← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

كعبٌ: وكنا تخلَّفنا أيُّها الثلاثة عن أَمْرِ أولئك الذين قبل منهم رسول الله حين حلفوا له فيبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨]. ليس الذي ذكر الله مما خُلِّفنا من الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه. وهكذا رواه مسلمٌ (١)، من طريق الزهريِّ بنحوه. وهكذا رواه محمد بن إسحاق (٢)، عن الزهريِّ مثل سياق البخاريِّ، وقد سقناه في "التفسير" (٣) "مسند الإمام أحمد" (٤)، وفيه زياداتٌ يسيرة، ولله الحمد والمنَّة. * * * ذكر أقوامٍ تخلَّفوا من العصاة غير هؤلاء قال عليُّ بن طلحة الوالبيُّ، عن ابن عباسٍ في قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٢]. قال: كانوا عشرة رهطٍ تخلَّفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فلما حضر رجوعه أوثق سبعةٌ منهم أنفسهم بسواري المسجد، وكان ممرُّ النبيِّ ﷺ إذا رجع من المسجد عليهم، فلما مرَّ بهم رسول الله قال: "من هؤلاء؟ " قالوا: أبو لبابة وأصحابٌ له، تخلَّفوا عنك، حتى تطلقهم وتعذرهم. قال: "وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله، ، هو الذي يطلقهم، رغبوا عني، وتخلَّفوا عن الغزو مع المسلمين". فلما أن بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا. فأنزل الله : ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ … ﴾. الآية. و ﴿عَسَى﴾ من الله واجبٌ، فلما أُنزلت، أرسل إليهم رسول الله فأطلقهم وعذرهم، فجاؤوا بأموالهم وقالوا: يا رسول الله، هذه أموالنا فتصدَّق بها عنا، واستغفر لنا. فقال: "ما أُمرت أن آخذ أموالكم". فأنزل الله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣ - ١٠٦]. وهم الذين لم يربطوا أنفسهم بالسواري فأرجئوا، حتى نزل قوله تعالى:

стр. 2172

﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ إلى قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا … ﴾ إلى آخرها [التوبة: ١١٧ - ١١٨]. وكذا رواه عطية بن سعدٍ العوفيُّ، عن ابن عباسٍ بنحوه. وقد ذكر سعيد بن المسيَّب ومجاهدٌ ومحمد بن إسحاق (١) قصة أبي لبابة وما كان من أمره يوم بني قريظة، وربطه نفسه حتى تيب عليه، ثم إنه تخلَّف عن غزوة تبوك، فربط نفسه أيضًا حتى تاب الله عليه، وأراد أن ينخلع من ماله كلِّه صدقةً، فقال له رسول الله ﷺ : "يكفيك من ذلك الثُّلث". قال مجاهدٌ وابن إسحاق: وفيه نزل: ﴿وَءَاخَرُونَ اعتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ … ﴾ الآية. قال سعيد بن المسيَّب: ثم لم يُر منه بعد ذلك في الإسلام إلا خيرٌ، ﵁ وأرضاه. قلت: ولعل هؤلاء الثلاثة لم يذكروا معه بقية أصحابه، واقتصروا على أنه كان كالزعيم لهم، كما دلَّ عليه سياق ابن عباسٍ، والله أعلم. وروى البيهقيُّ (٢) من طريق أبي أحمد الزبيريِّ عن سفيان الثوريِّ، عن سلمة بن كهيلٍ، عن عياض بن عياضٍ، عن أبيه، عن أبي مسعودٍ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "إنَّ منكم منافقين، فمن سَمَّيتُ فليقم، قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان". حتى عدَّ ستةً وثلاثين، ثم قال: "إن فيكم -أو إن منكم- منافقين فسلوا الله العافية". قال: فمرَّ عمر برجلٍ متقنِّعٍ، وقد كان بينه وبينه معرفةٌ، فقال: ما شأنك؟ فأخبره بما قال رسول الله ﷺ ، فقال: بُعدًا لك سائر اليوم. قلت: كان المتخلِّفون عن غزوة تبوك أربعة أقسامٍ؛ مأمورون مأجورون كعليِّ بن أبي طالبٍ ومحمد بن مسلمة وابن أمِّ مكتومٍ، ومعذورون وهم الضعفاء والمرضى والمقلُّون وهم البكَّاؤون، وعصاةٌ مذنبون وهم الثلاثة وأبو لبابة وأصحابه المذكورون، وآخرون ملومون مذمومون وهم المنافقون. * * * ذكر ما كان من الحوادث بعد رجوعه ﷺ إلى المدينة منصرفه من تبوك قال الحافظ البيهقيُّ (٣): حدَّثنا أبو عبد الله الحافظ إملاءً، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدَّثنا أبو البختريِّ عبد الله بن [محمد بن] شاكرٍ، حدَّثنا زكريا بن يحيى، حدَّثنا عمُّ أبي زَحر بن

стр. 2173

حصنٍ، عن جدِّه حميد بن منهبٍ قال: سمعت جدي خُرَيم بن أوس بن حارثة بن لامٍ يقول: هاجرت إلى رسول الله ﷺ منصرفه من تبوك، فسمعت العباس بن عبد المطلب يقول: يا رسول الله، إني أريد أن أمتدحك. فقال رسول الله ﷺ : "لا يفضض الله فاك". فقال: [من المنسرح] مِنْ قَبْلِها طِبْتَ في الظِّلالِ وفي … مُسْتَوْدَعٍ حيث يُخْصَفُ الوَرَقُ ثم هبَطْتَ البلادَ لا بَشَرٌ … أنت ولا مُضغَةٌ ولا عَلَقُ بل نُطفةٌ تَرْكَبُ السَّفينَ وقد … ألْجَم نَسْرًا وأهلَه الغَرَقُ تُنْقَلُ مِن صالبٍ إلى رَحِمٍ … إذا مضَى عالَمٌ بدَا طَبَقُ حتى احتوى بينَك المهيمنُ مِن … خِنْدِفَ عَلْياءَ تحتَها النُّطُقُ وأنت لمَّا وُلدْتَ أشْرَقَت الأرْ … ضُ وضاءتْ بنورِك الأُفُقُ فنحن في ذلك الضياءِ وفي النو … ر وسُبْلِ الرشادِ نَخْتَرِقُ ورواه البيهقيُّ (١) من طريقٍ أخرى، عن أبي السُّكين زكريا بن يحيى الطائيِّ، وهو في جزءٍ له مرويٍّ عنه. قال البيهقيُّ: وزاد: ثم قال رسول الله ﷺ : "هذه الحِيرة البيضاء رُفعت لي، وهذه الشَّيماء بنت بُقيلة الأزدية على بغلةٍ شهباء معتجرةً بخمارٍ أسود". فقلت: يا رسول الله، إن نحن دخلنا الحيرة فوجدتها كما تصف فهي لي؟ قال: "هي لك". قال: ثُمَّ كانت الرِّدَّة، فما ارتد أحدٌ من طيءٍ، وكنا نقاتل من يلينا من العرب على الإسلام، فكنا نقاتل قيسًا وفيها عيينة بن حصنٍ، وكنا نقاتل بني أسدٍ وفيهم طليحة بن خويلدٍ، وكان خالد بن الوليد يمدحنا، وكان فيما قال فينا: [من الطويل] جزَى الله عَنَّا طيِّئًا في ديارِها … بمُعْتَرَكِ الأبطالِ خيرَ جزاءِ همُ أهلُ راياتِ السَّماحةِ والنَّدَى … إذا ما الصَّبَا أَلْوَتْ بكلِّ خِباءِ همُ ضرَبوا قَيْسًا على الدِّينِ بعدَما … أجابوا مُنادي ظلمةٍ وعَماءِ قال: ثم سار خالد إلى مُسَيْلِمَة الكَذَّاب فسرنا معه، فلما فرغنا من مسيلمة أقبلنا إلى ناحية البصرة، فلقينا هرمز بكاظمةَ في جيشٍ هو أكبر من جمعنا، ولم يكن أحدٌ من الناس أعدى للعرب والإسلام من هرمز، فخرج إليه خالدٌ ودعاه إلى البِراز، فبرز له فقتله خالدٌ، وكتب بخبره إلى الصديق، فنفَّله سلبه، فبلغت قلنسوة هرمز مائة ألف درهم، وكانت الفرس إذا شَرُف فيها الرجل جعلت قلنسوته بمئة ألف درهمٍ. قال: ثم أقبلنا على طريق الطَّفِّ إلى الحيرة، فأول من تلقَّانا حين دخلناها الشَّيماء بنت بقيلة، كما قال رسول الله ﷺ : "على بغلةٍ شهباء معتجرةً بخمارٍ أسود". فتعلَّقت بها وقلت: هذه وهبها لي

стр. 2174

رسول الله ﷺ . فدعاني خالدٌ عليها بالبينة، فأتيته بها، وكانت البينة محمد بن مسلمة ومحمد بن بَشِيرٍ الأنصاريَّ، فسلَّمها إليَّ، فنزل إليَّ أخوها عبد المسيح يريد الصلح، فقال: بِعنيها. فقلت: لا أنقصها والله عن عشر مئة درهمٍ. فأعطاني ألف درهمٍ، وسلَّمتها إليه، فقيل: لو قلت مئة ألفٍ لدفعها إليك. فقلت: ما كنت أحسب أن عددًا أكثر من عشر مئةٍ. * * * قدوم وفد ثقيفٍ على رسول الله ﷺ في رمضان من سنة تسعٍ تقدم أن رسول الله ﷺ لما ارتحل عن ثقيفٍ سئل أن يدعوَ عليهم فدعا لهم بالهداية، وقد تقدم أن رسول الله ﷺ حين أسلم مالك بن عوفٍ النَّصريُّ أنعم عليه وأعطاه، وجعله أميرًا على من أسلم من قومه، فكان يغزو بلاد ثقيفٍ ويضيِّق عليهم، حتى ألجأهم إلى الدخول في الإسلام، وتقدم أيضًا فيما رواه أبو داود، عن صخر بن العيلة الأحمسيِّ أنه لم يزل بثقيفٍ حتى أنزلهم من حصنهم على حكم رسول الله ﷺ ، فأقبل بهم إلى المدينة النبوية بإذن رسول الله ﷺ له في ذلك. قال ابن إسحاق (١): وقدم رسول الله ﷺ المدينة من تبوك في رمضان، وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيفٍ، وكان من حديثهم أن رسول الله ﷺ لما انصرف عنهم، اتَّبِع أثره عروة بن مسعودٍ، حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة فأسلم، وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال له رسول الله -كما يتحدث قومه-: "إنهم قاتلوك". وعرف رسول الله ﷺ أن فيهم نخوة الامتناع؛ للذي كان منهم، فقال عروة: يا رسول الله، أنا أحبُّ إليهم من أبكارهم. وكان فيهم كذلك محبَّبًا مطاعًا، فخرج يدعو قومه إلى الإسلام، رجاء أن لا يخالفوه؛ لمنزلته فيهم، فلما أشرف على عِلِّيَّةٍ له، وقد دعاهم إلى الإسلام وأظهر لهم دينه، رمَوه بالنبل من كلِّ وجهٍ فأصابه سهمٌ فقتله، فيزعم بنو مالكٍ أنه قتله رجلٌ منهم يقال له: أوس ابن عوفٍ. أخو بني سالم بن مالكٍ، وتزعم الأحلاف أنه قتله رجلٌ منهم من بني عتَّابٍ يقال له: وهب بن جابرٍ. فقيل لعروة: ما ترى في دمك؟ قال: كرامةً أكرمني الله بها، وشهادةً ساقها الله إليَّ، فليس فيَّ إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله ﷺ قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم. فدفنوه معهم، فزعموا أن رسول الله ﷺ قال فيه: "إن مثَله في قومه كمثل صاحب يس في قومه". وهكذا ذكر موسى بن عقبة قصة عروة، ولكن زعم أن ذلك كان بعد حجة أبي بكر الصديق، وتابعه أبو بكرٍ البيهقيُّ في ذلك وهذا بعيدٌ، والصحيح أن ذلك قبل حجة أبي بكرٍ كما ذكره ابن إسحاق. والله أعلم.

стр. 2175

قال ابن إسحاق (١): ثم أقامت ثقيفٌ بعد قتل عروة أشهرًا، ثم إنهم ائتمروا بينهم، ورأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، وقد بايعوا وأسلموا، فائتمروا فيما بينهم، وذلك عن رأي عمرو بن أمية أخي بني علاجٍ، فائتمروا بينهم، ثم أجمعوا على أن يرسلوا رجلًا منهم، فأرسلوا عبد يالِيل بن عمرو بن عُميرٍ، ومعه اثنان من الأحلاف وثلاثةٌ من بني مالكٍ، وهم؛ الحكم بن عمرو بن وهب بن معتِّبٍ، وشرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتِّبٍ، وعثمان بن أبي العاص، وأوس بن عوفٍ أخو بني سالمٍ، ونُمير بن خرشة بن ربيعة. وقال موسى بن عقبة: كانوا بضعة عشر رجلًا، فيهم كنانة بن عبد يالِيل، وهو رئيسهم، وفيهم عثمان بن أبي العاص، وهو أصغر الوفد. قال ابن إسحاق (٢): فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناةَ، ألفوا المغيرة بن شعبة يرعى في نوبته ركاب أصحاب رسول الله ﷺ ، فلما رآهم ذهب يشتدُّ ليبشِّر رسول الله بقدومهم، فلقيه أبو بكرٍ الصديق فأخبره عن ركب ثقيفٍ أنهم قدموا يريدون البيعة والإسلام بأن يشرط لهم رسول الله شروطًا، ويكتتبوا كتابًا في قومهم، فقال أبو بكرٍ للمغيرة: أقسمت عليك لا تسبقني إلى رسول الله حتى أكون أنا أحدِّثه. ففعل المغيرة، فدخل أبو بكرٍ فأخبر رسول الله ﷺ بقدومهم، ثم خرج المغيرة إلى أصحابه فروَّح الظَّهر معهم، وعلَّمهم كيف يحيُّون رسول الله ﷺ ، فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية، ولما قدموا على رسول الله ضربت عليهم قبَّةٌ في المسجد، وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله، فكان إذا جاءهم بطعام من عنده لم يأكلوا منه حتى يأكل خالد بن سعيدٍ قبلهم، وهو الذي كتب لهم كتابهم. قال: وكان مما اشترطوا على رسول الله ﷺ أن يدع لهم الطاغية [وهي اللات] ثلاث سنين، فما برحوا يسألونه سنةً سنةً ويأبى عليهم، حتى سألوه شهرًا واحدًا بعد مقدمهم ليتألَّفوا سفهاءهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئًا مسمىً إلا أن يبعث معهم أبا سفيان بن حربٍ والمغيرة ليهدماها، وسألوه مع ذلك أن لا يصلُّوا وأن لا يكسروا أصنامهم بأيديهم، فقال: "أما كسر أصنامكم بأيديكم فسنعفيكم من ذلك، وأما الصلاة فلا خير في دينٍ لا صلاة فيه". فقالوا: سنؤتيكها وإن كانت دناءةً. وقد قال الإمام أحمد (٣): حدثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، عن حميدٍ، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص، أنَّ وفد ثقيفٍ قدموا على رسول الله ﷺ ، فأنزلهم المسجد ليكون أرقَّ لقلوبهم، فاشترطوا على رسول الله ﷺ أن لا يُحشروا ولا يُعشروا ولا يُجبُّوا ولا يستعمل عليهم غيرهم. فقال

стр. 2176

رسول الله ﷺ : "لكم أن لا تُحشروا ولا تُعشَروا، ولا يُستعمل عليكم غيركم، ولا خير في دينٍ لا ركوع فيه". وقال عثمان بن أبي العاص: يا رسول الله، علِّمني القرآن واجعلني إمام قومي. وقد رواه أبو داود (١) من حديث أبي داود الطَّيالسيِّ، عن حماد بن سلمة، عن حميدٍ به. وقال أبو داود (٢): حدَّثنا الحسن بن الصَّبَّاح، ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثني إبراهيم بن عقيل بن معقل بن منبِّهٍ، [عن أبيه]، عن وهبٍ قال: سألت جابرًا عن شأن ثقيفٍ إذ بايعت، قال: اشترطت على رسول الله ﷺ أن لا صدقة عليها ولا جهاد، وأنه سمع رسول الله ﷺ يقول بعد ذلك: "سيتصدَّقون ويجاهدون إذا أسلموا". قال ابن إسحاق (٣): فلما أسلموا وكتب لهم كتابهم أمَّر عليهم عثمان بن أبي العاص -وكان أحدثهم سنًا- لأن الصِّدِّيق قال: يا رسول الله، إني رأيت هذا الغلام من أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلُّم القرآن. وذكر موسى بن عقبة أن وفدهم كانوا إذا أتوا رسول الله خلَّفوا عثمان بن أبي العاص في رحالهم، فإذا رجعوا وسط النهار جاء هو إلى رسول الله ﷺ فسأله عن العلم فاستقرأه القرآن، فإن وجده نائمًا ذهب إلى أبي بكرٍ الصديق، فلم يزل دأبُه حتى فقه في الإسلام، وأحبَّه رسول الله ﷺ حبًّا شديدًا. قال ابن إسحاق (٤): حدثني سعيد بن أبي هند، عن مطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، عن عثمان بن أبي العاص قال: كان من آخر ما عهد إليَّ رسول الله ﷺ حين بعثني إلى ثقيفٍ أن قال: "يا عثمان، تجوَّز في الصلاة، واقدر الناس بأضعفهم، فإن فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة". وقال الإمام أحمد (٥): حدثنا عَفَّان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا سعيدٌ الجريريُّ، عن أبي العلاء، عن مطرِّفٍ، عن عثمان بن أبي العاص قال: قلت: يا رسول الله، اجعلني إمام قومي. قال: "أنت إمامهم، فاقتد بأضعفهم، واتَّخذ مؤذِّنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا". رواه أبو داود والترمذي (٦) من حديث حمَّاد بن سلمة به.

стр. 2177

ورواه ابن ماجه (١)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل بن عليَّة، عن محمد بن إسحاق، كما تقدم. وروى أحمد (٢)، عن عَفَّان، عن وهيبٍ، وعن معاوية بن عمروٍ، عن زائدة، كلاهما عن عبد الله بن عثمان بن خثيمٍ، عن داود بن أبي عاصمٍ، عن عثمان بن أبي العاص أن آخر ما فارقه رسول الله حين استعمله على الطائف أن قال: "إذا صلَّيت بقومٍ فخفِّف بهم". حتى وقَّت لي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. [العلق: ١]. وأشباهها من القرآن. وقال أحمد (٣): حدثنا محمد بن جعفرٍ، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرَّة، سمعت سعيد بن المسيَّب قال: حدَّث عثمان بن أبي العاص قال: آخر ما عهد إليَّ رسول الله ﷺ أن قال: "إذا أممت قومًا فخفِّف بهم الصلاة". ورواه مسلمٌ (٤)، عن محمد بن مثنّى وبندارٍ، كلاهما عن محمد بن جعفرٍ غندرٍ به. وقال أحمد (٥): حدَّثنا أبو أحمد الزبيريُّ، ثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفيُّ، عن عبد الله بن الحكم، أنه سمع عثمان بن أبي العاص يقول: استعملني رسول الله ﷺ على الطائف، فكان آخر ما عهده إليَّ أن قال: "خفِّف عن الناس الصلاة". تفرد به من هذا الوجه. وقال أحمد (٦): حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ، أخبرنا عمرو بن عثمان، حدَّثني موسى -هو ابن طلحة- أن عثمان بن أبي العاص حدَّثه أن رسول الله ﷺ أمره أن يؤمَّ قومه، ثم قال: "من أمَّ قومًا فليخفِّف بهم، فإن فيهم الضعيف والكبير والمريض وذا الحاجة، فإذا صلَّى وحده فليصلِّ كيف شاء". ورواه مسلمٌ (٧) من حديث عمرو بن عثمان به. وقال أحمد (٨): حدثنا محمد بن جعفرٍ (٩)، حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالمٍ، سمعت أشياخًا من ثقيفٍ قالوا: حدَّثنا عثمان بن أبي العاص أنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : "أُمَّ قومك، وإذا أممت قومًا فأخفَّ بهم الصلاة؛ فإنه يقوم فيها الصغير والكبير والضعيف والمريض وذو الحاجة".

стр. 2178

وقال أحمد (١): حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن الجريريِّ، عن أبي العلاء بن الشِّخِّير، أن عثمان قال: يا رسول الله، حال الشيطان بيني وبين صلاتي وقراءتي. قال: "ذاك شيطانٌ يقال له: خِنزبٌ. فإذا أنت حسسته فتعوَّذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثًا". قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني. ورواه مسلمٌ (٢) من حديث سعيدٍ الجُرَيريِّ به. وروى مالكٌ وأحمد ومسلمٌ وأهل السنن (٣) من طرقٍ، عن نافع بن جبير بن مطعمٍ، عن عثمان بن أبي العاص أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعًا يجده في جسده، فقال له: "ضع يدك على الذي تألَّم من جسدك، وقل: بسم الله. ثلاثًا، وقل سبع مراتٍ: أعوذ بعزة الله وقدرته من شرِّ ما أجد وأحاذر". وفي بعض الروايات: ففعلت ذلك فأذهب الله ما كان بي، فلم أزل آمر به أهلي وغيرهم. وقال أبو عبد الله بن ماجه (٤): حدَّثنا محمد بن بشَّارٍ، ثنا محمد بن عبد الله الأنصاريُّ، حدثني عيينة بن عبد الرحمن -وهو ابن جوشنٍ- حدثني أبي، عن عثمان بن أبي العاص قال: لما استعملني رسول الله ﷺ على الطائف جعل يعرض لي شيءٌ في صلاتي، حتى ما أدري ما أُصلِّي، فلما رأيت ذلك رحلت إلى رسول الله ﷺ ، فقال: "ابن أبي العاص؟ " قلت: نعم يا رسول الله. قال: "ما جاء بك؟ " قلت: يا رسول الله، عرض لي شيءٌ في صلاتي حتى ما أدري ما أُصلِّي. قال: "ذاك الشيطان، ادنه". فدنوت منه، فجلست على صدور قدميَّ. قال: فضرب صدري بيده وتفل في فمي، وقال: "اخرج عدوَّ الله". ففعل ذلك ثلاث مراتٍ، ثم قال: "الحق بعملك". قال: فقال عثمان: فلعمري ما أحسبه خالطني بعدُ. تفرَّد به ابن ماجه. قال ابن إسحاق (٥): وحدَّثني عيسى بن عبد الله، عن عطيَّة بن سفيان بن ربيعة الثقفيِّ، عن بعض وفدهم قال: كان بلالٌ يأتينا حين أسلمنا وصُمنا مع رسول الله ﷺ ما بقي من شهر رمضان بفَطورنا وسَحورنا، فيأتينا بالسَّحور، فإنا لنقول: إنا لنرى الفجر قد طلع. فيقول: قد تركت رسول الله ﷺ يتسحَّر لتأخير السَّحور. ويأتينا بفطرنا، وإنا لنقول: ما نرى الشمس ذهبت كلُّها بعد. فيقول: ما جئتكم حتى أكل رسول الله ﷺ . ثم يضع يده في الجفنة فيلقم منها.

стр. 2179

وروى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه (١)، من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفيِّ، عن عثمان بن عبد الله بن أوسٍ، عن جدِّه أوس بن حذيفة قال: قدمنا على رسول الله ﷺ في وفد ثقيفٍ. قال: فنزِّلت الأحلاف على المغيرة بن شعبة، وأنزل رسول الله ﷺ بني مالكٍ في قبَّةٍ له، كلَّ ليلةٍ يأتينا بعد العشاء يحدِّثنا قائمًا على رجليه، حتى يراوح بين رجليه من طول القيام فأكثر ما يحدِّثنا ما لقي من قومه من قريشٍ، ثم يقول: "لا أنسى وكنا مستضعفين مستذلِّين بمكة، فلما خرجنا إلى المدينة كانت سِجال الحرب بيننا وبينهم، نُدال عليهم ويُدالون علينا". فلما كانت ليلةٌ أبطأ عن الوقت الذي كان يأتينا فيه، فقلنا: لقد أبطأت عنَّا الليلة. فقال: "إنه طرأ عليَّ حزبي من القرآن، فكرهت أن أجيءَ حتى أتمَّه". قال أوسٌ: سألت أصحاب رسول الله ﷺ كيف تحزِّبون القرآن؟ فقالوا: ثلاثٌ، وخمسٌ، وسبعٌ، وتسعٌ، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصَّل (٢) وحده، لفظ أبي داود. قال ابن إسحاق (٣): فلما فرغوا من أمرهم وتوجَّهوا إلى بلادهم راجعين، بعث رسول الله ﷺ معهم أبا سفيان بن حربٍ والمغيرة بن شعبة في هدم الطاغية، فخرجا مع القوم، حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة أن يقدِّم أبا سفيان، فأبى ذلك عليه أبو سفيان وقال: ادخل أنت على قومك. وأقام أبو سفيان بماله بذي الهرْم، فلما دخل المغيرة علاها يضربها بالمعول، وقام قومه بنو معتِّبٍ دونه؛ خشية أن يُرمى أو يصاب كما أصيب عروة بن مسعودٍ. قال: وخرج نساء ثقيفٍ حُسَّرًا يبكين عليها، ويقلن: لتُبكينَّ دفَّاع، أسلمها الرُّضَّاع، لم يحسنوا المِصاع. قال ابن إسحاق (٤): ويقول أبو سفيان والمغيرة يضربها بالفأس: واهًا لكِ إهلاككِ. فلما هدمها المغيرة وأخذ مالها وحُلِيَّها أرسل إلى أبي سفيان وقال له: إن رسول الله قد أمرنا أن نقضي عن عروة بن مسعودٍ وأخيه الأسود بن مسعودٍ، والد قارب بن الأسود، دَيْنهما من مال الطاغية. فقضى ذلك عنهما. قلت: كان الأسود قد مات مشركًا، ولكن أمر رسول الله بذلك تأليفًا وإكرامًا لولده قارب بن الأسود، ﵁. وذكر موسى بن عقبة (٥) أن وفد ثقيفٍ كانوا بضعة عشر رجلًا، فلما قدموا أنزلهم رسول الله المسجد ليسمعوا القرآن، فسألوه عن الربا والزنى والخمر، فحرَّم عليهم ذلك كلَّه، فسألوه عن الرَّبَّة ما هو صانعٌ

стр. 2180

بها. قال: "اهدموها". قالوا: هيهات، لو تعلم الرَّبَّة أنك تريد أن تهدمها قتلت أهلها. فقال عمر بن الخطاب: ويحك يا بن عبد ياليل! ما أجهلك! إنما الرَّبَّة حجرٌ. فقالوا: إنا لم نأتك يا بن الخطاب. ثم قالوا: يا رسول الله، تولَّ أنت هدمها، أما نحن فإنا لن نهدمها أبدًا. فقال: "سأبعث إليكم من يكفيكم هدمها". فكاتبوه على ذلك، واستأذنوه أن يسبقوا رسله إليهم، فلما جاؤوا قومهم تلقَّوهم، فسألوهم ما وراءكم؟ فأظهروا الحزن، وأنهم إنما جاؤوا من عند رجلٍ فظٍّ غليظٍ، قد ظهر بالسيف، يحكم ما يريد وقد دوَّخ العرب، قد حرَّم الربا والزنى والخمر، وأمر بهدم الرَّبَّة، فنفرت ثقيفٌ وقالوا: لا نطيع لهذا أبدًا. قال: فأهِّبوا للقتال وأعدُّوا السلاح. فمكثوا على ذلك يومين أو ثلاثةً، ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب، فرجعوا وأنابوا، وقالوا: ارجعوا إليه، فشارطوه على ذلك وصالحوه عليه. قالوا: فإنا قد فعلنا ذلك، ووجدناه أتقى الناس وأوفاهم وأرحمهم وأصدقهم، وقد بورك لنا ولكم في مسيرنا إليه وفيما قاضيناه عليه، فافهموا ما في القضية واقبلوا عافية الله. قالوا: فلِم كتمتمونا هذا أولًا؟ قالوا: أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان، فأسلموا مكانهم، ومكثوا أيامًا، ثم قدم عليهم رسل رسول الله ﷺ وقد أمر عليهم خالد بن الوليد، وفيهم المغيرة بن شعبة، فعمدوا إلى اللات، وقد استكفَّت ثقيفٌ رجالها ونساؤها والصبيان، حتى خرج العواتق من الحِجال، ولا يرى عامة ثقيفٍ أنها مهدومةٌ، ويظنون أنها ممتنعةٌ، فقام المغيرة بن شعبة، فأخذ الكرزين -يعني المعْول- وقال لأصحابه: والله لأضحكنَّكم من ثقيفٍ. فضرب بالكرزين، ثم سقط يركض برجله، فارتجَّ أهل الطائف بصيحةٍ واحدةٍ وفرحوا وقالوا: أبعد الله المغيرة، قتلته الرَّبَّة. وقالوا لأولئك: من شاء منكم فليقترب. فقام المغيرة فقال: والله يا معشر ثقيفٍ إنما هي لَكاعِ حجارةٌ ومدرٌ، فاقبلوا عافية الله واعبدوه. ثم إنه ضرب الباب فكسره، ثم علا سورها، وعلا الرجال معه، فما زالوا يهدمونها حجرًا حجرًا حتى سوَّوها بالأرض، وجعل سادنها يقول: ليغضبنَّ الأساس فليَخسفنَّ بهم. فلما سمع ذلك المغيرة قال لخالدٍ: دعني أحفر أساسها. فحفروه حتى أخرجوا ترابها، وجمعوا ماءها وبناءها، وبُهتت عند ذلك ثقيفٌ، ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ ، فقسم أموالها من يومه، وحمدوا الله تعالى على اعتزاز دينه ونصرة رسوله. قال ابن إسحاق (١): وكان كتاب رسول الله ﷺ الذي كتب لهم: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمدٍ النبيِّ رسول الله إلى المؤمنين؛ إن عضاه وجٍّ وصيده لا يعضد، من وجد يفعل شيئًا من ذلك فإنه يجلد وتنزع ثيابه، وإن تعدَّى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ به النبيَّ محمدًا، وإنَّ هذا أمر النبيِّ محمدٍ. وكتب خالد بن سعيدٍ بأمر الرسول محمد بن عبد الله فلا يتعدَّه أحدٌ فيظلم نفسه فيما أمر به محمدٌ رسول الله ﷺ .

стр. 2181

وقد قال الإمام أحمد (١): حدثنا عبد الله بن الحارث -من أهل مكة مخزوميٌّ- حدثني محمد بن عبد الله بن إنسان -وأثنى عليه خيرًا- عن أبيه، عن عروة بن الزبير، [عن أبيه] قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ من لِيَّة حتى إذا كنا عند السِّدرة وقف رسول الله ﷺ في طرف القرن الأسود حذوها، فاستقبل نخِبًا ببصره، يعني واديًا، ووقف حتى اتَّقف الناس كلُّهم، ثم قال: "إن صيد وجٍّ وعضاهه حرمٌ محرَّمٌ لله". وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره ثقيفًا. وقد رواه أبو داود (٢) من حديث محمد بن عبد الله بن إنسان الطائفيِّ، وقد ذكره ابن حبان في "ثقاته" (٣). وقال ابن معينٍ (٤): ليس به بأسٌ. تكلَّم فيه بعضهم، وقد ضعَّف أحمد والبخاريُّ وغيرهما هذا الحديث (٥)، وصحَّحه الشافعيُّ وقال بمقتضاه، والله أعلم. * * * ذكر موت عبد الله بن أُبيٍّ قبَّحه الله قال محمد بن إسحاق (٦): حدَّثني الزُّهْري عن عروة، عن أسامة بن زيدٍ، ﵁، قال: دخل رسول الله ﷺ على عبد الله بن أُبيٍّ يعوده في مرضه الذي مات فيه، فلما عرف فيه الموت قال رسول الله ﷺ : "أما والله إن كنت لأنهاكَ عن حبِّ يهود". فقال: قد أبغضهم أسعد بن زرارة، فمَه؟ وقال الواقديُّ (٧)، مرض عبد الله بن أُبيٍّ في ليالٍ بقين من شوالٍ، ومات في ذي القعدة، وكان مرضه عشرين ليلةً، فكان رسول الله يعوده فيها، فلما كان اليوم الذي مات فيه دخل عليه رسول الله ﷺ وهو يجود بنفسه، فقال: "قد نهيتك عن حبِّ يهود". فقال: قد أبغضهم أسعد بن زرارة، فما نفعه؟ ثم قال: يا رسول الله، ليس هذا بحِين عتابٍ! هو الموت، [فإن متُّ] فاحضُر غُسلي، وأعطني قميصك الذي يلي جلدك فكفِّنِّي فيه، وصلِّ عليَّ واستغفر لي. ففعل ذلك به رسول الله ﷺ . وروى

стр. 2182

البيهقيُّ (١) من حديث سالم بن عجلان، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ نحوًا مما ذكره الواقديُّ، فالله أعلم. وقد قال إسحاق بن راهويه (٢): قلت لأبي أسامة: أحدثَّكم عبيد الله، عن نافعٍ، عن ابن عمر قال: لما توفِّي عبد الله بن أُبيِّ بن سلول جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله ﷺ ، فسأله أن يعطيَه قميصه ليكفِّنه فيه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلِّي عليه، فقام رسول الله ﷺ يصلِّي عليه، فقام عمر بن الخطاب فأخذ بثوبه فقال: يا رسول الله، تصلِّي عليه وقد نهاك الله عنه؟! فقال رسول الله ﷺ : "إن ربي خيَّرني فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]. وسأزيد على السبعين". فقال: إنه منافق أتصلِّي عليه؟! فأنزل الله، : ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] فأقرَّ به أبو أسامة، وقال: نعم. وأخرجاه في "الصحيحين" (٣) من حديث أبي أسامة. وفي رواية للبخاريِّ وغيره (٤): قال عمر، ﵁: فقلت: يا رسول الله، تصلِّي عليه وقد قال في يوم كذا: كذا وكذا، وقال في يوم كذا: كذا وكذا؟! فقال: "دعني يا عمر، فإني بين خيرتين، ولو أعلم أني إن زدت على السبعين غُفر له لزدت". ثم صلَّى عليه، فأنزل الله : ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ … ﴾ الآية. قال عمر: فعجبت بعدُ من جرأتي على رسول الله ﷺ ، والله ورسوله أعلم. وقال سفيان بن عُيينة، عن عمرو بن دينارٍ، سمع جابر بن عبد الله، ﵁، يقول: أتى رسول الله ﷺ قبر عبد الله بن أبيٍّ بعدما أدخل حفرته، فأمر به فأخرج، فوضعه على ركبتيه -أو فخذيه- ونفث عليه من ريقه، وألبسه قميصه. فالله أعلم. وفي "صحيح البخاريِّ" (٥) بهذا الإسناد مثله، وعنده أنه إنما ألبسه قميصه مكافأةً لما كان كسا العباس، ﵁، قميصًا حين قدم المدينة، فلم يجدوا قميصًا يصلح له إلا قميص عبد الله بن أُبيٍّ. وقد ذكر البيهقيُّ ها هنا قصة ثعلبة بن حاطب، وكيف افتتن بكثرة المال، ومنعه الصدقة، وقد حرَّرنا ذلك في "التفسير" (٦) عند قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ … ﴾ الآية [التوبة: ٧٥].

стр. 2183

فصل قال ابن إسحاق (١): وكانت غزوة تبوك آخر غزوة غزاها رسول الله ﷺ . وقال حسَّان بن ثابتٍ (٢)، ﵁، يعدِّد أيَّام الأنصار مع رسول الله ﷺ ، ويذكر مواطنهم معه في أيام غزوه. قال ابن هشامٍ: وتُروى لابنه عبد الرحمن بن حسَّان: [من البسيط] ألَسْتُ خيرَ مَعَدٍّ كلِّها نفَرًا … ومَعْشرًا إن هُمُ عُمُّوا وإن حُصِلوا قومٌ همُ شهِدوا بدرًا بأجْمعِهمْ … مع الرسولِ فما آلَوْا وما خَذَلوا وبايَعوه فلم يَنْكُثْ به أحدٌ … منهم ولم يَكُ في إيمانهِ دَخَلُ ويومَ صبَّحَهم في الشِّعْبِ مِن أُحُدٍ … ضَرْبٌ رَصِينٌ كحرِّ النارِ مُشْتَعِلُ ويومَ ذي قَرَدٍ يومَ استَثار بهمْ … على الجِيادِ فما خاموا وما نكَلوا وذا العُشَيْرةِ جاسُوها بخيلِهمُ … مع الرسولِ عليها البِيضُ والأَسَلُ ويومَ وَدَّانَ أجْلَوا أهلَه رَقَصًا … بالخيلِ حتى نهانا الحَزْنُ والجبلُ وليلةً طلَبوا فيها عدوَّهمُ … للهِ والله يَجْزِيهم بما عمِلوا وليلةً بحُنينٍ جالدوا معهُ … فيها يَعُلُّهمُ في الحربِ إذ نهِلوا وغزوةً يومَ نَجْدٍ ثَمَّ كان لهمْ … مع الرسولِ بها الأَسْلابُ والنَّفَلُ وغزوةَ القاعِ فرَّقْنا العدوَّ به … كما تُفَرَّقُ دونَ المَشْرَبِ الرَّسَلُ ويومَ بُويِعَ كانوا أهلَ بيعتِه … على الجِلادِ فآسَوْه وما عدَلوا وغزوةَ الفتحِ كانوا في سَرِيَّتِه … مُرابِطِين فما طاشوا وما عَجِلوا ويومَ خيبرَ كانوا في كَتيبتِه … يَمْشُون كلُّهمُ مُسْتَبْسِلٌ بَطَلُ بالبِيضِ تُرْعَشُ في الأَيْمانِ عاريةً … تَعْوَجُّ في الضَّرْبِ أحيانًا وتَعْتَدِلُ ويومَ سار رسولُ الله مُحْتَسِبًا … إلى تبوكَ وهم راياته الأُوَلُ وساسةُ الحربِ إن حربٌ بدَتْ لهمُ … حتى بَدَا لهمُ الإقْبالُ فالقَفَلُ أولئك القومُ أنصارُ النبيِّ وهمْ … قومي أَصِيرُ إليهمْ حينَ أتَّصِلُ ماتوا كِرامًا ولم تُنْكَثْ عهودُهمُ … وقَتْلُهمْ في سبيلِ الله إذ قُتِلوا

стр. 2184

ذكر بعث رسول الله ﷺ أبا بكرٍ الصِّدِّيق أميرًا على الحجّ سنة تسعٍ (١) ونزول سورة "براءة" قال ابن إسحاق بعد ذكره وفود أهل الطائف إلى رسول الله ﷺ في رمضان كما تقدم بيانه مبسوطًا. قال: ثم أقام رسول الله ﷺ بقية شهر رمضان وشوَّالًا وذا القعدة، ثم بعث أبا بكرٍ أميرًا على الحجِّ من سنة تسعٍ؛ ليقيم للمسلمين حجَّهم، وأهل الشرك على منازلهم من حجِّهم لم يصدُّوا بعد عن البيت، ومنهم من له عهدٌ مؤقَّتٌ إلى أمدٍ، فلما خرج أبو بكرٍ، ﵁، بمن معه من المسلمين، وفصل عن المدينة، أنزل هذه الآيات من أول سورة التوبة: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ إلى آخر القصة. ثم شرع ابن إسحاق يتكلَّم على هذه الآيات، وقد بسطنا الكلام عليها في "التفسير" (٢) ولله الحمد والمنة. والمقصود أن رسول الله ﷺ بعث عليًّا، ﵁، بعد أبي بكرٍ الصِّدِّيق، ليكون معه، ويتولَّى عليٌّ بنفسه إبلاغ البراءة إلى المشركين نيابةً عن رسول الله ﷺ ؛ لكونه ابن عمِّه من عصبته. قال ابن إسحاق (٣): حدثني حكيم بن حكيم بن عبَّاد بن حُنيفٍ، عن أبي جعفرٍ محمد بن عليٍّ أنه قال: لما نزلت "براءةٌ" على رسول الله ﷺ ، وقد كان بعث أبا بكرٍ الصديق، ﵁، ليقيم للناس الحجَّ، قيل له: يا رسول الله، لو بعثتَ بها إلى أبي بكرٍ. فقال: "لا يؤدِّي عني إلا رجلٌ من أهل بيتي". ثم دعا عليَّ بن أبي طالبٍ فقال: "اخرج بهذه القصة من صدر "براءة" وأذِّن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنىً: ألا إنه لا يدخل الجنة كافرٌ، ولا يحجُّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عُريانٌ، ومن كان له عند رسول الله ﷺ عهدٌ فهو له إلى مدته". فخرج عليُّ بن أبي طالبٍ على ناقة رسول الله ﷺ العضباء حتى أدرك أبا بكرٍ بالطريق، فلما رآه أبو بكرٍ قال: أميرٌ أو مأمورٌ؟ فقال: بل مأمورٌ. ثم مضيا، فأقام أبو بكرٍ للناس الحجَّ، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحجِّ التي كانوا عليها في

стр. 2185

الجاهلية، حتى إذا كان يوم النحر، قام عليُّ بن أبي طالبٍ فأذَّن في الناس بالذي أمره به رسول الله ﷺ ، وأجَّل الناسَ أربعة أشهرٍ من يوم أذَّن فيهم؛ ليرجع كلُّ قومٍ إلى مأمنهم وبلادهم، ثم لا عهد لمشركٍ ولا ذمة إلَّا أحدٍ كان له عند رسول الله ﷺ عهدٌ، فهو له إلى مدته، فلم يحجَّ بعد ذلك العام مشركٌ، ولم يطف بالبيت عُريانٌ، ثم قدما على رسول الله ﷺ ، وهذا مرسلٌ من هذا الوجه. وقد قال البخاريُّ (١): باب حجِّ أبي بكرٍ، ﵁، بالناس سنة تسعٍ، حدَّثنا سليمان بن داود أبو الربيع، حدثنا فليحٌ، عن الزهريِّ، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن أبا بكرٍ الصِّدِّيق، ﵁، بعثه في الحجَّة التي أمَّره النبيُّ عليها قبل حَجَّة الوَدَاع في رهطٍ يؤذِّن في الناس أن لا يحجَّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوفنَّ بالبيت عريانٌ. وقال البخاريُّ (٢) في موضع آخر: حدَّثنا عبد الله بن يوسف، ثنا الليث، حدثني عقيلٌ، عن ابن شهابٍ، أخبرني حميد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكرٍ الصديق في تلك الحجة في المؤذِّنين، بعثهم يوم النحر يؤذِّنون بمنىً أن لا يحجَّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوفنَّ بالبيت عريانٌ. قال حميدٌ: ثم أردف النبيُّ ﷺ بعليٍّ، فأمره أن يؤذِّن بـ "براءةٌ". قال أبو هريرة: فأذَّن معنا عليٌّ في أهل منىً يوم النحر بـ "براءةٌ" أن لا يحجَّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوفنَّ بالبيت عريانٌ. وقال البخاريُّ (٣) في كتاب الجهاد: حدثَّنا أبو اليمان، أنبأنا شعيبٌ، عن الزهريِّ، أخبرني حميدٌ بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر الصديق فيمن يؤذِّن يوم النحر بمنىً؛ لا يحجُّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عريانٌ. ويوم الحجِّ الأكبر يوم النَّحر، وإنما قيل: الأكبر. من أجل قول الناس: الحجُّ الأصغر. فنبذ أبو بكرٍ إلى الناس في ذلك العام، فلم يحجَّ عام حجة الوداع -الذي حجَّ فيه رسول الله ﷺ - مشركٌ. ورواه مسلم (٤) من طريق الزهريِّ به نحوه. وقال الإمام أحمد (٥): حدَّثنا محمد بن جعفرٍ، حدَّثنا شعبة، عن مغيرة، عن الشعبيِّ، عن محرَّر بن أبي هريرة، عن أبيه قال: كنت مع عليِّ بن أبي طالبٍ حين بعثه رسول الله ﷺ . فقال: ما كنتم تنادون؟ قال: كنَّا ننادي: إنه لا يدخل الجنة إلَّا مؤمنٌ، ولا يطوف بالبيت عريانٌ، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهدٌ فإن أجله -أو أمده- إلى أربعة أشهرٍ، فإذا مضت الأربعة الأشهر فإن الله بريءٌ من

стр. 2186

المشركين ورسوله، ولا يحجُّ هذا البيت بعد العام مشركٌ. قال: فكنت أنادي حتى صحِل صوتي. وهذا إسنادٌ جيدٌ لكن فيه نكارةٌ من جهة قول الراوي: إنَّ من كان له عهدٌ فأجله إلى أربعة أشهرٍ. وقد ذهب إلى هذا ذاهبون، ولكنَّ الصحيح أن من كان له عهدٌ، فأجله إلى أمده بالغًا ما بلغ ولو زاد على أربعة أشهرٍ، ومن ليس له أمدٌ بالكلية، فله تأجيل أربعة أشهرٍ، بقي قسمٌ ثالثٌ وهو من له أمدٌ يتناهى إلى أقلَّ من أربعة أشهرٍ من يوم التأجيل، وهذا يحتمل أن يلتحق بالأوَّل فيكون أجله إلى مدته وإن قلَّ، ويحتمل أن يقال: إنه يؤجَّل إلى أربعة أشهرٍ؛ لأنه أولى ممن ليس له عهدٌ بالكلية، والله تعالى أعلم. وقال الإمام أحمد (١): حدَّثنا عفان، ثنا حمَّادٌ، عن سماكٍ، عن أنس بن مالكٍ، أن رسول الله ﷺ بعث بـ "براءةٌ" مع أبي بكرٍ، فلمَّا بلغ ذا الحليفة قال: "لا يبلِّغها إلا أنا أو رجلٌ من أهل بيتي". فبعث بها مع عليّ بن أبي طالب. وقد رواه الترمذي (٢) من حديث حماد بن سلمة، وقال: حسنٌ غريبٌ من حديث أنس. وقد روى عبد الله بن أحمد (٣)، عن لُوَيْن، عن محمد بن جابر، عن سماك، عن حنشٍ، عن عليٍّ أن رسول الله ﷺ لما أردف أبا بكر بعليٍّ فأخذ منه الكتاب بالجحفة، رجع أبو بكر فقال: يا رسول الله، نزل فيَّ شيءٌ؟ قال: "لا، ولكن جبريل جاءني فقال: لا يؤدِّي عنك إلا أنت أو رجلٌ منك". وهذا ضعيف الإسناد، ومتنه فيه نكارةٌ، والله أعلم. وقال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يُثيع -رجل من همدان- قال: سألنا عَلِيًّا: بأيّ شيءٍ بُعِثتَ؟ يوم بعثه رسول الله ﷺ مع أبي بكر في الحجة، قال: بأربع؛ لا يدخل الجنة إلا نفسٌ مؤمنةٌ، ولا يطوف بالبيت عريانٌ، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته، ولا يحجُّ المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا. وهكذا رواه الترمذي (٥)، من حديث سفيان -هو ابن عُيَيْنة- عن أبي إسحاق السَّبيعيِّ، عن زيد بن يُثيع، عن عليٍّ به، وقال: حسنٌ صحيحٌ. ثم قال: وقد رواه شعبةُ، عن أبي إسحاق فقال: عن زيد بن أُثيل، ورواه الثوريُّ، عن أبي إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عليٍّ. قلت: رواه ابن جرير (٦)، من حديث معمرٍ، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليٍّ.

стр. 2187

وقال ابن جرير (١): حدَّثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا أبو زرعة وهب الله بن راشد، أخبرنا حيوة بن شريح، أخبرنا أبو صخرٍ، أنه سمِع أبا معاوية البجليَّ من أهل الكوفة يقول: سمعت أبا الصَّهباء البكريَّ وهو يقول: سألت عليَّ بن أبي طالب عن يوم الحجِّ الأكبر فقال: إن رسول الله ﷺ بعث أبا بكر بن أبي قحافة يُقيمُ للناس الحجَّ، وبعثني معه بأربعين آيةً من "براءة" حتى أتى عرفة، فخطب الناس يوم عرفة، فلمَّا قضى خطبته التفت إليَّ فقال: قمْ يا عليُّ فأدِّ رسالة رسول الله ﷺ . فقمتُ، فقرأتُ عليهم أربعين آيةً من "براءة"، ثم صدرنا حتى أتينا منىً، فرميت الجمرة، ونحرت البدنة ثم حلقت رأسي، وعلمت أن أهل الجمع لم يكونوا حُضورًا كلُّهم خطبة أبي بكر، ﵁، يوم عرفة، فطفقْت أتتبَّعُ بها الفساطيط أقرؤها عليهم. قال عليُّ: فمن ثَمَّ إخال حسبتم أنه يوم النحر، ألا وهو يوم عَرَفة. وقد تقصَّيْنا الكلام على هذا المقام في "التفسير" (٢) وذكرنا أسانيد الأحاديث والآثار في ذلك مبسوطًا بما فيه كفايةٌ، ولله الحمد والمِنَّة. قال الواقديُّ (٣): وقد كان خرج مع أبي بكر من المدينة ثلاثمائة من الصحابة، منهم عبد الرحمن بن عوف، وخرج أبو بكر معه بخمس بدَنات، وبعث معه رسول الله ﷺ بعشرين بدنة، ثم أردفه بعليٍّ، فلحقه بالعرج فنادى بـ "براءةٌ" أمام الموسم. * * * فصل كان في هذه السنة -أعني في سنة تسعٍ- من الأمور الحادثة غزوة تبوك في رجب منها كما تقدم بيانه. قال الواقديُّ (٤): وفي رجبٍ منها مات النجاشيُّ صاحب الحبشة ونعاه رسولُ الله ﷺ إلى الناس. وفي شعبان منها -أي من هذه السنة- توفِّيت أمُّ كُلْثوم بنتُ رسول الله ﷺ (٥)، فغسَّلتْها أسماءُ بنتُ عُميس، وصفية بنت عبد المطلب، وقيل: غسَّلها نسوةٌ من الأنصار فيهن أمُّ عطية.

стр. 2188

قلت: وهذا ثابتٌ في "الصحيحين" (١) وثبت في الحديث أيضًا (٢) أنه، ﵊، لمّا صلَّى عليها وأراد دفنها قال: "لا يدخله أحدٌ قارف الليلة أهلَه". فامتنع زوجها عثمان لذلك، ودفنها أبو طلحة الأنصاريُّ، ﵁، ويحتمل أنه أراد بهذا الكلام من كان يتولَّى ذلك ممن يتبرَّع بالحفر والدَّفن من الصحابة كأبي عبيدة، وأبي طلحة، ومن شابههم فقال: "لا يدخل قبرها إلا من لم يُقارف أهله من هؤلاء". إذ يبعدُ أن عثمان كان عنده غيرُ أمِّ كلثوم بنت رسول الله ﷺ ، هذا بعيدٌ. والله أعلمُ. وفيها صالح ملك أَيْلَة وأهل جرباء وأذرُح وصاحب دومة الجندل كما تقدَّم إيضاح ذلك كلّه في مواضعه. وفيها هُدم مسجدُ الضِّرار الذي بناه جماعة المنافقين صورة مسجد، وهو دار حرب في الباطن فأمر به، ﵊، فحُرِّق. وفي رمضان منها قدم وفد ثقيف فصالحوا عن قومهم، ورجعوا إليهم بالأمان، وكسِّرت اللات كما تقدَّم. وفيها توفي عبد الله بن أُبيِّ بن سَلُول رأس المنافقين (٣)، لعنه الله، في أواخرها. وقبله بأشهر توفي معاوية بن معاوية اللَّيثيُّ -أو المزنيُّ- وهو الذي صلَّى عليه رسول الله ﷺ وهو نازلٌ بتبوك إن صحَّ الخبرُ في ذلك (٤). وفيها حجَّ أبو بكر، ﵁، بالناس عن إذن رسول الله ﷺ له في ذلك (٥). وفيها كان قدوم عامَّة وفود أحياء العرب، ولذلك تُسمَّى سنةُ تسعٍ: سنة الوفود، وها نحن نعقِدُ لذلك كتابًا برأسه اقتداءً بالبخاريِّ وغيره. [تم الجزء الرابع من كتاب "البداية والنهاية" للإمام الحافظ المُؤَرِّخ ابن كثير الدمشقي ﵀ حسب تقسيمنا له (٦)، ويتلوه الجزء الخامس وأوله كتاب الوفود الواردين إلى رسول الله ﷺ ].

стр. 2189

البداية والنهاية «السيرة النبوية من كتاب الوفود - إلى أفراسه ﷺ ومراكبه» تأليف الإمام الحافظ المؤرخ أبي الفداء إسماعيل بن كثير [٧٠١ هـ - ٧٧٤ هـ] حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه د. رياض عبد الحميد مراد راجعه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط - الدكتور بشار عواد معروف الجزء الخامس

стр. 2190

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾

стр. 2191

كتاب الوفود: الواردين إلى رسول الله ﷺ - قال محمد بن إسحاق (١): لمّا افتتحَ رسولُ الله ﷺ مكةَ، وفرغَ من تَبوكَ، وأسلمتْ ثقيفٌ وبايَعَتْ، ضَرَبَتْ إليه وفودُ العربِ من كلِّ وجه. قال ابنُ هشامٍ (٢): حدّثني أبو عُبَيْدَةَ، أن ذلك في سنةِ تسع، وأنها كانَتْ تُسَمَّى سنةَ الوفودِ. قال ابن إسحاق: وإنما كانت العرب تَرَبَّصُ بإسلامها، أمْرَ هذا الحيِّ من قريشٍ، لأنَّ قريشًا كانوا إمامَ النّاسِ وهاديتَهم (٣). وأهل البيت والحرم وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم وقادة العرب لا ينكرون ذلك. وكانت قريشٌ هي التي نَصَبَتِ الحربَ لرسول الله ﷺ وخلافَه، فلمّا افتُتِحَتْ مكةُ، ودانَتْ له قريشٌ، ودوَّخها الإسلامُ، عرفتِ العربُ أنهم لا طاقةَ لهم بحرب رسول الله ﷺ ولا عداوتِه، فدخلوا في دين الله، كما قال : أفواجًا، يضربون إليه من كُلِّ وجهٍ، يقولُ اللهُ تعالى لنبيِّه ﷺ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١ - ٣] أي: فاحْمَدِ اللّهَ على ما ظَهَرَ من دينكَ، واسْتَغْفِرْهُ إنَّه كان تَوّابًا. وقد قدَّمنا حديث عمرو بن سَلِمة (٤) قال: كانت العرب تَلَوَّم (٥) بإسلامهم الفَتْحَ، فيقولون: اتركوه وقومَهُ، فإنَّه إن ظهر عليهم فهو نبيٌّ صادِقٌ. فلما كانت وقعةُ أهلِ الفتحِ بادَرَ كلّ قومٍ بإسلامهم. وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلمَّا قَدِمَ قال: جِئْتكُمْ واللهِ من عند النبيّ حَقًا. قال: صَلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، فإذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أحَدُكُمْ، ولْيَؤُمَّكُمْ أكْثَرُكمُ قرآنا. وذكر تمام الحديث وهو في صحيح البخاري (٦).

стр. 2192

قلت: وقد ذكر محمد بن إسحاق، ثم الواقدي، والبخاري، ثم البيهقي بعدهم، من الوفود ما هو مُتَقدم تاريخ قدومهم على سنة تسعٍ، بل وعلى فتح مكة. وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]. وتقدم قوله ﷺ يوم الفتح (١) "لا هجرة ولكن جهاد ونية" (٢)، فيجب التمييز بين السابق من هؤلاء الوافدين على زمن الفتح، ممن يُعدّ وفودُه هجرةً، وبينَ الّلاحقِ لهم بعدَ الفَتْحِ، ممَّن وعده الله خيرًا وحسنى. ولكن ليس في ذلك كالسابق له في الزمان والفضيلة، والله أعلم، على أن هؤلاء الأئمة الذين اعتنوا بإيراد الوفود، قد تركوا فيما أوردوه أشياءَ لم يذكروها. ونحن نورد بحمدِ الله ومَنّهِ ما ذكروه، ونُنَبِّه على ما يَنْبَغي التَّنْبيهُ عليه من ذلك، ونذكرُ ما وقعَ لنا ممّا أهْمَلُوه، إن شاء الله، وبه الثقةُ، وعليه التُّكلان. وقد قال محمد بن عمر الواقدي (٣): حدّثنا كَثير بن عبد الله المُزني، عن أبيه، عن جده قال: كان أول من وفد على رسول الله ﷺ من مُضَرَ أربع مئة من مُزَيْنَة، وذاك في رجب سَنةَ خَمْسٍ، فجعل لهم رسول الله ﷺ الهجرةَ في دارهم، وقال: "أنتم مهاجرون حيث كنتم، فَارْجِعُوا إلى أموالكم". فرَجعوا إلى بلادهم. ثم ذكر الواقديُّ عن هشام بن الكَلْبي بإسناده، أنّ أولَ منْ قَدِمَ من مُزَيْنَةَ خُزَاعيّ بن عبد نُهْم (٤) ومعه عشرة من قومه، فبايع رسول الله ﷺ على إسلام قومه. فلما رَجَع إليهم لم يَجدْهم كما ظنّ فيهم، فَتَأخَّروا عنه، فأمر رسول الله ﷺ حسانَ بن ثابتٍ أن يُعرّض بخُزَاعيّ من غير أن يهجوه، فذكر أبياتًا (٥)، فلما بلغت خزاعيًا شكا ذلك إلى قومه، فجمعوا له، وأسلموا معه، وقدم بهم إلى رسول الله ﷺ ، فلما كان يوم الفتح دفع رسول الله ﷺ لواء مزينة -وكانوا يومئذ ألفًا- إلى خزاعيٍّ هذا (٦). قال: وهو أخو عبد الله ذو البِجادين (٧).

стр. 2193

وقال البخاري (١) ﵀: باب وفد تميم. حدثنا أبو نُعيم، حدّثنا سفيان، عن أبي صخرة، عن صفوان بن محرز المازني، عن عمران بن حُصَيْن قال: أتى نفر من بني تميم إلى النبى (٢) ﷺ فقال: "اقبلوا البشرى يا بني تميم". قالوا: يا رسول الله، قد بشرتنا فأعطنا. فرُئي ذلك في وجهه، ثم جاء نفر من اليمن فقال: "اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم". قالوا: قبلنا يا رسول الله. ثم قال البخاري (٣): حدّثنا إبراهيم بن موسى، حدّثنا هشام بن يوسف، أن ابنَ جُريج أخبره، عن ابن أبي مليكة، أن عبد الله بن الزبير أخبرهم، أنه قدم ركبٌ من بني تميم على النبي ﷺ فقال أبو بكر: أمّرِ القعقاعَ بن معبد بن زرارة، فقال عمر: بل أمِّرِ الأقرعَ بن حابسٍ، فقال أبو بكر: ما أردتَ إلا خلافي. فقال عمر: ما أردتُ خلافَكَ. فتماريا، حتى ارتفعت أصواتُهما. فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] حتى انقضت. ورواه البخاري أيضًا من غير وجه، عن ابن أبي مُلَيكة بألفاظ أُخَرَ، وقد ذكرنا ذلك في "التفسير"، عند قوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] الآية. وقال محمد بن إسحاق (٤): ولما قدمتْ على رسول الله ﷺ وفودُ العرب قدم عليه عُطاردُ بنُ حَاجبِ ابن زُرَارَةَ بن عُدُسٍ التميمي في أشراف من بني تميم، منهم الأقرع بن حَابس التميمي، والزِّبْرقان بن بدر التميمي -أحد بني سعد-، وعمرو بن الأهْتَم، والحَبْحاب (٥) بن يزيد، ونعيم بن يزيد، وقيس بن الحارث، وقيس بن عاصم -أخو بني سعد- في وفد عظيم من بني تميم. قال ابن إسحاق (٦): ومعهم عُيَيْنة بن حِصْن بن حُذيفة بن بدر الفَزاري وقد كان الأقرع بن حابس وعيينة شهدا مع رسول الله ﷺ فتح مكة وحُنَيْنًا والطائف، فلما قدم وفد بني تميم كانا معهم، ولما دخلوا المسجد نادَوْا رسول الله ﷺ (من وراء حجراته أن اخرج إلينا يا محمد. فآذى ذلك رسول الله ﷺ ) (٧) من صياحهم، فخرج إليهم. فقالوا: يا محمد، جئناك نفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا. قال: قد أذِنْتُ لخَطِيْبكم فليقل.

стр. 2194

فقام عُطارِد بن حاجب فقال: الحمدُ لله الذي له علينا الفَضْلُ والمَنُّ (١) وهو أهله الذي جعلنا ملوكًا، ووهب لنا أموالًا عِظامًا نفعل فيها المعروف، وجعلنا أَعَزَّ أهلِ المَشْرِق وأكثره عددًا وأيسره عدَّة. فمَنْ مِثْلُنا في الناس؟ ألسنا برؤوس النّاس وأُولي فضلهم؟ فمن فاخرنا فليُعَدِّدْ مثلَ ما عَدَّدْنا. وإنا لو نشاء لأكثرنا الكلام، ولكن نحيى (٢) من الإكثار فيما أعطانا. وإنا نعرفُ بذلك (٣)، أقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا، وأمرٍ أفضل من أمرنا. ثم جلس. فقال رسول الله ﷺ لثابت بن قيس بن شماس، أخي بني الحارث بن الخزرج: "قم فأجب الرجل في خطبته". فقام ثابت فقال: "الحمدُ للهِ الذي السماواتُ والأرض خَلْقُهُ، قضى فيهن أمرَهُ، ووسِعَ كُرْسيَّه علمُهُ، ولم يكُ شيءٌ قَطُّ إلا من فَضْلِه، ثم كانَ من قُدْرَتِهِ أن جعلنا ملوكًا، واصطفى من خيرته رسولًا، أكرمَه نسبًا، وأصدقَه حديثًا، وأفضلَه حسبًا، فأنزل عليه كتابًا، وائتمنه على خلقِه، فكان خِيرةَ الله من العالمين، ثم دعا الناسَ إلى الإيمان به، فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوي رحمه، أكرمُ الناس أحسابًا (٤)، وأحسن الناس وجوهًا، وخير الناس فَعَالًا، ثم كان أوّل الخلق إجابة، واستجابَ للهِ حينَ دعاهُ رسولُ الله ﷺ نحن، فنحنُ أنصارُ الله ووزراء رسوله، نقاتلُ الناس حتى يؤمنوا، فمَنْ آمَنَ بالله ورسوله مَنَع مالَه ودمَه. ومن كَفَر جاهَدْناه في الله أبدًا، وكان قتلُه علينا يسيرًا. أقولُ قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات، والسلامُ عليكم. فقام الزبرقان بن بدر فقال (٥) [من البسيط] نَحْنُ الكرامُ فلا حَيٌّ يُعادِلُنا … مِنَّا المُلُوكُ وَفينا تُنْصَبُ البِيَعُ (٦) وكَمْ قَسَرْنا منَ الأحياءَ كُلِّهمِ … عِنْدَ النِّهَابِ وفَضْلُ العِزِّ يُتَّبعُ ونَحْنُ يُطْعمُ عِنْدِ القَحْطِ مطْعِمُنَا … منَ الشِّواءِ إذا لم يُؤنَس القَزَعُ (٧)

стр. 2195

بما تَرَى الناسَ تَأْتِينا سَراتُهُمُ … مِنْ كُلِّ أرْضٍ هُويًّا (١) ثم نصْطَنِعُ فَنَنحَرُ الكُوْمَ عُبْطًا في أرُومتنا … لِلنَّازِلينَ إذا ما أُنْزِلُوا شَبعُوا (٢) فمَا تَرَانَا إلى حيٍّ نُفاخِرُهُمْ … إلَّا استفادوا وكانُوا الرأسَ يُقْتَطَعُ فَمَنْ يُفاخِرُنا في ذَاكَ نَعْرِفُه … فيَرْجِعُ القومُ والأخبارُ تُسْتَمعُ إنّا أبَيْنا ولا يأبى (٣) لنا أحَدٌ … إنا كَذَلِكَ عِنْدَ الفَخْر نَرْتَفِعُ قال ابن إسحاق (٤): وكان حسان بن ثابت غائبًا، فبعث إليه رسول الله ﷺ . قال: فلما انتهيت إلى رسول الله ﷺ وقام شاعر الفوم فقال ما قال، عرضت في قوله، وقلت على نحو ما قال. فلما فرغ الزبرقان قال رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت: "قم يا حسان، فأجاب الرجل فيما قال" فقال حسان: (٥) [من البسيط] إنَّ الذَّوائِبَ مِنْ فِهْرٍ وأخْوتِهِمْ … قَدْ بَيَّنوا سُنةً لِلنَّاسِ تُتَّبَعُ يرْضَى بها كُلُّ منْ كَانَتْ سريرتُه … تَقْوَى الإلهِ وكُلَّ الخَيْر يُصْطَنَعُ (٦) قَوْمٌ إذا حَارَبُوا ضَرُّوا عَدُوَّهُمُ … أو حَاوَلُوا النَّفْعَ في أشيَاعِهمْ نَفَعُوا سَجيَّةٌ تِلْكَ مِنْهُمْ غَيْرُ مُحْدَثَةٍ … إنَّ الخَلائقَ -فاعْلَمُ (٧) - شَرُّهَا البِدَعُ إنْ كَانَ في النَّاسِ سَبَّاقونَ بَعْدَهُمُ … فَكُلُّ سَبْقٍ لأدْنَى سَبْقِهِمْ تَبَعُ لا يَرْقَعُ النَّاسُ ما أوْهَتْ أكُفُّهُمُ … عِنْدَ الدِّفَاعِ ولا يُوهُونَ ما رَقَعُوا إنْ سَابَقُوا النَّاسَ يَوْمًا فَازَ سبْقُهُمُ … أوْ وَازَنُوا أهْلَ مجْدٍ بالنَّدى مَتَعُوا (٨) أعِفَّةٌ ذُكِرَتْ في الوَحْي عِفَّتُهُمْ … لا يطبعون (٩) ولا يُرْدِيهُمُ طَمَعُ

стр. 2196

لا يَبْخَلُونَ على جَارٍ بِفَضْلِهُمُ … ولا يَمَسُّهُمُ مِنْ مَطْمَعٍ طَبَعُ (١) إذا نصبْنَا لِحي لَمْ نَدِبَّ لَهُمْ … كما يَدِبُّ إلى الوحْشيَّةِ الذَّرَعُ نَسْمُو إذا الحرْبُ نالَتْنا مَخَالبُهَا … إذا الزعانِفُ (٢) مِنْ أظْفارِهَا خَشَعُوا لا يَفخرُونَ إذا نَالُوا عَدُوَّهُمُ … وإنْ أصيبُوا فلا خُوْرٌ ولا هُلُعُ (٣) كَأنَّهمْ في الوَغَى والموْتُ مُكْتنِعُ … أُسْدٌ بِحَلْيَةَ في أرسَاغِهَا فَدَعٌ (٤) خُذْ مِنْهُمُ ما أتَوْا عَفْوًا إذا غَضبُوا … ولا يَكُنْ هَمُّكَ الأمرَ الذي مَنَعُوا فإنَّ في حَرْبِهم -فاتْرُكْ عَدَاوتَهَم- … شرًا يُخَاضُ عَلَيْهِ السُّمُّ والسَّلَعُ (٥) أكَرِمْ بقوْمٍ رَسُولُ اللهِ شِيعَتُهُم (٦) … إذا تَفاوَتَت الأهْواءُ والشِّيعُ أهْدَى لَهُمْ مِدْحَتِي قَلْبٌ يُؤازرُهُ … فِيما أُحِبُّ (٧) لَسَانٌ حَائِكٌ صَنَعُ فإنّهُمْ أفْضلُ الأحْيَاءِ كُلِّهِمِ … إنْ جَدَّ في الناسِ جِدُّ القَوْلِ أَو شَمَعُوا (٨) وقال ابن هشام (٩): وأخبرني بعض أهل العلم بالشعر من بني تميم، أن الزبرقان [بن بدر] (١٠) لما قدم على رسول الله ﷺ في وفد بني تميم قام فقال: [من الطويل] أتَيْنَاكَ كَيْمَا يَعْلَمَ النَّاسُ فَضْلَنا … إذا اخْتَلفُوا (١١) عِنْدَ احْتِضارِ المَوَاسِمِ بأنَّا فُرُوعُ النّاسِ في كُلّ مَوْطنِ … وأنْ لَيْسَ في أرض الحِجَازِ كَدَارِمِ

стр. 2197

وأنَّا نذودُ المُعْلمين (١) إذا انْتَخَوْا … ونَضْربُ رأس الأصيدِ المُتَفاقِمِ وإنَّ لَنا المِرْبَاع (٢) في كلِّ غَارَة … نُغير بنجدٍ أو بأرْضِ الأعاجمِ قال: فقام حسان فأجابه فقال (٣) [من الطويل] هَل المَجْدُ إلَّا السُؤْدَد العَوْدُ والنَّدَى … وجَاهُ المُلوكِ واحْتِمالُ العَظَائمِ نَصَرْنا وَآوَيْنا النبيَّ مُحمَّدًا … عَلى أنْفِ رَاضٍ منْ مَعَدٍّ وَرَاغِمِ بِحيٍّ (٤) حرِيدٍ أصْلُهُ وَثَراؤُة (٥) … بجَابيَةِ الجَوْلان وَسْطَ الأعَاجِمِ نَصَرْناهُ لمَّا حَلّ بَيْنَ بُيوتنا (٦) … بأسيافِنَا مِنْ كُلّ بَاغٍ وظَالِمِ جَعَلْنَا بَنِينَا دُونَهُ وَبَناتِنَا … وَطبِنَا لَهُ نَفْسًا بفيءِ المَغَانِمِ وَنحْنُ ضَرَبْنَا النَّاسَ حَتَّى تَتَابَعُوا … عَلَى دِينه بالمُرهَفَاتِ الصَّوارِمِ ونَحْنُ ولدْنا منْ قُريشٍ عَظيمَها … ولَدنا نبيَّ الخَيْرِ مِنْ آلِ هَاشِمِ بَنِي دارِمٍ لا تَفْخَرُوا إنَّ فَخْرَكُمْ … يَعُودُ وَبَالًا عِنْدَ ذِكْرِ المَكَارِمِ هَبِلْتُم (٧) عَلَيْنَا تَفْخَرون وأنتُمُ … لَنا خَوَلٌ من بَيْن (٨) ظِئْرٍ وَخَادِم فَإنْ كُنْتُمُ جِئْتم لِحَقْنِ دِمَائِكُمْ … وَأمْوالِكُم أن تُقْسَمُوا في المقاسمِ فلا تَجْعَلُوا للهِ نِدًّا وَأَسْلِمُوا … وَلا تَلْبَسُوا زِيًا كزيِّ الأعاجِمِ قال ابن إسحاق: فلما فرغ حسان بن ثابت من قوله، قال الأقرع بن حابس: وأبي إن هذا الرجل لَمُؤَتَّيً (٩) له، لَخطيبُهُ أخطبُ من خطيبنا، ولَشاعرُه أشعرُ من شاعرنا، ولأصواتُهم أعلى من أصواتنا. قال: فلما فرغ القوم أسلموا وجَوَّزَهم رسول الله ﷺ فأحسن جوائزهم. وكان عمرو بن الأهتم قد خلّفه القوم في رحالهم وكان أصغرَهم سِنًا، فقال قيس بن عاصم -وكان يبغض عمرو بن الأهتم- يا رسول الله إنه كان رجل منَّا في رحالنا وهو غلام حدَث، وأزرى به، فأعطاه

стр. 2198

رسول الله ﷺ مثل ما أعطى القومَ. فقال عمرو بن الأهتم حين بلغه أن قيسًا قال ذلك يهجو (١): [البسيط] ظَلِلْتَ مُفْتَرِشَ الهَلْبَاءِ تَشْتِمُني … عِنْدَ الرَّسُول فَلَمْ تَصْدُقْ وَلَمْ تُصِبِ سُدْنَاكُمُ سُؤْدُدًا رَهْوًا (٢) وَسُؤْدُدُكُمْ … بَادٍ نَوَاجِذُهُ مُقْعٍ على الذَّنبِ وقد روى الحافظ البيهقي (٣) من طريق يعقوب بن سفيان، حدّثنا سليمان بن حرب، حدّثنا حماد بن زيد، عن محمد بن الزبير الحنظلي (٤)، قال: قدم على رسول الله ﷺ الزِّبْرقان بن بَدْرٍ، وقَيْسُ بنُ عاصمٍ، وعَمْرو بن الأَهْتم. فقال لعمرو بن الأهتم: أخبرني عن الزِّبرقان، فأما هذا فلستُ أسألكَ عنه. وأراه كان قد عرف قيسًا. قال: فقال: مطاع في أدْنَيْه، شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره. فقال الزِّبرقان: قد قال ما قال، وهو يعلمُ أنّي أفضلُ مما قال. قال: فقال عمرو: والله ما علمتك إلا زَمِرَ (٥) المُروءة، ضَيِّقَ العَطَن (٦)، أحمقَ الأب، لئيمَ الخال، ثم قال: يا رسولَ الله، قد صدقتُ فيهما جميعًا، أرضاني فقلت بأحسن ما أعلم فيه، وأسخطني فقلت بأسوأ ما أعلم. قال: فقال رسول الله ﷺ : "إنَّ من البيانِ سحرًا" (٧) وهذا مرسل من هذا الوجه. قال البيهقي (٨): وقد رُوي من وجهٍ آخرَ موصولًا، أخبرنا أبو جعفر كامل بن أحمد المُسْتَملي، حدّثنا محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عثمان البغدادي (٩)، حدّثنا محمد بن عبد الله بن الحسن العلاف ببغداد، حدّثنا عليّ بن حَرْبٍ الطّائي، أنبأنا أبو سَعْدٍ الهيثمُ بن مَحْفوظٍ، عن أبي المُقَوِّم يحيى بن يزيد الأنصاري، عن الحكم [بن عتيبة] (١٠)، عن مِقْسَم، عن ابن عباس. قال: جلس إلى

стр. 2199

رسول الله ﷺ قيسُ بن عاصم، والزِّبرقان بن بدر، وعَمْرو بن الأَهْتَم التميميون، ففخر الزبرقان فقال: يا رسول الله، أنا سيّد تميم، والمُطاعُ فيهم والمجاب، أمنعُهُمْ من الظُّلم، وآخذ لهم بحقوقهم، وهذا يعلم ذلك -يعني عمرو بن الأهتم- قال عمرو بن الأهتم: إنه لشديدُ العارضة، مانعٌ لجانبه، مطاعٌ في أدنيه. فقال الزبرقان: والله يا رسول الله لقد علم مني غير ما قال، وما منعه أن يَتَكَلَّم إلا الحَسَدُ. فقال عَمْرو بن الأهتم: أنا أحسدك! فواللهِ إنّكَ للئيمُ الخالِ، حديثُ المال، أحمقُ الوالد، مُضيَّع في العَشيرة، والله يا رسولَ الله، لقد صدقتُ فيما قلتُ أولًا، وما كذبتُ فيما قلت آخرًا، ولكني رجل، إذا رضيتُ قلتُ أحسنَ ما عَلِمت، وإذا غضبتُ قلتُ أقبحَ ما وجدتُ، ولقد صدقتُ في الأولى والأخرى جميعًا. فقال رسول الله ﷺ : "إن من البيان سحرًا" وهذا إسناد غريب جدًا (١). وقد ذكر الواقدي سبب قدومهم، وهو أنه كانوا قد شهروا السِّلاحَ على خُزاعة فبعث إليهم رسولُ الله ﷺ عُيينة بن بدر في خمسين، ليس فيهم أنصاريّ ولا مهاجريّ. فأسر منهم أحدَ عشرَ رجلًا وإحدى عشرةَ امرأة وثلاثين صبيًا، فقدم رؤساؤهم بسبب أُسرائهم، ويقال: قدم منهم تسعون أو ثمانون رجلًا في ذلك، منهم عطارد، والزِّبرقان، وقيس بن عاصم، وقيس بن الحارث، ونعيم بن سعد، والأقرعُ بن حابس ورياح (٢) بن الحارث، وعمرو بن الأهتم، فدخلوا المسجد وقد أذَّن بلالٌ الظهرَ، والناس ينتظرون رسول الله ﷺ ليخرج إليهم، فعجّل هؤلاء، فنادوه من وراء الحُجُرات، فنزل فيهم ما نزل. ثم ذكر الواقدي خطيبهم وشاعرهم، وأنه ﵊ أجازهم على كل رجل اثنتي عشرة أوقية ونشأ (٣) إلا عمرو بن الأهتم، فإنما أعطي خمسة أواق لحداثة سنه، والله أعلم. قال ابن إسحاق (٤): ونزل فيهم من القرآن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ٤ - ٥]. قال ابن جرير (٥): حدّثنا أبو عَمّار الحسين بن حُرَيْث المروزي (٦)، حدّثنا الفضل بن موسى، عن

стр. 2200

الحسين بن واقد، عن أبي إسحاق، عن البراء في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾. قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد إنّ حَمْدي زَيْنٌ، وذمّي شَيْنٌ. فقال: "ذاك الله ". وهذا إسناد جيد متصل. وقد روي عن الحسن البصري وقتادة مرسلًا عنهما. وقد وقع تسمية هذا الرجل، فقال الإمام أحمد (١): حدّثنا عفان، حدّثنا وُهَيْب، حدّثنا موسى بن عقبة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن الأقرع بن حابس، أنه نادى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد يا محمد، وفي رواية يا رسول الله، فلم يجبه. فقال: يا رسول الله، إن حمدي لزَيْنٌ، وإن ذَمّي لشَيْنٌ. فقال: "ذاك الله ". حديثٌ في فَضْلِ بني تَميمٍ قال البخاري (٢): حدّثنا زهير بن حرب، حدّثنا جرير، عن عُمارة بن القعقاع، عن أبي زُرْعة، عن أبي هريرة. قال: لا أزال أحبّ بني تميم بعد ثلاثٍ سمعتُهنّ من رسول الله ﷺ يقولها فيهم: "هم أشَدُّ أُمّتي على الدّجّال"، وكانت فيهم سبيَّة عند عائشة فقال: "أعتقيها فإنّها من ولد إسماعيل"، وجاءت صدقاتُهم فقال: "هذه صدقاتُ قوم -أو قومي-". وهكذا رواه مسلم (٣)، عن زهير بن حرب. وهذا الحديث يردُّ على ما ذكره صاحب الحماسة وغيره من شعر من ذمهم حيث يقول: [من الطويل] تَميمٌ بطُرقِ الُّلؤْمِ أهْدَى مِنَ القَطَا … وَلَوْ سَلَكَتْ طُرْقَ الرَّشَادِ لَضَلتِ وَلَوْ أنَّ بُرغُوثًا عَلَى ظَهْرِ قَمْلَةٍ … رَأَتْهُ تَميمٌ مِنْ بَعِيدٍ لَوَلَّتِ وفْد بَني عَبْدِ القَيْسِ ثم قال البخاري (٤) بعد وفد بني تميم: باب وفد عبد القيس. حدّثنا إسحاقْ (٥) حدّثنا أبو عامر

стр. 2201

العَقَدي، حدّثنا قُرَّة، عن أبي جمرة (١)، قال: قلت لابن عباس: إن لي جَرَّةً يُنْتَبَذُ لي فيها [نبيذ] (٢) فأشربه حلوًا في جَرٍّ، إن أكثرت منه فجالست القوم فأطلت الجلوس خشيت أن أفتضح. فقال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ فقال: "مرحبًا بالقوم غير خزايا ولا الندامى" فقال: يا رسول الله، إن بيننا وبينك المشركين من مُضَر، وإنا لا نصل إليك إلا في الشهر الحرام (٣)، فحَدِّثْنا بجُمَل (٤) من الأمر إن عملنا به دخلنا الجنة، وندعو به من وراءنا. قال: "آمُرُكم بأربعٍ، وأَنْهاكم عن أربعٍ: الإيمانُ بالله، هل تدرون ما الإيمانُ بالله؟ شهادةُ أن لا إله إلا الله، وإقامُ الصلاة، وإيتاءُ الزكاة، وصومُ رمضانَ، وأن تُعْطوا من المَغانِمِ الخُمُسَ، وأنهاكُمْ عن أربعٍ، ما يُنْتَبَذُ في الدُّبَّاء والنَّقير والحَنْتَم والمُزَفَّت" (٥). وهكذا رواه مسلم (٦) من حديث قُرّة بن خالدٍ، عن أبي جَمْرة به، وله طرقٌ في الصحيحين عن أبي جمرة (٧). وقال أبو داود الطيالسي (٨) في "مسنده": حدّثنا شعبة عن أبي جَمرَة، سمعت ابن عباس يقول: إنّ وفدَ عبد القيس لما قدم على رسول الله ﷺ قال: "ممن القوم؟ " قالوا: من ربيعة. قال: "مَرْحبًا بالوَفْدِ غير الخَزايا ولا النَّدامى". فقالوا: يا رسول الله: إنّا حيٌّ من ربيعة، وإنّا نأتيك من شُقَّة بعيدةٍ، وإنّه يحولُ بيننا وبينَكَ هذا الحيّ من كُفّار مُضَرَ، وإنا لا نَصل إليك إلا في شهر حرام، فمُرْنا بأمرٍ فَصْلٍ ندعو إليه مَنْ وَراءنَا، وندخلُ به الجنة. فقال رسول الله ﷺ : "آمركم بأربعٍ، وأنهاكم عن أربعٍ: آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تُعْطوا من المغانم الخُمُسَ. وأنهاكم عن أربع: عن الدُّباء والحَنْتَم والنَّقير والمُزَفَّت -وربما قال والمُقَيَّر- فاحفظوهن، وادعوا إليهن من وراءكم" (٩).

стр. 2202

وقد أخرجه صاحبا الصحيحين من حديث شعبة بنحوه (١). وقد رواه مسلم (٢) من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي نَضْرَة، عن أبي سعيد، بحديث قِصَّتِهم بمثل هذا السياق. وعنده أن رسول الله ﷺ قال لأشجِّ عبد القيس: "إن فيك لَخَلَّتين يحبهما الله : الحِلْمُ والأناةُ". وفي رواية (٣): "يحبُّهُما الله ورسولُه". فقال: يا رسول الله، تَخَلَّقْتُهُمَا أم جَبَلَني اللهُ عليهما؟ فقال: "بل جَبَلَكَ اللهُ عليهما". فقال: الحمدُ لله الذي جَبَلني على خُلُقَيْن يُحِبُّهما اللهُ ورسولُه. وقال الإمام أحمد (٤): حدّثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدّثنا مطر بن عبد الرحمن، سمعت هند بنت الوازع أنها سمعت الوازع يقول: أتيتُ رسولَ الله ﷺ والأشجُّ المنذرُ بن عامر -أو عامر بن المنذر- ومعهم رجلٌ مصابٌ فانْتَهَوْا إلى رسول الله ﷺ ، فلما رأوا رسول الله ﷺ وَثَبوا من رواحلهم، فأتَوْا رسولَ الله ﷺ فقبَّلوا يَدَهُ، ثم نزل الأشجّ، فَعَقَلَ راحلَتَه وأخرجَ عَيْبَته (٥) ففتحها، فأخرج ثوبين أبيضين من ثيابه فلبسهما، ثم أتى رواحلهم فعقلها، فأتى رسولَ الله ﷺ فقال: "يا أشَجُّ إنّ فيكَ خَصْلَتَيْن يُحبُّهما اللهُ ورسولُهُ؛ الحِلْمُ والأَناةُ" فقال: يا رسول الله، أنا تَخَلَّقْتُهُما. أو، جَبَلَني اللهُ عليهما؟ فقال: "بل اللهُ جَبَلَكَ عليهما". قال: الحمدُ لله الذي جَبَلَني على خُلُقَيْن يُحِبُّهُما الله ورسولُه. فقال الوازع: يا رسول الله، إنَّ معي خالًا لي مُصابًا، فادع الله له، فقال: "أين هو؟! ائتني به". قال: فصنعت مثل ما صنع الأشج، ألبستُه ثَوْبَيْه، وأتيتُه، فأخذ [طائفة] (٦) من ردائه يرفعُها حتّى رأينا بياضَ إبطه، ثم ضربَ بظهره فقال: "اخرج عدو الله" فولَّى وجهَه، وهو ينظُر بنَظَرِ رجُلٍ صَحيح. وروى الحافظ البيهقي (٧) من طريق هود بن عبد الله بن سعد، أنه سمع جده مَزيدَة العصري (٨). قال:

стр. 2203

بينما رسول الله ﷺ يحدث أصحابَه، إذ قال لهم "سيطلع [عليكم] (١) من ها هنا ركبٌ، هم خيرُ أهلِ المَشْرِق". فقام عمر فتوجَّهَ نحوهم فلقي (٢) ثلاثة عشر راكبًا، فقال: مَن القومُ؟ فقالوا: من بني عبد القيس، قال: فما أقدمكم هذه البلاد، التجارةُ؟ قالوا: لا. قال: أما إنّ النبيّ ﷺ قد ذكركم آنفًا، فقال خيرًا، ثم مَشَوْا معه حتّى أَتَوا النبيَّ ﷺ . فقال عمر للقوم: هذا صاحبُكم الذي تُريدون، فرمى القومُ بأنفسهم عن ركائبهم، فمنهم من مشى [إليه] (٣)، ومنهم من هَرْوَلَ، ومنهم من سَعى، حتى أتَوْا رسولَ الله ﷺ فأخذوا بيده فَقَبَّلوها، وتخلَّف الأشجُّ في الرِّكاب حتى أناخَها، وجمع متاع القوم، ثم جاء يَمْشي، حتى أخذَ بيد رسولِ الله ﷺ فَقَبَّلها، فقال النبيُّ ﷺ : "إن فيك خَلَّتَيْن يُحبُّهما الله ورسولُه". قال: جَبْلٌ جُبلْتُ [عليه] (٣) أم تخلُّقُ (٣) مني؟ قال: بل جَبْلٌ. فقال: الحمدُ لله الذي جَبَلني على ما يحبُّ اللهُ ورسولُه. وقال ابن إسحاق (٤): وقدم على رسول الله ﷺ الجارُودُ بن عمرو بن حَنَش أخو عبد القيس. قال ابن هشام: وهو الجارود بن بشر بن المعلى (٥)، في وفد عبد القيس، وكان نصرانيًا. قال ابن إسحاق: وحدّثني من لا أتَّهم، عن الحسن، قال: لما انتهى إلى رسول الله ﷺ كلَّمه، فعرض عليه الإسلام، ودعاه إليه، ورغبه فيه، فقال: يا محمد، إنّي كنتُ على دِينٍ، وإنّي تاركٌ دِيني لدينك، أفتضمن لي ديني؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم أنا ضامنٌ أن قد هَدَاكَ اللهُ، إلى ما هو خيرٌ منه" قال: فأسلم وأسلم أصحابه، ثم سأل رسولَ الله ﷺ الحُمْلانَ فقال: "والله ما عندي ما أحملُكم عليه". قال: يا رسول الله إنَّ بيننا وبين بلادنا ضَوالَّ من ضَوالِّ الناس، أَفَنَتَبلَّغُ عليها إلى بلادنا؟ قال: لا، إيَّاكَ وإيّاها، فإنما تلك حَرَقُ النار. قال: فخرج الجارود راجعًا إلى قومه، وكان حسنَ الإسلام، صُلبًا على دينه حتى هلكَ، وقد أدركَ الرِّدَّةَ. فلما رجع مِنْ قومه مَنْ كانَ أسلمَ منهم إلى دينهم الأول مع الغَرُور بن المنذر بن النعمان بن المنذر، قام الجارود فتشهَّدَ شهادةَ الحق ودعا إلى الإسلام فقال: أيُّها الناسُ إنّي أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبدهُ ورسولُه، وأكفِّر من لم يشهد. وقد كان رسول الله ﷺ بعثَ العلاء بن الحَضْرَميّ قبل فتح مكة إلى المنذر بن ساوَى العَبْدي، فأسلم

стр. 2204

فحسنَ إسلامُه، ثم هلكَ بعدَ رسولِ الله ﷺ قبل رِدّة أهل البحرين، والعلاءُ عندَه أميرًا لرسول الله ﷺ على البحرين. ولهذا روى البخاري (١) من حديث إبراهيم بن طَهْمان عن أبي جَمْرَة (٢) عن ابن عباس. قال: [إنّ] (٣) أول جمعة جُمِّعت [بعد جمعة جمعت] (٣) في مسجد رسول الله ﷺ في مسجد عبد القيس بجُواثى من البحرين. وروى البخاري (٤) عن أم سلمة: أن رسول الله ﷺ أَخَّر الركعتين بعد الظهر بسبب وفد عبد القيس، حتى صلّاهما بعد العصر في بيتها. قلت: لكن في سياق ابن عباس ما يدلّ على أنَّ قدومَ وفد عبد القيس كانَ قبلَ فتحِ مكة، لقولهم وبيننا وبينك هذا الحيّ من مُضَر، لا نصل إليك إلا في شهر حرام، والله أعلم. قصة ثُمامة ووفد بني حنيفة ومنهم (٥) مسيلمة الكذاب قال البخاري (٦) باب وفد بني حنيفة وقصة ثمامة بن أُثَال: حدّثنا عبد الله بن يوسف، حدّثنا الليث بن سعد، حدّثني سعيد بن أبي سعيد [أنّه] (٧) سمع أبا هريرة ﵁ قال: بعث النبي ﷺ خيلًا قِبَل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثُمامة بن أُثالٍ، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبيّ ﷺ فقال: "ما عندكَ يا ثُمامةً؟ " قال: عندي خيرٌ يا محمد، إن تَقْتُلْني تَقْتُلْ ذا دمٍ، وإن تُنْعِم تُنْعِمْ على شاكر، وإن كنتَ تُريد المالَ فَسَلْ منه ما شئتَ. فتركَه حتّى كان الغد، ثم قال له: "ما عندك يا ثمامةُ". فقال: عندي ما قلتُ لك، إن تُنْعِمْ تُنْعمْ على شاكرٍ، فتركَه حتى [كان] (٧) بعد الغد فقال: "ما عندكَ يا ثمامةُ؟ " فقال: عندي ما قلتُ لكَ. فقال: "أطلقوا ثمامة"، فانطلق إلى نَجْلٍ (٨) قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، يا محمد، والله ما كان على وجه الأرض وجهٌ أبغضَ إليّ من وجهك، فقد أصبحَ وجهُكَ أحبَّ الوجوه إلي، والله ما كان [من] (٩) دين أبغض إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحبَّ إليّ، والله ما كان من بلد

стр. 2205

أبغضَ إليّ من بلدك، فأصبح بلدُكَ أحبَّ البلاد إليّ، وإن خيلَكَ أخذتني وأنا أريدُ العمرةَ، فماذا ترى؟ فبشَّرهُ رسولُ الله ﷺ وأمره أن يَعْتَمِرَ، فلمّا قدمَ مكةَ قال له قائلٌ: أصبوت؟ قال: لا، ولكن أسلمتُ مع محمد ﷺ ، ولا والله لا تأتيكم من اليمامة حبةُ حنطةٍ حتى يأذن فيها النبي ﷺ . وقد رواه البخاري في موضع آخر (١) ومسلم (٢) وأبو داود (٣) والنسائي (٤)، كلهم عن قُتيبة، عن الليث به. وفي ذكر البخاري هذه القصة في الوفود نظر، وذلك أنّ ثمامة لم يَفِدْ بنفسه، وإنما أُسر، وقُدم به في الوثاق، فرُبط بساريةٍ من سواري المسجد؛ ثم في ذِكْرِهِ مع الوفود سنةَ تسعٍ نظرٌ آخرُ، وذلك أنَّ الظاهر من سياق قصَّتِه أنها قُبيل الفتح، لأن أهل مكة عَيَّروه بالإسلام، وقالوا: أصبوتَ؟ فتوعَّدهم بأنه لا يفدُ إليهم من اليمامة حبةُ حنطةٍ ميرةً، حتى يأذنَ فيها رسول الله ﷺ ، فدلَّ على أنَّ مكةَ كانت إذ ذاك دارَ حربٍ، لم يُسلم أهلُها بعدُ. والله أعلم. ولهذا ذكر الحافظ البيهقي (٥) قصةَ ثُمامة بن أُثال قبل فتح (٦) مكة، وهو أشبه، ولكن ذكرناه ها هنا اتِّباعًا للبخاري ﵀. وقال البخاري (٧): حدّثنا أبو اليمان، حدّثنا شعيب، عن عبد الله بن أبي حسين، حدّثنا نافع بن جبير، عن ابن عباس، قال: قدم مُسيلمة الكذابُ على عهد رسول الله ﷺ فجعل يقول: إن جَعَل لي محمدٌ الأمرَ من بعده اتبعته، وقدِمها في بشر كثير من قومه، فأقبل إليه رسول الله ﷺ ، ومعه ثابتُ بن قيس بن شمّاس، وفي يد رسول الله ﷺ قطعة جريد، حتى وقف على مسيلمة في أصحابه. فقال له: "لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن تعدوَ أمرَ اللهِ فيك، ولئن أدبرتَ ليعقرنَّك اللهُ، وإني لأُراكَ الذي أُريت فيه ما رأيتُ (٨)، وهذا ثابت يجيبك عني" ثم انصرف عنه. قال ابن عباس: فسألت عن قول رسول الله ﷺ : "إنَّكَ أرى الذي أريت فيه ما رأيت" (٩) فأخبرني أبو هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: "بينا أنا نائم، رأيتُ في يديَّ سِوارين من ذهب، فأهمني شأنهما، فأُوحي إليَّ في المنام أن انفُخْهُما،

стр. 2206

فنفختهما، فطارا، فأولتهما كَذّابَيْن يَخْرجان بعدي، أحدهما [الأسود] (١) العنسي، والآخر مسيلمة". ثم قال البخاري (٢): حدّثنا إسحاق بن نصر (٣)، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرني مَعْمر عن هَمّام بن مُنَبِّه (٤)، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "بينا أنا نائم أتيتُ بخزائن الأرض، فوُضع في كفي سواران من ذهب، فكَبُرا عليّ، فأُوحي إليَّ أن انفُخْهَّما، فنفختُهما، فذهبا فأوَّلتهما الكَذَابَيْن اللذين أنا بينهما؛ صاحبَ صَنْعاء، وصاحبَ اليَمامة". ثم قال البخاري (٥): حدّثنا سعيد بن محمد الجَرْمي، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدّثنا أبي، عن صالح، عن ابن عُبيدة بن نشيط -وكان في موضع آخر: اسمه عبد الله- أن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، قال: بلغنا أنّ مُسَيْلمة الكذّاب قدم المدينةَ فنزلَ في دار بنتِ الحارثِ، وكان تحته بنتُ الحارث بن كُرَيْز، وهي أم عبد الله بن الحارث (٦) بن كريز، فأتاه رسول الله ﷺ ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وهو الذي يقال له خطيب رسول الله ﷺ ، وفي يد رسول الله ﷺ قضيب، فوقف عليه فكلمه، فقال له مسيلمة: إن شئتَ خليتُ بينك (٧) وبين الأمر، ثم جعلتَهُ لنا بعدك. فقال رسول الله ﷺ : "لو سألتني هذا القضيب ما أعطيتُكَه، وإني لأُراك الذي رأيت فيه ما رأيت (٨)، وهذا ثابت بن قيس وسيجيبك عني"، فانصرف رسول الله ﷺ . قال عُبَيْد (٩) الله: سألت ابن عباس عن رؤيا رسول الله ﷺ التي (١٠) ذكر، فقال ابن عباس: ذُكر لي أن رسول الله ﷺ قال: "بينا أنا نائم أُريت (١١) أنه وضع في يديَّ سواران من ذهب، فَفُظِعْتُهما (١٢) وكرهتهما فأذن لي، فنفختهما فطارا، فأوَّلتهما كذابين (يخرجان"، فقال عبيد الله: أحدهما العنسي الذي قتله) (١٣) فيروز باليمن، والآخر مسيلمة الكذاب.

стр. 2207

وقال محمد بن إسحاق (١): قدم على رسول الله ﷺ وفد بني حنيفة فيهم مسيلمة بن ثُمامة بن كثير بن حبيب بن الحارث بن عبد الحارث بن هِفَّان بن ذُهْل بن الدُّوْل بن حنيفة ويكنى أبا ثمامة (٢) وقيل أبا هارون، وكان قد تسمى بالرحمان، فكان يقال له: رحمان اليمامة، وكان عمره يوم قتل مئة وخمسين سنة، وكان يعرف أبوابًا من النيرجات (٣)، فكان يدخل البيضة إلى القارورة، وهو أول من فعل ذلك، وكان يقص جناح الطير ثم يصله، ويدَّعي أن ظبية تأتيه من الجبل فيحلب منها. قلت: وسنذكر أشياء من خبره عند ذكر مقتله، لعنه الله. قال ابن إسحاق (٤): وكان منزلهم في دار بنت الحارث، امرأةٍ من الأنصار ثم من بني النجار، فحدّثني بعض علمائنا من أهل المدينة، أن بني حنيفة أتت به رسول الله ﷺ تستره بالثياب، ورسول الله ﷺ جالس في أصحابه معه عسيبٌ من سَعَف النخلِ، في رأسه خوصات (٥)، فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ وهم يسترونه بالثياب كلَّمه وسأله، فقال له رسول الله ﷺ : "لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتُكَه". قال ابن إسحاق: وحدّثني شيخ من بني حنيفة من أهل اليمامة، أنّ حديثَه كانَ على غَيْرِ هذا. وزعم أنّ وفدَ بني حنيفة أتوا رسول الله ﷺ ، وخَلّفوا مُسَيْلمة في رحالهم، فلما أسلموا ذكروا مكانه، فقالوا: يا رسول الله، إنا قد خلّفنا صاحبًا لنا في رحالنا وفي ركائبنا يحفظها لنا، قال: فأمر له رسول الله ﷺ بمثل ما أمر به للقوم، وقال: "أما إنَّه ليس بشرِّكم مكانًا". أي: لحفظه ضَيْعَة أصحابه، ذلك الذي يريد رسول الله ﷺ ، قال: ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ ، وجاؤوا مسيلمة بما أعطاه رسول الله ﷺ ، فلما انتهوا إلى اليمامة ارتدّ عدوّ الله، وتنبَّأ، وتكذَّب لهم، وقال: إني قد أُشركتُ في الأمر معه، وقال لوفده الذين كانوا معه: ألم يقل لكم حين ذكرتموني له: "أما إنه ليس بشرِّكم مكانًا"، ما ذاك إلا لما كان يعلم أني قد أُشركت في الأمر معه، ثم جعل يسجع لهم السجعات، ويقول لهم فيما يقول مضاهاةً للقرآن: لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صِفَاقٍ وحشا. وأحل لهم الخمر والزنا، ووضع عنهم الصلاة، وهو مع هذا يشهد لرسول الله ﷺ بأنه نُبِّئ. فأصفقت (٦) معه بنو حنيفة على ذلك.

стр. 2208

قال ابن إسحاق (١): فالله أعلم أي ذلك كان. وذكر السهيلي (٢) وغيره أن الرَّجَّال (٣) بن عُنْفُوة -واسمه نَهارُ بن عُنْفوة- وكان قد أسلم وتعلَّم شيئًا من القرآن، وصحبَ رسولَ الله ﷺ مدة، وقد مرَّ عليه رسول الله ﷺ وهو جالسٌ مع أبي هريرة وفُرات بن حَيّان، فقال لهم: "أحدكم ضِرْسُه في النّار مثلُ أُحدٍ" فلم يزالا خائِفَيْن حتى ارتدّ الرّجَّال مع مَسَيْلمة، وشهد له زُورًا أنَّ رسولَ الله ﷺ أشْرَكَهُ في الأمر معه، وأَلْقى إليه شيئًا مِمّا كَانَ يَحْفَظُه من القرآن، فادّعاهُ مُسَيْلِمَةُ لنفسه، فحصل بذلك فتنةٌ عظيمةٌ لبني حَنيفة. وقد قتله زيدُ بن الخَطّاب يومَ اليَمامة كما سيأتي. قال السُّهَيْلي (٤): وكان مُؤَذِّنُ مُسَيْلِمةَ يقال له حُجَيْرٌ، وكان مُدَبِّرُ الحَرْب بين يَدَيْه مُحَكَّمَ بنَ الطُّفَيْل، وأُضيف إليهم سَجَاح، وكانَتْ تُكَنّى أُمَّ صادِر، تَزَوَّجَها مُسَيْلِمَةُ، وله معها أخبارٌ فاحِشَةٌ، واسم مُؤَذِّنِها زُهَيْرُ بن عَمْرو، وقيل جَنَبَةُ بنُ طارِقٍ، ويقال: إن شَبَثَ بن رِبْعيٍّ أذَّنَ لها أيضًا ثم أسلم، وقد أسْلَمَتْ هي أيضًا أيام عُمَرَ بن الخطاب، فحسن إسلامُها. وقال يونُس بن بُكَيْر عن ابن إسحاق (٥): وقد كان مُسَيْلِمَةُ بن حَبيب كتب إلى رسولِ الله ﷺ : من مُسَيْلَمة رسولِ اللهِ إلى محمدٍ رسولِ الله، سلامٌ عَلَيْكَ، أما بعدُ، فإني قد أُشْرِكْتُ في الأمْرِ معكَ، فإنّ لنا نِصْفَ الأمْرِ، ولقُرُيشٍ نصف الأمْرِ، ولكن قُريشًا قومٌ يَعْتدون (٦). فقدم عليه رسولان بهذا الكتاب، فكتب إليه رسولِ الله ﷺ (٧): "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى مُسَيْلَمة الكَذّاب، سلامٌ على مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أما بعد، فإنَّ الأرضَ لله يُورِثُها منْ يَشاءُ من عباده والعاقبة للمتقين". قال: وكان ذلك في آخر سنة عشر -يعني وُرودَ هذا الكتاب-. قال يونس بنُ بكَيْر عن ابن إسحاق (٨): فحدّثني سَعْدُ بن طارِقٍ، عن سَلَمَةَ بن نُعَيْم بن مسعود، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله ﷺ حين جَاءَهُ رَسولا مُسَيْلمةَ الكَذَّابِ بكتابه يقول لهما: "وأنتما

стр. 2209

تقولان ما يقول؟ " قالا: نعم. فقال: أما والله لولا أن الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ لضربتُ أعناقَكُما (١). وقال أبو داود الطيالسي (٢): حدّثنا المَسْعودي، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، قال: جاء ابن النَّواحة وابن أُثال رسولَيْن لمُسَيْلِمةَ الكذاب إلى رسول الله ﷺ ، فقال لهما: "أتَشْهَدَانِ أنّي رسولُ الله؟ " فقالا: نشهدُ أنّ مسيلمةَ رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "آمنتُ بالله ورسله، ولو كنتُ قاتلًا رسولًا لقَتَلْتُكُما". قال عبد الله بن مسعود: فمضت السُّنَّة بأنَّ الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ، قال عبد الله: فأما ابن أُثال فقد كفاه الله، وأما ابن النَّواحة فلم يزل في نفسي منه حتى أمكن الله منه. قال الحافظ البيهقي (٣): أما ثُمامة (٤)، بن أُثال فإنه أسلم، وقد مضى الحديث في إسلامه. وأما ابن النَّواحة فأخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكّي (٥)، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدّثنا محمد بن عبد الوهاب، حدّثنا جعفر بن عون، أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال: إني مررت ببعض مساجد بني حَنيفة، وهم يقرؤون قراءة ما أنزلها الله على محمد ﷺ : والطّاحناتِ طَحْنًا، والعاجِناتِ عَجْنًا، والخابِزاتِ خَبْزًا، والثّاردات ثَرْدًا، واللّاقِماتِ لَقْمًا. فال: فأرسل إليهم عبد الله، فأُتي بهم وهم سبعون رجلًا ورأسهم عبد الله بن النَّواحة، قال: فأمر به عبد الله فقتل، ثم قال: ما كنا بمحرزين (٦) الشيطان من هؤلاء، ولكن نحوزهم (٧) إلى الشام، لعل الله أن يكفيَناهم. وقال الواقدي (٨): كان وفد بني حنيفة بضعة عشر رجلًا، عليهم سلمى بن حنظلة، وفيهم الرَّجَّال بن عنفوة وطلق بن علي وعلي بن سنان ومُسَيْلمة بن حبيب الكذاب، فأنزلوا في دار رملة (٩) بنت الحارث، وأُجريتْ عليهم (١٠) الضيافة، فكانوا يُؤْتَوْن بغداءٍ وعشاءٍ، مرةً خبزًا ولحمًا، ومرة خبزًا ولبنًا، ومرةً

стр. 2210

خبزًا، ومرة خبزًا وسمنًا، ومرة تمرًا ينثر لهم (١). فلمّا قدموا المسجدَ أسلموا، وقد خَلَّفوا مُسَيْلمة في رحالهم، ولما أرادوا الانصرافَ أعطاهم جوائزَهم خمسَ أواقٍ من فضة، وأمر لمسيلمة بمثل ما أعطاهم، لما ذكروا أنّه في رحالهم، فقال: "أما إنه ليس بشرِّكم مكانًا". فلما رجعوا إليه أخبروه بما قال عنه، فقال: إنما قال ذلك لأنه عرف أن الأمر لي من بعده، وبهذه الكلمة تشبَّث قبّحه الله حتى ادَّعى النبوة. قال الواقدي (٢): وقد كان رسول الله ﷺ بعث معهم بإداوة فيها فضل طهوره، وأمرهم أن يهدموا بِيعتهم، وينضحوا هذا الماء مكانها، ويتخذوه مسجدًا، ففعلوا. وسيأتي ذكر مقتل الأسود العنسي في آخر حياة رسول الله ﷺ ، ومقتل مسيلمة الكذاب في أيام الصِّدّيق، وما كان من أمر بني حنيفة، إن شاء الله تعالى. وَفْدُ أهْلِ نَجْران قال البخاري (٣): حدّثنا عَبّاسُ بن الحُسين، حدّثنا يحى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صِلَةَ بن زُفَر، عن حُذيفة، قال: جاء العاقِبُ والسَّيِّد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ ، يريدان أن يلاعناه، فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن كان نبيًا فلاعنّاه (٤) لا نفلح نحن ولا عَقِبُنا من بعدنا. قالا: إنا نعُطيكَ ما سَأَلتَنَا، وابعث معنا رجلًا أمينًا، ولا تبعث معنا إلا أمينًا (٥). فقال: "لأبعثَنَّ معكم رجلًا أمينًا حقَّ أمين". فاستشرفَ لها أصحابُ رسول الله ﷺ ، فقال (٦): قم يا أبا عبيدة بن الجراح، فلما قام قال رسول الله ﷺ : "هذا أمين هذه الأمة". وقد رواه البخاري أيضًا ومسلم (٧) من حديث شعبة، عن أبي إسحاق به. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي (٨): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل قالا: حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدّثنا أحمد بن عبد الجبار، حدّثنا يونس بن بُكير، عن سلمة بن عبد (٩) يسوع، عن أبيه، عن جده -قال يونس وكان نصرانيًا فأسلم- أنّ رسول الله ﷺ كتب إلى
следующие страницы →