← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

فنفختهما، فطارا، فأولتهما كَذّابَيْن يَخْرجان بعدي، أحدهما [الأسود] (١) العنسي، والآخر مسيلمة". ثم قال البخاري (٢): حدّثنا إسحاق بن نصر (٣)، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرني مَعْمر عن هَمّام بن مُنَبِّه (٤)، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "بينا أنا نائم أتيتُ بخزائن الأرض، فوُضع في كفي سواران من ذهب، فكَبُرا عليّ، فأُوحي إليَّ أن انفُخْهَّما، فنفختُهما، فذهبا فأوَّلتهما الكَذَابَيْن اللذين أنا بينهما؛ صاحبَ صَنْعاء، وصاحبَ اليَمامة". ثم قال البخاري (٥): حدّثنا سعيد بن محمد الجَرْمي، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدّثنا أبي، عن صالح، عن ابن عُبيدة بن نشيط -وكان في موضع آخر: اسمه عبد الله- أن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، قال: بلغنا أنّ مُسَيْلمة الكذّاب قدم المدينةَ فنزلَ في دار بنتِ الحارثِ، وكان تحته بنتُ الحارث بن كُرَيْز، وهي أم عبد الله بن الحارث (٦) بن كريز، فأتاه رسول الله ﷺ ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وهو الذي يقال له خطيب رسول الله ﷺ ، وفي يد رسول الله ﷺ قضيب، فوقف عليه فكلمه، فقال له مسيلمة: إن شئتَ خليتُ بينك (٧) وبين الأمر، ثم جعلتَهُ لنا بعدك. فقال رسول الله ﷺ : "لو سألتني هذا القضيب ما أعطيتُكَه، وإني لأُراك الذي رأيت فيه ما رأيت (٨)، وهذا ثابت بن قيس وسيجيبك عني"، فانصرف رسول الله ﷺ . قال عُبَيْد (٩) الله: سألت ابن عباس عن رؤيا رسول الله ﷺ التي (١٠) ذكر، فقال ابن عباس: ذُكر لي أن رسول الله ﷺ قال: "بينا أنا نائم أُريت (١١) أنه وضع في يديَّ سواران من ذهب، فَفُظِعْتُهما (١٢) وكرهتهما فأذن لي، فنفختهما فطارا، فأوَّلتهما كذابين (يخرجان"، فقال عبيد الله: أحدهما العنسي الذي قتله) (١٣) فيروز باليمن، والآخر مسيلمة الكذاب.

стр. 2207

وقال محمد بن إسحاق (١): قدم على رسول الله ﷺ وفد بني حنيفة فيهم مسيلمة بن ثُمامة بن كثير بن حبيب بن الحارث بن عبد الحارث بن هِفَّان بن ذُهْل بن الدُّوْل بن حنيفة ويكنى أبا ثمامة (٢) وقيل أبا هارون، وكان قد تسمى بالرحمان، فكان يقال له: رحمان اليمامة، وكان عمره يوم قتل مئة وخمسين سنة، وكان يعرف أبوابًا من النيرجات (٣)، فكان يدخل البيضة إلى القارورة، وهو أول من فعل ذلك، وكان يقص جناح الطير ثم يصله، ويدَّعي أن ظبية تأتيه من الجبل فيحلب منها. قلت: وسنذكر أشياء من خبره عند ذكر مقتله، لعنه الله. قال ابن إسحاق (٤): وكان منزلهم في دار بنت الحارث، امرأةٍ من الأنصار ثم من بني النجار، فحدّثني بعض علمائنا من أهل المدينة، أن بني حنيفة أتت به رسول الله ﷺ تستره بالثياب، ورسول الله ﷺ جالس في أصحابه معه عسيبٌ من سَعَف النخلِ، في رأسه خوصات (٥)، فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ وهم يسترونه بالثياب كلَّمه وسأله، فقال له رسول الله ﷺ : "لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتُكَه". قال ابن إسحاق: وحدّثني شيخ من بني حنيفة من أهل اليمامة، أنّ حديثَه كانَ على غَيْرِ هذا. وزعم أنّ وفدَ بني حنيفة أتوا رسول الله ﷺ ، وخَلّفوا مُسَيْلمة في رحالهم، فلما أسلموا ذكروا مكانه، فقالوا: يا رسول الله، إنا قد خلّفنا صاحبًا لنا في رحالنا وفي ركائبنا يحفظها لنا، قال: فأمر له رسول الله ﷺ بمثل ما أمر به للقوم، وقال: "أما إنَّه ليس بشرِّكم مكانًا". أي: لحفظه ضَيْعَة أصحابه، ذلك الذي يريد رسول الله ﷺ ، قال: ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ ، وجاؤوا مسيلمة بما أعطاه رسول الله ﷺ ، فلما انتهوا إلى اليمامة ارتدّ عدوّ الله، وتنبَّأ، وتكذَّب لهم، وقال: إني قد أُشركتُ في الأمر معه، وقال لوفده الذين كانوا معه: ألم يقل لكم حين ذكرتموني له: "أما إنه ليس بشرِّكم مكانًا"، ما ذاك إلا لما كان يعلم أني قد أُشركت في الأمر معه، ثم جعل يسجع لهم السجعات، ويقول لهم فيما يقول مضاهاةً للقرآن: لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صِفَاقٍ وحشا. وأحل لهم الخمر والزنا، ووضع عنهم الصلاة، وهو مع هذا يشهد لرسول الله ﷺ بأنه نُبِّئ. فأصفقت (٦) معه بنو حنيفة على ذلك.

стр. 2208

قال ابن إسحاق (١): فالله أعلم أي ذلك كان. وذكر السهيلي (٢) وغيره أن الرَّجَّال (٣) بن عُنْفُوة -واسمه نَهارُ بن عُنْفوة- وكان قد أسلم وتعلَّم شيئًا من القرآن، وصحبَ رسولَ الله ﷺ مدة، وقد مرَّ عليه رسول الله ﷺ وهو جالسٌ مع أبي هريرة وفُرات بن حَيّان، فقال لهم: "أحدكم ضِرْسُه في النّار مثلُ أُحدٍ" فلم يزالا خائِفَيْن حتى ارتدّ الرّجَّال مع مَسَيْلمة، وشهد له زُورًا أنَّ رسولَ الله ﷺ أشْرَكَهُ في الأمر معه، وأَلْقى إليه شيئًا مِمّا كَانَ يَحْفَظُه من القرآن، فادّعاهُ مُسَيْلِمَةُ لنفسه، فحصل بذلك فتنةٌ عظيمةٌ لبني حَنيفة. وقد قتله زيدُ بن الخَطّاب يومَ اليَمامة كما سيأتي. قال السُّهَيْلي (٤): وكان مُؤَذِّنُ مُسَيْلِمةَ يقال له حُجَيْرٌ، وكان مُدَبِّرُ الحَرْب بين يَدَيْه مُحَكَّمَ بنَ الطُّفَيْل، وأُضيف إليهم سَجَاح، وكانَتْ تُكَنّى أُمَّ صادِر، تَزَوَّجَها مُسَيْلِمَةُ، وله معها أخبارٌ فاحِشَةٌ، واسم مُؤَذِّنِها زُهَيْرُ بن عَمْرو، وقيل جَنَبَةُ بنُ طارِقٍ، ويقال: إن شَبَثَ بن رِبْعيٍّ أذَّنَ لها أيضًا ثم أسلم، وقد أسْلَمَتْ هي أيضًا أيام عُمَرَ بن الخطاب، فحسن إسلامُها. وقال يونُس بن بُكَيْر عن ابن إسحاق (٥): وقد كان مُسَيْلِمَةُ بن حَبيب كتب إلى رسولِ الله ﷺ : من مُسَيْلَمة رسولِ اللهِ إلى محمدٍ رسولِ الله، سلامٌ عَلَيْكَ، أما بعدُ، فإني قد أُشْرِكْتُ في الأمْرِ معكَ، فإنّ لنا نِصْفَ الأمْرِ، ولقُرُيشٍ نصف الأمْرِ، ولكن قُريشًا قومٌ يَعْتدون (٦). فقدم عليه رسولان بهذا الكتاب، فكتب إليه رسولِ الله ﷺ (٧): "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى مُسَيْلَمة الكَذّاب، سلامٌ على مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أما بعد، فإنَّ الأرضَ لله يُورِثُها منْ يَشاءُ من عباده والعاقبة للمتقين". قال: وكان ذلك في آخر سنة عشر -يعني وُرودَ هذا الكتاب-. قال يونس بنُ بكَيْر عن ابن إسحاق (٨): فحدّثني سَعْدُ بن طارِقٍ، عن سَلَمَةَ بن نُعَيْم بن مسعود، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله ﷺ حين جَاءَهُ رَسولا مُسَيْلمةَ الكَذَّابِ بكتابه يقول لهما: "وأنتما

стр. 2209

تقولان ما يقول؟ " قالا: نعم. فقال: أما والله لولا أن الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ لضربتُ أعناقَكُما (١). وقال أبو داود الطيالسي (٢): حدّثنا المَسْعودي، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، قال: جاء ابن النَّواحة وابن أُثال رسولَيْن لمُسَيْلِمةَ الكذاب إلى رسول الله ﷺ ، فقال لهما: "أتَشْهَدَانِ أنّي رسولُ الله؟ " فقالا: نشهدُ أنّ مسيلمةَ رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "آمنتُ بالله ورسله، ولو كنتُ قاتلًا رسولًا لقَتَلْتُكُما". قال عبد الله بن مسعود: فمضت السُّنَّة بأنَّ الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ، قال عبد الله: فأما ابن أُثال فقد كفاه الله، وأما ابن النَّواحة فلم يزل في نفسي منه حتى أمكن الله منه. قال الحافظ البيهقي (٣): أما ثُمامة (٤)، بن أُثال فإنه أسلم، وقد مضى الحديث في إسلامه. وأما ابن النَّواحة فأخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكّي (٥)، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدّثنا محمد بن عبد الوهاب، حدّثنا جعفر بن عون، أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال: إني مررت ببعض مساجد بني حَنيفة، وهم يقرؤون قراءة ما أنزلها الله على محمد ﷺ : والطّاحناتِ طَحْنًا، والعاجِناتِ عَجْنًا، والخابِزاتِ خَبْزًا، والثّاردات ثَرْدًا، واللّاقِماتِ لَقْمًا. فال: فأرسل إليهم عبد الله، فأُتي بهم وهم سبعون رجلًا ورأسهم عبد الله بن النَّواحة، قال: فأمر به عبد الله فقتل، ثم قال: ما كنا بمحرزين (٦) الشيطان من هؤلاء، ولكن نحوزهم (٧) إلى الشام، لعل الله أن يكفيَناهم. وقال الواقدي (٨): كان وفد بني حنيفة بضعة عشر رجلًا، عليهم سلمى بن حنظلة، وفيهم الرَّجَّال بن عنفوة وطلق بن علي وعلي بن سنان ومُسَيْلمة بن حبيب الكذاب، فأنزلوا في دار رملة (٩) بنت الحارث، وأُجريتْ عليهم (١٠) الضيافة، فكانوا يُؤْتَوْن بغداءٍ وعشاءٍ، مرةً خبزًا ولحمًا، ومرة خبزًا ولبنًا، ومرةً

стр. 2210

خبزًا، ومرة خبزًا وسمنًا، ومرة تمرًا ينثر لهم (١). فلمّا قدموا المسجدَ أسلموا، وقد خَلَّفوا مُسَيْلمة في رحالهم، ولما أرادوا الانصرافَ أعطاهم جوائزَهم خمسَ أواقٍ من فضة، وأمر لمسيلمة بمثل ما أعطاهم، لما ذكروا أنّه في رحالهم، فقال: "أما إنه ليس بشرِّكم مكانًا". فلما رجعوا إليه أخبروه بما قال عنه، فقال: إنما قال ذلك لأنه عرف أن الأمر لي من بعده، وبهذه الكلمة تشبَّث قبّحه الله حتى ادَّعى النبوة. قال الواقدي (٢): وقد كان رسول الله ﷺ بعث معهم بإداوة فيها فضل طهوره، وأمرهم أن يهدموا بِيعتهم، وينضحوا هذا الماء مكانها، ويتخذوه مسجدًا، ففعلوا. وسيأتي ذكر مقتل الأسود العنسي في آخر حياة رسول الله ﷺ ، ومقتل مسيلمة الكذاب في أيام الصِّدّيق، وما كان من أمر بني حنيفة، إن شاء الله تعالى. وَفْدُ أهْلِ نَجْران قال البخاري (٣): حدّثنا عَبّاسُ بن الحُسين، حدّثنا يحى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صِلَةَ بن زُفَر، عن حُذيفة، قال: جاء العاقِبُ والسَّيِّد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ ، يريدان أن يلاعناه، فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن كان نبيًا فلاعنّاه (٤) لا نفلح نحن ولا عَقِبُنا من بعدنا. قالا: إنا نعُطيكَ ما سَأَلتَنَا، وابعث معنا رجلًا أمينًا، ولا تبعث معنا إلا أمينًا (٥). فقال: "لأبعثَنَّ معكم رجلًا أمينًا حقَّ أمين". فاستشرفَ لها أصحابُ رسول الله ﷺ ، فقال (٦): قم يا أبا عبيدة بن الجراح، فلما قام قال رسول الله ﷺ : "هذا أمين هذه الأمة". وقد رواه البخاري أيضًا ومسلم (٧) من حديث شعبة، عن أبي إسحاق به. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي (٨): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل قالا: حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدّثنا أحمد بن عبد الجبار، حدّثنا يونس بن بُكير، عن سلمة بن عبد (٩) يسوع، عن أبيه، عن جده -قال يونس وكان نصرانيًا فأسلم- أنّ رسول الله ﷺ كتب إلى

стр. 2211

نجران قبل أن ينزل عليه "طس" سليمان (١)؛ باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، من محمد النبي رسول الله إلى أسقف نجران (وأهل نجران، إن أسلمتم) (٢) فإني أحمد إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، أما بعد، فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادةِ العِباد، وأدعوكم إلى ولايةِ الله من ولاية العباد، فإن أبيتُم فالجزيةُ، فإن أبيتُم آذنْتُكم بحربٍ والسلام. فلما أتى الأُسقُفَّ الكتابُ فقرأه فُظِع به، وذُعر به ذُعرًا شديدًا، وبعث إلى رجلٍ من أهل نَجْرانَ يقال له: شُرَحْبيل بن وَدَاعة -وكان من همدان، ولم يكن أحدٌ يُدْعى إذا نزلت مُعْضِلة قبلَه لا الأيْهم ولا السيد ولا العاقب- فدفع الأُسْقُفُّ كتاب رسول الله ﷺ إلى شرحبيل فقرأه، فقال الأسقُفُّ يا أبا مريم ما رأيك؟ فقال شرحبيل: قد علمتَ ما وعدَ الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة، فما يُؤمَن أن يكون هذا هو ذاك الرجل، ليس لي في النبوة رأيٌ، ولو كان أمرٌ من أمورِ الدُّنيا لأشرتُ عليك فيه برأي وجهدت لك. فقال له الأسقُفُّ: تنحَّ فاجلس، فتنحَّى شرحبيل، فجلس ناحية، فبعث الأسقفُّ إلى رجل من أهل نجران، يقال له: "عبد الله بن شرحبيل"، وهو من ذي أصْبَحَ من حِمْيَر، فأقرأَه الكتاب، وسأله عن الرأي، فقال له مثل قول شرحبيل، فقال له الأسقُفُّ: تنحَّ فاجلس، فتَنحَّى فجلس ناحيةً (٣)، وبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له "جَبّار بن فَيْضٍ" من بني الحارث بن كعب، أحد بني الحِمَاس، فأقرأه الكتاب، وسأله عن الرأي فيه، فقال له مثل قول شُرَحبيل وعبد الله، فأمره الأُسقُفُّ فتنحى، فجلس ناحية (٣)، فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعًا، أمر الأسقفُّ بالناقوس فضُرب به، ورُفِعَت المسوح (٤) في الصوامع، وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار، وإذا كان فزعهم ليلًا ضربوا بالناقوس ورُفعت النيران في الصَّوامع، فاجتمع حين ضُرب بالناقوس ورفعت المسوح أهلُ الوادي أعلاه وأسفله، وطول الوادي مسيرةُ يوم للراكب السَّريع، وفيه ثلاث وسبعون قرية، وعشرون ومئة ألف مقاتل، فقرأ عليهم كتابَ رسول الله ﷺ ، وسألهم عن الرأي فيه، فاجتمع رأي أهلِ الرأي منهم على أنْ يَبْعَثوا شُرَحبيل بن وَداعة الهَمْداني، وعبدَ الله بن شُرَحْبيل الأصْبَحي، وجَبّار بن فيض الحارثي، فيأتوهم بخبر رسول الله ﷺ . قال: فانطلق الوفد، حتى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثيابَ السَّفَر عنهم، ولبسوا حُللًا لهم يَجُرّونها من حِبَرةٍ وخَواتيم الذَّهب، ثم انطلقوا حتى أتَوْا رسولَ الله ﷺ ، فسلموا عليه فلم يَرُدَّ ﵈، وتَصَدَّوا لكلامه نهارًا طويلًا فلم يُكَلِّمْهم وعليهم تلك الحُلَل والخَواتيم الذهبُ، فانطلقوا يَتَّبَّعونَ

стр. 2212

عثمانَ بن عفانَ وعبدَ الرحمن بن عوف، وكانوا يعرفونهما (١)، فوجدوهما في ناسٍ من المهاجرين والأنصار في مجلس، فقالوا: يا عثمان ويا عبد الرحمن، إنّ نبيَّكم كتبَ إلينا بكتابٍ، فأقبلنا مُجيبين له، فأتَيْناه فسلَّمنا عليه، فلم يَرُدّ سلامَنا، وتَصَدَّينا لكلامه نهارًا طويلًا، فأعيانا أن يكلمنا، فما الرأي منكما، أتَرَوْنَ أن نَرْجعَ؟ فقالا لعلي بن أبي طالب وهو في القوم: ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم؟ فقال عليٌّ لعثمان ولعبد الرحمن ﵃: أرى أن يضعوا حُلَلَهم هذه، وخواتيمَهم، ويلبسوا ثيابَ سَفَرِهم، ثم يعودوا إليه، ففعلوا، فسلَّموا، فرد سلامهم، ثم قال: "والذي بعثني بالحق، لقد أتوني المرة الأولى وإنّ إبليسَ لمعهم". ثم ساءلهم وساءلوه، فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا: ما تقول في عيسى، فإنّا نرجع إلى قومنا، ونحن نصارى، ليسرنا إن كنت نبيًا أن نسمع (٢) ما تقول فيه. فقال رسول الله ﷺ : "ما عندي فيه شيءٌ يَوْمي هذا، فأقيموا حتى أخبركم بما يقول الله في عيسى" فأصبح الغد وقد أنزل الله هذه الآية: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٥٩ - ٦١]. فأبوا أن يُقِرُّوا بذلك، فلما أصبح رسول الله ﷺ الغد بعدما أخبرهم الخبر أقبل مشتملًا على الحسن والحسين في خَميل له (٣)، وفاطمة تمشي عندَ ظهره للمُلاعَنَةِ، وله يومئذ عِدَّةُ نسوةٍ، فقال شُرحبيل لصاحِبَيْه: قد عَلِمْتُما أنّ الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يَرِدوا ولم يَصْدُروا إلا عن رأيي، وإني والله أرى أمرًا ثقيلًا، والله لئن كان هذا الرجل ملكًا متقويا (٤) فكنا أول العرب طعن في عينه (٥)، وَرَدَّ عليه أمرَه لا يذهب لنا من صدره ولا من صدور أصحابه (٦) حتى يصيبونا بجائحة، وإنا أدنى العرب منهم جوارًا، ولئن كان هذا الرجل نبيًا مرسلًا فلاعنَّاه لا يبقى على وجه الأرض منا شَعر ولا ظُفر إلا هلكَ، فقال له صاحباه: فما الرأي يا أبا مريم؟ فقال: رأيي أن أحكّمه، فإني أرى رجلًا لا يَحْكُم شَططًا أبدًا. فقالا له: أنت وذاك. قال: فتلقى شُرحبيل رسول الله ﷺ فقال: إني قد رأيتُ خيرًا من ملاعنتك. فقال: "وما هو"؟ فقال: حكمك اليوم إلى الليل، وليلتك إلى الصباح، فمهما حكمت (٧) فينا هو جائز، فقال رسول الله ﷺ :

стр. 2213

"لعل وراءك أحدًا (١) يثرِّبُ عليك؟ " فقال شُرحبيل: سل صاحبىّ: [فسألهما] (٢). فقالا: ما يرد الوادي رلا يَصْدُرُ إلا عن رأي شُرَحْبيل (٣). فرجع رسول الله ﷺ فلم يُلاعِنهُمْ، حتى إذا كان الغدُ أتوه، فكتب لهم هذا الكتاب (٤)؛ بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما كتب محمد النبي (٥) رسول الله لنجران، أن (٦) كان عليهم حُكمُه في كل صفراء وبيضاء ورقيق، فَأفْضَل عليهم وترك ذلك كله (٧) على ألفَيْ حُلَّةٍ (٨)، في كلّ رجبٍ ألف حُلّةٍ، وفي كُلِّ صَفَرٍ ألفُ حُلةٍ" وذكر تمام الشروط (٩). إلى أن [قال] (١٠) شهد أبو سفيان بن حرب، وغَيْلان بن عمرو، ومالك بن عوف من بني نصر، والأقرع بن حابس الحنظلي، والمغيرة [بن شعبة] (١٠) وكتب (١١). حتى إذا قبضوا كتابهم انصرفوا إلى نجران، [فتلقاهم الأُسْقُفُّ ووجوه نجران على مسيرة ليلة من نجران] (١٠)، ومع الأسقُفِّ أخٌ له من أمه، وهو ابنُ عمّه من النسب، يقال له بشر بن معاوية، وكنيتُه أبو عَلْقَمة، فدفع الوفد كتاب رسول الله ﷺ إلى الأُسقُفِّ، فبينما هو يقرؤه، وأبو علقمة معه وهما يسيران، إذ كَبَتْ ببشر ناقته فتَعَّس بشر، غيرأنه لا يُكنِّى عن رسول الله ﷺ ، فقال له الأُسْقُفُّ عند ذلك:

стр. 2214

قد والله تعَّستَ نبيًا مرسلًا، فقال له بشر: لا جرم، واللهِ لا أحل عنها عقدًا حتى آتي رسولَ الله ﷺ ، فصرف (١) وجه ناقته نحو المدينة، وثنى الأسقفُّ ناقته عليه، فقال له: افهم عني، إنما قلت هذا ليبلغ عني العرَبَ مخافةَ أن يَرَوْا أنّا أخذنا حقَّه أو رضينا نصرته أو بَخَعْنا (٢) لهذا الرجل بما لم تَبْخَعْ به العرب (٣)، ونحن أعزُّهم وأجمعُهم دارًا. فقال له بشر: لا والله لا أقبل ما خرجَ من رأسك أبدًا، فضرب بشرٌ ناقتَه وهو مُوَلِّي الأُسْقُفَّ ظَهْرَهُ، وارتجز يقول: إليْكَ تعدُو قَلِقًا وضينُها (٤) … مُعْتَرِضًا فِي بَطْنِها جَنينُها مُخَالِفًا دِينَ النَّصارَى دِينُها حتى أتى رسولَ الله ﷺ فأسلم، ولم يزل معه حتى قُتل بعد ذلك. قال (٥): ودخل الوفدُ نَجرانَ، فأتى الراهبَ ليثَ بن أبي شمر الزبيدي وهو في رأس صومعته (٦) فقال له: إن نبيًا بُعث بتهامة، فذكر ما كان من وفد نجران إلى رسول الله ﷺ ، وإنه عرض عليهم الملاعنةَ فأَبَوْا، وأن بشرَ بنَ معاوية دفع إليه فأسلم. فقال الراهب: أنزلوني وإلا ألقيتُ نفسي من هذه الصومعة، قال: فأنزلوه، فأخذ معه هدية، وذهب إلى رسول الله ﷺ منها هذا البُردُ الذي يلبسه الخلفاء وقَعْبٌ وعصا، فأقام مدةً عند رسول الله ﷺ يسمعُ الوَحْيَ، ثم رجع إلى قومه ولم يُقَدَّرْ له الإسلامُ، ووعدَ أنه سيعود، فلم يُقَدَّرْ له حتى توفِّي رسولُ الله ﷺ . وأن (٧) الأُسْقُفَّ أبا الحارث أتى رسول الله ﷺ ، ومعه السيدُ والعاقبُ ووجوهُ قومه، فأقاموا عنده يسمعون ما يُنَزِّلُ الله عليه، وكتب للأُسْقُفّ هذا الكتاب ولأساقِفَة نَجْرانَ بعد (٨) "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبيّ للأسقفّ أبي الحارث و [كلّ] (٩) أساقفة نجران وكهنتهم ورهبانهم (١٠) وكلّ ما تحت أيديهم من قليلٍ أو كثير جوار اللهِ ورسوله، لا يُغَيّرُ أسقُفٌّ من أُسْقُفَّتِهِ ولا راهبٌ من رهبانيَّته ولا كاهنٌ من

стр. 2215

كهانته ولا يغيّر من حقوقهم ولا سلطانهم ولا مما (١) كانوا عليه من ذلك، جوار الله ورسوله أبدًا، ما أصلحوا ونصحوا عليه غير مُثْقَلين (٢) بظلمٍ ولا ظالمين" وكتب المغيرة بن شعبة. وذكر محمد بن إسحاق (٣) أن وفد نصارى نجران كانوا ستين راكبًا، يرجع أمرهم إلى أربعة عشر منهم، وهم العاقب واسمه عبد المسيح، والسيد وهو الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة، وأوس، والحارث (٤)، وزيد، وقيس، ويزيد، ونُبَيْه، وخُويلد، وعمرو، وخالد، وعبد الله، ويُحَنَّس، وأمر هؤلاء الأربعة عشر يؤول إلى ثلاثة منهم، وهم العاقب، وكان أمير القوم وذا رأيهم وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه، والسيد وكان ثِمالَهم (٥) وصاحب رحلهم، وأبو حارثة بن علقمة، وكان أسقفهم وحبرهم، وكان رجلًا من العرب من بكر بن وائل، ولكن دخل في دين النصرانية، فعظّمته الروم وشرّفوه، وبنوا له الكنائس، ومَوَّلوه، وأخدموه لما يعرفون من صلابته في دينهم، وكان مع ذلك يعرف أمر رسول الله ﷺ ، ولكن صده الشرف والجاه من اتّباع الحق. وقال يونس بن بُكير (٦)، عن ابن إسحاق: حدّثني بُرَيْدة بن سفيان، عن ابن البَيْلَماني، عن كُرْز بن (٧) علقمة، قال: قدم وفدُ نصارى نَجْران ستون راكبًا منهم أربعة وعشرون رجلًا من أشرافهم، والأربعة والعشرون منهم ثلاثة نفر، إليهم يؤول أمرهم، العاقب، والسيد، وأبو حارثة أحدُ بني بكر بن وائل، أسقُمُّهم وصاحبُ مِدْراسهم (٨)، وكانوا قد شرَّفوه فيه ومَوَّلوه وأكرموه (٩)، وبسطوا عليه الكرامات، وبنوا له الكنائس؛ لما بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم، فلما توجَّهوا من نجران جلسَ أبو حارثة على بَغْلةٍ له، وإلى جنبه أخٌ له يقال له كُرْزُ بن عَلْقَمة يُسايره، إذ عثرت بغلةُ أبي حارثة فقال كُرْز: تعس الأبعدُ -يريد رسول الله ﷺ -. فقال له أبو حارثة: بل أنت تَعِسْتَ. فقال له كُرْزٌ: ولمَ يا أخي؟ فقال: والله إنه للنَّبيُّ الذي كنا ننتظره. فقال له كُرْزُ: وما يمنعُكَ وأنت تعلم هذا. فقال له:

стр. 2216

ما صنع بنا هؤلاء القوم، شرَّفونا وموَّلونا وأخدمونا، وقد أبوا إلا خلافه، ولو فعلت نزعوا منا كل ما ترى. قال: فأضمر عليها منه أخوه كرز حتى أسلم بعد ذلك. وذكر ابن إسحاق (١) أنهم لما دخلوا المسجد النبوي دخلوا في تجمُّلٍ وثيابٍ حسانٍ، وقد حانت صلاة العصر، فقاموا يصلّون إلى المشرق، فقال رسول الله ﷺ : "دعوهم". فكان المتكلم لهم أبا حارثة بن علقمة والسيد والعاقب، حتى نزل فيهم صَدْرُ (٢) سورة آل عمران والمباهلة، فأبوا ذلك، وسألوا أن يرسل معهم أمينًا، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح، كما تقدم في رواية البخاري. وقد ذكرنا ذلك مستقصى في تفسير سورة آل عمران (٣). ولله الحمد والمنة. وَفْدُ بني عامِرٍ وقِصَّةُ عامِرِ بن الطُّفَيْلِ وأَرْبدَ بن قَيْسٍ (٤) قال ابن إسحاق (٥) وقدم على رسول الله ﷺ وفد بني عامر فيهم عامر بن الطفيل وأرْبَدُ بن قيس بن جَزء بن جعفر بن خالد (٦)، وجَبّار (٧) بن سُلْمي (٨) بن مالك بن جعفر، وكان هؤلاء الثلاثة رؤساءَ القوم وشياطينهم، وقدم عامر بن الطفيل عدو الله على رسول الله ﷺ ، وهو يريد الغدرَ به، وقد قال له قومه: يا عامر، إن الناس قد أسلموا، فأسْلِمْ. قال: والله لقد كنت آليت ألا أنتهي حتى تتبعَ العرب عَقِبي، فأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش؟ ثم قال لأرْبد: إنْ قدمنا على الرجل فإني سأشْغَلُ عنك وجهَه، فإذا فعلتُ ذلك فاعْلُهُ بالسيف، فلما قدموا على رسولِ الله ﷺ ، قال عامر بن الطُّفَيْل: يا محمد، خالِّني (٩). قال: "لا والله حتى تؤمنَ بالله وحدَه" قال: يا محمد، خالِّني. قال: وجعل يُكَلِّمُهُ وينتظر من أرْبَدَ ما كان أمرَهُ به، فجعل أرْبَدُ لا يُحير شيئًا، فلما رأى عامر ما يصنعُ أرْبد قال: يا محمد، خالني، قال: "لا، حتى تؤمنَ بالله وحدَه لا شريكَ له". فلما أبى عليه رسولُ الله ﷺ قال: أما والله

стр. 2217

لأملأنَّها عليكَ خيلًا ورجالًا. فلما ولَّي قال رسول الله ﷺ : "اللهم اكفني عامر بن الطُّفيل". فلما خرجوا من عند رسول الله ﷺ قال عامر بن الطفيل لأرْبد: أين ما كنتُ أمرتُكَ به؟ والله ما كانَ على ظهر الأرضِ رجلٌ أخوفَ على نفسي (١) منك، وايمُ اللهِ لا أخافك بعدَ اليوم أبدًا. قال: لا أبالك لا تَعْجَلْ عليّ، واللهِ ما هَمَمْتُ بالذي أمرتني به (٢) إلا دخلتَ بيني وبين الرجل، حتى ما أرى غيرك أفأضْرِبكَ بالسَّيف؟. وخَرجوا راجعين إلى بلادهم حتَّى إذا كانوا ببعض الطريق، بعث الله على عامر بن الطُّفَيْل الطاعونَ في عُنُقه، فقَتَلَهُ اللهُ في بيت امرأةٍ من بني سَلُول، فجعل يقول: يا بني عامر أغُدَّة كغدةِ البَكْر في بيت امرأة من بني سلول (٣)؟! قال ابن هشام (٤). ويقال أغدةً كغدة الإبل، وموتًا في (٥) بيت سلولية. وروى الحافظ البيهقي (٦) من طريق الزبير بن بكار، حدّثتني فاطمة بنت عبد العزيز بن مَوَلَة (٧) عن أبيها، عن جدِّها مَوَلَة بن جميل قال: أتى عامرُ بن الطُّفيل رسولَ الله ﷺ فقال له: "يا عامر أسْلِمْ". فقال: أُسلمُ على أنّ لي الوبَر، ولك المدرَ، قال: "لا". ثم قال [يا عامر] (٨) أسلم. فقال: أسلمُ علي أن لي الوبرَ، ولك المدرَ. قال: لا، فولّى، وهو يقولُ: والله يا محمدُ لأملأنَّها عليكَ خيلًا جُرْدًا ورجالًا مُردًا، ولأربطنَّ بكل نخلة فرسًا. فقال رسول الله ﷺ : اللهمّ اكفني عامرًا وأهْدِ قومَه. فخرج حتى إذا كان بظهرِ المدينة صادفَ امرأةً من قومه يقال لها: سَلولية، فنزل عن فرسه، ونام في بيتها، فأخذته غدّةٌ في حلقه، فوثب على فرسه وأخذ رمحه، وأقبل يجولُ وهو يقول: غُدّة كغُدَّة البَكْر وموتٌ في بيت سَلولية، فلم تَزَلْ تلك حاله حتى سَقَطَ عن فرسه ميتًا. وذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب (٩) في أسماء الصحابة مَوَلَة هذا فقال: هو مَوَلة بن

стр. 2218

كُثَيف الضِّبابي الكِلابيّ العامري، من بني عامر بن صعصعة، أتى رسول الله ﷺ وهو ابنُ عشرين سنة، فأسلم، وعاش في الإسلام مئة سنة، وكان [فصيحًا] يُدْعى ذا اللسانين من فصاحته، روى عنه ابنُه عبد العزيز [بن مَوَلة]، وهو الذي روى قصة عامر بن الطفيل: غُدّة [كغُدَّةِ] البَعير ومَوْتٌ في بيت سَلوليّة. قال الزبير بن بكار: حدّثتني ظَمْياء بنت عبد العزيز بن مَوَلة بن كُثَيْف بن حَمَل (١) بن خالد بن عمرو بن معاوية، وهو الضِّباب بن كِلاب بن رَبيعة بن عامر بن صَعْصَعَة، قالت: حدّثني أبي، عن أبيه مَوَلة، أنه أتى رسول الله ﷺ ، فأسلم وهو ابن عشرين سنة، وبايع رسول الله ﷺ ، ومسح يَمينَه، وساقَ إبلَه إلى رسول الله ﷺ ، فصدقها بنتَ لَبونٍ، ثم صحب أبا هريرة بعد رسول الله ﷺ ، (وعاش في الإسلام مئةَ سنة، وكان يسمى ذا اللسانين من فصاحته) (٢). قلت: والظاهر أن قصة عامر بن الطُّفَيْل متقدِّمةٌ على الفتح، وإن كان ابن إسحاق والبيهقي قد ذكراها بعد الفتح، وذلك لما رواه الحافظ البيهقي (٣)، عن الحاكم، عن الأصم، أنبأنا محمد بن إسحاق، أنبأنا معاوية بن عمرو، حدّثنا أبو إسحاق الفزاري، عن الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، في قصة بئر معونة، (وقتل عامر بن الطفيل حرام بن ملحان خال أنس بن مالك، وغدرِه بأصحاب بئر معونة) (٤) حتى قُتلوا عن آخرهم سوى عمرو بن أمية، كما تقدم (٥)، قال الأوزاعيُّ: قال يحيى: فمكث رسول الله ﷺ يدعو على عامر بن الطُّفَيْل ثلاثين صباحًا: "اللهمّ اكْفني عامرَ بن الطُّفَيْل بما شئتَ، وابعثْ عليه ما يقتلُه" (٦) فبعث الله عليه الطاعون. ورُوي (٧) عن همَّام، عن إسحاق بنِ عبد الله، عن أنس في قصة [حرام] بن ملحان قال: وكان عامر بن الطفيل قد أتى رسول الله ﷺ فقال: أخيّركَ بين ثلاث خصال: يكون لك أهل السهل، ويكون لي أهل المَدَر (٨)، وأكون خيلفتَكَ من بعدكَ، أو أغزوكَ بغَطَفان بألفِ أشقرَ وألفِ شَقْراء، قال: فطُعن في بيتِ امرأة، فقال: غدة كغدة البَكْر (٩) وموت في بيت امرأة من بني فلان، ائتوني بفرسي، فركب فمات على ظهر فرسه.

стр. 2219

قال ابن إسحاق (١): ثم خرج أصحابه حين وارَوْه (٢) حتَّى قَدِموا أرضَ بني عامرٍ شاتِيْن، فلما قَدِموا أتاهم قومُهم: فقالوا: وما وراءَكَ يا أرْبَد؟ قال: لا شيءَ، واللهِ لقد دعانا إلى عبادة شيء لوددت لو أنه عندي الآن، فأَرْمِيَه بالنَّبْل حتى أقتلَه الآن، فخرج بعدَ مقالته بيوم أو يومين معه جملٌ له يبيعة (٣) فأرسل الله عليه وعلى جملِه صاعقةً فأحرقتهما. قال ابن إسحاق (٤): وكان أربد بن قيس أخا لبيد بن ربيعة لأمّه، فقال لبيدٌ يبكي أرْبَدَ: [من المنسرح] ما إن تُعَرِّي (٥) المَنُونُ مِنْ أَحَدِ … لا والِدٍ مُشْفِقٍ ولا وَلَدِ أخْشَى عَلى أرْبَدَ الحُتُوفَ ولا … أرْهبُ نَوءَ السِّمَاكِ والأسَدِ (٦) فَعيْنِ (٧) هَلَّا بَكَيْت أرْبَدَ إذْ … قُمْنَا وَقَامَ النسَاءُ في كَبَدِ إنْ يَشْغَبُوا لا يُبَالِ شَغْبَهُمُ … أوْ يَقْصِدُوا في الحُكُومِ يَقْتَصِدِ (٨) حُلْوٌ أريبٌ وفي حَلاوَتِهِ … مُرّ لطيف (٩) الاحْشَاءِ وَالكبِدِ وَعَيْنِ هَلَّا بَكَيْتِ أرْبَدَ إذْ … ألوَتْ رِياحُ الشِّتَاءَ بالعَضَدِ (١٠) وأصْبَحتْ لاقِحًا مُصَرَّمةً … حين تجلَّت (١١) غَوابِرُ المُدَدِ (١٢) أشْجَعُ مِنْ لَيْثِ غابةٍ لَحِمٍ … ذُو نَهمةٍ في العُلا وَمُنْتَقَدِ (١٣) لا تَبْلُغُ (١٤) العَيْنُ كُلَّ نَهْمتها … لَيْلَةَ تُمْسي الجيادُ كالقِدَدِ (١٥)

стр. 2220

البَاعِثُ النَّوْحَ في مَآتمِهِ … مِثْلَ الظِّبا الأبْكارِ بالجَرَدِ (١) فَجَّعَنِي البَرْقُ وَالصَّواعِق (٢) بالـ … ــفارس يَوْمَ الكَرِيهَةِ النُّجُدِ (٣) والحَارَبِ الجَابرِ الحَريبَ إذا … جاءَ نَكيبًا وإنْ يَعُدْ يَعُدِ (٤) يَعْفُو على الجَهْدِ والسُّؤالِ كَمَا … يَنْبُتُ غَيْثُ الرَّبيع (٥) ذُو الرَّصَدِ (٦) كُلُّ بَني حَرَّةٍ مَصِيرُهُمُ … قُلٌّ وإنْ كَثُرُوا (٧) مِنَ العَدَدِ إن يُغْبَطُوا يُهْبَطُوا وإِنْ أَمِروا (٨) … يوْمًا فَهُمْ لِلْهَلاكِ والنَّفَدِ (٩) وقد روى ابن إسحاق عن لبيد أشعارًا كثيرة في رثاء أخيه لأمه أرْبَد بن قيس، تركناها اختصارًا واكتفاءً بما أوردناه، والله الموفق للصواب. قال ابن هشام (١٠): وذكر زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس قال: فأنزل الله في عامر وأرْبَد: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٨ - ١١] (١١). يعني محمدًا ﷺ ثم ذكر أربد وقتله فقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١١ - ١٣]. قلت: وقد تَكَلَّمْنا على هذه الآيات الكريمات في سورة "الرعد" (١٢). ولله الحمد والمنة.

стр. 2221

وقد وقع لنا إسناد ما علَّقه ابن هشام ﵀، فروينا من طريق (الحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني في "معجمه الكبير" (١)، حيث قال: حدّثنا مسعدة بن سعد) (٢) العطار، حدّثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي (٣)، حدّثني عبد العزيز بن عمران، حدّثني عبد الرحمن وعبد الله ابنا زيد بن أسلم، عن أبيهما، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: أن أرْبَد بن قيس بن جَزْء بن خالد بن جعفر بن كلاب (٤) وعامر بن الطفيل بن مالك، قدما المدينة على رسول الله ﷺ ، فانتهيا إليه وهو جالس، فجلسا بين يديه، فقال عامر بن الطُّفيل: يا محمد ما تجعل لي إن أسلمتُ؟ فقال رسول الله ﷺ : "لك ما للمسلمين، وعليك ما عليهم". قال: عامر: أتجعل لي الأمرَ إن أسلمتُ من بعدك؟ فقال رسول الله ﷺ : "ليس ذلك لك ولا لقومك، ولكن لك أعنَّةُ الخيل". قال: أنا الآن في أعنَّةِ خيل نجدٍ، اجعل لي الوبر ولك المدر، قال رسول الله ﷺ : "لا"، فلما قفل من عنده، قال عامر: أما والله لأملأنّها عليك خيلًا ورجالًا، فقال رسول الله ﷺ : "يمنعك اللهُ". فلما خرج أربد وعامر، قال عامر: يا أربد أنا أشغلُ عنك محمدًا بالحديث، فاضربه بالسيف، فإن الناس إذا قتلتَ محمدًا لم يزيدوا على أن يرضَوْا بالدّية ويكرهوا الحرب، فسنعطيهم الديةَ، قال أربد: أفعلُ. فأقبلا راجعين إليه، فقال عامر: يا محمد، قم معي أكلمك (٥) فقام معه رسول الله ﷺ ، فخلّيا إلى الجدار، ووقف معه رسول الله ﷺ يُكَلمه، وسَلَّ أربدُ السَّيف، فلما وضعَ يدَه على السيف يبستْ يدُه على قائمِ السيف فلم يَسْتَطِعْ سَلَّ السيف، فأبطأ أرْبَدُ على عامر بالضَّرب، فالتفت رسول الله ﷺ ، فرأى أرْبَد وما يصنع، فانصرف عنهما، فلما خرج أربدُ وعامر من عند رسول الله ﷺ حتى إذا كانا بالحرَّة حرَّة واقم (٦) نزلا، فخرج إليهما سعد بن معاذ وأُسيد بن الحضير فقالا: اشخصا يا عدوي الله لعنكما الله، فقال عامر: من هذا يا سعد؟ قال: أُسيد بن حضير الكتائب، فخرجا حتى إذا كانا بالرَّقَم (٧) أرسل الله على أَرْبَد صاعقةً فقتلته، وخرج عامر حتى إذا كان بالحرة (٨) أرسل الله قرحة فأخذته، فأدركه الليل في بيت امرأة من بني سلول، فجعل يمس قرحته في حلقه ويقول: غدة كغدة الجمل في بيت سلولية، يرغب [عن] أن يموت في بيتها. ثم ركب فرسه

стр. 2222

فأحضرها (١) حتى مات عليها راجعًا، فأنزل الله فيهما: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ إلى قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ يعني محمدًا ﷺ ، ثم ذكر أرْبَد وما قتله به، فقال: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [الرعد: ٨ - ١٣]. وفي هذا السياق دلالة على ما تقدم [من] قصة عامر وأربد، وذلك لذكر سعد بن معاذ فيه. والله أعلم. وقد تقدم وفود الطفيل بن عامر الدّوسي ﵁ على رسول الله ﷺ بمكة وإسلامه، وكيف جعل الله له نورًا بين عينيه، ثم سأل الله فحوَّله له إلى طرفِ سَوْطه، وبَسَطْنا ذلك هنالك، فلا حاجةَ إلى إعادته ها هنا كما صنعَ البَيْهقي وغيره. قُدوم ضِمام (٢) بن ثَعْلَبة على رسول الله ﷺ وافدًا عَنْ قومه بني سَعْد بن بَكْرٍ (٣) قال ابن إسحاق (٤): حدّثني محمَّد بن الوليد بن نُوَيْفع، عن كُرَيْبٍ، عن ابن عبّاس. قال: بعثت (٥) بنو سعد بن بكر ضِمامَ بن ثعلبةَ وافدًا إلى رسول الله ﷺ فقدم إليْه (٦) وأناخَ بعيرَه على باب المسجد، ثم عقله، ثم دخل المسجد ورسولُ الله ﷺ جالسٌ في أصحابه، وكان ضِمامٌ رجلًا جَلْدًا أشعرَ ذا غَديرَتَيْنِ، فأقبل حتى وقفَ على رسول الله ﷺ في أصحابه، فقال: أيكُّم ابنُ عبدِ المطَّلب؟ فقال رسول الله ﷺ : "أنا ابنُ عبد المطلب"، فقال: يا محمد، قال: نعم. قال: يا بنَ عبد المطلب، إني سائِلُكَ ومُغَلِّظ عليك في المسألة، فلا تَجِدَنَّ في نفسك. قال: "لا أجدُ في نفسي، فَسَلْ عما بدا لك". فقال: أنشُدُك الله (٧) إلهك وإلهَ منْ كَانَ قبلَكَ وإلهَ مَنْ هو كائن بَعْدَكَ، الله بَعَثَكَ إلينا رسولًا؟ قال: "اللهم نعم" قال: فأنشُدُكَ اللهَ إلهَكَ وإلهَ من كانَ قبلَك وإلهَ منْ هو كائنٌ بعدَكَ، الله أمَرَكَ أنْ تَأمُرَنا أن نعبدَه وحده، ولا نشركَ به شيئًا، وأن نخلعَ هذه الأندادَ التي كانَ آباؤُنَا يَعْبدون؟ قال: "اللهم نعم" قال: فأنشُدُك اللهَ إلهَكَ وإله منْ كان قَبْلَكَ وإلهَ منْ هو كائنٌ بعدَكَ، اللهُ أمركَ أن نُصلِّي هذه الصَّلواتِ الخَمْسَ؟ قال: "نعم" قال: ثم جعلَ يذكر فرائضَ الإسلام فريضةً فريضة، الزكاةَ، والصِّيامَ، والحجَّ، وشرائعَ

стр. 2223

الإسلام كلها، ينشُدُهُ عند كل فريضةٍ منها، كما ينشده في التي قبلَها، حتى إذا فرغَ قال: فإنّي أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمدًا رسول الله، وسأؤدِّي هذه الفرائض، وأجتنبُ ما نهيتَني عنه، ثم لا أزيدُ ولا أنقُصُ. ثم انصرفَ إلى بعيره راجعًا. قال: فقال رسولُ الله ﷺ : "إن صَدَقَ ذو العَقِيصَتَيْنِ دخلَ الجنة". قال: فأتى بعيره، فأطْلَق عِقَالة، ثم خرجَ حتى قدم، على قومه، فاجتمعوا إليه فكان أولَ ما تكلَّمَ أنّ قالَ: بئسَتِ اللاتُ والعُزّى. فقالوا: مَهْ يا ضِمام، اتَّقِ البَرَصَ، اتّقَ الجُذامَ، اتّقِ الجُنونَ. فقال: ويلَكُم، إنّهما واللهِ لا يَضُران ولا يَنْفَعان، إن الله قد بعثَ رسولًا، وأنزلَ عليه كتابًا استنقَذكُمْ به مما كنتم فيه، وإنّي أشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه، وقد جئتكُم من عنده بما أمَركُمْ به وما نَهاكُمْ عنه. قال: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلمًا. قال: يقول ابن عباس فما سَمِعْنا بوافدِ قوم كانَ أفضلَ من ضِمام بن ثعلبة. وهكذا رواه الإمام أحمد (١)، عن يعقوب بن إبراهيم الزهري، عن أبيه، عن ابن إسحاق فذكره. وقد روى هذا الحديث أبو داود (٢) من طريق سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن سلمة بن كُهيل، ومحمد بن الوليد بن نُويفع، عن كُريب، عن ابن عباس بنحوه. وفي هذا السياق ما يدل على أنه رجع إلى قومه قبل الفتح، لأن العُزّى خَرَّبَها خالدُ بن الوليد أيام الفتح! وقد قال الواقدي (٣): حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة، عن شَريك بن عبد الله بن أبي نَمِرٍ، عن كُريب، عن ابن عباس. قال: بعثَتْ بنو سَعْدِ بن بَكْرِ في رجب سنة خمس ضِمام بن ثعلبة، وكان جَلْدًا أشعر ذا غدِيرتين، وافدًا إلى رسول الله ﷺ ، فأقبل حتى وقف على رسول الله ﷺ ، فسأله فأغلظ في المسألة، سأله عمن أرسله، وبمَ أرسله، وسأله عن شرائع الإسلام، فأجابه رسول الله ﷺ في ذلك كلِّه، فرجع إلى قومه مسلمًا قد خلع الأنداد، فأخبرهم بما أمرهم به ونهاهم عنه، فما أمسى في ذلك اليوم في حاضره رجلٌ ولا امرأةٌ إلا مسلمًا، وبنوا المساجدَ وأذّنوا بالصلاةِ. وقال الإمام أحمد (٤): حدّثنا هاشم بن القاسم، حدّثنا سليمان -يعني ابن المغيرة-، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: كنا نُهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يُعْجبنا أن يجيء الرجلُ من أهل البادية العاقلُ يسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية، فقال: يا محمد، أتانا رسولك، فزعم لنا أنَّكَ تزعمُ أنّ الله أرسلَكَ. قال: "صدق". قال: فمن خلقَ السماوات؟ قال: "الله". قال: فمن

стр. 2224

خلق الأرض، قال: "الله" قال: فمن نصبَ هذه الجبال، وجعل فيها ما جعل؟ قال: "الله". قال: فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال، آللهُ أرسلَك؟ قال: "نعم"، قال: وَزَعم رسولُكَ أنَّ علينا خمسَ صلواتٍ في يومنا وليلتنا. قال: "صدق" قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم". قال: وزعم رسولُك أنّ علينا زكاةً في أموالنا. قال: "صدق" قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم" قال: وزعمَ رسولُكَ أنَّ علينا صوم شهر في سنتنا. قال: "صدق". قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم" قال: وزعم رسولك أن علينا حَجَّ البيت منِ استطاعَ إليه سبيلًا. قال: "صدق" قال: ثم وَلَّى، فقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن شيئًا، ولا أنقصُ منهن (١) شيئًا. فقال النبي ﷺ : "إن صدق ليدخُلنَّ الجنةَ". وهذا الحديث مُخَرَّجٌ في "الصحيحين"، وغيرهما بأسانيد وألفاظ كثيرة عن أنس بن مالك ﵁. وقد رواه مسلم من حديث أبي النَّضْرِ هاشم بن القاسم، عن سليمان بن المغيرة، وعَلَّقه البخاري من طريقا (٢). وأخرجه من وجه آخر بنحوه؛ فقال الإمام أحمد (٣): حدّثنا حجاج، حدّثنا ليث، حدّثني سعيد بن أبي سعيد، عن شريك بن عبد الله بن أبي نِمر، أنّه سمعَ أنس بن مالك يقول: بينا (٤) نحن عند رسول الله ﷺ جلوسًا في المسجد، دخل رجل على جمل، فأناخه في المسجد، ثم عقله، ثم قال: أيكم محمد (٥) ورسول الله ﷺ متكئ بين ظهرانيهم. قال: فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ. فقال الرجل: يا بن عبد المطلب. فقال رسول الله ﷺ : "قد أجبتك" فقال الرجل: يا محمد، إني سائلك فمشتد (٦) عليك في المسألة، فلا تجد عليّ في نفسك. فقال: "سل ما بدا لك". فقال الرجل: أسألك (٧) بربِّك وربِّ منْ كان قبلك، آللهُ أرسلكَ إلى الناس كلِّهم؟ فقال رسول الله ﷺ : "اللهم نعم" قال: فأنشدك الله، آللهُ أمرك أن (نصلِّي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: اللهم نعم. قال: فأنشدك الله آلله أمرك أن) (٨) نصوم هذا الشهر من السنة؟ فقال رسول الله ﷺ : "اللهم نعم" (قال: أنشدك الله، آلله أمرك أن

стр. 2225

تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا، فتقسمها على فقرائنا؟ قال: رسول الله ﷺ : "اللهم نعم") (١) قال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول مَنْ ورائي مِنْ قومي، وأنا ضِمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر. وقد رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف، عن الليث بن سعد، عن سعيد المقبري به، وهكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، عن الليث به (٢). والعجب أن النسائي رواه من طريق آخر، عن الليث قال: حدّثني ابن عجلان وغيره من أصحابنا، عن سعيد المقبري، عن شريك، عن أنس بن مالك فذكره. وقد رواه النسائي أيضًا من حديث عبيد الله العمري، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة (٣). فلعله عن سعيد المقبري من الوجهين جميعًا. فصل وقد قدمنا ما رواه الإمام أحمد، عن يحيى بن آدم، عن حفص بن غياث، عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس في قدوم ضِمَاد (٤) الأزدي على رسول الله ﷺ بمكة قبلَ الهجرةِ، وإسلامِه، وإسلامِ قومه كما ذكرناه مبسوطًا بما أغنى عن إعادته ها هنا ولله الحمد والمنة. وَفْدُ طَيِّئٍ مع زَيْدٍ الخَيْل (٥) ﵁ قال ابن إسحاق (٦): وقدم على رسول الله ﷺ وفد طيِّئ، وفيهم زيد الخيل، وهو سيدهم، فلما انتهَوْا إليه كلَّموه، وعرض عليهم رسول الله ﷺ الإسلام، فأسلموا، فحسُنَ إسلامُهم، وقال رسول الله ﷺ كما -حدّثني من لا أتَّهِمُ من رجال طيّئ-: "ما ذكر [لي] رجلٌ من العرب بفضل، ثم جاءني إلا رأيتُه دونَ ما يقال فيه إلا زيد الخيل، فإنه لم يُبْلَغ كل الذي (٧) فيه". ثم سماه رسول الله ﷺ زيد الخير، وقطع له فيد (٨) وأرَضين معه، وكتب له بذلك، فخرج من عند رسول الله ﷺ راجعًا إلى قومه، فقال رسول الله ﷺ : "إنْ يَنْجُ زيدٌ من حُمّى المدينة فإنَّه" قالَ: وقد سماها رسول الله ﷺ باسمٍ غير الحمى وغير أُمِّ مِلْدَم -لم يُثبته- قال: فلما انتهى من بلد نجد إلى ماءٍ

стр. 2226

من مياهه يقال له فردة (١) أصابته الحمى فمات بها، ولما أحسَّ بالموت قال: [الطويل] أمُرْتَحِلٌ قَوْمي المَشارِقَ غُدْوةً … وأُتْرَكُ في بَيْتٍ بفَرْدَةَ مُنْجِدِ ألا رُبَّ يَوْمٍ لَوْ مَرِضْتُ لَعَادني … عَوائِدُ مَنْ لمْ يُبْرَ مِنْهُنَّ يَجْهَدِ قال: ولما مات عمدت امرأته بجهلها وقلة عقلها ودينها إلى ما كان معه من الكتب (٢) فحرقتها بالنار. قلت: وقد ثبت في الصحيح (٣) عن أبي سعيد، أن علي بن أبي طالب بعث إلى رسول الله ﷺ من اليمن بذُهَيْبَةٍ في تُرْبتها، فقسمها رسول الله ﷺ بين أربعة: زيد الخيل، وعلقمة بن عُلاثَة، والأقرع بن حابس، وعيينة (٤) بن بدر … الحديث. وسيأتي ذكره في بعث علي إلى اليمن إن شاء الله تعالى. قصة عديّ بن حاتم الطائي قال البخاري (٥) في "الصحيح": وفد طيِّئ وحديث عديّ بن حاتم، حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا أبو عوانة، حدّثنا عبد الملك بن عُمير، عن عمرو بن حُرَيث، عن عديّ بن حاتم. قال: أتينا عمر بن الخطاب في وفدٍ، فجعل يدعو رجلًا رجلًا ويُسَمِّيهم. فقلت: أما تعرفُني يا أمير المؤمنين؟ قال بلى أسلمتَ إذ كفروا، وأقبلتَ إذ أدبروا، ووفَيتَ إذ غدروا، وعرفتَ إذ أنكروا. فقال عدي: فلا أبالي إذًا. وقال ابن إسحاق (٦): وأما عدي بن حاتم فكان يقول -فيما بلغني- ما [من] (٧) رجل من العرب كان أشدَّ كراهيةً لرسول الله ﷺ حين سمع به مني. أما أنا فكنت امرأً شريفًا، وكنت نصرانيًا، وكنت أسيرُ في قومي بالمِرْباع (٨)، وكنت في نفسي على دِين، وكنت ملكًا في قومي لما كان يصنع بي، فلما سمعتُ برسول الله ﷺ كرهتُه، فقلت لغلام كان لي عربيّ، وكان راعيًا لإبلي: لا أبا لك، أعْدِدْ لي من إبلي

стр. 2227

أجمالًا ذُللًا سِمانًا، فاحْتَبِسْها قريبًا مني، فإذا سمعتَ بجيشٍ لمحمدٍ قد وَطِئَ هذه البلاد، فآذِنّي، ففعل، ثم إنه أتاني ذاتَ غداةٍ فقال: يا عديُّ، ما كنتَ صانعًا إذا غَشِيثْكَ خَيْلُ محمد، فاصنعَهْ الآن، فإني قد رأيتُ راياتٍ، فسألتُ عنها فقالوا: هذه جيوشُ محمد. قال: قلت: فقرِّب إليَّ أجمالي، فقرَّبها، فاحتملتُ بأهلي وولدي، ثم قلتُ: ألحقُ بأهلِ ديني من النصارى بالشام، فسلكتُ الجُوْشيَّة (١)، وخلَّفتُ بنتًا لحاتم في الحاضر، فلما قدمت الشامَ أقمتُ بها، وتُخَالفُني خيلُ رسولِ الله ﷺ ، فتُصيبُ ابنةَ حاتمٍ فيما أصابت، فقُدِم بها على رسول الله ﷺ في سبايا من طَيِّئٍ، وقد بلغ رسولَ الله ﷺ هَرَبي إلى الشام. قال: فجُعلَتِ ابنةُ حاتمٍ في حَظِيرةٍ ببابِ المَسْجِدِ كانَتِ السّبايا تُحْبسُ بها، فمرَّ بها رسولُ الله ﷺ فقامت إليه، وكانت امرأةً جَزْلةً، فقالَتْ: يا رسولَ اللهِ، هَلَكَ الوالدُ، وغابَ الوافِدُ، فامْنُنْ عليَّ، منَّ اللهُ عليكَ، قال: "ومَنْ وافِدُك"؟ قالت: عديُّ بن حاتم. قال: "الفارُّ من الله ورسوله؟ " قالَتْ: ثمَّ مَضَىَ وتَرَكَني، حتَّى إذا كانَ الغَدُ مرَّ بي، فقلتُ له مثلَ ذلك، وقال لي مثلَ ما قالَ بالأمسِ، قالت: حتَّى إذا كانَ بعدَ الغدِ مرَّ بي، وقد يئستُ، فأشار إليّ رجلٌ خلفَهُ أنْ قومي فَكَلِّميه، قالت: فقُمْتُ إليه، فقلتُ: يا رسولَ الله، هَلَكَ الوالدُ، وغابَ الوافدُ، فامنُنْ عَلَيَّ منَّ اللهُ عليكَ. فقال ﷺ : "فد فَعَلْتُ، فلا تَعْجَلي بخروجٍ حتى تجدي من قومك مَن يكونُ لك ثقةً، حتى يُبلِّغَكَ إلى بلادِك، ثم آذنيني." فسألتُ عن الرجلِ الذي أشار إليَّ أن كَلِّميه، فقيل لي: علي بن أبي طالب، قالت: فَأَقَمْتُ حتى قَدِمَ ركبٌ من بَلِيّ أو قُضاعةَ، وإنما أُريد أن آتيَ أخي بالشام، فجئتُ فقلتُ: يا رسولَ الله، قد قدم رَهْطٌ من قومي، لي فيهم ثقةٌ وبلاغٌ، قالت: فكساني وحَمَلني وأعطاني نفقةً، فخرجتُ معهم، حتّى قَدِمْتُ الشامَ. قال عديٌّ: فوالله إنّي لقاعدٌ في أهلي، فنظرت إلى ظَعينة تُصوِّبُ إلى قومِنا، قال: فقلت: ابنةُ حاتم! قال: فإذا هي هي، فلما وقفتْ عليَّ استحلّت (٢) تقول: القاطعُ الظالمُ، احتملتَ بأهلكَ وولدكَ، وتركتَ بقيةَ والدك عورتَك؟ قال: قلت: أيْ أُخيَّة، لا تقولي إلا خيرًا، فوالله ما لي من عذرٍ، لقد صنعتُ ما ذكرتِ. قال: ثم نزلتْ فأقامت عندي، فقلت لها وكانت امرأة حازمة: ماذا ترين في أمر هذا الرجل؟ قالت: أرى والله أن تلحقَ به سريعًا، فإن يكن الرجلُ نبيًا فللسابق إليه فضلُه، وإن يكنْ مَلِكًا فلن تَذِلَّ في عزِّ اليمن وأنت أنت. قال: قلت: والله إن هذا للرأي. قال: فخرجتُ حتى أقدَمَ على رسول الله ﷺ المدينةَ، فدخلتُ عله وهو في مسجده، فسلمتُ عليه، فقال: "مَن الرجلُ؟ " فقلت: عديٌّ بن حاتم، فقامَ رسولُ الله ﷺ ، وانطلقَ بي إلى بيته، فواللهِ إنه لعامدٌ بي إليه، إذ لقيتْهُ امرأةٌ ضعيفةٌ كبيرةٌ فاستوقفْته، فوقفَ لها طويلًا تُكَلِّمُه في حاجتها، قال: قلتُ

стр. 2228

في نفسي: والله ما هذا بملِكٍ، قال: ثم مضى بي رسول الله ﷺ حتى إذا دخلَ بيتَه تناول وسادةً من أدمٍ محشوةً ليفًا، فقذفها إليَّ فقال: "اجلسْ على هذه"، قال: قلتُ: بل أنتَ فاجلسْ عليها، قال: "بل أنتَ"، فجلستُ وجلَس رسول الله ﷺ بالأرض، قال: قلتُ في نفسي: والله ما هذا بأمر ملكٍ، ثم قال: "إيه يا عديَّ بنَ حاتم، ألم تك رَكُوسيًا (١) قال: قلت: بلى، قال: "أو لم تكن تسير في قومك بالمِرْباعِ" قال: قلت: بلى. قال: "فإنَّ ذلك لم يكن يحلّ لك في دينك" قال: قلتُ: أجل والله! قال: وعرفتُ أنّه نبيٌّ مرسلٌ، يعلمُ ما يُجْهَل. ثم قال: "لَعلَّك يا عديُّ إنما يَمْنَعُكَ من دخولٍ في هذا الدِّين ما ترى من حاجتهم، فوالله ليوشِكَنَّ المالُ أن يفيضَ فيهم، حتى لا يوجد من يأخذه. ولعلك إنما يَمْنَعُكَ من دخولٍ فيه ما تَرى من كَثْرَة عدوِّهم وقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، فوالله ليُوشكنَّ أن تسمع بالمرأةِ تخرجُ من القادسيّة على بعيرها، حتى تزورَ هذا البيتَ، لا تخافُ. ولعلَّكَ إنما يَمْنَعُكَ من دخولٍ فيه، أنَّك تَرى أن المُلكَ والسُّلطان في غيرهم، وايمُ الله ليُوشكنَّ أن تسمعَ بالقصورِ البيضِ من أرضِ بابلَ قد فُتحت عليهم". قال: فأسلمتُ. قال: فكان عديٌّ يقول: مضَت اثنتان، وبَقيَتِ الثَّالِثَةُ، والله لتُكُونَنَّ، وقد رأيتُ القصورَ البيضَ من أرضِ بابلٍ قد فُتحتْ، ورأيتُ المرأةَ تخرجُ من القادسية على بعيرها لا تخافُ حتى تحجَّ هذا البيتَ، وايم الله لتكونَّنَ الثالثة، ليفيضنَّ المال، حتّى لا يوجد من يأخذه. هكذا أوردَ ابنُ إسحاق ﵀ هذا السياقَ بلا إسنادٍ، وله شواهدُ من وجوهٍ أخرَ. وقال الإمامُ أحمد (٢): حدّثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعتُ سِمَاك بن حرب، سمعت عبّاد ابن حُبش يحدث عن عدي بن حاتم، قال: جاءت خيل رسول الله ﷺ وأنا بعقرب (٣)، فأخذوا عمتي وناسًا، فلما أتوا بهم رسول الله ﷺ ، قال: فصُفُّوا له. قالت: يا رسول الله نأي (٤) الوافد، وانقطع الولد، وأنا عجوز كبيرة، ما بي من خدمة، فمُنَّ عليّ، منّ الله عليك. فقال: "من وافدك؟ " قالت: عدي بن حاتم، قال: "الذي فرّ من الله ورسوله" قالت: فمَنّ علي. فلما رجع ورجل إلى جنبه -ترى أنه علي- قال: سليه حُملانا، قال: فسألته، فأمر لها. قال عدي: فأتتني فقالت: لقد فعلت فَعلة ما كان أبوك يفعلها، وقالت: ائته راغبًا أو راهبًا، فقد أتاه فلان فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه. قال: فأتيته، فإذا عنده امرأة وصبيان أو صبي، فذكر قُربهم منه، فعرفت أنه ليس ملك كسرى ولا

стр. 2229

قيصر، فقال له: "يا عدي بن حاتم ما أفرَّك؟ أفرَّك أن يقال لا إله إلا الله فهل من إله إلا الله! ما أفرَّك؟ أَفَرَّكَ أن يُقال: الله أكبر. فهل شيءٌ هو أكبر من الله ! " فأسلمتُ، فرأيتُ وجهَه استبشرَ، وقال: إن المغضوب عليهم اليهود، وإنّ الضالِّين النصارى. قال: ثم سألوه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فلكم أيها الناس أن ترضخوا من الفضل، ارتضخ امرؤٌ بصاع، ببعض صاعٍ، بقَبضةٍ، ببعض قُبضة. قال شعبة: -وأكثرُ علمي أن قال: "بتمرة، بشق تمرة"- وإنّ أحدكم لاقي اللهِ فقائل ما أقول: ألم أجعلْكَ سميعًا بصيرًا، ألم أجعلْ لكَ مالًا وولدًا. فماذا قدَّمْتَ؟ فينظرُ من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، فلا يجد شيئًا، فما يتقي النار إلا بوجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوه فبكلمة لينة، إني لا أخشى عليكم الفاقة، لينصرنكم الله وليعطينكم، أو ليفتحنَّ عليكم، حتى تسير الظعينة بين الحيرة ويثرب، أو أكثر ما تخاف السرَق على ظعينتها. وقد رواه الترمذي (١) من حديث شعبة وعمرو بن أبي قيس، كلاهما عن سماك، ثم قال: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث سماك. وقال الإمام أحمد (٢) أيضًا: حدّثنا يزيد، أنبأنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي عبيدة -هو ابن حذيفةَ- عن رجل، قال: قلت لعدي بن حاتم: حديث بلغني عنك أحب أن أسمعه منك. قال: نعم. لما بلغني خروج رسول الله ﷺ ، كرهت خروجَه كراهيةً شديدةً، فخرجت حتى وقعت ناحية الروم -وفي رواية حتى قدمت على قيصر- قال: فكرهت مكاني ذلك أشد من كراهيتي لخروجه، قال: قلت: والله لو أتيت هذا الرجل، فإن كان كاذبًا لم يضرّني، وإن كان صادقًا علمت، قال: فقدمت، فأتيته، فلما قدمت قال الناس: عدي بن حاتم؟ فدخلت على رسول الله ﷺ فقال لي: "يا عديّ بن حاتم، أسْلِمْ تَسْلَمْ، ثلاثًا. قال: قلت إنّي على دِينٍ. قال: أنا أعلمُ بدينكَ منكَ" فقلت: أنت أعلمُ (٣) بديني مني! قال: "نعم ألست من الرَّكوسية، وأنت تأكلُ مِرْباعَ قومك؟ " قلت: بلى. قال: هذا لا يحلّ لكَ في دينك" قال: نعم. فلم يَعْدُ أن قالها، فتواضعتُ لها، قال: "أما إنّي أعلمُ الذي يمنعُك من الإسلام، تقول: إنما اتَّبعه ضعَفَةُ النّاس، ومن لا قُوَّة لهُ (٤)، وقد رمتهم العربُ. أتعرفُ الحيرةَ؟ " قلت: لم أرها، وقد سمعت بها. قال: "فوالذي نفسي بيده ليُتِمَّنَّ اللهُ هذا الأمر، حتى تخرجَ الظعينةُ من الحيرة، حتى تطوفَ بالبيتِ في غَيْرِ جوار أحدٍ، وليفتحنَّ كنوزَ كِسْرى بن هُرْمُز"

стр. 2230

قال: قلت: كنوز (١) ابن هُرْمُز!. قال: "نعم كسرى بن هرمز، وَلَيُبْذَلَنَّ المالُ حتّى لا يقبلَه أحدٌ. قال عدي بن حاتم: فهذه الظعينة: تخرج (٢) من الحيرة، تطوفُ بالبيتِ، في غيرِ جِوار، ولقد كنتُ فيمن فتح كنوزَ كِسْرى، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة، لأنّ رسولَ الله ﷺ قد قالها. ثم قال أحمد (٣): حدّثنا يونس بن محمد، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي عبيدة بن حذيفة عن رجل، وقال حماد: وهشام (٤)، عن محمد، عن أبي عبيدة، ولم يذكُرْ عن رجلٍ، قال: كنتُ أسألُ النّاسَ عن حديث عديِّ بن حاتم، وهو إلى جنبي ولا أسأله، قال: فأتيته فسألته، فقال: نعم … فذكر الحديث. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي (٥): أنبأنا أبو عمرو الأديب، أنبأنا أبو بكر الإسماعيلي، أخبرني الحسن بن سفيان، حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأنا النضر بن شُميل، أنبأنا إسرائيل، أنبأنا سعد الطائي، أنبأنا مُحِلُّ (٦) بن خليفة، عن عدي بن حاتم قال: بينا أنا عند النبيِّ ﷺ إذ أتاه رجلٌ فشكَى إليه الفاقةَ، وأتاهُ آخرُ فشكى إليه قطعَ السبيل. قال: "يا عدي بن حاتم، هل رأيت الحيرة؟ قلت: لم أرها، وقد أُنْبئتُ عنها". قال: "فإن طالت بكَ حياةٌ لترينَّ (الظعينةَ ترتحلُ من الحيرةِ حتى تطوفَ بالكعبة، لا تخافُ أحدًا إلا الله " قال: قلت في نفسي (٧): فأين دُعّارُ (٨) طيئ الذين سعّروا (٩) البلاد "ولئن طالت بك حياة، لتُفتحن كنوز كسرى بن هرمز" قلت: كسرى بن هرمز! قال: كسرى بن هرمز. "ولئن طالت بك حياة" (١٠) لترين الرجل يخرجُ بملء كفّه من ذهبٍ أو فضةٍ، يطلب من يقبلُه منه، فلا يجد أحدًا يقبله منه، ولَيَلْقين اللهَ أحدُكم يومَ يلقاه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن شماله فلا يرى إلا جهنم". قال عدي: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "اتّقوا النارَ ولو بشِقِّ تَمْرَةٍ، فإن لم تجد (١١) شِقَّ تمرةٍ فبكلمةٍ طيبةٍ". قال عدي: فقد رأيتُ الظعينةَ ترتحلُ من

стр. 2231

الكوفة حتى تطوفَ بالبيتِ لا تخافُ إلا الله ، وكنت فيمن افتتحَ كنوزَ كسرى بن هُرْمُز، ولئن طالت بكم حياة سترون ما قال أبو القاسم ﷺ . وقد رواه البخاري (١)، عن محمد بن الحكم، عن النضر بن شميل به بطوله. وقد رواه من وجه آخر، عن سعدان بن بشر، عن سعد أبي مُجاهد الطائي، عن مُحِلّ بن خليفة، عن عدي به (٢). ورواه الإمام أحمد (٣) والنسائي (٤) من حديث شعبة، عن سعد أبي مجاهد الطائي به. وممن روى هذه القصة عن عدي عامر بن شرحبيل الشعبي فذكر نحوه. وقال: لا تخاف إلا الله والذئب على غنمها. وثبت في صحيح البخاري من حديث شعبة، وعند مسلم (٥) من حديث زهير بن معاوية، كلاهما عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مَعْقِل (٦) بن مُقَرِّن المُزَني، عن عدي بن حاتم. قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا النار ولو بشِقِّ تَمْرةٍ" ولفظ مسلم "من استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشِقّ تَمْرَةٍ فليفعل": طريق أخرى فيها شاهد لما تقدم. وقد قال الحافظ البيهقي (٧): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدّثني أبو بكر محمد بن عبد الله بن يوسف، حدّثنا أبو سعيد عبيد بن كثير بن عبد الواحد الكوفي، حدّثنا ضرار بن صُرد (٨)، حدّثنا عاصم بن حُمَيْد، عن أبي حمزة الثُّمَالي (٩)، عن عبد الرحمن بن جندب، عن كُمَيل بن زياد النَّخَعي قال: قال عليُّ بن أبي طالب: يا سبحانَ الله، ما أزهدَ كثيرًا من الناس في خيرٍ، عجبًا لرجل يجيئُه أخوه المُسلمُ في الحاجة، فلا يرى نفسه للخير أهلًا، فلو كانَ لا يرجو ثوابًا ولا يخشى عقابًا، لكان ينبغي له أن يُسارع في مكارم الأخلاق، فإنها تدُلُّ على سُبُلِ (١٠) النّجاحِ. فقام إليه رجلٌ فقال: فِداكَ أبي وأمي يا أمير المؤمنينِ سَمِعْتَه من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، وما هو خيرٌ منه. لمَّا أُتي بسبايا طييِّء وقفتْ جارية حمراءُ لَعْساءُ ذَلْفاءُ عَيْطاءُ شَمّاءُ الأنف، معتدلةُ القامة والهامة، دَرْماء الكعبين، خَدْلَة

стр. 2232

الساقين (١)، لَفَّاء الفَخِذَيْن، خَميصةُ الخَصْرين، ضامِرَة الكَشْحَيْن، مَصْقُولة المَتْنَيْن. قال: فلما رأيتُها أُعجبتُ بها، وقلتُ لأطلبنَّ إلى رسول الله ﷺ يجعلُها في فيئي، فلما تكلمت أُنسيتُ جمالها من فصاحَتِها (٢)، فقالت: يا محمد، إن رأيتَ أن تُخلِّي عَنّا ولا تُشْمِت بنا أحياءَ العرب، فإنّي ابنةُ سيدِ قومي، وإن أبي كانَ يحمي الذِّمارَ، ويفكُّ العاني، ويُشبعُ الجائع، ويكسو العاري، ويقري الضيف، ويُطعم الطعام، ويُفشي السلام، ولم يردَّ طالب حاجةٍ قطّ، أنا ابنة حاتم طيِّئ. فقال رسول الله ﷺ : "يا جاريةُ، هذه صفةُ المؤمنين حقًّا، لو كان أبوك مُسلمًا لترحّمنا عليه، خَلُّوا عنها، فإنّ أباها كان يُحبُّ مكارِمَ الأخلاق، واللهُ يحبُّ مكارمَ الأخلاق". فقام أبو بُرْدَة بن نِيَار (٣) فقال: يا رسولَ الله (٤)! الله يحبُّ مكارمَ الأخلاق؟ فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لا يدخل أحدٌ الجنةَ إلا بحسن الخلق". هذا حديثٌ حسنُ المتن، غريب الإسناد جدًا، عزيز المخرج. وقد ذكرنا ترجمة حاتم طيِّئ أيام الجاهلية، عند ذكرنا من مات من أعيان المشهورين فيها، وما كان يُسْديه حاتمٌ إلى الناس من المكارم والإحسان، إلّا أنَّ نفعَ ذلك في الآخرة مَعْذوقٌ بالإيمان (٥) وهو ممن لم يقل يومًا من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين. وقد زعم الواقدي (٦) أن رسول الله ﷺ بعث علي بن أبي طالب في ربيع الآخر من سنة تسع إلى بلاد طيئ، فجاء معه بسبايا فيهم أختُ عديّ بن حاتم، وجاءَ معه بسيفين كانا في بيت الصَّنَم، يقال لأحدهما: "الرَّسُوب" (٧) والآخر "المِخْذَم" (٨) كان الحارث بن أبي شِمْر، قد نَذَرهما لذلك الصنم.

стр. 2233

قال البخاري (١) ﵀: قصة دَوْس والطُّفَيْل بن عمرو [الدَّوْسي] حدّثنا أبو نُعيم، حدّثنا سُفيان، عن ابن ذكوان -هو عبد الله أبو الزِّنادِ (٢) -، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة قال: جاء الطفيل بن عمرو إلى رسول الله ﷺ فقال: إن دوسًا قد هلكت، عصت وأبت (٣). فادع الله عليهم. فقال رسول الله ﷺ : "اللهم اهد دوسًا وائتِ بهم". انفرد به البخاري من هذا الوجه. ثم قال (٤): حدّثنا محمد بن العلاء، حدّثنا أبو أسامة، حدّثنا إسماعيل، عن قيس، عن أبي هريرة قال: لما قدمت على النبي ﷺ قلت في الطريق: [من الطويل] يا لَيْلَةً مِنْ طُولها وَعنائِها … على أنّها مِنْ دَارَةِ الْكُفْر نَجَّتِ وأَبَقَ لي غلامٌ في الطّريق، فلما قِدمْتُ على النبيِّ ﷺ وبايعتُه فبينا أنا عنده إذ طَلَع الغُلامُ، فقال لي النبي ﷺ : "يا أبا هُرَيْرة، هذا غُلامُك". فقلت: هُوَ حُرٌّ لوجه الله ، فأعتقتُه. انفرد به البخاري من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم. وهذا الذي ذكره البخاري من قُدوم الطُّفيل بن عمرو، فقد كان قبل الهجرة، ثم إنْ قُدِّر قدومُه بعد الهجرة فقد كان قبل الفتح، لأن دَوسًا قدموا ومعهم أبو هريرة، وكان قدومُ أبي هريرة ورسولُ الله ﷺ محاصِرٌ خَيْبَر، ثم ارتحلَ أبو هريرة حتى قدم على رسول الله ﷺ خيبرَ بعدَ الفتح، فرضخ لهم شيئًا من الغنيمة. وقد قدَّمنا ذلك كله مُطوَّلًا في مواضعه. وقال البخاري (٥) ﵀: قُدومُ الأَشْعَرِيِّين وَأَهْلِ اليَمَنِ ثم رَوَي (٦) من حديثِ شعبةَ، عن سليمانَ بن مِهْرانَ الأعْمَش، عن ذَكْوان أبي صالح السَّمّان، عن

стр. 2234

أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "أتاكُمْ أهلُ اليَمَن هم أرقُّ أفئدةً وألْيَنُ قُلوبًا، الإيمانُ يَمانٍ، والحكمةُ يمانيةٌ، والفَخْرُ والخُيلاءُ في أصحاب الإبل، والسَّكينةُ والوقارُ في أهل الغَنَم". ورواه مسلم (١) من حديث شعبة، ثم رواه البخاري (٢)، عن أبي اليَمان، عن شعيبٍ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ . قال: "أتاكُمْ أهلُ اليَمَن، أضعفُ قلوبًا وأرقّ أفئدة، الفِقْهُ يَمانٍ، والحِكْمَةُ يَمانيةٌ". ثم روي (٣) عن إسماعيل، عن سليمان، عن ثور، عن أبي الغيث (٤)، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "الإيمانُ يمانٍ، والفتنةُ ها هنا، ها هنا يطلعُ قرنُ الشَّيطان". ورواه مسلم (٥)، عن شعيب، عن الزُّهْري، عن سعيد بن المُسيّبِ، عن أبي هريرة. ثم روى البخاري (٦) من حديث شعبة، عن إسماعيل، عن قيس، عن أبي مسعود أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "الإيمانُ ها هنا، وأشار بيده إلى اليمن، والجفاءُ وغلظُ القلوب في الفَدَّادين (٧) عند أصول أذناب الإبل، من حيث يطلع قرنا الشيطان ربيعةَ ومضر". وهكذا رواه البخاري أيضًا ومسلم من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي مسعود عقبة بن عمرو (٨). ثم روي (٩) من حديث سفيان الثوري، عن أبي صخرة جامع بن شداد، حدّثنا صفوان بن مُحْرِزٍ، عن عمران بن حُصين، قال: جاءت بنو تميم إلى رسول الله ﷺ فقال: "أبشروا يا بني تميم" فقالوا: أمّا إذا بشرتنا فأعطنا. فتغيَّر وجه رسول الله ﷺ ، فجاء ناس من أهل اليمن، فقال: "اقْبَلوا البُشْرى إذ لم يَقْبَلْها بنو تميم" فقالوا: قَبلنا يا رسولَ الله.

стр. 2235

وقد رواه الترمذي (١) والنسائي (٢) من حديث الثوري به. وهذا كله مما يدلّ على فضل وفودِ أهل اليمن، وليس فيه تعرُّضٌ لوقتِ وفودهم. ووفد بني تميم، وإن كان متأخرًا قدومهُم لا يلزم من هذا أن يكون مقارنًا لقدوم الأشعريين، بل الأشعريون متقدمٌ وفدهم على هذا، فإنهم قدموا صحبة أبي موسى الأشعري، في صحبة جعفر بن أبي طالب وأصحابه من المهاجرين الذين كانوا بالحبشة، وذلك كله حين فتح رسول الله ﷺ خيبر، كما قدمناه مبسوطًا في موضعه. وتقدم قوله ﷺ : "والله ما أدري بأيهما أُسرُّ أبقدوم جعفر أو بفتح خيبر" (٣) والله أعلم. قال البخاري (٤): قصَّةُ عُمان والبحرين حدّثنا قُتيبةُ بن سعيد، حدّثنا سُفيان، سمع محمد بن المُنْكَدر، سمع جابر بن عبد الله يقول: قال لي رسول الله ﷺ : "لو قد جاء مالُ البَحْرين لقد أعطيتُك هكذا وهكذا (٥) " ثلاثًا، فلم يقدَم مالُ البحرين حتى قُبض رسولُ الله ﷺ ، فلما قدمَ على أبي بكر أمرَ مناديًا فنادى: منْ كانَ له عند النبي ﷺ دينٌ أو عِدَةٌ فليأتني. قال جابر: فجئتُ أبا بكر فأخبرتُه أنّ رسول الله ﷺ قال: "لو قد جاء مال البحرين أعطيتُكَ هكذا وهكذا ثلاثًا". قال: فأعطاني (٦) قال جابر: فلقيت أبا بكر بعد ذلك، فسألته، فلم يعطني، ثم أتيته فلم يعطني، ثم أتيته الثالثة فلم يعطني، فقلت له: قد أتيتك فلم تعطني، ثم أتيتك فلم تعطني، ثم أتيتك فلم تعطني، فإما أن تُعْطيني وإمّا أنْ تَبْخَلَ عَنّي. قال: أقلتَ: تبخل عني؟ قال: وأيُّ داءٍ أدوأُ من البُخْل! قالها ثلاثًا: ما منعتك من مرةٍ إلا وأنا أريدُ أن أعطيَكَ. هكذا رواهُ البخاري ها هنا وقد رواه مسلم (٧) عن عمرو الناقد، عن سُفيان بن عُيينة به. ثم قال البخاري (٨) بعده: وعن عمرو، عن محمد بن علي، سمعتُ جابر بن عبد الله يقول: جئتُه فقال لي أبو بكر: عُدّها. فعددتُها، فوجدتُها خمس مئة. فقال: خُذْ مثلها مَرّتين. وقد رواه البخاري (٩) أيضًا،

стр. 2236

عن عليّ بن المديني، عن سُفيان -هو ابن عيينة-، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن علي أبي جعفر الباقر، عن جابر كروايته له عن قُتيبة. ورواه أيضًا هو ومسلم من طرق أُخر، عن سُفيان بن عيينة، عن عمرو، عن محمد بن علي، عن جابر بنحوه (١) وفي رواية أخرى له (٢) أنه أمره فحثى بيديه من دراهم فعدَّها فإذا هي خمسمائة فأضعَفَها له مرتين، يعني فكان جملة ما أعطاه ألفًا وخمس مئة درهم. وُفُودُ فَرْوَةَ بنِ مُسَيْكٍ (٣) المُرَاديّ إلى رسولِ الله ﷺ - قال ابن إسحاق (٤): وقدمَ فَرْوةُ بن مُسَيْكٍ المُراديُّ، مُفارقًا لمُلوك كِنْدَةَ ومُباعِدًا لهم إلى رسول الله ﷺ ، وقد كان بينَ قومه مُرادٍ وبينَ هَمْدان وقعةٌ قُبيلَ الإِسلام، أصابت هَمْدان من قومه حتى أثخنوهم، وكان ذلك في يوم يقال له الرَّدْم، وكان الذي قاد هَمْدان إليهم الأجدع بن مالك. قال ابن هشام: ويقال مالك بن حَرِيْمٍ (٥) الهَمْداني. قال ابن إسحاق (٦): فقال فروة بن مُسَيْك في ذلك اليوم: [الوافر] مَرَرْنَ عَلى لُفاتَ (٧) وهُنَّ خُوصٌ … يَنَازِعْنَ الأعِنَّةَ يَنْتَحينَا (٨) فَإنْ نَغْلِبْ فَغلَّابُونَ (٩) قِدْمًا … وإنْ نُغْلَبْ فَغَيْرُ مُغَلَّبِينَا ومَا إن طِبُّنَا جُبْنٌ وَلَكِنْ … مَنَايَانا وطُعْمَةُ آخَرِينا (١٠) كَذَاكَ الدّهْرُ دوْلَتُهُ سِجَالٌ … تَكِرُّ صُرُوفُهُ (١١) حِينًا فَحِينًا فَبَيْنا ما نُسَرُّ بِهِ ونَرْضَى … وَلَوْ لُبِسَتْ غضَارَتُهُ سِنينا إذا انْقَلَبَتْ بِهِ كَرّاتُ دَهْرٍ … فأَلْفَى في الأُلى غُبِطُوا طَحِينَا (١٢)

стр. 2237

فَمَنْ يُغْبَطْ برَيبِ الدّهرِ مِنْهُمْ … يَجدْ رَيْبَ الزَّمان لَهُ خَؤُونا فَلَو خَلَدَ المُلُوكُ إذن خَلَدْتا … وَلَوْ بَقي الكِرَامُ إذنْ بَقِينا فَأَفْنَي ذلِكُمْ سَرَواتِ قَوْمي … كَمَا أفنَي القُرونَ الأَوَّلِينا قال ابن إسحاق (١) ولما توجه فروة بن مُسَيْك إلى رسول الله ﷺ مفارقًا ملوك كندة قال: [من الكامل] لَمَّا رَأَيْتَ مُلُوكَ كِنْدَةَ أعْرَضَتْ … كَالرِّجْلِ خَانَ الرِّجْلَ عِرْقُ نسَائِها قرَّبْتُ رَاحِلَتي أؤمُّ مُحمَّدا … أرْجو فواضِلَهَا وَحُسْنَ ثَرائِها (٢) قال: فلما انتهى فَروة إلى رسول الله ﷺ قال له فيما بلغني: "يا فروة، هل ساءك ما أصاب قومك يوم الرَّدْم؟ " فقال: يا رسول الله، من ذا الذي يصيب قومه ما أصاب قومي يوم الرَّدْم لا يسوؤه ذلك؟ فقال له رسول الله ﷺ : "أما إنَّ ذلك لم يزد قومَك في الإسلام إلا خيرًا" واستعمله على مُراد وزُبيد ومَذْحِج كلها، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة، فكان معه في بلاده حتى توفي رسول الله ﷺ . قُدوم عَمْرو بن مَعْدِ يكَرِب في أُناس من زُبيد قال ابن إسحاق (٣): وقد كان عمرو بن معد يكرب قال لقيس بن مَكْشُوح المُرادي، حين انتهى إليهم أمر رسول الله ﷺ : يا قيسُ، إنّك سيّدُ قومِكَ، وقد ذُكر لنا أن رجلًا من قُريش يُقال له مُحمَّدٌ قد خرجَ بالحجاز، يُقال إنه نبيٌّ، فانطلقْ بنا إليه حتى نعلَمَ علمَه، فإن كان نبيًا كما يقول، فإنه لن يَخْفى علينا (٤)، وإذا (٥) لقيناه اتّبعناه، وإن كان غير ذلك علمنا علمَه، فأبى عليه قيس ذلك، وسفَّه رأيَه، فركب عمرُو بن مَعْدِ يكَرِب حتّى قَدِم على رسول الله ﷺ ، فأسلمَ، وصدَّقه، وآمن به، فلما بلغَ ذلك قيسَ بن مَكْشوح أوعد عَمْرًا وقال: خالَفني وتركَ أمري ورأيي. فقال عمرو بن معد يكرب في ذلك (٦): [مجزوء الوافر]

стр. 2238

أمْرتُكَ يَومَ ذِي صَنْعَا … ءَ أمْرًا بَادِيًا رَشَدُهْ أمَرْتُكَ باتِّقَاءِ اللـ … ــــهِ والمعروفِ تتَّعِدُه (١) خَرَجْتَ منَ المُنَى مِثْلَ الـ … ــــحُمَيِّرِ غَرَّهُ وَنِدُهُ (٢) تَمَنَّانِي عَلَى فَرَسٍ … عَلَيْه جَالِسًا أسَدُهُ عَليَّ مُفَاضَةٌ كالنَّهـ … ــــيِ أخلَصَ مَاءَهُ جَدَدُهُ (٣) تَرُدُّ الرُّمْحَ مَنْثَنِيَ الـ … ـــسِنانِ عَوائرًا قِصَدُهُ (٤) فَلَو لاقَيْتني لَلَقِيـ … ــــتَ ليثًا فَوْقَهُ لِبَدُهْ تُلاقي شَنْبثًا شَثْنَ الـ … ـــبَراثِنِ ناشزًا كَتَدُهُ (٥) يُسامي القِرنَ إنْ قِرْنٌ … تَيَمَّمَهُ فَيَعْتَضِدُهُ (٦) فيَأْخذُهُ فَيَرْفَعُهُ … فَيَخْفِضُهُ فَيَقْتَصِدُهُ (٧) فَيَدْمَغُهُ فَيَحْطِمُهُ … فَيَخْمِضُهُ فَيَزْدَرِدُهُ (٨) ظَلومُ الشِّرْكِ فيما أحْـ … ــرَزَتْ أنْيَابُهُ وَيَدُهُ (٩) قال ابن إسحاق (١٠): فأقام عمرو بن مَعْدِ يكَرِب في قومه من بنيِ زُبيد، وعليهم فَروة بن مُسيك، فلما توفي رسول الله ﷺ ارتدَّ عمرو بن مَعْد يكَرِب في مَن ارتدَّ، وهجا فَرْوةَ بن مُسَيْكٍ، فقال (١١) [الوافر]

стр. 2239

وَجَدْنَا مُلْكَ فَرْوَةَ شَرَّ مُلْكٍ … حمارٌ (١) سَافَ منخرُهُ بِثَفْرِ (٢) وَكُنْتَ إذا رَأَيْتَ أبا عُمَيْرٍ … تَرى الحَوْلاءَ مِنْ خُبثٍ وغَدْرٍ (٣) قلتُ: ثم رجعَ إلى الإسلام، وحَسُنَ إسلامُه، وشهدَ فتوحاتٍ كثيرةً في أيام الصِّديق وعمر الفاروق ﵄، وكان من الشجعان المذكورين، والأبطال المشهورين، والشعراء المجيدين. توفي سنة إحدى وعشرين، بعدما شهد فتح نهاوند، وقيل: بل شهد القادسية وقتل يومئذ. قال أبو عمر بن عبد البر (٤): وكان وفودُه إلى رسول الله ﷺ سنة تسعٍ، وقيل: سنة عشر. فيما ذكره ابن إسحاق والواقديّ. قلت: وفي كلام الشافعيّ ما يدلّ عليه. فالله أعلم. قال يونس عن ابن إسحاق: وقد قيل إن عمرو بن معد يكرب لم يأتِ النبيّ ﷺ ، وقد قال في ذلك (٥): [الخفيف] إنّني بالنَّبي مُوقِنَةٌ نَفْـ … ـــسي وإنْ لَمْ أرَ النبيّ عِيانَا سَيّدُ العَالمينَ طُرًا وأَدْنَا … هُمْ إلى الله حينَ بَانَ مَكَانا جَاءَنا بالنَّامُوسِ منْ لَدُنِ اللـ … ــــه وكانَ الأمينَ فيهِ المُعَانَا حِكْمةً بَعْدَ حِكْمةٍ وضياءً … فاهْتدَيْنا بِنورِهَا منْ عَمَانَا ورَكِبْنَا السَّبيلَ حِينَ رَكِبنَا … هُ جَديدًا بكُرْهِنَا وَرِضَانا (٦) وعَبَدْنا الإلَهَ حَقًا وَكُنَّا … لِلجهَالاتِ نَعْبُدُ الأوثَانَا وَائتَلَفْنَا بهِ وكُنّا عَدُوًّا … فَرُجِّعْنا بهِ مَعًا إخْوَانا فَعَلَيْهِ السلامُ والسِّلْم مِنَّا … حَيْثُ كُنَّا منَ البلادِ وكانا إنْ نَكُنْ لَمْ نَرَ النبيَّ فإنّا … قَدْ تَبِعْنَا سَبيلَهُ إيمَانَا (٧)

стр. 2240

قدومُ الأشْعَثِ بنِ قَيْسٍ في وفد كِنْدة قال ابن إسحاق (١): وقدم على رسول الله ﷺ الأشعثُ بن قَيْس في وَفْدِ كِنْدة، فحدّثني الزهريُّ أنه قدمَ في ثمانين راكبًا من كِنْدة، فدخلوا على رسول الله ﷺ مسجدَه، قد رجَّلوا جُمَمَهم وتَكَحَّلوا، عليهم جُبَب الحِبَرَة (٢)، قد كفَّفُوها بالحرير، فلما دخلوا على رسول الله ﷺ قال لهم: "ألم تُسْلِموا؟ " قالوا: بلى. قال: "فما بالُ هذا الحرير في أعناقِكُم" قال: فَشَقُّوه منها، فألقوه. ثم قال له الأشعثُ بن قيس: يا رسول الله! نحن بنو آكل المُرار، وأنت ابن آكل المُرار. قال: فتبسم رسول الله ﷺ وقال: "ناسِبُوا بهذا النَّسَبِ العباسَ بن عبد المطلب، وربيعةَ بن الحارث" وكانا تاجِرَيْن إذا شاعا (٣) في العرب فسئلا ممن أنتما؟ قال: نحن بنو آكل المُرار، يعني ينسبان إلى كِنْدة، ليَعِزَّا في تلك البلاد، لأنّ كِنْدة كانوا ملوكًا، فاعتقدَتْ كِنْدة أن قريشًا منهم، لقول عباس وربيعة: نحن بنو آكل المُرار، وهو الحارث بن عمرو (بن حُجْر بن عمرو) (٤) بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كِنْديّ، ويقال: ابن كِنْدة. ثم قال رسول الله ﷺ لهم: "لا، نحن بنو النَّضْر بن كنانة، لا نَقْفُو أمَّنا، ولا ننتفي من أبينا". فقال لهم الأشعث بن قيس: والله يا معشر كندة لا أسمع رجلًا يقولها إلا ضربته ثمانين. وقد روي هذا الحديث متصلًا من وجه آخر، فقال الإمام أحمد (٥): حدّثنا بَهْزٌ وعَفّان، قالا: حدّثنا حماد بن سَلمةَ، حدّثني عَقيل بن طلحة، وقال عَفّان في حديثه: أنبأنا عَقيل بن طلحة السُّلَمي، عن مسلم بن هَيْصَم (٦)، عن الأشعث بن قيس أنه قال: أتيتُ رسولَ الله ﷺ في وفد كِنْدة. قال عفان: لا يَرَوْني أفضلَهم، قال: قلت: يا رسول الله، إنا نَزْعُمْ (٧) أنَّكمْ منّا. قال: فقال رسول الله ﷺ : "نحن بنو النَّضْر بن كنانة، لا نقفو أمَّنَا، ولا نَنْتَفي من أَبينا" قال: قال الأشعث: فواللهِ لا أسمعُ أحدًا نَفَى قُريشًا من النَّضْرِ بن كِنانة إلا جلدتُه الحدَّ. وقد رواه ابن ماجه (٨)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون. وعن محمد بن يَحْيى، عن سليمان بن حَرْب. وعن هارون بن حيَّان عن عبد العزيز بن المغيرة. ثلاثتهم عن حماد بن سلمة به نحوه.

стр. 2241

وقال الإمام أحمد (١): حدّثنا سُرَيْج بن النُّعمان، حدّثنا هُشَيْم، أنبأنا مُجالد، عن الشعبيّ، حدّثنا الأشْعَثُ بن قيس، قال: قَدِمْتُ على رسول الله ﷺ في وَفْدِ كِنْدة، فقال لي: "هل لكَ منْ ولدٍ؟ " قلت: غلام وُلد لي في مخرجي إليك من ابنة جَمْدٍ (٢)، ولوددتُ أنّ مكانَه شَبِعَ القومُ. قال: "لا تقولَنَّ ذلك فإنّ فيهم قُرّةَ عينٍ وأجرًا إذا قُبِضوا ثَمَّ، ولئن قلتُ ذاك إنَّهم لمَجْبَنَة مَحْزَنةٌ، إنهم لَمَجْبَنَةٌ مَحْزَنةٌ". تفرّد به أحمد، وهو حديث حسن جيّد الإسناد. قُدومُ أعْشَى بني (٣) مازِنٍ علي النبيِّ ﷺ - قال عبد الله ابن الإمام أحمد (٤): حدّثني العباس بن عبد العظيم العَنْبَري، حدّثنا أبو سلمة عُبَيْد بن عبد الرحمن الحنفي، قال: حدّثني الجُنَيْد بن أُمَيْن بن ذِرْوة بن نَضْلةَ بن طَريف بن نهصل (٥) الحِرْمازي (٦)، حدّثني أبي أُمَيْنٌ، عن أبيه ذِرْوة، عن أبيه نَضْلَة، أنّ رجلًا منهم يقال له الأعشى، واسمه عبد الله بن (٧) الأعور كانت عنده امرأةٌ يُقال لها مُعاذةٌ، خرجَ في رجبٍ يَميرُ أهْلَهُ من هَجَر (٨) فهربَتِ امرأتُه بَعده ناشزًا عليه، فعاذَت برجلٍ منهم يقال له مُطَرِّف بنُ نَهْشَلِ بنِ كَعْب بن قُمَيْثع بن ذُلَفِ بن أهْضَم (٩) بن عبد الله بن الحِرْماز، فجعلَها خلفَ ظَهْره، فلمّا قَدِم لم يَجِدها في بيته، وأُخْبِرَ أنّها نَشَزَتْ عليه، وأنّها عاذَتْ بمُطَرِّفِ بن نَهْشل، فأتاه، فقال: يا بن عَمِّ، أعندكَ امرأتي مُعاذَة، فادفعها إليَّ. قال: ليست عندي، ولو كانَتْ عندي لم أدْفَعْها إليكَ. قال: وكان مُطَرِّفٌ أعزَّ منه. قال: فخرجَ الأعشى حتى أتى النبيَّ ﷺ فعاذَ به، فأنشأ يقول (١٠): [من الرجز] يا سَيِّدَ النَّاسِ وَدَيَّانَ العَرَبْ … إليْكَ أشْكُو ذِرْبَةً منَ الذِّرَبْ (١١)

стр. 2242

كَالذِّئْبَةِ الغَبْسَاءِ (١) في ظِلِّ السَّرَبْ … خَرَجْتُ أبْغِيها الطَّعَامَ في رَجَبْ فَخَلَّفَتْنِي بِنِزاعٍ وَهَرَبْ … أخْلَفَتِ الوعد (٢) وَلَطَّتْ بالذَّنَبْ (٣) وَقَذَفَتْنِي بَيْنَ عِيصٍ مُؤْتَشَبْ (٤) … وهُنَّ شَرُّ غَالِبٍ لِمَنْ غَلَبْ فقال النبي ﷺ عند ذلك: "وهن شر غالب لمن غلب". فشكى إليه امرأته وما صنعت به، وأنها عند رجل منهم يقال له مُطَرِّف بن نَهْشَل، فكتب له النبي ﷺ إلى مُطَرِّف: "انظر امرأة هذا معاذة، فادفعها إليه"، فأتاه كتاب النبي ﷺ ، فقرئ عليه، فقال لها: يا مُعاذة، هذا كتاب النبي ﷺ فيكِ، فأنا دافعكِ إليه، فقالت: خذ لي عليه العهدَ والميثاقَ وذمةَ نَبّيه أن لا يعاقِبَني فيما صَنَعْتُ. فأخذَ لها ذلك عليه، ودفعها مُطَرف إليه، فأنشأ يقول (٥) [الطويل]: لعمرُكَ ما حبِّي مُعَاذَةَ بالذَّي … يُغَيرُّهُ الوَاشي ولا قِدَمُ العَهْدِ وَلا سُوءُ ما جَاءَتْ بِهِ إذ أزَالَهَا … غُواةُ الرِّجَالِ إذْ يُنَاجُونَها بَعْدِي قُدومُ صُرَد (٦) بن عَبْد الله الأَزْدي في نَفَرٍ من قَوْمِهِ ثم وُفودُ أهل جُرَش (٧) بعدهم قال ابن إسحاق (٨): وقدم صُرَد بن عبد الله الأزدي على رسول الله ﷺ في وفدٍ من الأزد، فأسلم وحَسُنَ إسلامُه، وأمّره رسول الله ﷺ على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهِدَ بمَنْ أسلم مَنْ يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن، فذهب فحاصر جُرَش وبها قبائل من اليمن، وقد ضَوَت (٩) إليهم خَثْعَمُ حين سمعوا بمسيره إليهم، فأقام عليهم قريبًا من شهر، فامتنعوا فيها منه، ثم رجعَ عنهم، حتى إذا كان قريبًا من جبل يُقال له شكر (١٠) فظنوا أنّه قد ولّى عنهم مُنْهزمًا، فخرجوا في طلبه، فعطفَ عليهم، فقتلهم قتلًا شديدًا. وقد كان أهل جُرَش بعثوا منهم رجلين إلى رسول الله ﷺ إلى المدينة، فبينما هما عنده بعدَ

стр. 2243

العصر إذ قال: "بأيّ بلادِ الله شَكَر؟ " فقام الجُرَشيّان فقالا: يا رسول الله، ببلادنا جبل يقال له كَشَر -وكذلك يسميه (١) أهل جرش- فقال: "إنه ليس بكشر، ولكنه شكر" قال: فما شأنه يا رسول الله؟ فقال: "إن بُدْنَ الله لتُنْحَر عنده الآن" قال: فجلس الرجلان إلى أبي بكر أو إلى عثمان، فقال لهما: ويحكما إنّ رسول الله ﷺ الآن ليَنْعَى إليكُما قومَكُما، فقوما إليه، فاسألاه أن يدعوَ الله فيرفعَ عن قَوْمِكما، فقاما إليه، فسألاه ذلك، فقال: "اللهم ارفع عنهم" فرجعا فوجدا قومهما قد أصيبوا يوم أخبر عنهم رسول الله ﷺ . وجاء وفد أهل جرش بمن بقي منهم، حتى قدموا على رسول الله ﷺ ، فأسلموا وحسن إسلامهم، وحمى لهم [حِمىً] (٢) حول قريتهم. قدُومُ رسول ملوك حِمْيَر إلى رسول الله ﷺ - قال الواقدي (٣): وكان ذلك في رمضان سنة تسع. قال ابن إسحاق (٤): وقدم على رسول الله ﷺ كتاب ملوك حمير ورسلهم بإسلامهم مقْدَمَه من تبوك، وهم الحارث بن عبد كُلال، ونُعيم بن عبد كُلال، والنُّعمان قَيْل (٥) ذي رُعَين، ومَعَافِر (٦)، وهَمْدَان، وبعث إليه زُرعة ذو يزن مالكَ بن مرة الرَّهاوي بإسلامهم ومفارقتِهم الشركَ وأهلَه، فكتب إليهم رسول الله ﷺ (٧): "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله النبي إلى الحارث بن عبد كُلال ونُعيم بن عبد كُلال والنعمان قَيْلِ ذي رُعَين ومَعَافِر وهَمْدَان، أما بعد ذلكم؛ فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، فإنّه قد وقع بنا رسولُكُم منقلبَنا من أرض الروم، فلقيَنا بالمدينة، فبلّغ ما أرسلتم به، وخبَّرنا ما قبلكم، وأنبأنا بإسلامكم وقتلكم المشركين، وإنّ الله قد هداكم بهُداه، إنْ أصلحتم وأطعتم اللهَ ورسولَه، وأقمتُم الصلاةَ، وآتيتُم الزكاة، وأعطيتم من المغانم خُمُسَ الله، وسهمَ النبي ﷺ وصفيَّه، وما كُتب على المؤمنين في (٨) الصدقة من العقار عُشْرُ ما سَقَت العينُ وسَقَت السماءُ، وعلى ما سَقَى الغَرْب (٩) نصفُ

стр. 2244

العُشْرِ، وإنّ في الإبل في الأربعين ابنةَ لَبون، وفي ثلاثين من الإبل ابنُ لبون ذكر، وفي كلّ خَمْس من الإبل شاةٌ، وفي كل عشرٍ من الإبل شاتان، وفي كل أربعين من البقر بقرةٌ، وفي كلّ ثلاثين [من البقر] (١) تبيعٌ جَذَعٌ أو جَذَعةٌ، وفي كل أربعين من الغنم سائمة وَحْدَها شاة، وإنها فريضة الله التي فرض على المؤمنين في الصدقة. فمن زاد خيرًا فهو خيرٌ له، ومن أدَّى ذلك وأشهد على إسلامه وظاهر المؤمنين على المشركين فإنّه من المؤمنين، له ما لهم، وعليه ما عليهم، وله ذمةُ الله وذمةُ رسوله، وإنّه منْ أسلم من يهودي أو نصراني فإنّه من المؤمنين، له ما لهم وعليه ما عليهم، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنّه لا يُردُّ عنها، وعليه الجزية على كل حالمٍ ذكر وأنثى، حرّ أو عبد دينارٌ وافٍ من قيمة المَعَافِر (٢)، أو عِوَضُهُ (٣) ثيابًا، فمن أدّى ذلك إلى رسول الله فإنّ له ذمةَ الله وذمةَ رسوله، ومن منعه فإنّه عدو لله ولرسوله. أما بعد فإنّ رسول الله محمدًا النبي أرسل إلى زُرعة ذي يزن أن إذا أتاك رسلي فأُوصيكم بهم خيرًا؛ معاذُ بن جبل، وعبد الله بن زيد، ومالك بن عُبادة، وعُقْبَة بن نَمِر، ومالك بن مُرَّة وأصحابهم، وأن اجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من مَخَالِيْفِكم، وأبلغوها رسلي، وإنّ أميرهم معاذ بن جبل، فلا ينقلبن إلا راضيًا. أما بعد فإنّ محمدًا يشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وأنه عبدُه ورسولُه، ثم إن مالك بن مُرّة الرَّهاوي قد حدّثني أنكَ أسلَمْتَ من أوَّلِ حِمْيَر، وقتلتَ المشركين، فأبشر بخير، وآمرك بحمير خيرًا، ولا تخونوا، ولا تخاذلوا، فإنّ رسولَ اللهِ هو مولى غنيكم وفقيركم، وإنّ الصدقةَ لا تَحِلُّ لمحمد ولا لأهل بيته، وإنما هي زكاة يُزكَّى بها على فقراء المسلمين وابن السبيل، وإنّ مالكًا قد بلَّغ الخبر وحفظ الغيب، فآمركم به خيرًا، وإني قد أرسلت إليكم من صالحي أهلي وأولي دينهم، وأولي علمهم، فآمركم بهم خيرًا، فإنهم منظور إليهم. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. وقد قال الإمام أحمد (٤): حدّثنا حسن، حدّثنا عُمارة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، أنّ مَلِك (٥) ذا يزن أهدى رسول الله ﷺ حُلَّةً قد أخذها بثلاثةٍ وثلاثين بعيرًا وثلاث وثلاثين ناقةً. ورواه أبو داود (٦) عن عمرو بن عون الواسطي، عن عُمارة بن زاذان الصَّيْدلاني، عن ثابت البُناني، عن أنس به.

стр. 2245

وقد أورد الحافظ البيهقي (١) ها هنا: حديثَ كتاب عمرو بن حزم فقال: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو العباس الأصم، حدّثنا أحمد بن عبد الجبار، حدّثنا يونس بن بُكير، عن محمد بن إسحاق، حدّثني عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه [أبي] بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: هذا كتاب رسول الله ﷺ عندنا الذي كتبه لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن، يُفَقِّهُ أهلَها، ويعلّمُهم السُّنَّة، ويأخذ صَدَقاتِهم، فكتب له كتابًا وعهدًا وأمره فيه أمره، فكتب (٢): "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله ورسوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] عهدًا من رسول الله لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله، فإنّ الله مع الذين اتقوا (٣) والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ بالحق، كما أمره الله، وأن يبشر الناس بالخير ويأمرهم به، ويعلم الناس القرآن، ويفقههم في الدين، وأن ينهى الناس، فلا يمسّ أحدٌ القرآن إلا وهو طاهرٌ، وأن يخبر الناس بالذي لهم والذي عليهم، ويلين لهم في الحق، ويشتد عليهم في الظلم، فإن الله حرم الظلم ونهى عنه فقال: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٨ - ١٩] وأن يبشِّرَ الناسَ بالجنةِ وبعملِها، ويُنْذِرَ النّاسَ النارَ وعملَها، ويستألِفَ الناسَ حتى يَتَفَقَّهوا في الدين، ويعلم الناسَ معالمَ الحجّ وسُنَنَه وفرائِضَه، وما أمر (٤) الله به، والحج الأكبر الحج، والحج الأصغر العمرة، وأن يَنْهَى الناسَ أن يصلِّي الرجلُ في ثوبٍ واحدٍ صغير إلا أن يكون واسعًا، فيُخالفُ بينَ طَرَفَيْهِ على عاتِقَيْهِ، وينهى أن يحتبي الرَّجُلُ في ثوبٍ واحدٍ، ويُفْضي بفَرْجه إلى السَّماء، ولا يعقص (٥) شعرَ رأسه إذا عفا (٦) في قفاه، وينهى الناسَ إن كان بينهم هَيْجٌ أن يدعوا إلى القبائل والعشائر، وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريكَ له، فمن لم يَدْعُ إلى الله، ودعا إلى العشائر والقبائل فليعطِفوا بالسيف، حتى يكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له، ويأمر الناس بإسباغِ الوضوء وجوهَهُم وأيديهم إلى المرافق وأرجلَهم إلى الكعبين، وأن يمسحوا رؤوسَهم كما أمرهم الله ، وأمروا بالصلاة لوقتها وإتمامِ الرُّكوع والسجود، وأن يُغلَّس بالصبح، وأن يُهَجَّر بالهاجرة حتى (٧) تميل الشمس وصلاة العصر والشمس في الأرض مبدرة (٨)، والمغرب حين يقبل الليل، لا تؤخر حتى تبدو النجوم في السماء، والعشاء أول
следующие страницы →