← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

منصور، عن إبراهيم، عن الأسود عنها. وأخرجاه في الصحيحين من حديث شُعبة، عن الحكم، عن (١) إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة (٢). وقال أبو داود الطيالسي (٣): أنبأنا شُعبة (٤)، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة. قالت: كأني أنظر إلى وَبيصِ الطِّيب في أصول شعر رسول الله ﷺ وهو مُحْرِمٌ. وقال الإمام أحمد (٥): حدّثنا عَفّانُ، حدّثنا حماد بن سَلَمة، [أنا حماد] عن إبراهيم النَّخَعي، عن الأسود، عن عائشة قالت: كأني أنظرُ إلى وَبيصِ الطِّيبِ في مفرِق النبي ﷺ بعد أيام وهو مُحْرِمٌ. وقال عبد الله بن الزبير الحُمَيْدي: حدّثنا سُفيان بن عيينة، حدّثنا عطاء بن السائب، عن إبراهيم النَّخَعي، عن الأسود، عن عائشة قالت: رأيتُ الطِّيب (٦) في مَفْرِق رسول الله بعدَ ثالثة وهو محرم. فهذه الأحاديث دالة على أنه ﵊ تَطَيَّبَ بعد الغُسْل، إذ لو كان الطيب قَبْلَ الغُسْلِ لذهبَ به الغُسْل، ولما بقي له أثر، ولا سيما بعد ثلاثة أيام من يوم الإحرام. وقد ذهب طائفةٌ من السَّلَف منهم ابنُ عمر إلى كراهة التَّطَيُّب عند الإحرام. وقد روينا هذا الحديث من طريق ابن عمر عن عائشة. فقال الحافظ البيهقي (٧): أنبأنا أبو الحسين بن بشران ببغداد، أنبأنا أبو الحسن علي بن محمد المصري، حدّثنا يحيى بن عثمان بن صالح، حدّثنا عبد الرحمن بن أبي الغَمر، حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن عائشة، أنها قالت: طَيَّبْتُ رسولَ الله ﷺ بالغالية الجَيّدة عندَ إحرامِهِ. وهذا إسناد غريبٌ عزيز المخرج. ثم إنه ﵊ لبد رأسَه ليكونَ أحفظَ لما فيه من الطِّيب، وأصْوَنَ له من استقرارِ التّرابِ والغُبار.

стр. 2312

قال مالك (١): عن نافع، عن ابن عمر: إن حَفْصَةَ زوجَ النبي ﷺ قالَتْ: يا رسولَ الله، ما شأنُ الناسِ حَلُّوا من العُمْرة ولم تحل أنْتَ من عُمْرتكَ؟ قال: "إني لبَّدْتُ رأسي، وقلَّدت هَدْيي، فلا أَحِلّ حتى أنْحَرَ". وأخرجاه في "الصحيحين" (٢) من حديث مالك، وله طرقٌ كثيرةٌ عن نافع. وقال البيهقي (٣): أنبأنا الحاكم، أنبانا (الأصم، ثنا يحيى بن محمد بن) (٤) يحيى، حدّثنا عُبَيْد الله بن عمر القَواريري، حدّثنا عبد الأعلى، حدّثنا محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر أنّ رسولَ الله ﷺ لبَّدَ رأسَه بالغِسل. وهذا إسناد جيّد. ثم إنه ﵊ أشعر الهَدْيَ وقلَّده وكان (٥) معه بذي الحُلَيْفة. قال الليث: عن عُقَيْل، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: تَمَتَّعَ رسولُ الله ﷺ في حجة الوداع بالعُمْرة إلى الحجّ، وأهدى، فساق معه الهَدْيَ من ذي الحُلَيْفة. وسيأتي الحديث بتمامه وهو في "الصحيحين" (٦) والكلام عليه إن شاء الله. وقال مسلم (٧): حدّثنا محمد بن المثنى، حدّثنا معاذ بن هشام هو الدستوائي، حدّثني أبي، عن قتادة، عن أبي حسّان، عن ابن عباس، أنَّ رسول الله ﷺ لما أتى ذا الحُلَيْفة دعا بناقته فاشْعَرَها في صفحةِ سَنامِها الأيمنِ وسَلَت الدم (٨)، وقلَّدها نَعْلَيْن ثم ركبَ راحلته. وقد رواه أهلُ السُّنن الأربعة (٩) من طرقٍ عن قتادة.

стр. 2313

وهذا يدلّ على أنّه ﵇ تعاطى هذا الإشعار والتقليد بيده الكريمة في هذه البَدَنَة وتولّى إشعارَ بقية الهَدْي وتقليدَه غيرُه، فإنّه قد كان هَدْي كثير إما مئة بَدَنة أو أقلّ منها بقليل، وقد ذَبَحَ بيده الكريمة ثلاثًا وستين بَدَنَةً، وأعطى عَليًّا فذَبَح ما غبر (١). وفي حديث جابر أن عليًا قدم من اليمن ببُدْنٍ للنبيّ ﷺ . وفي سياق ابن إسحاق أنه ﵊ أشرك علمًا في بُدْنه، والله أعلم. وذكر غيره أنه ذَبَحَ هو وعليّ يوم النَّحْر مئة بدنة، فعلى هذا يكون قد ساقها معه من ذي الحُليفة، وقد يكون اشترى بعضها بعد ذلك وهو مُحْرِمٌ. بابُ بيانِ الموْضِعِ الذي أهلَّ منه ﵇، واختلافِ الناقلين لذلك، وتَرْجيحِ الحقّ في ذلك تقدَّمَ الحديثُ الذي رواه البخاري (٢) من حديث الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر: سمعتُ رسولَ الله ﷺ بوادي العَقيق يقولُ: "أتاني آتٍ من ربي، فقال: صَلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عُمْرَةً في حجةٍ". وقال البخاري (٣): باب الإهلال عند مسجد ذي الحُلَيْفة: حدّثنا علي بن عبد الله، حدّثنا سفيان، حدّثنا موسى بن عُقبة، سمعتُ سالم بن عبد الله (سمعت ابن عمر ﵄ (٤)، وحدّثنا عبد الله بن مَسْلَمة، ثنا مالكٌ، عن موسى بن عُقبة، عن سالم بن عبد الله، أنه سمع أباه يقولُ: ما أهل رسولُ الله ﷺ إلَّا مِنْ عِنْدِ المَسْجِدِ - يعني مسجد ذي الحُلَيْفةِ -. وقد رواه الجماعة إلا ابن ماجه من طرقٍ، عن موسى بن عُقْبة (٥). وفي روايةٍ لمسلمٍ (٦)، عن موسى بن عُقْبة، عن سالم ونافع وحمزة بن عبد الله بن عمر، ثلاثتهم عن عبد الله بن عمر … فذكره.

стр. 2314

وزاد فقال: لبيك اللَّهُمّ، لَبَّيْك (١). وفي رواية لهما (٢) من طريق مالكٍ، عن موسى بن عُقْبة، عن سالم قال: قال عبد الله بن عمر: بَيْداؤُكُم هذه التي تَكْذِبون فيها على رسول الله ﷺ ، ما (٣) أهَلَّ رسول الله ﷺ إلَّا من عند المسجد. وقد روي عن ابن عمر خلافُ هذا، كما سيأتي في الشق الآخر، وهو ما أخرجاه في "الصحيحين" (٤) من طريق مالك، عن سعيد المَقْبري، عن عُبيد بن جُريج، عن ابن عمر، فذكر حديثًا فيه أن عبد الله قال: وأما الإهلال فإني لمْ أرَ رسولَ الله ﷺ يُهِل حتى تنبعثَ به راحلتُه. وقال الإمام أحمد (٥): حدّثنا يعقوب، حدّثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدَّثني خُصَيف بن عبد الرحمن الجَزَري، عن سعيد بن جُبَير قال: قلت لعبد الله بن عَبّاس: يا أبا العباس، عجبًا لاختلافِ أصحابِ رسول الله ﷺ في إهلالِ رسولِ الله ﷺ حينَ أوجبَ! فقال: إني لأعلمُ النّاسِ بذلك، إنما كانت من رسول الله ﷺ حجةٌ واحدةٌ، فمن هناك اختلفوا، خرج رسول الله ﷺ حاجًّا، فلما صلى في مسجده بذي الحُلَيْفة رَكْعَتَيْهِ أوجبَ في مجلسه، فأهلَّ بالحجّ حينَ فرغَ من رَكْعَتَيْه، فسمعَ ذلك منه قوم فحفظوا عنه، ثم ركب، فلما استقلت (٦) به ناقته أهل، وأدركَ ذلك منه أقوامٌ، وذلك أن النّاس إنّما كانوا يأتون أرْسالًا، فسمعوه حين استقلَّت به ناقتُه يُهِلُّ، فقالوا: إنما أهل رسول الله ﷺ حين استقلَّت به ناقتُه، ثم مضى رسول الله ﷺ ، فلما علا شَرَفَ البَيْدَاء أهلَّ، وأدركَ ذلك منه أقوامٌ، فقالوا: إنما أهلَّ رسولُ الله ﷺ حين علا شَرَفَ البَيْداء، وايمُ اللهِ لقد أوْجَبَ في مُصلاه، وأهلَّ حينَ استقلَّتْ به ناقته، وأهلَّ حين علا شَرَفَ البَيْداء. فمَنْ أخذَ بقولِ عبد الله بن عباس أهلَّ في مُصَلّاه إذا فرغ من رَكْعَتَيْهِ. وقد رواه الترمذي والنسائي (٧) جميعًا، عن قتيبة، عن عبد السلام بن حرب، عن خُصَيف به نحوه. وقال التّرمذي: حَسَنٌ غَريبٌ، لا نعرفُ أحدًا رواه غير عبد السلام، كذا قال. وقد تقدّم رواية الإمام أحمد له من طريق محمد بن إسحاق عنه، وكذلك رواه الحافظ البيهقي (٨)، عن الحاكم، عن القَطيعيّ، عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه، ثم قال: خُصَيف الجَزَري غير قوي. وقد رواه الواقدي

стр. 2315

بإسنادٍ له عن ابن عباس. قال البيهقيُّ: إلّا أنه لا تنفعُ (١) متابعةُ الواقدي، والأحاديثُ التي وردَتْ في ذلك عن ابن (٢) عمر وغيره أسانيدُها قويّةٌ ثابتةٌ، والله تعالى أعلم. قلت: فلو صَحَّ هذا الحديثُ لكانَ فيه جَمْعٌ لما بينَ الأحاديث من الاختلاف، وبسطٌ لعذرِ منْ نقلَ خلافَ الواقع، ولكن في إسناده ضعفٌ، ثم قد رُوي عن ابن عباس وابن عمر خلاف (٢) ما تقدَّم عنهما، كما سَنُنَبِّهُ عليه ونُبَيِّنُهُ، وهكذا ذكرَ منْ قال إنه ﵇ أهلَّ حينَ اسْتَوَتْ به راحِلَتُهُ. قال البخاري (٣): حدّثنا عبدُ الله بن محمد، حدّثنا هِشامُ بن يوسف، أنبأنا ابن جُرَيْج، حدّثني محمد بن المُنْكَدِر، عن أنس بن مالك قال: صَلى النبيُّ ﷺ بالمدينة أربعًا وبذي الحُلَيْفَة رَكْعَتَيْن، ثم باتَ حتى أصْبَحَ بذي الحُليفة، فلمّا ركبَ راحلتَه واستوتْ به أهلّ. وقد رواه البخاريّ ومسلمٌ، وأهلُ السنن (٤) من طرقٍ، عن محمد بن المُنْكَدِر وإبراهيم بن مَيْسَرة، عن أنسٍ. (وثابتٌ) في "الصحيحين" (٥) من حديث مالك، عن سعيد المَقْبري، عن عُبَيْد بن جُرَيْج، عن ابن عمر قال: وأما الإهلالُ فإنّي لم أرَ رسولَ الله ﷺ يُهِلّ حتى تنبعثَ به راحلتُه. وأخرجاه في "الصحيحين" (٦) من رواية ابن وهبٍ، عن يونس، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أنَّ رسول الله كان يركَبُ راحلتَهُ بذي الحُلَيْفَة، ثم يُهِلُّ حينَ تَسْتَوي به قائمةً. وقال البخاري (٧): باب من أهلَّ حينَ استوتْ به راحلَتُه، حدّثنا أبو عاصم، حدّثنا ابن جريج، أخبرني صالحُ بن كَيْسان، عن نافع، عن ابن عمر قال: أهلَّ النبيُّ ﷺ حين اسْتَوَتْ به راحِلَتُه قائمة. وقد رواه مسلم والنسائي (٨)، من حديث ابن جُرَيْج به.

стр. 2316

وقال مسلم (١): حدّثنا أبو بكر بن أبي (٢) شيبة، حدّثنا علي بن مُسْهِر، عن عُبَيْد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا وضع رجله في الغَرز (٣) وانبعثتْ به راحلتُه قائمةً أهلَّ من ذي الحُلَيفة. انفرد به مُسلمٌ من هذا الوجه، وأخرجاه من وجه آخر (٤)، عن عُبَيْد الله بن عمر، عن نافعٍ عنه. ثم قال البخاري (٥): باب الإهلال مستقبلَ القبلة. قال أبو معمر: حدّثنا عبدُ الوارث، حدّثنا أيوب، عن نافع قال: كان ابنُ عمر إذا صلَّى الغَداة (٦) بذي الحُلَيْفة أمر براحلته فرُحلت، ثم ركب، فإذا استوت به استقبل القبلة قائمًا، ثم يُلبِّي حتى يبلغ الحرم (٧)، ثم يمسك، حتى إذا جاء ذا طُوى (٨) بات به حتى يُصْبحَ، فإذا صلَّى الغداةَ اغْتسَلَ، وزعمَ أنّ رسولَ الله ﷺ فعل ذلك، ثم قال: تابعه إسماعيلُ، عن أيوب في الغُسْل. وقد عَلَّق البخاري (٩) أيضًا هذا الحديث في كتاب الحجّ، عن محمد بن عيسى، عن حماد بن زيد، وأسنده فيه (١٠) عن (١١) يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرقي، عن إسماعيل، هو ابن عُلَيَّة. ورواه مُسْلمٌ، عن زهير بن حَرْبٍ، عن إسماعيل، وعن أبي الربيع الزهراني وغيره، عن حماد بن زيد، ثلاثتُهم عن أيوب بن أبي تَميمة السِّخْتياني به (١٢). ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل، عن إسماعيل بن عُلَيَّة به. ثم قال البخاري (١٣): حدّثنا سليمان أبو الربيع، حدّثنا فُلَيْح، عن نافع قال: كان ابنُ عمر إذا أراد

стр. 2317

الخروجَ إلى مكة ادَّهَنَ بدُهْنٍ ليس له رائحة طيبة، ثم يأتي مسجد ذي الحُلَيْفة فيُصلّي، ثم يَرْكَب، فإذا استوت به راحلتُه قائمة أحْرَمَ، ثم قال: هكذا رأيتُ رسول الله ﷺ يفعلُ. تفرد به البخاري من هذا الوجه. وروى مسلم (١)، عن قتيبة، عن حاتم بن إسماعيل، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن أبيه قال: بَيْداؤُكم هذه التي تَكْذِبون على رسول الله ﷺ فيها، واللهِ ما أهلّ رسول الله ﷺ إلا عند الشجرة، حين قام به بعيرُه. وهذا الحديث يجمع بين رواية ابن عمر الأولى وهذه الروايات عنه، وهو أن الإحرام كان من عند المسجد، ولكن بعدما ركب راحلته واستوت به على البيداء يعني الأرض وذلك قبل (٢) أن يصل إلى المكان المعروف بالبيداء. ثم قال البخاري (٣) في موضع آخر: حدّثنا محمد بن أبي بكر المُقَدَّمي، حدّثنا فُضَيْل بن سليمان، حدّثنا موسى بن عقبة، حدّثني كُرَيب، عن عبد الله بن عباس قال: انطلق النبي ﷺ من المدينة بعدما ترجَّلَ وادَّهَنَ ولبسَ إزارَهُ ورداءَه هو وأصحابه، ولم يَنْهَ عن شيء من الأردية والأزُر تُلْبَسُ، إلا المُزَعْفَرَةَ التي تُرْدَعُ على الجلد، فأصبح بذي الحُلَيْفَة، ركب راحلته، حتى استوَتْ على البَيْداء، أهلّ هو وأصحابه، وقَلَّدَ (بدنته وذلك لخمس بقين من ذي القعدة، فقدم مكة لأربع ليالي خَلَوْنَ من ذي الحجّة فطافَ بالبيت وسعى بين الصَّفا والمَرْوة ولم يُحِلَّ من أجل بُدْنِه لأنّه قَلَّدها ثم نزل بأعلى مكة) (٤) عند الحَجون وهو مُهِلٌّ بالحجِّ، ولم يَقْرَبِ الكعبةَ [بعد] طوافه بها حتى رجعَ من عرفة، وأمر أصحابه أن يَطَّوَّفوا بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم يُقَصِّروا من رؤوسهم، ثم يُحِلُّوا، وذلك لمن لم يكن معه بَدَنة قلَّدها، ومن كانت معه امرأته فهي له حَلالٌ والطِّيْب والثِّياب. انفرد به البخاري. وقد روى الإمام أحمد (٥)، عن بَهْز بن أسد، وحجّاج، ورَوْح بن عُبادة، وعفان بن مسلم، كلُّهم عن شعبة، قال: أخبرني قتادة قال: سمعتُ أبا حسّان الأعْرج الأجْرَد وهو مُسْلم بن عبد الله البصري، عن ابن عباس، قال: صلَّى رسولُ الله ﷺ الظهرَ بذي الحُلَيْفة، ثم دعا بَبَدنَتِه فأشْعَر صفحةَ سنامِها

стр. 2318

الأيمن، وسَلَت الدمَ عنها، وقلَّدها نَعْلَيْن، ثم دعا براحِلَتِهِ، فلما اسْتَوَتْ على البَيْداء أهَلَّ بالحَجّ. ورواه أيضًا (١)، عن هُشَيْم، أنبأنا أصحابنا، منهم شُعبة، فذكر نحوه. ثم رواه أحمد (٢) أيضًا عن رَوْح وأبي داود الطيالسي، ووكيع بن الجَرَّاح، كلُّهم عن هشام الدَّستُوائي، عن قتادة به نحوه. ومن هذا الوجه رواه مسلم في "صحيحه" وأهل السنن في كتبهم (٣). فهذه الطرق عن ابن عباس، من أنه ﵇ أهلَّ حين استوت به راحلته أصحَّ وأثبتُ من رواية خُصَيْف الجَزَري، عن سعيد بن جبير عنه. والله أعلم. وهكذا الرواية المثبتة المفسرة أنَّه أهلَّ حينَ اسْتَوَتْ به الراحلةُ مقدَّمة على الأخرى، لاحتمال أنَّه أحرم من عند المسجد حين استوَتْ به راحلتُه، وتكونُ روايةُ رُكُوبهِ الراحلةَ فيها زيادةُ عِلْم على الأخرى، والله أعلم. ورواية أنس في ذلك سالمةٌ عن المُعارض، وهكذا رواية جابر بن عبد الله في "صحيح مسلم" (٤) من طريقِ جَعْفر الصّادق، عن أبيه، [محمد بن علي] أبي (٥) الحسين زين العابدين، عن جابر في حديثه الطويل الذي سيأتي، أن رسول الله ﷺ أهل حينَ اسْتَوَتْ به راحلتُه سالمة عن المُعارض. والله أعلم. وروى البخاري (٦) من طريق الأوْزاعي، سمعتُ عطاءً، عن جابرِ بن عَبْد الله: أنَّ إهلالَ رسولِ الله من ذي الحُلَيفة حين اسْتَوَتْ به راحلتهُ. فأما الحديثُ الذي رواه محمد بن إسحاق بن يسار، عن أبي الزِّناد، عن عائشة بنتَ سعد، قالت: قال سعد: كان رسولُ الله ﷺ إذا أخذَ طريق الفُرع (٧) أهل إذا استَقَلّتْ به راحلتُه، وإذا أخذَ طريق أُحد (٨) أهلَّ إذا علا على شَرَفِ البَيْداء. فرواه أبو داود والبيهقي (٩) من حديث ابن إسحاق، وفيه غَرابةٌ ونكارةٌ،

стр. 2319

والله أعلم. فهذه الطرقُ كلُّها دالَّةٌ - على القطع أو الظن الغالب - أنَّه ﵊ أحرمَ بعد الصلاةِ وبعد ما ركِبَ راحلتَه وابتدأتْ به السَّيْر. زاد ابن عمر في روايته، وهو مستقبلٌ القبلةَ. بابُ بَسْطِ البيانِ لما أحْرَمَ به ﵊ في حجّتِه هذه من الإفْرادِ والتَّمتُّعِ والقِرانِ (ذكر الأحاديث الواردة بأنه ﵊ كان مُنفْرِدًا) (١) رواية عائشة أم المؤمنين في ذلك: قال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: أنبأنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ أفْرَدَ الحَجَّ. ورواه مسلم (٢) عن إسماعيل، عن أبي أُوَيس، ويحيى بن يحيى، عن مالك. ورواه الإمام أحمد (٣)، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك به. وقال أحمد (٤): حدّثنا إسحاق بن عيسى، حدّثني المُنْكَدر بن محمد، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن القاسم بن محمد، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ أفْرَدَ الحَجَّ. وقال الإمام أحمد (٤): حدّثنا سُرَيْج، حدّثنا (٥) ابن أبي الزِّناد، عن أبيه، عن عروة، عن عائشة. وعن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه، عن عائشة. وعن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أنّ رسول الله ﷺ أفْرَدَ الحَجَّ. تَفَرَّدَ به أحمدُ من هذه الوجوه عنها. وقال الإمام أحمد (٦): حدّثني عبد الأعلى بن حماد قال: قرأت على مالك بن أنس، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ أفرَدَ الحَجَّ. وقال (٦): حدّثنا رَوْحٌ، ثنا مالك، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل - وكان يتيمًا في حِجْر عُرْوة - عن عروة بن الزبير، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ أفردَ الحَجَّ.

стр. 2320

ورواه (١) ابن ماجه، عن أبى مصعب، عن مالك كذلك. ورواه النَّسائي (٢)، عن قتيبة، عن مالك، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة: أن رسول الله أهَلَّ بالحَجَّ. وقال أحمد (٣) أيضًا: حدّثنا عبد الرحمن، عن مالك، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله، فمنّا مَنْ أهَلَّ بالحَجِّ، ومِنّا مَنْ أَهَلَّ بالعُمْرة، ومنّا منْ أهَل بالحَجِّ والعُمْرة، وأَهَلَّ رسولُ الله ﷺ بالحَجِّ، فأمَّا منْ أهَل بالعُمْرة فأحلُّوا حينَ طافوا بالبَيْتِ وبالصَّفا والمَرْوةِ، وأما من أهَلَّ بالحجِّ أو بالحجِّ والعُمْرة، فلم يُحِلّوا إلى يومِ النَّحْرِ. وهكذا رواه البخاري (٤)، عن عبد الله بن يوسف والقَعْنَبي (٥) وإسماعيل بن أبي أُوَيْس، عن مالك. ورواه مسلم (٦)، عن يحيى، عن مالك به. وقال أحمد (٧): حدّثنا سُفْيان، عن الزُّهْري، عن عُرْوة، عن عائشة قالت (٨): أَهَلَّ رسولُ الله ﷺ بالحَجِّ، وأهَلَّ ناس بالحَج والعُمرة، وأهلَّ ناس بالعمرة. ورواه مسلم (٩) عن ابن أبي عمر، عن سُفْيان بن عُيَيْنة به نحوه. فأما الحديثُ الذي قال الإمام أحمد (١٠): حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا عبد العزيز بن محمد، عن عَلْقَمة بن أبي علقمة، عن أمّه، عن عائشة: أن رسولَ الله ﷺ أمرَ النّاسَ في حجة الوَداعِ فقال: من أحَبَّ أن يبدأ [منكم] (١١) بعُمْرَةٍ قبل الحجِّ فليفعل، وأفردَ رسولُ الله ﷺ الحجَّ ولم يَعْتَمر". فإنّه حديثٌ غريبٌ جدًّا، تفرَّد به أحمد بن حَنْبل، وإسنادُهُ لا بأسَ به، ولكن لفظه فيه نَكارة شديدة وهو قوله: فلم يَعْتَمر. فإنْ أُريدَ بهذا أنّه لم يعتمرْ مع الحَجِّ ولا قَبْلَه فهو (١٢) قولُ مَنْ ذَهَبَ إلى الإفراد، وإن أُريدَ أنه لم

стр. 2321

يَعْتَمر بالكُلِّية لا قبلَ الحجِّ ولا معه ولا بعدَه، فهذا ممّا لا أعلمُ أحدًا من العلماء قال به، ثم هو مخالفٌ لما صَحَّ عن عائشة وغيرها من أنه ﷺ اعتمَرَ أربعَ عُمَر كلّهن في ذي القعدة، إلا التي مع حجّته. وسَيَأْتي تَقْرير هذا في فَضْل القِرانِ مُسْتَقْصى. والله أعلم. وهكذا الحديثُ الذي رواه الإمام أحمد قائلًا في "مسنده" (١): حدّثنا رَوْحٌ، حدّثنا صالِحُ بن أبي الأخْصَرِ، حدّثنا ابن شِهابٍ أنّ عُروةَ أخْبَرَهُ: أنّ عائشةَ زوجَ النبيّ ﷺ قالت: أهلَّ رسولُ الله بالحَجِّ والعُمْرَةِ في حجةِ الوداع، وساق معه الهَدْي، وأهلَّ ناسٌ معه بالعمرة وساقوا الهدي، وأهلَّ (٢) ناسٌ بالعمرةِ ولم يسوقوا هَدْيًا. قالت عائشةُ: وكنتُ مِمَّن أهَل بالعُمْرة ولم أسُقْ هَدْيًا، فلما قدم رسول الله ﷺ قال: "منْ كانَ منكم أهَل بالعُمْرة فساقَ معه الهَدْي فَلْيَطُفْ بالبَيْتِ وبالصَّفا والمَرْوة، ولا يَحِلُّ منه شيءٌ حَرُم منه حتى يقضيَ حجَّه ويَنْحَرَ هَدْيَهُ يوم النَّحْرِ، ومنْ كانَ منكم أهل بالعُمْرَةِ ولم يَسُقْ معه هَدْيًا فَلْيَطُفْ بالبيتِ وبالصَّفا والمَرْوة، ثم لْيُقَصِّر (٣) وَليُحْلِلْ، ثم ليُهِلّ بالحَجِّ وليُهْدِ، فمَنْ لم يَجدْ فصيامُ ثَلاثَةِ أيامٍ في الحجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعَ إلى أهله". قالت عائشة: فقدَّمَ رسولُ الله الحجَّ الذي خاف فَوْتَهُ وأَخَّر العُمرة. فهو حديث من أفْراد الإمام أحمد، وفي بعض ألفاظه نكارةٌ، ولبعضه شاهدٌ في الصَّحيح (٤). وصالحُ بن أبي الأخضر ليس من عِلْيَةِ أصحابِ الزُّهْري، لا سيما إذا خَالَفَهُ غَيْرُه كما هاهنا في بعضِ ألفاظِ سياقِهِ هذا. وقوله: فَقَدَّم الحجَّ الذي يخافُ فوْتَه وأخَّرَ العُمرةَ لا يَلْتَئِمُ مع أول الحديث أهَلَّ بالحَجِّ والعُمْرَةِ، فإنْ أرادَ أنَّهُ أهَل بهما في الجملة وَقَدَّمَ أفعالَ الحجِّ، ثم بعد فراغه أهلَّ بالعمرة - كما يقوله من ذهب إلى الإفراد - فهو مما نحن فيه هاهنا، وإنْ أرادَ أنه أَخَّر العُمْرة (٥) بالكلية بعد إحرامه بها، فهذا لا أعلمُ أحدًا من العلماء صار إليه، وإن أراد أنه اكتفى بأفعالِ الحجِّ عن أفعالِ العُمْرة، ودَخَلَتِ العمرةُ في الحجّ، فهذا قولُ من ذَهَبَ إلى القِران، وهم يُؤؤَلون قولَ منْ روى أنه ﵊ أفردَ الحجَّ، أي: أفردَ أفعالَ الحجّ، وإن كان قد نَوى مَعَه العُمْرَة، قالوا: لأنه قد روى القِران كل منْ رَوَى الإفرادَ، كما سيأتي بيانُه، والله تعالى أعلم.

стр. 2322

رواية جابر بن عبد الله في الإفراد: قال الإمام أحمد (١): حدّثنا أبو مُعاوية، حدّثنا الأعْمش، عن أبي سُفيان، عن جابر بن عبد الله قال: أهلَّ رسولُ الله ﷺ في حجته (٢) بالحَجِّ. إسنادُه جيدٌ على شرط مسلم. ورواه البيهقي (٣) عن الحاكم وغيره، عن الأصمِّ، عن أحمد بن عبد الجبار، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: أهَل رسولُ الله في حجته بالحجِّ ليس معه عمرةٌ. وهذه الزيادةُ غريبة جدًّا. ورواية الإمام أحمد بن حنبل أحفظُ. والله أعلم. وفي صحيح مسلم (٤) من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، قال: وأهْلَلْنا بالحَجِّ لسنا نعرفُ العُمْرَة. وقد روى ابن ماجه (٥) عن هشام بن عمار، عن الدَّراوَرْدي وحاتم بن إسماعيل، كلاهما عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر: أنّ رسولَ الله ﷺ أفرد الحجَّ. وهذا إسناد جيد. وقال الإمام أحمد (٦): حدّثنا عبد الوهاب الثقفي، حدّثنا حبيب - يعني المُعَلِّمَ - عن عطاء، حدّثني جابر بن عبد الله: أنّ رسول الله ﷺ أهلّ هو وأصحابه بالحجِّ، ليس مع أحد منهم هَدْيٌ إلا النبي ﷺ وطلحة … وذكر تَمامَ الحَديث. وهو في صحيح البخاري (٧) بطوله، كما سيأتي، عن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب. رواية عبد الله بن عمر للإفراد: قال الإمام أحمد (٨): حدّثنا إسماعيل بن محمد، حدّثنا عَبَّاد - يعني ابن عباد - حدّثني عبيد الله بن عمر (٩) عن نافع، عن ابن عمر قال: أهللنا مع النبي ﷺ بالحجِّ مُفْردًا.

стр. 2323

ورواه مسلم (١) في "صحيحه"، عن عبد الله بن عون، عن عبّاد بن عباد، عن عُبَيْد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ أهل بالحجِّ مُفْردًا. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدّثنا الحسن بن عبد العزيز ومحمد بن مسكين قالا: حدّثنا بشرُ بن بكر، حدّثنا سعيد بن عبد العزيز، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ أهَل بالحجِّ - يعني مفردًا -. إسناده جيد، ولم يخرجوه. رواية ابن عباس للإفراد: روى الحافظ البَيْهَقي (٢) من حديث رَوْح بن عبادة، عن شُعبة، عن أيوب، عن أبي العالية البرَّاء، عن ابن عباس أنه قال: أهَلَّ رسولُ الله ﷺ بالحجِّ، فَقَدِمَ لأربع مَضَيْنَ من ذي الحجة، فصلَّى بنا الصُّبْحَ بالبطحاء، ثم قال: منْ شاء أن يجعلَها عُمْرة فَلْيَجْعَلْها؛ ثمَّ قال: رواه مسلم (٣)، عن إبراهيم بن دينار، عن رَوْح. وتقدَّم من رواية قتادة عن أبي حَسّان الأعْرج، عن ابن عباس: أنَّ رسول الله ﷺ صلَّى الظهرَ بذي الحُلَيْفة، ثم أتَى ببدَنَةٍ فأشعرَ صَفْحةَ سنامِها الأيمن، ثم أتى براحلته، فركبَها، فلما اسْتَوَتْ به على البَيْداء أَهَلَّ بالحجِّ. وهو في صحيح مسلم أيضًا (٤). وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني (٥): حدّثنا الحسين بن إسماعيل، حدّثنا أبو هشام، حدّثنا أبو بكر بن عَيّاش، حدّثنا أبو حصين، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه قال: حَجَجْتُ مع أبي بكر فجَرَّدَ، ومع عمر فَجَرَّدَ، ومع عثمانَ فَجَرَّدَ. تابعه الثوريُّ عن أبي حصين. وهذا إنما ذكرناه هاهنا، لأنَّ الظاهر أن هؤلاء الأئمةَ ﵃، إنما يفعلون هذا عن توقيف. والمراد بالتَّجريد هاهنا الإفراد والله أعلم.

стр. 2324

وقال الدارقطني (١): حدّثنا أبو عُبيد (٢) القاسم بن إسماعيل ومحمد بن مَخْلد (٣) قالا: حدّثنا عليّ بن محمد بن معاوية الرزاز (٤)، حدّثنا عبد الله بن نافع، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أنَّ النبيَّ ﷺ استعمل عَتّاب بن أَسِيْد على الحجِّ فَأَفْرَدَ، ثم استعمل أبا بكر سنة تسعٍ فأفرد الحجِّ، ثم حجَّ النبي ﷺ سنة عشرٍ فأفْرَدَ الحَجَّ، ثم توفي رسول الله ﷺ واستُخْلف أبو بكر، فبعثَ عمر، فأفرد الحَجَّ، ثم حَجَّ أبو بكر فأفْرَدَ حَجَّ، وتوفي أبو بكر واستُخْلِفَ عُمر، فبعثَ عبدَ الرحمن بن عَوْف، فأَفرَدَ الحَجَّ، ثم حَجَّ (٥) فأفردَ الحَجَّ، (ثم توفي عمر واستخلف عثمان فأفرد الحج) (٦) ثم حُصر عثمان، فأقام عبد الله بن عباس للناس، فأفرد الحج. في إسناده عبد الله بن عمر العُمَري، وهو ضعيفٌ، لكن قال الحافظ البيهقي: له شاهدٌ بإسنادٍ صحيحٍ. ذِكْرُ مَنْ (٧) قال إِنَّه ﷺ حَجَّ مُتَمَتِّعًا قال الإمام أحمد (٨)، حدّثنا حَجّاج، حدّثنا ليثٌ، حدثني عُقَيْل، عن ابن شِهاب، عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر قال: تَمَتَعِّ رسولُ الله ﷺ في حجَّةِ الوداعِ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، وأهدى (٩) فساقَ الهَدْي من ذي الحُلَيْفة، وبدَأَ رسولُ الله ﷺ ، فَأهَلَّ بالعُمْرَةِ، ثم أهلَّ بالحَجّ، وكان (١٠) من الناس من أَهْدَى فَساقَ الهَدْيَ من ذي الحُلَيْفة، ومنهم من لم يُهْدِ، فلما قدم رسول الله ﷺ مكةَ قال للنّاس: "مَنْ كانَ منكم أهْدى فإنَّه لا يَحلُّ من شيءٍ حَرُمَ منه حتى يَقْضي حَجَّه، ومنْ لم يَكُنْ [منكم] أهدى فلْيَطُفْ بالبيتِ وبالصَّفا والمَرْوة وليُقَصِّر وليُحْلِلْ ثم ليُهِل بالحَجِّ وليَهْدِ، فَمنْ لم يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ [في الحج] وسبعة إذا رجعَ إلى أهله" وطافَ رسولُ الله ﷺ حينَ قَدِمَ مكة، استلمَ الرُكن (١١) أولَ

стр. 2325

شيءٍ، ثم خَبَّ (١) ثلاثةَ [أطواف] من السبع، ومشى أربعةَ أطوافٍ، ثم ركعَ حين قضى طوافَه بالبيتِ عند المقامِ ركعتين، ثم سلَّم فانصرفَ، فأتى الصَّفا، فطافَ بالصَّفا والمَرْوة، ثم لم يُحْلِلْ من شيء حَرُمَ منه، حتى قَضَى حَجه ونَحَر هَدْيه يوم النَّحْرِ، وأفاضَ فطافَ بالبَيْمت (٢) وفعلَ مثلَ ما فعلَ رسولُ الله ﷺ من أهدى فساقَ الهَدْيَ من النّاسِ. قال الإمام أحمد (٣): وحدّثنا حجاجٌ، حدّثنا ليثٌ، حدّثني عُقَيْل، عن ابن شهابٍ، عن عروة بن الزبير، أنَّ عائشة أخبرتْهُ عن رسول الله ﷺ في تمتُّعِه بالعُمْرة إلى الحجّ، وتمتُّع الناس معه بمثل الذي أخبرني سالمُ بن عبد الله، عن عبد الله، عن رسول الله ﷺ . وقد رَوى هذا الحديثَ البخاريُّ، عن يحيى بن بكير، ومسلمٌ وأبو داود، عن عبد الملك بن شعيب بن الليث، عن أبيه. والنّسائي (٤)، عن محمد بن عبد الله بن المبارك المُخَرَّمي، عن حُجَيْن بن المُثنَّى، ثلاثتُهم عن الليث بن سعد، عن عُقَيْل، عن الزهري، (عن سالم عن أبيه به، وأخرجاه صاحبا الصحيح (٥) من طريق الليث، عن عقيل، عن الزهري) (٦)، عن عروة، عن عائشة كما ذكره الإمام أحمد ﵀. وهذا الحديثُ من المُشْكِلاتِ على كلٍّ من الأقوال الثلاثة؛ أما قول الإفراد، ففي هذا إثبات عمرة إما قبلَ الحجّ أو معه، وأمّا على قول التَّمتّع الخاص، فلأنّه ذَكَر أنه لم يَحِلَّ من إحرامِهِ بعدَ ما طافَ بالصَّفا والمَرْوة، وليس هذا شأن المُتَمَتِّع. ومَنْ زَعَمَ أنّه إنّما مَنَعه من التَّحَلُّلِ سَوْقُ الهَدْي كما قد يُفْهَم من حديث ابن عمر، عن حَفْصَة أنها قالت: يا رسولَ الله ما شأنُ الناسِ حلُّوا من العُمْرة ولم تحِلَّ أنتَ من (٧) عُمْرَتك؟ فقال: "إني لبَّدْتُ رأسي، وقلَّدْتُ هَدْي، فلا أحِلُّ حتى أنحر" (٨). فقولُهُم بعيدٌ لأنَّ

стр. 2326

الأحاديث الواردةَ في إثبات القِران تردُّ هذا القول، وتأبى كونَه ﵊ إنما أهَل أولًا بعمرةٍ، ثم بعدَ سَعْيِهِ بالصَّفا والمَرْوة أهلَّ بالحج، فإنَّ هذا على هذه الصِّفَةِ لم يَنْقُلْه اْحدٌ بإسنادٍ صحيح، بل ولا حسنٍ ولا ضعيفٍ. وقوله في هذا الحديث: تَمَتَّعَ رسولُ الله ﷺ في حجَّةِ الوَداعِ بالعُمْرة إلى الحجِّ، إن أُريد بذلك التمتع الخاص، وهو الذي يحلّ منه بعد السَّعْي فليس كذلك، فإن في سياق الحديث ما يرُدُّه، ثم في إثبات العُمْرة المقارنة لحجّه ﵊ ما يأباه، وإن أُريد به التمتُّع العام دخل فيه القِرانُ، وهو المراد. وقوله: وبَدَأَ رسولُ الله ﷺ فأهَلَّ بالعُمْرة، ثم أهلَّ بالحَجِّ، إن أُريد به بَدَأَ بلفظِ [العمرة على لفظ] الحجِّ بأن قال: "لَبَّيكَ اللهُمَّ عمرةً وحَجًّا، فهذا سَهْلٌ، ولا يُنافي القِرانَ. وإن أُريد به أنه أهَل بالعُمْرة أولًا، ثم أَدْخَلَ عليها الحَجَّ بتراخٍ (١) ولكن قبلَ الطَّواف قد صار قارنًا أيضًا. وإن أُريد به أنَّه أهَلَّ بالعُمْرة، ثم لمّا (٢) فرغَ من أفعالها تَحَلَّل، أو لم يَتَحَلَّل بسَوْقِ الهَدْيِ، كما زَعَمه زاعمون، ولكنه أهل بحجِّ بعد قضاء مناسِكِ العُمْرة، وقبلَ خُروجِه إلى منًى، فهذا لم يَنْقُلْه أحدٌ من الصَّحابة كما قدَّمْنا، ومنِ ادَّعاهُ من النّاسِ فقولُهُ مَرْدودٌ لعدم نقله، ومُخالفَتِهِ الأحاديثَ الواردةَ في إثبات القِرانِ كما سيأتي، بل والأحاديثَ الواردةَ في الإفراد كما سبق، والله أعلم. والظَّاهرُ واللهُ أعلم أن حديثَ الليثِ هذا، عن عُقَيْل، عن الزهري، عن سالمٍ، عن ابن عمر. مَرْويٌّ من الطريق الأخرى، عن ابن عمر حين أراد الحج، زمن (٣) مُحاصَرة الحَجَّاج لابن الزُّبَيْر، فقيل (٤) له: إنَّ الناسَ كائنٌ بينَهم شيءٌ، فلو أَخَّرتَ حَجَّ عامك هذا. فقال: إذًا أفعل كما فعل النبي ﷺ يعني زمن حُصرَ عامَ الحُدَيبية، فأحرم بعُمرةِ من ذي الحُلَيفة، ثم (٤) لما علا شَرَفَ البَيْداء قال: ما أرى أمْرهما إلا واحدًا، فأهلَّ بحجٍّ معها. فاعتقد الراوي أنَّ رسول الله ﷺ هكذا فَعَلَ سواء، بَدَأ فأهَل بالعُمْرة، ثم أهَل بالحَج، فَرَوَوْهُ كذلك، وفيه نظر لما سَنُبَيِّنُهُ. وبيانُ هذا في الحديثِ الذي رواهُ عبدُ اللهِ بن وهبٍ؛ أخبرني مالك بن أنس وغيره، أن نافعًا حَدَثَهم، أن عبدَ الله بن عُمَرَ خَرَجَ في الفِتْنَةِ مُعْتَمِرًا، وقال: إن صُددْتُ عن البيت صَنَعْنا كما صَنَعَ رسولُ الله ﷺ ، فَخَرَجَ فأهَلَّ بالعُمْرة، وسارَ حَتَى إذا ظَهَرَ على ظاهرِ البَيْداء التفتَ إلى أصحابه فقال: ما أمْرُهُما إلا

стр. 2327

واحدٌ، أشْهِدُكُم أنّي قد أوْجَبْتُ الحَجَّ مع العُمْرة، فخرجَ حتَّى جاءَ البيتَ فطافَ به، وطاف بينَ الصَّفا والمَرْوة سبعًا، لم يَزِدْ عليه، ورأى أن ذلك مُجْزئٌ (١) عنه، وأَهْدَى. وقد أخرجهُ صاحبا "الصَّحيح" من حديث مالكٍ، وأخْرَجاه من حديث عُبَيْد الله عن نافع به، ورواه عبد الرزاق، عن عُبَيْد الله وعبد العزيز بن أبي داود، عن نافع به نحوه، وفيه: ثم قال في آخره: هكذا فعل رسول الله ﷺ (٢). وفيما رواه البخاري حيثُ قال (٣): حدّثنا قُتيبة، حدّثنا لَيْثٌ، عن نافع، أنَّ ابنَ عمر أرادَ الحجَّ عامَ نزلَ الحَجاج بابن الزبَيْر، فقيل له: إنّ الناسَ كائنٌ بينهم قِتالٌ وإنا نخافُ أن يصدُّوك، قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] إذًا أصنعُ كَمَا صنَعَ رسولُ الله ﷺ ، إني أُشْهِدُكمْ أنّي قد أوْجَبْتُ عُمرةً، ثم خَرَجَ، حتى إذا كان بظاهر البَيْداء قال: ما أرى شَأْنَ الحَجَّ والعُمرة إلا واحدًا، أُشْهِدُكُمْ أنّي أوجبتُ حَجًّا مع عُمْرتي، فأهدَى هَدْيًا شتراه بقُدَيد (٤)، ولم يَزِدْ على ذلك، ولم يَنْحَر، ولم يَحِلّ من شيء حَرُم منه، ولم يَحْلِقْ، ولم يُقَصِّر، حتّى كانَ يومَ النَّحْر، فَنَحَرَ وَحَلَق، ورأى أن قد قَضى طوافَ الحجَّ والعمرةِ بطوافِه الأول، وقال ابن عمر: كذلك فعل رسول الله ﷺ . وقال البخاري (٥): حدّثنا يَعْقوبُ بن إبراهيم، حدّثنا ابن عُلَيَّة، عن أيوب، عن نافع: أن ابن عمر دخل (٦) ابنه عبد الله بن عبد الله، وظهرُهُ في الدّار (٧) فقال: إنّي لا آمن أن يكونَ العامَ بينَ النّاس قتال فيَصُدُّوك عن البيت، فلو أَقَمْتَ، قال: قد خرجَ رسول الله ﷺ فحال كُفار قُريش بينه وبينَ البيت، فإن يحل بيني وبينه أفعلُ كَمَا فَعَلَ رسولُ الله ﷺ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] إذًا أصنع كما صنع رسول الله ﷺ إني أُشهدكم أنّي قد أوجبت مع عمرتي حَجًّا، ثم قدِمَ فطافَ لهما طوافًا واحدًا. وهكذا رواه البخاري (٨) عن أبي النُّعمان، عن حمّاد بن زيد، عن أيّوب بن أبي تَميم

стр. 2328

السّخْتياني، عن نافع به. ورواه مسلم (١) من حديثهما، عن أيوب به. فقد اقتدى ابن عُمَر ﵁ برسول الله ﷺ في التَّحَلُّلِ عندَ حَصْرِ العَدو، وفي الاكتفاء بطوافٍ واحد عن الحجّ والعمرةِ، وذلك لأنه كانَ قَدْ أحرمَ أولًا بعمرة، ليكون مُتَمتعًا، فخشي أن يكون حَصْرٌ، فَجَمَعَهُما وأدخل الحج على (٢) العمرة قبل الطواف، فصار قارنًا، وقال: ما أرى أمرهما إلا واحدًا، يعني لا فرقَ بينَ أن يحصر الإنسانُ عن الحجّ أو العُمرة أو عنهما، فلما قدمَ مكةَ اكتفى عنهما بطوافه الأول كما صرَّحَ به في السِّياقِ الأول الذي أوردناه (٣)، وهو قوله: ورأى أن قد قضى طوافَ الحَجِّ والعُمْرة بطوافه الأول. قال ابن عمر: كذلك فعلَ رسولُ الله ﷺ ، يعني أنه اكتفى عن الحجّ والعمرة بطوافٍ واحدٍ، يعني بين الصَّفا والمَرْوة. وفي هذا دلالة على أن ابن عمر روى القِران. ولهذا روى النسائي (٤)، عن محمد بن منصور، عن سفيان بن عُيينة، عن أيوب بن موسى، عن نافع أن ابنَ عمر قرنَ الحجَّ والعُمْرة فطافَ طوافًا واحدًا. ثم رواه النسائي (٥)، عن علي بن ميمون الرّقي، عن سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أمية وأيوب بن موسى [وأيوب] السّختياني وعبيد الله بن عمر، أربعتُهم عن نافع: أن ابن عمر أتى ذا الحُلَيفة، فأهلّ بعُمرة، فخَشي أن يُصَدَّ عن البيت. فذكر تمامَ الحديثِ من إدخاله الحجَّ على العُمْرة وصيرورته قارنًا. والمقصود أن بعض الرواة لما سمعَ قولَ ابنِ عمر: "إذًا أصنع كما صَنَعَ رسولُ الله ﷺ "، وقوله: "كذلك فعل رسول الله ﷺ "، اعْتَقَدَ أنَّ رسول الله ﷺ بدأ فأهل بالعُمْرة، ثم أهل بالحجِّ فأدْخَلَه عليها قبلَ الطوافِ، فرواه بمعنى ما فَهِم، ولم يُرِدِ ابنُ عُمر ذلك، وإنّما أرادَ ما ذكرناه، واللهُ أعلمُ بالصَّوابِ. ثم بتَقْديرِ أن يكونَ أهَل بالعمرة أولًا، ثم أدخلَ عليها الحَجّ قبلَ الطوافِ فإنّه يصيرُ قارِنًا لا مُتَمَتِّعًا التَّمَتُّعَ الخاصَّ، فيكون فيه دلالةٌ لمن ذهب إلى أفضلية التمتع. والله تعالى أعلم. وأما الحديث الذي رواه البخاري (٦) في "صحيحه": حدّثنا موسى بنُ إسماعيل، حدّثنا همامٌ، عن قَتادة، حدّثني مُطَرِّف، عن عِمرَان، قال: تَمَتَعْنا على عَهْدِ النبيّ ﷺ ، ونزَلَ القُرآن، قال رجل برأيه

стр. 2329

ما شاء. فقد رواه مسلم (١) عن محمد بن المثنى، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن هَمام، عن قتادة به. والمراد به المتعة التي أعم من القِران والتمتع الخاص. ويدلُّ على ذلك ما رواه مسلم (٢) من حديث شعبة، وسعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن مُطَرّف، عن عبد الله بن الشّخّير، عن عمران بن الحصين: أنَّ رسول الله ﷺ جَمَعَ بين حَجٍّ وعمرة … وذكر تمام الحديث. وأكثر السلف يُطلقونَ المتعةَ على القرانِ كما قال البخاري (٣): حدّثنا قتيبة، حدّثنا حجاج بن محمد الأعور، عن شعبة، عن عمرو بن مُرَّة، عن سعيد بن المُسَيّب، قال: اختلف على وعثمانُ ﵄ وهما بعُسْفان (٤) في المُتْعةِ، فقال علي: ما تُريدُ إلى أن تَنْهَى عن أمرٍ فَعَلَه رسولُ الله ﷺ ، فلما رأى ذلك عليّ بن أبي طالب أَهَلَّ بهما جميعًا.؟ ورواه مسلم (٥) من حديث شعبة (وأخرجه البخاري (٦) من حديث شعبة) (٧) أيضًا، عن الحكم بن عُتيْبة، عن علي بن الحسين، عن مروان بن الحكم عنهما به. وقال علي: ما كنتُ لأدَعَ سُنَّةَ رسول الله ﷺ بقولِ أحدٍ من النّاس. ورواه مسلم (٨) من حديث شعبة أيضًا، عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق عنهما، فقال له علي: لقد علمتَ أنّا (٩) تَمَتَّعْنا مع رسولِ الله ﷺ قال أجل، ولكنّا كُنّا خائفين. وأما الحديث الذي رواه مسلم (١٠) من حديث غُنْدر، عن شُعبة، وعن عُبَيْد الله بن مُعاذ، عن أبيه، عن شُعبة، عن مسلم بن مِخْراق القُرِّي (١١)، سمع ابن عباس يقول: أهَلَّ رسولُ الله ﷺ بعمرة، وأَهَلَّ أصحابه بحجّ، فلم يَحِلَّ رسولُ الله ﷺ ولا من ساق الهَدْي من أصحابه، وحلّ بقيَّتُهم. فقد رواه أبو داود

стр. 2330

الطيالسي (١) في "مسنده" ورَوْحُ بن عُبادة، عن شعبة، عن مسلم القُرِّي (٢)، عن ابن عباس قال: أهَلَّ رسول الله ﷺ بالحجِّ - وفي رواية أبي داود - أهَل رسولُ الله وأصحابه بالحجّ، فمن كان منهم لم يكن له متعة هَدْي حَلّ، ومَنْ كانَ معه هَدْيٌ لم يَحلّ … الحديث. فإن صَحَّحْنا الرّوايَتَيْن جاء القِرانُ، وإن تَوَقَّفْنا في كل منهما، وَقفَ الدليلُ، وإن رجَّحْنا رواية مسلمٍ في "صحيحه" في روايةِ العمرة، فقد تقدَّم عن ابن عباس أنّه رَوَى الإفْرادَ وهو الإحرامُ بالحجِّ، فتكونُ هذه زيادة على الحجّ، فيَجيءُ القَوْلُ بالقِران، لاسيما وسيأتي عن ابن عباس ما يدُلُّ على ذلك. وروى مسلم (٣) من حديث غُنْدَرٍ ومُعاذ بن معاذ، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: هذه عمرة اسْتَمْتَعْنا بها، فمنْ لم يكن معه هَدْيٌ فليَحِلَّ الحِلَّ كلّه، فقد دَخَلت العمرةُ في الحجّ إلى يوم القيامة. وروى البخاري (٤) عن آدم بن أبي إياس، ومسلم (٥) من حديث غُنْدَر، كلاهما عن شعبة، عن أبي جَمْرة قال: تَمتَعتُ فنهاني ناسٌ، فسألتُ ابنَ عباس فأمرني بها، فرأيتُ في المنام كأنَّ رجلًا يقولُ: حج مَبْرورٌ ومتعةٌ متقبَّلةٌ، فأخبرتُ ابنَ عباس، فقال: اللّهُ أكبرُ سنة أبي القاسم صلوات الله وسلامه عليه، والمرادُ بالمتعة هاهنا القِران. وقال القَعْنبي (٦) وغيره: عن مالك بن أنس (٧) عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث (٨) بن عبد المطلب أنه حدَّثه، أنه سمع سعد بن أبي وقّاص والضّحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان يذكر التمتُّع بالعمرة إلى الحج، فقال الضحاك: لا يصنَعُ ذلك إلا مَنْ جَهِل أمرَ الله، فقال سعد: بئسَ ما قلتَ يا بنَ أخي، فقال الضحاك: فإنَّ عمر بن الخطاب كان يَنْهَى عنها، فقال سعدٌ: قد صَنَعَها رسولُ الله ﷺ وصنعناها معه. ورواه الترمذي (٩) والنسائي (١٠)، عن قتيبة، عن مالك. وقال الترمذي: صحيح.

стр. 2331

وقال عبد الرزاق (١): عن معتمر بن سليمان وعبد الله بن المبارك، كلاهما عن سليمان التَّيْمي، حدَّثني غُنَيْم بن قيس، سألتُ سعد بن أبي وقاص عن التمتُّع بالعمرة إلى الحج، قال: فعلتُها مع رسول الله ﷺ ، وهذا يومئذ كافر في العُرُش (٢) - يعني مكة - ويعني بها معاوية. ورواه مسلم (٣) من حديث شعبة وسُفيان الثوري ويحيى بن سعيد ومروان الفزاري أربعتهم (٤)، عن سليمان التَّيْمي، سمعتُ غُنيم (٤) بن قيس، سألت سعدًا عن المتعة، فقال: قد فَعَلناها وهذا يومئذ كافر بالعُرُش. وفي رواية يحيى بن سعيد - يعني معاوية - وهذا كلُّه من باب إطلاق التمتّع على ما هو أعمُّ من التمتُّع الخاصّ، وهو الإحرام بالعمرة والفراغُ منها، ثم الإحرام بالحجِّ. ومن القِران، بل كلام سعدٍ فيه دلالةٌ على إطلاق التمتع على الاعتمار في أشهر الحجّ، وذلك أنهم اعتمروا ومعاوية بعدُ كافر بمكة قبل الحج، إما عمرة الحُدَيْبية أو عمرة القضاء وهو الأشبه، فأما عمرة الجِعْرانة، فقد كان معاوية أسلم مع أبيه ليلةَ الفتح، وروينا أنه قصَّر من شعر النبي ﷺ بمِشْقَصٍ (٥) في (٦) بعضِ عُمَرهِ: وهي عمرة الجِعْرانة لا محالةَ، والله أعلم. ذِكْرُ حُجَّةِ منْ ذَهَبَ إلى أنّه ﵇ كان قارنًا وسَرْدُ الأحَاديثِ في ذلك رواية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: قد تقدم ما رواه البخاري (٧) من حديث أبي عمرو الأوزاعي، سمعت يحيى بن أبي كَثير، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله ﷺ بوادي العَقيق يقول: "أتاني آت من ربّي فقال: صَلّ في هذا الوادي المبارك، وقُلْ: عُمْرةً في حَجَّةٍ". وقال الحافظ البيهقي (٨): أنبأنا علي بن أحمد بن عمر بن حفص المُقْريء (٩) ببغداد، أنبأنا أحمد بن

стр. 2332

سلمان (١) قال: قُرئ على عبد الملك بن محمد وأنا أسمع، حدّثنا أبو زيد الهَروي، حدّثنا علي بن المبارك، حدّثنا يحيى بن أبي كثير، حدّثنا عِكْرمة، حدّثني ابن عباس، حدّثني عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : "أتاني جبريل (٢) ﵇، وأنا بالعَقيق، فقال: صَل في هذا الوادي المُبارك ركعتين، وقُلْ: عمرةٌ في حجَّة. فقد دَخَلتِ العمرة في الحَجِّ إلى يومِ القيامة". ثم قال البيهقي: رواه البخاري (٣) عن أبي زيد الهَرَوي. وقال الإمام أحمد (٤): حدّثنا هُشَيم (٥)، حدّثنا سَيار، عن أبي وائل أنَّ رجلًا كان نصرانيًا، يقال له: الصُّبَيُّ بن مَعْبَدٍ، [أسلم] فأراد الجهادَ، فقيل له: ابْدَأ بالحَجّ. فأتى الأشعريَّ، فأمره أن يهلَّ بالحَجّ والعمرة جميعًا ففعل، فبينما هو يُلَبِّي إذ مرَّ بزيد بن صُوحان وسلمان بن ربيعة، فقال أحدهما لصاحبه: لَهذا أضلُّ من بعيرِ أهلِه، فسمعها الصُّبَيُّ، فكَبُر ذلك عليه، فلما قَدِم أتى عمر بن الخطاب، فذكر ذلك له، فقال له عمر: هُدِيتَ لسُنَّة نَبيكَ ﷺ . قال: وسَمِعْتُه مرة أخرى يقول: وُفِّقت لسُنَةِ نَبيك ﷺ . وقد رواه الإمام أحمد (٦)، عن يحيى بن سعيد القَطّان، عن الأعْمش، عن شَقيقٍ أبي وائل (٧)، عن الصُّبيِّ بن مَعْبَدٍ، عن عمر بن الخطاب، فذكره. وقال: إنَّهما لم يقولا شيئًا، هُديتَ لسُنَّة نَبيك ﷺ . ورواه عن عبد الرزاق، عن سفيان الثَّوري، عن منصور، عن أبي وائل به. ورواه (٨) أيضًا عن غُنْدَر، عن شعبة، عن الحكم، عن أبي وائل، وعن سُفيان بن عيينة (٩)، عن عَبْدَة (١٠) بن أبي لُبابة، عن أبي وائل، قال: قال الصُّبيّ بن مَعْبَدٍ: كنت رجلًا نصرانيًا فأسلمتُ فأهللتُ بحجٍّ وعمرةٍ، فسمعني زَيْدُ بن صُوْحان وسلمانُ بن ربيعة وأنا أُهِلُّ بهما، فقالا: لَهَذا أضَلُّ من بعيرِ أهلِه، فكأنما حُمِّل عليَّ بكلمتِهما جبلٌ، فقدمتُ على عمر، فأخبرتُه، فأقبل عليهما فلامَهُما، وأقبل عليّ فقال: هُديتَ لسُنَّة النبي ﷺ . قال عبدة: قال أبو وائل: كثيرًا ما ذهبتُ أنا ومسروقٌ إلى الصُّبيِّ بن مَعْبَدٍ نسأله عنه.

стр. 2333

وهذه أسانيدُ جيدةٌ على شرط الصحيح. وقد رواهُ أبو داود (١) والنسائي (٢) وابن ماجه (٣) من طرقٍ عن أبي وائل شَقيق بن سَلَمَة به. وقال النسائي (٤) في كتاب الحج من "سننه": حدّثنا محمد بن علي بن الحسن بن شَقيقٍ، حدّثنا أبي، عن أبي حمزة، السكري (٥)، عن مُطَرِّف، عن سلمة بن كُهيل، عن طاوس، عن ابن عباس، عن عمر، أنه قال: واللهِ إنّي لأنْهاكُمْ عن المُتعةِ، وإنَّها لفي كتاب الله، وقد فعلَها النبيّ ﷺ . إسناد جيد. رواية أميري المؤمنين عثمان وعلي ﵄: قال الإمام أحمد (٦): حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن عمرو بن مُرَّة (٧)، عن سعيد بن المُسيّب، قال: اجتمع عليٌّ وعثمانُ بعُسْفان (٨)، وكان عثمان يَنْهى عن المتعة أو العمرة. فقال عليٌّ: ما تريد إلى أمرٍ فعلَه رسولُ الله ﷺ تَنْهَى عنه، فقال عثمان: دَعْنا مِنْكَ. هكذا رواه الإمام أحمد مختصرًا. وقد أخرجاه في "الصحيحين" (٩) من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المُسيّب، قال: اختلف علي وعثمان وهما بعُسْفان في المتعة، فقال علي: ما تريد إلى أن تنهى عن أمر فعله رسول الله ﷺ ؟ فلما رأى ذلك علي بن أبي طالب أهَلَّ بهما جميعًا. وهكذا لفظ البخاري. وقال البخاري (١٠): حدّثنا محمد بن بَشّار (١١)، حدّثنا غُنْدَر، عن شعبة، عن الحكم، عن علي بن الحسين، عن مروان بن الحكم، قال: شهدتُ عثمان وعليًا، وعثمانُ ينهى عن المتعة، وأن يُجْمَع

стр. 2334

بينهما، فلما رأى عليٌّ أهَل بهما لَبَّيْكَ بعمرةٍ وحج، قال: ما كنت لأدَعَ سُنَّة النَّبي ﷺ لقولِ أحدٍ. ورواه النسائي من حديث شعبة به، ومن حديث الأعمش، عن مسلم البَطين، عن علي بن الحسين به (١). وقال الإمام أحمد (٢): حدّثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، قال: قال عبد الله بن شقيق: كان عثمان يَنْهَى عن المُتْعَةِ وعليٌّ يأمرُ بها. فقال عثمانُ لعليٍّ: إنَّكَ لكذا وكذا، ثم قال على: لقد علمت (٣) أنا تَمَتَّعْنا مع رسول الله ﷺ . قال: أجل، ولكنّا كنا خائفين. ورواه مسلم (٤) من حديث شعبة. فهذا اعتراف من عثمان بما رواه عليٌّ ﵄، ومعلوم أن عليًا ﵁ أحرمَ عامَ حَجَّةِ الوداع بإهلالٍ كإهلالِ النَّبيُّ ﷺ ، وكان قد ساقَ الهَدْيَ، وأمره ﵊ بأن (٥) يمكث حرامًا، وأشركه النبيُّ ﷺ في هَدْيه كما سيأتي بيانه. وروى مالك في "الموطأ" (٦) عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن المِقْدادَ بن الأسْوَد دخلَ على علي بن أبي طالب بالسُّقْيا، وهو ينجعُ بكَرَاتٍ (٧) له دقيقًا وخَبَطا (٨)، فقال: هذا عثمانُ بن عفَّان يَنْهى عن أن يُقرَن (٩) بين الحجِّ والعمرة، فخرج عليٌّ وعلى (١٠) يده أثَرُ (١١) الدَّقيق والخبط - ما أنسى أثرَ الدقيق والخَبَط على ذراعيه - حتى دخل على عثمان، فقال: أنت تنهى أن يُقْرَن بين الحجِّ والعُمْرَة؟ فقال عثمان: ذلك رأيي، فخرج عليٌّ مُغْضَبًا، وهو يقول: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ بحجةٍ وعمرةٍ معًا. وقد قال أبو داود في سننه (١٢): حدّثنا يَحْيَى بن مَعين، حدثنا حجاج، حدّثنا يونس، عن

стр. 2335

أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: كنتُ مع عليٍّ حين أمَّره رسول الله ﷺ على اليمن (١)، فذكر الحديثَ في قدوم علي. قال عليٌّ: فقال لي رسول الله ﷺ : كيف صَنَعْتَ؟ قال: قلتُ: إنما أهْلَلْتُ بإهلالِ النبيِّ ﷺ . قال: إني قد سُقْتُ الهَدْيَ وقرنتُ. وقد رواه النسائي (٢) من حديث يَحْيى بن مَعين بإسناده، وهو على شرط الشيخين، وعلَّله الحافظ البيهقي (٣) بأنه لم يذكر هذا اللفظ في سياق حديث جابر الطويل، وهذا التعليل فيه نظر، لأنه قد رُويَ القِران من حديث جابر بن عبد الله كما سيأتي قريبًا (٤) إن شاء الله تعالى. وروى ابن حبان (٥) في "صحيحه" عن علي بن أبي طالب، قال: خرج رسول الله ﷺ من المدينة، وخرجتُ أنا من اليمن، وقلت: لبيكَ بإهلالٍ كإهلال النبي. فقال النبي ﷺ : فإني أهْلَلْتُ بالحجِّ والعُمرةِ جَميعًا. رواية أنس بن مالك ﵁، وقد رواه عنه جماعة من التابعين، ونحن نورِدُهم مرتَّبين على حروف المعجم: ١ - بكر بن عبد الله المُزَني [عنه: قال الإمام أحمد: ثنا هُشَيْم، ثنا حُمَيْد الطَّويل، أنبا بكر بن عبد الله المُزَني] (٦) قال: سمعتُ أنسَ بن مالك يُحدِّث قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ بالحجِّ والعمرةِ جَميعًا، فَحَدَّثْتُ بذلك ابنَ عُمَرَ. فقال: لبَّى بالحجِّ وَحْدَهُ، فلقيتُ أنسًا فحدَّثتُه بقولِ ابن عمر. فقال: ما تَعُدُّونا (٧) إلا صِبْيانًا. سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: لبَّيْكَ عُمْرةً وحَجَّا. ورواه البخاري (٨)، عن مسَدَّدٍ، عن بشر بن المُفَضَّل (٩) عن حُمَيْد به. وأخرجه مسلم، عن سُرَيْج (١٠) بن يونس عن هُشَيْم به.

стр. 2336

وعن أمية بن بِسْطام عن يزيد بن زُرَيْع، عن حَبيب بن الشَّهيد، عن بكر بن عبد الله المُزَني به (١). ٢ - ثابتُ البُناني عن أنس: قال الإمام أحمد (٢): حدّثنا وَكيعٌ عن ابن أبي [ليلى عن] (٣) ثابت عن أنس: أن النبيَّ ﷺ قال: "لَبَّيكَ بعمرةٍ وحَجَّةٍ معًا". ٣ - تفرَّدَ به من هذا الوجه الحسنُ البَضْري عنه (٤). قال الإمام أحمد (٥): حدّثنا رَوْحٌ، حدّثنا أشْعَث، عن الحسن عن أنس بن مالك: أنَّ رسولَ اللّه ﷺ وأصحابَهُ قَدِموا مكَّةَ وقد لَبَّوا بحجٍّ وعُمْرةٍ، فأمرهُمْ رسولُ الله ﷺ بعدما طافوا بالبيتِ وبالصَّفا والمَرْوة أن يُحِلّوا وأن يَجْعَلوها عمرةً، فكأنَّ القومَ هابوا ذلك. فقال رسول الله ﷺ : لولا أني سُقْتُ هَدْيًا لأحْلَلْتُ، فأحلّ القومُ وتَمَتَّعوا. وقال (الحافظ أبو بكر) (٦) البزّار (٧)، حدّثنا الحسن بن قَزَعة، حدّثنا سفيان بن حبيب، حدّثنا أشْعَث، عن الحسن، عن أنس: أنَّ النبيَّ ﷺ أهَلَّ هو وأصحابُه بالحجِّ والعُمْرةِ، فلما قَدِموا مكَّةَ طافوا بالبيت وبالصَّفا والمَرْوة، أمرهم رسولُ الله ﷺ أن يُحِلّوا فهابوا ذلك. فقال رسول الله ﷺ : أحِلُّوا، فلولا أن معي الهَدْيَ لأحْلَلْتُ. فحَلُّوا حتى حَلُّوا (٨) إلى النِّساء. ثم قال البزار: لا نَعْلَمُ رواه عن الحسن إلا أشْعَثُ بن عبد الملك. ٤ - حُمَيدُ بنِ تيرَويْه (٩) الطَّويلُ عنه. قال الإمام أحمد (١٠): حدّثنا يحيى، عن حُمَيْد، سَمِعْتُ

стр. 2337

أنسًا، سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقّول: لَبَّيْكَ بعُمْرةِ وحج (١). هذا إسنادٌ ثلاثيٌّ على شرطِ الشَّيْخَين، ولم يُخرجاه ولا أحدٌ من أصحاب الكُتب من هذا الوجه. لكن رواه مسلم (٢) عن يحيى بن يحيى، عن هُشيم، عن يحيى بن أبي إسحاق، وعبد العزيز بن صُهَيْب، وحُميد أنهم سمعوا أنس بن مالك. قال: سَمعتُ رسولَ الله ﷺ : أهلَّ بهما جميعًا لَبَّيْكَ عُمرةً وحَجًّا، لَبَّيْكَ عُمْرَةً وحَجًّا. وقال الإمام أحمد (٣): حدّثنا يَعْمَر بن بشْر (٤) حدثنا عبدُ الله، أنبأنا حُمَيْد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: ساقَ رسولُ الله ﷺ بُدْنًا كثيرةً وقال: لَبَّيْكَ بعمرةٍ وحجّ، وإنّي لَعِنْدَ فخذ ناقتِهِ اليُسْرى. تفرَّد به أحمد من هذا الوجه أيضًا. ٥ - حُمَيْد بن هِلاق العَدَوي البَصْري عنه. قال الحافظ أبو بكر البَزّار في "مسنده": حدّثنا محمد بن المُثَنَّى، حدّثنا عبدُ الوهاب، عن أيوب، عن أبي قِلابة، عن أنس بن مالك. ح (٥) وحدّثناه سلمة بن شبيب (٦)، حدّثنا عبد الرزاق، أنبأنا مَعْمَر، عن أيوب، عن أبي قلابة، وحُمَيْد بن هلال، عن أنس. قال: إنّي لردف (٧) أبي طلحة، وإنّ ركبتَه لتمسُّ ركبةَ رسول الله ﷺ وهو يُلبِّي (٨) بالحجِّ والعمرة. وهذا إسنادٌ جيدٌ قويٌّ على شرط الصحيح ولم يُخْرِجوه. وقد تأوّله البزّارُ على أنّ الذي كان يُلَبِّي بالحجّ والعمرة أبو طلحة، قال: ولم يُنْكِر عليه النبي ﷺ . وهذا التأويلُ فيه نظرٌ ولا حاجةَ إليه لمجيء ذلك من طرقٍ عن أنس، كما مضى، وكما سيأتي، ثم عَوْدُ الضَّمير إلى أقرب المذكورين أولى، وهو في هذه الصورة أقوى دلالة، والله أعلم. وسيأتي في رواية سالم (٩) بن أبي الجعد عن أنس صريح الرد على هذا التأويل.

стр. 2338

٦ - زيد بن أسلم عنه. قال الحافظ أبو بكر (١) البزار: روى سعيد بن عبد العزيز التَّنوخي، عن زيد بن أسلم، عن أنس بن مالك: أنَّ النبيَّ ﷺ أهلَّ بحجٍّ وعُمْرةٍ. حدّثناه الحسن بن عبد العزيز الجَرَوي ومحمد بن مِسْكين. قالا: حدّثنا بِشْرُ بن بكر، عن سَعيد بن عبد العزيز، عن زَيْد بن أسْلَم، عن أنس. قلت: وهذا إسنادٌ صحيحٌ على شرطِ الصَّحيح، ولم يُخرجوه من هذا الوجه. وقد رواه الحافظ أبو بكر (٢) البَيْهقي (٣) بأبسط من هذا السياق. فقال: أنبأنا (٤) أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، قالا: حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبأنا العباس بن الوليد بن مَزْيَد (٥)، أخبرني أبي، حدّثنا سعيد (٦) بن عبد العزيز، عن زيد بن أسلم وغير (٧)؛ أنَّ رجلًا أتى ابنَ عُمر فقال: بِمَ أَهَلَّ رسولُ الله ﷺ ؟ قال (٨) ابن عمر: أهلَّ بالحجِّ، فانصرف، ثم أتاه من العام المقبل، فقال: بم أهلَّ رسول الله؟ قال: ألَمْ تَأْتني عامَ أوَّل؟ قال: بلى! ولكنَّ أنسَ بن مالك يزعمُ أنَّه قرنَ. قال ابن عمر: إنّ أنس بن مالك كان يدخل على النساء وهنَّ مُكَشَّفاتُ الرُّؤوس، وإنّي كنتُ تحتَ ناقةِ رسولِ الله ﷺ يمسُّني لُعابُها أسْمَعُهُ يُلَبِّي بالحجِّ. ٧ - سالم بن أبي الجعد الغَطَفاني الكوفي (٩) عنه: قال الإمام أحمد (١٠): حدّثنا يحيى بن آدم، حدّثنا شريك، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أنس بن مالك، يرفعه إلى النبي ﷺ : أنَّه جمعَ بينَ الحجِّ والعمرة فقال: لَبَّيكَ بعمرةٍ وحجَّةٍ معًا. حسن ولم يخرجوه. وقال الإمام أحمد (١١)، حدّثنا عفان، حدّثنا (١٢) أبو عوانة، حدّثنا عثمان بن المغيرة، عن سالم بن

стр. 2339

أبي الجعد، عن سعد مَوْلَى الحسن بن علي (١)، قال: خرجنا مع علي فأتينا ذا الحُلَيْفة. فقال علي: إني أريد أن أجمع بين الحجِّ والعُمْرة، فمن أراد ذلك فليقل كما أقول، ثم لبَّى وقال: لبَّيك بحَجَّة وعُمْرَةٍ معًا. قال: وقال سالم: وقد أخبرني أنس بن مالك، قال: والله إنَّ رجلي لتمسُّ رِجْلَ رسول الله ﷺ وإنه ليُهلُّ بهما جميعًا. وهذا أيضًا إسناد جيد من هذا الوجه ولم يخرجوه. وهذا السياق أيضًا (٢) يردُّ على الحافظ البزار ما تأول به حديث حميد بن هلال، عن أنسٍ، كما تقدّم والله أعلم. ٨ - سُلَيْمان بن طَرْخان التَّيْمي عنه: قال الحافظ أبو بكر البزّار: حدّثنا يحيى بن حبيب بن (٣) عربي، حدّثنا المُعْتَمِر بن سليمان، سمعت أبي يحدِّث عن أنس بن مالك، قال: سمعتُ النبي ﷺ يُلبيِّ بهما جميعًا. ثم قال البزار: لم يروه عن التيمي إلا ابنُه المعتمر ولم يَسْمَعْه إلا من يحيى بن حبيب بن عربي (٤) عنه. قلت: وهو على شرط الصحيح ولم يخرجوه. ٩ - سُوَيْد بن حُجَيْر عنه: قال الإمام أحمد (٥)، حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن أبي قَزَعة سُوَيْد بن حُجَيْر، عن أنس بن مالك، قال: كنتُ رَديفَ أبي طلحة، فكانت ركبةُ أبي طلحة تكادُ أن تُصيبَ ركبةَ رسولِ الله ﷺ فكانَ رسولُ الله ﷺ يهلّ بهما. وهذا إسناد جيّدٌ تفرَّدَ به أحمد ولم يخرجوه وفيه ردٌّ على الحافظ البزار صريح. ١٠ - عبد الله بن زَيْد أبو قِلابة الجَرْمي عنه: قال الإمام أحمد (٦): حدّثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن أيوب، عن أبي قِلابة، عن أنس: قال: كنت رديفَ أبي طَلْحة، وهو يُسايرُ النبيَّ ﷺ . قال: فإنَّ رجلي لتمسُّ غَرْزَ النبيّ ﷺ ، فسمعته يُلبِّي بالحجِّ والعُمْرة معًا. وقد رواه (٧) البخاري (٨) من طرقٍ عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، قال: صلَّى النَّبيُّ ﷺ الظهرَ بالمدينةِ أربعًا، والعصرَ بذي الحُلَيْفة ركعتينِ، ثم باتَ بها حتى أصبح ثم ركبَ راحلتَه، حتى استَوَتْ به على البَيْداء حمِدَ اللهَ وسبَّحَ وكَبَّر، وأهَلَّ بحَجٍّ وعُمْرَةٍ وأهلَّ الناسُ بهما جميعًا. وفي روايةٍ له (٩): كنتُ

стр. 2340

رديفَ أبي طلحة وإنهم ليَصْرُخون بهما جميعًا الحجّ والعُمرة. وفي رواية له (١) عن أيوب عن رجل، عن أنس، قال: ثم باتَ حتَّى أصبحَ فصلَّى (٢) الصبحَ، ثم ركب (٣) راحلته، حتّى إذا استوَتْ به البَيْداء أهلّ بعمرةٍ وحجٍّ. ١١ - عبد العزيز بن صهيب، تقدَّمَتْ روايتُه عنه مع رواية حُمَيد الطَّويل عنه عند مسلم. ١٢ - علي بن زَيْد بن جُدْعان عنه: قال (الحافظ أبو بكر) (٤) البزار، حدّثنا إبراهيم بن سعد، حدّثنا علي بن حكيم، عن شريك، عن علي بن زيد، عن أنس: أنَّ رسولَ الله ﷺ لبَّى بهما جميعًا. هذا غريب من هذا الوجه، ولم يخرجه أحدٌ من أصحاب السنن وهو على شرطهم. ١٣ - قَتادة بن دِعامة السَّدوسي (٥) عنه، قال الإمام أحمد (٦): حدّثنا بَهْزٌ وعبد الصمد - المعنى -، قالا: أخبرنا هَمّام بن يحيى، حدّثنا قتادة. قال: سألتُ أنسَ بن مالكٍ، قلتُ: كمْ حَجَّ النبيُّ ﷺ ؟ قال: حَجَّةً واحدةً، واعتمرَ أربعَ مرات، عُمْرته زمن الحديبية، وعمرة (٧) في ذي القعدة من المدينة، وعمرته من الجِعْرانة (٨) في ذي القعدة (٩)، حيث قسم غنيمهً حُنَيْنٍ، وعمرته مع حجته. وأخرجاه في "الصحيحين" (١٠) من حديث همام بن يحيى به، ١٤ - مُصْعَبُ بن سُلَيْم الزُّبَيْري مولاهم (١١) عنه. قال الإمام أحمد (١٢): حدّثنا وكيع، حدّثنا مصعب بن سُلَيم، سمعت أنس بن مالك يقول: أهَلَّ رسول الله ﷺ بحجةٍ وعمرةٍ، تفرّد به أحمد.

стр. 2341

١٥ - يحيى بن أبي إسحاق (١) الحَضْرمي عنه. قال الإمام أحمد (٢): حدّثنا هُشَيْم، أنبأنا يحيى بن أبي إسحاق وعبد العزيز بن صُهَيْب وحُمَيْد الطَّويل، عن أنس أنَّهم سَمعوه يقولُ: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يُلبِّي بالحجِّ والعُمْرة جميعًا يقول (٣) لبَّيك عُمْرة وحَجًّا، لبيك عمرةً وحجًّا. وقد تقدَّم أن مسلمًا رواه عن يحيى بن يحيى عن هُشَيْم به. وقال الإمام أحمد (٤) أيضًا: حدّثنا عبد الأعلى، عن يحيى، عن أنس، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة، قال: فسمعته يقول: لبَّيْكَ عُمْرةً وحَجًّا. ١٦ - أبو أَسماء (٥) الصَّيْقَل عنه. قال الإمام أحمد (٦): حدّثنا حسن، حدّثنا زهير، وحدّثنا أحمد بن عبد الملك، حدّثنا زهير عن أبي إسحاق، عن أبي أسماء الصَّيْقَل، عن أنس بن مالك، قال: خرجنا نصرُخ بالحجّ فلما قدمنا مكة أمرنا رسول الله ﷺ أن نَجْعَلهَا عُمْرة. وقال: لو استقبلتُ من أمري ما اسْتَدْبَرْتُ لجَعَلْتُها عُمرةً ولكنّي سُقتُ الهَدْيَ وقَرنتُ الحجَّ بالعمرة. ورواه النَّسائي (٧) عن هنّاد عن أبي الأحْوص عن أبي إسحاق، عن أبي أسماء الصَّيْقَل، عن أنس بن مالك قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يُلبِّي بهما. ١٧ - أبو قُدامة الحَنَفي، ويقال إن اسمه محمد بن عُبَيد، عن أنس. قال الإمام أحمد (٨): حدّثنا رَوْحُ بن عُبادة، حدّثنا شعبة، عن يونس بن عُبَيْد، عن أبي قُدامة الحَنَفي، قال: قلت لأنس بن مالك (٩): بأيّ شيءٍ كان رسول الله ﷺ يُلَبِّي؟ فقال: سمعتُه سبعَ مرّاتٍ يُلبِّي بعُمْرةٍ وحجّةٍ. تفرد به الإمام (١٠) أحمد، وهو إسنادٌ جيدٌ، قويٌّ، ولله الحمدُ والمنَّةُ وبه التوفيق والعصمة. وروى ابن حِبان (١١) في "صحيحه" عن أنس بن مالك. قال: كان رسول الله ﷺ قَرَنَ بين الحجِّ والعُمْرة وقَرَنَ القوم معه.

стр. 2342

وقد أورد الحافظ البيهقي (١) بعضَ هذه الطرف عن أنس بن مالك، ثم شرع يُعَلِّلُ ذلك بكلامٍ فيه نظر وحاصلُه أنَّه قال: والاشتباه (٢) وقع لأنس، لا لمن دونه، ويحتمل أن يكون سمعه رسول الله (٣) ﷺ يُعَلِّمُ غَيْرَه كيف يُهِلُّ بالقرانِ، لا أنه يُهِلّ بهما عن نفسه والله أعلم. (قال: وقد رُوي ذلك عن غير أنس بن مالك وفي ثبوته نظر) (٤). قلت: ولا يخفى ما في هذا الكلام من النظر الظاهر لمن تأمّله، وربّما كان ترك هذا الكلام أولى منه، إذ فيه تطرُّقُ احتمالٍ إلى حفظِ الصحابيّ مع تواتره عنه كما رأيت آنفًا، وفتح (٥) هذا يُفْضي إلى مَحْذورٍ كبيرٍ، والله تعالى أعلم. حديث البَراء بن عازِب في القِران قال الحافظ أبو بكر البيهقي (٦): أنبأنا أبو الحسين بن بِشْران، أنبانا علي بن محمد المصري، حدّثنا أبو غَسّان مالك بن يحيى، حدّثنا يزيد بن هارون، أنبأنا زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق، عن البَراء بن عازِب، قال: اعتمر رسولُ الله ﷺ ثلاثَ عُمَرٍ، كلُّهنّ في ذي القعدة. فقالت عائشة: لقد علم أنه اعتمر أربعَ عُمَرٍ بعمرته التي حجَّ معها. قال البيهقي: وليس هذا بمحفوظٍ، قلتُ: سيأتي بإسناد صحيحٍ إلى عائشة نحوه. رواية جابر بن عبد الله ﵄ قال الحافظ أبو الحسن الدارقطني (٧): حدّثنا أبو بكر بن أبي داود، ومحمد بن جعفر بن رُمَيْس (٨)، والقاسم بن إسماعيل أبو عُبَيْد، وعثمان بن جعفر الَّلبّان وغيرهم؛ قالوا: حدّثنا أحمد بن يحيى

стр. 2343

الصوفي، حدّثنا زيد بن حُباب، حدّثنا سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله. قال: حجَّ النبيُّ ﷺ ثلاث حِجَجٍ: حَجَّتَيْنِ قبل أنْ يُهاجر، وحجةً قَرَنَ معها عمرة. وقد روى هذا الحديث الترمذى (١) وابن ماجه (٢) من حديث سُفيان بن سعيد الثوري به. أما (٣) الترمذي فرواه (٤) عن عبد الله بن أبي زياد عن زيد بن حُباب عن سُفيان به. ثم قال: غريبٌ من حديث سفيان لا نعرفه إلا (٥) من حديث زيد بن الحُباب. ورأيتُ عبدَ الله بن عبد الرحمن يعني الدارمي (٦) روى هذا الحديث في كتبه عن عبد الله بن أبي زياد، وسألت محمدًا عن هذا فلم يعرفه (٧)، ورأيته لا يعده محفوظًا. قال: وإنما روي عن الثوري عن أبي إسحاق عن مُجاهد مُرْسلًا. وفي السنن الكبير (٨) للبيهقي قال أبو عيسى الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل البخاري (٩) عن هذا الحديث فقال: هذا حديث خطأ، وإنما روي هذا عن الثوري مرسلًا. قال البخاري: وكان زيد بن الحباب إذا روى حفظا (١٠) ربما غَلِط في الشّيء. وأما ابن ماجه فرواه، عن القاسم بن محمد بن عباد المُهَلَّبي، عن عبد الله بن داود الخُرَيْبي، عن سفيان به، وهذه طريق لم يقف عليها التِّرمذي ولا البَيْهقي، وربما ولا البخاريّ حيث تكلم في زيد بن الحباب ظانًا أنّه انفردَ به وليس كذلك، والله أعلم. طريق أخرى عن جابر قال أبو عيسى التِّرْمذي (١١): حدّثنا ابن أبي عمر، حدّثنا أبو معاوية، عن حجّاج، عن أبي الزبير،

стр. 2344

عن جابر: أنَّ رسول الله ﷺ قَرَنَ الحجَّ والعُمْرةَ وطاف (١) لهما طوافًا واحدًا. ثم قال: هذا (٢) حديثٌ حسنٌ، وفي نسخةٍ: صحيح. ورواه ابن حبان (٣) في "صحيحه"، عن جابر قال: لم يَطُفِ النبيُّ ﷺ إلا طوافًا واحدًا لحجهِ ولعُمْرَتِهِ. قلت: حَجّاج هذا هو ابن أرطاة، وقد تكلم فيه غيرُ واحد من الأئمة، ولكن قد رُوي من وجهٍ آخر عن أبى الزبير، عن جابر بن عبد الله أيضًا، كما قال الحافظ أبو بكر البرار في "مسنده": حدّثنا مُقَدَّم بن محمدّ، حدّثني عمي القاسم بن يحيى بن مُقَدَّم، عن عبد الله (٤) بن عثمان بن خُثَيْم (٥)، عن أبي الزبير، عن جابر: أنّ رسول الله ﷺ قدم فَقَرَن بين الحجّ والعُمْرة وساق الهَدْيَ، وقال (٦) رسول الله ﷺ : من لم يُقَلِّد الهَدْيَ فليجعلْها عُمْرَةً، ثم قال البزار: وهذا الكلام لا نَعْلَمُه يُرْوَى عن جابر إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، انفرد بهذه الطريق البزار في مسنده وإسنادها غريب (٧) جدًّا وليست في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه والله أعلم. رواية أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري ﵁ قال الإمام أحمد (٨): حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا حجاج - هو ابن أرطأة - عن الحسن بن سعد، عن ابن عباس. قال: أخبرني أبو طلحة أنَّ رسول الله ﷺ جمَع (٩) بين الحجِّ والعمرة. ورواه (١٠) ابن ماجه (١١)، عن علي بن محمد، عن أبي معاوية بإسناده ولفظه: أنَّ رسول الله ﷺ قرنَ بين الحجِّ والعمرة.

стр. 2345

الحجاج بن أرطأة (١) فيه ضعف والله أعلم. رواية سُراقةَ بن مالك بن جُعْشُم قال الإمام أحمد (٢): حدّثنا مكي بن إبراهيم، حدّثنا داود - يعني ابن يزيد (٣) - سمعت عبد الملك الزَّرَّاد يقول: سمعت النّزّال بن سَبْرة (٤) صاحب عليّ يقول: سمعتُ سُراقة يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "دخلت العُمْرة في الحجِّ إلى يوم القيامة". قال: وقَرَنَ رسول الله ﷺ في حجّة الوداع. رواية سعد: بن أبي وقاص عن النبي ﷺ أنَّه تمتَّعَ بالحَجّ إلى العمرة وهو القِران قال الإمام مالك (٥): عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب أنَّه حَدَّثه أنَّه سمعَ سعدَ بن أبي وقاصٍ والضَّحّاك بن قَيْسٍ عامَ حجّ معاوية بن أبي سُفيان يذكُر التَّمتُّعَ بالعُمْرة إلى الحج. فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمرَ الله. فقال سعد: بئسَ ما قلتَ يا بن أخي. فقال الضحاك: فإنّ عمر بن الخطاب كان يَنْهَى عنها. فقال سعد: قد صنعها رسول الله (٦) ﷺ وصنعناها معه. ورواه الترمذي (٧) والنسائي (٨) جميعًا، عن قتيبة، عن مالك به. وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. وقال الإمام أحمد (٩): حدّثنا يحيى بن سعيد، حدّثنا سليمان - يعني التَّيْمي -، حدّثني غُنَيْم، قال: سألت ابن أبي وقّاص عن المُتْعة فقال: فعلناها، وهذا كافر بالعُرُش - يعني معاوية - هكذا رواه مختصرًا. وقد رواه مسلم (١٠) في "صحيحه" من حديث سُفيان بن سعيد (١١) الثوري وشعبة ومروان الفزاري

стр. 2346

ويحيى بن سعيد القطان، أربعتُهم عن سليمان بن طَرْخان التَّيمي، سمعت غُنَيْم بن قَيس: سألتُ سعد بن أبي وقاص عن المتعة؟ فقال: قد فعلناها، وهذا يومئذ كافر بالعُرُش، قال يحيى بن سعيد في روايته: - يعني معاوية - ورواه عبد الرزاق (١)، عن مُعْتَمِر بن سليمان، وعبد الله بن المُبارك، كلاهما عن سليمان التَّيْمي، عن غُنَيْم بن قيس: سألتُ سعدًا عن التَّمتُّع بالعُمْرَة إلى الحجِّ، فقال: فعلتُها مع رسول الله ﷺ وهذا يومئذ كافر بالعُرُش (٢) - يعني مكة، ويعني به معاوية - وهذا الحديث الثاني أصحُّ إسنادًا، وإنما ذكرناه اعتضادًا لا اعتمادًا، والأول صحيحُ الإسناد وهولا (٣) أصرح في المقصود من هذا والله أعلم. رواية عبد الله بن أبي أوْفَى قال الطبراني (٤): حدّثنا سعيد بن محمد بن المغيرة المصري، حدّثنا سعيد بن سليمان، حدّثنا يزيد بن عطاء، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي أوْفَى، قال: إنّما جمعَ رسولُ الله ﷺ بين الحجّ والعمرةِ لأنّه علم أنّه لم يكن حاجًا بعد ذلك العام. رواية عبد الله بن عباس في ذلك قال الإمام أحمد (٥): حدثنا أبو النَّضْر حدّثنا داود - يعني العَطّار (٦) - عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: اعتمر رسول الله ﷺ أربعَ عُمَرٍ؛ عمرةَ الحُدَيْبية، وعُمْرة القَضاء، والثالثة من الجِعْرانة، والرابعة التي مع حجته. وقد رواه أبو داود (٧) والتِّرْمذي (٨) وابن ماجه (٩) من طرقٍ، عن داود بن عبد الرحمن العطّار المكي، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس به. وقال التِّرمذي: حسن غريب. ورواه الترمذي عن سعيد بن عبد الرحمن، عن سفيان بن عُيينة، عن عمرو، عن عكرمة. مُرْسلًا. ورواه الحافظ

стр. 2347

البيهقي (١) من طريق أبي الحسن علي بن عبد العزيز البغوي، عن الحسن بن الربيع، وشهاب بن عَبّاد، كلاهما عن داود بن عبد الرحمن العَطّار … فذكره. وقال: والرابعة (٢) التي قَرنَهَا مع حجته. ثم قال أبو الحسن علي بن عبد العزيز: ليس أحد يقول في هذا الحديث عن ابن عباس إلا داود بن عبد الرحمن، ثم حكى البيهقي عن البخاري أنّه قال: داود بن عبد الرحمن صدوق، إلا أنَّه رُبَّما يَهِمُ في الشيء. وقد تقدم ما رواه البخارب (٣) من طريق ابن عباس عن عمر أنَّه قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول بوادي العَقيق: "أتاني آتٍ من ربّي فقال: صَلِّ في هذا الوادي المبارك. وقُلْ: عمرة في حجة" فلعل هذا مستند ابن عباس فيما حكاه، والله أعلم. رواية عبد الله بن عمر ﵄ قد تقدم فيما رواه البخاري (٤) ومسلم (٥) من طريق الليث، عن عُقَيل، عن الزُّهري، عن سالم، عن ابن عمر أنه قال: تَمتَّعَ رسولُ الله ﷺ في حجةِ الوَداع، وأهْدَى فساق الهَدْيَ من ذي الحُلَيْفة وبدأ رسول الله ﷺ فأَهَلَّ بالعمرة ثم أهَلَّ بالحَجّ، وذكر تمام الحديث في عدم إحلاله بعد السَّعي، فعلم كما قَرَّرناه أولا أنه ﵊ لم يكن (٦) متمتعًا التمتُّعَ الخاصَّ، وإنما كان قارنًا لأنّه حكى أنه ﵇ لم يكن متمتعًا اكتفى (٧) بطوافٍ واحدٍ بينَ الصَّفا والمَرْوَة عن حجه وعمرته (٨). وهذا شأنُ القارنِ على مذهب الجمهور كما سيأتي بيانُه، والله أعلم. وقال الحافظ أبو يعلى (٩) الموصلي: حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن عُبَيْد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ رسولَ الله ﷺ طافَ طوافًا واحدًا لإقرانه لم يُحِلّ بينهما، واشترى من الطريق - يعني الهَدْيَ - وهذا إسناد جيد رجاله (١٠) كلهم ثقات إلا أنّ يحيى بن يَمانٍ، وإن كان من رجال مسلم، في أحاديثه عن الثوري نَكارةٌ شديدةٌ، والله أعلم. ومما يُرَجِّحُ أن ابنَ عمر أراد بالإفراد الذي

стр. 2348

رواه إفرادَ أفعال الحج لا الإفرادَ الخاصَّ الذي يصير (١) إليه أصحاب الشافعي، وهو الحجُّ ثم الاعتمارُ بعده في بقية ذي الحجة. قول الشافعي: أنبأنا مالك، عن صَدَقَةَ بن يسار، عن ابن عمر، أنه قال: لأنْ أعتمرَ قبل الحجّ وأُهْدي أحبُّ إليَّ من أن أعتمرَ بعدَ الحجِّ في ذي الحجة. رواية عبد الله بن عمرو ﵄ قال الإمام أحمد (٢): حدّثنا أبو أحمد - يعني الزُّبَيْري -، حدّثنا يونس بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أنَّ رسولَ الله ﷺ إنّما قرنَ خشيةَ أن يُصَدّ عن البيت وقال: إنْ لم تكن (٣) حجةً فعُمْرةً. وهذا حديث غريب سَنَدًا ومَتْنًا، تفَرَّدَ بروايته الإمام أحمد. وقد قال أحمد في يونس بن الحارث الثقفي هذا: كان مضطربَ الحديث، وضعَّفَه، وكذا ضَعَّفَهُ يحيى بن مَعين في رواية عنه، والنسائي. وأما من حيث المتن، فقوله: إنَّما قَرَنَ رسولُ الله ﷺ خشيةَ أنْ يُصَدّ عن البيت. فَمَنِ الذي كان يَصُدُّه ﵊ عن البيت وقد أطَّد الله له (٤) الإسلام، وفتح البلدَ الحرامَ، وقد نُودي برحاب (٥) منى أيام الموسم في العام الماضي أن لا يحجَّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوفَنَّ بالبيت عريان (٦) (٧) وقد كان معه ﵊ في حجة الوداع قريبٌ (٨) من أربعين ألفًا. فقوله: "خشية أن يُصَدَّ عن البيت": وما هذا بأعجب من قول أمير المؤمنين عثمان لعلي بن أبي طالب حين قال له علي: [لقد علمت أنا تمتعنا مع رسول الله ﷺ . فقال: أجل ولكنّا كنّا خائفين] (٩) ولست أدري علام يُحْمَل هذا الخوف من أي جهة كان؟ إلا أنه تضمَّن رواية الصحابي لما

стр. 2349

رواه، وحمله على معنى ظنه، فما رواه صحيح مقبول، وما اعتقده ليس بمعصوم فيه، فهو موقوف عليه، وليس بحجة على غيره، ولا يلزم منه رد الحديث الذي رواه. وهكذا (١) قول عبد الله بن عمرو. لو صحَّ السَّنَدُ إليه، والله أعلم. رواية عمران بن حصين ﵁ قال الإمام أحمد (٢): حدّثنا محمد بن جعفر، وحجاج، قالا: حدّثنا شعبة، عن حُمَيْد بن هِلال، سمعت مُطَرِّفًا (٣) قال: قال لي عمران بن حُصَيْن: إني محدِّثُكَ حديثًا، عسى الله أنْ ينفعَكَ به: إنَّ رسولَ الله ﷺ قد جمعَ بين حجةٍ وعمرةٍ (٤). ثُمَّ لمْ يَنْهَ عنه، حتى مات ولم ينزل قرآن فيه يُحَرِّمه، وأنه كان يُسَلّم عليَّ، فلما اكتويتُ أمسكَ عنّي، فلما تركتُه عاد إليَّ. وقد رواه مسلم (٥)، عن محمد بن المُثَنَّى ومحمد بن بَشّارَ (٦)، عن غُنْدَر، [و] عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه. والنسائي (٧) عن محمد بن عبد الأعلى عن خالد بن الحارث، ثلاثتهم عن شعبة، عن حُمَيْد بن هِلال، عن مُطَرّف، عن عمران به. ورواه مسلم (٨) من حديث شعبة، وسعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن مُطَرِّف (بن عبد الله الشّخِّير، عن عمران بن الحُصَين: أنَّ رسول الله ﷺ جمع بين حج وعمرة … الحديث. قال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: حديث شعبة عن حميد بن هلال، عن (٩) مُطَرف صحيح. وأما حديثه عن قتادة، عن مطرف، فإنما رواه عن شعبة كذلك بقيةُ بن الوليد. وقد رواه غُنْدر وغيره عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة.

стр. 2350

قلت: وقد رواه أيضًا النّسائي (١) في سننه عن عمرو بن علي الفلّاس، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، وفي نسخة: عن سعيد بدل شعبة، عن قتادة، عن مُطَرّف، عن عمران بن الحصين … فذكره، والله أعلم. وثبت في "الصحيحين " من حديث همام، عن قتادة، عن مُطَرف، عن عمران بن الحصين، قال: تَمَتّعنا على عهد رسول الله ﷺ (٢)، ثم لم ينزل قرآنٌ يحرِّمه، ولم يُنْهَ عنها حتى مات رسول ﷺ (٣). رواية الهِرْماس بن زياد الباهلي قال عبد الله بن الإمام أحمد (٤): حدّثنا عبد الله بن عمران بن علي أبو محمد، من أهل الرّيّ، وكان أصله أصبهانيًّا (٥)، حدّثنا يحيى بن الضُّريس، حدّثنا عِكْرمة بن عَمّار، عن الهِرْماس. قال: كنت رِدْفَ أبي، فرأيتُ النبيَّ ﷺ وهو على بعيرٍ، وهو يقول: "لبَّيْكَ بحجةٍ وعُمْرَةٍ معًا"، وهذا على شرط السنن، ولم يُخرجوه. رواية حَفْصَة بنت عُمر أم المؤمنين ﵄ قال الإمام أحمد (٦): حدّثنا عبد الرحمن، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن حَفْصة: أنّها قالت للنبي ﷺ : ما لك لم تحلّ من عُمْرتِكَ؟ قال: "إني لبَّدْتُ (٧) رأسي وقلّدتُ هَدْيي فلا أُحلّ حتى أنْحر" وقد أخرجاه في "الصحيحين" (٨) من حديث مالك وعُبَيْد الله بن عمر، زاد البخاري (٩): وموسى بن عقبة، زاد مسلم (١٠): وابن جريج كلهم، عن نافع، عن ابن عمر به، وفي لفظهما أنّها
следующие страницы →