← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

رسولُ اللَّه ﷺ في ثلاثة أثوابٍ بيضٍ سَحُوليَّة من كُرْسُفٍ، ليس فيها قميصٌ ولا عمامةٌ، فأما الحلَّةُ فإنّما شُبِّه على الناس فيها، إنَّما اشْتُرِيَتْ له (١) حُلَّةٌ، ليُكَفَّن فيها، فتُرِكتْ، فأخذها (٢) عبدُ اللَّه بن أبي بكرٍ، فقال: لأحْبسَنَّها لنَفْسي حتى أُكَفَّنَ فيها. ثم قال: لو رَضِيَها اللَّهُ لنبيّه ﷺ لكفَّنه فيها. فباعها وتصدَّق بثمنها. رواه مسلمٌ في "الصَّحيح" (٣) عن يحيى بن يحيى، وغيره عن أبي معاوية. ثم رواه البيهقي (٤)، عن الحاكم، عن الأصمِّ، عن أحمد بن عبد الجبار، عن أبي معاوية، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كُفِّن رسولُ اللَّه في بُرْدِ حِبَرةٍ كانت لعبد اللَّه بن أبي بكر، ولُفَّ فيها، ثم نُزِعَتْ عنه، فكان عبدُ اللَّه بن أبي بكر قد أمْسَكَ تلك الحلَّة لنفسه، حتى يُكَفَّن فيها إذا مات، ثم قال بعدَ أن أمْسَكَها: ما كنتُ أُمسِكُ لنفسي شيئًا منعَ اللَّهُ رسولَه ﷺ أنْ يُكَفَّن فيه فتَصَدَّق بثَمَنِها عبدُ اللَّه. وقال الإمام أحمد (٥): حدَّثنا عبد الرَّزاق، ثنا معمرٌ، عن الزُّهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: كُفِّن رسولُ اللَّه ﷺ في ثلاثةِ أثوابٍ سَحُوليّةٍ بيضٍ. ورواه النسائي (٦)، عن إسحاق بن راهويه، عن عبد الرزاق. قال الإمام أحمد (٧): حدَّثنا مِسْكين بن بُكَيْر، عن سعيدٍ، يعني ابن عبد العزيز، قال: قال مكحول: حدّثني عروة، عن عائشة: أنَّ رسول اللَّه ﷺ كُفِّن في ثلاثةِ رياط (٨) يمانية. انفرد به أحمد. وقال أبو يعلى المَوْصِلي: ثنا سهل بن حبيب الأنصاري، ثنا عاصم بن هلال إمام مسجد أيوب، ثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كُفِّن رسولُ اللَّه ﷺ في ثلاثةِ أثوابٍ بيضٍ سَحوليَّة. وقال سفيان، عن عاصم بن عُبَيد اللَّه، عن سالم، عن ابن عمر: أنَّ رسول اللَّه ﷺ كُفِّن في ثَلاثَةِ أثواب. ووقَعَ في بعض الروايات؛ ثَوْبَيْن صُحارِيَّين (٩) وبُرْدِ حِبَرةٍ.

стр. 2557

وقال الإمام أحمد (١): ثنا ابن إدريس، ثنا يزيد، عن مِقْسم عن ابن عباس، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كُفِّن في ثلاثة أثوابٍ، في قَميصه الذي مات فيه، وحُلَّةٍ نَجْرانية - الحلة ثوبان. ورواه أبو داود (٢) عن أحمد بن حنبل، وعثمان بن أبي شَيْبَة، وابنُ ماجه (٣)، عن علي بن محمد، ثلاثتُهم عن عبد اللَّه بن إدريس، عن يزيد بن أبي زياد، عن مِقْسَم، عن ابن عباسٍ بنحوه. وهذا غريب جدًا (٤). وقال الإمام أحمد (٥) أيضًا: حدَّثنا عبد الرزاق، ثنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مِقْسَم، عن ابن عباس، قال: كُفِّنَ رسولُ اللَّه ﷺ في ثَوْبَيْن أبْيَضَيْن وبُرْدٍ أحمر (٦). انفرد به أحمد من هذا الوجه. وقال أبو بكر الشافعي: ثنا علي بن الحسن، ثنا حُمَيْد بن الرَّبيع، ثنا بكرٌ، يعني ابن عبد الرحمن، ثنا عيسى، يعني ابن المختار، عن محمد بن عبد الرحمن، هو ابن أبي ليلى، عن عطاء عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس، قال: كُفِّنَ رسولُ اللَّه في ثوبَيْن أبْيَضَيْن وبُرْدٍ أحمر (٧). وقال أبو يعلى (٨): ثنا سليمان الشاذكوني، ثنا يحيى بن أبي الهيثم، ثنا عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس، عن الفضل، قال: كُفِّنَ رسولُ اللَّه ﷺ في ثَوْبَيْن أبيضين سَحُوليَّين، زاد فيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: وبُرْدٍ أحْمَر. وقد رواه غيرُ واحدٍ، عن أبى (٩) إسماعيل المُؤَدّب، عن يعقوب بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس عن الفضل، قال: كُفن رسولُ اللَّه ﷺ في ثَوْبَيْن أبيضين، وفي رواية: سحولية، فاللَّه أعلم. وروى الحافظ ابن عساكر من طريق أبي طاهر المُخَلِّص، ثنا أحمد بن إسحاق [البُهْلول]، ثنا عَبَّاد بن يَعْقوب، ثنا شَريك عن أبي إسحاق. قال: وقعتُ على مجلس بني عبدِ المُطَّلب وهم

стр. 2558

متوافرون، فقلتُ لهم: في كمْ كُفِّنَ رسولُ اللَّه ﷺ ؟ قالوا: في ثلاثةِ أثوابٍ ليس فيها قميصٌ ولا قَباءٌ (١) ولا عمامةٌ. قلت: كمْ أسرَ منكمٌ يومَ بدرٍ؟ قالوا: العَبّاسُ ونَوْفَلٌ وعَقيلٌ. وقد روى البيهقي (٢) من طريق الزهري، عن عليّ بن الحسين زَيْن العابدين، أنه قال: كُفِّنَ رسول اللَّه في ثلاثةِ أثوابٍ أحدُها بُرْدٌ (٣) حِبَرةٍ. وقد ساقه الحافظُ ابنُ عساكر من طريقٍ، في صحَّتِها نظرٌ، عن علي بن أبي طالب، قال: كَفَّنْتُ رسول اللَّه ﷺ في ثوبين سَحُوليَّين وبُرْدٌ حِبَرَةٍ. وقد قال أبو سعيد بن الأعرابي (٤): حدَّثنا إبراهيم بن الوليد، ثنا محمد بن كثير، ثنا هشام، عن قَتادة، عن سَعيد بن المُسيّب، عن أبي هريرة. قال: كُفِّن رسولُ اللَّه ﷺ في رَيْطتَيْن وبُرْدٍ نَجْرانيٍّ. وكذا رَواهُ أبو داود الطَّيالسيّ، عن هشام، وعمران القَطان، عن قتادة، عن سعيد، عن أبي هريرة به. وقد رواه الرَّبيعُ بن سُلَيْمان، عن أسد بن موسى، ثنا نصر بن طَريف، عن قَتادة، ثنا ابن المُسيب، عن أم سَلَمة: أنَّ رسول اللَّه كُفِّن في ثلاثة أثوابٍ أحدُها بُرْدٌ نَجْراني. وقال البيهقي (٥): وفيما رُوِّينا عن عائشة بيانُ سبب الاشتباه على الناس، وأنّ الحِبرةَ أخِّرتْ عنه. واللَّه أعلم. ثم روى الحافظ البيهقي، من طريق محمد بن إسحاق بن خزيمة، ثنا يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرقي، عن حُمَيْد بن عبد الرحمن الرُّؤاسي، عن حَسَن بن صالحٍ عن هارون بن سعد (٦)، قال: كان عند عليٍّ مِسْكٌ، فأوصى أن يُحَنَّط به، وقال: هو من فَضْل حَنوطِ رسول اللَّه ﷺ . ورواه (٧) من طريقِ إبراهيم بن موسى، عن حميدٍ، عن حسن، عن هارون، عن أبي وائلٍ، عن علىّ. . . فذكره. كيفية الصلاة عليه ﷺ - وقد تقدم الحديث الذي رواه البيهقيّ من حديث الأشعث بن طَليقٍ، والبزَّار من حديث

стр. 2559

ابن (١) الأصبهاني، كلاهما عن مُرَّة، عن ابن مسعود: في وصِيَّة النبيّ ﷺ أن يُغَسِّلَه رجالُ أهلِ بَيْتِه، وأنه قال: كَفِّنوني في ثيابي هذه، أو في يمنيه (٢) أو بياضِ مصر، وأنه إذا كفَّنوه يضعونه على شَفير قَبْره، ثم يَخْرجون عنه حتى تُصَلّي عليه الملائكةُ، ثم يدخلُ عليه رجال أهلِ بيتهِ فيصلُّون عليه، ثمّ الناس بعدهم فرادى. . . الحديث بتمامه، وفي صحته نظرٌ كما قدمنا، واللَّه أعلم. وقال محمد بن إسحاق (٣): حدّثنى الحسين بن عبد اللَّه بن عُبَيد اللَّه بن عباس، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما مات رسول اللَّه ﷺ أدخِلَ الرجالُ فَصَلُّوا عليه بغيرِ إمام أرسالًا حتى فرغوا، ثم أُدخِلَ النِّساءُ فَصَلَّيْنَ عليه، ثم أُدْخِل الصِّبْيان فَصَلَّوا عليه، ثم أُدْخِلَ العَبيدُ فَصَلَّوا عليه أرْسالًا، لم يَؤُمَّهُمْ على رسول اللَّه ﷺ أحدٌ. وقال الواقدي (٤): حدّثني أبيُّ بن عَباس (٥) بن سَهْل بن سَعْد، عن أبيه، عن جده. قال: لما أُدْرجَ رسول اللَّه ﷺ في أكْفانِهِ وُضِعَ على سَريره، ثم وُضِعَ على شَفير حُفْرَتِهِ، ثم كان الناسُ يَدْخُلونَ عليه رُفَقاء رُفَقاءَ، لا يَؤُمُّهُمْ عليه (٦) أحدٌ. قال الواقدي: حدّثني موسى بن محمد بن إبراهيم، قال: وجدتُ كتابًا (٧) بخط أبي فيه أنَّه لما كُفِّنَ رسولُ اللَّه ﷺ ووُضِعَ على سَريره، دَخَلَ أبو بكرٍ وعمر، ﵄، ومَعَهُما نفرٌ من المهاجرين والأنْصار بقدرِ ما يَسَعُ البَيْتُ، فقالا: السَّلامُ عليكَ أيُّها النبيُّ ورحمةُ اللَّهِ وبركاتُه، وسلَّم المهاجرون والأنصارُ كما سلَّم أبو بكر وعُمر (٨)، ثم صُفُّوا صفوفًا لا يَؤُمُّهم أحدٌ، فقال أبو بكر وعمر -وهما في الصف الأول حِيالَ رسول اللَّه ﷺ اللَّهُمّ إنّا نَشْهَدُ أنَّه قد بَلَّغَ ما أُنْزِلَ إليه، ونَصَحَ لأمَّتِه، وجاهَدَ في سبيلِ اللَّهِ حتَّى أعزَّ اللَّهُ دينَه وتمَّت كلمتُهُ، وأُؤْمِنَ به وحدَهُ لا شريكَ له، فاجْعَلنا إلَهنا مِمَّن يَتَّبعُ القولَ الذي أُنْزِل معه، وأجمعْ بينَنا وبينَه حتّى تُعَرِّفَه بنا وتُعَرِّفَنا به (٩) فإنّه كان بالمؤمنين رؤوفًا رحيمًا، لا نَبْتَغي بالإيمان به بديلًا، ولا نشْتَري به ثَمنًا أبدًا. فيقول الناس: آمين آمين، ويخرجون ويدخلُ آخرون حتى صَلَّى الرجالُ. ثم النساء، ثم الصبيانُ.

стр. 2560

وقد قيل: إنَّهم صلَّوا عليه من بعدِ الزَّوال يومَ الإثنين إلى مثلِه من يومِ الثلاثاءِ. وقيل: إنَّهم مَكَثوا ثلاثةَ أيامٍ يصلُّون عليه، كما سيأتي بيانُ ذلك قريبًا. واللَّه أعلم. وهذا الصَّنيعُ، وهو صلاتُهم عليه فُرادى لم يَؤُمَّهم أحدٌ عليه، أمْر مُجْمَعٌ عليه لا خلافَ فيه، وقد اختُلِفَ في تَعْليلهِ؛ فَلَوْ صَحَّ الحديثُ الذي أوْرَدْناه عن ابن مسعودٍ لكانَ نَصًّا في ذلك ويكون من باب التَّعَبُّدِ الذي يعسُرُ تعقُّلُ معناه، وليس لأحدٍ أن يقولَ لأنَّه لم يكنْ لهم إمامٌ لأنّا قد قَدَّمنا أنَّهم إنَّما شَرَعوا في تَجْهيزه ﵊ بعدَ تَمامِ بَيْعةِ أبي بكرٍ، ﵁ وأرضاه، وقد قال بعضُ العلماء: إنَّما لم يَؤُمَّهم أحدٌ، ليُباشرَ كلُّ واحدٍ من النّاس الصلاةَ عليه منه إليه، ولتُكَرَّرَ صلاةُ المُسلمينَ عليه مرةً بعد مرةٍ، من كلِّ فردٍ فردٍ من آحادِ الصَّحابة، رجالُهم ونساؤُهم وصبيانُهم حتى العبيدُ والإماءُ. وأما السُّهَيْلي (١) فقال ما حاصله: إنّ اللَّهَ قد أخبرَ أنه وملائكتَه يصلُّون عليه، وأمرَ كلَّ واحدٍ من المؤمنين أن يصلِّي عليه، فوجب على كل أحدٍ أن يُباشرَ الصلاةَ عليه منه إليه، والصلاةُ عليه بعد موته من هذا القَبيل. قال: وأيضًا فإنَّ الملائكةَ لنا (٢) في ذلك أئمةٌ. فاللَّه أعلم. وقد اختلف المُتأَخِّرون من أصحاب الشافعيّ في مشروعيَّةِ الصَّلاةِ على قَبْرِه لغير الصحابة. فقيل: نعم، لأنَّ جَسَدَهُ ﵊ طَريٌّ في قَبْره، لأنَّ اللَّهَ قد حَرَّمَ على الأرْضِ أن تَأْكُلَ أجسادَ الأنبياء، كما وَرَدَ بذلك الحديثُ في السُّنَنِ وغيرها (٣)، فهو كالمَيتِ اليومَ. وقال آخرون: لا يَفْعَلُ؛ لأن السَّلفَ مِمَّنْ بَعْدَ الصَّحابة لم يَفْعَلُوهُ، ولو كان مَشْروعًا لبادَروا إليه، ولثابَروا عليه، واللَّه أعلم. صِفَةُ دَفْنِهِ ﵊ وأيْن دُفن (وذكر الخلاف في دفنه ليلًا كان أو نهارًا) (٤) قال الإمام أحمد (٥): حدَّثَنا عبد الرزاق، ثنا ابن جُرَيْج، أخبرني أبي -وهو عبد العزيز بن جُرَيْج-: أنَّ أصحابَ النبيِّ ﷺ ، (لم يَدْروا أين يَقْبرُون (٦) النبي ﷺ . حتَّى قال أبو بكر: سَمِعْتُ

стр. 2561

النبيَّ ﷺ ) (١) يقول: لمْ يُقْبرْ نبيٌّ إلا حيث يموتُ، فأَخَّروا فِراشَه، وحَفَروا تحت فِراشِه ﷺ . وهذا فيه انقطاعٌ بينَ عبد العزيز بن جُرَيْجٍ وبينَ الصّدّيق، فإنّه لم يدركه. لكن رواهُ الحافظُ أبو يَعْلَى (٢) منْ حديث ابنِ عبّاسٍ، وعائشةَ، عن أبي بكر الصدّيق ﵃، فقال: ثنا أبو موسى الهَرَوي، ثنا أبو معاوية، ثنا عبد الرحمن بن أبي بكر، عن ابن أبي مُلَيكة، عن عائشة، قالت: اخْتَلفوا في دَفْنِ النبيِّ ﷺ حينَ قُبضَ، فقال أبو بكر: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يقول: "لا يُقْبضُ النبيُّ إلا في أحبّ الأمْكِنَةِ إليه". فقال: ادْفِنُوه حيث قُبِضَ. وهكذا رواه الترمذيّ (٣)، عن أبي كُرَيْبٍ، عن أبي معاوية، عن عبد الرحمن بن أبي بكر المُلَيْكي، عن ابن أبي مُلَيْكة، عن عائشة، قالت: لما قُبضَ رسولُ اللَّه ﷺ اخْتَلفُوا في دَفْنِه، فقال أبو بكر: سَمِعْتُ منْ رسولِ اللَّهِ شَيْئًا ما نَسيتُه. قال: "ما قَبَضَ اللَّه نَبيًّا إلا في المَوْضِعِ الذي يَجبُ أن يُدْفَنَ فيه". ادْفِنُوهُ في مَوْضِعِ فِراشِهِ. ثم إنَّ الترمذيَّ ضَعَّفَ المُلَيْكي، ثم قال: وقد رُويَ هذا الحديثُ من غير هذا الوجه، رواه ابنُ عباسٍ عن أبي بكر الصديق، عن النبي ﷺ وقال الأموي، عن أبيه، عن ابن إسحاق، عن رجل حَدَّثَهُ، عن عروة، عن عائشة: أنَّ أبا بكرٍ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "إنَّه لَمْ يُدْفَنْ نبيٌّ قَط إلا حيث قُبض". وقال (٤) أبو بكر بن أبي الدنيا، حدّثني محمد بن سهل التَّميمي، ثنا هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن حمّاد بن سَلَمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كانَ بالمدينة حَفّاران، فلما ماتَ النبيُّ ﷺ ، قالوا: أين نَدْفِنه؟ فقال أبو بكر ﵁: في المكان الذي مات فيه، وكان أحدُهما يَلْحَدُ والآخر يَشُقّ، فجاء الذي يَلْحَدُ فَلَحَدَ للنبيِّ ﷺ . وقد رواهُ مالك (٥) بن أنس، عن هشام بن عروة، عن أبيه منقطعًا. وقال أبو يعلى (٦): حدَّثنا جَعْفَر بن مِهْران، ثنا عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، حدّثني حسين (٧) بن عبد اللَّه، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما أرادوا أن يَحْفِروا للنبيِّ ﷺ ، وكان

стр. 2562

أبو عبيدة بن (١) الجراح يَضْرحُ كحفر (٢) أهلِ مكة، وكان أبو طلحة زيدُ بن سَهْل هو الذي كان يَحْفِرُ لأهْل المدينة، وكان يَلْحَدُ، فدعا العبّاسُ رجلين، فقال لأحدِهما: اذْهَبْ إلى أبي عُبَيْدة. وقال للآخر: اذْهَبْ إلى أبي طَلْحَة. اللَّهمَّ خِرْ لرسولك. قال: فوجد صاحبُ أبي طلحة أبا طلحة، فجاءَ به فَلَحَدَ لرسولِ اللَّه ﷺ . فلما فُرغَ من جَهازِ رسول اللَّه ﷺ يومَ الثّلاثاء وُضِعَ على سَريره في بيته، وقد كانَ المسلمون اخْتَلَفوا في دَفْنِهِ. فقال قائل: نَدْفِنُهُ في مَسْجِدِهِ. وقال قائل: نَدْفِنُهُ مع أصحابه. فقال أبو بكر: إنّي سَمِعْتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما قُبضَ نبي إلا دُفِنَ حَيْثُ قُبِضَ". فرفِعَ فراشُ رسولِ اللَّه ﷺ الذي تُوفَيَ فيه فحَفَروا له تَحْتَه، ثم أُدْخِلَ الناسُ على رسول اللَّه ﷺ يُصَلّون عليه أرْسالًا؛ الرجالُ، حتى إذا فُرغَ منهم، أدْخِلَ النِّساءُ، حتى إذا فَرَغَ النساءُ، أُدْخِلَ الصِّبْيانُ، ولم يَؤُمَّ النَّاسَ على رسول اللَّه ﷺ أحدٌ. فدفن رسول اللَّه ﷺ من أوسطِ اللَّيْل ليلةَ الأرْبعاء. وهكذا رواه ابن ماجه (٣)، عن نصرٍ بن عليّ الجَهْضَمي، عن وهب بن جَرير، عن أبيه، عن محمد بن إسحاقٍ، فذكر بإسناده مثله. وزاد في آخره ونزل (٤) في حُفْرتِه عليٍّ بن أبي طالب، والفَضْلُ وقُثَمُ ابنا عباس، وشُقْرانُ مولى رسول اللَّه ﷺ . قال أوْسُ بن خَوْليّ -وهو أبو ليلى- لعليّ بن أبي طالبٍ: أنْشُدُكَ اللَّهَ! وحَظّنَا من رسول اللَّه ﷺ . قال له علي: انْزِلْ. وكان شُقْرانُ مَوْلاه أخَذَ قطيفةً كان رسولُ اللَّه ﷺ يَلْبَسُهَا، فَدَفَنها في القَبْر، وقال: واللَّهِ لا يَلْبَسُها أحدٌ بَعْدَك. فدُفِنَتْ معَ رسولِ اللَّه ﷺ . وقد رواه الإمامُ أحمد (٥)، عن حسين بن محمد، عن جرير بن حازم، عن ابن إسحاق، مختصرًا. وكذلك رواه يونس بن بُكَيْر وغيره، عن ابن (٦) إسحاق به. وروى الواقدي (٧): عن ابن أبي حَبيبة، عن داود بن الحصين عن عكرمة، عن ابن عباس، عن أبي بكر الصديق، عن رسول اللَّه ﷺ : "ما قَبَضَ اللَّهُ نَبيًّا إلا ودُفِنَ حيثُ قُبضَ". وروى البيهقي (٨)، عن الحاكم، عن الأصَمّ، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بُكَير، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن الحُصَيْن، أو محمد بن جعفر بن الزبير،

стр. 2563

قال: لمّا ماتَ رسولُ اللَّه ﷺ اخْتَلَفوا في دَفْنِه فقالوا: كيف نَدْفِنُهُ مع الناس أو في بيوتِه؟ فقال أبو بكر: إني سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "ما قَبَضَ اللَّهُ نَبيًّا إلا دُفِنَ حَيْثُ قُبضَ". فدُفِنَ حيث كان فراشُه رُفِعَ وحُفِر تَحْتَه. وقال الواقديّ (١): حدَّثنا عبد الحميد بن جعفر، عن عثمان بن محمد الأخْنسيّ، عن عبد الرحمن بن سعيد -يعني ابن يربوع- قال: لمّا تُوفّي النبيِّ ﷺ اخْتَلفُوا في موضع قَبْره. فقال قائل: في البَقيع، فقد كان يُكْثرُ الاستغفار لهم، وقال قائل: عند منبره، وقال قائل: في مُصَلّاه. فجاء أبو بكر. فقال: إنَّ عندي من هذا خبرًا وعلمًا، سمِعْتُ رسولَ اللَّه يقول: ما قُبضَ نبيٌّ إلا دُفِنَ حَيْثَ تُوفّي. قال الحافظ البيهقي (٢): وهو في حديث يَحْيَى بن سَعيد، عن القاسم بن محمد، وفي حديث ابن جُرَيْجٍ، عن أبيه، كلاهما عن أبي بكر الصّدّيق، عن النبي ﷺ مرسلًا. وقال البيهقي (٣): عن الحاكم، عن الأصمّ، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بُكَير، عن سَلَمة بن نُبَيْط بن شَرِيط، عن أبيه، عن سالم بن عُبَيْد، وكان من أصحاب الصُّفَّةِ، قال: دخل أبو بكر على رسول اللَّه ﷺ حين مات، ثم خرج، فقيل له: تُوفّي رسولُ اللَّه ﷺ ؟ قال: نعم. فعلموا أنّه كما قال، وقيل له: أنُصلِّي عليه؟ وكيف نصلي عليه. قال: تَجيئون عُصَبًا عُصَبًا فتُصَلُّون، فعلموا أنَّه كما قال، قالوا: هل يُدْفنُ وأين؟ قال: حيث قَبضَ اللَّهُ روحَه، فإنّه لم يَقْبضْ روحَه إلا في مكانٍ طيّب فعلموا أنه كما قال. وروى البيهقي (٤) من حديث سُفْيان بن عُيَينة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سَعيد بن المُسَيّب، قال: عَرَضتْ عائشةُ على أبيها رُؤْيا، وكان من أعْبَر الناس، قالت: رأيتُ ثلاثةَ أقمارٍ وَقَعْنَ في حِجْري، فقال لها: إن صدَقَتْ رُؤْياك دُفِنَ في بيتك منْ خير أهلِ الأرض ثلاثة. فلما قُبضَ رسولُ اللَّه ﷺ قال: يا عائشةُ، هذا خيرُ أقْمارك. ورواه مالك (٥)، عن يحيى بن سعيد، عن عائشة مُنْقطعًا. وفي "الصحيحين" (٦) عنها أنها قالت: تُوُفِّي النبيِّ ﷺ في بيتي وفي يومي وبين سَحْري ونَحْري، وجَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ ريقي وريقِه في آخر ساعةٍ من الدنيا وأول ساعة من الآخرة.

стр. 2564

وفي صحيح البخاري (١): من حديث أبي عَوانة (٢)، عن هلال الوَزَّان (٣)، عن عروة، عن عائشة، قالت: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ في مرضه الذى ماتَ فيه يقول: "لَعَنَ اللَّهُ اليهوِدَ والنَّصارى اتَّخذوا قُبور أنبيائهمْ مساجدَ". قالَتْ عائشةُ: ولولا ذلك لأُبْرِزَ قبره، غيرَ أنه خَشِيَ أن يُتَّخذَ مَسْجدًا. وقال ابن ماجه (٤): حدَّثنا محمود بن غيلان، ثنا هاشِمُ بن القاسِم، ثنا مبارك بن فَضالة، حدّثني حُمَيْد الطَّويل، عن أنس بن مالك، قال: لمّا تُوفِّي رسول اللَّه ﷺ ، وكان بالمدينة رجلٌ يَلْحَدُ، والآخر يَضْرَحُ، فقالوا: نَسْتخيرُ رَبَّنا (٥) ونبعثُ إليهما فأيُّهما سُبق تركناه. فأُرْسِل إلَيْهما فَسَبَقَ صاحبُ الَّلحْدِ، فَلَحَدوا لِلنَّبي ﷺ . تفرد به ابن ماجه، وقد رواه الإمام أحمد (٦)، عن أبي النَّضر هاشم بن القاسم به. وقال ابن ماجه (٧) أيضًا: حدَّثنا عُمَر بن شَبَّة بن عَبيدة (٨) بن زَيْد، ثنا عُبَيْد بن طُفَيْل، ثنا عبدُ الرحمن ابن أبي مُلَيْكة، حدّثني ابن أبي مُلَيْكة، عن عائشة، قالت: لمّا ماتَ رسولُ اللَّه ﷺ اخْتَلَفوا في اللَّحْدِ والشّقّ، حتى تَكَلَّموا في ذلك، وارتفعت أصواتهم، فقال عمر: لا تَصْخبوا عندَ رسول اللَّه ﷺ حَيّا ولا ميِّتًا -أو كلمة نَحْوهَا- فارسلوا إلى الشَّقَّاق واللَّاحِدِ جميعًا، فجاء اللّاحد، فلحدَ لرسول اللَّه ﷺ ثم دُفِنَ، تَفَرَّدَ به ابن ماجه. وقال الإمام أحمد (٩): حدَّثنا وكيع، ثنا العُمَري، عن نافع، عن ابن عمر (١٠) وعن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أُلْحِدَ له لَحْدٌ. تفرَّدَ به أحمد من هذين الوجهين.

стр. 2565

وقال الإمام أحمد (١): حدَّثنا يحيى عن (٢) شعبة، وابن جعفر، ثنا شعبة؛ حدّثني أبو جَمْرةَ (٣) عن ابن عباس، قال: جُعِل في قبرِ النبيِّ ﷺ قَطيفةٌ حمراءٌ. وقد رواه مسلم (٤) والتّرمذي (٥) والنسائي (٦) من طرقٍ، عن شعبة به. وقد رواه وكيعٌ عن شعبة. وقال وكيع: كان هذا خاصًّا برسولِ اللَّه ﷺ رواه ابن عساكر. وقال ابن سعد (٧): أخبرنا محمد بن عبد اللَّه الأنْصاري، ثنا أشعثُ بن عبد الملك الحُمْراني، عن الحسن: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ بُسِطَ تحتَه سَمَل (٨) قَطيفةٍ حَمْراءَ كان يلبسُها. قال (٩): وكانت أرضًا نَدِيَّةً. وقال هُشَيْمٌ عن (١٠) منصور، عن الحسن، قال: جُعِلَ في قبر النبيّ ﷺ قَطيفةٌ حَمْراءُ، كان أصابها يومَ حنين. قال الحسن: جَعَلَها، لأنَّ المدينة أرضٌ سَبِخَةٌ. وقال محمد بن سعد (١١): ثنا حَمّادُ بن خالد الخَيّاط، عن عُقْبة بن أبي الصَّهْباءِ، سمعتُ الحسنَ يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "افْرشُوا لي قطيفتي (١٢) في لَحْدي، فإنَّ الأرضَ لم تُسَقَطْ على أجساد الأنبياء". وروى البيهقي (١٣) من حديث مُسَدّد، ثنا عبد الواحد، ثنا مَعْمرٌ، عن الزُّهْري، عن سعيد بن المسيّب، قال: قال عليّ: غَسَّلْتُ النبيَّ ﷺ ، فذهبتُ أنظر إلى ما يكونُ من الميِّت، فلم أر شيئًا، وكان طَيِّبًا حيًّا وميِّتًا ﷺ . قال: وَوَليَ دَفْنَهُ ﵊ وإجْنانه (١٤) دون النّاسِ أرْبَعَةٌ: عليٌّ،

стр. 2566

والعَبَّاسُ، والفَضْلُ، وصالحٌ مولى النبي ﷺ ، ولُحِدَ للنَّبيّ ﷺ لحدٌ (١)، ونُصِبَ عليه اللَّبِنُ نَصْبًا. وذكر البيهقيُّ (٢)، عن بعضهم: أنه نُصِبَ على لَحْدِه ﵊ تسعُ لَبناتٍ. وروى الواقدي، عن ابن أبي سَبْرَة، عن عباس (٣) بن عبد اللَّه بن مَعْبَد، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، قال: كان رسول اللَّه ﷺ موضوعًا على سَريره من حين زاغَتِ الشمسُ من يوم الإثنين إلى أن زاغَتِ الشمسُ يومَ الثلاثاء، يصلِّي الناسُ عليه وسريرُه على شَفيرِ قَبْره. فلما أرادوا أن يَقْبُروه ﵊ نَحَّوْا السَّريرَ قِبَل رِجْليه، فأُدْخِلَ منْ هُناك. ودخلَ في حُفْرتِهِ العباسُ وعليٌّ وقُثَم والفَضْلُ وشُقْرانُ. وروى البيهقي (٤) من حديث إسماعيل السُّدّي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: دخلَ قبرَ رسولِ اللَّه ﷺ العباسُ وعليٌّ والفضلُ، وسوَّى لَحْدَه رجل من الأنصار، وهو الذي سَوَّى لحودَ قُبور الشهداء يومَ بدرٍ. قال ابن عساكر: صوابه يوم أحد. وقد تقدَّمَ روايةُ ابن إسحاق، عن حسين بن عبد اللَّه، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان الذين نزلوا في قَبْرِ رسول اللَّه ﷺ : عليٌّ والفَضْلُ وقُثَمُ وشُقْرانُ، وذكر الخامِسَ وهو أوْسُ بن خَوْليٍّ، وذكر قصةَ القَطيفة التي وضعها في القبر شُقْران. وقال الحافظ البيهقي (٥): أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنا أبو طاهر المُحَمَّداباذيّ، ثنا أبو قِلابة، ثنا أبو عاصم، ثنا سفيان بن سعيد، هو الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبيّ، قال: حدّثني أبو مَرْحَب، قال: كأنّي أنْظُر إليهم في قبر النبيّ ﷺ أربعة؛ أحدُهم عبدُ الرحمن بن عوف. وهكذا رواه أبو داود (٦)، عن محمد بن الصَّبّاح، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد به. ثم رواه عن (٧) أحمد بن يونس، عن زهير، عن إسماعيل، عن الشعبيّ، حدّثني مَرَّحَبٌ أو أبو مَرْحَبٍ، أنهم أدْخَلوا معهم عبدَ الرحمن بن عوف، فلما فرغَ عليٌّ قال (٨): إنما يَلي الرَّجُلَ أهلُهُ. وهذا حديثٌ غريبٌ جدًا، وإسنادهُ جيدٌ قويٌ، ولا نَعْرفُه إلا من هذا الوجه. وقد قال أبو عمر بن عبد البر في "استيعابه" (٩): أبو مَرْحَب اسمه سُوَيْدُ بن قيس، وذكر أبا مرحب

стр. 2567

آخر، وقال: لا أعرف خَبَرَه. قال ابن الأثير في "الغابة" (١): فيحتملُ أن يكون راوي هذا الحديثِ، أحدَهما أو ثالثًا غيرَهما. وللَّه الحمد. آخِرُ النَّاسِ به عَهْدًا ﵊ قال الإمام أحمد (٢): ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدّثني أبي إسحاق بن يسار، عن مِقْسَم أبي القاسم، مولى عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل، عن مولاه عبد اللَّه بن الحارث، قال: اعتمرتُ مع عليٍّ في زمانِ عمر، أو زمانِ عُثمان، فنزل على أُخْتِه أمّ هانيءٍ بنت أبي طالب، فلما فرغَ من عُمْرتِه رَجَع، فسُكِب (٣) له غُسْلٌ فاغتسل، فلما فَرَغَ من غُسْله دَخَلَ عليه نفرٌ من أهل العراق، فقالوا: يا أبا الحسن جِئْناكَ نسألُكَ عن أمرٍ نُحِبُّ أن تخبرنا عنه. قال: أظن المُغيرةَ بن شُعْبة يُحَدِّثُكُمْ أنه كان أحدثَ الناس عهدًا برسول اللَّه ﷺ ، قالوا: أجلْ عن ذلك جئنا نَسْألُكَ. قال: أحدثُ الناسِ عَهْدًا برسول اللَّه ﷺ قُثَمُ بن عباسٍ. تَفَرَّدَ به أحمد من هذا الوجه. وقد رواه يونُسُ بن بُكَيْر، عن محمد بن إسحاق به، مثلَه سواءٌ، إلا أنه قال قبله: عن ابن إسحاق قال: وكان المغيرةُ بن شعبة يقول: أخذتُ خاتَمي فألْقَيْتُه في قبر رسول اللَّه ﷺ ، وقلتُ حينَ خرجَ القوم: إن خاتَمي قد سَقَطَ في القبر، وإنما طرحتُه عَمْدًا؛ لأمسَّ رسولَ اللَّه ﷺ فأكونَ آخرَ الناس عهدًا به. قال ابن إسحاق (٤): فحدّثني والدي إسحاقُ بن يَسارٍ، عن مِقْسمٍ، عن مولاه عن عبد اللَّه بن الحارث، قال: اعتمرت مع عليٌّ. . . فذكَر ما تقدم، وهذا الذي ذُكِرَ عن المُغيرة بن شُعْبةَ لا يَقْتضي أنَّه حصل له ما أمَّلَه فإنّه قد يكون عليٌّ ﵁، لم يُمَكِّنْه من النُّزولِ في القبر، بل أمَرَ (٥) غيره فناوله إياه، وعلى ما تقدَّم يكون الذي أمره بمُناوَلته له قُثَم بن عباس. وقد قال الواقديُّ: حدّثني عبد الرحمن بن أبي الزّناد، عن أبيه، عن عُبَيْد اللَّه بن عبد اللَّه بن عُتْبَة، قال: ألْقَى المغيرةُ بن شعبة خاتَمَه في قبرِ رسول اللَّه ﷺ ، (فقال عليّ: إنما ألْقَيْتَهُ لتقولَ نزلتُ (٦) في قبر النبي) (٧) ﷺ ، فنزل فأعطاه أوْ أمَرَ رجلًا فأعطاه.

стр. 2568

وقد قال الإمام أحمد (١): حدَّثنا بَهْزٌ وأبو كامل، قالا: ثنا حَمّاد بن سَلَمة، عن أبي عمران الجَوْنيّ، عن أبي عَسيب أو أبي عَسيم (٢)، قال بَهْزٌ: إنه شَهِدَ الصَّلاةَ على النبيّ ﷺ . قالوا: كيفَ نصَلِّي عليه (٣)؟ قال: ادخلوا أرسالًا أرسالًا. فكانوا يَدْخُلون من هذا الباب، فيُصلُّون عليه، ثم يَخْرجون من الباب الآخر. قال: فلما وُضعَ في لَحْدِه ﷺ . قال المُغيرة: قد بَقِيَ من رِجْلَيْه شيءٌ لم تُصْلِحُوه. قالوا: فادخُلْ فأصْلِحْهُ. فدخلَ وأدْخَلَ يَدَهُ فَمَسَّ قَدَمَيْه ﵊. فقال: أهيلوا عليه التُرابَ. فأهالوا عليه حتَّى بلغَ إلى أنصاف ساقَيْه، ثم خرج، فكان يقول: أنا أحْدَثُكُمْ عَهْدًا برسولِ اللَّه ﷺ . مَتَى وَقَعَ دَفْنُهُ ﵊ (٤) قال (٥) يونس، عن ابن إسحاق: حدَّثَتْني فاطمةُ بنتُ محمدٍ امرأةُ عبدِ اللَّه بن أبي بكر - وأدْخَلني عليها، حتى سمعتُه منها (٦)، عن عَمْرة، عن عائشة. أنَّها قالت: ما عَلِمْنا بدَفْن النبيِّ ﷺ حتَّى سَمِعْنا صوتَ المَساحي في جوف ليلةِ الأربعاء. وقال الواقدي (٧): حدَّثنا ابن أبي سَبْرة، عن الحُلَيْس بن هاشم (٨) عن عبد اللَّه بن وهب، عن أم سلمة، قالت: بينا نحن مجتمعون نَبْكي لم ننم، ورسول اللَّه ﷺ في بُيوتنا، ونحن نَتَسلَّى برؤيته على السّرير، إذ سمعنا صوت الكَرازينِ (٩) في السَّحَر. قالت أم سلمة: فَصِحْنا وَصاحَ أهلُ المَسْجد، فارْتَجَّتِ المدينةُ صَيْحة واحدة، وأذَّنَ بلالٌ بالفَجْرِ، فلما ذكَر النبيَّ ﷺ بكى وانتحب، فزادنا حُزْنًا وعالجَ الناسُ الدخولَ إلى قَبْره، فغُلِقَ دونَهم، فيا لها من مُصيبة، ما أُصِبنا بعدَها بمصيبة إلا هانَتْ إذا ذكرنا مُصيبتَنا به ﷺ . وقد روى الإمام أحمد (١٠)، من حديث محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه،

стр. 2569

عن عائشة: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ تُوفِّي يومَ الإثنين، ودفن ليلة الأربعاء. وقد تقدَّم مثله في غير ما حديثٍ. وهو الذي نصَّ عليه غيرُ واحدٍ من الأئمة سلَفًا وخَلَفًا؛ منهم سليمان بن طَرْخان التَّيْمي، وجعفر بن محمد الصادق، وابن إسحاق، وموسى بن عقبة، وغيرهم. وقد روى يعقوب بن سفيان (١)، عن عبد الحميد بن (٢) بكار، عن محمد بن شعيب، عن الأوزاعي، أنه قال: تُوفّي رسول اللَّه ﷺ يومَ الإثنين قبلَ أن ينتصف النهار، ودفن يوم الثلاثاء. وهكذا روى الإمام أحمد (١)، عن عبد الرزاق، عن ابن جُرَيْج، قال: أُخبرتُ أنّ رسول اللَّه ﷺ مات في الضُّحَى يوم الإثنين، ودُفن (٣) الغدَ في الضُّحى (٤). وقال يعقوب بن (٥) سفيان: ثنا سعيد بن منصور، ثنا سُفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، وعن ابن جُرَيْج، عن أبي جعفر: أنَّ رسولَ اللَّه تُوُفِّي يومَ الإثنين، فلبثَ ذلك اليومَ وتلكَ الليلةَ ويومَ الثلاثاء إلى آخرِ النهارِ. فهو قولٌ غريبٌ، والمشهورُ عن الجُمْهور ما أسلفْناه من أنّه ﵊، تُوفِّي يوم الإثنين ودفن ليلة الأربعاء. ومن الأقوال الغريبة في هذا أيضًا ما رواه يعقوب بن سفيان (٦)، عن عبد الحميد بن بكّار، عن محمد بن شعيب، عن النعمان (٧) عن مكحول، قال: ولد رسول اللَّه يومَ الإثنين، وأوحي إليه يومَ الإثنين، وهاجر يومَ الإثنين، وتوفي يوم الإثنين لثنتين وستين سنة ونصفٍ، ومكث ثلاثَةَ أيامٍ لا يُدْفنُ، يدخُلُ عليه الناسُ أرْسالًا أرسالًا يُصلُّون لا يُصفُّون ولا يَؤُمُّهم عليه أحدٌ. فقوله: إنَّه مكثَ ثلاثةَ أيامٍ لا يُدْفن غريبٌ. والصحيحُ أنه مكثَ بقيَّة يوم الإثنين ويوم الثلاثاء بكمالِهِ، ودُفنَ ليلةَ الأربعاء، كما قدَّمنا. واللَّه أعلم. وضِدُّه ما رواه سيفٌ (٨) عن هشام، عن أبيه، قال: توفي رسول اللَّه يومَ الإثنين، وغُسِّلَ يومَ الإثنين، ودُفن ليلةَ الثلاثاء. قال سيف: وحدَّثنا يحيى بن سعيد مرةً بجمعيه عن عَمْرَة (٩) عن عائشة به، وهذا

стр. 2570

غريبٌ جدًا. وقال الواقدي: حدَّثنا عبد اللَّه بن جعفر، عن ابن أبي عون، عن أبي عتيق، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: رُشَّ على قَبْرِ النبيِّ ﷺ الماء رَشًّا، وكان الذي رَشَّهُ بلالُ بن رباح بقِرْبَةِ، بدأ من قِبَلِ رأْسِه من شِقّه الأيمن حتى انتهى إلى رِجْليه، ثم ضربَ بالماءَ إلى الجدار، لم يقدرْ على أن يدور من الجدار. وقال سعيد بن منصور (١): عن الدّراوَرْدي، عن شريك (٢) بن عبد اللَّه بن أبي نمر، عن أبي سَلَمَةَ. قال: توفي رسول اللَّه يومَ الإثنين، ودُفنَ يوم الثلاثاء. وقال ابن خُزَيْمة: حدَّثنا سَلْمُ بن جُنادة (٣)، عن أبيه، عن عُبَيْد (٤) اللَّه بن عمر، عن كُرَيْب، عن ابن عباس، قال: تُوفّي رسولُ اللَّه يومَ الإثنين، ودُفنَ يوم الثلاثاء. وقال الواقدي: حدّثني أُبَيّ بن عَباس بن سَهْل بن سعد (٥)، عن أبيه، قال: تُوفّي رسولُ اللَّه ﷺ يومَ الإثنين، ودفن ليلة الثلاثاء. وقال أبو بكر بن أبي الدُّنيا، عن محمد بن سعد (٦): تُوفِّي رسولُ اللَّه يوم الإثنين لاثنتي عشرةَ ليلةً خَلَتْ من ربيع الأول، ودفن يوم الثلاثاء. وقال عبد اللَّه بن محمد بن أبي الدنيا (٧)، ثنا الحسنُ بن إسرائيل أبو محمد النَّهْرتيري، ثنا عيسى بن يونس، عن إسماعيل بن أبي خالد، سمعتُ عبد اللَّه بن أبي أوْفى، يقول: مات رسولُ اللَّه ﷺ يومَ الاثنين؛ فلم يُدْفنْ إلا يوم (٨) الثّلاثاء. وهكذا قال سعيد بن المسيّب، وأبو سَلَمة بن عبد الرحمن، وأبو جعفر الباقر. فصلٌ فى (٩) صِفَةِ قَبْرِه ﵊ قدْ عُلِمَ بالتَّواتر أنَّه ﵊، دُفِنَ في حُجْرةِ عائشةَ التي كانت تَخْتصّ بها شَرقِيّ مَسْجدِهِ

стр. 2571

في الزّاوية الغَرْبيّة القِبْليَّة من الحُجْرة، ثم دُفِنَ بعدَه فيها أبو بكر، ثم عمر، ﵄. وقد قال البخاريّ (١): ثنا محمد بن مُقاتل، ثنا عبد اللَّه (٢)، ثنا أبو بكر بن عيّاش، عن سُفيان التمّار، أنه حَدَّثَه أنه رأى قبرَ النبي ﷺ مُسَنَّمًا. تَفَرَّدَ به البخاري. وقال أبو داود (٣): ثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن أبي فُدَيْك، أخبرني عمرو بن عثمان بن هانئ، عن القاسم، قال: دخلتُ على عائشة، وقلت لها: يا أُمَّه اكْشِفي لي عنْ قبرِ رسولِ اللَّه ﷺ وصاحِبَيْه. فكَشَفَتْ لي عن ثَلاثةِ قُبورٍ لا مُشْرفةٍ ولا لاطئةٍ، مَبْطوحة ببطحاء العَرْصَةِ الحَمْراء. النبي ﷺ أبو بكر ﵁ عمر ﵁ تَفَردَّ به أبو داود. وفد رواه الحاكم (٤) والبيهقي (٥) منْ حَديثِ ابن أبي فُدَيْك، عن عمرو بن عثمان، عن القاسم، قال: فرأيتُ النبيِّ ﵊ مُقَدَّمًا، وأبا بكر رأسُه بينَ كَتِفَي النبي ﷺ ، وعمرَ رأسُه عند رِجْلِ النبي ﷺ . قال البيهقي: وهذه الروايةُ تدلُّ على أنّ قبورَهُم مُسَطَّحَةٌ، لأنّ الحَصْباء لا تَثْبُتُ إلا على المُسَطَّحِ. وهذا عجيبٌ من البيهقي، ﵀، فإنّه ليس في الرواية ذكرُ الحَصْباء بالكليَّةِ، وبتقديرِ ذلك فيُمْكِنُ أن يكونَ مُسَنَّمًا وعليه الحَصْباء مَغْروزةٌ بالطِّين ونحوه. وقد روى الواقديّ عن الدَّراوَرْدي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: جُعِلَ قَبْرُ النبيّ ﷺ مُسَطَّحًا. وقال البخاري (٦): ثنا فَرْوَة بن أبي المَغْراء ثنا عليُّ بن مُسْهِرٍ (٧) عن هشام بن (٨) عروة عن أبيه قال: لما سَقَط عليهم الحائطُ في زمان الوليد بن عبد الملك أخذوا في بنائه، فبدَتْ لهم قدمٌ فَفَزِعوا، فظنُّوا أنها

стр. 2572

قدمُ النبيّ ﷺ فما وُجِدَ واحدٌ يعلمُ ذلك، حتى قال لهم عروة: لا واللَّهِ ما هي قدم النبي ﷺ ؛ ما هي إلّا قدم عمر. وعن هشام، عن أبيه عن عائشة: أنّها أوْصَتْ عبدَ اللَّهِ بن الزُّبَير؛ لا تَدْفِنّي معهم؛ وادْفِنّي مع صَواحِبي بالبَقيع، لا أُزَكَّى به أبدًا. قلت: كان الوليدُ بنُ عبد الملك حينَ وَليَ الإمارةَ في سنةِ ست وثَمانين، قد شَرَعَ في بناءِ جامِعِ دمشق، وكتب إلى نائبه بالمدينة، ابن عمِّه عمرَ بن عبد العزيز، أن يُوسِّعَ (١) مسجد المدينة. فَوَسَّعَه حتى من ناحية الشرق فدخلتِ الحجرةُ النبويةُ فيه. وقد روى الحافظ ابن عساكر بسنده، عن زاذان مولى الفُرافِصَة، وهو الذي بنى المَسْجِدَ النبويَّ أيام [ولاية] (٢) عمر بن عبد العزيز على المدينة، فذكر عن سالم بن عبد اللَّه نحوَ ما ذكره البخاريُّ، وحكى صفةَ القبور كما رواه أبو داود. ذِكْرُ (٣) ما أصاب المسلمين من المصيبة بوفاته ﷺ - قال البخاريُّ (٤): ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، ثنا ثابت، عن أنس. قال: لما ثَقُل النبي ﷺ جَعَلَ يَتَغشّاهُ الكَرْبُ، فقالت فاطمة: واكَرْبَ أبتاه (٥). فقال لها: "ليس على أبيكِ كَرْبٌ بعدَ اليوم". فلما مات قالت: واأبتاه (٦) أجاب ربّا دعاه، يا أبتاه، منْ جَنَةُ الفِرْدَوْسِ مَأواه، يا أبتاه إلى جِبْريل نَنْعاه. فلما دُفِنَ قالت فاطمة: يا أنسُ، أطابَتْ أنْفُسُكُم أن تَحْثوا على رسولِ اللَّه ﷺ التُّرابَ؟ تَفَزَد به البُخاريّ ﵀. وقال الإمام أحمد (٧): حدَّثنا يزيدُ، ثنا حمّادُ بن زيدٍ، ثنا ثابتٌ البُناني، قال أنس: فلما دَفَنَّا (٨) النبيِّ ﷺ قالت فاطمة: يا أنسُ أطابَتْ أنفسُكُم أن دَفَنْتُمْ رسول اللَّه ﷺ في التّرابِ وَرَجعْتُم. وهكذا رواه ابن ماجه (٩) مُخْتصرًا من حديث حمّاد بن زيد به. وعنده: قال حمّاد: فكان ثابتٌ إذا حَدَّثَ بهذا الحديث

стр. 2573

بَكَى حتى تَخْتَلِفَ أضْلاعُه. وهذا لا يُعَدّ نياحَةً، بل هو من بابِ ذِكْرِ فَضائِلِهِ الحَق عليه أفضل الصلاة والسلام، وإنّما قلنا هذا؛ لأنّ رسولَ اللَّه ﷺ نهى عن النياحة. وقد روى الإمام أحمد (١) والنسائي (٢) من حديث شعبة، سمعتُ قَتادَة، سمعتُ مُطَرّفًا يُحَدّثُ، عن حكيم بن قيس بن عاصم، عن أبيه -فيما أوصى به إلى بَنيه- أنه قال: ولا تَنوحوا عليَّ؛ فإنّ رسولَ اللَّه ﷺ لم يُنَحْ عليه. وقد رواه إسماعيل بن إسحاق القاضي في "النوادر"، عن عمرو بن مرزوق (٣)، عن شعبة به. ثم رواه (٤) عن علي بن المَديني، عن المُغيرة بن سَلَمَة، عن الصَّعْقِ بن حَزْنٍ، عن القاسمِ بن مُطَيَّبٍ، عن الحسن البَصْري، عن قيس بن عاصم به، قال: لا تَنوحوا عليّ، فإنّ رسول اللَّه ﷺ لم يُنحْ عليه، وقد سَمِعْتُه يَنْهَى عن النّياحةِ. ثم رواه عن عليّ، عن محمد بن الفضل، عن الصَّعْقِ، عن القاسم، عن يونس بن عُبَيْدٍ، عن الحسن، عن عاصم به. وقال الحافظ أبو بكر البزار (٥): ثنا عقبة بن سنانٍ، ثنا عثمان بن عثمان، ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ لم يُنَحْ عليه. وقال الإمام أحمد (٦): ثنا عَفّان، ثنا جعفر بن سليمان، ثنا ثابت، عن أنس، قال: لمّا كان اليومُ الذي قدِم فيه رسولُ اللَّه ﷺ المدينةَ، أضاءَ منها كلُّ شيءٍ، فلمّا كانَ اليومُ الذي مات فيه أظْلَم منها كلُّ شيء. قال: وما نَفَضْنا عن رسول اللَّه ﷺ الأيْدي حتى أنْكَرْنا قلوبنا. وهكذا رواه الترمذي (٧) وابنُ ماجه (٨) جميعًا، عن بشر بن هلالٍ الصَّوّاف، عن جعفر بن سليمان الضُّبَعي به. وقال الترمذيّ: هذا حديث صحيح غريبٌ. قُلْتُ: وإسنادُه على شرط "الصحيحين"، ومحفوظ من حديث جعفر بن سليمان، وقد أخرج له الجماعة رواه الناس عنه كذلك. وقد أغرب الكُدَيْمي، وهو محمد بن يونس، ﵀، في روايته له حيث. قال (٩): ثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، ثنا جعفر بن سليمان الضُّبَعي، عن ثابت، عن أنس، قال: لما قُبِضَ رسولُ اللَّه ﷺ أظْلَمتِ المدينةُ حتى لم يَنْظُر بَعضُنا إلى بعض، وكان أحدُنا يَبْسُط يدَه فلا يراها، أو

стр. 2574

لا يبصرها، وما فَرَغْنا من دَفْنِه حتى أنكرنا قُلوبَنا. رواه البيهقي (١) من طريقه كذلك، وقد رواه من طَريقِ غيره من الحُفّاظ، عن أبي الوليد الطَّيالسي، كما قدّمنا، وهو المحفوظ، واللَّه أعلم. وقد روى الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر من طريق أبي حفص بن شاهين: ثنا حسين بن أحمد بن بِسْطام، ثنا محمد بن يزيد الرُّواسي، ثنا مسلمة (٢) بن علقمة، عن داود بن أبي هند، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد الخُدري، قال: لما دخل رسول اللَّه ﷺ المدينة أضاء منها كل شيءٍ، فلما كان اليومُ الذي ماتَ فيه أظلمَ منها كل شيءٍ. وقال ابن ماجه (٣): ثنا إسحاق بن منصور، ثنا عبد الوهاب بن عطاء العِجلي، عن ابن عَوْنٍ، عن الحسن، عن أُبَيّ بن كعب، قال: كنّا معَ رسول اللَّه ﷺ ، وإنما وجهُنا واحد، فلما قُبضَ نَظَرْنا هكذا وهكذا. وقال أيضًا (٤): ثنا إبراهيم بن المنذر الحِزامي، ثنا خالي (٥) محمد بن إبراهيم بن المُطلب بن السائب بن أبي وداعة السَّهمي، حدّثني موسى بن عبد اللَّه بن أبي أُميّة المَخْزومي، حدّثني مُصْعَب بن عبد اللَّه، عن أمِّ سَلَمة بنت أبي أميّة زوجِ النبي ﷺ ، أنها قالت: كان الناسُ في عهد رسول اللَّه ﷺ إذا قام المُصلِّي يُصلِّي لم يعْدُ بصرُ أحدِهم موضعَ قَدَمَيْه، فتوفي رسولُ اللَّه ﷺ (٦) فكان الناسُ إذا قام أحدُهم يُصلِّي لم يَعْدُ بصرُ أحدِهم موضعَ جَبينِه، فتُوفِّي أبو بكر، وكان عمر، فكان الناس إذا قام أحدُهم يُصلِّي لم يَعْدُ بصرُ أحدِهم يُصَلِّي موضعَ القِبْلةِ، فتُوفِّي عمرُ وكان عثمانُ، وكانتِ الفِتْنةُ، فتلفَّت الناسُ يمينًا وشمالًا. وقال الإمام أحمد (٧): حدَّثنا عبد الصمد، ثنا حماد، عن ثابت، عن أنس: أنَّ أمَّ أيْمَن بَكَتْ لما قبضَ رسولُ اللَّه ﷺ ، فقيل لها: ما يُبكيكِ على النبي ﷺ ؟ فقالت: إنّي قد علمتُ (٨) أنّ رسولَ اللَّهِ سيموتُ، ولكنّي إنّما أبكي على الوحي الذي رُفِعَ عنّا. هكذا رواه مُخْتصرًا.

стр. 2575

وقد قال البيهقي (١): أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أنبأنا أبو عبد اللَّه محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن نُعيم، ومحمد بن النَّضْر الجارودي، قالا: ثنا الحسنُ بن عليّ الحُلْواني (٢)، ثنا عمرو بن عاصم الكلابي، ثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، قال: ذهبَ رسولُ اللَّه ﷺ إلى أمّ أيْمن زائرًا، وذهبتُ معه، فقرَّبتْ إليه شرابًا، فإما كانَ صائمًا وإما كان لا يريدُه، فردَّه، فأَقْبلَتْ على رسول اللَّه ﷺ تُضاحِكُه. فقال أبو بكر بعد وفاة النبي ﷺ لعمر: انطلقْ بنا إلى أم أيمن نزورها؛ فلما انتهينا إليها بَكَتْ. فقالا لها: ما يُبْكيكِ؟ ما عندَ اللَّهِ خير لرسوله ﷺ . قالت: واللَّه، ما أبكي أن لا أكونَ أعلمُ أنَّ ما عند اللَّه خيرٌ لرسوله ﷺ ، ولكني أبكي أنَّ الوَحْيَ انقطعَ من السماء، فهيجَتْهما على البُكاءَ، فجَعَلا يبكيان. ورواه مسلمٌ (٣) مُنْفردًا به، عن زهير بن حرب، عن عمرو بن عاصم به. وقال موسى بن عقبة في قصة وفاة رسول اللَّه ﷺ ، وخطبة أبي بكر فيها، قال: ورجع الناسُ حينَ فرغَ أبو بكرٍ من الخطبة، وأمُّ أيمن قاعدةٌ تبكي، فقيل لها: ما يُبكيكِ؟ قد أكْرَمَ اللَّهُ نبيَّه ﷺ فأدخله جَنَّتَه، وأراحَه من نَصَبِ الدُّنْيا. فقالت: إنّما أبْكي على خَبَرِ السّماء، كان يأتينا غَضًّا جديدًا، كل يومٍ وليلةٍ، فقد انقطَعَ ورُفِع، فعليه أبْكي. فَعَجِبَ النّاسُ من قولها. وقد قال مسلم بن الحجاج في "صحيحه" (٤): وحُدِّثْتُ عن أبي أسامة، وممّنْ رَوَى ذلك عنه إبراهيم بن سعيد الجَوْهري، ثنا أبو أسامة، حدّثني بُرَيْد (٥) بن عبد اللَّه، عن أبي بُرْدَةَ، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ ، قال: "إنَّ اللَّهَ إذا أرادَ رحمةَ أمةٍ من عباده قبضَ نبيَّها قبْلَها، فَجَعَلهُ لها فَرَطًا وسَلَفًا يشهد لها، وإذا أراد هَلَكَة أُمَّةٍ عَذَّبها ونبيُّها حيٌّ، فأهلكها وهو يَنْظُر إليها، فأقرَّ عينَه بهَلَكَتِها (٦) حينَ كَذَّبوه وعَصَوْا أمْرَه". تفرَّد به مسلمٌ إسنادًا ومتنًا. وقد قال الحافظ أبو بكر البزار (٧): حدَّثا يوسف بن موسى، ثنا عبد المجيد (٨) بن عبد العزيز بن أبي رَوّاد، عن سفيان، عن عبد اللَّه بن السائب، عن زاذان (٩)، عن عبد اللَّه -هو ابن مسعود- عن النبي ﷺ . قال: "إن للَّهِ مَلائكةً سَيّاحين، يُبَلِّغوني عن أمضي السلام". قال: وقال رسول اللَّه ﷺ : "حَياتي

стр. 2576

خَيْرٌ لكم تُحَدِّثون ويُحَدَّثُ لكم، (ووفاتي خير لكم) (١) تُعرضُ عليّ أعمالُكم؛ فما رأيتُ من خيرٍ حَمِدْتُ اللَّه عليه، وما رأيتُ من شرٍّ استغفرتُ (٢) اللَّهَ لكمْ". ثم قال البزار: لا (٣) نعرف آخره يُرْوَى عن عبد اللَّه إلا من هذا الوجه. قلت: وأما أوله، وهو قوله ﵇: "إنّ للَّهِ ملائكةً سيّاحين يُبَلِّغوني عن أمتي السلامَ" فقد رواهُ النسائي (٤) من طرق مُتعددةٍ، عن سفيان الثوري، وعن الأعْمش كِلاهُما عن عبد اللَّه بن السَّائب به (٥). وقد قال الإمام أحمد (٦): حدَّثنا حسين بن علي الجُعْفي، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث (٧) الصَّنعاني، عن أوس بن أوس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من أفْضلِ أيّامِكُمْ يومُ الجُمعة، فيه خُلقَ آدمُ، وفيه قُبضَ، وفيه النَّفْخَةُ، وفيه الصَّعْقَةُ، فأكْثروا عليٍّ من الصَّلاة فيه، فإنّ صَلاتُكُمْ مَعرُوضةٌ عليّ". قالوا: يا رسولَ اللَّهِ كيفَ تُعْرَضُ صلاتُنا عليك، وقد أرَمْتَ -يعني قد بَليت-. قال: "إنَّ اللَّهَ قد حَرَّمَ على الأرْضِ أن تأكلَ أجسادَ الأنبياءَ ﵈". وهكذا رواهُ أبو داود (٨)، عن هارون بن عبد اللَّه، وعن الحسن بن علي، والنّسائي (٩) عن إسحاق بن منصور، ثلاثتُهم عن حسين بن علي به. ورواه ابن ماجه (١٠) عن أبي بكر بن أبي شَيْبَة، عن حسين بن علي، عن ابن (١١) جابر، عن أبي الأشْعَث، عن شدّاد بن أوس. . . فذكره. قال شيخُنا أبو الحجاج المِزّي: وذلك وَهْمٌ من ابن ماجه، والصحيح أوس بن أوس وهو الثقفي، ﵁. (قلت: وهو عندي في نسخة جيدة مشهورة على الصواب، كما رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن أوس بن أوس) (١٢).

стр. 2577

ثم قال ابن ماجه (١): حدَّثنا عَمْرو بن سَوَّاد المصري، ثنا عبد اللَّه بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أيمن، عن عُبادة بن نُسَيّ، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أكْثرُوا الصَّلاة عليَّ يومَ الجمعة فإنّه مَشْهودٌ تشهدُه الملائكةُ، وإن أحدًا لنْ يصلي (٢) على إلا عُرِضَتْ عليَّ صلاتُه حتى يَفْرُغَ منها". قال: قلت: وبعدَ الموتِ؟ قال: "إن اللَّهَ حَرّم على الأرضِ أن تأكلَ أجْسادَ الأنْبياء ﵈ نبيُّ اللَّهِ حيٌّ يرزق (٣) " وهذا من أفراد ابن ماجه ﵀. وقد عقدَ الحافظُ ابنُ عَساكِر (٤) هاهنا بابًا في إيراد الأحاديثِ المَرْويَّة في زيارةِ قبْره الشَّريف صَلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه دائمًا إلى يوم الدين، (وموضعُ اسْتقْصاءِ ذلك في كتاب "الأحكام الكبير" إن شاء اللَّه تعالى) (٥). ذِكرُ (٦) ما وَرَدَ من التَّعزِيَةِ به ﵊ قال ابن ماجه (٧): ثنا الوليدُ بن عَمْرو بن السُّكَيْن، ثنا أبو هَمّام، وهو محمد بن الزِّبْرِقان الأهوازي، ثنا موسى بن عُبيدة، ثنا مُصْعَبُ بن محمد عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن عن عائشة، قالت: فتحَ رسولُ اللَّه ﷺ بابًا بينه وبين الناس، أو كشف سِترًا، فإذا النّاسُ يصلُّون وراءَ أبي بكرٍ، فحَمِدَ اللَّه على ما رأى من حُسْن حالِهم، رجاءَ أن يَخْلُفَهُ فيهم بالذي رآهم، فقال: "يا أيّها الناس أيّما أحدٍ من الناس أو من المؤمنين أُصيب بمُصيبةٍ فليتعزّ بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبُه بغيري، فإنّ أحدًا من أمتي لن يُصاب بمُصيبة بَعْدي أشدَّ عليه من مُصيبتي" تفرَّدَ به ابن ماجه. وقال الحافظ البيهقي (٨): أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفقيه، ثنا شافع بن محمد، ثنا (٩) أبو جعفر بن سلامة الطحاوي، ثنا المزني، ثنا الشافعي، عن القاسم بن عبد اللَّه بن عمر بن حفص، عن

стр. 2578

جعفر بن (١) محمد عن أبيه: أنَّ رجالًا من قريش دخلوا على أبيه علي بن الحسين، فقال: ألا أحدثكم عن رسول اللَّه ﷺ ؟ قالوا: بلى. فحدثنا عن أبي القاسم. قال: لما أنْ مرضَ رسول اللَّه ﷺ أتاه جبريل، فقال: يا محمد، إن اللَّه أرْسَلني إليك، تكريمًا لك وتشريفًا لك، وخاصة لك، أسألك عمَّا هو أعلمُ به منك، يقول: كيفَ تَجِدُك؟ قال:، أجِدُني يا جبريلُ مَغْمومًا، وأجدُني يا جبريلُ مَكْروبًا" ثم جاءه اليومَ الثاني، فقال له ذلك، فردَّ عليه النبيُّ ﷺ كما رَدَّ أولَ يومٍ، ثم جاء (٢) اليومَ الثالثَ، فقال له كما قال أولَ يومٍ، وردَّ عليه كما ردَّ، وجاء مَلَكٌ يُقالُ له: إسماعيل على مئة ألف مَلَكٍ، كُلُّ مَلَكٍ على مئة ألفِ ملَكٍ، فاستأذنَ عليه، فسأل عنه، ثم قال جبريل: هذا مَلَكُ الموتِ يَسْتَأذِنُ عليك، ما استأذن على آدميٍّ قبلَكَ، ولا يَسْتأذنُ على آدميٍّ بَعدَكَ، فقال له ﵊: ائْذَنْ له. فأَذِنَ له، فدخل فسلَّم عليه، ثم قال: يا محمد، إنَّ اللَّه أرسلني إليك، فإن أمَرْتَني أن أقْبِضَ رُوحَك قَبَضْتُ، وإن أمَرْتَني أنْ أتْرُكَه تَرَكْتُه. فقال رسول اللَّه: "أوتَفْعَلُ يا مَلَكَ الموتِ؟ " قال: نعم. وبذلك أُمِرْتُ، وأُمِرْتُ أن أطيعَكَ. قال: فنظر النبي ﷺ إلى جبريل، فقال له جبريل: يا محمدُ، إن اللَّه قد اشتاقَ إلى لقائك، فقال رسول اللَّه ﷺ لملَكِ الموت: "امْضِ لما أُمِرْتَ به" فقبضَ رُوحَه، فلما تُوفَي النبي ﷺ وجاءت التّعزيةُ سَمِعوا صوتًا من ناحية البيت: السَّلامُ عليكم أهلَ البيت، ورحمةُ اللَّهِ وبركاته، إنَّ في اللَّه عزاءً من كلّ مُصيبةٍ، وخَلَفًا من كُلِّ هالكٍ، ودَرَكًا من كل فائتٍ، فباللَّهِ فَثِقوا، وإيّاهُ فارْجُوا، فإنّما المُصابُ من حُرِمَ الثَّوابَ. فقال عليّ ﵁: أتَدْرونَ منْ هذا؟ هذا الخضِرُ ﵇. وهذا الحديثُ مُرْسلٌ (٣) وفي إسناده ضَعْفٌ بحالِ القاسم العُمَري هذا، فإنَّه قد ضَعَّفَه غيرُ واحدٍ من الأئمةِ، وتركه بالكلية آخرون. وقد رواه الربيعُ، عن الشافعي، عن القاسم، عن جعفر، عن أبيه، عن جده، فذكر منه قصةَ التَّعزية فقط موصولًا، وفي الإسناد العُمَريّ المذكور قد نَبَّهْنا على أمره لئلا يُغْتَر به. على أنه قد رواه الحافظُ البيهقيُّ (٤)، عن الحاكم، عن أبي جعفر البغدادي، ثنا عبد اللَّه بن الحارث أو عبد الرحمن بن المُرْتَعد الصنعاني (٥)، ثنا أبو الوليد المخزومي، ثنا أنس بن عياض، عن جعفر بن محمد (٦)، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: لما توفي رسول اللَّه ﷺ (ناداهم منادٍ) (٧) يَسْمَعون الحِسَّ ولا يَرَوْنَ

стр. 2579

الشَّخْصَ. فقال: السلامُ عليكم أهلَ البيتِ ورحمةُ اللَّهِ وبركاتهُ، إن في اللَّه عزاءً من كلِّ مُصيبةٍ، وخَلَفًا من كُلِّ فائِتٍ، ودَرَكًا من كل هالكٍ، فباللَّه فثِقُوا، وإيّاه فَارْجوا، فإنّما المَحْروم من حُرِم الثواب، والسَّلامُ عليكم ورحمةُ اللَّه وبركاته، ثم قال البيهقي: هذان الإسنادان وإن كانا ضَعيفَيْن، فأحدُهما يتأكَّدُ بالآخر، ويدلّ على أن له أصلًا من حديث جَعْفَر. واللَّه أعلم. وأخبرنا (١) أبو عبد اللَّه الحافظ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن بالَوَيْهِ، ثنا محمد بن بشر بن مَطَر، ثنا كامل بن طلحة، ثنا عَبّاد بن عبد الصمد، عن أنس بن مالك، قال: لما قُبِضَ رسولُ اللَّه ﷺ أحْدَق به أصحابُه فَبَكَوْا حَوْلَه واجتمعوا، فدخَل رجلٌ أشْهَبُ الِّلحْيَةِ جسيمٌ صَبيحٌ، فَتَخَطَّى رِقابهم فبكَى، ثم التفتَ إلى أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقال: إنَّ في اللَّهِ عَزاء من كُلِّ مُصيبة، وعِوَضًا من كُلِّ فائِتٍ، وخَلَفًا من كُلِّ هالِكٍ، فإلى اللَّه فأنيبوا، وإليه فَارْغَبوا، ونَظَرُه إليكم في البلايا فانظروا، فإنَّ المُصابَ من لم يَجبرْ، فانصرف. فقال بعضُهم لبعضٍ: تَعْرِفونَ الرَّجُلَ؟ فقال أبو بكر وعلي: نعم، هذا أخو رسولِ اللَّه ﷺ الخَضر. ثم قال البيهقي (٢): عَبّادُ بنُ عَبْدِ الصَّمدِ ضعيفٌ، وهذا مُنْكرٌ بمرَّةٍ. وقد روى الحارثُ بنِ أبي أسامة، عن محمد بن سعد، أخبرنا هاشم (٣) بن القاسم، ثنا صالحُ المُرِّي، عن أبي حازم المَدَني: أن رسول اللَّه ﷺ حين قبضه اللَّه ، دخل المهاجرون فوجًا فوجًا يصلون عليه ويخرجون، ثم دخلتِ الأنصارُ على مثلِ ذلكم، ثم دخل أهل المدينة، حتى إذا فرغت الرجال دخلت النساء، فكان منهنّ صوتٌ وجزعٌ كبعض ما يكونُ منهنّ، فَسَمِعْنَ هَدَّةً (٤) في البيت فَفَرِقْنَ فَسَكَتْنَ، فإذا قائلٌ يقول: إنّ في اللَّهِ عَزاءً منْ كُلِّ هالِكٍ، وعوضًا (٥) عن كل مصيبةٍ، وخلفًا من كل فائت، والمجبور من جَبَرَه الثوابُ، والمصابُ منْ لم يَجْبُره الثوابُ. فصل فيما رُوِيَ منْ مَعْرِفة أَهْلِ الكتاب بيومِ وَفاتِه ﷺ - قال أبو بكر بن أبي شيبة (٦): ثنا عبدُ اللَّه بن إدريس، عن إسماعيل بن أبي (٧) خالد، عن قيس بن

стр. 2580

أبي حازم، عن جرير بن عبد اللَّه البَجَلي، قال: كنتُ باليمن فلقيت (١) رجلين من أهل اليمن، ذا كَلاعٍ وذا عمرو، فَجَعلْتُ أحدّثُهما عن رسول اللَّه ﷺ . قال: فقالا لي: إنْ كانَ ما تقولُ حَقًّا فقد مَضَى صاحِبُكَ على أجلهِ منذُ ثلاث. قال: فأقْبَلْتُ وأقْبَلا حتى إذا كُنّا في بعض الطريق رُفِعَ لنا رَكْبٌ من قِبَلِ (٢) المدينة، فسألناهم فقالوا: قُبضَ رسولُ اللَّه ﷺ واستُخْلِف أبو بكر، والناسُ صالحون. قال: فقالا لي: أخْبِرْ صاحِبَكَ أنَّا قد جِئْنا، ولعلَّنا سنعود، إن شاء اللَّه ، قال: ورجعا إلى اليَمَن، فلما أتَيْتُ أخْبَرْتُ أبا بكر بحديثهم، قال: أفلا جئتَ بهم. فلما كان بعدُ قال لي ذو عمرو: يا جريرُ، إن بك (٣) عليَّ كرامةً، وإني مُخْبركَ خَبَرًا، إنَّكُمْ معشرَ العَرَبِ، لن تَزالوا بخير ما كُنْتُم إذا هَلَكَ أميرٌ تَآمَّرتُم في آخر، وإذا كانت بالسيف كنتمْ ملوكًا تَغْضَبون غَضَبَ الملوك (٤) وتَرْضَوْن رضى الملوك (١٠). هكذا رواه الإمام أحمد (٥) والبخاري (٦) عن أبي بكر بن أبي شيبة. وهكذا رواه البيهقي (٧)، عن الحاكم، عن عبد اللَّه بن جعفر، عن يعقوب بن سفيان عنه. وقال البيهقي (٨): أخبرنا الحاكم، أخبرنا علي بن المؤمل (٩) ثنا محمد بن يونس، ثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي، ثنا زائدة، عن زياد بن عِلاقة، عن جرير، قال: لقيني حَبْرٌ باليمن، وقال لي: إن كان صاحبُكُم نبيًّا فقد مات يوم الإثنين. هكذا رواه البيهقي. وقد قال الإمام أحمد (١٠): حدَّثنا أبو سعيد، ثنا زائدة، ثنا زياد (١١) بن عِلاقَة، عن جرير، قال: قال لي حَبْرٌ باليمن: إن كان صاحبُكم نَبيًا فقد مات اليوم. قال جرير: فمات يومَ الإثنين. وقال البيهقي (١٢): أخبرنا أبو الحسين بن بشران المُعَدَّل ببغداد، أخبرنا أبو جعفر محمد بن عمرو، ثنا محمد بن الهيثم، ثنا سعيد بن كثير (١٣) بن عُفَيْر، حدَّثني عبد الحميد بن كعب بن عَلْقَمة بن كعب بن

стр. 2581

عدي التنوخي عن عمرو بن الحارث، عن ناعم بن أُجَيْل، عن كَعْب بن عدي، قال: أقْبَلْتُ في وفدٍ من أهل الحيرة إلى النبيّ ﷺ ، فعرض علينا الإسلام، فأسْلَمنا، ثم انصرفنا إلى الحيرة، فلم نَلْبثْ أن جاءتْنا وفاةُ النبيّ ﷺ ، فارتاب أصحابي، وقالوا (١): لو كان نبيّا لم يَمُتْ، فقلتُ: قد ماتَ الأنبياء قَبْلَه. وثبتُّ على إسلامي، ثم خرجتُ أريدُ المدينة، فمررتُ براهبٍ كُنّا لا نَقْطَعُ أمرًا دونَه، فقلت له: أخْبرني عن أمر أرَدْتُه لقِح (٢) في صدري منه شيء، فقال: ائْتِ باسم من الأسماء، فأتيتُه بكعبٍ، فقال: ألْقِه في هذا السِّفْرِ، لسِفْرٍ أخْرَجَهُ، فأَلْقَيْتُ الكَعْبَ فيه، فصفَح فيه، فإذا بصفة النبي ﷺ كما رأيته، وإذا هو يموتُ في الحينِ الذي مات فيه، قال: فاشتدَّتْ بصيرتي في إيماني، وقَدِمْتُ على أبي بكر، ﵁، فأعلمتُه، وأقَمْتُ (٣) عندَه، فَوَجَّهني إلى المُقَوقِس فرجَعْتُ، ووجَّهني أيضًا عمرُ بنُ الخطّاب، فقَدِمْتُ عليه بكِتابه، فأتَيْتُه (٤) وَقْعَةَ اليَرْموكِ، ولم أعلمْ بها، فقال لي: أعلمت أنّ الروم قتلت العرب وهَزَمتْهم؟ فقلت: كلّا، قال: ولم؟ قلت: إن اللَّهَ وعدَ نبيَّه ﷺ أن يُظْهِرَه على الدين كله، وليس بمُخْلِفٍ الميعاد، قال: فإنّ نَبيّكم قد صَدَقَكُم؛ قُتِلت الرومُ، واللَّهِ قَتْلَ عادٍ. قال: ثم سألني عن وجوهِ أصحابِ رسول اللَّه ﷺ ، فأخبرتُه، وأهدى إلى عمر وإليهم. وكان ممَّن أهْدَى إليه عليٌّ وعبدُ الرحمن والزُّبَيْرُ -وأحسَبُه ذكرَ العبّاسَ- قال كعب: وكنتُ شَريكًا لعمر في البزِّ في الجاهلية، فلما أن فرض الديوان فرض لي في بني عدي بن كعب. وهذا أثرٌ غريبٌ، وفيه نبأٌ عجيبٌ، وهو صحيح. فصل قال محمد بن إسحاق (٥): ولما تُوفِّي رسولُ اللَّه ﷺ ارتدَّتِ العَرب، واشْرأبَّتِ اليَهوديةُ والنَّصْرانيّةُ ونَجَمَ النّفاقُ، وصارَ المُسْلِمون كالغنم المَطيرةِ في اللَّيلة الشّاتية، لفقدِ نَبيّهم ﷺ ، حتى جَمَعَهم اللَّهُ على أبي بكر ﵁. قال ابن هشام: وحدّثني أبو عبيدة وغيرُه من أهل العلم أنَّ أكثرَ أهلِ مَكة لمّا تُوفِّي رسولُ اللَّه ﷺ هَمُّوا بالرُّجوعِ عن الإسلام وأرادوا ذلك، حتى خافهم عَتَّابُ بنُ أَسِيد، ﵁، فَتَوَارى. فقام سُهَيْلُ بن عَمْرٍو، ﵁، فحَمِدَ اللَّهَ، وأثْنَى عليه، ثم ذكر وفاةَ رسول اللَّه ﷺ ، وقال: إن ذلك لم يَزِدِ الإسلامَ إلا قوة، فمَنْ رابنا ضَرَبْنا عنقَه. فتراجَعَ النّاسُ وكفُّوا عما هَمُّوا به، فظهَر عَتَّابُ بن أسيد. فهذا المقامُ الذي أراد رسول اللَّه ﷺ في قوله لعمرَ بن الخطّاب -يعني حينَ

стр. 2582

أشار بقَلْعِ ثنيَّتيْه (١) حينَ وقع في الأُسارى يوم بدرٍ- إنه عَسَى أن يقومَ مقامًا لا تَذُمُّه (٢)؟ قلت: وسَيَأْتي عَمّا قريب إن شاءَ اللَّهُ ذكرُ ما وَقَعَ بعدَ وفاةِ رسولِ اللَّه ﷺ مِن الرّدَّةِ في أحياء كثيرةٍ من العرب، وما كان من أمر مُسَيْلِمَة بن حَبيب المُتَنبئِ باليَمامة، والأسود العَنْسي باليمن، وما كانَ مِن أمر الناسِ حتى فاؤوا ورجعوا إلى اللَّه تائبين نازعين عمَّا كانوا عليه في حال رِدَّتِهم من السَّفاهةِ والجَهْل العَظيم الذي استفزهُمُ الشَّيْطان به، حتّى نَصَرَهُمُ اللَّهُ وثَبَّتَهُم؛ وَرَدَّهم إلى دينهِ الحقّ على يَدَي الخليفةِ الصِّدّيق أبي بكر، ﵁ وأرضاه، كما سيأتي مَبْسوطًا مُبَيَّنًا مَشْروحًا، إن شاء اللَّه. فصل وقد ذكر ابن إسحاق وغيرُه قصائدَ لحسان بن ثابتٍ، ﵁، في وفاةِ رسولِ اللَّه ﷺ ، ومن أجَلِّ ذلك وأفْصَحِه وأعْظَمِه، ما رواهُ عبدُ الملك بن هشام (٣)، ﵀، عن أبي زيد الأنصاري أنَّ حسانَ بن ثابتٍ ﵁ قال: يَبْكي رسول اللَّه ﷺ (٤): [من الطويل] بطيبةَ رَسْمٌ لِلرَّسولِ ومَعْهَدُ … مُنيرٌ وقدْ تَعْفُو الرُّسُومُ وتَهْمدُ ولا تَمْتحي الآياتُ مِنْ دَارِ حُرْمَةٍ … بِهَا مِنْبَرُ الهَادِي الذي كَانَ يَصْعَدُ وَوَاضِحُ آيات (٥) وباقي مَعالِمٍ … وَرَبْعٌ لَهُ فيه مُصلَّى ومَسْجدُ بِهَا حُجُرات كان يَنْزلُ وَسْطَها … مِنَ اللَّهِ نُورٌ يُسْتضاءُ وَيُوقدُ مَعَارفُ لم تُطْمَسْ على العَهْدِ آيُها … أتاها البِلا فالآيُ مِنْها تَجَدُّدُ عَرَفْتُ بِهَا رَسْمَ الرسولِ وَعَهْدَهُ … وَقَبْرًا بها وَاراهُ في التُرْبِ مُلْحِدُ ظَلَلْتُ بها أبْكِي الرسولَ فأَسْعَدَتْ … عُيونٌ ومِثْلاها منَ الجَفْنِ تُسْعِدُ يُذَكرْنَ آلاءَ الرَّسول ولا أرَى … لَهَا مُحْصِيًا نَفْسي فَنفْسي تَبَلَّدُ مُفَجَّعَةٌ قَدْ شَفَّها فَقْدُ أحْمدٍ … فَظَلَّتْ لآلاءِ الرَّسُول تُعَدِّدُ ومَا بَلَغَتْ منْ كُل أمرٍ عشِيرَهُ … وَلكِنْ لِنَفْسي بَعْدُ ما قدْ تَوجَّدُ (٦) أطَالَتْ وُقُوفًا تَذْرفُ العَيْنُ جُهْدَها … على طَلَلِ القَبْرِ الذي فيه أحْمَدُ

стр. 2583

فَبُورِكْتَ يا قَبْرَ الرَّسولِ وَبُوركَتْ … بِلادٌ ثَوى فيها الرَّشيدُ المُسَدَّدُ (١) وبوركَ لَحْدٌ مِنْكَ ضُمِّنَ طيّبا … عَلَيْهِ بناءٌ مِنْ صَفِيِحٍ مُنَضَّدْ (٢) تُهيلُ عَلَيْه التُّرْبَ أيدٍ وأعْيُنٌ … عَلَيْهِ -وَقَدْ غَارَتْ بذلكَ- أسْعُدُ لَقَدْ غَيَّبوا (٣) حِلْمًا وعِلمًا وَرَحْمَة … عَشيَّةَ عَلَّوهُ الثَّرَى لا يُوسَّدُ وَراحُوا بحُزْني لَيْسَ فيهمْ نَبيُّهمْ … وَقَدْ وَهَنَتْ مِنْهُمْ ظُهورٌ وأعْضُدُ يَبْكُون منْ تَبْكي السَّمواتُ يَوْمَهُ … ومَنْ قدْ بَكَتْهُ الأَرْضُ فَالنَاسُ أكمَدُ وهَلْ عدلَتْ يَومًا رزِيَّةُ هالِكٍ … رَزيَّةَ يَوْمٍ مَاتَ فيهِ مُحَمَّدُ تَقَطَّعَ فِيهِ مُنْزَلُ الوَحْي عَنْهُمُ … وَقَدْ كَانَ ذا نُورٍ يَغُورُ ويُنْجدُ يدُلُّ على الرحْمنِ منْ يَقْتدي بِهِ … ويُنْقذُ منْ هَوْلِ الخَزايا ويُرْشدُ إمامٌ لَهُم يَهْديهمُ الحقَّ جاهِدًا … مُعَلِّمُ صِدْقٍ إنْ يُطيعوهُ يُسْعَدُوا عَفُوٌّ عن الزَّلاتِ يَقْبَلُ عُذْرَهُمْ … وإنْ يُحْسِنوا فاللَّهُ بالخَيْرِ أجْوَدُ وإنْ نَابَ أمْرٌ لَمْ يَقوموا بحَمْلِهِ … فَمِنْ عِنْدِهِ تَيْسيرُ ما يَتشدَّدُ فَبَيْناهُمُ في نِعْمَةِ اللَّهِ وَسْطَهُمْ … دَليلٌ به نَهْجُ الطَّريقةِ يُقْصدُ عَزيزٌ عَلَيْهِ أنْ يَجُوروا عَنِ الهُدَا … حَريصٌ على أنْ يستقِيمُوا ويَهْتَدُوا عَطُوفٌ عَلَيْهم لا يُثَنَي جَناحَهُ … إلى كَنَفٍ يَحْنُو عَلَيْهم ويَمْهَدُ فَبينَاهُم في ذَلِكَ النُّور إذْ غَدا … إلى نُورِهِم سَهْمٌ منَ المَوْتِ مُقْصدُ فأصْبَحَ مَحْمُودًا إلى اللَّهِ رَاجعًا … يُبَكِّيهِ حَقُّ (٤) المُرْسَلاتِ وَيَحْمَدُ وَأمْسَتْ بلادُ الحُرْمِ وَحْشًا بقاعُهَا … لِغَيْبةِ ما كانَتْ منَ الوَحْي تَعْهَدُ قِفارًا سِوَى مَعْمورة (٥) اللَّحْدِ ضَافَها … فَقيدٌ يُبَكَيه (٦) بَلاطٌ وغَرْقَدُ ومَسْجِدُهُ فالمُوحِشَاتُ لِفَقْدِهِ … خَلاءٌ لَهُ فيه (٧) مَقامٌ ومَقْعَدُ وبالجَمْرةِ الكُبْرى لَهُ ثَمَّ أوْحَشَتْ … دِيارٌ وعَرْصَاتٌ وَرَبْعٌ ومَوْلِدُ فَبَكِّي رَسُولَ اللَّهِ يا عَيْنُ عَبرَةً … وَلا أعْرِفَنْكِ الدّهْرَ دَمْعَكِ يَجْمُدُ

стр. 2584

ومَالكِ لا تَبْكينَ ذا النِّعْمَةِ التي … عَلى النَّاسِ مِنْها سَابغٌ يَتَغَمَّدُ (١) فَجُودي عَلَيْهِ بالدُّموعِ وأعْولي … لِفَقْدِ الذي لا مِثْلُهُ الدَّهْرَ يُوجَدُ وما فَقَدَ الماضون مِثْل مُحَمَّدٍ … وَلا مِثْلُهُ حَتَّى القِيامَةِ يُفْقَدُ أعَفَّ وَأَوْفَى ذِمَّةً بعْدَ ذِمَّةٍ … وَأَقْرَبَ مِنْهُ نَائِلًا لا يُنَكَّدُ وأبْذَلَ مِنْهُ للطَّرِيفِ وتَالِدٍ … إذا ضَنَّ (٢) مِعْطاءٌ بِمَا كَان يتْلَدُ وأكْرَمَ صيتًا (٣) في البُيوتِ إذا انْتَمَى … وَأكْرَمَ جَدًّا أبْطَحِيًّا يُسَوَّدُ وَأَمْنَعَ ذِرْواتٍ وأَثْبَتَ في العُلا … دَعَائِمَ عِزٍّ شَاهِقَاتٍ تُشَيَّدُ وَأَثْبَتَ فَرْعًا في الفُروعِ ومَنْبِتًا … وَعُودًا غَذَاهُ المُزْنُ فالعُود أغْيَدُ رَبَاهُ وَليدًا فاسْتَتَمَّ تَمَامُهُ … عَلَى أكْرَمِ الخَيراتِ رَبٌّ مُمَجَّدُ تَنَاهَتْ وَصَاةُ المُسْلمينَ بكَفِّهِ … فلا العِلْمُ مَحْبُوسٌ وَلا الرأيُ يُفْنَدُ (٤) أقُولُ ولا يُلْفى (٥) لِمَا قُلْتُ عَائبٌ … مِنَ النَّاسِ إلَّا عَازِبُ العقل مُبْعَدُ وَلَيْسَ هَوايَ (٦) نَازِعًا عَنْ ثَنَائِهِ … لَعَلّي بِهِ في جَنَّةِ الخُلْدِ أخْلُدُ مَعَ المُصْطَفَى أرْجُو بِذَاكَ جِوارَهُ … وفي نَيْلِ ذَاكَ اليَوْمِ أسْعَى وأَجْهَدُ وقال الحافظ أبو القاسم السُّهَيْلي في آخر كتابه "الروض" (٧): وقال أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يبكي رسول اللَّه ﷺ : [من الوافر] أرِقْتُ فَبَاتَ لَيْليَ لا يَزولُ … وَلَيْلُ أخي المُصيبَةِ فيه طُولُ وَأَسْعَدني البُكَاءُ وَذَاكَ فيما … أُصيبَ المُسلمونَ بِهِ قَليلُ لَقَدْ عَظُمَتْ مُصيبتُنا (٨) وجَلَّتْ … عَشِيَّةَ قيلَ قدْ قُبضَ الرَّسُولُ وأضْحَتْ أرْضُنَا ممَّا عَراهَا … تَكادُ بنا جَوانِبُها تَميلُ فَقَدْنَا الوَحْيَ والتَّنْزيلَ فِينا … يَرُوحُ بهِ وَيَغْدُو جِبْرئيلُ

стр. 2585

وَذَاكَ أحَقُّ ما سَالَتْ عَلَيْهِ … نُفوسُ النَّاسِ أوْ كَربَتْ (١) تَسيلُ نَبيٌّ كَانَ يَجْلُو الشَّكَ عَنَا … بمَا يُوحَى إليْهِ ومَا يَقُولُ ويَهْدِينَا فَلا نَخْشى ضَلالًا … عَلَيْنا والرَّسُولُ لَنا دَليلُ أفَاطِمُ إنْ جَزِعْتِ فَذَاك عُذْرٌ … وإنْ لمْ تَجْزَعي ذاكَ السَّبيلُ فَقَبْرُ أبيكِ سيِّدُ كُلِّ قَبْرٍ … وَفيهِ سَيِّدُ النَّاسِ الرَّسولُ بابُ بيانِ أنَّ النبيَّ ﷺ لم يترُكْ دينارًا ولا دِرهمًا ولا عبدًا ولا أمة، ولا شاةً ولا بعيرًا ولا شيئًا يُورثُ عنه، بل أرضًا جَعَلَها كلّها صدقةً للَّه ، فإنَّ الدُّنْيا بحَذافيرها كانَتْ أحقرَ عندَهُ -كما هي عندَ اللَّه- من أن يَسْعَى لها أو يتْرُكها بعدَهُ مِيراثًا، صلواتُ اللَّهِ وسلامُهُ عليه، وعلى إخوانِهِ من النبيّينَ والمُرْسَلين، وسلّم تَسليمًا كثيرًا دائمًا إلى يوم الدين قال البخاري (٢): حدَّثنا قُتيبةُ، ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن الحارث، قال: ما ترَكَ رسولُ اللَّه ﷺ دينارًا ولا دِرْهمًا ولا عَبْدًا ولا أمة إلا بغلتَه البيضاء التي كان يَرْكَبُها، وسلاحَه، وأرضًا جَعَلَها لابنِ السَّبيل صدقة. انفرد به البخاري دون مسلم، فرواه في أماكنَ من "صحيحه" من طرقٍ مُتَعدِّدةٍ، عن أبي الأحوص، وسفيان الثوريّ، وزهير بن معاوية، ورواه الترمذيّ من حديث إسرائيل، والنَّسائي أيضًا من حديث يونُس بن أبي إسحاق، كلُّهم عن أبي إسحاق عمرو بن عبد اللَّه السَّبيعي، عن عمرو بن الحارث بن المُصْطلِقِ بن أبي ضرار، أخي جُوَيْرية بنتِ الحارثِ أم المؤمنين، ﵄، به (٣). وقال الإمام (٤) أحمد: حدَّثنا أبو معاوية ثنا الأعمش، وابن نمير عن الأعمش، عن شَقيق، عن مَسْروق، عن عائشة، قالت: ما تَرَكَ رسولُ اللَّهِ دينارًا ولا دِرْهمًا ولا شاةً ولا بعيرًا ولا أوصى بشيء. وهكذا رواه مسلم (٥) منفردًا به عن البخاري وأبو داود (٦) والنسائي (٧)، وابن

стр. 2586

ماجه (١)، من طرقٍ متعددةٍ عن سليمان بن مِهْران الأعْمش، عن شَقيق بنِ سَلَمَة أبي وائلٍ، عن مسروق بن الأجدع، عن أم المؤمنين عائشة الصديقةِ (٢) بنت الصِّدِّيق حبيبةِ حبيبِ اللهِ المُبَرَّأةِ من فوقِ سَبْعِ سماواتٍ ﵂ وأرضاها. وقال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا إسحاق بن يوسف، عن سفيان، عن عاصم، عن زِر (٤) بن حُبَيْش عن عائشة قالت: ما ترك رسول الله ﷺ دينارًا ولا دِرْهمًا ولا أمة ولا عَبْدًا، ولا شاةً ولا بعيراً. وحدَّثنا (٥) عبد الرحمن، عن سُفيان، عن عاصم، عن زِرٍّ (٦) عن عائشة: ما تركَ رسولُ اللّهِ ﷺ ديناراً ولا دِرْهماً، ولا شاةً ولا بعيرًا. قال سُفْيان: وأكثر علمي وأشكُّ في العبد والأمَة. وهكذا رواه الترمذي في "الشمائل" (٧) عن بُنْدار، عن عبد الرحمن بن مَهْدي به. قال الإمام أحمد (٨): وحدَّثنا وكيعٌ، ثنا مِسْعَر، عن عاصم بن أبي النَّجود، عن زِرٍّ (٩)، عن عائشة، قالت: ما تركَ رسولُ الله ﷺ ديناراً ولا دِرْهمًا ولا عَبْدًا ولا أمَةً، ولا شاةً ولا بعيراً. هكذا رواه الإمام أحمد من غيرِ شَكِّ. وقد رواه البيهقي (١٠) عن أبي زكريا بن أبي إسحاق المُزَكّي، عن أبي عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن عبد الوهاب، أنبأنا جعفر بن عَوْن، أنبأنا مِسْعَر، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ (٩). قال: قالت عائشة: تَسْألوني عن ميراث رسول الله ﷺ ؟ ما تركَ رسولُ الله ﷺ دينارًا ولا دِرْهمًا ولا عَبْداً ولا وَليدة. قال مِسْعَر: أُراه قال: ولا شاةً ولا بعيرًا. قال: وأنبأنا مِسْعَرٌ عن عدي بن ثابتٍ، عن علي بن الحسين، قال: ما تَرَكَ رسولُ الله ﷺ دينارًا ولا دِرْهمًا، ولا عَبْدًا ولا وليدةً. وقد ثبتَ في "الصَّحيحين" (١١) من حديث الأعْمَشِ، عن إبراهيم عن الأسود، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ اشترى طعامًا من يهوديّ إلى أجلٍ، ورَهَنه دِرْعًا من حديد.

стр. 2587

وفي لفظٍ للبخاري (١) رواه عن قَبيصة، عن الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: تُوفِّي النبي ﷺ ودرعُه مَرْهونةٌ عندَ يهوديٍّ بثلاثين. ورواه البيهقي (٢) من حديث يزيد بن هارون، عن الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود عنها، قالت: تُوفِّي النبيُّ ﷺ ودرعُه مرهونةٌ بثلاثين صاعاً من شعير. ثم قال: رواه البخاري (٣) عن محمد بن كثير عن سفيان. ثم قال البيهقي (٤): أنبأنا علي بن أحمد بن عَبْدان، أنبأنا أبو بكر محمد بن محمويه (٥) العسكري، ثنا جعفر بن محمد القلانسي ثنا اَدم ثنا شيبان عن قتادة عن أنس. قال: لقد دُعيَ رسولُ اللهِ ﷺ على خُبْزِ شَعيرٍ وإهالةٍ سَنِخة. قال أنس: ولقد سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "والذي نفسُ محمدٍ بيده، ما أصبح عندَ آلِ محمدٍ صاعُ بُرٍّ ولا صاعُ تَمْرٍ". وإنّ له يَومئذٍ تسعَ نسوةٍ، ولقد رَهَنَ درعاً له عندَ يَهوديٍّ بالمدينة، وأخذ منه طعاماً، فما وَجَدَ ما يَفتكُّها به حتى مات ﷺ . وقد رَوى ابنُ ماجه (٦) بعضَه من حديث شَيبان بن عبد الرحمن النَّحْوي عن قتادة به. وقال الإمام أحمد (٧): حدَّثنا عبد الصمد، ثنا ثابت، ثنا هلال، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنَّ النبيَّ ﷺ نظر إلى أُحُدٍ. فقال: "والذي نفسي بيده ما يَسُرّني أُحُداً لَال محمد ذهباً أُنْفِقُهُ في سبيل الله، أموتُ يومَ أموتُ وعندي منه ديناران إلا أن أرصدهما لِدَيْنٍ". قال: فمات فما ترك دينارًا ولا درهماً، ولا عبداً ولا وليدة، فترك دِرعَه رَهْناً عند يهوديٍّ بثلاثين صاعاً من شعير. وقد روى آخرَه ابنُ ماجه (٨) عن عبد الله بن معاوية الجُمَحيّ، عن ثابت بن يزيد، عن هلال بن خَبّاب العَبْدي الكوفي به. ولأوله شاهدٌ في "الصحيح" (٩) من حديث أبي ذرٍّ ﵁. وقد قال الإمام أحمد (١٠): حدَّثنا عبد الصمد وأبو سعيد وعفان، قالوا: ثنا ثابتٌ - هو ابن يزيد- ثنا

стр. 2588

هلال -هو ابن خَبّاب- عن عكرمة، عن ابن عباس: أنَّ النبىَّ ﷺ دخلَ عليه عمر، وهو على حَصيرٍ قد أثَّر في جَنْبه، فقال: يا نبيَّ الله لو اتخذتَ فِراشاً أوْثَرَ من هذا؟ فقال: "ما لي وللدنيا، ما مثلي ومثلُ الدُّنْيا إلا كراكبٍ سار في يوم صائِفٍ، فاستظَلَّ تحتَ شجرةٍ ساعةً من نهارٍ، ثم راح وتركها". تَفَرَّدَ به أحمدُ، وإسنادُه جيدٌ، وله شاهدُ (١) من حديثِ ابنِ عباس، عن عمر في المرأتين اللتين تَظاهَرَتا على رسول الله ﷺ ، وقصة الإيلاء. وسيأتي الحديثُ مع غيره مما شاكله في بيان زُهْدِه ﵊، وتركه الدنيا، وإعراضه عنها، واطراحه لها، وهو مما يدل على ما قلناه من أنه ﵊، لم تكن الدنيا عندَه ببالٍ. وقال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا سفيان، ثنا عبد العزيز بن رُفَيْع، قال: دخلتُ أنا وشَدّاد بن مَعْقِلٍ، على ابن عباس، فقال ابن عباس: ما ترك رسول الله ﷺ إلا ما بينَ هذين الَّلوحَيْن. قال: ودخلنا على محمد بن علي فقال مثل ذلك. وهكذا رواه البخاري (٣)، عن قتيبة، عن سفيان بن عيينة به. وقال البخاري (٤): حدَّثنا أبو نعيم، ثنا مالك بن مِغْوَلٍ، عن طلحة، قال: سألتُ عبدَ الله بن أبي أوفى: أأوْصَى النبىُّ ﷺ ؟ فقال: لا. فقلت: كيف كُتب على النّاس الوصيّةُ، اْو أُمِروا بها؟ قال: أوْصَى بكتابِ اللهِ . وقد رواه البخاريُّ أيضًا ومسلمٌ، وأهلُ السُّنن إلا أبا داود (٥) من طرق، عن مالك بن مِغْول به. وقال الترمذي: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، لا نعرفه إلا من حديث مالك بن مِغْولٍ. تنبيه: قد وَرَدَتْ أحاديثُ كثيرةٌ سنوردُها قريباً بعد هذا الفصل في ذكر أشياء كان يختصُّ بها، صلوات الله وسلامه عليه، في حياته، من دُورٍ ومساكنِ نسائه، وإماءٍ وعبيد، وخيول وإبل، وغنم وسلاح، وبَغْلةٍ وحمار، وثياب وأثاث، وخاتم، وغير ذلك مما سنوضحه بطرقه ودلائله، فلعلَّه ﵊ تَصَدَّقَ بكثير منها في حياته مُنْجزًا، وأعتق من أعتق من إمائه وعبيده، وأرصد ما أرْصَدَهُ من أمتعته، مع ما خَصَّه الله به من الأرضينَ من بني النَّضير وخيبر وَفَدَك، في مصالح المسلمين على ما سنبيّنه، إن شاء الله، إلا أنه لم يُخَلف من ذلك شيئًا (٦) يورث عنه قطعًا لما سنذكره قريبًا، وبالله المستعان.

стр. 2589

بابُ (١) بيانِ أنّه ﵊ قال: "لا نُورَثُ" قال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا سُفيان، عن أبي الزِّناد، عن الأعْرَج، عن أبي هريرة يَبلُغُ به، وقال مرة: قال رسول الله ﷺ : "لا يَقْتسِمُ وَرَثَتي ديناراً ولا دِرْهماً، ما تركتُ بعدَ نفقةِ نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة". وقد رواه البخاري (٣) ومسلم (٤) وأبو داود (٥) من طرقٍ، عن مالك بن أنس، عن أبي الزناد عبد الله بن ذَكْوان، عن عبد الرحمن بن هُزمُز الأعْرج، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا يَقْتسمُ وَرَثتي ديناراً، ما تركتُ بعد نفقةِ نسائي ومؤنةِ عاملي فهو صدقةٌ" لفظ البخاري. ثم قال البخاري (٦): حدَّثنا عبد الله بن مَسْلمة، عن مالكٍ، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: أنّ أزْواج النبي ﷺ حين تُوفّي رسولُ الله ﷺ أرَدْنَ أن يَبْعثن عثمانَ إلى أبي بكر يسألنه (٧) ميراثَهن، فقالت عائشة: أليس قد قال رسول الله ﷺ : "لا نُورثُ، ما تَرَكْنا صَدَقةٌ؟ " وهكذا رواه مسلم عن يحيى بن يحيى، وأبو داود عن القعنبي، والنسائي عن قتيبة، كلُّهم عن مالك به (٨). فهذه إحدى النساء الوارثات -إن لو قدِّر ميراثٌ - قد اعترفت أنّ رسول الله ﷺ جعل ما تركه صدقة لا ميراثاً، والظّاهرُ أن بقيةَ أمهاتِ المؤمنين وافَقْنَها على ما رَوَتْ، وتَذَكَّرْن ما قالت لهنَّ من ذلك، فإنّ عبارتَها تُؤْذنُ بأن هذا أمرٌ مُقَرَّر عندهن. والله أعلم. وقال البخاري (٩): حدَّثنا إسماعيل بن أبان، ثنا عبد الله بن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "لا نُورَثُ ما تَركنا صدقة". وقال البخاري: باب قول رسول الله ﷺ لا نورَثُ، ما تركنا صدقةٌ: ثنا عبد الله بن محمد، ثنا هثام، أنبأنا مَعْمَر، عن الزُّهْري، عن عروة، عن عائشة: أنَّ فاطمةَ والعباس أتيا أبا بكر، ﵁، يَلْتمسان ميراثَهما من رسول الله ﷺ وهما حينئذ يطلبانِ أرْضَه من فدك وسهمه من خيبر. فقال لهما

стр. 2590

أبو بكر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا نورَثُ، ما تركنا صدقةٌ، إنما يأكلُ آل محمد من هذا المال". قال أبو بكر: والله لا أدَعُ أمراً رأيتُ رسولَ الله ﷺ يَصْنَعُه فيه إلا صنعتُه، قال: فهجرته فاطمة فلم تكلِّمْه حتى ماتَتْ. وهكذا رواه الإمام أحمد عن عبد الرزاق عن معمر (١). ثم رواه أحمد (٢): عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح بن كَيْسان، عن الزُّهري، عن عروة، عن عائشة: أنّ فاطمةَ سَأَلَتْ أبا بكر بعدَ وفاة رسول الله ميراثَها مما ترك مما أفاء الله عليه، فقال لها أبو بكر: إن رسول الله ﷺ . قال: "لا نورَثُ، ما تركنا صدقةٌ" فغَضبتْ فاطمةُ، وهَجَرَت أبا بكر، فلم تَزَلْ مُهاجرته حتى تُوفّيت. قال: وعاشت فاطمة بعدَ وفاةِ رسولِ الله ﷺ ستةَ أشهرٍ … وذكر تمام الحديث. هكذا قال الإمام أحمد. وقد روى البخاري (٣) هذا الحديثَ في كتاب المغازي من "صحيحه" عن ابن بُكير (٤)، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، كما تقدم، وزاد: فلما تُوفِّيت دَفَنها علي ليلًا ولم يْؤْذن بها (٥) أبا بكر، وصلى عليها، وكان لعلي من الناس وجهٌ حياةَ فاطمة، فلما تُوفيت استنكَرَ عليٌّ وجوه الناس، فالتمَس مصالحة أبي بكر ومبايعته ولم يكن بايَعَ تلكَ الأشهر، فأرسلَ إلى أبي بكر ائتنا ولا يأتنا معك أحد، وكره أن يأتيه عمر لما علم من شِدة عمر، فقال عمر: والله لا تدخُلُ عَليهم وحدك. قال أبو بكر: وما عسى أن يَصْنَعوا بي؟ والله لآتينَّهم. فانطَلق أبو بكر، ﵁ فتَشَهَّدَ عَلِىُّ (٦)، وقال: إنا قد عَرَفْنا فَضْلَكَ وما أعطاك الله، ولم نَنْفَسْ عَلَيْكَ خيراً ساقه الله إليك، ولكنَّكم استَبْدَدْتُم بالأمر، وكُنا نرى لِقَرابتنا منْ رسولِ الله ﷺ أنَّ لنا في هذا الأمر نصيبًا، فلم يَزَلْ علىٌّ يذكرُ حتى بَكَى أبو بكر، ﵁، وقال: والذي نفسي بيدِهِ لقَرابةُ رسولِ الله ﷺ أحبُّ إليَّ أن أصِلَ من قَرابتي، وأما الذي شَجَر بَيْني وبَيْنَكُم (٧) في هذه الأموال، فإني لم آلُ فيها عن الخير، ولم أترُكْ أمراً صنعه (٨) رسول الله ﷺ إلا صَنَعْتُه. فلما صلَّى أبو بكر ﵁ الظهرَ رقي (٩) على المنبر، فتَشَهَّد، وذكر شأنَ عليٍّ وتخلُّفَه عن البيعة، وعذرَهُ بالذي اعتذرَ به، وتَشَهَّدَ علىٌّ ﵁، فعظَّمَ حقَّ

стр. 2591

أبي بكر، وذكرَ فضيلته وسابقتَه، وحدَّث أنّه لم يَحْمِلْهُ على الذي صنع نفاسةٌ على أبي بكرٍ، ثم قام إلى أبي بكر، ﵄، فبايَعَهُ. فأقبل الناسُ على عليٍّ فقالوا: أحسنتَ. وكانَ الناسُ إلى عليٍّ قريباً حين راجعَ الأمرَ المَعْروفَ. وقد رواه البخاري (١) أيضًا ومسلم (٢) وأبو داود (٣) والنسائي (٤) من طرقٍ متعددةٍ، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة بنحوه. فهذه البيعةُ التي وَقَعَتْ من عليٍّ، ﵁، لأبي بكرٍ، ﵁، بعد وفاةِ فاطمة، ﵂، بيعةٌ مُؤَكِّدةٌ للصُّلْحِ الذي وقعَ بينهما، وهي ثانيةٌ للبيعة التي ذكرناها أولًا يومَ السَّقيفة، كما رواه ابن خُزَيْمة وصَحَّحَهُ مسلم بن الحَجّاج، ولم يكنْ علىٌّ مجانباً لأبي بكرٍ هذه الستةَ أشهرٍ، بل كان يُصلّي وراءه ويحضُرْ (٥) عِنْدَه للمَشورةِ، وركبَ مَعَهُ إلى ذي القَصَّة كما سيأتي. وفي "صحيح البخاري" (٦): أن أبا بكرٍ، ﵁، صلَّى العصرَ بعد وَفاةِ رسولِ الله ﷺ بليالٍ، ثم خرجَ من المسجد فوجَدَ الحسنَ بن علي يَلعبُ مع الغِلْمان، فاحْتَمَلهُ على كاهِلِهِ، وجَعَلَ يقول: [من مجزوء الرجز] [يا] بِأَبي شِبْهُ النَّبِيْ … لَيْسَ شبيهًا بعَلِيْ وعلىُّ يَضْحكُ. ولكن لما وقعتْ هذه البيعةُ الثانيةُ اعتقَد بعضُ الرواةِ أنّ علياً لم يُبايعْ قَبْلَها فنفى ذلك، والمُثْبتُ مَقَدَّمٌ على النّافي، كما تَقَدَّمَ وكما تَقَرَّر. والله أعلم. وأما تَغَضُّبُ فاطمة، ﵂ وأرضاها، على أبي بكرٍ، ﵁ وأرضاه، فما أدْري ما وَجْهُهُ، فإنْ كانَ لمنعِه إيّاها ما سألتْهُ من الميراث، فقد اعتذر إليها بعذرٍ يجبُ قبولُهُ، وهو ما رواه عن أبيها رسولِ الله ﷺ أنه قال: "لا نُورَثُ، ما تَرَكْنا صَدَقةٌ". وهي ممن تَنْقادُ لنَصّ الشارعِ الذي خَفي عليها قبل سُؤالها الميراثَ، كما خَفِيَ على أزواجِ النبيّ ﷺ حتى أخْبَرتْهُن عائشةُ بذلك، ووافَقْنَها عليه، وليس يُظَنّ بفاطمة، ﵂، أنها (٧) اتَّهَمَتِ الصِّدِّيق، ﵁، فيما أخبرَها به، حاشاها وحاشاه من ذلك، كيفَ وقَدْ وافَقَهُ على روايةِ هذا الحديث عمرُ بنُ الخطّاب، وعثمانُ بن عفان، وعليُّ بن أبي طالب، والعباسُ بن عبد المطلب، وعبدُ الرحمن بن عوف، وطَلْحَةُ بن عُبَيْد الله، والزُّبَيْر بن العَوّام، وسَعْدُ بن أبي وقّاص،

стр. 2592

وأبو هريرة، وعائشةُ، ﵃ أجمعين، كما سَنُبَيِّنه قريبًا. ولو تَفَرَّدَ بروايتِه الصديق، ﵁، لوجَبَ على جميعِ أهْلِ الأرض قَبولُ روايتِهِ والانْقيادُ له في ذلك، وإن كان غَضَبُها لأجلِ ما سألتِ الصديقَ، إذ كانَتْ هذه الأراضي صَدَقةً لا ميراثاً، أن يكونَ زوجُها ينظُرُ فيها، فقد اعتذَرَ بما حاصِلُهُ أنه لما كان خليفةَ رسولِ الله ﷺ ، فهو يرى أن فرضًا عليه أن يَعْمَلَ بما كانَ يَعْمله رسولُ الله ﷺ ، ويَلي ما كانَ يَليه رسولُ الله، ولهذا قال: وإني واللهِ لا أدَعُ أمْرًا كان يَصْنَعُهُ فيه رسولُ الله ﷺ إلا صَنَعْتُه، قال: فهجرَتْهُ فاطمةُ فلم تُكَلِّمْه حتى ماتَتْ. وهذا الهِجرانُ والحالةُ هذه فَتَح على فِرْقَة الرافضةِ شرَّاً عَريضاً، وجَهْلاً طويلاً، وأدْخَلوا أنفسَهم بسببه فيما لا يَعْنيهم، ولو تَفَهَّموا الأمورَ على ما هي عليه لعَرفوا للصِّدِّيق فضلَه، وقَبِلوا منه عُذْرَهُ الذي يجبُ على كل أحدٍ قَبولُه، ولكنهم طائفةٌ مَخْذولةٌ، وفِرْقَةٌ مَرْذولةٌ، يَتَمسَّكون بالمُتشابه، ويَتْرُكون الأمورَ المُحْكَمَة المُقَرَّرَة (١) عند أئمة الإسلام، من الصحابة والتابعين، فمنْ بعدَهم من العلماء المُعْتَبرين في سائر الأعْصار والأمْصار، ﵃ وأرضاهم أجمعين. بيانُ روايةِ الجَماعَةِ لمِا رَواهُ الصِّدِّيقُ ومُوافَقَتِهمْ على ذلك قال البخاري (٢): حدَّثنا يحيى بن بُكَير، ثنا الَّليْثُ، عن عُقَيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني مالك (٣) بن أوس بن الحَدَثان، وكان محمد بن جُبَيْر بن مُطْعم ذكر لي ذِكرًا من حديثه ذلك، فانطلقتُ حتى دخلتُ عليه، فسألتُه، فقال: انطلقتُ حتى أدْخُلَ على عُمَرَ، فأتاهُ حاجبُه يَرْفا، فقال: هل لك في عثمانَ وعبد الرحمن بن عَوْفٍ، والزُّبَيْر وسَعْدٍ؟ قال: نعم، فأذِنَ لهم، ثم قال: هَلْ لَكَ في عليٍّ وعباس؟ قال: نعم. قال عباس: يا أمير المؤمنين اقضِ بَيْني وبينَ هذا، قال: أنْشُدُكمْ بالله الذي بإذنِهِ تقومُ السَّماءُ والأرضُ، هل تعلمون أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا نُورثُ، ما تَرَكْنا صَدَقةٌ؟ " يريدُ رسولُ الله ﷺ نفسَه؟ قال الرهط: قَدْ قالَ ذلك. فأقبلَ على على وعباس، فقال: هل تَعْلَمان أنَّ رسول الله ﷺ قد قال ذلك؟ قالا: قَدْ قالَ ذلك. قال عمر بن الخطاب: فإني أُحَدِّثكم عن هذا الأمر؛ إن اللهَ كانَ قد خَصَّ لرسولِ الله ﷺ في هذا الفيء بشيءٍ لم يُعْطِه أحدًا غيرَه. قال ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ إلى قوله ﴿قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦] فكانَتْ خالصةً لرسول الله ﷺ ، والله ما احتازَها (٤) دونكم، ولا اسْتَأثر بها (٥) عليكم، لقد أعطاكموها وبثَّها فيكم، حتى بقيَ منها هذا المالُ، فكانَ رسول الله ﷺ

стр. 2593

يُنْفقُ على أهله من هذا المال نفقةَ سَنَتِهِ، ثمَّ يأخذُ ما بَقي فَيَجْعَلَه مَجْعَلَ مالِ اللّهِ، فعملَ بذلك رسولُ الله ﷺ حياتَه، أنشْدُكم بالله هل تَعْلمون ذلك؟ قالوا: نعم. ثم قال لعليٍّ وعباس: أنْشُدُكما باللهِ هل تَعْلَمان ذلك؟ قالا: نعم! فَتَوفَّى اللهُ نبيَّه فقال أبو بكر، ﵁: أنا وَليُّ رسولِ الله ﷺ . فقَبضَها فعمِلَ بما عمِل به رسول الله ﷺ ثُم توفَّى اللهُ أبا بكر، فقلتُ: أنا وَليُّ وليِّ رسولِ الله ﷺ فَقَبضتها سنتين، أعْمَلُ فيها بما عمل رسولُ الله ﷺ وأبو بكر، ثم جئْتُماني وكَلِمَتُكما واحدةٌ وأمرُكُما جميعٌ، حتى جئتَني تسألُني نَصيبَك من ابن أخيك، وجاءني هذا ليسأَلَني نصيبَ امرأتِه من أبيها، فقلتُ: إن شِئْتُما دفعتُ إليكُما بذلك، فَتَلْتَمسانِ مني قَضاء غيرَ ذلك!! فواللّه الذي بإذنِه تقومُ السماءُ والأرضُ، لا أقْضي فيها قضاء غيرَ ذلك حتَّى تقومَ الساعة، فإن عَجَزْتُما فادفعاها إليّ فأنا أكْفيكُماها. وقد رواه البخاري (١) في أماكن متفرقة من "صحيحه"، ومسلم (٢) وأهل السنن (٣) من طرقٍ، عن الزهري به. وفي روايةٍ في "الصحيحين" (٤)، فقال عمر: فَوَليها أبو بكر، فعمل فيها بما عمل رسول الله ﷺ ، واللهُ يعلمُ أنَّه صادقٌ بارٌّ راشدٌ تابعٌ للحقّ، (ثم وليتُها فعملتُ فيها بما عملَ رسول الله ﷺ وأبو بكر، والله يعلم أني صادقٌ بارٌّ [راشد] تابعٌ للحق) (٥) ثم جئتُماني فدفعتها إليكما لتعملا فيها بما عَمِلَ رسولُ الله ﷺ وأبو بكر، وعملتُ فيها أنا، أنْشدُكُم بالله أدفعتُها إليهما بذلك؟ قالوا: نعم. ثم قال لهما: أنْشُدُكما بالله هل دفعتُها إليكما بذلك؟ قالا: نعم، فال: أفَتَلْتمسان مني قَضاءً غيرَ ذلك؟ لا، والذي بإذنه تقومُ السَّماءُ والأرضُ. وقال الإمام أحمد (٦): حدَّثنا سُفْيان عن عمرو، عن الزُّهْري، عن مالك بن أوس، قال: سَمِعْتُ عمر يقول لعبد الرحمن وطلحة والزبير وسعد: نَشَدْتُكُم بالله الذي تقومُ السماءُ والأرضُ بأمره، أعلمتُم أنّ رسولَ الله ﷺ ، قال: "لا نُوَرثُ، ما تَرَكْنا صَدَقةٌ؟ " قالوا: نعم. على شرط الصحيحين. قلت: وكان الذي سَأَلاهُ بعدَ تَفْويضِ النظرِ إليهما، والله أعلم، هو أن يَقْسِمَ بينهما النظرَ، فيجعَل لكلِّ واحدٍ منهما نظر ما كان يستحقُّه بالإرث (٧) لو قُدِّر أنه كان وارثاً، وكأنهما قدَّما بينَ أيديهما جماعةً من الصَّحابة، منهم عثمانُ وابن عوفٍ وطلحةُ والزبيرُ وسَعْدٌ، وكان قد وَقَعَ بينهما خُصومةٌ شديدةٌ بسببِ

стр. 2594

إشاعةِ النَّظَر بينهما، فقالت الصّحابةُ الذين قدماهم بينَ أيديهما: يا أميرَ المؤمنين اقض بينهما، وأرح (١) أحدَهما من الآخر. فكأنَّ عُمَرَ، ﵁، تَحَرَّجَ من قِسْمَةِ النَّظَرِ بَيْنَهُما بما يُشْبهُ قِسْمَه (٢) الميراث ولو في الصّورة الظاهرة، محافظةً على امتثال قوله ﷺ : "لا نُورثُ، ما تَرَكْنَا صدقةٌ" فامتنع عليهم كلِّهم وأبى من ذلك أشدَّ الإباء، ﵁ وأرضاه، ثم إنّ علياً والعباسَ استمرّا على ما كانا عليه، ينظران فيها جميعًا إلى زمانِ عثمان بن عفان، فغلبه عليها علىٌّ وتركَها له العباس بإشارةِ ابنه عبد الله، ﵄، بين يَدَيْ عُثْمان، كما رَواهُ أحمدُ في "مسنده" (٣)، فاستمرت في أيدي العَلَويّين. وقد تَقَصَّيْتُ طرقَ هذا الحديث وألفاظَه في مسندَي الشَّيْخَيْن أبي بكر وعمر، ﵄، فإنّي، ولله الحمد، جَمَعْتُ لكلِّ واحدٍ منهما مُجَلَّداً ضخْماً مما رواه عن رسول الله ﷺ ، ورآه من الفِقْهِ النافِع الصَّحيح، وَرَتَّبْتُه على أبواب الفقهِ المُصْطَلَح عليها اليوم. وقد رُوِّينا أن فاطمة، ﵂، احتجَّت أولًا بالقياس وبالعموم في الآية الكريمة، فأجابها الصِّدِّيقُ بالنصِّ على الخُصوص بالمَنْع في حقّ النبي، وأنها سلَّمَتْ له ما قال. وهذا هو المظنونُ بها، ﵂. وقال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا عَفّان، ثنا حماد بن سَلَمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سَلَمة، أن فاطمةَ قالت لأبي بكر: من يَرثُكَ إذا مِتَّ؟ قال: ولدي وأهلي. قالت: فما لنا لا نرثُ رسول الله ﷺ ؟ فقال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إن النبىَّ لا يورثُ" ولكني أعولُ منْ كانَ رسولُ الله ﷺ يَعولُ وأُنفقُ على منْ كانَ رسولُ الله ﷺ يُنْفقُ. وقد رواه الترمذي في "جامعه" (٥) عن محمد بن المُثَنَّى، عن أبي الوليد الطَّيالسي (قال: حدثنا حماد بن سلمة) (٦)، عن محمد بن عمرو، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة … فذكره، فوصل (٧) الحديث. وقال الترمذي: حسنٌ صحيح غريب (٨). فأما الحديثُ الذي قال الإمام أحمد (٩): حدَّثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، ثنا محمد بن فُضيل، عن الوليد بن جُمَيْع، عن أبي الطُّفَيْل، قال: لما قُبضَ رسولُ الله ﷺ أرسلَتْ فاطمةُ إلى أبي بكرٍ: أأنتَ

стр. 2595

وَرِثْتَ رسولَ اللهِ أم أهلُه؟ فقال: لا بل أهلُه، قالت (١): فأين سهم رسول الله ﷺ ؟ فقال أبو بكر: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ الله إذا أطْعَمَ نبيّاً طُعْمَةً ثمّ قَبَضَه جَعَلَهُ للّذي يَقومُ من بَعْدِه" فرأيتُ أن أردَّه على المسلمين. قال (٢): فأنْتَ وما سَمِعْتَ من رسول الله ﷺ (٣). وهكذا رواه أبو داود (٤)، عن عثمان بن أبي شيبة، عن محمد بن فُضَيْل به. ففي لفظ هذا الحديث غرابةٌ ونكارةٌ، ولعلَّه رُوي بمعنى ما فَهِمَه بعضُ الرواة، وفيهم منْ فيه تَشَيُّعٌ، فَلْيُعْلَمْ ذلك، وأحسنُ ما فيه قولُها: أنتَ وما سَمِعْتَ من رسول الله ﷺ ، وهذا هو (٥) المظنونُ بها، واللائقُ بأمرها وسيادتها وعلمها ودينها، ﵂. وكأنَّها (٦) سأَلَتْهُ بعدَ هذا أن يجعلَ زوجَها ناظراً على هذه الصدقة، فلم يُجِبْها إلى ذلك، لما قدمناه، فَتَعَتَّبَتْ (٧) عليه بسبب ذلك وهي امرأةٌ من بناتِ آدم، تأسف كما يأسفون، وليست بواجبةِ العِصْمَةِ مع وجودِ نصِّ رسولِ الله ﷺ ، ومخالفةِ أبي بكر الصديق، ﵁ وأرضاه، وقد رُوِّينا عن أبي بكر ﵁: أنه ترضَّى فاطمة وتلاينها قبل موتها فرضيت ﵂. قال الحافظ أبو بكر البيهقي (٨): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ (٩)، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن عبد الوهاب، ثنا عَبْدان بن عثمان العَتكي بنيسابور، أنبأنا أبو حمزة (١٠)، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، قال: لما مَرِضتْ فاطمةُ أتاها أبو بكر الصّدّيقُ فاستأذَنَ عليها، فقال علي: يا فاطمةُ هذا أبو بكر يَسْتَأذنُ عليكِ. فقالت: أتحبُّ أن اَذنَ له؟ قال: نعم. فأذِنَتْ له فدخلَ عليها يَتَرضَّاها، فقال: واللّهِ ما تركتُ الدارَ والمالَ والأهل والعَشيرة إلا ابتغاءَ مَرْضاةِ الله، ومرضاةِ رسولهِ. ومرضاتِكُمْ أهْلَ البَيْتِ، ثم تَرَضّاها حتى رَضيتْ. وهذا إسنادٌ جيدٌ قويٌّ. والظَّاهِرُ أنّ عامِرا (١١) الشَّعبي سَمِعَهُ من عليّ، أو مِمَّنْ سَمِعَه من عليّ. وقد اعترفَ عُلماءُ أهل البَيْتِ بصحَّةِ ما حَكَم به أبو بكر في ذلك. قال الحافظ البيهقي (١٢): أخبرنا
следующие страницы →