← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

أبي بكر، وذكرَ فضيلته وسابقتَه، وحدَّث أنّه لم يَحْمِلْهُ على الذي صنع نفاسةٌ على أبي بكرٍ، ثم قام إلى أبي بكر، ﵄، فبايَعَهُ. فأقبل الناسُ على عليٍّ فقالوا: أحسنتَ. وكانَ الناسُ إلى عليٍّ قريباً حين راجعَ الأمرَ المَعْروفَ. وقد رواه البخاري (١) أيضًا ومسلم (٢) وأبو داود (٣) والنسائي (٤) من طرقٍ متعددةٍ، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة بنحوه. فهذه البيعةُ التي وَقَعَتْ من عليٍّ، ﵁، لأبي بكرٍ، ﵁، بعد وفاةِ فاطمة، ﵂، بيعةٌ مُؤَكِّدةٌ للصُّلْحِ الذي وقعَ بينهما، وهي ثانيةٌ للبيعة التي ذكرناها أولًا يومَ السَّقيفة، كما رواه ابن خُزَيْمة وصَحَّحَهُ مسلم بن الحَجّاج، ولم يكنْ علىٌّ مجانباً لأبي بكرٍ هذه الستةَ أشهرٍ، بل كان يُصلّي وراءه ويحضُرْ (٥) عِنْدَه للمَشورةِ، وركبَ مَعَهُ إلى ذي القَصَّة كما سيأتي. وفي "صحيح البخاري" (٦): أن أبا بكرٍ، ﵁، صلَّى العصرَ بعد وَفاةِ رسولِ الله ﷺ بليالٍ، ثم خرجَ من المسجد فوجَدَ الحسنَ بن علي يَلعبُ مع الغِلْمان، فاحْتَمَلهُ على كاهِلِهِ، وجَعَلَ يقول: [من مجزوء الرجز] [يا] بِأَبي شِبْهُ النَّبِيْ … لَيْسَ شبيهًا بعَلِيْ وعلىُّ يَضْحكُ. ولكن لما وقعتْ هذه البيعةُ الثانيةُ اعتقَد بعضُ الرواةِ أنّ علياً لم يُبايعْ قَبْلَها فنفى ذلك، والمُثْبتُ مَقَدَّمٌ على النّافي، كما تَقَدَّمَ وكما تَقَرَّر. والله أعلم. وأما تَغَضُّبُ فاطمة، ﵂ وأرضاها، على أبي بكرٍ، ﵁ وأرضاه، فما أدْري ما وَجْهُهُ، فإنْ كانَ لمنعِه إيّاها ما سألتْهُ من الميراث، فقد اعتذر إليها بعذرٍ يجبُ قبولُهُ، وهو ما رواه عن أبيها رسولِ الله ﷺ أنه قال: "لا نُورَثُ، ما تَرَكْنا صَدَقةٌ". وهي ممن تَنْقادُ لنَصّ الشارعِ الذي خَفي عليها قبل سُؤالها الميراثَ، كما خَفِيَ على أزواجِ النبيّ ﷺ حتى أخْبَرتْهُن عائشةُ بذلك، ووافَقْنَها عليه، وليس يُظَنّ بفاطمة، ﵂، أنها (٧) اتَّهَمَتِ الصِّدِّيق، ﵁، فيما أخبرَها به، حاشاها وحاشاه من ذلك، كيفَ وقَدْ وافَقَهُ على روايةِ هذا الحديث عمرُ بنُ الخطّاب، وعثمانُ بن عفان، وعليُّ بن أبي طالب، والعباسُ بن عبد المطلب، وعبدُ الرحمن بن عوف، وطَلْحَةُ بن عُبَيْد الله، والزُّبَيْر بن العَوّام، وسَعْدُ بن أبي وقّاص،

стр. 2592

وأبو هريرة، وعائشةُ، ﵃ أجمعين، كما سَنُبَيِّنه قريبًا. ولو تَفَرَّدَ بروايتِه الصديق، ﵁، لوجَبَ على جميعِ أهْلِ الأرض قَبولُ روايتِهِ والانْقيادُ له في ذلك، وإن كان غَضَبُها لأجلِ ما سألتِ الصديقَ، إذ كانَتْ هذه الأراضي صَدَقةً لا ميراثاً، أن يكونَ زوجُها ينظُرُ فيها، فقد اعتذَرَ بما حاصِلُهُ أنه لما كان خليفةَ رسولِ الله ﷺ ، فهو يرى أن فرضًا عليه أن يَعْمَلَ بما كانَ يَعْمله رسولُ الله ﷺ ، ويَلي ما كانَ يَليه رسولُ الله، ولهذا قال: وإني واللهِ لا أدَعُ أمْرًا كان يَصْنَعُهُ فيه رسولُ الله ﷺ إلا صَنَعْتُه، قال: فهجرَتْهُ فاطمةُ فلم تُكَلِّمْه حتى ماتَتْ. وهذا الهِجرانُ والحالةُ هذه فَتَح على فِرْقَة الرافضةِ شرَّاً عَريضاً، وجَهْلاً طويلاً، وأدْخَلوا أنفسَهم بسببه فيما لا يَعْنيهم، ولو تَفَهَّموا الأمورَ على ما هي عليه لعَرفوا للصِّدِّيق فضلَه، وقَبِلوا منه عُذْرَهُ الذي يجبُ على كل أحدٍ قَبولُه، ولكنهم طائفةٌ مَخْذولةٌ، وفِرْقَةٌ مَرْذولةٌ، يَتَمسَّكون بالمُتشابه، ويَتْرُكون الأمورَ المُحْكَمَة المُقَرَّرَة (١) عند أئمة الإسلام، من الصحابة والتابعين، فمنْ بعدَهم من العلماء المُعْتَبرين في سائر الأعْصار والأمْصار، ﵃ وأرضاهم أجمعين. بيانُ روايةِ الجَماعَةِ لمِا رَواهُ الصِّدِّيقُ ومُوافَقَتِهمْ على ذلك قال البخاري (٢): حدَّثنا يحيى بن بُكَير، ثنا الَّليْثُ، عن عُقَيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني مالك (٣) بن أوس بن الحَدَثان، وكان محمد بن جُبَيْر بن مُطْعم ذكر لي ذِكرًا من حديثه ذلك، فانطلقتُ حتى دخلتُ عليه، فسألتُه، فقال: انطلقتُ حتى أدْخُلَ على عُمَرَ، فأتاهُ حاجبُه يَرْفا، فقال: هل لك في عثمانَ وعبد الرحمن بن عَوْفٍ، والزُّبَيْر وسَعْدٍ؟ قال: نعم، فأذِنَ لهم، ثم قال: هَلْ لَكَ في عليٍّ وعباس؟ قال: نعم. قال عباس: يا أمير المؤمنين اقضِ بَيْني وبينَ هذا، قال: أنْشُدُكمْ بالله الذي بإذنِهِ تقومُ السَّماءُ والأرضُ، هل تعلمون أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا نُورثُ، ما تَرَكْنا صَدَقةٌ؟ " يريدُ رسولُ الله ﷺ نفسَه؟ قال الرهط: قَدْ قالَ ذلك. فأقبلَ على على وعباس، فقال: هل تَعْلَمان أنَّ رسول الله ﷺ قد قال ذلك؟ قالا: قَدْ قالَ ذلك. قال عمر بن الخطاب: فإني أُحَدِّثكم عن هذا الأمر؛ إن اللهَ كانَ قد خَصَّ لرسولِ الله ﷺ في هذا الفيء بشيءٍ لم يُعْطِه أحدًا غيرَه. قال ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ إلى قوله ﴿قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦] فكانَتْ خالصةً لرسول الله ﷺ ، والله ما احتازَها (٤) دونكم، ولا اسْتَأثر بها (٥) عليكم، لقد أعطاكموها وبثَّها فيكم، حتى بقيَ منها هذا المالُ، فكانَ رسول الله ﷺ

стр. 2593

يُنْفقُ على أهله من هذا المال نفقةَ سَنَتِهِ، ثمَّ يأخذُ ما بَقي فَيَجْعَلَه مَجْعَلَ مالِ اللّهِ، فعملَ بذلك رسولُ الله ﷺ حياتَه، أنشْدُكم بالله هل تَعْلمون ذلك؟ قالوا: نعم. ثم قال لعليٍّ وعباس: أنْشُدُكما باللهِ هل تَعْلَمان ذلك؟ قالا: نعم! فَتَوفَّى اللهُ نبيَّه فقال أبو بكر، ﵁: أنا وَليُّ رسولِ الله ﷺ . فقَبضَها فعمِلَ بما عمِل به رسول الله ﷺ ثُم توفَّى اللهُ أبا بكر، فقلتُ: أنا وَليُّ وليِّ رسولِ الله ﷺ فَقَبضتها سنتين، أعْمَلُ فيها بما عمل رسولُ الله ﷺ وأبو بكر، ثم جئْتُماني وكَلِمَتُكما واحدةٌ وأمرُكُما جميعٌ، حتى جئتَني تسألُني نَصيبَك من ابن أخيك، وجاءني هذا ليسأَلَني نصيبَ امرأتِه من أبيها، فقلتُ: إن شِئْتُما دفعتُ إليكُما بذلك، فَتَلْتَمسانِ مني قَضاء غيرَ ذلك!! فواللّه الذي بإذنِه تقومُ السماءُ والأرضُ، لا أقْضي فيها قضاء غيرَ ذلك حتَّى تقومَ الساعة، فإن عَجَزْتُما فادفعاها إليّ فأنا أكْفيكُماها. وقد رواه البخاري (١) في أماكن متفرقة من "صحيحه"، ومسلم (٢) وأهل السنن (٣) من طرقٍ، عن الزهري به. وفي روايةٍ في "الصحيحين" (٤)، فقال عمر: فَوَليها أبو بكر، فعمل فيها بما عمل رسول الله ﷺ ، واللهُ يعلمُ أنَّه صادقٌ بارٌّ راشدٌ تابعٌ للحقّ، (ثم وليتُها فعملتُ فيها بما عملَ رسول الله ﷺ وأبو بكر، والله يعلم أني صادقٌ بارٌّ [راشد] تابعٌ للحق) (٥) ثم جئتُماني فدفعتها إليكما لتعملا فيها بما عَمِلَ رسولُ الله ﷺ وأبو بكر، وعملتُ فيها أنا، أنْشدُكُم بالله أدفعتُها إليهما بذلك؟ قالوا: نعم. ثم قال لهما: أنْشُدُكما بالله هل دفعتُها إليكما بذلك؟ قالا: نعم، فال: أفَتَلْتمسان مني قَضاءً غيرَ ذلك؟ لا، والذي بإذنه تقومُ السَّماءُ والأرضُ. وقال الإمام أحمد (٦): حدَّثنا سُفْيان عن عمرو، عن الزُّهْري، عن مالك بن أوس، قال: سَمِعْتُ عمر يقول لعبد الرحمن وطلحة والزبير وسعد: نَشَدْتُكُم بالله الذي تقومُ السماءُ والأرضُ بأمره، أعلمتُم أنّ رسولَ الله ﷺ ، قال: "لا نُوَرثُ، ما تَرَكْنا صَدَقةٌ؟ " قالوا: نعم. على شرط الصحيحين. قلت: وكان الذي سَأَلاهُ بعدَ تَفْويضِ النظرِ إليهما، والله أعلم، هو أن يَقْسِمَ بينهما النظرَ، فيجعَل لكلِّ واحدٍ منهما نظر ما كان يستحقُّه بالإرث (٧) لو قُدِّر أنه كان وارثاً، وكأنهما قدَّما بينَ أيديهما جماعةً من الصَّحابة، منهم عثمانُ وابن عوفٍ وطلحةُ والزبيرُ وسَعْدٌ، وكان قد وَقَعَ بينهما خُصومةٌ شديدةٌ بسببِ

стр. 2594

إشاعةِ النَّظَر بينهما، فقالت الصّحابةُ الذين قدماهم بينَ أيديهما: يا أميرَ المؤمنين اقض بينهما، وأرح (١) أحدَهما من الآخر. فكأنَّ عُمَرَ، ﵁، تَحَرَّجَ من قِسْمَةِ النَّظَرِ بَيْنَهُما بما يُشْبهُ قِسْمَه (٢) الميراث ولو في الصّورة الظاهرة، محافظةً على امتثال قوله ﷺ : "لا نُورثُ، ما تَرَكْنَا صدقةٌ" فامتنع عليهم كلِّهم وأبى من ذلك أشدَّ الإباء، ﵁ وأرضاه، ثم إنّ علياً والعباسَ استمرّا على ما كانا عليه، ينظران فيها جميعًا إلى زمانِ عثمان بن عفان، فغلبه عليها علىٌّ وتركَها له العباس بإشارةِ ابنه عبد الله، ﵄، بين يَدَيْ عُثْمان، كما رَواهُ أحمدُ في "مسنده" (٣)، فاستمرت في أيدي العَلَويّين. وقد تَقَصَّيْتُ طرقَ هذا الحديث وألفاظَه في مسندَي الشَّيْخَيْن أبي بكر وعمر، ﵄، فإنّي، ولله الحمد، جَمَعْتُ لكلِّ واحدٍ منهما مُجَلَّداً ضخْماً مما رواه عن رسول الله ﷺ ، ورآه من الفِقْهِ النافِع الصَّحيح، وَرَتَّبْتُه على أبواب الفقهِ المُصْطَلَح عليها اليوم. وقد رُوِّينا أن فاطمة، ﵂، احتجَّت أولًا بالقياس وبالعموم في الآية الكريمة، فأجابها الصِّدِّيقُ بالنصِّ على الخُصوص بالمَنْع في حقّ النبي، وأنها سلَّمَتْ له ما قال. وهذا هو المظنونُ بها، ﵂. وقال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا عَفّان، ثنا حماد بن سَلَمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سَلَمة، أن فاطمةَ قالت لأبي بكر: من يَرثُكَ إذا مِتَّ؟ قال: ولدي وأهلي. قالت: فما لنا لا نرثُ رسول الله ﷺ ؟ فقال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إن النبىَّ لا يورثُ" ولكني أعولُ منْ كانَ رسولُ الله ﷺ يَعولُ وأُنفقُ على منْ كانَ رسولُ الله ﷺ يُنْفقُ. وقد رواه الترمذي في "جامعه" (٥) عن محمد بن المُثَنَّى، عن أبي الوليد الطَّيالسي (قال: حدثنا حماد بن سلمة) (٦)، عن محمد بن عمرو، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة … فذكره، فوصل (٧) الحديث. وقال الترمذي: حسنٌ صحيح غريب (٨). فأما الحديثُ الذي قال الإمام أحمد (٩): حدَّثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، ثنا محمد بن فُضيل، عن الوليد بن جُمَيْع، عن أبي الطُّفَيْل، قال: لما قُبضَ رسولُ الله ﷺ أرسلَتْ فاطمةُ إلى أبي بكرٍ: أأنتَ

стр. 2595

وَرِثْتَ رسولَ اللهِ أم أهلُه؟ فقال: لا بل أهلُه، قالت (١): فأين سهم رسول الله ﷺ ؟ فقال أبو بكر: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ الله إذا أطْعَمَ نبيّاً طُعْمَةً ثمّ قَبَضَه جَعَلَهُ للّذي يَقومُ من بَعْدِه" فرأيتُ أن أردَّه على المسلمين. قال (٢): فأنْتَ وما سَمِعْتَ من رسول الله ﷺ (٣). وهكذا رواه أبو داود (٤)، عن عثمان بن أبي شيبة، عن محمد بن فُضَيْل به. ففي لفظ هذا الحديث غرابةٌ ونكارةٌ، ولعلَّه رُوي بمعنى ما فَهِمَه بعضُ الرواة، وفيهم منْ فيه تَشَيُّعٌ، فَلْيُعْلَمْ ذلك، وأحسنُ ما فيه قولُها: أنتَ وما سَمِعْتَ من رسول الله ﷺ ، وهذا هو (٥) المظنونُ بها، واللائقُ بأمرها وسيادتها وعلمها ودينها، ﵂. وكأنَّها (٦) سأَلَتْهُ بعدَ هذا أن يجعلَ زوجَها ناظراً على هذه الصدقة، فلم يُجِبْها إلى ذلك، لما قدمناه، فَتَعَتَّبَتْ (٧) عليه بسبب ذلك وهي امرأةٌ من بناتِ آدم، تأسف كما يأسفون، وليست بواجبةِ العِصْمَةِ مع وجودِ نصِّ رسولِ الله ﷺ ، ومخالفةِ أبي بكر الصديق، ﵁ وأرضاه، وقد رُوِّينا عن أبي بكر ﵁: أنه ترضَّى فاطمة وتلاينها قبل موتها فرضيت ﵂. قال الحافظ أبو بكر البيهقي (٨): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ (٩)، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن عبد الوهاب، ثنا عَبْدان بن عثمان العَتكي بنيسابور، أنبأنا أبو حمزة (١٠)، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، قال: لما مَرِضتْ فاطمةُ أتاها أبو بكر الصّدّيقُ فاستأذَنَ عليها، فقال علي: يا فاطمةُ هذا أبو بكر يَسْتَأذنُ عليكِ. فقالت: أتحبُّ أن اَذنَ له؟ قال: نعم. فأذِنَتْ له فدخلَ عليها يَتَرضَّاها، فقال: واللّهِ ما تركتُ الدارَ والمالَ والأهل والعَشيرة إلا ابتغاءَ مَرْضاةِ الله، ومرضاةِ رسولهِ. ومرضاتِكُمْ أهْلَ البَيْتِ، ثم تَرَضّاها حتى رَضيتْ. وهذا إسنادٌ جيدٌ قويٌّ. والظَّاهِرُ أنّ عامِرا (١١) الشَّعبي سَمِعَهُ من عليّ، أو مِمَّنْ سَمِعَه من عليّ. وقد اعترفَ عُلماءُ أهل البَيْتِ بصحَّةِ ما حَكَم به أبو بكر في ذلك. قال الحافظ البيهقي (١٢): أخبرنا

стр. 2596

محمد بن عبد الله الحافظ، ثنا أبو عبد الله الصَّفّار، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا نَصْرُ بن علي، ثنا ابن داود، عن فُضَيْل بن مرزوق، قال: قال زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (١): أما أنا فلو (٢) كنت مكان أبي بكر، ﵁، لحَكمْتُ بما حَكَم به أبو بكرٍ ﵁، في فَدَك. فصل وقد تَكَلَّمَتِ الرّافِضَةُ في هذا المقام بجَهْلٍ، وتكَلَّفُوا (٣) ما لا عِلْمَ لهم به، وكذَّبوا بما لم يُحيطوا بعِلْمِه، ولما يَأْتِهم تأويلُه، وأدْخَلُوا أنفسَهم فيما لا يَعْنيهم، وحاوَلَ بعضُهم أن يَرُدَّ خبرَ أبي بكرٍ (٤) ﵁، فيما ذكرناه بأنّه مخالفٌ للقرآن حيث يقول الله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦] الآية. وحيث قال تعالى إخباراً عن زكريا أنه قال: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٥ - ٦] واستدلالهم هذا (٥) باطلٌ من وجوهٍ: أحدُها أن قوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦] إنما يعني بذلك في المُلْك والنُّبوة، أي جَعَلْناه قائمًا بعدَه فيما كانَ يليه من المُلْكِ وتَدْبير الرَّعايا، والحكم بين بني إسرائيل، وجعلناه نبيًا كريماً كأبيه، وكما جُمع لأبيه المُلْكُ والنُّبوّةُ، كذلك جُعِلَ ولدهُ بعدَه، وليس المرادُ بهذا وراثةَ المال؛ لأن داود كما ذَكَرَه كَثيرٌ من المُفسّرين كان له أولادٌ كثيرون يقال: مئة ولدٍ (٦)، فلِمَ اقتصرَ على ذكر سليمان من بينهم لو كان المراد وِراثةَ المال؟ إنما المرادُ وِراثةُ القيام بعدَه في النبوة والملك، ولهذا قال: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل: ١٦] وما بعدها من الآيات. وقد أشبعنا الكلام على هذا في كتابنا "التفسير" بما فيه كفاية، ولله الحمدُ والمنةُ كثيرًا. وأما قِصَّةُ زَكريّا فإنّه ﵇، من الأنبياء الكرام، والدُّنْيا كانَتْ عِنْدَه أحْقَرَ منْ أن يَسْأَلَ اللهَ ولدًا ليرثَه في ماله، كيف؟ وإنما كان نجاراً يأكُلُ من كَسْب يَدِهِ كما رواه البخاري (٧)، ولم يكُنْ لِيَدَّخِرَ منها فوقَ قُوتِه حتى يَسْألَ الله ولدًا يرثُ عنه مالَه -أن لو كان له مال (٨) - وإنما سأل ولدًا صالحاً يرثه في النبوة والقيام بمصالح بني إسرائيل، وحملهم على السَّداد. ولهذا قال تعالى: ﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ

стр. 2597

رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ١ - ٦] القصة بتمامها. فقال: ﴿وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٦]، يعني النبوة، كما قَرَّرنا ذلك في "التفسير" ولله الحمد والمنة. وقد تقدَّم في رواية أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن أبي بكر، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "النبيُّ لا يُورَثُ" وهذا اسمُ جنسٍ يَعُمُّ كُلَّ الأنْبياء، وقد حَسَّنَهُ الترمذي. وفي الحديث الآخر: "نَحْنُ مَعْشَرَ الأنبياءَ لا نُورَثُ" (١). والوجه الثاني: أنَّ رسولَ الله ﷺ قد خُصَّ من بينِ الأنْبياء بأحْكامٍ لا يُشارِكونه فيها، كما سنَعْقدُ له بابًا مُفْرداً في آخر السِّيرة، إن شاء الله، فلو قُدِّرَ أنّ غيرَهُ من الأنبياء يُورَثون -وليس الأمر كذلك- لكانَ ما رواهُ منْ ذكرنا من الصحابة الذين منهم الأئمة الأربعة؛ أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليٌّ مُبِّيناً لِتَخْصيصه بهذا الحكم دونَ ما سواه. والثالث: أنه يجبُ العملُ بهذا الحديثِ والحكمُ بمقتضاه، كما حَكَمَ به الخُلَفاءُ، واعْتَرفَ بصحّته العلماء، سواء كان منْ خصائصه أم لا، فإنه قال: "لا نُورَثُ، ما تَرْكنا (٢) صَدَقةٌ" إذ يَحْتَملُ من حيثُ اللفظُ أن يكونَ قولُهُ ﵊: "ما تركنا صَدَقَةٌ" أن يكونَ خَبَراً عن حُكْمِه أو حُكْمِ سائر الأنبياءِ معه، على ما تَقَدَّم وهو الظاهر، ويحتملُ أن يكون إنشاء وَصِيَّةٍ (٣) كأنه يقول: لا نورثُ لأن جميع ما تركناه جعلناه (٤) صدقةً، ويكون تخصيصُه من حيثُ جوازُ جعلِه مالَه كلَّه صدقةً، والاحتمالُ الأولُ أظهرُ. وهو الذي سلكه الجمهور. وقدْ يَقْوَى المعنى الثاني بما تقدَّم من حديث مالكٍ وغيره، عن أبي الزِّناد، عن الأعرجِ، عن أبي هريرة، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا يَقْتَسِم (٥) وَرَثَتي ديناراً، ما تَرَكْتُ بعدَ نفقهِ نِسائي ومُؤْنَةِ عاملي فهو صدقةٌ" وهذا اللفظ مخرجٌ في "الصحيحين" وهو يردّ تَحْريفَ منْ قال من الجَهَلَة من طائفةِ الشّيعةِ في روايةِ هذا الحديث ما تركنا (١) صدقة بالنصب، جعل -ما- نافية، فكيف يصنع بأول الحديث، وهو قوله: لا نُورثُ؟! وبهذه الرواية "ما تركت بعدَ نفقة نسائي ومُؤْنَة عامِلي فهو صَدَقةٌ" وما شأنُ هذا إلا كما حُكِيَ عن بعض المعتزلة أنه قَرَأَ على شيخٍ من أهل السّنَّة: وكَلَّمَ اللهُ مُوسى

стр. 2598

تكليمًا بنصب الجلالة، فقال له الشيخ: ويحك، كيف تصنع بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا (١) جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. والمقصود أنه يجبُ العملُ بقوله ﷺ : "لا نُورَثُ، ما تركنا صَدَقةٌ" على كلِّ تقديرٍ احتملَه اللفظُ والمَعْنى، فإنّه مُخَصَّصٌ لعموم آيةِ الميراثِ، ومخرجٌ له ﵊ منها، إما وحده، أو مع غيره من إخوانه الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام. باب ذكر زوجاته صلوات الله وسلامه عليه وأولاده ﷺ - قال الله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٢ - ٣٤] لا خلاف أنه ﵊ تُوفِّي عن تسع وهُنّ؛ عائشةُ بنتُ أبي بكر الصديق التَّيميّة، وحَفْصَة بنت عمر بن الخطاب العَدَوية، وأم حبيبة رَمْلَة بنت أبي سُفيان صخر بن حرب بن أمية الأموية، وزَيْنَبُ بنتُ جَحْشٍ الأسَديّة، وأمُّ سَلَمَة هندُ بنتُ أبي أُميَّة المَخْزومية، ومَيْمونة بنتُ الحارث الهِلاليّة، وسَوْدَةُ بنت زَمْعَة العامرية، وجُوَيْرية بنتُ الحارث بن أبي ضرار المصطلقية، وصَفيّة بنت حُيَى بن أخطب النَّضْرية الإسرائيلية الهارونيّة، ﵅ وأرضاهن. وكانت له سُرِّيَّتان، وهما: مارية بنت شَمْعون القِبْطيَّة المصريَّة من كورة أنْصِنا (٢) وهي أم ولده إبراهيم ﵇، وريْحانةُ بنت شَمْعُون القُرَظيَّة، أسلمت ثم أعتقها، فلحقت بأهلها، ومن الناس من يزعمُ أنّها (٣) احتجبت عندهم، والله أعلم. وأما الكلامُ على ذلك مُفَصَّلاً ومرتباً من حيث ما وقعَ أولًا فأولًا مجموعاً من كلام الأئمة، ﵏، فنقول وبالله المستعان:

стр. 2599

روى الحافظُ الكبيرُ أبو بكرٍ البيهقي (١) من طريق سَعيد بن أبي (٢) عَروبة، عن قتادة، قال: تزوَّجَ رسولُ الله ﷺ بخَمْسَ عَشْرَةَ امرأة، دخلَ منهن بثلاثَ عشرةَ، واجْتَمَعَ عنده إحدى عشرَةَ، وماتَ عن تِسْعٍ. ثم ذكر هؤلاء التِّسع اللاتي ذكرناهن ﵅ (٣). (ورواهُ بَحْرُ بن كَنِيْز (٤)، عن قتادة، عن أنس، والأول أصحُّ) (٥) ورواه سَيْفُ بن عُمر التَّميمي عن سَعيد عن قَتادة عن أنس وابن عباس مثله. وروى سَيْف عن سَعيد بن عبد الله، عن عبد الله بن أبي مُلَيْكة، عن عائشة مثله، قالت: فالمرأتان اللتان لم يدخُلْ بهما، فهما؛ عَمْرَةُ بنت يزيد الغِفاريَّةُ والشَّنْباء، فأمّا عَمْرَةُ، فإنّه خَلا بها وجَرَّدها فرأى بها وَضَحا (٦)، فردَّها وأوجبَ لها الصِّداقَ، وحُرِّمَتْ على غَيْره، وأما الشَّنْباء، فلمّا أُدْخِلَتْ عليه لم تَكُنْ يَسيرةً، فَتَرَكَها يَنْتَظِر بها اليسَر، فلمّا مات ابنُه إبراهيمُ على تَفِئَه (٧) ذلك، قالت: لو كان نبيّاً لم يَمُتِ ابنُه، فَطَلَّقَها وأوْجَبَ لها الصّداقَ، وحُرِّمَتْ على غيره، قالت: فاللاتي اجْتَمَعْنَ عنده؛ عائشةُ، وَسْوَدةُ، وحَفْصَةُ، وأم سَلَمةَ، وأم حَبيبة، وزينب بنت جَحْشٍ، وزينبُ بنت (٤) خُزَيْمة، وجُوَيْرية، وصَفِيَّة، ومَيْمونة، وأم شريك. قلت: وفي "صحيح البخاري" (٨): عن أنسٍ أنَّ رسول الله ﷺ كانَ يَطوفُ على نسائِه وهُنَّ إحدى عَشْرَةَ امرأةً. والمشهورُ أنَّ أمَّ شَريكٍ لم يدْخُل بها، كما سَيَأتي بيانُه، ولكنَّ المُراد بالإحدى عَشْرَةَ اللاَّتي (٩) كان يطوفُ عليهنّ التسْعُ المَذْكوراتُ والجاريتانِ ماريةُ ورَيْحانةُ. وروى يعقوب بن سُفْيان الفَسَوي، عن الحَجّاج بن أبي مَنيع، عن جدّه عُبيد الله بن أبي زِياد الرُّصافيّ، عن الزُّهْريّ -وقد علقه البخاري في "صحيحه" عن الحجّاج هذا- وأوردَ له الحافظُ ابنُ عساكر (١٠) طُرُفاً عنه أنّ أولَ امرأةٍ تزوّجَها رسولُ الله ﷺ خديجةُ بنتُ خُوَيْلدِ بن أَسَدِ بن عبد العُزَّى بن قُصَيّ، زَوَّجَه إياها أبوها قبلَ البِعْثَةِ - وفي روايةٍ قال الزهري: وكان عُمرُ رسول الله ﷺ يوم تزوَّج خديجةَ

стр. 2600

إحدى وعشرين سنة، وقيل: خمسًا وعشرين سنة. زمان بُنيتِ الكَعْبةُ. وقال الواقدي: وزاد ولها خمسٌ وأربعون سنةً. وقال آخرون من أهل العلم: كان عمرُه ﵊ يومئذٍ ثلاثين سنة. وعن حكيم بن حزام، قال: كان عمرُ رسول الله يوم تزوَّج خديجة خمساً وعشرين سنة، وعمرها أربعون سنة. وعن ابن عباس: كان عمرها ثمانياً وعشرين سنة. رواهما ابن عساكر. وقال ابن جريج: كان ﵊ ابنَ سبعٍ وثلاثين سنةً، فولدت له القاسم، وبه كان يُكَنَّى، والطَّيِّب، والطّاهِرَ، وزينبَ، ورُقيةَ، وأمَّ كلثوم، وفاطمةَ. قلت: وهي أم أولاده كلهم سوى إبراهيم، فَمِنْ مارية كما سيأتي بيانُه. ثم تكلم على كل بنت من بنات رسول الله ﷺ ومن تزوَّجَها، وحاصلُه: أنَّ زينبَ تَزَوَّجَها أبو (١) العاص بن الربيع بن عَبْد العُزَّى بنِ عبد شمس بن عبد مناف، وهو ابنُ أختِ خَديجةَ، أُمه هالة بنتُ خُوَيْلدٍ، فولدت له ابنًا اسمُهُ علىٌّ، وبنتًا اسمُها أُمامة بنتُ زَيْنَب، وقد تَزَوَّجَها علىُّ بنُ أبي طالب بعدَ وفاةٍ فاطمة، وماتَ وهي عندَهُ، ثم تزوَّجتْ بعدَه بالمغيرة بن نَوْفَل بن الحارث بن عبد المطلب. وأمّا رُقيَّةُ فتَزوَّجها عثمانُ بن عَفّان، فولدَتْ له ابنَه عبدَ الله، وبه كان يُكَنَّى أولًا، ثم اكْتَنَى بابنِه عَمْرٍو، وماتَتْ رُقَية، ورسولُ الله ﷺ ببدرٍ، ولما قَدِمَ زيدُ بن حارثة بالبشارةِ وَجَدَهُم قد ساوَوْا التُّرابَ عليها، وكان عثمانُ قد أقام عندَها يُمَرِّضُها، فضربَ لهُ رسولُ الله ﷺ بسَهْمِه وأجْرِه، ثم زَوَّجه بأُخْتِها أمِّ كُلْثوم، ولهذا كان يُقالُ له: ذو النُّورَيْن، فتُوفّيتْ عنده أيضًا في حياة رسول الله ﷺ ، وأما فاطمةُ فتزوجَها ابنُ عمِّه عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب، فدخلَ بها بعدَ وقعةِ بدرٍ كما قدمنا، فولدت له حسنًا وبه كان يكنَّى، وحُسيناً وهو المَقْتولُ شَهيداً بأرض العراق. قلت: ويقال: ومُحْسِنًا. قال: وزينب وأمَّ كُلْثوم، وقد تزوَّجَ زينَب هذه ابنُ عمِّها عبدُ الله بن جعفر، فولدَتْ له عليًا وعَوْناً وماتت عنده، وأما أم كلثوم، فَتَزوجها أمير المؤمنين عُمر بن الخطاب، فولدت له زيداً ومات عنها، فتزوَّجَتْ بعده ببني عَمِّها جعفرٍ واحداً بعد واحدٍ، تزوجت بعَوْنِ بن جعفرٍ، فمات عنها، فخلفَ عليها أخوه محمد، فمات عنها، فخلف عليها أخوهما عبد الله بن جعفر، فماتت عنده. قال الزهري: وقد كانت خديجة بنت خُوَيْلدٍ تزوَّجَتْ قبل رسول الله ﷺ برجُلَيْن؛ الأول: منهما عَتيق بن عائد (٢) بن مَخْزوم، فولدت منه جارية، وهي أم محمد بن صَيْفي، والثاني: أبو هالة التميمي، فولدت له هند بن هند، وقد سماه ابن إسحاق (٣)، فقال: ثُمَّ خَلَفَ عليها بعد هلاكِ [عتيق بن] عائذ (٤) أبو هالة النباش بن زُرارة، أحد بني عمرو بن تميم، حليف بني عبد الدار، فولدت

стр. 2601

له رجلاً وامرأة. ثم هلك عنها، فخلف عليها رسولُ الله ﷺ فولَدَتْ له بناتِه الأرْبَعَ، ثم بعدَهن القاسمَ والطيبَ والطّاهِرَ، فذهب الغِلْمةُ جميعًا وهم يرضعون. قلتُ: ولم يَتَزوَّج عليها رسولُ الله ﷺ مدةَ حياتها امرأةً، كذلك رواه (١) عبد الرزاق، عن معمر، عن الزُّهري، عن عروة، عن عائشة، أنها قالت ذلك. وقد قدَّمنا تَزْويجها في موضعِه وذكرنا شيئًا من فضائلها بدلائلها. قال الزهري: ثم تزوَّجَ رسولُ الله ﷺ بعدَ خديجة بعائشة بنت أبي بكر عبد الله بن أبي قُحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تَيْم بن مُرَّة بن كعب بن لُؤَي بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النَّضْرِ بن كِنانة، ولم يتزوج بِكْرًا غيرها. قلت: ولم يُولَد له منها ولدٌ، وقيل: بل أسقَطت منه ولدًا سمّاه رسولُ الله ﷺ عبد الله، ولهذا كانت تُكَنَّى بأمّ عبد الله. وقيل: إنما كانت تُكَنَّى بعبد الله ابنِ أُخْتها أسماء من الزبير بن العَوّام، ﵃. قلت: وقد قيل: إنَّه ﷺ تزوج سَوْدَه قبلَ عائشة، قاله ابن إسحاق وغيرُه كما قدَّمنا ذِكرَ الخلاف في ذلك. فالله أعلم. وقد قدَّمنا صفةَ تزويجه، ﵊ بهما قبل الهجرة، وتأخَّر دخوله بعائشة إلى ما بعدَ الهجرة. قال (٢) وتزوّجَ ﷺ حَفْصَة بنت عمر بن الخطاب، وكانت قبلَه تحت خُنَيْس بن حُذافَة بن قيس بن عديِّ بن حُذافة بن سَهْم بن عَمْرو بن هُصَيْص بن كعب بن لؤي، مات عنها مُؤْمناً. قال (٣): وتزوج ﷺ أمَّ سلمة هند بنت أبي أمية بن المُغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكانَتْ قبلَهُ تحتَ ابن عمها أبي سَلَمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. قال (٤): وتزوج ﷺ سَوْدَة بنت زَمْعَة بن قيس بن عبد شمس بن عبد وُدّ بن نَصْر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لُؤَي، وكانت قبلَه تحتَ السَّكْران بن عَمْرو أخي سُهَيْل بن عمرو بن عَبْد شَمْس، مات عنها مُسْلِماً بعدَ رجوعه وإياها من أرض الحَبَشَةِ إلى مكة ﵄. قال (٥): وتزوج ﷺ أمَّ حَبيبة رَمْلَة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن

стр. 2602

قصَيّ، وكانت قبلَه تحتَ عُبَيْد الله (١) بن جَحْشِ بن رِئابٍ، من بني أَسَد بن خُزَيْمة، مات بأرضِ الحَبَشَةِ نصرانياً، بعث إليها رسول الله عَمْرو بن أميَّة الضَّمْري إلى أرض الحبشة، فخَطَبها عليه، فَزَوَّجَها منه عثمان بن عفان، كذا قال، والصواب: خالد بن سعيد بن (٢) العاص، وأصْدَقَها عنه النجاشي أربعمئة دينار، وبعث بها مع شُرَحْبيل بن حَسَنَة، وقد قدَّمنا ذلك كلَّه مطولًا. ولله الحمد. قال (٣): وتزوج زينب بنت جَحْش بن رِئاب بن أسَد بن خُزَيْمة، وأمُّها أميمة بنت عبد المطلب عَمَّة رسول الله ﷺ ، وكانَتْ قبلَه تحتَ زيد بن حارثة مولاه ﵊، وهي أول نسائه لحُوقاً به، وأولُ من عُمِل عليها النَّعْشُ، صَنَعَتْهُ أسماءُ بنت عُمَيْسٍ عليها، كما رأت ذلك بأرض الحَبَشَةِ. قال (٤): وتزوَّج ﷺ زينب بنت خُزَيمة، وهي من بني منافِ بن هلالِ بن عامر بن صَعْصَعَة (ويقال لها: أم المَساكين، وكانت قبلَه تحتَ عبد الله بن جَحْش بن رِئاب، قُتِلَ يومَ أُحدٍ (٥)، فلم تَلْبَثْ عنده ﵊، إلا يَسيرًا حتَّى تُوفِّيتْ، ﵂. وقال يونس عن محمد بن إسحاق: كانت قبله عند الحُصين بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف، أو عند أخيه الطُّفَيْل بن الحارث. قال الزُّهْري: وتَزَوَّجَ رسول الله ﷺ مَيْمونَةَ بنت الحارث بن حَزْنِ بن بُجَيْر بن الهُزَمِ بن رُؤيْبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صَعْصَعَة، قال: وهي التي وَهَبَتْ نفسها. قلت: الصحيح أنه ﷺ خطبها، وكان السفيرَ بينهما أبو رافع مولاه، كما بسطنا ذلك في عُمْرة القَضاء. قال الزهري: وقد تزوّجَتْ قَبْلَه رجلين: أولهما ابن عَبْدِ يا ليل -وقال سيفُ بن عمر في روايته: كانت تحتَ عُمَيْر بن عَمْرو، أحد بني عُقدة بن ثقيف بن عمرو الثقفي، مات عنها- ثم خَلَفَ عليها أبو رُهْمِ بنُ عبد العُزَّى بن أبي قَيْس بن عبد وُد بن نَصْرِ بن مالكِ بن حِسْل بن عامر بن لُؤي. قال: وسَبَى رسولُ الله ﷺ جُوَيْرية بنتَ الحارث بن أبي ضِرار بن الحارث بن عائذ (٦) بن مالك بن المُصْطَلق، من خُزاعة، يوم المُرَيْسيعِ، فأعتقها وتزوَّجها، ويقال (٧): بل قدم أبوها الحارثُ وكان ملكَ

стр. 2603

خُزاعة فأسْلَم، ثم تَزَوَّجَها منه ﷺ ، وكانت قبلَه عندَ ابن عمِّها صَفْوان بن أبي الشُّفْرِ (١)، قاله (٢) قتادةُ، عن سعيد بن المسيّب، والشعبيُّ، ومحمد بن إسحاق وغيرهم، قالوا: وكان هذا البطنُ من خُزاعة حلفاء لأبي سفيان على رسول الله ﷺ ؛ ولهذا يقول حَسّان (٣): [من الوافر] وحِلْفُ الحَارِثِ بنِ أبي ضِرَارٍ … وَحِلْفُ قُرَيْظةٍ فيكُمْ سَواء (٤) وقال سيف بن عمر في روايته، عن سعيد بن عبد الله، عن ابن أبي مُلَيْكة، عن عائشة، قالت: وكانت جُوَيْريَة تحتَ ابن عمِّها مالكِ بن صَفْوان بن تَوْلَب ذي الشُّفْر بن أبي السَّرْح بن مالك بن المُصْطَلقِ. قال: وسبى صَفيَّة بنت حُيَي بن أخْطَب من بني النضير يومَ خَيبر، وهي عروسٌ بكنانة بن أبي الحُقَيق، وقد زعمَ سيفُ بن عمر في روايته أنها كانت قبلَ كنانةَ عند سَلاّم بن مِشْكَم، فالله أعلم. قال: فهذه إحدى عشْرَةَ امرأةً دخل بهن. قال: وقد قَسَمَ عمرُ بن الخطاب في خلافته لكلِّ امرأة من أزْواج النبي ﷺ اثْنَيْ (٥) عشر ألفاً، وأعطى جُوَيْرية وصَفية ستَّةَ آلافٍ، ستَّة آلاف (٦)، بسبب أنهما سُبيتا. قال الزهري: وقد حَجَبهما رسول الله ﷺ وقَسَم لهما. قلت: وقد بَسَطنا الكلامَ فيما تقدَّم في تَزْويجه ﵊ كلَّ واحدةٍ من هذه النِّسوة، ﵅، في موضعه. قال الزهري: وتزوج (٧) رسول الله ﷺ العاليةَ بنت ظَبْيان بن عَمْرو من بني أبي (٨) بكر بن كِلاب، ودخل بها، وطَلَّقَها ﷺ . قال البيهقي: كذا في كتابي. وفي رواية غيره: ولم يدخُلْ بها فَطَلَّقَها. وقد قال محمد بن سعد (٩)، عن هشام بن محمد بن السائب الكَلبي: حدثني رجلٌ من بني أبي بكر بن كِلاب، أنَّ رسولَ الله ﷺ تَزَوَّجَ العاليةَ بنت ظَبْيان بن عَمْرو بن عَوْف بن كَعْب بن عَبْدِ بن أبي بكر بن كلاب، فمكثت عنده دهرًا ثم طلقها.

стр. 2604

وقد روى يعقوب بن سفيان (١)، عن حجاج بن أبي مَنيع، عن جَدِّه، عن الزُّهْري، عن عُرْوة، عن عائشة: أنَّ الضَّحاكَ بن سُفْيان الكِلابيّ هو الذي دلَّ رسولَ الله ﷺ عليها، وأنا أسْمَعُ من وراءِ الحِجاب، قال: يا رسولَ اللهِ، هَلْ لكَ في أختِ أمّ شَبيبٍ؟ وأمُّ شَبيبٍ امرأةُ الضَّحاك، وبه قال الزهري: وتزوَّجَ رسولُ الله ﷺ امرأةً من بني عَمْرو بن كلابٍ، فأُنْبئ أن بها بَياضاً، فَطَلَّقها، ولم يدخل بها. قلت: الظاهر أن هذه هي التي قبلها، والله أعلم. قال: وتزوَّجَ أختَ بني الجَوْن الكِنْدي وهم حلفاء بني فَزارة، فاستعاذت منه، فقال: "لقد عُذْتِ بعَظيمٍ، الحقي بأهْلِكِ" فطلَّقَها ولمِ يَدْخُلْ بها. قال: وكانت لرسول الله ﷺ سُرِّيَّة، يقال لها: مارية، فولدت له غلامًا اسمه إبراهيم، فتُوفِّي وقد ملأ المَهْدَ. وكانتْ له وَليدةٌ يقالُ لها: رَيْحانةُ بنتُ شَمْعون، من أهل الكتاب من خنافة، وهم بطنٌ من بني قُرَيْظة، أعتَقَها رسولُ الله ﷺ ، ويَزْعمون أنَّها قد احتَجبت. وقد روى الحافظ ابنُ عساكر (٢) بسنده، عن عليّ بن مُجاهدٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ تزوَّجَ خَوْلَةَ بنت الهُذَيْل بن هُبَيْرة التَّغلبي، وأُمُّها خِرْنِقُ بنتُ خليفة، أختُ دحيةَ بن خليفةَ، فحُمِلتْ إليه من الشام، فماتَتْ في الطَّريق، فتزوَّجَ خالتَها شَراف (٣) بنتَ فضالة (٤) بن خليفة، فحُمِلت إليه من الشام فماتت في الطريق أيضًا. وقال يونس بن بُكَير، عن محمد بن إسحاق (٥). وقد كان رسول الله ﷺ تزوَّجَ أسماءَ بنتَ كَعْبٍ الجَوْنيّة فلم يَدْخُلْ بها حتى طلَّقها، وتزوَّجَ عَمْرَةَ بنت يزيد (٦)، إحدى نساء بني كلاب، ثم من بني الوحيد، وكانت قبلَه عند الفضل بن عباس بن عبد المطلب. فطلَّقها ﷺ ولم يدخُلْ بها. قال البيهقي: فهاتان هُما اللتان ذَكَرهما الزُّهْري ولم يُسَمِّهما، إلا أنَّ ابنَ إسحاق لم يذكُر العاليةَ. وقال البيهقي (٧): أخبرنا الحاكم، أخبرنا الأصمّ، أخبرنا أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبى، قال: وَهَبْنَ لرسولِ الله ﷺ نساءٌ أنفسَهُنّ فدخل ببعضهن وأرْجَى

стр. 2605

بعْضَهُنّ، فلم يَقْربْهُنّ حتى توفِّي، ولم يُنْكَحْنَ بعده، منهن أم شَريكٍ، فذلك قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١]. قال البيهقي: وقد رُوِّينا عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كانت خَوْلة -يعني بنتَ حكيم- ممَّن وَهَبْنَ أنفسَهُنَّ لرسولِ الله ﷺ . وقال البيهقي: ورُوِّينا في حديث أبي أُسَيْد (١) الساعدي في قصة الجَوْنيَّة التي استعاذت فأَلْحَقَها بأهْلها، أنَّ اسمَها أمَيْمةُ بنت النُّعمان بن شَراحيل، كذا قال. وقد قال الإمام أحمد (٢): ثنا محمد بن عبد الله الزُّبَيْري، ثنا عبد الرحمن بن الغَسيل، عن حمزة بن أبي أُسيد، عن أبيه، وعباس بن سهل، عن أبيه، قالا: مرَّ بنا النبيُّ ﷺ وأصحابٌ له، فَخَرَجْنا معه حتى انطلقنا إلى حائطٍ يُقالُ له: الشَّوْطُ حتى انتهينا إلى حائِطَيْن فجلسنا بينهما، فقال رسول الله ﷺ : "اجلسوا" ودخل هو وقد أُتي بالجَوْنيَّةِ، فعُزِلَتْ في بيت أُمَيْمة بنت النعمان بن شراحيل، ومعها دايةٌ لها (٣)، فلما دخلَ عليها رسولُ الله ﷺ قال: هَبي لي نَفْسَك؛ قالت: وهل تَهَبُ الملِكةُ نفسَها للسُّوقَةِ!؟ وقالت: إني أعوذُ بالله منك. قال: لقد عُذْتِ بمَعاذٍ. ثم خرج علينا فقال: "يا أبا أُسَيْد اكسُها رازقِيَّتَيْن (٤) وألحقها بأهلها". وقال غير أبي أحمد: امرأة من بني الجَوْنِ، يقال لها: أُمَيْنة. وقال البخاري (٥): ثنا أبو نُعَيْم، ثنا عبد الرحمن بن الغَسيل، عن حمزة بن أبي أُسَيْد، عن أبي أُسَيْد قال: خَرَجْنا مع رسول الله حتى انطلقنا إلى حائطٍ يُقال له: الشَّوْط، حتى انتهينا إلى حائِطَيْن، جَلَسْنا بينهما، فقال ﷺ : "اجلسوا هاهنا" فدخل وقد أُتيَ بالجَوْنيَّة، فأُنْزِلَت في بيت في نخلٍ (٦) في بيت أُمَيْمة بنت النُّعمان بن شَراحيل، ومعها دايَتُها حاضنةٌ لها، فلما دخل عليها رسول الله ﷺ ، قال: "هَبي نَفْسَكِ لي (٧) ". قالت: وهلْ تَهَبُ المَلِكَةُ نَفْسها للسُّوقة! قال: فأهوى بيده يَضَعُ يدَه عليها لتَسْكُنَ، فقالت: أعوذُ بالله منك. قال: "لقد عُذْتِ بمعاذ". ثم خرجَ علينا فقال: "يا أبا أُسَيْد اكسُها رازقيَّتَين وألْحقها بأهلها". قال البخاري (٨): وقال الحسين بن الوليد، عن عبد الرحمن بن الغَسيل، عن عباس بن سهل بن

стр. 2606

سعد، عن أبيه وأبي أُسَيْد، قالا: تَزَوَّجَ النبىُّ ﷺ أُمَيْمة بنت شَراحيل، فلما أُدخلت (١) عليه بَسَطَ يدَه إليها، فكأنها كَرِهَتْ ذلك. فأمر أبا أُسَيْد أن يُجَهِّزَها ويَكْسوها ثَوبَين رازقيين. ثم قال البخاري (٢): ثنا عبد الله بن محمد، ثنا إبراهيم بن أبي (٣) الوزير، ثنا عبد الرحمن عن حمزة، عن أبيه، وعن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه بهذا. انفردَ البخاري بهذه الروايات من بين أصحاب الكتب. وقال البخاري (٤): ثنا الحميدي، ثنا الوليد، ثنا الأوزاعي، سألتُ الزهري: أيُّ أزواجِ النبيِّ ﷺ استعاذَتْ منه؟ فقال: أخبرني عروة، عن عائشة: أن ابنةَ الجَوْن لما أُدْخلَت على رسول الله ﷺ (٥) قالت: أعوذُ بالله منك، فقال: "لقد عُذْت بعَظيم، الحَقي بأهْلِك" وقال: ورواه حجاج بن أبي مَنيع، عن جده، عن الزُّهري، أن عروة أخبره أن عائشة قالت … (٦) انفرد به دون مسلم. قال البيهقي (٧): ورأيتُ في كتاب "المعرفة" لابن منده، أن اسم التي استعاذت منه أُمَيْمة بنتُ النُّعمان بن شَراحيل. ويقال: فاطمة بنت الضحاك، والصحيح أنها أُميمة، والله أعلم. وزعموا أن الكِلابيَّة اسمُها عَمْرةُ، وهي التي وَصَفَها أبوها بأنها لم تَمْرَضْ قَطُّ، فرغب عنها رسول الله ﷺ . وقد روى محمد بن سعد (٨)، عن محمد بن عبد الله، عن الزهري، قال: هي فاطمة بنت الضَّحّاك بن سفيان، استعاذَتْ منه فَطَلَّقها، فكانت تَلْقُطُ البَعْر، وتقول: أنا الشَّقيَّة. قال: وتزوَّجها ﷺ في ذي القعدة سنة ثمان، وماتت سنة ستين. وذكر يونس -عن ابن إسحاق فيمن تزوَّجها ﵊، ولم يدخُلْ بها، أسماءُ بنتَ كَعْب الجَوْنية وعمرة بنت يزيد الكلابية. وقال ابن عباس وقتادة (٩): أسماء بنت النُّعمان بن أبي الجَوْن فالله أعلم. قال ابن عباس: لمّا استعاذت منه خرج من عندها مُغْضبًا، فقال له الأشعث: لا يَسُؤْكَ ذلك يا رسول الله فعندي أجملُ منها، فزوَّجه أختَه قُتيلة. وقال غيره: كان ذلك في ربيع سنة تسع. وقال سعيد بن أبي عَروبة: عن قتاده (١٠): تزوّجَ رسول الله ﷺ خَمْسَ عَشْرَةَ امرأةً، فذكر منهن

стр. 2607

أمَّ شَريكٍ الأنصارية النّجارية، قال: وقد قال رسول الله ﷺ : "إني لأحبُّ أن أتزوَّجَ من الأنصار، ولكنِّي أكْرَهُ غَيْرَتَهُنَّ" ولم يدخُلْ بها. قال: وتزوَّج أسماءَ بنتَ الصَّلْتِ من بني حَرامٍ، ثم من بني سُلَيم ولم يدخُلْ بها، وخطب جمرة (١) بنت الحارث المزنية. وقال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري (٢)، وقال أبو عُبَيْدة مَعْمَر بن المُثَنّى: تزوَّج رسول الله ثمانيَ عشرةَ امرأة، فذكر منهن قُتَيْلة بنت قيسٍ أختَ الأشعث بن قيس، فزعم بعضُهم أنه تزوَّجَها قبلَ وفاته بشَهْرَيْن، وزعم آخرون أنّه تزوجها في مرضه. قال: ولم تكُن (٣) قدمت عليه، ولا رآها، ولم يدخل بها. قال: وزعم آخرون أنه ﵊ أوْصَى أن تُخَيَّر قُتَيْلة فإن شاءَتْ يَضْرِبُ عليها الحجابَ وتُحَرَّمُ على المؤمنين، وإن شاءت فَلْتَنْكِحْ منْ شاءَتْ، فاختارتِ النكاح، فتزوَّجها عِكْرمةُ بن أبي جهلٍ بحَضْرَمَوْت، فبَلَغَ ذلك أبا بكرٍ، فقال: لقد هَمَمْتُ أن أُحَرِّقَ عليهما. فقال عمر بن الخطَّاب: ما هِيَ من أُمَّهات المُؤْمنين، ولا دخلَ بها، ولا ضَرَبَ عليها الحجاب. قال أبو عُبَيْدة: وزعم بعضُهم أنَّ رسول الله ﷺ لم يُوصِ فيها بشيء، وأنّها ارتدَّتْ بعدَه، فاحتَجَّ عمر على أبي بكرٍ بارتدادها؛ أنَّها ليستْ منْ أُمهات المؤمنين. وذكر ابنُ مَنْدَه أنَّ التي ارتدَّت هي البَرْصاء (٤) من بني عوف بن سعد بن ذُبْيان. وقد روى الحافظ ابن عساكر من طرق، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنَّ رسولَ الله ﷺ تزوج قُتَيْلة أخت الأشْعَث بن قيس، فمات قبل أن يُخَيّرها فَبَرَّأها الله منه. وروى حماد بن سَلَمة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، أنَّ عِكْرمة بن أبي جَهْل لمّا تَزوَّجَ قُتَيْلة أرادَ أبو بكر أن يَضْربَ عُنُقه، فراجَعَهُ عمرُ بن الخطاب، فقال: إنَّ رسولَ الله ﷺ لم يَدْخُل بها، وأنها ارتدَّت مع أخيها، فبرئت من الله ورسوله. فلم يزلْ به حتى كَفَّ عنه. قال الحاكم (٥) وزاد أبو عبيدة في العَدَد فاطمةَ بنتَ شُريحٍ، وسَنا (٦) بنت أسماء بن الصَّلْت السُّلَميّة. هكذا روى ذلك ابن عساكر (٧) من طريق ابن مَنْدَه بسنده عن قتادة فذكره. وقال محمد بن سعد (٨) عن ابن الكلبي مثل ذلك. قال ابن سعد: وهي سبا.

стр. 2608

قال ابن عساكر (١). ويقال: سنا (٢) بنت الصَّلْت بن حَبيب بن حارثة بن هلال بن حَرام بن سِماك بن عوفٍ السُّلَمي. قال ابن سعد (٣): أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي، حدثني العَرْزَمي، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان في نساء رسول الله ﷺ سنا (٢) بنت سفيان بن عوف بن كعب بن أبي بكر بن كلاب. وقال ابن عمر: إن رسول الله ﷺ بعث أبا أُسَيْد يخطبُ عليه امرأة من بني عامر، يقال لها: عَمْرَةُ بنت يزيد بن عُبيد بن كلاب، فتزوَّجها، فبلغه أنَّ بها بياضاً فَطَلَّقها. وقال محمد بن سعد (٣)، عن الواقدي حدّثني أبو معشر. قال: تزوجَ رسول الله مُلَيْكةَ بنت كعب، وكانت تُذْكَرُ بجمالٍ بارعٍ، فدخَلَتْ عليها عائشة، فقالت ألا تَسْتَحين أن تَنْكِحي قاتلَ أبيكِ؟ فاسْتَعاذَتْ منه فَطَّلَقَها، فجاء قومها، فقالوا: يا رسول اللهِ إنَّها صغيرةٌ ولا رأيَ لها، وإنها خُدِعَتْ فارتَجِعْها، فأبى، فاسْتَأذنوه أن يُزوِّجوها بقريبٍ لها من بني عُذرة، فأذن لهم. قال: وكان أبوها قد قَتَله خالدُ بن الوليد يومَ الفتحِ. قال الواقدي (٤): وحدثني عبد العزيز الجُنْدَعي، عن أبيه، عن عطاء بن يزيد، قال: دخلَ بها رسول الله في رمضان سنةَ ثمانٍ، وماتت عنده. قال الواقدي: وأصحابُنا ينكرون ذلك. وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر (٥)، أنبأنا أبو الفتح يوسف بن عبد الواحد الماهاني (٦)، أنبأنا شُجاع بن علي بن شُجاع، أنبأنا أبو عبد الله بن مَنْدَه، أنبأنا الحسن بن محمد بن حَليم (٧) المَرْوزي، ثنا أبو المُوَجِّهِ محمدُ بن عَمْرو بن المُوَجِّه الفَزاري، أنبأنا عبد الله بن عثمان أنبأنا عبد الله بن المُبارك، أنبأنا يُونس بن يَزيد، عن ابن شهاب الزهري، قال: تَزَوَّج رسولُ الله ﷺ خديجةَ بنت خُوَيْلدٍ بن أَسَدٍ بمكة، وكانَتْ قَبْلَهُ تَحْتَ عَتيقٍ بن عائذٍ (٨) المَخْزومي، ثم تَزَوَّجَ بمكة عائشةَ بنت أبي بكرٍ، ثم تَزَوَّجَ بالمدينةِ حَفْصَةَ بنت عُمَر، وكانت قبلَه تحتَ خُنَيْس بن حُذافة السَّهْمي، ثم تَزَوَّج سَوْدَة بنتَ زَمْعة، وكانت قَبْلَه تحت السَّكْران بن عَمْرو، أخي بني عامر بن لُؤَي، ثم تَزَوَّجَ أمَّ حبيبة بنتَ أبي سفيان، وكانَتْ قبلَهُ تحتَ

стр. 2609

عبَيْد الله بن جَحْشٍ الأسدي أحد بني خُزَيْمة، ثم تَزَوَّجَ ﷺ أمَّ سَلَمة بنت أبي أُميَّة، وكان اسمها هند، وكانت قَبْلَهُ تَحْتَ أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن عبد العُزَّى، ثم تَزَوَّجَ زَيْنَب بنت خُزَيْمة الهِلاليَّة، وتَزَوَّجَ العاليةَ بنت ظَبْيان، من بني بكر بن عمرو بن كلاب، وتَزَوَّجَ امرأةً من بني الجَوْن، من كِنْدَة، وسَبَى جُوَيْرية -في الغَزْوة التي هَدَمَ فيها مَناة غزوة المُرَيْسيع- ابنةَ الحارِثِ بن أبي ضِرارٍ- من بني المُصْطَلق من خُزاعة، وسَبَى صَفيَّة بنتَ حُيَيٍّ بن أخْطَبَ، من بني النَّضير، وكانتا مما أفاءَ اللهُ عليه، فقسم لهما (١)، واسْتَسَرَّ جاريته (٢) القبطية، فولدت له إبراهيم، واسْتَسَرَّ رَيْحانة من بني قُريظة، ثم أعتقها فلحقت بأهلها، واحتجبت وهي عند أهلها، وطَلَّقَ رسولُ الله ﷺ العاليةَ بنت ظَبْيان، وفارق أختَ بني عمرو بن كلاب، وفارق أخت بني الجَوْن الكِنْدية من أجل بياضٍ كان بها، وتُوفِّيت زينتُ بنت خُزَيْمة الهلالية، ورسول الله ﷺ حي، وبلغنا أن العالية بنت ظَبْيان التي طُلِّقتْ تَزَوَّجت قبل أن يُحَرِّمَ اللهُ النساءَ، فنكحَتْ ابنَ عَمٍّ لها من قومها وولَدَتْ فيهم. سُقْناهُ بالسَّند لغرابة ما فيه من ذِكْرِه تَزْويج سودة بالمدينة. والصحيح أنّه كانَ بمكة قبلَ الهجرة، كما قدَّمْناه، والله أعلم. قال يونس بن بُكَيْر (٣)، عن محمد بن إسحاق، قال: فماتت خديجة بنت خويلد قبل أن يُهاجر رسولُ الله ﷺ بثلاثِ سنين، لم يتَزوَّجْ عليها امرأةً حتى ماتَتْ هي وأبو طالب في سنةٍ، فتزوَّجَ رسول الله ﷺ بعد خديجة سَوْدَةَ بنت زَمْعَة، ثم تزوج بعد سَوْدة عائشة بنت أبي بكر لم يَتَزوَّج بكرًا غيرها، ولم يُصبْ منها ولداً حتى مات، ثم تزوَّجَ بعدَ عائشة حَفْصَة بنت عُمَر، ثم تزوَّجَ بعد حَفْصَة زَيْنَبَ بنت خُزَيْمة الهِلالية أمَّ المَساكين، ثم تَزوَّجَ بعدَها أمَّ حَبيبة بنت أبي سُفيان، ثم تزوَّجَ بعدها أمَّ سَلَمة هند بنت أبي أُمية؛ ثم تزوَّجَ بعدها زينبَ بنت جَحْش، ثم تزوج بعدها جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، قال ثم تزوج بعد جُوَيْرية صَفيَّة بنت حُيَى بن أخْطَب، ثم تزوّجَ بعدها مَيْمونة بنت الحارث (٤) الهلالية. فهذا التَّرتيب (٥) أحسنُ وأقربُ مما رتَّبه الزُّهري. والله أعلم. وقال يونس بن بُكَيْر عن أبي يحيى عن جَميل (٦) بن زَيْد الطّائي، عن سهل بن زيد الأنصاري، قال: تزوَّجَ رسولُ الله ﷺ امرأة من بني غفار، فدخلَ بها فأمرَها فنزعَتْ ثَوْبها، فرأى بها بياضاً من بَرصٍ عند

стр. 2610

ثَدْيَيْها، فانمار (١) رسول الله ﷺ وقال: "خُذي ثَوْبَك" وأصْبَحَ فقال لها: "الْحقي بأهْلِكِ"، فأكمل لها صَداقَها. وقد رواه أبو نُعَيْم، من حديث جَميل (٢) بن زيد، عن سهل بن زيد الأنصاري، وكان ممن رأى النبيّ ﷺ ، قال: تَزَوَّجَ رسولُ الله ﷺ امرأة من غِفارٍ … فذكر مثله. قلت: وممَّنْ تَزَوَّجَها ﷺ ولم يدخُلْ بها أُمُّ شَريكٍ الأزْديَّة. (قال الواقدي (٣): والمُثْبتُ أنها دَوْسيَّةٌ وقيل) (٤) الأنْصاريَّة، ويقال عامِريَّة، وأنَّها خَوْلَة بنت حَكيمٍ السُّلَمي. وقال الواقدي (٥): اسمها غَزِيَّة بنتُ جابرِ بن حَكيمٍ. قال محمد بن إسحاق عن حَكيم بن حكيم عن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، قال: كان جميعُ ما تَزَوَّجَ رسول الله ﷺ خمسَ عشرةَ امرأةً، منهن أمُّ شَريكٍ الأنْصارية (وهبت نفسها للنبي ﷺ . وقال سَعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة: وتَزوَّجَ أم شَريك الأنصارية) (٤) من بني النَّجار. وقال: "إنْي أحبُّ أن أتزوَّجَ من الأنصار، لكني أكْرَهُ غَيْرتهنَّ" ولم يدخل بها. وقال ابن إسحاق، عن حكيم، عن محمد بن علي، عن أبيه، قال: تزوَّجَ ﷺ ليلى بنت الخَطيم الأنصارية، وكانت غَيورًا، فخافت نفسها عليه، فاسْتَقالَتْهُ فأقالَها. فصل فيمن خطبها ﵊ ولَمْ يَعْقِدْ عَلَيْها قال إسماعيل بن أبي خالد (٦)، عن الشعبي، عن أم هانئ فاختة بنت أبي طالب: أن رسولَ الله ﷺ خطبَها، فذكرَتْ أنَّ لها صِبيَةً صِغارًا فتركها، وقال: "خَيْرُ نساء رَكِبْنَ الإبل، صالحُ نساءِ قُريش، أحْناهُ على طفل (٧) في صغره، وأرْعاهُ على زوجٍ في ذات يده".

стр. 2611

وقال عبد الرزاق (١)، عن معمر عن الزهري (٢)، عن سَعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ خطب أمَّ هانئٍ بنتَ أبي طالبٍ، فقالت: يا رسولَ الله، إني قد كَبِرْتُ ولي عيالٌ. وقال الترمذي (٣): ثنا عَبْدُ بن حُمَيْد، ثنا عُبَيْد (٤) الله بن موسى، ثنا إسرائيلِ، عن السُّدِّيّ. عن أبي صالح، عن أم هانئٍ بنت أبي طالب، قالَتْ: خَطَبَني رسول الله ﷺ ، فاعْتَذرْتُ إليه فَعَذَرني. ثم أنزل الله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٠]. قالت: فلم أكُنْ أَحِلُّ له؟ لأني لم أُهاجِرْ، كنتُ من الطُّلقاء. ثم قال: هذا حديثٌ حسنٌ لا نعرِفُه إلا من حديث السُّدي، فهذا يَقْتضي أن من لم تَكُنْ من المُهاجِراتِ لا تَحِلُّ له ﷺ . وقد نَقَلَ هذا المذهبَ مُطْلَقاً القاضي الماوَرْدي في "تفسيره" عن بعض العلماء. وقيل: المرادُ بقوله (اللاتي هاجَرْن مَعَكَ) أي: من القرابات المذكورات. وقال قتادة: (اللاتي هاجرن معك) أي: أسْلَمْنَ معكَ. فعلى هذا لا يَحْرُمُ عليه إلا نساء (٥) الكُفّار وتَحِلّ له جميعُ المُسْلمات، فلا ينافي تَزْويجه من نساءِ الأنصار إنْ ثبتَ ذلك، ولكنْ لمْ يدخُلْ بواحدةٍ منهُنَّ أصلاً. وأمّا حكاية الماوَرْدي، عن الشَّعبي: أنَّ زينبَ بنت خُزَيْمة أمّ المَساكين أنْصارية، فليس بجيّدٍ، فإنّها هِلاليةٌ بلا خلاف، كما تقدَّم بيانه. والله أعلم. وروى محمد بن سعد (٦)، عن هشام بن الكلبي، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: أقبلَتْ ليلى بنت الخَطيم إلى رسول الله وهو مُوَلٍّ ظَهْرَهُ إلى الشَّمْس، فَضَرَبَتْ مَنْكِبَه فقال: "منْ هذا أكَلَة (٧) الأسود (٨) " فقالت: أنا بنتُ مُطْعِم الطَّيْر، ومُباري الرّيح، أنا ليلى بنتُ الخَطيم، جئتُكَ لأعرض عليكَ نَفْسي تَزَوَّجْني؟ قال: "قد فعلتُ". فرجعَتْ إلى قومها. فقالت: قد تَزَوَّجْتُ النبي ﷺ ، فقالوا: بِئْسَ ما صَنَعْتِ أنتِ امرأةٌ غَيْرى، ورسولُ الله ﷺ صاحبُ نساءٍ، تغارين عليه، فَيَدْعُو اللهَ عليكِ، فَاسْتَقيليهِ، فرجعَتْ فقالَتْ: أَقلْني يا رسولَ الله. فأقالها -فتزوَّجَها مَسْعودُ بن أوس بن سَواد بن ظَفَر فولدت له، فبينما هي يوماً تَغْتَسل في بعض حيطان المدينة، إذ وثب عليها ذِئْبٌ أسود أكل بعضها، فماتَتْ.

стр. 2612

وبه عن ابن عباس (١) أنَّ ضُباعة بنت عامر بن قُرْطٍ كانَتْ تَحْتَ عبد الله بن جُدْعَان فَطلَّقَها، فَتَزوَّجَها بعده هشامُ بن المُغيرة، فولدَتْ له سَلَمَةَ، وكانتِ امرأةً ضخْمة جَميلةً، لها شَعْرٌ غَزير يُجَلِّلُ جِسْمَها، فَخَطبَها رسول الله من ابنها سَلَمة، فقال: حتى أسْتَأمِرَها؟ فاسْتأذَنَها، فقالت: يا بُنَيّ أفي رسولِ الله ﷺ تَسْتأذنُ؟ فرجعَ ابنُها فسكتَ ولم يردَّ جواباً، وكأنّه رأى أنها قد طَعَنَتْ في السِّنّ، وسكتَ النبيّ ﷺ عنها. وبه عن ابن عباس (٢) قال: خطب رسول الله ﷺ صَفيَّة بنت بَشَامة بن نَضْلَة العَنْبري، وكان أصابها سبي (٣) فخَيَّرها رسول الله ﷺ فقال: "إن شِئْتِ أنا، وإن شئْتِ زوجكِ" فقالت: بل زَوْجي، فأرسلها، فلعنتها بنو تميم. وقال محمد بن سعد (٤): أخبرنا الواقدي، ثنا موسى بن محمد بن إبراهيم التَّيْمي، عن أبيه، قال: كانت أمّ شَريكٍ امرأة من بني عامر بن لؤي، فوهبت (٥) نفسَها من رسول الله، فلم يَقْبَلْها. فلم تتزوَّجْ حتى مَاتَتْ. قال محمد بن سعد (٦): وأخبرنا وكيعٌ، عن شريك، عن جابر، عن الحكم، عن علي بن الحسين، أن رسولَ الله ﷺ تَزَوَّجَ أم شَريك الدَّوْسيَّة. قال الواقدي (٧): الثَّبتُ عندنا أنَّها من دَوْسٍ من الأزْدِ. قال محمد بن سعد (٨): واسمها غَزيَّةُ بنت جابر بن حكيم. وقال اللَّيثُ بن سَعْد (٩): عن هاشم بن عروة (١٠)، عن أبيه، قال: كُنا نتحدَّث (١١) أن أم شريك كانت وهبت نفسها للنبي ﷺ ، وكانت امرأة صالحة. (وممن خطبها (١٢) ولم يَعْقِدْ عليها جَمْرَة (١٣) بنت الحارث بن عوف بن أبي حارثة المُزني، فقال

стр. 2613

أبوها: إنَّ بها سوءاً -ولم يكن بها- فرجع إليها وقد تَبَرَّصَتْ، وهي أم شبيب بن البَرْصاء الشّاعر، هكذا ذكره سَعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة. قال: وخطب أُمَّ (١) حَبيبة بنتَ العبّاس بن عبد المطلب. فوجدَ أباها أخاه (٢) من الرضاعة، أرضعَتْهُما ثُوَيْبَةُ مولاة أبي لهب. فهؤلاء نساؤه، وهن ثلاثة أصناف: صنفٌ دَخَلَ بهنَّ، ومات عَنْهنَّ، وهنَّ التِّسْعُ المُبْدأ بذِكْرهنّ، وهن حَرامٌ على النّاس بعد موته، ﵊ بالإجماع المُحَقَّق المَعْلوم من الدِّين ضرورةَّ، وعدَّتُهُن بانقضاء أعْمارِهِنّ. قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]. وصنفٌ دَخَل بهنّ وطلقَهُن في حياته. فهل يَحِلُّ لأحدٍ أن يَتَزوَّجَهُن بعدَ انْقضاء عِدَّتِهنَّ منه ﵊؟ فيه قولان للعلماء: أحدُهما: لا؟ لعموم الآية التي ذكرناها. والثاني: نعم، بدليل آية التخيير وهي قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩] قالوا: فلولا أنَّها تَحِلّ لغيره أن يتزوَّجَها بعدَ فِراقِه إيّاها لم يكن في تَخْييرها بين الدُّنْيا والآخرة فائدة، إذ لو كان فِراقُه لها لا يبيحها (٣) لغيره لم يكن فيه فائدة لها، وهذا قوي والله تعالى أعلم. وأما الصنفُ الثالث وهي منْ تَزوَّجَها وطلَّقها قبل أن يدخُل بها، فهذه تَحِلُّ لغيره أن يَتَزوَّجَها. ولا أعلمُ في هذا القسم نزاعاً. وأما من خطبها ولم يَعْقِدْ عَقْدَهُ عليها، فأولى لها أن تَتزوَّج، وأولى. وسيجيءُ فصلٌ في كتاب الخَصائص يتعلَّقُ بهذا المقام. والله أعلم. فَصْلٌ في ذِكرِ سَراريّه ﵊ كانت له ﵊ سُرِّيَّتان: إحداهما ماريةُ بنت شَمْعون القِبْطيّة، أهداها له صاحب

стр. 2614

إسْكَنْدريَّة، واسمُه جُرَيْجٌ بن مينا، وأهْدَى معها أُخْتَها سيرين (١)، وذكر أبو نُعَيْم أنه أهداها في أربعِ جوارٍ، والله أعلم. وغلامًا خصيّاً اسمه مَأْبور، وبغلة يقالُ لها: الدُّلْدُل. فقَبلَ هَدِيَّته. واختار لِنَفْسِه ماريَّة، وكانت من قرية ببلادِ مصر، يقال لها: حَفْنٌ من كورة أنْصِنا، وقد وضع عن أهل هذه البلدة معاويةُ بن أبي سُفْيان في أيام إمارته الخَراج؛ إكراماً لها من أجل أنها حَمَلَتْ من رسول الله ﷺ بولدٍ ذَكرٍ، وهو إبراهيم ﵊. قالوا: وكانت ماريةُ جميلة بيضاءَ أُعجب بها رسول الله ﷺ وَأَحبَّها وحَظِيَتْ عنده، ولاسيَّما بعدَما وَضَعَتْ إبراهيمَ ولده. وأما أختُها سيرين (١) فوهبها رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت، فولدت له ابنَه عبد الرحمن بن حَسان. وأما الغُلامُ الخَصيّ وهو مَأبور، فقد كان يدخُلُ على مارية وسيرين بلا إذنٍ كما جرت عادته بمصر، فتكلم بعض الناس فيها بسبب ذلك، ولم يَشْعروا أنه خصيٌّ حتى انكشف الحال على (٢) ما سَنُبَيِّنُه قريباً، إن شاء الله. وأما البغلة، فكان ﵊ يركبها، والظاهر، والله أعلم، أنها التي كان راكبَها يومَ حُنَيْن. وقد تأخرت هذه البغلة، وطالت مدتها حتى كانت عند علي بن أبي طالب في أيام إمارته، ومات فصارت إلى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وكبرت حتى كان يجُشُّ لها الشعيرَ لتأكله. قال أبو بكر بن خُزَيْمة (٣): حدَّثنا محمد بن زياد بن عُبيد الله، أخبرنا سفيان بن عُيينة، عن بشير بن المُهاجر، عن عبد الله بن بُرَيْدة بن الحُصَيب، عن أبيه، قال: أهدى أميرُ القبط إلى رسول الله جارِيَتَيْن أُخْتَيْن، وبغلة، فكان يَرْكَبُ البغلةَ بالمدينة، واتَّخذ إحدى الجاريتين، فولدت له إبراهيم ابنَه، ووهب الأخرى. وقال الواقدي: حدَّثنا يعقوب بن محمد بن أبي صَعْصَعَة، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعَة، قال: كان رسول الله ﷺ يُعْجَبُ بمارية القبطية، وكانت بيضاءَ جَعْدَةً جَميلةً، فأنزلها وأختها على أم سُلَيْم بنت مِلْحان، فدخل عليهما رسول الله ﷺ فعرض عليهما الإسلام، فأسلمتا هناك، فَوطئَ ماريةَ بالملكِ، وحوَّلها إلى مالٍ له بالعاليةِ كان من أموال بني النَّضير، فكانت فيه في الصيف، وفي خُرافة النَّخْل. فكان يأتيها هناك، وكانت حسنة الدِّين، ووهب أختها سيرين لحسان بن ثابت، فولدت له عبد الرحمن، وولدتْ مارية لرسول الله ﷺ غلاماً سماه إبراهيم، وعقَّ عنه ﷺ بشاةٍ يومَ سابعه، وحلق رأسَه وتَصدق بزنَة شَعْرِه فِضَّةً على المساكين، وأمَرَ بشَعْرِه فدُفِنَ في الأرض، وسمّاه

стр. 2615

إبراهيم، وكانت قابِلَتُها سَلْمَى مولاة رسول الله ﷺ ، فخَرَجَتْ إلى زوجها أبي رافع فأخبرته بأنَّها قد ولدت غلاماً، فجاء أبو رافعٍ إلى رسول الله فبشره، فوهب له غلاما (١)، وغار نساء رسول الله ﷺ ، واشتد عليهن حين رُزِق منها الولد. وروى الحافظ أبو الحسن الدّارَقطني (٢)، عن أبي عُبَيْد القاسم بن إسماعيل، عن زياد بن أيوب، عن سعيد بن زكريا المدائني، عن ابن أبي سارة (٣)، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما ولدت مارية قال رسول الله ﷺ ، "أعْتَقَها ولدُها". ثم قال الدارقطني: تفرَّد به زياد بن أيوب وهو ثقة. وقد رواه ابن ماجه (٤) (من حديث حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة، عن ابن عباس بمثله، ورُوِّيناه) (٥) من وجه آخر. وقد أفردنا لهذه المسألة وهي بيعُ أمهات الأولاد مُصَنَّفاً مُفْرداً على حِدَته، وحَكَيْنا فيه أقوالَ العُلماء بما حاصله يرجع إلى ثمانية أقوال، وذكرنا مستندَ كل قول ولله الحمد والمنة. وقال يونس بن بكير (٦)، عن محمد بن إسحاق عن إبراهيم بن محمد بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جدّه علي بن أبي طالب، قال: أكْثَروا على مارية أمّ إبراهيم في قِبْطىٍّ ابنِ عَمٍّ لها يزورُها ويَخْتَلِفُ إليها، فقال رسول الله ﷺ : "خُذْ هذا السيفَ فانْطلقْ فإن وَجَدْتَه عِنْدَها فَاقْتُلْه" قال: قلت: يا رسول الله، أكونُ في أمرك إذا أرْسَلْتني كالسِّكَّةِ المُحَمَّاةِ لا يَثْنيني شيءٌ حتى أمْضِيَ لما أمَرْتَني به، أم الشاهدُ يَرى ما لا يَرى الغائِبُ؟ فقال رسول الله ﷺ : "بلِ الشاهدُ يَرَى ما لا يَرَى الغائِبُ". فَأَقْبَلْتُ مُتَوَشِّحاً السَّيْفَ، فوجدتُهُ عندَها، فاخْتَرَطْتُ السَّيفَ، فلما رآني عرفَ أنّي أريده، فأتى نخلةً فَرِقيَ فيها، ثم رمى بنفسه على قفاه، ثم شال رجليه، فإذا به أجبُّ أمْسَحُ ما لَهُ مِما لِلرّجال قليل (٧) ولا كثير، فأتيتُ رسولَ الله ﷺ فأخبرتُه، فقال: "الحمد لله الذي صرفَ عنا أهلَ البَيْت". وقال الإمام أحمد (٨): حدَّثنا يحيى بن سعيد، ثنا سُفيان، حدّثني محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن عليٍّ، قال: قلت: يا رسولَ الله إذا بعَثْتَني أكونُ كالسِّكَّةِ المُحَمّاة، أم الشاهدُ يَرى

стр. 2616

ما لا يَرى الغائبُ؟ قال: "الشاهدُ يرَى ما لا يَرى الغائب" هكذا رواه مختصرًا. وهو أصل الحديث الذي أوردناه، وإسناده رجال ثقات (١). وقال الطبراني (٢): حدَّثنا محمد بن عمرو بن خالد الحَرّاني، ثنا أبي، ثنا ابن لَهيعة، عن يزيد بن أبي حَبيب، وعُقَيْل، عن الزُّهْري، عن أنسٍ، قال: لمّا ولدتْ ماريةُ إبراهيمَ كادَ أن يقعَ في النبي ﷺ منه شيءٌ حتى نَزَلَ جبريلُ ﵇، فقال: السلامُ عليكَ يا أبا إبراهيم. وقال أبو نُعيم: حدَّثنا عبد الله بن محمد، ثنا أبو بكر بن أبي عاصم، ثنا محمد بن يحيى الباهلي، ثنا يعقوب بن محمد، عن رجلٍ سماه، عن الليث بن سعدٍ، عن الزُّهْري، عن عروة، عن عائشة، قالت: أهدى مَلِكٌ من بطارِقَةِ الرُّوم، يقال له: المُقَوقِسُ جاريةً قبطيةً من بنات الملوك، يقال لها: مارية. وأهدى معها ابنَ عَمٍّ لها شابّاً، فدخل رسول الله ﷺ منها ذات يوم مدخل (٣) خلوةٍ فأصابها فحملت بإبراهيم، قالت عائشة: فلما استبان حملُها جَزِعْتُ من ذلك، فسكتَ رسول الله ﷺ ، فلم يكن لها لبنٌ، فاشترى لها ضَأْنَةَ لبوناً تُغَذِّي منها الصبى، فصلح عليه (٤) جسمه، وحسن لونه، وصفا لونه، فجاء به (٥) ذاتَ يومٍ يحمله على عنقه فقال: "يا عائشة، كيفَ ترينَ الشَّبَهَ؟ فقلت: وأنا غير (٦): ما أرى شَبَهاً، فقال: ولا اللَّحْمُ؟ " فقلت: لَعَمْري، من تَغَذَّى بأَلْبانِ الضَّأْنِ لَيَحْسُن (٧) لَحْمُه. قال الواقدي (٧): ماتَتْ ماريةُ في المُحَرَّم سنة خمس (٨) عشرة، فصلَّى عليها عمر، ودفنها في البقيع، وكذا قال المُفَضَّل بن غَسان الغَلاَّبي، وقال خليفة (٩) وأبو عُبَيْد (١٠) ويَعقوبُ بن سُفيان (١١): ماتت سنةَ سِتَّ عَشْرَة، رحمها الله. ومنهن رَيْحانةُ بنت زَيْد من بني النَّضير، ويقال: من بني قُرَيْظة، قال الواقدي (١٢): كانَتْ

стр. 2617

ريْحانةُ بنت زَيْدٍ من بني النَّضير (١)، وكانت مُزَوَّجَةً فيهم (٢)، وكان رسول الله ﷺ قد أخذها لنفسه صفيّاً، وكانت جميلةً، فعرض عليها رسول الله ﷺ أن تُسْلِم، فأبَتْ إلا اليهوديَّة، فعزلها رسول الله ﷺ ، ووجد في نفسه، فأرسل إلى ابن سعية (٣)، فذكر له ذلك، فقال ابن سعية: فداكَ أبي وأمي هي تُسْلِم، فخرج حتى جاءها فجعل يقول لها: لا تَتّبعي قومَك، فقد رأيتِ ما أدخل عليهم حُيي بن أخطب، فأسْلمي يَصْطفيك رسولُ الله ﷺ لنفسه، فبينا رسولُ الله ﷺ في أصحابه إذ سمع وَقْعَ نعلين، فقال: "إن هاتين لنَعلا ابن سعية يبشرني بإسلام ريحانة" فجاءه فقال (٤): يا رسول الله، قد أسلمَتْ رَيْحانة، فسُرّ بذلك. وقال محمد بن إسحاق (٥): لما فتح رسول الله ﷺ قُرَيْظَةَ اصطفَى لنفسه ريحانة بنت عمرو بن خُنافة، فكانَتْ عِنْدَه حتّى تُوفّي عنها، وهي في ملكه، وكان عرضَ عليها الإسلام ويتزَّوجُها، فأَبَتْ إلا اليهوديةَ، ثم ذكَر من إسلامها ما تقدَّم. قال الواقدي (٦): فحدّثني عبدُ الملك بن سليمان، عن أيوب بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعَة، عن أيوب بن بشير المُعاوي، قال: فأَرْسَلَ بها رسول الله ﷺ إلى بيت سَلْمى بنت قَيْس أم المنذر، فكانَتْ عندها حتّى حاضَتْ حَيْضَةً، ثم طَهُرَتْ من حَيْضِها، فجاءَتْ أمّ المنذر، فأخبرت رسول الله، فجاءها في منزل أم المنذر، فقال لها: "إن أحْبَبْتِ أن أُعتِقَكِ وأَتَزوَّجَكِ فعلتُ، وإن أحْبَبْتِ أن تكوني في مِلْكي أطَؤُكِ بالملك فعلت (٧) " فقالت: يا رسول الله، إني أخفُّ عليكَ وعليَّ أن أكون في مِلْكِك، فكانَتْ في مِلْكِ رسولِ الله ﷺ يطؤها حتى ماتت. قال الواقدي (٨): وحدّثني ابن أبي ذئب، قال: سألتُ الزهريَّ عن ريحانة فقال: كانَتْ أمةً لرسول الله (٩) فأعتقها وتزوجها، فكانت تَحْتَجِبُ في أهلها وتقول: لا يراني أحدٌ بعدَ رسول الله ﷺ . قال الواقدي (١٠): وهذا أثبتُ الحَديثين عندنا، وكان زوجُها قبلَه ﵊ الحكمَ.

стр. 2618

وقال الواقدي (١): ثنا عاصمِ بن عبد الله بن الحكم، عن عمر بن الحكم، قال: أعتقَ رسولُ الله ﷺ ريحانةَ بنت زيد بن عمرو بن خُنافة، وكانَتْ عندَ زوجٍ لها، وكان مُحبًا لها مُكْرِمًا، فقالت: لا أسْتَخْلِفُ بعدَه أحداً أبدًا، وكانت ذاتَ جمالٍ. فلما سُبيَت بنو قُريظة عُرض السَّبْيُ على رسول الله ﷺ ، قالت: فكنتُ فيمَن عُرِضَ عليه، فأمر بي فعُزِلْتُ، وكان يكونُ له صَفِىٌّ في كل غَنيمة، فلما عُزِلَتْ خار اللهُ لي، فأرسل بي إلى منزلِ أم المُنْذر بنت قيس أيامًا حتى قَتَلَ الأسرى وفَرَّقَ السَّبْيَ، فدخلَ على رسول الله- ﷺ ، فَتَحيَّيْت (٢) منه حياءً، فدعاني فأجْلَسني بين يديه فقال إن اخْتَرْتِ اللهَ ورسولَه، اختارك رسول الله لنفسه، فقلت: إني أخْتارُ اللهَ ورسولَه. فلما أسلمَتُ أعْتَقَني رسول الله ﷺ (وتزوَّجني وأصدقني اثنتي عشرة أوقية ونَشاً، كما كان يصدق نساءه، وأعرس بي في بيت أم المنذر، وكان يَقسم لي كما كان يقسم لنسائه، وضرب عَلَىَّ الحجاب، وكان رسول الله ﷺ ) (٣) معجباً بها، وكانَتْ لا تسأله شيئًا إلا أعطاها، فقيل لها: لو كنتِ سألتِ رسول الله ﷺ بني قُرَيْظة لأعْتَقَهُم. فكانت تقول: لم يَخْلُ بي حتى فرَّق السَّبْيَ، ولقد كان يَخْلُو بها ويَسْتكثِرُ منها، فلم تَزَلْ عنده حتى ماتت مَرْجِعَه من حجة الوداعِ. فدفنها بالبقيع. وكان تزويجه إياها في المُحرَّم سنةَ ستٍّ من الهجرة. وقال ابن وهب (٤)، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، قال: واسْتَسرَّ رسول الله رَيْحانة من بني قُرَيظة، ثم أعتقَها فلحقت بأهلها. وقال أبو عبيدة مَعْمَر بن المُثَنى (٥): كانت رَيْحانة بنت زَيْد بن شَمْعون من بني النَّضير، وقال بعضهم: من بني قُرَيْظة، وكانت تكون في نخلٍ من نخل الصَّدقة، فكان رسول الله ﷺ يَقيلُ عندَها أحياناً، وكان سباها في شوال سنة أربع. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة (٦): ثنا أحمد بن المِقْدام، ثنا زُهَير، عن سعيد، عن قتادة، قال: كانت لرسول الله وليدتان: مارية القبطية، ورُبَيْحة (٧) أو رَيْحانة بنت شَمْعون بن زيد بن خُنافة من بني عمرو بن قُرَيظة، كانت عند ابن عمٍّ لها، يُقال له: عبد الحكم فيما بلغني، وماتت قبلَ وفاةِ النبي ﷺ . وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: كانت لرسول الله ﷺ أربعُ ولائد: مارية القِبْطية، وريحانة

стр. 2619

القُرَظيّة، وكانت له جاريةٌ أخرى جَميلةٌ فكادها نساؤه وخِفْن أن تغلبَهُنَّ عليه، وكانت له جاريةٌ نفيسةٌ وَهَبَتْها له زينب بنت جحش (١)، وكان هَجَرَها في شأن صَفِية بنت حُيَي ذا الحجة والمُحَرَّم وصفرا (٢)، فلمّا كانَ شهرُ ربيع الأول الذي قُبض فيه ﵊ رضي عن زَيْنَب ودخل عليها، فقالت: ما أدري ما أجْزيك؟ فوَهَبَتْها له ﷺ . وقد روى سيف بن عمر، عن سعيد بن عبد الله، عن ابن أبي مُلَيْكة، عن عائشة، أنَّ رسول الله ﷺ كان يَقْسِم لمارية وريحانة مرة، ويَتْرُكُهما مرةً. وقال أبو نعيم: قال أبو محمد بن عمر الواقدي: توفيت ريحانة سنة ست (٣) عشرة وصلَّى عليها عمر بن الخطاب ودفنها بالبقيع. فصْلٌ في ذِكْرِ أولادِهِ عليه وعليهم (٤) الصلاة والسلام لا خِلافَ أنّ جَميعَ أولادِهِ من خَديجة بنت خُوَيْلدٍ، ﵂، سوى إبراهيم، فَمِنْ مارية بنت شَمْعون القِبْطيَّة، قال محمد بن سعد (٥): أخبرنا هشام بن الكلبي، أخبرني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، ﵄، قال: كان أكبرُ ولدِ رسول الله ﷺ القاسم، ثم زينب، ثم عبد الله، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رُقَيَّة، فمات القاسم -وهو أول ميتٍ من ولده بمكة- ثم مات عبدُ الله، فقال العاص بن وائل السَّهْمي: قد انقطع نَسْلُه فهو أبْتَر، فأنزل الله : ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣] قال: ثم ولدت له مارية بالمدينة إبراهيمَ في ذي الحجة سنةَ ثمانٍ من الهجرة، فماتَ ابنَ ثمانية عشر شهراً. وقال أبو الفَرَج المُعافَى بن زكريا الجريري (٦): ثنا عبد الباقي بن قانع (٧) ثنا محمد بن زكريا، ثنا العباس بن بكار، حدّثني محمد بن زياد، والفرات بن السائب، عن ميمون بن مِهْران، عن ابن عباس، قال: ولدت خَديجةُ من النبي ﷺ عبدَ الله بن محمد، ثم أبطأ عليه الولد من بعده، فبينا رسول الله ﷺ

стр. 2620

يُكَلِّم رجلًا، والعاصُ (١) بن وائلٍ يَنْظُرُ إليه، إذ قال له رجلٌ: منْ هذا؟ (قال له هذا) (٢) الأبتر. وكانت قريشٌ إذا وُلدَ لِلرجل [ولد]، ثم أبطأ عليه الولد من بعده قالوا: هذا الأبتر، (فأنزل الله ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ أي: مُبْغِضَك هو الأبترُ من كلِّ خيرٍ. قال: ثم ولدت له زينب) (٣)، ثم ولدت له رقية، ثم ولدت له القاسم، ثم ولدت الطاهر، ثم ولدت المُطَهَّر، ثم ولدت الطَّيِّبَ، ثم ولدت المُطَيَّب، ثم ولدت أمَّ كلثوم، ثم ولدت فاطمة. وكانت أصغرهم. وكانت خديجة إذا ولدت ولداً دفعته إلى منْ تُرْضِعُهُ، فلما ولدت فاطمة لم يُرْضعها أحدُ (٤) غيرها. وقال الهيثم بن عدي (٥): حدَّثنا هشام بن عُروة، عن سعيد بن المُسيّب، عن أبيه قال: كان للنبي ﷺ ابنان، طاهرٌ والطيّبُ. وكان يُسمِّي أحدَهما عبدَ شَمْسٍ، والَاخرَ عبدَ العُزَّى. وهذا فيه نَكارةٌ، والله أعلم. وقال محمد بن عائذ (٦): أخبرني الوليد بن مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز، أنَّ خديجة ولدت القاسمَ والطيبَ والطاهرَ ومُطَهَّرًا وزينبَ ورُقَيَّة وفاطمةَ وأمَّ كلثومٍ. وقال الزُّبير بن بكار (٧): أخبرني عمِّي مُصْعَب بن عبد الله قال: ولدت خديجةُ القاسمَ والطاهرَ، وكان يقال له: الطيبُ، ووُلدِ الطاهرُ بعد النبوة، ومات صغيرًا، واسمه عبد الله، وفاطمةَ وزينبَ ورقيةَ وأمَّ كلثوم. قال الزبير: وحدثني إبراهيم بن المنذر، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، أن خديجة ولدت القاسمَ والطاهرَ والطيبَ وعبدَ الله وزينبَ ورقيَّةَ وفاطمةَ وأمَّ كلثوم. وحدّثني (٨) محمد بن فَضالة عن بعض منْ أدْرَكَ من المَشْيَخَةِ قال: ولدتْ خديجةُ القاسمَ وعبدَ الله، فأما القاسم فعاشَ حتى مشَى، وأما عبدُ الله فمات وهو صغير. وقال الزُّبير بن بكار (٩): كانت خديجة تُدْعى (١٠) في الجاهلية "الطاهرة بنت خويلد". وقد ولدت

стр. 2621

لرسول الله ﷺ القاسمَ، وهو أكبرُ ولده وبه كان يُكْنَى، ثم زينبَ، ثم عبدَ الله، وكان يُقال له: الطَّيِّبُ، ويُقال له: الطَّاهِرُ. ولد بعد النبوة، ومات صغيراً. ثم (١) أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رُقيَّة. هم (٢) هكذا الأولَ فالأولَ، ثم مات القاسم بمكة -وهو أول ميتٍ من ولده- ثم مات عبد الله، ثم ولدت له مارية بنت شَمْعون إبراهيم، وهي القِبْطية التي أهداها المُقَوقسُ صاحب إسْكَندريَّة، وأهدى معها أختها سيرين (٣) وخَصِيًّا يقال له: مَأبور. فوهبَ سيرين لحسّان بن ثابت، فولدتْ له ابنَه عبدَ الرحمن، وقد انقرَضَ نَسْلُ حسان بن ثابت. وقال أبو بكر بن البَرْقي (٤): يقال: إنَّ الطاهِرَ هو الطَّيِّب (وهو عبد الله. ويقال: إن الطيب والمطيَّب وُلِدا في بطن، والطاهر والمطهَّر وُلِدا في بطن. وقال المفضل) (٥) بن غسان (٦): [أخبرنا أبي]، عن أحمد بن حنبل، حدَّثنا عبد الرزاق، ثنا ابن جُرَيْج، عن مجاهد، قال: مكث القاسم ابنُ النبيّ ﷺ سبعَ ليالٍ ثم مات. قال المُفَضَّل: وهذا خطأٌ، والصَّواب أنّه عاشَ سبعةَ عَشَرَ شَهْراً. وقال الحافظ أبو نُعَيْم (٧) قال مجاهد: مات القاسمُ وله سبعةُ أيامٍ. وقال الزُّهْري (٧): وهو ابن سنتين. وقال قتادة (٧): عاش حتى (٨) مشى. وقال هشام بن عروة (٩): وضع أهلُ العراق ذِكْرَ الطَّيِّبِ والطّاهِرِ، فأما مشايخنا فقالوا: عبد العُزَّى، وعبد مناف، والقاسم (١١)، ومن النساء: رُقَيَّة، وأمُّ كُلْثوم، وفاطِمَة. هكذا رواه ابن عساكر وهو منكر، والذي أنكره هو المعروف. وسقَطَ ذِكْرُ زينب ولا بد (١٠) منها، والله أعلم. فأما زينب، فقال عبد الرزاق (١١)، عن ابن جُرَيْج، قال لي غير واحد: كانَتْ زَيْنَبُ أكبَرَ بناتِ رسول الله ﷺ ، وكانَتْ فاطمةُ أصْغَرَهُنَّ وأَحَبَّهُنّ إلى رسول الله ﷺ . وتزوج زينبَ أبو العاص بن الربيع، فولَدتْ منه علياً وأُمامةَ، وهي التي كان رسول الله ﷺ يَحْمِلُها

стр. 2622

في الصلاة، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها. ولعلَّ ذلك كان بعدَ موتِ أمِّها سنةَ ثمانٍ من الهجرة على ما ذَكَرهُ الواقدي (١) وقتادةُ وعبد الله بن أبي بَكر بن حَزْمٍ وغيرهم، وكأنها كانت طفلةً صغيرةً، فالله أعلم. وقد تزوَّجها على بن أبي طالب ﵁ بعد موت فاطمةَ على ما سيأتي إن شاء الله، وكانَتْ وفاةُ زينب ﵂، في سنة ثمانٍ. قاله قتادة عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم وخليفة بن خَياطٍ، وأبو بكر بن أبي خَيْثَمة، وغير واحد. وقال قتادة عن ابن حزم في أول سنة ثمان. وذكر حماد بن سلمة (٢) عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنَّها لما هاجَرَتْ دَفَعَها رجلٌ فوَقَعَتْ على صخرةٍ فأسْقَطَتْ حَمْلَها، ثم لم تَزَلْ وجعةً حتى ماتَتْ. فكانوا يَرَوْنها ماتَتْ شَهيدةً. وأما رُقَيَّة، فكانَ قد تزوَّجها أولًا ابنُ عَمِّها عُتْبةُ بن أبي لهبٍ، كما تَزوَّجَ أختَها أمَّ كلثومٍ أخوه عُتَيْبة (٣) ابن أبي لهب، ثم طَلَّقاهما قبلَ الدخول بهما، بغضةً في رسول الله ﷺ حين أنزل الله ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد]. فتزوَّجَ عثمان بن عفان ﵁ رُقَيَّةَ، وهاجرت معه إلى أرض الحبشة، ويقال: إنه أول منْ هاجر إليها. ثم رجعا إلى مكة، كما قدَّمنا، وهاجَرا إلى المدينة، وولدت له ابنَه عبدَ الله، فبلَغَ ستَّ سنين، فَنَقَره ديكٌ في عَيْنَيْهِ فماتَ، وبه كان يُكنَى أولًا، ثم اكْتَنَى بابنه عمرو (٤). وتُوفِّيَت وقد انتصرَ رسولُ الله ﷺ ببدرٍ يومَ الفُرْقان، يوم التَقَى الجَمْعان. ولما أن جاء البَشيرُ بالنصر إلى المدينة -وهو زَيْدُ بن حارثة- وجدهم قد ساوَوْا على قَبْرِها التراب، وكان عثمانُ قد أقام عليها يُمَرِّضها بأمر رسولِ الله ﷺ ، وضربَ له بسهَمْهِ وأجْرِهِ، ولما رَجَعَ ﷺ زوَّجه بأختها أم كلثوم أيضًا، ولهذا كان يقال له: ذو النُّورين، ثم ماتت عِنْدَه في شعبان سنة تسعٍ، ولم تلِدْ له شيئًا. وقد قال رسول الله ﷺ : "لو كانَتْ عندي ثالثةٌ لزوَّجْتها عثمانَ" وفي رواية: قال رسول الله ﷺ : "لو كُنَّ عَشْرًا لزَوَّجْتُهنّ عثمانَ". وأما فاطمة، فَتَزوَّجَها ابن عَمِّها عليّ بن أبي طالبٍ في صفر سنةَ اثْنَتَيْن، فولدَتْ له الحسن والحسين، ويقال: ومُحْسِناً (٥)، وولدت له أمَّ كلثوم وزينب، وقد تزوَّجَ عُمَرُ بن الخطاب في أيام ولايته بأم كُلْثوم بنت علي بن أبي طالب من فاطمة، وأكرمها إكراماً زائدًا، أصدقَها أربعين ألْفَ دِرْهمٍ لأجل نسبها من رسول الله ﷺ ، فولدت له زيدَ بنَ عُمَرَ بن الخطاب. ولما قُتِلَ عمر بن الخطاب تَزَوَّجَها بعدَه ابنُ عمّها عَوْنُ بن جعفر، فمات عنها، فخلَف عليها أخوه محمَّد، فمات عنها، فتزوَّجَها أخوهما

стр. 2623

عبدُ الله بن جعفر، فماتت عنده. وقد كان عبدُ الله بن جعفر تزوج بأختها زينب بنت علي [من فاطمة] وماتت عنده أيضًا، وقد (١) توفيت فاطمة بعد رسول الله ﷺ ، بستة أشهر على أشْهَرِ الأقوال. وهو (٢) الثابت عن عائشة في "الصحيح" (٣). وقاله الزهري أيضًا وأبو جعفر الباقر، وعن الزُّهري: بثلاثة أشهر. وقال أبو الزُّبير: بشهرين. وقال ابن (٤) بُرَيْدَه (٥): عاشت بعده سبعين من بين يومٍ وليلةٍ. وقال عمرو بن دينار: مكثتْ بعدَه ثمانيةَ أشهرٍ. وكذا قال عبدُ الله بن الحارث. وفي رواية، عن عمرو بن دينار، بأربعة أشهر. وأما إبراهيم فَمِنْ مارية القِبْطيَّة، كما قدمنا، وكان ميلادُه في ذي الحجة سنة ثمانٍ. وقد رُوِي عن ابن لهيعة (٦) وغيره عن عبد الرحمن بن زياد. قال: لما حُبِلَ بإبراهيم أتَى جِبْريل فقال: السلامُ عليك يا أبا إبراهيمِ، إنّ الله قد وَهَبَ لك غلاماً منْ أم ولدِكَ مارية، وأمَرَكَ أن تُسَمِّيه إبراهيم، فبارَكَ اللهُ لكَ فيه، وجَعَله قُرَّةَ عَيْنٍ لك في الدنيا والآخرة. وروى الحافظ أبو بكر البَزار (٧) عن محمد بن مِسْكين، عن عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، عن عُقَيْل ويزيد بن أبي حَبيب، عن الزهري، عن أنس، قال: لما وُلدَ للنبيِّ ﷺ ابنُه إبراهيمُ وقعَ في نفسه منه شيءٌ، فأتاه جبريل فقال: السلامُ عليكَ يا أبا إبراهيم. وقال أسباط (٨)، عن السُّدي، وهو إسماعيل بن عبد الرحمن، قال: سألت أنس بن مالك، قلت: كمْ بلغَ إبراهيم ابن النبي ﷺ من العُمر؟ قال: قَدْ كانَ مَلأ مَهْدَه، ولو بَقِيَ لكانَ نَبيّاً، ولكن لم يكُنْ ليبقى، لأن نبيكم ﷺ اَخرُ الأنبياء. وقد قال الإمام أحمد (٩): حدَّثنا عبد الرحمن بن مَهْدي، ثنا سفيان، عن السُّدّي، عن أنس بن مالك، قال: لو عاشَ إبراهيم ابن النبي ﷺ ، لكان صدِّيقًا نبياً.

стр. 2624

وقال أبو عبد (١) الله بن منده (٢): ثنا محمد بن سعد ومحمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن عثمان العَبْسي، ثنا مِنْجابٌ، ثنا أبو عامر الأسدي، ثنا سفيان، عن السُّدِّي، عن أنس قال: توفي إبراهيم ابن النبي ﷺ ، وهو ابنُ ستةَ عَشَرَ شهرًا. فقال رسول الله ﷺ : "ادْفِنوه في البَقيعِ، فإنّ له مُرْضعًا يتمّ رضاعه في الجنة". وقال أبو يعلى: ثنا أبو خَيْثمة، ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن عمرو بن سعيد، عن أنس قال: ما رأيتُ أحدًا أرْحَمَ بالعيالِ من رسول الله. كان إبراهيم مُسْتَرْضعًا في عوالي المدينة، فكان (٣) ينطلقُ، ونحن معه، فيدخل إلى البيت، وإنه ليَدْخُنُ، وكان ظِئره قَيْنا (٤) فيأخذه فيقبِّله (٥) ثم يرجع. قال عمرو: فلما توفي إبراهيم قال رسول الله: "إنّ إبراهيم ابني، وإنه مات في الثَدْي، وإن له لظِئْرين تُكْمِلان رضاعَهُ في الجنة". وقد روى جرير (٦) واْبو عوانة، عن الأعمش، عن مسلم بن صُبَيْح أبي الضحى، عن البراء قال: تُوفِّي إبراهيم ابن رسول الله ﷺ وهو ابنُ سِتَّة عشرَ شَهْراً، فقال: "ادْفِنوه في البقيع، فإنّ له مُرْضعاً في الجنة". ورواه أحمد (٧): من حديث جابر (٨)، عن عامر، عن البراء. وهكذا رواه سفيان الثَّوري (٩)، عن فراس، عن الشعبيِّ، عن البراء بن عازب بمثله. وكذا رواه الثوري أيضًا، عن أبي إسحاق، عن البراء. وأورد (١٠) ابن عساكر من طريق عَتّاب بن محمد بن شَوْذَب، عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: تُوفِّي إبراهيم، فقال رسول الله ﷺ : "يَرْضعُ بقيَّةَ رَضاعِه في الجنة". وقال أبو يَعْلى المَوْصلي: ثنا زكريا بن يحيى الواسطيّ، ثنا هُشَيْم، عن إسماعيل، قال: سألتُ ابن أبي أوفى -أو سمعتُه يُسْأَلُ- عن إبراهيم ابن النبي ﷺ . فقال: ماتَ وهو صغيرٌ، ولو قُضِيَ أن يكونَ بعدَ النبي ﷺ نبي لعاشَ.

стр. 2625

وروى ابن عساكر (١) من حديث أحمد بن محمد بن سعيد الحافظ، ثنا عُبَيْد بن إبراهيم الجُعْفي، ثنا الحسن بن أبي عبد الله الفَراء، ثنا مُصْعَبُ بن سَلاَّم، عن أبي حمزة الثُّمالي، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "لو عاش إبراهيمُ لكانَ نَبياً". وروى ابن عساكر (٢) من حديث محمد بن إسماعيل بن سَمُرَة، عن محمد بن الحسن الأسدي، عن أبي شيبة، عن أنس، قال: لما مات إبراهيم قال رسول الله ﷺ ، "لا تُدْرِجوه في أكْفانِه حتى أنظُرَ إليه" فجاء فانكبَّ عليه، وبكى حتى اضطربَ لَحْياه وجَنْباه ﷺ . قلت: أبو شيبة هذا لا يُتعامل بروايته. ثم روى (٣) من حديث مسلم بن خالد الزّنْجي عن ابن خُثَيْم، عن شَهْرِ بن حَوْشَب، عن أسماء بنت يزيد بن السَّكَن، قالت: لما تُوفِّي إبراهيم بكى رسولُ الله ﷺ ، فقال أبو بكر وعمر: أنتَ أحقُّ من عَلِم لله حَقَّه، فقال ﷺ : "تَدْمَعُ العَيْن ويحزن القلب، ولا نقول ما يُسخِط الربَّ، ولولا (٤) أنّه وعدٌ صادقٌ، وموعودٌ جامعٌ، وأن (٥) الآخر منا يَتْبَعُ الأولَ، لوَجَدْنا عليكَ يا إبراهيم وجداً أشدَّ مما وَجَدْنا، وإنا بك يا إبراهيمُ لمحزونون". وقال الإمام أحمد (٦): ثنا أسود بن عامر، ثنا إسرائيل، عن جابر، عن الشعبي، عن البراء، قال: صلى رسولُ الله ﷺ على ابنه إبراهيمَ، ومات وهو ابن سِتَّةَ عَشَرَ شهراً، وقال: "إن له في الجنة من يُتمّ رضاعَه وهو صِدّيقٌ" وقد رُوِيَ من حديث الحكم بن عُتَيْبَه (٧)، عن الشعبي، عن البراء. وقال أبو يعلى (٨): ثنا القَواريري (٩) ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن ابن أبي أوفى قال: صلَّى رسولُ الله ﷺ على ابنه، وصَلَّيْتُ خَلْفَه وكبر عليه أربعاً. وقد روى يونس بن بُكَير، عن محمد بن إسحاق (١٠): حدّثني محمد بن طلحة بن يزيد بن رُكانة، قال: مات إبراهيم ابن رسول الله، وهو ابن ثمانية عشر شهراً، فلم يُصَلِّ عليه.

стр. 2626

وروى ابن عساكر (١) من حديث إسحاق بن محمد الفَرْوي، عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، [جده] عن أبي جده، عن علي قال: لما تُوفِّي إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، بعث علي بن أبي طالب إلى أمه مارية القِبْطيَّة وهي في مَشْرَبةٍ، فحمله علىٌّ في سَفَطٍ، وجعله بين يديه على الفرس، ثم جاء به إلى رسول الله ﷺ ، فغسَّله وكفَّنه وخرج به، وخرج الناس معه، فدفنَه في الزِّقاقِ الذي يلي دارَ محمد بن زيد، فدخَل علىٌّ في قبره حتى سَوَّى عليه [التراب] (٢) ودفنه، ثم خرجَ ورشَّ على قبره، وأدخلَ رسولُ الله يدَه في قبره، فقال: "أما واللهِ إنَّه لنبيٌّ ابنُ نبيٍّ". وبكى رسول الله ﷺ ، وبكى المُسلمون حوله حتى ارتفعَ الصَّوْتُ، ثم قال رسول الله ﷺ : "تَدْمَعُ العينُ، ويحزَنُ القلبُ، ولا نقول ما يُغْضبُ الرَّبَّ، وإنا عليك يا إبراهيمُ لمحزونون". وقال الواقدي (٣): مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ يوم الثلاثاء لعشر ليالٍ خَلَوْن من ربيع الأول سنةَ عشرٍ، وهو ابنُ ثمانيةَ عشرَ شهراً في بني مازن بن النَّجار في دار أمِّ برْزه (٤) بنت المنذر، ودفن بالبقيع. قلت: وقد قدّمنا أن الشَّمْسَ كَسَفَتْ يوم موته، فقال الناس: كَسَفَت لموت إبراهيم. فخطب رسول الله فقال في خطبته: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، لا ينكسفان لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه". قال (٥) الحافظ الكبير أبو القاسم ابن عساكر: بابُ ذِكْرِ عَبِيدِهِ. ﵊ وإمائِهِ وذكر (٦) خدمه وكُتّابه وأمنائِه (مع مراعاة الحروف في أسمائهم وفي ذكر بعض ما ذكر من أنبائهم) (٧) (ولنذكر ما أورده مع الزيادة والنقصان وبالله المستعان) (٨).

стр. 2627

فمنهم: أسامة بن زيد بن حارثة أبو زيد الكلبي (١)، ويقال: أبو يزيد، ويقال: أبو محمد، مولى رسول الله ﷺ ، وابن مولاه، وحِبّه وابن حِبّه، وأمه أم أيمن، واسمها بَركَة، كانت حاضِنة رسول الله ﷺ ، في صغره، وممن آمَنَ به قديماً بعد بعثته، وقد أمَّره رسول الله ﷺ في آخر أيام حياته، وكان عمره إذ ذاك ثمانيَ عَشْرَةَ أو تِسعَ عَشْرَةَ سنة، وتُوفّي وهو أمير على جيش كثيف، منهم عمر بن الخطاب، ويقال: وأبو بكر الصدّيق، وهو ضعيف، لأنّ رسول الله ﷺ نَصَبه للإمامة، فلما توفي ﵊ وجيش أسامة مُخَيّم بالجُرْف كما قَدَّمناه، اسْتَطْلَقَ أبو بكر من أسامة عمرَ بن الخطّاب في الإقامة عنده، ليَسْتضيءَ برأيه، فأطْلَقَهُ له، وأنْفَذَ أبو بكر جَيْشَ أسامةَ بعد مراجعةٍ كَثيرةٍ من الصَّحابة له في ذلك، وكلُّ ذلك يَأبَى عليهم ويقولُ: واللهِ لا أَحُلُّ رايةً عَقَدَها رسولُ الله ﷺ . فساروا حتى بلغوا تُخومَ البَلْقاءِ منْ أرضِ الشّامِ، حيثُ قتل أبوه زيدٌ، وجَعْفَرُ بن أبي طالب، وعبدُ الله بن رَواحة، ﵃، فأغارَ على تِلْكَ البلادِ، وغَنِمَ وَسَبَى، وكَرَّ راجعاً سالماً مُؤَيَّداً كما سيأتي. فلهذا كانَ عمرُ بن الخطاب، ﵁، لا يَلْقَى أسامةَ إلا قال له: السَّلامُ عليكَ أيُّها الأميرُ. ولما عَقَد له رسولُ الله ﷺ رايةَ الإمْرَةِ، طعَنَ بعض الناس في إمارته، فخطَبَ رسولُ الله فقال فيها: "إنْ تَطْعُنوا في إمارته فقد طَعَنْتُمْ في إمارةِ أبيهِ منْ قَبْلُ، واْيْمُ الله إنْ كانَ لخليقاً للإمارة، وإنْ كانَ لمِنْ أحَبِّ الخَلْقِ إليَّ (وإنَّ هذا لمن أحبِّ الخلقِ إليَّ) (٢) بعده" وهو في "الصحيح" من حديث موسى بن عقبة، عن سالم عن أبيه، وثبت في "صحيح البخاري" (٣) عن أسامة، ﵁، أنّه قال: كان رسول الله ﷺ يأخُذُني والحسنَ، فيقول: "اللهُمّ إني أُحِبُّهما فَأحِبَّهُما". ورُوي (٤) عن الشعبيِّ، عن عائشة ﵂ سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "منْ أحَبَّ اللهَ ورسولَه فلْيُحِبَّ أسامةَ بن زيدٍ" ولهذا لما فَرَضَ عمرُ بن الخطاب للنّاسِ في الدّيوان فَرَضَ لأسامة في خمسة آلاف. وأعْطَى ابنَه عبدَ الله بن عمر في أربعة آلاف. فقيل له في ذلك، فقال: إنه كانَ أحبَّ إلى رسول الله ﷺ منكَ، وأبوه كان أحبَّ إلى رسول الله من أبيكَ. وقد روى عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزّهري، عن عروة، عن أسامة: أنَّ رسول اللهِ أرْدَفَهُ خَلْفَه على حِمارٍ عليه قطيفةٌ، حين ذهب يعودُ سعدَ بن عُبَادة، قبلَ وقعةِ بدرٍ.

стр. 2628

قلت: وهكذا أرْدَفَه وراءَهُ على ناقَتِهِ حينَ دفَع منْ عَرَفات إلى المُزْدَلِفَة، كما قَدَّمنا في حجّةِ الوَداعِ. وقَدْ ذَكَرَ غيرُ واحدٍ أنّه، ﵁، لم يَشْهَدْ مع عليّ شيئًا من مَشاهِدِه، واعتذر إليه مما قال له رسول الله ﷺ حين قَتَلَ ذلك الرجلَ، وقد قال: لا إله إلا الله، فقال: "من لك بلا إله إلا الله يومَ القيامة، أقَتَلْتَهُ بعدما قال لا إله إلا الله؟ منْ لكَ بلا إله إلا الله يومَ القيامة؟! " … الحديث (١). وذكر فضائله كثيرةٌ، ﵁: وقد كان أسودَ كاللَّيل، أفْطَسَ حُلْواً حَسَنًا كَبيراً فَصيحًا عالمًا ربانيّاً، ﵁. وكان أبوه كذلك، إلا أنه كان أبيضَ شديدَ البياض، ولهذا طَعَنَ بعضُ منْ لا يَعْلَمُ في نسبه منه. ولما مَرّ مُجَزِّزٌ المُدْلجي عليهما وهما نائمان في قطيفة، وقد بدَت أقدامهما، أسامةُ بسوادِه، وأبوه زيدٌ ببياضه قال: سبحانَ الله، إن بعض هذه الأقدام لمن بعض، أُعْجِب بذلك رسولُ الله ﷺ . ودخلَ على عائشة مسرورًا تَبْرُقُ أساريرُ وَجْهه فقال: "ألم تريْ أن مُجَزِّزاً نظر آنفاً إلى زيدِ بن حارثة وأسامة بن زيدٍ. فقال: إنَّ بعضَ هذه الأقدام لمن بعض (٢) ". ولهذا أخذ فقهاء الحديث كالشّافِعي وأحمد من هذا الحديث، من حيث التقرير عليه والاستبشار به، العملَ بقول القافة (٣) في اختلاطِ الأنساب واشتباهها، كما هو مُقَرَّر في موضعه. والمقصود أنه ﵁، تُوفِّي سنةَ أربعٍ وخمسين فيما (٤) صَحَّحَه أبو عمر (٥). وقال غيره: سنةَ ثمانٍ أو تسعٍ وخمسين، وقيل: مات بعدَ مَقْتَلِ عثمان، فالله أعلم. وروى له الجماعةُ في كتبهم الستّة. ومنهم أسلم، وقيل: إبراهيم، وقيل: ثابت، وقيل: هُرْمُز، أبو رافع القِبْطي (٦): أسلم قبل بدر، ولم يشهدها، لأنه كان بمكة مع سادته آل العبّاس، وكان يَنْحِتُ القِداحَ، وقِصَّتُه مع الخبيث أبي لَهَبٍ، حين جاء خبرُ وقعةِ بدرٍ تقدَّمَت. ولله الحمد. ثم هاجرَ وشَهِدَ أُحدًا وما بعدَها، وكان كاتباً، وقد كتب بين يَدَيْ عليِّ بن أبي طالب بالكوفة، قالَهُ المُفَضَّل بن غَسّان الغَلابي، وشهدَ فتحَ مصر في أيام عُمَر، وقد كان أولًا للعبّاس بن عبد المطلب، فوهَبَهُ للنبيّ ﷺ وأعْتَقَهُ وزَوَّجه مولاته سَلْمى، فولَدَتْ له أولاداً، وكان يكون على ثَقل النبي ﷺ .

стр. 2629

وقال الإمام أحمد (١): ثنا محمد بن جعفر وبَهْزٌ، قالا: ثنا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي رافع، عن أبي رافع، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ رَجُلاً منْ بَني مَخْزوم على الصَّدَقَةِ، فقال لأبي رافع: اصْحَبْني كَيْما تُصيبَ منها، فقال: لا، حتَّى آتِيَ رسولَ الله ﷺ فأسألَه، فأتى رسولَ الله فسأله فقال: "الصدقةُ لا تَحِلُّ لنا، وإنَّ مَوْلى القَوْم منهم". وقد رواه الثَّوري، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الحكم به (٢). وروى أبو يعلى في "مسنده" (٣) عنه، أنه أصابهم بردٌ شديدٌ، وهم بخيبر، فقال رسول الله: "منْ كانَ له لِحافٌ فَلْيُلْحِف منْ لا لِحافَ له" قال أبو رافع: فلم أجِدْ منْ يُلْحِفُني معه، فأتيتُ رسولَ الله، فألْقَى عليَّ لحافه، فنِمْنا حتى أصْبَحْنا، فوجد رسولُ الله ﷺ عند رِجْلَيْه حَيَّةً فقال: "يا أبا رافعٍ اقْتُلْها اقْتُلْها". وروى له الجماعة في كتبهم ومات في أيام عليّ ﵁. ومنهم أنسة بن بادَة أبو مِسْرَح (٤)، ويقال: أبو مَسْروح: من مولدي السَّراة، مُهاجريٌّ. شَهِدَ بدراً فيما ذكره عروة والزهري وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق والبخاري وغير واحد (٥). قالوا: وكان ممن يأذنُ على النبيّ ﷺ إذا جلس. وذكر خليفة بن خياط في كتابه (٦): قال: قال علي بن محمد، عن عبد العزيز بن أبي ثابت، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: استُشهد يومَ بَدْرٍ أنَسَةُ مولى رسول الله ﷺ . قال الواقدي (٧): وليس هذا بثبتٍ عندنا، ورأيت أهل العلم يُثْبتون أنه شَهِدَ أحداً أيضًا، وبقي زماناً، وأنه تُوفّي في حياة أبي بكر، ﵁، أيام خلافته. (لا رواية له) (٨). ومنهم أيْمنُ بن عُبَيْد بن زَيْدٍ الحبشي (٩): ونسبه ابن مَنْدَه إلى عوف بن الخَزْرج، وفيه نظر، وهو ابنُ

стр. 2630

أمِّ أيْمَن بَرَكة، أخو أسامة لأُمِّه. قال ابن إسحاق (١): وكان على مَطْهَرة النبي ﷺ ، وكان ممن ثَبَتَ يوم حُنَيْن، ويقال (٢): إنَّ فيه وفي أصحابه نزل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. قال الشافعي: قُتِلَ أيمنُ مع النبيّ ﷺ يومَ حُنَيْن. قال: فروايةُ مجاهدٍ عنه منقطعةٌ. يعني بذلك ما رواه الثوري (٣)، عن منصور، عن مجاهد، عن عطاء، عن أيمن الحبشي قال: لم يَقْطَعِ النبيُّ ﷺ السارِقَ إلا في المِجَنّ، وكان ثمن المجن يومئذ دينارًا (٤). وقد رواه أبو القاسم البَغَويّ في "معجم الصحابة" عن هارون بن عبد الله، عن أسود بن عامر، عن الحسن بن صالح، عن منصور، عن الحكم، عن مجاهد، وعطاءٍ، عن أيْمن، عن النبي ﷺ نحوه. وهذا يقتضي تَأخُّر موته عن النبيّ ﷺ إن لم يكن الحديثُ مُدَلَّساً عنه، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ أُريدَ غَيْره، والجمهورُ كابنِ إسحاق وغيره ذكروه (٥) فيمن قُتِل منَ الصَّحابة يومَ حُنَين، فالله أعلم. ولابنه الحَجّاج بن أيْمَن مع عبد الله بن عمر قصة. ومنهم باذام. وسيأتي ذكره في ترجمة طهمان. ومنهم ثَوْبان بن بُجدُد. ويقال: ابن جَحْدَر، أبو عبد الله (٦)، ويقال (٢): أبو عبد الكريم، ويقال: أبو عبد الرحمن. أصلُه من أهل السَّراة مكانٌ بينَ مكَّة واليَمَن، وقيل: من حِمْير من أهل اليمن، وقيل: من ألهان، وقيل: من الحَكَم بن سَعْد العَشيرة، من مَذْحج، أصابه سِباء (٧) في الجاهلية. فاشتراه رسول الله ﷺ ، فأعْتَقَهُ وخَيَّره إن شاء أن يَرْجع إلى قومه، وإن شاء يَثْبُتَ فإنه منهمِ أهلَ البيت. فأقام على وَلاءَ رسولِ الله ﷺ ولم يُفارِقْهُ حَضَرًا ولا سَفَرًا حتى تُوفّي رسول الله ﷺ . وشَهِدَ فتْحَ مِصْرَ أيامَ عُمر ونزلَ حِمْصَ بعدَ ذلك، وابْتَنَى بها دارًا، وأقام بها إلى أن مات سنة أربعٍ وخمسين، وقيل: سنة أربعٍ وأربعين، وهو خطأ. وقيل: إنه مات بمصر، والصحيح بحمص، كما قدَّمنا. والله أعلم. روى له البُخاري، في كتاب "الأدب"، ومسلم في "صحيحه" وأهل السنن الأربعة.
следующие страницы →