعيببٍ والزهريِّ وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزمٍ وغيرهم، قصة حُنينٍ، فذكر نحو ما تقدم، وقصة الأدراع كما تقدم، وفيه أن ابن حدردٍ لما رجع فأخبر رسول الله ﷺ خبر هوازن كذبه عمر بن الخطَّاب، فقال له ابن أبي حدردٍ: لئن كذَّبتني يا عمر، فربما كذَّبت بالحقِّ. فقال عمر: ألا تسمع ما يقول يا رسول الله؟ فقال: "قد كنت ضالًّا فهداك الله". وقد قال الإمام أحمد (١): ثنا يزيد بن هارون، أنبأنا شريكٌ، عن عبد العزيز بن رُفيعٍ، عن أمية بن صفوان بن أمية، عن أبيه أن رسول الله ﷺ استعار منه يوم حنينٍ أدراعًا فقال: أغصبًا يا محمد؟ فقال: "بل عاريَّةً مضمونةً". قال: فضاع بعضها، فعرض عليه رسول الله ﷺ أن يضمنها له، فقال: أنا اليوم يا رسول الله في الإسلام أرغب. ورواه أبو داود والنسائيُّ (٢) من حديث يزيد بن هارون به، وأخرجه النَّسائيُّ من رواية إسرائيل، عن عبد العزيز بن رفيعٍ، عن ابن أبي مُلَيكة، عن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية أن رسول الله ﷺ استعار من صفوان دروعًا، فذكره. ورواه من حديث هشيمٍ، عن حجَّاجٍ، عن عطاءً أن رسول الله ﷺ استعار من صفوان أدراعًا وأفراسًا … وساق الحديث. وقال أبو داود (٣): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا جريرٌ، عن عبد العزيز بن رفيعٍ، عن أُناسٍ من آل عبد الله بن صفوان أن رسول الله ﷺ قال: "يا صفوان، هل عندك من سلاحٍ؟ " قال: عاريَّة أم غصبًا؟ قال: "لا، بل عاريَّةً". فأعاره ما بين الثلاثين إلى الأربعين درعًا، وغزا رسول الله ﷺ حنينًا، فلما هزم المشركون جُمعت دروع صفوان ففقد منها أدراعًا، فقال رسول الله ﷺ لصفوان: "قد فقدنا من أدراعك

стр. 2075

أدراعًا، فهل نغرم لك؟ " قال: لا يا رسول الله، إن في قلبي اليوم ما لم يكن يومئذٍ. وهذا مرسلٌ أيضًا. قال ابن إسحاق (١): ثم خرج رسول الله ﷺ معه ألفان من أهل مكة مع عشرة آلافٍ من أصحابه الذين خرجوا معه، ففتح الله بهم مكة، فكانوا اثني عشر ألفًا. قلت: وعلى قول عُرْوَة، والزُّهريِّ، وموسى بن عقبة، يكون مجموع الجيشين اللَّذين سار بهما إلى هَوَازن أربعة عشر ألفًا؛ لأنه قدم باثني عشر ألفًا إلى مكة على قولهم، وأُضيف إليهم ألفان من الطُّلقاء. وذكر ابن إسحاق أنه خرج من مكة في خامس شوالي، قال: واستخلَف على أهل مَكَّة عَتَّاب بن أُسِيد بن أبي العِيص بن أُمية بن عبد شمسٍ الأمويَّ. قلت: وكان عُمُرُهُ إذ ذاك قريبًا من عشرين سنةً. قال: ومضى رسول الله ﷺ يُريد لقاء هَوَازن. وذكر قصيدة العباس بن مرداس السُّلميِّ في ذلك، منها قوله (٢): [من البسيط] أَبْلِغ هَوَازن أَعَلاها وأَسْفَلَهَا … مِنّي رسالةَ نُصحٍ فيه تِبْيَانُ إني أظنُّ رسولَ الله صابِحكم … جيشًا له في فضاء الأرض أركانُ فيهم سُلَيمٌ أخوكُم غيرُ تارككم … والمسلمون عبادُ الله غسَّانُ وفي عِضادته اليمنى بنو أَسدٍ … والأَجْرَبَان بنو عَبْسٍ وذُبيانُ تكاد تَرْجُفُ منه الأرض رهبَتَه … وفي مقدَّمِه أوسٌ وعُثمانُ قال ابن إسحاق: أوسٌ وعثمان قبيلا مُزينة. قال: وحدَّثني الزهريُّ، عن سنان بن أبي سناني الدُّئليِّ، عن أبي واقدٍ اللَّيثيِّ أن الحارث بن مالكٍ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنيني ونحن حديثو عهدٍ بالجاهلية. قال: فسرنا معه إلى حنينٍ. قال: وكانت لكفار قريشٍ ومن سواهم من العرب شجرةٌ عظيمةٌ خضراء يقال لها: ذات أنواطٍ. يأتونها كلَّ سنةٍ فيعلِّقون أسلحتهم عليها، ويذبحون عندها، ويعكُفون عليها يومًا. قال: فرأينا ونحن نسير مع رسول الله ﷺ سدرةً خضراء عظيمةً. قال: فتنادينا من جنبات الطريق: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواطٍ كما لهم ذات أنواطٍ؟ فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر، قلتم والذي نفس محمدٍ بيده كما قال قوم

стр. 2076

موسى لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨]. إنها السَّنن، لتركبُنَّ سنن من كان قبلكم". وقد روى هذا الحديث الترمذيُّ، عن سعيد بن عبد الرحمن المخزوميِّ، عن سفيان، والنَّسائيُّ، عن محمد بن رافعٍ، عن عبد الرزاق، عن معمرٍ، كلاهما عن الزهريِّ، كما رواه ابن إسحاق عنه. وقال الترمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ (١). ورواه ابن أبي حاتمٍ في "تفسيره" (٢) من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوفٍ، عن أبيه، عن جدِّه مرفوعًا. وقال أبو داود (٣): ثنا أبو توبة، ثنا معاوية بن سلامٍ، عن زيد بن سلامٍ أنه سمع أبا سلامٍ، عن السَّلوليِّ أنه حدَّثه سهلُ بن الحنظلية أنهم ساروا مع رسول الله ﷺ يوم حنينن فأطنبوا السير (٤) حتى كان عشيةً، فحضرت صلاة الظهر عند رسول الله ﷺ ، فجاء رجلٌ فارسٌ، فقال: يا رسول الله، إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعتُ جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازنَ عن بِكرة أبيهم بظُعُنهم وبنَعَمهم وشائهم، اجتمعوا إلى حنينٍ، فتبسَّم رسول الله ﷺ وقال: "تلك غنيمة المسلمين غدًا إن شاء الله". ثم قال: "من يحرسنا الليلة". قال أنس بن أبي مَرثدٍ: أنا يا رسول الله. قال: "فارْكب". فركب فرسًا له، وجاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : "استقبل هذا الشِّعب حتى تكون في أعلاه ولا نُغَزَنَّ (٥) من قبلك الليلة". فلما أصبحنا خرج رسول الله ﷺ إلى مصلاه فركع ركعتين، ثم قال: "هل أحسستم فارسكم؟ " قالوا: يا رسول الله، ما أحسسنا. فثُوِّب بالصلاة فجعل رسول الله ﷺ يصلِّي، ويلتفت إلى الشِّعب، حتى إذا قضى صلاته قال: "أبشروا فقد جاءكم فارسُكم". فجعلنا ننظر إلى خلال الشجر في الشِّعب، وإذا هو قد جاء حتى وقف على رسول الله ﷺ فقال: إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشِّعب حيث أمرني رسول الله ﷺ ، فلما أصبحتُ طلعت الشِّعبين كليهما، فنظرت فلم أر أحدًا. فقال له رسول الله ﷺ : "هل نزلتَ الليلة؟ " قال: لا، إلا مصلَيًّا أو قاضيَ حاجةٍ. فقال له رسول الله ﷺ : "قد أوجبت فلا عليك ألا تعمل بعدها". وهكذا رواه النسائيُّ (٦)، عن محمد بن يحيى بن كثيرٍ الحرَّانيِّ، عن أبي توبة الربيع بن نافعٍ به.

стр. 2077

فصل في كيفية الوقعة وما كان في أول الأمر من الفرار ثم كانت العاقبة للمتقين قال يونس بن بكيرٍ وغيره، عن محمد بن إسحاق (١): حدَّثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبيه قال: فخرج مالك بن عوفٍ بمن معه إلى حنينٍ فسبق رسولَ الله إليها، فأعدُوا وتهيَّئوا في مضايق الوادي وأحنائه، وأقبل رسول الله ﷺ وأصحابه حتى انحطَّ بهم الوادي في عَماية الصبح، فلمّا انحطَّ الناس ثارت في وجوههم الخيل فشدَّت عليهم، وانكفأ الناس منهزمين لا يقبل أحدٌ على أحدٍ، وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين يقول: "أين أيها الناس؟ هلمُّوا إليَّ، أنا رسول الله، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله". قال: فلا شيء، وركبت الإبل بعضها بعضًا، فلقا رأى رسول الله ﷺ أمر الناس، ومعه رهطٌ من أهل بيته؛ عليُّ بن أبي طالبٍ وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وأخوه ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، والفضل بن العباس - وقيل: الفضيل بن أبي سفيان - وأيمن بن أمِّ أيمن، وأسامة بن زيدٍ، ومن الناس من يزيد فيهم قُثَم بن العباس، ورهطٌ من المهاجرين منهم؛ أبو بكر وعمر، والعباس آخذٌ بحَكَمة بغلته البيضاء وهو عليها قد شجرها. قال: ورجلٌ من هوازن على جمل له أحمر، بيده رايةٌ سوداء في رأس رمحٍ طويلٍ أمام هوازن، وهوازن خلفه إذا أدرك طعن برمحه، وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه فاتَّبعوه. قال: فبينما هو كذلك إذ هوى له عليُّ بن أبي طالبٍ ورجلٌ من الأنصار يريدانه. قال: فيأتي عليٌّ من خلفه فضرب عرقوبي الجمل، فوقع على عجزه، ووثب الأنصاريُّ على الرجل فضربه ضربةً أطنَّ قدمه بنصف ساقه، فانجعف عن رحله. قال: واجتلد الناس، فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأُسارى مكتَّفين عند رسول الله ﷺ . ورواه الإمام أحمد (٢)، عن يعقوب بن إبراهيم الزهريِّ، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق. قال ابن إسحاق (٣): والتفت رسول الله ﷺ إلى أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وكان ممن صبر يومئذٍ [مع رسول الله ﷺ ]، وكان حسن الإسلام حين أسلم وهو آخذٌ بثفر بغلة رسول الله ﷺ فقال: "من هذا؟ " قال: ابن أمِّك يا رسول الله.

стр. 2078

قال ابن إسحاق (١): ولمَّا انهزم الناس تكلَّم رجالٌ من جفاة الأعراب بما في أنفسهم من الضِّغن، فقال أبو سفيان صخر بن حربٍ - وكان إسلامه بعدُ مدخولًا، وكانت الأزلام معه يومئذٍ -: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وصرخ كلدة بن الحنبل، وهو مع أخيه صفوان بن أمية - يعني لأمِّه - وهو مشركٌ في المدة التي جعل له رسول الله ﷺ : ألا بطل السِّحر اليوم. فقال له صفوان: اسكت، فضَّ الله فاك، فوالله لأن يرُبَّني رجلٌ من قريشٍ أحبُّ إليَّ من أن يربَّني رجلٌ من هوازن. وقال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا عَفَّان بن مسلم، ثنا حَمَّاد بن سلمة، أنبأنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالكٍ أن هوازن جاءت يوم حنينٍ بالنساء والصبيان والإبل والغنم، فجعلوها صفوفًا يكثّرون على رسول الله ﷺ ، فلما التقوا ولَّى المسلمون مدبرين كما قال الله تعالى، فقال رسول الله ﷺ : "يا عباد الله، أنا عبد الله ورسوله". ثم قال: "يا معشر الأنصار، أنا عبد الله ورسوله". قال: فهزم الله المشركين، ولم يُضرب بسيفٍ ولم يطعن برمحٍ. قال: وقال رسول الله ﷺ يومئذٍ: "من قتل كافرًا فله سلبه". قال: فقتل أبو طلحة يومئذٍ عشرين رجلًا وأخذ أسلابهم. وقال أبو قتادة: يا رسول الله، إني ضربت رجلًا على حبل العاتق وعليه درعٌ له، فأُجهضت عنه، فانظر من أخذها. قال: فقام رجلٌ فقال: أنا أخذتها، فأرضه منها وأعطنيها. قال: وكان رسول الله ﷺ لا يُسأل شيئًا إلا أعطاه أو سكت، فسكت رسول الله ﷺ ، فقال عمر: والله لا يفيئها الله على أَسدٍ من أُسد الله ويعطيكها. فقال رسول الله ﷺ : "صدق عمر". قال: ولقي أبو طلحة أمَّ سليم ومعها خَنجرٌ، فقال أبو طلحة: ما هذا؟ فقالت: إن دنا مني بعض المشركين أن أبعج به بطنه. فقال أبو طلحة: أما تسمع ما تقول أمُّ سليمٍ؟ فضحك رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، - اقتلُ من بعدنا من الطُّلقاء؛ انهزموا بك. فقال: "إن الله قد كفى وأحسن يا أمَّ سليمٍ". وقد روى مسلمٌ (٣) منه قصة خَنْجَر أمِّ سليمٍ، وأبو داود (٤) قوله: "من قتل قتيلًا فله سلبه". كلاهما من حديث حماد بن سلمة به. وقول عمر في هذا مستغربٌ، والمشهور أن ذلك أبو بكرٍ الصديق. وقال الإمام أحمد (٥): حدَّثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، ثنا أبي، ثنا نافع أبو غالبٍ، شهد أنس بن ماللث قال: فقال العلاء بن زيادٍ العدويُّ: يا أبا حمزة، بسنِّ أيِّ الرجال كان رسول الله ﷺ إذ بُعث؟ فقال: ابن أربعين سنةً. قال: ثم كان ماذا؟ قال: ثم كان بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين،

стр. 2079

فتمَّت له ستون سنةً، ثم قبضه الله إليه. قال: بسنِّ أيِّ الرجال هو يومئذٍ؟ قال: كأشبِّ الرجال وأحسنه وأجمله وألحمه. قال: يا أبا حمزة، وهل غزوت مع رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، غزوت معه يوم حنينٍ، فخرج المشركون بُكرة، فحملوا علينا حتى رأينا خيلنا وراء ظهورنا، وفي المشركين رجلٌ يحمل علينا فيدقّنا ويحطِمنا، فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ نزل، فهزمهم الله فولَّوا، فقام رسول الله ﷺ حين رأى الفتح، فجُعل يُجاء بهم أُسارى رجلًا رجلًا، فيبايعونه على الإسلام، فقال رجلٌ من أصحاب النبيِّ ﷺ : إن عليَّ نذرًا، لئن جيء بالرجل الذي كان منذ اليوم يحطمنا لأضربنَّ عنقه. قال: فسكت رسول الله ﷺ ، وجيء بالرجل، فلما رأى نبيَّ الله ﷺ قال: يا نبيَّ الله، تبت إلى الله. قال: وأمسك نبيُّ الله ﷺ أن يبايعه ليوفي الآخر نذره. قال: وجعل ينظر إلى النبيِّ ﷺ ليأمره بقتله، ويهاب رسول الله ﷺ ، فلما رأى النبيُّ ﷺ أنه لا يصنع شيئًا بايعه، فقال: يا نبيَّ الله، نذري؟! قال: "لم أُمسك عنه منذ اليوم إلا لتوفي نذرك". فقال: يا رسول الله، ألا أومأت إليَّ؟ قال: "إنه ليس لنبيٍّ أن يومئ" تفرد به أحمد (١). وقال أحمد (٢): حدَّثنا يزيد، ثنا حميدٌ الطويل، عن أنس بن مالكٍ قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ يوم حنينٍ: "اللهم إنك إن تشأْ لا تعبد بعد اليوم". إسناده ثلاثيٌّ على شرط الشيخين، ولم يخرجه أحدٌ من أصحاب الكتب من هذا الوجه. وقال البخاريُّ (٣): ثنا محمد بن بشَّارٍ، ثنا غندرٌ، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق سمع البراء بن عازبٍ - وسأله رجلٌ من قيسٍ: أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنينٍ؟ فقال: - لكنَّ رسول الله ﷺ لم يفرَّ؛ كانت هَوَازن رماةً، وإنا لمَّا حملنا عليهم انكشفوا، فأكببنا على الغنائم، فاستقبلتنا بالسهام، ولقد رأيت رسول الله ﷺ على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان آخذ بزمامها، وهو يقول: "أنا النبيُّ لا كذب" ورواه البخاريُّ، عن أبي الوليد، عن شعبة به وقال: [من مجزوء الرجز] "أَنَا النَّبيُّ لَا كَذِبْ … أَنَا ابنُ عَبدِ المَطَّلِبْ" قال البخاريُّ (٤): وقال إسرائيل وزهيرٌ، عن أبي إسحاق، عن البراء: ثم نزل عن بغلته. ورواه مسلمٌ والنسائيُّ (٥) عن بندارٍ. زاد مسلمٌ: وأبي موسى. كلاهما عن غندرٍ به.

стр. 2080

وروى مسلمٌ (١) من حديث زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: ثم نزل فاستنصر وهو يقول: "أنَا النَّبيُّ لا كَذِبْ … أَنَا ابنُ عَبْدِ المُطَّلبْ اللهم نزِّل نصرك". قال البراء: ولقد كنا إذا حمي البأس نتَّقي برسول الله ﷺ ، وإن الشُّجَاع الذي يحاذي به. وروى البيهقيُّ (٢) من طرقٍ أن رسول الله ﷺ قال يومئذٍ: "أنا ابن العواتك". وقال الطبرانيُّ (٣): ثنا عباس بن الفضل الأسفاطيُّ، ثنا عمرو بن عوفٍ الواسطي، ثنا هشيمٌ، أنبأنا يحيى بن سعيدٍ، عن عمرو بن سعيد بن العاص، عن سيَّابة بن عاصمٍ السُّلميِّ أن رسول الله ﷺ قال يوم حنينٍ: "أنا ابن العَوَاتِك". وقال البخاريُّ (٤): ثنا عبد الله بن يوسف، أنبأنا مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عمر بن كثير بن أفلح، عن أبي محمدٍ مولى أبي قتادة، عن أبي قتادة قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنينٍ، فلما التقينا كانت للمسلمين جولةٌ، فرأيت رجلًا من المشركين قد علا رجلًا من المسلمين، فضربتُه من ورائه على حبل عاتقه بالسيف، فقطعتُ الدرع، وأقبل عليَّ فضمَّني ضمَّةً وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت، فأرسلني فلحقت عمر، فقلت: ما بال الناس؟ فقال: أمر الله، . ثم رجعوا، وجلس رسول الله ﷺ فقال: "من قتل قتيلًا له عليه بينةٌ فله سلبه". فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، فقال رسول الله ﷺ مثله، فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، فقال رسول الله ﷺ مثله، فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال رسول الله ﷺ مثله، فقمت فقال: "ما لك يا أبا قتادة؟ " فأخبرته، فقال رجلٌ: صدق، سلبُه عندي، فأرضه مني. فقال أبو بكرٍ: لاها الله إذًا لا يعمِد إلى أَسدٍ من أُسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه؟! فقال النبيُّ ﷺ : "صدق فأعطه". فأعطانيه فابتعت به مخرَفًا في بني سلمة، فإنه لأول مالٍ تأثَّلته في الإسلام. ورواه بقية الجماعة إلّا النسائيَّ (٥) من حديث يحيى بن سعيدٍ به.

стр. 2081

قال البخاريُّ (١): وقال اللَّيث بن سعدٍ: حدَّثني يحيى بن سعيدٍ، عن عمر بن كثير بن أفلح، عن أبي محمدٍ مولى أبي قتادة، أن أبا قتادة قال: لما كان يوم حنينٍ نظرت إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلًا من المشركين، وآخر من المشركين يختِله من ورائه ليقتُله، فأسرعت إلى الذي يختِله، فرفع يده ليضربني فأضربُ يده فقطعتها، ثم أخذني فضمَّني ضمًا شديدًا حتى تخوَّفت، ثم ترك فتحلَّل، فدفعتُه ثم قتلته، وانهزم المسلمون وانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطاب في الناس، فقلت له: ما شأن الناس؟ قال: أمر الله. ثم تراجع الناس إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "من أقام بينةً على قتيلٍ فله سلبه". فقمت لألتمس بيِّنةً على قتيلي، فلم أر أحدًا يشهد لي، فجلست، ثم بدا لي فذكرت أمره لرسول الله ﷺ ، فقال رجلٌ من جلسائه: سلاح هذا القتيل الذي يَذكر عندي، فأرضه مني. فقال أبو بكرٍ: كلا، لا يعطيه أُصيبع من قريشٍ، ويدع أَسدًا من أُسد الله يقاتل عن الله ورسوله. قال: فقام رسول الله فأدَّاه إليَّ، فاشتريت به خرافًا، فكان أول مالٍ تأثَّلته. وقد رواه البخاريُّ في موضع آخر ومسلمٌ، كلاهما عن قتيبة، عن الليث بن سعدٍ به، وقد تقدم من رواية نافعٍ أبي غالبٍ، عن أنسٍ أن القائل لذلك عمر بن الخطاب، فلعله قاله متابعةً لأبي بكرٍ الصديق، ومساعدةً وموافقة له، أو قد اشتبه على الراوي، والله أعلم. وقال الحافظ البيهقيُّ (٢): أنبأنا الحاكم، أنبأنا الأصمُّ، أنبأنا أحمد بن عبد الجَبَّار، عن يونس بن بكيرٍ، عن محمد بن إسحاق، حدَّثني عاصم بن عمر، عن عبد الرحمن بن جابرٍ، عن أبيه جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال يوم حنينٍ حين رأى من الناس ما رأى: "يا عباس، ناد: يا معشر الأنصار، يا أصحاب الشجرة". فاجابوه: لبَّيك لبَّيك. فجعل الرجل يذهب ليعطِف بعيره، فلا يقدر على ذلك فيقذف درعه في عنقه، ويأخذ سيفه وقوسه، ثم يؤمُّ الصوت حتى اجتمع إلى رسول الله ﷺ منهم مئةٌ، فاستعرض الناس فاقتتلوا، وكانت الدعوة أول ما كانت بالأنصار، ثم جُعِلت آخرًا بالخزرج، وكانوا صُبُرًا عند الحرب، وأشرف رسول الله ﷺ في ركائبه فنظر إلى مجتلد القوم فقال: "الآن حمي الوطيس". قال: فوالله ما رجعتْ راجعة الناس إلا والأُسارى عند رسول الله ﷺ مكتَّفون، فقتل الله منهم من قتل، وانهزم منهم من انهزم، وأفاء الله على رسوله ﷺ أموالهم وأبناءهم. وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوَة، وذكر موسى بن عقبة في "مغازيه" (٣) أن رسول الله ﷺ لما فتح الله عليه مكة وأقرَّ بها عينه، خرج إلى هوازن، وخرج معه أهل مكة، لم يغادر منهم أحدًا ركبانًا ومشاةً حتى خرج النساء يمشين على غير دينٍ نُظَّارًا ينظرون ويرجون الغنائم، ولا

стр. 2082

يكرهون مع ذلك أن تكون الصَّدمة برسول الله ﷺ وأصحابه، قالوا: وكان معه أبو سفيان بن حربٍ وصفوان بن أمية، وكانت امرأته مسلمةً، وهو مشركٌ لم يفرَّق بينهما. قالوا: وكان رئيس المشركين يومئذٍ مالك بن عوفٍ النَّصريُّ، ومعه دُريد بن الصِّمَّة يرعش من الكبر، ومعه النساء والذَّراريُّ والنَّعم، فبعث رسول الله ﷺ عبد الله بن أبي حدردٍ عينًا، فبات فيهم، فسمع مالك بن عوفٍ يقول لأصحابه: إذا أصبحتم فاحملوا عليهم حملة رجلٍ واحدٍ، واكسروا أغماد سيوفكم، واجعلوا مواشيَكم صفًّا ونساءكم صفًّا. فلما أصبحوا اعتزل أبو سفيان، وصفوان وحكيم بن حزامٍ وراءهم ينظرون لمن تكون الدائرة، وصفَّ الناس بعضهم لبعضٍ، وركب رسول الله ﷺ بغلةً له شهباء فاستقبل الصفوف، فأمرهم وحفمهم على القتال وبشَّرهم بالفتح إن صبروا، فبينما هم كذلك حمل المشركون على المسلمين حملة رجل واحدٍ، فجال المسلمون جولةً، ثم ولَّوا مدبرين، فقال حارثة بن النعمان: لقد حزرت من بقي مع رسول الله ﷺ حين أدبر الناس، فقلت: مائة رجل. قالوا: ومرَّ رجلٌ من قريشٍ بصفوان بن أمية، فقال: أبشر بهزيمة محمدٍ وأصحابه، فوالله لا يجتبرونها أبدًا. فقال له صفوان: تبشِّرني بظهور الأعراب! فوالله لربٌّ من قريشٍ أحبُّ إليَّ من ربٍّ من الأعراب. وغضب صفوان لذلك. قال موسى: وبعث صفوان غلامًا له فقال: اسمع لمن الشِّعار؟ فجاءه فقال: سمعتهم يقولون: يا بني عبد الرحمن، يا بني عبد الله، يا بني عبيد الله. فقال: ظهر محمدٌ. وكان ذلك شعارهم في الحرب. قالوا: وكان رسول الله ﷺ لما غشيه القتال قام في الركابين وهو على البغلة، فرفع يديه إلى الله يدعوه يقول: "اللهم إني أَنشُدك ما وعدتني، اللهم لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا". ونادى أصحابه وذمَّرهم: "يا أصحاب البيعة يوم الحديبية، الله الله، الكرَّة على نبيِّكم". ويقال: حرَّضهم فقال: "يا أنصار الله وأنصار رسوله، يا بني الخزرج، يا أصحاب سورة البقرة". وأمر من أصحابه من ينادي بذلك. قالوا: وقبض قُبضة من الحصباء، فحصب بها وجوه المشركين ونواحيهم كلَّها، وقال: "شاهت الوجوه". وأقلى أصحابه إليه سراعًا يبتدرون. وزعموا أن رسول الله ﷺ قال: "الآن حمي الوطيس". فهزم الله أعداءه من كلِّ ناحيةٍ حصبهم منها، واتَّبعهم المسلمون يقتلونهم، وغنَّمهم الله نساءهم وذرارئهم، وفرَّ مالك بن عوفٍ حتى دخل حصن الطائف هو وأناسٌ من أشراف قومه، وأسلم عند ذلك ناسٌ كثيرٌ من أهل مكة حين رأوا نصرَ الله رسولَه ﷺ وإعزازه دينه. رواه البيهقيُّ. وقال ابن وهبٍ (١): أخبرني يونس، عن الزُّهريِّ، أخبرني كثير بن العباس بن عبد المطلب قال: قال العباس: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنينٍ، فلزمته أنا وأبو سفيان بن الحارث لا نفارقه، ورسول الله ﷺ على بغلةٍ بيضاء أهداها له فروة بن نُفاثة الجُذاميُّ، فلمَّا التقى الناس ولَّى المسلمون

стр. 2083

مدبرين، فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قبل الكفار. قال العباس: وأنا آخذٌ بلجامها أكفُّها إرادة أن لا تسرع، وأبو سفيان آخذٌ بركاب رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "أي عباس، نادِ أصحاب السَّمرة". قال: فوالله لكأنَّما عَطفتُهم حين سمعوا صوتي عطفةَ البقرة على أولادها، فقالوا: يا لبَّيكاه، يا لبَّيكاه. قال: فاقتتلوا هم والكفار، والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار. ثم قُصِرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج. فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته، كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال: "هذا حين حمي الوطيس". ثم أخذ ﷺ حصياتٍ فرمى بهن في وجوه الكفار، ثم قال: "انهزموا وربِّ محمدٍ". قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى -، قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم رسول الله ﷺ بحصياته، فما زلت أرى حدَّهم كليلًا، وأمرهم مدبرًا. ورواه مسلمٌ (١)، عن أبي الطاهر، عن ابن وهبٍ به نحوه. ورواه أيضًا، عن محمد بن رافعٍ، عن عبد الرزاق، عن معمرٍ، عن الزهريِّ نحوه. وروى مسلمٌ (٢) من حديث عكرمة بن عمَّارٍ، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه قال: غزونا مع رسول الله ﷺ حنينًا، فلما واجهنا العدوَّ تقدَّمت فأعلو ثنيَّةً فاستقبلني رجلٌ من المشركين فأرميه بسهمٍ، وتوارى عني، فما دريت ما صنع، ثم نظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنيَّةٍ أخرى، فالتقوا هم وصحابة رسول الله ﷺ ، فولَّى أصحاب رسول الله ﷺ وأرجع منهزمًا، وعليَّ بردتان متَّزرًا بإحداهما مرتديًا بالأخرى، قال: فاستطلق إزاري فجمعتها جمعًا ومررت على النبيِّ ﷺ وأنا منهزمٌ، وهو على بغلته الشَّهباء، فقال ﷺ : "لقد رأى ابن الأكوع فزعًا". فلما غَشوا رسولَ الله ﷺ نزل عن البغلة، ثم قبض قُبضة من ترابٍ من الأرض واستقبل به وجوههم، وقال: "شاهت الوجوه". فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا من تلك القُبضة، فولَّوا مدبرين، فهزمهم الله، وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين. وقال أبو داود الطَّيالسيُّ في "مسنده" (٣): ثنا حَمَّاد بن سَلَمَة، عن يعلى بن عطاءٍ، عن عبد الله بن يسارٍ، عن أبي عبد الرحمن الفِهْري قال: كنا مع رسول الله ﷺ في حنينٍ، فسرنا في يومٍ قائظٍ شديد الحرِّ، فنزلنا تحت ظلال السَّمُر، فلما زالت الشمس لبست لأمتي، وركبت فرسي، فأتيت رسول الله ﷺ وهو في فُسطاطه، فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، قد حان الرَّواح يا رسول الله؟

стр. 2084

قال: "أجل". ثم قال رسول الله ﷺ : "قم يا بلال". فثار من تحت سَمُرةٍ كأن ظلَّه ظلُّ طائرٍ فقال: لبيك وسعديك، وأنا فداؤك. فقال: "أسرج لي فرسي". فأتاه بدَفَّتين من ليفٍ ليس فيهما أشرٌ ولا بطرٌ. قال: فركب فرسه فسرنا يومنا، فلقينا العدوَّ، وتشامت الخَيْلان، فقاتلناهم فولَّى المسلمون مدبرين كما قال الله تعالى، فجعل رسول الله ﷺ يقول: "يا عباد الله، أنا عبد الله ورسوله". واقتحم رسول الله ﷺ عن فرسه، وحدَّثني من كان أقرب إليه مني أنه أخذ حفنةً من التراب، فحثى بها وجوه العدوِّ وقال: "شاهت الوجوه". قال يعلى بن عطاءً: فحدَّثنا أبناؤهم عن آبائهم قالوا: ما بقي أحدٌ إلا امتلأت عيناه وفمه من التراب، وسمعنا صلصلةً من السماء، كمرِّ الحديد على الطَّست الجديد، فهزمهم الله عزو وجل. ورواه أبو داود السِّجستانيُّ في "سننه" (١) عن موسى بن إسماعيل، عن حَمَّاد بن سَلَمة به نحوه. وقال الإمام أحمدُ (٢): ثنا عَفَّان، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا الحارث بن حصيرة، ثنا القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعودٍ، عن أبيه قال: قال عبدُ الله بن مسعود: كنت مع رسول الله ﷺ يوم حنين فولَّى عنه الناس، وثبت معه ثمانون رجلًا من المهاجرين والأنصار، فنكصنا على أقدامنا نحوًا من ثمانين قَدمًا، ولم نولّهم الدُّبر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة. قال: ورسول الله ﷺ على بغلته يمضي قُدُمًا، فحادت به بغلته، فمال عن السَّرج، فقلت له: ارتفع رفعك الله. فقال: "ناولني كفًّا من تراب". فضرب به وجوههم فامتلأت أعينهم ترابًا، قال: "أين المهاجرون والأنصار؟ " قلت: هم أولاء. قال: "اهتف بهم". فهتفت بهم، فجاؤوا وسيوفهم بأيمانهم كأنَّها الشُّهب، وولَّى المشركون أدبارهم. تفرَّد به أحمد. وقال البيهقيُّ (٣): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الحسين محمد بن أحمد بن تميم القَنطريُّ، ثنا أبو قلابة، ثنا أبو عاصم، ثنا عبد الله بن عبد الرحمن الطَّائفيُّ، أخبرني عبد الله بن عياض بن الحارث الأنصاريُّ، عن أبيه أن رسول الله ﷺ أتى هوازن في اثني عشر ألفًا، فقُتل من أهل الطائف يوم حنين مثل من قُتل يوم بدر. قال: وأخذ رسول الله ﷺ كفًّا من حصىً، فرمى بها وجوهنا فانهزمنا. ورواه البخاريُّ في "تاريخه" (٤) ولم ينسب عِيَاضًا. وقال مسدَّدٌ: ثنا جعفر بن سليمان، ثنا عوف، ثنا عبد الرحمن مولى أمِّ بُرْثُن، عمن شهد حُنينًا

стр. 2085

كافرًا قال: لما التقينا نحن ورسول الله ﷺ والمسلمون، لم يقوموا لنا حلب شاةٍ، فجئنا نهُش سيوفنا بين يدي رسول الله ﷺ ، حتى إذا غشيناه، فإذا بيننا وبينه رجالٌ حسان الوجوه فقالوا: شاهت الوجوه، فارجعوا. فهُزِمنا من ذلك الكلام. رواه البيهقيُّ (١). وقال يعقوب بن سفيان (٢): ثنا أبو سعيد عبد الرحمن بن إبراهيم، ثنا الوليد بن مسلم، حدَّثني محمد بن عبد الله الشُعيثيُّ، عن الحارث بن بدل النَّصريِّ، عن رجلٍ من قومه شهد ذلك يوم حنين، وعمرو بن سفيان الثَّقفيِّ قال: انهزم المسلمون يوم حنين، فلم يبق مع رسول الله ﷺ إلا عباسٌ وأبو سفيان بن الحارث. قال: فقبض رسول الله ﷺ قُبضةً من الحصباء، فرمى بها في وجوههم. قال: فانهزمنا فما خيِّل إلينا إلا أنَّ كلَّ حجرٍ أو شجرٍ فارسٌ يطلبنا. قال الثَّقفيُّ: فأعجزتُ على فرسي حتى دخلت الطائف. وروى يونس بن بُكير في "مغازيه" (٣) عن يوسف بن صُهَيب عن عبد الله (٤) أنه لم يبق مع رسول الله ﷺ يوم حُنَين إلا رجلٌ واحدٌ اسمه زيدٌ. وروى البيهقيُّ (٥) من طريق الكُدَيميِّ، ثنا موسى بن مسعودٍ، ثنا سعيد بن السائب بن يسار الطائفيُّ، عن السائب بن يسار، عن يزيد بن عامر السُّوائيِّ أنه قال: عند انكشافةٍ انكشفها المسلمون يوم حنين فتبعهم الكفار، وأخذ رسول الله ﷺ قبضةً من الأرض، ثم أقبل على المشركين فرمى بها وجوههم وقال: "ارجعوا شاهت الوجوه". فما أحدٌ يلقى أخاه إلا وهو يشكو قذىً في عينيه. ثم روى (٦) من طريقين، عن أبي حذيفة، ثنا سعيد بن السَّائب بن يسار الطائفيُّ، حدَّثني أبي السائب بن يسار، سمعت يزيد بن عامرٍ السُّوائيَّ - وكان شهد حنينًا مع المشركين ثم أسلم بعدُ - قال: فنحن نسأله عن الرُّعب الذي ألقى الله في قلوب المشركين يوم حنين كيف كان؟ قال: فكان يأخذ لنا بحصاةٍ فيرمي بها في الطَّست فيطِنُّ. قال: كنا نجد في أجوافنا مثل هذا. وقال البيهقيُّ (٧): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى بن الفضل قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا العباس، عن محمد بن بكير الحضرميِّ، ثنا أيوب بن جابر، عن صدقة بن

стр. 2086

سعيدٍ، عن مصعب بن شيبة، عن أبيه قال: خرجتُ مع رسول الله ﷺ يوم حنين، والله ما أخرجني إسلامٌ ولا معرفةٌ به، ولكن أبيت أن تظهر هوازن على قريش، فقلت وأنا واقفٌ معه: يا رسول الله، إني أرى خيلًا بُلقًا. فقال: "يا شيبة، إنه لا يراها إلا كافرٌ". فضرب يده في صدري، ثم قال: "اللهم اهد شيبة". ثم ضربها الثانية فقال: "اللهم اهد شيبة". ثم ضربها الثالثة، ثم قال: "اللهم اهد شيبة". قال: فوالله ما رفع يده عن صدري في الثالثة حتى ما كان أحدٌ من خلق الله أحبَّ إليَّ منه. ثم ذكر الحديث في التقاء الناس، وانهزام المسلمين، ونداء العباس، واستنصار رسول الله ﷺ حتى هزم الله المشركين. وقال البيهقيُّ (١): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو محمدٍ أحمد بن عبد الله المزنيُّ، ثنا يوسف بن موسى، ثنا هشام بن خالدٍ، ثنا الوليد بن مسلم، حدَّثني عبد الله بن المبارك، عن أبي بكر الهذليِّ، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن شيبة بن عثمان قال: لما رأيت رسول الله ﷺ يوم حنين قد عُرِّي، ذكرت أبي وعمِّي، وقتل عليٍّ وحمزة إياهما، فقلت: اليوم أدرك ثأري من رسول الله ﷺ . قال: فذهبت لأجيئه عن يمينه، فإذا أنا بالعباس بن عبد المطلب قائمًا، عليه درعٌ بيضاء كأنها فضةٌ ينكشف عنها العجاج، فقلت: عمُّه ولن يخذله. قال: ثم جئته عن يساره، فإذا أنا بأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فقلت: ابنُ عمِّه ولن يخذله. قال: ثم جئته من خلفه، فلم يبق إلا أن أُساوره سَوْرةً بالسيف إذْ رفع شُواظٌ من نار بيني وبينه، كأنه برقٌ، فخفت أن يمحشني، فوضعت يدي على بصري ومشيت القهقرى، فالتفت رسول الله ﷺ وقال: "يا شيب [يا شيب] ادن مني، اللهم أذهب عنه الشيطان". قال: فرفعت إليه بصري ولهو أحبُّ إليَّ من سمعي وبصري. فقال: "يا شيب، قاتل الكُفار". وقال ابن إسحاق (٢): وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، أخو بني عبد الدار: قلت: اليوم أُدرك ثأري - وكان أبوه قد قتل يوم أحدٍ - اليوم أقتل محمدًا. قال: فأدرت برسول الله ﷺ لأقتله، فأقبل شيءٌ حتى تغشَّى فؤادي، فلم أُطق ذاك وعلمت أنه ممنوع منّي. وقال محمد بن إسحاق (٣): وحدَّثني والدي إسحاق بن يسار، عمن حدَّثه، عن جبير بن مطعمٍ قال: إنا لمع رسول الله ﷺ يوم حنين، والناس يقتتلون، إذ نظرتُ إلى مثل البِجاد الأسود يهوي من السماء حتى وقع بيننا وبين القوم، فإذا نملٌ منثورٌ قد ملأ الوادي، فلم يكن إلا هزيمة القوم، فما كنا نشكُّ

стр. 2087

أنها الملائكة. ورواه البيهقيُّ، عن الحاكم، عن الأصمّ، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكيرٍ، عن ابن إسحاق به. وزاد: فقال خَديج بن العوجاء النَّصريُّ - يعني في ذلك -: [من الطويل] ولما دَنَونا من حُنينٍ ومائه … رأينا سوادًا مُنْكَرَ اللّونِ أَخْصَفا بملمومةٍ شهباءَ لو قَذَفوا بها … شَمَاريخَ من عَروى إذًا عادَ صَفْصَفَا ولو أنَّ قومي طاوعتني سَرَاتُهم … إذًا ما لقينا العارضَ المتكشِّفا إذًا ما لقِينا جندَ آل محمدٍ … ثمانين ألفًا واستَمَدُّوا بخِنْدِفَا وقد ذكر ابن إسحاق (١) من شعر مالك بن عوف النَّصريِّ رئيس هوازن يوم القتال وهو في حومة الوغى يرتجز ويقول: [من الرجز] أَقْدِمْ مُحاجُ إنَّه يومٌ نُكُرْ … مثلي على مِثْلكَ يَحمي ويكُرّ إذا أُضيع الصَّفُّ يومًا والدُّبُرْ … ثم احزألَّت زمرٌ بعد زُمرْ كتائبٌ يكِلُّ فيهن البَصَر … قد أطعُنُ الطَّعنة تقذي بالسُّبُرْ حينَ يُذَمُّ المُسْتَكينُ المُنْجَحِرْ … وأطْعُنُ النَّجْلاءَ تَعْوِي وتَهِرّ لها مِن الجَوْفِ رَشاشٌ مُنْهَمِرْ … تَفْهَقُ تاراتٍ وحينًا تَنْفَجِرْ وثَعْلَبُ العاملِ فيها مُنْكَسِرْ … يا زينُ يا بنَ هَمْهَمٍ أين تَفِرّ قد نَفِذ الضِّرْسُ وقد طال العُمُرْ … قد علِم البِيضُ الطَّويلاتُ الخُمُرْ أنِّيَ في أمثالِها غيرُ غَمِرْ … إذ تَخْرُجُ الحاضِنُ مِن تحتِ السُّتُرْ وذكر البيهقيُّ (٢) من طريق يونس بن بكيرٍ، عن أبي إسحاق أنه أنشد من شعر مالكٍ أيضًا حين ولَّى أصحابه منهزمين، وذلك قوله بعد ما أسلم، وقيل: هي لغيره: [من البسيط] اذكُرْ مسيرَهمُ للناسِ كلِّهمُ … ومالكٌ فوقَه الراياتُ تَخْتَفِقُ ومالكٌ مالكٌ ما فوقَه أحدٌ … يومَ حنينٍ عليه التاجُ يأْتَلِقُ حتى لقُوا الناسَ حينَ البأْسِ يَقْدُمُهمْ … عليهم البَيْضُ والأبْدانُ والدَّرَقُ فضارَبوا الناسَ حتى لم يَرَوْا أحَدًا … حولَ النبيِّ وحتى جَنَّه الغَسَقُ حتى تنَزَّل جبريلٌ بنصرِهمُ … فالقومُ منهزمٌ منا ومُعْتَلِقُ منا ولو غيرُ جبريل يُقاتِلُنا … لَمَنَّعَتْنا إذًا أسْيافُنا الغُلُقُ وقد وفَى عمرُ الفاروقُ إذ هزَموا … بطعنةٍ بلَّ منها سَرْجَه العَلَقُ

стр. 2088

قال ابنُ إسحاق (١): ولما هزم الله المشركين، وأمكن الله ورسوله ﷺ منهم، قالت امرأةٌ من المسلمين: [من الرجز] قد غلَبَتْ خيلُ الله خيلَ اللَّاتْ … واللهُ أحَقُّ بالثَّباتْ قال ابن هشام: وقد أنشدنيه بعض أهل الرواية للشعر: [من الرجز] غلَبْتِ خيلَ الله خيلَ اللّاتِ … وخيلُه أحقُّ بالثَّباتِ قال ابن إسحاق (٢): فلما انهزمت هوازن استحرَّ القتل من ثقيفٍ في بني مالكٍ، فقُتِل منهم سبعون رجلًا تحت رايتهم، وكانت مع ذي الخِمار، فلما قتل أخذها عثمان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن حبيبٍ، فقاتل بها حتى قتل، فأخبرني عامر بن وهب بن الأسود أن رسول الله ﷺ لما بلغه قتله قال: "أبعده الله، فإنه كان يبغض قريشًا". وذكر ابن إسحاق (٣)، عن يعقوب بن عُتبة أنه قتل مع عثمان هذا غلامٌ له نصرانيٌّ، فجاء رجلٌ من الأنصار ليسلُبه، فإذا هو أغرل، فصاح بأعلى صوته: يا معشر العرب، يعلم الله أن ثقيفًا غُرْلٌ. قال المغيرة بن شعبة الثقفيُّ: فأخذت بيده، وخشيت أن تذهب عنا في العرب، فقلت: لا تقل كذلك، فداك أبي وأمي، إنما هو غلامٌ لنا نصرايٌّ. ثم جعلتُ أكشف له القتلى فأقول له: ألا تراهم مختتنين كما ترى؟ قال ابن إسحاق (٤): وكانت راية الأحلاف مع قارب بن الأسود، فلما انهزم الناس أسند رايته إلى شجرةٍ، وهرب هو وبنو عمِّه وقومُه، فلم يُقتل من الأحلاف غير رجلين؛ رجلٌ من بني غِيَرة يقال له: وهبٌ. ورجلٌ من بني كُبَّة يقال له: الجُلاح. فقال رسول الله ﷺ حين بلغه قتل الجلاح: "قتل اليوم سيد شباب ثقيفٍ، إلا ما كان من ابن هنيدة". يعني الحارث بن أويسٍ. قال ابن إسحاق (٥): فقال العباس بن مِرْدَاسٍ (٦) يذكر قارب بن الأسود وفراره من بني أبيه وذا الخِمار وحبسه نفسه وقومه للموت: [من الوافر] ألا مَن مُبْلِغٌ غَيْلانَ عنِّي … وسوف إخالُ يأتيه الخَبيرُ

стр. 2089

وعروةَ إنما أُهْدِي جوابًا … وقولًا غيرَ قولِكما يَسيرُ بأنَّ محمدًا عبدٌ رسولٌ … لربٍّ لا يَضِلُّ ولا يَجورُ وجَدْناه نبيًّا مثلَ موسى … فكلُّ فتىً يُخايرُه مَخيرُ وبئس الأمرُ أمرُ بني قَسِيٍّ … بوَجٍّ إذ تُقُسِّمَت الأُمورُ أضاعوا أمْرَهم ولكلِّ قومٍ … أميرٌ والدوائرُ قد تَدورُ فجِئْنا أسْدَ غاباتٍ إليهم … جنودُ الله ضاحيةً تَسيرُ نَؤُمُّ الجمعَ جمعَ بني قسيٍّ … على حَنَقٍ نَكادُ له نَطِيرُ وأُقْسِمُ لو هُمُ مكَثوا لسِرْنا … إليهم بالجنودِ ولم يَغُوروا فكنا أسْدَ لِيَّةَ ثَمَّ حتى … أبَحْناها وأسْلَمَت النُّصورُ ويومٌ كان قبلُ لدَى حنينٍ … فأقْلَع والدماءُ به تَمورُ مِن الأيامِ لم تَسْمَعْ كيومٍ … ولم يَسْمَعْ به قومٌ ذُكورُ قتَلْنا في الغُبارِ بني حُطَيْطٍ … على راياتِها والخيلُ زُورُ ولم يَكُ ذو الخِمارِ رئيسَ قومٍ … لهم عَقْلٌ يُعاقِبُ أو نَكِيرُ أقام بهم على سَنَنِ المَنايا … وقد بانت لمُبْصِرِها الأمورُ فأفْلَتَ مَن نجا منهم جَريْضًا … وقُتَلَ منهمُ بَشَرٌ كثيرُ ولا يُغْني الأمورَ أخو التَّواني … ولا الغَلِقُ الصُّرَيِّرَةُ الحَصورُ أحانهمُ وحان ومَلَّكوه … أمورَهمُ وأَفْلَتَتِ الصُّقورُ بنو عوفٍ تَمِيحُ بهم جِيادٌ … أُهِينَ لها الفَصافِصُ والشَّعيرُ فلولا قاربٌ وبنو أبيه … تُقُسِّمَت المَزارعُ والقُصورُ ولكنّ الرِّياسةَ عُمِّموها … على يُمْنٍ أشار به المُشِيرُ أطاعوا قارِبًا ولهم جُدُودٌ … وأحْلامٌ إلى عِزٍّ تَصيرُ فإن يُهْدَوْا إلى الإسلامِ يُلْفَوا … أُنُوفَ الناسِ ما سمَر السَّمِيرُ فإن لم يُسْلِموا فهُمُ أذانٌ … بحربِ الله ليس لهم نَصِيرُ كما حَكَّتْ بنو سَعْدٍ وحربٍ … برَهْطِ بني غَزِيَّةَ عَنْقَفِيرُ كأنَّ بني مُعاويةَ بنِ بكرٍ … إلى الإسلامِ ضَائِنةٌ تَخورُ فقلْنا أسْلِموا إنا أخوكم … وقد برَأَت مِن الإحَنِ الصُّدورُ كأن القومَ إذ جاؤوا إلينا … مِن البَغْضاءِ بعدَ السِّلْمِ عُورُ * * *

стр. 2090

فصلٌ ولما انهزمت هَوَازن وقف ملكُهم مالك بن عوفٍ النَّصريُّ على ثنيَّةٍ مع طائفةٍ من أصحابه، فقال: قفوا حتى تجوز ضعفاؤكم وتلحق أُخراكم. قال ابن إسحاق (١): فبلغني أن خيلًا طلعت، ومالكٌ وأصحابه على الثَّنيَّة، فقال لأصحابه: ماذا ترون؟ قالوا: نرى قومًا واضعي رماحهم بين آذان خيلهم، طويلةً بوادُّهم. فقال: هؤلاء بنو سُليمٍ، ولا بأس عليكم منهم. فلما أقبلوا سلكوا بطن الوادي، ثم طلعت خيلٌ أخرى تتبعها، فقال لأصحابه: ماذا ترون؟ قالوا: نرى قومًا عارضي رماحهم أغفالًا على خيلهم. فقال: هؤلاء الأوس والخزرج، ولا بأس عليكم منهم. فلما انتَهوا إلى أصل الثَّنية سلكوا طريق بني سُليمٍ، ثم طلع فارسٌ، فقال لأصحابه: ماذا ترون؟ فقالوا: نرى فارسًا طويل البادِّ، واضعًا رمحه على عاتقه، عاصبًا رأسه بمُلاءةٍ حمراء. قال: هذا الزبير بن العوام، وأقسم باللات ليخالطنَّكم فاثبتوا له. فلما انتهى الزُّبير إلى أصل الثَّنيَّة أبصر القوم فصمد لهم، فلم يزل يطاعنهم حتى أزاحهم عنها. * * * فصل وأمر رسول الله ﷺ بالغنائم، فجمعت من الإبل والغنم والرقيق، وأمر أن تساق إلى الجِعْرَانة فتحبس هناك. قال ابن إسحاق (٢): وجعل رسول الله ﷺ على الغنائم مسعود بن عمروٍ الغِفاريَّ. * * * فصل قال ابن إسحاق (٣): وحدَّثني بعض أصحابنا أن رسول الله ﷺ مرَّ يومئذٍ بامرأةٍ قتلها خالد بن الوليد، والناس متقصِّفون عليها، فقال لبعض أصحابه: "أدرك خالدًا فقل له: إن رسول الله ﷺ ينهاك أن تقتل وليدًا أو امرأةً أو عسيفًا". هكذا رواه ابن إسحاق منقطعًا.

стр. 2091

وقد قال الإمام أحمد (١): ثنا أبو عامرٍ عبد الملك بن عمرو، ثنا المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزِّناد، حدَّثني المرقَّع بن صيفيٍّ، عن جدِّه رباح بن ربيعٍ أخي حنظلة الكاتب أنه أخبره أنه خرج مع رسول الله ﷺ في غزوةٍ غزاها، وعلى مقدِّمته خالد بن الوليد، فمرَّ رباحٌ وأصحاب رسول الله ﷺ على امرأةٍ مقتولةٍ مما أصابت المقدِّمة، فوقفوا ينظرون إليها ويتعجَّبون من خلقها حتى لحقهم رسول الله ﷺ على راحلته، فانفرجوا عنها، فوقف عليها رسول الله ﷺ فقال: "ما كانت هذه لتقاتل". فقال لأحدهم: "الحق خالدًا فقل له: لا تقتلنَّ ذرِّيَّةً ولا عسيفًا". وكذلك رواه أبو داود، والنسائيُّ، وابن ماجه (٢) من حديث المرقَّع بن صيفيٍّ به نحوه. * * * سريّة أوطاسٍ (٣) وكان سببها أن هَوَازن لما انهزمت ذهبت فرقةٌ منهم، فيهم الرئيس مالك بن عوفٍ النصريُّ، فلجؤوا إلى الطائف فتحصَّنوا بها، وسارت فرقةٌ فعسكروا بمكانٍ يقال له: أوطاسٌ. فبعث إليهم رسول الله ﷺ سريةً من أصحابه، عليهم أبو عامرٍ الأشعريُّ، فقاتلوهم فغلبوهم، ثم سار رسول الله ﷺ بنفسه الكريمة، فحاصر أهل الطائف كما سيأتي. قال ابن إسحاق (٤): ولما انهزم المشركون يوم حُنينٍ، أتوا الطَّائف ومعهم مالك بن عوفٍ، وعسكر بعضهم بأوطاسٍ، وتوجَّه بعضهم نحو نخلةَ، ولم يكن فيمن توجَّه نحو نخلة إلا بنو غيرة من ثقيفٍ، وتبعت خيل رسول الله ﷺ من سلك في نخلة من الناس، ولم تتبع من سلك الثَّنايا. قال: فأدرك ربيعة بن رفيع بن أهبان السُّلميُّ -ويعرف بابن الدُّغُنَّة (٥)، وهي أمُّه- دريد بن الصِّمَّة، فأخذ بخطام جمله وهو يظنُّ أنه امرأةٌ، وذلك أنه في شجارٍ له، فإذا برجل، فأناخ به، فإذا شيخٌ كبيرٌ، وإذا دُريد بن الصّمَّة، ولا يعرفه الغلام، فقال له دريدٌ: ماذا تريد بي؟ قال: أقتلك. قال: ومن أنت؟ قال: أنا ربيعة بن رفيع السُّلميُّ. ثم ضربه بسيفه، فلم يغن شيئًا، قال: بئس ما سلَّحتْك أمُّك، خذ سيفي هذا من مؤخَّر رحلي في الشِّجار، ثم اضرب به، وارفع عن العظام واخفض عن الدِّماغ، فإني كذلك كنت

стр. 2092

أضرب الرجال، ثم إذا أتيتَ أمَّك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصِّمَّة، فربَّ -والله- يومٍ منعت فيه نساءك. فزعم بنو سليمٍ أن ربيعة قال: لما ضربته فوقع تكشَّف، فإذا عِجانه وبطون فخذيه مثل القراطيس من ركوب الخيل أعراءً. فلما رجع ربيعة إلى أمِّه أخبرها بقتله إياه، فقالت: أما والله لقد أعتق أمهاتٍ لك ثلاثًا. ثم ذكر ابن إسحاق ما رثت به عَمرة بنت دريدٍ أباها، فمن ذلك قولها: [من البسيط] قالوا قتَلْنا دُريدًا قلتُ قد صدَقوا … فظلَّ دمعي على السِّرْبال منحدرُ (١) لولا الذي قهر الأقوام كلَّهمُ … رأتْ سُلَيْمٌ وكعبٌ كيف تأْتَمِرُ إذًا لصبَّحَهم غِبًّا وظاهرةً … حيث استَقَرَّت نوَاهم جَحْفَلٌ ذَفِرُ قال ابن إسحاق (٢): وبعث رسول الله ﷺ في آثار من توجَّه قِبل أوطاس أبا عامرٍ الأشعريَّ، فأدرك من الناس بعض من انهزم، فناوشوه القتال، فرمي أبو عامرٍ فقتل، فأخذ الراية أبو موسى الأشعريُّ وهو ابن عمِّه فقاتلهم، ففتح الله عليه، وهزمهم الله، ، ويزعمون أن سلمة بن دريدٍ هو الذي رمى أبا عامرٍ الأشعريَّ بسهمٍ، فأصاب ركبته فقتله، وقال: [من الرجز] إن تسْألوا عني فإني سَلَمهْ … ابنُ سَمادِيرَ لمن توَسَّمهْ أضْرِبُ بالسيفِ رؤوسَ المُسْلِمَهْ قال ابن هشام (٣): وحدَّثني من أثق به من أهل العلم بالشعر وحديثه، أن أبا عامرٍ الأشعريَّ لقي يوم أوطاسٍ عشرة إخوةٍ من المشركين، فحمل عليه أحدهم، فحمل عليه أبو عامرٍ، وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول: اللهم اشهد عليه. فقتله أبو عامرٍ، ثم حمل عليه آخر، فحمل عليه أبو عامرٍ، وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول: اللهم اشهد عليه. فقتله أبو عامرٍ، ثم جعلوا يحملون عليه وهو يقول ذلك، حتى قتل تسعةً، وبقي العاشر، فحمل على أبي عامرٍ، وحمل عليه أبو عامرٍ، وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول: اللهم اشهد عليه. فقال الرجل: اللهم لا تشهد عليَّ. فكفَّ عنه أبو عامرٍ، فأَفلت، فأسلم بعدُ، فحسن إسلامه، فكان النبيُّ ﷺ إذا رآه قال: "هذا شريد أبي عامرٍ". قال: ورمى أبا عامرٍ أخَوان؛ العلاء وأوفى أبناء الحارث من بني جشم بن معاوية، فأصاب أحدهما قلبه والآخر ركبته فقتلاه، وولَّى الناس أبا موسى، فحمل عليهما فقتلهما، فقال رجلٌ من بني جشم يرثيهما: [من المتقارب] وإن الرَّزيَّة قتل العلاءِ … وأوفى جميعًا ولم يُسْنَدا هما القَاتِلان أبا عامرٍ … وقد كان ذا هبَّةٍ أَرْبَدا

стр. 2093

هما تركاه لدى مَعْركٍ … كأنَّ على عطفه مُجْسَدا فلم يَرَ في الناس مثليهما … أقلَّ عِثارًا وأرمى يَدا وقال البخاريُّ (١): ثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة، عن بُريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: لما فرغ رسول الله ﷺ من حنينٍ بعث أبا عامرٍ على جيشٍ إلى أوطاسٍ، فلقي دُريد بن الصِّمَّة، فقتل دريدٌ وهزم الله أصحابه. قال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامرٍ، فرمي أبو عامرٍ في ركبته، رماه جُشَميٌّ بسهمٍ فأثبته في ركبته. قال: فانتهيت إليه، فقلت: يا عمِّ، من رماك؟ فأشار إلى أبي موسى فقال: ذاك قاتلي الذي رماني. فقصدت له فلحقته، فلما رآني ولَّى، فاتَّبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألا تثبت؟ فكفَّ، فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلتُه، ثم قلت لأبي عامرٍ: قتل الله صاحبك. قال: فانزع هذا السهم. فنزعته فنزا منه الماء. قال: يا بن أخي أقرئ رسول الله ﷺ السلام، وقل له: استغفر لي. واستخلَفَني أبو عامرٍ على الناس، فمكث يسيرًا ثم مات، فرجعت فدخلت على رسول الله ﷺ في بيته على سريرٍ مُرَمَّلٍ، وعليه فراشٌ قد أثَّر رمال السَّرير بظهره وجنبيه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر وقوله: قل له: استغفر لي. قال: فدعا بماءٍ فتوضَّأ، ثم رفع يديه فقال: "اللهم اغفر لعُبَيدٍ أبي عامرٍ". ورأيت بياض إبطيه، ثم قال: "اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثيرٍ من خلقك". أو "من الناس". فقلت: ولي فاستغفر. فقال: "اللهم اغفر لعبد الله بن قيسٍ ذَنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلًا كريمًا". قال أبو بردة: إحداهما لأبي عامرٍ، والأخرى لأبي موسى، ﵄. ورواه مسلم (٢)، عن أبي كريبٍ محمد بن العلاء وعبد الله بن برَّادٍ، عن أبي أسامة به نحوه. وقال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا عبد الرزاق، أنبأنا سفيان -هو الثوريُّ- عن عثمان البتِّيِّ، عن أبي الخليل، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ قال: أصبنا نساءً من سبي أوطاسٍ ولهن أزواجٌ، فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواجٌ، فسألنا النبيَّ ﷺ ، فنزلت هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. قال: فاستحللنا بها فروجهن. وهكذا رواه الترمذيُّ والنسائيُّ (٤) من حديث عثمان البتِّيِّ به. وأخرجه مسلمٌ في "صحيحه" (٥) من حديث شعبة، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ

стр. 2094

وقد رواه الإمام أحمد، ومسلمٌ، وأبو داود، والنسائيُّ (١) من حديث سعيد بن أبي عروبة -زاد مسلمٌ: وشعبة- والترمذيُّ (٢) من حديث همام بن يحيى، ثلاثتهم عن قتادة، عن أبي الخليل، عن أبي علقمة الهاشميِّ، عن أبي سعيدٍ أن أصحاب رسول الله ﷺ أصابوا سبايا يوم أوطاسٍ لهن أزواجٌ من أهل الشرك، فكان أناسٌ من أصحاب رسول الله ﷺ كفٌّوا وتأثَّموا من غشيانهن، فنزلت هذه الآية في ذلك: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. وهذا لفظ أحمد بن حنبلٍ، فزاد في هذا الإسناد أبا علقمة الهاشميَّ، وهو ثقةٌ، وكأن هذا هو المحفوظ. والله أعلم. وقد استدل جماعةٌ من السلف بهذه الآية الكريمة على أن بيع الأمة طلاقها. روي ذلك عن ابن مسعودٍ، وأُبيِّ بن كعبٍ، وجابر بن عبد الله، وابن عباسٍ، وسعيد بن المسيَّب، والحسن البصريِّ، وخالفهم الجمهور مستدلين بحديث بَرِيرة، حيث بيعت ثم خيِّرت في فسخ نكاحها أو بقائه، فلو كان بيعها طلاقًا لها لما خيِّرت، وقد تقصَّينا الكلام على ذلك في "التفسير" بما فيه كفايةٌ، وسنذكره إن شاء الله في "الأحكام الكبير". وقد استدل جماعةٌ من السلف على إباحة الأمة المشركة بهذا الحديث في سبايا أوطاسٍ، وخالفهم الجمهور، وقالوا: هذه قضية عَينٍ، فلعلهن أسلمن أو كنَّ كتابياتٍ، وموضع تقرير ذلك في "الأحكام الكبير" إن شاء الله تعالى. * * * فصل: فيمن استشهد يوم حنينٍ وسرية أوطاسٍ أيمن ابن أمِّ أيمن مولى رسول الله ﷺ ، وهو أيمن بن عُبيدٍ (٣)، ويزيد بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسدٍ (٤)؛ جمح به فرسه الذي يقال له: الجناح. فمات، وسُرَاقَة بن مالك بن الحارث بن

стр. 2095

عديٍّ الأنصاريُّ (١)، من بني العجلان، وأبو عامرٍ الأشعريُّ (٢)، أمير سرية أوطاسٍ، فهؤلاء أربعةٌ، ﵃. * * * فصل: فيما قيل من الأشعار في غزوة هوازن فمن ذلك قول بُجَير بن زُهير بن أبي سُلمى (٣): [من الكامل] لولا الإلهُ وعبدُه ولَّيتمُ … حين استخفَّ الرُّعب كُلَّ جَبَانِ بالجِزْع يوم حَبَا لنا أَقْرَانُنَا … وسوابحٌ يكبون للأذقانِ من بين ساعٍ ثوبُهُ في كفِّه … ومقطَّرٍ بسنابكٍ ولَبانِ واللّهُ أكرمنا وأظهر دِيْنَنَا … وأعزَّنا بعبادَةِ الرّحمنِ والله أَهْلَكَهُمْ وفرَّق جَمْعَهُمْ … وأَذَلَّهُمْ بعِبَادَةِ الشَّيْطَانِ قال ابن هشامٍ: ويروي فيها بعض الرُّواة: إذ قَامَ عَمُّ نبيِّكم ووليُّهُ … يَدْعُون يا لَكتيبةِ الإيمانِ أَيْنَ الذين هُمُ أَجَابُوا ربَّهُمْ … يومَ العُرَيْضِ وبَيْعَةِ الرِّضْوانِ وقال عباس بن مِرْدَاسٍ السُّلَميُّ (٤): [من الوافر] فإني والسَّوابحُ يومَ جمعٍ … وما يَتْلو الرسولُ مِن الكتابِ لقد أحْبَبْتُ ما لَقِيَتْ ثقيفٌ … بجَنْبِ الشِّعْبِ أمسِ مِن العذابِ هُمُ رأسُ العدوِّ مِنَ أهلِ نجدٍ … فقتْلُهُمُ ألذُّ مِن الشرابِ هزَمْنا الجمعَ جمعَ بني قَسيٍّ … وحَكَّتْ بَرْكَها ببني رِئابِ

стр. 2096

وصِرْمًا مِن هلالٍ غادَرَتْهم … بأوطاسٍ تُعَفَّرُ بالتُّرابِ ولو لاقَيْن جمعَ بني كِلابٍ … لقام نساؤُهم والنَّقْعُ كابي ركَضْنا الخيلَ فيهم بينَ بُسٍّ … إلى الأوْرالِ تَنْحِطُ بالنِّهابِ بذي لَجَبٍ رسولُ الله فيهم … كتيبتُه تَعَرَّضُ للضِّرابِ وقال عباس بن مرداسٍ (١) أيضًا: [من الكامل] يا خاتَمَ النُّباءَ إنك مُرْسَلٌ … بالحَقِّ كلُّ هُدَى السَّبيلِ هُداكَا إن الإلهَ بنَى عليك محبةً … في خَلْقِه ومحمدًا سمَّاكا ثم الذين وفَوْا بما عاهَدْتَهم … جندٌ بعَثْتَ عليهمُ الضَّحَّاكَا رجلًا به ذَرَبُ السِّلاحِ كأنه … لَمَّا تكَنَّفه العدوُّ يَراكَا يَغْشَى ذَوِي النَّسبِ القَريبِ وإنما … يَبْغِي رِضا الرَّحمنِ ثم رِضاكَا أُنْبِيك أنّي قد رأيْتُ مَكَرَّهُ … تحتَ العَجاجةِ يَدْمَغُ الإشْراكَا طَوْرًا يُعانِقُ باليدين وتارةً … يَفْرِي الجَماجمَ صارمًا بَتَّاكَا يغْشَى به هامَ الكُماةِ ولو تَرى … منه الذي عايَنْتُ كان شِفاكَا وبنو سُلَيْمٍ مُعْنِقون أمامَه … ضَرْبًا وطعنًا في العدوِّ دِراكَا يمشون تحتَ لوائِه وكأنَّهم … أُسْدُ العَرينِ أرَدْنَ ثَمَّ عِراكَا ما يَرْتجون مِن القريبِ قَرابةً … إلا لطاعةِ ربِّهم وهَواكَا هذي مشاهدُنا التي كانت لنا … مَعْروفةً وولِيُّنا مَوْلاكَا وقال عباس بن مرداسٍ (٢) أيضًا: [من الطويل] عَفا مِجْدَلٌ مِن أهلِه فمُتالِعُ … فمِطْلَى أَرِيكٍ قد خَلا فالمَصانِعُ دِيارٌ لنا يا جُمْلُ إذ جُلُّ عَيْشِنا … رَخِيٌ وصَرْفُ الدَّهْرِ للحيِّ جامِعُ حُبَيِّبةٌ ألْوَتْ بها غُرْبَةُ النَّوَى … لِبَيْنٍ فهل ماضٍ مِن العيشِ راجِعُ فإن تَبْتغي الكفارَ غيرَ مَلومةٍ … فإني وزيرٌ للنبيِّ وتابعُ دعانا إليه خيرُ وَفدٍ عَلِمْتُم … خُزَيْمةُ والمَرَّارُ منهم وواسِعُ فجِئْنا بألفٍ مِن سُلَيْمٍ عليهمُ … لَبوسٌ لهم مِن نسجِ داودَ رائِعُ نُبايِعُه بالأخْشَبَيْن وإنما … يدَ الله بينَ الأخْشَبَيْن نُبايِعُ

стр. 2097

فَجُسْنَا مع المهديِّ مكةَ عَنْوةً … بأسيافنا والنَّقْع كابٍ وساطِعُ عَلانيَةً والخيلُ يَغْشَى مُتونَها … حميمٌ وآنٍ مِن دمِ الجوفِ ناقعُ ويومَ حنينٍ حينَ سارت هَوازِنٌ … إلينا وضاقت بالنفوسِ الأضالعُ صبَرْنا مع الضَّحَّاكِ لا يستَفِزُّنا … قِراعُ الأعادي منهمُ والوَقائعُ أمامَ رسولِ الله يَخْفِقُ فوقَنا … لِواءٌ كخُذْروفِ السحابةِ لامعُ عَشِيَّةَ ضَحَّاكُ بنُ سفيانَ مُعْتَصٍ … بسيفِ رسولِ الله والموتُ كانعُ نذُودُ أخانا عن أخينا ولو نَرَى … مَصالًا لَكُنَّا الأقْرَبين نُتابِعُ ولكنَّ دينَ الله دينَ محمدٍ … رَضِينا به فيه الهُدَى والشَّرائعُ أقام به بعدَ الضَّلالةِ أمْرَنا … وليس لأمرٍ حمَّه الله دافعُ وقال عباسُ (١) أيضًا: [من الطويل] تَقَطَّعَ باقي وَصْلِ أُمِّ مُؤَمَّلٍ … بعاقبةٍ واستَبْدَلَت نِيَّةً خُلْفا وقد حَلَفَت باللهِ لا تَقْطَعُ القُوَى … فما صدَقَت فيه ولا بَرَّتِ الحَلْفا خُفافِيَّةٌ بَطْنُ العَقيقِ مَصِيفُها … وتَحْتَلُّ في البادين وَجْرةَ فالعُرْفا فإن تَتْبَعِ الكفارَ أمُّ مُؤَمَّلٍ … فقد زَوَّدَت قلبي على نَاْيِها شَغْفا وسوف يُنَبِّيْها الخبيرُ بأنَّنا … أبَيْنا ولم نَطْلُبْ سِوى ربِّنا حِلْفا وأنَّا مع الهادي النبيِّ محمدٍ … وفَيْنا ولم يسْتَوفِها معشرٌ ألْفا بفتيانِ صدقٍ مِن سُلَيمٍ أعِزَّةٍ … أطاعوا فما يَعْصُون مِن أمرِه حَرْفا خُفافٌ وذَكْوانٌ وعوفٌ تَخالُهم … مَصاعِبَ زافَتْ في طَروقتِها كُلْفا كأنَّ النسيجَ الشُّهْبَ والبِيضَ مُلْبَسٌ … أُسودًا تَلاقَت في مراصدِها غُضْفا بنا عَزَّ دينُ الله غيرَ تنَحُّلٍ … وزِدْنا على الحيِّ الذي معه ضِعْفا بمكةَ إذْ جِئْنا كأنَّ لِواءَنا … عُقابٌ أرادت بعدَ تحْليقِها خَطْفا على شُخَّصِ الأبْصارِ تَحْسَب بينَها … إذا هي جالت في مَراودِها عَزْفا غداةَ وَطِئْنا المشركين ولم نجدْ … لأمرِ رسولِ الله عَدْلًا ولا صَرْفا بمُعْتَرَكٍ لا يَسْمَعُ القومُ وسْطَه … لنا زَجْمةً إلا التَّذامرَ والنَّقْفَا ببِيضٍ تُطِيرُ الهامَ عن مُسْتَقَرِّها … ونَقْطِفُ أعناقَ الكُماةِ بها قَطْفا فَكائِنْ ترَكْنا مِن قتيلٍ مُلَحَّبٍ … وأرملةٍ تدْعو على بعلِها لَهْفا

стр. 2098

رِضا الله نَنْوي لا رِضا الناسِ نبْتغي … ولله ما يبدو جميعًا وما يَخْفَى قال عباس بن مرداسٍ (١) أيضًا: [من البسيط] ما بالُ عينِكَ فيها عائرٌ سَهِرُ … مثلُ الحَماطَةِ أغْضَى فوقَها الشُّفُرُ عينٌ تأَوَّبها مِن شَجْوِها أرَقٌ … فالماءُ يَغْمُرُها طَوْرًا ويَنْحَدِرُ كأنَّه نَظْمُ دُرٍّ عندَ ناظمِه … تقَطَّعَ السِّلْكُ مِنه فهْو مُنْتَثِرُ يا بُعْدَ مَنْزِلِ مَن تَرْجو مَوَدَّتَه … ومَن أتَى دونَه الصَّمَّانُ فالحَفَرُ دَعْ ما تقدَّم مِن عهدِ الشبابِ فقد … ولَّى الشبابُ وزار الشَّيْبُ والزَّعَرُ واذكُرْ بلاءَ سُلَيْمٍ في مواطنِها … وفي سُلَيْمٍ لأهلِ الفخرِ مُفْتَخَرُ قَومٌ هُمُ نصَروا الرحمنَ واتَّبَعوا … دينَ الرسولِ وأمْرُ الناسِ مُشْتَجِرُ لا يَغْرِسون فَسِيلَ النخلِ وَسْطَهُم … ولا تَخاوَرُ في مَشْتاهمُ البقرُ إلا سَوابِحَ كالعِقْبانِ مُقْرَبَةً … في دارَةٍ حولَها الأخْطارُ والعَكَرُ تُدْعَى خُفافٌ وعوفٌ في جَوانبِها … وحيُّ ذَكْوانَ لا مِيلٌ ولا ضُجُرُ الضاربون جنودَ الشِّرْكِ ضاحيةً … ببطنِ مكةَ والأرواحُ تُبْتدَرُ حتى دفَعْنا وقَتْلاهم كأنهمُ … نخلٌ بظاهرةِ البَطْحاءِ مُنْقَعِرُ ونحن يومَ حنينٍ كان مَشْهَدُنا … للدِّينِ عِزًّا وعندَ الله مُدَّخَرُ إذ نَرْكَبُ الموتَ مُخْضَرًّا بَطائنُه … والخيلُ يَنْجابُ عنها ساطعٌ كَدِرُ تحتَ اللِّواءِ مع الضَّحَّاكِ يَقْدُمُنا … كما مشَى الليثُ في غاباتِه الخَدِرُ في مأْزِقٍ مِن مَجَرِّ الحربِ كَلْكَلُها … تَكادُ تأْفُلُ مِنه الشمسُ والقمرُ وقد صبَرْنا بأوطاسٍ أسِنَّتَنا … للهِ نَنْصُرُ مَن شِئْنا ونَنْتَصِرُ حتى تأوَّب أقوامٌ منازلَهم … لولا المليكُ ولولا نحن ما صدَروا فما تَرى معشرًا قَلُّوا ولا كثُروا … إلا قدَ أصْبح منا فيهمُ أثَرُ وقال عباسٌ (٢) أيضًا: [من الكامل] يا أَيُّها الرّجلُ الذي تَهْوِي به … وَجْناءُ مُجْمَرَةُ المَناسِمِ عِرْمِسُ (٣) إمَّا أتيْتَ على النبيِّ فقل له … حقًا عليك إذا اطْمَأَنَّ المَجْلِسُ

стр. 2099

يا خيرَ مَن ركِب المَطِيَّ ومَن مشى … فوقَ الترابِ إذا تُعَدُّ الأنْفُسُ إنا وفَيْنا بالذي عاهَدْتَنا … والخيلُ تُقْدَعُ بالكُماةِ وتُضْرَسُ إذْ سال مِن أفناءِ بُهْثةَ كلِّها … جَمْعٌ تَظَلُّ به المخَارِمُ تَرْجُسُ حتى صبَحْنا أهلَ مكةَ فَيْلَقًا … شَهْباءَ يَقْدُمُها الهُمامُ الأَشْوَسُ مِن كلِّ أغْلَبَ مِن سُلَيْمٍ فوقَه … بيضاءُ مُحْكَمَةُ الدِّخالِ وقَوْنَسُ (١) يَرْوِي القناةَ إذا تَجاسَرَ في الوَغَى … وتَخالُه أسَدًا إذا ما يَعْبِسُ يَغْشَى الكتيبة مُعْلِمًا وبكفِّه … عَضْبٌ يَقُدُّ به وَلَدْنٌ مِدْعَسُ (٢) وعلى حُنينٍ قد وَفَى مِن جَمْعِنا … ألفٌ أُمِدَّ به الرسولُ عَرَنْدَسُ (٣) كانوا أمامَ المؤمنين دَرِيئةً … والشمسُ يومئذٍ عليهم أشْمُسُ نَمْضِي ويحْرُسُنا الإلهُ بحفظِه … واللهُ ليس بضائعٍ مَن يحْرُسُ ولقد حُبِسْنا بالمناقِبِ محْبِسًا … رضِيَ الإلهُ به فنِعْم المَحْبِسُ وغداةَ أوطاسٍ شدَدْنا شدةً … كفَتِ العدوَّ وقيل منها يا احبِسوا تدعو هَوازِنُ بالإخاوةِ بينَنا … ثَدْيٌ تمدُّ به هَوازِنُ أيْبَسُ حتى ترَكْنا جمعَهم وكأنه … عَيْرٌ تَعاقَبُه السِّباعُ مُفَرَّسُ وقال أيضًا (٤)، ﵁: [من الطويل] فمَنْ مُبْلِغُ الأقوامِ أن محمدًا … رسولَ الإلهِ راشدٌ حيث يَمَّمَا دعا ربَّه واستَنْصَر الله وحدَه … فأصبح قد وفَّى إليه وأنْعَما سَرَيْنا وواعَدْنا قُدَيْدًا محمدًا … يؤُمُّ بنا أمرًا مِن الله مُحْكَمَا تَمارَوا بنا في الفجرِ حتى تبَيَّنوا … مع الفجرِ فِتْيانًا وغابًا مُقَوَّمًا على الخيلِ مَشْدودًا علينا دُروعُنا … ورَجْلًا كدُفَّاعِ الأَتِىِّ عَرَمْرَمًا فإن سَراةَ الحيِّ إن كنتَ سائلًا … سُلَيمٌ وفيهم مِنهمُ مَن تسَلَّمَا وجندٌ مِن الأنصارِ لا يَخْذُلونه … أطاعوا فما يَعْصُونه ما تكَلَّما فإن تَكُ قد أمَّرْتَ في القومِ خالدًا … وقدَّمْتَه فإنَّه قد تقَدَّما بجُندٍ هداه الله أنت أميرُه … تُصِيبُ به في الحقِّ مَن كان أظْلَما

стр. 2100

حلَفْتُ يمينًا بَرَّةً لمحمدٍ … فأكْمَلْتُها ألفًا مِن الخيلِ مُلْجَمَا وقال نبيُّ المؤمنين تقَدَّموا … وحُبَّ إلينا أن تكونَ المُقَدَّما وبِتْنا بنَهيِ المُستديرِ ولم يَكُنْ … بنا الخوفُ إلا رغْبةً وتَحَزُّمَا أطَعْناكَ حتى أسْلَم الناسُ كلُّهم … وحتى صَبَحْنا الجمعَ أهلَ يَلَمْلَما يَضِلُّ الحِصانُ الأبْلَقُ الوَرْدُ وَسْطَه … ولا يطْمَئِنُّ الشيخُ حتى يُسَوِّما سَمَوْنا لهم وِرْدَ القَطا زَفَّهُ ضُحىً … وكلٌّ تَراهُ عن أخيه قَدَ أحْجَما لَدُنْ غُدْوةٍ حتى ترَكْنا عَشِيَّةً … حُنينًا وقد سالت دَوافِعُه دَمَا إذا شِثْتَ مِن كُلٍّ رأيْتَ طِمِرَّةً … وفارسَها يَهْوِي ورُمحًا مُحَطَّمَا وقد أحْرَزَت مِنا هَوازِنُ سَرْبَها … وحُبَّ إليها أن نَخِيبَ ونُحْرَما هكذا أورد الإمام محمد بن إسحاق هذه القصائد من شعر عباس بن مرداسٍ والسُّلميِّ، ﵁، وقد تركنا بعض ما أورده من القصائد خشية الإطالة وخوف الملالة، ثم أورد من شعر غيره أيضًا، وقد حصل ما فيه كفايةٌ من ذلك. والله أعلم. * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ غزوة الطَّائف قال عُرْوَة، وموسى بن عُقْبَة عن الزهريِّ (١): قاتَلَ رسول الله ﷺ يوم حنينٍ، وحاصر الطّائف في شوالٍ سنة ثمانٍ. وقال محمد بن إسحاق (٢): ولما قدم فَلُّ ثقيفٍ الطائف أغلقوا عليهم أبواب مدينتها، وصنعوا الصنائع للقتال، ولم يشهد حُنينًا ولا حصار الطائف عُرْوَةُ بن مسعودٍ ولا غَيْلَان بن سَلَمَة؛ كانا بجُرَش يتعلَّمان صنعة الدّبابات (٣)، والمجانيق والضُّبور (٤).

стр. 2101

قال: ثم سار رسول الله ﷺ إلى الطائف حين فرغ من حنينٍ، فقال كعب بن مالكٍ (١) في ذلك: [من الوافر] قضَيْنا مِن تِهامَة كلَّ رَيْبٍ … وخيبرَ ثم أَجْمَمْنا السُّيوفا نُخَيِّرُها ولو نطَقَت لقالت … قَواطِعُهنَّ دَوْسًا أو ثقيفَا فلسْتُ لحاضنٍ إن لم ترَوْها … بساحةِ دارِكم منا أُلوفا وننْتَزِعُ العُروشَ ببطنِ وَجٍّ … وتُصْبِحُ دُورُكم منكم خُلوفَا ويَأْتِيكم لنا سَرَعانُ خيلٍ … يُغادِرُ خلفَه جمعًا كثيفَا إذا نزَلوا بساحتِكم سمِعْتُم … لها مما أناخَ بها رَجِيفَا بأيديهم قَواضِبُ مُرْهَفاتٌ … يُزِرْنَ المُصْطَلِين بها الحتُوفَا كأمثالِ العقائقِ أخْلَصَتْها … قُيونُ الهندِ لم تُضْرَبْ كَتِيفَا تَخالُ جَدِيَّةَ الأبْطالِ فيها … غَداةَ الزَّحْفِ جادِيًّا مَدُوفَا أجَدَّهُمُ أليس لهم نَصِيحٌ … مِن الأقوامِ كان بنا عَرِيفَا يُخَبِّرُهم بأنا قد جَمَعْنا … عِتاقَ الخيلِ والنُّجُبَ الطُّرُوفَا وأنَّا قد أتَيْناهم بزَحْفٍ … يُحِيطُ بسورِ حصنِهمُ صُفوفَا رئيسُهُمُ النبيُّ وكان صُلْبًا … نقيَّ القلبِ مُصْطَبِرًا عَروفَا رشيدَ الأمرِ ذا حُكْمٍ وعلمٍ … وحِلْمٍ لم يَكُنْ نَزِقًا خَفِيفًا نُطِيعُ نَبِيَّنا ونُطِيعُ ربًّا … هو الرحمنُ كان بنا رؤُوفَا فإن تُلْقُوا إلينا السِّلْمَ نَقْبَلْ … ونجْعَلْكم لنا عَضُدًا ورِيفَا وإن تَأْبَوْا نُجاهِدْكم ونَصْبِرْ … ولا يَكُ أمْرُنا رَعِشًا ضعيفَا نُجاهدُ ما بَقِينا أو تُنِيبوا … إلى الإسلامِ إذعانًا مُضِيفَا نُجاهدُ لا نُبالي ما لقِينا … أأهْلَكْنا التِّلادَ أم الطَّرِيفَا وكم مِن معشرٍ أَلَبوا علينا … صَميمَ الجِذْمِ منهم والحَلِيفَا أتَوْنا لا يَرَوْن لهم كِفاءً … فجَدَّعْنا المَسامعَ والأُنوفَا بكلِّ مُهَنَّدٍ لَيْنٍ صَقيلٍ … نَسوقُهمُ بها سَوْقًا عَنيفَا لأمْرِ الله والإسلامِ حتى … يقومَ الدِّينُ معتدلًا حَنيفَا وتُنْسَى اللاتُ والعُزَّى ووُدٌّ … ونَسْلُبَها القَلائدَ والشُّنوفَا فأمْسَوا قد أقَرُّوا واطْمَأنُّوا … ومَن لا يَمْتَنِعْ يَقْبَلْ خُسوفَا

стр. 2102

وقال ابن إسحاق (١): فأجابه كنانة بن عبد ياليل بن عمرو بن عميرٍ الثقفيُّ -قلت (٢): وقد وفد على رسول الله ﷺ بعد ذلك في وفد ثقيفٍ، فأسلم معهم. قاله موسى بن عقبة، وابن إسحاق، وأبو عمر بن عبد البرِّ، وابن الأثير، وغير واحدٍ. وزعم المدائنيُّ أنه لم يسلم، بل صار إلى بلاد الروم فتنصَّر ومات بها-: [من الطويل] فمَن كان يَبْغِينا يريدُ قتالَنا … فإنا بدارٍ مَعْلَمٍ لا نَرِيمُها وجَدْنا بها الآباءَ مِن قبلِ ما ترَى … وكانت لنا أَطْواؤُها (٣) وكُرومُها وقد جَرَّبَتْنا قبلُ عمرُو بنُ عامرٍ … فأخْبَرها ذو رأْيِها وحَليمُها وقد عَلِمَتْ إن قالت الحقَّ أننا … إذا ما أبَت صُعْرُ الخُدودِ نُقِيمُها نُقَوِّمُها حتى يَلينَ شَرِيسُها … ويُعْرَفَ للحقِّ المُبينِ ظَلومُها علينا دِلاصٌ مِن تُراثِ مُحَرِّقٍ … كلَوْنِ السماءِ زيَّنَتْها نُجومُها نُرَفِّعُها عنا ببِيضٍ صوارِمٍ … إذا جُرِّدَت في غَمْرةٍ لا نَشِيمُها قال ابن إسحاق (٤): وقال شَدَّاد بن عارضٍ الجُشَميُّ في مسير رسول الله ﷺ إلى الطَّائف: [من البسيط] لا تَنْصُروا اللاتَ إن الله مُهْلِكُها … وكيف يُنْصَرُ مَن هوْ ليس ينْتَصِرُ إن التي حُرِّقَت بالسُّدِّ فاشْتَعَلت … ولم تُقاتِلْ لدَى أحجارِها هَدَرُ إن الرسولَ متى ينْزِلْ بلادَكمُ … يَظْعَنْ وليس بها مِن أهلِها بشَرُ قال ابن إسحاق (٥): فسلك رسول الله ﷺ -يعني من حُنينٍ إلى الطّائف- على نخلَة اليمانية، ثم على قَرْنٍ، ثم على المُلَيح، ثم على بحرة الرُّغاء من لِيَّةَ، فابتنى بها مسجدًا فصلَّى فيه. قال ابن إسحاق: فحدَّثني عمرو بن شعيبٍ أنه، ﵇، أقاد يومئذٍ ببحرة الرُّغاء حين نزلها بدمٍ، وهو أول دمٍ أُقيد به في الإسلام، رجلٌ من بني ليثٍ قتل رجلًا من هذيلٍ فقتله به، وأمر رسول الله ﷺ ، وهو بلِيَّة، بحصن مالك بن عوفٍ فهدم. قال ابن إسحاق: ثم سلك في طريقٍ يقال لها: الضَّيقة. فلما توجَّه رسول الله ﷺ سأل عن اسمها

стр. 2103

فقال: "ما اسم هذه الطريق؟ " فقيل: الضَّيْقة. فقال: "بل هي اليُسرى" ثم خرج منها على نَخِبٍ، حتى نزل تحت سِدرةٍ يقال لها: الصادرة. قريبًا من مال رجلٍ من ثقيفٍ، فأرسل إليه رسول الله ﷺ : "إما أن تخرج إلينا وإما أن نُخرب عليك حائطك". فأبى أن يخرج، فأمر رسول الله ﷺ بإخرابه. وقال ابن إسحاق (١)، عن إسماعيل بن أُمَيَّة، عن بُجَير بن أبي بُجَيرٍ، سمعت عبد الله بن عمروٍ، سمعت رسول الله ﷺ يقول حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبرٍ، فقال رسول الله ﷺ : "هذا قبر أبي رِغالٍ، وهو أبو ثقيفٍ، وكان من ثمود، وكان بهذا الحرم يُدفع عنه، فلما خرج أصابته النِّقمة التي أصابت قومه بهذا المكان، فدفن فيه، وآية ذلك أنه دفن معه غُصنٌ من ذهبٍ، إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه". قال: فابتدره الناس فاستخرجوا معه الغصن. ورواه أبو داود (٢)، عن يحيى بن معينٍ، عن وهب بن جرير ين حازمٍ، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق به. ورواه البيهقيُّ (٣) من حديث يزيد بن زُرَيْعِ عن روح بن القاسم، عن إسماعيل به أمية به. قال ابن إسحاق (٤): ثم مضى رسول الله ﷺ حتى نزل قريبًا من الطائف، فضرب به عسكره، فقتل ناسٌ من أصحابه بالنبل، وذلك أن العسكر اقترب من حائط الطائف، [فكانت النَّبْلُ تنالهم، ولم يقدر المسلمون على أن يدخلوا حائطهم، أغلقوه دونهم، فلما أُصيب أولئك النفر من أصحابه بالنبل] (٥) فتأخرِوا إلي موضع مسجده، ﵊، اليوم بالطائف الذى بنته ثقيفٌ بعد إسلامها، بناه عمرو بن أُمية بن وهبٍ، وكانت فيه ساريةٌ لا تطلع عليها الشمس صبيحة كلِّ يومٍ إلا سُمع لها نقيضٌ فيما يذكرون. قاله: فحاصرهم بضعًا وعشرين ليلةً. قال ابن هشامٍ: ويقال: سبع عشرة ليلةً. وقال عُروة، وموسى بن عقبة عن الزهريِّ (٦): ثم سار رسول الله ﷺ إلى الطائف وترك السَّبي بالجِعْرانة، ومُلئت عُرُش مكة منهم، ونزل رسول الله ﷺ بالأكمة عند حصن الطائف بضع عشرة ليلةً يقاتلهم ويقاتلونه من وراء حصنهم، ولم يخرج إليه أحدٌ منهم غير أبي بكرة بن مسروحٍ أخي زيادٍ لأمِّه، فأعتقه رسول الله ﷺ ، وكثرت الجراح، وقطعوا طائفةً من أعنابهم ليغيظوهم بها، فقالت لهم ثقيف:

стр. 2104

لا تفسدوا الأموال، فإنها لنا أو لكم. وقال عروة: أمر رسول الله ﷺ كلَّ رجلٍ من المسلمين أن يقطع خمس نخَلاتٍ أو خمس حُبْلاتٍ، وبعث مناديًا ينادي: "من خرج إلينا فهو حرٌّ". فاقتحم إليه نفرٌ منهم، فيهم أبو بكرة بن مسروحٍ أخو زياد بن أبي سفيان لأمِّه، فأعتقهم ودفع كلَّ رجلٍ منهم إلى رجلٍ من المسلمين يعوله ويحمله. وقال الإمام أحمد (١): ثنا يزيد، ثنا حجاجٌ، عن الحكم، عن مِقسَمٍ، عن ابن عباسٍ أن رسول الله ﷺ كان يعتق من جاءه من العبيد قبل مواليهم إذا أسلموا، وقد أعتق يوم الطائف رجلين. وقال أحمد (٢) أيضًا: ثنا عبد القدُّوس بن بكر بن خُنيسٍ، ثنا الحَجَّاج، عن الحكم، عن مِقْسَمٍ، عن ابن عباسٍ قال: حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف، فخرج إليه عبدان فأعتقهما، أحدهما أبو بكرة، وكان رسول الله ﷺ يُعتق العبيد إذا خرجوا إليه. وقال أحمد (٣) أيضًا: ثنا نصر بن بابٍ، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسمٍ، عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله ﷺ يوم الطائف: "من خرج إلينا من العبيد فهو حرٌّ". فخرج عبيدٌ من العبيد فيهم أبو بكرة فأعتقهم رسول الله ﷺ . هذا الحديث تفرَّد به أحمد، ومداره على الحَجَّاج بن أرطاة، وهو ضعيفٌ، لكن ذهب الإمام أحمد إلى هذا، فعنده أن كلَّ عبدٍ جاء من دار الحرب إلى دار الإسلام عتق، حكمًا شرعيًا مطلقًا عامًّا. وقال آخرون: إنما كان هذا شرطًا لا حكمًا عامًّا، ولو صَحَّ الحديث لكان التشريع العامُّ أظهر، كما في قوله ﵊: "من قتل قتيلًا فَلَهُ سَلَبُه" (٤). وقد قال يونس بن بكيرٍ، عن محمد بن إسحاق (٥): حدَّثني عبد الله بن المكدَّم الثقفيُّ قال: لما حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف خرج إليه رقيقٌ من رقيقهم؛ أبو بكرة وكان عبدًا للحارث بن كلدة، والمنبعث وكان اسمه المضطجع، فسمَّاه رسول الله ﷺ المنبعث، ويُحنَّس ووَردان، في رهطٍ من رقيقهم فأسلموا، فلما قدم وَفْدُ أهل الطائف فأسلموا، قالوا: يا رسول الله، ردَّ علينا رقيقنا الذين أتوك. قال: "لا، أولئك عتقاء الله". وردَّ على ذلك الرجل ولاء عبده فجعله إليه. وقال البخاريُّ (٦): ثنا محمد بن بشَّارٍ، ثنا غندرٌ، ثنا شعبة، عن عاصمٍ، سمعت أبا عثمان قال:

стр. 2105

سمعت سعدًا -وهو أول من رمى بسهمٍ في سبيل الله- وأبا بكرة -وكان تسوَّر حصن الطائف في أُناسٍ، فجاء إلى رسول الله- ﷺ قالا: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: "من ادَّعى إلى غير أبيه وهو يعلمه، فالجنة عليه حرامٌ". ورواه مسلمٌ من حديث عاصمٍ به. قال البخاريُّ (١): وقال هشامٌ: أنبأنا معمرٌ، عن عاصم، عن أبي العالية، أو اْبي عثمان النَّهديِّ، قال: سمعت سعدًا وأبا بكرة، عن النبيِّ ﷺ ، قال عاصمٌ: قلت: لقد شهد عندك رجلان حسبك بهما. قال: أجل، أمَّا أحدهما فأول من رمى بسهمٍ في سبيل الله، وأمَّا الآخر فنزل إلى رسول الله ﷺ ثالث ثلاثةٍ وعشرين من الطائف. قال محمد بن إسحاق (٢): وكان مع رسول الله ﷺ امرأتان من نسائه، إحداهما أمُّ سلمة، فضرب لهما قبَّتين، فكان يصلي بينهما، فحاصرهم وقاتلهم قتالًا شديدًا، وتراموا بالنَّبْل. قال ابن هشامٍ (٣): ورماهم بالمنجنيق، فحدَّثني من أثق به أن النبيَّ ﷺ أول من رمى في الإسلام بالمنجنيق، رمى به أهل الطائف. وذكر ابن إسحاق أن نفرًا من الصحابة دخلوا تحت دَبَّابةٍ، ثم زحفوا ليخرقوا جدار أهل الطائف، فأرسلت عليهم ثقيفٌ سكك الحديد مُحْمَاةً، فخرجوا من تحتها، فرمتْهُم ثقيف بالنَّبْل، فقتلوا منهم رجالًا، فحينِئذٍ أمر رسول الله ﷺ بقطع أعناب ثفيفٍ، فوقع الناس فيها يقطِّعون. قال: وتقدَّم أبو سفيان بن حربٍ والمغيرة بن شعبة، فناديا ثقيفًا بالأمان حتى يكلِّماهم، فأمَّنوهما، فدعَوا نساءً من قريشٍ وبني كنانة ليخرجن إليهم -وهما يخافان عليهن السِّباء إذا فتح الحصن- فأبين، فقال لهما ابن الأسود بن مسعودٍ: ألا أدلُّكما على خيرٍ مما جئتما له؟ إن مال بني الأسود بن مسعودٍ حيث قد علمتما -وكان رسول الله ﷺ نازلًا بوادٍ يقال له: العقيق. وهو بين مال بني الأسود وبين الطائف- وليس بالطائف مالٌ أبعد رِشاءً ولا أشدَّ مؤونةً ولا أبعد عِمارةً منه، وإن محمدًا إن قطَّعه لم يعمر أبدًا، فكلِّماه فليأخذه لنفسه أو ليدعه لله وللرحم. فزعموا أن رسول الله ﷺ تركه لهم. وقد روى الواقديُّ (٤) عن شيوخه نحو هذا، وعنده أن سلمان الفارسيَّ هو الذي أشار بالمنجنيق وعمله بيده، وقيل: قدم به وبدبَّابتين. فالله أعلم.
следующие страницы →