← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

وروى ابن عساكر (١) من حديث إسحاق بن محمد الفَرْوي، عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، [جده] عن أبي جده، عن علي قال: لما تُوفِّي إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، بعث علي بن أبي طالب إلى أمه مارية القِبْطيَّة وهي في مَشْرَبةٍ، فحمله علىٌّ في سَفَطٍ، وجعله بين يديه على الفرس، ثم جاء به إلى رسول الله ﷺ ، فغسَّله وكفَّنه وخرج به، وخرج الناس معه، فدفنَه في الزِّقاقِ الذي يلي دارَ محمد بن زيد، فدخَل علىٌّ في قبره حتى سَوَّى عليه [التراب] (٢) ودفنه، ثم خرجَ ورشَّ على قبره، وأدخلَ رسولُ الله يدَه في قبره، فقال: "أما واللهِ إنَّه لنبيٌّ ابنُ نبيٍّ". وبكى رسول الله ﷺ ، وبكى المُسلمون حوله حتى ارتفعَ الصَّوْتُ، ثم قال رسول الله ﷺ : "تَدْمَعُ العينُ، ويحزَنُ القلبُ، ولا نقول ما يُغْضبُ الرَّبَّ، وإنا عليك يا إبراهيمُ لمحزونون". وقال الواقدي (٣): مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ يوم الثلاثاء لعشر ليالٍ خَلَوْن من ربيع الأول سنةَ عشرٍ، وهو ابنُ ثمانيةَ عشرَ شهراً في بني مازن بن النَّجار في دار أمِّ برْزه (٤) بنت المنذر، ودفن بالبقيع. قلت: وقد قدّمنا أن الشَّمْسَ كَسَفَتْ يوم موته، فقال الناس: كَسَفَت لموت إبراهيم. فخطب رسول الله فقال في خطبته: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، لا ينكسفان لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه". قال (٥) الحافظ الكبير أبو القاسم ابن عساكر: بابُ ذِكْرِ عَبِيدِهِ. ﵊ وإمائِهِ وذكر (٦) خدمه وكُتّابه وأمنائِه (مع مراعاة الحروف في أسمائهم وفي ذكر بعض ما ذكر من أنبائهم) (٧) (ولنذكر ما أورده مع الزيادة والنقصان وبالله المستعان) (٨).

стр. 2627

فمنهم: أسامة بن زيد بن حارثة أبو زيد الكلبي (١)، ويقال: أبو يزيد، ويقال: أبو محمد، مولى رسول الله ﷺ ، وابن مولاه، وحِبّه وابن حِبّه، وأمه أم أيمن، واسمها بَركَة، كانت حاضِنة رسول الله ﷺ ، في صغره، وممن آمَنَ به قديماً بعد بعثته، وقد أمَّره رسول الله ﷺ في آخر أيام حياته، وكان عمره إذ ذاك ثمانيَ عَشْرَةَ أو تِسعَ عَشْرَةَ سنة، وتُوفّي وهو أمير على جيش كثيف، منهم عمر بن الخطاب، ويقال: وأبو بكر الصدّيق، وهو ضعيف، لأنّ رسول الله ﷺ نَصَبه للإمامة، فلما توفي ﵊ وجيش أسامة مُخَيّم بالجُرْف كما قَدَّمناه، اسْتَطْلَقَ أبو بكر من أسامة عمرَ بن الخطّاب في الإقامة عنده، ليَسْتضيءَ برأيه، فأطْلَقَهُ له، وأنْفَذَ أبو بكر جَيْشَ أسامةَ بعد مراجعةٍ كَثيرةٍ من الصَّحابة له في ذلك، وكلُّ ذلك يَأبَى عليهم ويقولُ: واللهِ لا أَحُلُّ رايةً عَقَدَها رسولُ الله ﷺ . فساروا حتى بلغوا تُخومَ البَلْقاءِ منْ أرضِ الشّامِ، حيثُ قتل أبوه زيدٌ، وجَعْفَرُ بن أبي طالب، وعبدُ الله بن رَواحة، ﵃، فأغارَ على تِلْكَ البلادِ، وغَنِمَ وَسَبَى، وكَرَّ راجعاً سالماً مُؤَيَّداً كما سيأتي. فلهذا كانَ عمرُ بن الخطاب، ﵁، لا يَلْقَى أسامةَ إلا قال له: السَّلامُ عليكَ أيُّها الأميرُ. ولما عَقَد له رسولُ الله ﷺ رايةَ الإمْرَةِ، طعَنَ بعض الناس في إمارته، فخطَبَ رسولُ الله فقال فيها: "إنْ تَطْعُنوا في إمارته فقد طَعَنْتُمْ في إمارةِ أبيهِ منْ قَبْلُ، واْيْمُ الله إنْ كانَ لخليقاً للإمارة، وإنْ كانَ لمِنْ أحَبِّ الخَلْقِ إليَّ (وإنَّ هذا لمن أحبِّ الخلقِ إليَّ) (٢) بعده" وهو في "الصحيح" من حديث موسى بن عقبة، عن سالم عن أبيه، وثبت في "صحيح البخاري" (٣) عن أسامة، ﵁، أنّه قال: كان رسول الله ﷺ يأخُذُني والحسنَ، فيقول: "اللهُمّ إني أُحِبُّهما فَأحِبَّهُما". ورُوي (٤) عن الشعبيِّ، عن عائشة ﵂ سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "منْ أحَبَّ اللهَ ورسولَه فلْيُحِبَّ أسامةَ بن زيدٍ" ولهذا لما فَرَضَ عمرُ بن الخطاب للنّاسِ في الدّيوان فَرَضَ لأسامة في خمسة آلاف. وأعْطَى ابنَه عبدَ الله بن عمر في أربعة آلاف. فقيل له في ذلك، فقال: إنه كانَ أحبَّ إلى رسول الله ﷺ منكَ، وأبوه كان أحبَّ إلى رسول الله من أبيكَ. وقد روى عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزّهري، عن عروة، عن أسامة: أنَّ رسول اللهِ أرْدَفَهُ خَلْفَه على حِمارٍ عليه قطيفةٌ، حين ذهب يعودُ سعدَ بن عُبَادة، قبلَ وقعةِ بدرٍ.

стр. 2628

قلت: وهكذا أرْدَفَه وراءَهُ على ناقَتِهِ حينَ دفَع منْ عَرَفات إلى المُزْدَلِفَة، كما قَدَّمنا في حجّةِ الوَداعِ. وقَدْ ذَكَرَ غيرُ واحدٍ أنّه، ﵁، لم يَشْهَدْ مع عليّ شيئًا من مَشاهِدِه، واعتذر إليه مما قال له رسول الله ﷺ حين قَتَلَ ذلك الرجلَ، وقد قال: لا إله إلا الله، فقال: "من لك بلا إله إلا الله يومَ القيامة، أقَتَلْتَهُ بعدما قال لا إله إلا الله؟ منْ لكَ بلا إله إلا الله يومَ القيامة؟! " … الحديث (١). وذكر فضائله كثيرةٌ، ﵁: وقد كان أسودَ كاللَّيل، أفْطَسَ حُلْواً حَسَنًا كَبيراً فَصيحًا عالمًا ربانيّاً، ﵁. وكان أبوه كذلك، إلا أنه كان أبيضَ شديدَ البياض، ولهذا طَعَنَ بعضُ منْ لا يَعْلَمُ في نسبه منه. ولما مَرّ مُجَزِّزٌ المُدْلجي عليهما وهما نائمان في قطيفة، وقد بدَت أقدامهما، أسامةُ بسوادِه، وأبوه زيدٌ ببياضه قال: سبحانَ الله، إن بعض هذه الأقدام لمن بعض، أُعْجِب بذلك رسولُ الله ﷺ . ودخلَ على عائشة مسرورًا تَبْرُقُ أساريرُ وَجْهه فقال: "ألم تريْ أن مُجَزِّزاً نظر آنفاً إلى زيدِ بن حارثة وأسامة بن زيدٍ. فقال: إنَّ بعضَ هذه الأقدام لمن بعض (٢) ". ولهذا أخذ فقهاء الحديث كالشّافِعي وأحمد من هذا الحديث، من حيث التقرير عليه والاستبشار به، العملَ بقول القافة (٣) في اختلاطِ الأنساب واشتباهها، كما هو مُقَرَّر في موضعه. والمقصود أنه ﵁، تُوفِّي سنةَ أربعٍ وخمسين فيما (٤) صَحَّحَه أبو عمر (٥). وقال غيره: سنةَ ثمانٍ أو تسعٍ وخمسين، وقيل: مات بعدَ مَقْتَلِ عثمان، فالله أعلم. وروى له الجماعةُ في كتبهم الستّة. ومنهم أسلم، وقيل: إبراهيم، وقيل: ثابت، وقيل: هُرْمُز، أبو رافع القِبْطي (٦): أسلم قبل بدر، ولم يشهدها، لأنه كان بمكة مع سادته آل العبّاس، وكان يَنْحِتُ القِداحَ، وقِصَّتُه مع الخبيث أبي لَهَبٍ، حين جاء خبرُ وقعةِ بدرٍ تقدَّمَت. ولله الحمد. ثم هاجرَ وشَهِدَ أُحدًا وما بعدَها، وكان كاتباً، وقد كتب بين يَدَيْ عليِّ بن أبي طالب بالكوفة، قالَهُ المُفَضَّل بن غَسّان الغَلابي، وشهدَ فتحَ مصر في أيام عُمَر، وقد كان أولًا للعبّاس بن عبد المطلب، فوهَبَهُ للنبيّ ﷺ وأعْتَقَهُ وزَوَّجه مولاته سَلْمى، فولَدَتْ له أولاداً، وكان يكون على ثَقل النبي ﷺ .

стр. 2629

وقال الإمام أحمد (١): ثنا محمد بن جعفر وبَهْزٌ، قالا: ثنا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي رافع، عن أبي رافع، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ رَجُلاً منْ بَني مَخْزوم على الصَّدَقَةِ، فقال لأبي رافع: اصْحَبْني كَيْما تُصيبَ منها، فقال: لا، حتَّى آتِيَ رسولَ الله ﷺ فأسألَه، فأتى رسولَ الله فسأله فقال: "الصدقةُ لا تَحِلُّ لنا، وإنَّ مَوْلى القَوْم منهم". وقد رواه الثَّوري، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الحكم به (٢). وروى أبو يعلى في "مسنده" (٣) عنه، أنه أصابهم بردٌ شديدٌ، وهم بخيبر، فقال رسول الله: "منْ كانَ له لِحافٌ فَلْيُلْحِف منْ لا لِحافَ له" قال أبو رافع: فلم أجِدْ منْ يُلْحِفُني معه، فأتيتُ رسولَ الله، فألْقَى عليَّ لحافه، فنِمْنا حتى أصْبَحْنا، فوجد رسولُ الله ﷺ عند رِجْلَيْه حَيَّةً فقال: "يا أبا رافعٍ اقْتُلْها اقْتُلْها". وروى له الجماعة في كتبهم ومات في أيام عليّ ﵁. ومنهم أنسة بن بادَة أبو مِسْرَح (٤)، ويقال: أبو مَسْروح: من مولدي السَّراة، مُهاجريٌّ. شَهِدَ بدراً فيما ذكره عروة والزهري وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق والبخاري وغير واحد (٥). قالوا: وكان ممن يأذنُ على النبيّ ﷺ إذا جلس. وذكر خليفة بن خياط في كتابه (٦): قال: قال علي بن محمد، عن عبد العزيز بن أبي ثابت، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: استُشهد يومَ بَدْرٍ أنَسَةُ مولى رسول الله ﷺ . قال الواقدي (٧): وليس هذا بثبتٍ عندنا، ورأيت أهل العلم يُثْبتون أنه شَهِدَ أحداً أيضًا، وبقي زماناً، وأنه تُوفّي في حياة أبي بكر، ﵁، أيام خلافته. (لا رواية له) (٨). ومنهم أيْمنُ بن عُبَيْد بن زَيْدٍ الحبشي (٩): ونسبه ابن مَنْدَه إلى عوف بن الخَزْرج، وفيه نظر، وهو ابنُ

стр. 2630

أمِّ أيْمَن بَرَكة، أخو أسامة لأُمِّه. قال ابن إسحاق (١): وكان على مَطْهَرة النبي ﷺ ، وكان ممن ثَبَتَ يوم حُنَيْن، ويقال (٢): إنَّ فيه وفي أصحابه نزل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. قال الشافعي: قُتِلَ أيمنُ مع النبيّ ﷺ يومَ حُنَيْن. قال: فروايةُ مجاهدٍ عنه منقطعةٌ. يعني بذلك ما رواه الثوري (٣)، عن منصور، عن مجاهد، عن عطاء، عن أيمن الحبشي قال: لم يَقْطَعِ النبيُّ ﷺ السارِقَ إلا في المِجَنّ، وكان ثمن المجن يومئذ دينارًا (٤). وقد رواه أبو القاسم البَغَويّ في "معجم الصحابة" عن هارون بن عبد الله، عن أسود بن عامر، عن الحسن بن صالح، عن منصور، عن الحكم، عن مجاهد، وعطاءٍ، عن أيْمن، عن النبي ﷺ نحوه. وهذا يقتضي تَأخُّر موته عن النبيّ ﷺ إن لم يكن الحديثُ مُدَلَّساً عنه، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ أُريدَ غَيْره، والجمهورُ كابنِ إسحاق وغيره ذكروه (٥) فيمن قُتِل منَ الصَّحابة يومَ حُنَين، فالله أعلم. ولابنه الحَجّاج بن أيْمَن مع عبد الله بن عمر قصة. ومنهم باذام. وسيأتي ذكره في ترجمة طهمان. ومنهم ثَوْبان بن بُجدُد. ويقال: ابن جَحْدَر، أبو عبد الله (٦)، ويقال (٢): أبو عبد الكريم، ويقال: أبو عبد الرحمن. أصلُه من أهل السَّراة مكانٌ بينَ مكَّة واليَمَن، وقيل: من حِمْير من أهل اليمن، وقيل: من ألهان، وقيل: من الحَكَم بن سَعْد العَشيرة، من مَذْحج، أصابه سِباء (٧) في الجاهلية. فاشتراه رسول الله ﷺ ، فأعْتَقَهُ وخَيَّره إن شاء أن يَرْجع إلى قومه، وإن شاء يَثْبُتَ فإنه منهمِ أهلَ البيت. فأقام على وَلاءَ رسولِ الله ﷺ ولم يُفارِقْهُ حَضَرًا ولا سَفَرًا حتى تُوفّي رسول الله ﷺ . وشَهِدَ فتْحَ مِصْرَ أيامَ عُمر ونزلَ حِمْصَ بعدَ ذلك، وابْتَنَى بها دارًا، وأقام بها إلى أن مات سنة أربعٍ وخمسين، وقيل: سنة أربعٍ وأربعين، وهو خطأ. وقيل: إنه مات بمصر، والصحيح بحمص، كما قدَّمنا. والله أعلم. روى له البُخاري، في كتاب "الأدب"، ومسلم في "صحيحه" وأهل السنن الأربعة.

стр. 2631

ومنهم حُنَيْن (١) مولى النبيّ ﷺ : وهو جدّ إبراهيم بن عبد الله بن حُنَيْن، ورُوِّينا أنَّه كان يَخدُمُ النبيَّ ﷺ ، ويُوضِّئُه، فإذا فَرَغَ النبيُّ ﷺ خَرَجَ بفَضْلَةِ الوضوءِ إلى أصحابه، فمنهم من يَشْرَبُ منه، ومنهم من يَتَمسَّحُ به، فاحْتَبسَه حُنينٌ فَخَبَّأهُ عندَه في جَرَّةٍ حتى شكَوْه إلى النبي ﷺ فقال له: "ما تَصْنَعُ به؟ " فقال أدَّخِرُهُ عندي أشْرَبه يا رسول الله، فقال ﵊: "هَلْ رَأَيْتُمْ غُلاماً أحْصَى ما أحْصَى هذا؟ " ثم إن النبيّ ﷺ وهبَهُ لعَمِّه العَبّاس فأعْتَقَه ﵄. ومنهم ذَكْوان يأتي ذكره في ترجمة طَهْمان. ومنهم رافِعٌ أو أبو رافِع. ويقال له: أبو البَهي (٢). قال أبو بكر بن أبي خيثمة: كان لأبي أُحَيْحَة سعيد بن العاص الأكبر، فورثَهُ بنوه، وأعتَقَ ثلاثةٌ منهم أنْصباءَهُمْ وشهد معهم يَوْمَ بَدْرٍ، فقُتِلوا ثلاثتُهُمْ، ثم اشْتَرى أبو رافعٍ بقيَّة أنْصِباء بني سعيدٍ مولاه، إلا نَصيبَ خالد بن سعيدٍ، فوهبَ خالد نَصيبَهُ لرسول الله ﷺ ، فقَبِلَهُ وأعْتَقَهُ، فكان يقول: أنا مولى رسول الله ﷺ ، وكذلك كان بنوه يقولون من بعده. ومنهم رباحٌ الأسْود (٣): وكان يأذنُ على النبي ﷺ ، وهو الذي أخذ الإذْنَ لعمر بن الخطاب حتَّى دَخَلَ على رسول الله ﷺ في تلك المَشْرَبَةِ يومَ آلى من نسائه، واعتَزَلَهُنَّ في تلك المَشْرَبَةِ وحدَه، ﵊، هكذا جاء مُصَرَّحاً باسمه في حديثِ عِكْرِمة بن عمار (عن أبي زُمَيْل) (٤) عن سِماك بن الوليد، عن ابن عباس، عن عمر. وقال الإمام أحمد (٥): ثنا وَكيعٌ، ثنا عكرمة بن عَمّار، عن إياس بن سَلَمةَ بن الأكوع، عن أبيه، قال: كان للنبيِّ ﷺ غلامٌ يُسَمَّى رباحًا (٦). ومنهم رُوَيْفِع (٧) مولاه ﵊: هكذا عَدَّهُ في الموالي مُصْعَبُ بنِ عبد الله الزُّبَيْري وأبو بكر بن أبي خَيْثَمة، قالا: وقد وَفَدَ ابنُه على عمر بن عبد العزيز في أيّام خِلافَتِهِ ففَرَضَ له. قالا: ولا عَقِبَ له.

стр. 2632

قلت: كان عُمر بن عبد العزيز، ﵀ شديدَ الاعتناء بموالي رسول الله ﷺ ، يُحبُّ أن يعرفهم ويُحْسنَ إليهم. وقد كَتَبَ في أيام خلافته إلى أبي بكر بن حزمٍ عالمِ أهل المدينة في زمانه أن يَفْحَصَ له عن موالي رسول الله ﷺ ، الرجالِ والنساءِ وخُدّامِهِ. رواه الواقدي (١). وقد ذكره أبو عمر مُخْتَصَراً وقال: لا أعلمُ له رواية، حكاه ابن الأثير في "الغابة (٢) ". ومنهم زَيْدُ بن حارِثَةَ الكَلْبي (٣): وقد قدمنا طَرَفاً من ذكره عندَ ذِكْرِ مَقْتَلِهِ بغزوة مُؤْتَة ﵁، وذلك في جُمادى من سَنَةِ ثمانٍ قبلَ الفَتْحِ بأشهرٍ، وقد كانَ هو الأميرَ المُقَدَّمَ، ثم بعدَهُ جَعْفرٌ، ثم بعدهما عبد الله بن رَواحة ﵃. وعن عائشة ﵂ أنها قالت: ما بَعَثَ رسولُ الله ﷺ زيد بن حارثة في سَرِيَّةٍ إلا أمَّره عليهم، ولو بَقيَ بَعْدَهُ لاسْتَخْلَفَه. رواه أحمدُ. ومنهم زَيْدٌ أبو يَسار (٤): قال أبو القاسم البغوي في "معجم الصحابة": سكن المدينة، رَوَى حَديثًا واحدًا لا أعلم له غيره. حدثنا محمد بن علي الجُوزجاني، ثنا أبو سَلَمة -هو التَّبوذَكيُّ- ثنا حفصُ بنُ عمر (٥) الطّائي (٦)، ثنا أبي (٧) عمر بن مرة: سمعتُ بلال بن يسار بن زيد مولى النبي ﷺ ، سمعتُ أبي، حدّثني عن جدّي، أنَّه سمعَ رسولَ الله يقول: "منْ قالَ أسْتَغْفر الله الذي لا إله إلا هو الحيُّ القيُّوم، وأتوبُ إليه، غُفِر له، وإن كان فَرَّ منَ الزَّحْفِ" وهكذا رواه أبو داود (٨) عن أبي سَلَمَة. وأخرجه الترمذي (٩)، عن محمد بن إسماعيل البخاري، عن أبي سَلَمَة موسى بن إسماعيل به. وقال الترمذي: غَريبٌ لا نَعْرِفُه إلا من هذا الوجه (١٠).

стр. 2633

ومنهم سَفِينة (١) أبو عبد الرحمن. ويقال: أبو البَخْتري، كان اسمه مِهْران، وقيل: عَبْس، وقيل: أحمر، وقيل: رُومان، فَلَقَّبَه رسول الله ﷺ سفينة (٢) لسبب سنذكره، فغلبَ عليه. وكان مولىً لأم سَلَمَةَ فأعْتَقَتْه واشْتَرَطَتْ عليه أن يَخْدُمَ رسولَ الله ﷺ حتى يَموتَ، فقَبلَ ذلك. وقال: لَوْ لَمْ تَشْتَرِطي عليَّ ما فارقْتُهُ. وهذا الحديث في "السنن" (٣). وهو من مُوَلَّدي العَرَبِ، وأصلُه من أبناء فارس، وهو سفينة بن مارْفَنَّة (٤). وقال الإمام أحمد (٥): ثنا أبو النَّضْر، ثنا حَشْرَج بن نُباتة العَبْسي كوفي، ثنا سعيد بن جُمْهان، حدثني سَفِينة قال: قال رسول الله ﷺ : "الخِلافَةُ في أمتي ثلاثون سنة، ثم مُلْكًا بعد ذلك"، ثم قال لي سفينة: أمْسِكْ خلافةَ أبي بكر، وخِلافَةَ عُمر، وخِلافَة عثمان، وأمْسِكْ خلافةَ عليّ، ثم قال: فوجدناها ثلاثين سنةً. ثم نظرتُ بعدَ ذلك في الخلفاء فلم أجِدْهُ يَتَّفِقُ لهم ثلاثون. قلت لسعيد: أيْنَ لَقيتَ سفينة؟ قال ببطن نَخْلَة، في زمن الحجاج، فأقَمْتُ عنده ثلاثَ ليالٍ أسألهُ عن أحاديث رسول الله ﷺ . قلت له: ما اسْمُك؟ قال: ما أنا بمُخْبركَ، سَمّاني رسولُ الله ﷺ سفينة. قلت: ولم سَماكَ سَفينة؟ قال: خرجَ رسولُ الله ومعه أصحابه، فَثَقُلَ عليهم متاعُهم، فقال لي: "ابْسُط كساءك" فبسطته، فجعلوا فيه متاعَهم ثم حملوه عليَّ، فقال لي رسول الله: "احمل فإنما أنت سَفينة" فلو حمَلْتُ يومئذ وقْرَ بعيرٍ أو بَعيرينِ أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة، ما ثَقُلَ عليَّ، إلا أن يَجْفُوا. وهذا الحديثُ عن أبي داود والترمذي والنسائي (٦). ولفظه عندهم "خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم تكون مُلْكاً". وقال الإمام أحمد (٧): حدَّثنا بَهْزٌ، ثنا حماد بن سَلَمة، عن سعيد بن جُمْهان، عن سَفينة، قال: كُنّا في سَفَرٍ، فكان كُلَّما أعْيا رَجُل ألْقَى عليَّ ثيابه، تُرْساً أو سيفاً، حتى حَمَلْتُ من ذلك شيئًا كثيرًا، فقال النبي ﷺ : "أنت سفينة" هذا هو المشهورُ في تَسْمِيَتِه سَفينة.

стр. 2634

وقد قال أبو القاسم البَغَوي: ثنا أبو الربيع سليمان بن داود الزَّهْراني ومحمد بن جَعْفر الوَرْكاني، قال: ثنا شَريك بن عبد الله النَّخَعي، عن عمران النَّخْلي (١)، عن مولى لأمِّ سلمَةَ. قال: كنّا مع رسول الله فَمَرَرْنا بوادٍ، أو نَهْرٍ، فكُنْتُ أُعَبِّرُ النّاسَ. فقال لي رسول الله: "ما كنتَ منذُ اليومِ إلا سَفينة" وهكذا رواه الإمام أحمد (٢)، عن أسود بن عامر، عن شريك. وقال أبو عبد الله بن مَنْدَه، ثنا الحسن بن مُكْرَم، ثنا عُثْمان بن عمر، ثنا أسامة بن زيد، عن محمد بن المُنْكَدر، عن سَفينة، قال: ركبتُ البحرَ في سَفينة، فكسِرَتْ بنا، فركبْتُ لوحاً منها فَطَرَحَني في جزيرة فيها أسدٌ، فلم يَرُعْني إلا به، فقلت: يا أبا الحارث: أنا مولى رسول الله ﷺ ، فَجَعَلَ يَغْمِزُني بمَنْكِبهِ حتى أقامني على الطريق، ثم هَمْهَمْ فَظَنَنْتُ أنّه السَّلام. وقد رواه أبو القاسم البَغَوي عن إبراهيم بن هانئ، عن عُبَيْد الله بن موسى، عن رجلٍ، عن محمد بن المُنْكَدِر عنه. ورواه أيضًا، عن محمد بن عبد الله المَخْرَمي، عن حسين بن محمد. قال: قال عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سَلَمة، عن محمد بن المُنْكَدِر عن سَفينة … فذكره. ورواه أيضًا: ثنا هارون بن عبد الله، ثنا علي بن عاصم، حدثني أبو رَيْحانة، عن سَفينة مَوْلى رسولِ الله قال: لَقِيني الأسدُ. فقلتُ: أنا سَفينةُ مَوْلَى رسولِ الله ﷺ . قال: فضربَ بذَنَبِه الأرضَ وقعدَ. وروى له مسلمٌ وأهلُ السُّنَن. وقد تقدم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد أنه كان يسكن بَطن نَخْلَة، وأنه تأخَّر إلى أيام الحجّاج. ومنهم سَلْمان الفارِسي (٣) أبو عَبْدِ الله مَوْلى الإسْلام: أصلُه من فارس، وتنقَّلَتْ به الأحوال إلى أن صار لرجل من يَهودِ المدينة، فلما هاجَرَ رسولُ الله ﷺ إلى المدينةِ أسلم سلمان، وأمره رسول الله ﷺ فكاتَبَ سَيِّدَهُ اليَهودي، وأعانَهُ رسول الله ﷺ على أداءِ ما عليه فنُسب إليه، وقال: "سلمانُ منا أهلَ البيت" (٤). وقد قدَّمنا صِفَة هِجْرتِهِ من بلده وصُحْبَتِهِ لأولئك الرُّهبان واحدًا بعد واحدٍ حتى آل به الحالُ

стр. 2635

إلى المدينة النبوية، وذِكْر صِفَةِ إسْلامِه، ﵁، في أوائل الهجرة النبويّة إلى المدينة، وكانَتْ وفاتُه في سنةِ خمسٍ وثلاثين في آخر أيامِ عثمان، أو في أولِ سنةِ ستٍّ وثلاثين. وقيل: إنّه تُوفِّي في أيّام عُمر بن الخطاب، والأول أكثر. قال العباس بن يزيد البَحْرانى (١): وكانَ أهلُ العلم لا يَشكون أنه عاشَ مئتين وخمسين سنةً، واختَلَفُوا فيما زاد على ذلك إلى ثلاثمئة وخمسين. وقد ادَّعى بعضُ الحُفّاظ المتأخرين أنه لم يُجاوِزِ المئة. فالله أعلم بالصواب. ومنهم شُقْرانُ الحَبَشيّ (٢) واسمه صالِحُ بن عَديّ: ورثه ﵊ من أبيه. وقال مصعب الزبيري ومحمد بن سعد (٣): كان لعبد الرحمن بن عوف، فوهبَهُ للنبيّ ﷺ . وقد روى أحمدُ بن حنبل، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي مَعْشر، أنه ذكره فيمن شهد بَدْراً، (قال: ولم يَقْسِمْ له رسولُ الله ﷺ . وهكذا ذكره محمد بن سعد فيمن شهد بدراً ((٤)، وهو مَمْلوكٌ، فلهذا لم يُسْهِم له، بل استعمله على الأسرى، فجزاه (٥) كلُّ رجل له أسيرٌ شيئًا، فحصَل له أكثرُ من نصيبٍ كاملٍ. قال: وقد كان ببدر ثلاثة غلمان غيرُه: غلامٌ لعبد الرحمن بن عوف، وغلامٌ لحاطب بن أبي بَلْتَعَة، وغُلامٌ لسعد (٦) بن معاذ. فَرَضَخ لهم ولم يَقْسمْ. قال أبو القاسم البغوي: وليسَ له ذِكرٌ فيمن شهدَ بدراً في كتاب الزُّهْري، ولا في كتاب ابن إسحاق. وذكر الواقدي (٧) عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جَهْم، قال: استعمل رسول الله شُقْران مولاه على جميع ما وُجد في رحال [أهل] المُرَيْسيع من رِثَّةِ المَتاعِ والسِّلاح والنَّعَم والشَّاءِ وجَمْعِ الذريّةِ ناحيةً. وقال الإمام أحمد (٨): حدَّثنا أسودُ بن عامر، ثنا مسلم بن خالد، عن عمرو بن يحيى المازنيّ، عن أبيه، عن شُقْران مولى رسول الله ﷺ قال: رأيتُهُ- يعني النبي ﷺ - مُتَوَجِّهاً إلى خَيْبَرَ على حِمار يُصَلّي عليه، يُومِئُ إيماءً. وفي هذه الأحاديث شواهدُ أنه ﵁ شهد هذه المشاهد.

стр. 2636

وروى الترمذي (١) عن زيد بن أخْزَم، عن عثمان بن فَرْقَد، عن جعفر بن محمد، أخبرني ابن أبي رافع، قال: سَمِعْتُ شُقْران يقول: أنا واللّه طَرَحْتُ القَطيفةَ تحتَ رسول اللّه ﷺ ، في القبر. وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: الذي ألْحَدَ (٢) قبرَ النَّبِيّ ﷺ أبو طلحة، والذي ألْقَى القَطيفةَ تحته (٣) شُفْران. ثم قال الترمذي: حَسَنٌ غريبٌ (٤). وقد تقدم أنه شهد غُسْلَ رسولِ الله ﷺ . ونزل في قبره، وأنه وضع تحتَه القَطيفةَ التي كان ﷺ يُصَلِّي عليها، وقال: والله لا يَلْبَسُها أحدٌ بعدَكَ. وذكر الحافظ أبو الحسن بن الأثير في "الغابة" (٥) أنَّه انقرضَ نَسْلُهُ فكانَ آخرُهُمْ موتًا بالمدينة في أيام الرشيد. ومنهم ضمَيْرَة بن أبي ضمَيْرَة الحِمْيَري (٦): أصابه سِباءٌ (٧) في الجاهلية، فاشتراهُ النَّبِيُّ ﷺ فأعتقه، ذَكَرَهُ مُصَعَبٌ الزُّبَيْري، قال: وكانَتْ له دارٌ بالبقيع، ووَلَدٌ. قال عبد اللّه بن وهب، عن ابن أبي ذِئْبٍ، عن حسين بن عبد اللّه بن ضُمَيْره، عن أبيه، عن جَدّه ضُمَيْرة أنَّ رسولَ الله ﷺ مَرَّ بأُمِّ ضُمَيْرة، وهي تَبْكي فقال لها: "ما يُبْكيكِ؟ أجائعةٌ أنتِ، أعاريةٌ أنتِ" قالت: يا رسولَ اللّه، فُرِّقَ بيني وبين ابني، فقال رسول الله ﷺ : "لا يُفَرَّقُ بين الوالدة وولدِها" ثم أرسل إلى الذي عندَهَ ضُمَيْرَةُ فدعاه فابتاعه منه ببَكْر. قال ابن أبي ذئب، ثم أقْرأني كتابًا عنده: بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا كتابٌ منْ مُحَمَّدٍ رسولِ الله لأبي ضُمَيْرَة وأهل بيته، أنَّ رسولَ اللّه أعْتَقَهُمْ، وأنَّهُمْ أهلُ بَيْتٍ من العَرَبِ، إن أحَبُّوا أقاموا عِنْدَ رسول الله، وإن أحَبُّوا رَجَعوا إلى قَوْمهم، فلا يُعْرضُ لهم إِلَّا بحقٍّ، ومن لقِيَهُمْ من المسلمين فَلْيَسْتَوْص بهم خيرًا، وكتب أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ. ومنهم طَهمان (٨)، ويقال: ذَكوانُ، ويقالُ: مِهْرانُ، ويقال: مَيْمون، وقيل: كَيْسان، وقيل

стр. 2637

باذام. روى عن النَّبِيّ ﷺ قال: "إنَّ الصَّدَقَةَ لا تَحِلُّ لي ولا لأهْلِ بَيْتي، وإِنّ مَوْلى القَوْمِ من أنْفِسِهم". رواه البَغَوي، عن مِنْجاب بن الحارث وغيره، عن شَريكٍ، عن عطاء بن السائب، عن إحدى بنات عليِّ بن أبي طالبٍ، وهي أمُّ كُلْثوم بنت عَلي، قالت: حدّثني مَوْلى للنَّبيِّ ﷺ يقال له: طَهْمان أو ذَكوان. قال: قال رسول اللّه ﷺ .. فذكره. ومنهم عُبَيد (١) مولى النَّبِيّ ﷺ قال أبو داود الطَّيالسيّ، عن شُعبة، عن سُلَيْمان التَّيْمي عن شيخٍ، عن عُبَيْد مولى للنبيِّ ﷺ قال: قلتُ: هَلْ كانَ النَّبي ﷺ يأمرُ بصَلاةٍ سوى المكتوب؟ قال: صلاة بينَ المغرب والعشاء. قال أبو القاسم البغوي: لا أعْلمُ روى غيره. قال ابن عساكر: وليس كما قال. ثم ساق مِنْ طريق أبي يَعْلى المَوْصِلي، ثنا عبدُ الأعلى بن حماد، ثنا حماد بن سَلَمَة، عن سُليمان التَّيْمي، عن عُبَيْد مولى رسول اللّه أن امرأتَيْنِ كانَتا صائِمَتَيْن، وكانتا تَغْتابان النّاسَ، فَدَعا رسولُ اللّه ﷺ بقَدَح، فقال لهما: "قِيئا". فَقَاءَتا قَيْحًا وَدَمًا ولَحْمًا عَبيطًا (٢) ثم قال: إن هاتَيْنِ صامَتا عن الحلالِ، وأفْطَرَتا على الحرام". وقد رواه الإمام أحمد (٣) عن يزيد بن هارون وابن أبي عدي عن سليمان التَّيْمي، عن رجل حَدَّثَهُمْ في مجلسِ أبي عثمان، عن عُبَيْد مَوْلَى رسول اللّه … فذكره. ورواه أحمد (٣) أيضًا، عن غُنْدَرٍ، عن عثمان بن غِياث، قال: كنتُ مع أبي عثمان، فقال رجلٌ: حدّثني سعيدٌ، أو عُبَيْد - عثمان يشك - مولى النَّبِيّ ﷺ … فذكره. ومنهم فَضالة (٤) مولى النَّبِيّ ﷺ قال محمد بن سَعد، أنبأنا الواقدي، حدّثني عُتْبَة بن جَبيرة (٥) الأَشْهلي، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم أن افْحَصْ لي عن خَدَمِ رسول الله ﷺ من الرجال والنساء ومواليه، فكتب إليه قال: وكان فَضالَةُ مولى له يمانيًا نزل الشام بعدُ، وكان أبو مُوَيْهبة مُوَلَّدًا من مُوَلَّدي مُزَيْنة فأعْتَقَهُ. قال ابن عساكر (٦): لم أجد لفَضالة ذِكْرًا في الموالي إِلَّا من هذا الوجه. ومنهم قفيز (٧) أَوَّلُهُ قافٌ وآخرُهُ زايٌّ: قال أبو عبد اللّه بن منده: أنبأنا سَهْل بن السَّريّ، ثنا أحمد بن

стр. 2638

محمد بن المُنْكَدر: ثنا محمد بن يحيى، عن محمد بن سليمان الحَرَّاني، عن زهير بن محمد، عن أبي بكر بن عبيد (١) اللّه بن أنس عن أنس، قال: كان لِرسول الله ﷺ غلامٌ (٢) يُقال له: قَفيزٌ، تَفَرَّدَ به محمد بن سليمان. ومنهم كَرْكِرَة (٣): كانَ على ثَقَلِ النَّبِيّ ﷺ في بعض غزواته، وقد ذَكَرَه أبو بكر بن حزم (٤) فيما كتب به إلى عمر بن عبد العزيز. قال الإمام أحمد (٥): ثنا سفيان، عن عمرو، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن عبد الله بن عمر، قال: كان على ثَقَلِ النَّبِيّ ﷺ رجل يقال له كَرْكَرَة. فمات، فقال: "هو في النار" فنظروا فإذا عليه عباءةٌ (قد غَلَّها، أو كِساءٌ قد غَلّه. رواه البخاري (٦)، عن علي بن المَديني، عن سفيان. قلت (٧): وقصَّته شَبيهة بقصة مِدْعَم الذي أهداه رفاعة من بني الضُّبَيْب (٨) كما سيأتي. ومنهم كَيْسانُ (٩). قال البَغَوي: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة. ثنا ابن فُضَيْل، عن عطاء بن السائب. قال: أتَيْتُ أمَّ كلثوم بنت علي، فقالت: حدّثني مولى للنبي ﷺ يُقالُ له: كَيْسان. قال له النبيُّ ﷺ في شيءٍ من أمرٍ الصَّدقة: "إنَّا أهلُ بيتٍ نُهينا أن نأكُلَ الصَّدَقَة، وإن مولانا منْ أنفسِنا فلا يَأكُلِ (١٠) الصدقة". ومنهم مَأبور القِبْطيّ الخصِي (١١): أهداه له صاحب إسْكَنْدريَّة مع مارية وسيرين والبَغْلَة. وقد قدَّمنا من خبره في ترجمة مارية ﵄ ما فيه كفايةٌ.

стр. 2639

ومنهم مِدْعَم (١)، وكان أسودَ من مُوَلَّدي حِسْمى (٢) أهداه رفاعةُ بن زَيْد الجُذاميُ (٣)، قُتِل في حياةِ النَّبِيّ ﷺ ، وذلك مَرْجِعهُم من خَيْبَر. فلما وصلوا إلى وادي القُرى، فبينما مِدْعَمٌ يَحُطّ عن ناقةِ رسول الله ﷺ رَحْلَها، إذ جاءه سَهْمٌ عائرٌ (٤) فقتله. فقال الناس: هنيئًا له الشهادةُ، فقال رسول الله ﷺ : "كلا والذي نَفْسي بيده، إن الشَّمْلَة التي أخَذَها يوم خَيْبَر - لم تُصِبْها المَقاسِمُ - لتَشْتَعِلُ عليه نارًا"، فلما سَمِعوا ذلك جاء رجلٌ بشراكٍ - أو شِراكَيْن - فقال النَّبِيّ ﷺ : "شِراكٌ من نارٍ، أو شِراكانِ من نارٍ" أخرجاه (٥) من حديث مالك، عن ثور بن زيد، عن أبي (٦) الغَيْث، عن أبي هريرة. ومنهم مِهْران (٧)، ويقال: طَهْمان: وهو الذي رَوَتْ عنه أمُّ كُلْثوم بنت علي في تَحريمِ الصَّدقة على بني هاشم ومواليهم كما تقدم. ومنهم ميمون (٨)، وهو الذي قبله. ومنهم نافع (٩) مولاه: قال الحافظ ابن عساكر: أنبأنا أبو الفتح الماهاني، أنبانا شُجاعٌ الصُّوفي، أنبأنا محمد بن إسحاق، أنبانا أحمد بن محمد بن زياد، ثنا محمد بن عبد الملك بن مروان، ثنا يزيد بن هارون، أنبانا أبو مالك الأشجعي، عن يوسف بن مَيْمون، عن نافعٍ مولى رسول الله ﷺ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا يَدْخُلُ الجَنَّة شيخٌ زانٍ، ولا مِسْكينٌ مُسْتكبرٌ (١٠)، ولا مَنَّانٌ بعمله على الله ".

стр. 2640

ومنهم نُفَيع (١)، ويقال: مسروح، ويقال: نافع بن مَسْروح. والصحيح نافِعُ بن الحارث بن كَلِدَة بن عَمْرو بن عِلاج بن أبي (٢) سلِمة عبْد العُزَّى بن غِيَرة بن عَوْف بن قَسِيٍّ - وهو ثقيف - أبو بَكْرَهَ الثَّقفي: وأمه سُمَيَّةُ أم زياد، تدلَّى هو وجماعة من العَبيد من سور الطائف، فاعْتَقَهُم رسولَ الله ﷺ ، وكان نزوله في بَكْرةٍ، فَسَفاه رسولَ الله ﷺ أبا بَكْرة. قال أبو نعيم: وكانَ رَجُلًا صالحًا، آخى رسول الله ﷺ بينَه وبينَ أبي بَرْزَةَ الأسلميّ. قُلْتُ: وهو الذي صَلَّى عليه بوصيّته إليه، ولم يَشْهَد أبو بكرة وَقْعَةَ الجَمَلِ، ولا أيَّام صِفين، وكانَتْ وفاتُه في سنة إحْدى وخَمْسين، وقيل سنة اثْنَتَيْن وخَمْسين. ومنهم واقِد (٣)، أو أبو واقِدٍ مَوْلى رسول الله ﷺ : قال الحافظُ أبو نُعَيْم الأصْبَهاني: حَدَّثَنَا أبو عمرو بن حَمْدان، ثنا الحسن بن سُفيان، ثنا محمد بن يحيى بن عبد الكريم، ثنا الحسين بن محمد، ثنا الهَيْثَم بن حماد، عن الحارث بن غسان، عن رجُل من قُرَيْش من أهل المدينة، عن زاذان، عن واقدٍ مولى النَّبِيّ ﷺ ، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أطاعَ اللهَ فقد ذكَر الله، وإن قَلَّتْ صلاتُه وصيامُه وتلاوتُه القرآنَ، ومَنْ عَصى اللهَ فلم يَذْكُرْه وإن كَثُرَتْ صلاتُه وصيامُه وتلاوتُه القرآن". ومنهم هُرْمُز أبو كَيْسان (٤)، ويقال: هُرْمُز، أو كَيْسان، وهو الذي يقال فيه: طَهْمان، كما تقدم. وقد قال ابن وهب: ثنا على بن عابس (٥)، عن عطاء بن السائب، عن فاطمة بنت علي أو أم كلثوم بنت علي، قالت: سمعتُ مولًى لنا يُقال له: هُرمُز يُكَنى أبا كيسان. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنا أهل بيت لا تَحِلُّ لنا الصَّدَقَةُ، وإن مَوالينا من أنفسِنا فلا تَأكلوا الصَّدَقَة". وقد رواه الرَّبيعُ بن سليمان، عن أسدِ بن موسى، عن ورقاء، عن عطاء بن السائب قال: دخلتُ على أُمّ كُلْثوم، فقالت: إن هُرْمُزَ أو كَيْسان حَدَّثَنَا أنَّ رسولَ الله ﷺ ، قال: "إنا لا نَأْكُل الصَّدَقَةَ". وقال أبو القاسم البغوي: ثنا مَنْصور بن أبي مُزَاحِم، ثنا أبو حفص الأبّار، عن ابن أبي زياد، عن

стр. 2641

معاوية، قال: شَهِدَ بدْرًا عشرون مملوكًا، منهم مملوك للنبي ﷺ ، يُقال له هُرْمُز فأعْتَقَه رسول اللّه ﷺ ، وقال: "إنَّ الله قد أعْتَقَك، وإنَّ مَوْلى القوم من أنفسهم، وإنّا أهل بيت، لا نأكلُ الصَّدَقَة فلا تَأْكُلْها". ومنهم هشام مولى النَّبِيّ (١) ﷺ : قال محمد بن سعد: أنبأنا سليمان بن عُبَيد اللّه الرّقي، أنبأنا محمد بن أيوب الرَّقي، عن سفيان، عن عبد الكريم، عن أبي الزبير، عن هشام مولى رسول اللّه ﷺ ، قال: جاء رجل فقال: يا رسولَ اللّه، إنَّ امرأتي لا تَدْفَع يَدَ لامِس (٢)، قال: "طَلِّقْها"، قال: إنها تُعْجِبُني، قال: "فَتَمتَّعْ بها" (٣). قال ابن منده: وقد رواه جماعةٌ عن سُفْيان الثوري، [عن عبد الكريم] عن أبي الزبير (عن مولى بني هاشم، عن النَّبِيّ ﷺ ولم يُسَمِّه. ورواه عُبَيْد اللّه بن عَمْرو عن عبد الكريم، عن) (٤) أبي الزُّبير عن جابر. ومنهم يسار (٥)، ويقالُ: إنَّه الذي قَتَله العُرَنِيُّون ومثلوا (٦) به. وقد ذكر الواقدي (٧) بسنده عن يعقوب بن عتبة، أنَّ رسولَ اللّه ﷺ أخذَه يومَ قَرْقَرة الكُدْرِ مع نَعَم بني غَطَفان وسُلَيْم، فَوَهَبَهُ النَّاسُ لرسولِ الله ﷺ ، فَقَبلِهُ منهم، لأنَّه رآهُ يُحْسنُ الصَّلاةَ فأعْتَقَهُ، ثم قَسَمَ في النَّاسِ النَّعَمَ، فأصابَ كُلُّ إنسانٍ منهم سبعةَ أبْعرةٍ، وكانوا مئتين. ومنهم أبو الحَمْراء (٨) مولى النَّبِيّ ﷺ وخادِمهُ، وهو الذي يُقالُ: إن اسمَه هِلالُ بنُ الحارِثِ، وقيل: ابن ظَفَر (٩)، وقيل: هلال بن الحارث بن ظَفَر (١٠) السّلمي، أصابه سِباءٌ (١١) في الجاهلية.

стр. 2642

وقال أبو جعفر محمد بن علي بن دُحَيْم، ثنا أحمد بن حازم، أنبأنا عُبَيْد (١) الله بن موسى، والفضل بن دُكَيْن، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي داود القاصّ، عن أبي الحمراء قال: رابَطْتُ المدينةَ سبعةَ أشهبر كَيومٍ، فكان النَّبِيّ ﷺ يأتي باب على وفاطمةَ كلَّ غداة فيقول: "الصلاة الصلاة، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ [الأحزاب: ٣٣]. قال أحمد بن حازم: وأنبأنا عبيد اللّه بن موسى والفضل بن دُكَيْن - واللفظ له - عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي داود، عن أبي الحمراء، قال: مَرَّ النَّبِيّ ﷺ برجل عندَهُ طعامٌ في وعاءً، فادْخَلهُ يدَهُ، فقال:، غَشَشْتَه! منْ غَشَنا فَلَيْسَ منّا " وقد رواه ابن ماجة (٢)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي نُعَيْم به. وليس عنده سواه. وأبو داود هذا هو نُفَيْع بن الحارث الأعْمى، أحدُ المَتْروكين الضُّعفاء. قال عباس الدُّوري عن ابن مَعين: أبو الحمراء صاحبُ رسول اللّه اسمه هلال بن الحارث، كان يكون بحِمْصَ، وقد رأيتُ بها غلامًا من ولده، وقال غيرُه: كان منزلُه خارجَ بابِ حِمْص. وقال أبو الوازع، عن سَمُرَة: كان أبو الحمراء من (٣) الموالي. ومنهم أبو سلمى (٤) راعي النَّبِيّ ﷺ ، ويقال: أبو سَلام واسمه حُرَيْثٌ. قال أبو القاسم البغوي: ثنا كامل بن طلحة، ثنا عَبّاد بن عبد الصمد، حدّثني أبو سلمى (٥) راعي النَّبِيّ ﷺ قال: سمعتُ رسولَ اللّهِ يقول: "منْ لَقِيَ اللّهَ يَشْهَدُ أن لا إله إِلَّا اللهُ، وأنّ محمدًا رسولُ اللّه، وآمنَ بالبَعْثِ والحِسابِ، دَخَلَ الجَنَّةَ". قلنا: أنتَ سَمِعْتَ هذا منْ رسولِ اللّه ﷺ ؟ فأدْخَلَ أُصْبُعَيْه في أُذُنيه، ثم قال: أنا سَمِعْتُ هذا مِنْهُ غَيْرَ مَرَّة، ولا مَرَّتَيْنِ ولا ثلاثٍ، ولا أربعٍ. لم يُوردْ له ابنُ عساكر سوى هذا الحديث. وقد روى له النسائي (٦) في اليوم والليلة آخر، وأخرج له ابن ماجة (٧) ثالثًا.

стр. 2643

ومنهم أبو صَفيّة (١) مولى النبيّ ﷺ : قال أبو القاسم البَغَويّ: ثنا أحمد بن المِقْدام، ثنا مُعْتَمِرٌ، ثنا أبو كعب، عن جدِّه بقيّة عن أبي صفية، مولى النبي ﷺ ، أنه كان يُوضَعُ له نِطْعٌ ويُجاءُ بزَبيلٍ فيه حَصًى، فيُسَبِّحُ به إلى نصفِ النَّهارِ، ثم يُرْفَعُ، فإذا صفَى الأولى سَبَّحَ حتى يُمْسي. ومنهم أبو ضُمَيْرة (٢) مولى النبي ﷺ والد ضُمَيْرة المتقدم وزوج أم ضُمَيْرة: وقد تقدم في ترجمة ابنه طرف من ذِكرهم وخبرهم في كتابهم. وقال محمد بن سعد في الطبقات: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أوَيْس المدني، حدّثني حسين بن عبد اللّه بن أبي ضُمَيْرة أن الكتابَ الذي كتبَهُ رسول اللّه ﷺ لأبي ضُمَيْرة: بسم اللّه الرحمن الرحيم، كتابٌ من محمدٍ رسولِ الله لأبي ضُمَيْرة وأهل بيته، إنَّهم كانوا أهلَ بيتٍ من العرب، وكانوا ممن (٣) أفاءَ اللّهُ على رسوله فأعْتَقَهُمْ. ثم خَيَّر أبا ضُمَيْرة إن أحبَّ أن يَلْحَقَ بقومِهِ فقد أذِنَ له، وإن أحَبَّ أن يمكُثَ مع رسول الله فيكونوا من أهل بيتِه، فاختارَ الله ورسولَه ودخلَ في الإسلام، فلا يَعْرِضْ لهم أحدٌ إلا بخيرٍ، ومن لَقِيهُمْ من المسلمين فَلْيَسْتَوْصِ بهم خيراً، وكتب أُبي بن كعب. قال إسماعيل بن أبي أُوَيْس: فهو مولى رسولِ الله ﷺ وهو أحد حِمْيرٍ. وخرج قومٌ منهم في سَفَرٍ، ومعهم هذا الكتاب فعرض لهم اللصوص، فأخذوا ما معهم، فأَخرجوا هذا الكتاب إليهم وأعلموهم (٤) بما فيه، فقرؤوه فَرَدُّوا عليهم ما أخذوا منهم، ولم يَعْرِضوا لهم. قال: ووفد حسين بن عبد الله بن أبي ضميرة إلى المهديّ أمير المؤمنين، وجاء معه بكتابهم هذا، فأخذَهُ المهدي فوضعَهُ على بَصَرِهِ، وأعطى حُسَيْناً ثلاثَمئة دينار. ومنهم أبو عُبَيْدٍ (٥) مولاه ﵊. قال الإمام أحمد (٦): ثنا عفّان، ثنا أبان العطار، ثنا قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبي عبيد، أنّه طبخَ لرسولِ الله ﷺ قِدْرًا فيها لحمٌ، فقال رسول الله

стр. 2644

ﷺ : "ناوِلْني ذِراعها" فناولتُه، فقال: " ناوِلْني ذِراعَها " فناولته، فقال: " ناولني ذراعها " فقلت: يا نبي الله كم للشاة من ذراع؟ قال: " والّذي نَفْسي بيدِه لو سَكَتَ لأعْطَيْتَني ذِراعَها ما دعوتُ به ". ورواه الترمذيّ في " الشمائل " (١) عن بُنْدار، عن مسلم بن إبراهيم، عن أبانِ بن يزيد العطّار به. ومنهم أبو عَسيبٍ، ومنهم من يقول: أبو عَسيم (٢). والصحيح الأول، من الناس منْ فَرَّقَ بينهما (٣)، وقد تَقَدَّمَ أنَّه شَهِدَ الصلاةَ على النبي ﷺ ، وحضرَ دَفْنَهُ، وَرَوَى قِصَّةَ المُغيرةِ بن شُعْبة. وقال الحارث بن أبي أُسامة (٤): ثنا يزيدُ بن هارون، ثنا مسلم بن عُبَيْد أبو نُصَيْرة قال: سمعتُ أبا عَسيبِ مولى رسولِ اللّه ﷺ قال: إن النبيَّ ﷺ قال: " أتاني جِبْريلُ بالحُمَّى والطاعون، فأمْسَكْتُ الحُمَّى بالمدينةِ، وأرسلتُ الطّاعونَ إلى الشام، فالطّاعونُ شهادةٌ لأمَّتي، ورحمةٌ لهم، ورِجْسٌ على الكافرِ". وكذا رواه الإمام أحمد (٥) عن يزيد بن هارون. وقال أبو عبد اللّه بن مَنْدَه: أنبأنا محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحاق الصَّاغاني، ثنا يونس بن محمد، ثنا حَشْرَج بن نُباتة، حدّثني أبو نُصَيْرة البَصْري عن أبي عَسيبِ مَوْلى رسولِ اللّه ﷺ قال: خَرَجَ رسولُ اللّه ﷺ ليلاً، فمرَّ بي فَدَعاني [فخرجتُ إليه] (٦) ثم مرَّ بأبي بكر فدعاهُ فخرجَ إليه، ثم مرَّ بعُمر فدعاهُ فخرَجَ إليه، ثم انطلقَ يَمْشي حتى دخل حائطًا لبعض الأنصار، فقال رسول الله لصاحب الحائط: " أطْعِمْنَا بُسْراً " فجاءَ به فَوَضَعهُ، فأكلَ رسولُ اللّه وأكلوا جميعاً، ثم دعا بماءً فشربَ منه، ثم قال: " إن هذا النَّعيمُ، لتسْألُنَ يومَ القيامة عن هذا " فأخَذَ عمرُ العِذْقَ، فضرب به الأرض حتى تناثَر البُسْرُ، ثم قال: يا نبيّ الله إنا لمَسْؤولون عن هذا يوم القيامة؟ قال: " نعم إلا من ثلاثةٍ؟ خِرْقَةٍ يَسْتُر بها الرجلُ عَوْرتهُ، أو كِسْرةٍ يَسُدُّ بها جَوْعَتَهُ، أو جُحْرٍ يدخُلُ فيه -يعني من الحرِّ والقَرّ-". ورواه الإمام أحمد (٧)، عن سُرَيْجٍ (٨)، عن حَشْرَجٍ.

стр. 2645

وروى محمد بن سعد في "الطبقات" (١)، عن موسى بن إسماعيل، حدثتنا مسلمة بنت زبّان القُريعيَّة (٢) قالت: سمعت مَيْمونة بنتَ أبي عَسيبٍ قالت: كان أبو عَسيبٍ يواصِل بينَ ثلاث في الصّيام، وكان يُصَلِّي الضُّحى قائمًا فعجز (٣) [فكان يصلي قاعدًا]، وكان يَصُومُ البِيضَ (٤). قالتْ وكان في سَريره جُلْجُلٌ فيعجز صوتهُ حتى (٥) يناديها به، فإذا حَرَّكَهُ جاءت. ومنهم أبو كبشة الأنماري (٦): من أنمار مذحج على المشهور، مولى النَّبِيّ ﷺ : في اسمه أقوال، أشهرها أنَّ اسمه سُلَيْمٌ، وقيل: عمرو بن سعد، وقيل عكسُه. وأصله من مَوَلَّدي أرض دَوْسٍ، وكان ممن شهدَ بدرًا، قاله موسى بن عقبة عن الزُّهْري. وذكره ابن إسحاق والبخاري والواقدي ومصعب الزبيري وأبو بكر بن أبي خيثمة. زاد الواقدي، وشَهِدَ أُحُدًا وما بعدها من المشاهد، وتُوُفِّي يومَ اسْتُخْلِف عمرُ بن الخطاب، وذلك في يوم الثّلاثاء لثمانٍ بقينَ من جُمادَى الآخِرة سنةَ ثلاثَ عَشْرةَ من الهِجْرة. وقال خليفة بن خَيَّاط (٧). وفي سنةِ ثلاثٍ وعِشْرين تُوفِّي أبو كَبْشَةَ مولى رسول الله ﷺ . وقد تقدَّم عن أبي كبشة أنَّ رسولَ اللّه ﷺ لما مرَّ (٨) في ذهابه إلى تَبوك بالحِجْر جَعل النّاسُ يَدْخُلون بيوتَهم، فنُوديَ أنَّ الصَّلاةَ جامعةٌ، فاجتَمَعِ النّاسُ، فقال رسول اللّه ﷺ : "ما يُدْخِلُكُم على هؤلاء القومِ الذين غَضِبَ اللّهُ عليهم؟ " فقال رجل: نعْجَبُ منهم يا رسول اللّه، فقال رسول اللّه ﷺ : "ألا أُنْبئكُم بأعْجَبَ من ذلك؟ رجلٌ من أنفسكم يُنَبِّئُكمْ بما كان قَبْلَكُم، وما يكون (٩) بعدكم" … الحديث (١٠). وقال الإمام أحمد (١١): حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن مَهْدي، عن معاوية بن صالح، عن أزْهَر بن سعيد

стр. 2646

الحَرازي، سمعت أبا كبشة الأنماري قال: كان رسول الله ﷺ جالسًا في أصحابه، فدخل، ثم خرج وقد اغتسل، فقلنا: يا رسول اللّه، قد كان شيء؟ قال: "أجَلْ، مَرَّتْ بي فلانة فوقَعَ في نفسي شهوةُ النِّساءِ، فأتَيْتُ بعضَ أزواجي فأصَبْتُها، فكذلك فافعلوا، فإنّه من أماثل أعمالِكُم إتيانُ الحلال". وقال أحمد (١): حَدَّثَنَا وكيع، ثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن أبي كَبْشَة الأنْماري، قال: قال رسول اللّه ﷺ : "مَثَلُ هذه الأُمَّةِ مَثَلُ أربعة نَفَرٍ، رجلٌ آتاهُ اللّه مالًا وعلمًا، فهو يعملُ به في ماله، ويُنْفقُه في حقّه، ورجلٌ آتاه اللّهُ علمًا ولم يُؤتِهِ مالًا، فهو يقول: لو كان لي مثلُ مالِ هذا عَمِلْتُ فيه مثلَ الذي يعملُ". قال رسول اللّه ﷺ : "فهما في الأجْر سَواء، ورجلٌ آتاه اللهُ مالًا ولم يُؤتِهِ علمًا فهو يَخْبِطُ فيه يُنْفِقُه في غير حَقِّه، ورجلٌ لم يُؤْتِه اللّهُ مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو كانَ لي مثلُ هذا عَمِلْتُ فيه مثلَ الذي يَعْمَلُ، قال رسول الله ﷺ : "فهما في الوِزْرِ سواءٌ". وهكذا رواه ابن ماجة (٢)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد، كلاهما عن وكيع. ورواه ابنُ ماجة أيضًا من وجيهٍ آخر، من حديث منصور، عن سالم بن أبي الجُعْد، عن ابن أبي كَبْشَة عن أبيه. وسَمَّاه بعضُهم عبد اللّه بن أبي كَبْشَة. وقال أحمد (٣): حَدَّثَنَا يزيد بن عبد رَبِّه، ثنا محمد بن حرب، ثنا الزُّبَيْدي، عن راشد بن سعدٍ، عن أبي عامر الهَوْزَني (٤)، عن أبي كَبْشة الأنماري، أنَّه أتاه فقال أطْرِقْني (٥) منْ فَرسِك، فإنّي سمعتُ رسولَ اللّه ﷺ يقول: "من أطْرَقَ مُسْلمًا فعقَب له الفرسُ كان كأجْرِ سَبْعين [فرسًا] (٦) حُمِلَ عليه في سبيل اللّه ". وقد روى الترمذي (٧): عن محمد بن إسماعيل، عن أبي نُعَيم، عن عبادة بن مسلم، عن يونس بن خَبّاب، عن سعيدٍ أبي البخْتريّ الطائيّ، حدّثني أبو كبشة أنه قال: ثلاثٌ أُقسمُ عليهن، وأحدّثُكُم حَديثًا فاحْفَظوه، ما نَقَصَ مالُ عبدٍ [من] صدقة، وما ظُلِمَ عَبْد بمَظْلَمَةٍ فَصَبَر عليها إِلَّا زادَهُ الله بها عِزًّا، ولا يَفْتَحُ عبدٌ بابَ مسألةٍ إِلَّا فَتح اللّه عليه بابَ فَقر … الحديث. وقال حسن صحيح. وقد رواه أحمد (٨)، عن غُنْدَر، عن شُعبة، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجَعْد عنه.

стр. 2647

وروى أبو داود (١) وابن ماجة (٢) من حديث الوليد بن مسلم، عن ابن ثَوْبان، عن أبيه، عن أبي كَبْشَة الأنْماري، أنّ رسول اللّه ﷺ كان يَحْتَجِمُ على هامَتهِ وبين كَتفَيه. وروى الترمذي (٣): ثنا حُمَيدُ بن مَسْعَدَةَ، ثنا محمد بن حُمْران، عن أبي سعيدٍ، - وهو عبد اللّه بن بُسْير - قال: سمعتُ أبا كَبْشة الأنْماري يقول: كانَتْ كِمام (٤) أصْحاب رسول اللّه ﷺ بُطْحًا. ومنهم أبو مُوَيْهِبة مولاه ﵊، كان من مُوَلَّدي مُزَيْنَة، اشتراه رسول اللّه فأَعْتَقَهُ، ولا يُعْرَفُ اسمُه ﵁. وقال مصعب (٥) الزُّبَيْري: شهدَ أبو مُوَيْهبة المُرَيْسيع، وهو الذي كانَ يقودُ لعائشة ﵂ بعيرَها. وقد تقدَّم ما رواه الإمام أحمد بسند (٦) عنه في ذهابه مع رسول اللّه ﷺ في الليل إلى البقيع، فوقف ﵊، فدعا لهم، واستغفر لهم، ثم قال: "لِيَهْنكُم ما أنتُمْ فيه مما فيه الناس (٧)، أتت الفتنُ كَقطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِم (٨) يركَبُ بعضُها بعضًا، الآخِرَةُ أشدُّ من الأولى، فَلْيَهْنِكُم [ما] أنتم فيه" ثم رَجَعَ فقال: "يا أبا مُوَيْهبَة إني خُيِّرْتُ مفاتيحَ ما يُفْتحُ على أُمَّتي من بعدي والجَنَّةَ أو لقاءَ ربِّي، فاخْتَرْتُ لِقاءَ رَبِّي" قال فما لبث بعد ذلك إِلَّا سبعًا - أو ثمانيًا - حتى قبِضَ. فهؤلاء عبيده ﵇. إماؤه (٩) ﵊ فمنهن أمة اللّه بنت رَزينة (١٠) الصحيحُ أنَّ الصُّحْبَة لأُمِّها رَزينة كما سيأتي، ولكن وَقَعَ

стр. 2648

في (١) رواية ابن أبي عاصم حَدَّثَنَا عقبة بن مُكْرَم، ثنا محمد بن موسى، حَدَّثتنا عُلَيْلة بنت الكُمَيْت العَتكية (٢) قالت: حدّثتني أُمّي (٣) عن أمةِ اللّهِ خادم النَّبِيّ ﷺ . أنَّ رسولَ اللهِ سَبَى صَفيَّةَ يومَ قُرَيْظَة والنضير، فأَعْتَقَها وأمهرها رَزِينة أم أمةِ اللهِ. وهذا حديث غريب جدًا. ومنهن أُمَيْمةُ. قال ابن الأثير (٤): وهي مولاة رسول اللّه ﷺ . روى حديثَها أهلُ الشّام. روى عنها جُبَيْر بن نُفَيْر: أنها كانَتْ تُوضّئُ رسولَ اللهِ، فأتاه رجلٌ يومًا فقال له: أوْصِني، فقال: "لا تُشْرِكْ بالله شيئًا، وإن قُطعْتَ أو حُرِّقْتَ بالنار، ولا تَدَعْ صلاة مُتَعمِّدًا، فمنْ تَرَكَها مُتَعمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ منه ذِمَّةُ اللّه وذِمّة رسوله، ولا تَشْرَبَنَّ مُسْكرًا (٥) فإنَّه رأسُ كلِّ خَطيئة. ولا تَعْصينَّ والدَيْكَ وإن أَمَراك أن تَخْتَلِي (٦) من أهْلِكَ ودُنْياك" (٧). ومنهن بَرَكَة (٨) أم أيْمَنَ وأم أُسامة بن زيد بن حارثة، وهي بَرَكةُ بنت ثَعْلَبة بن عَمْرو بن حِصْن (٩) بن مالك بن سَلَمة بن عمرو بن النعمان الحَبَشيَّة، غلبَ عليها كُنْيَتها أُمُّ أيْمن، وهو ابنُها من زوجها الأوَّل عُبَيْد بن زيد الحَبَشي، ثم تزوجها بعدَه زَيْدُ بن حارثة، فولدَتْ له أسامةَ بن زَيْدٍ، وتُعْرَفُ أيضًا بأم الظِّباء، وقد هاجَرَت الهِجْرَتَيْن ﵂، وهي حاضنَةُ رسولِ الله ﷺ مع أمّه آمنة بنت وهبٍ، وقد كانَتْ ممِّن وَرِثَها رسولُ اللّه ﷺ من أبيه، قاله الواقدي (١٠) وقال غيره: بل ورثها من أمه، وقيل: بل كانت لأخت خديجة فَوَهَبْتها من رسول الله ﷺ . وآمنت قديمًا وهاجَرَتْ، وتأخَّرتْ بعدَ النَّبِيّ ﷺ . وتقدَّم ما ذكرناه من زيارة أبي بكر وعمر ﵄ إياها بعدَ وفاةِ النَّبِيّ ﷺ وأنّها بَكَتْ، فقالا لها: أما تَعْلَمين أنّ ما عندَ اللهِ خَيْرٌ لرسول اللّه ﷺ ؟ فقالت: بلى، ولكن أبكي لأنَّ الوحيَ قَد انْقَطَعَ من السِّماء، فَجَعلا يَبْكيان معها.

стр. 2649

وقال البخاري في "التاريخ": وقال عبد اللّه بن يوسف، عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن الزُّهْري قال: كانت أمُّ أيمن تحضُنُ النبيَّ ﷺ حتى كَبر. فأعتقها، ثم زوَّجَها زيدَ بنَ حارثة، وتُوفِّيت بعدَ النَّبِيّ ﷺ بخمسة أشهرٍ. وقيل: إنّها بقيَتْ بعدَ قَتْل عمر بن الخطّاب. وقد رواه مسلم (١) عن أبي الطاهر وحرملة، كلاهما عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري قال: كانت أم أيمن الحبشية … فذكره. وقال محمد بن سعد عن الواقديّ (٢) توفّيَتْ أم أيمن في أول خلافة عثمان بن عفان. قال الواقدي (٣): وأنبانا يحيى بن سعيد بن دينار، عن شيخ من بني سعد بن بكر، قال: كان رسول اللّه ﷺ يقول لأم أيمن "يا أمَّهْ" وكان إذا نظر إليها قال: "هذه بقيَّةُ أهل بيتي". وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: أخبرني سليمان بن أبي شيخ قال (٤): كان النَّبِيّ ﷺ يقول: "أُمُّ أيمن أمّي بعدَ أُمِّي". وقال الواقدي (٥) عن أصحابه المدنيين قالوا: نَظَرَتْ أمُّ أيْمَنَ إلى النَّبِيّ ﷺ وهو يشربُ، فقالت: اسْقِني، فقالت عائشة: أتقولين هذا لرسول الله ﷺ ؟! فقالت: ما خدمتُه أطولُ، فقال رسول الله ﷺ : "صَدَقَتْ" فجاء بالماء فسقاها. وقال المُفَضَّلُ بن غَسَّان: حَدَّثَنَا وهبُ بن جرير، ثنا أبي، قال: سمعتُ عُثمان بن القاسم قال (٦): لمَّا هاجَرَتْ أُمُّ أيمن أمْسَتْ بالمُنْصَرَفِ دونَ الرَّوْحاء، وهي صائمةٌ، فأصابها عَطَشٌ شديدٌ حتى جهَدَها. قال: فدُلِّيَ عليها دَلْوٌ من السَّماءِ برشاءٍ أبيض فيه ماءٌ، قالَتْ: فشربتُ فما أصابَني عَطشٌ بَعْدُ، وقد تَعَرَّضْتُ لِلْعَطَش بالصَّوم في الهَواجِر فما عَطِشْتُ بَعْدُ. وقال الحافظ أبو يعلى: ثنا محمد بن أبي بكر المُقَدَّمي، ثنا سَلْم بن قُتَيْبة، عن الحُسَيْن بن حُرَيث، عن يَعْلى بن عَطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن أم أيمن قالت (٧): كانَ لرسولِ اللّه ﷺ فَخّارة يبولُ فيها فكانَ إذا أصبحَ يقول: "يا أم أيمن صُبِّي ما في الفَخّارة" فقمتُ ليلةً وأنا عَطْشَى [فَغَلِطت] فَشَرِبْتُ

стр. 2650

ما فيها، فقال رسول اللّه: "يا أمَّ أيمن صُبِّي ما في الفَخّارة". فقالت: يا رسول اللّه قُمْتُ وأنا عَطْشَى فَشَرِبْتُ ما فيها. فقال: "إنّكِ لن تَشْتكي بَطْنَكِ بعدَ يَوْمِك هذا أبدًا". قال ابن الأثير في الغابة (١): وروى حجّاجُ بنُ محمدٍ، عن ابن جُرَيْج، عن حَكيمة بنت أُمَيْمَة عن أمها أُمَيْمَة بنت رُقَيْقَة (٢) قالت: كان للنبي ﷺ قَدَحٌ من عَيْدان (٣) فيبول فيه يضعه تحت السرير، فجاءت امرأة اسمُها بَرَكة فَشَرِبَتْهُ، فطلبه فلم يجده، فقيل: شربَتْهُ بركةُ. فقال: "لقد احْتَظَرَتْ من النار بحِظار" (٤) قال الحافظ أبو الحسن بن الأثير: وقيل: إنَّ التي شَرِبَتْ بَوْلَهُ ﵇ إنّما هي بَرَكةُ الحَبَشيَّةُ التي قَدمَتْ مَعَ أم حَبيبة من الحَبَشَة، وفرَّق بينهما. فاللّه أعلم. قلت: فأما بَريرَة (٥) فإنَّها كانَتْ لآلِ أبي أحْمد بن جَحْش، فكاتَبوها فاشْتَرَتْها عائِشَةُ ﵂ منهم، فأَعْتَقَتْها، فَثَبَتَ ولاؤُها لها، كما ورد الحديث بذلك في الصحيحين (٦)، ولم يَذْكُرْها ابنُ عَساكرٍ. ومنهن خَضِرَةٌ (٧) ذَكَرَها ابن مَنْدَه فقال: روى مُعاوية عن هشام، عن سُفيان، عن جَعْفر بن محمد، عن أبيه قال: كان للنبي ﷺ خادمٌ يُقال لها: خَضِرَةُ. وقال محمد بن سعد (٨)، عن الواقدي، ثنا فائِدٌ مَوْلى عُبَيْد الله عن عُبَيْد الله (٩) بن علي بن أبي رافع، عن جَدَّته سَلْمى، قالت: كان خَدَمَ رسول اللهِ أنا وخَضِرةُ ورَضْوى ومَيْمونَة بنت سعد، أعتَقَهُنَّ رسولُ الله ﷺ كلَّهن. ومنهن خُلَيْسَة مولاة حَفْصَة بنت عمر، قال ابن الأثير في الغابة: رَوَتْ حَديثَها عُلَيْلَة (١٠) بنتُ الكُمَيْت، عن جَدَّتِها، عن خُلَيْسَة مولاةِ حَفْصَة في قصَّة حَفْصة وعائشة مع سودة بنت زَمْعَة، ومَزْحِهِما

стр. 2651

معها بأن الدّجال قد خرج. فاختبأت في بيتٍ كانوا يوقِدون فيه، واسْتَضْحَكَتا. وجاء رسول الله فقال: "ما شَأْنُكُما؟ " فأَخْبَرَتاهُ بما كان من أمر سودة، فذهب إليها فقالت: يا رسول الله أَخَرَجَ الدّجّال؟ فقال: "لا، وكأن قد خرج" فخرجت، وجعلت تَنْفُضُ عنها بَيْضَ العَنْكَبوت. وذكر ابن الأثير خليسة (١) مولاة سلمان الفارسي وقال: لها ذِكْرٌ في إسلام سلمان ﵁ وإعْتاقها إياه، وتَعْويضه ﵊، لها بأن غَرَسَ لها ثلاثمئة فَسيلةٍ، ذَكَرْتُها تَمْييزًا. ومنهنَّ خَوْلَةٌ (٢) خادِمُ النَّبِيّ ﷺ ، كذا قال ابن الأثير. وقد روى حديثَها الحافظُ أبو نُعَيْم من طريق حَفْص بن سَعيد القُرشيّ، عن أُمِّه، عن أُمِّها خولة، وكانت خادم النَّبِيّ ﷺ ، فذكر حديثًا في تأخُّرِ الوَحْي بسبب جَرْو كَلْب ماتَ تحتَ سَريره ﵊، ولم يشعروا به، فلما أخرجه جاء الوحي، فنزل قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: ١ - ٢] وهذا غريب، والمشهور في سبب نزولها غير ذلك [والله أعلم]. ومنهن رَزِينة (٣)، قال ابن عساكر: والصحيح أنَّها كانَتْ لصَفِيَّة بنت حُيَي. وكانت تخدم النَّبِيّ ﷺ . قلت: وقد تقَدَّمَ في ترجمة ابنتها "أمَة الله" أنه ﵊ أمهرَ صَفيَّةَ بنتَ حُيَيّ أُمَّها رَزينة، فعلى هذا يكون أصلها له ﵊. وقال الحافظ أبو يعلى: ثنا أبو سعيد الجُشمي، حدّثتنا عُلَيْلَة بنتُ الكُمَيْتِ قالت: سمعتُ أمي أُمَيْنةَ قالت: حدّثتني أمةُ اللهِ بنتُ رَزينة (عن أمِّها رَزينة) (٤) مولاةِ رسول الله ﷺ أنَّ رسولَ الله ﷺ سبَى صَفيَّة يومَ قُرَيْظَةَ والنَّضير حينَ فتحَ اله عليه، فجاءَ بها يَقودها سَبيَّةً، فلمّا رأَت النّساءَ قالت: أشهدُ أنَّ لا إله إِلَّا الله، وأنَّكَ رسولَ الله. فأرْسَلها وكان ذراعُها في يَدِه، فأعْتَقَها، ثم خَطَبَها، وتَزَوَّجَها، وأمهرها رَزِينة. هكذا وَقَعَ في هذا السِّياق، وهو أجودُ ممّا سَبَقَ من رواية ابن أبي عاصم، ولكنَّ الحقَّ أنّه ﵊ اصطفى صَفيَّةَ من غَنائمِ خَيْبَر، وأنَّه أعْتَقَها وجَعَل عِتْقَها صداقَها، وما وقع في هذه الرواية يوم قُرَيْظة والنّضير تَخْبيطٌ، فإنَّهما يومان، بَيْنَهُما سنتان والله أعلم. وقال الحافظ أبو بكر البيهقيّ في "الدلائل" (٥): أخبرنا ابن عَبْدان، أخبرنا أحمد بن عُبَيْد الصّفّار، ثنا عليّ بن الحسن السُّكَّري، ثنا عُبَيْد الله بن عمر القَواريري، حَدَّثَتْنا عُلَيْلَةُ بنتُ الكُمَيْت العَتكيّة، عن

стр. 2652

أُمها أُمَيْنةَ، قالت: قلت: لأمَة اللّه بنت رَزينة مولاة رسول اللّه: يا أمةَ اللهِ، أسَمِعْتِ أمَّكَ تذكرُ أنَّها سَمِعَتْ رسولَ اللهِ يَذْكُرُ صَوْمَ عاشوراء. قالت: نعم كان يُعَظِّمُه ويدعو برُضَعائِهِ ورُضعاءِ ابنتِه فاطمة فَيَتْفُلُ في أفْوَاهِهِم ويقول لأُمّهاتِهِم: "لا تُرْضِعيهم إلى اللَّيْلِ" له شاهد في الصحيح. ومنهن رَضْوَى (١)، قال ابن الأثير: روى سَعيدُ بن بشير، عن قَتادة، عن رَضْوى بنت كعب. أنَّها سَألتْ رسولَ اللّه ﷺ عن الحائِضِ تَخْتَضِب (٢)، فقال: "ما بذلك بأسٌ" رواه أبو موسى المديني. ومنهن رَيْحانة بنتُ شَمْعون القُرَظيّة (٣)، وقيل: النَّضريّة، وقد تقدم ذِكْرُها بعد أزواجه ﵅. ومنهن زَرينة (٤) والصَّحيح رَزينة كما تقدم. ومنهن سائِبة (٥) مولاةُ رسول الله ﷺ . رَوَتْ عنه حديثًا في اللُّقَطَة، وعنها طارق بن عبد الرحمن، روى حديثها أبو موسى المديني. هكذا ذكر ابن الأثير في "الغابة". ومنهن سَديسَةُ الأنصارية (٦)، وقيل مولاة حَفْصَة بنت عمر. رَوَتْ عن النَّبِيّ ﷺ قال: "إنَّ الشيطانَ لم يَلْقَ عُمَرَ منذ أسْلَم إِلَّا خَرَّ لوجهه" قال ابن الأثير: رواه عبد الرحمن بن الفضل بن المُوَفق، عن أبيه، عن إسرائيل، عن الأوزاعي، عن سالم، عن سديسة. ورواه إسحاق بن يَسار، عن الفضل، فقال: عن سَديسة عن حَفْصَة عن النَّبِيّ ﷺ … فذكره. رواه أبو نُعَيْم وابن مَنْدَه. ومنهن سَلامَة (٧) حاضِنَةُ إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، رَوَتْ عنه حديثًا في فضل الحَمْلِ والطَّلْقِ والرِّضاع والسَّهر، فيه غرابةٌ ونَكارَةٌ من جهة إسناده ومتنه، رَواه أبو نُعَيْم، وابن مَنْدَه، من حديث هشام (٨) بن عَمَّار بن نُصَيْر خَطيبِ دِمَشْق، عن أبيه عن (٩) عَمْرو بن سَعيدٍ الخَوْلاني عن أنس عنها. ذكرها ابن الأثير. ومنهن سلمى (١٠) وهي أم رافع امرأة أبي رافع، كما رواه الواقدي (١١) عنها، أنَّها قالت: كنتُ أخدمُ

стр. 2653

رسول اللّه ﷺ أنا وخَضِرَةُ ورَضْوى وميمونة بنت سعد، فأعتقنا رسول اللّه ﷺ كلَّنا. قال الإمام أحمد (١): حَدَّثَنَا أبو عامر، وأبو سعيد مولى بني هاشم، ثنا عبد الرحمن بن أبي الموالي، عن فائد مولى ابن (٢) أبي رافع، عن جَدَّته (٣) سَلْمى خادِم النَّبِيّ ﷺ قالت: ما سمعتُ قَطّ أحدًا يَشْكو إلى رسول اللّه ﷺ وَجَعًا في رأسه إِلَّا قال "احْتَجِمْ " وفي (٤) رِجْلَيْه إِلَّا قال: "اخْضِبْهُما بالحِنّاء". وهكذا رواه أبو داود، من حديث ابن أبي الموالي، والترمذيّ، وابن ماجة (٥)، من حديث زيد بن الحُباب، كلاهما عن فائد، عن مولاه عُبَيْد اللّه بن علي بن أبي رافع عن جدّتِه سَلْمى به. وقال التّرمذي، غريبٌ إنما نعرفه من حديث فائد. وقَدْ رَوَتْ عدةَ أحاديث عن النَّبِيّ ﷺ يطول ذكرها واستقصاؤها. قال مصعب الزُّبيري: وقد شَهِدَتْ سَلْمَى وَقْعَةَ خيبر (٦). قلت: وقد وَرَدَ أنَّها كانَتْ تَطْبُخُ للنبي ﷺ الحَريرة فَتُعْجِبُهُ. وقد تَأَخَّرتْ إلى بعد مَوْتِهِ ﵊. وشهدت وفاةَ فاطمة ﵂. وقد كانَتْ أولًا لِصَفيَّة بنت عبد المطلب عمته ﵊، ثم صارت لرسول الله ﷺ ، وكانت قابلةَ أولادِ فاطمة، وهي التي قَبِلَتْ إبراهيمَ ابنَ رسولِ اللّه ﷺ وقد شَهدَتْ غُسْلَ فاطمةَ، وغسَّلَتْها مع زوجها عليّ بن أبي طالب وأسماء بنت عُمَيْس امرأة الصديق. وقد قال الإمام أحمد (٧): حَدَّثَنَا أبو النضر، ثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن عُبَيْد اللّه بن علي بن أبي رافع عن أبيه عن سلمى، قالت: اشتكَتْ فاطِمَةُ، ﵍، شكواها التي قُبضتْ فيها، فكنتُ أُمَرّضُها، فأصبَحْت يومًا كأمْثَلِ ما رأيتها في شَكْواها تلك (٨) قالت: وخرج عليٌّ لبعض حاجته، فقالت: يا أُمَّه اسكبي لي غُسْلًا، فسكبتُ لها غُسْلًا، فاغتسلت كأحْسَن ما رأيتها تَغْتَسِلُ،

стр. 2654

ثم قالت: يا أمه، أعْطِني ثيابي الجُدَد (١) فلبسَتْها، ثم قالت: يا أمه قَدِّمي لي فراشي وَسْطَ البَيْت، ففعلتُ، واضطجعت، فاستقبلَتِ القِبْلَةَ، وجعلَتْ يَدَها تَحْتَ خَدِّها. ثم قالت: يا أمه إنّي مَقْبوضة الآن، وقد تَطَهَّرْتُ فلا يَكْشِفْني أحدٌ، فقُبضتْ مكانَها. قالت: فجاء علي، فأخْبَرْتُه. وهو غريب جدًا (٢). ومنهن سيرين (٣)، ويقال: شيرين (٤) أخت مارية القبطية خالة إبراهيم ﵇، وقد (٥) قدمنا أن المُقَوقِسَ صاحبَ إسْكَنْدَريَّةَ، واسمُه جُرَيْج بن مينا، أهداهما مع غُلامٍ اسمه مَأْيورٌ، وبغلة يقال لها: الذُلْدُل، فَوَهَبها رسولُ اللّه ﷺ لحسّان بن ثابت، فولَدَتْ له ابنَه عبدَ الرحمن بن حَسَّان. ومنهن عُنْقُودَةُ أم صبيح (٦) الحبشية جارية عائشة، كان اسمها عِنَبَة فسمّاها رسولَ الله ﷺ عُنقودة، رواه أبو نُعَيْم، ويقال: اسمها غُفَيْرة. فروة ظِئْر النَّبِيّ ﷺ (٧) - يعني مرضعه - قالت: قال لي رسول الله: " إذا أويتِ إلى فراشِكِ فاقْرَئي ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فإنّها براءةٌ من الشِّرْكِ" ذكرها أبو أحمد العسكري، قاله ابن الأثير في "الغابة". فأما فضة النُّوبية (٨) فقد ذكر ابن الأثير في "الغابة": أنها كانت مولاة لفاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ثم أورد بإسنادٍ مظلم، عن محبوب بن حُمَيْد البَصْري، عن القاسم بن بَهْرام، عن لَيْث، عن مُجاهد، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] ثم ذكر ما مضمونه: أنَّ الحسنَ والحسين مَرِضا فَعادَهُما رسولُ الله ﷺ وعادَهُما عامةُ العَرَبِ، فقالوا لعلي: لو نذرت؟ فقال علي: إن برئا مما بهما صُمْتُ للّهِ ثلاثةَ أيام، وقالت فاطمة كذلك، وقالت فضة كذلك. فألبسهما الله العافيةَ فصاموا. وذهبَ عليّ فاستقرض من شَمْعون الخيبري ثلاثة آصُعٍ من شَعير، فهيَّئوا منه تلك الليلة صاعًا، فلما وضعوه بين أيديهم للعشاء، وقف على الباب سائِلٌ، فقال: أطعموا المسكين، أطعمكم الله على موائد الجنة، فأمرهم عليّ فأعطَوه ذلك الطعام، وطَوَوْا، فلما كانت الليلة الثانية صَنَعُوا لهم الصاعَ الآخرَ، فلما وضعوه بين أيديهم، وقف سائل فقال: أطعموا اليتيم. فأعطَوْه ذلك وطَوَوْا. فلما

стр. 2655

كانت الليلة الثالثة قال: أطعموا الأسيرَ فأعطوه وطَوَوْا ثلاثةَ أيام وثلاثَ ليالٍ. فأنزل اللّه في حَقِّهم: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ إلى قوله: ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ١ - ٩]. وهذا الحديث منكر، ومن الأئمة من يجعله موضوعًا، ويسند ذلك إلى رِكَّةِ ألفاظِهِ، وأنَّ هذه السورةَ مكيَّةٌ، والحسنُ والحسينُ إنّما ولدا بالمدينة. واللّه أعلم. ليلى مولاة عائشة (١)، قالت: يا رسولَ اللّه إنك تخرجُ من الخلاء فأدْخُل في أثركَ فلا أرى (٢) شيئًا، إِلَّا أني أجدُ ريحَ المِسْكِ؟ فقال: "إنا مَعْشَرَ الأنْبياء تَنبُتُ أجسادُنا على أرواحِ أهلِ الجنّة، فما خرجَ منّا من نَتَنٍ ابتَلَعَتْهُ الأرْضُ". رواه أبو نُعَيْم من حديث أبي عبد الله المدني - وهو أحد المجاهيل - عنها. مارية القبطية (٣) أم إبراهيم: تقدّم ذِكْرُها مع أمهات المؤمنين. وقد فرَّقَ ابن الأثير بَيْنَها وبينَ مارية أم الرَّباب، قال: وهي جاريةٌ للنبيّ (٤) أيضًا. حديثُها عند أهل البصرة، رواه عبد اللّه بن حبيب، عن أم سليمان (٥) عن أمها، عن جدتها مارية قالت: تَطَأطَأْتُ للنبيّ ﷺ حَتّى صَعِد حائطًا ليلةَ فَرَّ من المشركين. ثم قال: ومارية خادمُ النَّبِيّ ﷺ . روى أبو بكر بن عيَّاشٍ، عن المثنى بن صالح، عن جدَّتِه مارية - وكانت خادم النَّبِيّ ﷺ أنها قالت: ما مَسِسْتُ بيدي شَيْئًا قَطُّ ألينَ من كَفِّ رسول اللّه ﷺ . قال أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب (٦): لا أدري أهي التي قبلها أم لا. ومنهن مَيْمونَةٌ (٧) بنت سعد، قال الإمام أحمد (٨): ثنا عليّ بن بحر (٩)، ثنا عيسى - هو ابن يونس - قال ثور - هو ابن يزيد - عن زياد بن أبي سَوْدَة عن أخيه (١٠) أن ميمونة مولاة النَّبِيّ ﷺ قالت: يا رسول أفئنا في بيتِ المَقْدِس؟ قال: "أرضُ المَنْشَر والمَحْشَر، ائتوه فَصَلُّوا فيه، فإنَّ صلاةَ فيه كَأَلْفِ صلاةٍ فيما سواه (١١) "قالت: أرأيتَ منْ لم يُطِقْ أن يَتَحمَّل إليه أو يَأْتيه؟ قال: "فَلْيَهْدِ إليه زَيْتًا يُسْرَجُ فيه، فإنّه منْ أهدى له كان كَمَنْ صَلَّى فيه".

стр. 2656

وهكذا رواه ابنُ ماجة (١)، عن إسماعيل بن عبد اللّه الرَّقّي، عن عيسى بن يونس، عن ثور، عن زياد، عن أخيه عثمان بن أبي سودة، عن ميمونة مولاة النَّبِيّ ﷺ . وقد رواه أبو داود (عن النُّفَيْلي عن مْسكين) (٢) بن بُكَيْر، عن سعيد بن عبد العزيز (٣) عن زياد، عن ميمونة، لم يذكر أخاه، فالله أعلم. وقال أحمد (٤): حَدَّثَنَا حسين وأبو نُعَيْم، قالا: ثنا إسرائيل، عن زيد بن جبير، عن أبي يزيد الضبي، عن ميمونة بنت سعد مولاة النَّبِيّ ﷺ قالت: سُئل النَّبِيّ ﷺ عن ولد الزنا قال: "لا خَيْرَ فيه، نعلان أجاهِدُ بهما في سبيل اللّه أحبُّ إليَّ من أن أُعتق ولدَ الزنا". وهكذا رواه النّسائي (٥) عن عباس الدُّوري، وابن ماجة (٦) من حديث أبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن أبي نُعيم الفَضْل بن دُكَيْن به، وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا المحاربي، ثنا موسى بن عُبَيْدة، عن أيوب بن خالد، عن ميمونة - وكانت تخدم النَّبِيّ ﷺ - قالت: قال رسول الله: "الرَّافِلَةُ (٧) في الزِّينة في غَيْرِ أهْلها، كالظُّلْمةِ يومَ القيامة لا نورَ لها". ورواه الترمذيّ (٨) من حديث موسى بن عُبَيْدة. وقال: لا نعرفه إِلَّا من حديثه، وهو يُضَعَّفُ (٩) في الحديث. وقد رواه بعضُهم عنه فلم يرفعه. ومنهن ميمونة (١٠) بنت أبي عَنْبسة أو عُنْبَسَة (١١)، (قاله أبو عُمَر وابن منده. قال أبو نُعَيْم: وهو تصحيف. والصواب ميمونة بنت أبي عَسيب) (١٢)، كذلك روى حديثها المشجع (١٣) بن مصعب

стр. 2657

أبو عبد اللّه العبدي، عن ربيعة بن يزيد، كانت تنزلُ في بني قُرَيْع، عن مُنَبِّه، عن مَيْمونة بنت أبي عَسيب، وقيل: بنت أبي عنبسة مولاة النَّبِيّ ﷺ : أنَّ امرأةً من حريش (١) أتت النَّبِيّ ﷺ فقالت (٢): يا عائشة أغيثيني بدعوةٍ من رسول اللّه تسكِّنيني بها وتُطَمئِنيني بها. وأنه قال لها: ضعي يَدَكِ اليُمْنى على فُؤادِكِ فامْسَحيه، وقولي: بسمِ اللّهِ، اللهم، داوني بدوائِكَ، واشْفني بشفائك، وأغْنِني بفَضْلِك عمَّنْ سِواك" قالت: ربيعة: فدعوتُ به فَوَجَدْتُه جيدًا (٣). ومنهن أم ضُمَيْرة زوجُ أبي ضُمَيْرة (٤)، قد تقدم الكلام عليهم ﵃. ومنهن أمّ عيّاش (٥) بعثها رسولُ اللّه ﷺ مع ابنته تخدمُها حينَ زوَّجها بعثمان بن عفان ﵄. قال أبو القاسم البَغَوي: ثنا هدبة (٦) ثنا عبد الواحد بن صفوان حدّثني أبي صفوان، عن أبيه، عن جدته أم عياش - وكانت خادم النَّبِيّ ﷺ بعثَ بها مع ابنته إلى عثمان، قالت: كنت أمْغَثُ (٧) لعثمان التَّمْرَ غدوةً، فيشربُه عشيةً، وأنبذُه عشية فيشربُه غُدوةً، فسألني ذات يوم. فقال: تَخْلطين فيه شيئًا؟ فقلتُ: أجَلْ، قال: فلا تعودي. فهؤلاء إماؤه ﵅. وقد قال الإمام أحمد (٨): ثنا وكيع، ثنا القاسم بن الفضل، حدّثني ثُمامة بن حَزْنٍ، قال: سألت عائشة عن النَّبيذ فقالت: هذه خادم رسول اللّه فَسَلْها، لجارية حَبَشيَّة، فقالت: كنتُ أنبذُ لرسولِ اللّه ﷺ في سقاءً عشاءً فأُوكية (٩)، فإذا أصبحَ شربَ منه. ورواه مسلم (١٠)، والنسائي (١١) من حديث القاسم بن الفضل به. هكذا ذكره أصحاب الأطراف في مسند عائشة، والأليق ذكره في مسند جارية حبشية كانت تخدم النَّبِيّ، وهي إما أن تكون واحدةً ممن قدمنا ذكرهن، أو زائدة عليهن، والله تعالى أعلم.

стр. 2658

فَصْل وأمّا خُدّامُه ﷺ الذين خَدَموه من الصَّحابة من غَيْرِ مَواليه فمنهم أنسُ بن مالكِ بن النَّضْر (١) بن ضَمْضَم بن زيدِ بن حَرام بن جُنْدُب بن عاصم بن غَنْم بن عَدّي بن النجّار الأنصاري النَّجَّاري، أبو حمزة المدني، نزيل البصرة. خدم رسول الله ﷺ مُدَّة مُقامِه بالمدينة عشرَ سنين، فما عاتبه على شيء أبدًا، ولا قال لشيء فعلَه: لم فعلْتَهُ، ولا لشيء لم يَفْعَلْه: ألا فَعَلْتَه. وأمُّه أُمُّ سُلَيْم بنت مِلْحان بن خالد بن زيد بن حرام، هي التي أعطته رسول الله ﷺ فقَبِلَهُ، وسألَتْهُ أن يدعوَ له فقال (٢): "اللهمَّ أكْثِرْ مالَه وولَدَه، وأطل عُمْرَه، وأدخله الجنة". قال أنس: فقد رأيتُ اثنتين وأنا انتظرُ الثالثةَ، والهِ إنّ مالي لكثيرٌ، وإنَّ ولدي وولد ولدي ليُتَعادُّون على نحوٍ من مئة، وفي رواية: وإنَّ كَرْمي ليَحْمِلُ في السنة مرتين، وإنْ ولدي لِصُلْبي مئة وستةُ أولاد. وقد اختُلِفَ في شهوده بدرًا، وقد روى الأنصاريّ، عن أبيه، عن ثمامة قال: قيل لأنس: أشَهِدْتَ بَدْرًا؟ فقال: وأينَ أغيبُ عن بدرٍ لا أُمَّ لك!؟ والمشهورُ أنه لمْ يَشْهَدْ بدرًا لصغرِه. ولم يشهدْ أُحُدًا أيضًا لذلك. وشهدَ الحُدَيْبية وخَيْبَر، وعُمْرَةَ القضاء، والفتحَ وحُنَيْنًا والطائفَ، وما بعد ذلك. قال أبو هريرة (٣): ما رأيتُ أحدًا أشْبَه صلاة برسول اللّه ﷺ من ابن أم سُلَيْم - يعني أنَس بن مالك -. وقال ابن سيرين (٤)، كانَ أحسنَ الناسِ صلاةً في سفره وحضره. وكانت وفاتُه بالبصرة، وهو آخر منْ كان قد بقيَ فيها من الصحابة فيما قاله عليُّ بن المديني (٥)، وذلك في سنة تسعين، وقيل: إحدى، وقيل: اثنتين، وقيل: ثلاث وتسعين، وهو الأشهر، وعليه الأكثر. وأما عُمْرُه يومَ ماتَ، فقد روى الإمام أحمد في "مسنده" (٦): ثنا مُعْتَمِر بن سليمان، عن

стр. 2659

حُمَيْد: أنّ أنَسًا عُمِّر مئةَ سنةٍ غير سنةٍ، وأقلّ ما قيل: ستُّ وتسعون، وأكثر ما قيل: مئة وسبع سنين، وقيل: ست، وقيل: مئة وثلاث سنين. فاللّه أعلم. ومنهم ﵃ الأسْلَع بن شَريك بن عَوْف الأَعْرَج (١). قال محمد بن سعد (٢): كان اسمه ميمونَ بن سِنْباذَ، قال الربيعُ بن بَدْر الأعْرجي (٣) (عن أبيه، عن جده، عن الأسْلَع، قال: كنتُ أخدمُ النبيَّ ﷺ وأرْحل له (٤)، فقال ذات ليلة: "يا أسلع، قُمْ فارْحَلْ" قال: أصابتني جَنابةٌ يا رسول الله، قال: فسكتَ ساعةً، وأتاه جبريل بآية الصَّعيد (٥)، قال: فتمشَحت وَصَلَّيْتُ، فلما انتهيتُ إلى الماء قال: "يا أسلعُ قُمْ فاغْتَسل (٦) " فضربَ رسولُ اللّه يَدَيْهِ إلى الأرض، ثم نَفَضهما، ثم مَسَح بهما وَجْهَهُ، ثم ضرب بيديه الأرْضَ، ثم نَفضهُما، فمَسَحَ بهما ذِراعَيْه، باليُمْنَى على اليسرى، وباليُسْرى على اليُمْنى، ظاهرهما وباطنهما، قال الربيع (٧): وأراني أبي، كما أراه أبوه، كما أراه الأسلع، كما أراه رسول اللّه ﷺ . قال الربيع: فحدَّثْتُ بهذا الحديث عَوْفَ بن أبي جميلة، فقال هكذا واللهِ رأيتُ الحَسَنَ يَصْنَعُ. رواه ابن مَندَه والبَغَوي في كتابيهما "معجم الصحابة" من حديث الربيع بن بدر هذا، قال البغوي: ولا أعلمه روى غيره. قال ابن عساكر (٨): وقد روى - يعني هذا الحديث - الهيثَمُ بن رُزَيْق المالكي المُدْلِجي، عن أبيه، عن الأسلع بن شريك. ومنهم ﵃ أسماء (٩) بن حارثة بن سعيد (١٠) بن عبد الله بن غياث (١١) بن سعد بن عمرو بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى الأسلمى وكان من أهل الصفة. قاله محمد بن سعد (١٢): وهو أخو هند بن حارثة وكانا يخدمان النَّبِيّ ﷺ .

стр. 2660

قال الإمام أحمد (١): ثنا عفان، ثنا وُهَيْب، ثنا عبد الرحمن بن حرملة، عن يحيى بن هند بن حارثة، وكان هند من أصحاب الحُدَيْبية، وكان أخوه الذي بَعَثَه رسولُ اللّه ﷺ يأمر قومه بالصيام يومَ عاشوراء، وهو أسماء بن حارثة: فحدّثني يَحْيى بن هِنْد، عن أسماء بن حارثة: أنَّ رسولَ اللّه ﷺ بَعَثَه فقال: "مُرْ قَوْمَكَ بصِيامِ هذا اليوم". قال: أرأيتَ إنْ وَجَدْتُهُمْ قد طَعِمُوا؟ قال: "فَلْيُتِمُّوا آخرَ يَوْمِهِم". وقد رواه أحمد بن خالد الوَهْبي، عن محمد بن إسحاق (٢)، حدّثني عبد اللّه (٣) بن أبي بكر، عن حبيب بن هند بن أسماء الأسلمي عن أبيه هند، قال: بَعَثَني رسولُ اللّهِ ﷺ إلى قومٍ من أسْلَم فقال: "مُرْ قَوْمَكَ فَلْيَصوموا هذا اليومَ، ومنْ وَجَدْتَ منهم أكَلَ في أَوَّلِ يَوْمِه فَلْيَصُمْ آخِرَهُ". قال محمد بن سعد (٤) عن الواقدي: أخبرنا محمد بن نُعيم بن عبد اللّه المُجْمِر، عن أبيه قال: سمعت أبا هريرة يقول: ما كنتُ أظنُّ أنَّ هندأ وأسماء ابني حارثة إلّا مَمْلُوكَيْن لرسول اللّه ﷺ . قال الواقدي: كانا يَخْدِمانه لا يَبْرحان بابَه هُما وأنس بن مالك. قال محمد بن سعد (٥): وقد توفي أسماء بن حارثة في سنة ست وستين بالبصرة عن ثمانين سنة. ومنهم ﵃ بُكَيْر بن الشَّدّاخ اللَّيثي (٦). ذكر ابن منده من طريق أبي بكر الهُذلي، عن عبد الملك بن يَعْلَى الَّليْثي: أن بُكَيْر بن شَدّاخ اللَّيثي كان يخدم النبيَّ ﷺ . فاحتلم، فأعلم بذلك رسول اللّه، وقال: إنّي كنتُ أدخلُ على أهلك وقد احْتَلمْتُ الآنَ يا رسولَ اللّه، فقال: "اللهمّ صَدِّقْ قَوْلَه، وَلقّهِ الظَّفَر" فلما كان في زمانِ عمر قُتِل رَجُلٌ من اليهود، فقام عمر خَطيبًا فقال: أنْشُدُ اللّه رجلًا عندَه من ذلك علمٌ؟ فقام بُكَيْر فقال: أنا قتلتُه يا أمير المؤمنين. فقال عمر: بُؤتَ بدمِه، فأين المخرجُ؟ فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ رجلًا من الغُزاةِ اسْتَخْلَفَني على أهله، فجئتُ فإذا هذا اليَهوديّ عند امرأتِه، وهو يقول (٧) [من الوافر] وأشعَثَ غَرَّهُ الإسْلامُ مِنِّي … خَلوْتُ بعِرسِهِ لَيْلَ التَّمامِ أبيتُ عَلَى ترائبِها ويُمْسي … على قَوَدِ (٨) الأعِنَّةِ والحِزَامِ

стр. 2661

كأنَّ مَجَامع الرَّبَلاتِ (١) منْها … فِئَامٌ يَنْهضونَ إلى فِئام قال: فَصَدَّق عمرُ قولَه وأبطلَ دَمَ اليَهودي بدعاءَ رسولِ اللّه ﷺ لبُكير بما تقدم. ومنهم ﵃ بلال بن رباح الحبشي (٢). ولد بمكَّة، وكان مولًى لأُمية بن خلف، فاشتراه أبو بكرٍ منه (٣) بمالٍ جزيل لأنه (٤) كان أميةُ يعذّبه عذابًا شديدًا ليرتَدّ عن الإسلام، فَيَأْبَى إِلَّا الإسلامَ ﵁، فلما اشتراه أبو بكر أعْتَقَهُ ابتغاءَ وجهِ اللّه، وهاجَرَ حين هاجَرَ الناسُ، وشَهِدَ بدرًا وأُحدًا وما بعدَهُما من المشاهد ﵁. وكان يعرف ببلال بن حَمامَة، وهي أمه، وكان من أفْصَح النّاسِ لا كما يعتقدُهُ بعضُ الناس أن سينَه كانت شينًا (حتى إنّ بعض الناس يروون في ذلك حديثًا لا أصل له، عن رسول اللّه ﷺ أن سين بلال عند اللّه شينًا) (٥)، وهو أحدُ المؤَذِّنين الأربعة كما سيأتي، وهو أول من أذَّنَ كما قدمنا. وكان يلي أمرَ النَّفَقَةِ على العيال، ومعه حاصل ما يكون من المال. ولما تُوفي رسولُ اللهِ ﷺ كان فيمن خَرَجَ إلى الشام للغزو، ويُقال: إنه أقامَ يُؤَذِّنُ لأبي بكر أيامَ خِلافَتِهِ، والأول أصح (٦) وأشهر. قال الواقديّ (٧): مات بدمشق سنةَ عشرين، وله بضعٌ وستّون سنةً. وقال الفَلّاس: قبره بدمشق، ويقال: بداريا، وقيل: إنه مات بحلب، والصحيحُ أنّ الذي ماتَ بحلب أخوه خالد. قال مكحول: حدّثني من رأى بلالًا (٨) قال: كان شديدَ الأُدَمة، نَحيفًا أجنأَ (٩). له شَعْر كَثير، وكان لا يُغَيّرُ شَيْبَه ﵁. ومنهم ﵃ حَبَّة وسَواء ابنا خالد ﵄. قال الإمام أحمد (١٠)،: ثنا أبو معاوية، قال: وثا وكيعٌ، ثنا الأعمش، عن سَلّام بن شرحبيل، عن حَبَّة وسواء ابني خالدٍ قالا: دَخَلْنا على النَّبِيّ ﷺ وهو يُصْلِحُ شيئًا فأعَنّاهُ، فقال: "لا تَيْأسأ (١١) من

стр. 2662

الرِّزْقِ ما تَهَزْهَزَتْ رُؤُوسُكما، فإنّ الإنسان تَلِدُهُ أُمُّه أحمر (١) ليس عليه قشرة، ثم يرزقه اللّه ". ومنهم ﵃ ذو (٢) مِخْمَر، ويقال: ذو مِخبَر (٣)، وهو ابن أخي النجاشي مَلِك الحَبَشة، ويقال: ابن أخته. والصحيح الأول. كان بعثه ليخدمَ رسول اللّه ﷺ نيابةً عنه. قال الإمام أحمد (٤): حَدَّثَنَا أبو النَّضْر، ثنا حَريز (٥) عن يزيد بن صُلَيْح عن ذي مِخْمَر - وكان رجلًا من الحبشة يخدم النَّبِيّ ﷺ قال: كنا معه في سَفَرٍ، فأسرعَ السَّير حتى انصرف، وكان يفعلُ ذلك لقلة الزاد. فقال له قائل: يا رسول اللّه، قد انقطع الناسُ، قال: فحبس (٦) وحبس الناسَ معه، حتى تكاملوا إليه، فقال لهم: "هل لكم أن نَهْجَعَ هَجْعَة؟ " أو قال له قائل: فنزل ونزلوا، فقال: منْ يَكْلؤنا الليلةَ؟ فقلتُ: أنا، جَعَلَني اللهُ فداءك، فأعطانيِ خِطامَ ناقتِهِ، فقال: "هاكَ لا تكونَنَّ لُكَعًا" قال: فأخذتُ بخطام ناقةِ رسولِ الله ﷺ وخطامِ ناقتي، فثَنَخَيْتُ غيرَ بَعيد، فَخَلَّيْتُ سبيلَهما تَرْعَيان. فإنّي في ذلك (٧) أنظرُ إلَيْهما إذ (٨) أخذني النومُ، فلم أشْعُرْ بشيء حتَّى وَجَدْتُ حَرَّ الشَّمْس على وَجْهي، فاستيقَظْتُ فنظرتُ يَمينًا وشمالًا، فإذا أنا بالراحلتين مني غيرَ بعيدٍ، فأخذتُ بخطام ناقةِ رسولِ اللّه ﷺ وبخطامِ ناقتي، فأتيتُ أدْنَى القَوْمِ فأيْقَظْتُهُ، فقُلْتُ: أَصَّلَيْتَ؟ قال: لا، فأيْقَظَ النَّاسُ بعضهم بَعْضًا حتى استيقظَ رسولُ الله ﷺ فقال: " يا بلالُ هل في المِيضأة ماءٌ؟ " يعني الإداوة، فقال: نعم جعلني الله فِدَاك، فأتاهُ بوَضوء لم يُلَتَّ منه الترابُ، فأمر بلالًا فأذَّنَ ثم قام النَّبِيّ ﷺ فصلَّى الركعتين قبلَ الصُّبْح وهو غَيْرُ عَجِلٍ، ثم أمره فأقامَ الصَّلاة، فَصَلَّى وهو غيرُ عَجِلٍ، فقال له قائل: يا رسولَ اللّه أفرَّطْنا؟. قال: "لا، قَبض اللهُ أرواحَنا وَرَدَّها إلينا، وقد صَلَّيْنا". ومنهم ﵃ ربيعة بن كعب الأسلمي (٩) أبو فراس. قال الأوزاعي: حدّثني يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن ربيعة بن كعب، قال: كنتُ أبيتُ مع رسول الله ﷺ فآتيه بوَضوئه وحاجته، فكان يقومُ من الليل فيقول: "سُبحانَ ربّي وبحمده (سبحان

стр. 2663

ربي وبحمده) (١)، سبحان رب العالمين (سبحان رب العالمين) (٢). الهَوي" (٣) فقال رسول اللّه ﷺ : "هَلْ لك حاجةٌ؟ " قلت: يا رسول اللّه مُرافَقَتُكَ في الجنة، قال: "فأعِنّي على نفسك بكثرة السُّجود" (٤). وقال الإمام (٥) أحمد: ثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبي، ثنا محمد بن إسحاق، حدّثني محمد بن عمرو بن عطاء، عن نُعَيْم بن مُجْمِرٍ (٦) عن ربيعة بن كعب قال: كنتُ أخدمُ رسولَ اللّه ﷺ نهاري أجمع، حتى يُصلِّي عشاء الآخرة، فأجلس ببابه إذا دَخَلَ بيته أقول: لَعَلَّها أن تَحدُثَ لرسول اللّه ﷺ حاجةٌ، فما أزال أسمع رسول اللّه ﷺ يقول: "سبحان اللّه (٧) سبحان اللّه وبحمده" حتى أمل فأرجعَ، أو تَغْلِبني عَيْنايَ فأرْقُدَ، قال (٨): فقال لي يومًا - لما يرى من خِفَّتي (٩) له وخِدْمتي إياه - "يا ربيعةَ بنَ كَعْبٍ، سَلْني أُعْطِكَ". قال: فقلت: أنظُرُ في أمري يا رسول اللّه ثم أُعْلِمُكَ ذلك. قال: فَفَكَّرْتُ في نفسي، فعرفتُ أنَّ الدُّنْيا منقطعةٌ وزائلةٌ، وأنَّ لي فيها رزقًا سيكفيني ويأتيني، قال: فقلت: أسألُ رسولَ اللّه ﷺ لآخرتي، فإنّه من اللّه بالمَنْزِل الذي هو به. قال: فجئتُه فقال: "ما فَعَلْتَ يا رَبيعةُ؟ "قال: فقلت: نعم، يا رسول الله، أسألكَ أن تشفَع لي إلى ربك فَيُعْتِقَني من النارِ. قال: "فقال: من أمَرَكَ بهذا يا ربيعةُ؟ "قال: فقلت: لا واللّه الذي بَعَثَكَ بالحق ما أمرني به أحدٌ، ولكنَّك لما قُلْتَ: سَلْني أُعْطِكَ، وكنتَ منَ اللّهِ بالمَنْزِل الذي أنتَ به، نظرتُ في أمْري فَعَرَفْتُ أنّ الدُّنيا منقطعةٌ وزائلةٌ، وأنَّ لي فيها رزقًا سيأتيني، فقلت أسألُ رسولَ اللّه لآخرتي. قال: فَصَمَتَ رسولُ اللّه ﷺ طويلًا، ثم قال لي: "إنّي فاعلٌ، فأعنِّي على نفسك بكثرة السجود". وقال الحافظ أبو يعلى (١٠): حَدَّثَنَا أبو خيثمة، أنبأنا يزيد بن هارون، ثنا مبارك بن فضالة، ثنا

стр. 2664

أبو عِمران الجَوْني، عن ربيعة الأسلمي - وكان يخدم النَّبِيِّ ﷺ قال: فقال لي ذات يوم: "يا ربيعةُ ألا تَزَوَّجُ؟ " فال: قلت: يا رسول الله (١)، ما أحبُّ أنْ يَشْغَلني عن خِدْمَتِكَ شيءٌ (قال: فَسَكَت. فلما كان بعدُ قال لي: يا ربيعة ألا تَزَوَّجُ؟ قلت: يا رسول اللّه، ما أحبُّ أن يشغلني عن خدمتك شيءٌ) (٢)، وما عندي ما أعطي المرأة. قال: فقلت بعد ذلك: رسولُ اللّه أعلمُ بما عندي حتى (٣) يدعوني إلى التزويج، لئن دَعاني هذه المَرّةَ لأجيبَنَّه. قال: فقال لي: "يا ربيعة ألا تَزَوَّجُ؟ " فقلت: يا رسول اللّه، ومنْ يُزَوِّجُني؟ ما عندي ما أعطي المرأة، قال: فقال لي: انطلق إلى بني فلان فقل لهم: إن رسول الله يأمركم أن تزوِّجوني فتاتَكُمْ فُلانةَ، قال: فأتيتُهم، فقلتُ: إنّ رسولَ اللّه أرْسَلَني إليكم لتزَوِّجوني فتاتَكُمْ فُلانةَ،، قالوا: فلانةُ؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا برسول اللّه ومرحبًا برسوله، فَزَوَّجوني، فأتيتُ رسولَ الله ﷺ فقلتُ: يا رسولَ الله، أتيتُكَ من خَيْر أهْلِ بيتٍ، صَدَّقوني وزَوَّجوني، فمن أينَ لي ما أُعْطي صَداقي؟ فقال رسول الله ﷺ لبُرَيْدةَ الأسلمي: "اجْمَعوا لربيعةَ في صَداقه في وزنِ نَواةٍ من ذَهَبٍ". فَجَمعوها فأعطوني فأتيتهم فقبلوها، فأتيتُ رسول الله ﷺ فقلتُ: يا رسولَ اللّه، قد قَبلوا، فمن أينَ لي ما أُولِمُ؟ قال: فقال رسول الله لبريدة: "اجمعوا لربيعة في ثَمَنِ كَبْشٍ" قال: فجمعوا. وقال لي: "انطلق إلى عائشة، فقل لها فَلْتَدْفَع إليكَ ما عندها من الشَّعير" قال: فأتيتُها فدفعت إليَّ، فانطلقت بالكَبْش والشَّعير. فقالوا: أما الشَّعيرُ فنحنُ نَكْفيكَ، وأما الكبشُ فمُرْ أصحابَكَ فَلْيَذْبَحوه. وعملوا الشَّعير، فأصبح والله عندنا خُبْزٌ ولَحْمٌ ثم إنَّ رسولَ الله أقطع أبا بكر أرضًا له، فاختلفنا في عِذْقٍ، فقلتُ: هو في أرضي، وقال أبو بكر: هو في أرضي، فتنازعنا. فقال لي أبو بكر كلمةً كَرِهْتُها، فندم فأحضرني (٤) فقال لي: قُلْ لي كما قُلْتُ لك (٥)، قال: فقلت: لا والله لا أقولُ لكَ كما قُلْتَ لي، قال: إذًا آتي رسولَ الله. قال: فأتى رسولَ الله وتَبعتُه، فجاءني قومي يَتْبَعونني، فقالوا: هو الذي قال لك، وهو يأتي رسول الله ﷺ فَيَشْكو؟ قال: فالتفتُّ إليهم، فقلتُ: أتدرونَ من هذا؟ هذا الصِّدِّيقُ وذو شَيْبَةِ المسلمين، ارجعوا لا يلتفتُ فيراكم فيظن أنكم إنما جئتُم لتُعينوني عليه فيغضب، فيأتي رسولَ اللّه فيخبره فيهلكَ رَبيعة. قال: فأتى رسولَ الله. فقال: إني قلتُ لربيعةَ كلمةٌ كرهها (٦). فقلتُ له: يقولُ لي مثلَ ما قلتُ له فأبى، فقال رسول الله ﷺ : "يا ربيعةُ مالك وللصِّدِّيق؟ " قال: فقلت: يا رسولَ الله، واللهِ لا أقولُ له كما قال لي، فقال رسول الله ﷺ : "لا تَقُلْ له كما قال لك، ولكن قُلْ: غَفَرَ اللّهُ لَكَ يا أبا بكر".

стр. 2665

ومنهم ﵃ سعد (١) مولى أبو بكر ﵁، ويقال: مولى النَّبِيّ ﷺ . قال أبو داود الطّيالسي (٢): ثنا أبو عامرٍ عن الحسنِ، عن سعد مولى أبي بكر الصديق: أنَّ رسول اللّه قال لأبي بكر - وكان سعد مملوكًا لأبي بكر، وكان رسول الله تُعْجِبُهُ خِدْمَتُه - " أعْتِقْ سَعْدًا" فقال: يا رسولَ اللّهِ، ما لنا خادمٌ هاهنا غيرُه، فقال: "أعتق سعدًا، أتتك الرجال، أتتك الرجال". وهكذا رواهُ أحمد (٣) عن أبي داود الطيالسي. وقال أبو داود الطيالسي (٤): ثنا أبو عامر، عن الحسن، عن سعد، قال: قَرَّبْتُ بين يَدَيْ رسول اللّه ﷺ تَمْرًا، فجعلوا يَقْرِنون (٥)، فنهى رسول اللّه ﷺ عن القِران. ورواه ابن ماجة (٦): عن بندار عن أبي داود به. ومنهم ﵃ عبد الله بن رواحة (٧)، دخلَ يوم عمرة القضاءِ مكةَ وهو يقودُ بناقةِ رسول اللّه ﷺ وهو يقول (٨): [من الرجز] خَلُّوا بني الكُفَّارِ عَنْ سَبيلهِ … اليَوْم (٩) نَضْرِبْكُمْ على تأويلهِ كَما ضَربناكُم على تَنْزيلهِ … ضَرْبًا يُزيلُ الهَامَ عنْ مَقيلِهِ ويُشغِل (١٠) الخليلَ عنْ خَليلهِ كما قدمنا ذلك بطوله. وقد قتل عبد اللّه بن رواحة بعد هذا بأشهر في يوم مؤتة كما تقدم أيضًا. ومنهم ﵃ (عبد اللّه بن مسعود (١١) بن غافل بن حبيب بن شَمْخ أبو عبد الرحمن الهُذلي،
следующие страницы →