← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

ويحيى بن سعيد القطان، أربعتُهم عن سليمان بن طَرْخان التَّيمي، سمعت غُنَيْم بن قَيس: سألتُ سعد بن أبي وقاص عن المتعة؟ فقال: قد فعلناها، وهذا يومئذ كافر بالعُرُش، قال يحيى بن سعيد في روايته: - يعني معاوية - ورواه عبد الرزاق (١)، عن مُعْتَمِر بن سليمان، وعبد الله بن المُبارك، كلاهما عن سليمان التَّيْمي، عن غُنَيْم بن قيس: سألتُ سعدًا عن التَّمتُّع بالعُمْرَة إلى الحجِّ، فقال: فعلتُها مع رسول الله ﷺ وهذا يومئذ كافر بالعُرُش (٢) - يعني مكة، ويعني به معاوية - وهذا الحديث الثاني أصحُّ إسنادًا، وإنما ذكرناه اعتضادًا لا اعتمادًا، والأول صحيحُ الإسناد وهولا (٣) أصرح في المقصود من هذا والله أعلم. رواية عبد الله بن أبي أوْفَى قال الطبراني (٤): حدّثنا سعيد بن محمد بن المغيرة المصري، حدّثنا سعيد بن سليمان، حدّثنا يزيد بن عطاء، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي أوْفَى، قال: إنّما جمعَ رسولُ الله ﷺ بين الحجّ والعمرةِ لأنّه علم أنّه لم يكن حاجًا بعد ذلك العام. رواية عبد الله بن عباس في ذلك قال الإمام أحمد (٥): حدثنا أبو النَّضْر حدّثنا داود - يعني العَطّار (٦) - عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: اعتمر رسول الله ﷺ أربعَ عُمَرٍ؛ عمرةَ الحُدَيْبية، وعُمْرة القَضاء، والثالثة من الجِعْرانة، والرابعة التي مع حجته. وقد رواه أبو داود (٧) والتِّرْمذي (٨) وابن ماجه (٩) من طرقٍ، عن داود بن عبد الرحمن العطّار المكي، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس به. وقال التِّرمذي: حسن غريب. ورواه الترمذي عن سعيد بن عبد الرحمن، عن سفيان بن عُيينة، عن عمرو، عن عكرمة. مُرْسلًا. ورواه الحافظ

стр. 2347

البيهقي (١) من طريق أبي الحسن علي بن عبد العزيز البغوي، عن الحسن بن الربيع، وشهاب بن عَبّاد، كلاهما عن داود بن عبد الرحمن العَطّار … فذكره. وقال: والرابعة (٢) التي قَرنَهَا مع حجته. ثم قال أبو الحسن علي بن عبد العزيز: ليس أحد يقول في هذا الحديث عن ابن عباس إلا داود بن عبد الرحمن، ثم حكى البيهقي عن البخاري أنّه قال: داود بن عبد الرحمن صدوق، إلا أنَّه رُبَّما يَهِمُ في الشيء. وقد تقدم ما رواه البخارب (٣) من طريق ابن عباس عن عمر أنَّه قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول بوادي العَقيق: "أتاني آتٍ من ربّي فقال: صَلِّ في هذا الوادي المبارك. وقُلْ: عمرة في حجة" فلعل هذا مستند ابن عباس فيما حكاه، والله أعلم. رواية عبد الله بن عمر ﵄ قد تقدم فيما رواه البخاري (٤) ومسلم (٥) من طريق الليث، عن عُقَيل، عن الزُّهري، عن سالم، عن ابن عمر أنه قال: تَمتَّعَ رسولُ الله ﷺ في حجةِ الوَداع، وأهْدَى فساق الهَدْيَ من ذي الحُلَيْفة وبدأ رسول الله ﷺ فأَهَلَّ بالعمرة ثم أهَلَّ بالحَجّ، وذكر تمام الحديث في عدم إحلاله بعد السَّعي، فعلم كما قَرَّرناه أولا أنه ﵊ لم يكن (٦) متمتعًا التمتُّعَ الخاصَّ، وإنما كان قارنًا لأنّه حكى أنه ﵇ لم يكن متمتعًا اكتفى (٧) بطوافٍ واحدٍ بينَ الصَّفا والمَرْوَة عن حجه وعمرته (٨). وهذا شأنُ القارنِ على مذهب الجمهور كما سيأتي بيانُه، والله أعلم. وقال الحافظ أبو يعلى (٩) الموصلي: حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن عُبَيْد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ رسولَ الله ﷺ طافَ طوافًا واحدًا لإقرانه لم يُحِلّ بينهما، واشترى من الطريق - يعني الهَدْيَ - وهذا إسناد جيد رجاله (١٠) كلهم ثقات إلا أنّ يحيى بن يَمانٍ، وإن كان من رجال مسلم، في أحاديثه عن الثوري نَكارةٌ شديدةٌ، والله أعلم. ومما يُرَجِّحُ أن ابنَ عمر أراد بالإفراد الذي

стр. 2348

رواه إفرادَ أفعال الحج لا الإفرادَ الخاصَّ الذي يصير (١) إليه أصحاب الشافعي، وهو الحجُّ ثم الاعتمارُ بعده في بقية ذي الحجة. قول الشافعي: أنبأنا مالك، عن صَدَقَةَ بن يسار، عن ابن عمر، أنه قال: لأنْ أعتمرَ قبل الحجّ وأُهْدي أحبُّ إليَّ من أن أعتمرَ بعدَ الحجِّ في ذي الحجة. رواية عبد الله بن عمرو ﵄ قال الإمام أحمد (٢): حدّثنا أبو أحمد - يعني الزُّبَيْري -، حدّثنا يونس بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أنَّ رسولَ الله ﷺ إنّما قرنَ خشيةَ أن يُصَدّ عن البيت وقال: إنْ لم تكن (٣) حجةً فعُمْرةً. وهذا حديث غريب سَنَدًا ومَتْنًا، تفَرَّدَ بروايته الإمام أحمد. وقد قال أحمد في يونس بن الحارث الثقفي هذا: كان مضطربَ الحديث، وضعَّفَه، وكذا ضَعَّفَهُ يحيى بن مَعين في رواية عنه، والنسائي. وأما من حيث المتن، فقوله: إنَّما قَرَنَ رسولُ الله ﷺ خشيةَ أنْ يُصَدّ عن البيت. فَمَنِ الذي كان يَصُدُّه ﵊ عن البيت وقد أطَّد الله له (٤) الإسلام، وفتح البلدَ الحرامَ، وقد نُودي برحاب (٥) منى أيام الموسم في العام الماضي أن لا يحجَّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوفَنَّ بالبيت عريان (٦) (٧) وقد كان معه ﵊ في حجة الوداع قريبٌ (٨) من أربعين ألفًا. فقوله: "خشية أن يُصَدَّ عن البيت": وما هذا بأعجب من قول أمير المؤمنين عثمان لعلي بن أبي طالب حين قال له علي: [لقد علمت أنا تمتعنا مع رسول الله ﷺ . فقال: أجل ولكنّا كنّا خائفين] (٩) ولست أدري علام يُحْمَل هذا الخوف من أي جهة كان؟ إلا أنه تضمَّن رواية الصحابي لما

стр. 2349

رواه، وحمله على معنى ظنه، فما رواه صحيح مقبول، وما اعتقده ليس بمعصوم فيه، فهو موقوف عليه، وليس بحجة على غيره، ولا يلزم منه رد الحديث الذي رواه. وهكذا (١) قول عبد الله بن عمرو. لو صحَّ السَّنَدُ إليه، والله أعلم. رواية عمران بن حصين ﵁ قال الإمام أحمد (٢): حدّثنا محمد بن جعفر، وحجاج، قالا: حدّثنا شعبة، عن حُمَيْد بن هِلال، سمعت مُطَرِّفًا (٣) قال: قال لي عمران بن حُصَيْن: إني محدِّثُكَ حديثًا، عسى الله أنْ ينفعَكَ به: إنَّ رسولَ الله ﷺ قد جمعَ بين حجةٍ وعمرةٍ (٤). ثُمَّ لمْ يَنْهَ عنه، حتى مات ولم ينزل قرآن فيه يُحَرِّمه، وأنه كان يُسَلّم عليَّ، فلما اكتويتُ أمسكَ عنّي، فلما تركتُه عاد إليَّ. وقد رواه مسلم (٥)، عن محمد بن المُثَنَّى ومحمد بن بَشّارَ (٦)، عن غُنْدَر، [و] عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه. والنسائي (٧) عن محمد بن عبد الأعلى عن خالد بن الحارث، ثلاثتهم عن شعبة، عن حُمَيْد بن هِلال، عن مُطَرّف، عن عمران به. ورواه مسلم (٨) من حديث شعبة، وسعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن مُطَرِّف (بن عبد الله الشّخِّير، عن عمران بن الحُصَين: أنَّ رسول الله ﷺ جمع بين حج وعمرة … الحديث. قال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: حديث شعبة عن حميد بن هلال، عن (٩) مُطَرف صحيح. وأما حديثه عن قتادة، عن مطرف، فإنما رواه عن شعبة كذلك بقيةُ بن الوليد. وقد رواه غُنْدر وغيره عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة.

стр. 2350

قلت: وقد رواه أيضًا النّسائي (١) في سننه عن عمرو بن علي الفلّاس، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، وفي نسخة: عن سعيد بدل شعبة، عن قتادة، عن مُطَرّف، عن عمران بن الحصين … فذكره، والله أعلم. وثبت في "الصحيحين " من حديث همام، عن قتادة، عن مُطَرف، عن عمران بن الحصين، قال: تَمَتّعنا على عهد رسول الله ﷺ (٢)، ثم لم ينزل قرآنٌ يحرِّمه، ولم يُنْهَ عنها حتى مات رسول ﷺ (٣). رواية الهِرْماس بن زياد الباهلي قال عبد الله بن الإمام أحمد (٤): حدّثنا عبد الله بن عمران بن علي أبو محمد، من أهل الرّيّ، وكان أصله أصبهانيًّا (٥)، حدّثنا يحيى بن الضُّريس، حدّثنا عِكْرمة بن عَمّار، عن الهِرْماس. قال: كنت رِدْفَ أبي، فرأيتُ النبيَّ ﷺ وهو على بعيرٍ، وهو يقول: "لبَّيْكَ بحجةٍ وعُمْرَةٍ معًا"، وهذا على شرط السنن، ولم يُخرجوه. رواية حَفْصَة بنت عُمر أم المؤمنين ﵄ قال الإمام أحمد (٦): حدّثنا عبد الرحمن، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن حَفْصة: أنّها قالت للنبي ﷺ : ما لك لم تحلّ من عُمْرتِكَ؟ قال: "إني لبَّدْتُ (٧) رأسي وقلّدتُ هَدْيي فلا أُحلّ حتى أنْحر" وقد أخرجاه في "الصحيحين" (٨) من حديث مالك وعُبَيْد الله بن عمر، زاد البخاري (٩): وموسى بن عقبة، زاد مسلم (١٠): وابن جريج كلهم، عن نافع، عن ابن عمر به، وفي لفظهما أنّها

стр. 2351

قالت: يا رسولَ الله ما شَأْنُ النّاس حلّوا من العمرة، ولم تحلّ أنتَ من عُمْرتك؟ فقال: "إني قلَّدتُ هَدْيي ولبَّدتُ رأسي فلا أَحِلّ حتى أنْحَرَ". وقال الإمام (١) أحمد أيضًا: (حدثنا أبو اليمان) (٢) حدّثنا شُعَيْبُ بن أبي حَمْزَةَ. قال: قال نافع: كان عبد الله بن عمر يقول: أخبرتنا حَفْصَة زَوْجُ النبيّ ﷺ : أنَّ رسول الله ﷺ أمر أزواجَه أن يَحْلِلْنَ عامَ حجةِ الوَداع. فقالت له فلانة: ما يَمْنَعُكَ أن تحلّ. قال: "إنِّي لبَّدْتُ رأسي وقَلَّدتُ هَدْيي فليست أُحِلّ حتى أنْحَرَ هَدْيي". وقال أحمد (٣) أيضًا: حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدّثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدّثني نافع (٤)، عن عبد الله بن عمر، عن حفصة بنت عمر، أنها قالت: لمّا أمر رسولُ الله ﷺ نساءَهُ أن يَحْلِلْنَ بعمرةٍ، قلنا: فما يَمْنَعُكَ يا رسولَ الله أن تَحلّ معنا؟ قال: "إني أهديت (٥) ولَبَّدتُ فلا أُحِلّ حتى أنحر هَدْيي". ثم رواه أحمد (٦)، عن كثير بن هشام، عن جعفر بن بُرْقان، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة … فذكره، فهذا الحديث فيه أن رسول الله ﷺ كان مُتَلبِّسًا بعُمْرةٍ ولم يَحِلَّ منها، وقد عُلِمَ بما تقدَّم من أحاديث الإفرادِ أنّه كان قد أَهَلَّ بحجٍّ أيضًا، فدلَّ مجموعُ ذلك أنَّه قارنٌ مع ما سلَفَ من روايةِ منْ صَرَّح بذلك، والله أعلم. رواية عائشة أم المؤمنين (٧) ﵂ قال البخاري (٨): حدّثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: خَرَجْنا مع رسول الله ﷺ في حجّة الوداع فأَهْلَلْنا بعُمْرَةٍ. ثم قال النبيُّ ﷺ ؛ منْ كانَ معه هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بالحَجّ مع العُمْرة، ثم لا يَحِلَّ حتّى يَحِلّ منهما جميعًا، فقدمت مكة وأنا حائض، فلم أطُفْ بالبيتِ ولا بينَ الصَّفا والمَرْوَة، فشكوتُ ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: انقُضي (٩) رأسَكِ، وامْتَشِطي وأهِلِّي بالحجّ، ودَعي العُمْرَةَ، ففعلتُ، فلما قضيتُ الحجَّ، أرسلني رسول الله ﷺ مع

стр. 2352

عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التَّنعيم فاعْتَمَرْتُ. فقال: هذه مكان عُمْرتِك. قالت: فطافَ الذين كانوا أَهَلُّوا بالعُمْرة بالبيت وبين الصَّفا والمَرْوَة، ثم حَلُّوا، ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من مِنىً، وأما الذين جمعوا الحجَّ والعمرةَ فإنما طافوا طَوافًا واحدًا. وكذلك (١) رواه مسلم (٢) من حديث مالك، عن الزهري … فذكره. ثمّ رواه (٣) عن عَبْدِ بنِ حُمَيْد، عن عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزُّهْري، عن عُرْوَة عن عائشة قالت: خَرَجْنا مع رسول الله ﷺ عامَ حجَّةِ الوداعِ، فأهْلَلْتُ بعمرةٍ ولم أكُنْ سُقْتُ الهَدْيَ، فقال رسول الله ﷺ منْ كانَ معه هَدْيٌ فَلْيُهِل بالحجِّ مع عُمْرَتِهِ لا يَحِلّ حتّى يَحِلّ منهما جميعًا … وذكر تمام الحديث كما تقدم. والمقصود من إيراد هذا الحديث هاهنا قوله ﷺ : "منْ كانَ معهُ هَدْيٌ فليهلّ بحجٍ وعمرة"، ومعلومٌ أنّه ﵊ قد كان معه هَدْيٌ فهو أول (٤) وأولى من ائتمر بهذا، لأنَّ المخاطبَ داخلٌ في عمومِ مُتَعلّقِ خطابه على الصَّحيح. وأيضًا فإنّها قالَتْ: وأمّا الذينَ جَمَعوا الحجَّ والعُمْرَة فإنّما طافوا طوافًا واحدًا، يعني بين الصَّفا والمروة. وقد روى مسلم (٥) عنها (٦): أنَّ رسولَ الله ﷺ إنّما طافَ بين الصَّفا والمروة طوافًا واحدًا، فعُلم من هذا أنَّه كان قد جمعَ بين الحجّ والعمرة. وقد روى مسلم (٧) من حديث حَمّاد بن زيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة قالت: فكانَ الهَدْيُ مع النبيِّ ﷺ وأبي بكر وعمر وذوي اليسار (٨)، وأيضًا فإنّها ذكرت أنَّ رسول الله ﷺ لم يَتَحَلَّلْ من النُّسْكَيْن فلم يكن مُتَمَتِّعًا، وذكرتْ أنَّها سألَتْ رسولَ الله ﷺ أن يُعْمِرها من التَّنعيم (٩). وقالَتْ:

стр. 2353

يا رسولَ الله يَنْطَلِقون (١) بحجٍّ وعمرةٍ، وأنطلقُ بحجٍّ؟! فبعثها (٢) مع أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر فأَعْمَرَها من التَّنْعيم ولم يُذْكَرْ أنَّه ﵊ اعتمر بعد حجته، فلم يكن مُفْردًا. فعُلم أنه كان قارنًا، لأنه كان باتّفاقِ النّاس قد اعتمر في حجة الوداع، والله أعلم. وقد تقدم ما رواه الحافظُ البيهقيُّ (٣) من طريق يزيد بن هارون، عن زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب: أنّه قال: اعتمرَ رسولُ الله ﷺ ثلاث عُمَرٍ كلُّهن في ذي القعدة، فقالت عائشة: لقد علم أنه اعتمر أربع عُمَرٍ بعُمرته التي حَجَّ معها. وقال البيهقي (٤) في الخلافيات (٥): أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأنا أبو محمد بن حَيَّان (٦) الأصبهاني، أنبأنا إبراهيم بن شَريك، أنبأنا أحمد بن يونس، حدّثنا زهير، حدّثنا أبو إسحاق، عن مجاهد، قال: سُئِل ابنُ عُمَر: كَمِ اعْتَمَرَ رسولُ الله ﷺ ؟ فقال: مرَّتين. فقالت عائشة: لقد علمَ ابنُ عمر أنَّ رسول الله ﷺ اعتَمَر ثلاثًا سوى العُمْرةِ التي قَرَنها مع حجةِ الوداع. ثم قال البيهقي: وهذا إسنادٌ لا بأسَ به، لكن فيه إرسال - مجاهد لم يسمعْ من عائشة في قول بعض المحدثين. قلتُ: كان شعبة يُنْكِره. وأما البُخاري ومُسلم فإنهما أثبتاه، والله أعلم. وقد روي (٧) من حديث القاسم بن عبد الرحمن بن أبي بكر وعروة بن الزبير وغير واحد، عن عائشة أنَّ رسول الله ﷺ كان معه الهَدْيُ عامَ حجّةِ الوَداعِ، وفي إعمارها من التَّنْعيم ومصادقتها له منهبطًا على أهل مكة وبيتوته (٨) بالمُحَصَّب حتى صلَّى الصُّبحَ بمكة ثم رجع إلى المدينة. وهذا كله مما يدلُّ على أنه ﵊ لم يعتمر بعد حجّته تلك، ولم أعلمْ أحدًا من الصحابة نقله. ومعلومٌ أنه لم يَتَحَلَّلْ بين النُّسْكَيْن، ولا روى أحدٌ أنه ﵊ بعد طوافه بالبيت، وسعيه بينَ الصّفا والمَرْوة حَلَقَ ولا قصَّر ولا تَحَلَّل، بل استمرّ على إحرامه باتفاق، ولم يُنقل أنه أهلَّ بحجٍ لما سار إلى منىً، فعُلم أنّه لم يكن مُتَمتِّعًا. وقد اتفقوا على أنه ﵊ اعتمرَ عامَ حجةِ الوداعِ فلم يَتَحَلَّلْ بين النُّسْكَيْن، ولا أنشأ إحرامًا للحجّ، ولا اعتمرَ بعد الحجِّ، فلزم القِرَانُ، وهذا مما يَعْسُرُ الجوابُ عنه، والله أعلم.

стр. 2354

وأيضًا فإن رواية القِران مُثْبتةٌ لما سكت عنه أو نفاه منْ روى الإفرادَ والتّمتع فهي مُقَدَّمةٌ عليها كما هو مقرَّرٌ في علم الأصول. وعن أبي عمران أنّه حجَّ مع مواليه، قال: فأتيتُ أمَّ سلمةَ فقلتُ: يا أمَّ المؤمنين إنّي لم أحجّ قطُّ فَبأيِّهما أبدأ؛ بالعُمرةِ أم بالحَجِّ؟ قالت: ابْدَأ بأيهما شِئْتَ. قال: ثُمَّ أتَيْت صَفِيَّةَ أمّ المؤمنين فسألتُها فقالت لي مثلَ ما قالت، قال: ثم جئتُ أمَّ سلمة فأخبرتُها بقولِ صَفيّة، فقالت لي أم سلمة: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "يا آلَ مُحَمَّدٍ منْ حَجَّ منكم فليُهِلّ بعُمْرةٍ في حجةٍ". رواه ابن حِبان في صحيحه، وقد رواه ابن حزم في حجّةِ الوَداعِ من حديث اللَّيْثِ بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم، عن أبي عمران، عن أم سلمة به (١). فصل إن قيل: قد رَوَيْتُمْ عن جَماعةٍ من الصّحَابة أنَّه ﵇ أفردَ الحجَّ، ثم رَوَيْتُمْ عن هؤلاء بأعيانهم وعن غيرهم أنَّه جمعَ بين الحجِّ والعمرةِ، فما الجمع من ذلك؟! فالجواب: أنّ روايةَ منْ روى أنه أفرد الحج محمولةٌ على أنّه أفردَ أفعالَ الحجّ، ودخلت العمرة فيه نيةً وفعلًا ووقتًا، وهذا يدلُّ على أنه اكتفى بطواف الحجّ وسَعْيه عنه وعنها، كما هو مذهبُ الجمهور في القارن، خلافًا لأبي حنيفة، ﵀، حيثُ ذهبَ إلى أنَّ القارنَ يطوفُ طوافَيْن، ويسعى سَعْيَين، واعتمدَ على ما روي في ذلك، عن عليّ بن أبي طالب، وفي الإسناد إليه نظر. وأما منْ روى التَّمتُّع، ثم روى القِرانَ، فقد قدَّمنا الجواب عن ذلك بأن التمتُّع في كلام السَّلف أعمُّ من التمتُّع الخاصّ والقِرانِ، بل ويطلقونه على الاعتمار في أشهر الحجِّ وإن لم يكن معه حجٌّ. كما قال (٢) سعد بن أبي وقاص: تمتَّعنا مع رسول الله ﷺ وهذا - يعني (٣) معاوية - يومئذ كافرٌ بالعُرش - يعني بمكة - وإنّما يريدُ بهذا إحدى العُمْرتَيْن: إما الحُدَيبية، أو القضاء، فأما عُمْرةُ الجِعرانة، فقد كان معاوية (٤) قد أسلم، لأنها كانت بعد الفتح، وحجة الوداع بعد ذلك سنة عشر، وهذا بيّنٌ واضحٌ، والله أعلم. فصل إن قيل: فما جوابكم (٥) عن الحديث الذي رواه أبو داود الطّيالسي في

стр. 2355

مسنده (١): حدّثنا هشام عن قتادة، عن أبي شيخ الهُنائي - واسمه حَيْوان (٢) بن خالد - أنَّ معاوية قال لنَفَرٍ من أصحاب رسول الله ﷺ : أتعلمونَ أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهى عن صُفَف (٣) النمور؟. قالوا: اللهمَّ نعم! قال: وأنا أشهدُ. قال: أتعلمون أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن لُبْس الذَّهب إلا مُقَطَّعًا (٤). قالوا: اللهم نعم! قال: أتعلمونَ أنَّ رسول الله ﷺ نهى أن يُقْرَنَ بين الحجِّ والعمرة؟ قالوا: اللهم لا! قال: واللهِ إنها لَمَعَهُنَّ. وقال الإمام أحمد (٥): حدّثنا عَفّان، حدّثنا همام، عن قتادة، عن أبي شيخ الهُنائي قال: كنتُ في مَلأٍ من أصحاب رسول الله ﷺ عند معاوية، فقال معاوية: أنشدكم بالله أتعلمونَ أنَّ رسول الله نهى عن جُلود النُّمور أن يُرْكَبَ عليها؟ قالوا: اللهم نعم! قال: وتَعْلَمونَ أنَّه نَهَى عن لباسِ الذَّهب إلا مُقَطَّعًا؟ قالوا: اللهم نعم! قال: وتعلمون أنه نهى عن الشُّرب في آنيةِ الذَّهَب والفضَّة؟ قالوا: اللهم نعم! قال: وتعلمونَ أنَّه نهى عن المتعة - يعني متعة الحج؟ قالوا (٦): اللهم لا [قال: أما إنها معهن]! وقال أحمد (٧): حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي شيخ الهُنائي أنَّه شهدَ معاويةَ، وعنده جمعٌ من أصحاب النبي ﷺ ، فقال لهم معاوية: أتعلمونَ أنَّ رسولَ الله نهى عن رُكوبِ جُلودِ النُّمور. قالوا: نعم! قال: أتَعلمون (٨) أنَّ رسولَ الله نهى عن لُبْسِ الحَريرِ؟ قالوا: اللهم نعم! قال: أتعلمون (٨) أن رسول الله نهى أنْ يُشْربَ في آنيةِ الذَّهَبِ والفضة؟ قالوا: اللهم نعم! قال: أتعلمون (٨) أنَّ رسول الله نهى عن جَمْعٍ بينَ حجٍّ وعمرةٍ؟ قالوا: اللهم لا! قال فوالله إنها لَمَعَهُنَّ. وكذا رواه (٩) حماد بن سلمة عن قتادة وزاد: ولكنَّكم نَسيتُم.

стр. 2356

وكذا رواه أشعثُ بن براز، وسعيد بن أبي عَرُوبة (١) وهمام (٢) عن قتادة (٣) بأصله. ورواه مطر الوراق (٤) وبَيْهَسُ (٥) (٦) بن فهدان، عن أبي شيخ في مُتْعة الحج. فقد (٧) رواه أبو داود والنسائي من طرقٍ، عن أبي شيخ الهُنائي به (٨)، وهو حديث جيّد الإسناد، ويستغرب منه رواية معاوية ﵁، النهي عن الجمع بين الحج والعمرة، ولعل أصل الحديث النهي (٩) عن المتعة، فاعتقد الراوي أنّها متعة الحاج، وإنما هي متعة النساء، ولم يكن عند أولئك الصحابة رواية في النهي عنها، أو لعلَّ النهيَ عن الإقران في التمر، كما في حديث ابن عمر (١٠) فاعتقد الراوي (١١) أنّ المرادَ القِرانَ في الحجّ، وليس كذلك، أو لعل (١٢) معاوية ﵁ إنما قال (١٣): أتعلمون أنّه نُهي عن كذا، فبناه بما لم يسمَّ فاعله، فصرح الراوي بالرفع إلى النبي ﷺ ، ووهم في ذلك، فإنّ الذي كان ينهى عن متعة الحج إنما هو عمر بن الخطاب ﵁، ولم يكن نهيه عن ذلك (١٤) على وجه التحريم والحتم (١٥)؟ كما قدمنا. وإنّما كان يَنْهى عنها لتُفرد عن الحج بسفرٍ آخر، لتكثر (١٦) زيارة البيت، وقد كان الصحابة، ﵃، يهابونه كثيرًا، فلا يتجاسرون على مخالفته غالبًا، وكان ابنه عبد الله يخالفه، فيقال له: إن أباك كان ينهى عنها فيقول: لقد خَشيت أن يقعَ عليكم حجارة من السماء، قد فعلها رسولُ الله ﷺ ، أفسُنَّةَ رسولِ الله تُتَّبعُ أم سُنَّةَ عُمَرَ بن الخَطاب، وكذلك كان عثمان بن عفان، ﵁، ينهى عنها، وخالفه عليّ بن أبي طالب كما تقدّم، وقال: لا أدعُ سنَّةَ رسول الله ﷺ لقول أحدٍ من النّاس.

стр. 2357

وقال عمران بن حممين: تمتَّعنا مع رسول الله ﷺ ، ثم لم ينزل قرآنٌ يُحرِّمُه ولم يَنْهَ عنها رسول الله ﷺ حتى مات. أخرجاه في "الصحيحين" (١). وفي صحيح مسلم (٢): عن سعدٍ أنه أنكرَ على معاوية إنكارَه المُتْعَة وقال: قد فعلناها مع رسول الله ﷺ وهذا يومئذ كافرٌ بالعُرُش، يعني معاوية أنه كان حين فعلوها مع رسول الله ﷺ كافرًا بمكة يومئذ. قلت: وقد تقدّم أنّه ﵊ حجَّ قارنًا بما ذكرناه من الأحاديث الواردة في ذلك، ولم (٣) يكن بين حجّة الوداع وبين وفاة رسول الله ﷺ إلّا (٤) أحد وثمانون يومًا، وقد شهد تلك الحجة ما ينيف عن أربعين ألف صحابيّ قولًا منه وفعلًا، فلو كان قد نهى عن القِران في الحَجّ الذي شهده منه الناس لم ينفرد به واحدٌ من الصحابة، ويردّه عليه جماعةٌ منهم ممن سمعَ منه ومن (٥) لم يسمع، فهذا كلُّه يدلّ على أنّ هذا هكذا ليس محفوظًا عن معاوية ﵁، والله أعلم. وقال أبو داود (٦): حدّثنا أحمد بن صالح، حدّثنا ابن وهب، أخبرني حيوة، أخبرني أبو عيسى الخراساني، عن عبد الله بن القاسم الخراساني، عن سعيد بن المسيّب؛ أنَّ رجلًا من أصحاب النبيّ ﷺ أتى عُمر بن الخطّاب فشهدَ أنّه سمعَ رسولَ الله ﷺ في مرضه الذي قُبض فيه يَنْهَى عن العُمْرَة قبلَ الحجّ. وهذا الإسناد لا يخلو عن نَظَرٍ، ثم إن كانَ هذا الصحابيّ هو (٧) معاوية، فقد تقدّم الكلامُ على ذلك، ولكن في هذا النهيُ عن المتعة لا القِران. وإن كان في (٨) غيره فهو مشكل في الجملة لكن لا على القران، والله أعلم. ذكر مستند من قال: إنه ﵊ أطلق الإحرام ولم يعيّن حجًا ولا عمرةً أولًا، ثم بعد ذلك إلى مُعَيَّنٍ وقد حُكِيَ عن الشافعي أنه الأفضلُ، إلا أنّه قول ضعيف.

стр. 2358

قال الشافعي (١) ﵀: أنبانا (سفيان أنبأنا) (٢) ابن طاوس، وإبراهيم بن مَيْسرة سمعا (٣) طاوسًا، يقول: خرجَ رسولُ الله ﷺ من المدينة لا يسمِّي حجًا ولا عمرة ينتَظِرُ القَضاءَ، فنزل عليه القضاءُ، وهو بين الصَّفا والمروة، فأمر أصحابه منْ كان منهم أهل (٤) بالحجِّ ولم يكن معه هَدْيٌ أن يجعلَها عُمْرةً. وقال: "لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سُقْتُ الهَدْيَ ولكن لبَّدْتُ رَأْسي وسُقْتُ هَدْيي، فليس لي مَحِلٌ إلا مَحِل هَدْيي، فقام إليه سُراقة بن مالك. فقال: يا رسول الله اقْضِ لنا قَضَاءَ قومٍ (٥) كأنَّما ولدوا اليومَ أعُمْرَتُنا هذه لعامنا هذا، أم للأبد!؟ فقال رسول الله ﷺ :"بل للأبَدِ، دخلتِ العُمْرَةُ في الحجِّ إلى يوم القيامة" قال: فدخل عليٌّ من اليَمَنِ، فسأله النبيُّ ﷺ بمَ اْهْلَلْتَ؟ فقال أحدهما عن طاوس قلت: لبيك إهلال النبي ﷺ . وقال الآخر: لبيك حجة النبي ﷺ . وهذا مرسل طاوس، وفيه غرابة. وقاعدة الشافعي ﵀ أنه لا يقبل المرسل بمجرده حتى يَعتضدَ بغيره، اللهمّ إلا أن يكون عن كبار التابعين، كما عُوِّل عليه كلامُه في "الرسالة"، لأنَّ الغالب أنهم لا يُرسِلون إلا عن الصحابة، والله أعلم. وهذا المُرْسَل ليس من هذا القبيل، بل هو مخالفٌ للأحاديث المتقدّمة كلِّها: أحاديث الإفراد، وأحاديث التَّمتُّع، وأحاديث القِران، وهي مُسْنَدةٌ صحيحةٌ، كما تقدَّم، فهي مقدَّمةٌ عليه، ولأنها مُثْبتَةٌ أمرًا نفاه هذا المُرْسَل، والمُثبتُ مقدَّمٌ على النّافي لو - تكافأا - فكيفَ والمُسْنَدُ صحيحٌ. والمُرْسَلُ من حيث لا ينهض (٦) حجة لانقطاع سنده، والله تعالى أعلم. وقال الحافظ أبو بكر (٧) البيهقي (٨): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو العباس الأصم، حدّثنا العباس بن محمد الدُّوري، حدّثنا محاضر، حدّثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر حجًّا ولا عُمْرةً، فلما قَدِمْنا أمرنا اْن نَحِلّ، فلما كانتْ ليلةُ النَّفرِ حاضَتْ صَفيَّةُ بنت حُيَيّ. فقال النبي ﷺ : "حَلْقَى عَقْرى" (٩) ما أراها إلا حابِسَتكُم. قال: هل كنتِ

стр. 2359

طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قالت: نعم! قال: فانْفِري. قالت: قلت: يا رسول الله إني لم أكن أهْلَلْتُ قال: "فاعْتَمِري من التَّنْعيم" قال: فخرج معها أخوها. قالت: فلقينا مُدَّلجًا. فقال: موعدك كذا وكذا. هكذا رواه البيهقي. وقد رواهُ البخاريُّ (١) عن محمد - قيل هو ابن يحيى - الدُّهْلي عن مُحاضِر بن المُوَرِّع (٢) به، إلا أنه قال: قالت (٣): خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج وهذا أشبه بأحاديثها المتقدمة. لكن روى مسلم (٤) عن سُوَيْد بن سعيد، عن علي بن مُسْهِر، عن الأعْمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكرُ حجًّا ولا عُمْرة. وقد أخرجه البخاري (٥) ومسلم (٦) من حديث منصور، عن إبراهيم، عن الأسود عنها (٧). قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ ولا نرى إلا أنه الحج، وهذا أَصَحُّ (٨) وأثبت، والله أعلم. وفي رواية لها (٩) من هذا الوجه: خرجنا نُلَبِّي لا نذكرُ حَجًّا ولا عُمْرَةً، وهو محمول على أنَّهم لا يذكرون ذلك مع التلبية، وإن كانوا قد سَمَّوه حال الإحرام، كما في حديث أنس: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لَبَّيْكَ اللهمَّ حجًّا وعُمْرةً (١٠). وقال أنس: وسمعتُهم يصرخون بهما جميع (١١). فأما الحديث الذي رواه مسلم (١٢) من حديث داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن جابر وأبي سعيد الخدري. قالا: قدمنا مع رسول الله ﷺ ونحن نصرخ بالحجّ صراخًا، فإنّه حديثٌ مشكلٌ على هذا، والله أعلم.

стр. 2360

ذكر تلبية سول الله ﷺ - قال الشافعي (١): أخبرنا مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: أنَّ تلبيةَ رسول الله ﷺ : "لَبَّيْكَ اللهمَّ لَبَّيْك، لَبَّيْكَ، لا شَريكَ لكَ لَبَّيْكَ، إنّ الحمدَ والنِّعمةَ لكَ. والمُلْك (٢) لا شَريكَ لك" وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ (٣) وسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ في يَدَيْكَ لَبَّيْكَ، والرغباءُ إليك والعمل. ورواه البخاري (٤)، عن عبد الله بن يوسف، ومسلم (٥) عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك به. وقال مسلم (٦): حدّثنا محمد بن عَبّاد، حدّثنا حاتم بن إسماعيل، عن موسى بن عُقْبَة، عن سالم بن عبد الله بن عمر ونافع (٧) مولى عبد الله بن عمر، وحمزة بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر: أنّ رسولَ الله ﷺ كان إذا استَوَتْ به راحِلَتُه قائمةً عندَ مسجدِ ذي الحُلَيْفة أهَلَّ؛ فقال: "لَبَّيْكَ اللّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شريكَ لكَ لَبَّيْك، إنَّ الحمدَ والنِّعمةَ لك والمُلْك، لا شريكَ لَك". قالوا: وكان عبد الله يقول هذه (٨) تلبية رسول الله. قال نافع: وكان عبد الله يزيد مع هذا: لَبَّيْكَ لَبَّيكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْك، والخَيْر بيدَيْك لبَّيْك، والرغباء إليك والعمل. حدّثنا محمد بن المثنى، حدّثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله (٩)، أخبرني نافع، عن ابن عمر، قال: تلقَّفْتُ التلبيةَ من [في] رسول الله ﷺ . فذكر بمثل حديثهم. حدّثني حرملة بن يحيى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: قال سالم بن عبد الله بن عمر: أخبرني عن أبيه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يهلّ مُلَبِّدًا (١٠) يقول: "لبيكَ اللّهم لبيكَ، لبيك لا شريكَ لكَ لبيك، إن الحمد والنعمة لكَ والمُلك لا شريك لك" لا يزيد على هؤلاء الكلمات، وإنَّ عبد الله بن عمر كان يقول:

стр. 2361

كان رسول الله ﷺ يركَعُ بذي الحُلَيْفَة ركعتين، فإذا استوَتْ به الناقَةُ قائمةً عندَ مسجدِ ذي الحُلَيْفة أهلّ بهؤلاء الكلمات. وقال عبد الله بن عمر: كان عمر بن الخطّاب يهلّ بإهلال النبي ﷺ من هؤلاء الكلمات وهو يقول: لبيك اللَّهُمَّ لَبَّيك، [لبيك] وسَعْدَيْك، والخَيْر في يَدَيْك، لَبّيكَ والرَّغباء إليك والعمل. هذا لفظ مسلم، وفي حديث جابر (١) من التلبية كما في حديث ابن عمر وسيأتي مُطَوَّلًا قريبًا، رواه مسلم منفردًا به. وقال البخاري (٢) بعد إيراده من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر ما تقدَّم، حدّثنا محمد بن يوسف، حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن عمارة، عن أبي عطية، عن عائشة، قالت: إني لأعلمُ كيفَ كانَ النبيُّ يلبِّي: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك" تابعه أبو معاوية، عن الأعمش. وقال شعبة: أخبرنا سليمان، سمعت خيثمة، عن أبي عطية، سمعت عائشة، تَفَرَّدَ به البخاري. وقد رواه الإمام أحمد (٣)، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن سليمان بن مِهْران الأعمش، عن عمارة بن عُمَيْر، عن أبي عطية الوادعي (٤)، عن عائشة. فذكر مثل ما رواه البخاري سواء. ورواه (٥) أحمد (٦) عن أبي معاوية، وعبد الله بن نُمَيْر، عن الأعمش، كما ذكره البخاري سواء، ورواه أيضًا عن محمد بن جعفر وروح بن عبادة، عن شعبة، عن سليمان بن مهران الأعمش به (٧). كما ذكر (٨) البخاري. وكذلك رواه أبو داود الطيالسي (٩) في "مسنده" عن شعبة سواء. وقال الإمام أحمد (١٠): حدّثنا محمد بن فضيل، حدّثنا الأعمش، عن عمارة بن عُمَير، عن أبي عطية، قال: قالت عائشة: إني لأعلمُ كيفَ كانَ رسول الله ﷺ يلبِّي. قال: ثم سمعتها تُلبِّي.

стр. 2362

فقالت: لبيك اللهمّ لبيك، لبيك لا شريكَ لكَ لبيك، إنَّ الحمدَ والنعمةَ لك والملك، لا شريك لك. فزاد في هذا السياق وحده: والملك لا شريك لك. وقال البيهقي (١): أخبرنا الحاكم، أنبأنا الأصم، حدّثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم (٢)، أنبأنا ابن وهب، أخبرني عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سَلَمة: أن عبد الله بن الفضل حدَّثه، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هُريرة، أنه قال: كان من تلبية رسول الله ﷺ : "لبيك إله الحق". وقد رواه النسائي (٣)، عن قتيبة، عن حُمَيْد بن عبد الرحمن، عن عبد العزيز بن أبي سَلَمة؛ وابن ماجه (٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد كلاهما عن وكيع عن عبد العزيز به. قال النسائي (٥): ولا أعلم أحدًا أسنده عن عبد الله بن الفضل إلا عبد العزيز ورواه (٦) إسماعيل بن أمية مُرْسلًا. وقال الشافعي (٧): أنبأنا سعيد (٨) بن سالم القَدّاح، عن ابن جُرَيْج، أخبرني حُميد الأعرج، عن مجاهد، أنه قال: كان النبي ﷺ يُظْهِر من التلبية: لبَّيْكَ اللهمَ لبيك، فذكر التلبية. قال: حتى إذا كان ذات يوم، والناسُ يُصْرفون عنه كأنه (٩) أعجبه ما هو فيه، فزاد فيها: لبَّيْكَ إنّ العيشَ عيشُ الآخرة. قال ابن جُرَيْج: وحسبتْ أنّ ذلك يومَ عرفة. هذا مرسل من هذا الوجه. وقد قال الحافظ أبو بكر (١٠) البيهقي (١١): أخبرنا عبد الله الحافظ، أخبرني أبو أحمد يوسُفُ بن محمد بن محمد بن يوسف، حدّثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، حدّثنا نصر بن علي الجَهْضَمي، حدّثنا مَحْبوب بن الحسن، حدّثنا داود، عن عِكْرمة، عن ابن عباسٍ أنَّ رسول الله ﷺ خطب بعرفات، فلما قال: لبيكَ اللهمَّ لبيك. قال: إنما الخير خير الآخرة. وهذا إسناد غريب وإسناده على شرط السُّنن ولم يخرجوه.

стр. 2363

وقال الإمام أحمد (١): حدّثنا روح، حدّثنا أسامة بن زيد، حدّثني عبد الله بن أبي لَبيد، عن المُطَّلب بن عبد الله بن حَنْطَب، سمعتُ أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "أمرني جبريل (٢) برفع الصَّوت في الإهلال؛ فإنّه من شعائر (٣) الحج". تَفَرَّدَ به أحمد. وقد رواه البيهقي (٤)، عن الحاكم، عن الأصم، عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن ابن وهب، عن أسامة بن زيد، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وعبد الله بن أبي لبيد، عن المطلب، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ … فذكره. وقد قال عبد الرزاق (٥): أخبرنا الثوري، عن ابن أبي لَبيد، عن المُطَّلب بن حَنْطب، عن خَلّاد بن (٦) السائب، عن زيد بن خالد، قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: مُرْ أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها شِعارُ الحَجّ. وكذا رواه ابن ماجه (٧) عن علي بن محمد، عن وكيع، عن الثوري به. وكذلك رواه شعبة وموسى بن عقبة، عن عبد الله بن أبي لَبيد به. وقال الإمام أحمد (٨): حدّثنا وكيع، حدّثنا سفيان (٩) عن عبد الله بن أبي لَبيد، عن المطلب بن عبد الله بن حَنْطب، عن خَلّاد بن السائب، عن زيد بن خالد الجُهَني، قال: قال رسول الله ﷺ : جاءني جبريل (١٠) فقال: يا محمد مُرْ أصحابك فَلْيَرْفَعوا أصواتَهم بالتَّلْبية فإنها شِعارُ الحَجّ. قال شيخنا أبو الحجاج المِزيّ (١١) في كتابه "الأطراف" (١٢): وقد رواه معاوية بن (١٣) هشام

стр. 2364

وقَبيصة، عن سُفيان الثوري، عن عبد الله بن أبي لَبيد، عن المطلب، عن (١) خلَّاد بن السائب، عن أبيه، عن زيد بن خالد به. وقال أحمد (٢): حدّثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الملك بن أبي بكر بن الحارث بن هشام، عن خَلَّاد بن السائب بن خَلَّاد، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: "أتاني جبريل (٣) فقال: مُرْ أصحابَكَ فيلرفعوا أصواتَهم بالإهلال". وقال أحمد (٤): قرأتُ على عبد الرحمن بن مَهْدي، عن مالك (٥)، وحدّثنا رَوْح، حدّثنا مالك - يعني ابن أنس - عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عبد الملك (٦) بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن خَلّاد بن السائب الأنصاري، عن أبيه: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "أتاني جبرائيل (٧) فأمرني أن آمر أصحابي - أو منْ مَعي - أن يرفعوا أصواتَهم بالتَّلْبية أو بالإهلال" يريد أحدهما. وكذلك رواه الشافعي (٨) عن مالك، ورواه أبو داود (٩) عن القعنبي عن مالك به. ورواه الإمام أحمد (١٠) أيضًا من حديث ابن جُرَيْج والترمذي (١١) والنسائي (١٢) وابن ماجة (١٣) من حديث سُفيان بن عُيينة عن عبد الله بن أبي بكر به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحافظ البيهقي (١٤): ورواه ابن جُرَيْج. قال: كتب إليّ عبد الله بن أبي بكر … فذكره ولم يذكر أبا خلّاد في إسناده. قال: والصحيح رواية مالك وسفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الملك عن خلّاد بن السائب، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، كذلك قال البخاري وغيره، كذا قال.

стр. 2365

وقد قال الإمام (١) أحمد في "مسنده": حدّثنا السّائب بن خلّاد بن سُوَيْد أبي سهلة الأنصاري، حدّثنا محمد بن بكر، أنبأنا ابن جُرَيْج. وحدّثنا (٢) روح، حدّثنا (٣) ابن جريج، قال: كتب إليَّ عبد الله بن أبي بكر بن (٤) محمد بن عَمْرو بن حَزْم، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن خَلّاد بن السائب الأنصاري، عن أبيه السائب بن خَلّاد، أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "أتاني جبريل (٥) فقال: إنَّ اللهَ يأمرُكَ أن تأمر أصحابَكَ أن يرفعوا أصواتَهُمْ بالتَّلْبية والإهلال". وقال رَوْحٌ: بالتلبية أو الإهلال. قال: لا أدري أيّنا؟ وهل: أنا أو عبد الله أو خَلّاد في الإهلال أو التلبية. هذا لفظ أحمد في "مسنده". وكذلك ذكره شيخنا في "أطرافه" (٦) عن ابن جُرَيْج كرواية مالك وسُفيان بن عيينة، فالله أعلم. فصل في إيراد حديث جابر بن عبد الله ﵁ في حَجَّةِ رسول الله ﷺ وهو وحدَه مَنْسكٌ مُسْتَقِلٌّ، رأينا أنّ إيرادَهُ هاهنا أنسبُ لِتَضمُّنهِ التلبية ومخيرها ممّا سلف وما (٧) سيأتي، فنوردُ طرقَهُ وألفاظه، ثم نُتْبِعُهُ بشواهِدِهِ من الأحاديث الوارده في معناه، وبالله المستعان. قال الإمام أحمد (٨): حدّثنا يحيى بن سعيد، حدّثنا جعفر بن محمد، حدّثني أبي، قال: أتينا جابر بنَ عبد الله، وهو في بني سَلِمة، فسألناه عن حَجَّةِ رسول الله ﷺ فحدّثنا: أنَّ رسولَ الله ﷺ مكثَ في المدينة تِسْعَ سنين لم يَحُجّ، ثم أُذِّن في الناس أن رسول الله ﷺ حاجٌّ في هذا العام. قال: فنزل المدينة بَشَرٌ كثير، كلُّهم يَلْتَمِسُ أن يأتمَّ برسول الله ﷺ ويفعل ما يفعل، فخرج رسول الله ﷺ لعشر (٩) بقينَ من ذي القعدة، وخرجنا معه، حتى إذا أتى ذا الحُلَيْفَة نَفِسَت أسماء بنت عُمَيْس بمحمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيفَ أصنعُ؟ قال اغتسلي ثم اسْتَثْفِري (١٠)

стр. 2366

بثوبٍ، ثم أهلِّي. فخرج رسول الله ﷺ حتى إذا استوت به ناقته على البَيْداء أهلّ بالتوحيد: لَبَّيكَ اللَّهُم لبيكَ، لبيكَ لا شريكَ لكَ لبَّيك، إنَّ الحمدَ والنعمةَ لك والملك، لا شريك لك، ولَبَّى النَّاسُ، والناس يزيدون: ذا المعارج ونحوه من الكلام، والنبي ﷺ يسمعُ، فلم يَقُلْ لهم شيئًا، فنظرتُ مَدَّ بَصَري بينَ يَدَيْ رسول الله ﷺ من راكبٍ وماشٍ، ومن خَلْفَه مثل ذلك (١) وعن يمينه مثل ذلك، وعن شماله مثل ذلك، قال جابر: ورسول الله ﷺ بين أظهرنا ينزل عليا (٢) القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملناه، فخرجنا لا ننوي إلا الحجِّ، حتى إذا أتينا الكَعْبَةَ فاستلم نبيُّ الله ﷺ الحجرَ الأسودَ، ثم رَمَلَ ثلاثةً، ومشى أربعةً حتى إذا فَرَغَ عَمَدَ إلى مقامِ إبراهيم فصلَّى خلفه ركعتين، ثم قرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. قال أحمد: وقال أبو عبد الله - يعني جعفرًا (٣) -: فقرأ فيهما بالتوحيد وقل يا أيها الكافرون، ثم استلم الحَجَرَ، وخرج إلى الصَّفا، ثم قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]. ثم قال: نبدأ بما بَدَأ اللهُ به، فَرَقِيَ على الصَّفا حتى إذا نَظَرَ إلى البيت كَبَّر، ثم قال: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، وصدَّقَ عبده (٤)، وهزَم - أو غَلَب - الأحزاب وحده. ثم دعا، ثم رجع إلى هذا الكلام، ثم نزل حتى إذا انصبت قدماه في الوادي رَمَل، حتى إذا صعِد مشى، حتى إذا أتى المَرْوَةَ فرقيَ عليها، حتى نَظَرْ (٥) إلى البيت فقال عليها (٦) كما قال على الصفا، فلما كان السابع عند المروة، قال: "يا أيُّها الناسُ إنّي لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ، لم أسُقِ الهَدْيَ، ولجعلتها عُمْرَةً، فمن لم يكن معه هَدْيٌ فليحلّ، وليجعلها عمرة". فحلّ الناس كلهم، فقال سُراقة بن مالك بن جُعْشُم (٧) وهو في أسفل الوادي: يا رسول الله ألعامِنا هذا أم للأبد؟ فشبَّكَ رسول الله ﷺ أصابعَهُ فقال: للأبد، ثلاث مرات. ثم قال: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة. قال: وقَدِم عليٌّ من اليمن بهَدْي. وساق رسول الله ﷺ معه من هدي (٨) المدينة هَدْيًا، فإذا فاطمةُ

стр. 2367

قد حلَّت ولبست ثيابًا صبيغًا واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: أمرني به أبي (١). قال: قال عليٌّ بالكوفة: قال جعفر: قال أبي (٢) هذا الحرف لم يذكره (٣) جابر، فذهبت مُحَرّشًا أستفتي رسول الله ﷺ في الذي ذكرتْ فاطمةُ. قلت: إن فاطمة لبسَتْ ثيابًا صَبيغًا، واكْتَحَلَتْ وقالتْ: أمرني [به] (٤) أبي. قال: صدقت (٥)، صدَقَتْ، صَدَقَتْ، أنا أمرتُها به. وقال جابر: وقال لعلي بم أهللتَ؟ قال: قلت: اللهم إنّي أُهِلّ بما أَهَلّ به رسولُكَ. قال: ومعي الهَدْيُ. قال: فلا تَحِلّ. قال: وكان جماعةُ الهَدْي الذي أتى به عليّ من اليمن، والذي أتى به رسول الله ﷺ مئة، فنحر رسول الله ﷺ بيده ثلاثًا وستين، ثمَّ أعطى عليًّا فنحر ما غبر (٦)، وأشركه في هَدْيه، ثم أمر من كل بَدَنَة ببضعةٍ فجعلت في قِدر فأكلا من لحمها وشربا من مَرْقها. ثم قال رسول الله ﷺ : قد نَحَرْتُ هاهنا، ومنىً كلها مَنْحرٌ. ووَقَفَ بعرفة فقال: وقفتُ هاهنا، وعَرَفةُ كلُّها موْقِفٌ، ووقف بالمزدلفة، وقال: وقفتُ هاهنا، والمُزْدَلِفَةُ كُلُّها مَوْقِف. هكذا أورد الإمام أحمد هذا الحديث وقد اختصر آخره جدًّا. ورواه الإمام مسلم (٧) بن الحجاج في المناسك (٨) من "صحيحه" عن أبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم، كلاهما عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله … فذكره. وقد أعلمنا (٩) على الزيادات المُتفاوتة من سياقِ أحمد ومسلم إلى قوله ﵊ لعلي: صَدَقْتْ صَدَقْتْ، ماذا قلتَ حينَ فَرضتَ الحجّ. قال: قلت: اللهم إنّي أهلُّ بما أهَلَّ به رسولك (١٠) ﷺ .

стр. 2368

قال (١): فإنَّ معيَ الهَدْيَ. فلا تحلّ (٢). قال: فكان جماعة الهَدْي الذي قدم به عليٌّ من اليمن، والذي أتى به رسولُ الله ﷺ مئة. قال: فحلّ النّاسُ كُلُّهُمْ وقَصَّروا إلا النبيّ ﷺ ومن كان معه هديٌ، فلما كان يوم التَّروية توجّهوا إلى منى فأهلّوا بالحجّ. وركب رسول الله ﷺ ، فصلَّى بها الظُّهْرَ والعَصْرَ والمغربَ والعشاءَ والفَجْرَ، ثم مكثَ قليلًا حتى طلعتِ الشَّمس، وأمر بقُبَّة له من شعر. فضُربت له بنَمرة. فسار رسول الله ﷺ ولا تَشُكُّ قريشٌ إلا أنه واقفٌ عند المَشْعَر الحَرامِ، كما كَانَتْ قريشٌ تَصْنعُ في الجاهلية، فأجازَ رسول الله ﷺ حتى أتَى عرفةَ، فوجدَ القُبَّة قد ضُربَتْ له بنمِرَة، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس، أمر بالقَصْواء (٣) فَرُحِلَتْ له، فأتى بطنَ الوادي، فخطب الناسَ، وقال: "إنَّ دِماءَكُمْ وأمْوالَكُمْ حرامٌ عليكُمْ كحُرْمَةِ يَوْمِكُم هذا في شَهْرِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هذا، ألا كُلُّ شَيْءٍ من أمْرِ الجاهِليَّة تحتَ قَدَميَّ موضوعٌ، ودماءُ الجاهِلِية موضوعةٌ، وإنَّ أولَ دَمِ أضعُ من دِمائِنا دمُ ابنِ ربيعة بن الحارث، كان مُسْتَرضِعًا في بني سَعْدٍ، فقتلتهُ هُذَيْلٌ. وربا الجاهلية موضوع. وأوّلُ ربا أضَعُهُ من ربانا ربا (٤) العباس بن عبد المطلب فإنّه موضوعٌ كُلُّه، واتَّقُوا الله في النساء، فإنَّكمْ أخذتُمُوهُنَّ بأمانة الله، واسْتَحْلَلْتُمْ فُروجهُنَّ بكلمةِ الله، ولكُمْ عَلَيْهن (٥) أن لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أحدًا تَكْرهونَهُ، فإنْ فَعَلْنَ ذلك فاضربوهُنَّ ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ، ولهن عليكُمْ رزقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بالمعروف. وقد تَرَكْتُ فيكُمْ ما لم (٦) تَضلّوا بَعْدَهُ إن اعتَصَمتُمْ (٧) به: كتابَ الله، وأنتم تُسألون عني، فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نَشْهَدُ أنَّكَ قد بَلَّغْتَ ونَصَحْتَ وأذَيْتَ. فقا (٨) بأصبعه السّبّابة يرفعُها إلى السماء ويَنْكُتُها (٩) إلى الناس: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَد" ثلاث مرات. ثم أذَن بلال (١٠) ثم أقام فصلَّى الظُّهْر، ثم أقام فصلَّى العصرَ، ولم يصلِّ بينهما شيئًا، ثم ركبَ

стр. 2369

رسولُ الله ﷺ حتى أتى الموقفَ، فجعلَ بطن ناقته القَصْواء (١) إلى الصخرات وجعل جبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلةَ فلم يزل واقفًا حتى غَرَبَتِ الشمسُ، وذهبت الصُّفْرةُ قليلًا، حتى غابَ القُرصُ، وأردف أسامةَ بن زيد خلفَه (٢)، ودفع رسولُ الله ﷺ وقد شَنَقَ للقصواء (٣) الزِّمام حتى إنَّ رأسَها ليصيبُ مورك رَحْله (٤) ويقول (٥): بيده اليمنى: أيها الناس، السَّكينةَ السَّكينةَ. كُلّما أتى جَبَلًا من الجبال، أرخى لها قليلًا، حتى تصعد، حتّى أتى المزدلفة، فصلَّى بها المغربَ والعشاءَ بأذانٍ وإقامتَيْن، ولم يسبِّحْ بينهما شيئًا. ثم اضْطَجَع رسولُ الله ﷺ حتّى طلعَ الفَجْر، فصلَّى الفجرَ حتى (٦) تَبيَّنَ له الصُّبْحُ بأذانٍ وإقامه (٧). ثم ركبَ القَصْواء حتى أتى المشعرَ الحَرام، فاستقبل القبلةَ، فدعا فحمدَ اللهَ وكبَّره وهَلَّله وَوَحَّدَه، فلم يزل واقفًا حتى أسفرَ جدًّا، ودفع قبل أن تطلعَ الشمس، وأردف (٨) الفضلَ بن العباسِ، وكان رجلًا حسنَ الشعرِ أبيضَ وسيمًا، فلمّا دفعَ رسول الله ﷺ مرَّتْ ظُعُن يَجْرينَ، فطفق الفضل ينظرُ إليهن، فوضع رسول الله ﷺ يدَه على وجه الفضل، (فحوَّل الفضلُ يَدَهُ (٩) إلى الشقِّ الآخر، فحوَّل رسولُ الله ﷺ يدَه من الشقِّ الآخر على وجْهِ الفضل) (١٠) فصرفَ وَجْهَهُ من الشّقّ الآخر ينظرُ، حتّى إذا (١١) أتى بطن مُحَسِّرٍ فَحَرَّكَ قليلًا، ثم سلك الطريقَ الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات يُكَبِّر مع كلِّ حصاةٍ منها حصى الخَذْف (١٢) رمى من بطن الوادي، ثم انصرفَ إلى المَنْحَر، فنحر ثلاثًا وستّين بيده، ثم أعطى عليًّا فننحر ما غَبَر، واشركه في هَدْيه، ثم أمر منْ كلّ بَدَنة بَبضعةٍ، فجُعلت في قِدرٍ، فطبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها، ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت، فصلَّى بمكة الظُّهرَ، فأتى بني عبد المطلب، وهم يَسْتَقون (١٣) على

стр. 2370

زمزم، فقال: "انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناسُ على سقايتكم لنَزَعْتُ معكم". فناولوه دَلْوًا فشرب منه. ثم رواه مسلم (١) عن عمر بن حفصٍ، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر … فذكره بنحوه. وذكر قصةَ أبي سَيَّارة (٢) وأنّه كانَ يدفع بأهل الجاهلية على حمار عُرْي، وأن رسول الله ﷺ قال: نحرتُ هاهنا ومنىً كلُّها مَنْحر، فانْحَروا في رحالكم، ووقفتُ هاهنا وعرفةُ كلها موقفٌ، ووقفت هاهنا وجَمْعٌ كلها موقف. وقد رواه أبو داود (٣) بطوله عن النُّفَيْلي وعثمان بن أبي شيبة وهشام بن عمار وسليمان بن عبد الرحمن، وربَّما زاد بعضهم على بعض الكلمة والشيء، أربعتهم عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر، بنحو (٤) من رواية مسلم. وقد رمزنا لبعض زياداته عليه، ورواه أبو داود (٥) أيضًا، والنسائي (٦) عن يعقوب بن إبراهيم، عن يحيى بن سعيد القطّان، عن جعفر به. ورواه النسائي (٧) أيضًا عن محمد بن المثنى، عن يحيى بن سعيد ببعضه، وعن (٨) إبراهيم بن هارون البلخي، عن حاتم بن إسماعيل ببعضه (٩). ذِكْرُ الأماكِن الّتي صَلَّى فيها رسول الله (١٠) ﷺ وهو ذاهِبٌ منَ المَدينةِ إلى مكَّة في عمرتِه (١١) وحجّته قال البخاري (١٢) ﵀ (١٣): (باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلَّى فيها النبيُّ ﷺ ):

стр. 2371

حدّثنا محمد بن أبي بكر المَقدّمي قال (١): ثنا فُضَيْل بن سُليمان، قال (١): ثنا موسى بن عقبة، قال: رأيت سالم بن عبد الله يَتَحَرَّى أماكنَ من الطريق، فيصلِّي فيها، ويحدِّثُ أن أباه كان يُصلّي فيها، وأنَّه رأى النبيَّ ﷺ يصلّي في تلك الأمكنة. وحدّثني نافع عن ابن عمر ﵄: أنه كان يُصلِّي في تلك الأمكنة. وسألتُ سالمًا فلا أعلمه إلا وافقَ نافعًا في الأمكنة كلِّها، إلا أنَّهما اختلفا في مسجدٍ بشرف الرَّوْحاء (٢). قال: حدّثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا أنس بن عياض، قال (١): ثنا موسى بن عقبة، عن نافع: أنَّ عبد الله أخبره: أنَّ رسول الله ﷺ كان ينزلُ بذي الحُلَيْفةِ حين يعتمر، وفي حجته حين حجَّ، تحتَ سَمُرَة (٣) في موضع المسجد الذي بذي الحُلَيْفة. وكان إذا رجع من غزوٍ (٤) كان في تلك الطريق أو حج (٥) أو عمرة هبطَ من (٦) بطنٍ واد، فإذا ظهرَ من بطن وادٍ أناخَ بالبطحاء التي على شَفير الوادي الشرقية، فعرَّس ثَمَّ حتى يصبح ليس عند المسجد الذي بحجارة، ولا على الأكمة التي عليها المسجد، كان ثَمَّ خليجٌ يُصلِّي عبد الله عنده في بطنه كُثُبٌ كان رسول الله ﷺ ثمَّ يُصَلِّي، فدحا (٧) السيلُ فيه بالبطحاء حتى دَفنَ ذلك المكانَ الذي كانَ عبدُ الله يصلِّي فيه. وأنّ عبد الله بن عمر حَدَّثه أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى حيث المسجدُ الصغيرُ الذي (٨) دون المسجد الذي بشَرَفِ الرَّوْحاء، وقد كان عبدُ الله يُعْلِمُ المكانَ الذي كان صلَّى فيه النبي ﷺ يقول: ثَمَّ عن يمينك حين تقوم في المسجد تُصلّي، وذلك المسجد على حافَة الطريق اليمنى، وأنت ذاهبٌ إلى مكة بينه وبين المسجد الأكبر رميةٌ بحجر أو نحو ذلك. وأن ابنَ عمر كان يُصلِّي إلى العِرْق الذي عند مُنْصَرف الرَّوْحاءِ، وذلك العِرْقُ انتهاءُ طَرَفه (٩) على حافَةِ الطريق دون المسجد الذي بينه وبين المُنْصَرَف وأنت ذاهبٌ إلى مكة، وقد ابتُنِيَ ثَمَّ مسجدٌ، فلم

стр. 2372

يكُنْ عبدُ الله يُصلّي في ذلك (١) المسجد كان (٢) يتركه عن يساره ووراءه، ويصلّي أمامه إلى العِرْق نفسه، وكان عبد الله يَرُوحُ من الرَّوْحاء فلا (٣) يُصلي الظهرَ حتى يأتيَ ذلك المكان فيُصَلّي فيه الظهرَ، وإذا أقبل من مكة فإن مرّ به قبلَ الصُّبْحِ بساعةٍ أو من آخر السَّحَرِ عَرَّسَ حتى يُصلّي بها الصُّبْحَ. وأن عبد الله حدَّثه أن النبيَّ ﷺ كان يَنْزِلُ تحت سَرْحَةٍ ضخْمةٍ دون الرُّوَيْثة (٤) عن يمين الطريق ووُجاه الطَّريق في مكان بطح سَهْلٍ حتى يُفْضي من أكَمَةٍ دُوَيْنَ بَريد (٥) الرُّوَيْثَةِ بميلَيْن وقد انكسر أعلاها فانثنى في جوفها، وهي قائمةٌ على ساقٍ وفي ساقها كُثُبٌ كثيرة. وأن عبد الله بن عمر حَدَّثه أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى في طَرَفِ تَلْعَةٍ من وراء العَرْجِ وأنت ذاهبٌ إلى هضبةٍ، عند ذلك المسجد قبران أو ثلاثة، على القبور رَضْم (٦) من حجارة عن يمين الطريق عند سَلِمات (٧) الطريق بين أولئك السَّلِمات كان عبد الله يَروحُ من العَرْج بعد أن تَميلَ الشَمْسُ بالهاجرة، فيُصَلِّي الظُّهْرَ في ذلك المسجد. وأنَّ عبد الله بن عمر حدَّثَه أنَّ رسول الله ﷺ نزلَ عندَ سَرَحاتٍ عن يسار الطَّريق في مسيلٍ دون هَرْشى (٨) ذلك المَسيلُ لاصقٌ بكراعِ هَرْشى بَيْنه وبينَ الطّريق قريب من غَلْوَةٍ (٩)، وكان عبد الله يُصَلِّي إلى سرحةٍ (١٠) هي أقربُ السَّرَحات إلى الطريق وهي أطولُهُنَّ. وأنَّ عبد الله بن عمر حَدَّثَه أنَّ رسول الله ﷺ كانَ ينزل في المَسيل الذي في أدنى مرِّ الظَّهْرانِ (١١) قِبَلَ المدينة حين يهبط من الصَّفْراوات (١٢) ينزل في بطن ذلك المسيل عن يسار الطريق وأنت ذاهبٌ إلى مكة ليس بين منزل رسول الله ﷺ وبين الطريق إلا رميةٌ بحجرٍ.

стр. 2373

وأنّ عبد الله بن عمر حَدَّثَه أنّ رسول الله ﷺ كان ينزل بذي طُوى (١)، ويبيتُ حتّى يُصبحَ يُصَلِّي الصُّبْحَ حين يَقْدَمُ مكةَ، ومُصَلّى رسول الله ﷺ ذلك على أكَمَةٍ غَليظةٍ ليس في المسجد الذي بُني ثمَّ، ولكن أسفلَ من ذلك على أكَمَةٍ غَليظة. وأن عبد الله حَدَّثَه أنَّ رسول الله ﷺ استقبل فُرْضَتي الجَبَلِ الذي بينه وبين الجبل الطويل نحوَ الكعبة، فجعل المسجدَ الذي بُني ثَمَّ يسارَ المسجد بطرفِ الأَكَمَة، ومُصَلَّى (٢) النبي ﷺ أسفلَ منه على الأكمة السَّوداء، تدعُ من الأكمة عشرةَ أذرعٍ أو نحوها، ثُمّ تُصلّي مُستقبلَ الفُرْضَتَيْنِ من الجبل الذي بينَكَ وبينَ الكَعبة. تفرَّدَ البخاريُّ ﵀ بهذا الحديث بطولِه وسياقِهِ، إلَّا أن مسلمًا (٣) روى منه عند قوله في آخره: وأنّ عبد الله بن عمر حدَّثه أنَّ رسول الله ﷺ كان ينزل بذي طُوًى إلى آخر الحديث، عن محمد بن إسحاق المُسَيَّبي، عن أنس بن عِياضٍ، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر … فذكره. وقد رواه الإمام أحمد (٤) بطوله عن أبي قُرَّة موسى بن طارِقٍ، عن موسى بن عقبة، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ به نحوه. وهذه الأماكن لا يُعْرَفُ اليوم كثيرٌ منها أو أكثرها لأنّه قد غيّر أسماء أكثر هذه البقاع اليوم عند هؤلاء الأعراب الذين هناك، فإن الجَهْلَ قد غلب على أكثرهم. وإنما أوردَها البُخاريّ ﵀ في كتابه لعل أحدًا يهتدي إليها بالتأمُّلِ والتّفرُّسِ والتَّوَسُّمِ، أو لعلّ أكثرها أو كثيرًا منها كان معلومًا في زمان البخاري. والله تعالى أعلم. باب دُخول النبيِّ ﷺ إلى مكة شرَّفَها اللهُ وعَظَّمَها (٥) قال البخاري (٦): حدّثنا مُسَدَّد، حدّثنا يحيى عن عُبَيْد (٧) الله، حدّثني نافع، عن ابن عمر، قال:

стр. 2374

بات النبي ﷺ بذي طُوىً حتَّى أصبح، ثم دخلَ مكةَ، وكان ابنُ عمر يفعلُه. ورواه مسلم (١) من حديث يحيى بن سعيد القَطّان به. وزاد: حتّى صلَّى الصبح، أو قال: حتى أصبح. وقال مسلم (٢): حدّثنا أبو الربيع الزهراني، حدّثنا حَمّاد، عن أيوب، عن نافع، أنَّ (٣) ابن عمر كان لا يَقْدَمُ مكةَ إلا باتَ بذي طوىً حتى يُصْبحَ ويغتسل، ثم يدخُلُ مكةَ نهارًا، ويذكر عن النبي ﷺ أنه فعله. ورواه البخاري (٤) من حديث حمّاد بن زيد، عن أيوب به. ولهما (٥) من طريق أخرى عن أيوب، عن نافع، أنَّ (٣) ابن عمر كان إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التَّلْبية، ثم يبيتُ بذي طُوى … وذكره. وتقدَّمَ آنفًا ما أخرجاه من طريق موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ رسول الله ﷺ كان يبيتُ بذي طُوىً حتى يصبح، فيصلّي الصبح حين يَقْدمُ مكةَ، ومُصلَّى رسول الله ﷺ عند أكَمَةٍ غليظةٍ، وأنَّ رسول الله ﷺ استقبلَ فُرْضَتي الجبل الذي بينه وبينَ الجبل الطويل نحوَ الكعبة، فجعل المسجدَ الذي بنُي ثَمَّ يسارَ المسجد بطَرفِ الأكَمَة ومُصَلّى رسول الله ﷺ أسفل منه على الأكَمَة السوداء يدع من الأكمة عشرةَ أذرعٍ أو نحوَها، ثم يصلي مستقبلَ الفرضتين من الجبل الذي بينك وبين الكعبة. أخرجاه في "الصحيحين". وحاصلُ هذا كلِّه أنّه عليه الصلاة (٦) والسلام لما انتهى في مَسيره إلى ذي طُوًى، وهو قريب من مكة متاخمٌ للحرم، أمسك عن التلبية، لأنه قد وصل إلى المقصود، وبات بذلك المكان حتى أصبح، فصلَّى هُنالك الصُّبْحَ في المكان الذي وَصَفوه بين فُرْضَتَي الجَبل الطَّويل هنالك. ومن تأَمَّلَ هذه الأماكنَ المُشارَ إليها بعينِ البَصيرة عرفَها معرفةً جيدةً، وتعيَّن له المكانُ الذي صلَّى فيه رسول الله ﷺ ، ثم اغتسل صلوات الله وسلامه عليه، لأجل دخول مكة ثم ركب ودخلَها نهارًا جهرةً علانيةً من الثنيّة العُليا التي بالبَطْحاء (٧) - ويقال كَداءُ (٨) - ليراهُ الناسُ ويشرف عليهم، وكذلك دخلَ منها يوم الفَتْحِ، كما ذكرناه.

стр. 2375

قال مالك: عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ رسول الله ﷺ دخلَ مكةَ من الثَّنِيَّة العُلْيا، وخرج من الثّنِيّةِ السُّفْلى. أخرجاه في "الصحيحين" (١) من حديثه. ولهما (٢) من طريق (٣) عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ رسول الله ﷺ دخلَ مكةَ من الثنيَّة العُليا التي في البَطْحاء، وخرج من الثنيَّة السُّفْلى. ولهما (٤) أيضًا من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مثل ذلك. ولمّا وقعَ بصرُه ﵊ على البيت، قال: ما رواه الشافعيُّ (٥) في "مسنده": أخبرنا سعيدُ بن سالم، عن ابن جريج أنَّ النبي ﷺ كان إذا رأى البيتَ رفع يديه وقال: اللهمَّ زِدْ هذا البيتَ تَشْريفًا وتَعْظيمًا وتَكْريمًا ومهابةً، وزدْ من شرفه وكرمه ممَّنْ (٦) حجَّه واعتمره (٦) تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبرًا. قال الحافظ البيهقي (٧): هذا منقطعٌ، وله شاهدٌ مرسلٌ، عن سفيان الثوري، عن أبي سعيد الشامي، عن مكحول، قال: كان النبيُّ ﷺ إذا دخل مكة فرأى البيت رفع يديه وكبَّر وقال: اللهمَّ أنتَ السلامُ ومنكَ السلامُ، فحيّنا ربَّنا بالسلام، اللهمّ زِدْ هذا البيتَ تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابةً وبرًا، وزِدْ مَن حجَّه أو اعتمرَه تكريمًا وتشريفًا وتعظيمًا وبرًا. وقال الشافعي (٨): أنبأنا سعيد بن سالم، عن ابن جُرَيْج، قال: حُدِّثْتُ عن مِقْسمٍ، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ . قال: تُرْفع الأيْدي في الصَّلاة وإذا رأى البيتَ، وعلى الصفا والمَرْوة، وعشية عرفة، وبِجمْعٍ (٩)، وعند الجمرتين، وعلى المَيِّت. قال الحافظ البيهقي (١٠): وقد رواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الحكم، عن مِقْسَم، عن ابن عباس، وعن نافع، عن ابن عمر، مرةً موقوفًا عليهما، ومرة مرفوعًا إلى النبي ﷺ دونَ ذكر الميّت. قال: وابن أبي ليلى هذا غير قوي. ثم إنه ﵇ دخل المسجدَ من باب بني شيبة. قال الحافظ

стр. 2376

البيهقي (١) روينا عن ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، قال: يدخل المُحْرِم من حيث شاء. قال: ودخل النبيُّ ﷺ من باب بني شيبة، وخرج من باب بني مخزوم إلى الصفا. ثم قال البيهقي: وهذا مرسلٌ جيدٌ. وقد استدل البيهقي على استحباب دخول المسجد من باب بني شيبة بما رواه (٢) من طريق أبي داود الطيالسي، حدّثنا حماد بن سَلَمَة، وقيس وسَلَّام (٣)، كلّهم عن سماك بن حرب، عن خالد بن عَرْعَرَة، عن عليّ ﵁، قال: لما أن هُدِم (٤) البيت بعد جُرْهم بَنَتْهُ قريشٌ، فلمّا أرادوا وضعَ الحجر تشاجروا منْ يضعُه، فاتّفقوا أن يضعَهُ أولُ منْ يدخل من هذا الباب، فدخل رسول الله ﷺ من باب بني شيبة، فأمر رسول الله ﷺ بثوبٍ، فوضع الحجر في وسطه، وأمر كلَّ فَخِذٍ أن يأخذوا بطائفةٍ من الثوب، فرفعوه، وأخذه رسول الله ﷺ فوضعه. وقد ذكرنا هذا مبسوطًا في باب بناء الكعبة قبل البعثة، وفي الاستدلال على استحباب الدخول من باب بني شيبة بهذا نظر. والله أعلم. صِفَةُ طَوافِهِ صَلَواتُ اللهِ وسَلامُه عليه قال البخاري (٥): حدّثنا أصْبَغُ بن الفَرَج، عن ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث (٦)، عن محمد بن عبد الرحمن، قال: ذكرتُ لعروة، قال: أخبرَتْني عائشة: أنَّ أولَ شيءٍ بدأ به حينَ قدم النبيُّ ﷺ أنه توضّأ ثم طاف ثم لم تكن عمرة، ثم حجَّ أبو بكر وعمرُ مثلَه. ثم حججتُ مع أبي الزبير، فأول شيء بدأ به الطواف، ثم رأيتُ المهاجرين والأنصار يفعلونه. وقد أخبرتني أمي أنها أهلَّت هي وأختُها والزبيرُ وفلانٌ وفلانٌ بعمرة، فلما مسحوا الركن حلوا. هذا لفظه. وقد رواه في موضعٍ آخر، عن أحمد بن عيسى (٧) ومسلم (٨) عن هارون بن سعيد، ثلاثتهم عن ابن وهب به. وقولها "ثم لم تكن عمرة" يدلّ على أنه ﵊ لم يَتَحَلَّل بين النُّسْكين، ثم كان أولَ

стр. 2377

ما ابتدأ به ﵊ استلام الحجر الأسود قبل الطواف، كما قال جابر: حتى إذا أتينا البيتَ معه، استلم الرُّكن، فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا. وقال البخاري (١): حدّثنا محمد بن كثير، حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عابس بن ربيعة، عن عمر: أنَّه جاءَ إلى الحَجَر فقبَّلَه، وقال: إنّي لأعلمُ أنَّك حجرٌ لا تَضرُّ ولا تَنْفَعُ، ولولا أنّي رَأَيْتُ رسولَ الله ﷺ يَقبِّلُكَ ما قَبَّلْتُكَ. ورواه مسلم (٢)، عن يحيى بن يحيى، وأبي بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، وابن نُمَيْر (٣) جميعًا، عن أبي معاوية، عن الأعْمَش، عن إبراهيم، عن عابس بن ربيعة، قال: رأيتُ عمر يُقَبِّلُ الحجرَ، ويقول: إنّي لأعلمُ أنّك حَجَرٌ لا تَضرُّ ولا تَنْفَعُ، ولولا أنّي رأيتُ رسولَ الله ﷺ يُقَبّلكَ ما قبَّلْتُكَ. وقال الإمام أحمد (٤): حدثنا محمد بن عبيد وأبو معاوية، قالا: حدّثنا الأعمش، عن إبراهيم عن عابس بن ربيعة، قال: رأيت عمر أتى الحجر فقال: أما والله [إني] لأعْلَمُ أنَّكَ حجرٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفعُ، ولولا أنّي رأيت رسولَ الله قَبَّلَكَ ما قَبَّلْتُكَ، ثم دنا فقبَّله. فهذا السياق يقتضي أنه قال ما قال، ثم قبَّله بعد ذلك، بخلاف سياق صاحبي الصحيح، فالله أعلم. وقال أحمد (٥): حدثنا وكيع ويحيى، واللفظ لوكيع، عن هشام عن أبيه أن عمر بن الخطاب أتى (٦) الحجر فقال: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبِّلك ما قبَّلتك. وقال: ثُمَّ قَبَّلَه، وهذا منقطع بين عروة بن الزبير وبين عمر. وقال البخاري (٧) (٨) أيضًا: حدثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير، أخبرني زيد بن أسْلَم، عن أبيه، أنَّ عمرَ بن الخطاب قال للرُّكْنِ: أما واللهِ إنّي لأعلمُ أنَّكَ حجرٌ لا تضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولولا أنّي رأيتُ رسولَ الله ﷺ استَلَمَكَ ما اسْتَلَمْتُكَ، فاسْتَلَمَهُ. ثم قال: وما لنا وللرَّمَل (٩) إنما كنَّا راءينا (١٠) به

стр. 2378

المشركين ولقد أهلكهم الله، ثم قال: شيءٌ صَنَعَهُ رسول الله ﷺ فلا نحبُّ أن نتركه. وهذا يدل على أنّ الاستلامَ تأخَّر عن القولِ. وقال (١) البخاري (٢): ثنا أحمد بن سنان، ثنا يزيد بن هارون، ثنا وَرْقَاء، ثنا (٣) زيد بن أسْلَم عن أبيه، قال: رأيت عمر بن الخطاب قَبَّل الحجر، وقال: لولا أنّي رأيتُ رسول الله ﷺ يُقبّلك ما قَبَّلتك. وقال مسلم (٤) بن الحجاج، ثنا حرملة، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس - هو ابن يزيد الأيلي - وعمرو - هو (٥) ابن دينار -. ح (٦) وحدّثنا هارون بن سعيد الأيلي، أنبأنا ابن وهب، أخبرني عمرو، عن ابن شهاب، عن سالم: أنَّ أباه حدّثه أنه قال: قَبَّلَ عمرُ بن الخطاب الحجرَ، ثم قال: أما والله لقد علمتُ أنّك حجرٌ، ولولا أنّي رأيتُ رسول الله ﷺ يُقَبِّلكَ ما قَبَّلْتُكَ. زاد هارون في روايته: قال عمرو: وحدّثني بمثلها زيد بن أسْلَم، عن أبيه أسْلَم - يعني - عن عمر به. وهذا صريح في أنّ التقبيلَ تقدم (٧) على القول، فالله أعلم. وقال الإمام أحمد (٨): ثنا عبد الرزاق، أنبأنا عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أنّ عمر قَبَّلَ الحجرَ، ثم قال: قد علمتُ أنَّكَ حجرٌ ولولا أنِّي رأيتُ رسولَ الله ﷺ قَبَّلَك ما قَبَّلْتُك. هكذا رواه الإمام أحمد. وقد أخرجه مسلم (٩) في "صحيحه" عن محمد بن أبي بكر المُقَدَّمي، عن حماد بن زيد، عن أيّوب، عن نافع، عن ابن عمر: أنَّ عمر قَبّلَ الحجرَ، وقال: إنّي لأقَبِّلُكَ، وإني لأعلمُ أنّكَ حجرٌ، ولكنّي رأيتُ رسول الله ﷺ يُقبِّلك. ثم قال (١٠) مسلم (١١): ثنا خَلَف بن هشام والمُقَدَّمي وأبو كامل وقتيبة، كلُّهم عن حماد، قال

стр. 2379

خَلَف: حدّثنا حمادُ بن زيد، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن سَرْجِس (١)، قال: رأيت الأصْلَعَ - يعني عمر - يُقَبِّلُ الحجرَ، ويقول: والله إنّي لأقبِّلُكَ، وإنّي لأعلمُ أنَّكَ حجرٌ، وأنّك لا تضرّ ولا تنفع، ولولا أني رأيتُ رسولَ الله ﷺ يُقبِّلك ما قَبَّلْتُكَ. وفي رواية المُقَدَّمي وأبي كامل: رأيتُ الأُصَيْلعَ (٢) وهذا من أفراد مسلم دون البخاري. وقد رواه الإمام أحمد (٣) عن أبي معاوية، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن سَرْجِس به. ورواه أحمد (٤) أيضًا: عن غُنْدَر (٥) عن شعبة، عن عاصم الأحول به. وقال الإمام أحمد (٦): ثنا عبد الرحمن بن مَهْدي، عن سفيان، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن سويد بن غَفْلَة، قال: رأيتُ عمر يُقَبِّلُ الحجرَ، ويقول: إني لأعلم أنك حجر لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ ولكنّي رأيتُ أبا القاسم ﷺ بك حَفيًّا (٧). ثُمَّ رواه أحمد (٨)، عن وكيع، عن سفيان الثوري به، وزاد: فقبَّله والْتَزَمه. وهكذا رواه مسلم (٩) من حديث عبد الرحمن بن مهدي بلا زيادة. ومن حديث وكيع (١٠) بهذه الزيادة: قبَّل الحجر والتزمه، وقال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ بك حفيًّا (٧). وقال الإمام أحمد (١١): ثنا عَفَّان، ثنا وهيب، ثنا (١٢) عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنَّ عمر بن الخطاب أكَبَّ على الركن (١٣)، وقال: إنّي لأعلمُ أنَّكَ حَجَرٌ ولو لم أرَ حَبيبي ﷺ قَبَّلَكَ واسْتَلَمَكَ ما ولا قَبَّلْتُكَ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].

стр. 2380

وهذا إسناد جيِّدٌ قوي، ولم يخرّجوه. وقال أبو داود الطيّالسي (١): ثنا جعفر بن عثمان القرشي، من أهل مكة، قال: رأيتُ محمد بن عبّاد بن جعفر قَبَّلَ الحَجَر وسَجَدَ عليه. ثم قال: رأيتُ خالَكَ ابنَ عبّاس قبَّله وسجد عليه. وقال ابن عباس رأيت عمر بن الخطاب قبَّله وسجد عليه، ثم قال عمر: لَوْ لمْ أر النبي ﷺ قبَّله ما قَبَّلْتُهُ. وهذا أيضًا إسنادٌ حسنٌ، ولم يخرّجه إلا النَّسائي (٢)، عن عمرو بن عثمان، عن الوليد (٣) بن مسلم، عن حنظلة بن أبي سفيان، عن طاوس، عن ابن عباس، عن عمر، فذكر نحوه. وقد روى هذا الحديث عن عمر الإمام أحمد (٤) أيضًا من حديث يعلى بن أمية عنه. وأبو يعلى الموصلي في "مسنده" (٥)، من طريق هشام بن حُبَيْش بن الأشْعَر (٦) عن عمر. وقد أوردنا ذلك كله بطرقه وألفاظه وعزوه وعلله في الكتاب الذي جمعناه في مسند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، ولله الحمد والمنة. وبالجملة، فهذا الحديث مرويٌّ من طرق متعددة عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وهي تفيد القطع (٧) عند كثير من أئمة هذا الشأن، وليس في هذه الروايات أنه ﵊ سجدَ على الحجر إلا ما أشعر به رواية أبي داود الطيالسي، عن جعفر بن [عبد الله بن] عثمان، وليست صريحة في الرفع. ولكن رواه الحافظ (٨) البيهقي (٩) من طريق أبي عاصم النبيل، ثنا جعفر بن عبد الله، قال: رأيت محمد بن عَبّاد بن جعفر قبَّل الحجرَ وسجدَ عليه، ثم قال: رأيت خالَكَ ابنَ عَبّاسٍ قبَّله وسجد عليه. وقال ابن عباس: رأيتُ عمرَ قبّله وسجدَ عليه، ثم قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ فعلَ هكذا ففعلت.

стр. 2381

وقال الحافظ (١) البيهقي (٢): أنبأنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عَبْدان، أنبأنا الطبراني، أنبأنا أبو الزِّنْباع، ثنا يحيى بن سليمان الجُعْفي، ثنا يحيى بن يَمان، ثنا سفيان، عن ابن أبي حسين (٣)، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يسجد (٤) على الحجر. قال الطبراني: لم يروه عن سفيان إلا يحيى بن يمان. وقال البخاري (٥): ثنا مُسَدَّد، ثنا حمّاد، عن الزُّبَيْر بن عربي، قال: سأل رجلٌ ابنَ عمر عن استلامِ الحجر قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يَسْتَلِمُه ويقبّلُه. قال: أرأيتَ إن زُحِمْتُ، أرأيتَ إنْ غُلبْتُ؟ قال اجعلْ أرأيتَ باليمن. رأيت رسول الله ﷺ يستَلِمُه ويُقَبِّلُه. تفرَّد به دون مسلم. وقال (٦) البخاري (٧): ثنا مُسَدَّد، ثنا يحيى، عن عُبَيْد الله عن (٨) نافع عن ابن عمر، قال: ما تركتُ استلامَ هذين الرُّكْنَيْن في شدةٍ ولا رخاءٍ منذُ رأيتُ رسولَ الله يَسْتَلِمُهُما. فقلت (٩) لنافع: أكانَ ابنُ عمرَ يَمْشي بين الرُّكْنين؟ قال: إنَّما كانَ يَمْشي ليكونَ أيْسَرَ لاستلامه. وروى أبو داود (١٠) والنسائي (١١) من حديث يحيى بن سعيد القطان عن عبد العزيز بن أبي رَوّاد، عن نافعٍ، عن ابن عمر: أنَّ رسولَ الله ﷺ "كانَ لا يَدَعُ أن يستلمَ الرُّكْنَ اليَماني والحَجَر في كل طَوْفَةٍ". وقال البخاري (١٢): ثنا أبو الوليد، ثنا ليث، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، قال: لم أر النبيَّ ﷺ يستلمُ من البيت إلا الرُّكْنَيْن اليَمانيين. ورواه مسلم (١٣) عن يحيى بن يحيى، وقتيبة، عن الليث بن سعد به. وفي رواية (١٤) عنه: أنه قال: ما أرى (١٥) النبيَّ ﷺ تركَ استلامَ الرُّكْنَيْن الشّاميين إلا أنهما لم يُتَمَّما على قواعد إبراهيم.

стр. 2382

وقال (١) البخاري (٢): وقال محمد بن بكر (٣): أنبأنا ابن جُرَيْج، أخبرني عمرو بن دينارٍ، عن أبي الشَّعْثاء، أنه قال: ومنْ يَتَّقي شَيْئًا من البيت؟. وكان معاوية يستلم الأركان، فقال له ابن عباس: إنَّه لا يُسْتَلمُ هذان الركنان (٤)! فقال له: ليس من البيت شيء مهجورًا (٥). وكان ابن الزبير يستلمُهُنَّ كُلُّهن. انفرد بروايته البخاري رحمه الله تعالى. وقال مسلم (٦) في "صحيحه": حدّثني أبو الطاهر، ثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث. أنَّ قتادةَ بن دعامة حدَّثه، أن أبا الطُّفَيْل البَكْري حدَّثَه، أنه سمع ابن عبّاس يقول: لم أرَ رسولَ الله ﷺ يستلمُ غَيْرَ الرُّكْنَين اليَمانيين. انفرد به مسلم، فالذي رواه ابن عمر موافقٌ لما قاله (٧) ابن عباس: أنَّه لا يُسْتَلَمُ الرُّكنان الشّاميان، لانَّهما لم (٨) يتمّما على قواعد إبراهيم، لأنَّ قريشًا قصَّرتْ بهم النفقةُ فأخرجوا الحَجَرَ من البيت حين بَنَوْه كما تقدم بيانه. ووَدَّ النبيُّ ﷺ أنْ لو بناه فتمَّمه على قواعد إبراهيم، ولكنْ خَشِيَ من حداثةِ عَهْدِ النّاس الجاهلية فَتُنْكِره قلوبُهم، فلما كانت إمرةُ عبد الله بن الزبير هَدَمَ الكعبةَ وبناها على ما أشار إليه ﷺ كما أخبَرَتْهُ خالتُهُ أمُّ المؤمنين عائشة بنت الصديق. فإن كان ابن الزبير استلمَ الأركانَ كلَّها بعد بنائه إياها على قواعد إبراهيم فحَسَنٌ جدًّا، وهو والله المظنون (٩) به. وقال أبو داود (١٠): حدّثنا مُسَدَّد، حدّثنا يحيى، عن عبد العزيز بن أبي رَوّاد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ : "لا يدعُ أن يستلمَ الركنَ اليمانيَّ والحَجَرَ في كل طَوْفَةٍ (١١) ".

стр. 2383

ورواه النَّسائي (١) عن محمد بن المثنى (٢) عن يحيى. وقال النسائي (٣): ثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، ثنا يحيى بن سعيد القَطّان، عن ابن جُرَيْج، عن يحيى بن عُبَيد، عن أبيه، عن عبد الله بن السّائب، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول بين الرُّكْن اليماني والحجر (٤): ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]. ورواه أبو داود (٥) عن مُسَدَّد، عن عيسى بن يونس، عن ابن جُرَيْج به. وقال الترمذي (٦): ثنا محمود بن غَيْلان، ثنا يحيى بن آدم، ثنا سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، قال: لما قدم النبيُّ ﷺ مكةَ دخلَ المسجدَ فاستلمَ الحجر، ثم مضى على يمينه (٧) فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا، ثم أتى المقام، فقال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فصلَّى ركعتين، والمقام بينه وبين البيت، ثم أتى الحجر بعدَ الرّكعتين، فاستلمه ثم خرج إلى الصفا أظنّه، قال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨]، هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم. وهكذا رواه إسحاق بن رَاهَوَيْه عن يحيى بن آدم (٨). ورواه الطبراني (٩) عن النَّسائي وغيره، عن عبد الأعلى بن واصل، عن يحيى بن آدم بة (١٠). ذِكْرُ رَمَلِهِ ﵊ في طَوافِهِ واضْطِباعِهِ قال البخاري (١١): حدّثنا أصْبَغُ بن الفَرَج، أخبرني ابن وهب، عن يونُس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، قال: رأيتُ رسول الله ﷺ حينَ يقدَمُ مكةَ إذا استلم الرُّكْن الأسْود أولَ ما يطوفُ يخبّ ثلاثةَ أشواطٍ من السَّبْعِ. ورواه مسلم (١٢) عن أبي الطَّاهر بن السَّرْح وحَرْمَلة، كلاهما عن ابن وهبٍ به.

стр. 2384

وقال البخاري (١): حدّثنا محمد بن سلام، حدّثنا سُرَيْجُ (٢) بن النُّعمان، حدّثنا فُلَيْح، عن نافع، عن ابن عمر، قال: سعى النبيُّ ﷺ ثلاثةَ أشواطٍ ومشى أربعة في الحج والعمرة. تابعه الليث، حدّثني كثير بن فرقد (٣)، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ . انفرد به البخاري. وقد روى النسائي (٤)، عن محمد وعبد الرحمن ابني عبد الله بن عبد الحكم، كلاهما عن شعيب بن الليث، عن أبيه الليث بن سعد، عن كثير بن فرقد، عن نافع، عن ابن عمر به. وقال البخاري (٥): حدّثنا إبراهيم بن المنذر، حدّثنا أبو ضَمْرَة أنس بن عياض، حدّثنا موسى بن عقبة، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا طاف في الحجِّ أو العمرة أول ما يَقْدَمُ سَعَى ثلاثةَ أطوافٍ، ومشى أربعةً، ثم سجد سَجْدَتين، ثم يطوف بين الصَّفا والمَرْوة. ورواه مسلم (٦) من حديث موسى بن عقبة. وقال البخاري (٧): حدّثنا إبراهيم بن المنذر، حدّثنا أنس، عن عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ رسول الله ﷺ : "كان إذا طاف بالبيت الطوافَ الأوَّل يَخُبُّ ثلاثةَ أطوافي، ويمشي أربعةً، وأنَّه كان يَسْعَى بَطْنَ المَسيلِ إذا طاف بين الصفا والمروة". ورواه مسلم (٨) من حديث عبيد الله بن عمر (٩). قال مسلم (١٠): أنبانا عبد الله بن عمر بن أبان الجُعْفي، أنبأنا ابن المبارك، أنبانا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر. قال: رملَ رسولُ الله ﷺ من الحجر إلى الحجر ثلاثًا ومشى أربعًا. ثم رواه (١١) من حديث سليم بن أخضر، عن عبيد الله بنحوه. وقال مسلم (١٢) أيضًا: حدّثني أبو طاهر، حدّثني عبد الله بن وهب، أخبرني مالك، وابن جُريْج،

стр. 2385

عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ رملَ ثلاثةَ أطواف (١) من الحجر إلى الحجر. وقال عمر بن الخطاب: فيمَ الرَّمَلان والكشفُ عن المناكب؟ وقد أطَّأ (٢) اللهُ الإسلام ونفى (٣) الكفر [وأهله] (٤) ومع ذلك لا نتركُ شيئًا كنا نفْعَلُه مع رسول الله ﷺ (رواه أحمد (٥) وأبو داود (٦) وابن ماجه (٧) والبيهقي (٨) من حديث هشام بن سعد (٩) عن زيد بن أسلم، عن أبيه عنه) (١٠). وهذا كلُّه ردٌّ على ابن عباس ومن تابعه من أنّ الرمل (١١) ليس بسنَّةٍ، لأنّ رسولَ الله ﷺ إنّما فعله لمّا قدم، هو وأصحابه، صبيحةَ رابعة - يعني في عمرة القضاء - وقال المشركون: إنّه يقدَم عليكم وفد وهنتهم حُمّى يثرب فأمرهم رسول الله ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا (١٢) ما بين الركنين ولم يمنعهم (١٣) أن يرملوا الأشواط كلَّها إلا الإبقاء (١٤) عليهم. وهذا ثابت عنه في "الصحيحين" (١٥) فكان (١٦) ابن عبّاسٍ يُنْكر وقوعَ الرمل في حجة الوداع. وقد صحَّ بالنقل الثابت كما تقدَّم - بل فيه زيادة تكميل - الرمل من الحجر إلى الحجر، ولم يمشِ ما بين الركنين اليمانيين لزوال تلك العلة المشار إليها وهي الضعف. وقد ورد في الحديث الصحيح، عن ابن عباس: أنَّهم رَمَلوا في عُمْرة الجِعْرانة (١٧)
следующие страницы →