← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

كأنَّ مَجَامع الرَّبَلاتِ (١) منْها … فِئَامٌ يَنْهضونَ إلى فِئام قال: فَصَدَّق عمرُ قولَه وأبطلَ دَمَ اليَهودي بدعاءَ رسولِ اللّه ﷺ لبُكير بما تقدم. ومنهم ﵃ بلال بن رباح الحبشي (٢). ولد بمكَّة، وكان مولًى لأُمية بن خلف، فاشتراه أبو بكرٍ منه (٣) بمالٍ جزيل لأنه (٤) كان أميةُ يعذّبه عذابًا شديدًا ليرتَدّ عن الإسلام، فَيَأْبَى إِلَّا الإسلامَ ﵁، فلما اشتراه أبو بكر أعْتَقَهُ ابتغاءَ وجهِ اللّه، وهاجَرَ حين هاجَرَ الناسُ، وشَهِدَ بدرًا وأُحدًا وما بعدَهُما من المشاهد ﵁. وكان يعرف ببلال بن حَمامَة، وهي أمه، وكان من أفْصَح النّاسِ لا كما يعتقدُهُ بعضُ الناس أن سينَه كانت شينًا (حتى إنّ بعض الناس يروون في ذلك حديثًا لا أصل له، عن رسول اللّه ﷺ أن سين بلال عند اللّه شينًا) (٥)، وهو أحدُ المؤَذِّنين الأربعة كما سيأتي، وهو أول من أذَّنَ كما قدمنا. وكان يلي أمرَ النَّفَقَةِ على العيال، ومعه حاصل ما يكون من المال. ولما تُوفي رسولُ اللهِ ﷺ كان فيمن خَرَجَ إلى الشام للغزو، ويُقال: إنه أقامَ يُؤَذِّنُ لأبي بكر أيامَ خِلافَتِهِ، والأول أصح (٦) وأشهر. قال الواقديّ (٧): مات بدمشق سنةَ عشرين، وله بضعٌ وستّون سنةً. وقال الفَلّاس: قبره بدمشق، ويقال: بداريا، وقيل: إنه مات بحلب، والصحيحُ أنّ الذي ماتَ بحلب أخوه خالد. قال مكحول: حدّثني من رأى بلالًا (٨) قال: كان شديدَ الأُدَمة، نَحيفًا أجنأَ (٩). له شَعْر كَثير، وكان لا يُغَيّرُ شَيْبَه ﵁. ومنهم ﵃ حَبَّة وسَواء ابنا خالد ﵄. قال الإمام أحمد (١٠)،: ثنا أبو معاوية، قال: وثا وكيعٌ، ثنا الأعمش، عن سَلّام بن شرحبيل، عن حَبَّة وسواء ابني خالدٍ قالا: دَخَلْنا على النَّبِيّ ﷺ وهو يُصْلِحُ شيئًا فأعَنّاهُ، فقال: "لا تَيْأسأ (١١) من

стр. 2662

الرِّزْقِ ما تَهَزْهَزَتْ رُؤُوسُكما، فإنّ الإنسان تَلِدُهُ أُمُّه أحمر (١) ليس عليه قشرة، ثم يرزقه اللّه ". ومنهم ﵃ ذو (٢) مِخْمَر، ويقال: ذو مِخبَر (٣)، وهو ابن أخي النجاشي مَلِك الحَبَشة، ويقال: ابن أخته. والصحيح الأول. كان بعثه ليخدمَ رسول اللّه ﷺ نيابةً عنه. قال الإمام أحمد (٤): حَدَّثَنَا أبو النَّضْر، ثنا حَريز (٥) عن يزيد بن صُلَيْح عن ذي مِخْمَر - وكان رجلًا من الحبشة يخدم النَّبِيّ ﷺ قال: كنا معه في سَفَرٍ، فأسرعَ السَّير حتى انصرف، وكان يفعلُ ذلك لقلة الزاد. فقال له قائل: يا رسول اللّه، قد انقطع الناسُ، قال: فحبس (٦) وحبس الناسَ معه، حتى تكاملوا إليه، فقال لهم: "هل لكم أن نَهْجَعَ هَجْعَة؟ " أو قال له قائل: فنزل ونزلوا، فقال: منْ يَكْلؤنا الليلةَ؟ فقلتُ: أنا، جَعَلَني اللهُ فداءك، فأعطانيِ خِطامَ ناقتِهِ، فقال: "هاكَ لا تكونَنَّ لُكَعًا" قال: فأخذتُ بخطام ناقةِ رسولِ الله ﷺ وخطامِ ناقتي، فثَنَخَيْتُ غيرَ بَعيد، فَخَلَّيْتُ سبيلَهما تَرْعَيان. فإنّي في ذلك (٧) أنظرُ إلَيْهما إذ (٨) أخذني النومُ، فلم أشْعُرْ بشيء حتَّى وَجَدْتُ حَرَّ الشَّمْس على وَجْهي، فاستيقَظْتُ فنظرتُ يَمينًا وشمالًا، فإذا أنا بالراحلتين مني غيرَ بعيدٍ، فأخذتُ بخطام ناقةِ رسولِ اللّه ﷺ وبخطامِ ناقتي، فأتيتُ أدْنَى القَوْمِ فأيْقَظْتُهُ، فقُلْتُ: أَصَّلَيْتَ؟ قال: لا، فأيْقَظَ النَّاسُ بعضهم بَعْضًا حتى استيقظَ رسولُ الله ﷺ فقال: " يا بلالُ هل في المِيضأة ماءٌ؟ " يعني الإداوة، فقال: نعم جعلني الله فِدَاك، فأتاهُ بوَضوء لم يُلَتَّ منه الترابُ، فأمر بلالًا فأذَّنَ ثم قام النَّبِيّ ﷺ فصلَّى الركعتين قبلَ الصُّبْح وهو غَيْرُ عَجِلٍ، ثم أمره فأقامَ الصَّلاة، فَصَلَّى وهو غيرُ عَجِلٍ، فقال له قائل: يا رسولَ اللّه أفرَّطْنا؟. قال: "لا، قَبض اللهُ أرواحَنا وَرَدَّها إلينا، وقد صَلَّيْنا". ومنهم ﵃ ربيعة بن كعب الأسلمي (٩) أبو فراس. قال الأوزاعي: حدّثني يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن ربيعة بن كعب، قال: كنتُ أبيتُ مع رسول الله ﷺ فآتيه بوَضوئه وحاجته، فكان يقومُ من الليل فيقول: "سُبحانَ ربّي وبحمده (سبحان

стр. 2663

ربي وبحمده) (١)، سبحان رب العالمين (سبحان رب العالمين) (٢). الهَوي" (٣) فقال رسول اللّه ﷺ : "هَلْ لك حاجةٌ؟ " قلت: يا رسول اللّه مُرافَقَتُكَ في الجنة، قال: "فأعِنّي على نفسك بكثرة السُّجود" (٤). وقال الإمام (٥) أحمد: ثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبي، ثنا محمد بن إسحاق، حدّثني محمد بن عمرو بن عطاء، عن نُعَيْم بن مُجْمِرٍ (٦) عن ربيعة بن كعب قال: كنتُ أخدمُ رسولَ اللّه ﷺ نهاري أجمع، حتى يُصلِّي عشاء الآخرة، فأجلس ببابه إذا دَخَلَ بيته أقول: لَعَلَّها أن تَحدُثَ لرسول اللّه ﷺ حاجةٌ، فما أزال أسمع رسول اللّه ﷺ يقول: "سبحان اللّه (٧) سبحان اللّه وبحمده" حتى أمل فأرجعَ، أو تَغْلِبني عَيْنايَ فأرْقُدَ، قال (٨): فقال لي يومًا - لما يرى من خِفَّتي (٩) له وخِدْمتي إياه - "يا ربيعةَ بنَ كَعْبٍ، سَلْني أُعْطِكَ". قال: فقلت: أنظُرُ في أمري يا رسول اللّه ثم أُعْلِمُكَ ذلك. قال: فَفَكَّرْتُ في نفسي، فعرفتُ أنَّ الدُّنْيا منقطعةٌ وزائلةٌ، وأنَّ لي فيها رزقًا سيكفيني ويأتيني، قال: فقلت: أسألُ رسولَ اللّه ﷺ لآخرتي، فإنّه من اللّه بالمَنْزِل الذي هو به. قال: فجئتُه فقال: "ما فَعَلْتَ يا رَبيعةُ؟ "قال: فقلت: نعم، يا رسول الله، أسألكَ أن تشفَع لي إلى ربك فَيُعْتِقَني من النارِ. قال: "فقال: من أمَرَكَ بهذا يا ربيعةُ؟ "قال: فقلت: لا واللّه الذي بَعَثَكَ بالحق ما أمرني به أحدٌ، ولكنَّك لما قُلْتَ: سَلْني أُعْطِكَ، وكنتَ منَ اللّهِ بالمَنْزِل الذي أنتَ به، نظرتُ في أمْري فَعَرَفْتُ أنّ الدُّنيا منقطعةٌ وزائلةٌ، وأنَّ لي فيها رزقًا سيأتيني، فقلت أسألُ رسولَ اللّه لآخرتي. قال: فَصَمَتَ رسولُ اللّه ﷺ طويلًا، ثم قال لي: "إنّي فاعلٌ، فأعنِّي على نفسك بكثرة السجود". وقال الحافظ أبو يعلى (١٠): حَدَّثَنَا أبو خيثمة، أنبأنا يزيد بن هارون، ثنا مبارك بن فضالة، ثنا

стр. 2664

أبو عِمران الجَوْني، عن ربيعة الأسلمي - وكان يخدم النَّبِيِّ ﷺ قال: فقال لي ذات يوم: "يا ربيعةُ ألا تَزَوَّجُ؟ " فال: قلت: يا رسول الله (١)، ما أحبُّ أنْ يَشْغَلني عن خِدْمَتِكَ شيءٌ (قال: فَسَكَت. فلما كان بعدُ قال لي: يا ربيعة ألا تَزَوَّجُ؟ قلت: يا رسول اللّه، ما أحبُّ أن يشغلني عن خدمتك شيءٌ) (٢)، وما عندي ما أعطي المرأة. قال: فقلت بعد ذلك: رسولُ اللّه أعلمُ بما عندي حتى (٣) يدعوني إلى التزويج، لئن دَعاني هذه المَرّةَ لأجيبَنَّه. قال: فقال لي: "يا ربيعة ألا تَزَوَّجُ؟ " فقلت: يا رسول اللّه، ومنْ يُزَوِّجُني؟ ما عندي ما أعطي المرأة، قال: فقال لي: انطلق إلى بني فلان فقل لهم: إن رسول الله يأمركم أن تزوِّجوني فتاتَكُمْ فُلانةَ، قال: فأتيتُهم، فقلتُ: إنّ رسولَ اللّه أرْسَلَني إليكم لتزَوِّجوني فتاتَكُمْ فُلانةَ،، قالوا: فلانةُ؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا برسول اللّه ومرحبًا برسوله، فَزَوَّجوني، فأتيتُ رسولَ الله ﷺ فقلتُ: يا رسولَ الله، أتيتُكَ من خَيْر أهْلِ بيتٍ، صَدَّقوني وزَوَّجوني، فمن أينَ لي ما أُعْطي صَداقي؟ فقال رسول الله ﷺ لبُرَيْدةَ الأسلمي: "اجْمَعوا لربيعةَ في صَداقه في وزنِ نَواةٍ من ذَهَبٍ". فَجَمعوها فأعطوني فأتيتهم فقبلوها، فأتيتُ رسول الله ﷺ فقلتُ: يا رسولَ اللّه، قد قَبلوا، فمن أينَ لي ما أُولِمُ؟ قال: فقال رسول الله لبريدة: "اجمعوا لربيعة في ثَمَنِ كَبْشٍ" قال: فجمعوا. وقال لي: "انطلق إلى عائشة، فقل لها فَلْتَدْفَع إليكَ ما عندها من الشَّعير" قال: فأتيتُها فدفعت إليَّ، فانطلقت بالكَبْش والشَّعير. فقالوا: أما الشَّعيرُ فنحنُ نَكْفيكَ، وأما الكبشُ فمُرْ أصحابَكَ فَلْيَذْبَحوه. وعملوا الشَّعير، فأصبح والله عندنا خُبْزٌ ولَحْمٌ ثم إنَّ رسولَ الله أقطع أبا بكر أرضًا له، فاختلفنا في عِذْقٍ، فقلتُ: هو في أرضي، وقال أبو بكر: هو في أرضي، فتنازعنا. فقال لي أبو بكر كلمةً كَرِهْتُها، فندم فأحضرني (٤) فقال لي: قُلْ لي كما قُلْتُ لك (٥)، قال: فقلت: لا والله لا أقولُ لكَ كما قُلْتَ لي، قال: إذًا آتي رسولَ الله. قال: فأتى رسولَ الله وتَبعتُه، فجاءني قومي يَتْبَعونني، فقالوا: هو الذي قال لك، وهو يأتي رسول الله ﷺ فَيَشْكو؟ قال: فالتفتُّ إليهم، فقلتُ: أتدرونَ من هذا؟ هذا الصِّدِّيقُ وذو شَيْبَةِ المسلمين، ارجعوا لا يلتفتُ فيراكم فيظن أنكم إنما جئتُم لتُعينوني عليه فيغضب، فيأتي رسولَ اللّه فيخبره فيهلكَ رَبيعة. قال: فأتى رسولَ الله. فقال: إني قلتُ لربيعةَ كلمةٌ كرهها (٦). فقلتُ له: يقولُ لي مثلَ ما قلتُ له فأبى، فقال رسول الله ﷺ : "يا ربيعةُ مالك وللصِّدِّيق؟ " قال: فقلت: يا رسولَ الله، واللهِ لا أقولُ له كما قال لي، فقال رسول الله ﷺ : "لا تَقُلْ له كما قال لك، ولكن قُلْ: غَفَرَ اللّهُ لَكَ يا أبا بكر".

стр. 2665

ومنهم ﵃ سعد (١) مولى أبو بكر ﵁، ويقال: مولى النَّبِيّ ﷺ . قال أبو داود الطّيالسي (٢): ثنا أبو عامرٍ عن الحسنِ، عن سعد مولى أبي بكر الصديق: أنَّ رسول اللّه قال لأبي بكر - وكان سعد مملوكًا لأبي بكر، وكان رسول الله تُعْجِبُهُ خِدْمَتُه - " أعْتِقْ سَعْدًا" فقال: يا رسولَ اللّهِ، ما لنا خادمٌ هاهنا غيرُه، فقال: "أعتق سعدًا، أتتك الرجال، أتتك الرجال". وهكذا رواهُ أحمد (٣) عن أبي داود الطيالسي. وقال أبو داود الطيالسي (٤): ثنا أبو عامر، عن الحسن، عن سعد، قال: قَرَّبْتُ بين يَدَيْ رسول اللّه ﷺ تَمْرًا، فجعلوا يَقْرِنون (٥)، فنهى رسول اللّه ﷺ عن القِران. ورواه ابن ماجة (٦): عن بندار عن أبي داود به. ومنهم ﵃ عبد الله بن رواحة (٧)، دخلَ يوم عمرة القضاءِ مكةَ وهو يقودُ بناقةِ رسول اللّه ﷺ وهو يقول (٨): [من الرجز] خَلُّوا بني الكُفَّارِ عَنْ سَبيلهِ … اليَوْم (٩) نَضْرِبْكُمْ على تأويلهِ كَما ضَربناكُم على تَنْزيلهِ … ضَرْبًا يُزيلُ الهَامَ عنْ مَقيلِهِ ويُشغِل (١٠) الخليلَ عنْ خَليلهِ كما قدمنا ذلك بطوله. وقد قتل عبد اللّه بن رواحة بعد هذا بأشهر في يوم مؤتة كما تقدم أيضًا. ومنهم ﵃ (عبد اللّه بن مسعود (١١) بن غافل بن حبيب بن شَمْخ أبو عبد الرحمن الهُذلي،

стр. 2666

أحد) (١) أئمة الصحابة، هاجر الهجرتين وشهد بدرًا وما بعدها، كان يَلي حَمْلَ نَعْلَي النَّبِيّ ﷺ ، وَيَلي طهورَهُ، ويرحِّلُ دابَّتَه إذا أراد الركوب، وكانت له اليدُ الطُّولى في تفسير كلام الله، وله العلمُ الجمّ والفضلُ والحلمُ. وفي الحديث (٢) أنَّ رسولَ اللّه قال لأصحابه - وقد جَعَلوا يعجبون من دِقَّةِ ساقَيْهِ - فقال: "والذي نَفْسي بيدِه لهما في الميزان أثقلُ من أُحُدٍ". وقال عمر بن الخطاب في ابن مسعود (٣): هو كنيف (٤) مليء علمًا. وذكروا أنه نحيف الخَلْق، حسن الخُلُقِ، يقال: إنّه كان إذا مشى يُسامِتُ الجُلوس (٥) وكان يشبه النَّبِيّ ﷺ في هَدْيه ودَلّه وسَمْته، يعني أن يُشبَّه بالنبي ﷺ في حركاته وسَكَناته وكلامه ويَتشَبَّه بما استطاع من عبادته. توفي ﵁ في أيام عثمان [بن عفان] سنة اثنتين - أو ثلاث - وثلاثين بالمدينة عن ثلاث وستين سنة، وقيل: إنه توفي بالكوفة، والأول أصحُّ. ومنهن ﵃ عُقْبَةُ بن عامر الجهَني (٦). قال الإمام أحمد (٧): ثنا الوليد بن مسلم، ثنا ابن جابر، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن عقبة بن عامر، قال: بينما أنا (٨) أقود برسول اللّه ﷺ في نقب من تلك النقاب، إذ قال لي "يا عقبة ألا تركب؟ " قال: فأشْفَقْتُ أن تكونَ مَعْصيةً، قال: فنزلَ رسولُ اللّه وركبتُ هُنَيْهةً، ثم ركب، ثم قال: يا عقبة (٩) ألا أُعَلِّمُكَ سورتَيْن من خَيْر سورتين قرأ بها الناسُ؟ " قلت: بلى يا رسول الله، فأقرأني ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. ثم أُقيمتِ الصَّلاةُ فَتَقَدَّمَ رسولُ الله ﷺ فقرأ بهما. ثم مرَّ بي، فقال: "اقرأ بهما كُلَّما نِمْتَ وكُلَّما قُمْتَ". وهكذا رواه النَّسائي (١٠) من حديث الوليد بن مسلم

стр. 2667

وعبد اللّه بن المبارك عن ابن جابر، ورواه أبو داود (١) والنسائي (٢) أيضًا من حديث ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن عقبة به. ومنهم ﵃، قَيْس بن سَعْد بن عُبادة الأنصاري الخزرجي (٣). روى البخاري (٤) عن أنس قال: كان قيسُ بن سَعْدِ بن عُبادة من النَّبِيّ ﷺ بمنزلةِ صاحب الشُّرَط من الأمير، وقد كان قيس هذا ﵁ من أطول الرجال، وكان كَوْسجًا (٥). ويقال: إن سَراويله كان يضَعُه على أنْفِه منْ يكون من أطول الرجال (٦) فَتَصِلُ رجلاه الأرضَ، وقد بعثَ معاوية بن أبي سفيان ﵁ سراويله إلى ملك الروم (٧) يقول له: هل عندكم رجلٌ تجيء (٨) هذه السّراويلُ (٩) على طوله. فعجب ملك (١٠) الرُّوم من ذلك. وذكروا أنّه كان كريمًا مُمَدَّحًا ذا رأي ودهاء. وكان مع علي بن أبي طالب أيّام صفّين. وقال مِسْعَر، عن مَعْبَد بن خالد: كان قيس بن سعد لا يزال رافعًا أَصْبُعَهُ المُسَبِّحَة يدعو، ﵁ وأرضاه. وقال الواقدي وخليفة بن خياط وغيرهما (١١): توفي بالمدينة في آخر أيام معاوية. وقال الحافظ أبو بكر البزار (١٢) ثنا عمر بن الخطاب السجستاني، ثنا علي بن يزيد الحنفي، ثنا سعد بن الصلت، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس، قال: كان عشرون شابًا من الأنصار يَلْزَمون رسول اللّه ﷺ لحَوائِجِهِ، فإذا أراد أمرًا بعثهم فيه.

стр. 2668

ومنهم ﵃ المغيرة بن شعبة الثقفي (١) ﵁. كان بمنزلة السلحدار (٢) بين يدي رسول اللّه ﷺ ، كما كان رافعًا السيف في يده، وهو واقفٌ على رأس النبي (٣) في الخيمة يوم الحُدَيْبية، فجعلَ كُلَّما أهْوى عَمُّه عروة بن مسعود الثقفي حينَ قدمَ في الرَّسيلةِ إلى لحية رسول اللّه ﷺ على ما جَرَتِ به عادةُ العَرَبِ في مُخاطباتها - يقرعُ يدَه بقائِمَةِ السَّيف، ويقول: أخِّرْ يَدَكَ عن لحية رسول الله ﷺ قبلَ أن لا تَصِلَ إلَيْكَ … الحديث كما قدمناه. قال محمد بن سعد وغيره (٣): شهد المشاهدَ كلَّها مع رسول اللّه ﷺ ، وولاه مع أبي سفيان الإمرةَ حين ذَهَبا فَخَرَّبَا طاغوتَ أهلِ الطّائِفِ، وهي المَدْعُوَّة بالربَّة، وهي اللات، وكان داهيةً من دُهاة العرب. قال الشعبي: سمعتُه يقول: ما غَلَبَني أحدٌ قطُّ. وقال الشعبي: سمعتُ قَبيصة بن جابر يقول: صَحِبْتُ المغيرةَ بن شُعْبَة، فلو أنَّ مدينةً لها ثمانيةُ أبوابٍ لا يُخْرَجُ من بابٍ منها إِلَّا بمَكْرٍ لخرج من أبوابها. وقال الشعبي (٤): القُضاةُ أربعةٌ: عمر، وعليّ (٥)، وابن مسعود، وأبو موسى. والدهاة أربعة: معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة، وزياد. وقال الزهريّ (٦): الدُّهاة خَمْسةٌ، معاوية وعمرو بن العاص (٧) والمغيرة، واثنان مع عليٍّ وهما قيسُ بن سَعْدِ بن عُبادة، وعبدُ اللّه بن بُدَيْل بن وَرْقاء. وقال الإمام مالك (٨): كان المغيرة بن شعبة رجلًا نَكّاحًا للنساء، وكان يقول: صاحبُ الواحدةِ إن حاضَتْ حاضَ معها، وإن مَرِضَتْ مَرض معها، وصاحب الثنتين بين نارين تَشْتَعِلان (٩). قال: فكان يَنْكِحُ أربعًا جميعًا (١٠) ويُطَلّقُهُنَّ جميعًا. وقال غيره (١١) تزَوَّجَ ثمانينَ امرأةً، وقيل: ثلاث مئة امرأة،

стр. 2669

وقيل: أحصن ألف (١) امرأة. وقد اختُلِفَ في وفاته على أقوالٍ، أشهرها وأصحُّها، وهو الذي حكى عليه الخطيبُ البغدادي (٢) الإجماع أنه توفي سنة خمسين. ومنهم ﵃ المِقداد بن الأسود أبو معبد الكندي (٣) حليف بني زهرة. قال الإمام أحمد (٤): ثنا عَفان، ثنا حَمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن المِقْداد بن الأسْود قال: قدمت المدينة، أنا وصاحبان لي (٥)، فتَعرَّضْنا للناس، فلم يُضِفْنا أحدٌ، فأتَيْنا إلى النَّبِيّ ﷺ فذكرنا له، فذهبَ بنا إلى منزله، وعنده أربعُ أعْنُزٍ، فقال: "احْلُبْهُنَّ يا مِقْدادُ، وجَزئْهنَّ أربعةَ أجزاءٍ، وأعْطِ كُلَّ إنْسانٍ جُزءًا" فكنتُ أفْعلُ ذلك، فرفعتُ للنبيّ ﷺ ذات ليلة جُزْأَه (٦)، فاحْتَبَس واضجعتُ على فراشي، فقالت (٧) لي نفسي: إنّ النَّبِيّ ﷺ قد أتى أهلَ بيتٍ من الأنصار، فلو قمتَ فشربتَ هذه الشربةَ، فلم تَزَلْ بي (٨) حتى قمتُ فشربتُ جُزْأَهُ، فلمَّا دَخَلَ في بَطْني وتقارّ (٩) أخَذَني ما قدُم وما حَدثَ؛ فقلت: يجيءُ الآن النَّبِيُّ ﷺ جائعًا ظمآن (١٠)، فلا يرى في القدح شيئًا. فَسَجَّيْتُ ثوبًا على وَجْهي. وجاء النَّبِيّ ﷺ فسلّمَ تسليمة تُسْمِعُ اليَقْظان، ولا تُوقطُ النّائِمَ، فكشَفَ عنه فلم يَرَ شيئًا، فرفعَ رأسَه إلى السَّماء فقال: "اللهم اسقِ من سَقَاني، وأطْعِمْ من أطْعَمَني" فاغتنمتُ دعوتَه، وقمت فأخذتُ الشَّفْرَة فدنوتُ إلى الأعنز، فجعلت أجُسُّهُن أيتهن أسمن لأذْبَحها، فوقعت يدي على ضَرْعِ إحداهن فإذا هي حافل (١١)، ونظرتُ إلى الأخرى فإذا هي حافلٌ، فنظرت فإذا هُنَّ كُلُّهن حُفَّلٌ، فَحَلَبْتُ في الإناءَ فَأَتَيْتُهُ به، فقلتُ: اشرَبْ، فقال: "ما الخبرُ يا مقداد؟ " فقلتُ: اشرب ثُمَّ الخَبَر، فقال: "بعض سَوْءاتِكَ يا مقداد" فشرب ثم قال: "اشرب". فقلت: اشرب يا نبيّ اللّه، فشرب حتى تَضَلَّع (١٢) ثم أخذتُه فشربتُه، ثم أخبرثُه الخبر. فقال النَّبِيّ ﷺ "هِيهِ" كان كذا وكذا، فقال النَّبِيّ ﷺ : "هذه بَرَكةٌ مُنْزَلةٌ من

стр. 2670

السماء، أفلا أخْبَرْتَني حتى أسْقِي صاحِبَيْكَ؟ " فقلت: إذا شربتُ البركةَ أنا وأنت، فلا أُبالي من أخطأَت. وقد رواه الإمام أحمد (١) أيضًا، عن أبي النضر، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن المقداد. فذكر ما تقدم، وفيه: أنَّه حَلَبَ في الإناء الذي كانوا لا يطعمون (٢) أن يحلبوا فيه، فحلب حتى علَتْهُ الرَّغْوةُ، ولمّا جاء به قال له رسول اللّه ﷺ : "أما شَرِبْتُمْ شَرابكم الليلةَ يا مِقدادُ؟ " فقلت: اشربْ يا رسولَ الله، (فشرب ثم ناولني، فقلت: اشرب يا رسول الله، فشرب) (٣) ثم ناولني فأخذتُ ما بَقيَ ثم شربت. فلما عرفتُ أنّ رسول اللّه قد رَوِي فأصابتني دعوته، ضحكتُ حتّى أُلْقيتُ إلى الأرْضِ، فقال رسول الله: " إحدى سوءاتك يا مقداد" فقلت: يا رسول الله، كان من أمري كذا، صنعت كذا. فقال: "ما كانت هذه إِلَّا رحمةَ اللّه، ألا كنت أذَنْتني نُوقِظ صاحبَيْكَ هذين فيُصيبان منها (٤)؟ " قال: قلت: والذي بَعَثَكَ بالحقّ، ما أبالي إذا أصَبْتَهَا وأصبتُها مَعَكَ منْ أصابَها من الناس. وقد رواه مسلم (٥) والترمذي (٦) والنسائي (٧) من حديث سليمان بن المغيرة به. ومنهم ﵃، مهاجر (٨) مولى أم سلمة. قال الطبراني (٩): ثنا أبو الزِّنباع رَوْحُ بن الفَرَج، ثنا يحيى بن عبد اللّه بن بُكَيْر، حدّثني إبراهيم بن عبد الله، سمعت بُكَيْرًا يقول: سمعتُ مُهاجرًا مولى أم سلمة قال: خدمت رسول اللّه ﷺ سنين، فلم يقل لي لشيء صَنَعْتُه، لمَ صَنَعْتَه، ولا لشيء تَرَكْتُهُ. لِمَ تَرَكْتَهُ. وفي رواية: خدمتُه عشرَ سنين أو خمس سنين (١٠). ومنهم ﵃ أبو السَّمح (١١). قال أبو العباس محمد بن إسحاق الثقفي: ثنا مجاهد بن موسى، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا

стр. 2671

يحيى بن الوليد، حدّثني مُحِلّ بن خليفة، حدّثني أبو السَّمْح قال: كُنْتُ أخْدُم رسول الله ﷺ ، قال: كان إذا أراد أن يَغْتسلَ قال: ناولني إداوتي (١)، قال: فأناولُهُ وأسترُة (٢)، فأُتيَ بحسنٍ أو حسينٍ فبال على صدره، فجئتُ لأغْسِلَه فقال: "يُغْسلُ من بولِ الجارية، ويُرَشُ من بول الغلام" وهكذا رواه أبو داود (٣) والنسائي (٤) وابن ماجة (٥) عن مجاهد بن موسى. ومنهم ﵃ أفْضَلُ الصَّحابة على الإطلاق أبو بكر ﵁، تولَّى خِدْمَتَه بنفسه في سَفْرَةِ الهِجْرَة، لا سيّما في الغار، وبعد خروجهم منه، حتَّى وصلوا إلى المدينة، كما تقدم ذلك مَبْسوطًا، وللّه الحمد والمنة. فصل أما كُتَّابُ الوَحْي وغَيْرِه بَيْنَ يَدَيه، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه، ورضي عنهم أجمعين فمنهم الخلفاء الأربعة، أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ وعليُّ بن أبي طالب ﵃، وسيأتي ترجمةُ كلِّ واحدٍ منهم في أيّامِ خِلافَتِه إن شاء اللّهُ وبه الثقةُ. ومنهم ﵃ أبان بن سَعيد (٦) بن العاص بن ثُميَّة بن عَبْدِ شَمْس بن عَبْدِ مَناف بن قُصَيٍّ الأُموي. (أسلم بعدَ أخَوَيْه خالد وعمرو، وكان إسلامُه بعد الحُدَيْبية) (٧)، لأنه هو الذي أجارَ (٨) عثمان حينَ بعثَه رسولُ اللّه ﷺ إلى أهل مكة يومَ الحُدَيْبية، وقيل: خيبر، لأنَّ له ذِكرًا في "الصَّحيح" (٩) من حديث أبي هريرة في قِسْمَة غَنائِم خَيْبَر، وكان سببَ إسلامه أنّه اجْتَمَعَ براهبٍ، وهو في تجارةٍ بالشام، فذكر له أمرَ رسولِ الله ﷺ ، فقال له الراهب: ما اسمه؟ قال: محمد، قال: فأنا أنعتُهُ لكَ، فوصفَهُ

стр. 2672

بصفَتِه سواءً، وقال: إذا رجعتَ إلى أهلك فأَقْرِئْهُ السلامَ. فأسلمَ بعدَ مَرْجِعِه، وهو أخو عمرو بن سعيد الأشدق (١) الذي قتله عبد الملك بن مروان. قال أبو بكر بن أبي شيبة: كانَ أولَ منْ كتبَ الوحيَ بينَ يَدَيْ رسولِ اللّه ﷺ أُبيُّ بن كَعْبٍ، فإذا لم يَحْضُرْ كَثَبَ زَيْدُ بن ثابت، وكَتَبَ له عثمانُ وخالدُ بن سَعيد وأبانُ بن سَعيد. هكذا قال - يعني بالمدينة - وإلا فالسُّوَرُ المكيَّة لم يكن أُبيُّ بن كَدْب حالَ نُزولها، وقد كَتَبَها الصَّحابةُ بمكة ﵃. وقد اختُلِفَ في وفاةِ أبانِ بن سعيد هذا، فقال موسى بن عقبة، ومصعب بن عبد الله، والزبير بن بكار، وأكثر أهل النسب: قُتل يومَ أجْنادين، يعني في جُمادَى الأولى سنة اثنتي عشر (٢). وقال آخرون: قُتل يوم مرج الصفّر سنة أربعَ عشرةَ. وقال محمد بن إسحاق: قتل هو وأخوه عمرو يومَ (اليرموك لخمسٍ مَضيْنَ من رجب سنة خمس عشرة. وقيل: إنه تأخّر إلى أيام عثمان، وأنَّه أمره عثمان أن يُملي المصحف الإمام على زيد بن ثابت، ثم تُوفّي سنة تسعٍ وعشرين. فاللّه أعلم). ومنهم ﵃ أُبيُّ بن كعب بن قيس بن عبيد الخزرجي الأنصاري (٣)، أبو المنذر، ويقال: أبو الطفيل: سيِّدُ القُرّاء، شهدَ العقبة الثانية وبَدْرًا وما بعدها. وكان رَبْعَةً نَحيفًا أبيضَ الرَّأسِ واللِّحْيَة لا يُغَيِّر شَيْبَه. قال أنس: جمع القرآن أربعة - يعني من الأنصار - أُبَيّ بن كعب، ومُعاذُ بن جَبَل، وزَيْدُ بن ثابت، ورجلٌ من الأنصار، يُقال له: أبو زيد (٤) أخرجاه (٥). وفي الصحيحين (٦): عن أنس أنَّ رسول الله ﷺ قال لأُبيِّ: "إن الله أمرني أنْ أقْرَأ عليكَ القُرآن". قال: وسَمّاني لكَ يا رسولَ الله؟ قال: "نعم". قال: فَذَرَفتْ عيناهُ. ومعنى: أنْ أقرأَ عليكَ؟ قراءةُ إبلاغٍ وإسماعٍ، لا قراءةُ تعلُّمِ منه، هذا لا يَفْهَمُهُ أحدٌ من أهل العلم. وإنّما نَبَّهْنا على هذا لِئلا يُعْتَقَدَ خلافه.

стр. 2673

وقد ذكرنا في موضع آخر سببَ هذه القراءة عليه، وأنَّه ﷺ قرأ عليه سورة: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ١ - ٣] وذلك أنَّ أُبَي بن كعب كان قد أنْكَرَ على رجلٍ قراءة سورة على خلاف ما كان يقرأ أُبي، فرفَعَهُ أُبيّ إلى رسول اللّه، فقال: "اقرأ يا أُبيّ" فقرأ، فقال: "هكذا أنزلت" ثم قال لذلك الرجل "اقرأ" فقرأ، فقال: "هكذا أُنزلت" قال أبي: فأخذني من الشكّ ولا إذ كنتُ في الجاهليّة، قال: فضربَ رسولُ اللّه في صدره ففِضْتُ (١) عرفًا، وكأنّما أنظرُ إلى اللّه فَرَقًا، فبعدَ ذلك تلا عليه رسول اللّه هذه السورةَ كالتثبيت له والبيان له أنَّ هذا القرآن حقٌّ وصدقٌ. وإنَّه أنْزِل على أحرفٍ كثيرةٍ رحمةً ولطفًا بالعباد. وقال ابن أبي خيثمة: هو أولُ منْ كتب الوحي بينَ يَدَيْ رسول الله ﷺ . (وقال محمد بن سعد (٢): كان يكتب الوحي بين يدي رسول اللّه ﷺ ) (٣) وقد اختُلِفَ في وفاته. فقيل: في سنة تسعَ عشرةَ، وقيل: سنة عشرين، وقيل: ثلاثٍ وعشرين، وقيل: قبل مَقْتَل عُثمان بجُمعةٍ، فاللّه أعلم. ومنهم، ﵃، أرْقَئم بن أبي الأرقم (٤)، واسمه عبدُ منافِ (٥) بن أسَدِ بن جُنْدَب بن عبد الله بن عمر بن مَخْزوم المَخْزومي. أسلم قديمًا، وهو الذي كان رسول اللّه ﷺ . مُسْتَخفيًا في داره عند الصفا، وتُعْرَفُ تلك الدارُ بعدَ ذلك بالخَيْزُران. وهاجرَ وشهد بَدْرًا وما بعدها، وقد آخى رسولُ اللّه ﷺ بينه وبين عبد اللّه بن أُنَيْس، وهو الذي كتب أقطاعَ عُظَيْم بن الحارث المُحاربي بأمر رسول اللّه ﷺ بفَخٍّ وغيره، وذلك فيما رواه الحافظ ابنُ عساكر (٦) من طريق عَتيقِ بن يَعْقوب الزُّبَيْري، حدّثني عبد الملك بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، عن أبيه، عن جده عن (٧) عمرو بن حزم. وقد تُوفّي في سنة ثلاثٍ، وقيل: خَمْسٍ وخمسين. وله خَمْس وثمانون (٨) سنة. وقد روى الإمام أحمد له حديثين:

стр. 2674

الأول: قال أحمد (١) والحسن بن عرفة - واللفظ لأحمد: ثنا عَبَّاد بن عَبّاد المُهَلّبي، عن هشام بن زياد، عن عمَّار بن سعد، عن عثمان بن أرْقَم بن أبي الأرقم، عن أبيه - وكان من أصحاب النَّبِيّ ﷺ - أنَّ رسول اللّه قال: "إن الذي يَتَخطَّى رقابَ الناس يوم الجُمُعَة ويُفَرِّقُ بينَ الاثنين بعدَ خُروج الإمام كالجارِّ قُصْبَه (٢) في النار". والثاني، قال أحمد (٣): ثنا عصام بن خالد، ثنا العَطّاف بن خالد، ثنا يحيى بن عمران، عن عبد الله بن عثمان بن الأرقم، عن جده الأرقم، أنَّه جاء إلى رسول اللّه ﷺ فقال: "أين تُريدُ؟ " قال أردتُ يا رسولَ اللّهِ هاهنا، وأومأ بيده إلى حَيِّز بيتِ المَقْدِس، قال: "ما يُخْرِجُكَ إليه أتِجارَةٌ؟ " قال: لا، ولكن أردتُ الصلاةَ فيه، قال: "الصلاة هاهنا" - وأومأ بيده إلى مكة - "خيرٌ من ألف صلاة" وأومأ بيده إلى الشام. تفرد بهما أحمد. ومنهم، ﵃، ثابتُ بن قَيْس بن شَمّاس الأَنْصَاري الخَزْرَجي (٤)، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد المدني خطيب الأنصار، ويقال له: خطيب النَّبِيّ ﷺ . قال محمد بن سعد (٥): أخبرنا علي بن محمد المدائني بأسانيده عن شيوخه في وفود العرب على رسول الله ﷺ ، قالوا: قدم عبد اللّه بن عَلَس الثُّمالي ومُسْلية بن هِزَّان الحُدَّاني (٦) على رسول الله في رهط من قومهما، بعد فَتْح مكة، فأسلموا وبايعوا على قومهم، وكتب لهم كتابًا بما فُرضَ عليهم من الصدقة في أموالهم، كَتَبه ثابتُ بن قيس بن شمّاس، وشهد فيه سعدُ بن عبادة، ومحمد بن مسلمة ﵃. وهذا الرجل ممن ثبت في صحيح مسلم (٧) أن رسول اللّه ﷺ : بَشَّرَهُ بالجَنَّة. وروى الترمذي في "جامعه" (٨) بإسنادٍ على شرط مسلم، عن أبي هريرة أنّ رسول الله قال: "نِعْمَ

стр. 2675

الرجلُ أبو بكر، نِعْمَ الرَّجُل عمرُ، نِعْمَ الرجلُ أبو عُبَيْدة بن الجراح، نِعْمَ الرجلُ أُسَيْد بن حُضَيْر، نِعْمَ الرجلُ ثابتُ بنُ قَيْس بن شَمّاس، [نعم الرجل معاذ بن جبل] نِعْمَ الرجلُ معاذُ بنُ عمرو بن الجَموح". وقد قُتِلَ ﵁ شهيدًا يومَ اليَمامة سنة اثنتي عشرة، في أيام أبي بكر الصديق، وله قصة سنوردها إن شاء اللّه إذا انتهينا إلى ذلك، بحول اللّه وقوته وعونه ومعونته. ومنهم ﵃ حَنْظَلة (١) بن الرَّبيع بن صَيْفي بن رَباح بن الحارث بن مُخاشِن بن مُعاوية بن شُرَيْف بن جِرْوة بن أُسَيِّد بن عمرو بن تميم التميمي الأُسَيِّدي الكاتب. وأخوه رَباحٌ صحابي أيضًا، وعَمُّه أكثم بن صَيْفي كان حكيم العرب. قال الواقدي (٢): كتَبَ للنبيّ ﷺ كتابًا. وقال غيره: بعثه رسولُ اللّه ﷺ إلى أهل الطائف (٣) في الصلح، وشهدَ مع خالد حروبَه بالعراق وغيرها، وقد أدرك أيام عَليّ وتَخَلَّف عن القتال معه في الجَمَل وغيره، ثم انتقل عن الكوفة لمّا شُتِمَ بها عثمانُ، ومات بعد أيام عليّ. وقد ذكر ابن الأثير في "الغابة" (٤)، أنّ امرأتَه لما ماتَ جَزِعَتْ عليه، فلامها جاراتُها في ذلك، فقالت: [من السريع] تَعَجَّبَتْ دَعْدٌ لِمَحْزونَةٍ … تَبْكي علي ذي شَيْبَةٍ شَاحِب إنْ تَسْأليني (٥) اليَوْمَ ما شَفَّني … أُخْبِرْكِ قَوْلًا لَيْسَ بالكَاذِبِ إنَّ سَوَادَ العَيْن أوْدَى بهِ … حُزْنٌ على حَنْظَلةَ الكَاتِبِ قال أحمد بن عبد الله بن البرقى (٦): كان مُعْتزلًا للفتنة حتى مات بعدَ عليّ، جاء عنه حديثان. قلت: بل ثلاثة. قال الإمام أحمد (٧): ثنا عبد الصمد وعفّان، قالا: ثنا هَمّام، ثنا قتادة، عن حنظلة الكاتب، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَنْ حافَظَ على الصلوات الخَمْس ركوعهنُ (٨) وسجودهن ووضوئهن

стр. 2676

ومواقيتهن، وعَلمَ أنَّهن حقٌّ من عند الله، دخل الجنة" أو قال: "وَجَبَتْ له الجنة" (١) تَفَرَّد به أحمدُ، وهو مُنْقَطِعٌ بين قتادةَ وحنظلةَ، واللّه أعلم. والحديث الثاني: رواه أحمد (٢) ومسلم (٣) والترمذي (٤) وابن ماجة (٥) من حديث سَعيد الجُرَيْري، عن أبي عثمان النَّهْدي، عن حنظلة: "لو تَدومون كما تَكونون عندي لصافَحَتْكُم الملائكةُ في مجالسكم، وفي طُرُقِكُمْ وعلى فُرُشِكُمْ، ولكن ساعةً وساعةً". وقد رواه أحمد والتّرمذي أيضًا من حديث عِمْران بن داور القطان، عن قتادة، عن يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير، عن حنظلة (٦). والثالثُ رواه أحمد (٧) والنّسائي (٨) وابن ماجة (٩) من حديث سُفيان الثَّوري، عن أبي الزِّناد، عن المُرَقَّع بن صَيْفي بن حَنْظَلة عن جدِّه في النَّهْي عَنْ قَتْلِ النساء في الحربِ. لكن رواه الإمام أحمد (١٠)، عن عبد الرزاق، عن ابن جُرَيْج قال: أُخبرتُ عن أبي الزِّناد عن مُرَقَّع بن صَيْفي بن رَباح بن رَبيع (عن جدّه رباح بن ربيع أخي حَنْظَلة الكاتب … فذكره. وكذلك رواه أحمد أيضًا عن حسين بن محمد، وإبراهيم بن أبي العبّاس، كلاهما عن ابن أبي الزناد عن أبيه (١١). وعن سعيد بن منصور وأبي عامر العقدي كلاهما عن المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزِّناد، عن مُرَقَع عن جده رباح. ومن طريق المغيرة رواه النّسائي (١٢) وابن ماجة (١٣) كذلك. وروى أبو داود (١٤) والنسائي (١٥) من حديث عمر بن مُرَقع، عن أبيه، عن جدّه رباح … فذكره. فالحديث عَنْ رَباحٍ لا عن حَنْظَلَة. ولذا قال أبو بكر بن أبي شيبة: كان سُفْيان الثوري يُخْطئُ في هذا الحديث.

стр. 2677

قلت: وصح قول ابن البرقي: إنه لم يرو سوى حديثين، واللّه أعلم. ومنهم، ﵃، خالدُ بن سَعيد بن العاص (١) أُميَّة بن عَبْدِ شَمْس بن عبد مَناف، أبو سعيد الأموي. أسلم قديمًا يقال (٢) بعد الصّديق بثلاثة أو أربعة، وأكثر ما قيل خمسة. وذكروا أنّ سببَ إسلامه أنه رأى في النوم كأنّه واقفٌ (٣) على شفير جَهَنّم، فذكر من سَعَتها ما اللّهُ به عليمٌ. قال: وكأنَّ أباه يَدْفَعُه فيها، وكأنّ رسولَ اللّه ﷺ آخذٌ بيده ليمنعه من الوقوع فيها (٤)، فَقَصَّ هذه الرؤيا على أبي بكر الصديق ﵁، فقال له: لقد أُريدَ بكَ خيرٌ، هذا رسولُ الله فاتَّبعِهْ تَنْجُ مما خِفْتَه. فجاء رسولَ اللّه ﷺ فأسلم، فلما بلغَ أباه إسلامُه غضبَ عليه، وضربَه بعصاةٍ في يَدِه حتى كَسَرها على رأسه، وأخْرَجَهُ من منزله، ومنعه القوتَ، ونهى بقيةَ إخْوَتِهِ أن يُكَلّموه، فلزم خالدٌ رسولَ اللّه ﷺ ليلًا ونهارًا، ثم أسلم أخوه عمْرو، فلما هاجَرَ الناسُ إلى أرض الحَبَشة هاجر (٥) معهم، ثم كان هو الذي وَليَ العقد في تَزْويج أم حبيبة من رسول اللّه ﷺ كما قدمنا. ثم هاجرا من أرض الحبشة صُحبةَ جَعْفَر، فقدما على رسول اللّه ﷺ بخيبر وقد افتتحها، فأسهم لهما عن مَشورة المسلمين، وجاء أخوهما أبان بن سعيد فشهد فتح خيبر كما قدمنا، ثم كان رسول اللّه ﷺ يولِّيهم الأعمال. فلما كانت خلافَةُ الصِّديق خَرَجوا إلى الشام للغزو، فقُتل خالد بأجنادين، ويقال: بمَرْج الصُّفَر. واللّه أعلم. قال عتيق بن يعقوب (٦)، حدّثني عبد الملك بن أبي بكر، عن أبيه، عن جده، عن عَمْرو بن حَزْم، يعني أن خالد بن سعيد كَتَب عن رسول الله ﷺ كتابًا: "بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا ما أعْطَى محمدٌ رسولُ اللّه راشدَ بن عبدِ ربٍّ السُّلَمي (٧) أعطاه غَلْوَتَيْن (٨) وغَلْوةً بحَجَرٍ برُهاطٍ (٩)، فمن حافَّه (١٠) فلا حَقَّ له، وحقُّه حَقٌّ. وكتب خالد بن سعيد".

стр. 2678

وقال محمد بن سعد (١) عن الواقدي: حدّثني جعفر بن محمد بن خالد، عن محمد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان بن عفان، قال: أقام خالد بن سعيد بعد أن قَدِمَ من أرض الحبشة بالمدينة، وكان يكتب لرسول الله ﷺ وهو الذي كتب كتاب أهل الطائف لوفد ثقيف، وسعى في الصُّلح بينهم وبين رسول الله ﷺ . ومنهم، ﵃، خالد بن الوليد (٢) [بن المغيرة] بن عبد الله بن عمرو (٣) بن مخزوم أبو سليمان (٤) المخزومي، وهو أمير الجيوش المنصورة الإسلامية، والعساكر المحمدية، والمواقف المشهودة، والأيَّام المحمودة. ذو الرأي السَّديد، والطريق الحميد، أبو سليمان خالد بن الوليد، ﵁، ويقال: إنه لم يكن في جيش فكُسِر، لا في جاهلية ولا إسلام. قال الزبير بن بكار: كانت إليه في قريشٍ القبةُ وأعِنَّةُ الخَيْل. أسلم هو وعَمرو بن العاص، وعثمان [بن طلحة] بن أبي طلحة بعد الحديبية، وقيل: خيبر، ولم يزل رسول الله ﷺ يَبْعثه فيما يبعثه أميرًا. ثم كان المُقَدَّم على العساكر كلها في أيام الصدِّيق، فلما ولي عمرُ بن الخطَّاب عَزَلَه وولَّى أبو عُبَيْدة أمينَ الأُمة، على أن لا يَخْرُجَ عن رأي أبي سليمان. ثم مات خالد في أيام عمر، وذلك في سنة إحدى وعشرين، وقيل: اثنتين وعشرين - والأول أصح - بقريةٍ على ميلٍ من حمص. قال الواقدي (٥): سألت عنها فقيل لي دَثَرَت. وقال دحيم: مات بالمدينة. والأول أصح. وقد روى أحاديث كثيرة يطول ذكرها. قال عتيق بن يعقوب (٦): حدّثني عبد الملك بن أبي بكر، عن أبيه، عن جده، عن عَمْرو بن حَزْم: أنَّ هذه قطائع أقطَعَها رسولَ الله ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى المؤمنين أن عِضَاه وَجٍّ لا يُعْضَدُ، وصَيْدُهُ لا يُقْتَلُ (٧)، فمنْ وُجِدَ يفعلُ من ذلك شيئًا، فإنه يُجْلَدُ وتُنْزَع (٨) ثيابه، وإن

стр. 2679

تَعَدَّى ذلك أحدٌ فإنه يُؤْخَذُ فيُبْلَغُ به النَّبِيّ ﷺ ، وإن هذا من مُحمّد النَّبِيّ، وكتب خالد بن الوليد بأمر رسول الله فلا يتعداه أحد فيظلم نفسه فيما أمره به محمد. ومنهم، ﵃، الزُّبَيْر بن العَوَّام (١) بن خُوَيْلد بن أَسَد بن عَبْدِ العُزَّى بن قُصَيّ، أبو عبد اللّه الأسَدي: أحدُ العَشَرة، وأحدُ السّتة أصحابِ الشُّورى الذين تُوفّي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ، وحواريُّ رسولِ اللّه ﷺ وابنُ عَمَّته صَفيّة بنتِ عبد المطلب، وزوجُ أسماء بنتِ أبي بكر الصديق (٢) ﵁. روى عتيق بن يعقوب بسنده المُتَقَدِّم أنَّ الزُّبَيْر بن العَوَّام هو الذي كتب لبني معاوية بن جَرْوَل الكتابَ الذي أمره به رسول الله ﷺ أن يكتبه لهم. رواه ابنُ عساكر بإسناده عن عَتيقٍ (٣) به. أسلم الزبير، ﵁، قديمًا (٤) وهو ابنُ ستّ عشرة سنة، ويقال: ابنُ ثمانِ سنين. وهاجر الهجرتين، وشهد المشاهدَ كلَّها، وهو أولُ من سَلَّ سيفًا (٥) في سبيل الله. (وقد جمع له رسول الله ﷺ يوم الخندق أبويه، وقال: إنّ لكل نبيٍّ حواريًا، وحواريَّ الزبير) (٦) وقد شهد اليَرْموك، وكان أفضلَ مَن شَهِدَها، واخْتَرَق يومئذ صفوفَ الروم من أولهم إلى آخرهم مرتين، ويَخْرُجُ من الجانب الآخر سالمًا، لكن جُرِح في قفاه بضربتين، ﵁. وله فضائلُ ومناقبُ كثيرةٌ. وكانت وفاته يومَ الجَمَل، وذلك أنه كرَّ راجعًا عن القتال، فلحقه عَمْرو بن جُرْمُوز وفضالة بن حابسٍ ورجلٌ ثالثٌ يقال له: نُفَيْعُ التَّميميون، بمكانٍ يُقال له: وادي السباع، فبدر إليه عمرو بن جرموز وهو نائم فقتله، وذلك في يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى سن ست وثلاثين، وله من العمر يومئذ سبعٌ وستّون سنة، وقد خَلَّفَ ﵁ بعده تركةً عظيمةً، فأوصى من ذلك بالثُّلْث بعد إخراج ألْفَيْ ألفٍ ومِئَتَيْ ألف دينًا، فلما قضي دينه، وأُخرج ثلث ماله، قسم الباقي على ورثته، فنال كل امرأة من نسائه - وكن أربعًا - ألْفُ ألْفٍ ومئتا ألف، فمجموع ما ذكرناه مما تركه ﵁ تسعةٌ وخمسون (٧) ألف ألفٍ وثمانِمئة ألف. وهذا كله من وجوه حِلٍّ، نالها في حياته، مما كان يصيبه من الفَيْءِ والمَغانم، ووجوه مَتاجِرِ الحَلالِ، وذلك كلُّه بعد إخراج الزكوات في أوقاتها، والصِّلاتِ البارعة الكثيرة لأربابها في أوقات حاجاتها، ﵁ وأرضاه، وجعل جنات

стр. 2680

الفردوس مثواه - وقد فعل - فإنه قد شهد له سيّد الأولين والآخرين، ورسول ربّ العالمين بالجنة، وللّه الحمد والمنة. وذكر ابن الأثير في "الغابة" (١) أنه كان له ألفُ مملوك، يُؤَدّون إليه الخَراج، وأنه كان يَتَصدَّق بذلك كله. وقال فيه حَسّان بن ثابتٍ يَمْدحُه ويُفَضِّلُه بذلك (٢): [من الطويل] أقامَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ وهَدْيِهِ … حَواريُّهُ والقَوْلُ بالفعل (٣) يُعْدَلُ أقام على مِنْهَاجِهِ وطَريقِهِ (٤) … يُوالي وَليَّ الحَقّ والحَقُّ أعْدَلُ هُوَ الفَارسُ المَشْهُور وَالبَطَلُ الذي … يَصُولُ إذا ما كانَ يَوْمٌ مُحَجَّلُ وإن امرأً كانَتْ صَفيةُ أُمَّهُ … وَمِنْ أسَدٍ في بَيْتِهِ لمُرَفَّلُ (٥) لَهُ منْ رَسول اللهِ قُرْبَى قَريبةٌ … ومنْ نُصْرةِ الإسْلامَ مَجْدٌ مُؤثَّلُ فَكَمْ كُرْبةٍ ذَبَّ الزُّبَيْر بسيَفِهِ … عَنِ المُصْطَفى واللّهُ يُعطي ويُجْزِلُ (٦) إذا كشفَتْ عنْ ساقِها الحَرْبُ حَشَّها … بأبيض سبَّاقٍ (٧) إلى الموتِ يُرْقِلُ فَمَا مِثْلُه فِيهمْ وَلا كَانَ قَبْلَهُ … وَلَيْسَ يَكُونُ الدَّهْرَ ما دَامَ يَذْبُلُ وقد تَقَدَّمَ أنَّه قتله عَمْرو بن جُرْموزٍ التَّميمي بوادي السباع وهو نائم، ويقال: بل قام من آثار النوم، وهو دَهِشٌ، فركب وبارزه ابن جُرْمُوز، فلما صَمَّم عليه الزبير أنجده صاحباه فَضالةُ ونُفيعٌ (٨) فقتلوه، وأخذ عمرو بن جرموز رأسَه وسيفَه. فلما دخَل بهما على عليٍّ، قال علي ﵁، لما رأى سيفَ الزبير: إن هذا السيفَ طالما فَرَّجَ الكُرَبَ عن وجه رسول اللّه ﷺ . وقال عليّ فيما قال: بَشِّرْ قاتلَ ابنِ صفيةَ بالنَّار. فيقال: إن عمرو بن جُرْمُوزٍ لما سمع ذلك قتل نفسَه. والصحيحُ أنَّه عُمِّرَ بعدَ عليٍّ حتّى كانَتْ أيَّام ابن الزُّبير، فاستنابَ أخاه مُصْعبًا على العراقِ، فاختفى عمرو بن جُرْموز خوفًا من سَطْوَتِه أن يقتله بأبيه. فقال مُصعبٌ: أبلغوه أنه آمن، أيَحْسَبُ أني أقتلُه بأبي عبد الله؟ كلا، واللّه، ليسا سواءً، وهذا من حلم مُصعبٍ وعقله ورئاسته.

стр. 2681

وقد روى الزبير عن رسول اللّه ﷺ أحاديث كثيَرة يَطولُ ذكرها. ولما قُتل الزبيرُ بن العوَّام بوادي السِّباع، كما تقدّم، قالت امرأتُه عاتكةُ بنتُ زيدِ بنِ عمرٍو بن نُفَيْل تَرْثيه ﵂ وعنه: غَدَرَ ابْنُ جُرْموزٍ بفارسِ بُهْمةٍ … يَومَ اللِّقاءِ وكَانَ غَيْرَ مُعَرِّدِ يا عَمْرُو لوْ نَبَّهْتَهُ لَوَجَدْتَهُ … لا طائشًا رَعشَ الجَنان ولا اليَدِ كَمْ غَمْرَةٍ قد خاضَها لمْ يَثْنِهِ … عَنْها طِرادُك (١) يا بنَ فَقْع القَرْدَدِ ثكِلَتْكَ أمُّك إنْ ظَفِرْتَ بمثلِهِ (٢) … فيمن مَضَى مِمَّن يروحُ ويَغْتدي واللّه رَبِّك إنْ قَتلتَ لَمُسلمًا … حَلَّت عَلَيْكَ عُقوبةُ المُتَعَمِّدِ (٣) ومنهم ﵃ زَيْدُ بن ثابتٍ (٤) بن الضَّحَّاك بن زَيْد بن لَوذان بن عَمْرو بن عبد (٥) بن عوف بن غَنْم بن مالك بن النّجّار الأنصاري النجاري، أبو سعيد، ويقال: أبو خارجة، ويقال: أبو عبد الرحمن المدني. قدم رسول الله ﷺ المدينة وهو ابن إحدى عشرة سنة، فلهذا لم يَشْهَدْ بَدْرًا لصغره، قيل: ولا أُحُدًا (٦) وأول مشاهده الخندق، ثم شَهِدَ ما بعدها. وكان حافظًا لبيبًا عالمًا عاقلًا، ثبت عنه في "صحيح البخاري" (٧). أنَّ رسول اللّه ﷺ أمره أن يتعلَّم كتاب يَهود ليقرأه على النَّبِيِّ ﷺ إذا كتبوا إليه، فتعلَّمه في خمسة عشر يومًا. وقد قال الإمام أحمد (٨): حَدَّثَنَا سليمان بن داود، ثنا عبد الرحمن، عن أبي الزِّناد، عن خارجة بن زيد: أنّ أباه زيدًا أخبره أنه لما قدم رسولُ الله ﷺ المدينة قال زيد: ذُهب بي إلى رسول الله ﷺ فأُعْجب بي، فقالوا: يا رسولَ اللّه، هذا غلامٌ من بني النَّجار، معه مما أنزل اللّهُ عليك بضعَ عشرةَ سورةً، فأَعْجَبَ ذلك رسولَ اللّه ﷺ وقال: "يا زيدُ تَعَلَّمْ لي كتابَ يهود، فإنِّي والله، ما آمَنْ (٩) يَهودَ على

стр. 2682

كتابي". قال زيد: فَتَعَلَّمْتُ له (١) كتابهم، ما مَرَّتْ خَمْسَ عَشْرَةَ ليلةً حتى حَذَقْتُهُ، وكنتُ أقرأ له كتبَهم إذا كتبوا إليه، وأُجيبُ عنه إذا كتبَ. ثم رواه أحمد (٢) عن سُرَيْجٍ (٣) بن النعمان، عن ابن أبي الزِّناد، عن أبيه، عن خارجة، عن أبيه … فذكر نحوه. وقد عَلَّقَه البُخاري في الأحكام، عن خارجة بن زيد بن ثابت بصيغة الجَزْمِ، فقال: وقال: خارجة بن زيد … فذكره. ورواه أبو داود (٤) عن أحمد بن يونس، والترمذي (٥) عن علي بن حُجْرٍ، كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، عن أبيه عن خارجة، عن أبيه، به نحوه. وقال الترمذي: حسنٌ صحيحٌ. وهذا ذكاءٌ مُفْرِطٌ جدًا. وقد كان مِمَّنْ جَمَعَ القُرآن على عَهْدِ رسول الله ﷺ من القُرّاء كما ثبت في "الصحيحين" (٦) عن أنس. وورى أحمد (٧) والنّسائي (٨) من حديث أبي قلابة، عن أنس، عن رسول اللّه أنه قال: "أرْحَمُ أُمَّتي بأُمَّتي أبو بكر، وأَشَدُّها في دين اللهِ عُمر، وأصدقُها حياء عثمانُ، وأقْضاهُمْ عليُّ بن أبي طالب، وأعْلَمُهم بالحَلالِ والحَرام مُعاذُ بن جَبَلٍ، وأعْلَمُهُمْ بالفَرائضِ زَيْدُ بن ثابتٍ، ولكلِّ أمةٍ أمينٌ، وأمينُ هذه الأمّةِ أبو عبيدة بن الجراح" ومن الحُفّاظ من يجعله مُرْسَلًا إِلَّا ما يتعلق بأبي عُبَيدة ففي "صحيح البخاري" (٩) من هذا الوجه. وقد كتب الوحي بين يدي رسول اللّه ﷺ في غير ما مَوْطنٍ، ومن أوضح (١٠) ذلك ما ثبت في "الصحيح" (١١) عنه أنه قال: لمَّا نَزَلَ قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٥]، الآية، دعاني رسول الله ﷺ فقال: اكتب: "لا يستوي القاعِدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل اللّه" فجاء ابنُ أُمُّ (١٢) مكتوم فجعل يشكو ضَرارته، فنزلَ الوَحْيُ على رسول اللّه ﷺ فثَقُلَتْ فَخذُهُ على فَخِذي حتى كادت تَرُضُّها، فنزل ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ فأمرني فألحقتها، فقال زيد: فإنّي لأعرفُ موضعَ مُلْحَقِها عند صَدْعٍ في ذلك اللَّوْح - يعني من عظامٍ - … الحديث.

стр. 2683

وقد شهد زيدٌ اليمامةَ، وأصابه سهمٌ فلم يَضُرُّه، وهو الذي أمره الصّدّيق بعد هذا بأن يَتَتَبَّعَ القرآن فَيَجْمَعَه (١)، وقال له: إنك شاب عاقل لا نَتَّهِمُكَ، وقد كنتَ تكتبُ الوحيَ لرسول اللّه ﷺ ، فَتَتَبَّعِ القُرآن فاجْمَعْهُ، ففعل ما أمَرهُ به الصّدّيق، فكان في ذلك خيرٌ كثيرُ، وللّه الحمد والمنة. وقد استنابه عُمر مَرَّتَيْن في حَجَّتَين على المدينة، واستنابه لمّا خَرَجَ إلى الشام، وكذلك كان عثمان يَسْتَنيبهُ على المدينة أيضًا، وكان عليٌّ يُحبّه، وكان يُعَظّم عليًّا، ويعرفُ له قدرَهُ، ولم يشهد معه شيئًا من حُروبه. وتأخَّر بعدَهُ حتى تُوفّي سنةَ خَمْس وأربعينِ. وقيل: سنة إحدى، وقيل: خمس وخمسين. وهو مِمَّن كانَ يكتبُ المصاحفَ الأئمةَ التي نَفَذ بها عثمانُ بنُ عفان إلى سائر الآفاقِ اللائي وَقَعَ على التّلاوة طِبْقَ رَسْمِهِنّ الإجماعُ والاتِّفاقُ، كما قَرَّرْنا ذلك في "كتاب فضائل القرآن" الذي كتبناه مقدِّمة في أول كتابنا "التفسير" وللّه الحمد والمنة. ومنهم، ﵃، السِّجِلُّ (٢)، كما ورد به الحَديثُ المَرْويُّ في ذلك عن ابن عباس - إن صَحَّ - وفيه نظرٌ. قال أبو داود (٣): حَدَّثَنَا قتيبة بن سعيد، ثنا نوح بن قيس، عن يزيد بن كعب، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجَوْزاء، عن ابن عباس ﵁ قال: السِّجِلُّ كاتبٌ للنبيّ ﷺ . وهكذا رواه النسائي (٤) عن قتيبة به. وعن (٥) ابن عباس أنه كان يقول: في هذه الآية: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ (٦)﴾ [الأنبياء: ١٠٤] قال: السِّجِلّ: الرجل. هذا لَفْظُهُ. ورواه أبو جعفر بن جرير في "تفسيره" عند قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ (٧)﴾! عن نصر بن علي، عن نوح بن قيس، وهو ثقةٌ من رجال مسلم، وقد ضَعَّفَه ابنُ مَعين في روايةٍ عنه. وأما شيخُه يزيد بن كعب العَوْذي (٨) البصري، فلم يَرْوِ عنه سوى نوح بن قيس، وقد ذكره مع ذلك ابن حِبّان في "الثّقات" (٩). وقد عرضتُ هذا الحديث على شيخنا الحافظِ الكبير أبي الحَجّاج المِزّي، فأنكره جدًا، وأخْبَرْته أن

стр. 2684

شيخَنا العلامة أبا العباس ابن تَيْميَّة كان يقول: هو حديثٌ موضوعٌ، وإن كان في "سنن أبي داود". فقال شيخنا المزي، وأنا أقوله. قلت: وقد رواه الحافظُ ابن عَديٍّ في "كامله" (١) من حديث محمد بن سليمان الملقب ببومة، عن يحيى بن عمرو بن (٢) مالك النُّكْري، عن أبيه، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال: كان لرسول اللّه ﷺ كاتبٌ يُقالُ له: السِّجلّ، وهو قوله (تعالى): ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ قال: كما يطوي السّجِلّ للكتَاب كذلك نَطْوي (٣) السماء. وهكذا رواه البيهقيّ (٤)، عن أبي ناصر بن قتادة، عن أبي علي الرّفّاء عن علي بن عبد العزيز، عن مسلم بن إبراهيم، عن يحيى بن عمرو بن مالك به. ويحيى هذا ضعيف جدًا، فلا يصلُح للمتابعة. والله أعلم. وأغرب من ذلك أيضًا ما رواه الحافظ أبو بكر الخطيب (٥) وابن مَنْدَة من حديث أحمد بن سعيد البغدادي المعروف بحمدان، عن ابن نُمير (٦)، عن عبيد اللّه، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان للنبيّ ﷺ كاتبٌ، يقال له: سِجِلٌّ، فأنزل اللّه ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ قال ابن منده: غريب تَفَرَّد به حمدان. وقال البَرْقاني: قال أبو الفتح الأزدي: تَفَرَّدَ به ابن نُمَيْر، إن صَحَّ. قلت: وهذا أيضًا مُنْكرٌ عن ابن عمر كما هو مُنْكَر عن ابن عباس، وقد ورد عن ابن عباس وابن عمر خلاف (٧) ذلك، فقد روى الوالبيُّ والعَوْفي، عن ابن عباس: أنَّه قال في هذه الآية: قال: كطي الصحيفة على الكتاب. وكذلك قال مجاهد، وقال ابن جرير: هذا هو المعروف في اللغة أن السّجلّ هو الصحيفة. قال: ولا يعرف في الصحابة أحدٌ اسمُه السّجل، وأنكر أن يكون السّجلُ اسمَ مَلَكٍ من الملائكة، كما رواه عن أبي كُرَيْب، عن ابن يَمانٍ، ثنا أبو الوفاء الأشجعي، عن أبيه، عن ابن عمر في قوله ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ قال: السجل مَلَكٌ، فماذا صعِد بالاستغفار قال الله: اكتُبْها نورًا. وثنا بُنْدار، عن مُؤَمَّل، عن سفيان، سمعت السُّدِّيّ يقول (فذكر مثله. وهكذا قال أبو جعفر الباقر فيما رواه أبو كُرَيْب، عن ابن (٨) المبارك عن) (٩) معروف بن خَرَّبوذ، عمَّن

стр. 2685

سمع أبا جعفر يقول: السّجِلُّ المَلَكُ، وهذا الذي أنكره ابن جرير من كون السجل اسمَ صحابيّ أو مَلَكٍ، قويٌّ جدًا، والحديث في ذلك مُنْكرٌ جدًا. ومن ذكره في أسماء الصحابة كابن مَنْدَه وأبي نعيم الأصبهاني وابن الأثير في "الغابة" (١) إنما ذكره إحسانًا للظن بهذا الحديث، أو تعليقًا على صحّتِه. واللّه أعلم. ومنهم ﵃ سعد بن أبي سَرْح، فيما قاله خليفةُ بن خَيّاط (٢)، وقد وَهِمَ، إنما هو ابنُه عبدُ اللّه بن سَعْد بن أبي سَرْح كما سيأتي قريبًا إن شاء اللّه. ومنهم ﵃ عامر بن فهَيْرة (٣)، مولى أبي بكر الصديق قال الإمام أحمد (٤): حَدَّثَنَا عبد الرزاق (٥)، عن مَعْمَرٍ، قال: قال الزُّهْريّ: أخبرني عبد الرحمن (٦) بن مالك المدلجي، وهو ابن أخي سُراقة بن مالك: أنَّ أباهُ أخْبَرَهُ أنه سمع سراقة يقول؛ فذكر خبر هجرةِ النَّبِيّ ﷺ وقال فيه: فقلتُ له: إنَّ قومَك جَعَلوا فيك الدِّيَّة، وأخبرتهم من أخبار سفرهم وما يريد الناس بهم، وعرضُ عليهم الزاد والمتاع فلم يرزؤوني منه شيئًا ولم يسألوني إِلَّا أن أخف عنا، فسألته أن يكتب لي كتاب موادعة آمن به، فأمر عامر بن فُهيرة فكتب في رقعة من آدم، ثم مضى. قلت: وقد تقدَّم الحديثُ بتمامه في الهجرة. وقد رُوي أنّ أبا بكر هو الذي كتب لسُراقة هذا الكتاب فاللّه أعلم. وقد كان عامر بن فُهَيْرة - ويكنى أبا عمرو - من مُوَلَّدي الأزد، أسودَ اللون، وكان أولًا مولًى للطُّفَيْل بن الحارث أخي عائشة لأُمّها أمّ رُومان، فأسلم قديمًا قبلَ أنْ يدخلَ رسولُ اللّه ﷺ دارَ الأرْقَم بن أبي الأرقم، التي عند الصفا، مُسْتَخفيًا، فكان عامرٌ يُعَذَّب مع جُمْلةِ المُسْتَضْعفين بمكة ليرجعَ عن دينه فيأبى، فاشتراه أبو بكر الصّدّيق فأعتقه، فكان يَرْعَى له غنمًا بظاهر مكة. ولما هاجر رسول اللّه ﷺ ، ومعه أبو بكر، كان معهما رديفًا لأبي بكر، ومعهم الدليل الدُّئلي فقط، كما تقدَّم مبسوطًا، ولما وَرَدوا المدينةَ نزلَ عامر بن فُهَيْرة على سعد بن خَيْثَمة، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين أوس بن مُعاذ، وشهد بدرًا وأُحُدًا، وقُتِل يَوْمَ بئر مَعونة، كما تقدم، وذلك سنةَ أربعٍ من الهجرة، وكان عمره إذ ذاك أربعين سنة، فاللّه أعلم. وقد ذكر عروة وابنُ إسحاقَ والواقديُّ وغيرُ واحدٍ، أنَّ عامرًا قتله يومَ بئرِ مَعونة رجلٌ يُقال له:

стр. 2686

جَبّار بن سُلْمى (١) من بني كلاب، فلمّا طعنَه بالرمح قال: فُزْتُ وربِّ الكَعْبة، ورُفع عامر حتى غاب عن الأبصار، حتى قال عامر بن الطُّفيل: لقد رُفع حتى رأيتُ السماء دونَه، وسأل عمرَو بن أمية عنه فقال: كان من أفضلنا ومن أول أهل بيت نبينا ﷺ . قال جبّار: فسألت الضّحّاك بن سفيان عما قال: ما يعني به؟ فقال: يعني الجنة. ودعاني الضحاكُ إلى الإسلام، فأسلمتُ لما رأيتُ من قَتْلِ عامر بن فُهَيْرة، فكتبَ الضّحّاك إلى رسولِ الله يُخْبره بإسلامي، وما كان من أمر عامر، فقال: "وارَتْهُ الملائكة وأنزل عِلييّن". وفي الصحيحين (٢) عن أنس أنه قال: قَرَأْنا فيهم قُرْآنًا أن: (بلّغوا عَنّا قَوْمَنا أنَّا لَقينا ربَّنا فَرَضِيَ عنَّا وأرضانا). وقد تقدم ذلك بتمامه (٣) في موضعه عند غزوة بئر معونة. وقال محمد بن إسحاق (٤): حدّثني هشام بن عروة عن أبيه أن عامر بن الطُّفَيْل كان يقول: مَنْ رَجُلٌ منكم لما قُتل رأيتُه رُفِعَ بين السماء والأرْض، حتى رأيتُ السماءَ دونَه؟ قالوا: عامر بن فُهَيْرة. وقال الواقدي (٥): حدّثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: رُفع عامرُ بن فُهَيْرة إلى السماء فلم توجد جُثَّتُه، يَرَوْنَ أنّ الملائكةَ وارَتْهُ. ومنهم ﵃ عبدُ الله بن أرْقَم بن أبي الأرْقَم المَخْزومي (٦): أسلم عام الفتح، وكتبَ للنبيّ ﷺ . قال الإمام مالك (٧): وكان يُنْفِذُ ما يَفْعَلُه ويَشْكُره ويَسْتَجيدُه. وقال سَلَمة، عن محمد بن إسحاق بن يسار (٨)، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير: أن رسولَ الله اسْتَكْتَبَ عبدَ الله بن الأرْقَم بن عبد يَغوث، وكان يُجيبُ عنه الملوكَ. وبلغ من أمانَتِه أنّه (كان يأمُرُهُ أنْ) يكتُبَ إلى بعضِ الملوكِ فَيَكْتُبَ، ويَخْتِمَ على ما يقرؤه لأمانته عنده. وكَتَبَ لأبي بكرٍ وجعلَ إليه بيتَ المال، وأقرَّه عليهما عمرُ بن الخَطّاب، فلما كان عثمانُ عَزَلَه عنهما. قلت: وذلك بعدَما استعفاه عبدُ الله بن الأرْقَم، ويقالُ: إنَّ عثمانَ عَرَضَ عليه ثلاث مئة ألف درهم عن أجرة عمالته، فأبى أن يَقْبَلَها وقال: إنما عملتُ لله، فأجري على الله .

стр. 2687

قال ابن إسحاق (١): وكتب لرسول الله زيد بن ثابت، فإذا لم يَحْضُر ابنُ الأرقم وزيدُ بن ثابتٍ، كَتَبَ مَنْ حَضَرَ من الناس، وقد كتبَ عمرُ وعليّ وزيدٌ والمغيرةُ بن شعبة ومعاويةُ وخالدُ بن سعيدِ بن العاص، وغيرُهم ممن سُمّيَ من العرب. وقال الأعمش: قلت لشَقيقِ بن سَلَمة: مَنْ كانَ كاتبَ النبيِّ ﷺ ؟ قال عبدُ الله بن الأرْقَم، وقد جاءنا كتابُ عمرَ بالقادِسيّة وفي أسفله: وكتبَ عبد الله بن الأرْقَم. وقال البيهقي (٢): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا محمد بن صالح بن هانئ، ثنا الفضل بن محمد البيهقي، ثنا عبد الله بن صالح، ثنا عبد العزيز بن أبي سَلَمَةَ الماجشون، عن عبد الواحد بن أبي عون، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عمر، قال: أتى النبيَّ ﷺ كتابُ رجلٍ، فقال لعبد الله بن الأرْقَم: "أجِبْ عنّي"، فكتبَ جوابَه، ثم قرأه عليه، فقال: "أصَبْتَ وأحْسَنْتَ، اللَّهمّ وَفِّقْهُ" قال: فلما وَليَ عمر كان يشاوره. وقد رُويَ عن (٣) عمر بن الخطاب أنّه قال: ما رأيتُ أخْشَى للهِ منه -يعني في العمال- أُضِرّ ﵁ قبلَ وفاته. ومنهم، ﵃، عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الخزرجي (٤)، صاحبُ الأذان، أسلم قديمًا، فشهدَ عقبةَ السَّبعين، وحضرَ بَدْرًا وما بعدها، ومن أكبر مناقبه رُؤيَتُه الأَذان (٥) والإقامة في النوم، وعَرْضُه ذلك على رسول الله، وتقريرُه عليه، وقوله له: "إنها لرُؤْيا حَقٍّ فألْقِهِ على بلالٍ؛ فإنّه أنْدَى صوتًا منك" وقد قَدَّمْنا الحديثَ بذلك في موضعه. وقد رَوَى الواقدي (٦) بأسانيده عن ابن عباس أنه كتب كتابًا لمن أسلم من جُرَش فيه الأمرُ لهم بإقامة الصلاة، وإيتاءِ الزَّكاة، وإعطاء خُمُس المَغْنَم. وقد توفي ﵁ سنة اثنتين وثلاثين، عن أربعٍ وستّين سنةً، وصلَّى عليه عثمان بنُ عفَّان ﵁. ومنهم، ﵃، عبد الله بن سعد بن أبي سَرْحٍ (٧)، القُرَشي العامري (٨)، أخو عثمان بن

стр. 2688

عفان (١) من الرَّضاعة. أرضعت أمُّه (٢) عثمان. وكتب الوحيَ، ثم ارتدّ عن الإسلام ولحق بالمشركين بمكة، فلما فتحها رسولُ الله ﷺ -وكان قد أهْدَرَ دَمَهُ فيمن أهدَر من الدماء- فجاء إلى عثمان بن عفان، فاستأمن له، فأمَّنه رسولُ الله ﷺ كما قَدَّمنا في غَزْوَة الفتحِ، ثم حَسُنَ إسلامُ عبدِ الله بن سَعْدٍ جدًا بعد ذلك (٣). قال أبو داود (٤): حدَّثنا أحمد بن محمد المروزي، ثنا علي بن الحسين بن واقدٍ، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح يكتب للنبي ﷺ ، فأزلَّهُ الشَّيْطانُ فلحق بالكُفّار، فأمر به رسولُ الله أن يُقْتَل، فاسْتَجار له عثمان بن عفان، فأجارَهُ رسولُ الله ﷺ . ورواه النسائي (٥) من حديث عليّ بن الحسين بن واقد به. قلت: وكانَ علي مَيْمَنَة عمرو بن العاص حين افْتَتَحَ عمرٌو مِصْرَ سنة عشرين في الدولة العُمَرية، فاستناب عمر بن الخَطّاب عَمْرًا عليها، فلما صارت الخلافة إلى عثمان عزل عنها عَمْرو بن العاص وَوَلَّى عليها عبدَ الله ابن سَعْد سنةَ خمسٍ وعشرين، وأَمَرَه بغَزْوِ بلاد إفْريقيَّة فَفَتَحها، وحَصَل للجيش منها مالٌ عظيمٌ، كان قَسمُ الغَنيمة لكلِّ فارسٍ من الجيش ثلاثة آلاف مثقالٍ من ذَهَبٍ، وللرّاجِل ألف مثقال (٦). وكان معه في جيشه هذا ثلاثةٌ من العبادلة؛ عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عَمْرو، ثم غزا عبد الله ابن سعد بعدَ إفريقيَّةَ الأساودَ من أرض النُّوبة، فهادَنَهُمْ، فهي إلى اليوم، وذلك سنة إحدى وثلاثين، ثم غزا غزوة الصَّواري في البحر إلى الروم وهي غزوة عظيمة، كما سيأتي بيانُها في مَوْضِعها إن شاء الله (٧) فلما اختلَفَ الناس على عثمان خرجَ من مصرَ واسْتناب عليها ليذهب إلى عثمان لينصُرَهُ. فلما قُتِلَ عثمان أقامَ بعَسْقَلان، وقيل: بالرملة، ودعا الله أن يقبضَه في الصلاة، فصلَّى يومًا الفجرَ، وقرأ في الأولى منها بفاتحة الكتاب والعاديات، وفي الثانية بفاتحة الكتاب وسورةٍ، ولما فرغ من التّشَهُّدِ سَلّم التسليمة الأولى، ثم أراد أن يسلم الثانية فمات بينهما ﵁، وذلك في سنة ستٍّ وثلاثين، وقيل: سنة سبعٍ، وقيل: إنه تأخَّر إلى سنة تسعٍ وخمسين، والصحيح الأول. قلت: ولم يَقَعْ له روايةٌ في الكُتُبِ السّتة ولا في "المسند" للإمام أحمد. ومنهم، ﵃، عبد الله بن عثمان، أبو بكر الصديق. وقد تقدم الوعد بأنَّ ترجمتَه ستأتي

стр. 2689

في أيام خلافتِه إن شاء الله ، وبه الثقة. وقد جمعتُ مجلدًا في سيرته، وما رواه من الأحاديث وما رُوي عنه من الآثار. والدليلُ على كتابته ما ذكره موسى بن عقبة، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن مالك بنِ جُعْشُم، عن أبيه، عن سُراقة بن مالك (١) في حديثه حين اتَّبع رسولَ الله حينَ خرجَ هو وأبو بكر من الغار فَمَرّوا على أرضهم، فلما غَشِيَهُم -وكان من أمر فَرَسِه ما كان- سأل رسولَ الله ﷺ أن يكتُبَ له كتاب أمان، فأمر أبا بكر فكتب له كتابًا ثم ألقاه إليه. وقد روى الإمام أحمد (٢) من طريق الزهري بهذا السند: أن عامر بن فُهَيْرة كتبه، فيحتملُ أن أبا بكر كتبَ بعضَه، ثم أمر مولاه عامرًا فكتب باقيه، والله أعلم. ومنهم، ﵃، عثمان بن عفان أمير المؤمنين، وستأتي ترجمته في أيّام خلافته، وكتابتُه بين يديه، ﵊ مشهورة. وقد رَوَى الواقديُّ (٣) بأسانيده أن نَهْشَل بن مالك الوائلي لمَّا قَدِمَ على رسول الله ﷺ أمر رسول الله ﷺ عثمانَ بن عفّان فكتبَ له كتابًا فيه شرائعُ الإسلام. ومنهم ﵃ علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وستأتي ترجمتُه في خلافته، وقد تقدَّم أنّه كتبَ الصُّلحَ بين رسول الله ﷺ وبين قريش يومَ الحُدَيْبية أن يأمن الناسُ، وأنه لا إسلال (٤) ولا إغلال، وعلى وضع الحرب عشرَ سنين. وقد كتب غيرَ ذلك من الكتب بينَ يديه ﷺ . وأما ما يدّعيه طائفةٌ من يهودِ خَيْبَر أن بأيديهم كتابًا (٥) من النبي ﷺ بوَضْعِ الجزية عنهم، وفي آخره: وكتبَ علي بن أبي طالب، وفيه شهادةُ جماعةٍ من الصحابة منهم سعد بن مُعاذ ومعاوية بن أبي سفيان، فهو كَذِبٌ مُفْتَعلٌ (٦)، وبُهْتانٌ مختلق مصنوع، وقد بيّنَ جماعةٌ من العلماء بُطْلانَه، واغْتَرّ به بعضُ الفقهاء المُتَقَدِّمين فقالوا بوضع الجزية عنهم، وهذا ضعيف جدًا. وقد جمعتُ في ذلك جُزءًا مُفْردًا بَيَّنْتُ فيه بُطْلانه، وأنه موضوعٌ، اخْتَلَقُوه ووضعوه (٧) وَهُمْ أهلٌ لذلك، وبَيَّنْتُه وجَمَعْتُ مُتَفَرِّق (٨) كلامِ الأئِمَّة فيه. ولله الحمد والمنة.

стр. 2690

ومن الكُتَّاب (١) بَيْنَ يَديْه أميرُ المُؤْمنين عمر بن الخطاب، وستأتي ترجمته في موضعها. وقد أفردتُ له مجلدًا على حِدَةٍ، ومجلدًا ضخمًا في الأحاديث التي رواها عن رسول الله ﷺ ، والآثار والأحكام المرويّة عنه ﵁، وقد تقدَّمَ بيانُ كتابته في ترجمةِ عبدِ الله بن الأَرْقَمِ. ومنهم، ﵃، العَلاء بن الحَضْرمي (٢)، واسم الحَضْرَمي عَبَّادٌ، ويقال: عبد الله بن عَبّاد بن أكبر بن رَبيعة بن عُوَيْف (٣) بن مالك بن الخزرج بن أياد بن الصَّدَف (٤) بن زيد بن مقنع بن حَضْرَمَوْت بن قحطان، وقيل غير ذلك في نسبه، وهو من حلفاء بني أمية. وقد تقدم بيانُ كتابته في ترجمة أبان بن سعيد بن العاص. وكان له من الإخوة عشرةٌ غيره. فمنهم: عَمْرو بن الحَضْرَمي أول قَتيلٍ من المشركين، قتله المسلمون في سريَّة عبد الله بن جحش، وهي أولُ سريّة كما تقدم. ومنهم: عامِرُ بن الحَضْرَمي الذي أمَرَهُ أبو جهل، لعنه الله، فكشف عن عورته وناداه: واعَمْراه، حين اصطفَّ المسلمون والمشركون يوم بدر، فهاجتِ الحربُ، وقامت على ساقٍ، وكان ما كان مما قَدَّمْناه مبسوطًا في موضعه. ومنهم: شُرَيْح بن الحَضْرَمي، كان من خيار الصحابة. قال فيه رسول الله (٥): "ذاكَ رجلٌ لا يَتَوسَّدُ القُرآن" يعني لا ينامُ وَيْترُكُه، بل يقوم به آناء الليل والنهار. ولهم كلّهم أختٌ واحدةٌ، وهي: الصَّعْبَةُ بنتُ الحَضْرَمي أمُّ طلحةَ بن عُبَيْد الله. وقد بعث النبي ﷺ العَلاءَ بن الحَضْرَمي إلى المُنْذر بن ساوَى ملكِ البَحْرَيْن، ثم وَلّاهُ عَلَيْها أميرًا حين افْتَتَحَها. (وأقَرَّهُ عليها الصّدّيق، ثم عمر بن الخطاب، ولم يَزَلْ بها حتّى عَزَلَهُ عنها عمر بن الخطاب وَوَلَّاه) (٦) البصرة. فلما كان في أثناء الطريق تُوفِّي، وذلك في سنة إحدى وعشرين. وقد روى البَيْهقي

стр. 2691

وغيره (١) عنه كراماتٍ كثيرةً: منها أنّه سارَ بجيشه على وَجْهِ البَحْرِ ما يصلُ إلى رُكَبِ خُيولهم، وقيل: إنه ما بَلّ أسافل نعالِ خُيولهم. وأمرهم كلَّهم فجعلوا يقولون: يا حليم يا عظيم. وأنَّه كانَ في جيشه، فاحتاجوا إلى ماءٍ، فدعا الله فأمْطَرهم قدرَ كفايتهم، وأنّه لما دُفِنَ لم يُرَ له أثر بالكليَّة، وكان قد سألَ اللهَ ذلك، وسيأتي هذا في كتاب "دلائل النبوة" قريبًا إن شاء الله . وله (٢) عن رسول الله ﷺ ثلاثةُ أحاديث: الأول؛ قال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا سفيان بن عيينة، حدّثني عبد الرحمن بن حُمَيْد بن عبد الرحمن ابن عَوْف، عن السائب بن يزيد، عن العَلاء بن الحَضْرَمي: أنّ رسول الله قال: "يَمْكُثُ المُهاجِر بعدَ قضاءِ نُسُكِهِ ثَلاثًا" وقد أخرجه الجماعة (٤) من حديثه. والثاني قال أحمد (٥): حدَّثنا هُشَيْم، ثنا منصور، عن ابن سيرين، عن ابن العَلاء بن الحَضْرمي: أنّ أباهُ كَتَبَ إلى النبيّ ﷺ فَبَدَأ بنفسه، وكذا رواه أبو داود (٦)، عن أحمد بن حنبل. والحديث الثالث رواه أحمد (٧) وابن ماجه (٨) من طريق محمد بن زيد، عن حَيَّان الأعْرَج عنه: أنّه كتَبَ إلى رسول الله ﷺ من البحرين في الحائط -يعني البستان- يكون بين الإخوة فيُسْلِمُ أحدُهم؟ فأمره أن يأخذَ العُشْرَ ممَّن أسْلَم. والخَراجَ -يعني ممن لم يُسْلِم-. ومنهم العَلاءُ بن عُقْبَةَ (٩). قال الحافظ ابن عساكر: كان كاتبًا للنبي ﷺ ، ولم أجد أحدًا ذكره إلا فيما أخبرنا … ثم ذكر إسناده إلى عتيق بن يعقوب، حدّثني عبد الملك بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، عن أبيه، عن جده، عن عمرو بن حزم، إنّ هذه قَطائعُ أَقْطَعها رسولُ الله ﷺ هؤلاء القومَ فذكرها، وذكر فيها:

стр. 2692

بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أعطى النبيُّ محمدٌ عباسَ بن مِرْداسٍ السُّلَميّ، أعطاه مدفورًا (١) فمن حاقَّه (٢) فيها فلا حَقَّ له، وحقُّهُ حَقٌّ. وكتب العلاء بن عقبة وشهد. ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعْطَى محمدٌ رسولُ الله عَوْسَجَةَ بن حَرْمَلَة الجُهَني، من ذي المَرْوة (٣) وما بين بَلْكَثَة (٤) إلى الظَّبْيةِ (٥) إلى الجَعَلات إلى جبل القَبَليّة (٦) فمن حَاقَّه فلا حقَّ له، وحقُّه حَقٌ، وكتبه العلاء بن عقبة. وروى الواقدي (٧) بأسانيده أن رسول الله ﷺ أقطع لبني شَنْخٍ (٨) من جُهَيْنَة. وكتب كتابهم بذلك العلاء بن عقبة، وشهد. وقد ذكر ابن الأثير في "الغابة" (٩) هذا الرجل مختصرًا فقال: العَلاءُ بن عُقْبَة كتب للنبي ﷺ ، ذِكره في حديث عمرو بن حَزْمٍ، ذكره جعفر، أخرجه أبو موسى -يعني المديني- في كتابه. ومنهم، ﵃، محمد بن مَسْلَمَة (١٠) بن سَلَمة بن حَريش (١١) بن خالد بن عَدي بن مَجْدَعة بن حارِثَة بن الحارث بن الخزرج الأنْصاري الحارثيّ أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو سعيد المَدَنيّ حليف بني عبد الأشهل. أسلمَ على يَدَيْ مُصْعَب بن عُمَيْر، وقيل: سعد بن مُعاذ وأُسَيد بن حُضَير، وآخى رسولُ الله حينَ قَدِمَ المدينة بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح، وشهدَ بدرًا والمشاهدَ بعدها، واستَخْلَفَه رسول الله ﷺ على المدينة عامَ تَبوك. قال ابن عبد البر في "الاستيعاب" (١٢): كان شديدَ السُّمْرَة، طويلًا، أصلع، ذا جُثّةٍ، وكان من

стр. 2693

فُضلاء الصحابة، وكان ممن اعتزل الفِتْنةَ واتخذ سيفًا من خشبٍ. ومات بالمدينة سنةَ ثلاثٍ وأربعين على المشهور عندَ الجمهور، وصلَّى عليه مروانُ بن الحَكَم. وقد روى حديثًا كثيرًا عن النبي ﷺ . وذكر محمد بن سعد عن علي بن محمد المدائنيّ بأسانيده، أنّ محمد بن مسلمة هو الذي كَتَبَ لوفدِ مَهْرَةَ (١) كتابًا عن أمر رسول الله ﷺ . ومنهم، ﵃، معاوية بن أبي سُفيان صَخْرِ بن حَرْبِ بن أُمية الأُمَويّ، وستأتي ترجمته في أيام إمارته إن شاء الله. وقد ذكره مسلم بن الحجاج (٢) في كُتّابه ﵊. وقد روى مسلم في "صحيحه" (٣) من حديث عكرمة بن عمار، عن أبي زُمَيْل سِماك بن الوليد، عن ابن عباس، أنّ أبا سفيان قال: يا رسول الله ثلاثٌ أَعْطنيهنَّ؟ قال: "نعم" قال: تُؤَمِّرني حتى أقاتلَ الكُفّارَ كما كنتُ أقاتِلُ المسلمين. قال: "نعم"؟ قال: ومعاوية تجعلُه كاتبًا بين يديك. قال: "نعم؟ " … الحديث. وقد أفردتُ لهذا الحديث جُزْءًا على حِدَة بسبب ما وقعَ فيه من ذِكرِ طَلَبِهِ تَزْويج أمّ حَبيبة من رسول الله ﷺ ، ولكن فيه من المَحْفوظ تَأْميرُ أبي سفيان وتوليتُه معاوية منصبَ الكِتابة بَيْن يديه صلوات الله وسلامه عليه، وهذا قَدْرٌ مُتَّفقٌ عليه بين الناس قاطبةً. فأما الحديثُ الذي قال (٤) الحافظ ابن عساكر في "تاريخه" (٥) في ترجمة معاوية هاهنا: أخبرنا أبو غالب بن البناء، أخبرنا أبو محمد الجوهري، أخبرنا أبو علي محمد بن أحمد بن يحيى بن عبد الله العَطَشي، ثنا أحمد بن محمد البوراني، ثنا السريّ بن عاصم، ثنا الحسن بن زياد، عن القاسم بن بَهرام، عن أبي الزبير، عن جابر: أنَّ رسولَ الله ﷺ استشارَ جبريلَ في اسْتِكتابِ مُعاوية، فقال: اسْتَكْتِبْهُ فإنّه أمينٌ. فإنّه حديثٌ غريبٌ بل مُنْكَرٌ. والسريُّ بن عاصم هذا هو أبو عاصم الهَمَذاني، وكان يُؤَدّبُ المُعْتَزَّ بالله، كَذَّبَهُ في الحَديث ابنُ خِراشٍ. وقال ابن حِبّان (٦) وابنُ عَديّ (٧) كانَ يَسْرقُ الحديثَ. زاد ابن حِبّان: ويَرْفَعُ المَوْقوفات لا يَحِلُّ الاحتجاجُ به. وقال الدّارَقُطني (٨): كانَ ضعيفَ الحديث. وشيخُه الحسنُ بن زياد -إن كان اللؤلؤيَّ- فقد تركه غيرُ واحدٍ من الأئِمَّة، وصرَّح كثيرٌ منهم بكَذِبه، وإن كانَ غَيْرَه فهو مجهولُ العَيْن والحال.

стр. 2694

وأما القاسم بن بَهْرام فاثنان: أحدهما يقال له: القاسمُ بن بَهْرام الأَسَدي الواسطي الأعرج، أصلُه من أصْبهان، روى له النسائي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. حديثَ الفتون (١) بطوله، وقد وَثَّقه ابنُ مَعين وأبو حاتم وأبو داود وابن حِبّان. والثاني: القاسم بن بَهْرام أبو هَمْدان (٢) قاضي هِيت. قال ابن معين: كان كَذّابًا. وبالجملة فهذا الحديثُ من هذا الوجه ليس بثابتٍ ولا يُغْتَرّ به، والعجبُ من الحافظِ ابنِ عساكر مع جلالَةِ قَدْرِه واطّلاعه على صناعة الحديث أكثر من غيره من أبناء عصره -بل ومنْ تقدمه بدهر- كيف يورد في "تاريخه" هذا أحاديث كثيرة من هذا النمط، ثم لا يُبَيّن حالَها، ولا يُشيرُ إلى شيءٍ من ذلك إشارةً لا ظاهرةً ولا خفيّةً، ومثلُ هذا الصنيع فيه نَظَرٌ. والله أعلم. ومنهم، ﵃، المُغيرة بن شُعْبة الثقفي، وقد تقَدَّمت (٣) تَرْجَمتُه فيمن كان يَخْدُمُه ﵊ من (٤) أصحابه من غير مواليه، وأنه كان سَيّافًا على رأس رسول الله ﷺ . وقد روى ابن عساكر (٥) بسنده عن عَتيق بن يَعقوب بإسناده المتقدم غيرَ مَرّةٍ أن المغيرة بن شُعْبة هو الذي كتب إقطاع حُصَيْن بن نَضْلَة الأسدي الذي أقْطَعَهُ إياه رسول الله ﷺ بأمره. فهؤلاء كُتّابُه الذين كانوا يكتبُون بين يَدَيْه صَلوات الله وسلامه عليه. فصل وقد ذَكَرَ ابنُ عَساكرٍ (٦) من أمنائه أبا عُبَيْدة عامرَ بن عبد الله بن الجَرّاح القُرَشي الفِهْري أحدَ العَشَرَةِ ﵁، وعبدَ الرَّحْمن بن عوف الزهري. قلت (٧): أما أبو عُبَيْدة فقد روى البخاري (٨) من حديث أبي قِلابة، عن أنس: أنّ رسولَ الله ﷺ قال:

стр. 2695

"لِكُلِّ أمةٍ أمينٌ وأمينُ هذه الأمَّة أبو عبيدة بن الجراح" وفي لفظ أن رسول الله قال لوفد (١) نجران: "لأبْعَثَنّ معكم أمينًا حَقَّ أمين" فبعث معهم أبا عبيدة. قال (٢): ومنهم مُعَيْقيب بن أبي فاطمة الدَّوْسي مولى بني عبد شمس، كان على خاتَمِه، ويقال: كان خازِنَه (٣)، وقال غيره: أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحبشة في الثانية (٤)، ثم إلى المدينة، وشهد بدرًا وما بعدها، وكان على الخاتم، واستعمله الشيخان على بيت المال، قالوا: وكان قد أصابه الجُذام، فأمر عمر بن الخطاب فدُوويَ بالحَنْظَلِ فتوقَّفَ المَرَضُ. وكانت وفاتُه في خلافة عثمان، وقيل: سنة أربعين، فالله أعلم. قال الإمام أحمد (٥): ثنا يحيى بن أبي بُكَيْر (٦)، ثنا شيبان، عن يحيى بن أبي كثير (٧)، عن أبي سَلَمة، حدّثني مُعَيْقيب، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال في الرجل يُسوّي الترابَ حَيْثُ يَسْجُدُ قال: "إن كنتَ لابدَّ فاعلًا فواحدةً". وأخرجاه في "الصحيحين" (٨) من حديث شيبان النحوي، زاد مسلم: وهشام الدستوائي، زاد (٩) الترمذي (١٠) والنسائي (١١) وابن ماجه (١٢): والأوزاعي، ثلاثَتُهم عن يَحْيَى بن أبي كَثير به، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الإمام أحمد (١٣): ثنا خَلَف بن الوليد، ثنا أيوب بن عُتْبة (١٤)، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمة عن مُعَيْقيب، قال: قال رسول الله ﷺ : "وَيْلٌ للأعْقابِ منَ النّار". تفَرَّدَ به الإمامُ أحمد.

стр. 2696

وقد روى أبو داود (١) والنسائي (٢) من حديث أبي عَتَّاب سَهْل بن حَمّاد الدّلّال، عن أبي مَكينٍ نوحِ بن ربيعة، عن إياس بن الحارث بن المُعَيقيب، عن جَدّه -وكان على خاتم النبي ﷺ - قال: كان خاتم النبي ﷺ من حَديدٍ، مَلويٌّ، عليه فضةٌ، قال: فرُبَّما كانَ في يدي. قلت: أمّا خاتم النبي ﷺ فالصَّحيحُ أنَّه كان من فِضَّةٍ، فصُّه منه، كما سيأتي في "الصحيحين" وكان قد اتَّخَذَ قبلَه خاتمَ ذهَبٍ، فلبسه حينًا، ثم رمى به، وقال: "والله لا ألْبَسُه". ثم اتّخذ هذا الخاتَمَ من فضةٍ، فَصُّهُ منه، ونَقْشُهُ محمدٌ رسولُ الله، "محمد" سطر، و"رسول" سطر، و"الله" سطر، فكان في يده ﵊، ثم كانَ في يَدِ أبي بكر من بعده، ثم في يَدِ عُمَر، ثم كان في يد عثمان، فلبث في يده ستَّ سنين، ثم سَقَطَ منه في بئر أريسٍ، فاجْتَهَدَ في تَحْصيله فلم يَقْدِرْ عليه. وقد صَنَّف أبو داود رحمة الله عليه كتابًا مستقلًا في "سننه" (٣) في الخاتم وحده، وسنُورد منه إن شاء اللهُ قريبًا ما نَحتاجُ إليه. وبالله المستعان. وأما لُبْسُ مُعَيْقيب لهذا الخاتم فيدلُّ على ضَعْفٍ ما نُقِلَ أنه أصابه الجُذام، كما ذكره ابن عبد البر (٤) وغيره (٥)، لكنَّه مشهور، فلعلّه أصابه ذلك بعدَ النبيّ ﷺ ، أو كان به وكان مما لا يُعْدَى منه، أو كان ذلك من خَصائِص النبيّ ﷺ لقوة توكُّله، كما قال لذلك المجذوم -ووضع يدَه في القَصْعَة- "كُلْ ثِقَةً بالله، وَتَوكُّلا عليه" رواه أبو داود (٦). وقد ثبت في "صحيح مسلم" (٧) أنَّ رسول الله ﷺ قال: "فِرَّ من المجذوم فرارَكَ من الأسَد" والله أعلم. وأما أُمراؤُه ﵊ فقد ذكرناهم عند بعث السرايا منصوصًا على أسمائهم، ولله الحمد والمنة. وأما جملةُ الصحابة فقد اختلف الناسُ في عِدَّتهم، فنُقِلَ عن أبي زُرْعة أنه قال: يبلغون مئةَ ألفٍ

стр. 2697

وعشرين ألفًا (١)، وعن الشافعي ﵀ أنه قال: توفي رسول الله ﷺ والمسلمون ممن سمع منه ورآه زهاء ستّين ألفًا (٢)، وقال الحاكم أبو عبد الله: يُرْوى الحديثُ عن قريب من خمسة آلاف صحابي. قلت: والذي رَوَى عَنْهُمُ الإمامُ أحمدُ، مع كَثْرَة روايته واطّلاعِه واتّساعِ رحلتِه وإمامته من (٣) الصحابة تسعمئة وسبعة وثمانون نفسًا. ووقع (٤) في الكتب الستة من الزيادات على ذلك قريب من ثلاثمئة صحابي أيضًا، وقد اعتنى جماعة من الحُفّاظ ﵏، بضَبْطِ أسمائهم، وذِكر أيامهم ووفياتهم، من أجلِّهم الشيخُ أبو عمر بن عبد البر النَّمَري في كتابه "الاستيعاب"، وأبو عبد الله محمد بن إسحاق بن مَنْدَه، وأبو موسى المَديني، ثم نظمَ جميعَ ذلك الحافظ عزّ الدين أبو الحسن عليّ بن محمد بن عبد الكريم الجَزَري المعروف بابن الأثير (٥)، صَنّفَ كتابه "الغابة" في ذلك فأجاد وأفاد، وجَمَع وحَصَّل، ونال ما رام وأمَّل، فرحمه الله وأثابه، وجمعه والصحابة آمين، يا رب العالمين. باب (ما يذكر من) (٦) آثار النبي ﷺ التي كان يَخْتصُّ بها في حياته، من ثيابٍ وسلاحٍ ومَراكبَ (وغير ذلك) (٦) (مما جرى في مجراه، وينتظم في معناه) (٦) ذكر الخاتم الذي كان يلبسه ﵊ (ومن أي شيء كان من الأجسام) (٦) وقد أفْرَدَ له أبو داود في كتابه "السنن" كتابًا على حِدَةٍ، ولنذكر عيون ما ذَكَرَهُ في ذلك مع ما نُضيفُه إليه، والمُعَوَّل في أصل ما نَذْكُره عليه. قال أبو داود (٧): ثنا عبد الرحيم بن مُطَرِّف الرُّؤاسي، ثنا عيسى، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: أراد رسول الله ﷺ أن يَكْتُبَ إلى بعض الأعاجم، فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابًا إلا بخاتَم. فاتخذ خاتمًا من فضةٍ، ونَقَش فيه: محمد رسول الله، وهكذا رواه البخاري (٨)، عن عبد الأعلى بن حماد عن يزيد بن زُرَيْع، عن سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة به.

стр. 2698

ثم قال أبو داود (١): ثنا وَهْبُ بن بَقيّة، عن خالد، عن سعيد، عن قَتادة، عن أنس، بمعنى حديث عيسى بن يونس، زاد: فكان في يده حتى قُبض، وفي يد أبي بكر حتى قُبضَ، وفي يد عمر حتى قبض، وفي يد عثمان، فبينما هو عندَ بئرٍ إذ سقَط في البئر، فأمر بها فنُزحَتْ، فلم يقدر عليه. تفرَّد به أبو داود من هذا الوجه. ثم قال أبو داود (٢) ﵀: ثنا قُتيبةُ بن سَعيدٍ وأحمد بن صالح، قالا: أنا ابن وهب، أخبرني يُونُس، عن ابن شهاب، قال: حدّثني أنس، قال: كان خاتَمُ النبيّ ﷺ من وَرِقٍ، فصُّهُ حَبَشيٌّ. وقد روى هذا الحديث البخاري (٣) من حديث الليث، ومسلم (٤) من حديث ابن وهب، وطلحة بن يحيى الأنصاري، وسليمان بن بلال، زاد النّسائي (٥) وابن ماجه (٦): وعثمان عن عمر، خمستُهم عن يونس بن يزيد الأيْلي به. وقال الترمذي (٧): حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من هذا الوجه. ثم قال أبو داود (٨): حدَّثنا أحمد بن يونس، ثنا زهير، ثنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: كان خاتَمُ النبيّ ﷺ من فضةٍ كلّه، فصُّه منه، وقد رواه الترمذي (٩) والنسائي (١٠) من حديث زهير بن معاوية الجُعْفي أبي خَيْثمة الكوفي به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وقال البخاري (١١): ثنا أبو مَعْمَر، ثنا عبد الوارث، ثنا عبد العزيز بن صُهَيْب. عن أنس بن مالك، قال: اصْطَنَع رسولُ الله ﷺ خاتَمًا، فقال: إنا اتَّخَذْنا خاتمًا، ونَقَشنا فيه نَقْشًا فلا يَنْقُشْ عليه أحدٌ، قال: فإنّي أرى بَريقَه في خنصره. ثم قال أبو داود (١٢): حدَّثنا نُصَيْر بن الفَرَج، ثنا أبو أسامة، عن عُبَيْد الله، عن نافع، عن ابن عمر: اتّخَذَ رسولُ الله ﷺ خاتمًا من ذَهَبٍ، وجعلَ فصَّه مما يلي بطنَ كفّه، ونَقَشَ فيه: محمدٌ

стр. 2699

رسولُ الله. فاتَّخَذ الناسُ خَواتمَ الذَّهَبِ، فلما رآهم قد اتخذوها رَمَى به، وقال: لا ألْبَسُه أبدًا، ثم اتخَذَ خاتمًا من فِضَّة نقَش فيه: مُحمدٌ رسولُ الله، ثم لبس الخَاتَمَ بعدَه أبو بكر، ثم لبسه بعدَ أبي بكرٍ عمرُ، ثم لبسهُ بعدَه عثمانُ، حتى وقع في بئر أَريس. وقد رواه البخاريُّ (١) عن يوسف بن موسى، عن أبي أسامة حماد بن أسامة به. ثم قال أبو داود (٢): حدَّثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا سفيان بن عُيَيْنة، عن أيوب بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر، في هذا الخبر عن النبيِّ ﷺ فنقشَ فيه: محمدٌ رسول الله، وقال: لا يَنْقُشْ أحدٌ على خاتمي هذا، وساق الحديث، وقد رواه مسلم (٣) وأهل السنن الأربعة (٤) من حديث سفيان بن عُيينة به نحوه. ثم قال أبو داود (٥): حدَّثنا محمد بن يحيى بن فارس، ثنا أبو عاصم، عن المغيرة بن زياد، عن نافع، عن ابن عمر في هذا الخبر، عن النبي ﷺ قال: فالتمسوه فلم يجدوه، فاتَّخذ عثمانُ خاتَمَا ونَقَش فيه: محمد رسول الله، قال: فكان يختم به أو يَتَختَّم به. ورواه النسائي (٦)، عن محمد بن مَعْمَر، عن أبي عاصم الضحاك بن مَخْلَد النَّبيل به. ثم قال أبو داود (٧): باب في ترك الخاتم حدَّثنا محمد بن سليمان لُوَيْنٌ، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك أنه رأى في يد النبي ﷺ خاتمًا من وَرِقٍ يومًا واحدًا، فصنع الناسُ فلبسوا، وطرح النبيُّ ﷺ فطرح الناسُ، ثم قال: رواه عن الزهري زياد بن سعد وشُعَيْب وابن مسافرٍ، كلهم قال: من وَرِقٍ. قلت: وقد رواه البخاري (٨): ثنا يحيى بن بُكَيْر، ثنا الليثُ، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدّثني أنس بن مالك. أنّه رأى في يد النبي ﷺ خاتمًا من وَرِقٍ يومًا واحدًا، ثم إن الناس اصطنعوا

стр. 2700

الخَواتيم من وَرِقٍ ولبسوها، فطرح رسول الله ﷺ خاتَمه، فطرح الناسُ خواتيمهم، ثم علقه البخاري، عن إبراهيم بن سعد الزهري المدني، وشُعَيْب بن أبي حَمْزة، وزياد بن سعد الخراساني، وأخرجه مسلم (١) من حديثه، وانفرد أبو داود بعبد الرحمن بن خالد بن مُسافر، كلُّهم عن الزهري، كما قال أبو داود: خاتمًا من وَرِق. والصحيح أنَّ الذي لبسه يومًا واحدًا ثم رمى به، إنما هو خاتم الذهب، لا خاتم الورِق، لما ثبت في "الصحيحين" (٢) عن مالك عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ يلبس خاتمًا من ذهب، فنبذه وقال: لا ألْبَسُهُ أبدًا، فَنَبَذَ الناسُ خَواتيمَهُم. وقد كان خاتمُ الفضَّة يلبَسُهُ كَثيرًا، ولم يَزَلْ في يده حتى تُوُفِّي صلوات والله وسلامه عليه، وكان فصُّه منه، يعني: ليسَ فيه فصٌّ يَنْفَصِل عنه، ومَنْ رَوَى أنّه كانَ فيه صورةُ شخصٍ فقد أبْعَدَ وأخْطَأَ، بل كان فِضَّةً كلُّه، وفصُّه منه، ونَقْشُه محمد رسول الله، ثلاثة أسطر: "محمد" سطر، "رسول" سطر، "الله" سطر. وكأنه، والله أعلم، كان منقوشًا، وكتابتُه مقلوبةٌ ليُطْبَعَ على الاستقامة. كما جرت العادة بهذا، وقد قيل: إنّ كتابتَه كانت مُسْتقيمةً، وتُطْبَعُ كذلك، وفي صحة هذا نظرٌ، ولستُ أعرفُ لذلك إسنادًا لا صحيحًا ولا ضعيفًا. وهذه الأحاديثُ التي أوْرَدْناها أنَّه ﵊، كان له خاتمٌ من فِضَّةٍ، تَرُدُّ الأحاديثَ التي قَدَّمناها في سُنَنَيْ أبي داود (٣) والنسائي (٤) من طريق أبي عَتّاب سَهْل بن حمادٍ الدَّلّال، عن أبي مَكينٍ نوحِ بن رَبيعةَ، عن إياسِ بنِ الحارثِ بن مُعَيْقيب بن أبي فاطمة، عن جدِّه، قال: كان خاتَمُ النبيِّ ﷺ من حَديدٍ، مَلْويٌّ عليه فِضَّةٌ، ومما يزيدُه ضَعفًا الحديثُ الذي رواه أحمد (٥) وأبو داود (٦) والتّرْمذي (٧) والنّسائي (٨) من حديث أبي طَيْبَةَ عبدِ الله بن مسلم السُّلَمي المَرْوزي، عن عبد الله بن بُرَيْدَة، عن أبيه، أنَّ رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ وعليه خاتَمٌ من شَبَهٍ (٩)، فقال: ما لي أجدُ منك ريحَ الأصْنامِ؟ فَطَرَحَهُ، ثم جاء وعليه خاتمٌ من حَديدٍ، فقال: ما لي أرَى عَلَيْك حِلْيَةَ أهلِ النّار؟ فَطَرَحَه، ثم قال: يا رسولَ اللهِ،
следующие страницы →