← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

وقال الإمام أحمد (١): حدّثنا سُرَيْج بن النُّعمان، حدّثنا هُشَيْم، أنبأنا مُجالد، عن الشعبيّ، حدّثنا الأشْعَثُ بن قيس، قال: قَدِمْتُ على رسول الله ﷺ في وَفْدِ كِنْدة، فقال لي: "هل لكَ منْ ولدٍ؟ " قلت: غلام وُلد لي في مخرجي إليك من ابنة جَمْدٍ (٢)، ولوددتُ أنّ مكانَه شَبِعَ القومُ. قال: "لا تقولَنَّ ذلك فإنّ فيهم قُرّةَ عينٍ وأجرًا إذا قُبِضوا ثَمَّ، ولئن قلتُ ذاك إنَّهم لمَجْبَنَة مَحْزَنةٌ، إنهم لَمَجْبَنَةٌ مَحْزَنةٌ". تفرّد به أحمد، وهو حديث حسن جيّد الإسناد. قُدومُ أعْشَى بني (٣) مازِنٍ علي النبيِّ ﷺ - قال عبد الله ابن الإمام أحمد (٤): حدّثني العباس بن عبد العظيم العَنْبَري، حدّثنا أبو سلمة عُبَيْد بن عبد الرحمن الحنفي، قال: حدّثني الجُنَيْد بن أُمَيْن بن ذِرْوة بن نَضْلةَ بن طَريف بن نهصل (٥) الحِرْمازي (٦)، حدّثني أبي أُمَيْنٌ، عن أبيه ذِرْوة، عن أبيه نَضْلَة، أنّ رجلًا منهم يقال له الأعشى، واسمه عبد الله بن (٧) الأعور كانت عنده امرأةٌ يُقال لها مُعاذةٌ، خرجَ في رجبٍ يَميرُ أهْلَهُ من هَجَر (٨) فهربَتِ امرأتُه بَعده ناشزًا عليه، فعاذَت برجلٍ منهم يقال له مُطَرِّف بنُ نَهْشَلِ بنِ كَعْب بن قُمَيْثع بن ذُلَفِ بن أهْضَم (٩) بن عبد الله بن الحِرْماز، فجعلَها خلفَ ظَهْره، فلمّا قَدِم لم يَجِدها في بيته، وأُخْبِرَ أنّها نَشَزَتْ عليه، وأنّها عاذَتْ بمُطَرِّفِ بن نَهْشل، فأتاه، فقال: يا بن عَمِّ، أعندكَ امرأتي مُعاذَة، فادفعها إليَّ. قال: ليست عندي، ولو كانَتْ عندي لم أدْفَعْها إليكَ. قال: وكان مُطَرِّفٌ أعزَّ منه. قال: فخرجَ الأعشى حتى أتى النبيَّ ﷺ فعاذَ به، فأنشأ يقول (١٠): [من الرجز] يا سَيِّدَ النَّاسِ وَدَيَّانَ العَرَبْ … إليْكَ أشْكُو ذِرْبَةً منَ الذِّرَبْ (١١)

стр. 2242

كَالذِّئْبَةِ الغَبْسَاءِ (١) في ظِلِّ السَّرَبْ … خَرَجْتُ أبْغِيها الطَّعَامَ في رَجَبْ فَخَلَّفَتْنِي بِنِزاعٍ وَهَرَبْ … أخْلَفَتِ الوعد (٢) وَلَطَّتْ بالذَّنَبْ (٣) وَقَذَفَتْنِي بَيْنَ عِيصٍ مُؤْتَشَبْ (٤) … وهُنَّ شَرُّ غَالِبٍ لِمَنْ غَلَبْ فقال النبي ﷺ عند ذلك: "وهن شر غالب لمن غلب". فشكى إليه امرأته وما صنعت به، وأنها عند رجل منهم يقال له مُطَرِّف بن نَهْشَل، فكتب له النبي ﷺ إلى مُطَرِّف: "انظر امرأة هذا معاذة، فادفعها إليه"، فأتاه كتاب النبي ﷺ ، فقرئ عليه، فقال لها: يا مُعاذة، هذا كتاب النبي ﷺ فيكِ، فأنا دافعكِ إليه، فقالت: خذ لي عليه العهدَ والميثاقَ وذمةَ نَبّيه أن لا يعاقِبَني فيما صَنَعْتُ. فأخذَ لها ذلك عليه، ودفعها مُطَرف إليه، فأنشأ يقول (٥) [الطويل]: لعمرُكَ ما حبِّي مُعَاذَةَ بالذَّي … يُغَيرُّهُ الوَاشي ولا قِدَمُ العَهْدِ وَلا سُوءُ ما جَاءَتْ بِهِ إذ أزَالَهَا … غُواةُ الرِّجَالِ إذْ يُنَاجُونَها بَعْدِي قُدومُ صُرَد (٦) بن عَبْد الله الأَزْدي في نَفَرٍ من قَوْمِهِ ثم وُفودُ أهل جُرَش (٧) بعدهم قال ابن إسحاق (٨): وقدم صُرَد بن عبد الله الأزدي على رسول الله ﷺ في وفدٍ من الأزد، فأسلم وحَسُنَ إسلامُه، وأمّره رسول الله ﷺ على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهِدَ بمَنْ أسلم مَنْ يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن، فذهب فحاصر جُرَش وبها قبائل من اليمن، وقد ضَوَت (٩) إليهم خَثْعَمُ حين سمعوا بمسيره إليهم، فأقام عليهم قريبًا من شهر، فامتنعوا فيها منه، ثم رجعَ عنهم، حتى إذا كان قريبًا من جبل يُقال له شكر (١٠) فظنوا أنّه قد ولّى عنهم مُنْهزمًا، فخرجوا في طلبه، فعطفَ عليهم، فقتلهم قتلًا شديدًا. وقد كان أهل جُرَش بعثوا منهم رجلين إلى رسول الله ﷺ إلى المدينة، فبينما هما عنده بعدَ

стр. 2243

العصر إذ قال: "بأيّ بلادِ الله شَكَر؟ " فقام الجُرَشيّان فقالا: يا رسول الله، ببلادنا جبل يقال له كَشَر -وكذلك يسميه (١) أهل جرش- فقال: "إنه ليس بكشر، ولكنه شكر" قال: فما شأنه يا رسول الله؟ فقال: "إن بُدْنَ الله لتُنْحَر عنده الآن" قال: فجلس الرجلان إلى أبي بكر أو إلى عثمان، فقال لهما: ويحكما إنّ رسول الله ﷺ الآن ليَنْعَى إليكُما قومَكُما، فقوما إليه، فاسألاه أن يدعوَ الله فيرفعَ عن قَوْمِكما، فقاما إليه، فسألاه ذلك، فقال: "اللهم ارفع عنهم" فرجعا فوجدا قومهما قد أصيبوا يوم أخبر عنهم رسول الله ﷺ . وجاء وفد أهل جرش بمن بقي منهم، حتى قدموا على رسول الله ﷺ ، فأسلموا وحسن إسلامهم، وحمى لهم [حِمىً] (٢) حول قريتهم. قدُومُ رسول ملوك حِمْيَر إلى رسول الله ﷺ - قال الواقدي (٣): وكان ذلك في رمضان سنة تسع. قال ابن إسحاق (٤): وقدم على رسول الله ﷺ كتاب ملوك حمير ورسلهم بإسلامهم مقْدَمَه من تبوك، وهم الحارث بن عبد كُلال، ونُعيم بن عبد كُلال، والنُّعمان قَيْل (٥) ذي رُعَين، ومَعَافِر (٦)، وهَمْدَان، وبعث إليه زُرعة ذو يزن مالكَ بن مرة الرَّهاوي بإسلامهم ومفارقتِهم الشركَ وأهلَه، فكتب إليهم رسول الله ﷺ (٧): "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله النبي إلى الحارث بن عبد كُلال ونُعيم بن عبد كُلال والنعمان قَيْلِ ذي رُعَين ومَعَافِر وهَمْدَان، أما بعد ذلكم؛ فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، فإنّه قد وقع بنا رسولُكُم منقلبَنا من أرض الروم، فلقيَنا بالمدينة، فبلّغ ما أرسلتم به، وخبَّرنا ما قبلكم، وأنبأنا بإسلامكم وقتلكم المشركين، وإنّ الله قد هداكم بهُداه، إنْ أصلحتم وأطعتم اللهَ ورسولَه، وأقمتُم الصلاةَ، وآتيتُم الزكاة، وأعطيتم من المغانم خُمُسَ الله، وسهمَ النبي ﷺ وصفيَّه، وما كُتب على المؤمنين في (٨) الصدقة من العقار عُشْرُ ما سَقَت العينُ وسَقَت السماءُ، وعلى ما سَقَى الغَرْب (٩) نصفُ

стр. 2244

العُشْرِ، وإنّ في الإبل في الأربعين ابنةَ لَبون، وفي ثلاثين من الإبل ابنُ لبون ذكر، وفي كلّ خَمْس من الإبل شاةٌ، وفي كل عشرٍ من الإبل شاتان، وفي كل أربعين من البقر بقرةٌ، وفي كلّ ثلاثين [من البقر] (١) تبيعٌ جَذَعٌ أو جَذَعةٌ، وفي كل أربعين من الغنم سائمة وَحْدَها شاة، وإنها فريضة الله التي فرض على المؤمنين في الصدقة. فمن زاد خيرًا فهو خيرٌ له، ومن أدَّى ذلك وأشهد على إسلامه وظاهر المؤمنين على المشركين فإنّه من المؤمنين، له ما لهم، وعليه ما عليهم، وله ذمةُ الله وذمةُ رسوله، وإنّه منْ أسلم من يهودي أو نصراني فإنّه من المؤمنين، له ما لهم وعليه ما عليهم، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنّه لا يُردُّ عنها، وعليه الجزية على كل حالمٍ ذكر وأنثى، حرّ أو عبد دينارٌ وافٍ من قيمة المَعَافِر (٢)، أو عِوَضُهُ (٣) ثيابًا، فمن أدّى ذلك إلى رسول الله فإنّ له ذمةَ الله وذمةَ رسوله، ومن منعه فإنّه عدو لله ولرسوله. أما بعد فإنّ رسول الله محمدًا النبي أرسل إلى زُرعة ذي يزن أن إذا أتاك رسلي فأُوصيكم بهم خيرًا؛ معاذُ بن جبل، وعبد الله بن زيد، ومالك بن عُبادة، وعُقْبَة بن نَمِر، ومالك بن مُرَّة وأصحابهم، وأن اجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من مَخَالِيْفِكم، وأبلغوها رسلي، وإنّ أميرهم معاذ بن جبل، فلا ينقلبن إلا راضيًا. أما بعد فإنّ محمدًا يشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وأنه عبدُه ورسولُه، ثم إن مالك بن مُرّة الرَّهاوي قد حدّثني أنكَ أسلَمْتَ من أوَّلِ حِمْيَر، وقتلتَ المشركين، فأبشر بخير، وآمرك بحمير خيرًا، ولا تخونوا، ولا تخاذلوا، فإنّ رسولَ اللهِ هو مولى غنيكم وفقيركم، وإنّ الصدقةَ لا تَحِلُّ لمحمد ولا لأهل بيته، وإنما هي زكاة يُزكَّى بها على فقراء المسلمين وابن السبيل، وإنّ مالكًا قد بلَّغ الخبر وحفظ الغيب، فآمركم به خيرًا، وإني قد أرسلت إليكم من صالحي أهلي وأولي دينهم، وأولي علمهم، فآمركم بهم خيرًا، فإنهم منظور إليهم. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. وقد قال الإمام أحمد (٤): حدّثنا حسن، حدّثنا عُمارة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، أنّ مَلِك (٥) ذا يزن أهدى رسول الله ﷺ حُلَّةً قد أخذها بثلاثةٍ وثلاثين بعيرًا وثلاث وثلاثين ناقةً. ورواه أبو داود (٦) عن عمرو بن عون الواسطي، عن عُمارة بن زاذان الصَّيْدلاني، عن ثابت البُناني، عن أنس به.

стр. 2245

وقد أورد الحافظ البيهقي (١) ها هنا: حديثَ كتاب عمرو بن حزم فقال: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو العباس الأصم، حدّثنا أحمد بن عبد الجبار، حدّثنا يونس بن بُكير، عن محمد بن إسحاق، حدّثني عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه [أبي] بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: هذا كتاب رسول الله ﷺ عندنا الذي كتبه لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن، يُفَقِّهُ أهلَها، ويعلّمُهم السُّنَّة، ويأخذ صَدَقاتِهم، فكتب له كتابًا وعهدًا وأمره فيه أمره، فكتب (٢): "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله ورسوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] عهدًا من رسول الله لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله، فإنّ الله مع الذين اتقوا (٣) والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ بالحق، كما أمره الله، وأن يبشر الناس بالخير ويأمرهم به، ويعلم الناس القرآن، ويفقههم في الدين، وأن ينهى الناس، فلا يمسّ أحدٌ القرآن إلا وهو طاهرٌ، وأن يخبر الناس بالذي لهم والذي عليهم، ويلين لهم في الحق، ويشتد عليهم في الظلم، فإن الله حرم الظلم ونهى عنه فقال: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٨ - ١٩] وأن يبشِّرَ الناسَ بالجنةِ وبعملِها، ويُنْذِرَ النّاسَ النارَ وعملَها، ويستألِفَ الناسَ حتى يَتَفَقَّهوا في الدين، ويعلم الناسَ معالمَ الحجّ وسُنَنَه وفرائِضَه، وما أمر (٤) الله به، والحج الأكبر الحج، والحج الأصغر العمرة، وأن يَنْهَى الناسَ أن يصلِّي الرجلُ في ثوبٍ واحدٍ صغير إلا أن يكون واسعًا، فيُخالفُ بينَ طَرَفَيْهِ على عاتِقَيْهِ، وينهى أن يحتبي الرَّجُلُ في ثوبٍ واحدٍ، ويُفْضي بفَرْجه إلى السَّماء، ولا يعقص (٥) شعرَ رأسه إذا عفا (٦) في قفاه، وينهى الناسَ إن كان بينهم هَيْجٌ أن يدعوا إلى القبائل والعشائر، وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريكَ له، فمن لم يَدْعُ إلى الله، ودعا إلى العشائر والقبائل فليعطِفوا بالسيف، حتى يكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له، ويأمر الناس بإسباغِ الوضوء وجوهَهُم وأيديهم إلى المرافق وأرجلَهم إلى الكعبين، وأن يمسحوا رؤوسَهم كما أمرهم الله ، وأمروا بالصلاة لوقتها وإتمامِ الرُّكوع والسجود، وأن يُغلَّس بالصبح، وأن يُهَجَّر بالهاجرة حتى (٧) تميل الشمس وصلاة العصر والشمس في الأرض مبدرة (٨)، والمغرب حين يقبل الليل، لا تؤخر حتى تبدو النجوم في السماء، والعشاء أول

стр. 2246

الليل، [وأمره بالسعي إلى الجمعة إذا نودي بها والغسل عند الرواح إليها] (١) وأمره أن يأخذ من المغانم خُمُسَ الله ما كُتب على المؤمنين من الصدقة، من العَقار فيما سَقَتِ العَيْنُ (٢) وفيما سقت السماء العُشْر، وما سقى الغَرْب (٣) فنصف العشر، وفي كل عشر من الإبل شاتان، وفي عشرين أربع شياه، وفي أربعين من البقر بقرة، وفي كل ثلاثين من البقر تبيعٌ أو تبيعةٌ جَذَع أو جَذَعة، وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاةٌ، فإنها فريضة الله التي افترض على المؤمنين، فمن زاد فهو خير له، ومن أسلم من يهودي أو نصراني إسلامًا خالصًا من نفسه فَدانَ دينَ الإسلام، فإنه من المؤمنين، له ما لهم وعليه ما عليهم، ومنْ كانَ على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يُغَيَّر عنها، وعلى كل حالمٍ ذكر أو أنثى، حر أو عبد، دينار وافٍ، أو عوضه (٤) من الثياب، فمن أدى ذلك فإن له ذمةَ الله ورسوله، ومن مَنعَ ذلك فإنه عدوُّ الله ورسوله والمؤمنين جميعًا، صلوات الله على محمد، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته". قال الحافظ البيهقي (٥): وقد روى سليمان بن داود، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده هذا الحديث موصولًا بزيادات كثيرة ونقصان عن بعض ما ذكرناه في الزكاة والديات وغير ذلك. قلت: ومن هذا الوجه رواه الحافظ أبو عبد الرحمن النسائي (٦) في سننه مطولًا، وأبو داود في كتاب المراسيل (٧)، وقد ذكرت ذلك بأسانيده وألفاظه في السنن (٨) ولله الحمد والمنة، وسنذكر بعد الوفود بعثَ النبي ﷺ الأمراءَ إلى اليمن لتعليمِ الناس وأخذِ صدقاتِهم وأخماسِهم، معاذَ بن جبل وأبا موسى وخالدَ بن الوليد وعليَّ بن أبي طالب، ﵃ أجمعين. قُدومُ جَريرِ بنِ عَبْدِ الله البَجَلي وإسلامه قال الإمام أحمد (٩): حدّثنا أبو قطن، حدّثني يونس، عن المغيرة بن شِبْلٍ، قال: قال جرير: لما

стр. 2247

دَنَوْتُ من المدينة أنَخْتُ راحلتي، ثم حَلَلْتُ عَيْبَتي (١)، ثم لَبِسْتُ حُلَّتي، ثم دخلتُ، فإذا رسولُ الله ﷺ يخطُبُ، فرماني الناسُ بالحَدَق، فقلت لجليسي: يا عبد الله، هل ذكرني رسولُ الله ﷺ ؟ قال: نعم، ذكركَ بأحسنِ الذِّكْرِ، بينما هو يخطُبُ إذ عرض له في خطبته وقال: "يدخلُ عليكُم من هذا الباب، أو من هذا الفَجِّ، منْ خَيْرِ ذي يَمَن إلّا أنّ (٢) على وجهه مسحةَ مَلَكٍ (٣)، قال جرير: فحمدتُ الله على ما أبلاني. قال أبو قطن: فقلت له: سمعتَه منه، أو سمعتَه من المغيرة بن شِبْلٍ؟. قال: نعم. ثم رواه الإمام أحمد (٤) عن أبي نعيم وإسحاق بن يوسف. وأخرج النَّسائي (٥) من حديث الفضل بن موسى، ثلاثتهم، عن يونس بن (٦) أبي إسحاق السَّبيعي، عن المغيرة بن شِبْل -ويقال ابن شُبَيْل-، عن عوف البَجَلي الكوفي، عن جرير بن عبد الله، وليس له عنه غيره. وقد رواه النّسائي (٧)، عن قتيبة، عن سفيان بن عُيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بقصته: "يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ من هذا البابِ رجلٌ على وَجْهِه مَسْحَة مَلَكٍ" الحديث. وهذا على شرط الصحيحين. وقال الإمام أحمد (٨): حدّثنا محمد بن عُبَيد، حدّثنا إسماعيل، عن قيس، عن جرير قال: ما حَجَبني عنه (٩) رسول الله ﷺ منذ أسلمتُ، ولا رآني إلا تبسَّم في وجهي. وقد رواه الجماعة (١٠) إلا أبا داود من طرقٍ عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عنه. وفي الصحيحين زيادة: وشكوتُ إلى رسول الله ﷺ أني لا أثبتُ على الخيل، فضرب بيده في صدري، وقال: "اللهم ثَبِّتْهُ واجعله هاديًا مهديًا". ورواه النَّسائي (١١) عن قتيبة، عن سفيان بن عيينة، عن

стр. 2248

إسماعيل، عن قيس، عنه، وزاد فيه "يَدْخُلُ عليكُمْ من هذا (١) الباب رجل على وجهه مَسْحَةُ مَلَكٍ" فذكر نحو ما تقدم. قال الحافظ البيهقي (٢): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدّثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد السّمَّاك، حدّثنا الحسنُ بن سلَّام السَّوّاق، حدّثنا محمد بن مُقاتِلِ الخُراساني، حدّثنا حُصَيْنُ (٣) بن عمر الأحْمسي، حدّثنا إسماعيل بن أبي خالد عن (٤) قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله قال: بعث إليَّ رسول الله ﷺ فقال: يا جريرُ، لأيِّ شيءٍ جئتَ؟ قلت: أُسْلِم (٥) على يديك يا رسول الله. قال: فألقى عليَّ (٦) كساءً، ثم أقبل على أصحابه فقال: "إذا أتاكم كريمُ قومٍ فأكرموه". ثم قال: يا جريرُ، أدعوكَ إلى شهادةِ أن لا إله إلا الله وأني رسولُ الله، وأن تؤمنَ بالله واليوم الآخر والقدرِ خيرِه وشَرِّه، وتُصَلِّي الصَّلاةَ المكتوبةَ، وتُؤَدِّي الزكاةَ المفروضة". ففعلتُ ذلك، فكان بعد ذلك لا يراني إلا تبسَّم في وجهي. هذا حديث غريب من هذا الوجه. وقال الإمام أحمد (٧): حدّثنا يحيى بن سعيد القطان، حدّثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله قال: بايَعْتُ رسول الله ﷺ على إقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ والنُّصْح. لكلّ مسلمٍ. وأخرجاه في الصحيحين (٨) من حديث إسماعيل بن أبي خالد به. وهو في الصحيحين (٩) من حديث زياد بن علاقة (١٠) عن جرير به. وقال الإمام أحمد (١١): حدّثنا أبو سعيد، حدّثنا زائدة، حدّثنا عاصم، عن شقيق (١٢) يعني -أبا

стр. 2249

وائل- عن جرير قال: قلت: يا رسول الله، اشترط عليّ، فأنتَ أعلم بالشرط. قال: "أُبايعُكَ على أن تَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ لا تَشْرِكُ به شيئًا، وتُقيمَ الصَّلاةَ، وتُؤْتي الزكاةَ، وتَنْصحَ المسلمَ وتبرأ من الشرك". ورواه النَّسائي (١) من حديث شُعْبة، عن الأعْمش، عن أبي وائل، عن جَرير. وفي طريق أخرى (٢)، عن الأعْمَش، عن منصور، عن أبي وائل، عن أبي نُخَيلة (٣)، عن جرير به، فالله أعلم. ورواه أيضًا (٤) عن محمد ين قدامة، عن جرير، عن مُغيرة، عن أبي وائل والشعبي، عن جرير به. ورواه عن جرير عبدُ الله بن عَميرة (٥)؛ رواه أحمد (٦) منفردًا به؛ وابنه عبيد الله بن جرير، رواه أحمد (٧) أيضًا منفردًا به. وأبو جميلة (٨) وصوابه أبو نُخَيْلة، رواه أحمد والنسائي (٩) ورواه أحمد أيضًا (١٠) عن غُندر، عن شعبة، عن منصور، عن أبي وائل، عن رجل، عن جرير، فذكره. والظاهر أن هذا الرجل هو أبو نخيلة البَجَلي والله أعلم. وقد ذكرنا بعث النبي ﷺ له حين أسلم إلى ذي الخَلَصَة (١١) بيت كان يعبده خَثْعَم وبجيلة، وكان يقال له الكعبة اليمانية، يضاهون به الكعبة التي بمكة، ويقولون للتي ببكة الكعبة الشامية، ولبيتهم الكعبة اليمانية. فقال له رسول الله ﷺ : "ألا تريحني من ذي الخَلَصة" فحينئذ شكى إلى النبي ﷺ أنّه لا يثبت على الخيل، فضرب بيده الكريمة في صدره حتى أثّرت فيه وقال: "اللهم ثبِّته، واجعله هاديًا مهديًا". فلم يسقط بعد ذلك عن فرس. ونفر إلى ذي الخَلَصة في خمسين ومئة راكب من قومه من أحْمَسَ (١٢)، فخرّب ذلك البيت وحرّقه، حتى تركه مثلَ الجمل الأجرب. وبعث إلى النبي ﷺ بَشيرًا يقال له أبو أرطاة، فبشره بذلك، فبرَّك رسولُ الله ﷺ على خيل أحْمَس ورجالها خمس مراتٍ.

стр. 2250

والحديث مبسوط في الصحيحين وغيرهما (١). كما قدمناه بعد الفتح استطرادًا بعد ذكر تخريب بيت العُزّى على يَدَيْ خالدِ بن الوليد ﵁. والظاهر أن إسلام جرير ﵁ كان متأخرًا عن الفتح بمقدار جيد، فإن الإمام أحمد قال (٢): حدّثنا هاشم (٣) بن القاسم، حدّثنا زياد بن عبد الله بن عُلاثة، عن (٤) عبد الكريم بن مالك الجزري، عن مجاهد، عن جرير بن عبد الله البَجَلي قال: إنما أسلمتُ بعدما أُنْزِلَت المائدةُ وأنا رأيتُ رسول الله ﷺ يَمْسَحُ بعدما أسلمتُ. تَفَرَّدَ به أحمدُ وهو إسنادٌ جيدٌ، اللهمَّ إلا أن يكونَ منقطعًا بين مجاهدٍ وبينه. وثبتَ في "الصحيحين" أن أصحابَ عبد الله بن مَسْعود كان يُعْجِبُهم حديثُ جَرير في مسح الخُفّ، لأن إسلام جرير إنما كان بعد نزول المائدة (٥). وسيأتي في حجة الوداع أن رسول الله ﷺ قال له: "استَنْصِتِ النّاسَ يا جرير" (٦) وإنما أمره بذلك لأنه كان صبيًا. وكان ذا شكل عظيم، كانت نعلُه طولها ذراع، وكان من أحسن الناس وجهًا، وكان مع هذا من أغض الناس طرفًا، ولهذا روينا في الحديث الصحيح (٧) عنه أنه قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ عن نظر الفجأة (٨) فقال: اصرف (٩) بصرك.

стр. 2251

وِفادَةُ وائِل بن حُجْر بن رَبيعةَ بن وائلِ بن يَعْمر الحضْرميّ أبو هُنيدة (١) أحد مُلوكِ اليَمَن علي رسول الله ﷺ - قال أبو عمر بن عبد البر (٢): كان أحد أقيال حضرموت، وكان أبوه من ملوكهم، ويقال: إنّ رسول الله ﷺ بشَّر أصحابَه قبل قدومه به، وقال: "يأتيكم بقية أبناء الملوك" فلما دخل رحَّب به، وأدناه من نفسه، وقرّب مَجْلسه، وبسطَ له رداءَه، وقال: "اللهم بارِكْ في وائلٍ وولدِه وولدِ ولدِه". واستعمَلَهُ على الأقيال من حضرموت، وكتب معه ثلاثة كتب، منها كتابٌ إلى المهاجر بن أبي أمية، وكتاب إلى الأقيال والعباهلة (٣). وأقطعه أرضًا، وأرسل معه معاوية بن أبي سفيان، فخرج معه راجلًا، فشكى إليه حرَّ الرمضاء، فقال: انتعل ظِلَّ الناقة. فقال: وما يغني عني ذلك لو جعلتني رِدْفًا، فقال له وائل: اسكتْ، فلست من أردافِ الملوك. ثم عاش وائل بن حُجْر حتى وفد على مُعاوية وهو أمير المؤمنين، فعرفه معاوية، فرحَّب به، وقرَّبه وأدناه، وأذكره الحديث (٤)، وعرض عليه جائزة سنيَّة، فأبى أن يأخذها، وقال: أعطها من هو أحوج إليها منّي. وأورد الحافظ البيهقي (٥) بعضَ هذا، وأشار إلى أن البخاري في التاريخ (٦) روى في ذلك شيئًا. وقد قال الإمام أحمد (٧): حدّثنا حجاج، أنبأنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ أقطعه أرضًا. قال: وأرسل معي معاوية أن أعطِها إيّاه، أو قال: أعْلِمْها (٨) إياه. قال: فقال معاوية: أردفني خلفك. فقلت: لا تكون من أرداف الملوك. قال: فقال: أعطني نعلك. فقلت: انتعل ظِلَّ الناقة. قال: فلمّا استُخْلِفَ معاويةُ أتيتُه، فأقعدني معه على السرير، فذكّرني الحديث. قال سِماكٌ: فقال: وددتُ أنّي كنتُ حملتُه بين يدي. وقد رواه أبو داود والترمذي (٩) من حديث شُعبة وقال الترمذي: صحيح.

стр. 2252

وِفادَةُ لَقيطِ بنِ عامرٍ المُنْتَفق أبي رَزِينٍ العُقَيْلي إلى رسول الله ﷺ - قال عبد الله بن الإمام أحمد (١): كتبَ إليّ إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مُصعب بن الزُّبَيْر الزُّبَيْري: كتبتُ إليك بهذا الحديث، وقد عرضتُه، وسمعتُه على ما كتبت به إليك، فحدِّثْ بذلك عني. قال: حدّثني عبد الرحمن بن المغيرة الحِزاميّ، حدّثني عبد الرحمن بن عَيّاش السَّمَعي الأنْصاريّ القُبائي من بني عمرو بنِ عوف، عن دَلْهَم بن الأسْوَد بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المُنْتَفِق العُقَيْلي عن أبيه عن عَمِّه لَقيط بن عامر قال دَلْهَمُ (٢): وحدّثنيه أبي الأسودُ، عن عاصم بن لَقيط، أن لقيطًا خرج وافدًا إلى رسول الله ﷺ ، ومعه صاحبٌ له يُقال له نَهيك بن عاصم بن مالك بن المُنْتَفق قال لَقِيطٌ: فخرجت أنا وصاحبي حتى قدمنا على رسول الله ﷺ المدينة (٣) انسلاخ رجب، فأتَيْنا رسولَ الله ﷺ ، فوافَيناه حين انصرفَ من صلاةِ الغَدَاةِ فقامِ في الناس خطيبًا، فقال: "أيها الناس ألا إني قد خَبَّأْتُ لكم صوتي منذ أربعة أيام، ألا لأُسْمِعَنَّكُمْ، ألا فهَلْ من امرئٍ بعثَهُ قومه"؟ فقالوا: أعلم لنا ما يقولُ رسولُ الله، ألا ثم لعلَّه أن يُلْهِيَهُ حديثُ نفسه أو حديثُ صاحبه، أو يلهيه الضُّلال، ألا إنّي مسؤول، هل بلغتُ، ألا فاسمَعُوا (٤) تعيشوا، ألا اجلسوا ألا اجلسوا. قال: فجلس الناس، وقمتُ أنا وصاحبي حتى إذا فرغَ لنا فؤادُه وبصرُه قلت: يا رسول الله، ما عندكَ من علم الغَيْب؟ فضحك لعمرُ اللهِ، وهزَّ رأسَه، وعلمَ أني أبتغي لسقطِه، فقال: "ضَنَ رَبُّكَ بمفاتيحَ خمسٍ من الغَيْب، لا يعلمُها إلا اللهُ" وأشار بيده. قلتُ: وما هي؟ قال: "علم المَنِيَّة، قد علم متى مَنِيَّةُ أحِدِكُمْ، ولا تعلمونه، [وعلمُ المَنِيّ، حينَ يكونُ في الرّحِم، قد علمه ولا تعلمون] (٥) وعلم ما في غدٍ، وما أنتَ طاعِمٌ غدًا ولا تعلمه، وعلم يوم الغَيْثِ، يشرفُ عليكم آزلين (٦) مُسْنتين (٧) فيظلّ يَضْحكُ قد علم أن غَيْرَكم إلى قَريبٍ (٨) ". قال لقيطٌ: قلتُ: لن

стр. 2253

نَعْدَمَ من رَبٍّ يَضْحَكُ خيرًا "وعلم يوم الساعة". قلت (١): يا رسول الله عَلِّمْنا مما لا يَعْلَم (٢) الناسُ ومما تَعْلَم، فإنا من قَبيلٍ لا يُصَدِّقون تَصْديقنا أحدٌ، من مَذْحِج التي تربو علينا، وخَثْعَم التي توالينا وعشيرتنا التي نحن منها (٣). قال: "تَلْبَثونَ ما لَبِثْتُم ثُمَّ يُتَوفَّى نَبيُّكُمُ ثم تَلْبَثُون ما لَبثْتُم ثم تُبْعَثُ الصّائِحَةُ، لعمرُ إلهكَ ما تدعُ على ظَهْرها من شيءٍ إلا مات، والملائكةُ الذين مع ربِّك ، فأصبحَ ربُّكَ يَطوف (٤) بالأرض وقد خَلَتْ عليه البلادِ، فأرسلَ ربُّك السماءَ تَهْضِبُ (٥) من عِنْدِ العَرْشِ، فَلَعَمْرُ إلهكَ ما تَدَعُ على ظَهْرِها من مَصْرعِ قَتيلٍ، ولا مَدْفَن مَيِّتٍ إلا شَقَّتِ القَبْرَ عنه حتى تَخْلُقَه (٦) من عند رأسه، فَيَسْتوي جالسًا، فيقول ربُّك : مَهْيَم (٧) -لما كان فيه- فيقول: يا ربّ أمسِ اليومَ، فلِعَهْدهِ بالحياة يحسبه (٨) حديثًا بأهله. قلت: يا رسول الله كيف يجمعُنا بعد ما تُفَرِّقُنا الرّياحُ والبِلَى والسِّباع. فقال: أنبِّئك بمثل ذلك في آلاء الله الأرضُ أشرفتَ عليها، وهي مَدَرة (٩) بالية. فقلت: لا تجيء أبدًا (١٠)، ثم أرسل ربُّكَ عليها السماءَ فلم تَلْبَثْ عليكَ إلّا أيامًا حتى أشرفت عليها وهي شرية (١١) واحدة فلعمرُ إلهكَ لهوَ أقدرُ على أن يجمعَكم من الماء على أن يجمعَ نباتَ الأرضِ فتُخْرَجون من الأصواء (١٢) ومن مصارعكم فَتَنظرُون إليه وينظُرُ إليكم. قال: قلت: يا رسولَ الله، وكيف ونحن ملءُ الأرض وهو شخصٌ واحدٌ (١٣) ينظر إلينا وننظرُ إليه، فقال أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله الشمسُ والقمرُ آية منه صغيرةُ تَرَوْنَهما ويَرَيانِكم ساعةً واحدة، لا تُضارُّون في رُؤْيتهما، ولعمرُ إلهك لهوَ أقدرُ على أن يراكم وَتَرَوْنَهُ من أن تَرَوْنَهما ويَرَيانكم لا تُضارّون في رؤيتهما. قلتُ: يا رسول الله فما يفعلُ بنا ربُّنا إذا لقيناه؟ قال: تُعْرَضون عليه باديةً له صحائفكم، لا يَخْفى عليه منكم خافيةٌ فيأخذُ ربُّكَ ، بيده غُرْفَة من

стр. 2254

الماء فَيَنْضَحُ قَبيلكُم (١) بها، فلعمرُ إلهِكَ ما تُخْطِئُ وجهَ أحدِكُم منها قطرةٌ، فأما المسلمُ فَتَدَعُ على وجهه مثلَ الرَّيْطةِ (٢) البيضاء، وأما الكافر فتخطِمُه (٣) بمثل الحُمَم الأسود، ألا ثم ينصرفُ نبيّكم، وينصرفُ على أثَره الصّالحون، فَتَسْلُكون جسرًا من النار، فَيَطَأ أحدُكم الجمرَ، فيقول: حَسِّ (٤) فيقول ربك : أوانه [ألا] (٥) فَتَطْلُعون على حوضِ الرّسولِ على أظمأِ (٦) -والله- ناهلةٍ عليها ما رأيتُها قط، فلعمرُ إلهكَ لا يَبْسُط واحدٌ منكم يده إلا وقع (٧) عليها قدح يطهره من الطوف (٨) والبول والأذى، وتُحْبَس الشمسُ والقمرُ، فلا تَرَوْنَ منهما واحدًا. قال: قلت: يا رسولَ الله، فيم نُبْصِرُ؟ قال: بمثل (٩) بصرك ساعتَكَ هذه، وذلك مع طُلوعِ الشمس في يوم أشرقتِ (١٠) الأرض وواجهَته الجبال (١١) قال: قلت: يا رسولَ الله (١٢)، فيمَ نُجزَى من سَيِّئاتنا وحسناتنا؟ قال: الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها، إلا أن يَعْفُو. قال: قلت: يا رسول الله، إما الجنة وإمّا النارُ؟ قال: لعمرُ إلهِكَ، إنَّ للنارِ سبعةَ أبوابٍ، ما منهنَّ بابان إلّا يسير الراكبُ بينهما سبعين عامًا، [وإن للجنة لثمانيةَ أبواب ما منها بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عامًا] (١٣). قلت: يا رسول الله، فعلامَ نطَّلعُ من الجنةِ؟ قال: على أنهارٍ من عسلٍ مُصَفّى، وأنهارٍ من كأس ما بها منْ صُداعٍ ولا ندامةٍ، وأنهارٍ من لَبَنٍ لم يَتَغَيَّرْ طعمُه، وماءٍ غَيْرِ آسنٍ، وفاكهةٍ، لعمرُ إلهِكَ ما تعلمون، وخيرٌ من مثله معه، وأزواج مُطَهَّرة. قلت: يا رسول الله، ولنا فيها أزواج، أوَ منهنَ مُصْلِحاتٌ؟ قال: الصالحاتُ للصّالحين، تلذّون بهن مثل لذاتكم في الدنيا، ويلذذن

стр. 2255

بكم (١) غَيْرَ أنْ لا توالد. قال لقيطٌ: قلت أقصى (٢) ما نحن بالغون ومنتهون إليه؟ فلم يُجبْهُ النبيُّ ﷺ قلتُ: يا رسول الله، علامَ أُبايعُكَ؟ فبسطَ النبيُّ يَدَهُ وقال: على إقامِ الصلاة وإيتاءِ الزَّكاة وزيال (٣) الشرك، وأن لا تُشْركَ بالله إلهًا غَيْرَه. (قال: قلتُ: وأنَّ لنا ما بينَ المشرقِ والمَغْرِبِ؟ فقبضَ النبيُّ ﷺ يَدَهُ وظنَّ أني مُشْتَرِطٌ شيئًا لا يُعْطينيهِ، قال: قلت: نحِلُّ منها حيثُ شئنا، ولا يَجْني منها امرٌؤ إلا على نَفْسِه؛ فبسطَ يَدَهُ وقال: ذلك لك، تَحِلُّ حيث شِئتَ ولا تَجْني عليك إلا نفسُكَ. قال: فانْصَرَفنا عَنْهُ، ثم قال: إن هذين من أتْقَى النّاسِ -لعَمْرو إلهك- في الأولى والآخرة". فقال له كعب بن الخُداريّة (٤): أحد بني بكر بن كلاب (٥): من هم يا رسولَ الله؟ قال: بنو المنتفق أهل ذلك قال: فانصرفنا وأقبلت عليه) (٦). وذكر تمام الحديث إلى أن قال: فقلت: يا رسولَ الله هل لأحدٍ ممَّنْ مَضَى خَيْرٌ في جاهليتهم (٧)؟ قال: فقال رجل من عُرْضِ قريشٍ: واللهِ إنّ أباكَ المُنْتفِقَ لفي النّارِ. قال: فلكأنّه وقعَ حَرّ بينَ جلدي ووجهي ولحمي مما قال لأبي على رؤوس الناس، فهممت أن أقول: وأبوك يا رسول الله؟ ثم إذا الأخرى أجمل، فقلت: يا رسول الله، وأهلُكَ؟ قال: وأهلي لعمرُ اللهِ، ما أتيتَ عليه من قبر عامريٍّ أو قُرشيّ من مشركٍ فقل: أرسلني إليك محمدٌ [فأُبَشِّرُكَ] (٨) بما يسوؤُك، تُجَرُّ على وجهك وبطنك في النار. قال: قلت: يا رسولَ الله، ما فُعِلَ بهم ذلك وقد كانوا على عمل لا يحسنون إلا إياه، وقد كانوا يَحْسَبون أنهم مُصْلِحون؟ قال: ذلك بأن اللهَ يَبْعَث في آخر كل سبعِ أمم -يعني نبيًا- فمَنْ عَصى نبيَّه كانَ من الضالِّين، ومنْ أطاعَ نَبيَّه كان من المُهْتَدين". هذا حديث غريبٌ جدًّا وألفاظُه في بعضها نَكارة، وقد أخرجه الحافظ البيهقي في كتاب "البعث والنشور" (٩)، وعبد الحق الإشبيلي في "العاقبة" (١٠)، والقرطبي في كتاب "التذكرة في أحوال الآخرة" (١١)، وسيأتي في كتاب "البعث والنشور" إن شاء الله تعالى.

стр. 2256

وِفادةُ زِياد بن الحارِث ﵁ قال الحافظ البيهقي (١): أنبأنا أبو أحمد الأَسَدْ أباذي (٢) بها، أنبأنا أبو بكر بن مالك القطيعي، حدثنا (أبو علي بشر بن موسى، حدّثنا) (٣) أبو عبد الرحمن المقرئ، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، حدّثني زياد بن نُعيم الحَضْرمي، سمعتُ زيادَ بن الحارث الصُّدائي يحدِّثُ، قال: أتيتُ رسولَ الله ﷺ ، فبايَعْتُه على الإِسلام، فأُخبرتُ أنَّه قد بَعَثَ جيشًا إلىِ قومي فقلت (٤): يا رسول الله، ارددِ الجيشَ، وأنا لك بإسلام قومي وطاعتهم، فقال لي: "اذْهَبْ فَرُدّهم" فقلت: يا رسول الله، إنَّ راحلتي قد كَلَّتْ فبعث رسول الله ﷺ رجلًا فردَّهم. قال الصُّدائي: وكتبتُ إليهم كتابًا، فقدم وفدُهم بإسلامهم، فقال لي رسولُ الله ﷺ : "يا أخا صُدَاء، إنك لمطاعٌ في قومك" فقلت: بل الله هداهم للإسلام فقال: "أفلا أُؤمِّرُكَ عَلَيْهم؟ " قلت: بلى يا رسولَ الله. قال: فكتب لي كتابًا أمَّرني، فقلت: يا رسولَ اللهِ، مُرْ لي بشيء من صَدَقاتهم قال: "نعم" فكتب لي كتابًا آخر. قال الصُّدائي: وكان ذلك في بعض أسْفارِهِ، فنزلَ رسولُ الله ﷺ منزلًا، فأتاه أهل ذلك المنزل يَشْكُون عامِلَهُم، ويقولون: أخَذَنا بشيءٍ كان بيننا وبينَ قومِه في الجاهليّة. فقال رسول الله ﷺ : "أو فعلَ ذلك؟ " قالوا: نعم. فالتفت رسولُ الله ﷺ إلى أصحابه وأنا فيهم فقال: "لا خيرَ في الإمارةِ لرجلٍ مُؤْمِنٍ"، قال الصُّدَائي: فدخلَ قولُه في نفسي. ثم أتاه آخر، فقال: يا رسول الله، أَعْطِني. فقال: رسول الله ﷺ : "من سألَ النّاسَ عن ظهر غِنًى فصُداعٌ في الرأس، وداءٌ في البطن". فقال السائل: أعطني من الصَّدقة، فقال رسول الله ﷺ : إنّ الله لم يرضَ في الصدقات بحكم نبيّ ولا غيره، حتى حكم هو فيها، فجزَّأهما ثمانية أجزاءٍ، فإن كنتَ من تلك الأجزاء أعطيتُكَ. قال الصُّدَائي: فدخلَ ذلك في نفسي، أني غنيٌّ وأني سألته من الصدقةِ، قال: ثم إنَّ رسول الله اعتشى (٥) من أول الليل، فلزمته، وكنت قريبًا فكان أصحابُه يَنْقَطِعُون عنه ويستأخرون منه، ولم يَبْقَ معه أحدٌ غَيري، فلما كانَ أوانُ صلاةِ الصُّبْح أمرني فأذَّنْتُ، فجعلتُ أقول: أُقيمُ يا رسول الله؟ فجعلَ ينظرُ ناحيةَ المشرقِ إلى الفجر ويقول: "لا" حتى إذا طلعَ الفجرُ نزلَ، فَتَبرَّزَ، ثم انصرف إليَّ وهو متلاحقٌ أصحابَه، فقال: "هل من ماءٍ يا أخا صُداء" قلت: لا، إلَّا شيءٌ قليلٌ لا يكفيك. فقال: "اجعلْهُ في إناءٍ، ثم ائتني به" ففعلتُ، فوضع كفه في الماء. قال: فرأيتُ بين أُصْبَعَيْن من أصابعه عينًا

стр. 2257

تفورُ، فقال رسول الله ﷺ : "لولا أني أستحي من ربي لسقَيْنا واستقينا، نادِ في أصحابي: من له حاجة في الماء". فناديتُ فيهم، فأخذ من أراد منهم شيئًا. ثم قام رسول الله ﷺ إلى الصلاة فأراد بلالٌ أن يقيمَ، فقال له رسول الله: "إن أخا صُداء أذَّن، ومَنْ أذَّنَ فهو يُقيم". قال الصُّدائي: فأقمتُ، فلما قضى رسولُ الله ﷺ الصلاةَ أتيتُه بالكتابين، فقلتُ: يا رسول الله، اعْفِني من هذين. فقال: "ما بدا لك؟ " فقلت: سمعتك يا رسول الله تقول: "لا خير في الإمارة لرجلٍ مؤمنٍ" وأنا أؤمنُ بالله وبرسوله، وسمعتُكَ تقولُ للسائِل: "من سألَ الناسَ عن ظَهر غِنَىً فهو صداعٌ في الرأسِ وداءٌ في البطن" وسألتك وأنا غنيٌّ. فقال: "هو ذاك، فإن شئت فاقبلْ، وإن شِئْتَ فَدَعْ" فقلت: أَدَعُ. فقال لي رسول الله ﷺ : "فدُلَّني على رجل أؤمِّره عليكم" فدلَلْته على رجلٍ من الوفدِ الذين قدِموا عليه، فأمَّره عليهم، ثُمّ قُلْنا: يا رسولَ الله، إن لنا بئرًا إذا كانَ الشتاء وسعنا ماؤها واجتمعنا عليها، وإذا كان الصيف قل ماؤها فتفرَّقنا على مياهٍ حولَنا، فقد أسلمنا، وكلّ مَنْ حولنا عدوٌّ، فادعُ اللهَ لنا في بئرنا فيسعَنا ماؤُها فنجتمعَ عليه ولا نتفرَّقَ. فدعا سبع حُصَيّات، فعركَهُنّ بيده، ودعا فيهن، ثم قال: "اذهبوا بهذه الحُصَيّات، فإذا أتيتم البئر فألقُوا واحدةً واحدةً واذكروا الله". قال الصُّدَائي: فَفَعَلْنا ما قال لنا، فما استطعنا بعد ذلك أن ننظر إلى قَعْرها. يعني البئر. وهذا الحديث له شواهد في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه (١). وقد ذكر الوافدي أن رسول الله ﷺ كان بعث بعد عمرة الجِعْرانة (٢) قيس بن سعد بن عبادة في أربعمائة إلى بلاد صُداء فيوطِّئها، فبعثوا رجلًا منهم فقال: جئتك (٣) لترد عن قومي الجيشَ وأنا لك بهم، ثم قدم وفدهم خمسة عشر رجلًا، ثم رأى منهم حجة الوداع مئة رجل. ثم روى الواقدي عن الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن زياد بن نعيم، عن زياد بن الحارث الصُّدَائي قصته في الأذان. وفِادةُ الحارِثِ بن حَسَان البَكْري إلي رسول الله ﷺ - قال الإمام أحمد (٤): حدّثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، حدّثني أبو المُنْذر سَلّامُ بن سُلَيْمان النَّحْوي، حدّثنا عاصِمُ بن أبي النّجُود، عن أبي وائلٍ، عن الحارث البَكْريّ قال: خرجتُ أشْكُو العَلاءَ بن الحَضْرَمي إلى

стр. 2258

رسول الله ﷺ ، فمررتُ بالرَّبَذة (١) فإذا عجوزٌ من بني تميم مُنْقَطِعٌ بها، فقالت: يا عبدَ اللهِ، إنّ لي إلى رسولِ اللهِ حاجةً، فهل أنت مُبَلِّغي إليه؟ قال: فحملتُها، فأتيتُ المدينةَ، فإذا المسجدُ غاصٌّ بأهله، وإذا رايةٌ سوداء تخفِقُ، وبلالٌ مُتَقلَّدُ السيف بينَ يدَيْ رسول الله ﷺ ، فقلتُ: ما شأنُ الناس؟ قالوا: يريدُ أن يبعثَ عمرو بن العاص وَجْهًا. قال: فجلستُ، فدخل منزله -أو قال رحله- فاستأذنتُ عليه، فأذن لي، فدخلتُ، فسلّمتُ، فقال: "هل كان بينكم وبين تميم شيءٌ؟ " قلتُ: نعم، وكانت الدائرةُ عليهم، ومررتُ بعجوزٍ من بني تميمِ مُنْقَطِع بها، فسألتني أن أحْمِلَها إليك، وها هي بالباب فأذِنَ لها، فدخلتْ، فقلتُ: يا رسولَ الله، إنْ رأيتَ أن تجعل بيننا وبين تميمٍ حاجزًا فاجعل الدَّهناء (٢)، فحميت العجوز واسْتَوْفَزَتْ، وقالت: يا رسول الله، أينَ يَضْطَرّ مُضَرُكَ قال: قلت: إنما (٣) مثلي ما قال الأول: "مِعْزًي (٤) حَمَلتْ حَتْفَها" حَمَلْتُ هذه ولا أشعرُ أنَّها كانَتْ لي خَصْمًا، أعوذُ بالله ورسوله أنْ أكونَ كوافِدِ عادٍ. قال: هيه، وما وافد عاد؟ وهو أعلم بالحديث منه، ولكن يستطعمُه (٥). قلتُ: إن عادًا قُحطوا، فبعثوا وافدًا لهم يقال له قَيلٌ: فمرَّ بمعاوية بن بكر، فأقام عنده شهرًا يسقيه الخمر، وتُغَنِّيه جاريتان، يقال لهما الجرادتان (٦)، فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مَهَرَة (٧)، فقال: اللهمَّ إنَّكَ تَعْلَمُ أني (٨) لم أجئ إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسقِ عادًا ما كنتَ تسقيه. فمرت به سحاباتٌ سُودٌ، فنودي منها: اختر، فأومأ إلى سحابةٍ منها سوداء، فنودي منها: خذها رمادًا رِمْدِدًا (٩)، لا تبقي من عادٍ أحدًا. قال: فما بَلَغَني أنه أُرِسَل عليهم من الريح إلا بِقَدْرِ ما يجري في خاتَمي هذا، حتى هلكوا. قال أبو ائل: وصدق: وكانت المرأة أو الرجل إذا بعثوا وافدًا لهم قالوا: لا تكن (١٠) كوافد عاد.

стр. 2259

وقد رواه الترمذي (١) والنَّسائي من حديث أبي المنذر سَلّام بن سليمان به، ورواه ابن ماجه (٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النّجود، عن الحارث البكري، ولم يذكر أبا وائل، وهكذا رواه الإمام أحمد (٣) عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن الحارث، والصواب: عن عاصم، عن أبي وائل، عن الحارث كما تقدم. وِفَادةُ عبد الرحمن بن أبي عَقيلٍ مع قومه قال أبو بكر البيهقي (٤) أنبأنا أبو عبد الله إسحاق بن محمد بن يوسف السوسي، أنبأنا أبو جعفر محمد بن محمد بن عبد الله البغدادي، أنبأنا علي بن الجَعْد، حدّثنا عبد العزيز، حدّثنا أحمد بن يونس، حدّثنا زهير، حدّثنا أبو خالد يزيد الأسَدي، حدّثنا عون بن أبي جحيفة، عن عبد الرحمن بن علقمة الثقفي، عن عبد الرحمن بن أبي عَقيل (٥)، قال: انطلقتُ في وفدٍ إلى رسول الله ﷺ ، فأتيناه، فأَنَخْنا بالباب، وما في الناس أبغض إلينا من رجل نَلِجُ عليه، فلما دخلنا وخرجنا فما في الناس رجلٌ أحبُّ إلينا من رجل دَخَلْنا عليه. قال: فقال قائل منا: يا رسولَ الله، ألا سألتَ ربَّكَ مُلكًا كملك سليمان! قال: فضحك رسول الله ﷺ ، ثم قال: "فلعل لصاحبكم (٦) عند الله أفضل من ملك سليمان، إنَّ الله لم يبعث نبيًا إلا أعطاه دعوة، فمنهم من اتخذها دنيا فأُعْطيهَا، ومنهم من دعا بها على قومه إذ عَصَوْه فأُهلكوا بها، وإنّ الله أعطاني دعوةً فاختبأتُها عند ربّي شَفاعةً لأمتي يوم القيامة" (٧).

стр. 2260

قدوم طارق بن عبد الله (١) وأصحابه روى الحافظ البيهقي (٢) من طريق أبي جَنَاب (٣) الكلبي، عن جامع بن شَدّاد المُحاربي، حدّثني رجلٌ من قومي يقال له طارِقُ بن عبد الله قال: إني لقائمٌ بسوق ذي المَجاز، إذ أقْبَل رجلٌ عليه جُبّةٌ، وهو يقول: "يا أيُّها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تُفْلِحوا" ورجلٌ يَتْبَعُهُ يَرْميه بالحِجارة، وهو يقول: يا أيُّها الناسُ إنه كذاب (٤). فقلتُ: مَنْ هذا؟ فقالوا: هذا غلامٌ من بني هاشِم، يَزْعُمُ أنَّه رسولُ الله. قال: قلتُ: مَنْ هذا الذي يَفْعَلُ به هذا؟ قالوا: هذا عمُّه عَبْدُ العُزّي (٥). قال: فلمّا أسلمَ الناسُ وهاجَرُوا، خرجْنَا من الرَّبذة (٦). نريد المدينة، نمتارُ من تَمْرها، فلمَّا دَنَوْنا من حيطانها ونخلها قلتُ: لو نزلنا فلبسنا ثيابًا غير هذه، إذا رجلٌ في طِمْرَين، فسلّم علينا، وقال: "مِنْ أينَ أقبلَ القومُ؟ " قلنا: من الرَّبَذة. قال: "وأين تريدون؟ " قُلْنا: نُريد هذه المدينةَ. قال: "ما حاجَتُكُمْ منها؟ " قلنا: نمتارُ من تَمْرها. ومعنا ظَعينةٌ لنا، ومعنا جَمَلٌ أحْمَر مَخْطوم (٧) فقال: "أتبيعوني جَمَلَكم هذا؟ " قلنا: نعم، بكذا وكذا صاعًا من تمر. قال: فما استوضَعَنا مما قلنا شيئًا، وأخذ بخِطام الجمل، وانطلق، فلما توارى عنَّا بحيطان المدينة ونخلها قلنا: ما صنعنا! واللهِ ما بعنا جملَنا ممن يُعرف، ولا أخذنا له ثمنًا. قال: تقول المرأة التي معنا: واللهِ لَقَدْ رأيتُ رَجُلًا كَأَنَّ وجهه شقّةُ القَمَر ليلةَ البَدْرِ، أنا ضامنةٌ لثمن جَمَلِكُم، إذ أقبلَ الرجلُ فقال: أنا رسولُ رسولِ الله إليكم، هذا تمركم فكلوا، واشْبَعوا، واكْتالوا، واستَوْفُوا، فأكلنا حتى شبعنا، واكتلنا فاسْتَوْفينا، ثم دخلنا المدينة، فدخلنا المسجدَ، فإذا هو قائمٌ على المنبر يخطبُ الناسَ، فأدركنا من خطبته وهو يقول: "تَصَدَّقوا فإنّ الصدقةَ خيرٌ لكم، اليدُ العُلْيا خَيْرٌ منَ اليدِ السُّفْلى، أمَّك وأباك، وأختَك وأخاك، وأدناك أدناك". إذ أقبلَ رجلٌ من بني يَرْبوع، أو قال رجلٌ من الأنصار فقال: يا رسولَ الله لنا من هؤلاء دماءٌ في الجاهليّة. فقال: "إن أبًا لا يَجْني على ولدٍ" (٨) ثلاث مرات. وقد روى النسائي (٩) فضلَ الصَّدقةِ منه، عن يوسف بن عيسى، عن الفضل بن موسى، عن يزيد بن

стр. 2261

زياد بن أبي الجَعْد، عن جامع بن شَدّاد، عن طارق بن عبد الله المُحاربي ببعضه. ورواه الحافظ البيهقي (١)، أيضًا عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن يزيد بن زياد، عن جامع، عن طارق بطوله، كما تَقَدَّم، وقال فيه: فقالت الظَّعينةُ: لا تَلاوَموا، فلقد رأيتُ وجهَ رجلٍ لا يَغْدِرُ ما رأيتُ شيئًا أشبهَ بالقمرِ ليلة البدر من وجهه. قدومُ وافدِ فَرْوةَ بن عَمْرو الحُذامي (٢)، صاحب بلاد مَعَان (٣) قال ابن إسحاق (٤): وبعث فروةُ بن عمرو بن النافرة الجُذامي ثم النُّفاتي (٥) إلى رسول الله ﷺ رسولًا بإسلامه، وأهدى له بغلةً بيضاءَ، وكان فروةُ عاملًا للرّوم على مَنْ يليهم من العرب، وكان منزلُه مَعَان وما حولها من أرض الشام، فلما بلغَ الرومَ ذلك مِنْ إسلامه طلبوه حتى أخذوه، فحَبَسوه عندهم، فقال في محبِسِه ذلك: [الكامل] طَرَقَتْ سُلَيْمَى مَوْهِنًا أصْحَابي … وَالرُّومُ بَيْنَ البَاب وَالقِروان (٦) صَدَّ الخَيَالُ وسَاءَهُ ما قَدْ رَأَى … وَهَمَمْتُ أنْ أُغْفي وَقَدْ أبْكَاني لا تَكْحَلِنَّ العَيْنَ بَعْدِيَ إثمِدًا … سَلْمَى ولا تَدْنِنَّ (٧) للإتْيَان وَلَقَدْ عَلِمْتَ أبا كُبَيْشَةَ أنَّني … وَسْطَ الأعِزَّة لا يُحَصُّ لِسَاني (٨) فَلَئِنْ هَلَكْتُ لتَفْقِدُنَّ أخَاكُمُ … وَلَئِنْ بَقِيْتُ لتعْرِفُنَّ مَكَاني وَلَقَدْ جَمَعْتُ أجلَّ ما جَمَعَ الفتى … مِنْ جَوْدَةٍ وَشَجَاعةٍ وبَيَانِ قال: فلما أجمعت الروم على صلبه على ماءٍ لهم يقال له عِفْرَي (٩) بفلسطين قال: [الطويل] ألا هَل أتَى سَلْمى بأنَّ حلَيلَهَا … عَلَى مَاءِ عِفْرى فَوْقَ إحْدَى الرَّوَاحِلِ

стр. 2262

على ناقَةٍ لَمْ يَضْرِبِ الفَحْلُ أُمَّهَا … مُشَذّبَة أطرافُها بالمَناجِلِ قال: وزعم الزهري أنهم لما قدّموه ليقتُلوه قال: [الكامل] بَلِّغْ سَرَاةَ المُسْلِمينَ بأنَّني … سِلْمٌ لِربِّي أعْظُمِي ومقامي (١) قال: ثم ضربوا عُنُقَه، وصلبوه على ذلك الماء، ﵀، ورضي عنه وأرضاه، وجعل الجنة مثواه (٢). قُدومُ تَميمٍ الدّاري على رسول الله ﷺ في خُروج النبيّ ﷺ وإيمانِ من آمنَ به [قال البيهقي]: أخبرنا أبو عبد الله سهل بن محمد بن نَصْرَوَيْهِ المَرْوَزي بنيسابور، أنبأنا أبو بكر محمد ابن أحمد بن [حبيب، أنبأنا يحيى بن أبي طالب (ح) وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر أحمد بن] الحسن القاضي، [قالا]: أنبانا أبو سهل أحمد بن محمد بن زياد القطّان، حدّثنا يحيى بن جعفر بن الزبير، أنبأنا وَهْب بن جرير، حدّثنا أبي، سمعت غَيْلانَ بن جرير يُحَدِّثُ، عن الشَّعْبي، عن فاطمة بنت قيس قالت: قدم على رسول الله ﷺ تميمٌ الدّاريّ، فأَخبر رسولَ اللهِ ﷺ أنّه ركبَ البَحْر، فتاهَتْ به سَفينَتُهُ، فسقَطُوا إلى جزيرةٍ، فخَرَجوا إليها يَلْتَمسون الماءَ، فلقيَ إنسانًا يجُرُّ شعْرَهُ، فقال له: منْ أنتَ؟ قال أنا الجَسّاسة (٣). قالوا: فأخبرنا. قال: لا أُخْبركم، ولكن عليكُمْ بهذه الجزيرة، فَدَخَلْناها، فإذا رجل مُقَيَّد، فقال: مَنْ أنتُمْ؟ قلنا: ناسٌ من العَرَبِ، قال: ما فعل هذا النبيُّ الذي خرجَ فيكم؟ قلنا: قد آمنَ به الناسُ واتّبعوه وصَدَّقوه. قال: ذلك خيرٌ لهم. قال: أفلا تخبروني عن عين زُغَر (٤) ما فعلَتْ؟ فأخبرناه عَنْها، فوثَبَ وَثْبَةً كادَ أن يخرُجَ من وراء الجدار، ثم قال: ما فعل نخل بَيْسَان (٥)، هل أطعم بعدُ؟ فأخبرناه أنه قد أطعم، فوثبَ مثلها، ثم قال: أما لو قد أُذِنَ لي في الخروج لوَطئت البلادَ كلَّها غيرَ طيبة. قالت: فأخرجه رسولُ الله ﷺ فحدَّث الناسَ، فقال: "هذه طيبةُ وذاك الدجالُ". وقد روى هذا الحديثَ الإمامُ أحمدُ ومسلمٌ وأهلُ السنن (٦) من طرق، عن عامر بن شراحيل الشعبي،

стр. 2263

عن فاطمة بنت قيس. وقد أورد له الإمام أحمد شاهدًا من رواية أبي هريرة (١) وعائشة (٢) أم المؤمنين، وسيأتي هذا الحديث بطرقه وألفاظه في كتاب "الفتن". وذكر الواقدي (٣) وفد الداريِّين من لَخْم وكانوا عشرة. وَفْدُ بني أَسَدٍ وهكذا ذكر الواقدي (٤): أنه قدم على رسول الله ﷺ في أوَّلِ سنةِ تسعٍ وفدُ بني أسد، وكانوا عشرة، منهم ضِرارُ بن الأزْور، ووابِصةُ بن مَعْبَد، وطُلَيْحَة بن خُوَيْلد الذي ادَّعى النبوَّة بعد ذلك، ثم أسلم وحَسُنَ إسلامُه، ونُقَادة (٥) بن عبد الله بن خلفٍ، فقال لهم رئيسهم: حَضْرَميُّ بنُ عامرٍ: يا رسول الله، أتَيْنَاك نَتْدَرَّعُ الليلَ البَهيمَ في سنةٍ شَهْباءَ، ولم تَبْعَثْ إلينا بَعْثًا، فنزل فيهم: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]. وكان فيهم قبيلةٌ يُقالُ لهم: بنو الزِّنْيَةِ (٦) فغيَّر اسمَهم فقال: أنتم بنو الرِّشْدَةِ، وقد استهدى رسول الله ﷺ من نُقادة بن عبد الله بن خلف ناقةً تكونُ جيدةً للرُّكوبِ وللحَلْبِ من غير أن يكون لها ولد معها، فطَلَبها فلم يَجِدْها إلّا عند ابن عم له، فجاء بها (٧) فأمره رسول الله بحلبها، فشرب منها وسقاه سؤره، ثم قال: "اللهم بارك فيها وفيمن منحها". فقال: يا رسول الله، وفيمن جاء بها. فقال: "وفيمن جاء بها" (٨).

стр. 2264

وَفدَ بني عَبْسٍ ذكر الواقدي (١): أنهم كانوا تسعةَ نفرٍ، وسماهم الواقديُّ، فقال لهم النبيّ ﷺ : "أنا عاشِرُكُمْ" وأمر طلحة بن عُبَيْد الله فعقدَ لهم لواءً، وجعل شِعارَهُمْ يا عَشَرَةُ، وذكر أنَّ رسولَ الله ﷺ سألهم عن خالدِ بن سِنانٍ العَبْسيّ الذي قَدَّمنا تَرْجَمَتَهُ في أيام الجاهليةِ، فذكروا أنه لا عقبَ له، وذكر أنَّ رسول الله ﷺ بعثَهم يَرْصُدون عِيرًا لقريش قَدِمَتْ من الشَّامِ. وهذا يقتضي تقدُّمَ وِفَادَتِهم على الفَتْح، والله أعلم. وَفْدُ بَني فَزارَةَ قال الواقدي (٢): حدّثنا عبد الله بن محمد بن عمر الجمحي، عن أبي وجزة السعدي (٣): قال: لَمَّا رجعَ رسولُ الله من تَبوك، وكان سنةَ تسعٍ قَدِمَ عليه وَفْدُ بَني فَزارَةَ بضعةَ عشرَ رَجُلًا، فيهم: خارجةُ بن حصنٍ، والحارثُ بن قيس بن حِصْنٍ وهو أصْغَرُهم، على ركابٍ عِجافٍ، فجاؤوا مُقِرّين بالإسلام، وسألهم رسولُ الله عن بلادهم، فقال أحدُهم: يا رسول الله، أسْنَتَتْ بلادُنا، وهلكت مواشِينا، وأجدَب جَنابُنا (٤)، وغرث (٥) عيالنا، فادعُ اللهَ لنا، فصعِدَ رسولُ الله المنبرَ ودعا فقال: "اللهمّ اسقِ بلادَكَ وبهائِمَكَ، وانشُرْ رحمتَك، وأحْيِ بلدَكَ الميت، اللهم اسْقِنا غَيْثا مُغيثًا مَريئًا مَريعًا طَبَقًا (٦) واسعًا، عاجلًا غير آجل، نافعًا غير ضارٍّ، اللهمّ اسقِنا سُقْيا رَحْمَةٍ، لا سُقْيا عذابٍ، ولا هَدْمٍ، ولا غَرَقٍ، ولا مَحَقٍ، اللهم اسْقِنا الغيث وانصُرْنا على الأعداء". قال فمَطَرَتْ، فما رأَوا السَّماءَ سَبْتًا (٧)، فصعِدَ رسولُ الله المنبرَ، فدعا فقال: "اللهم حَوالَيْنا ولا عَلَيْنا، اللهم على الآكامِ والظِّرَاب (٨) وبطونِ الأودية ومنابتِ الشجرِ" فانجابت السماء عن المدينة انجياب الثوب (٩).

стр. 2265

وَفْدُ بني مُرَّةَ قال (١) الواقديّ (٢): إنَّهم قدموا سنةَ تسعٍ عند مَرْجِعِه من تَبوك، وكانوا ثلاثةَ عشرَ رجلًا، منهم الحارثُ بن عوف، فأجازهم ﵇ بعشر أَواقٍ من فضة، وأعطى الحارثَ بن عوفٍ ثِنْتي عشرة أُوقية، وذكروا أن بلادَهم مُجْدبةٌ فدعا لهم. فقال: "اللَّهم اسقِهم الغَيْثَ"، فلما رجعوا إلى بلادهم وجدوها قد مطرت ذلك اليوم الذي دعا لهم فيه رسولُ الله ﷺ . وَفْدُ بني ثَعْلَبَةَ قال الواقدي (٣): حدّثني موسى بن محمد بن إبراهيم، عن رجلٍ من بني ثعلبة، عن أبيه قال: لمّا قدمَ رسولُ الله ﷺ من الجِعْرانة (٤) سنةَ ثمانٍ، قَدِمْنا عليه أربعة نفر، فقلنا: نحن رسلُ مَنْ خَلْفَنا من قومنا، وهم يُقِرُّون بالإسلام، فأمر لنا بضيافة، وأقمنا أيامًا، ثم جِئْناهُ لنودِّعَه فقال لبلال: أجْزِهم كما تُجيزُ الوفد (٥)، فجاء بنُقَر (٦) من فضةٍ، فأعطى كل رجلٍ منا خمسَ أَواقٍ، وقال: "ليس عندنا دراهم" وانصرفنا إلى بلادنا. وَفْدُ (٧) بني محارب قال الواقدي (٨): حدّثني محمد بن صالح، عن أبي وَجْزَة السَّعدي. قال: قدمَ وَفْدُ مُحارب سنةَ عشرِ في حجّةِ الوَداع، وهم عشرةُ نَفَرٍ، فيهم سواءُ بن الحارث (٩)، وابنه خُزَيمةُ بن سواءٍ، فأُنْزِلُوا دارَ رملةَ بنتِ الحارث، وكان بلالٌ يأتيهم بغداءٍ وعشاءٍ، فأسلموا، وقالوا: نحن على مَنْ وراءنا، ولم يكن أحدٌ في تلك المواسم أفظَّ ولا أغْلَظَ على رسولِ الله منهم، وكانَ في الوفدِ رجلٌ منهم، فعرفه رسولُ الله

стр. 2266

ﷺ ، فقال: الحمدُ لله الذي أبقاني حتى صَدَّقْتُ بك. فقال رسولُ الله ﷺ : "إن هذه القلوبَ بيدِ اللهِ " ومَسَحَ رسولُ الله وجهَ خُزَيْمةَ بن سَواءٍ فصارَتْ [له] (١) غرة بيضاء، وأجازهم كما يجيز الوفد، وانصرفوا إلى بلادهم. وفد بني كلاب ذكر الواقدي (٢) أنَّهم قدموا سنةَ تسعٍ، وهم ثلاثةَ عشرَ رجلًا، منهم؛ لبيد بن ربيعة الشاعر، وجَبَّار بن سُلمى (٣)، وكان بينه وبين كعب بن مالك خُلَّة، فرحَّب به، وأكرمه، وأهدى إليه، وجاؤوا معه إلى رسول الله ﷺ ، فسلَّموا عليه بسلام الإسلام، وذَكَروا له أن الضَّحاكَ بن سُفْيان الكِلابي سار فيهم بكتاب الله وسُنَّةِ رسولهِ التي أمره اللهُ بها، ودعاهم إلى الله، فاستجابوا له، وأخذ صدقاتِهم من أغنيائهم فصرفها (٤) على فقرائهم. وَفْدُ بني رُؤاسِ بنِ (٥) كِلاب ثم ذكر الواقدي (٦) أنَّ رجلًا يُقالُ له: عمرو بن مالك بن قيس بن بُجَيْد بن رُؤاس بن كلاب بن رَبيعةَ بن عامرِ بن صَعْصَعَة، قدم على رسول الله ﷺ ، فأسلم، ثم رجعَ إلى قومه فدعاهم إلى الله، فقالوا: حتى نُصيبَ من بني عُقَيْل مثلَ ما أصابوا منّا، فذكَر مقتلةً كانت بينهم، وأن عمرو بن مالكٍ، هذا قتلَ رجلًا من بني عُقَيْلٍ، قال: فشدَدْتُ يَدي في غُلٍّ، وأتيتُ رسولَ الله ﷺ وبلغَه ما صنعتُ، فقال: لئن أتاني لأضرب ما فوق الغُلِّ من يده، فلما جئتُ سلَّمتُ، فلم يرُدَّ عليَّ السّلامَ وأعْرضَ، فأتيتُه عن يمينه فأعرضَ عني، فأتيته عن يسارِهِ فأعرضَ عنّي، فأتيتُه من قبل وَجْهه، فقلتُ: يا رسولَ الله، إن الربّ لَيُتَرَضَّى (٧) فَيَرْضَى، فَارْضَ عنِّي رَضِيَ اللهُ عَنْكَ، قال: "قد رَضِيتُ [عنك] (٨) ".

стр. 2267

وفْدُ بَني عُقَيْل بن كَعْب ذكر الواقدي (١) أنهم قدموا على رسول الله ﷺ ، فأقطعهم العَقيقَ -عَقيقَ بني عُقَيْل (٢) - وهي أرض فيها نخيل وعيون، وكتب [لهم] بذلك كتابًا (٣): "بسم اللهِ الرحمن الرحيم هذا ما أعطى محمدٌ رسولُ الله ربيعًا ومُطَرِّفًا (٤) وأنسًا، أعطاهم العقيقَ ما أقاموا الصَّلاة، وآتوا الزكاة، وسمعوا وأطاعوا، ولم يُعْطِهم حقًا لمسلم". فكان الكتاب في يد مُطَرِّف. قال: وقدم عليه أيضًا لَقيطُ بن عامر بن المُنْتَفق بن عامر بن عُقَيْل وهو أبو رَزين، فأعطاه ماءً يقال له: النظيم (٥)، وبايعه على قومه، وقد قدَّمنا قدومَه وقصّتَه وحديثَه بطوله، ولله الحمد والمنة. وَفْدُ بني قُشَيْر بن كَعْب (٦) وذلك قبلَ حَجَّةِ الوَداع، وقيلَ حُنَيْنٍ. فذكر فيهم، قُرَّة بن هُبَيْرة بن عامر (٧) بن سَلَمَة الخَيْر بن قُشَيْر، فأسلم، فأعطاه رسولُ الله ﷺ ، وكساهُ بُرْدًا، وأمره أن يليَ صَدَقاتِ قومه، فقال قُرَّة حين رَجَع: [الطويل] حَبَاهَا رَسُولُ اللهِ إذْ نَزَلَتْ بِهِ … وَأمْكَنَها مِنْ نَائِلٍ غَيْرِ مُنْفَدِ فَأضحَتْ برَوْضِ الخُضْرِ وَهْيَ حَثيثةٌ … وَقَدْ أنْجَحَتْ حَاجَاتِهَا مِنْ مُحَمَّدِ عَلَيْهَا فَتى لا يُردِفُ الذَمَّ رَحْلَهُ … يُروِّي (٨) لأمْرِ العَاجِزِ المُتَرَدِّدِ

стр. 2268

وفْدُ بَني البَكَّاء (١) ذَكَرَ [الواقدي] أنَّهم قَدِموا سنةَ تسعٍ، وأنَّهُمْ كانوا ثلاثين رجلًا، فيهم معاويةُ بن ثَوْرِ بن (٢) عِبادة (٣) بن البكَّاء، وهو يومئذ ابن مئة سنة، ومعه ابنٌ له يُقال له: بِشْرٌ، فقال: يا رسولَ الله، إني أتَبَرَّكُ بمَسِّكَ وقد كبِرتُ، وابني هذا بَرٌّ بي، فامسحْ وَجْهَهُ، فَمَسَحَ رسولُ الله ﷺ وَجْهَه، وأعطاه أعنزًا، وبرَّكَ عليهن، فكانوا لا يصيبهم بعد ذلك قحط ولا سنة، وقال: محمد بن بشر بن معاوية في ذلك (٤): [الكامل] وأبي الذي مَسَحَ الرَّسُولُ برأسِهِ … ودَعا لَهُ بالخيْرِ وَالبَرَكاتِ أعطاهُ أحْمدُ إذْ أتاهُ أعنُزًا … عُفْرا نَواحِل (٥) لَسْنَ باللَّجَباتِ (٦) يَملأنَ رِفْدَ (٧) الحي كُّلَ عَشِيَّةٍ … ويعود ذَاكَ المَلءُ بالغَدَواتِ بُورِكْنَ مِنْ مِنَح وَبُورِكَ مَانِحًا … وَعَلَيْهِ مِنِّي ما حَييتُ صَلاتِي وفد كِنانة روى الواقدي بأسانيده (٨) أنّ واثلة بن الأسقع الليثي قدم على رسول الله ﷺ وهو يتجهَّزُ إلى تبوك، فصلَّى معه الصُّبح، ثم رجع إلى قومه فدعاهم، وأخبرهم عن رسول الله ﷺ ، فقال أبوه: واللهِ لا أُكلِّمُكَ (٩) أبدًا، وسمعت أختُه كلامَه، فأسلمَتْ، وجهَّزَتْه حتى سار مع رسول الله ﷺ إلى تبوك، وهو راكبٌ على بعيرٍ لكعب بن عُجْرَة، وبَعَثَهُ رسولُ الله ﷺ مع خالد إلى أُكَيْدِر دُومة (١٠)، فلما رجعوا عَرَض واثلةُ على كعب بن عُجْرة ما كان شارَطَهُ عليه من سهم (١١)، فقال له كعب: إنما حملتك لله .

стр. 2269

وفد أشْجَع ذكر الواقديُّ (١) أنهم قَدِموا عامَ الخندَقِ وهم مئة رجل، ورئيسُهم مَسْعُود بن رُخَيْلة، فنزلوا شعب سَلْع، فخرج إليهم رسول الله ﷺ ، وأمر لهم بأحْمال التَّمرِ، ويقال: بل قدموا بعدَما فرغ من بني قُرَيْظَة، وكانوا سبعمائة رجل، فوادَعَهُم ورجعوا، ثم أسلموا بعد ذلك. وَفْدُ باهلة (٢) قدم رئيسهم مُطرِّف بن الكاهِن بعدَ الفَتْح فأسلَم، وأَخَذَ لقومه أمانًا، وكتب له كتابًا فيه الفرائضُ وشرائعُ الإسلام، كتبه عثمانُ بن عَفّان ﵁. وَفْدُ بني سُلَيْم قال (٣): وقدم على رسول الله ﷺ رجل من بني سُلَيْم يقال له: قيس بن نُشْبة، فسمع كلامَهُ، وسأله عن أشياء، فأجابه، ووعى ذلك كله، ودعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام، فأسلم، ورجع إلى قومه بني سُليم فقال: سمعتُ تَرْجَمة الرُّوم وهَيْنَمَة فارس وأشعار العرب وكَهانة الكُهّان وكلامَ مَقاول حمير (٤)، فما يشبه كلامُ محمدٍ شيئًا من كلامهم، فأطيعوني، وخذوا بنصيبكم منه، فلما كان عامُ الفتح خرجَتْ بنو سُلَيْم، فلقوا رسولَ الله ﷺ بقُديد (٥)، وهم سبعمائة (٦). ويقال: كانوا ألفًا، وفيهم العَبّاس بن مِرْداس وجماعة من أعيانهم، فأسْلَموا، وقالوا: اجعلنا في مُقَدَّمتك، واجعلْ لواءَنا أحمرَ وشعارَنا مقدَّمًا، ففعل ذلك بهم، فشهدوا معه الفتحَ والطَّائِفَ وحُنَيْنًا وقد كان راشدُ بن عبد ربّه السُّلَمي يعبد صَنَمًا، فرآه يومًا وثعلبان يبولان عليه فقال: [الطويل] أرَبٌّ يَبُول الثَّعْلَبانِ بِرأسِهِ … لَقَد زَلَّ منْ بَالَتْ عَلَيْهِ الثَّعالِبُ ثم شدَّ (٧) عليه فكسره، ثم جاء إلى رسول الله ﷺ فأسلم، وقال له رسول الله ﷺ : "ما اسمك؟ " قال: غاوي بن عبد العُزّى، فقال: "بل أنت راشدُ بن عبد رَبِّه" وأقطعه موضعًا يقال له: رُهاط،

стр. 2270

فيه (١) عَيْنٌ تَجْري، يقال لها: عَيْنُ الرَّسول (٢)، وقال: هو خير بني سليم، وعقد له على قَوْمِهِ، وشهدَ الفَتْحَ وما بعدَها. وَفدُ بني هِلالِ بن عامِرٍ وذَكَرَ في وَفْدِهِم (٣): عبدَ عَوْف بن أصرم (٤)، فأسلمَ، وسماه رسول الله ﷺ عبد الله، وقَبيصَةَ بن مُخارِقٍ (٥) الذي له حديثٌ في الصدقات (٦)، وذكَرَ في وَفْدِ بني هلالٍ زيادَ بن عبدِ الله بن مالكِ بن بُجَيْر بن الهُزَم (٧) بن رُؤيْبَة بن عبد الله بن هِلالِ بن عامِر، فلما دخل المدينة يمم (٨) منزل خالته ميمونة بنت الحارث، فدخل عليها، فلما دخل رسول الله ﷺ منزله رآه، فغضب ورجع، فقالت: يا رسول الله! إنه ابن أختي، فدخل ثم خرج (٩) إلى المسجد، ومعه زياد، فصلَّى الظُّهْر، ثم أدنى (١٠) زيادًا، فدعا له، ووضع يده على رأسه، ثم حَدَرَها على طرفِ أنفه، فكانت بنو هلالٍ تقول: مازلنا نتعرَّف البركة، في وجه زيادٍ. وقال الشاعر لعليِّ بن زياد: [الكامل] يا بن (١١) الَّذي مَسَحَ الرَّسولُ بِرَأسِهِ … وَدَعا لَهُ بالخَيْرِ عِنْدَ المَسْجِدِ

стр. 2271

أعني زيادًا لا أريدُ سِواءَهُ … مِنْ غَائرٍ أو (١) مُتْهمٍ أو مُنْجِدِ ما زَالَ ذَاكَ النُّورُ في عِرْنينه … حَتَّى تَبوَّأ بَيتَهُ في مُلْحَدِ (٢) وَفْدُ بني بَكْرِ بن وائِلٍ ذكر الواقدي (٣) أنهم لما قدموا سألوا رسول الله ﷺ عن قُسِّ بن سَاعِدَة (٤)، فقال: ليس ذاك منكم، ذاكَ رجلٌ من إيادٍ تَحَنَّفَ في الجاهلية، فوافى عُكاظًا (٥)، والناسُ مجتمعون، فكلمهم بكلامه الذي حُفِظَ عنه. قال: وكان في الوَفْدِ بَشير بن الخَصَاصية (٦) وعبدُ الله بن مَرْثَدٍ وحسانُ بن خُوْط (٧)، فقال رجل من ولد حسان (٨): أنا ابن (٩) حَسَّانَ بنِ خُوطٍ وأبي … رَسُولُ بَكْرٍ كُلِّها إلى النَّبي وَفْدُ بني تَغْلِبَ ذَكَرْ (١٠) أنَّهُمْ كانوا ستةَ عشر رجلًا مسلمين ونصارى عليهم صُلُبُ الذهب، فنزلوا دارَ رَمْلَةَ بنت الحارث، فصالح رسولُ الله ﷺ النَّصارى على أن لا يَصْبغوا أولادَهم في النّصرانية، وأجاز (١١) المسلمين منهم.

стр. 2272

وفاداتُ أهْل اليَمن: وَفْدُ تُجِيب ذكر الواقدي (١) أنّهُمْ قَدِموا سنة تسعٍ، وأنهم كانوا ثلاثةَ عشرَ رَجُلًا، فأجازهم (رسول الله ﷺ ) (٢) أكثر ما أجازَ غَيْرَهُمْ، وأنَّ غُلامًا منهم قال له رسول الله ﷺ : "ما حاجَتُكَ؟ " فقال: "يا رسولَ الله! ادْعُ اللهَ يَغْفِرْ لي ويَرْحَمْني، ويَجْعَلْ غِناي في قلبي، فقال: "اللهم اغْفِرْ لَهُ وارْحَمْهُ، واجْعَلْ غِناهُ في قَلْبه". فكان بعد ذلك من أزهد الناس. وَفْدَ خَوْلان ذَكَر [الواقدي] (٣) أنَّهم كانوا عَشرةً، وأنَّهم قدموا في شعبان سنة عشرٍ، وسألهم رسولُ الله ﷺ عن صنمهم الذي كان يُقال له: عَمُّ أَنَس، فقالوا: أُبْدِلْنا به (٤) خيرًا منه، ولَوْ قَدْ رَجَعْنا لَهَدَمْناهُ. وَتَعَلَّموا القُرآنَ والسُّنَنَ، فلمّا رَجَعوا هَدَموا الصَّنم، وأَحَلُّوا ما أَحَلَّ اللهُ وَحرَّمُوا ما حَرَّمَ الله (٥). وَفْدُ جُعْفي ذَكَرَ [الواقدي] (٦) أنَّهُمْ كانوا يُحرِّمون أكلَ القَلْبِ، فلما أسلم وَفْدُهُمْ أمَرَهُمْ رسولُ الله ﷺ بأَكْلِ القَلْبِ، وأمر به فشُوي، وناوله رئيسَهم وقال: "لا يتمّ إيمانُكُم حتّى تَأْكُلوه" فأخذه ويدُه تُرْعَدُ فَأَكَلَهُ وقال: [الوافر] عَلَى أنِّي أكَلْتُ القَلْبَ كُرْهًا … وتُرْعَدُ حِيْنَ مَسَّتْهُ بَنَانِي فصل في قدوم الأزد على رسول الله ﷺ - ذكر أبو نُعيم في كتاب "معرفة الصحابة"، والحافظ أبو موسى المديني، من حديث أحمد بن

стр. 2273

أبي الحَواري قال: سمعت أبا سليمان الدارانيّ قال: حدّثني عَلْقَمةُ بن يزيد (١) بن سُوَيْد الأزْدي قال: حدّثني أبي، عن جَدّي سُوَيْد (٢) بن الحارث قال: وَفدْتُ سابعَ سبعةٍ من قومي على رسول الله ﷺ ، فلما دخلنا عليه وكَلَّمْناه فأعجبه ما رأى من سَمْتِنا وزِيِّنا، فقال: "ما أنتم؟ " قلنا: مؤمنون. فتبسَّم رسولُ الله ﷺ وقال: "إن لكلِّ قولٍ حقيقةً، فما حقيقةُ (٣) قولِكُمْ وإيمانِكُم؟ " قلنا: خَمسَ عشرَةَ خَصْلةً؛ خَمْسٌ منها أمَرَتْنا بها رُسُلُك أن نؤمن بها، وخَمْسٌ أمَرَتنا أن نعملَ بها، وخَمْسٌ تَخَلَّقْنا بها في الجاهلية، فنحن عليها إلا أن تَكْرَهَ منها شيئًا، فقال رسول الله ﷺ : "ما الخمس (٤) التي أمرتْكم بها رسلي أن تُؤْمِنوا بها؟ " قلنا: أَمَرَتْنا أن نُؤْمِنَ باللهِ وملائِكَتِهِ وكتبهِ ورسلِه والبعثِ بعد الموت. قال: "وما الخَمْسُ (٥) التي أمَرَتْكُمْ أن تَعْمَلوا بها؟ " قلنا أمَرَتْنا أن نقولَ: لا إله إلا الله، ونقيمَ الصَّلاةَ، ونُؤْتي الزَّكاةَ، ونَصومَ رمضان، ونَحُجَّ البيتَ منِ اسْتَطاع إليه سبيلًا. فقال: "وما الخَمْس التي (٦) تَخَلَّقْتُمْ بها في الجاهلية؟ ". قالوا: الشكرُ عندَ الرَّخاء، والصَّبْرُ عندَ البلاء، والرِّضى بمُرِّ القضاء، والصِّدْقُ في مواطِنِ اللِّقاء، وَتركُ الشَّماتَةِ بالأعْداء. فقال رسول الله ﷺ : "حُكماءُ عُلماءُ كادوا من فِقْهِهِمْ أن يكونوا أنبياءَ" ثم قال: "وأنا أزيدُكُمْ خَمْسًا، فَتتمَّ لكم عشرون خَصْلَةً إن كنتم كما تقولون: فلا تَجْمَعوا ما لا تَأْكلون، ولا تَبْنُوا ما لا تَسْكُنون، ولا تنافَسوا في شيء أنتم عَنْهُ غَدًا تزولون، واتَّقُوا اللهَ الذي إليه تُرْجَعون، وعليه تُعْرضون، وارْغَبوا فيما عليه تُقدِمون، وفيه تخلُدون". فانصرفَ القومُ من عندِ رسولِ الله ﷺ ، وحَفظوا وَصِيَّته، وعَمِلوا بها (٧). ثم ذكر: وَفْدَ كِندة (٨) وأنَّهم كانوا بِضْعَةَ عشرَ راكبًا، عليهم الأشعثُ بن قَيْس، وأنه أجازَهُمْ بعَشرِ أَوَاق، وأجاز الأشعث ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّة، وقد تقدم.

стр. 2274

وفد الصَّدِف (١) قَدِموا في بِضْعَةَ عَشرَ راكبًا، فصادفوا رسولَ الله ﷺ يخطُبُ على المنبر، فَجَلسوا ولم يُسَلِّموا، فقال: "أمُسْلِمون أنتم؟ " قالوا: نَعَمْ، قال: "هَلَّا سلّمتم! " فقاموا قيامًا، فقالوا: السَّلامُ عليكَ أيها النبي ورحمةُ الله وبركاتُهُ، فقال: "وعليكُمُ السَّلامُ، اجلسوا"، فجلسوا، وسألوا رسولَ الله ﷺ عن أوقاتِ الصَّلَواتِ. وفد خُشَيْن قال (٢): وقدم أبو ثَعْلَبة الخَشَني، ورسولُ اللهِ يُجَهِّز إلى خَيْبَر، فشهدَ معه خَيْبَر، ثم قدمَ بعد ذلك بضعةَ عشرَ رجلًا منهم فأَسْلَموا. وفد بني سعد ثم ذكر وفد بني سعد هُذَيم (٣) وبَلِيّ (٤) وبَهْراء (٥)، وبني عُذْرة (٦)، وسَلامان (٧)، وجُهينة (٨) وبني كلْب (٩) والجَرْميِّين (١٠)، وقد تقدم حديثُ عَمْرو بن سَلِمَة الجَرْمي في "صحيح البخاري" (١١). * * * وذكر: وفد الأزدِ (١٢)، وغَسّان (١٣)، والحارث بن كعب (١٤)، وهَمْدان (١٥)، وسعد

стр. 2275

العَشيرة (١)، وَعَنْس (٢)، ووفد الدَّارييّن (٣)، والرَّهاويّين (٤)، وبني غامد (٥)، والنَّخَغ (٦)، وبَجِيْلة (٧)، وخَثْعم (٨) وحَضْرَموت (٩)، وذكر فيهم وائل بن حُجْر (١٠) وذكر فيهم الملوك الأربعة جَمْدًا (١١) ومِخْوسًا ومِشْرَحًا وأبْضَعَة (١٢)، وقد ورد في مسند أحمد لعنُهم مع أخْتِهم العَمَرَّدة (١٣) وتكلَّم الواقديُّ كلامًا فيه طولٌ. وذكرَ (١٤) وفدَ أزدِعُمَان، وغافِقٍ، وبارقٍ، ودَوْسٍ، وثُمالةَ، و الحُدَّان، وأسْلَم، وجُذَام، ومَهْرَة، وحِمْير، ونَجْران، وجَيْشان. وبَسْطُ الكلامِ على هذه القبائل يَطولُ جدًا. وقد قدمنا بعض ما يتعلقُ بذلك، وفيما أوردناه كفايةٌ، والله تعالى أعلم. ثم قال الواقدي (١٥): وَافِدُ السباع حدّثني شعيب بن عُبادة، عن المُطَّلِب بن عبد الله بن حَنْطَب (١٦) قال: بينا رسول الله ﷺ جالس بالمدينة في أصحابه أقْبَلَ ذِئْبٌ، فوقف بين يَدَيْهِ، فَعَوَى، فقال رسول الله ﷺ : "هذا وافِدُ السِّباع إليكم، فإنْ أحْبَبْتُمْ أن تَفْرِضوا له شيئًا لا يَعْدُوه إلى غيره، وإن أحْبَبْتُمْ تَرَكْتُموه، وتحذرتم (١٧) منه، فما أَخَذَ فهو رزقُه".

стр. 2276

قالوا: يا رسول الله، ما تطيبُ أنفسُنا له بشيء، فأومأ إليه النبيُّ ﷺ بأصابعه الثلاثِ، أي: خَالِسْهم، فولّى وله عَسَلان (١). وهذا مرسل من هذا الوجه، ويشبه هذا الذئبُ الذئبَ الذي ذُكر في الحديث الذي رواه الإمامُ أحمد (٢)، حدّثنا يزيد بن هارون، أنبأنا القاسم بن الفضل الحُدَّاني (٣)، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد الخُدْري قال: عدا الذئب على شاةٍ فأخذَها، فطلبها الرَّاعي، فانتزَعَها منه، فأقعى الذئب على ذَنَبه فقال: ألا تتقي اللهَ، تنزع مني رزقًا ساقَه الله إليّ، فقال: يا عجبًا ذئب مُقْعٍ على ذَنَبه، يُكلِّمُني كلام الإنس، فقال الذئب: ألا أُخْبِرُك بأعجبَ من ذلك، محمدٌ رسول الله ﷺ بيثربَ يُخْبِرُ النّاسَ بأنباء ما قد سبق، قال: فأقبل الراعي يسوقُ غَنمَه، حتى دخل المدينةَ، فزواها إلى زاويةٍ من زواياها، ثم أتى رسولَ الله ﷺ فأخبره، فأمر رسول الله ﷺ فنودي: الصلاة جامعة، ثم خرج، فقال للأعرابي: أخبرهم، فأخبرهم فقال رسول الله ﷺ : "صَدَقَ، والذي نَفْسي بيده، لا تقومُ الساعةُ حتَّى تكلّم السِّباعُ الإنسَ وتكلِّمَ الرجلَ عذبةُ سوطه (٤) وشِراكُ نَعْلِهِ، وتخبره فَخِذُه بما أحدثَ أهلهُ بعده". وقد رواه الترمذي (٥) عن سفيان بن وكيع بن الجّراح، عن أبيه، عن القاسم بن الفضل به. وقال: حسنٌ غريبٌ صحيحٌ، لا نعرفُه إلا من حديث القاسم بن الفضل به، وهو ثقةٌ مأمونٌ عند أهل الحديث، وثَّقه يحيى وابن مهدي. قلت: وقد رواه الإمام أحمد (٦) أيضًا، حدّثنا أبو اليَمان، أنبأنا شعيب هو ابنُ أبي حَمزة، حدّثني عبد الله بن أبي الحسين، حدّثني شَهْرَ (٧) أنّ أبا سعيد الخُدْري حدثه، فذكر هذه القصة بطولها، بأبسط من هذا السياق. ثم رواه أحمد (٨)، حدّثنا أبو النَّضْر، حدّثنا عبد الحميد بن بَهْرام (٩)، حدّثنا شهر،

стр. 2277

قال: وحدّث أبو سعيد، فذكره، وهذا السياق أشبهُ، والله أعلم، وهو إسنادٌ على شرطِ أهلِ السُّنَنِ، ولم يخرجوه. فصل وقد تقدَّم ذكر وفود الجن بمكة قبل الهجرة، وقد تَقَصَّينا الكلام في ذلك أيضًا (١) عند قوله تعالى في سورة [الأحقاف: ٢٩] ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ (٢) فذكرنا ما وردَ من الأحاديثِ في ذلك والآثار، وأوردنا حديثَ سَوادِ بن قارِبٍ الذي كان كاهنًا فأسلم وما رواه عن رَئيِّه الذي كان يأتيه بالخبر حين أسلم الرَّئِي (٣) حين قال له: [من السريع] عَجِبْتُ لِلْجنِّ وَأنْجَاسِهَا … وَشَدِّهَا العِيسَ بِأَحْلاسِهَا (٤) تَهْوي إلى مَكَّةَ تَبْغي الهُدَى … ما مُؤْمنُ الجِنِّ كَأَرْجاسِهَا فَانهَضْ إلى الصَّفْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ … وَاسْمُ بِعَيْنَيْكَ إلى رَاسِهَا ثم قوله: عَجِبْتُ لِلْجنّ وَتَطْلابِهَا … وَشَدِّهَا العِيسَ بأقتَابِهَا (٥) تَهْوي إلى مَكَّة تَبْغي الهُدَى … لَيْسَ قُداماها (٦) كأْذنَابِهَا فانهضْ إلى الصَّفْوةِ مِنْ هَاشِمٍ … وَاسْم بِعَيْنَيْكَ إلى نابِها (٧) ثم قوله: عَجِبْتُ لِلْجنِّ وَتخْبَارِهَا … وَشَدِّهَا العِيسَ بأكْوَارِهَا (٨) تَهْوي إلى مَكَّةَ تَبْغي الهُدى … لَيْسَ ذَوُو الشرِّ كَأخْيَارِهَا فانهضْ إلى الصَّفْوَةِ منْ هَاشِمٍ … ما مُؤْمنُو الجِّنِ كَكُفَّارهَا

стр. 2278

وهذا وأمثاله مما يدل على تكرار وفود الجن إلى مكة، وقد قرَّرنا ذلك هنالك بما فيه كفاية، ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق. وقد أوردَ الحافظُ أبو بكر البيهقي (١) ها هنا حديثًا غريبًا جدًا بل منكرًا، أو موضوعًا، ولكنَّ مخرجه عزيزٌ، أحْببنا أن نوردَه كما أوردَه، والعجبُ منه فإنَّه قال في "دلائل النبوة": باب قُدومِ هامة بن الهَيْم (٢) بن لاقيس بن إبليس على النبيِّ ﷺ وإسلامه. أخبرنا أبو الحسن (٣) محمد بن الحسين بن داود العَلَوي ﵀، أنبأنا أبو نصر محمد بن حَمْدَوَيْه بن سهلٍ الفَازِيّ (٤) المروزي، حدّثنا عبد الله بن حماد الآمُلي، حدّثنا محمد بن أبي معشر، أخبرني أبي، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال عمر ﵁: بينا نحن قعودٌ مع النبي ﷺ على جبلٍ من جبال تِهامة، إذ أقبل شيخٌ بيده عصًا فسلّم على النبي ﷺ ، فردّ، ثم قال: "نَغْمَةُ جنٍّ وغَمْغَمَتُهُم. من أنت؟ " قال: أنا هامة بن الهَيم بن لاقيس بن إبليس، فقال النبي ﷺ : "فما بينك وبين إبليس إلّا أبوان. فكم أتى عليك (٥) من الدهر؟ " قال: قد أفنيتُ الدنيا عمرَها إلا قليلًا، ليالي قتل قابيلُ هابيلَ كنت غلامًا ابن أعوام، أفهَمُ الكلامَ، وأمرُّ بالآكام، وآمر بإفساد الطَّعام وقطيعة الأرحام، فقال رسول الله ﷺ : "بئس عمل الشيخ المتوسِّم، والشاب المتلوِّم (٦) " قال: ذرني من الترداد، إنّي تائبٌ إلى الله ، إنّي كنتُ مع نوحٍ في مسجدِه مع مَنْ آمن به من قومه، فلم أزل أعاتبُه على دعوته على قومه حتى بكى وأبكاني، وقال: لا جرم، إنّي على ذلك من النادمين، وأعوذُ بالله أن أكون من الجاهلين، قال: قلت: يا نوح، إني كنت ممن اشترك في دم السّعيد الشّهيد هابيلَ بن آدم، فهل تجد لي عندك (٧) توبة؟ قال: يا هامُ، هُمَّ بالخير، وافعله قبل الحسرة والندامة، إني قرأت فيما أنزل الله عليَّ أنَّه ليس من عبد تاب إلى الله بالغٌ أمرُه ما بلغَ إلا تابَ الله عليه، قُمْ، فَتَوضَّأْ، واسْجُدْ لله سَجْدَتَيْنِ. قال: ففعلتُ من ساعَتي ما أمرني به، فناداني: ارفَعْ رَأسَكَ، فقد نَزَلَتْ توبتُكَ من السَّماءَ، فَخَرَرْتُ لله ساجدًا. قال: وكنتُ مع هودٍ في مسجده، مع منْ آمنَ به من قومه، فلم أزَلْ

стр. 2279

أعاتِبُهُ على دَعْوَتِهِ على قَوْمِهِ حتى بكى عليهم وأبكاني، فقال: لا جرَم، أنّي على ذلك من النّادمين، وأعوذُ بالله أن أكونَ من الجاهِلين، قال: وكنتُ مع صالح في مَسْجِدِه، مع منْ آمنَ به من قومه، فلم أزل أعاتبه على دَعْوته على قومه حتى بكى وأبكاني، وقال: أنا عَلَى ذلك من النادمين، وأعوذُ بالله أنْ أكونَ من الجاهلين، وكنتُ أزورُ يعقوبَ، وكنتُ مع يوسفَ في المكانِ الأمينِ، وكنتُ ألقى إلياسَ في الأودية، وأنا ألقاه الآن، وإني لقيتُ موسى بن عِمران، فعلَّمني من التَّوراة، وقال: إن لقيتَ عيسى ابن مريم فَأَقْرِئْهُ منِّي السَّلام، وإنّي لقيتُ عيسى ابن مريم فأقرأتُهُ عن موسى السلام، وإن عيسى قال: إن لقيتَ محمدًا ﷺ فَأَقْرِئْهُ مني السَّلام. فأرسل رسولُ الله ﷺ عَيْنَيْه فبكى، ثم قال: وعلى عيسى السلام ما دامتِ الدُّنْيا، وعليكَ السلام يا هامُ بأدائِكَ الأمانة. قال: يا رسول الله، افعل بي ما فعل موسى، إنِّه عَلَّمني من التوراة. قال: فعلَّمه رسول الله ﷺ "إذا وقَعَتِ الواقعةُ"، "والمرسلات"، "وعم يتساءلون"، و"إذا الشمس كورت"، والمعوذتين، "وقل هو الله أحد"، وقال: "ارفَعْ إلينا حاجتَك يا هامة، ولا تَدَعْ زيارَتنا". قال عمر: فقُبِضَ رسول الله ﷺ ولم يَعُدْ إلينا، فلا ندري الآن أحيٌّ هو أم ميتٌ؟ ثم قال البيهقي (١): أبو مَعْشَر هذا قد روى عنه الكِبَارُ، إلا أنَّ أهلَ العِلْم بالحديث يضعِّفونه. وقد رُوي هذا الحديثُ من وجهٍ آخر هو أقوى منه. والله أعلم. * * *

стр. 2280

سنة عشر من الهجرة باب بعث رسول الله خالد بن الوليد (١) قال ابن إسحاق (٢): ثم بعثَ رسولُ الله ﷺ خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر أو جُمادى الأولى سنةَ عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يَدْعوَهم إلى الإسلام -قبل أن يُقاتلهم- ثلاثًا، فإن استجابوا فاقْبلْ منهم، وإن لم يفعلوا فقاتِلْهُمْ. فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الرُّكْبانَ يَضْربون في كلِّ وجهٍ، ويَدْعون إلى الإسلام، ويقولون: أيُّها الناسُ، أسْلِموا تَسْلَموا. فأسلمَ الناسُ، ودخلوا فيما دُعُوا إليه، فأقام فيهم خالدٌ يعلِّمُهم الإسلامَ وكتابَ الله وسنةَ نبيّه ﷺ ، كما أمَرَهُ رسولُ الله إن هم أسْلَموا ولم يُقاتِلوا. ثم كتبَ خالدُ بن الوليد إلى رسول الله ﷺ (٣): بسم الله الرحمن الرحيم: إلى محمد (٤) النبي رسول الله من خالد بن الوليد، السلامُ عليكَ يا رسولَ الله ورحمةُ الله وبركاتُه، فإنِّي أحمدُ إليكَ اللهَ الذي لا إله إلا هو، أما بعدُ، يا رسولَ الله، صلَّي الله عليك، فإنِّك بَعَثْتَني إلى بني الحارث بن كعب وأمَرْتَني، إذا أتيتُهم أن لا أقاتِلَهُمْ ثلاثةَ أيامٍ، وأن أدعوَهم إلى الإِسلام، فإن أسْلَموا قبلتُ منهم، وعَلَّمتُهم معالِمَ الإسلامِ وكتابَ الله وسنَّةَ نبيّه، وإن لم يُسْلِموا قاتَلْتُهُمْ، وإني قَدِمْتُ عليهم فَدَعَوْتُهم إلى الإسلام ثلاثةَ أيامٍ كما أَمَرَني رسولُ الله ﷺ ، وبَعَثْتُ فيهم رُكبانًا قالوا (٥): يا بني الحارث، أسْلِموا تَسْلَموا، فأسْلَموا ولم يُقاتلُوا، وأنا مُقيمٌ ما بين أَظْهُرِهم آمُرُهُمْ بما أمرهم الله به، وأنْهاهُمْ عما نَهاهُمُ اللهُ عَنْه، وأُعلِّمُهم معالمَ الإسلام وسنَّة النبيّ -صلي الله عليه ويلم-، حتى يكتبَ إليّ رسولُ الله ﷺ . والسلامُ عليكَ يا رسولَ الله ورحمةُ اللهِ وبركاته. فَكَتبَ إليه رسول الله ﷺ (٦):
следующие страницы →