← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

وقال الحافظ (١) البيهقي (٢): أنبأنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عَبْدان، أنبأنا الطبراني، أنبأنا أبو الزِّنْباع، ثنا يحيى بن سليمان الجُعْفي، ثنا يحيى بن يَمان، ثنا سفيان، عن ابن أبي حسين (٣)، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يسجد (٤) على الحجر. قال الطبراني: لم يروه عن سفيان إلا يحيى بن يمان. وقال البخاري (٥): ثنا مُسَدَّد، ثنا حمّاد، عن الزُّبَيْر بن عربي، قال: سأل رجلٌ ابنَ عمر عن استلامِ الحجر قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يَسْتَلِمُه ويقبّلُه. قال: أرأيتَ إن زُحِمْتُ، أرأيتَ إنْ غُلبْتُ؟ قال اجعلْ أرأيتَ باليمن. رأيت رسول الله ﷺ يستَلِمُه ويُقَبِّلُه. تفرَّد به دون مسلم. وقال (٦) البخاري (٧): ثنا مُسَدَّد، ثنا يحيى، عن عُبَيْد الله عن (٨) نافع عن ابن عمر، قال: ما تركتُ استلامَ هذين الرُّكْنَيْن في شدةٍ ولا رخاءٍ منذُ رأيتُ رسولَ الله يَسْتَلِمُهُما. فقلت (٩) لنافع: أكانَ ابنُ عمرَ يَمْشي بين الرُّكْنين؟ قال: إنَّما كانَ يَمْشي ليكونَ أيْسَرَ لاستلامه. وروى أبو داود (١٠) والنسائي (١١) من حديث يحيى بن سعيد القطان عن عبد العزيز بن أبي رَوّاد، عن نافعٍ، عن ابن عمر: أنَّ رسولَ الله ﷺ "كانَ لا يَدَعُ أن يستلمَ الرُّكْنَ اليَماني والحَجَر في كل طَوْفَةٍ". وقال البخاري (١٢): ثنا أبو الوليد، ثنا ليث، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، قال: لم أر النبيَّ ﷺ يستلمُ من البيت إلا الرُّكْنَيْن اليَمانيين. ورواه مسلم (١٣) عن يحيى بن يحيى، وقتيبة، عن الليث بن سعد به. وفي رواية (١٤) عنه: أنه قال: ما أرى (١٥) النبيَّ ﷺ تركَ استلامَ الرُّكْنَيْن الشّاميين إلا أنهما لم يُتَمَّما على قواعد إبراهيم.

стр. 2382

وقال (١) البخاري (٢): وقال محمد بن بكر (٣): أنبأنا ابن جُرَيْج، أخبرني عمرو بن دينارٍ، عن أبي الشَّعْثاء، أنه قال: ومنْ يَتَّقي شَيْئًا من البيت؟. وكان معاوية يستلم الأركان، فقال له ابن عباس: إنَّه لا يُسْتَلمُ هذان الركنان (٤)! فقال له: ليس من البيت شيء مهجورًا (٥). وكان ابن الزبير يستلمُهُنَّ كُلُّهن. انفرد بروايته البخاري رحمه الله تعالى. وقال مسلم (٦) في "صحيحه": حدّثني أبو الطاهر، ثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث. أنَّ قتادةَ بن دعامة حدَّثه، أن أبا الطُّفَيْل البَكْري حدَّثَه، أنه سمع ابن عبّاس يقول: لم أرَ رسولَ الله ﷺ يستلمُ غَيْرَ الرُّكْنَين اليَمانيين. انفرد به مسلم، فالذي رواه ابن عمر موافقٌ لما قاله (٧) ابن عباس: أنَّه لا يُسْتَلَمُ الرُّكنان الشّاميان، لانَّهما لم (٨) يتمّما على قواعد إبراهيم، لأنَّ قريشًا قصَّرتْ بهم النفقةُ فأخرجوا الحَجَرَ من البيت حين بَنَوْه كما تقدم بيانه. ووَدَّ النبيُّ ﷺ أنْ لو بناه فتمَّمه على قواعد إبراهيم، ولكنْ خَشِيَ من حداثةِ عَهْدِ النّاس الجاهلية فَتُنْكِره قلوبُهم، فلما كانت إمرةُ عبد الله بن الزبير هَدَمَ الكعبةَ وبناها على ما أشار إليه ﷺ كما أخبَرَتْهُ خالتُهُ أمُّ المؤمنين عائشة بنت الصديق. فإن كان ابن الزبير استلمَ الأركانَ كلَّها بعد بنائه إياها على قواعد إبراهيم فحَسَنٌ جدًّا، وهو والله المظنون (٩) به. وقال أبو داود (١٠): حدّثنا مُسَدَّد، حدّثنا يحيى، عن عبد العزيز بن أبي رَوّاد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ : "لا يدعُ أن يستلمَ الركنَ اليمانيَّ والحَجَرَ في كل طَوْفَةٍ (١١) ".

стр. 2383

ورواه النَّسائي (١) عن محمد بن المثنى (٢) عن يحيى. وقال النسائي (٣): ثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، ثنا يحيى بن سعيد القَطّان، عن ابن جُرَيْج، عن يحيى بن عُبَيد، عن أبيه، عن عبد الله بن السّائب، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول بين الرُّكْن اليماني والحجر (٤): ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]. ورواه أبو داود (٥) عن مُسَدَّد، عن عيسى بن يونس، عن ابن جُرَيْج به. وقال الترمذي (٦): ثنا محمود بن غَيْلان، ثنا يحيى بن آدم، ثنا سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، قال: لما قدم النبيُّ ﷺ مكةَ دخلَ المسجدَ فاستلمَ الحجر، ثم مضى على يمينه (٧) فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا، ثم أتى المقام، فقال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فصلَّى ركعتين، والمقام بينه وبين البيت، ثم أتى الحجر بعدَ الرّكعتين، فاستلمه ثم خرج إلى الصفا أظنّه، قال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨]، هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم. وهكذا رواه إسحاق بن رَاهَوَيْه عن يحيى بن آدم (٨). ورواه الطبراني (٩) عن النَّسائي وغيره، عن عبد الأعلى بن واصل، عن يحيى بن آدم بة (١٠). ذِكْرُ رَمَلِهِ ﵊ في طَوافِهِ واضْطِباعِهِ قال البخاري (١١): حدّثنا أصْبَغُ بن الفَرَج، أخبرني ابن وهب، عن يونُس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، قال: رأيتُ رسول الله ﷺ حينَ يقدَمُ مكةَ إذا استلم الرُّكْن الأسْود أولَ ما يطوفُ يخبّ ثلاثةَ أشواطٍ من السَّبْعِ. ورواه مسلم (١٢) عن أبي الطَّاهر بن السَّرْح وحَرْمَلة، كلاهما عن ابن وهبٍ به.

стр. 2384

وقال البخاري (١): حدّثنا محمد بن سلام، حدّثنا سُرَيْجُ (٢) بن النُّعمان، حدّثنا فُلَيْح، عن نافع، عن ابن عمر، قال: سعى النبيُّ ﷺ ثلاثةَ أشواطٍ ومشى أربعة في الحج والعمرة. تابعه الليث، حدّثني كثير بن فرقد (٣)، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ . انفرد به البخاري. وقد روى النسائي (٤)، عن محمد وعبد الرحمن ابني عبد الله بن عبد الحكم، كلاهما عن شعيب بن الليث، عن أبيه الليث بن سعد، عن كثير بن فرقد، عن نافع، عن ابن عمر به. وقال البخاري (٥): حدّثنا إبراهيم بن المنذر، حدّثنا أبو ضَمْرَة أنس بن عياض، حدّثنا موسى بن عقبة، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا طاف في الحجِّ أو العمرة أول ما يَقْدَمُ سَعَى ثلاثةَ أطوافٍ، ومشى أربعةً، ثم سجد سَجْدَتين، ثم يطوف بين الصَّفا والمَرْوة. ورواه مسلم (٦) من حديث موسى بن عقبة. وقال البخاري (٧): حدّثنا إبراهيم بن المنذر، حدّثنا أنس، عن عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ رسول الله ﷺ : "كان إذا طاف بالبيت الطوافَ الأوَّل يَخُبُّ ثلاثةَ أطوافي، ويمشي أربعةً، وأنَّه كان يَسْعَى بَطْنَ المَسيلِ إذا طاف بين الصفا والمروة". ورواه مسلم (٨) من حديث عبيد الله بن عمر (٩). قال مسلم (١٠): أنبانا عبد الله بن عمر بن أبان الجُعْفي، أنبأنا ابن المبارك، أنبانا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر. قال: رملَ رسولُ الله ﷺ من الحجر إلى الحجر ثلاثًا ومشى أربعًا. ثم رواه (١١) من حديث سليم بن أخضر، عن عبيد الله بنحوه. وقال مسلم (١٢) أيضًا: حدّثني أبو طاهر، حدّثني عبد الله بن وهب، أخبرني مالك، وابن جُريْج،

стр. 2385

عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ رملَ ثلاثةَ أطواف (١) من الحجر إلى الحجر. وقال عمر بن الخطاب: فيمَ الرَّمَلان والكشفُ عن المناكب؟ وقد أطَّأ (٢) اللهُ الإسلام ونفى (٣) الكفر [وأهله] (٤) ومع ذلك لا نتركُ شيئًا كنا نفْعَلُه مع رسول الله ﷺ (رواه أحمد (٥) وأبو داود (٦) وابن ماجه (٧) والبيهقي (٨) من حديث هشام بن سعد (٩) عن زيد بن أسلم، عن أبيه عنه) (١٠). وهذا كلُّه ردٌّ على ابن عباس ومن تابعه من أنّ الرمل (١١) ليس بسنَّةٍ، لأنّ رسولَ الله ﷺ إنّما فعله لمّا قدم، هو وأصحابه، صبيحةَ رابعة - يعني في عمرة القضاء - وقال المشركون: إنّه يقدَم عليكم وفد وهنتهم حُمّى يثرب فأمرهم رسول الله ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا (١٢) ما بين الركنين ولم يمنعهم (١٣) أن يرملوا الأشواط كلَّها إلا الإبقاء (١٤) عليهم. وهذا ثابت عنه في "الصحيحين" (١٥) فكان (١٦) ابن عبّاسٍ يُنْكر وقوعَ الرمل في حجة الوداع. وقد صحَّ بالنقل الثابت كما تقدَّم - بل فيه زيادة تكميل - الرمل من الحجر إلى الحجر، ولم يمشِ ما بين الركنين اليمانيين لزوال تلك العلة المشار إليها وهي الضعف. وقد ورد في الحديث الصحيح، عن ابن عباس: أنَّهم رَمَلوا في عُمْرة الجِعْرانة (١٧)

стр. 2386

واضْطَبَعُوا (١) وهو ردٌّ عليه (٢)، فإنَّ عُمْرَةَ الجِعْرانة لم يَبْقَ في أيامها خوفٌ لأنَّها بعد الفتح كما تقدم. رواه حماد (٣) بن سلمة (٤)، عن عبد اللَّه بن عثمان بنِ خُثَيْم (٥)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنَّ رسول اللَّه ﷺ وأصحابَه اعْتَمروا من الجِعْرانة، فرَملوا بالبيت واضْطَبعوا، ووضعوا أرْدِيَتَهُمْ تحت آباطِهم وعلى عواتِقهم. ورواه (٦) أبو داود (٧) من حديث حمّاد بنحوه. ومن حديث (٨) عبد اللَّه بن خُثَيْم، عن (٩) أبي الطُّفَيْل، عن ابن عباس به. فأما الاضطباع في حجّة الوداع فقد قال قُبيصة والفِرْيابي، عن سُفيان الثوري، عن ابن جُرَيْج، عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة، عن ابن (١٠) يعلى بن أمية، عن أمية (١١). قال: رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ يطوفُ بالبيت مُضْطَبعًا رواه الترمذي (١٢) من حديث الثوري، وقال: حسن صحيح. وقال أبو داود (١٣): ثنا محمد بن كثير، ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن ابن (١٤) يعلى، عن أبيه، قال: طافَ رسولُ اللَّه ﷺ مُضْطَبعًا بردًا أخْضَر (١٥). وهكذا رواه الإمام أحمد (١٦)، عن وكيع، عن الثوري، عن ابن جُرَيْج، عن ابن يعلى (١٤) عن أبيه. أن النبي ﷺ لمّا قدمَ طافَ بالبيت، وهو مضْطَبعٌ ببُرْدٍ له حضرمي (١٧).

стр. 2387

وقال جابر في حديثه المتقدّم: حتَّى إذا أتَيْنا البيتَ معه أستلمَ الركنَ، فرَمَلَ ثلاثًا ومشى أربعًا، ثم نفذ (١) إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٣] فجعل المقامَ بينه وبين البيت، فذكر أنه صلَّى ركعتين (٢) قرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾. فإن قيلَ: فهلْ كانَ ﵇ في هذا الطواف راكبًا أو ماشيًا؟ فالجوابُ أنَّه قد وردَ نَقْلان قد يُظَنَّ أنهما مُتعارضان، ونحنُ نَذْكُرُهما ونُشيرُ إلى التَّوفيقِ بَيْنَهما، ورفعِ اللَّبسِ عندَ منْ يتوَهَّم فيهما تعارضًا، وباللَّه التوفيق، وعليه الاستعانة، وهو حسبنا ونعم الوكيل. قال البخاري ﵀ (٣): حدّثنا أحمد بن صالح، ويحيى بن سليمان، قالا: ثنا ابن وَهْب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن عباس، قال: طاف النبيُّ ﷺ على بعيره في حجّة الوداع يستلمُ الركنَ بمحْجَنٍ (٤). وأخرجه بقيَّةُ الجماعة (٥) إلا الترمذيّ من طُرُقٍ، عن ابن وَهْبٍ. قال البخاري: تابعه الدراوردي عن ابن أخي الزهري عن عمه، وهذه المتابعة غريبة جدًا. وقال البخاري (٦): ثنا محمد بن المثنى، ثنا عبد الوهاب، ثنا خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: طافَ النبيّ ﷺ بالبيتِ على بعيرٍ كُلَّما أتى الرُّكْنَ أشار إليه. وقد رواه الترمذي (٧) من حديث عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وعبد الوارث (٨)، كلاهما عن خالد بن مهران الحذَّاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: طاف رسولُ اللَّه ﷺ على راحلته، فإذا انتهى إلى الركن أشار إليه. وقال: حسن صحيح. ثم قال (٩) البخاري (١٠): ثنا مُسَدَّد، ثنا خالد بن عبد اللَّه، عن خالد الحذّاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: طاف النبيُّ ﷺ بالبيت على بعيرٍ، فلما أتى الركنَ أشار إليه بشيء كان عنده وكبَّر. تابعه

стр. 2388

إبراهيم بن طَهْمان، عن خالد الحذَّاء، وقد أسند هذا التعليق (١) هاهنا في كتاب الطّواف عن عبد اللَّه بن محمد، عن أبي عامر، عن إبراهيم بن طهمان به. وروى مسلم (٢) عن الحكم بن موسى، عن شعيب بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن رسول اللَّه ﷺ طافَ في حجة الوداع حول الكعبة على بعيرٍ (٣) يستلمُ الركنَ كراهيةَ أن يضرب عنه الناس: فهذا إثبات أنه ﵇ طاف في حجة الوداع على بعيرٍ، ولكنّ حجة الوداع كان فيها ثلاثة أطواف: الأول طواف القدوم (٤)، والثاني: طواف الإفاضة، وهو طواف الفرض، وكان (٥) يوم النحر، والثالث: طواف الوداع، فلعل ركوبه ﷺ كان في أحد الأخيرين (٦) أو في كليهما، فأما الأول، وهو طواف القدوم، فكان ماشيًا فيه. وقد نصَّ الشافعي (٧) على هذا كله، واللَّه أعلم وأحكم. والدّليلُ على ذلك ما قالَ الحافظُ أبو بكرٍ البَيْهَقيّ في كتابه "السنن الكبير" (٨): أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أخبرني أبو بكر محمد بن المُؤَمَّل بن الحسن بن عيسى، حدّثنا الفضل بن محمد بن المسيّب، حدّثنا نُعيم بن حماد، حدّثنا عيسى بن يونس، عن محمد بن إسحاق -هو ابن يسار ﵀ عن أبي جعفر -وهو محمد بن علي بن الحسين- عن جابر بن عبد اللَّه، قال: دخلنا مكةَ عند ارتفاعِ الضُّحى، فأتى النبيُّ ﷺ بابَ المسجد فأناخَ راحلتَه، ثم دخلَ المسجدَ، فبدأَ بالحجبر فاستلمَهُ وفاضَتْ عيناهُ بالبكاء، ثم رَمَلَ ثلاثًا، ومشى أربعًا، حتى فرغ، فلما فرغ قبَّل الحجر، ووضع يَدَيْه (٩) عليه ومسحَ بهما وَجْهَه. وهذا إسناد جيد. فأما ما رواه أبو داود (١٠) حدّثنا مُسَدَّد، حدّثنا خالد بن عبد اللَّه، حدّثنا يزيد بن أبي زياد، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنَّ رسول اللَّه ﷺ قدم مكة، وهو يشتكي، فطاف على راحلته، فلما أتى على الركن استلمه بمِحْجنٍ، فلما فرغ من طوافه أناخ فصلَّى ركعتين. تفرد (١١) به يزيد بن أبي زياد، وهو

стр. 2389

ضعيف. ثم لم يذكر أنه في حجة الوداع، ولا ذكر أنّه في الطّواف الأوّل من حجّة الوداع، ولم يذكر ابن عباس في الحديث الصحيح عنه عند مسلم، وكذا جابر: أنّ النبيّ ﷺ ركبَ في طوافه لضعفة (١)، وإنما ذكرا كثر (٢) الناس وغثيانهم له، وكان لا يحبّ (٣) أن يُضْربوا بين يديه، كما سيأتي تقريرُه قريبًا إن شاء اللَّه. ثم هذا التقبيلُ الثاني الذي ذكره ابن إسحاق في روايته بعد الطَّواف وبعد ركعتيه أيضًا ثابت في صحيح مسلم (٤) من حديث جابر. قال فيه بعد ذكر صلاة ركعتي الطواف: ثم رجع إلى الركن فاستلمه. وقد قال مسلم (٥) بن الحجّاج في "صحيحه": حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة وابن نُمير جميعًا، عن أبي خالد، قال أبو بكر: حدّثنا أبو خالد الأحمر، عن عبيد اللَّه، عن نافع، قال: رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده، ثم قبل يده، قال: وما تركتُه منذ رأيتُ رسول اللَّه ﷺ يفعله. فهذا يحتمل أنه رأى رسول اللَّه ﷺ في بعض الطوفات (٦) أو في آخر استلام، فعل هذا لما ذكرنا. أو أن ابن عمر لم يصل إلى الحجر لضعفٍ كان به، أو لئلا يُزاحِمَ غيرَه فيحصل لغيره أذًى به. وقد قال رسول اللَّه ﷺ لوالده ما رواه أحمد (٧) في "مسنده": حدّثنا وكيع، حدّثنا سُفيان عن أبي يَعْفور العَبْدي، قال: سمعتُ شيخًا بمكة في إمارة الحجّاج يحدث عن عمر بن الخطاب، أن رسول اللَّه ﷺ قال له: يا عمر إنك رجل قوي، لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف، إن وجدتَ خلوةً فاستلمه، وإلا فاستقبله [فهَلِّلْ] (٨) وكَبّر. وهذا إسناد جيّد: لكن راوية (٩) عن عمر مُبْهَمٌ لم يسمّ. والظاهر أنه ثقةٌ جليلٌ. فقد رواه الشافعي (١٠)، عن سُفيان بن عُيينة، عن أبي يَعْفور العَبْدي -واسمه وَقْدان- سمعت رجلًا من خزاعة حين قُتل ابن الزبير، وكان أميرًا على مكة، يقول: قال رسول اللَّه ﷺ لعمر: "يا أبا حفص إنَّكَ رجلٌ قويٌّ، فلا تزاحم على الرُّكْنِ فإنَّكَ تُؤْذي الضَّعيف، ولكن إن وجدتَ خلوةً فاستلمه وإلا فكبر وامض". قال سفيان بن عيينة: هو عبد الرحمن بن الحارث، كان الحجاج استعمله عليها منصرفَه منها حين قتل ابن الزبير.

стр. 2390

قلت: وقد كان عبد الرحمن هذا جليلًا نبيلًا كبيرَ القدر، وكان أحدَ النَّفَر الأرْبَعة الذين ندبهم عثمان بن عفان في كتابة المصاحف الأئمة (١) التي نفذها إلى الآفاق، ووقع على ما فعله الإجماع والاتفاق. ذِكْرُ طَوافِهِ ﷺ بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَة روى مسلم في "صحيحه" (٢) عن جابر في حديثه الطويل المتقدّم، بعد ذكره طوافه، ﵊، بالبيت سبعًا وصلاته عند المقام ركعتين. قال: ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلمّا دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] أبدأ بما بدأ اللَّه به. فبدأ بالصفا، فَرَقيَ عليه حتى رأى (٣) البيت، فاستقبل القبلة، فوحَّد اللَّه وكبّره وقال: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا اللَّه [وحده] (٤) أنْجَزَ وَعْدَه (ونَصَرَ عَبْدَه) (٥) وهَزَمَ الأحْزابَ وَحْدَه. ثم دعا بين ذلك، فقال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل حتى إذا انصبت (٦) قدماه في الوادي رَمَلَ حتّى إذا صعِد مشى حتى أتى المروة فرقيَ عليها حتى نظر إلى البيت، فقال عليها كما قال على الصفا. وقال الإمام أحمد (٧): حدّثنا عمر بن هارون البلخي أبو حفص، حدّثنا ابن جُرَيْج، عن بعض بني يَعْلى بن أمية، عن أبيه، قال: رأيتُ النبيَّ ﷺ مضطبعًا بين الصَّفا والمَرْوة ببُرْدٍ له نَجْرانيّ. وقال الإمام أحمد (٨): حدّثنا يونس، حدّثنا عبد اللَّه بن المُؤَمّل، عن عمر بن عبد الرحمن، حدّثنا عطاء (٩)، عن حبيبة بنت أبي تَجْراه (١٠)، قالت:

стр. 2391

دخلت دار أبي حسين (١) في نِسْوةٍ من قريش (٢) والنبي ﷺ يطوف بين (٣) الصفا والمروة. قالت: وهو يسعى يدور به إزاره من شدة السعي وهو يقول لأصحابه: "اسْعَوْا إنَّ (٤) اللَّه كتب عليكم السعي". وقال أحمد (٥) أيضًا: حدّثنا سُرَيْج (٦)، ثنا عبد اللَّه بن المُؤَمّل، ثنا (٧) عطاء بن أبي رباح، عن صفية بنت شيبة، عن حبيبة (٨) بنت أبي تجراة، قالت: رأيت النبيَّ ﷺ يطوفُ بين الصَّفا والمَرْوة، والناس بين يديه، وهو وراءَهم، وهو يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور (٩) به إزاره وهو يقول: "اسْعَوْا فإنّ اللَّهَ كتبَ عليكم السَّعْيَ". تفرد به أحمد. وقد رواه أحمد (١٠) أيضًا، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن واصل مولى أبي عُيينة، عن موسى بن عُبَيْدة، عن صفية بنت شيبة: أن امرأة أخبرتها أنها سمعَتِ النبيَّ ﷺ بين الصَّفا والمروة يقول: "كُتِبَ عليكم السعي فاسْعوا"، وهذه المرأة هي حَبيبةُ بنت أبي تجراة المُصَرَّحُ بذكرها في الإسنادَيْن الأوَّلَين. وعن أم ولد شيبة بن عثمان. أنها أبصرت النبيَّ ﷺ -وهو يَسْعَى بين الصَّفا والمَرْوة، وهو يقول: "لا يُقْطَعُ الأبْطَحُ إلا شدًّا" (١١). رواه (١٢) النَّسائي (١٣)، والمراد بالسَّعي (هاهنا هو الذهاب من الصفا إلى المروة، ومنها إليها، وليس المراد بالسعي) (١٤) هاهنا الهرولة والإسراع، فإن اللَّه لم يكتبه عبينا حتمًا، بل لو مشى الإنسانُ على هينته (١٥) في السَّبْع الطوفات (١٦) بينهما، ولم يَرْمُلْ في المَسيل أجزأه ذلك عند جماعة العلماء لا نعرف بينهم اختلافًا في ذلك.

стр. 2392

وقد نقله التّرمذيّ ﵀ عن أهل العلم، ثم قال (١): ثنا يوسف بن عيسى، ثنا ابن فُضَيْل، عن عطاء بن السَّائب، عن كثير بن جُمْهان (٢)، قال: رأيتُ ابنَ عمر يمشي في المَسْعى، فقلت: أتمشي في السعي بين الصَّفا والمروة، فقال: لئن سَعَيتُ فقد (٣) رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ -يَسعى، ولئن مشيتُ لقد رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ يمشي، وأنا شيخ كبير. ثم قال: هذا حديث حسن صحيح. وقد روى سعيدُ بن جُبَيْر عن ابن عباس (٤) نحو هذا. وقد رواه أبو داود (٥) والنَّسائي (٦) وابن ماجه (٧) من حديث عطاء بن السائب عن كثير بن جُمْهان السُّلَمي الكوفي، عن ابن عمر. فقولُ ابنِ عمرَ إنه شاهدَ الحالين منه ﷺ يحتمل شيئين: أحدُهما أنه رآه يسعى في وقتٍ ماشيًا لم يمزجه برمَلٍ فيه بالكلية، والثاني أنّه رآه يسعى في بعض الطريق، ويمشي في بعضه، وهذا له قوةٌ لأنه قد روى البخاري (٨) ومسلم (٩) من حديث عبيد اللَّه بن عمر العُمَري، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول اللَّه ﷺ -كان يَسْعَى بطنَ المَسيل إذا طافَ بين الصَّفا والمَرْوة. وتقدَّم في حديث جابر أنه عليه الصلاة (١٠) والسلام: نزل من الصفا، فلما انصبّت (١١) قدماه في الوادي رَمَلَ حتّى إذا صعد مشى حتّى أتى المروة. وهذا هو الذي تستحبه العلماء قاطبة؛ أنّ الساعيَ بينَ الصَّفا والمَرْوة (١٢) يُسْتَحَبُّ له أن يَرْمل في بطن الوادي، في كل طوفَةٍ (١٣) في بطن المَسيل الذي بينهما، وحدَّدوا ذلك بما بين الأميال الخضر، فواحدٌ مفردٌ من ناحية الصّفا مما يلي المسجد، واثنان مُجْتَمعان من ناحية المروة مما يلي المسجد أيضًا. وقال بعض العلماء: ما بينَ هذه الأميال اليومَ أوسعُ من بطنِ المَسيلِ الذي رَمَلَ فيه رسول اللَّه ﷺ ، فاللَّه أعلم (١٤):

стр. 2393

وأما قول محمد بن حزم في الكتاب الذي جمعه في حجة الوداع: ثم خرج ﵊ إلى الصفا، فقرأ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] أبدًا بما بَدَأَ اللَّه به، فطاف بين الصَّفَا والمَرْوة أيضًا سبعًا راكبًا على بعير، يخُبُّ ثلاثًا، ويمشي أربعًا، فإنه لم يتابَعْ على هذا القول ولم يتفوَّه به أحدٌ قبله من أنه ﵊ خبَّ ثلاثةَ أشواطٍ بين الصفا والمروة، ومشى أربعًا، ثم مع هذا الغلط الفاحش لم يذكر (١) عليه دليلًا بالكليّة، بل لمّا انتهى إلى موضع الاستدلال عليه قال: ولم نَجِدْ (٢) عَددَ الرَّمَل بين الصفا والمروة منصوصًا، ولكنه متفق عليهِ هذا لفظه، فإن أراد بأن الرَّمَلَ في الثلاث الطوفات (٣) الأُوَل على ما ذكر متفقٌ عليه، فليس بصحيح بل لم يقله أحدٌ، وإن أراد أن الرمل في الثلاث الأُوَل في الجملة متفق (٤) عليه فلا يُجْدي له شيئًا ولا يُحَصّل له مقصودًا (٥)، فإنّهم كما اتفقوا على الرَّمَل في الثلاث الأول في بعضها على ما ذكرناه، كذلك اتَّفقوا على استحبابه في الأربع الأُخر أيضًا. فتخصيص ابن حزم الثلاث الأول باستحباب الرمل فيها مخالف لما ذكره العلماء، واللَّه أعلم. وأما قول ابن حزم أنّه ﵊ كان راكبًا بين الصفا والمروة، فقد تَقَدَّم عن ابن عمر أن رسول اللَّه ﷺ كان يسعى بطنَ المَسيل أخرجاه. وللترمذيّ عنه: إن أسعى فقد رأيتُ رسول اللَّه يَسْعى، وإن مشيتُ فقد رأيتُ رسولَ اللَّه يمشي. وقال جابر: فلما انصبَّتْ قدماه في الوادي رَمَل حتى إذا صعدَ مشى. رواه مسلم. وقالت حبيبة بنت أبي تجراة (٦): يسعى يدور به إزاره من شدة السَّعي. رواه أحمد. وفي "صحيح مسلم" عن جابر كما تقدم أنه رَقيَ على الصفا حتى رأى البَيْتَ، وكذلك على المَرْوة. وقد قدمنا من حديث محمد بن إسحاق، عن أبي جعفر الباقر، عن جابر: أنَّ رسول اللَّه ﷺ أناخَ بعيرَه على باب المسجد -يعني حتى طاف- ثم لم يذكر أنه ركبه (٧) حال ما خرج إلى الصفا، وهذا كله مما يقتضي أنّه ﵊ سعى بين الصفا والمروة ماشيًا. ولكن قال مسلم (٨): حدّثنا عبد (٩) بن حُمَيْد، حدّثنا محمد -يعني ابن بكر- أنا ابن جُرَيْج، أخبرني أبو الزُّبَيْر، أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: طاف النبي ﷺ في حجَّة الوداع على راحلته بالبيت

стр. 2394

وبين (١) الصَّفا والمروة على بعير (٢) ليراه الناس، وليشرف وليسألوه، فإنَّ الناس غَشُوه، ولم يَطُفِ النبيّ ﷺ ولا أصحابه بين الصَّفا والمَرْوة إلا طوافًا واحدًا. ورواه مسلم (٣) أيضًا، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن علي بن مسهر، وعن (٤) علي بن خشرم، عن عيسى بن يونس، وعن محمد بن حاتم، عن يحيى بن سعيد، كلّهم عن ابن جريج به، وليس في بعضها (وبين الصفا والمروة). وفي المعجم (٥) للطبراني من طريق زياد بن عبد اللَّه، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد اللَّه بن أبي أوفى: أنَّ رسول اللَّه ﷺ كان يكثر على الصفا والمروة ثلاثة أسابيع إحدى وعشرين تكبيرة. وقد رواه أبو داود (٦) عن أحمد بن حنبل، عن يحيى بن سعيد القطّان، عن ابن جُرَيْج، أخبرني أبو الزُّبير، أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: طاف النبيُّ ﷺ في حجّة الوداع على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة. ورواه النسائي (٧)، عن الفَلَّاس، عن يحيى، وعن عمران بن يزيد، عن شعيب (٨) بن إسحاق، كلاهما عن ابن جُرَيْج به. فهذا محفوظ من حديث ابن جُرَيْج، وهو مشكل جدًا؛ لأنّ بقية الروايات عن جابر وغيره تدُلّ على أنّه ﵊، كان ماشيًا بين الصفا والمروة، وقد تكون رواية أبي الزُّبير عن جابر لهذه الزيادة وهي قوله: وبين الصفا والمروة، مُقْحَمةً أو مدرجة ممّن بعدَ الصحابي، واللَّه أعلم. أو أنه ﵇ طاف بين الصفا والمروة بعض الطوفات (٩) على قدميه، وشوهد منه ما ذُكر، فلما ازدَحم الناسُ عليه وكثروا ركبَ كما يدلّ عليه حديثُ ابن عباس الآتي قريبًا. وقد سَلَّمَ ابنُ حزم أن طوافَه الأول بالبيت كان ماشيًا وحمل ركوبه في الطواف على ما بعد ذلك، وادعى أنه كان راكبًا في السعي بين الصفا والمروة، قال: لأنه لم يَطُفْ بينهما إلا مرةً واحدةً، ثم تَأَوَّل قول جابر: (حتى إذا انصبت قدماه في الوادي رمل) بأنه يَصْدُقُ (١٠) ذلك، وإن كان راكبًا، فإنه إذا انصبَّ بعيره (١١) فقد انصبّ كله،

стр. 2395

وانصبَّتْ قدماه مع سائر جسده. قال: وكذلك ذِكْرُ الرَّمل يعني به رمل الدابة براكبها، وهذا التأويل بعيدٌ جدًا، واللَّه أعلم. وقال أبو داود (١): حدّثنا أبو سَلَمَة موسى، حدّثنا حماد، أنبأنا أبو عاصم الغَنَويّ، عن أبي الطُّفيل قال: قلت لابن عباس: يَزْعُمُ قَوْمُكَ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قد رَمَلَ بالبيت، وأن ذلك من سنته (٢)، قال: صدقوا وكذبوا، فقلت: ما صدقوا وما كذبوا؟ قال: صدقوا رمل (٣) رسول اللَّه، وكذبوا، ليس بسنة، إن قريشًا قالت زمن الحُدَيْبية دَعُوْا محمدًا وأصحابه حتى يموتوا موت النغف (٤). فلما صالحوه على أن يحجُّوا من العام المقبل فيقيموا بمكة ثلاثة أيامٍ، فقدم رسول اللَّه ﷺ والمشركون من قبل قُعَيْقِعان (٥)، فقال رسول اللَّه لأصحابه: ارملوا بالبيت ثلاثًا وليس بسنة. (قلت: يزعم قومك أنّ رسول اللَّه ﷺ -طاف بين الصفا والمروة على بعير وأن ذلك سنة، قال: صدقوا وكذبوا. قلت: ما صدقوا وما كذبوا؟ قال: صدقوا، قد طاف رسول اللَّه بين الصفا والمروة على بعير وكذبوا ليس بسنة) (٦) كان النّاسُ لا يدفعون عن رسول اللَّه ﷺ ، ولا يصرفون (٧) عنه، فطاف على بعيبر، ليسمعوا كلامه، وليروا مكانه، ولا تناله أيديهم. هكذا رواه أبو داود. وقد رواه مسلم (٨) عن أبي كامل، عن عبد الواحد بن زيادٍ، عن الجُرَيري، عن أبي الطُّفَيْل، عن ابن عباس، فذكر فضلَ الطَّوافِ بالبَيْتِ بنحوِ ما تقدم. ثم قال: قلت لابن عباس: أخْبِرْني عن الطواف بين الصفا والمروة راكبًا أسنَّةٌ هو؟ فإن قومك يزعمون أنَّهُ سنةٌ؟ قال: صدقوا وكذبوا. قلت: فما قولك: صدقوا وكذبوا؟ قال: إن رسول اللَّه كَثُر عليه الناس، يقولون: هذا محمد، هذا محمد! حتى خرج العواتق (٩) من البيوتِ، وكان رسول اللَّه لا يُضْرَبُ الناسُ بين يديه، فلما كَثُر عليه الناس ركب. قال ابن عباس: والمشيُ والسَّعْيُ أفضلُ. هذا لفظ مسلم، وهو يقتضي أنه إنما ركب في أثناء الحال، وبه يحصل الجمع بين الأحاديث، واللَّه أعلم.

стр. 2396

وأما ما رواه مسلم فى "صحيحه" (١) حيث قال: حدثنا محمد بن رافع، حدّثنا يحيى بن آدم، حدّثنا زهير، عن عبد الملك بنّ سعيد، عن أبي الطُّفيل، قال: قلت لابن عباس: أُراني قد رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ . قال: فَصِفْهُ لي! قال (٢) قلت: رأيتُه عند المروة على ناقة (وقد كثر الناسُ عليه، فقال ابن عباس: ذاك رسول اللَّه ﷺ إنهم كانوا لا يُضربون (٣) عنه ولا يُكْرهون. فقد تفرد به مسلم وليس فيه) (٤) دلالة على (٥) أنه ﵊ سعى بين الصَّفا والمَرْوة راكبًا (٦)، إذْ لم يُقَيَّد ذلك بحجة الوداع ولا غيرها، وبتقدير أن يكون ذلك في حجة الوداع، فمن الجائز أنه ﵊ بعد فراغه من السعي وجلوسه على المروة وخطبته الناس وأمره إياهم من لم يَسُقِ الهَدْيَ منهم أن (٧) يفسخ الحج إلى العُمْرة، فحلَّ الناسُ كلُّهم إلا منْ ساقَ الهَدْيَ، كما تقدَّم في حديث جابر. ثُمَّ بعدَ هذا كلِّه أُتيَ بناقتِه فركبَها، وسار إلى منزله بالأبْطَحِ كما سنذكره قريبًا. وحينئذ رآه أبو الطُّفَيْل عامر بن واثلة البَكْري، وهو معدودٌ في صغار الصَّحابة. قلت: أوقد (٨) ذهب طائفة من العراقيين كأبي حنيفة وأصحابه والثوري إلى أن القارن يطوف طوافَيْن ويسعى سَعْيَيْن. وهو مرويٌ عن عليّ وابن مسعود ومجاهد والشعبي. ولهم أن يحتجّوا بحديثِ جابرٍ الطويل، دلالة على أنه سعى بين الصفا والمروة ماشيًا، وحديثه هذا أنَّ النبيَّ ﷺ سعى بينهما راكبًا على تعداد الطواف بينهما مرة ماشيًا ومرة راكبًا. وقد روى سعيد بن منصور في سننه (٩) عن علي ﵁ أنه أهَلَّ بحجةٍ وعُمْرةٍ، فلما قدم مكةَ طاف بالبيت وبالصفا والمروة لعمرته، ثم عاد فطاف بالبيت وبالصفا والمروة لحجته، ثم أقام حرامًا إلى يوم النحر. هذا لفظه. ورواه أبو ذرٍّ الهَرَوي في"مناسكه" عن عليٍّ أنه جمعَ بين الحجِّ والعمرةِ فطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين، وقال: هكذا رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ فعل. وكذلك رواه البيهقي والدارقطني (١٠) والنّسائي في "خصائص علي" فقال البيهقي في "سننه" (١١):

стр. 2397

أنبأنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأنا علي بن عمر الحافظ: أنبأنا (١) أبو محمد بن صاعد، حدّثنا محمد بن زُنبور، حدّثنا فُضَيْل بن عياض، عن منصور، عن إبراهيم، عن مالك بن الحارث أو منصور، عن مالك بن الحارث، عن أبي نصر، قال: لقيت عليًا وقد أهللتُ بالحجِّ وأهَلَّ هو بالحجّ والعمرة. فقلت: هل أستطيع أن أفعل كما فعلتَ؟ قال: ذلك لو كنتَ بدأتَ بالعمرة. قلت: كيفَ أفعلُ إذا أردتُ ذلك؟ قال: تأخذُ إداوة من ماءً فتُفيضها عليك، ثم تُهلُّ بهما جميعًا، ثم تطوفُ لهما طوافَيْن، وتسعى لهما سَعْيَيْن، ولا يَحِلُّ لك حرامٌ دون يوم النحر. قال منصور: فذكرتُ ذلك لمجاهد قال: ما كنا نُفتي إلا بطواف واحد، أما الآن فلا نفعل. قال الحافظ البيهقي: وقد رواه سفيان بن عيينة وسفيان الثوري وشعبة، عن منصور، فلم يذكُر فيه السعيَ. قال: وأبو نصر (٢) هذا مجهول، وإن صحّ فَيُحْتمَلُ أنّه أرادَ طوافَ القُدوم وطوافَ الزيارة. قال: وقد رُوي بأسانيدَ أُخَر عن علي مرفوعًا وموقوفًا، ومدارها على الحسن بن عُمارة وحفص بن أبي داود، وعيسى بن عبد اللَّه، وحماد بن عبد الرحمن، وكلُّهم ضعيف لا يحتجُّ بشيء مما رَوَوْهُ في ذلك، واللَّه أعلم. قلت: والمنقول في الأحاديث الصحاح خلاف ذلك، فقد قدّمنا عن ابن عمر في صحيح البخاري أنه أهلَّ بعمرة وأدخل عليها الحج فصار قارنًا وطاف لهما طوافًا واحدًا بين الحجّ والعمرة. وقال: هكذا فعل رسول ﷺ . وقد روى الترمذيّ (٣) وابن ماجه (٤) والبيهقي (٥) من حديث الدراوردي، عن عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر. قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "منْ جَمَعَ بين الحجِّ والعُمْرة طافَ لهما، طوافًا واحدًا، وسعى لهما سَعْيًا واحدًا". قال الترمذيّ وهذا حديث حسن غريب. قلت: إسناده على شرط مسلم (٦). وهكذا جرى لعائشة أم المؤمنين فإنها كانَتْ ممَّنْ أهلَّ بعمرةٍ لعدم سوق الهَدْي معها، فلما حاضَتْ أمرَها رسول اللَّه ﷺ أن تغتسل، وتَهِلَّ بحجٍّ مع عمرتها فصارت قارنة، فلما رجعوا من منى طلبت أن يُعْمرَها من بعد الحجّ، فأعمرها تطييبًا لقلبها، كما جاء مصرحًا به في الحديث.

стр. 2398

وقد قال الإمام أبو عبد اللَّه الشافعي (١): أنبأنا مسلم -هو ابن خالد- الزنجي، عن ابن جُرَيْج، عن عطاء أن رسول اللَّه قال لعائشة: "طوافُكِ بالبَيْتِ وبينَ الصَّفَا والمَرْوةِ يكفيكِ لحَجّكِ وعُمْرتِكِ". وهذا ظاهره الإرسالُ، وهو مسندٌ في المعنى، بدليل ما قال الشافعي أيضًا (٢): أخبرنا ابن عيينة، عن ابن أبي نَجِيح، عن عَطاءً، عن عائشةَ، عن النبي ﷺ قال الشافعي، وربما قال: سفيان، عن عطاءً؛ عن عائشة، وربَّما قال: عن عطاءٍ أنّ النبيّ ﷺ قال لعائشة. . . فذكره. قال الحافظ البيهقي: ورواه ابن أبي عمر، عن سُفيان بن عُيينة موصولًا. وقد رواه مسلم (٣) من حديث وُهَيْبٍ، عن ابن طاووسٍ عن أبيه (٤) عن عائشة بمثله. وروى مسلم (٥) من حديث ابن جُرَيْج: أخبرني أبو الزُّبير: أنَّه سمعَ جابرًا يقول: دخل رسول اللَّه على عائشة، وهي تبكي، فقال: "مالكِ تَبْكين؟ " قالت: أبكي أن الناسَ حَلّوا ولم أحِل، وطافوا بالبيت ولم أَطف وهذا الحج قد حضر. قال: "إن هذا أمرٌ قد كتبه اللَّه على بنات آدم، فاغتسلي وأهلِّي بحجٍّ" قالت: ففعلت ذلك، فلما طهُرْتُ قال: "طوفي بالبيتِ وبينَ الصفا والمروة. ثم قد حَلَلْتِ من حَجِّكِ وعمرتكِ". قالت: يا رسول اللَّه، إني أجدُ في نفسي من عُمْرتي أني لم أكن طُفْت حتى حَجَجْتُ. قال: اذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التَّنعيم. وله (٦) من حديث ابن جريج أيضًا: أخبرني أبو الزُّبير سمعت جابرًا قال: لم يطف النبيُّ ﷺ وأصحابُه بين الصَّفا والمروة إلا طوافًا واحدًا. وعند أصحاب أبي حنيفة ﵀: أنَّ النبيَّ ﷺ وأصحابه الذين ساقوا الهَدْيَ كانوا قد قرنوا بين الحج والعمرة كما دلّ عليه الأحاديث المتقدمة، واللَّه أعلم. وقال الشافعي (٧): أنبأنا إبراهيم بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي، قال في القارن: يطوف طوافَيْن ويسعى سَعْيَين (٨)، قال الشافعيُّ: وقال بعض الناس: طوافان وسعيان، واحتج فيه بروايةٍ ضعيفةٍ عن عليّ. قال: جعفر يروي عن علي قولنا، ورُوِّيناه عن النبي ﷺ (٩) لكن (١٠)

стр. 2399

قال أبو داود (١)، حدّثنا هارون بن عبد اللَّه، ومحمد بن رافع، قالا: حدّثنا أبو عاصم، عن معروف -يعني ابن خَرَّبوذ- المكي، حدّثنا أبو الطُّفيل، قال: رأيت النبيَّ ﷺ يطوفُ بالبيت على راحلته، يستلم الركن بِمِحجَنِهِ ثم يُقَبِّله - زاد محمد بن رافع، ثم خرج إلى الصَّفا والمَرْوة، فطافَ سبْعًا على راحلته. وقد رواه مسلم (٢) في صحيحه من حديث أبي داود الطيالسي، عن معروف بن خَرَّبوذَ به بدون الزيادة التي (٣) ذكرها محمد بن رافع. وكذلك رواه عبيد اللَّه بن موسى، عن معروف بدونها (وأخرجه ابن ماجه من حديث وكيع والطفيل بن موسى عن مسروق بدونها) (٤). ورواه الحافظ البيهقي (٥) عن (٦) أبي سعيد بن [أبي] عمرو، عن الأصمّ، عن يحيى بن أبي طالب، عن يزيد بن أبي حكيم، عن يزيد بن مُلَيْك (٧)، عن أبي الطُّفَيْل بدونها. فاللَّه أعلم. وقال الحافظ البيهقي (٨): أنبأنا أبو بكر بن الحسن، وأبو زكريا بن أبي إسحاق، قالا: حدّثنا أبو جعفر محمد بن علي بن دُحيم، حدّثنا أحمد بن حازم، أنبأنا عُبيد اللَّه بن موسى، وجعفر بن عون، قالا: أنبأنا أيمن بن نابل، عن قدامة بن عبد اللَّه بن عمار، قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ يَسْعى بين الصَّفا والمَرْوة على بعيرٍ لا ضَرْب ولا طَرْد ولا إِليك إليك (٩). وقال البيهقي: كذا قالا. وقد رواه جماعةٌ عن (١٠) أيمن فقالوا: يرمي الجمرة يوم النحر. قال: ويحتمل أن يكونا صحيحين. قلت: رواه الإمام أحمد في "مسنده" (١١) عن وكيع وقُرّان (١٢) بن تَمّام وأبي قُرَّة موسى بن طارق (١٣)

стр. 2400

قاضي أهل اليمن، وأبي أحمد محمد بن عبد اللَّه الزُّبيري، ومعتمر بن سليمان (١)، عن أيمن ين نابل الحبشي أبي عمران المكي، نزيل عسقلان مولى أبي بكر الصديق (٢)، وهو ثقةٌ جليلٌ من رجال البخاري، عن قُدامة بن عبد اللَّه بن عَمار الكِلابي أنه رأى رسول اللَّه ﷺ يرمي الجمرة يومَ النَّحر من بطن الوادي على ناقة صَهْباء لا ضرب ولا طرد (٥) ولا إليكَ إليكَ. وهكذا رواه الترمذيّ (٣)، عن أحمد بن منيع، عن مروان بن معاوية وأخرجه النسائي (٤)، عن إسحاق بن راهويه، وابن ماجه (٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن وكيع، كلاهما عن أيمن بن نابل، عن قُدامة كما رواه الإمام أحمد وقال الترمذيّ: حسن صحيح. فصل قال جابر في حديثه: حتى إذا كان آخر طوافه عند المروة قال: إني لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهَدْيَ. رواه مسلم. ففيه دلالة على منْ ذهبَ إلى أن السعيّ بين الصفا والمروة أربعة عشر، كل ذهاب وإياب يحسب (٦) مرة. قاله جماعة من أكابر الشافعية. وهذا الحديث ردٌّ عليهم لأنَّ آخر الطواف على (٧) قولهم يكون عند الصفا لا عند المروة، ولهذا قال أحمد في روايته في حديث جابر: فلما كان السابع عند المروة قال: أيها الناس، إني لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أَسُقِ الهَدْيَ، وجعلتُها عمرة، فمنْ لمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فليحل وليَجْعَلْها (٨) عُمْرةً. فَحَلَّ النّاس كلُّهم. وقال مسلم: فَحَلَّ الناسُ كلُّهم وقَصَّروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هَدْيٌ. فصل روى أمْرَه ﵇، لمن لم يَسُقِ الهَدْي، بفسخِ الحجّ إلى العمرة خلقٌ من الصَّحابة يطولُ ذكرُنا لهم هنا (٩)، وموضع سَرْدِ ذلك كتابُ "الأحْكام الكَبير" إن شاء اللَّه. وقد اختلف العلماء في ذلك؛ فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي: كان ذلك من خصائص الصّحابة، ثم نسخ جواز الفسخِ لغيرهم، وتمسّكوا بقول أبي ذَرٍّ ﵁: لم يكن فَسْخُ الحجّ إلى العمرة إلا لأصحابِ محمد ﷺ . رواه

стр. 2401

مسلم (١). وأما الإمام أحمد فردَّ ذلك، وقال (٢): قد رواه أحد عشر صحابيًا، فأين تقعُ هذه الروايةُ من ذلك؟ وذهب ﵀ إلى جواز الفسخ لغير الصحابة، وقال ابن عباس ﵄. بوجوب الفسخ على كل من لم يَسُقِ الهَدْيَ بل عنده أنّه يحلّ شرعًا إذا طاف بالبيت، ولم يكن ساق هَدْيًا صار حلالًا بمجرد ذلك، وليس عنده (٣) النُّسُكُ إلا القِران لمن ساق الهَدْيَ أو التَّمتّع لمن لم يَسُقْ، فاللَّه أعلم. قال البخاري (٤): حدّثنا أبو النعمان حدثنا (٥) حماد بن زيد، عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء، عن جابر، وعن طاووس، عن ابن عباس، قالا: قدم النبيُّ ﷺ وأصحابه صُبْحَ رابعةٍ من ذي الحجة يُهلُّون بالحَجِّ لا يَخْلِطُهُ شيءٌ، فلما قدمنا أمَرَنا فجعلناها (٦) عمرةً، وأن نَحِلّ إلى نسائنا، ففشت في ذلك القالة (٧). قال عطاء: قال جابر: فيَروحُ أحدُنا إلى منى وذَكَرُةَ يَقْطُرُ مَنِيًّا. قال جابر -بكفه- فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: بلغني أنّ قومًا يقولون كذا وكذا، واللَّه لأنا أبر وأتقى للَّه منهم، ولو أنّي استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما أهديتُ، ولولا أنّ معي الهَدْي لأحللتُ، فقام سراقة بن جُعْشُم، فقال: يا رسول اللَّه هي لنا أو للأبد؟ فقال: لا، بل للأبد. وقال (٨) مسلم (٩): حدّثنا قتيبة، حدّثنا الليث، هو ابن سعد، عن أبي الزُّبير، عن جابر: أنه قال: أقبلنا مُهِلّين (١٠) مع رسول اللَّه بحجٍّ مفردٍ، وأقبلت عائشةُ بعمرةٍ، حتّى إذا كُنا بسَوَف عَرَكت (١١)، حتى إذا قدمنا طُفْنا بالكَعْبة والصَّفا والمَرْوة، وأمرنا رسول اللَّه ﷺ أن يحلّ منا منْ لم يكن معه هَدْيٌ. قال: فقلنا: حلُّ ماذا؟ قال: الحِلُّ كلُّه، فواقَعْنا النساء، وتَطَيَّبْنا بالطِّيب، ولبسنا ثيابنا (١٢)، وليس بيننا وبين عَرَفَة إلا أربع ليالٍ، فهذان الحديثان فيهما التصريحُ بأنَّه ﵊ قدمَ مكةَ عامَ حجة الوَداع لصبح رابعةِ ذي الحجّةِ، وذلك يوم الأحد، حين ارتفع النهارُ وقتَ الضَّحاءِ (١٣)، لأنّ أول ذي الحجة تلك السنة كان يوم الخميس بلا خلاف، لأن يوم عرفة منه كان يوم

стр. 2402

الجمعة بنصِّ حديث عمر بن الخطاب الثابت في "الصحيحين" كما سيأتي. فلما قدم ﵊ يوم الأحد رابع الشهر بدأ -كما ذكرنا- بالطّواف بالبيت، ثم بالسعي بين الصفا والمروة، فلما انتهى طوافه بينهما عند المروة أمر منْ لم يكن معه هَدْيٌ أن يحلّ من إحرامه حتمًا، فوجب ذلك عليهم لا محالةَ، ففعلوه وبعضهم متأسّف، لأجل أنّه ﵊ لم يَحِلّ من إحرامه لأجل سَوْقِه الهَدْي، وكانوا يحبون موافقته ﵊ والتأسِّي به، فلما رأى ما عندهم من ذلك، قال لهم: "لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سُقت الهَدْي ولجعلتها عمرة". أي: لو أعلم أن هذا يشقّ (١) عليكم لكنتُ تركتُ سَوْق الهَدْيِ حتى أُحِلَّ كما أحللتم، ومن هاهنا تتَّضح (٢) الدلالةُ على أفضلية التّمتع كما ذهب إليه الإمام أحمد أخذًا من هذا، فإنه قال (٣): لا أشكُّ أنّ رسول اللَّه ﷺ كان قارنًا، ولكنّ التمتع أفضل لتأسُّفه عليه، وجوابه: أنه ﵊ لم يتأسف على التمتع لكونه أفضلَ من القرانِ في حقِّ منْ ساقَ الهَدْيَ، وإنما (٤) تأسَّفَ عليه لئلا يَشُقَّ على أصحابه في بقائه على إحرامه وأمره لهم بالإحلال، ولهذا واللَّه أعلم لمّا تَأمَّلَ الإمام أحمد هذا السرّ نصَّ في رواية أخرى عنه على أن التمتّعَ أفضلُ في حق منْ لم يَسُقِ الهَدْيَ لأمره ﵊، منْ لمْ يَسُقِ الهَدْيَ من أصحابه بالتمتع (٥) وأن القِرانَ أفضلُ في حقّ منْ ساق الهَدْيَ كما اختار اللَّه لنبيّه، صلوات اللَّه وسلامه عليه، في حجة الوداع وأمره له بذلك كما تقدم. واللَّه أعلم. فصل ثُمَّ سار صلوات اللَّه وسلامه عليه بعد فراغه من طوافه بين الصّفا والمَرْوة وأمره بالفَسْخ لِمَنْ لم يَسُقِ الهَدْيَ، والناسُ معه، حتى نزلَ بالأبطح شَرْقيَّ مكة، فأقام هُنالكَ بقيةَ يومِ الأحد ويوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء، حتَّى صَلَّى الصبحَ من يومِ الخميس، وكلّ ذلك يُصَلِّي (٦) بأصحابه هنالك، ولم يَعُدْ إلى الكعبة في (٧) تلك الأيام كلها. قال البخاري (٨): باب مَنْ لم يقرب الكعبة ولم يَطُفْ حتى يخرج إلى عرفة ويرجع بعد الطواف

стр. 2403

الأول: حدّثنا محمد بن أبي بكر، حدّثنا فُضَيْل بن سليمان، حدّثنا موسى بن عقبة، قال: أخبرني كُرَيْب، عن عبد اللَّه بن عباس، قال: قدم النبيُّ ﷺ مكةَ فطافَ سبعًا (١) وسعى بين الصَّفا والمروة، ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة. انفرد به البخاري. فصل وقدم في (٢) هذا الوقت -ورسول اللَّه ﷺ مُنيخٌ بالبَطحَاءِ خارجَ مكَّةَ- عليٌّ من اليمن، وكان النبي ﷺ قد بعثه، كما قدمنا، إلى اليمن أميرًا بعد خالد بن الوليد ﵄، فلما قدم وجد زوجته فاطمةَ بنتَ رسول اللَّه ﷺ قد حلّتْ كما حلّ أزواجُ رسول اللَّه ﷺ والذين (٣) لم يسوقوا الهَدْي، واكتحلَتْ، ولبسَتْ ثيابًا صبيغًا، فقال: من أمَرَكِ بهذا؟ قالت: أبي، فذهب مُحَرِّشًا عليها إلى رسول اللَّه ﷺ ، فأخبره أنّها حَلَّتْ، ولبستْ ثيابًا صبيغًا واكتحلتْ، وزعمَتْ أنّكَ أمَرْتَها بذلك يا رسول اللَّه. فقال: صَدَقَتْ صَدَقَتْ صَدَقَتْ. ثم قال رسول اللَّه ﷺ : بم أهْلَلْتَ حين أوْجَبْتَ الحجّ؟ قال: بإهلالٍ كإهلالِ النبيّ ﷺ . قال: فإنَّ معي الهَدْيَ فلا تَحِلّ، فكان جماعة الهدي الذي جاء به عليٌّ من اليمن، والذي أتى به رسول اللَّه ﷺ من المدينة (٤) واشتراه في الطريق مئة من الإبل، واشتركا في الهَدْي جميعًا، وقد تقدّم هذا كله في صحيح مسلم ﵀. وهذا التقرير يردّ الرواية التي ذكرها الحافظ أبو القاسم الطبراني (٥) ﵀ من حديث عكرمة عن ابن عباس: أنَّ عليًّا تلقَّى النبي ﷺ إلى الجُحْفَة (٦) واللَّه أعلم، وكان أبو موسى في جملة منْ قدمَ مع عليّ، ولكنه لم يَسُق هَدْيًا فأمره رسول اللَّه ﷺ بأن يَحِلَّ بعد ما طاف للعمرة وسعى، ففسخ حجّه إلى العمرة، وصار متمتعًا، فكان يُفْتي بذلك في أثناء خلافة عمر بن الخطاب، فلما رأى عمر بن الخطاب أن يفرد الحجَّ عن العمرة، ترك فُتياه مهابةً لأمير المؤمنين عمر ﵁ وأرضاه.

стр. 2404

وقال الإمام أحمد (١): حدّثنا عبد الرزاق، أنبأنا سفيان، عن عون بن أبي جُحَيْفَة، عن أبيه، قال: رأيتُ بلالًا (٢) يُؤَذِّنُ ويدورُ، وأتتبع (٣) فاه هاهنا وهاهنا وأصبعاه في أذنيه (٤). قال: ورسول اللَّه ﷺ في قُبَّةٍ له حمراء أُراها من أَدَم. قال (٥) فخرجَ بلالًا بين يديه بالعَنزة (٦) فركزها فصلَّى رسول اللَّه ﷺ قال عبد الرزاق: وسمعته بمكة، قال: -بالبطحاء- ويمرُّ بين يديه الكلبُ والمرأةُ والحمارُ، وعليه حُلَّةٌ حمراء، كأني أنظرُ إلى بريق ساقيه. قال سفيان: نراها حِبَرَةً. (وقال أحمد (٧): حدّثنا) (٨) وكيع، حدّثنا سفيان، عن عون بن أبي جحيفة (٩) عن أبيه. قال: أتيت النبي ﷺ بالأبْطَح، وهو في قُبّةٍ له حمراء، فخرج (١٠) بلالٌ بفضل وضوئه، فمن ناضح ونائل (١١). قال: فاذَّن بلال، فكنت أتَتبَّع فاه هكذا وهكذا -يعني يمينًا وشمالًا- قال: ثم رَكَزْتُ له عَنَزَةً، فخرج رسول اللَّه ﷺ وعليه جبة له حمراء، أو حلة حمراء، وكأني أنظر إلى بريق ساقيه، فصلى بنا إلى عَنَزةٍ الظهرَ أو العصرَ ركعتين، تمرُّ المرأةُ والكلبُ والحمارُ لا يمنعُ، ثم لم يزل يُصَلِّي ركعتين حتى أتى المدينة. وقال مرة (١٢): فصلَّى الظهرَ ركعتين، والعصرَ ركعتين. وأخرجاه في "الصحيحين" (١٣) من حديث سفيان الثوري. وقال أحمد (١٤) أيضًا: حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، (ح) وحجاج [أخبرني شعبة] عن الحكم، سمعت أبا جحيفة قال: خرج رسول اللَّه ﷺ بالهاجرة إلى البطحاء، فتوضأ وصلى الظهرَ ركعتين، وبين يديه عَنَزة. وزاد فيه عون عن أبيه أبي جحيفة: وكان يمرُّ من ورائها (١٥) الحمارُ والمرأةُ.

стр. 2405

قال حجاج في الحديث: ثم قام الناسُ، فجعلوا يأخذونَ يدَه، فيمسحون بها وجوههم. قال: فأخذتُ يَدَه فوضَعْتُها على وجهي، فإذا هي أبردُ من الثَّلْج، وأطيبُ ريحًا من المسك. وقد أخرجه (١) صاحبا الصحيح (٢) من حديث شعبة بتمامه. فصل فأقام ﵇ بالأبطح -كما قدمنا- يوم الأحد ويوم الإثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، وقد حلَّ الناسُ إلا من ساق الهَدْيَ. وقدمَ في هذه الأيام عليُّ بن أبي طالب من اليَمَن بمنْ مَعَهُ من المُسلمين وما معه من الأموال، ولم يَعُدْ ﵊ إلى الكَعْبة بعدما طافَ بها، فلما أصبحَ ﵇ يومَ الخميس صلَّى بالأبطح الصبحَ من يَوْمئذٍ، وهو يوم التَّروية، ويقال له: يومُ مِنًى، لأنه يُسارُ فيه إليها. وقد رُوي أنَّ النبيَّ ﷺ خطبَ قبلَ هذا اليوم، ويقال للذي قبلَه فيما رأيتُه في بعض التّعاليق: يومُ الزِّينة، لأنّه تُزَيَّن (٣) فيه البُدْنُ بالجِلال، ونحوها، فاللَّه أعلم. قال الحافظ البيهقي (٤): أنبأنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أنبأنا أحمد بن محمد بن جعفر الجُلوديُّ، حدّثنا محمد بن إسماعيل بن مِهْران، حدّثنا محمد بن يوسف، حدّثنا أبو قُرَّةَ، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا كان قبل (٥) يوم التروية خطبَ النّاس فأخبرهم بمناسكهم. فركبَ ﵇، قاصدًا إلى منًى قبلَ الزَّوال، وقيل بعده، وأحْرَمَ الّذين كانوا قد حَلّوا بالحجِّ من الأبطح حين توجَّهوا إلى منًى، وانبعثت رواحلهم نحوها. قال عبد الملك، عن عطاء، عن جابر بن عبد اللَّه: قدمنا مع رسول اللَّه ﷺ فأحْلَلْنا حتَّى كان يومُ التَّرْوية، وجعلنا مكة منّا بظَهْرٍ، لَبَّيْنا بالحَجِّ. ذكره البخاري (٦) تعليقًا مجزومًا. وقال مسلم (٧): ثنا محمد بن حاتم، ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جُرَيْج، أخبرني أبو الزُّبير، عن جابر. قال:

стр. 2406

أمرنا رسول اللَّه ﷺ لما أحللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى. قال: وأهللنا من الأبطح (١). وقال عُبَيْد بن جُرَيْج لابن عمر: رأيتُكَ إذا كنتَ بمكة أهلَّ الناسُ إذا رأوا الهلال، ولم تُهِلّ أنتَ حتى يوم التَّرْويةِ. فقال: لم أر النبيَّ ﷺ يُهلّ بها (٢) حتى تَنْبعثَ به راحلتُه. رواه البخاري (٣) في جملة حديث طويل. قال البخاري (٤): وسئل عطاء عن المجاور (٥) منًى يُلَبِّي بالحجِّ. فقال: كان ابنُ عمر يُلبِّي يوم التروية إذا صلَّى الظُّهْر، واستوى على راحلته. قلت: هكذا كان ابنُ عمر يَصنَعُ إذا حجَّ مُعْتمرًا؛ يحلُّ من العمرة، فإذا كان يوم الترويةِ لا يُلَبِّي حتى تنبعثَ به راحلتُه مُتَوَجِّهًا إلى مِنًى، كما أحرم رسول اللَّه ﷺ من ذي الحُلَيْفة بعدما صلَّى الظُهْرَ وانْبَعَثَتْ به راحلتُه، لكن يوم التروية لم يُصَلِّ النبيُّ ﷺ الظهر بالأبْطَح، وإنّما صلاها يَوْمَئِذٍ بمنًى، وهذا مما لا نزاع فيه. وقال البخاري (٦) باب أين يصلي (٧) الظهِر يومَ التَّرْوية: حدّثنا عبد اللَّه بن محمد، حدّثنا إسحاق الأزْرق، حدّثنا سُفيان، عن عبد العزيز بن رُفيْع. قال: سالت أنسَ بن مالك قلت (٨): أخبرني بشيء عَقَلْتَهُ عن (٩) رسول اللَّه ﷺ أين صلَّى (١٠) الظُّهْرَ والعَصْرَ يومَ الروية؟ قال: بمنًى. قلت: فأين صَلَّى العَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟ قال: بالأبْطَح. ثم قال: افعل كما يفعلُ أُمراؤُكَ. وقد أخرجه بقيَّةُ الجَماعةِ (١١) إلا ابن ماجه، من طرقٍ، عن إسحاق بن يوسف الأزرق، عن سفيان الثوري به. وكذلك رواه الإمام أحمد (١٢)، عن إسحاق بن يوسف (١٣) الأزرق به. وقال الترمذيّ: حسن صحيح يستغرب من حديث الأزرق، عن الثوري.

стр. 2407

ثم قال البخاري (١) أنبأنا علي، سمع أبا بكر بن عيَّاش، حدّثنا عبد العزيز بن رُفَيْع، قال: لقيتُ أنسَ بن مالك، وحدّثني إسماعيل بن أبان، حدّثنا أبو بكر بن عَيَّاش، عن عبد العزيز، قال: خرجتُ إلى منًى يومَ التَّروية، فلقيتُ أنسًا ذاهبًا على حمار، فقلت: أين صلّى النبيُّ ﷺ هذا اليومَ الظهرَ؟ فقال انظُرْ حَيْثُ يُصَلِّي أمراؤُكَ فَصَلِّ. وقال أحمد (٢): حدّثنا أسْوَد بن عامر، حدّثنا أبو كدَيْنة (٣)، عن الأعمش، عن الحَكَم (٤) عن مِقْسَم، عن ابن عباس: أنَّ رسول اللَّه ﷺ صلَّى خمس صلوات بمنى. وقال أحمد (٥) أيضًا، حدّثنا أسود بن عامر، حدّثنا أبو مُحَيّاة يحيى بن يَعْلَى التَّيْمي، عن الأعْمَش، عن الحَكَم، عن مِقْسَم، عن ابن عباس: أنَّ النبيَّ ﷺ صَلَّى الظهرَ يومَ التروية بمنًى، وصَلَّى الغداة يوم عرفة بها. وقد رواه أبو داود (٦)، عن زُهَير بن حَرْب، عن أحْوَص بن جَوّاب (٧)، عن عمار بن رُزَيْق (٨)، عن سليمان بن مِهْران الأعْمَش به، ولفظه: صلَّى رسول اللَّه ﷺ الظُّهْرَ يوم التَّروية والفجر يومَ عرفة بمنى (٩). وأخرجه الترمذيّ (١٠)، عن الأشج، عن عبد اللَّه بن الأجْلَح، عن الأعمش بمعناه، وقال: ليس هذا مما عدَّه شعبة فيما سمعه الحكم عن مِقْسَم (١١).

стр. 2408

وقال الترمذي (١): حدّثنا أبو سعيد الأشَجُّ، حدّثنا عبد اللَّه بن الأجْلَح، عن إسماعيل بن مسلم، عن عطاء، عن ابن عباس قال: صَلَّى بنا رسول اللَّه بمِنَى الظُّهْرَ والعَصْرَ والمَغْربَ والعِشاءَ والفَجْر، ثم غدا إلى عرفاتٍ. ثم قال: وإسماعيل بن مسلم قد تُكلِّم فيه. وفي الباب عن عبد اللَّه بن الزُّبير، وأنس بن مالك. وقال الإمام أحمد (٢): [حدّثنا يزيد بن عبد ربه، حدّثنا الوليد بن مسلم (٣) عن عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة] عَمَّنْ رأى النبيَّ ﷺ أنَّه راحَ إلى منى يومَ التَّرْوية، وإلى جانبه بلال (٤) بيده عودٌ عليه ثوبٌ يُظَلِّلُ به رسولَ اللَّه ﷺ يعني من الحَرِّ- تَفَرَّدَ به أحمد. وقد نصَّ الشافعيُّ على أنه ﵊ رَكِبَ من الأبْطَح إلى مِنًى بعدَ الزَّوالِ، ولكنه إنَّما صَلَّى الظهْرَ بمنًى، فقد يُسْتَدَلُّ له بهذا الحديث. واللَّه أعلم. وتقدمَ في حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، قال: فحَلَّ الناسُ كُلُّهُمْ وقَصَّروا إلا النبيَّ ﷺ ، ومنْ كانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فلمّا كانَ يومُ التَّروية تَوَجَّهوا إلى مِنًى فأَهَلُّوا بالحج، وركب رسول اللَّه ﷺ فَصَلّى بها الظهرَ والعصرَ والمغربَ والعشاءَ والفجرَ، ثم مكثَ قليلًا حتى طلعَتِ الشَّمْسُ، وأمر بقُبَّةٍ له من شَعْرٍ، فضُربتْ له بنَمِرةٍ (٥) فسار رسول اللَّه ﷺ ، ولا تشُك قُرَيْشٌ إلا أنَّه واقِفٌ عِندَ المَشْعر الحَرام، كما كانت قريشٌ تَصْنَعُ في الجاهلية، فاجتاز (٦) رسول اللَّه ﷺ حتَّى أتى عَرَفةَ، فوجد القُبَّة قد ضُربت له بنَمِرة فنزل بها، حتّى إذا زاغت الشَّمْسُ أمرَ بالقَصْواءَ فرُحلَتْ له، فأتى بطنَ الوادي فخَطَبَ النّاسَ، وقال: "إنَّ دماءَكُمْ وأموالَكُم حرامٌ عليكم، كحُرْمةِ يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كُلُّ شيء من أمْرِ الجاهلية موضوع تحت قدميَّ، ودماءُ الجاهليَّة موضوعةٌ، وإن أولَ دمٍ أضَعُ من دمائِنا دمُ ابن ربيعة بن الحَارث، وكان (٧) مُسْترضعًا في بني سَعْدٍ فقتلتْهُ هُذَيْل. وربا الجاهلية موضوع، وأوَّلَ ربا أضعُ ربانا، ربا العباس بن عبد المطلب، فإنّه موضوع كلُّه، واتقوا اللَّهَ في النِّساء، فإنَّكم أخذْتُموهن بأمانةِ اللَّهِ، واسْتَحْلَلْتُمْ فُروجَهُنَّ بكلمةِ اللَّهِ، ولكم عليهن أن لا يُوطئنَ فُرُشَكُم أحدًا تَكْرَهُونَهُ، فإن فَعَلْنَ ذلك

стр. 2409

فاضْرِبوهنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، ولهنَّ عليكُم (١) رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتهنَّ بالمعروف، وقد تركتُ فيكم ما لن تَضِلُّوا بَعْدَه (٢) إن اعْتَصَمْتُم به؛ كتابَ اللَّهِ، وأنتم تُسْألُونَ عنّي فما أنْتُمْ قائِلون؟ قالوا: نَشْهَدُ أنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وأدَّيْتَ ونَصَحْتَ. فقال بإصْبعِهِ السَّبابةِ يَرْفَعُها إلى السماء ويَنْكُتُها إلى (٣) الناس، اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللهمَّ اشْهَدْ، اللهُمّ أشْهد، ثلاث مرات. وقال أبو عبد الرحمن النسائي (٤): أنبأنا عليُّ بن حُجْرٍ [أنبأنا جرير] عن مغيرة، عن موسى بن زياد بن حِذْيَمٍ بن عَمْرٍو السَّعدي عن أبيه عن جده، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقولُ في خطبته يوم عَرَفة في حجَّةِ الوداع: "اعْلَموا أنَّ دماءَكُمْ وأمْوالَكُمْ وأعْراضَكُمْ حرامٌ عليكمْ كحُرْمة يومكم هذا، كحُرْمةِ شَهْرِكُم هذا، كحُرْمَةِ بَلَدكُمْ هذا". وقال أبو داود (٥): باب الخُطبة على المنبر برفة، حدّثنا هَنّادٌ عن ابن أبي زائدة، حدّثنا سُفيان بن عُيَيْنة، عنِ زيد بن أسلم، عن رجل من بني ضَمْرَة، عن أبيه أو عمه. قال: رأيتُ رسول اللَّه ﷺ وهو على المنبر بعَرَفة. وهذا الإسناد ضعيف. لأنّ فيه رجلًا مُبْهَمًا، ثم تقدَّم في حديث جابرٍ الطويل أنَّه ﵊ خَطَب على ناقته القَصْواء. ثم قال أبو داود (٦): ثنا مُسَدّد، ثنا (٧) عبد اللَّه بن داود، عن سلمة بن نُبَيْط، عن رجل من الحي، عن أبيه نُبَيْط: أنه رأى رسول اللَّه ﷺ واقفًا بعَرَفَةَ على بعيبر أحمَرَ يخطبُ. وهذا فيه مُبْهمٌ أيضًا، ولكن حديث جابر شاهدٌ له. ثم قال أبو داود (٨): حدّثنا هَنَّاد بن السَّرِيّ، وعثمان بن أبي شيبة، قالا: ثنا وكيع، عن عبد المجيد (٩) أبي عَمْرو، قال: حدّثني العَدّاءُ بن خالد بن هَوْذَة -وقال هَنَّاد: عن عبد المجيد، حدّثني خالد بن العَدّاء بن هَوْذَة- قال: رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ يخطبُ الناسَ يومَ عرفةَ على بعيرٍ قائمًا في

стр. 2410

الرّكابَيْن. قال أبو داود: رواه ابنُ العَلاء، عن وكيع، كما قال هَناد، وحدّثنا عباسُ بنُ عبد العظيم، حدّثنا عثمانُ بن عمر، حدّثنا عبد المجيد أبو عمرو، عن العَدّاء بن خالد بمعناه. وفي الصحيحين (١) عن ابن عباس. قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يخطبُ بعرفاتٍ: منْ لمْ يَجدْ نَعْلَيْن فَلْيَلْبسِ الخُفَّين، ومنْ لم يجد إزارًا فَلْيَلْبِسِ السَّراويل للمُحرِمِ. وقال محمد بن إسحاق (٢): حدّثني يحيى بن عَبّاد بن عبد اللَّه بن الزُّبير، عن أبيه عَبَّاد، قال: كان الرجلُ الذي يصرُخُ في الناس بقول رسول اللَّه ﷺ وهو بعرفة ربيعةَ بنَ أميَّةَ بن خلف، قال يقول له (٣) رسول اللَّه ﷺ قُلْ: أيُّها الناس إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: هل تَدْرون أيّ شَهْرٍ هذا؟ فيقولون: الشَّهْرُ الحرامُ. فيقول: قُلْ لهم: إنَّ اللَّهَ قد حَرَّمَ عليكم دِماءَكُمْ وأموالكم كحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هذا. ثم يقول: قل: أيُّها الناس إنَّ رسولَ اللَّه يقول: هَلْ تَدْرُونَ أيَّ بلدٍ هذا؟ وذكر تمام الحديث. وقال محمد بن إسحاق: حدّثني ليثُ بن أبي سُلَيْم، عن شهر بن حَوْشَبْ، عن عمرو (٤) بن خارجة، قال: بعثني عَتاب بن أَسيد إلى رسول اللَّه ﷺ ، وهو واقف بعرفة في حاجة فبلَغَتْهُ، ثم وقفت (٥) تحت ناقته وإنَّ لعابَها ليقَعُ على رأسي، فسمعتُهُ يقول: أيُّها الناس إن اللَّهَ [قد] أدَّى إلى (٦) كل ذي حَقٍّ حَقَّهُ، وإنه لا تجوز (٧) وصيةٌ لوارث، والولدُ للفِراش، وللْعاهِرِ الحَجَرُ، ومنِ ادّعى إلى غير أبيه، أو تَوَلَّى غيرَ مواليه، فعليه لعنةُ اللَّه والملائكةِ والناسِ أجمعين، لا يقبلُ اللَّهُ له صَرْفًا ولا عَدْلًا. ورواه الترمذيّ (٨) والنسائي (٩) وابن ماجه (١٠) من حديث قَتادة، عن شَهْرِ بن حَوْشب، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن عمرو بن خارجة به. وقال الترمذيّ: حسن صحيح. قلت: وفيه اختلاف على قتادة، واللَّه أعلم. وسنذكر الخطبةَ التي خطبها ﵊ بعد هذه الخطبة يوم النحر، وما فيها من الحكم والمواعظ والتفاصيل والآداب النبوية إن شاء اللَّه.

стр. 2411

وقال (١) البخاري: باب التلبية والتكبير إذا غدا من منى إلى عرفة، حدّثنا عبدُ اللَّه بن يوسف، أنبأنا مالك، عن محمد بن أبي بكر الثقفي، أنه سأل أنس بن مالك، وهما غاديان من منى إلى عرفة: كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال: كان يهلُّ منا المُهّل فلا يُنْكَر عليه، ويكبّر المُكَبِّر منا فلا يُنْكر عليه. وأخرجه مسلم (٢) من حديث مالك وموسى بن عقبة، كلاهما عن محمد بن أبي بكر بن عوف بن رياح الثقفي الحجازي، عن أنس به. وقال البخاري (٣): حدّثنا عبد اللَّه بن مَسْلَمة (٤)، حدّثنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد اللَّه أن (٥) عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج بن يوسف أن يأتمّ بعبد اللَّه بن عمر في الحج، فلما كان يوم عرفة جاء ابن عمر، وأنا معه، حين زاغت الشمس -أو زالت الشمس (٦) - فصاح عند فسْطاطه أين هذا فخرجَ إليه. فقال ابن عمر: الرَّواحَ. فقال: الآن؟ قال: نعم! فقال: أنْظِرْني حتى أُفيضَ عليَّ ماءً، فنزل ابن عمر حتى خرج، فسار بيني وبين أبي، فقلُت: إن كنتَ تريدُ أن تصيبَ السنةَ اليوم، فاقْصُرِ الخطبةَ وعَجِّلِ الوقوفَ، فقال ابن عمر: صدقَ، ورواه البخاري أيضًا، عن القعنبي (٧)، عن مالك به. وأخرجه النّسائي (٨) من حديث أشهب وابن وهب عن مالك. ثم قال البخاري (٩) بعد روايته هذا الحديث: وقال الليث: حدّثني عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم: أنَّ الحجاج عامَ نزلَ بابن الزُّبير سأل عبدَ اللَّه كيفَ تصنعُ في هذا الموقف فقال (١٠): إن كنتَ تريدُ السنة فهجِّر بالصلاة يوم عرفة. فقال ابن عمر: صدَق، إنهم كانوا يجمعون بين الظُّهر والعصر في السّنة، فقلت لسالم: أفَعَلَ ذلك رسولُ اللَّه ﷺ ؟! فقال: هل تَبْتغون بذلك إلا سُنَّتَه. وقال أبو داود (١١): ثنا أحمد بن حنبل، ثنا يعقوب، ثنا أبي (١٢)، عن ابن إسحاقَ، عن نافع، عن

стр. 2412

ابن عمر: أنّ رسولَ اللَّه ﷺ غدا من مِنًى حينَ صَلَّى الصُّبحَ صَبيحة يوم عرفة، فنزل بنَمِرة، وهي منزل الإمام الذي ينزلُ به بعرفة، حتّى إذا كان عندَ صلاة الظُّهر، راح رسول اللَّه ﷺ مُهَجِّرًا، فجمع بين الظهر والعصر، وهكذا ذكر جابر في حديثه بعدما أورد الخطبة المتقدمة، قال: ثم أذن بلالٌ، ثم أقام فصلَّى الظهر، ثم أقام فصلَّى العصر، ولم يُصَل بينهما شيئًا. وهذا يقتضي أنّه ﵊ خطبَ أولأ، ثم أُقيمت الصلاة، ولم يتعرَّضْ للخطبة الثانية. وقد قال الشافعي (١): أنبأنا إبراهيم بن محمد وغيره، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر في حجَّةِ الإسلام (٢) قال: فراح النبيّ ﷺ إلى الموقف بعرفة، فخطبَ النّاسَ الخطبة الأولى، ثم أذَنَ بلالٌ، ثم أخذ النبي ﷺ في الخطبة الثانية، ففرغ من الخطبة، وبلال من الأذان، ثم أقام بلال فصلَّى الظهرَ ثم أقام فصلَّى العصرَ. قال البيهقيّ: تفرَّدَ به إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى. قال مسلم: عن جابر ثمَّ ركبَ رسولُ اللَّه ﷺ حتَّى أتى الموقفَ فجعل بطنَ ناقته القَصْواء إلى الصَّخرات وجعل جبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة. وقال البخاري (٣): حدثنا يحيى بن سليمان، عن ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بُكَيْر، عن كُرَيْب، عن ميمونة: أنّ النّاسَ شَكُّوا في صيام النبيّ ﷺ [يوم عرفة]، فأرسلتُ إليه بحِلابٍ (٤)، وهو واقف في الموقف، فشربَ منه، والناس ينظرون. وأخرجه مسلم (٥)، عن هارون بن سعيد الأيْلي، عن ابن وهب به. وقال البخاري (٦): أنبأنا عبد اللَّه بن يوسف، أنبأنا مالك عن أبي (٧) النَّضْر مولى عمر بن عبيد اللَّه، عن عُمَيْر مولى ابن عباس، عن أمّ الفَضْل بنت الحارث: أنّ ناسًا تمارَوْا عندَها يومَ عرفَة في صوم النبي ﷺ فقال بعضُهم: هو صائمٌ، وقال بعضُهم: ليس بصائمٍ (٨)، فأرسلتُ إليه بقَدحِ لبنٍ، وهو واقفٌ على بعيره، فشربه.

стр. 2413

ورواه مسلم (١) من حديث مالك أيضًا. وأخرجاه من طرق أخر عن أبي النضر به (٢). قلتُ: أمُّ الفضل هي أختُ ميمونةَ بنتِ الحارثِ أمِّ المؤمنين، وقصَّتُهُما واحدةٌ. واللَّه أعلم. وصح إسناد الإرسال إليهما لأنه من عندهما (٣)، اللَّهمَّ إلا أن يكونَ بعدَ ذلك، أو تَعَدَّدَ الإرْسالُ من هذه ومن هذه، واللَّه أعلم. وقال الإمام أحمد (٤): ثنا إسماعيل، ثنا أيوب، قال: لا أدري أَسَمِعْتُهُ من سعيدِ بن جُبَيْر أم نُبِّئتُه (٥) عنه. قال: أتيتُ على ابن عباس، بعرفة (٦)، وهو يأكل رُمّانًا. وقال: أفطر رسول اللَّه ﷺ بعرفة، وبعثَتْ إليه أمُّ الفضل بلبنٍ فشربه. وقال أحمد (٧): ثنا وكيع، ثنا ابن أبي ذِئْب، عن صالح مولى التَّوْأمة، عن ابن عباس: أنَّهم تمارَوْا في صَوْمِ النبيّ ﷺ يومَ عرفةَ. فأرسلَتْ أمُّ فضلٍ إلى رسول اللَّه بلبنٍ فشربه. وقال الإمام أحمد (٨): ثنا عبد الرزاق وابن بكر (٩) قالا: أنبأنا ابن جُرَيْج قال: قال عطاء: دعا عبدُ اللَّه بن عَبّاسٍ الفضلَ بن عبّاس إلى الطعام يومَ عرفةَ فقال: إنِّي صائمٌ. فقال عبد اللَّه: لا تَصُمْ، فإنَّ رسولَ اللَّه قُرِّبَ إليه حِلابٌ (١٠) فيه لبنٌ يومَ عرفةَ فشربَ منه، فلا تَصُمْ، فإنَّ النّاسَ مُسْتَنُّون بكم. وقال ابن بَكْرٍ وروح (١١): إنّ الناس يستنون (١٢) بكم. وقال البخاري (١٣): حدّثنا سليمان بن حرب، حدّثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: بينا رجلٌ واقفٌ مع النبي ﷺ بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته -أو قال

стр. 2414

فأوقصته- فقال النبيُّ ﷺ : اغْسِلوه بماءٍ وسِدْر، وكَفِّنوهُ في ثوبين، ولا تمسُّوه طيبًا، ولا تُخَمِّروا رأسه، ولا تُحَنطوه، فإن اللَّه يبعثُهُ يومَ القيامة مُلَبِّيًا. ورواه مسلم (١) عن أبي الربيع الزَّهْراني، عن حماد بن زيد. وقال النسائي (٢): أنبأنا إسحاق بن إبراهيم -هو ابن راهويه- أخبرنا وكيع، أنبأنا سُفيان الثَّوري، عن بُكَيْر بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يَعْمَر الدِّيلي قال: شهدتُ رسولَ اللَّه ﷺ بعرفة، وأتاه ناسٌ (٣) من أهل نجدٍ، فسألوه عن الحجّ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "الحجُّ عَرَفَة" فمن أدرك ليلةَ عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جَمْعٍ فقد تَمَّ حجُّه. وقد رواه بقية (٤) أصحاب السُّنَن من حديث سُفيان الثوري -زاد النسائي: وشعبة- عن بُكَير بن عطاء به. وقال النسائي (٥): أنبأنا قتيبة، أنبأنا سُفيان، عن عمرو بن دينار، أخبرني عمرو بن عبد اللَّه بن صفوان، أنَّ يزيد بن شيبان قال: كُنَّا وقوفًا بعرفةَ مكانًا بعيدًا من الموقف، فأتانا ابن مِرْبَع الأنصاري فقال: إنّي رسولُ رسولِ اللَّه إليكم، يقولُ لكم: كونوا على مشاعركم، فإنّكم على إرثٍ من إرثِ أبيكم إبراهيم. وقد رواه أبو داود (٦) والترمذي (٧) وابن ماجه (٨) من حديث سُفيان بن عُيَيْنة به. وقال الترمذيّ: هذا حديثٌ حسنٌ، ولا نعرفه إلا من حديث ابن عُيينة عن عمرو بن دينار. وابن مِرْبَع اسمه (٩) يزيد بن مربع الأنصاري، وإنّما يُعرف له هذا الحديث الواحد. قال (١٠): وفي الباب عن عليّ وعائشة وجُبَيْر بن مُطْعِم والشَّريد بن سُوَيْد. وقد تقدم: من رواية مسلم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، أنّ رسولَ اللَّه ﷺ قال:

стр. 2415

وقفتُ هاهنا، وعرفة كلُّها موقفٌ. زاد مالك في مُوَطَّئِهِ (١): وارفعوا عن بطن عُرَنة (٢). فَصْلٌ فيما حُفِظَ مِنْ دُعائِهِ ﵊، وهو واقِفٌ بعَرَفَةَ قد تقدَّمَ أنّه ﵊، أفطر يومَ عرفَة، فدلَّ على أنَّ الإفطار هناك أفضلُ من الصِّيام لما فيه من التقوية (٣) على الدعاء، لأنّه المقصودُ الأهَمُّ هناك، ولهذا وقفَ ﵇ وهو راكبٌ على الراحلة من لَدُنِ الزّوال إلى أن غربت الشمس. وقد روى أبو داود الطّيالسي (٤) في "مسنَدِه"، عن حوشب بن عَقيل، عن مَهْديّ الهَجَريّ، عن عكرمة، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ أنه نهى عن صَوْمِ يَوْمِ عرفةَ بعرفة. وقال الإمام أحمد (٥): حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا حوشب بن عَقيل، حدّثني مَهْديّ المُحاربي، حدّثني عِكْرمة مولى ابن عباس، قال: دخلتُ على أبي هريرة في بيته، فسألتُه عن صوم يوم عرفة بعرفات؟ فقال: نهى رسولُ اللَّه ﷺ عن صوم يوم (٦) عرفة بعرفات. وقال عبد الرحمن مرة عن مهدي العبدي. وكذلك رواه أحمد (٧)، عن وكيع، عن حوشب، عن مَهْدي العَبْديّ فذكره. وقد رواه أبو داود (٨)، عن سليمان بن حرب، عن حوشب. والنسائي (٩) عن سليمان بن مَعْبَد (١٠)، عن سليمان بن حرب به - وعن الفَلّاس عن ابن مهدي به. وابن ماجه (١١) عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن

стр. 2416

محمد، كلاهما عن وكيع، عن حوشب. وقال الحافظ (١) البيهقي: (أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا) (٢) أبو أسامة الكلبي، ثنا حسن بن الربيع، ثنا الحارث بن عُبَيْد، عن حَوْشَب بن عَقيل، عن مَهْدي الهَجَريّ، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: نهى النبيُّ ﷺ عن صوم يوم عرفة بعرفة. قال البيهقي: كذا قال الحارث بن عبيد، والمحفوظ: عن عكرمة عن أبي هريرة. وروى أبو حاتم محمد بن حبّان البُسْتي في "صحيحه" (٣) عن عبد اللَّه بن عمر (٤) أنَّه سُئل عن صَوْمِ يومِ عَرَفَةَ فقال: حججتُ مع رسولِ اللَّه فلم يَصُمْهُ، ومع أبي بكر فلم يَصُمْهُ، ومع عمر فلم يصمه، وأنا فلا أصومه، ولا آمرُ به، ولا أنهى عنه. قال الإمام مالك (٥) عن زياد بن أبي زياد مولى ابن عيّاش (٦)، عن طلحة بن عبيد اللَّه بن كريز: أن رسول اللَّه ﷺ قال: أفضلُ الدُّعاء يومَ عرفةَ، وأفضلُ ما قلتُ أنا والنَّبيُّون من قَبْلي: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له. قال البيهقي: هذا مرسل. وقد رُويَ عن مالك بإسنادٍ آخر موصولًا، وإسناده ضعيفٌ. وقد روى الإمام أحمد والترمذي (٧) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول اللَّه قال: أفضلُ الدّعاءَ يَوْمَ عَرَفَةَ، وخيرُ ما قلتُ أنا والنبيُّون منْ قَبْلي لا إله إلا اللَّه، وَحْدَهُ لا شَريكَ له، له الملكُ وبه الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قدير. وللإمام أحمد أيضًا: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كان (٨) أكثر دعاء (٩) النبيّ ﷺ يومَ عرفة: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وقال أبو عبد اللَّه بن منده (١٠): أنبأنا أحمد (١٠) بن إسحاق بن أيوب النيسابوري، ثنا أحمد بن داود بن جابر الأحْمَسي، ثنا أحمد بن إبراهيم المَوْصِلي، ثنا فَرَجُ بن فَضَالة، عن يحيى بن سعيد، عن نافع عن

стр. 2417

ابن عمر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "دعائي ودعاءُ الأنبياءِ قَبْلي عشيةَ عرفة: لا إله إلا اللَّه وحدَهُ لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كل شيء قدير". وقال الإمام أحمد (١): ثنا يزيد يعني ابن عبد ربه الجرجسي (٢)، ثنا بقية بن الوليد، حدّثني جبير بن عمرو القرشي، عن أبي سعيد الأنصاري، عن أبي يحيى مولى آل (٣) الزُّبير بن العوام، عن الزُّبير بن العوام ﵁، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ وهو بعرفة يقرأ هذه الآية: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في "مناسكه": ثنا الحسن بن مُثَنَّى بن مُعاذ العَنْبَري، ثنا عَفَّان بن مسلم، ثنا قيس بن الربيع، عن الأغرّ بن الصَّبّاح، عن خليفة، عن عليّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : أفضلُ ما قلت أنا والأنبياء قَبْلي عَشيَّة عرفة لا إله إلا اللَّه وحدَهُ، لا شريكَ له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير (٤). وقال الترمذيّ (٥) في الدعوات: ثنا محمد بن حاتم المؤدب، ثنا علي بن ثابت، ثنا قيس بن الربيع، وكان من بني أسد، عن الأغرِّ بن الصَّبَّاح، عن خليفة بن حُصَيْن، عن علي ﵁، قال: كان أكثر (٦) ما دعا به رسول اللَّه ﷺ يوم عرفة في الموقف: اللهمَّ لكَ الحمدُ كالذي نقول، وخيرًا (٧) مما نقول، اللهمَّ لكَ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، ولك ربِّ تراثي، أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصدر، وشتات الأمر. اللهمَّ إنّي أعوذُ بكَ من شَرِّ ما تهبّ به الريحُ. ثم قال: غريب من هذا الوجه وليس إسناده بالقويّ. وقد رواه الحافظ البيهقيّ (٨) من طريق موسى بن عُبَيْدَة، عن أخيه عبد اللَّه بن عُبيدة، عن عليّ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : إنَّ أكثر دعاءِ منْ كانَ قَبْلي ودعائي يومَ عرفة أنْ أقول: لا إله إلا اللَّه، وحدَهُ لا شريكَ له، له المُلْكُ، وله الحمدُ، وهو على كل شيء قدير. اللهمَّ اجعلْ في بَصَري نورًا، وفي

стр. 2418

سمعي نورًا، وفي قلبي نورًا، اللهمَّ اشرحْ لي صدري، ويسِّرْ لي أمري، اللهمَّ إني أعوذُ بك من وسواس الصدر، وشتات الأمر، وشر فتنة القبر، وشرّ ما يلج في الليل، وشر ما يلجُ في النهار، وشر ما تهبُّ به الرياح، وشرّ بوائق الدهر (١). ثم قال: تفرَّد به موسى بن عُبَيْدة، وهو ضعيف، وأخوه عبد اللَّه لم يدرك عليًا. وقال الطَّبراني في "مناسكه" (٢): حدّثنا يحيى بن عثمان المصري (٣)، ثنا يحيى بن بُكَيْر، ثنا يحيى بن صالح الأيْلي، عن إسماعيل بن أمية، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: كان فيما دعا به رسول اللَّه ﷺ في حجة الوداع: "اللهم إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، ولا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير المستغيث المستجير، الوجل المشفق المقر المعترف بذنبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهالَ المُذْنبِ (٤) الذَّليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعَتْ لكَ رقبتُه وفاضَتْ لكَ عَبْرَتُه، وذلَّ لك جسدُه، ورَغِمَ لكَ أنْفُهُ. اللهمَّ لا تجعلني بدعائك ربِّ شقيًا، وكن بي رؤوفًا رحيمًا، يا خير المسؤولين ويا خير المعطين". وقال الإمام أحمد (٥): حدّثنا هُشَيْم (٦)، أنبأنا عبد الملك، ثنا عطاء، قال: قال أسامة بن زيد، كنتُ رَديفَ النبيِّ ﷺ بعرفاتٍ فرفعَ يدَيْه يدعو فمالت (٧) به ناقتُه فسقطَ خِطامُها. قال: فتناولَ الخِطامَ بإحدى يَدَيْه، وهو رافع يَدَه الأخرى. وهكذا رواه النَّسائي (٨)، عن يعقوب بن إبراهيم، عن هشيم به (٩). وقال الحافظ البيهقي (١٠): أنبأنا أبو عبد اللَّه الحافظ، ثنا أبو عبد اللَّه محمد بن يعقوب، ثنا علي بن الحسن، ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز، ثنا ابن جُرَيْج، عن حسين بن عبد اللَّه الهاشمي، عن عكرمة،

стр. 2419

عن ابن عباس، قال: رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ يدعو بعرفة، يداهُ إلى صدره كاستطعام المسكين (١). وقال أبو داود الطيالسي (٢) في "مسنده": حدّثنا عبد القاهر بن السري، حدّثني ابن لكنانة (٣) بن العباس بن مرداس (٤)، عن أبيه، عن جده عباس بن مرداس: أنَّ رسول اللَّه ﷺ دعا عشيةَ عرفة لأُمته بالمغفرة والرحمة، فأكثر الدعاء، فأوحى اللَّه إليه: إنّي قد فعلتُ، إلا ظلمَ بعضهم بعضًا، وأما ذنوبهم فيما بيني وبينهم، فقد غَفَرْتُها، فقال: يا ربِّ إنكَ قادرٌ على أن تُثيبَ هذا المظلوم خيرًا من مظلمته، وتغفر لهذا الظالم، فلم يُجبْهُ تلك العشيةَ، فلما كان غداةَ المُزْدلفة أعاد الدعاء، فأجابه اللَّه تعالى: إّني قد غفرتُ لهم. فتبسَّم رسولُ اللَّه ﷺ فقال له بعض أصحابه: يا رسولَ اللَّه تبسَّمْتَ في ساعة لم تكن تَبسَّم (٥) فيها، قال: تبسَّمْتُ من عدو اللَّه إبليس، إنه لمَّا علمَ أنَّ اللَّه قد استجابَ لي في أُمَّتي أهْوَى يَدْعو بالوَيْل والثُّبور، ويَحْثو التراب على رأسه. ورواه أبو داود السجستاني في "سُننه" (٦) عن عيسى بن إبراهيم البِرَكي وأبي الوليد الطَّيالسي، كلاهما عن عبد القاهر بن السري، عن ابن لكِنانة (٣) بن عَبَّاس بن مِرْداس، عن أبيه، عن جده مختصرًا. ورواه ابن ماجه (٧)، عن أيوب بن محمد الهاشمي عن (٨) عبد القاهر بن السَّرِيّ، عن عبد اللَّه بن كِنانَة بن عباس، عن أبيه، عن جدّه به مطولًا. ورواه ابن جرير في "تفسيره" (٩) عن إسماعيل بن سيف (١٠) العِجْلي، عن عبد القاهر بن السَّريّ، عن ابنٍ لكِنانة (١١) ويقال له أبو كنانة (١٢) عن أبيه، عن جده العباس بن مرداس. . . فذكره.

стр. 2420

وقال (الحافظ أبو القاسم) (١) الطبراني، حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الدَّبَري، حدّثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عمَّن سَمِعَ قتادةَ يقول: حدّثنا خِلاس (٢) بن عَمْرو، عن عُبادة بن الصّامت، قال: قال رسول اللَّه ﷺ يومَ عَرفَة: أيُّها الناس إن اللَّه تَطَوَّلَ عليكم في هذا اليوم، فَغَفَرَ لكم، إلا التَّبعاتِ فيما بينكم، وَوَهَبَ مُسيئَكُم لمُحْسِنِكُمْ. وأعْطى مُحسِنَكم ما سَأَلَ. فادفعوا باسم اللَّه. فلما كانوا بجَمْعٍ قال: إنّ اللَّه قد غفر لصالحيكم (٣)، وشفَّع صالحيكُمْ في طالحيكم، تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ فَتَعُمَّهُم ثم تُفَرَّقُ الرَّحْمَةُ في (٤) الأرض فتقع على كل تائبٍ ممَّن حَفِظَ لسانَهُ ويَدَهُ. وإبليسُ وجنودُه على جبالِ عرفاتٍ يَنْظرون ما يصنع اللَّهُ بهم، فإذا نَزَلتِ الرَّحْمةُ دعا هو وجنودُه بالوَيْلِ والثُّبورِ (٥) يقول (٤): كنت أسْتَفِزُّهُمْ حُقُبًا من الدَّهر، [فجاءت] (٦) المغفرة فغَشيَتْهُمْ، فَيَتفرَّقونَ يَدْعونَ بالوَيْلِ والثُّبورِ (٧). ذِكْرُ ما نَزَلَ على رسولِ اللَّه ﷺ (٤) منَ الوَحْيِ المُنيف (٤) في هذا المَوْقِفِ الشَّريفِ (٤) قال الإمام أحمد (٨): ثنا جعفر بن عَوْن، ثنا أبو العُمَيس، عن قَيْسِ بن مُسْلِمٍ، عن طارقٍ بن شِهابٍ، قال: جاء رجلٌ من اليَهودِ إلى عمرَ بن الخطّابِ فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنّكم تَقْروون آيةً في كتابكُمْ، لو علينا معشرَ اليهود نزلَتْ لاتَّخَذْنا ذلك اليوم عيدًا. قال: وأيُّ آيةٍ هي؟ قال: قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. فقال عُمر: واللَّه إنّي لأعْلَمُ اليومَ الذي نزلَتْ (٩) على رسول اللَّه ﷺ ، والساعةَ التي نزلَتْ فيها على رسول اللَّه ﷺ نزلت عشيةَ عرفة في يوم جمعة. ورواه البخاري (١٠)، عن الحسن بن الصَّبّاح، عن جَعْفر بن عَوْن.
следующие страницы →