شمُّ العرانين أبطالٌ لَبوسهمُ … من نسج داود في الهيجا سرابيلُ
بيضٌ سوابغ قد شكَّت لها حلقٌ … كأنها حَلَق القفعاء مجدولُ
ليسوا مفاريح إن نالت رماحهمُ … قومًا وليسوا مجازيعًا إذا نيلوا
لا يقع الطَّعن إلا في نحورهمُ … وما لهم عن حياض الموت تهليلُ
هكذا أورد محمد بن إسحاق هذه القصيدة، ولم يذكر لها إسنادًا.
وقد رواها الحافظ البيهقيُّ في "دلائل النبوة" (١) بإسنادٍ متصلٍ، فقال: أنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسن بن أحمد الأسديُّ بِهمْدان، ثنا إبراهيم بن الحسين، ثنا إبراهيم بن المنذر الحزاميُّ، ثنا الحجَّاج ابن ذي الرُّقيبة -بن عبد الرحمن- بن كعب بن زهير بن أبي سُلْمى، عن أبيه، عن جدِّه قال: خرج كعبٌ وبجيرٌ ابنا زهيرٍ حتى أتيا أبرق العَزَّاف، فقال بجيرٌ لكعبٍ: اثبت في هذا المكان حتى آتي -هذا الرجل- يعني رسول الله ﷺ فأستمع ما يقول. فثبت كعبٌ، وخرج بجيرٌ فجاء رسول الله ﷺ ، فعرض عليه الإسلام، فبلغ ذلك كعبًا فقال: [من الطويل]
ألا أبلغا عني بُجيرًا رسالةً … على أي شيءٍ ويب غيرك دلَّكا
على خُلُقٍ لم نلف أمًّا ولا أبًا … عليه ولم تدرك عليه أخًا لكا
سقاك أبو بكرٍ بكأسٍ رويَّةٍ … وأنهلك المأمون منها وعلَّكا
فلما بلغت الأبيات رسول الله ﷺ أَهْدَرَ دمه، وقال: "مَنْ لَقِي كعبًا فليقتله". فكتب بذلك بجيرٌ إلى أخيه، وذكر له أن رسول الله ﷺ قد أهدر دمه، ويقول له: النَّجاء وما أراك تنفلت. ثم كتب إليه بعد ذلك: اعلم أنَّ رسول الله ﷺ لا يأتيه أحدٌ يشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، إلا قبل ذلك منه وأسقط ما كان قبل ذلك، فإذا جاءك كتابي هذا، فأسلم وأقبل. قال: فأسلم كعبٌ، وقال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله ﷺ ، ثم أقبل حتى أناخ راحلته بباب مسجد رسول الله ﷺ ، ثم دخل المسجد ورسول الله مع أصحابه كالمائدة بين القوم، متحلِّقون معه حلقةً خلف حلقةٍ، يلتفت إلى هؤلاء مرةً فيحدِّثهم، وإلى هؤلاء مرةً فيحدِّثهم. قال كعبٌ: فأنخت راحلتي بباب المسجد [ثم دخلت المسجد] فعرفت رسول الله ﷺ بالصِّفة، فتخطَّيت حتى جلست إليه، فأسلمت وقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّك محمدٌ رسول الله، الأمان يا رسول الله. قال: "ومن أنت؟ " قلت: كعب بن زهيرٍ. قال: "الذي يقول". ثم التَفَتَ رسول الله ﷺ [إلى أبي بكرٍ] فقال: "كيف قال يا أبا بكرٍ؟ " فأنشده أبو بكرٍ: [من الطويل]
سَقَاكَ أبو بكرٍ بكأسٍ رَويَّةٍ … وأنهلك المأمور منها وعلَّكَا
стр. 2137
قال: يا رسول الله، ما قلتُ هكذا. قال: "فكيف قلت؟ " قال: قلت: [من الطويل]
سقاك أبو بكرٍ بكأسٍ رويَّةٍ … وأنهلك المأمونُ منها وعلَّكا
فقال رسول الله ﷺ : "مأمونٌ والله". ثم أنشده القصيدة كلَّها حتى أتى على آخرها، وهي هذه القصيدة: [من البسيط]
بَانَتْ سُعَاد فقلبي اليوم متبولُ … متَّيمٌ عندها لم يفد مكبولُ
وقد تقدَّم ما ذكرناه من الرَّمز لما اختلف فيه إنشاد ابن إسحاق والبيهقيِّ، رحمهما الله .
وذكر أبو عمر بن عبد البرِّ في كتاب "الاستيعاب" (١) أنَّ كعبًا لمَّا انتهى إلى قوله:
إنَّ الرَّسولَ لنورٌ يُسْتَضَاءُ بهِ … مهنَدٌ من سيوف الله مسلولُ
نُبِّئت أنَّ رسول الله أوعدني … والعفو عند رسول الله مأمولُ
قال: فأشار رسول الله ﷺ إلى من معه أن اسمعوا.
وقد ذكر ذلك قبله موسى بن عقبة في "مغازيه" (٢) ولله الحمد والمِنَّة.
قلت: ورد في بعض الروايات أنَّ رسول الله ﷺ أعطاه بُرْدَتَهُ حين أنشده القصيدة. وقد نظم ذلك الصَّرصريُّ (٣) في بعض مدائحه.
وهكذا ذكر ذلك الحافظ أبو الحسن بن الأثير في "الغابة" (٤) قال: وهي البُردة التي عند الخلفاء.
قلت: وهذا من الأمور المشهورة جدًا، ولكن لم أر ذلك في شيءٍ من هذه الكتب المشهورة بإسنادٍ أرتضيه، فالله أعلم.
وقد روي أنَّ رسول الله ﷺ قال له -لمَّا قال: بانت سعاد-: "ومن سعاد؟ " قال: زوجتي يا رسول الله، قال: "لم تَبِنْ" ولكن لم يصحَّ ذلك، وكأنَّه على ذلك توهَّم أنَّ لإسلامه تبين امرأته، والظاهر أنَّه إنَّما أراد البينونة الحسِّيَّة لا الحكميَّة، والله تعالى أعلم.
стр. 2138
قال ابن إسحاق (١): وقال عاصم بن عمر بن قتادة: فلمَّا قال كعبٌ -يعني في قصيدته-: إذا عرَّد السود التَّنابيل. وإنَّما يريدنا معشر الأنصار؛ لما كان صاحبنا صنع به، وخصَّ المهاجرين من قريشٍ بمِدحته؛ غضبت عليه الأنصار فقال بعد أن أسلم يمدح الأنصار، ويذكر بلاءهم من رسول الله ﷺ وموضعهم من اليمن: [من الكامل]
من سَرَّه كَرَمُ الحياة فلا يَزَلْ … في مِقْنَبٍ من صالحي الأنصارِ
ورثوا المكارم كابرًا عن كابرٍ … إنَّ الخيار همُ بنو الأخيارِ
المكرِهين السَّهريَّ بأذرعٍ … كسوالف الهنديِّ غير قصارِ
والنَّاظرين بأعينٍ محمرَّةٍ … كالجمر غير كليلة الأبصارِ
والبَائعين نفوسهم لنبيِّهم … للموت يوم تَعانقٍ وكرارِ
والقائدين الناس عن أديانهم … بالمشرفيِّ وبالقنا الخطَّارِ
يتطهَّرون يرونه نُسُكًا لهم … بدماء من علقوا من الكفَّارِ
دربوا كما دربت ببطن خفيَّةٍ … غلب الرِّقاب من الأسود ضواري
وإذا حللتَ ليمنعوك إليهمُ … أصبحت عند معاقل الأغفارِ
ضربوا عليَّا يوم بدرٍ ضربةً … دَانَتْ لوقعتها جميع نزارِ
لو يعلم الأقوام علميَ كلَّه … فيهم لصدَّقني الذين أُماري
قومٌ إذا خوت النجوم فإنهم … للطَّارقين النّازلين مقاري
قال ابن هشام (٢): ويقال: إن رسول الله ﷺ قال له حين أنشده بانت سعاد: "لولا ذكرت الأنصار بخيرٍ، فإنهم لذلك أهلٌ". فقال كعبٌ هذه الأبيات، وهي في قصيدةٍ له.
قال: وبلغني عن عليِّ بن زيد بن جدعان أن كعب بن زهير أنشد رسول الله ﷺ في المسجد: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول.
وقد رواه الحافظ البيهقيُّ (٣) بإسناده المتقدم إلى إبراهيم بن المنذر الحزاميِّ، حدَّثني معن بن عيسى، حدَّثني محمد بن عبد الرحمن الأوقص، عن ابن جدعان، فذكره، وهو مرسلٌ.
وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البرِّ، ﵀، في كتاب "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (٤) بعد
стр. 2139
ما أورد طرفًا من ترجمة كعب بن زهيرٍ إلى أن قال: وقد كان كعب بن زهيرٍ شاعرًا مجوِّدًا كثير الشعر مقدَّمًا في طبقته هو وأخوه بُجيرٌ، وكعبٌ أشعرهما، وأبوهما زهيرٌ فوقهما، ومما يستجاد من شعر كعب بن زهيرٍ قوله: [من البسيط]
لو كنت أَعْجَبُ من شيءٍ لأعجبني … سَعْيُ الفتى وهو مخبوءٌ له القدر
يسعى الفتى لأمور ليس يُدركها … فالنفس واحدةٌ والهمُّ منتشر
والمرء ما عاش ممدودٌ له أملٌ … لا تنتهي العين حتى ينتهي الأثر
ثم أورد له ابن عبد البرِّ أشعارًا كثيرةً يطول ذكرها ولم يؤرِّخ وفاته، وكذا لم يؤرِّخها أبو الحسن بن الأثير في كتاب "الغابة في معرفة الصحابة" (١) ولكن حكى أن أباه توفِّى قبل المبعث بسنةٍ، فالله أعلم.
وقال السهيليُّ (٢): ومما أجاد فيه كعبُ بن زهيرٍ قوله يمدح رسول الله ﷺ : [من البسيط]
تجري به النَّاقةُ الأدماء مُعتجرًا … بالبُرد كالبَدر جلَّى ليلة الظُّلم
ففي عطافيه أو أثناء بُردته … ما يعلم الله من دينٍ ومن كرم
* * *
فصل: فيما كان من الحوادث المشهورة في سنة ثمانٍ والوفيات
فكان في جمادى منها وقعة مؤتة، وفي رمضان غزوة فتح مكة، وبعدها في شوالٍ غزوة هوازن بحُنينٍ، وبعدها كان حصار الطائف، ثم كانت عمرة الجِعْرَانة في ذي القعدة، ثم عاد إلى المدينة في بقية السنة.
قال الواقديُّ (٣): رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة لليالٍ بقين من ذي الحجَّة في سفرته هذه.
قال الواقديُّ: وفي هذه السنة بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص إلى جيفرٍ وعمروٍ ابني الجُلَنْدى (٤)
стр. 2140
من الأزد، وأخذت الجزية من مجوس بلدهما ومن حولها من الأعراب. قال: وفيها تزوج رسول الله ﷺ فاطمة بنت الضَّحَّاك بن سفيان الكلابيِّ في ذي القعدة، فاستعاذت منه ﷺ ، ففارقها، وقيل: بل خيَّرها فاختارت الدنيا ففارقها. قال: وفي ذي الحِجَّة منها ولد إبراهيم ابن رسول الله ﷺ من مارية القبطية، فاشتدَّت غيرة أمهات المؤمنين منها حين رزقت ولدًا ذكرًا، وكانت قابلتها فيه سَلمى مولاة رسول الله ﷺ ، فخرجت إلى أبي رافعٍ فأخبرته فذهب فبشَّر به رسولَ الله ﷺ فأعطاه مملوكًا، ودفعه رسول الله ﷺ إلى أم بردة بنت المنذر بن زيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عديِّ بن النجار، وزوجها البراء بن أوس بن خالد ابن الجعد بن عوف بن مبذولٍ. وكانت فيها وفاة من ذكرنا من الشهداء في هذه الوقائع. وقد قدَّمنا هدم خالد بن الوليد البيت الذي كانت العزَّى تعبد فيه بنخلة بين مكة والطائف، وذلك لخمسٍ بقين من رمضان منها.
قال الواقديُّ: وفيها كان هدم سُواعِ الذي كانت تعبده هذيلٌ برُهاطٍ، هدمه عمرو بن العاص، ﵁، ولم يجد في خزانته شيئًا. وفيها هُدم مناة بالمشلَّل، وكانت الأنصار أوسها وخزرجها يعظمونه، هدمه سعد بن زيدٍ الأشهليُّ، ﵁.
وقد ذكرنا من هذا فصلًا مفيدًا مبسوطًا في تفسير "سورة النجم" (١) عند قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٢٠ - ١٩].
قلت: وقد ذكر البخاريُّ بعد فتح مكة قصة تخريب خثعم البيت الذي كانت تعبده ويسمُّونه الكعبة اليمانية مضاهيةً للكعبة التي بمكة، ويسمُّون التي بمكة الكعبة الشاميَّة، ولتلك الكعبة اليمانية.
فقال البخاريُّ (٢): ثنا يوسف بن موسى، ثنا أبو أسامة، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن قيسٍ، عن جريرٍ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "ألا تريحني من ذي الخلصة؟ " فقلت: بلى: فانطلقت في خمسين ومئة فارسٍ من أحمس، وكانوا أصحاب خيلٍ، وكنت لا أثبت على الخيل، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فضرب يده في صدري حتى رأيت أثر يده على صدري، وقال: "اللهم ثبّته واجعله هاديًا مهديًا". قال: فما وقعت عن فرسٍ بعدُ. قال: وكان ذو الخلصة بيتًا باليمن لخثعمٍ وبجيلة، فيه نصبٌ تعبد، يقال له: الكعبة اليمانية. قال: فأتاها فحرَّقها في النار وكسرها. قال: فلما قدم جريرٌ اليمن كان بها رجلٌ يستقسم بالأزلام، فقيل له: إن رسول رسول الله ﷺ ها هنا، فإن قدر عليك ضرب عنقك. قال: فبينما هو يضرب بها إذ وقف عليه جرير، فقال: لَتكسرنَّها وتشهد أن لا إله إلا الله أو لأضربنَّ عنقك. فكسرها وشهد. ثم بعث جريرٌ رجلًا من أحمس يكنَّى أبا أرطاة إلى النبيِّ ﷺ يبشره بذلك، قال: فلما
стр. 2141
أتى رسولَ الله ﷺ قال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحقِّ ما جئت حتى تركتها كأنها جملٌ أجرب. قال: فبرَّك رسول الله ﷺ على خيل أحمس ورجالها خمس مراتٍ.
ورواه مسلمٌ (١) من طرقٍ متعددةٍ، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن قيس بن أبي حازمٍ، عن جرير بن عبد الله البجليِّ بنحوه.
* * *
стр. 2142
سنة تسعٍ من الهجرة
ذكر غزوة تَبُوك (١) في رجبٍ منها
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨) قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٨ - ٢٩].
روي عن ابن عباسٍ، ومجاهدٍ، وعِكْرِمَة، وسعيد بن جُبيرٍ، وقتادة، والضَّحَّاك وغيرهم، أنه لما أمر الله تعالى أن يمنع المشركون من قُربان المسجد الحرام في الحجِّ وغيره قالت قريشٌ: لينقطعنَّ عنا المتاجر والأسواق أيام الحجِّ، وليذهبنَّ ما كنا نُصيب منها، فعوَّضهم الله عن ذلك بالأمر بقتال أهل الكتاب حتى يُسلموا أو يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون.
قلت: فعزم رسول الله ﷺ على قتال الرُّوم؛ لأنهم أقرب الناس إليه وأولى الناس بالدّعوة إلى الحقِّ؛ لقربهم إلى الإسلام وأهله.
وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣].
فلما عزم رسول الله ﷺ على غزو الرُّوم عام تَبُوك -وكان ذلك في حرٍّ شَديدٍ وضيق من الحال- جلَّى للناس أمرها ودعا من حوله من أحياء الأعراب للخروج معه، فأوعب معه بشرٌ كثيرٌ، كما سيأتي، قريبًا من ثلاثين ألفًا، وتخلَّف آخرون، فعاتب الله من تخلَّف منهم لغير عذرٍ من المنافقين والمقصِّرين، ولامهم ووبَّخهم وقرَّعهم أشدَّ التَّقريع، وفضحهم أشدَّ الفضيحة، وأنزل فيهم قرآنًا يُتلى وبيَّن أمرهم في
стр. 2143
سورة "براءةٌ" كما قد بَيَّنَّا ذلك مبسوطًا في "التفسير" (١) وأمر المؤمنين بالنَّفْر على كلِّ حالٍ. فقال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١) لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ثم الآيات بعدها [التوبة: ٤١ - ٤٢].
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]. فقيل: إن هذه ناسخةٌ لتلك. وقيل: لا، فالله أعلم.
قال ابن إسحاق (٢): ثم أقام رسول الله ﷺ بالمدينة ما بين ذي الحِجَّة إلى رجبٍ يعني من سنة تسع ثم أمر الناس بالتهيُّؤ لغزو الروم. فذكر الزهريُّ، ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبى بكرٍ، وعاصم بن عمر بن قتادة، وغيرهم من علمائنا، كلٌّ يحدِّث عن غزوة تبوك ما بلغه عنها، وبعض القوم يحدِّث ما لم يحدِّث بعضٌ، أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم، وذلك في زمان عُسْرةٍ من الناس وشدةٍ من الحرِّ وجدبٍ من البلاد، وحين طابت الثمار، فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشُّخوص في الحال من الزمان الذي هم عليه، وكان رسول الله ﷺ قلَّما يخرج في غزوة إلا كنَّى عنها إلا ما كان من غزوة تبوك، فإنه بيَّنها للناس، لبعد المشقة وشدة الزمان وكثرة العدوِّ الذي يصمد إليه ليتأهب الناس لذلك أُهبته، فأمرهم بالجهاد وأخبرهم أنه يريد الروم، فقال رسول الله ﷺ ذات يومٍ وهو في جَهازه ذلك، للجدِّ بن قيسٍ أحد بني سِلمة: "يا جدُّ، هل لك العام في جلاد بني الأصفر؟ " فقال: يا رسول الله، أو تأذن لي ولا تفتنِّي، فوالله لقد عرف قومي أنه ما رجلٌ بأشد عجبًا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر. فأعرض عنه رسول الله ﷺ وقال: "قد أذنت لك". ففي الجدِّ أنزل الله هذه الآية: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٤٩].
وقال قومٌ من المنافقين بعضهم لبعضٍ: لا تنفروا في الحرِّ، زهادةً في الجهاد وشكًّا في الحقِّ وإرجافًا بالرسول ﷺ ، فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٨١ - ٨٢].
قال ابن هشام (٣): حدثني الثقة، عمَّن حدَّثه، عن محمد بن طلحةَ بن عبد الرحمن، عن إسحاق بن
стр. 2144
إبراهيم بن عبد الله بن حارثة، عن أبيه، عن جدِّه قال: بلغ رسول الله ﷺ أن ناسًا من المنافقين يجتمعون في بيت سُوَيلم اليهوديِّ -وكان بيته عند جاسوم- يثبِّطون الناس عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فبعث إليهم طلحة بن عبيد الله في نفرٍ من أصحابه، وأمره أن يحرِّق عليهم بيت سُوَيْلم، ففعل طلحة، فاقتحم الضَّحَّاك بن خليفة من ظهر البيت، فانكسرت رجله، واقتحم أصحابه فأفلتوا، فقال الضَّحَّاك في ذلك: [من الطويل]
كادَت وبيتِ الله نارُ محمدٍ … يشيط بها الضَّحاكُ وابن أُبيرقِ
وظلْت وقد طبَّقت كبس سَويلم … أنوء على رجلي كسيرًا ومرفقي
سلامٌ عليكم لا أعوذُ لمثلها … أخاف ومن تشمل به النار يُحرقِ
قال ابن إسحاق (١): ثم إن رسول الله ﷺ جدَّ في سفره وأمر الناس بالجَهاز والانكماش، وحضَّ أهل الغنى على النفقة والحُملان في سبيل الله، فحمل رجالٌ من أهل الغنى واحتسبوا، وأنفق عثمان بن عفَّان نفقةً عظيمةً لم ينفق أحدٌ مثلها.
قال ابن هشام (٢): فحدَّثني من أثق به أن عثمان أنفق في جيش العُسْرَة في غزوة تبوك ألف دينارٍ، فقال رسول الله ﷺ : "اللّهُمَّ ارض عن عثمان، فإني عنه راضٍ".
وقد قال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا هارون بن معروفٍ، ثنا ضمرة، ثنا عبد الله بن شَوذبٍ، عن عبد الله بن القاسم، عن كثيرٍ مولى عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان بن عَفَّان إلى النبيِّ ﷺ بألف دينارٍ في ثوبه حين جهَّز النبيُّ ﷺ جيش العسرة. قال: فصبَّها في حجر النبيِّ، فجعل النبيُّ ﷺ يقلِّبها بيده، ويقول: "ما ضرَّ ابنَ عَفَّان ما عمل بعد اليوم".
ورواه الترمذيُّ (٤)، عن محمد بن إسماعيل، عن الحسن بن واقعٍ، عن ضمرة به. وقال: حسنٌ غريبٌ.
وقاله عبد الله بن أحمد في "مسند" أبيه (٥): حدَّثني أبو موسى العنزيُّ، حدَّثنا عبد الصَّمد بن عبد الوارث، حدَّثني سكن بن المغيرة، حدَّثني الوليد بن أبي هشامٍ، عن فرقدٍ أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن خَبَّابٍ السُّلميِّ قال: خطب النبيُّ ﷺ فحثَّ على جيش العسرة، فقال عثمان بن عفان: عليَّ مئة بعيرٍ بأحلاسها وأقتابها. قال: ثم نزل مرقاةً من المنبر ثم حثَّ، فقال عثمان: عليَّ مئةٌ أخرى
стр. 2145
بأحلاسها وأقتابها. قال: فرأيت رسول الله ﷺ يقول بيده هكذا يُحَرِّكها، وأخرج عبد الصَّمَد يده، كالمتعجِّب: "ما على عثمان ما عمل بعد هذا".
وهكذا رواه الترمذيُّ (١)، عن محمد بن بشار، عن أبي داود الطيالسي، عن سكن بن المغيرة أبي محمد مولى لآل عثمان به. وقال: غريبٌ من هذا الوجه.
ورواه البيهقيُّ (٢)، من طريق عمرو بن مرزوقٍ، عن سكن بن المغيرة به. وقال: ثلاث مراتٍ، وإنه التزم بثلاثمائة بعيرٍ بأحلاسها وأقتابها. قال عبد الرحمن: فأنا شهدت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: "ما ضرَّ عثمان بعدها". أو قال: "بعد اليوم".
وقال أبو داود الطَّيالسيُّ (٣): حدَّثنا أبو عَوَانة، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمرو بن جاوان، عن الأحنف بن قيسٍ قال: سمعت عثمان بن عَفَّان يقول لسعد بن أبي وقّاصٍ وعليٍّ والزُّبير وطلحة: أَنشُدكم بالله هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "من جهَّز جيش العسرة غفر الله له" فجهَّزتهم حتى ما يفقدون خطامًا ولا عقالًا. قالوا: اللهم نعم.
ورواه النسائيُّ (٤) من حديث حصينٍ به.
* * *
فصلٌ فيمن تخلَّف معذورًا من البكَّائين وغيرهم
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧) لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩) وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٠) لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ
стр. 2146
لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٨٦ - ٩٣]. قد تكلَّمنا على تفسير هذا كله في "التفسير" (١) بما فيه كفايةٌ، ولله الحمد والمِنَّة.
والمقصود ذكر البكَّائين الذين جاؤوا إلى رسول الله ﷺ ليحملهم، حتى يصحبوه في غزوته هذه، فلم يجدوا عنده من الظَّهر ما يحملهم عليه، فرجعوا وهم يبكون؛ تأسُّفًا على ما فاتهم من الجهاد في سبيل الله، والنَّفقة فيه.
قال ابن إسحاق (٢): وكانوا سبعة من الأنصار وغيرهم؛ فمن بني عمرو بن عوفٍ سالم بن عميرٍ، وعُلبة بن زيدٍ أخو بني حارثة، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعبٍ أخو بني مازن بن النَّجّار، وعمرو بن الحُمَام بن الجَمُوح أخو بني سلِمة، وعبد الله بن المغفَّل المزنيُّ، وبعض الناس يقولون: بل هو عبد الله بن عمروٍ المزنيُّ. وهرَميُّ بن عبد الله أخو بني واقفٍ، وعرباض بن سارية الفَزَاريُّ.
قال ابن إسحاق (٣): فبلغني أن ابن يامين بن عمير بن كدب النَّضريَّ لقي أبا ليلى، وعبد الله بن مغفَّلٍ وهما يبكيان، فقال: ما يبكيكما؟ قالا: جئنا رسول الله ﷺ ليحملنا، فلم نجد عنده ما يحملنا عليه، وليس عندنا ما نتقوَّى به على الخروج معه. فأعطاهما ناضحًا له فارتحلاه، وزوَّدهما شيئًا من تمرٍ، فخرجا مع النبيِّ ﷺ زاد يونس بن بكيرٍ، عن ابن إسحاق: وأمَّا عُلبة بن زيدٍ فخرج من الليل، فصلى من ليلته ما شاء الله، ثم بكى وقال: اللهم إنك أمرت بالجهاد ورغَّبت فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوَّى به. ولم تجعل في يد رسولك ﷺ ما يحملني عليه، وإني أتصدَّق على كلِّ مسلمٍ بكلِّ مظلمةٍ أصابني فيها؛ في مالٍ أو جسدٍ أو عرضٍ. ثم أصبح مع الناس، فقال رسول الله ﷺ : "أين المتصدِّق هذه الليلة؟ " فلم يقم أحدٌ، ثم قال: "أين المتصدِّق؟ فليقم". فقام إليه فأخبره، فقال رسول الله ﷺ : "أبشر، فوالذي نفسي بيده، لقد كُتبت في الزكاة المتقبَّلة".
وقد أورد الحافظ البيهقيُّ (٤) ها هنا حديث أبي موسى الأشعريِّ، فقال: حدَّثنا أبو عبد الله الحافظ، حدَّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الحميد الحارثيُّ، حدَّثنا أبو أسامة، عن بُريدٍ، عن أبي بُرْدَة، عن أبي موسى قال: أرسلني أصحابي إلى رسول الله ﷺ أسأله لهم الحُملان، إذ هم معه في جيش العُسْرَة، وهو في غزوة تبوك، فقلت: يا نبيَّ الله، إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم، فقال: "والله لا أحملكم على شيءٍ". ووافقته وهو غضبان ولا أشعر، فرجعت حزينًا من منع
стр. 2147
رسول الله، ومن مخافة أن يكون رسول الله قد وجد في نفسه عليَّ، فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم بالذي قال رسول الله ﷺ ، فلم ألبث إلا سُوَيعةً إذ سمعت بلالًا ينادي: أين عبد الله بن قيسٍ؟ فأجبته فقال: أجب، رسولُ الله ﷺ يدعوك. فلمَّا أتيت رسول الله ﷺ قال: "خذ هذين القرينين وهذين القرينين وهذين القرينين". لستة أبعرةٍ ابتاعهنَّ حينئذٍ من سعدٍ، فقال: "انطلق بهنَّ إلى أصحابك، فقل: إن الله -أو قال: إنَّ رسول الله- يحملكم على هؤلاء، فاركبوهم" فقلتُ: إن رسول الله ﷺ يحملكم على هؤلاء ولكن والله لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله ﷺ حين سألته لكم، ومنعه لي في أول مرةٍ، ثم إعطاءه اباي بعد ذلك، لا تظنُّوا أنِّىِ حدَّثتكم شيئًا لم يقله. فقالوا لي: والله إنَّك عندنا لمصدَّقٌ ولنفعلنَّ ما أحببت. قال: فانطلق أبو موسى بنفرٍ منهم، حتى أتوا الذين سمعوا مقالة رسول الله ﷺ من منعه إياهم، ثم إعطائه بعد، فحدَّثوهم بما حدَّثهم به أبو موسى سواءً. وأخرجه البخاريُّ ومسلمٌ (١) جميعًا، عن أبي كريبٍ، عن أبي أسامة. وفي روايةٍ لهما (٢)، عن أبي موسى قال: أتيت رسول الله في رهطٍ من الأشعريِّين ليحملنا، فقال: "والله ما أحملكم، وما عندي ما أحملكم عليه". قال: ثم جيء رسولُ الله ﷺ بنهب إبلٍ، فأمر لنا بستِّ ذودٍ غرٍّ الذُّرى، فأخذناها، ثم قلنا: تغفَّلنا رسول الله ﷺ يمينه، والله لا يبارك لنا. فرجعنا له فقال: "ما أنا حملتكم، ولكنَّ الله حملكم". ثم قال: "إنِّي والله، إن شاء الله، لا أحلف على يمينٍ فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خيرٌ وتحلَّلتها".
قال ابن إسحاق (٣): وقد كان نفرٌ من المسلمين أبطأتْ بهم النِّيَّة حتى تخلَّفوا عن رسول الله ﷺ من غير شكٍّ ولا ارتيابٍ؛ منهم كعب بن مالك بن أبي كعبٍ أخو بني سلِمة، ومرارة بن ربيعٍ أخو بني عمرو بن عوفٍ، وهلال بن أمية أخو بني واقفٍ، وأبو خيثمة أخو بني سالم بن عوفٍ، وكانوا نفر صدقٍ لا يُتَّهمون في إسلامهم.
قلت: أما الثلاثة الأول فستأتي قصتهم مبسوطة قريبًا، إن شاء الله تعالى، وهم الذين أنزل الله فيهم: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ [التوبة: ١١٨].
وأما أبو خثيمة، فإنَّه عاد وعزم على اللُّحوق برسول الله ﷺ ، كما سيأتي.
* * *
стр. 2148
فصلٌ
قال يونس بن بكيرٍ، عن ابن إسحاق (١): ثم استتبَّ برسول الله ﷺ سفره وأجمع السير، فلما خرج يوم الخميس ضرب عسكره على ثنية الوداع، ومعه زيادة على ثلاثين ألفًا من الناس، وضرب عبد الله بن أُبيٍّ عدوُّ الله عسكره أسفل منه، وما كان فيما يزعمون بأقلِّ العسكرين، فلما سار رسول الله ﷺ تخلَّف عنه عبد الله بن أُبيٍّ في طائفةٍ من المنافقين وأهل الرَّيب.
قال ابن هشامٍ (٢): واستخلف رسول الله ﷺ على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاريَّ. قال: وذكر الدَّراورديُّ أنه استخلف عليها عام تبوك سِبَاع بن عُرْفُطَة.
قال ابن إسحاق (٣): وخلَّف رسول الله ﷺ عليٍّ بن أبي طالبٍ على أهله وأمره بالإقامة فيهم فأرجف به المنافقون، وقالوا: ما خلَّفه إلا استثقالًا له وتخفُّفًا منه. فلما قالوا ذلك أخذ عليٌّ سلاحه، ثم خرج حتى لحق برسول الله ﷺ وهو نازلٌ بالجرف، فأخبره بما قالوا فقال: "كذبوا ولكنِّي خلَّفتك لما تركتُ ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا عليُّ أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبيَّ بعدي؟ " فرجع عليٌّ، ومضى رسول الله ﷺ في سفره.
ثم قال ابن إسحاق (٤): حدَّثني محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقّاصٍ، عن أبيه سعدٍ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول لعليٍّ هذه المقالة.
وقد روى البخاريُّ ومسلمٌ (٥) هذا الحديث من طريق شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاصٍ، عن أبيه به.
وقد قال أبو داود الطَّيالسيُّ في "مسنده" (٦): حدَّثنا شعبة، عن الحكم، عن مصعب بن سعدٍ، عن أبيه قال: خلَّف رسول الله ﷺ عليَّ بن أبي طالبٍ في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله، أتخلِّفني في النساء والصبيان؟ فقال: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبيَّ بعدي؟ " وأخرجاه من طرقٍ، عن شعبة نحوه. وعلَّقه البخاريُّ أيضًا من طريق أبي داود، عن شعبة.
стр. 2149
وقال الإمام أحمد (١): حدَّثنا قُتيبة بن سعيدٍ، حدَّثنا حاتم بن إسماعيل، عن بكير بن مسمارٍ، عن عامرٍ بن سعدٍ، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول له وخلَّفه في بعض مغازيه، فقال عليٌّ: يا رسول الله، تخلِّفني مع النساء والصبيان؟ فقال: "يا عليُّ، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبيَّ بعدي؟ " ورواه مسلمٌ، والترمذيُّ (٢)، عن قتيبة، زاد مسلمٌ: ومحمد بن عبّادٍ، كلاهما عن حاتم بن إسماعيل به. وقال الترمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من هذا الوجه.
قال ابن إسحاق (٣): ثم إن أبا خيثمة رجع بعدما سار رسول الله ﷺ أيامًا إلى أهله في يوم حارٍّ، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه، قد رشَّت كلُّ واحدةٍ منهما عريشها، وبرَّدت له فيه ماءً، وهيَّأت له فيه طعامًا، فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، فقال: رسولُ الله ﷺ في الضَّحِّ والريح والحرِّ، وأبو خيثمة في ظلٍّ باردٍ وطعامٍ مُهيَّأٍ وامرأةٍ حسناء، في ماله مقيمٌ! ما هذا بالنَّصَف. والله لا أدخل عريش واحدةٍ منكما حتى ألحق برسول الله ﷺ ، فهيِّئا زادًا. ففعلتا، ثم قدَّم ناضحه فارتحله، ثم خرج في طلب رسول الله ﷺ حتى أدركه حين نزل تبوك، وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهبٍ الجمحيُّ في الطريق يطلب رسول الله ﷺ فترافقا، حتى إذا دنَوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهبٍ: إنَّ لي ذنبًا فلا عليك أن تخلَّف عني حتى آتي رسول الله ﷺ . ففعل حتى إذا دنا من رسول الله ﷺ قال الناس: هذا راكبٌ على الطريق مقبلٌ. فقال رسول الله ﷺ : "كن أبا خيثمة". فقالوا: يا رسول الله، هو والله أبو خيثمة. فلما بلغ أقبل فسلَّم على رسول الله ﷺ ، فقال له: "أولى لك يا أبا خيثمة! ". ثم أخبر رسول الله الخبر، فقال خيرًا، ودعا له بخيرٍ.
وقد ذكر عُرْوَة بن الزُّبير، وموسى بن عُقْبَة قصة أبي خيثمة بنحوٍ من سياق محمد بن إسحاق وأبسط، وذكر أن خروجه، ﵇، إلى تبوك كان في زمن الخريف. فالله أعلم.
قال ابن هشامٍ (٤): وقال أبو خيثمة، واسمه مالك بن قيسٍ، في ذلك: [من الطويل]
لمَّا رأيتُ الناس في الدِّين نافقوا … أَتَيْتُ التي كانت أَعَفَّ وأكرمَا
وبايعتُ باليمنى يدي لمحمدٍ … فلم أكتسب إثمًا ولم أغشَ محرمَا
تركت خضيبًا في العريش وصِرمةً … صَفايا كِرَامًا بُسْرُهَا قد تحمَّمَا
وكنتُ إذا شكَّ المُنَافق أَسمَحَتْ … إلى الدِّين نفسي شطرَه حيث يمَّما
стр. 2150
قال يونس بن بكيرٍ، عن محمد بن إسحاق، عن بريدة بن سفيان، عن محمد بن كعبٍ القرظيِّ، عن عبد الله بن مسعودٍ قال: لمَّا سار رسول الله ﷺ إلى تبوك جعل لا يزال الرجل يتخلَّف، فيقولون: يا رسول الله، تخلَّف فلانٌ. فيقول: "دعوه، إن يك فيه خيرٌ فسيُلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه". حتى قيل: يا رسول الله، تخلَّف أبو ذرٍّ وأبطأ به بعيره. فقال: "دعوه، إن يك فيه خيرٌ فسيُلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه". فتلَّوم أبو ذرٍّ بعيره، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فجعله على ظهره، ثم خرج يتَّبع رسول الله ﷺ ماشيًا، ونزل رسول الله ﷺ في بعض منازله، ونظر ناظرٌ من المسلمين، فقال: يا رسول الله، إن هذا الرجل ماشٍ على الطريق. فقال رسول الله ﷺ : "كن أبا ذرٍّ". فلما تأمَّله القوم قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو ذرٍّ. فقال رسول الله ﷺ : "يرحم الله أبا ذرٍّ، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده". قال: فضرب الدَّهر من ضربه، وسُيِّر أبو ذرٍّ إلى الرَّبذة، فلما حضره الموت أوصى امرأته وغلامه فقال: إذا متُّ فاغسلاني وكفِّناني من الليل، ثم ضعاني على قارعة الطريق، فأوَّل ركبٍ يمرُّون بكم فقولوا: هذا أبو ذرٍّ. فلما مات فعلوا به كذلك، فاطَّلع ركبٌ، فما علموا به حتى كادت ركابهم تطأ سريره، فإذا ابن مسعودٍ في رهطٍ من أهل الكوفة فقال: ما هذا؟ فقيل: جنازة أبي ذرٍّ. فاستهلَّ ابن مسعودٍ يبكي، وقال: صدق رسول الله ﷺ : "يرحم الله أبا ذرٍّ يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده". فنزل فوليه بنفسه حتى أجنَّه. إسناده حسنٌ، ولم يُخرِّجوه (١).
قال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمرٌ، أخبرنا عبد الله بن محمد بن عقيلٍ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: ١١٧]. قال: خرجوا في غزوة تبوك، الرجلان والثلاثة على بعيرٍ واحدٍ، وخرجوا في حرٍّ شديدٍ، فأصابهم في يومٍ عطشٌ حتى جعلوا ينحرون إبلهم ليعصروا أكراشها ويشربوا ماءها، فكان ذلك عسرةً في الماء وعسرةً في النفقة وعسرةً في الظَّهر.
قال عبد الله بن وهبٍ: أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلالٍ، عن عتبة بن أبي عتبة، عن نافع بن جبيرٍ، عن عبد الله بن عباسٍ أنه قيل لعمر بن الخطاب: حدِّثنا عن شأن ساعة العسرة. فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قيظٍ شديدٍ، فنزلنا منزلًا وأصابنا فيه عطشٌ حتى ظننَّا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان أحدنا ليذهب فيلتمس الرَّحْل فلا يرجع حتى يظنَّ أن رقبته ستنقطع، حتى إنَّ الرجل لينحر بعيره
стр. 2151
فيعتصر فرثه فيشربه، ثم يجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكرٍ الصديق: يا رسول الله، إن الله قد عوَّدك في الدعاء خيرًا، فادع الله لنا. فقال: "أتحبُّ ذلك؟ " قال: نعم. قال: فرفع يديه نحو السماء، فلم يرجعهما حتى قالت السماء، فأظلَّت ثم سكبت، فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر. إسناده جيدٌ، ولم يخرجوه من هذا الوجه.
وقد ذكر ابن إسحاق (١)، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن رجالٍ من قومه أن هذه القضيَّة كانت وهم بالحجر، وأنَّهم قالوا لرجلٍ معهم منافقٍ: ويحك! هل بعد هذا من شيءٍ؟! فقال: سحابةٌ مارَّةٌ. وذكر أن ناقة رسول الله ﷺ ضلَّت، فذهبوا في طلبها، فقال رسول الله ﷺ لعمارة بن حزمٍ الأنصاريِّ -وكان عنده-: "إن رجلًا قال: هذا محمدٌ يخبركم أنه نبيٌّ ويخبركم خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته. وإني والله ما أعلم إلا ما علَّمني الله، وقد دلَّني الله عليها، هي في الوادي قد حبستْها شجرةٌ بزمامها". فانطلقوا فجاؤوا بها فرجع عمارة إلى رحله، فحدَّثهم عما جاء رسولَ الله ﷺ من خبر الرجل، فقال رجلٌ ممن كان في رحل عمارة: إنما قال ذلك زيد بن اللُّصَيت، وكان في رحل عمارة قبل أن يأتيَ، فأقبل عمارة على زيدٍ يجأ في عنقه ويقول: إن في رحلي لداهيةً وأنا لا أدري، اخرج عني يا عدوَّ الله. فلا تصحبني. فقال بعض الناس: إن زيدًا تاب. وقال بعضهم: لم يزل مصرًّا حتى هلك.
قال الحافظ البيهقيُّ (٢): وقد روينا من حديث ابن مسعودٍ شبيهًا بقصة الراحلة. ثم روى من حديث الأعمش، وقد رواه الإمام أحمد (٣)، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالحِ، عن أبي هريرة، أو عن أبي سعيدٍ الخدريِّ -شكَّ الأعمش- قال: لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعةٌ، فقالوا: يا رسول الله، لو أذنت لنا فتنحر نواضحنا، فأكلنا وادَّهنَّا. فقال رسول الله ﷺ : "افعلوا". فجاء عمر فقال: يا رسول الله، إن فعلتَ قلَّ الظَّهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، وادع الله لهم فيها بالبركة، لعل الله أن يجعل فيها البركة. فقال رسول الله ﷺ : "نعم". فدعا بنِطْعٍ فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم فجعل الرجل يجيء بكفِّ ذُرةٍ، ويجيء الآخر بكفٍّ من التمر، ويجيء الآخر بكسرةٍ حتى اجتمع على النِّطَع من ذلك شيءٌ يسيرٌ، فدعا رسول الله ﷺ بالبركة، ثم قال لهم: "خذوا في أوعيتكم". فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاءً إلا ملؤوه وأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلةٌ، فقال رسول الله ﷺ : "أشهد أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله، لا يلقى الله بها عبدٌ غير شاكٍّ فيحجب عن الجنة".
ورواه مسلمٌ (٤)، عن أبي كُرَيبٍ، عن أبي مُعَاوية، عن الأعمش به.
стр. 2152
ورواه الإمام أحمد (١) من حديث سهيل بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هريرة. ولم يذكر غزوة تبوك، بل قال: كان في غزوةٍ غزاها.
ذكر مروره ﷺ في ذهابه إلى تبوك بمساكن ثمود وصرحتهم بالحِجْرِ
قال ابن إسحاق (٢): وقد كان رسول الله ﷺ حين مرَّ بالحِجر نزلها واستقى الناس من بئرها، فلما راحوا قال رسول الله ﷺ : "لا تشربوا من مياهها شيئًا، ولا تتوضؤوا منه للصلاة، وما كان من عجينٍ عجنتموه فأعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئًا". هكذا ذكره ابن إسحاق بغير إسنادٍ.
وقال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا يعمر بن بشرٍ، حدَّثنا عبد الله -هو ابن المبارك- أخبرنا معمرٌ، عن الزُّهريَّ، أخبرني سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ لمَّا مرَّ بالحِجر قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين؛ أن يصيبكم ما أصابهم". وتقنَّع بردائه وهو على الرَّحل.
ورواه البخاريُّ (٤) من حديث عبد الله بن المبارك وعبد الرزاق، كلاهما عن معمرٍ بإسناده نحوه.
وقال مالكٌ (٥)، عن عبد الله بن دينارٍ، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: "لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذَّبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، أن يصيبكم مثل ما أصابهم". ورواه البخاريُّ (٦) من حديث مالكٍ ومن حديث سليمان بن بلالٍ، كلاهما عن عبد الله بن دينارٍ.
ورواه مسلم (٧) من وجهٍ آخر، عن عبد الله بن دينارٍ نحوه.
وقال الإمام أحمد (٨): حدَّثنا عبد الصمد، حدَّثنا صخرٌ -هو ابن جويرية- عن نافعٍ، عن ابن عمر
стр. 2153
قال: نزل رسول الله ﷺ بالناس عام تبوك الحِجر عند بيوت ثمود، فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا ونصبوا الفدور باللحم، فأمرهم رسول الله ﷺ فأهرقوا القدور، وعلفوا العجين الإبل، ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا فقال: "إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فلا تدخلوا عليهم". وهذا الحديث إسناده على شرط "الصحيحين" من هذا الوجه، ولم يخرجوه، وإنما أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ (١) من حديث أنس بن عياضٍ أبي ضَمْرَة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافعٍ، عن ابن عمر به. قال البخاريُّ: وتابعه أسامة، عن نافعٍ.
ورواه مسلمٌ (٢) من حديث شعيب بن إسحاق، عن عبيد الله، عن نافعٍ به.
وقال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا معمرٌ، عن عبد الله بن عثمان بن خثيمٍ، عن أبي الزبير، عن جابرٍ قال: لما مرًّ النبيُّ ﷺ بالحجر قال: "لا تسألوا الآيات، فقد سألها قوم صالحٍ، فكانت ترد من هذا الفجِّ، وتصدر من هذا الفجِّ، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، وكانت تشرب ماءهم يومًا ويشربون لبنها يومًا، فعقروها، فأخذتهم صيحةٌ أهمد الله من تحت أديم السماء منهم، إلا رجلًا واحدًا كان فى حرم الله". قيل: من هو يا رسول الله؟ قال: "هو أبو رِغالٍ، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه". إسناده صحيحٌ، ولم يخرجوه.
وقال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا يزيد بن هارون، أخبرنا المسعوديُّ، عن إسماعيل بن أوسط عن محمد بن أبي كبشة الأنماريِّ، عن أبيه قال: لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحِجر يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فنودي في الناس: الصلاةَ جامعةً. قال: فأتيت رسول الله ﷺ وهو ممسكٌ بعيره وهو يقول: "ما تدخلون على قومٍ غضب الله عليهم؟ " فناداه رجلٌ منهم: نعجب منهم [يا رسول الله]. قال: "أفلا أنبِّئكم بأعجب من ذلك؟ رجلٌ من أنفسكم ينبِّئكم بما كان قبلكم وما هو كائنٌ بعدكم، فاستقيموا وسدِّدوا، فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئًا، وسيأتي قومٌ لا يدفعون عن أنفسهم شيئًا". إسناده حسنٌ، ولم يخرجوه.
وقال يونس بن بكيرٍ (٥)، عن ابن إسحاق، حدَّثني عبد الله بن أبىِ بكر بن حزمٍ عن العباس بن سهل بن سعدٍ الساعديِّ -أو عن العباس، [عن سهل] بن سعدٍ، الشكُّ منِّي- أن رسول الله ﷺ حين مرَّ
стр. 2154
بالحجر ونزلها استقى الناس من بئرها، فلما راحوا منها قال رسول الله ﷺ للناس: "لا تشربوا من مائها شيئًا، ولا تتوضَّؤوا منه للصلاة، وما كان من عجينٍ عجنتموه فأعلفوه الإبل ولا تأكلوا منه شيئًا، ولا يخرجنَّ أحدٌ منكم الليلة إلا ومعه صاحبٌ له". ففعل الناس ما أمرهم به رسول الله ﷺ إلا رجلين من بني ساعدة، خرج أحدهما لحاجته، وخرج الآخر في طلب بعيرٍ له؛ فأما الذي ذهب لحاجته، فإنه خنق على مذهبه، وأما الذي ذهب في طلب بعيره، فاحتملته الريح حتى ألقته بجبلي طيِّئٍ، فأخبر رسول الله ﷺ بذلك فقال: "ألم أنهكم أن يخرج رجلٌ إلا ومعه صاحبٌ له؟ " ثم دعا للذي أُصيب على مذهبه فشفي، وأما الآخر فإنه وصل إلى رسول الله ﷺ [حين قدم] من تبوك -وفي رواية زيادٍ، عن ابن إسحاق أن طيِّئًا أهدته إلى رسول الله ﷺ حين رجع إلى المدينة- قال ابن إسحاق: وقد حدَّثني عبد الله بن أبي بكرٍ أن العباس بن سهلٍ سمَّى له الرجلين، لكنه استكتمه إيَّاهما، فلم يحدِّثني بهما.
وقد قال الإمام أحمد (١): حدَّثنا عَفَّان، حدَّثنا وهيب بن خالدٍ، ثنا عمرو بن يحيى، عن العباس بن سهل بن سعدٍ الساعديِّ، عن أبي حميدٍ الساعديِّ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام تبوك حتى جئنا وادي القرى، فإذا امرأةٌ في حديقةٍ لها فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "اخرصوا". فخرص القوم وخرص رسول الله ﷺ عشرة أوسقٍ، وقال رسول الله ﷺ للمرأة: "أحصي ما يخرج منها حتى أرجع إليك إن شاء الله". قال: فخرج حتى قدم تبوك، فقال رسول الله ﷺ : "إنها ستهبُّ عليكم الليلة ريحٌ شديدةٌ، فلا يقومنَّ فيها رجلٌ، فمن كان له بعيرٌ فليوثق عقاله". قال أبو حميدٍ: فعقلناها، فلما كان من الليل، هبَّت علينا ريحٌ شديدةٌ، فقام فيها رجلٌ فألقته في جبل طيّئٍ، ثم جاء رسول الله ملك أيلة، فأهدى لرسول الله بغلةً بيضاء، وكساه رسول الله بردًا، وكتب له ببحرهم، ثم أقبل وأقبلنا معه، حتى جئنا وادي القرى، فقال للمرأة: كم جاءت حديقتكِ؟ " قالت: عشرة أوسقٍ، خرصَ رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : "إني متعجِّلٌ، فمن أحبَّ منكم أن يتعجَّل فليفعل". قال: فخرج رسول الله وخرجنا معه، حتى إذا أوفى على المدينة، قال: "هذه طابة". فلما رأى أُحدًا قال: "هذا أحدٌ، يحبُّنا ونحبُّه، ألا أخبركم بخير دور الأنصار؟ " قلنا: بلى يا رسول الله. قال: "خير دور الأنصار بنو النجّار، ثم دار بني عبد الأشهل، ثم دار بني ساعدة، ثم في كلِّ دور الأنصار خيرٌ".
وأخرجه البخاريُّ ومسلمٌ (٢) من غير وجهٍ عن عمرو بن يحيى به نحوه.
وقال الإمام مالكٌ (٣)، ﵀، عن أبي الزُّبير، عن أبي الطُّفيل عامر بن واثلة، أن معاذ بن جبلٍ
стр. 2155
أخبره أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ عام تبوك، فكان يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء. قال: فأخَّر الصلاة يومًا، ثم خرج فصلَّى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج فصلَّى المغرب والعشاء جميعًا، ثم قال: "إنكم ستأتون غدًا، إن شاء الله، عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها فلا يمسَّ من مائها شيئًا حتى آتيَ". قال: فجئناها وقد سبق إليها رجلان، والعين مثل الشراك تبضُّ بشيءٍ من ماءٍ، فسألهما رسول الله ﷺ : "هل مسستما من مائها شيئًا؟ " قالا: نعم. فسبَّهما وقال لهما ما شاء الله أن يقول، ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلًا قليلًا حتى اجتمع في شيءٍ، ثم غسل رسول الله فيه وجهه ويديه، ثم أعاده فيها، فجرت العين بماءٍ كثير، فاستقى الناس، ثم قال رسول الله ﷺ : "يا معاذ، يوشك إن طالت بك حياةٌ أن ترى ما ها هنا قد ملئ جنانًا".
وأخرجه مسلمٌ (١) من حديث مالكٍ به.
* * *
ذكر خطبته، ﵊، في تبوك إلى نخلةٍ هناك
روى الإمام أحمد (٢)، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، ويونس بن محمدٍ المؤدِّب، وحجَّاج بن محمدٍ، ثلاثتهم عن اللّيث بن سعدٍ، عن يزيد بن أبي حبيبٍ، عن أبي الخير، عن أبي الخطاب، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ أنه قال: إن رسول الله ﷺ عام تبوك خطب الناس وهو مسندٌ ظهره إلى نخلةٍ فقال: "ألا أخبركم بخير الناس وشرِّ الناس؟ إن من خير الناس رجلًا عمل في سبيل الله على ظهر فرسه، أو على ظهر بعيره، أو على قدميه، حتى يأتيَه الموت، وإنَّ من شرِّ الناس رجلًا فاجرًا جريئًا يقرأ كتاب الله لا يرعوي إلى شيءٍ منه". ورواه النسائي (٣)، عن قتيبة، عن الليث به. وقال: أبو الخطاب لا أعرفه.
وروى البيهقيُّ (٤) من طريق يعقوب بن محمدٍ الزُّهريِّ، عن عبد العزيز بن عمران، حدَّثنا عبد الله بن مصعب بن منظور بن جَميل بن سنانٍ، أخبرني أبي، سمعت عقبة بن عامرٍ الجهنيَّ يقول: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فاسترقد رسول الله ﷺ فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قِيد رمحٍ، قال:
стр. 2156
"ألم أقل لك يا بلال: اكلأ لنا الفجر؟ " فقال: يا رسول الله، ذهب بي من النوم مثل الذي ذهب بك. قال: فانتقل رسول الله ﷺ من منزله غير بعيدٍ، ثم صلّى وسار بقية يومه وليلته، فأصبح بتبوك، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: "أيها الناس، أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العُرى كلمة التَّقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وخير السُّنن سنة محمدٍ، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص هذا القرآن، وخير الأمور عوازمها، وشرَّ الأمور محدثاتها، وأحسن الهدي هدي الأنبياء، وأشرف الموت قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير الأعمال ما نفع، وخير الهدي ما اتُّبع، وشرُّ العمى عمى القلب، واليد العليا خيرٌ من اليد السُّفْلَى، وما قلَّ وكفى خيرٌ مما كثر وألهى، وشرَّ المعذرة حين يحضر الموت، وشرَّ النَّدامة يوم القيامة، ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا دُبْرًا، ومن الناس من لا يذكر الله إلا هَجرًا، ومن أعظم الخطايا اللسان الكذّاب، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله، ، وخير ما وقر في القلوب اليقين، والارتياب من الكفر، والنِّياحة من عمل الجاهليَّة، والغلول من جثى جهنم، والشعر من إبليس، والخمر جماع الإثم، والنساء حبائل الشيطان، والشباب شعبةٌ من الجنون، وشرَّ المكاسب كسب الرِّبا، وشرَّ المآكل أكل مال اليتيم، والسعيد من وعظ بغيره، والشقيَّ من شقي في بطن أمِّه، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرعٍ، والأمر إلى الآخرة، وملاك العمل خواتمه، وشرَّ الرَّوايا روايا الكذب، وكلَّ ما هو آتٍ قريبٌ، وسِباب المؤمن فسوق، وقتال المؤمن كفرٌ، وأكل لحمه من معصية الله، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يتألَّ على الله يكذبه، ومن يستغفره يغفر له، ومن يعف يعف الله عنه، ومن يكظم يأجره الله، ومن يصبر على الرَّزيَّة يعوِّضه الله، ومن يبتغ السُّمعة يسمِّع الله به. ومن يصبر يضعِّف الله له، ومن يعص الله يعذِّبه الله، اللهمَّ اغفر لي ولأمتي، اللهم اغفر لي ولأمتي، اللهمَّ اغفر لي ولأمتي". قالها ثلاثًا، ثم قال: "أستغفر الله لي ولكم". وهذا حديثٌ غريبٌ، وفيه نكارةٌ، وفي إسناده ضعفٌ، والله تعالى أعلم بالصواب.
وقال أبو داود (١): ثنا أحمد بن سعيدٍ الهْمدانيُّ، وسليمان بن داود قالا: أخبرنا ابن وهبٍ، أخبرني معاوية، عن سعيد بن غَزْوَان، عن أبيه أنه نزل بتبوك وهو حاجٌّ، فإذا رجلٌ مقعدٌ، فسأله عن أمره فقال: سأحدِّثك حديثًا، فلا تحدِّث به ما سمعت أنِّي حيٌّ؛ إنَّ رسول الله ﷺ نزل بتبوك إلى نخلةٍ فقال: "هذه قبلتنا". ثم صلَّى إليها. قال: فأقبلتُ وأنا غلامٌ أسعى، حتى مررت بينه وبينها، فقال: "قطع صلاتنا قطع الله أثره". قال: فما قمت عليها إلى يومي هذا.
ثم رواه أبو داود (٢) من حديث سعيدٍ بن عبد العزيز التَّنوخيِّ، عن مولى ليزيد بن نمران، عن يزيد بن
стр. 2157
نمران قال: رأيت بتبوك مُقعدًا فقال: مررت بين يدي رسول الله ﷺ وأنا على حمارٍ، وهو يصلِّي، فقال: "اللهم اقطع أثره".
فما مَشَيت عليها بعدُ.
وفي رواية: "قطع صلاتنا قطع الله أثره" (١).
* * *
ذكر الصَّلَاة على مُعَاوية بن مُعَاوية (٢) إن صحَّ الخبر في ذلك
روى البيهقيُّ (٣) من حديث يزيد بن هارون، أخبرنا العلاء أبو محمد الثقفيُّ قال: سمعت أنس بن مالكٍ قال: كنا مع رسول الله ﷺ بتبوك، فطلعت الشمس بضياء وشعاعٍ ونورٍ لم أرها طلعت فيما مضى، فأتى جبريل رسول الله فقال: "يا جبريل، ما لي أرى الشمس اليوم طلعت بضياءٍ ونورٍ وشعاعٍ لم أرها طلعت فيما مضى؟ " قال: ذلك أن معاوية بن معاوية الليثيَّ مات بالمدينة اليوم، فبعث الله إليه سبعين ألف ملكٍ يصلُّون عليه. قال: "وممَّ ذاك؟ " قال: بكثرة قراءته ﴿قُل هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] بالليل والنهار، وفي ممشاه وفي قيامه وقعوده، فهل لك يا رسول الله أن أقبض لك الأرض فتصلِّي عليه؟ قال: "نعم". فصلَّى عليه ثم رجع. وهذا الحديث فيه غرابةٌ شديدةٌ ونكارةٌ، والناس يسندون أمره إلى العلاء بن زيدٍ هذا، وقد تكلَّموا فيه.
ثم قال البيهقيُّ (٤): أخبرنا عليُّ بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيدٍ الصَّفَّار، حدَّثنا هشام بن عليٍّ، أخبرنا عثمان بن الهيثم، حدَّثنا محبوب بن هلالٍ، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أنسٍ قال: جاء جبريل فقال: يا محمد، مات معاوية بن مُعَاوية المُزَنيُّ، أفتحبُّ أن تصلي عليه؟ قال: "نعم". فضرب بجناحه، فلم يبق من شجرةٍ ولا أكَمةٍ إلا تضعضعت له. قال: فصلَّى وخلفه صفَّان من الملائكة، في كل صفٍّ سبعون ألف ملكٍ. قال: قلت: "يا جبريل، بم نال هذه المنزلة من الله؟ " قال: بحبّه ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ يقرؤها قائمًا وقاعدًا، وذاهبًا وجائيًا، وعلى كلِّ حالٍ. قال عثمان:
стр. 2158
فسألت أبي: أين كان النبيُّ ﷺ ؟ قال: بغزوة تبوك بالشام، ومات معاوية بالمدينة، ورفع له سريره حتى نظر إليه وصلَّى عليه، وهذا أيضًا منكرٌ من هذا الوجه.
* * *
قدوم رسول قيصر إلى رسول الله ﷺ بتبوك
قال الإمام أحمد (١): حدَّثنا إسحاق بن عيسى، حدَّثنا يحيى بن سُلَيم، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن أبي راشدٍ قال: لقيت التَنوخيَّ رسول هرقل إلى رسول الله ﷺ بحمص، وكان جارًا لي شيخًا كبيرًا قد بلغ الفنَد أو قُرب. فقلت: ألا تخبرني عن رسالة هرقل إلى رسول الله ﷺ ورسالة رسول الله ﷺ إلى هرقل؟ فقال: بلى، قدم رسول الله ﷺ تبوك، فبعث دحية الكلبيَّ إلى هرقل، فلما جاءه كتاب رسول الله ﷺ دعا قسِّيسي الرُّوم وبطارقتها، ثم أغلق عليه وعليهم الدار، فقال: قد نزل هذا الرجل حيث رأيتم، وقد أرسل إليَّ يدعوني إلى ثلاث خصالٍ؛ يدعوني إلى أن أتَّبعه على دينه، أو على أن نعطيَه مالنا على أرضنا والأرض أرضنا، أو نلقي إليه الحرب، والله لقد عرفتم فيما تقرؤون من الكتب ليأخذنَّ [ما تحت قدميَّ] فهلمَّ فلنتّبعه على دينه أو نعطه مالنا على أرضنا. فنخروا نخرة رجلٍ واحدٍ حتى خرجوا من برانسهم، وقالوا: تدعونا إلى أن نذر النصرانية أو نكون عبيدًا لأعرابيٍّ جاء من الحجاز؟ فلما ظنَّ أنهم إن خرجوا من عنده أفسدوا عليه الروم رفَأهم ولم يكد، وقال: إنما قلت ذلك لكم لأعلم صلابتكم على أمركم. ثم دعا رجلًا من عرب تُجيب كان على نصارى العرب، قال: ادع لي رجلًا حافظًا للحديث عربيَّ اللسان أبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه. فجاء بي فدفع إليَّ هرقل كتابًا، فقال: اذهب بكتابي إلى هذا الرجل، فما سمعت من حديثه فاحفظ لي منه ثلاث خصالٍ؛ انظر هل يذكر صحيفته التى كتب إليَّ بشيءٍ، وانظر إذا قرأ كتابي فهل يذكر الليل، وانظر فيظهره هل به شيءٌ يريبك. قال: فانطلقت بكتابه حتى جئت تبوك، فإذا هو جالسٌ بين ظهراني أصحابه محتبيًا على الماء، فقلت: أين صاحبكم؟ قيل: ها هو ذا. فأقبلت أمشي حتى جلست بين يديه فناولته كتابي، فوضعه في حجره ثم قال: "ممن أنت؟ " فقلت: أنا أخو تنوخ. قال: "هل لك إلى الإسلام الحنيفية ملة أبيك إبراهيم؟ " قلت: إني رسول قومٍ وعلى دين قومٍ، لا أرجع عنه حتى أرجع إليهم. فضحك وقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦] يا أخا تنوخ، إني كتبت بكتابٍ إلى كسرى فمزَّقه، واللهُ ممزِّقه وممزِّقٌ ملكه، وكتبت إلى النجاشيٍّ بصحيفةٍ فخرَّقها، واللّهُ مُخَرِّقُه، ومُخَرِّقٌ مُلكه، وكتبتَ إلى صاحبك بصحيفةٍ فأمسكها، فلن يزال الناس يجدون منه بأسًا ما دام في العيش خيرٌ". قلت:
стр. 2159
هذه إحدى الثلاث التي أوصاني بها صاحبي. فأخذت سهمًا من جعبتي فكتبته في جلد سيفي، ثم إنه ناول الصحيفة رجلًا عن يساره، قلت: من صاحب كتابكم الذي يقرأ لكم؟ قالوا: معاوية. فإذا في كتاب صاحبي: تدعوني إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض أُعدَّت للمتقين، فأين النار؟ فقال رسول الله ﷺ : "سبحان الله! أين الليل إذا جاء النهار؟! " قال: فأخذت سهمًا من جعبتي فكتبته في جلد سيفي. فلما أن فرغ من قراءة كتابي، قال: "إن لك حقًا وإنك رسول، فلو وجدتَ عندنا جائزةً جوَّزناك بها، إنَّا سَفْرٌ مرملون". قال: فناداه رجلٌ من طائفة الناس، قال: أنا أجوِّزه. ففتح رحله، فإذا هو يأتي بحلةٍ صفُوريَّةِ فوضعها في حَجري، قلت: من صاحب الجائزة؟ قيل لي: عثمان. ثم قال رسول الله: "أيُّكم ينزل هذا الرجل؟ " فقال فتى من الأنصار: أنا. فقام الأنصاريُّ وقمت معه حتى إذا خرجت من طائفة المجلس ناداني رسول الله فقال: "تعال يا أخا تنوخ". فأقبلت أهوي إليه حتى كنت قائمًا في مجلسي الذي كنت بين يديه، فحلَّ حُبوته عن ظهره، وقال: "ها هنا امض لما أمرت به". فجُلت في ظهره، فإذا أنا بخاتمٍ في موضع غضون الكتف مثل الحَجمة الضخمة. هذا حديثٌ غريبٌ، وإسناده لا بأس به، تفرَّد به الإمام أحمد.
* * *
ذكر مصالحته، ﵊، مَلِكَ أَيْلَة وأهل جَرْبَاء وأَذْرُحَ وهو مُخَيِّمٌ على تَبُوك قبل رجوعه
قال ابن إسحاق (١): ولما انتهى رسول الله ﷺ إلى تبوك أتاه يُحَنَّة بن رُؤبة صاحب أَيلة، فصالح رسول الله ﷺ وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جرباء وأذرح فأعطوه الجزية، وكتب لهم رسول الله ﷺ كتابًا فهو عندهم، فكتب ليُحَنَّة بن رُؤبة وأهل أيلة: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذه أمنةٌ من الله ومحمدٍ النبيِّ رسول الله ليُحَنَّة بن رؤبة وأهل أيلة، سُفنهم وسيَّارتهم في البرِّ والبحر، لهم ذمَّة الله ومحمدٍ النبيِّ ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثًا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طَيِّبٌ لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحلُّ أن يمنعوه ماءً يرِدونه ولا طريقًا يردونه من برٍّ أو بحرٍ".
زاد يونس بن بكيرٍ (٢)، عن ابن إسحاق بعد هذا: وهذا كتابُ جُهيم بن الصَّلت وشرحبيل بن حسنة بإذن رسول الله.
стр. 2160
قال يونس، عن ابن إسحاق (١): وكتب لأهل جرباء وأذرح: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتابٌ من محمدٍ النبيِّ رسول الله لأهل جرباء وأذرح، أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمدٍ، وأن عليهم مئة دينارٍ في كلِّ رجبٍ، ومائة أوقيَّةٍ طَيِّبةٍ، وأن الله عليهم كفيلٌ بالنُّصح والإحسان إلى المسلمين، ومن لجأ إليهم من المسلمين". قال: وأعطى النبيُّ ﷺ أهل أيلة بُرده مع كتابه أمانًا لهم. قال: فاشتراه بعد ذلك أبو العباس عبد الله بن محمدٍ بثلاثمائة دينارٍ.
* * *
بَعْثُهُ، ﵊، خالد بن الوليد إلى أُكَيْدِر دُومة
قال ابن إسحاق (٢): ثم إنَّ رسول الله ﷺ دعا خالد بن الوليد فبعثه إلى أكيدر دُومة، وهو أُكَيدر بن عبد الملك؛ رجلٌ من كِندة، كان ملكًا عليها، وكان نصرانيًا. وقال رسول الله ﷺ لخالدٍ: "إنك ستجده يصيد البقر". فخرج خالدٌ، حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين، وفي ليلةٍ مقمرةٍ صائفةٍ، وهو على سطحٍ له، ومعه امرأته، وباتت البقر تحكُّ بقرونها باب القصر، فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قطُّ؟! قال: لا والله! قالت: فمن يترك هذا؟ قال: لا أحد. فنزل فأمر بفرسه فأُسرج له. وركب معه نفرٌ من أهل بيته، فيهم أخٌ له يقال له: حسَّان. فركب وخرجوا معه بمَطاردهم. فلمَّا خرجوا تلقَّتهم خيل النبيِّ ﷺ ، فأخذته وقتلوا أخاه، وكان عليه قَباءٌ من ديباجٍ مخوَّصٌ بالذهب، فاستلبه خالدٌ، فبعث به إلى رسول الله ﷺ قبل قدومه عليه. قال: فحدَّثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن أنس بن مالكٍ قال: رأيت قَباء أُكيدرٍ حين قدم به على رسول الله ﷺ ، فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويتعجَّبون منه، فقال رسول الله ﷺ : "أتعجبون من هذا؟ فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذٍ في الجنة أحسن من هذا".
قال ابن إسحاق (٣): ثم إن خالد بن الوليد لمَّا قدم بأكيدرٍ على رسول الله ﷺ حقن له دمه فصالحه على الجزية، ثم خلَّى سبيله، فرجع إلى قريته، فقال رجلٌ من بني طيِّىِّءٍ -يقال له: بُجير بن بَجرة- في ذلك: [من الوافر]
تبارك سائق البقرات إنِّي … رأيت الله يهدي كلَّ هاد
فمن يك حائدًا عن ذي تبوكٍ … فإنَّا قد أمرنا بالجهاد
стр. 2161
وقد حكى البيهقيُّ (١) أنَّ رسول الله ﷺ قال لهذا الشاعر: لا يفضض الله فاك". فأتت عليه تسعون سنةٌ ما تحرَّك له فيها ضرسٌ ولا سنٌّ.
وقد روى ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوَة، أنَّ رسول الله ﷺ بعث خالدًا مرجعه من تبوك في أربعمائةٍ وعشرين فارسًا إلى أكيدر دومة. فذكر نحو ما تقدَّم، إلا أنَّه ماكَره حتى أنزله من الحصن، وذكر أنَّه قدم مع أُكَيدر إلى رسول الله ﷺ ثمانمائةٍ من السَّبي، وألف بعيرٍ، وأربعمائة درعٍ، وأربعمائة رُمحٍ، وذكر أنَّه لمَّا سمع عظيم أيلة يُحَنَّة بن رؤبة بقضية أُكَيدر دومة أقبل قادمًا على رسول الله ﷺ ليصالحه، فاجتمعا عند رسول الله ﷺ بتبوك، فالله أعلم.
وروى يونس بن بكيرٍ (٢)، عن سعد بن أوسٍ، عن بلال بن يحيى، أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيق كان على المهاجرين في غزوة دومة الجندل، وخالد بن الوليد على الأعراب في غزوة دومة الجندل، فالله أعلم.
* * *
فصلٌ
قال ابن إسحاق (٣): فأقام رسول الله ﷺ بضع عشرة ليلةً بتبوك لم يجاوزها، ثم انصرف قافلًا إلى المدينة. قال: وكان في الطريق ماءٌ يخرج من وَشَلٍ، يروي الراكب والراكبين والثلاثة، بوادٍ يقال له: وادي المشفَّق. فقال رسول الله ﷺ : "من سبقنا إلى ذلك الماء فلا يستقينَّ منه شيئًا حتى نأتيَه". قال: فسبقه إليه نفرٌ من المنافقين فاستقَوا ما فيه، فلمَّا أتاه رسول الله ﷺ وقف عليه فلم ير فيه شيئًا، فقال: "من سبقنا إلى هذا الماء؟ " فقيل له: يا رسول الله، فلانٌ وفلانٌ. فقال: "أوَ لم أنههم أن يستقوا منه حتى آتيَه؟ " ثم لعنهم ودعا عليهم، ثم نزل فوضع يده تحت الوَشل، فجعل يصب في يده ما شاء الله أن يصبَّ، ثم نضحه به ومسحه بيده، ودعا بما شاء الله أن يدعوَ، فانخرق من الماء -كما يقول من سمعه- ما إنَّ له حسًّا كحسِّ الصَّواعق، فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه، فقال رسول الله ﷺ : "لئن بقيتم أو من بقي منكم ليسمعنَّ بهذا الوادي وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه".
قال ابن إسحاق (٤): وحدَّثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التَّيميُّ، أنَّ عبد الله بن مسعودٍ كان يحدِّث قال: قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله في غزوة تبوك، فرأيت شُعلةً من نارٍ في ناحية
стр. 2162
العسكر، فاتَّبعتها أنظر إليها. قال: فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكرٍ وعمر، وإذا عبد الله ذو البِجادين قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله ﷺ في حفرته، وأبو بكرٍ وعمر يدلِّيانه إليه، وإذا هو يقول: "أدنيا إليَّ أخاكما". فدلَّياه إليه، فلمَّا هيَّأه لشقِّه قال: "اللهم إني قد أمسيت راضيًا عنه، فارض عنه". قال: يقول ابن مسعودٍ: يا ليتني كنت صاحب الحفرة.
قال ابن هشامٍ (١): إنَّما سمِّي ذا البِجادين، لأنَّه كان يريد الإسلام، فمنعه قومه وضيَّقوا عليه، حتى خرج من بينهم وليس عليه إلا بجادٌ، وهو الكساء الغليظ، فشقَّه باثنتين، فَأْتزر بواحدةٍ وارتدى بالأخرى، ثم أتى رسول الله ﷺ ، فسمِّي ذا البِجادين.
قال ابن إسحاق (٢): وذكر ابن شهابٍ الزهريُّ، عن ابن أُكَيْمَة اللَّيثيِّ، عن ابن أخي أبي رُهمٍ الغفاريِّ، أنَّه سمع أبا رهم كلثوم بن الحصين، وكان من أصحاب الشجرة، يقول: غزوت مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك، فسرت ذات ليلةٍ معه ونحن بالأخضر، وألقى الله عليَّ النُّعاس، فطفقت أستيقظ وقد دنت راحلتي من راحلة النبيِّ ﷺ ، فيُفزعني دنوُّها منه؛ مخافة أن أُصيب رجله في الغرز، فطفقت أحوز راحلتي عنه، حتى غلبتني عيني في بعض الطريق، فزاحمت راحلتي راحلته ورجله في الغرز، فلم أستيقظ إلا بقوله: "حسِّ". فقلت: يا رسول الله، استغفر لي. قال: "سر". فجعل رسول الله ﷺ يسألني عمَّن تخلَّف عنه من بني غفارٍ، فأُخبره به، فقال وهو يسألني: "ما فعل النَّفر الحُمر الطِّوال الثِّطاط الذين لا شعر في وجوههم؟ " فحدَّثته بتخلُّفهم، قال: "فما فعل النفَر السُّود الجعاد القصار؟ " قال: قلت: والله ما أعرف هؤلاء منّا. قال: "بلى، الذين لهم نَعَمٌ بشبكة شَدَخٍ". فتذكَّرتهم في بني غفارٍ، فلم أذكرهم، حتى ذكرت أنَّهم رهطٌ من أسلم كانوا حلفاء فينا، فقلت: يا رسول الله، أولئك رهطٌ منٍ أسلم حلفاء فينا. فقال رسول الله ﷺ : "ما منع أحد أولئك حين تخلَّف أن يحمل على بعيرٍ من إبله امرأً نشيطًا في سبيل الله؟ إنَّ أعزَّ أهلي عليَّ أن يتخلَّف عني؛ المهاجرون والأنصار وغفارٌ وأسلم".
وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير قال: لمَّا قفل رسول الله ﷺ من تبوك إلى المدينة، همَّ جماعةٌ من المنافقين بالفتك به، وأن يطرحوه من رأس عَقَبةٍ في الطريق، فأخبر بخبرهم، فأمر الناس بالمسير من الوادي، وصعِد هو العقبة، وسلكها معه أولئك النفر وقد تلثَّموا، وأمر رسول الله ﷺ عمار بن ياسرٍ وحُذَيفة بن اليمان أن يمشيا معه، عمارٌ آخذ بزمام الناقة، وحُذَيفة يسوقها، فبينما هم يسيرون إذ سمعوا بالقوم قد غشوهم، فغضب رسول الله ﷺ ، وأبصر حذيفة غضبه، فرجع إليهم ومعه محجنٌ، فاستقبل وجوه رواحلهم بمحجنه، فلما رأوا حذيفة ظنُّوا أن قد أظهر على
стр. 2163
ما أضمروه من الأمر العظيم، فأسرعوا حتى خالطوا الناس، وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله ﷺ ، فأمرهما فأسرعا حتى قطعوا العقبة، ووقفوا ينتظرون الناس، ثم قال رسول الله ﷺ لحذيفة: "هل عرفت هؤلاء القوم؟ " قال: ما عرفت إلا رواحلهم في ظلمة الليل حين غشِيتُهم. ثم قال: "علمتما ما كان من شأن هؤلاء الرَّكب؟ ". قالا: لا. فأخبرهما بما كانوا تمالؤوا عليه، وسمَّاهم لهما، واستكتمهما ذلك، فقالا: يا رسول الله، أفلا تأمر بقتلهم؟ فقال: "أكره أن يتحدَّث الناس أنَّ محمدًا يقتل أصحابه".
وقد ذكر ابن إسحاق هذه القصة، إلا أنه ذكر أنَّ النبيَّ ﷺ إنَّما أعلم بأسمائهم حذيفة بن اليمان وحده، وهذا هو الأشبه، والله أعلم، ويشهد له قول أبي الدَّرداء لعلقمة صاحب ابن مسعودٍ: أليس فيكم -يعني أهل الكوفة- صاحب السَّواد والوساد؟ -يعني ابن مسعودٍ- أليس فيكم صاحب السرِّ الذي لا يعلمه غيره؟ -يعني حذيفة- أليس فيكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان محمدٍ ﷺ ؟ -يعني عمارًا-. وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، أنَّه قال لحذيفة: أقسمت عليك بالله، أنا منهم؟ قال: لا ولا أبرِّئ بعدك أحدًا. يعني حتى لا يكون مفشيًا سرَّ النبي ﷺ .
قلت: وقد كانوا أربعة عشر رجلًا، وقيل: كانوا اثني عشر رجلًا.
وذكر ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ بعث إليهم حذيفة بن اليمان فجمعهم له، فأخبرهم رسول الله ﷺ بما كان من أمرهم وبما تمالؤوا عليه.
ثم سرد ابن إسحاق أسماءهم، قال: وفيهم أنزل الله : ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾ [التوبة: ٧٤].
وروى البيهقيُّ (١) من طريق محمد بن سَلَمة، عن ابن إسحاق، عن الأعمش، عن عمرو بن مرَّة، عن أبي البَختريِّ، عن حذيفة بن اليمان قال: كنت آخذًا بخطام ناقة رسول الله ﷺ أقود به، وعمارٌ يسوق الناقة -أو أنا أسوق وعمارٌ يقود به- حتى إذا كنّا بالعقبة إذا أنا باثني عشر راكبًا قد اعترضوه فيها. قال: فأنبهت رسول الله ﷺ ، فصرخ بهم فولَّوا مدبرين، فقال لنا رسول الله ﷺ : "هل عرفتم القوم؟ ". قلنا: لا يا رسول الله، قد كانوا متلثِّمين، ولكنَّا قد عرفنا الرِّكاب. قال: "هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة، وهل تدرون ما أرادوا؟ ". قلنا: لا. قال: "أرادوا أن يزحموا رسول الله في العقبة، فيلقوه منها". قلنا: يا رسول الله، أو لا تبعث إلى عشائرهم؛ حتى يبعث إليك كلُّ قومٍ برأس صاحبهم؟ قال: "لا، أكره أن تحدَّث العرب بينها أن محمدًا قاتل بقومٍ، حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم". ثم قال: "اللهم ارمهم بالدُّبَيلة". قلنا: يا رسول الله، وما الدُّبيلة؟ قال: "شهابٌ من نارٍ يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك".
стр. 2164
وفي "صحيح مسلم" (١) من طريق شعبة، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن قيس بن عبادٍ قال: قلت لعمارٍ: أرأيتم صنيعكم هذا فيما كان من أمر عليٍّ؛ أرأيًا رأيتموه، أم شيئًا عهده إليكم رسول الله ﷺ ؟ فقال: ما عهد إلينا رسول الله ﷺ شيئًا لم يعهده إلى الناس كافَّةً، ولكن حذيفة أخبرني عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "في أصحابي اثنا عشر منافقًا، منهم ثمانيةٌ لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سَمِّ الخياط".
وفي رواية له (٢) من وجهٍ آخر عن قتادة: "إن في أمتي اثني عشر منافقًا، لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سمِّ الخياط، ثمانيةٌ منهم تكفيكهم الدُّبَيلة؛ سراجٌ من النار يظهر بين أكتافهم حتى ينجُم من صدورهم".
قال الحافظ البيهقيُّ (٣): وروينا عن حُذَيفة أنَّهم كانوا أربعة عشر، أو خمسة عشر، وأشهد بالله أنَّ اثني عشر منهم حربٌ لله ولرسوله ﷺ في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وعذر ثلاثةً أنَّهم قالوا: ما سمعنا المنادي ولا علمنا بما أراد.
وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد في "مسنده" (٤) قال: حدثنا يزيد -هو ابن هارون- أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جُميعِ، عن أبي الطُّفيل قال: لمَّا أقبل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أمر مناديًا فنادى: إنَّ رسول الله ﷺ آخذٌ بالعقبة، فلا يأخذها أحدٌ. فبينما رسول الله ﷺ يقوده حذيفة ويسوقه عمارٌ، إذ أقبل رهطٌ متلثِّمون على الرَّواحل، فغشُوا عمارًا وهو يسوق برسول الله ﷺ ، وأقبل عمارٌ يضرب وجوه الرَّواحل، فقال رسول الله ﷺ لحذيفة: "قُد (٥) قُد". حتى هبط رسول الله ﷺ ، فلمَّا هبط نزل ورجع عمارٌ، قال: "يا عَمَّار، هل عرفت القوم؟ " قال: قد عرفت عامة الرواحل، والقوم متلثِّمون. قال: "هل تدري ما أرادوا؟ " قال: الله ورسوله أعلم. قال: "أرادوا أن ينفروا برسول الله ﷺ فيطرحوه". قال: فسارَّ عمارٌ رجلًا من أصحاب النبيِّ ﷺ فقال: نشدتك بالله، كم تعلم كان أصحاب العقبة؟ قال: أربعة عشر. فقال: إن كنت فيهم فقد كانوا خمسة عشر. قال: فعذر رسول الله ﷺ منهم ثلاثةً قالوا: ما سمعنا منادي رسول الله ﷺ ، وما علمنا ما أراد القوم. فقال عمارٌ: أشهد أن الاثني عشر الباقين حربٌ لله ولرسوله في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد.
* * *
стр. 2165
قصة مسجد الضِّرَار
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٧ - ١١٠].
وقد تكلَّمنا على تفسير ما يتعلَّق بهذه الآيات الكريمة في كتابنا "التفسير" بما فيه كفاية (١)، ولله الحمد.
وذكر ابن إسحاق (٢) كيفية بناء هذا المسجد الظالم أهله، وكيفية أمر رسول الله ﷺ بخرابه مرجعه من تبوك قبل دخوله المدينة. ومضمون ذلك؛ أن طائفةً من المنافقين بنَوا صورة مسجدٍ قريبًا من مسجد قباءٍ، وأرادوا أن يصلي لهم رسول الله ﷺ فيه؛ حتى يروج لهم ما أرادوه من الفساد والكفر والعناد، فعصم الله رسوله ﷺ من الصلاة فيه؛ وذلك أنه كان على جناح سفَرِ إلى تبوك، فلما رجع منها فنزل بذي أوانٍ -مكانٍ بينه وبين المدينة ساعةٌ- نزل عليه الوحي في شأن هذا المسجد؛ وهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية. أما قوله: ﴿ضِرَارًا﴾. فلأنهم أرادوا مضاهاة مسجد قباءٍ، ﴿وَكُفْرًا﴾ بالله لا للإيمان به، ﴿وَتَفْرِيقًا﴾ للجماعة عن مسجد قباءٍ، ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ وهو أبو عامرٍ الراهب الفاسق، قبَّحه الله، وذلك أنه لما دعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام فأبى عليه، ذهب إلى أهل مكة فاستنفرهم، فجاؤوا عام أحدٍ، فكان من أمرهم ما قدَّمناه، فلما لم ينهض أمره ذهب إلى ملك الروم قيصر؛ ليستنصره على رسول الله ﷺ ، وكان أبو عامرٍ على دين هرقل ممن تنصَّر معهم من العرب، وكان يكتب إلى إخوانه الذين نافقوا يعِدهم ويمنِّيهم، وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا، فكانت مكاتباته ورسله تفد إليهم كلَّ حينٍ، فبنوا هذا المسجد في الصورة الظاهرة، وباطنه دار حربٍ ومقرٌّ لمن يفد من عند أبي عامرٍ الراهب، ومجمعٌ لمن هو على طريقتهم من المنافقين، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾. ثم قال: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ﴾. أي الذين بنوه ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾. أي؛ إنما أردنا
стр. 2166
ببنائه الخير. قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. ثم قال الله تعالى لرسوله: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾. فنهاه عن القيام فيه لئلا يقرِّر أمره، ثم أمره وحثَّه على القيام في المسجد الذي أسِّس على التقوى من أول يومٍ، وهو مسجد قباءٍ، لما دل عليه السياق، والأحاديث الواردة في الثناء على تطهير أهله مشيرةٌ إليه، وما ثبت في "صحيح مسلم" (١) من أنه مسجد رسول الله ﷺ لا ينافي ما تقدَّم؛ لأنه إذا كان مسجد قباءٍ أسِّس على التقوى من أول يومٍ، فمسجد الرسول أولى بذلك وأحرى، وأثبت في الفضل منه وأقوى، وقد أشبعنا القول في ذلك في "التفسير" ولله الحمد.
والمقصود أن رسول الله ﷺ لما نزل بذي أَوانٍ، دعا مالك بن الدُّخشم ومعن بن عديٍّ -أو أخاه عاصم بن عديٍّ- ﵄، فأمرهما أن يذهبا إلى هذا المسجد الظالم أهله فيحرِّقاه بالنار، فذهبا فحرَّقاه بالنار، وتفرَّق عنه أهله.
قال ابن إسحاق (٢): وكان الذين بنَوه اثني عشر رجلًا وهم؛ خِذام بن خالدٍ وفي جنب داره كان بناء هذا المسجد، وثعلبة بن حاطبٍ، ومعتِّب بن قشيرٍ، وأبو حبيبة بن الأزعر، وعبَّاد بن حنيفٍ أخو سهل بن حنيفٍ، وجارية بن عامرٍ، وابناه مجمِّعٌ وزيدٌ، ونبتل بن الحارث، وبَحزجٌ وهو إلى بني ضبيعة، وبِجاد بن عثمان، وهو من بني ضبيعة، ووديعة بن ثابتٍ وهو إلى بني أميَّة.
قلت: وفي غزوة تبوك هذه صلَّى رسول الله ﷺ خلف عبد الرحمن بن عوفٍ صلاة الفجر، أدرك معه الركعة الثانية منها، وذلك أن رسول الله ﷺ ذهب يتوضَّأ ومعه المغيرة بن شعبة، فأبطأ على الناس، فأقيمت الصلاة، فتقدَّم عبد الرحمن بن عوفٍ، فلما سلَّم الناس أعظموا ما وقع، فقال لهم رسول الله ﷺ : "أحسنتم وأصبتم" وذلك فيما رواه البخاريُّ (٣)، ﵀، قائلًا: حدَّثنا.
[قدومه ﷺ المدينة]
وقال البخاريُّ (٤): حدَّثنا أحمد بن محمدٍ، حدَّثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا حميدٌ الطويل، عن أنس بن مالكٍ، ﵁، أن رسول الله ﷺ رجع من غزوة تبوك، فدنا من المدينة فقال: "إن بالمدينة أقوامًا، ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم". فقالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟! قال: "وهم بالمدينة، حبسهم العذر". تفرد به من هذا الوجه.
стр. 2167
وقال البخاريُّ (١): حدَّثنا خالد بن مخلدٍ، حدَّثنا سليمان، حدَّثني عمرو بن يحيى، عن العباس بن سهل بن سعدٍ، عن أبي حميدٍ قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ من غزوة تبوك، حتى إذا أشرفنا على المدينة قال: "هذه طابة، وهذا أحدٌ؛ جبلٌ يحبُّنا ونحبُّه".
ورواه مسلمٌ (٢)، من حديث سليمان بن بلالٍ به نحوه.
وقال البخاريُّ (٣): حدَّثنا عبد الله بن محمدٍ، حدَّثنا سفيان، عن الزهريِّ، عن السائب بن يزيد قال: أذكر أنِّي خرجت مع الصبيان نتلقَّى رسول الله ﷺ إلى ثنيَّة الوداع مقدمه من غزوة تبوك.
ورواه أبو داود والترمذيُّ (٤) من حديث سفيان بن عيينة به، وقال الترمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ.
وقال البيهقيُّ (٥): أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أخبرنا أبو عمرو بن مطرٍ، سمعت أبا خليفة يقول: سمعت ابن عائشة يقول: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة (٦)، جعل النساء والصبيان والولائد يقلن: [من مجزوء الرمل]
طَلَعَ البَدْرُ عَلَيْنَا … مِنْ ثَنِيَّات الوَدَاعِ
وجَبَ الشُكْرُ عَلَيْنَا … مَا دَعَا للهِ داعِ
قال البيهقيُّ (٧): وهذا يذكره علماؤنا عند مقدمه المدينة من مكة، لا أنه لما قدم المدينة من ثنيَّات الوَدَاع عند مقدمه من تبوك، والله أعلم، فذكرناه ها هنا أيضًا.
قال البخاريُّ (٨)، ﵀:
стр. 2168
حديث كعب بن مالكٍ ﵁
حدَّثنا يحيى بن بكيرٍ، حدَّثنا اللّيث، عن عقيلٍ، عن ابن شهابٍ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالكٍ، أن عبد الله بن كعب بن مالكٍ -وكان قائد كعبٍ من بنيه حين عمي- قال: سمعت كعب بن مالكٍ يحدِّث حين تخلَّف عن قصة تبوك، قال كعبٌ: لم أتخلَّف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلَّفت في غزوة بدرٍ، ولم يعاتَب أحدٌ تخلَّف عنها، إنما خرج رسول الله ﷺ يريد عير قريشٍ، حتى جمع الله بينهم وبين عدوِّهم على غير ميعادٍ، ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحبُّ أن لي بها مشهد بدرٍ، وإن كانت بدرٌ أذكر في الناس منها، كان من خبري أني لم أكن قطُّ أقوى ولا أيسر حين تخلَّفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قطٌّ، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله يريد غزوةً إلا ورَّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله في حرٍّ شديدٍ، واستقبل سفرًا بعيدًا، ومفازًا، وعدوًّا كثيرًا، فجلَّى للمسلمين أمرهم؛ ليتأهبوا أُهبة غزوتهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثيرٌ، ولا يجمعهم كتابٌ حافظٌ -يريد الدِّيوان- قال كعبٌ: فما رجلٌ يريد أن يتغيَّب إلا ظنَّ أن سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار والظِّلال، وتجهَّز رسول الله ﷺ والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهَّز معهم، فأرجع ولم أقض شيئًا، فأقول في نفسي: أنا قادرٌ عليه. فلم يزل يتمادى بي، حتى اشتد بالناس الجدُّ، فأصبح رسول الله والمسلمون معه ولم أقض من جَهازي شيئًا، فقلت: أتجهَّز بعده بيومٍ أو يومين، ثم ألحقهم. فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهَّز، فرجعت ولم أقض شيئًا، ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئًا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن ارتحل فأدركهم -وليتني فعلت- فلم يقدَّر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموضًا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالسٌ في القوم بتبوك: "ما فعل كعبٌ؟ " فقال رجلٌ من بني سَلِمة: يا رسول الله، حبسه برداه، ونظره في عطفيه. فقال معاذ بن جبلٍ: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا. فسكت رسول الله ﷺ . قال كعب بن مالكٍ، قال: فلما بلغني أنه توجَّه قافلًا، حضرني همِّي، وطفقت أتذكَّر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدًا؟ واستعنت على ذلك بكلِّ ذي رأيٍ من أهلي، فلما قيل: إن رسول الله ﷺ قد أظلَّ قادمًا، زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدًا بشيءٍ فيه كذبٌ، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله ﷺ قادمًا، وكان إذا قدم من سفرٍ بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاء المخلَّفون فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعةً وثمانين رجلًا، فقبل منهم
стр. 2169
رسول الله ﷺ علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، ، فجئته، فلما سلَّمت عليه تبسَّم تبسُّم المغضب. ثم قال: "تعال". فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: "ما خلَّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ " فقلت: بلى، إنِّي والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذرٍ، ولقد أُعطيت جَدَلًا، ولكني والله لقد علمت لئن حدَّثتك اليوم حديث كذبٍ ترضى به عني، لَيُوشِكَنَّ الله أن يسخطك عليَّ، ولئن حدَّثتك حديث صدقٍ تجد عليَّ فيه، إنِّي لأرجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذرٍ، والله ما كنت قطُّ أقوى ولا أيسر منِّي حين تخلَّفت عنك. فقال رسول الله ﷺ : "أمَّا هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك". فقمت، وثار رجالٌ من بني سَلِمة فاتَّبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر إليه المخلَّفون، وقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله لك. فوالله ما زالوا يؤنِّبونني حتى هممت أن أرجع فأكذِّب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحدٌ؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثل ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك. فقلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العَمْريُّ، وهلال بن أميَّة الواقفيُّ. فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا فيهما أسوةٌ، فمضيت حين ذكروهما لي. ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيُّها الثلاثة من بين من تخلَّف عنه، فاجتنَبنا الناس وتغيَّروا لنا، حتى تنكَّرت في نفسي الأرض، فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلةً، فأما صاحباي فاستكانا، وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشبَّ القوم وأجلَدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلِّمني أحدٌ، وآتي رسول الله ﷺ فأسلِّم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرَّك شفتيه بردِّ السلام عليَّ أم لا؟ ثم أصلِّي قريبًا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إليَّ، وإذا التفتُّ نحوه أعرض عني، حتى إذا طال عليَّ ذلك من جفوة الناس، مَشيت حتى تسوَّرت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمِّي وأحبُّ الناس إليَّ، فسلَّمت عليه، فوالله ما ردَّ عليَّ السلام، فقلت: يا أبا قتادة، أُنشُدك بالله هل تعلمني أحبُّ الله ورسوله؟ فسكت فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، وتولَّيت حتى تسوَّرت الجدار. قال: وبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطيٌّ من أنباط أهل الشام ممن قدم بطعامٍ يبيعه بالمدينة يقول: من يدلُّني على كعب بن مالكٍ؟ فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إليَّ كتابًا من ملك غسَّان، فإذا فيه: أمَّا بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوانٍ ولا مضيعةٍ، فالحق بنا نواسك. فقلت لما قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء. فتيمَّمت بها التَّنُّور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلةً من الخمسين إذا رسولُ رسولِ الله ﷺ يأتيني، فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك. فقلت: أطلِّقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها ولا تقربها. وأرسل إلى صاحبيَّ بمثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فتكوني عندهم، حتى يقضيَ الله في هذا الأمر. قال كعب:
стр. 2170
فجاءت امرأة هلال بن أميَّة إلى رسول الله فقالت: يا رسول الله، إن هلال بن أميَّة شيخٌ ضائعٌ ليس له خادمٌ، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: "لا، ولكن لا يقربك". قالت: إنه والله ما به حركةٌ إلى شيءٍ، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أميَّة أن تخدُمه. فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله، وما يدريني ما يقول رسول الله ﷺ إذا استأذنته فيها وأنا رجلٌ شابٌّ! قال: فلبثت بعد ذلك عشر ليالٍ، حتى كملت لنا خمسون ليلةً من حين نهى رسول الله عن كلامنا، فلما صلَّيت الفجر صبح خمسين ليلةً وأنا على ظهر بيتٍ من بيوتنا، فبينا أنا جالسٌ على الحال التي ذكر الله، ، قد ضاقت عليَّ نفسي، وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخٍ أوفى على جبل سَلعٍ بأعلى صوته: يا كعب بن مالكٍ، أبشر. فخررت ساجدًا، وعرفت أن قد جاء فرجٌ، وآذن رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشِّروننا، وذهب قبل صاحبيَّ مبشِّرون، وركض رجلٌ إليَّ فرسًا، وسعى ساعٍ من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشِّرني، نزعت له ثوبيَّ فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومئذٍ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله ﷺ ، فتلقَّاني الناس فوجًا فوجًا يهنِّئوني بالتوبة يقولون: ليهنك توبة الله عليك. قال كعبٌ: حتى دخلت المسجد، فإذا برسول الله ﷺ جالسٌ حوله الناس، فقام إليَّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنَّأني، والله ما قام إليَّ رجلٌ من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة. قال كعبٌ: فلما سلَّمت على رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ وهو يبرق وجهه من السرور: "أبشر بخير يومٍ مرَّ عليك منذ ولدتك أمُّك". قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: "لا، بل من عند الله". وكان رسول الله ﷺ إذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمرٍ، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه، قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله. قال رسول الله: "أمسك عليك بعض مالك، فهو خيرٌ لك". قلت: فإني أُمسك سهمي الذي بخيبر. فقلت: يا رسول الله، إن الله إنما نجَّاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدِّث إلا صدقًا ما بقيت. فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني، ما تعمَّدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا كذبًا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت، وأنزل الله على رسوله ﷺ : ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾. إلى قوله: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٧ - ١١٩]. فوالله ما أنعم الله عليَّ من نعمةٍ قطُّ بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله ﷺ أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شرَّ ما قال لأحدٍ: قال الله تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥ - ٩٦]. قال
стр. 2171
كعبٌ: وكنا تخلَّفنا أيُّها الثلاثة عن أَمْرِ أولئك الذين قبل منهم رسول الله حين حلفوا له فيبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨]. ليس الذي ذكر الله مما خُلِّفنا من الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه.
وهكذا رواه مسلمٌ (١)، من طريق الزهريِّ بنحوه.
وهكذا رواه محمد بن إسحاق (٢)، عن الزهريِّ مثل سياق البخاريِّ، وقد سقناه في "التفسير" (٣) "مسند الإمام أحمد" (٤)، وفيه زياداتٌ يسيرة، ولله الحمد والمنَّة.
* * *
ذكر أقوامٍ تخلَّفوا من العصاة غير هؤلاء
قال عليُّ بن طلحة الوالبيُّ، عن ابن عباسٍ في قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٢]. قال: كانوا عشرة رهطٍ تخلَّفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فلما حضر رجوعه أوثق سبعةٌ منهم أنفسهم بسواري المسجد، وكان ممرُّ النبيِّ ﷺ إذا رجع من المسجد عليهم، فلما مرَّ بهم رسول الله قال: "من هؤلاء؟ " قالوا: أبو لبابة وأصحابٌ له، تخلَّفوا عنك، حتى تطلقهم وتعذرهم. قال: "وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله، ، هو الذي يطلقهم، رغبوا عني، وتخلَّفوا عن الغزو مع المسلمين". فلما أن بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا. فأنزل الله : ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ … ﴾. الآية. و ﴿عَسَى﴾ من الله واجبٌ، فلما أُنزلت، أرسل إليهم رسول الله فأطلقهم وعذرهم، فجاؤوا بأموالهم وقالوا: يا رسول الله، هذه أموالنا فتصدَّق بها عنا، واستغفر لنا. فقال: "ما أُمرت أن آخذ أموالكم". فأنزل الله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣ - ١٠٦]. وهم الذين لم يربطوا أنفسهم بالسواري فأرجئوا، حتى نزل قوله تعالى:
стр. 2172
﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ إلى قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا … ﴾ إلى آخرها [التوبة: ١١٧ - ١١٨].
وكذا رواه عطية بن سعدٍ العوفيُّ، عن ابن عباسٍ بنحوه.
وقد ذكر سعيد بن المسيَّب ومجاهدٌ ومحمد بن إسحاق (١) قصة أبي لبابة وما كان من أمره يوم بني قريظة، وربطه نفسه حتى تيب عليه، ثم إنه تخلَّف عن غزوة تبوك، فربط نفسه أيضًا حتى تاب الله عليه، وأراد أن ينخلع من ماله كلِّه صدقةً، فقال له رسول الله ﷺ : "يكفيك من ذلك الثُّلث". قال مجاهدٌ وابن إسحاق: وفيه نزل: ﴿وَءَاخَرُونَ اعتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ … ﴾ الآية. قال سعيد بن المسيَّب: ثم لم يُر منه بعد ذلك في الإسلام إلا خيرٌ، ﵁ وأرضاه.
قلت: ولعل هؤلاء الثلاثة لم يذكروا معه بقية أصحابه، واقتصروا على أنه كان كالزعيم لهم، كما دلَّ عليه سياق ابن عباسٍ، والله أعلم.
وروى البيهقيُّ (٢) من طريق أبي أحمد الزبيريِّ عن سفيان الثوريِّ، عن سلمة بن كهيلٍ، عن عياض بن عياضٍ، عن أبيه، عن أبي مسعودٍ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "إنَّ منكم منافقين، فمن سَمَّيتُ فليقم، قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان". حتى عدَّ ستةً وثلاثين، ثم قال: "إن فيكم -أو إن منكم- منافقين فسلوا الله العافية". قال: فمرَّ عمر برجلٍ متقنِّعٍ، وقد كان بينه وبينه معرفةٌ، فقال: ما شأنك؟ فأخبره بما قال رسول الله ﷺ ، فقال: بُعدًا لك سائر اليوم.
قلت: كان المتخلِّفون عن غزوة تبوك أربعة أقسامٍ؛ مأمورون مأجورون كعليِّ بن أبي طالبٍ ومحمد بن مسلمة وابن أمِّ مكتومٍ، ومعذورون وهم الضعفاء والمرضى والمقلُّون وهم البكَّاؤون، وعصاةٌ مذنبون وهم الثلاثة وأبو لبابة وأصحابه المذكورون، وآخرون ملومون مذمومون وهم المنافقون.
* * *
ذكر ما كان من الحوادث بعد رجوعه ﷺ إلى المدينة منصرفه من تبوك
قال الحافظ البيهقيُّ (٣): حدَّثنا أبو عبد الله الحافظ إملاءً، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدَّثنا أبو البختريِّ عبد الله بن [محمد بن] شاكرٍ، حدَّثنا زكريا بن يحيى، حدَّثنا عمُّ أبي زَحر بن
стр. 2173
حصنٍ، عن جدِّه حميد بن منهبٍ قال: سمعت جدي خُرَيم بن أوس بن حارثة بن لامٍ يقول: هاجرت إلى رسول الله ﷺ منصرفه من تبوك، فسمعت العباس بن عبد المطلب يقول: يا رسول الله، إني أريد أن أمتدحك. فقال رسول الله ﷺ : "لا يفضض الله فاك". فقال: [من المنسرح]
مِنْ قَبْلِها طِبْتَ في الظِّلالِ وفي … مُسْتَوْدَعٍ حيث يُخْصَفُ الوَرَقُ
ثم هبَطْتَ البلادَ لا بَشَرٌ … أنت ولا مُضغَةٌ ولا عَلَقُ
بل نُطفةٌ تَرْكَبُ السَّفينَ وقد … ألْجَم نَسْرًا وأهلَه الغَرَقُ
تُنْقَلُ مِن صالبٍ إلى رَحِمٍ … إذا مضَى عالَمٌ بدَا طَبَقُ
حتى احتوى بينَك المهيمنُ مِن … خِنْدِفَ عَلْياءَ تحتَها النُّطُقُ
وأنت لمَّا وُلدْتَ أشْرَقَت الأرْ … ضُ وضاءتْ بنورِك الأُفُقُ
فنحن في ذلك الضياءِ وفي النو … ر وسُبْلِ الرشادِ نَخْتَرِقُ
ورواه البيهقيُّ (١) من طريقٍ أخرى، عن أبي السُّكين زكريا بن يحيى الطائيِّ، وهو في جزءٍ له مرويٍّ عنه.
قال البيهقيُّ: وزاد: ثم قال رسول الله ﷺ : "هذه الحِيرة البيضاء رُفعت لي، وهذه الشَّيماء بنت بُقيلة الأزدية على بغلةٍ شهباء معتجرةً بخمارٍ أسود". فقلت: يا رسول الله، إن نحن دخلنا الحيرة فوجدتها كما تصف فهي لي؟ قال: "هي لك". قال: ثُمَّ كانت الرِّدَّة، فما ارتد أحدٌ من طيءٍ، وكنا نقاتل من يلينا من العرب على الإسلام، فكنا نقاتل قيسًا وفيها عيينة بن حصنٍ، وكنا نقاتل بني أسدٍ وفيهم طليحة بن خويلدٍ، وكان خالد بن الوليد يمدحنا، وكان فيما قال فينا: [من الطويل]
جزَى الله عَنَّا طيِّئًا في ديارِها … بمُعْتَرَكِ الأبطالِ خيرَ جزاءِ
همُ أهلُ راياتِ السَّماحةِ والنَّدَى … إذا ما الصَّبَا أَلْوَتْ بكلِّ خِباءِ
همُ ضرَبوا قَيْسًا على الدِّينِ بعدَما … أجابوا مُنادي ظلمةٍ وعَماءِ
قال: ثم سار خالد إلى مُسَيْلِمَة الكَذَّاب فسرنا معه، فلما فرغنا من مسيلمة أقبلنا إلى ناحية البصرة، فلقينا هرمز بكاظمةَ في جيشٍ هو أكبر من جمعنا، ولم يكن أحدٌ من الناس أعدى للعرب والإسلام من هرمز، فخرج إليه خالدٌ ودعاه إلى البِراز، فبرز له فقتله خالدٌ، وكتب بخبره إلى الصديق، فنفَّله سلبه، فبلغت قلنسوة هرمز مائة ألف درهم، وكانت الفرس إذا شَرُف فيها الرجل جعلت قلنسوته بمئة ألف درهمٍ. قال: ثم أقبلنا على طريق الطَّفِّ إلى الحيرة، فأول من تلقَّانا حين دخلناها الشَّيماء بنت بقيلة، كما قال رسول الله ﷺ : "على بغلةٍ شهباء معتجرةً بخمارٍ أسود". فتعلَّقت بها وقلت: هذه وهبها لي
стр. 2174
رسول الله ﷺ . فدعاني خالدٌ عليها بالبينة، فأتيته بها، وكانت البينة محمد بن مسلمة ومحمد بن بَشِيرٍ الأنصاريَّ، فسلَّمها إليَّ، فنزل إليَّ أخوها عبد المسيح يريد الصلح، فقال: بِعنيها. فقلت: لا أنقصها والله عن عشر مئة درهمٍ. فأعطاني ألف درهمٍ، وسلَّمتها إليه، فقيل: لو قلت مئة ألفٍ لدفعها إليك. فقلت: ما كنت أحسب أن عددًا أكثر من عشر مئةٍ.
* * *
قدوم وفد ثقيفٍ على رسول الله ﷺ في رمضان من سنة تسعٍ
تقدم أن رسول الله ﷺ لما ارتحل عن ثقيفٍ سئل أن يدعوَ عليهم فدعا لهم بالهداية، وقد تقدم أن رسول الله ﷺ حين أسلم مالك بن عوفٍ النَّصريُّ أنعم عليه وأعطاه، وجعله أميرًا على من أسلم من قومه، فكان يغزو بلاد ثقيفٍ ويضيِّق عليهم، حتى ألجأهم إلى الدخول في الإسلام، وتقدم أيضًا فيما رواه أبو داود، عن صخر بن العيلة الأحمسيِّ أنه لم يزل بثقيفٍ حتى أنزلهم من حصنهم على حكم رسول الله ﷺ ، فأقبل بهم إلى المدينة النبوية بإذن رسول الله ﷺ له في ذلك.
قال ابن إسحاق (١): وقدم رسول الله ﷺ المدينة من تبوك في رمضان، وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيفٍ، وكان من حديثهم أن رسول الله ﷺ لما انصرف عنهم، اتَّبِع أثره عروة بن مسعودٍ، حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة فأسلم، وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال له رسول الله -كما يتحدث قومه-: "إنهم قاتلوك". وعرف رسول الله ﷺ أن فيهم نخوة الامتناع؛ للذي كان منهم، فقال عروة: يا رسول الله، أنا أحبُّ إليهم من أبكارهم. وكان فيهم كذلك محبَّبًا مطاعًا، فخرج يدعو قومه إلى الإسلام، رجاء أن لا يخالفوه؛ لمنزلته فيهم، فلما أشرف على عِلِّيَّةٍ له، وقد دعاهم إلى الإسلام وأظهر لهم دينه، رمَوه بالنبل من كلِّ وجهٍ فأصابه سهمٌ فقتله، فيزعم بنو مالكٍ أنه قتله رجلٌ منهم يقال له: أوس ابن عوفٍ. أخو بني سالم بن مالكٍ، وتزعم الأحلاف أنه قتله رجلٌ منهم من بني عتَّابٍ يقال له: وهب بن جابرٍ. فقيل لعروة: ما ترى في دمك؟ قال: كرامةً أكرمني الله بها، وشهادةً ساقها الله إليَّ، فليس فيَّ إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله ﷺ قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم. فدفنوه معهم، فزعموا أن رسول الله ﷺ قال فيه: "إن مثَله في قومه كمثل صاحب يس في قومه". وهكذا ذكر موسى بن عقبة قصة عروة، ولكن زعم أن ذلك كان بعد حجة أبي بكر الصديق، وتابعه أبو بكرٍ البيهقيُّ في ذلك وهذا بعيدٌ، والصحيح أن ذلك قبل حجة أبي بكرٍ كما ذكره ابن إسحاق. والله أعلم.
стр. 2175
قال ابن إسحاق (١): ثم أقامت ثقيفٌ بعد قتل عروة أشهرًا، ثم إنهم ائتمروا بينهم، ورأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، وقد بايعوا وأسلموا، فائتمروا فيما بينهم، وذلك عن رأي عمرو بن أمية أخي بني علاجٍ، فائتمروا بينهم، ثم أجمعوا على أن يرسلوا رجلًا منهم، فأرسلوا عبد يالِيل بن عمرو بن عُميرٍ، ومعه اثنان من الأحلاف وثلاثةٌ من بني مالكٍ، وهم؛ الحكم بن عمرو بن وهب بن معتِّبٍ، وشرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتِّبٍ، وعثمان بن أبي العاص، وأوس بن عوفٍ أخو بني سالمٍ، ونُمير بن خرشة بن ربيعة.
وقال موسى بن عقبة: كانوا بضعة عشر رجلًا، فيهم كنانة بن عبد يالِيل، وهو رئيسهم، وفيهم عثمان بن أبي العاص، وهو أصغر الوفد.
قال ابن إسحاق (٢): فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناةَ، ألفوا المغيرة بن شعبة يرعى في نوبته ركاب أصحاب رسول الله ﷺ ، فلما رآهم ذهب يشتدُّ ليبشِّر رسول الله بقدومهم، فلقيه أبو بكرٍ الصديق فأخبره عن ركب ثقيفٍ أنهم قدموا يريدون البيعة والإسلام بأن يشرط لهم رسول الله شروطًا، ويكتتبوا كتابًا في قومهم، فقال أبو بكرٍ للمغيرة: أقسمت عليك لا تسبقني إلى رسول الله حتى أكون أنا أحدِّثه. ففعل المغيرة، فدخل أبو بكرٍ فأخبر رسول الله ﷺ بقدومهم، ثم خرج المغيرة إلى أصحابه فروَّح الظَّهر معهم، وعلَّمهم كيف يحيُّون رسول الله ﷺ ، فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية، ولما قدموا على رسول الله ضربت عليهم قبَّةٌ في المسجد، وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله، فكان إذا جاءهم بطعام من عنده لم يأكلوا منه حتى يأكل خالد بن سعيدٍ قبلهم، وهو الذي كتب لهم كتابهم. قال: وكان مما اشترطوا على رسول الله ﷺ أن يدع لهم الطاغية [وهي اللات] ثلاث سنين، فما برحوا يسألونه سنةً سنةً ويأبى عليهم، حتى سألوه شهرًا واحدًا بعد مقدمهم ليتألَّفوا سفهاءهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئًا مسمىً إلا أن يبعث معهم أبا سفيان بن حربٍ والمغيرة ليهدماها، وسألوه مع ذلك أن لا يصلُّوا وأن لا يكسروا أصنامهم بأيديهم، فقال: "أما كسر أصنامكم بأيديكم فسنعفيكم من ذلك، وأما الصلاة فلا خير في دينٍ لا صلاة فيه". فقالوا: سنؤتيكها وإن كانت دناءةً.
وقد قال الإمام أحمد (٣): حدثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، عن حميدٍ، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص، أنَّ وفد ثقيفٍ قدموا على رسول الله ﷺ ، فأنزلهم المسجد ليكون أرقَّ لقلوبهم، فاشترطوا على رسول الله ﷺ أن لا يُحشروا ولا يُعشروا ولا يُجبُّوا ولا يستعمل عليهم غيرهم. فقال