← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

قالوا: يا رسول الله، ما تطيبُ أنفسُنا له بشيء، فأومأ إليه النبيُّ ﷺ بأصابعه الثلاثِ، أي: خَالِسْهم، فولّى وله عَسَلان (١). وهذا مرسل من هذا الوجه، ويشبه هذا الذئبُ الذئبَ الذي ذُكر في الحديث الذي رواه الإمامُ أحمد (٢)، حدّثنا يزيد بن هارون، أنبأنا القاسم بن الفضل الحُدَّاني (٣)، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد الخُدْري قال: عدا الذئب على شاةٍ فأخذَها، فطلبها الرَّاعي، فانتزَعَها منه، فأقعى الذئب على ذَنَبه فقال: ألا تتقي اللهَ، تنزع مني رزقًا ساقَه الله إليّ، فقال: يا عجبًا ذئب مُقْعٍ على ذَنَبه، يُكلِّمُني كلام الإنس، فقال الذئب: ألا أُخْبِرُك بأعجبَ من ذلك، محمدٌ رسول الله ﷺ بيثربَ يُخْبِرُ النّاسَ بأنباء ما قد سبق، قال: فأقبل الراعي يسوقُ غَنمَه، حتى دخل المدينةَ، فزواها إلى زاويةٍ من زواياها، ثم أتى رسولَ الله ﷺ فأخبره، فأمر رسول الله ﷺ فنودي: الصلاة جامعة، ثم خرج، فقال للأعرابي: أخبرهم، فأخبرهم فقال رسول الله ﷺ : "صَدَقَ، والذي نَفْسي بيده، لا تقومُ الساعةُ حتَّى تكلّم السِّباعُ الإنسَ وتكلِّمَ الرجلَ عذبةُ سوطه (٤) وشِراكُ نَعْلِهِ، وتخبره فَخِذُه بما أحدثَ أهلهُ بعده". وقد رواه الترمذي (٥) عن سفيان بن وكيع بن الجّراح، عن أبيه، عن القاسم بن الفضل به. وقال: حسنٌ غريبٌ صحيحٌ، لا نعرفُه إلا من حديث القاسم بن الفضل به، وهو ثقةٌ مأمونٌ عند أهل الحديث، وثَّقه يحيى وابن مهدي. قلت: وقد رواه الإمام أحمد (٦) أيضًا، حدّثنا أبو اليَمان، أنبأنا شعيب هو ابنُ أبي حَمزة، حدّثني عبد الله بن أبي الحسين، حدّثني شَهْرَ (٧) أنّ أبا سعيد الخُدْري حدثه، فذكر هذه القصة بطولها، بأبسط من هذا السياق. ثم رواه أحمد (٨)، حدّثنا أبو النَّضْر، حدّثنا عبد الحميد بن بَهْرام (٩)، حدّثنا شهر،

стр. 2277

قال: وحدّث أبو سعيد، فذكره، وهذا السياق أشبهُ، والله أعلم، وهو إسنادٌ على شرطِ أهلِ السُّنَنِ، ولم يخرجوه. فصل وقد تقدَّم ذكر وفود الجن بمكة قبل الهجرة، وقد تَقَصَّينا الكلام في ذلك أيضًا (١) عند قوله تعالى في سورة [الأحقاف: ٢٩] ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ (٢) فذكرنا ما وردَ من الأحاديثِ في ذلك والآثار، وأوردنا حديثَ سَوادِ بن قارِبٍ الذي كان كاهنًا فأسلم وما رواه عن رَئيِّه الذي كان يأتيه بالخبر حين أسلم الرَّئِي (٣) حين قال له: [من السريع] عَجِبْتُ لِلْجنِّ وَأنْجَاسِهَا … وَشَدِّهَا العِيسَ بِأَحْلاسِهَا (٤) تَهْوي إلى مَكَّةَ تَبْغي الهُدَى … ما مُؤْمنُ الجِنِّ كَأَرْجاسِهَا فَانهَضْ إلى الصَّفْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ … وَاسْمُ بِعَيْنَيْكَ إلى رَاسِهَا ثم قوله: عَجِبْتُ لِلْجنّ وَتَطْلابِهَا … وَشَدِّهَا العِيسَ بأقتَابِهَا (٥) تَهْوي إلى مَكَّة تَبْغي الهُدَى … لَيْسَ قُداماها (٦) كأْذنَابِهَا فانهضْ إلى الصَّفْوةِ مِنْ هَاشِمٍ … وَاسْم بِعَيْنَيْكَ إلى نابِها (٧) ثم قوله: عَجِبْتُ لِلْجنِّ وَتخْبَارِهَا … وَشَدِّهَا العِيسَ بأكْوَارِهَا (٨) تَهْوي إلى مَكَّةَ تَبْغي الهُدى … لَيْسَ ذَوُو الشرِّ كَأخْيَارِهَا فانهضْ إلى الصَّفْوَةِ منْ هَاشِمٍ … ما مُؤْمنُو الجِّنِ كَكُفَّارهَا

стр. 2278

وهذا وأمثاله مما يدل على تكرار وفود الجن إلى مكة، وقد قرَّرنا ذلك هنالك بما فيه كفاية، ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق. وقد أوردَ الحافظُ أبو بكر البيهقي (١) ها هنا حديثًا غريبًا جدًا بل منكرًا، أو موضوعًا، ولكنَّ مخرجه عزيزٌ، أحْببنا أن نوردَه كما أوردَه، والعجبُ منه فإنَّه قال في "دلائل النبوة": باب قُدومِ هامة بن الهَيْم (٢) بن لاقيس بن إبليس على النبيِّ ﷺ وإسلامه. أخبرنا أبو الحسن (٣) محمد بن الحسين بن داود العَلَوي ﵀، أنبأنا أبو نصر محمد بن حَمْدَوَيْه بن سهلٍ الفَازِيّ (٤) المروزي، حدّثنا عبد الله بن حماد الآمُلي، حدّثنا محمد بن أبي معشر، أخبرني أبي، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال عمر ﵁: بينا نحن قعودٌ مع النبي ﷺ على جبلٍ من جبال تِهامة، إذ أقبل شيخٌ بيده عصًا فسلّم على النبي ﷺ ، فردّ، ثم قال: "نَغْمَةُ جنٍّ وغَمْغَمَتُهُم. من أنت؟ " قال: أنا هامة بن الهَيم بن لاقيس بن إبليس، فقال النبي ﷺ : "فما بينك وبين إبليس إلّا أبوان. فكم أتى عليك (٥) من الدهر؟ " قال: قد أفنيتُ الدنيا عمرَها إلا قليلًا، ليالي قتل قابيلُ هابيلَ كنت غلامًا ابن أعوام، أفهَمُ الكلامَ، وأمرُّ بالآكام، وآمر بإفساد الطَّعام وقطيعة الأرحام، فقال رسول الله ﷺ : "بئس عمل الشيخ المتوسِّم، والشاب المتلوِّم (٦) " قال: ذرني من الترداد، إنّي تائبٌ إلى الله ، إنّي كنتُ مع نوحٍ في مسجدِه مع مَنْ آمن به من قومه، فلم أزل أعاتبُه على دعوته على قومه حتى بكى وأبكاني، وقال: لا جرم، إنّي على ذلك من النادمين، وأعوذُ بالله أن أكون من الجاهلين، قال: قلت: يا نوح، إني كنت ممن اشترك في دم السّعيد الشّهيد هابيلَ بن آدم، فهل تجد لي عندك (٧) توبة؟ قال: يا هامُ، هُمَّ بالخير، وافعله قبل الحسرة والندامة، إني قرأت فيما أنزل الله عليَّ أنَّه ليس من عبد تاب إلى الله بالغٌ أمرُه ما بلغَ إلا تابَ الله عليه، قُمْ، فَتَوضَّأْ، واسْجُدْ لله سَجْدَتَيْنِ. قال: ففعلتُ من ساعَتي ما أمرني به، فناداني: ارفَعْ رَأسَكَ، فقد نَزَلَتْ توبتُكَ من السَّماءَ، فَخَرَرْتُ لله ساجدًا. قال: وكنتُ مع هودٍ في مسجده، مع منْ آمنَ به من قومه، فلم أزَلْ

стр. 2279

أعاتِبُهُ على دَعْوَتِهِ على قَوْمِهِ حتى بكى عليهم وأبكاني، فقال: لا جرَم، أنّي على ذلك من النّادمين، وأعوذُ بالله أن أكونَ من الجاهِلين، قال: وكنتُ مع صالح في مَسْجِدِه، مع منْ آمنَ به من قومه، فلم أزل أعاتبه على دَعْوته على قومه حتى بكى وأبكاني، وقال: أنا عَلَى ذلك من النادمين، وأعوذُ بالله أنْ أكونَ من الجاهلين، وكنتُ أزورُ يعقوبَ، وكنتُ مع يوسفَ في المكانِ الأمينِ، وكنتُ ألقى إلياسَ في الأودية، وأنا ألقاه الآن، وإني لقيتُ موسى بن عِمران، فعلَّمني من التَّوراة، وقال: إن لقيتَ عيسى ابن مريم فَأَقْرِئْهُ منِّي السَّلام، وإنّي لقيتُ عيسى ابن مريم فأقرأتُهُ عن موسى السلام، وإن عيسى قال: إن لقيتَ محمدًا ﷺ فَأَقْرِئْهُ مني السَّلام. فأرسل رسولُ الله ﷺ عَيْنَيْه فبكى، ثم قال: وعلى عيسى السلام ما دامتِ الدُّنْيا، وعليكَ السلام يا هامُ بأدائِكَ الأمانة. قال: يا رسول الله، افعل بي ما فعل موسى، إنِّه عَلَّمني من التوراة. قال: فعلَّمه رسول الله ﷺ "إذا وقَعَتِ الواقعةُ"، "والمرسلات"، "وعم يتساءلون"، و"إذا الشمس كورت"، والمعوذتين، "وقل هو الله أحد"، وقال: "ارفَعْ إلينا حاجتَك يا هامة، ولا تَدَعْ زيارَتنا". قال عمر: فقُبِضَ رسول الله ﷺ ولم يَعُدْ إلينا، فلا ندري الآن أحيٌّ هو أم ميتٌ؟ ثم قال البيهقي (١): أبو مَعْشَر هذا قد روى عنه الكِبَارُ، إلا أنَّ أهلَ العِلْم بالحديث يضعِّفونه. وقد رُوي هذا الحديثُ من وجهٍ آخر هو أقوى منه. والله أعلم. * * *

стр. 2280

سنة عشر من الهجرة باب بعث رسول الله خالد بن الوليد (١) قال ابن إسحاق (٢): ثم بعثَ رسولُ الله ﷺ خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر أو جُمادى الأولى سنةَ عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يَدْعوَهم إلى الإسلام -قبل أن يُقاتلهم- ثلاثًا، فإن استجابوا فاقْبلْ منهم، وإن لم يفعلوا فقاتِلْهُمْ. فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الرُّكْبانَ يَضْربون في كلِّ وجهٍ، ويَدْعون إلى الإسلام، ويقولون: أيُّها الناسُ، أسْلِموا تَسْلَموا. فأسلمَ الناسُ، ودخلوا فيما دُعُوا إليه، فأقام فيهم خالدٌ يعلِّمُهم الإسلامَ وكتابَ الله وسنةَ نبيّه ﷺ ، كما أمَرَهُ رسولُ الله إن هم أسْلَموا ولم يُقاتِلوا. ثم كتبَ خالدُ بن الوليد إلى رسول الله ﷺ (٣): بسم الله الرحمن الرحيم: إلى محمد (٤) النبي رسول الله من خالد بن الوليد، السلامُ عليكَ يا رسولَ الله ورحمةُ الله وبركاتُه، فإنِّي أحمدُ إليكَ اللهَ الذي لا إله إلا هو، أما بعدُ، يا رسولَ الله، صلَّي الله عليك، فإنِّك بَعَثْتَني إلى بني الحارث بن كعب وأمَرْتَني، إذا أتيتُهم أن لا أقاتِلَهُمْ ثلاثةَ أيامٍ، وأن أدعوَهم إلى الإِسلام، فإن أسْلَموا قبلتُ منهم، وعَلَّمتُهم معالِمَ الإسلامِ وكتابَ الله وسنَّةَ نبيّه، وإن لم يُسْلِموا قاتَلْتُهُمْ، وإني قَدِمْتُ عليهم فَدَعَوْتُهم إلى الإسلام ثلاثةَ أيامٍ كما أَمَرَني رسولُ الله ﷺ ، وبَعَثْتُ فيهم رُكبانًا قالوا (٥): يا بني الحارث، أسْلِموا تَسْلَموا، فأسْلَموا ولم يُقاتلُوا، وأنا مُقيمٌ ما بين أَظْهُرِهم آمُرُهُمْ بما أمرهم الله به، وأنْهاهُمْ عما نَهاهُمُ اللهُ عَنْه، وأُعلِّمُهم معالمَ الإسلام وسنَّة النبيّ -صلي الله عليه ويلم-، حتى يكتبَ إليّ رسولُ الله ﷺ . والسلامُ عليكَ يا رسولَ الله ورحمةُ اللهِ وبركاته. فَكَتبَ إليه رسول الله ﷺ (٦):

стр. 2281

"بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي رسول الله إلى خالد بن الوليد: سلامٌ عليكَ، فإنِّي أحمدُ إليكَ اللهَ الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإنّ كتابَك جاءني مع رسولك، تخبرُ أنَّ بني الحارث بن كعب قد أسلموا قبل أن تقاتلهم، وأجابوا إلى ما دَعَوْتَهم إليه من الإِسلام، وشَهِدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبد الله (١) ورسوله، وأنْ قد هداهم اللهُ بهُداه، فبشّرهم وأنْذِرْهُم وأَقْبِل، وليُقْبل معكَ وَفْدُهم. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته". فأقبل خالدٌ إلى رسول الله ﷺ ، وأقبل معه وفدُ بني الحارث بن كعب، منهم قَيْسُ بن الحُصَيْن ذي الغصَّة (٢) ويزيد بن عبد المَدَان (٣)، ويزيد بن المُحَجّل (٤)، وعبد الله بن قُرَاد (٥) الزّيادي، وشَدّاد بن عبيد الله القَنَاني (٦)، وعمرو بن عبد الله الضِّبابي (٧)، فلما قدموا على رسول الله ﷺ ورآهم؛ قال: "مَنْ هؤلاء القومُ الذين كأنَّهم رجالُ الهند؟ " قيل: يا رسولَ الله، هؤلاء بنو الحارث بن كعب. فلما وقفوا على رسول الله ﷺ سَلّموا عليه، وقالوا: نَشْهَدُ (٨) أنَّكَ رسولُ الله وأنَّه لا إله إلا الله. فقال رسول الله ﷺ : "وأنا أشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وأنّي رسولُ الله". ثم قال: "أنتم الذين إذا زُجروا استَقْدَموا" فسكتوا، فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الثانية، ثم الثالثة، فلم يُراجِعْهُ منهم أحد، ثم أعادها الرابعةَ. قال يزيد بن عبد المَدان: نعم يا رسول الله، نحنُ الذين إذا زُجِروا اسْتَقْدَموا، قالها أربعَ مراتٍ. فقال رسول الله ﷺ : "لو أنَّ خالدًا لم يكتب إليَّ أنكم أسلمتم ولم تُقاتلوا لألقيتُ رؤوسَكم تحت أقدامكم". فقال يزيد بن عبد المَدان: أما والله ما حَمِدْناكَ ولا حَمِدْنا خالدًا. قال: "فمن حَمِدتُم (٩)؟ " قالوا: حمدنا الله الذي هدانا بكَ يا رسولَ الله، فقال رسول الله ﷺ : "صَدَقْتُم". ثم قال: "بِمَ كُنْتُمْ تَغْلِبون منْ قاتَلَكُم في الجاهلية؟ " قالوا: لم نَكُ نَغْلِبُ أحدًا. قال: "بلى، قد كُنْتُم تَغْلِبون من قاتَلَكُم". قالوا: كنا نَغْلِبُ من قاتَلَنا يا رسولَ الله، أنّا كُنّا نَجْتَمِعُ ولا نَتَفَرَّق، ولا نَبْدَأ أحدًا بظُلْمٍ. قال: "صَدَقْتُمْ". ثم أمَّر عليهم قَيْسَ بن الحُصَيْن.

стр. 2282

قال ابن إسحاق (١): ثم رَجعوا إلى قَوْمِهم في بَقيَّةِ شَوّالٍ أو في صَدْرِ ذي القعدة، قال: ثم بعثَ إليهم بعدَ أن وَلَّى وفدُهم عمرَو بن حَزْم (٢) ليُفَقِّهَهُم في الدِّين، ويُعَلِّمَهُم السُّنَّةَ ومعالمَ الإِسلام، ويأخذَ منهم صَدَقاتِهم، وكتب له كتابًا عهد إليه (٣) فيه عهدَه، وأمره أمرَهُ. ثم أورده ابنُ إسحاق. وقد قدمناه في وفد ملوك حمير من طريق البيهقي. وقد رواه النَّسائي (٤) نظيرَ ما ساقه محمد بن إسحاق بغير إسناد. بَعْثُ رسولِ الله ﷺ الأمراءَ إلى أهْلِ اليَمَنِ قبل حجة الوداع يدعونهم إلى الله (٥) قال البخاري (٦): باب بعث أبي موسى ومعاذٍ إلى اليمن قبل حجة الوداع. حدّثنا موسى، حدّثنا أبو عَوانة، حدّثنا عبد الملك، عن أبي بُردة قال: بعث النبيُّ ﷺ أبا موسى ومُعاذ بن جَبَل إلى اليمن. قال: وبعث كلَّ واحدٍ منهما على مِخْلاف (٧). قال: واليمنُ مِخْلافان. ثم قال: "يَسِّرا ولا تُعَسِّرا وبَشِّرا ولا تُنفِّرا" وفي روايةٍ: "وتطاوَعا ولا تَخْتَلفا" وانطلقَ كلُّ واحدٍ منهما إلى عمله. قال: وكان كلُّ واحدٍ منهما إذا سار في أرضه وكان قريبًا من صاحبه أحدثَ به عَهْدًا، فسلَّم عليه، فسار معاذٌ في أرضه قريبًا من صاحبه أبي موسى، فجاء يسيرُ على بغلته حتّى انتهى إليه، فإذا هو جالسٌ وقد اجتمع الناسُ إليه، وإذا رجلٌ عندَه قد جُمِعَتْ يداه، إلى عنقه (٨) فقال له معاذٌ: يا عبدَ اللهِ بن قيس، أيُّمَ هذا (٩)؟ قال: هذا رجلٌ كَفَرَ بعدَ إسلامه، قال: لا أنزلُ حتَّى يُقتلَ. قال: إنما جِيءَ به لذلك، فانْزلْ. قال: ما أَنْزِلُ حتّى يُقْتَلَ، فأمرَ به فقُتِل، ثم نزل.

стр. 2283

فقال: يا عبدَ الله، كيف تَقْرأ القرآنَ؟ قال: أتَفَوَّقُه تفوُّقًا (١). قال: فكيف تقرَأ أنتَ يا معاذ؟ قال: أنام أولَ الليلِ، فأقومُ وقد قضيتُ جُزْئي من النوم، فَأَقْرأ ما كتبَ الله لي، فأحتَسِبُ نَوْمَتي كما أحْتَسِب قَوْمَتي. انفرد به البخاري دون مسلم من هذا الوجه. ثم قال البخاري (٢): حدّثنا إسحاق، حدّثنا خالد، عن الشيباني، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى الأشعري. أنّ رسولَ الله ﷺ بعثَه إلى اليَمَنِ، فسأله عن أشربةٍ تُصْنَعُ بها. فقال: ما هي؟ قال: البِتْعُ والمِزر. فقلتُ: لأبي بردة: ما البِتْعُ؟ قال: نَبيذُ العَسَل، والمِزْرُ: نَبيذُ الشَّعير. فقال: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ". رواه جَريرٌ وعبدُ الواحد، عن الشيباني، عن أبي بردة. ورواه مسلم (٣) من حديث سعيد بن أبي بردة. وقال البخاري (٤): حدّثنا حِبان، أنبأنا عبد الله، عن زكريا بن إسحاق (٥)، عن يحيى بن عبد الله بن صَيْفي، عن أبي مَعْبَد مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حينَ بعثَه إلى اليمن. "إنكَ سَتَأْتي قَوْمًا أهلَ كتاب، فإذا جِئتهُم فادْعُهُم إلى أن يَشْهَدوا أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا رسولُ الله، فإن هم أطاعوا لكَ بذلك فأَخْبِرْهم أن الله قد (٦) فرض عليهم خمس صلوات كلَّ يومٍ وليلةٍ، فإن هم أطاعوا لكَ بذلك فأخْبِرهُم؛ أنّ الله قد فرضَ عليهم صدقةً تُؤْخذُ من أغنيائهم فتردّ على فُقرائهم، فإنْ هَمْ أطاعوا لك بذلك فإيَّاك وكَرائمَ أموالهم، واتّقِ دعوة المظلوم، فإنّه ليس بينها وبينَ الله حِجابٌ". وقد أخرجَهُ بقيةُ الجماعة من طُرقٍ مُتَعدّدةٍ (٧).

стр. 2284

وقال الإمام أحمد (١): حدّثنا أبو المغيرة، حدّثنا صفوان، حدّثني راشدُ بن سَعْدٍ، عن عاصم بن حُمَيْد السكوني، عن معاذ بن جبل، قال لما بعثه رسول الله ﷺ -إلى اليمن، خرج معه يُوصيه، ومعاذٌ راكبٌ ورسولُ الله ﷺ يمشي تحتَ راحلته، فلما فرغَ قال: "يا معاذُ إنكَ عسى ألّا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلَّكَ أن تمرَّ بمسجدي هذا وقبري" (٢) فبكى معاذٌ جَشعًا (٣) لفراقِ رسول الله ﷺ ، ثم التفتَ بوجههِ نحوَ المدينة فقال: "إن أولى النّاسِ بي المُتَّقون، مَنْ كانوا وحيثُ كانوا". ثم رواه (٤) عن أبي اليَمانِ، عن صَفْوان بن عمرو، عن راشد بن سَعْدٍ، عن عاصمِ بن حُمَيْدِ السَّكوني: أنّ مُعاذًا لما بَعَثَهُ رسولُ الله ﷺ إلى اليمن خرجَ معه يوصيه، ومعاذٌ راكبٌ، ورسولُ الله يمشي تحتَ راحلته، فلما فرغ قال: "يا معاذُ، إنَّكَ عسى ألَّا تلقاني بعدَ عامي هذا، ولعلَّكَ أن تمرّ بمسجدي هذا وقبري" فبكى معاذٌ جَشَعًا لفراق رسول الله ﷺ . فقال: "لا تَبْكِ يا مُعاذ، للبكاء أوانٌ، البكاءُ من الشيطان". وقال الإمام أحمد (٥): حدّثنا أبو المُغيرة، حدّثنا صَفْوان، حدّثني أبو زياد يحيى بن عُبيد الغساني، عن يزيد بن قُطَيْبٍ، عن معاذ أنّه كان يقول: بَعَثَني رسولُ الله ﷺ إلى اليمن فقال: "لعلكَ أن تمرّ بقَبْري ومَسْجدي، فقد بَعَثْتُكَ إلى قومٍ رقيقةٍ قُلوبُهم، يُقاتلون على الحقّ. مَرَّتَيْن. فقاتِلْ بمَنْ أطاعَكَ منهم منْ عَصاك، ثم يَفيئونَ إلى الإسلام، حتى تبادِرَ المَرْأةُ زوجَها، والولدُ والده، والأخ أخاه، فانزل بين الحيين، السَّكُون والسكاسك" (٦). وهذا الحديث فيه إشارةٌ وظُهورٌ وإيماءٌ إلى أنَّ مُعاذًا ﵁ لا يجتمع بالنبيّ ﷺ بعد ذلك، وكذلك وقع، فإنَّه أقامَ باليمن حتّى كانت حِجَّة الوَداعِ، ثم كانت وفاتُه ﵇ بعد أحدٍ وثمانين يومًا من يوم الحجِّ الأكبر. فأما الحديث الذي قال الإمام أحمد (٧): حدّثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي ظَبْيان، عن مُعاذٍ أنّه لما رجعَ من اليمن قال: يا رسولَ الله، رأيتُ رجالًا باليمن يسجدُ بعضُهم لبعضٍ، أفلا نسجدُ لكَ!؟ قال: "لو كنتُ آمرًا بشرًا أن يَسْجُدَ لبشرٍ لأمرتُ المرأةَ أن تَسْجُدَ لزَوْجها".

стр. 2285

وقد رواه أحمد (١)، عن ابن نُمَيْر، عن الأعمش: سمعتُ أبا ظَبْيان يُحَدِّثُ عن رجلٍ من الأنصارِ، عن مُعاذِ بن جَبَلٍ قال: أقبل مُعاذٌ من اليَمَن فقال: يا رسولَ الله إِني رأيتُ رجالًا. فذكر معناه. فقد دارَ على رجلٍ مُبْهَم (٢)، ومثله لا يُحْتَجُّ به، لا سيما وقد خالفه غيرُه ممَّنْ يُعْتَدّ به، فقالوا: لما قَدِمَ مُعاذ من الشّام. كذلك رواه (٣). وقال أحمد (٤): حدّثنا إبراهيم بن مَهْدي، حدّثنا إسماعيل بن عَيّاش، عن عبد الله بن (٥) عبد الرحمن بن أبي حسين، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن معاذ بن جبل قال: قال لي رسول الله ﷺ : "مَفاتيحُ الجَنّة شَهادةُ أن لا إله إلا الله". وقال أحمد (٦): حدّثنا وَكيعٌ، حدّثنا سُفْيان، عن حَبيب بن أبي ثابت، عن مَيْمون بن أبي شَبيب، عن مُعاذ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: يا مُعاذ، أتبع السَّيئةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها، وخالقِ النّاسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ". قال وكيع: وَجَدْتُه في كتابي عن أبي ذَرّ وهو السَّماع الأول. وقال سفيان مرة: عن معاذٍ. ثم قال الإمام أحمد (٧): حدّثنا إسماعيل، عن ليث، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، عن مُعاذٍ: أنّه قال: يا رسولَ الله، أوْصِني. فقال: "اتَّقِ اللهَ حَيْثُما كُنْتَ" (٨) قال: زدني. قال: "أتبع السَّيئةَ الحَسَنةَ تَمْحُها" قال: زدني. قال: "خالقِ الناسَ بخلقٍ حسن". وقد رواه الترمذي (٩) في جامعه، عن محمود بن غَيْلان، عن وَكيعٍ، عن سُفْيَان الثوري به، وقال: حسن. قال شيخنا في الأطراف (١٠): وتابعه فُضَيْل بن عياض (١١)، عن ليث بن أبي سُلَيْم، والأعْمَش (١٢)، عن حبيب به.

стр. 2286

وقال أحمد (١): حدثنا أبو اليَمان، حدّثنا إسماعيل بن عَيّاش، عن صَفْوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جُبير بن نُفَير الحضرمي، عن مُعاذ بن جبل قال: أوصاني رسول الله ﷺ بعشر كلمات قال: "لا تُشْرِكْ بالله شيئًا وإن قُتِّلت وحُرِّقت، ولا تَعُقَّنَّ والدَيْكَ وإن أمراكَ أن تَخْرُجَ من أهلك ومالك، ولا تَتْركَنَّ صلاةً مكتوبةً متعمدًا، فإنَّ منْ تَرْكَ صلاةً مكتوبةً مُتَعَمِّدًا فقد بَرئَتْ منه ذِمَّةُ الله، ولا تَشْرَبنَّ خَمْرًا فإنّه رأسُ كُلِّ فاحِشَةٍ، وإياك والمَعْصِيةَ، فإن بالمَعْصِية يَحِلُّ سُخْطُ الله، وإيَّاكَ والفِرارَ من الزَّحْف وإن هَلَكَ النَّاسُ، وإذا أصابَ الناسَ موتٌ وأنتَ فيهم فاثْبُتْ، وأنْفِقْ على عِيالِكَ من طَوْلك، ولا تَرفَعْ عَنْهُمْ عَصاكَ أدبًا، وأخِفْهُمْ في اللهِ ". وقال الإمام أحمد (٢): حدّثنا يونس، حدّثنا بَقيَّة، عن السَّرِيّ بن يَنْعُم (٣)، عن مُريح (٤) بن مَسْرُوق، عن مُعاذ بن جبل، أنَّ رسول الله ﷺ لما بعثَه إلى اليمن قال: "إيّاك (٥) والتنعمَ، فإنّ عبادَ الله ليسوا بالمُتَنَعَّمين". وقال أحمد (٦): حدّثنا سليمان بن داود الهاشمي، حدّثنا أبو بكر - يعني ابن عياش -، حدّثنا عاصم، عن أبي وائل، عن معاذ قال: بَعَثني رسولُ الله ﷺ إلى اليَمَن، وأمرني أن آخذ من كل حالم دينارًا أو عَدْلَه من المعافر، وأمرني أن آخُذَ من كلِّ أرْبَعينَ بقَرَةً مُسِنَّةً، ومن كُلِّ ثلاثين بقرةً تَبيعًا حَوْليًا، وأمرني فيما سَقَتِ السَّماءُ العُشر، وما سُقِي بالدَّوالي، نصفُ العُشْرِ". وقد رواه أبو داود (٧) من حديث أبي معاوية، والنَّسائي (٨) من حديث محمد بن إسحاق، عن الأعمش كذلك.

стр. 2287

وقد رواه أهل السُّنَن الأربعة (١) من طرقٍ، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ به (٢). وقال أحمد (٣): حدّثنا معاوية بن (٤) عمرو وهارون بن معروف قالا: حدّثنا عبدُ الله بن وَهْب، عن حَيْوة، عن يزيد بن أبي حَبيب، عن سَلَمة بن أسامة، عن يحيى بن الحكم أنَّ مُعاذًا قال: بعثني رسول الله ﷺ أُصَدِّق (٥) أهل اليمن، فأمرني أن آخُذَ من البقر من كُلّ ثلاثينَ، تَبيعًا - قال هارون: والتَّبيع: الجَذَع أو الجَذْعة - ومن كل أربعين، مسنَّةً، فعَرَضوا عليَّ أنْ آخُذَ ما بينَ الأربعين والخمسين، وما بين السِّتين والسَّبعين، وما بين الثّمانين والتِّسعين، فأبيتُ ذلك، وقلتُ لهم: حتى (٦) أسالَ رسولَ الله ﷺ عن ذلك، فقَدِمْتُ فأخبرتُ النبيَّ ﷺ ، فأمرني أن آخُذَ من كل ثلاثين، تَبيعًا، ومن كُلِّ أربعين، مُسِنَّةً، ومن الستّين تَبيعَيْن، ومن السّبعين مُسنَّةً وتَبيعًا، ومن الثمانين مُسِنّتَيْن، ومن التِّسعين ثلاثة أتْباعٍ، ومن المئة مُسِنَّةً وتَبيعَيْن، ومن العشرة ومئةٍ مُسِنّتَيْن وتبيعًا، ومن العشرين ومئة ثلاثَ مُسِنّات أو أربعةَ أتباعٍ، قال: وَأَمَرني رسولُ الله ﷺ ألا آخُذَ فيما بين ذلك شَيْئًا إلا أن يَبْلَغْ مُسِنةً أو جَذَعًا (٧)، وزعمَ أنّ الأوْقاصَ (٨) لا فَريضةَ فيها. وهذا من أفراد أحمد، وفيه دلالةٌ على أنّه قَدِمَ بعد مصيره إلى اليمن على رسول الله ﷺ ، والصحيحُ أنَّه لم يَرَ النبيَّ ﷺ بعد ذلك، كما تقدم في الحديث. وقد قال عبد الرزاق (٩): أنبأنا مَعْمَر، عن الزُّهْري، عن أُبى بن كعب بن مالك قال: كان معاذُ بن جبل شابًا جميلًا سَمْحًا، من خير شباب قومه، لا يُسأل شيئًا إلا أعطاه، حتى كان عليه

стр. 2288

دَيْنٌ أغلق ماله، فكلَّم رسولَ الله في أن يُكَلِّمَ غُرماءه ففعل، فلم يَضَعوا له شيئًا، فلو تُركَ لأحدٍ بكلامِ أحدٍ لتُركَ لمعاذٍ بكلامِ رسولِ الله ﷺ ، فدعاه رسول الله ﷺ ، فلم يَبْرَح أن باعَ مالَه، وقسَمَه بين غُرمائِهِ. قال: فقام معاذ ولا مالَ له، فلمّا حَجَّ رسولُ الله ﷺ بعثَ مُعاذًا إلى اليَمَن [ليجبره]. قال: فكان أولَ منْ تَجَر في هذا المال معاذٌ. قال: فقَدمَ على أبي بكر الصديق من اليَمَن وقد تُوفيَ رسولُ الله ﷺ ، فجاء عمر فقال: هلْ لكَ أن تُطيعَني فتدفع (١) هذا المالَ إلى أبي بكر، فإن أعطاكَهُ فاقْبَلْهُ. قال: فقال معاذ: لِمَ أدْفَعُهُ إليه؟ وإنَّما بَعَثَني رسولُ اللّه ﷺ ليَجْبُرني، فلمّا أبَى عليه انطلقَ عُمر إلى أبي بكر فقال: أرسلْ إلى هذا الرجل فخُذْ منه وَدْع له. فقال أبو بكر: ما كنتُ لأفعلَ، إنَّما بَعَثَهُ رسولُ الله ليَجْبُرَه، فلستُ آخذُ منه شيئًا. قال: فلمَّا أصبحَ معاذٌ انطلقَ إلى عمرَ فقال: ما أُراني (٢) إلا فاعلَ الّذي قلتَ، إني رأيتُني البارحةَ في النَّوم - فيما يَحْسَبُ عبد الرزّاق قال: - أُجَرُّ إلى النار وأنتَ آخذٌ بحُجْزَتي (٣)، قال: فانطلقَ إلى أبي بكر بكل شيء جاء به، حتَّى جاءه بسَوْطِه، وحَلَفَ له أنَّه لم يَكْتُمْه شَيْئًا. قال: فقال أبو بكرٍ ﵁: هو لك، لا آخُذُ منه شيئًا (٤). وقد رواه ابن ثور (٥)، عن مَعْمَرٍ، عن الزَّهْري، عن عبد الرحمن بن [عبد الله بن] (٦) كعب بن مالك … فذكره، إلا أنه قال: حتى إذا كان عامُ فتحِ مكة بعثه رسول الله ﷺ على طائفةٍ من اليمن أميرًا، فمكث حتى قُبِضَ رسول الله ﷺ ، ثم قَدِم في خلافة أبي بكر، وخرج إلى الشام. قال البيهقي (٧): وقد قدَّمنا أنّ رسولَ الله ﷺ اسْتَخْلَفَه بمكة مع عَتاب بن أُسيد ليُعَلِّم أهلها، وأنه شهدَ غَزْوة تَبوك، فالأشبَهُ أن بعثَه إلى اليمنِ كانَ بعد ذلك. والله أعلم. ثم ذكر البيهقي (٨) لقصة منام مُعاذ شاهدًا من طريق الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله، وأنه كانَ من جُملة ما جاء به عَبِيدٌ، فأتى بهم أبا بكر، فلما ردّ الجَميعَ عليه رجَع بهم، ثم قام يُصَلِّي، فقاموا كلُّهم يُصَلُّون معه، فلما انصرفَ قال: لمن صَلَّيْتُم؟ قالوا: لله. قال: فأنتم له عُتقاء، فأعْتَقَهم.

стр. 2289

وقال الإمام أحمد (١): حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن أبي عَوْن، عن الحارث بن عَمْرو بن أخي المُغيرة بن شُعْبة، عن ناس من أصحاب مُعاذٍ من أهل حِمْص، عن مُعاذٍ. أنَّ رسول الله ﷺ حين بعثَه إلى اليمن قال: "كيف تَصْنَعُ إن عَرَضَ لكَ قَضاءٌ؟ " قال: أقْضي بما في كتابِ الله. قال: "فإن لم يكن في كتابِ الله" قال: فَبِسُنَّة رسولِ الله ﷺ . قال: "فإنْ لَمْ يَكُنْ في سُنّةِ رسولِ الله ﷺ " قال: أجتهدُ، برأيي (٢)، لا آلو. قال: فضرب رسول الله ﷺ صدري ثم قال: "الحمدُ لله الذي وَفَّق رسولَ رسولِ الله لما يُرْضي رسولَ الله". وقد رواه أحمد، عن وكيع (٣)، وعن عَفّان (٤)، عن شُعبة بإسناده ولفظه. وأخرجه أبو داود والترمذي (٥) من حديث شعبة به، وقال التّرمذي: لا نعرفه إلّا من هذا الوَجْهِ، وليس إسنادُه عندي بمُتَّصلٍ. وقد رواه ابن ماجه من وجهٍ آخر عنه، إلا أنّه من طريق محمد بن سعيد (٦) بن حسان - وهو المَصْلُوبُ أحد الكَذّابين - عن عُبادة بن نُسَي (٧)، عن عبد الرحمن [بن غنيم]، عن معاذ به نحوه. وقد روى الإمام أحمد (٨) عن محمد بن جعفر ويحيى بن سعيد، عن شعبة، عن عمرو بن أبي حَكيم، عن عبد الله بن بُرَيْدة، عن يحيى بن يَعْمَر (٩)، عن أبي الأسود الدِّيْلي. قال: كان معاذ باليمن، فارتفعوا إليه في يَهوديّ مات. وتركَ أخًا مسلمًا. فقال معاذٌ: إن رسول الله ﷺ يقول: "إن الإسلام يزيدُ ولا ينقُصُ" فورَّثه. ورواه أبو داود (١٠) من حديث ابن بريدة به. وقد حُكي هذا المذهب عن معاوية بن أبي سفيان، ورواه (١١) يحيى بن يَعْمَر (٨) القاضي وطائفة من السَّلف، وإليه ذهب إسحاق بن راهَوَيْه، وخالَفَهُم الجمهورُ، ومنهم الأئمةُ الأربعةُ وأصحابُهم،

стр. 2290

مُحتجين بما ثبت في "الصحيحين" عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَرثُ الكافرُ المُسْلمَ ولا المُسْلِمُ الكافرَ" (١). والمقصود أنَّ معاذًا ﵁ كان قاضيًا للنبي ﷺ باليمن، وحاكمًا في الحروب، ومصدقًا إليه تُدفع الصدقات، كما دل عليه حديث ابن عباس المتقدم، وقد كان بارزًا للنّاس يُصَلِّي بهم الصلواتِ الخمسَ كما قال البخاري (٢): حدّثنا سليمانُ بن حَرْب، حدّثنا شُعْبة، عن حَبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جُبَير، عن عَمْرو بن مَيْمون: أن معاذًا لمّا قدم اليمنَ صلَّى بهم الصبحَ فقرأ: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] فقال رجل من القوم: لقد قَرَّتْ عينُ أم (٣) إبراهيم. انفرد به البخاري. ثم قال البخاري (٤): بابُ بَعْثِ رسولِ الله ﷺ عليَّ بن أبي طالبٍ وخالدَ بن الوليد إلى اليَمَنِ قبل حَجَّة الوَداعِ حدّثنا أحمد بن عثمان، حدّثنا شُرَيْح بن مَسْلَمة، حدّثنا إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق، حدّثني أبي، عن أبي إسحاق، سمعت البراء بن عازبِ قال: بَعَثنا رسولُ الله ﷺ مع خالد بن الوليد إلى اليمن: قال: ثم بَعَثَ عليًّا بعدَ ذلك مكانَه. قال: مُرْ أصحابَ خالد، من شاء منهم أن يُعَقِّب (٥) معكَ فليعقبْ، ومن شاء فليُقبِلْ. فكنتُ فيمن عقَّب معه. قال: فغَنِمْتُ أَواقيَ ذواتَ (٦) عددٍ. انفرد به البخاري من هذا الوجه.

стр. 2291

ثم قال البخاري (١): حدّثنا محمد بن بَشّار، حدّثنا روحُ بن عُبادة، حدّثنا علي بن سُويد بن مَنْجُوف، عن عبد الله بن بُرَيْدَةَ، عن أبيه قال: بعث النبيُّ ﷺ عليًا إلى خالد بن الوليد ليقبض الخُمُسَ، وكنتُ أُبغِضُ عَليًّا، فأصبح وقد اغتسل، فقلت لخالد: ألا ترى إلى هذا! فلما قدمنا على النبي ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: "يا بريدة تبغض عليًا؟ "فقلت نعم. فقال: "لا تبغضه، فإنّ له في الخُمُس أكثر من ذلك". انفرد به البخاري دون مسلم من هذا الوجه. وقال الإمام أحمد (٢): حدّثنا يحيى بن سعيد، حدّثنا عبد الجليل قال: انتهَيْتُ إلى حلقةٍ فيها أبو مِجْلَز، وابن (٣) بُرَيدة، فقال عبد الله بن بُرَيدة: حدّثني أبي (٤) بريدة قال: أبغضتُ عليًّا بُغْضًا لم أُبْغضهُ أحدًا قطّ. قال: وأحببتُ رجلًا من قريش لم أحبَّه إلّا على بُغْضِه عليًا، قال: فبُعث ذلك الرجلُ على خيلٍ، فَصَحِبْتهُ، ما أصحبُه إلا على بُغْضِه عليًا، قال فأصَبْنا سَبيًا، قال: فكتبَ إلى رسولِ الله ﷺ : ابعث إلينا من يُخَمِّسُه، قال: فبعث إلينا عليًا، وفي السَّبْيِ وَصيفةٌ من أفضلِ السَّبيِ، قال: فخمَّس وقسم، فخرجَ ورأسُهُ يَقْطُر، فقلنا: يا أبا الحسن ما هذا؟ فقال: ألم تَرَوْا إلى الوصيفة التي كانت في السبي، فإني قسمت وخمَّست، فصارت في الخُمُس، ثم صارت في أهل بيت النبي ﷺ ، ثم صارت في آل علي، ووقعت بها. قال: فكتب الرجلُ إلى نبيّ الله ﷺ ، فقلت: ابعثني. فبعثني مصدِّقًا، فجعلت أقرأ الكتاب وأقول صدق، قال: فأمسك يدي والكتاب فقال: "أتبغض عليًا؟ " قال: قلت: نعم. قال: "فلا تُبغضه، وإن كنت تحبه فازدَدْ له حُبًّا، فوالذي نفس محمد بيده لنَصيبُ آل علي في الخُمُس أفضلُ من وَصيفة". قال: فما كان من الناس أحدٌ بعد قول النبي ﷺ أحبَّ إليّ من علي. قال عبد الله بن بُرَيْدة: فوالذي لا إله غيره، ما بيني وبين النبي ﷺ في هذا الحديث غير أبي بريدة. تفرَّد به بهذا السياق عبدُ الجليل بن عطية القيسي أبو صالح البصري، وثَّقه ابن مَعين وابن حِبّان، وقال البخاري (٥): إنما يَهِمُ في الشيء [بعد الشيء]. وقال محمد بن إسحاق (٦): حدّثنا أبان بن صالح، عن عبد الله بن نِيار الأسلمي، عن خاله عمرو بن شاس الأسلمي، وكان من أصحاب الحُدَيْبية. قال:

стр. 2292

كنت مع علي بن أبي طالب في خيله التي بعثه [فيها] رسول الله ﷺ إلى اليمن، فجفاني عليٌّ بعض الجفاء، فوجدت في نفسي عليه، فلما قدمت المدينة اشْتكيْتُه في مجالس المدينة وعندَ منْ لقيتُه، فأقبلتُ يومًا ورسولُ الله جالسٌ في المسجد، فلمّا رآني أنظرُ إلى عَيْنَيْه نظر إليَّ، حتى جلستُ إليه، فلما جلستُ إليه قال: "إنه والله! يا عمرو بن شاس لقد آذيتني". فقلت: إنا لله وإنّا إليه راجعون، أعوذ بالله والإسلام أن أوذي رسول الله. فقال: "من آذى عليا فقد آذاني". وقد رواه البيهقي (١) من وجهٍ آخر عن ابن إسحاق، عن أبانٍ، عن الفضل بن معقل بن سنان، عن عبد الله بن نيار، عن خاله عمرو بن شاس فذكره بمعناه (٢). وقال الحافظ البيهقي (٣): أنبأنا محمد بن عبد الله الحافظ، أنبانا أبو إسحاق المزكِّي (٤) [أنبانا أبو عبد الله أحمد بن علي الجوزجاني، حدّثنا أبو] (٥) عبيدة بن أبي السَّفَر، سمعتُ إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن البراء. أن رسول الله ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام، قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإسلام، فلم يجيبوه، ثم إن رسول الله ﷺ بعثَ عليَّ بن أبي طالب وأمره أن يُقْفِل خالدًا، إلا رجلًا كان ممن مع خالد فأحبَّ أن يُعَقِّبَ مع علي فليُعَقِّب معه. قال البراء: فكنت فيمن عَقَّبَ مع عليّ، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا، فصلّى بنا علي، ثم صفنا صفًّا واحدًا، ثم تقدم بين أيدينا وقرأ عليهم كتابَ رسول الله ﷺ فأسلمتْ هَمْدان جميعًا، فكتب على إلى رسول الله ﷺ بإسلامهم. فلما قَرأ رسولُ الله ﷺ الكتاب خَرَّ ساجدًا ثم رَفَعَ رأسَه فقال: "السلام على هَمْدان، السلام على همدان". قال: البيهقي (٦). رواه البخاري مختصرًا من وجه آخر عن إبراهيم بن يوسف (٧). وقال البيهقي (٨): أنبأنا أبو الحسين محمد بن [الحسين بن محمد بن] الفضل القطان، أنبانا

стр. 2293

أبو سهل بن زياد القطان، حدّثنا إسماعيل بن [إسحاق، حدّثنا إسماعيل بن] أبي أويس، حدّثني أخي عن سليمان بن بلال، عن سَعْد بن إسحاق بن كعب بن عُجْرة، عن عمته زَيْنب بنت كَعْب بن عُجْرَة، عن أبي سعيد الخُدْري. أنه قال: بعث رسولُ الله ﷺ علي بن أبي طالب إلى اليمن. قال أبو سعيد: فكنتُ فيمن خَرجَ معه، فلما أخذ من إبل الصَّدقة سألناه أن نركب منها ونُريح إبلنا - وكُنَّا قد رأينا في إبلنا خللًا - فأبى علينا، وقال: إنما لكم فيها سهمٌ كما للمسلمين. قال: فلما فرغَ عليٌّ وانصرف (١) من اليمن راجعًا أمَّر علينا إنسانًا، وأسرعَ هو فأدركَ الحَجَّ، فلما قضى حجتهُ قال له النبي ﷺ : "ارجعْ إلى أصحابِكَ حثى تَقْدَم عليهم" قال أبو سعيد: وقد كُنَّا سألْنا الذي أستَخْلَفَه ما كان عليَّ منعنا إيّاه، ففعل، فلما عرف في إبل الصدقة أنها قد رُكبَت، ورأى أثَرَ الراكب، فذمَّ (٢) الذي أمَّره ولامه، فقلت: أما إن الله عليَّ، لئن قدمتُ المدينةَ لأذكُرنَّ لرسول الله ﷺ ولأُخْبِرَنَّه ما لقينا من الغِلْظَةِ والتَّضييقِ. قال فلمّا قَدِمنا المدينةَ غدوتُ إلى رسولِ الله ﷺ أريدُ أن أفعلَ ما كنتُ حلفتُ عليه، فلقيتُ أبا بكرٍ خارجًا من عند رسولِ الله ﷺ ، فلما رآني وقف معي ورحَّبَ بي وساءلني وساءلتُه، وقال: متى قدمتَ؟ فقلتُ: قدمتُ البارحةَ، فرجعَ معي إلى رسول الله ﷺ ، فدخل وقال: هذا سعد بن مالك بن الشَّهيد. فقال: "ائذن له" فدخلتُ، فحييتُ رسولَ الله ﷺ وحَيّاني، وأقبل عليَّ، وسألني عن نَفْسي وعن أهْلي، وأحفَى المَسْألَةَ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ ما لقينا من علي من الغِلْظَة وسوءَ الصُحْبة والتَّضْييقِ، فانتبذ (٣) رسول الله، وجعلتُ أنا أعدّد ما لَقينا منه، حتى إذا كنتُ في وسطِ كلامي ضربَ رسولُ الله ﷺ على فخذي، وكنت منه قريبًا، وقال: "يا سعدَ بنَ مالكٍ بن الشَّهيد، مَهْ، بعضَ قولكَ لأخيكَ علي، فواللّه لقد علمت أنه أخشنَ في سبيل الله". قال: فقلتُ في نفسي: ثَكِلَتْكَ أمُّكَ سعدَ بنَ مالكٍ ألا أُراني كنتُ فيما يَكْرَه منذُ اليوم، ولا أدْري، لا جَرَمَ واللهِ لا أذكُرُهُ بسوءً أبدًا، سرًّا ولا علانية. وهذا إسنادٌ جيدٌ على شرطِ النَّسائي، ولم يَرْوهِ أحدٌ من أصحاب الكتب الستة (٤). وقد قال يونس (٥) عن محمد بن إسحاق، حدّثني يحيى بن عبد الله بن أبي عَمْرَة، عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن رُكانة قال: إنما وَجَد جيشُ عليّ بن طالب الذين كانوا معه باليمن، لأنَّهم حين أقبلوا خلَّفَ عليهم رجلًا، وتعجَّل إلى رسول الله ﷺ . قال؛ فعمدَ الرجلُ فكسا كل رجُلٍ حُلَّة، فلما دَنَوْا خَرج

стр. 2294

علي يستقبلهم (١)، فإذا عليهم الحُلل. قال عليٌّ: ما هذا؟ قالوا: كسانا فلان، قال: فما دعاكَ إلى هذا قبل أن تقْدَم على رسول الله ﷺ ، فيصنَعُ ما شاء، فنزعَ الحُلَل منهم، فلما قَدِموا على رسول الله اشْتكَوه لذلك، وكانوا قد (٢) صالحوا رسول الله ﷺ . وإنما بعَثَ عليًا إلى جزيةٍ موضوعةٍ. قلت: هذا السياقُ أقربُ من سياقِ البَيْهَقي، وذلك أن عليًا سَبَقَهُم لأجل الحجّ، وساقَ معه هَدْيًا، وأهلَّ بإهلال كإهلال (٣) النبي ﷺ ، فأمره أن يمكثَ حَرامًا. وفي رواية البَراء بن عازب أنه قال له: إني سُقْتُ الهَدْيَ وَقَرَنْتُ. والمَقْصُودُ أن عليًا لما كَثُرَ فيه القيلُ والقالُ من ذلك الجيش بسبب منعِه إياهم استعمالَ إبلِ الصدقةِ، واسترجاعِه منهم الحلَل التي أطلقَها لهم نائبه، وعلي مَعْذورٌ فيما فعل، لكن اشتهرَ الكلامُ فيه في الحَجيجِ، فلذلك واللهُ أعلمُ لمّا رجعَ رسول الله ﷺ من حجته وتفزغ من مناسكه ورجع إلى المدينة فمرّ بغدير خُم (٤) قام في الناس خطيبًا فبرّأ ساحةَ عليّ، ورفعَ من قَدْره ونبَّهَ على فَضْله، ليُزيلَ ما وقَر في نفوسِ كثيرٍ من النّاسِ، وسيأتي هذا مُفصَّلًا في موضعه إن شاء الله تعالى. وقال البخاري (٥): حدّثنا قتيبة، حدّثنا عبد الواحد، عن عُمارة بن شُبْرُمَةَ، حدّثني عبد الرحمن بن أبي نُعْم، سمعتُ أبا سعيد الخُدْري يقول: بَعَثَ علي بن أبي طالب إلى النبي ﷺ من اليمن بذُهَيْبَةٍ في أديمٍ مَقْروظٍ لم تُحَصَّلْ من تُرابها، قال: فقسَمها بين أربعة [نفر] (٦)؛ بين عيينة بن بدر، والأقرع بن حابس، وزَيْد الخَيْل، والرابع إما علقمة بن عُلاثة وإما عامر بن الطفيل، فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء. فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ فقال: "ألا تأمنوني! وأنا أمينُ مَنْ في السماء يأتيني خبرُ السماء صباحًا ومساءً؟! ". قال فقام رجلٌ غائرُ العَيْنَيْن، مُشْرِفُ الوَجْنَتين، ناشِزُ الجَبْهة، كَثُّ اللحية، محلوق الرأس، مشمِّر الإزار. فقال: يا رسولَ الله، اتَّقِ الله! فقال: "ويلك، أو لستُ أحق الناس أن يَتَّقيَ الله" قال: ثُمَّ ولَّى الرجلُ. قال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألا أضربُ عُنُقَهُ؟ قال: لا، لعلّه أن يكون يُصلِّي. قال خالد: وكَمْ من مُصَل يقولُ بلسانِه ما ليس في قلبه. فقال رسول الله ﷺ : "إنّي لم أُومَرْ أن أنقُبَ عن قُلوبِ الناسِ، ولا أشُقَّ بُطونَهم" قال: ثم نظر إليه وهو مُقَفٍّ فقال: "إنه يخرجُ من ضِئضِئى (٧) هذا قومٌ يتلونَ كتابَ الله رَطْبًا، لا يجاوزُ حَناجِرَهم، يَمْرُقون منَ الدِّين، كما يَمْرُق السَهمُ من الرَّمِيَّة" أظنه قال: "لئن أدركتُهم لأقْتُلنَهم قتل ثمود".

стр. 2295

وقد رواه البخاري (١) في مواضع أخرى من كتابه، ومسلم (٢) في كتاب الزكاة من "صحيحه" من طرقٍ متعددة إلى عُمارة بن القَعْقاع به. ثم قال الإمام أحمد (٣): حدّثنا يحيى، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي البَخْتَريّ، عن علي قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن وأنا حديثُ السِّنِّ، قال: فقلت: تَبْعَثُني إلى قومٍ يكونُ بينَهم أحداثٌ، ولا علمَ لي بالقَضاءِ. قال: "إن الله سَيَهْدي لِسانَكَ ويُثَبِّتُ قَلْبَكَ" قال فما شَكَكْتُ في قَضاءٍ بين اثْنَيْن [بَعْدُ] (٤). ورواه ابن ماجه (٥) من حديث الأعْمَش به. وقال الإمام أحمد (٦): حدّثنا أسود بن عامر، حدّثنا شَريك، عن سِمَاك، عن حَنَش، عن عليٍّ. قال: بَعَثَني رسول الله ﷺ إلى اليمن، قال: فقلت: يا رسولَ الله، تَبْعَثُني إلى قوم أسنَّ منِّي، وأنا حَدَثٌ (٧) لا أُبصرُ القَضاء. قال فوضع يده على صدري وقال: "اللهمّ ثَبِّتْ لِسانَهُ واهْدِ قَلْبَهُ، يا عليُّ إذا جلسَ إليك الخَصْمان فلا تقضِ بينَهما حتى تسمعَ من الآخر كما سَمِعْتَ من الأوّل، فإنّك إذا فعلتَ ذلك تبيَّن لك [القضاء] (٨) " قال: فما اختلف عليَّ قَضاءٌ بعد، أوما أشكلَ عليَّ قضاءٌ بعد. ورواهُ أحمدُ أيضًا وأبو داود من طرقٍ، عن شَريك (٩)، والترمذي (١٠) من حديث زائِدَة كلاهما، عن سماك بن حرب، عن حَنَش بن المُعْتَمر، وقيل: ابن ربيعة الكِنانيّ الكوفي، عن عليّ به. وقال الإمام أحمد (١١): حدّثنا سُفيان بن عُيَيْنة، عن الأجلح (١٢)، عن الشَّعْبي، عن عبد الله بن أبي

стр. 2296

الخليل (١)، عن زيد بن أرْقَمٍ أنَ نَفَرًا وَطِئوا امرأةً في طُهْرٍ، فقال علي لاثنين: أتطيبان نَفْسًا لذا؟ فقالا: لا. فأقبل على الآخرين فقال: أتطيبان نفسًا لذا؟ فقالا: لا. فقال: أنتم شركاء مُتَشاكسون، فقال إني مُقْرعٌ بينكم، فأيُّكم قرع أغْرَمْتُهُ ثُلُثَي الدّية وألزمته (٢) الولد. قال: فذُكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: لا أعلمُ إلا ما قال عليّ. وقال أحمد (٣): حدّثنا سُرَيْج (٤) بن النعمان، حدّثنا هُشَيْم، أنبأنا الأجْلَحُ، عن الشعبي، عن أبي الخليل، عن زيد بن أرقم. أن عليًا أُتيَ في ثلاثةِ نَفَرٍ إذ كان في اليمن، اشتركوا في ولد، فأقرع بينهم، فضمَّن الذي أصابته القرعة ثُلُثي الدّية، وجعل الولدَ له. قال زيدُ بن أرقم: فأتيتُ النبيَّ ﷺ فأخبرتُه بقَضاء عليّ، فضحكَ حتى بَدَتْ نَواجِذُهُ. ورواه أبو داود (٥)، عن مُسَدَّد، عن يحيى القَطّان، والنّسائي (٦)، عن علي بن حُجْرٍ، عن عليّ بن مُسْهر، كلاهما عن الأجْلح بن عبد الله، عن عامر الشعبى، عن عبد الله بن الخليل. وقال النَسائي في روايته (٧) عبد الله بن أبي الخليل، عن زَيْد بن أرْقَم قال: كنت عند النبي ﷺ ، فجاء رجلٌ من أهل اليَمَنِ فقال: إن ثلاثةَ نفرٍ اتَوْا عَلِيًّا يَخْتَصمون في ولدٍ وقعوا على امرأة في طُهْرٍ واحدٍ، فذكر نحو ما تقدم، وقال: فضحكَ النبي ﷺ . وقد رَوَياهُ - أعني أبا داود والنسائي - من حديث شُعْبة، عن سَلَمة بن كُهَيل، عن الشَّعبي، عن أبي الخليل أو ابن الخليل، عن علي قوله، فأرسله ولم يرفعه. وقد رواهُ الإمامُ أحمد (٨) أيضًا عن عبد الرزاق عن سُفيان الثوْري، عن الأجْلح، عن الشعبي، عن عَبْدِ خَيْبر، عن زَيْد بن أرْقَم فذكر نحو ما تقدم.

стр. 2297

وأخرجه أبو داود والنَّسائي جَميعًا عن خُشَيْشِ (١) بن أصْرَم. وابن ماجه (٢) عن إسحاق بن منصور، كلاهما عن عبد الرزاق، عن سُفْيان الثوري، عن صالحٍ الهَمْداني، عن الشَّعْبي، عن عَبْدِ خَيْرٍ، عن زيد بن أرقم به. قال شيخنا في الأطراف (٣): لعل عَبْدَ خَيْرٍ هذا هو عبد الله بن الخليل، ولكن لم يَضْبِط الرّاوي اسْمَه. قلت: فعلى هذا يَقْوى الحديثُ، وإن كان غيرُه كان أجودَ لمتابعَته له، لكن الأجْلَحَ بن عبد الله الكندي فيه كلامٌ ما. وقد ذهب إلى القول بالقُزعَة في الأنساب الإمام أحمد وهو من أفراده (٤). وقال الإمام أحمد (٥): حدّثنا أبو سعيد، حدّثنا إسرائيل، حدّثنا سِماك، عن حَنَش عن عليّ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فانتهينا إلى قوم قد بَنَوْا زُبْيَة (٦) للأسد، فبينما هُمْ كذلك يَتَدافعون إذ سقط رجلٌ، فتعلَّق بآخر، ثم تعلَّق رجل (٧) بآخر، حتى صاروا فيها أربعة، فجرحهم الأسد، فانتدب له رجلٌ بحربة فقتله، وماتوا من جراحتهم كلهم، فقام أولياءُ الأول إلى أولياء الآخر، فأخرجوا السلاح ليقتتلوا (٨) فأتاهم عليٌّ على تفيئة (٩) ذلك، فقال؛ تريدون أن تَقَاتلوا ورسولُ الله ﷺ حيّ! إنّي أقضي بينَكُم قَضاءً، إن رضيتُم فهو القَضاء، وإلا حجر (١٠) بعضُكم عن بعض حتى تأتوا النبيَّ ﷺ ، فيكونَ هو الذي يَقْضي بينَكُم، فمن عدا بعد ذلك فلا حق له. أجمعوا من قبائل الذين حفروا (١١) البئر ربعَ الديَّةِ، وثلثَ الديّة، ونصفَ الدية، والدية كاملة، فللأول الربع لأنه هَلَكَ [منْ فوقه] (١٢) وللثاني ثلث الدية، وللثالث نصف الدية، وللرابع الدية، فأبوا أن يرضَوا، فأتوا النبي ﷺ وهو عند مقام إبراهيم، فقصُّوا عليه القصَّة، فقال: "أنا أحكم بينكم" (١٣) فقال رجلٌ من القوم:

стр. 2298

يا رسولَ الله، إن عليًا قَضَى بيننا (١) فَقَصُّوا عليه القِصَّة، فأجازه رسول الله ﷺ . ثم رواه الإمام (٢) أحمد أيضًا عن وَكيعٍ، عن حَمّاد بن سَلَمَة، عن سِماك بن حَرْبٍ، عن حَنَشٍ، عن عليٍّ … فذكره. كِتابُ حِجَّة الوَداعِ في سَنَةِ عشرٍ ويقال لها حجَّة البلاغ، وحجَّة الإسلام، وحجَّة الوداع لأنه ﵊ ودَّع الناسَ فيهما، ولم يحُجَّ بعدَها، وسُمِّيَتْ حجَّة الإسلام لأنّه ﵇ لم يحجَّ من المدينة غيرَها، ولكن حج قبل الهجرة مرَّات، قبلَ النّبوة وبعدَها. وقيل إنَّ فريضةَ الحجّ نزلَتْ عامئذٍ، وقيل سنة تِسْعٍ، وقيل سنة ستٍّ، وقيل قبلَ الهجرة وهو غريبٌ [جدًّا]. وسُمِّيتْ حجَّة البلاغ لأنه ﵊ بلّغ الناسَ شرعَ الله في الحجِّ قولًا وفعلًا، ولم يكن بقيَ من دعائم الإسلام وقواعده شيءٌ إلَّا وقد بيَّنه ﵊، فلما بيَّن لهم شريعةَ الحجِّ ووضَّحه وشرحه أنزل الله عليه وهو واقِفٌ بعرفة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وسيأتي إيضاحٌ لهذا كله. والمقصود ذكر حجته ﵊ كيف كانت، فإنَّ النَّقَلَة اختلفوا فيها اختلافًا كثيرًا جدًّا، بحسب ما وصل إلى كل منهم من العلم، وتفاوتوا في ذلك تفاوتًا كثيرًا، لا سيَّما من بعد الصحابة ﵃، ونحن نورد بحمد الله وعونه وحسن توفيقه ما ذكره الأئمة في كتبهم من هذه الروايات، ونجمع بينها جمعًا يُثلِجُ قلبَ منْ تأمَّله وأنْعم النظرَ فيه، وجَمَعَ بين طريقَتَي الحديث وفَهْمِ معانيه إن شاء الله، وبالله الثقة، وعليه التكلان. وقد اعتنى الناس بحجة رسول الله ﷺ اعتناءً كثيرًا من قدماء الأئمة ومتأخريهم، وقد صنَّف العلَّامة أبو محمد بن حزم الأندلسي ﵀ مجلدًا في حجة الوداع، أجاد في أكثره، ووقع له فيه أوهام سننته عليها في مواضعها. وباللّه المستعان. باب بيانِ أنَّه ﵇ لم يحجَّ من المدينة إلَّا حجةً واحدة، وأنَّه اعتمر قبلها ثلاث عُمَر كما رواه البخاري ومسلم (٣) عن هُدبة، عن هَمَّام، عن قَتَادة، عن أنس قال: اعتمر رسول الله ﷺ

стр. 2299

أربعَ عُمَرٍ، كُلُّهن في ذي القعدة، إلا التي في حجتِه .... الحديث. وقد رواه يونس بن بكير، عن عمر بن ذر، عن مجاهد، عن أبي هريرة مثله. وقال سعيد (١) بن منصور: عن الدراوَرْدي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: اعتمر رسول الله ﷺ ثلاث عُمَير، عمرةً في شوال، وعمرتين في ذي القعدة. وكذا رواه ابن بكير، عن مالك (٢)، عن هشام بن عروة. وروى الإمام أحمد (٣) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أنَّ رسول الله اعتمر ثلاثَ عُمَرٍ، كلُّهن في ذي القعدة. وقال الإمام أحمد (٤): ثنا أبو النَّضْر، حدّثنا داود - يعني العطار - عن عَمْرٍو، عن عِكْرمة، عن ابن عبّاس قال: اعتمر رسولُ الله ﷺ أربع عُمَرٍ، عُمرةُ الحُدَيبية، (وعُمرةُ القَضاء، والثالثة من الجِعْرانة (٥)، والرابعة التي مع حجّتِه. ورواه أبو داود والترمذي والنسائي عن حديث داود العطار، وحسّنه الترمذي (٦). وقد تقدم هذا الفصل عند عمرة الجِعْرانة. وسيأتي في فصل مَنْ قال إنه ﵊ حجَّ قارنًا. وبالله المستعان. فالأولى من هذه العُمَر: عُمْرَةُ الحُدَيبية) (٧) التي صُدَّ عنها، ثم بعدها عمرةُ القَضاء، ويقال: عمرة

стр. 2300

القصاص، ويقال عُمْرَة القَضية، ثم بعدها عُمْرَةُ الجِعْرانة، مرجِعَه من الطّائِفِ حينَ قسمَ غنائم حُنَيْن، وقد قدّمنا ذلك كله في مواضعه، والرابعةُ عمرتُه مع حجته. وسنبيِّن أختلافَ الناسِ في عُمْرَتِه هذه مع الحجة، هل كان مُتَمَتِّعًا بأن أوقع العمرة قبلَ الحجة، وحل منها، أو منعه من الإحلال منها سوقُه الهَدْيَ، أو كان قارنًا لها مع الحجة، كما نذكُره من الأحاديث الدَّالة على ذلك، أو كان مُفْرِدًا لها عن الحجة، بأن أوقعَها بعد قضاء الحجة. قال: وهذا هو الذي يقوله من يقول بالإفراد، كما هو المشهور عن الشافعيّ، وسيأتي بيان هذا عند ذكرنا إحْرامَه ﷺ كيف كان مُفْرِدًا أو مُتمتِّعًا أو قارِنًا. قال البخاري (١): حدّثنا عمرو بن خالد، حدّثنا زهير، حدّثنا أبو إسحاق، حدّثني زيد بن أرقم أنّ النبي ﷺ غزا تسعَ عشرةَ غزوةً، وأنه حجَّ بعدَ ما هاجر حَجةً واحدة. قال أبو إسحاق: وبمكة أخرى. وقد رواه مسلم (٢) من حديث زهير، وأخرجاه (٣) من حديث شعبة - زاد البخاري (٤): وإسرائيل - ثلاثتهم عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السَّبيعي، عن زيد به. وهذا الذي قاله أبو إسحاق من أنَّه ﵊ حجَّ بمكة حجة أُخْرى، أي: أراد أنّه لم يقَعْ منه بمكة إلا حجة واحدة، كما هو ظاهر لفظه: فهو بعيدٌ، فإنَّه ﵊ كان بعد الرسالة يَحْضُرُ مواسمَ الحجِّ، ويدعو الناسَ إلى الله ويقول: "من رجل يُؤْويني حتى أُبَلِّغَ كلامَ ربّي؟ فإنَّ قريشًا قد منعوني أن أبلِّغ كلامَ ربّي " (٥) حتى قيَّض الله له (٦) جماعةَ الأنصارِ يلقَوْنَه ليلةَ العَقَبة، أي عشيةَ يومِ النّحر عند جمرة العقبة ثلاثَ سنين متتالياتٍ، حتى إذا كانوا آخرَ سنةٍ بايعوه ليلةَ العقبة الثانية، وهي ثالثُ اجتماعهم به، ثمَّ كانَتْ بعدَها الهجرةُ إلى المدينة، كما قدَّمنا ذلك مبسوطًا في موضعه، والله أعلم. وفي حديث جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: أقام رسول الله ﷺ بالمدينة تسعَ سنين لم يحُجَّ، ثم أذَّن في الناس بالحجّ، فاجتمعَ بالمدينةِ بشرٌ كثيرٌ، فخرج رسول الله ﷺ لخمسٍ بقين من ذي القعدة، أو لأرْبعٍ، فلما كان بذي الحُليفة (٧) صلّى، ثم استوى على راحلته، فلما أخذت به في البَيْداء لبّى، وأهْلَلْنا لا ننوي إلَّا الحجَّ.

стр. 2301

وسيأتي الحديث بطوله، وهو في صحيح مسلم (١) وهذا لفظ البيهقي (٢) من طريق أحمد بن حفص بن عبد الله، عن أبيه (٣)، عن إبراهيم بن طَهْمان، عن جعفر بن محمد به. باب تاريخِ (٤) خروجه ﵊ من المدينة لحجة الوَداعِ بعدما استعمل عليها أبا دُجانة سِماك بن خَرَشة السَّاعدي (٥)، ويقال سِبَاع بن عُرْفُطَة الغِفَاريّ (٦) قال محمد بن إسحاق (٧): فلما دخل على رسول ﷺ ذو القَعْدة من سنة عشر، تجهَّز للحجّ، وأمرَ الناسَ بالجهاز له. فحدّثني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه القاسم بن محمد، عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: خرجَ رسولُ الله ﷺ إلى الحجّ لخمسِ ليالٍ بقين من ذي القَعْدة. وهذا إسناد جيد. وروى الإمام مالك (٨) في موطَّئه عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عَمْرة (عن عائشة، ورواه أحمد (٩) عن عبد الله بن نمير عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرة) (١٠) عنها. وهو ثابت في "الصَّحيحَيْن" و"سنن النَّسائي" وابن ماجة (١١) و"مصنف ابن أبي شيبة" من طرق، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عَمْرة، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله لخمسٍ بقينَ من ذي القعدة، لا نرى إلا الحجَّ … الحديث بطوله كما سيأتي.

стр. 2302

وقال البخاري (١): حدّثنا محمد بن أبي بكر المُقدَّمي، حدّثنا فُضَيْل بن سليمان، حدّثنا موسى بن عُقبة، أخبرني كُرَيْب عن ابن عباس قال: انطلقَ النبيّ ﷺ من المدينة بعدما ترجَّل (٢) وادَّهن ولبس إزاره ورداءه، ولم يَنْهَ عن شيءٍ من الأردية ولا الأُزُر [تُلبس] (٣) إلا المُزَعْفَرة التي تَرْدَع على (٤) الجلد (٥) فأصبح بذي الحُلَيْفة ركب راحلته حتى استوى على البَيْداء، [أهلّ هو وأصحابه وقلّد بدنته] (٣)، وذلك لخمس بقين من ذي القعدة، فقدم مكة لخمس (٦) خلون من ذي الحجة (٧). تفرَّد به البخاري. فقوله: وذلك لخمس بقين من ذي القعدة، إن أراد به صبيحة يومه بذي الحُلَيْفة صح قول ابن حزم في دعواه أنّه ﷺ خرج من المدينة يومَ الخميس، وبات بذي الحُلَيفة ليلة الجمعة، وأصبح بها يوم الجمعة، وهو اليوم الخامس والعشرون من ذي القعدة. وإن أراد ابنُ عبّاس بقوله: وذلك لخمس بقين من ذي القعدة يومَ انطلاقه ﵊ من المدينة بعدما ترجَّل وادّهن ولبس إزاره ورداءه، كما قالت عائشة وجابر: إنّهم خرجوا من المدينة لخمسٍ بقين من ذي القعدة، بَعُدَ قولُ ابن حزم، وتعذَّر المصيرُ إليه، وتعيَّن القول بغيره، ولم ينطبق ذلك إلا على يوم الجمعة، إن كانَ شهر ذي القعدة كاملًا، ولا يجوز أن يكون خروجه ﵇ من المدينة كان يوم الجمعة، لما روى البخاري (٨) حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا وُهَيْب، حدّثنا أيوب، عن أبي قِلابة، عن أنس بن مالك قال: صلى رسول الله ﷺ ونحنُ معه الظهرَ بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحُلَيْفَة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به راحلته على البَيْداء، حَمِدَ اللّهَ ، وسبّح، [وكبَّر] ثم أهلّ بحج وعُمرة. وقد رواه مسلم (٩) والنسائي (١٠) جميعًا عن قتيبة، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قِلابة،

стр. 2303

عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ صلى الظهرَ بالمدينة أربعًا، والعصرَ بذي الحُلَيفة ركعتين. وقال أحمد (١): حدّثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن محمد، يعني ابن المُنْكَدِر وإبراهيم بن مَيْسرة، عن أنس بن مالك أنّ رسول الله ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ بالمدينةِ أربعًا، والعصرَ بذي الحُلَيْفَة ركعتين. ورواه البخاري، عن أبي نُعَيْم، عن سُفيان الثوري به. وأخرجه مسلمٌ، وأبو داودَ والنسائي من حديث سُفْيان بن عُيَيْنة، عن محمد بن المُنْكَدر (٢)، وإبراهيم بن مَيْسَرة عن أنس به (٣). وقال أحمد (٤): حدّثنا محمد بن بكر (٥)، حدّثنا ابن جريج، عن محمد بن المنكدر (٢)، عن أنس قال: صلى رسول الله ﷺ بالمدينة الظهر أربعًا، والعصر بذي الحُلَيْفة ركعتين، ثم بات بذي الحُلَيْفة حتى أصبح، فلما ركب راحلته واستوت به أهلّ. وقال أحمد (٦): حدّثنا يعقوب، حدّثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدّثني محمد بن المنكدر (٢) التَّيْمي، عن أنس بن مالك الأنصاري قال: صلى بنا رسول الله ﷺ الظهرَ في مسجده بالمدينة أربعَ ركعاتٍ، ثم صلَّى بنا العصرَ بذي الحُلَيْفة ركعتين آمنًا لا يخافُ في حجةِ الوداع. تفرد به أحمد من هذين الوجهين الآخرين، وهما على شرط الصحيح، وهذا ينفي كونَ خروجه ﵊ يومَ الجُمُعة قَطْعًا، ولا يجوزُ على هذا أن يكون خروجُه يومَ الخميس كما قال ابن حزم، لأنَّه كان يومَ الرابع والعشرين من ذي القعدة، لأنَّه لا خلاف أنَّ أول ذي الحجة كانَ يومَ الخميس، لما ثبت بالتواتر والإجماع من أنه ﵊ وقفَ بعرفةَ يومَ الجُمُعة، وهو تاسعُ ذي الحجة بلا نزاع، فلو كان خروجُه يومَ الخميس الرابعَ والعشرين من ذي القعدة لبقيَ في الشّهر ستّ ليالٍ قَطْعًا، ليلةُ الجُمعة، والسبت، والأحد، والإثنين، والثَّلاثاء، والأربعاء، فهذه ست ليال. وقد قال ابن عباس وعائشة وجابر: إنّه خرجَ لخمسٍ بقينَ من ذي القعدة. وتعذَّر أنه يومُ الجمعة، لحديثِ أنسٍ، فتعيَّن على هذا أنه ﵊ خرج من المدينة يومَ السبتِ، وظنَّ الراوي أن الشهرَ يكون تامًا، فاتفق في تلك السَّنة نقصانُهُ، فانسلخَ يومَ الأربعاء، واستهلّ شهر ذي الحجة ليلة

стр. 2304

الخميس، ويؤيّده ما وقع في روايةِ جابر: لخمس بقين أو أربع. وهذا التقرير على هذا التقدير لا محيدَ عنه، ولا بدَّ منه، والله أعلم. بابُ صِفَةِ خُروجِهِ ﵊ من المَدينة إلى مكَةَ للحَجّ قال البخاري (١): حدّثنا إبراهيم بن المنذر، حدّثنا أنس بن عياض، عن عُبَيْد الله - هو ابن عمر - عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ كان يَخْرُجُ من طريق الشَّجَرة، ويدخلُ من طريق المُعَرَّس (٢)، وأن رسول الله ﷺ كان إذا خرجَ إلى مكةَ يُصلِّي في مسجد الشجرة، وإذا رجعَ صلَّى بذي الحُلَيْفة ببطنِ الوادي، وبات حتى يصبح. تفرد به البخاري من هذا الوجه. وقال الحافظ أبو بكر البزار: وجدت في كتابي عن عمرو بن مالك، عن يزيد بن زريع، عن هشام، عن عَزْرة بن (٣) ثابت، عن ثمامة، عن أنس: أن النبيَّ ﷺ حجَّ على رَحْلٍ رثٍّ وتحتَهُ قَطيفةٌ. وقال: حجةٌ لا رِياءَ فيها ولا سُمْعة. وقد علقه البخاري (٤) في "صحيحه" فقال: وقال محمد بن أبي بكر: حدّثنا يزيد بن زُريع، عن عَزْرَة (٣) بن ثابت، عن ثُمامة قال: حَجَّ أنسٌ على رَحْلٍ رَثٍّ (٥) ولم يكن شَحيحًا، وحدَّث أن رسول الله ﷺ حجَّ على رَحْلٍ وكانت زامِلَتَه (٦). هكذا ذكره البزار، والبخاري معلقًا مقطوع الإسناد من أوله. وقد أسنده الحافظ البيهقى (٧) في سننه فقال: أنبأنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي المقرئ، أنبأنا الحسن (٨) بن محمد بن إسحاق، حدّثنا يوسف بن يعقوب القاضي، حدّثنا محمد بن أبي بكر، حدّثنا يزيد بن زُرَيْع … فذكره.

стр. 2305

وقد رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده من وجه آخر، عن أنس بن مالك فقال: حدثنا علي بن الجَعْد، أنبأنا الربيع بن صَبِيْح، عن يزيد الرَّقاشي، عن أنس قال: حج رسول الله ﷺ على رحل رثٍّ وقطيفة تُساوي - أو لا تُساوي - أربعةَ دراهم، فقال: "اللهمَّ حجةٌ لا رياءَ فيها". وقد رواه الترمذي في الشمائل (١) من حديث أبي داود الطيالسي وسفيان الثوري، وابن ماجه (٢) من حديث وكيع بن الجرَّاح، ثلاثتهم عن الربيع بن صَبِيْح به. وهو إسناد ضعيف من جهة يزيد بن أبان الرقاشي، فإنّه غير مقبول الرِّواية عند الأئمة (٣). وقال الإمام أحمد (٤): حدّثنا هاشم، حدّثنا إسحاق بن سعيد، عن أبيه قال: صدرتُ مع ابن عمر [يوم الصدر] (٥)، فمرَّت بنا رُفْقة يَمانيةٌ، ورحالُهم الأدُمُ، وخُطُم (٦) إبلِهم الجُرُر (٧)، فقال عبد الله: من أحبَّ أن ينظرَ إلى أشبه رُفقةٍ وردت [الحج] (٥) العامَ برسول الله ﷺ وأصحابه إذ قدموا في حجة الوداع فلينظر إلى هذه الرُّفقة. ورواه أبو داود (٨) عن هَنَّاد، عن وكيع، عن إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، عن أبيه، عن ابن عمر [فذكره] (٥). وقال الحافظ أبو بكر البيهقي (٩): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو طاهر الفقيه، وأبو زكريا بن أبي إسحاق، وأبو بكر بن الحسن، وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالوا: حدّثنا أبو العباس - هو الأصم - أنبأنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أنبأنا سعيد بن بشير القرشي، حدّثنا عبد الله بن حكيم الكناني - رجل من أهل اليمن من مواليهم - عن بِشر بن قدامة الضبابي (١٠) قال: أبصرت عيناي حِبّى (١١) رسول الله ﷺ

стр. 2306

واقفًا بعرفات مع الناس، على ناقة له حمراء، قَصْواء تحته قطيفة بَوْلانِية (١) وهو يقول: "اللهمّ اجعلها حجة غيرَ رئاء ولا هباء (٢) ولا سمعة". والناس يقولون: هذا رسول الله ﷺ . وقال الإمام أحمد (٣): حدّثنا عبد الله بن إدريس، حدّثنا ابن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه أن أسماء بنت أبي بكر قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ حُجَّاجًا حتى إذا كنا بالعرج (٤) نزل رسول الله ﷺ ، فجلست عائشة إلى جَنْبِ رسولِ الله ﷺ ، وجلستُ إلى جنب أبي، وكانت زِماله (٥) رسول الله ﷺ وزِمالة أبي بكر واحدة مع غلام أبي بكر، فجلس أبو بكر ينتظر أن يطلع عليه، فطلع عليه وليس معه بعير. فقال: أين بعيرك؟ فقال: أضللته (٦) البارحة، فقال أبو بكر: بعير واحد تُضِلّه! فطفقَ يَضْرِبُهُ ورسول الله ﷺ يبتسم ويقول: "انظروا إلى هذا المُحْرِم وما يَصْنَعُ". وكذا رواه أبو داود، عن أحمد بن حنبل ومحمد بن عبد العزيز بن أبي رِزْمَة. وأخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة ثلاثتهم عن عبد الله بن إدريس به (٧). فأما الحديث الذي رواه أبو بكر البزار في "مسنده" قائلًا: حدّثنا إسماعيل بن حفص، حدّثنا يحيى بن اليَمان، حدّثنا حمزةُ الزيات، عن حُمْران بن أعيَن، عن أبي الطُّفَيْل، عن أبي سعيد. قال: حجَّ النبيُّ ﷺ وأصحابه مشاةً من المدينة إلى مكة، قد ربطوا أوساطهم، ومشيُهم خِلْطُ الهرولة. فإنه حديثٌ منكرٌ ضعيفُ الإسناد، وحمزةُ بن حَبيبٍ الزياتُ ضعيفٌ، وشيخُه متروك الحديث. وقد قال البزار: لا يُرْوَى إلا مِنْ هذا الوجه، وإن كان إسنادُه حَسَنًا عندنا، ومعناه أنهم كانوا في عمرة إن ثبتَ الحديث لأنه ﵊ إنما حجَّ حجة واحدة، وكان راكبًا وبعضُ أصحابه مشاة. قلت: ولم يعتمر النبي ﷺ في شيء من عُمَره ماشيًا، لا في الحديبية، ولا في القضاء، ولا الجِعْرانة، ولا في حجة الوداع، وأحواله ﵊ أشهر وأعرف من أن تَخْفَى على الناس، بل هذا الحديث مُنْكَر شاذٌ لا يثبتُ مثلُه. والله أعلم.

стр. 2307

فصل تقدَّم أنه ﵊ صلَّى الظهر بالمدينة، أربعًا، ثم ركب منها إلى الحُلَيفة وهي وادي العَقيق، فصلَّى بها العصرَ ركعتين، فدلَّ على أنّه جاء الحُلَيْفة نهارًا في وقت العصر، فصلى بها العصر قصرًا، وهي من المدينة على ثلاثة أميال، ثم صلّى بها المغربَ والعشاء، وبات بها حتى أصبح، فصلَّى بأصحابه، وأخبرهم أنّه جاءه الوحيُ من الليل بما يعتمده في الإحرام. كما قال الإمام أحمد (١): حدّثنا يَحْيى بن آدم، حدّثنا زهير، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ : أنه أُتي [وهو] في المُعَرَّس من ذي الحُلَيْفة، فقيل له: إنك ببطحاء مباركة. وأخرجاه في "الصحيحين" (٢) من حديث موسى بن عُقبة به. وقال البخاري (٣): حدّثنا الحُمَيْدي، حدّثنا الوليد وبشر بن بكر قالا: حدّثنا الأوزاعي، حدّثنا يحيى، حدّثني عِكْرمة أنًّه سمع ابن عباس، أنه سمع عمر يقول: سمعت رسول الله بوادي العقيق يقول: "أتاني الليلةَ آتٍ من ربّي، فقال: صَلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل عُمرةً في حجّة". تفرد به دون مسلم. فالظاهر أن أمره ﵊ بالصلاة في وادي العقيق هو أمر بالإقامة به إلى أن يصلِّى صلاةَ الظُّهْر، لأنَّ الأمر إنما جاءه في الليل، وأخبرهم بعد صلاة الصبح، فلم يبق إلا صلاةُ الظهر، فاُمِر أن يصلّيَها هنالك، وأن يُوقع الإحرام بعدها، ولهذا قال: "أتاني الليلةَ آتٍ من ربي ، فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقُلْ: عُمرةً في حجة". وقد احتُجَّ به على الأمر بالقِران في الحج، وهو من أقوى الأدلة على ذلك كما سيأتي بيانه قريبًا. والمقصود أنه ﵊ أمر بالإقامة بوادي العقيقِ إلى صلاة الظُّهر، وقد امتثل صلوات الله وسلامه عليه ذلك، فأقام هنالك، وطاف على نسائه في تلك الصَّبيحة، وكنّ تسعَ نسوة، وكلهنّ خرج معه، ولم يَزَلْ هنالك حتى صلّى الظهر، كما سيأتي في حديث أبي حسان الأعرج، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ صلى الظهر بذي الحُلَيفة، ثم أشْعَرَ بَدَنَتاه (٤)، ثم ركب، فأهلَّ.

стр. 2308

وهو عند مسلم (١). وهكذا قال الإمام أحمد (٢): حدّثنا رَوْحٌ، حدّثنا أشْعَثُ - هو ابن عبد الملك - عن الحسن، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ صلى الظهر، ثم ركب راحلته، فلما علا شَرَف (٣) البَيْداء أهلّ. ورواه أبو داود (٤) عن أحمد بن حنبل. والنسائي (٥)، عن إسحاق بن راهَوَيْه، عن النَّضْر بن شُمَيْل، عن أشعث بمعناه، وعن أحمد بن الأزهر، عن محمد بن عبد الله الأنصاري، عن أشعث أتم منه. وهذا فيه رد على ابن حزم حيث زعم أن ذلك في صدر النهار، وله أن يعتضد بما رواه البخاري (٦) من طريق أيوب، عن رجل، عن أنس أن رسول الله ﷺ بات بذي الحُليفة حتى أصبح، فصلَّى الصبْحَ، ثم ركب راحلتَه، حتى إذا استوت به البيداءَ أهلَّ بعمرة وحجة. ولكن في إسناده رجلٌ مُبْهم، والظاهر أنه أبو قِلابة. والله أعلم. قال مسلم (٧) في "صحيحه": حدّثنا يحيى بن حبيب الحارثي، حدّثنا خالد - يعني ابن الحارث - حدّثنا شعبة، عن إبراهيم بن محمد بن المُنْتشر، سمعت أبي يحدث عن عائشة: أنها قالت: كنت أُطَيِّبُ رسول الله ﷺ ، ثم يطوفُ على نسائه، ثم يصبح مُحرِمًا ينضح طيبًا (٨). وقد رواه البخاري من حديث شعبة، وأخرجاه من حديث أبي عَوَانة، زاد مسلم: ومِسْعَر وسفيان بن سعيد الثوري، أربعتهم عن إبراهيم بن محمد بن المُنْتَشر به (٩). وفي رواية لمسلم (١٠) عن إبراهيم بن محمد بن المُنْتَشر، عن أبيه قال: سألت عبد الله بن عمر عن الرجل يَتَطيَّبُ ثم يصبح (١١) محرمًا قال: ما أُحِبُّ أن أصبح محرمًا أنضَحُ طيبًا، لأن أطَّلي بالقَطِران أحب

стр. 2309

إليّ من أن أفعل ذلك. فقالت عائشة: أنا طيَّبتُ رسول الله ﷺ عند إحرامه، ثم طاف في نسائه، ثم أصبح محرمًا. وهذا اللفظ الذي رواه مسلم يقتضي أنه كان ﷺ يتطيَّب قبل أن يطوف على نسائه (وكأنه ﷺ تطيَّبَ قبل أن يطوف على نسائه) (١) ليكون ذلك أطيب لنفسه وأحب إليهن، ثم لما اغتسل من الجنابة وللإحرام تطيَّب أيضًا للإحرام طيبًا آخر. كما رواه الترمذيَ (٢) والبيهقي (٣) من حديث عبد الرحمن بن أبي الزّناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، أنَّه رأى رسولَ الله ﷺ تجرَّد لإهلاله واغْتَسَل. وقال الترمذي: حسن غريب. وقال الإمام أحمد (٤): حدّثنا زكريا بن عدي، أنبأنا عُبيد الله بن عَمْرو، عن عبد الله بن محمد بن عَقيل، عن عروة، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يُحرم غَسَلَ رَأْسَه بخطْميٍّ وأُشْنَان (٥)، ودهنه بشيء من زيتٍ غيرِ كثيرٍ … الحديث (٦). تفرّد به أحمد. وقال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ﵀: أنبأنا سُفيان بن عُيينة، عن عثمان بن عروة، سمعت أبي يقول: سمعت عائشة تقول: طيَّبْتُ رسولَ الله ﷺ لحُرْمِه ولحِلّه. قلتُ لها: بأيّ طيبٍ؟ قالت: بأطيب الطيب. وقد رواه مسلم (٧) من حديث سُفيان بن عيينة. وأخرجه البخاري (٨) من حديث وُهَيْب عن هشام بن عروة، عن أخيه عثمان، عن أبيه عروة، عن عائشة به.

стр. 2310

وقال البخاري (١): حدّثنا عبد الله بن يوسف، أنبأنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كنت أُطَيِّبُ رسول الله ﷺ لإحرامه حين يُحْرِم، ولحِلِّه قبل أن يطوف بالبيت. وقال مسلم (٢): حدّثنا عبدُ بن حُمَيْد، أنبأنا محمد بن أبي بكر، أنبأنا ابن جُرَيْج، أخبرني عمر بن عبد الله بن عروة أنه سمع عروة والقاسم يُخْبرانه عن عائشة قالت: طيّبْتُ رسولَ الله ﷺ بيديَّ بذَريرة (٣) في حجة الوداع للحِلِّ والإحْرام. وروى مسلم (٤) من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: طيبت رسول الله ﷺ بيديَّ هاتين لحرمه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت. وقال مسلم (٥): حدّثني أحمد بن مَنيع ويعقوب الدَّورقي، قالا: حدّثنا هُشيم، أنبأنا منصور، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: كنت أُطيّبُ النبي ﷺ قبلَ أن يُحْرِمَ، ويومَ النَّحر قبلَ أن يطوفَ بالبيت بطيبٍ فيه مِسْك. وقال مسلم (٦): حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ وزهير بن حرب. قالا: حدّثنا وكيعٌ، حدّثنا الأعْمَشُ، عن أبي الضُّحى عن مَسْروق، عن عائشة قالت: كأنّي أنظرُ إلى وَبيص (٧) المِسكِ في مفارق (٨) رسول الله ﷺ وهو يلبي. ثم رواه مسلم (٩) من حديث الثوري وغيره، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: كأنّي أنظرُ إلى وَبيصِ المسكِ في مَفرق رسول الله ﷺ وهو مُحْرِم. ورواه البخاري (١٠) من حديث سفيان الثوري، ومسلم (١١) من حديث الأعمش، كلاهما عن

стр. 2311

منصور، عن إبراهيم، عن الأسود عنها. وأخرجاه في الصحيحين من حديث شُعبة، عن الحكم، عن (١) إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة (٢). وقال أبو داود الطيالسي (٣): أنبأنا شُعبة (٤)، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة. قالت: كأني أنظر إلى وَبيصِ الطِّيب في أصول شعر رسول الله ﷺ وهو مُحْرِمٌ. وقال الإمام أحمد (٥): حدّثنا عَفّانُ، حدّثنا حماد بن سَلَمة، [أنا حماد] عن إبراهيم النَّخَعي، عن الأسود، عن عائشة قالت: كأني أنظرُ إلى وَبيصِ الطِّيبِ في مفرِق النبي ﷺ بعد أيام وهو مُحْرِمٌ. وقال عبد الله بن الزبير الحُمَيْدي: حدّثنا سُفيان بن عيينة، حدّثنا عطاء بن السائب، عن إبراهيم النَّخَعي، عن الأسود، عن عائشة قالت: رأيتُ الطِّيب (٦) في مَفْرِق رسول الله بعدَ ثالثة وهو محرم. فهذه الأحاديث دالة على أنه ﵊ تَطَيَّبَ بعد الغُسْل، إذ لو كان الطيب قَبْلَ الغُسْلِ لذهبَ به الغُسْل، ولما بقي له أثر، ولا سيما بعد ثلاثة أيام من يوم الإحرام. وقد ذهب طائفةٌ من السَّلَف منهم ابنُ عمر إلى كراهة التَّطَيُّب عند الإحرام. وقد روينا هذا الحديث من طريق ابن عمر عن عائشة. فقال الحافظ البيهقي (٧): أنبأنا أبو الحسين بن بشران ببغداد، أنبأنا أبو الحسن علي بن محمد المصري، حدّثنا يحيى بن عثمان بن صالح، حدّثنا عبد الرحمن بن أبي الغَمر، حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن عائشة، أنها قالت: طَيَّبْتُ رسولَ الله ﷺ بالغالية الجَيّدة عندَ إحرامِهِ. وهذا إسناد غريبٌ عزيز المخرج. ثم إنه ﵊ لبد رأسَه ليكونَ أحفظَ لما فيه من الطِّيب، وأصْوَنَ له من استقرارِ التّرابِ والغُبار.

стр. 2312

قال مالك (١): عن نافع، عن ابن عمر: إن حَفْصَةَ زوجَ النبي ﷺ قالَتْ: يا رسولَ الله، ما شأنُ الناسِ حَلُّوا من العُمْرة ولم تحل أنْتَ من عُمْرتكَ؟ قال: "إني لبَّدْتُ رأسي، وقلَّدت هَدْيي، فلا أَحِلّ حتى أنْحَرَ". وأخرجاه في "الصحيحين" (٢) من حديث مالك، وله طرقٌ كثيرةٌ عن نافع. وقال البيهقي (٣): أنبأنا الحاكم، أنبانا (الأصم، ثنا يحيى بن محمد بن) (٤) يحيى، حدّثنا عُبَيْد الله بن عمر القَواريري، حدّثنا عبد الأعلى، حدّثنا محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر أنّ رسولَ الله ﷺ لبَّدَ رأسَه بالغِسل. وهذا إسناد جيّد. ثم إنه ﵊ أشعر الهَدْيَ وقلَّده وكان (٥) معه بذي الحُلَيْفة. قال الليث: عن عُقَيْل، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: تَمَتَّعَ رسولُ الله ﷺ في حجة الوداع بالعُمْرة إلى الحجّ، وأهدى، فساق معه الهَدْيَ من ذي الحُلَيْفة. وسيأتي الحديث بتمامه وهو في "الصحيحين" (٦) والكلام عليه إن شاء الله. وقال مسلم (٧): حدّثنا محمد بن المثنى، حدّثنا معاذ بن هشام هو الدستوائي، حدّثني أبي، عن قتادة، عن أبي حسّان، عن ابن عباس، أنَّ رسول الله ﷺ لما أتى ذا الحُلَيْفة دعا بناقته فاشْعَرَها في صفحةِ سَنامِها الأيمنِ وسَلَت الدم (٨)، وقلَّدها نَعْلَيْن ثم ركبَ راحلته. وقد رواه أهلُ السُّنن الأربعة (٩) من طرقٍ عن قتادة.

стр. 2313

وهذا يدلّ على أنّه ﵇ تعاطى هذا الإشعار والتقليد بيده الكريمة في هذه البَدَنَة وتولّى إشعارَ بقية الهَدْي وتقليدَه غيرُه، فإنّه قد كان هَدْي كثير إما مئة بَدَنة أو أقلّ منها بقليل، وقد ذَبَحَ بيده الكريمة ثلاثًا وستين بَدَنَةً، وأعطى عَليًّا فذَبَح ما غبر (١). وفي حديث جابر أن عليًا قدم من اليمن ببُدْنٍ للنبيّ ﷺ . وفي سياق ابن إسحاق أنه ﵊ أشرك علمًا في بُدْنه، والله أعلم. وذكر غيره أنه ذَبَحَ هو وعليّ يوم النَّحْر مئة بدنة، فعلى هذا يكون قد ساقها معه من ذي الحُليفة، وقد يكون اشترى بعضها بعد ذلك وهو مُحْرِمٌ. بابُ بيانِ الموْضِعِ الذي أهلَّ منه ﵇، واختلافِ الناقلين لذلك، وتَرْجيحِ الحقّ في ذلك تقدَّمَ الحديثُ الذي رواه البخاري (٢) من حديث الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر: سمعتُ رسولَ الله ﷺ بوادي العَقيق يقولُ: "أتاني آتٍ من ربي، فقال: صَلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عُمْرَةً في حجةٍ". وقال البخاري (٣): باب الإهلال عند مسجد ذي الحُلَيْفة: حدّثنا علي بن عبد الله، حدّثنا سفيان، حدّثنا موسى بن عُقبة، سمعتُ سالم بن عبد الله (سمعت ابن عمر ﵄ (٤)، وحدّثنا عبد الله بن مَسْلَمة، ثنا مالكٌ، عن موسى بن عُقبة، عن سالم بن عبد الله، أنه سمع أباه يقولُ: ما أهل رسولُ الله ﷺ إلَّا مِنْ عِنْدِ المَسْجِدِ - يعني مسجد ذي الحُلَيْفةِ -. وقد رواه الجماعة إلا ابن ماجه من طرقٍ، عن موسى بن عُقْبة (٥). وفي روايةٍ لمسلمٍ (٦)، عن موسى بن عُقْبة، عن سالم ونافع وحمزة بن عبد الله بن عمر، ثلاثتهم عن عبد الله بن عمر … فذكره.

стр. 2314

وزاد فقال: لبيك اللَّهُمّ، لَبَّيْك (١). وفي رواية لهما (٢) من طريق مالكٍ، عن موسى بن عُقْبة، عن سالم قال: قال عبد الله بن عمر: بَيْداؤُكُم هذه التي تَكْذِبون فيها على رسول الله ﷺ ، ما (٣) أهَلَّ رسول الله ﷺ إلَّا من عند المسجد. وقد روي عن ابن عمر خلافُ هذا، كما سيأتي في الشق الآخر، وهو ما أخرجاه في "الصحيحين" (٤) من طريق مالك، عن سعيد المَقْبري، عن عُبيد بن جُريج، عن ابن عمر، فذكر حديثًا فيه أن عبد الله قال: وأما الإهلال فإني لمْ أرَ رسولَ الله ﷺ يُهِل حتى تنبعثَ به راحلتُه. وقال الإمام أحمد (٥): حدّثنا يعقوب، حدّثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدَّثني خُصَيف بن عبد الرحمن الجَزَري، عن سعيد بن جُبَير قال: قلت لعبد الله بن عَبّاس: يا أبا العباس، عجبًا لاختلافِ أصحابِ رسول الله ﷺ في إهلالِ رسولِ الله ﷺ حينَ أوجبَ! فقال: إني لأعلمُ النّاسِ بذلك، إنما كانت من رسول الله ﷺ حجةٌ واحدةٌ، فمن هناك اختلفوا، خرج رسول الله ﷺ حاجًّا، فلما صلى في مسجده بذي الحُلَيْفة رَكْعَتَيْهِ أوجبَ في مجلسه، فأهلَّ بالحجّ حينَ فرغَ من رَكْعَتَيْه، فسمعَ ذلك منه قوم فحفظوا عنه، ثم ركب، فلما استقلت (٦) به ناقته أهل، وأدركَ ذلك منه أقوامٌ، وذلك أن النّاس إنّما كانوا يأتون أرْسالًا، فسمعوه حين استقلَّت به ناقتُه يُهِلُّ، فقالوا: إنما أهل رسول الله ﷺ حين استقلَّت به ناقتُه، ثم مضى رسول الله ﷺ ، فلما علا شَرَفَ البَيْدَاء أهلَّ، وأدركَ ذلك منه أقوامٌ، فقالوا: إنما أهلَّ رسولُ الله ﷺ حين علا شَرَفَ البَيْداء، وايمُ اللهِ لقد أوْجَبَ في مُصلاه، وأهلَّ حينَ استقلَّتْ به ناقته، وأهلَّ حين علا شَرَفَ البَيْداء. فمَنْ أخذَ بقولِ عبد الله بن عباس أهلَّ في مُصَلّاه إذا فرغ من رَكْعَتَيْهِ. وقد رواه الترمذي والنسائي (٧) جميعًا، عن قتيبة، عن عبد السلام بن حرب، عن خُصَيف به نحوه. وقال التّرمذي: حَسَنٌ غَريبٌ، لا نعرفُ أحدًا رواه غير عبد السلام، كذا قال. وقد تقدّم رواية الإمام أحمد له من طريق محمد بن إسحاق عنه، وكذلك رواه الحافظ البيهقي (٨)، عن الحاكم، عن القَطيعيّ، عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه، ثم قال: خُصَيف الجَزَري غير قوي. وقد رواه الواقدي

стр. 2315

بإسنادٍ له عن ابن عباس. قال البيهقيُّ: إلّا أنه لا تنفعُ (١) متابعةُ الواقدي، والأحاديثُ التي وردَتْ في ذلك عن ابن (٢) عمر وغيره أسانيدُها قويّةٌ ثابتةٌ، والله تعالى أعلم. قلت: فلو صَحَّ هذا الحديثُ لكانَ فيه جَمْعٌ لما بينَ الأحاديث من الاختلاف، وبسطٌ لعذرِ منْ نقلَ خلافَ الواقع، ولكن في إسناده ضعفٌ، ثم قد رُوي عن ابن عباس وابن عمر خلاف (٢) ما تقدَّم عنهما، كما سَنُنَبِّهُ عليه ونُبَيِّنُهُ، وهكذا ذكرَ منْ قال إنه ﵇ أهلَّ حينَ اسْتَوَتْ به راحِلَتُهُ. قال البخاري (٣): حدّثنا عبدُ الله بن محمد، حدّثنا هِشامُ بن يوسف، أنبأنا ابن جُرَيْج، حدّثني محمد بن المُنْكَدِر، عن أنس بن مالك قال: صَلى النبيُّ ﷺ بالمدينة أربعًا وبذي الحُلَيْفَة رَكْعَتَيْن، ثم باتَ حتى أصْبَحَ بذي الحُليفة، فلمّا ركبَ راحلتَه واستوتْ به أهلّ. وقد رواه البخاريّ ومسلمٌ، وأهلُ السنن (٤) من طرقٍ، عن محمد بن المُنْكَدِر وإبراهيم بن مَيْسَرة، عن أنسٍ. (وثابتٌ) في "الصحيحين" (٥) من حديث مالك، عن سعيد المَقْبري، عن عُبَيْد بن جُرَيْج، عن ابن عمر قال: وأما الإهلالُ فإنّي لم أرَ رسولَ الله ﷺ يُهِلّ حتى تنبعثَ به راحلتُه. وأخرجاه في "الصحيحين" (٦) من رواية ابن وهبٍ، عن يونس، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أنَّ رسول الله كان يركَبُ راحلتَهُ بذي الحُلَيْفَة، ثم يُهِلُّ حينَ تَسْتَوي به قائمةً. وقال البخاري (٧): باب من أهلَّ حينَ استوتْ به راحلَتُه، حدّثنا أبو عاصم، حدّثنا ابن جريج، أخبرني صالحُ بن كَيْسان، عن نافع، عن ابن عمر قال: أهلَّ النبيُّ ﷺ حين اسْتَوَتْ به راحِلَتُه قائمة. وقد رواه مسلم والنسائي (٨)، من حديث ابن جُرَيْج به.
следующие страницы →