← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

قال: وحدّثنا علي بن الجَعْد، حدَّثنا ابن أبي ذئب، عن عجلان، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، أنَّه قال: "إني لأنظرُ إلى ما ورائي كما أنظر إلى ما بين يدي، فأقيموا صفوفكم، وأحسنوا ركوعكم وسجودكم". وحدَّثنا سعيد بن سليمان، حدَّثنا أبو أسامة، حدَّثنا الوليد بن كثير، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فذكر حديثًا، فيه أن رسول الله ﷺ قال: "إني والله لأبصر من ورائي؛ كما أبصر من بين يدي". ورواه من طريق محمد بن إسحاق، عن سعيد، عن أبي هريرة، بمثله. وهو في الصحيحين من طريق مالك، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "هل ترون قبلتي هاهنا، فوالله ما يخفى عليَّ خشوعكم ولا ركوعكم ولا سجودكم، إني أراكم من وراء ظهري" (١). ثم روى الحميدي، عن سفيان، عن داود بن سابور، وحميد الأعرج، وابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] قال: كان رسول الله ﷺ يرى مَن خلفه كما يرى من بين يديه. ثم روى عن عمرو بن عثمان الحمصي وغيره، عن بقيّة، حدّثني حبيب بن أبي موسى -وهو ابن صالح- قال: كان لرسول الله ﷺ عينان في قفاه يُبصرُ بهما مَن وراءَه. وهذا غريب جدًا. وقال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا محمد (٣) بن جعفر، حدَّثنا عوفُ بن أبي جَميلة، عن يزيد الفارسيّ، قال: رأيتُ رسولَ الله في النوم في زمن ابن عباس، قال: وكان يزيدُ يكتب المصاحفَ، قال: فقلتُ لابن عباس: إني رأيتُ رسولَ الله في النوم، قال ابنُ عباس: فإن رسولَ الله ﷺ كان يقول: "إن الشيطان لا يستطيع أن يتشبَّه بي، فمن رآني في النوم (٤) فقد رآني" فهل تستطيعُ أن تنعتَ لنا هذا الرجلَ الذي رأيتَ؟ قال: قلت: نعم، رأيتُ رجلًا بين الرجلين، جسمُه ولحمُه، أسمرُ إلى البياض، حَسنُ المَضْحَك، أكحلُ العينين، جميلُ دوائر (٥) الوجه، قد ملأت لحيتُه من هذه إلى هذه، حتى كادت تملأُ نحرَه. قال عوف: لا أدري ما كان مع هذا من النعت. قال: فقال ابنُ عباس: لو رأيتَه في اليقظة ما استطعتَ أن تنعتَه فوق هذا (٦).

стр. 2732

وقال أبو زُرْعة الرازي (١) في كتاب "دلائل النبوة" بابُ من ذكر أن النبي ﷺ كان إذا تكلم رُئي النور من ثنيته: حدَّثنا إبراهيم بن المنذر بن عبد الله الحِزامي، حدَّثنا عبد العزيز بن أبي ثابت، عن إسماعيل بن إبراهيم بن أخي موسى بن عقبة، عن موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا تكلّم رئي النور من ثنيته. إسناد جيد (٢). وقال محمد بن يحيى الذهلي: حدَّثنا عبد الرزاق (٣)، حدَّثنا معمر، عن الزهري قال: سُئِلَ أبو هريرة عن صفة رسول الله، فقال: أحسن الصفة وأجملها، كان ربعةً إلى الطول ما هو، بعيدَ ما بين المنكبين، أَسيَلَ الخدين، شديدَ سواد الشعر، أكحلَ العين، أهدبَ الأشفار، إذا وطئ بقدمه وطئ بكلها، ليس لها أخمص، إذا وضع رداءَه على منكبيه فكأنه سبيكةُ فضة، وإذا ضحك كاد يتلألأُ في الجدر، لم أر قبلَه ولا بعدَه مثله. وقد رواه محمد بن يحيى من وجه آخر متصل، فقال: حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم -يعني الزُّبيدي- حدَّثني عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن سالم، عن الزُّبيدي، عن الزهري، عن سعيد بن المسِّيب، عن أبي هريرة، فذكر نحو ما تقدم (٤). ورواه الذهلي، عن إسحاق بن راهويه، عن النضر بن شُميل، عن صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: كان رسولُ الله كأنما صِيغ من فضة، رَجِلَ الشعر، مُفاضَ البطن، عظيمَ مَشاش المنكبين، يطأُ بقدمه جميعًا، إذا أقبلَ أقبلَ جميعًا، وإذا أدبرَ أدبرَ جميعا (٥). ورواه الواقدي: حدَّثني عبد الملك، عن سعيد بن عبيد بن السَّبَّاق، عن أبي هريرة، قال: كان رسولُ الله شثْنَ القدمين والكفين، ضخمَ الساقين، عظيمَ الساعدين، ضخمَ العضدين والمنكبين، بعيدَ ما بينهما، رحبَ الصدر، رَجِلَ الرأس، أهدبَ العينين، حسنَ الفم، حسنَ اللِّحية، تامَّ الأذنين، ربعةً

стр. 2733

من القوم، لا طويلٌ ولا قصير، أحسنَ الناس لونًا، يُقبل معًا ويُدبر معًا، لم أرَ مثلَه ولم أسمع بمثله (١). وقال الحافظ أبو بكر البيهقيّ: أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، حَدَّثَنَا أبو الحسن المحمودي المروزي، حَدَّثَنَا أبو عبد الله محمد بن علي الحافظ، حَدَّثَنَا محمد بن المثنى، حَدَّثَنَا عثمان بن عمر، حَدَّثَنَا حرب بن سُريج، صاحب الحلواني، حدَّثني رجل من بلعدويه، حدَّثني جدّي، قال: انطلقت إلى المدينة أذكر الحديث في رؤية رسول الله، قال: فإذا رجل حسن الجسم، عظيم الجمة، دقيق الأنف، دقيق الحاجبين، وإذا من لدن نحره إلى سرته كالخيط الممدود شعره، ورأيتُه بينَ طِمرين، فدنا مني وقال: السلام عليك (٢). ذكر شَعْره ﵊ قد ثبت في الصحيحين (٣) من حديث الزُّهري، عن عُبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: كان رسولُ الله يُحبُّ موافقةَ أهل الكتاب فيما لم يُؤمر فيه بشيء، وكان أهلُ الكتاب يَسْدِلون أشعارَهم، وكان المشركون يَفرِقون رؤوسهم، فسدلَ رسولُ الله ﷺ ، ثم فرَقَ بعد. وقال الإمام أحمد (٤): حَدَّثَنَا حمَّاد بن خالد، حَدَّثَنَا مالك، حَدَّثَنَا زيادُ بن سعد، عن الزهري، عن أنس؛ أن رسول الله ﷺ سدلَ ناصيتَه ما شاء أن يَسْدِلَ، ثم فرَقَ بعد. تفرد به من هذا الوجه. وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروةَ، عن عائشة، قالت: أنا فرقتُ لرسول الله رأسَه، صدعتُ فَرْقه عن يافوخه، وأرسلتُ ناصيتَه بين عينيه. قال ابن إسحاق: وقد قال محمد بن جعفر بن الزبير، وكان فقيهًا مسلمًا: ما هي إِلَّا سيماءُ من سيماءَ الأنبياءَ تمسكت بها النصارى من الناس. وثبت في الصحيحين، عن البراء، أن رسول الله كان يضربُ شعرُه إلى منكبيه (٥). وجاء في الصحيح عنه (٦) وعن غيره: إلى أنصاف أذنيه.

стр. 2734

ولا منافاة بين الحالين، فإن الشعرَ تارة يطول، وتارة يقصر منه، فكلٌّ حكى بحسب ما رأى. وقال أبو داود: حَدَّثَنَا ابن نُفَيْل، حَدَّثَنَا ابن أبي الزِّناد، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان شعرُ رسولِ الله ﷺ فوقَ الوَفرَة ودون الجُمّة (١). وقد ثبت أنه ﵊ حلقَ جميعَ رأسِه في حَجّة الودَاع، وقد مات بعد ذلك بأحد وثمانين يومًا، صلواتُ الله وسلامُه عليه دائمًا إلى يوم الدين. وقال يعقوب بن سفيان: حَدَّثَنَا عبد الله بن مسلم، ويحيى بن عبد الحميد، قالا: حَدَّثَنَا سفيان، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، قال: قالت أُم هانئ: قدمَ النبيُّ ﷺ مكة قدمةً وله أربع غدائر (٢) -تعني ضفائر-. ورواه الترمذي من حديث سفيان بن عيينة. وثبت في الصحيحين من حديث ربيعة، عن أنس، قال بعد ذكره شعر رسول الله ﷺ : إنه ليس بالسَّبْط ولا بالقَطط، قال: وتوفاه الله وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرةً بيضاء (٣). وفي صحيح البخاريّ (٤) من حديث أيوب، عن ابن سيرين أنه قال: قلت لأنس: أخضبَ رسولُ الله؟ قال: إنه لم يرَ من الشيب إِلَّا قليلًا. وكذا روى هو ومسلم، من طريق حمّاد بن زيد، عن ثابت، عن أنس (٥). وقال حمَّادُ بن سلمة، عن ثابت، قيل لأنس: هل كان شابَ رسولُ الله؟ فقال: ما شانَه الله بالشّيبِ، ما كانَ في رأسِه إِلَّا سبعَ عشرةَ أو ثمانيَ عشرةَ شعرة (٦). وعند مسلم من طريق المثنى بن سعيد، عن قتادة، عن أنس؛ أن رسولَ الله لم يختضب، إنما كان

стр. 2735

شمِطَ عند العَنفقة يسيرًا، وفي الصُّدغين يسيرًا، وفي الرأس يسيرًا (١). وقال البخاري: حَدَّثَنَا أبو نُعيم، حَدَّثَنَا همَّام، عن قتادة، قال: سألتُ أنسًا، هل خضبَ رسولُ الله ﷺ ؟ قال: لا، إنما كان شيءٌ في صُدغيه (٢). وروى البخاري عن عصام بن خالد، عن حَريز بن عثمان، قال: قلتُ لعبد الله بن بُسْرٍ السُّلميّ: رأيتَ رسولَ الله، أكان شيخًا؟ قال: كان في عَنْفَقتِه شعراتٌ بيض (٣). وتقدَّم عن جابر بن سَمُرة مثله (٤). وفي الصحيحين من حديث أبي إسحاق، عن أبي جُحيفة، قال: رأيتُ رسولَ الله هذه منه بيضاء، يعني عَنفَقته (٥). وقال يعقوبُ بن سفيان: حَدَّثَنَا عبد الله بن عثمان، عن أبي حمزة السُّكري، عن عثمان بن عبد الله بن مَوهَب القُرَشي، قال: دخلنا على أُمّ سلَمة، فأخرجت إلينا من شعر رسول الله، فإذا هو أحمرُ مصبوغٌ بالحِناء والكَتم (٦). رواه البخاري عن إسماعيل بن موسى، عن سَلَّام بن أبي مُطيع، عن عثمان بن عبد الله بن مَوهب، عن أُمّ سلمة (٧). وقال البيهقيّ: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حَدَّثَنَا أبو العباس محمد بن يعقوب، حَدَّثَنَا محمد بن إسحاق الصَّغاني، حَدَّثَنَا يحيى بن أبي بُكير، حَدَّثَنَا إسرائيل، عن عثمان بن عبد الله بن مَوهب، قال: كان عند أم سلمة جُلجُلٌ (٨) من فضّة ضخم، فيه من شعر رسول الله، فكان إذا أصاب إنسانًا الحُمَّى بعث إليها فحَضْحَضَتْه (٩) فيه، ثم ينضحه (١٠) الرجل على وجهه. قال: فبعثني أهلي إليها

стр. 2736

فأخرجتهُ، فإذا هو هكذا -وأشار إسرائيلُ بثلاث أصابع- وكان فيه خمس شعرات حمر (١). ورواه البخاريّ (٢) عن مالك بن إسماعيل، عن إسرائيل. وقال يعقوب بن سفيان: حَدَّثَنَا أبو نُعيم، حَدَّثَنَا عُبيد الله بن إياد، حدَّثني إياد (٣)، عن أبي رِمثة، قال: انطلقتُ مع أبي نحوَ رسول الله ﷺ ، فلما رأيتُه، قال: هل تدري من هذا؟ قلت: لا. قال: إنَّ هذا رسولُ الله، فاقشعررتُ حين قال ذلك، وكنتُ أظنُّ أن رسولَ الله ﷺ شيءٌ لا يُشبه الناسَ، فإذا هو بشر ذو وَفرَةٍ بها رَدع (٤) من حِنَّاء، وعليه بُردانِ أخضران (٥). ورواه أبو داود والترمذي والنسائي (٦) من حديث عُبيد الله بن إياد بن لقيط، عن أبيه، عن أبي رِمْثَة، واسمه حبيب بن حيّان، ويقال رفاعة بن يثربي. وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إِلَّا من حديث إياد، كذا قال. وقد رواه النسائي أيضًا من حديث سفيان الثوري (٧) وعبد الملك بن عمير (٨)، كلاهما عن إياد بن لَقيط به، ببعضه. ورواه يعقوب بن سفيان أيضًا عن محمد بن عبد الله المُخَرِّمي، عن أبي سفيان الحِميَري، عن الضَّحَّاك بن حُمْرة، عن غَيلان بن جامع، عن إياد بن لَقيط، عن أبي رِمثَة، قال: كان رسول الله ﷺ يخضب بالحناء والكتم، وكان شعره يبلغ كتفيه أو مَنكبيه (٩). وقال أبو داود (١٠): حَدَّثَنَا عبد الرحيم بن مطرف بن سفيان، حَدَّثَنَا عمرو بن محمد، أخبرنا ابن أبي رَوَّاد، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ كان يلبس النعال السبتية، ويصفر لحيته بالورس والزعفران، وكان ابن عمر يفعل ذلك.

стр. 2737

ورواه النسائي (١)، عن عبدة بن عبد الرحيم المروزي، عن عمرو بن محمد العَنْقَزي (٢) به. وقال الحافظ أبو بكر البيهقيّ (٣): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: حَدَّثَنَا أبو الفضل محمد بن إبراهيم، حَدَّثَنَا الحسن بن محمد بن زياد، حَدَّثَنَا إسحاق بن إبراهيم، حَدَّثَنَا يحيى بن آدم، (ح) وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل، أخبرنا عبد الله بن جعفر، أخبرنا يعقوبُ بن سفيان، حدَّثني أبو جعفر محمد بن عمر بن الوليد الكندي الكوفي، حَدَّثَنَا يحيى بن آدم، حَدَّثَنَا شريك، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان شيبُ رسول الله ﷺ نحوًا من عشرين شعرة. وفي رواية إسحاق: رأيتُ شيبَ رسول الله نحوًا من عشرين شعرة بيضاء في مُقَدَّمِه (٤). قال البيهقيّ (٥): وحدَّثنا أبو عبد الله الحافظ، حَدَّثَنَا أحمد بن سليمان الفقيه، حَدَّثَنَا هلال بن العلاء الرَّقي، حَدَّثَنَا حسين بن عباس الرَّقي، حَدَّثَنَا جعفر بن بُرقان، حَدَّثَنَا عبد الله بن محمد بن عقيل، قال: قدم أنس بن مالك المدينة وعمرُ بن عبد العزيز والٍ عليها، فبعث إليه عمر وقال للرسول: سله هل خضبَ رسولُ الله ﷺ ، فإني رأيت شعرًا من شعره قد لُوَّن؟ فقال أنس: إن رسولَ الله ﷺ كان قد مُتِّع بالسواد، ولو عددتُ ما أقبلَ عليَّ من شيبه في رأسه ولحيته ما كنتُ أزيد على إحدى عشرة شيبة، وإنما هذا الذي لُوِّن من الطيب الذي كان يُطَيَّبُ به شعر رسول الله ﷺ هو الذي غيَّرَ لونه (٦). قلتُ: ونفي أنس للخضاب مُعَارض بما تقدم عن غيره من إثباته، والقاعدة المقررة أن الإثبات مُقدَّم على النفي؛ لأن المثبت معه زيادة علم ليست عند النافي. وهكذا إثبات غيره لزيادة ما ذُكر من السبب مُقدَّم؛ لاسيما عن ابن عمر الذي المظنون أنه تلقى ذلك عن أخته أم المؤمنين حفصة، فإن اطلاعها أتم من اطلاع أنس؛ لأنها ربما أنها فلَّت رأسَه الكريم ﵊. ذكرُ ما وردَ في مَنكبيه وسَاعديه وإبطيْه وقَدَميْه وكَعبَيه قد تقدم ما أخرج البخاري ومسلم من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال:

стр. 2738

كان رسول الله ﷺ مَربوعًا بعيدَ ما بين المنكبين (١). (وقال الزبيدي، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة: كان رسول الله ﷺ بعيدَ ما بين المنكبين) (٢). وروى البخاري (٣) عن أبي النعمان، عن جرير، عن قتادة، عن أنس قال: كان النبيُّ ﷺ ضخمَ الرأس والقدمين، سَبط الكفين. وتقدم من غير وجه أنه ﵇ كان شَثنَ الكفين والقدمين (٤). وفي رواية: ضخم الكفين والقدمين. وقال يعقوب بن سفيان: حَدَّثَنَا آدمُ وعاصمُ بن عليّ، قالا: حَدَّثَنَا ابن أبي ذئب، حَدَّثَنَا صالح مَولى التوءمة قال: كان أبو هريرة ينعتُ رسولَ الله ﷺ قال: كان شَبحَ الذراعين، بعيدَ ما بين المنكبين، أهدب أشفار العينين (٥). وفي حديث نافع بن جُبير، عن عليّ قال: كان رسول الله ﷺ شَثْنَ الكفين والقدمين، ضخمَ الكراديس، طويل المسرُبة (٦). وتقدَّم في حديث حجَّاج، عن سِمَاك، عن جابر بن سمرة قال: كان في ساقي رسول الله ﷺ حُموشة (٧). أي: لم يكونا ضخمين. وقال سراقةُ بن مالك بن جعشم: فنظرت إلى ساقيه، وفي رواية: قدميه في الغرز -يعني الركاب- كأنهما جمّارة (٨). أي: جمارة النخل من بياضهما. وفي صحيح مسلم (٩)، عن جابر بن سمرة "كان ضليعَ الفم" وفسَّره بأنه عظيم الفم "أشكلَ العينين" وفسَّره بأنه طويل شق العينين "منهوس العقب" وفسَّره بأنه قليل لحم العقب. وهذا أنسب وأحسن في حق الرجال.

стр. 2739

وقال الحارث بن أبي أسامة (١): حدثنا عبد الله بن بكر، حَدَّثَنَا حميد، عن أنس قال: أخذت أُم سليم بيدي مقدمَ رسول الله ﷺ المدينة فقالت: يا رسول الله هذا أنس غلام كاتب يخدمك، قال: فخدمته تسع سنين فما قال لشيء صنعت: أسأت، ولا بِئْسَ ما صنعت، ولا مَسِسْتُ شيئًا قط خزًا ولا حريرًا ألين من كف رسول الله، ولا شممت رائحة قط مسكًا ولا عنبرًا أطيب من رائحة رسول الله ﷺ . وهكذا رواه معتمر بن سليمان، وعلي بن عاصم، ومروان بن معاوية الفزاري، وإبراهيم بن طهمان، كلُّهم عن حميد، عن أنس في لين كفه ﵇، وطيب رائحته، صلاة الله وسلامه عليه. وفي حديث الزُّبيدي، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ كان يطأ بقدمه كلها ليس لها أخمص (٢). وقد جاء خلاف هذا كما سيأتي. وقال يزيد بن هارون: حدَّثني عبد الله بن يزيد بن مِقْسم، قال: حدَّثتني عمتي سَارة بنت مِقسم، عن ميمونة بنت كَردَم، قالت: رأيتُ رسول الله بمكة، وهو على ناقة له، وأنا مع أبي، وبيد رسول الله دِرَّةٌ كدِرّة الكُتَّاب، فدنا منه أبي فأخذ بقدمه، فأقر له رسول الله ﷺ . قالت: فما نسيتُ فيما نسيت طولَ إصبع قدمه السبابة على سائر أصابعه (٣). ورواه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون مطولًا (٤). ورواه أبو داود من حديث يزيد بن هارون ببعضه (٥). وعن أحمد بن صالح (٦)، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن إبراهيم بن ميسرة، عن خالته، عنها. ورواه ابن ماجه من وجه آخر عنها (٧)، والله أعلم.

стр. 2740

وقال البيهقيّ: أخبرنا علي بن أحمد بن عبد الله بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصَّفَّار، حَدَّثَنَا محمد بن إسحاق أبو بكر، حَدَّثَنَا سَلمة بن حفص السعدي، حَدَّثَنَا يحيى بن اليمان، حَدَّثَنَا إسرائيل، عن سِماك، عن جابر بن سمرة، قال: كانت إصبعُ رسول الله ﷺ خنصرَه من رجلَيْه مُتظاهرة (١). وهذا حديث غريب. صفة قوامِه ﵊ وطيبُ رائحته في صحيح البخاري، من حديث ربيعة، عن أنس قال: كان رسولُ الله ﷺ ربعةً من القوم ليس بالطويل ولا بالقصير (٢). وقال أبو إسحاق، عن البراء: كان رسولُ الله ﷺ أحسنَ الناس وجهًا، وأحسنهم خلقًا، ليس بالطويل ولا بالقصير (٣). أخرجاه في الصحيحين. وقال نافع بن جبير عن علي: كان رسول الله ﷺ ليس بالطويل ولا بالقصير، لم أر قبله ولا بعده مثله (٤). وقال سعيد بن منصور، عن خالد بن عبد الله، عن عبد الله (٥) بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده، عن علي قال: كان رسول الله ﷺ ليس بالطويل ولا بالقصير، وهو إلى الطول أقرب، وكان عرقه كاللؤلؤ … الحديثَ (٦). وقال سعيد، عن نوح بن قيس (٧)، عن خالد بن خالد التميمي، عن يوسف بن مازن الراسبي، عن

стр. 2741

علي، قال: كان رسول الله ليس بالذاهب طولًا، وفوق الربعة، إذا جامع القوم غمرهم، وكان عرقه في وجهه كاللؤلؤ (١) .. الحديث. وقال الزبيدي، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، قال: كان رسولُ الله ربعةً وهو إلى الطول أقرب، وكان يُقبل جميعًا ويُدبر جميعًا، لم أر قبله، ولا بعده مثله (٢). وثبت في البخاري من حديث حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس، قال: ما مسست بيدي ديباجًا ولا حريرًا ولا شيئًا ألين من كف رسول الله، ولا شممت رائحة أطيب من ريح رسول الله ﷺ (٣). ورواه مسلم (٤) من حديث سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس به (٥). ورواه مسلم أيضًا من حديث حماد بن سلمة، وسليمان بن المغيرة (٦)، عن ثابت، عن أنس قال: كان رسول الله أزهر اللون، كان عرقه اللؤلؤ، إذا مشى تكفأ، وما مسست حريرًا ولا ديباجًا ألين من كف رسول الله، ولا شَمِمْتُ مِسكًا ولا عنبرًا أطيبَ من رائحة رسول الله ﷺ . وقال أحمد (٧): حَدَّثَنَا ابن أبي عدي، حَدَّثَنَا حميد، عن أنس، قال: ما مسست شيئًا قط خزًا ولا حريرًا ألين من كف رسول الله ﷺ ، ولا شممتُ رائحةً أطيب من ريح رسول الله ﷺ . والإسناد ثلاثي على شرط الصحيحين، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة من هذا الوجه. وقال يعقوب بن سفيان: أخبرنا عمرو بن حمَّاد بن طلحة القَنَّاد، وأخرجه البيهقيّ من حديث

стр. 2742

أحمد بن حازم بن أبي غرزة عنه، قال: حَدَّثَنَا أسباط بن نصر، عن سِماك، عن جابر بن سمرة، قال: صلَّيت مع رسول الله ﷺ صلاة الأولى، ثم خرج إلى أهله، وخرجت معه فاستقبله ولدان، فجعل يمسح خدي أحدهم واحدًا واحدًا. قال: وأما أنا فمسح خَدِّي، فوجدت لِيَدِه بردًا ورِيحًا كأنما أخرجها من جُونَة عطَّار (١). ورواه مسلم (٢) عن عمرو بن حماد به نحوه. (وقال أبو زرعة الرازي: حَدَّثَنَا سعيد بن محمد الجَرْمي، حَدَّثَنَا أبو تُمَيْلة (٣)، عن أبي حمزة (٤)، عن جابر (٥)، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، قال: كنت أصافح النَّبِيّ ﷺ أو يمَسُّ جلدي جلده، فأتعرفه في يديَّ بعد ما نالته، أطيب رائحة من المِسك) (٦). وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، وحجاج (٧)، أخبرني شعبة، عن الحكم، سمعتُ أبا جحيفة، قال: خرجَ رسولُ الله ﷺ بالهاجرة إلى البطحاء، فتوضأ وصلَّى الظهر ركعتين، وبين يديه عَنَزة -زاد فيه عون عن أبيه: يمر من ورائها الحمار والمرأة- قال حجَّاج في الحديث: ثم قام الناسُ فجعلوا يأخذون يدَه فيمسحون بها وجوهَهم، قال: فأخذتُ يدَه فوضعتُها على وجهي، فإذا هي أبردُ من الثلج وأطيبُ ريحًا من المِسك (٨). وهكذا رواه البخاري (٩)، عن الحسن بن منصور، عن حجّاج بن محمد الأعور، عن شعبة فذكر مثلَه سواء. وأصل الحديث في الصحيحين أيضًا. وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يزيد بن هارون، أخبرنا هشام بن حسان وشعبة وشريك، عن يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد، عن أبيه -يعني يزيد بن الأسود- قال: صلَّى رسولُ الله ﷺ بمنى، فانحرف فرأى رجلين من وراء الناس، فدعا بهما فجيئا تُرْعَدُ فرائصُهما، فقال: "ما منعكما أن تصلِّيا مع

стр. 2743

الناس؟ " قالا: يا رسولَ الله إنا كنا قد صلَّينا في الرِّحال، قال: "فلا تفعلا، إذا صلَّى أحدُكم في رَحْله ثم أدركَ الصلاة مع الإمام فليصلِّها معه، فإنَّها له نافلة" قال: فقال أحدهما: استغفر لي يا رسول الله، فاستغفرَ له، قال: ونهضَ النَّاسُ إلى رسول الله ﷺ ونهضتُ معهم، وأنا يومئذ أشبُّ الرجال وأجلدُه، قال: فما زلتُ أزحَمُ الناسَ حتى وَصَلتُ إلى رسول الله، فأخذتُ يدَه فوضعتُها إما على وجهي أو صدري، قال: فما وجدتُ شيئًا أطيَب ولا أبردَ من يدِ رسولِ الله ﷺ . قال: وهو يومئذ في مسجد الخيف. ثم رواه أيضًا، عن أسود بن عامر، وأبي النضر، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، سمعتُ جابرَ بن يزيد بن الأسود، عن أبيه؛ أنه صلّى مع رسول الله ﷺ الصبح. فذكر الحديث، قال: ثم ثارَ الناسُ يأخذون بيده يمسحون بها وجوهَهم، قال: فأخذتُ بيده فمسحتُ بها وجهي، فوجدتُها أبردَ من الثلج وأطيبَ ريحًا من المسك (١). وقد رواه أبو داود (٢) من حديث شعبة، والترمذي والنسائي (٣) من حديث هشيم عن يعلى به، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الإمام أحمد (٤): حَدَّثَنَا أبو نعيم، حَدَّثَنَا مِسْعر، عن عبد الجبار بن وائل بن حجر، قال: حدَّثني أهلي، عن أبي، قال: أُتي رسولُ الله ﷺ بدلو من ماء فشربَ منه، ثم مجَّ في الدلو، ثم صبَّ في البئر، أو شربَ من الدلو ثم مجَّ في البئر، ففاحَ منها مثل ريحِ المسك (٥). وهكذا رواه البيهقيّ (٦) من طريق يعقوب بن سفيان، عن أبي نُعيم، وهو الفضلُ بن دُكين به. وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا هاشم، حَدَّثَنَا سليمان، عن ثابت، عن أنس قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا صلَّى الغداةَ جاء خدمُ المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يُؤتى بإناء إِلَّا غمسَ يدَه فيها، فربما جاؤُوه في الغَداةِ الباردةِ فيغمِسُ يدَه فيها (٧).

стр. 2744

ورواه مسلم (١) من حديث أبي النضر هاشم بن القاسم به. وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا حجين بن المثنى، حَدَّثَنَا عبد العزيز -يعني ابن أبي سلمة الماجشُون- عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس قال: كان رسولُ الله ﷺ يدخلُ بيتَ أُم سُليم فينامُ على فراشها وليست فيه. قال: فجاء ذاتَ يوم فنامَ على فراشها، فأتت، فقيل لها: هذا رسولُ الله نائمٌ في بيتك على فراشك، قال: فجاءت وقد عَرِقَ واستنقعَ عرقُه على قطعة أديمٍ على الفراش، ففتحت عبيرتَها، فجعلت تُنَشِّف ذلك العرق فتعصره في قواريرها، ففزعَ النبيُّ ﷺ ، فقال: "ما تصنعينَ يا أُمّ سليم؟ " فقالت: يا رسول الله نرجو بركتَه لصبياننا، قال: أصبتِ (٢). ورواه مسلم (٣) عن محمد بن رافع، عن حُجين به. وقال أحمد (٤): حَدَّثَنَا هاشم بن القاسم، حَدَّثَنَا سليمان، عن ثابت، عن أنس قال: دخل علينا رسول الله ﷺ ، فقالَ عندنا، فعَرق، وجاءت أمي بقارُورة فجعلت تُسلِت العرقَ فيها، فاستيقظَ رسولُ الله فقال: "يا أُمَّ سُليم! ما هذا الذي تَصنعين؟ " قالت: عرقُك نجعلُه في طيبنا، وهو من أطيب الطيب. ورواه مسلم (٥)، عن زهير بن حرب، عن أبي النضر هاشم بن القاسم به. وقال أحمد (٦): حَدَّثَنَا إسحاق بن منصور -يعني السلولي- حَدَّثَنَا عمارة -يعني ابن زاذان- عن ثابت، عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يقيل عند أُم سُلَيم، وكان من أكثر الناس عرقًا، فاتخذت له نِطعًا (٧) وكان يَقِيل عليه، وخَطَّت بين رجليه خَطًّا، وكانت تُنَشَف العرق فتأخذه، فقال: "ما هذا يا أُمّ سُليم؟ " قالت: عرقُك يا رسول الله أجعله في طيبي، قال: فدعَا لها بدعاءٍ حَسن. تفرَّد به أحمد من هذا الوجه (٨). وقال أحمد (٩): حَدَّثَنَا محمد بن عبد الله، حَدَّثَنَا حُميد، عن أنس قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا نامَ

стр. 2745

ذفَّ عرقًا، فتأخذُ أمي عرَقه بقُطْنة في قارورة، فتجعله في مسكها، وهذا إسنادٌ ثلاثيٌّ على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ولا أحدٌ منهما. وقال البيهقيّ: أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حَدَّثَنَا أبو عمرو المغربي، أخبرنا الحسن بن سفيان، حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة، وقال مسلم: حَدَّثَنَا أبو بكر بن شيبة، حَدَّثَنَا عفان، حَدَّثَنَا وهيب، حَدَّثَنَا أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، عن أُم سليم؛ أن رسول الله ﷺ كان يأتيها فيَقِيل عندها فتبسطُ له نِطعًا، فيقيل عليه، وكان كثيرَ العرق، فكانت تجمعُ عرقَه فتجعله في الطيب والقوارير، فقال رسول الله ﷺ : "يا أُمَّ سُليم ما هذا؟ " فقالت: عَرَقُكَ أدُوف به طِيبي. لفظ مسلم (١). وقال أبو يعلى الموصلي في "مسنده": حَدَّثَنَا بشر، حَدَّثَنَا حَلْبس (٢) بن غالب، حَدَّثَنَا سفيان الثوري، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله، فقال: يا رسول الله إني زوَّجتُ ابنتي، وأنا أحبُّ أن تُعينني بشيء، قال: "ما عندي شيءٌ ولكن إذا كان غد فائتني بقارورة واسعة الرأس، وعود شجرة، وآية بيني وبينك أن تدقَّ ناحيةَ الباب" قال: فأتاه بقارورة واسعة الرأس وعود شجرة. قال: فجعل يُسْلِتُ العرقَ من ذراعيه حتى امتلأت القارورة، قال: "فخذها، ومر ابنتَك أن تغمسَ هذا العود في القارورة وتطيب به" قال: فكانت إذا تطيبت به شمَّ أهلُ المدينة رائحةَ الطيب، فسُمُّوا بيوتَ المُطيّبين. وهذا حديث غريب جدًا (٣). وقد قال الحافظ أبو بكر البزَّار: حَدَّثَنَا محمد بن هشام، حَدَّثَنَا موسى بن عبد الله، حَدَّثَنَا عمر بن سعيد، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا مر في طريق من طرق المدينة وجدوا منه رائحة الطيب، وقالوا: مرَّ رسول الله في هذا الطريق. (وقد رواه أبو زرعة الرازيّ في "دلائل النبوة" من حديث عمر بن سعيد الأشج، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا مرَّ في طريقٍ من طريق المدينة وُجد من ذلك الطريق رائحة المسك، فيقولون: مرَّ رسول الله ﷺ اليومَ في هذا الطريق) (٤).

стр. 2746

ثم قال البيهقيّ: وهذا الحديث رواه أيضًا معاذ بَن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن أنس؛ أن رسول الله ﷺ كان يُعرف بريح الطيب (١). قلت: كان رسول الله ﷺ طيِّبًا، وريحه طِيب، وكان مع ذلك يُحِبُّ الطيبَ أيضًا. قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا أبو عبيدة، عن سلَّام أبي المنذر، عن ثابت، عن أنس؛ أن النَّبِيّ ﷺ قال: "حُبِّب إليَّ النساءُ، والطيب، وجُعلت قرّةُ عيني في الصلاة" (٢). حَدَّثَنَا أبو سعيد مولى بني هاشم، حَدَّثَنَا سلَّام أبو المنذر القاري، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما حُبِّب إليّ من الدنيا النساء والطيب، وجُعل قرة عيني في الصلاة" (٣). وهكذا رواه النسائي (٤) بهذا اللفظ عن الحسين بن عيسى القرشي، عن عفان بن مسلم (٥)، عن سلام بن سليمان أبي المنذر القاري البصري، عن ثابت، عن أنس فذكره. وقد روي من وجه آخر بلفظ: "حُبِّب إليَّ من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء، وجعل قرة عيني في الصلاة" (٦) وليس بمحفوظ بهذا، فإن الصلاة ليست من أمور الدنيا، وإنما هي من أهم شؤون الآخرة، والله أعلم. صِفةُ خَاتم النبوّة الذي بينَ كتفيه صلواتُ الله وسلامه عليه قال البخاري (٧): حَدَّثَنَا محمد بن عُبيد الله، حَدَّثَنَا حاتم، عن الجَعدِ، قال: سمعتُ السَّائبَ بن يزيد يقول: ذهبت بي خالتي إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسولَ الله، إن ابن أختي وَجِع، فمسحَ

стр. 2747

رأسي ودعا لي بالبركة، وتوضأ فشربتُ من وَضوئه، ثم قمت خلفَ ظهره فنظرتُ إلى خاتم النُبوَّة بين كتفيه مثل زِرّ الحَجَلة. وهكذا رواه مسلم (١)، عن قتيبة ومحمد بن عبَّاد، كلاهما عن حاتم بن إسماعيل به. ثم قال البخاري: (قال ابن عبيد الله) (٢) الحَجَلة: من حجلة الفرس الذي بين عينيه. وقال إبراهيم بن حمزة: زر الحجلة (٣). قال أبو عُبيد: الرز، الراء قبل الزاي. وقال مسلم (٤): حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا عبيد الله، عن إسرائيل، عن سِماك؛ أنه سمع جابر بن سمرة يقول: كان رسول الله ﷺ قد شمط مقدم رأسه ولحيته، وكان إذا ادَّهن لم يتبين وإذا شعث رأسه تبين، وكان كثير شعر اللحية، فقال رجل: وجهه مثل السيف؟ قال: لا بل كان مثل الشمس والقمر، وكان مستديرًا، ورأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة، يشبه جسده. حَدَّثَنَا (٥) محمد بن المثنى، حَدَّثَنَا محمد بن حزم، حَدَّثَنَا شعبة، عن سماك: سمعتُ جابرَ بن سمرة قال: رأيتُ خاتمًا في ظهر رسول الله ﷺ كأنه بيضة حمام. وحَدَّثَنَا ابن نمير، حَدَّثَنَا عبيد الله بن موسى، حَدَّثَنَا حسن بن صالح، عن سِماك بهذا الإسناد مثلَه. وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن عاصم بن سليمان، عن عبد الله بن سرجس، قال: ترون هذا الشيخ -يعني نفسه- كلَّمتُ نبيَّ الله ﷺ ، وأكلتُ معه، ورأيتُ العلامةَ التي بين كتفيه، وهي في طرف نغض كتفه اليسرى كأنه جُمعٌ -يعني الكف المجتمع، وقال بيده فقبضها- عليه خِيْلَان كهيئة الثآليل (٦). وقال أحمد: حَدَّثَنَا هاشم بن القاسم وأسود بن عامر، قالا: حَدَّثَنَا شريك، عن عاصم، عن

стр. 2748

عبد الله بن سرجس، قال: رأيتُ رسول الله ﷺ -وسلَّمت (١) عليه، وأكلت معه (٢)، وشربتُ من شرابه، ورأيتُ خاتمَ النبوة، قال هاشم: في نغض (٣) كتفه اليسرى كأنه جُمع فيه خِيْلان سُود كأنها الثآليل (٤). ورواه عن غندر، عن شعبة، عن عاصم، عن عبد الله بن سرجس، فذكر الحديث. وشكَّ شعبة في أنه هل هو في نغض الكتف اليمنى أو اليسرى (٥). وقد رواه مسلم، من حديث حماد بن زيد، وعلي بن مُسْهِر، وعبد الواحد بن زياد، ثلاثتهم عن عاصم، عن عبد الله بن سَرْجِس، قال: أتيتُ رسول الله ﷺ وأكلتُ معه خبزًا ولحمًا، أو قال: ثريدًا، فقلت: يا رسولَ الله غفرَ الله لك، قال: "ولك" فقلت: استغفرَ لك رسولُ الله؟ قال: نعم ولكم، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩] قال: ثم درتُ خلفَه، فنظرتُ إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند نغض كتفه اليسرى، جُمْعًا، عليه خِيلان كأمثال الثآليل (٦). وقال أبو داود الطيالسي: حَدَّثَنَا قرّة بن خالد، حَدَّثَنَا معاوية بن قرّة، عن أبيه قال: أتيتُ رسولَ الله ﷺ فقلت: يا رسولَ الله أرني الخاتمَ، فقال: "أدخلْ يدَك"، فأدخلتُ يدي في جُرُبَّانه، فجعلتُ ألمسُ أنظرُ إلى الخاتم، فإذا هو على نُغُض كتفه مثل البيضة، فما منعه ذاك أن جعل يدعو لي وإن يدي لفي جُرُبَّانه (٧). ورواه النسائي (٨)، عن أحمد بن سعيد، عن وهب بن جرير، عن قرّة بن خالد، به. وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا سفيان، عن إياد بن لقيط السدوسي، عن أبي رِمثة التيمي، قال: خرجتُ مع أبي حتى أتيتُ رسول الله ﷺ فرأيتُ برأسه رَدْع (٩) حِنّاء، ورأيتُ على كتفه مثل التفاحة، فقال أبي: إني طبيب أفلا أطبُّها (١٠) لك، قال: "طبيبُها الذي خلقَها" قال: وقال لأبي:

стр. 2749

"هذا ابنك؟ " قال: نعم، قال: "أما إنه لا يَجني عليك ولا تَجني عليه" (١). وقال يعقوب بن سفيان: حَدَّثَنَا أبو نعيم، حَدَّثَنَا عبيد الله بن إياد، حدَّثني أبي، عن أبي ربيعة (٢) -أو رِمثة- قال: انطلقت مع أبي نحو النَّبِيّ ﷺ ، فنظر إلى مثل السلعة بين كتفيه، فقال: يا رسول الله إني كأطبّ الرجال أفأعالجها لك؟ قال: "لا، طبيبُها الذي خلقها" (٣). قال البيهقيّ: وقال الثوري: عن إياد بن لقيط في هذا الحديث: فإذا خَلْفَ كتفه مثل التفاحة (٤). وقال عاصم بن بهدلة: عن أبي رِمثة: فإذا في نُغْضِ كتفه مثلُ بَعْرة البعير، أو بَيْضة الحمامة. ثم روى البيهقيّ من حديث سِماك بن حرب عن [أبي] سلامة العِجْلي، عن سَلمان الفارسي، قال: أتيتُ رسولَ الله فألقى رداءَه وقال: "يا سلمانُ انظر إلى ما أُمرتَ به"، قال: فرأيتُ الخاتمَ بين كتفيه مثل بَيْضة الحمامة (٥). وروى يعقوبُ بن سفيان، عن الحُميدي، عن يحيى بن سُلَيم، عن ابن خثيم (٦)، عن سعيد بن أبي راشد، عن التنوخي الذي بعثه هرقل إلى رسول الله ﷺ وهو بتبوك، فذكر الحديث كما قدمناه في غزوة تبوك إلى أن قال: فحلَّ حبوتَه عن ظهره ثم قال: هاهنا امضِ لما أُمرتَ به، قال: فجلتُ في ظهره فإذا أنا بخاتَم في موضع غُضْرُوف الكتف مثل المحجَمَة الضَّخمة (٧). حديث غريب جدًا رواه ابن حبان. وقال يعقوب بن سفيان: حَدَّثَنَا مسلم بن إبراهيم، حَدَّثَنَا عبد الله بن مَيْسرة، حَدَّثَنَا عتَّاب، سمعتُ أبا سعيد يقول: الخَتْم الذي بين كتفي النَّبِيّ ﷺ لحمة ناتئة (٨). وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا سُرَيْج، حَدَّثَنَا أبو ليلى عبد الله بن ميسرة الخراساني، عن غياث البكري، قال: كنا نجالس أبا سعيد الخدري بالمدينة، فسألته عن خاتم رسولِ الله ﷺ الذي كان بين

стр. 2750

كتفيه، فقال بإصبعه السبّابة هكذا: لحم ناشز (١) بين كتفيه ﷺ . تفرد به أحمد من هذا الوجه. وقد ذكر الحافظ أبو الخطاب بن دحية المصري في كتابه "التنوير في مولد البشير النذير" عن أبي عبد الله محمد بن علي بن الحسين بن بشر، المعروف بالحكيم الترمذي؛ أنه قال: كان الخاتم الذي بين كتفي رسول الله ﷺ كأنه بيضة حمامة مكتوب في باطنها: الله وحده. وفي ظاهرها: توجه حيث شئت فإنك منصور. ثم قال: وهذا غريب، واستنكره. وقال: وقيل: كان من نور، ذكره الإمام أبو زكريا يحيى بن مالك بن عائذ في كتابه "تنقل الأنوار" وحكى أقوالًا غريبة غير ذلك. ومن أحسن ما ذكره ابن دحية ﵀، وغيره من العلماء قبله، في الحكمة في كون الخاتم كان بين كتفي رسول الله ﷺ ؛ إشارة إلى أنه لا نبيَّ بعدَك يأتي من ورائِك. قال: وقيل كان على نغض كتفه؛ لأنه يقال: هو الموضع الذي يدخلُ الشيطانُ منه إلى الإنسان، فكان هذا عصمةً له ﵊ من الشيطان. قلت: وقد ذكرنا الأحاديث الدالة على أنه لا نبيَّ بعدَه ﵊، ولا رسول، عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠]. باب جامعٌ لأحاديثَ متفرقة وردتْ في صفةِ رسول الله ﷺ - قد تقدم في رواية نافع بن جُبير، عن عليّ بن أبي طالب؛ أنه قال: لم أرَ قبلَه ولا بعدَه مثلَه (٢).

стр. 2751

وقال يعقوبُ بن سفيان: حَدَّثَنَا عبد الله بن مسلم القعنبي وسعيد بن منصور، حَدَّثَنَا عمر بن يونس، حَدَّثَنَا عمر بن عبد الله مولى عُفرة، حدَّثني إبراهيم بن محمد من ولد عليّ، قال: كان علي إذا نعتَ رسولَ الله ﷺ قال: لم يكن بالطويل الممغَّط ولا القصير المتردِّد، وكان رَبعة من القوم، ولم يكن بالجَعد القَطط، ولا بالسَّبط، كان جَعْدًا رَجِلًا، ولم يكن بالمُطَهَّم ولا المُكَلْثم، وكان في الوجه تدوير أبيضُ مُشْرَبٌ، أدعجَ العينين، أهدب الأشفار، جليل المَشَاش والكتَد، أجردَ، ذو مَسْرُبة، شَثْن الكفين والقدمين، إذا مشى تقلَّع كأنما يمشي في صَبَب، وإذا التفتَ التفتَ معًا، بين كتفيه خاتم النبوة، أجود الناس كفًا، وأرحب الناس صدرًا، وأصدق الناس لهجةً، وأوفى الناس ذمّة، وألينهم عريكةً، وأكرمُهم عشرةً، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفةً أحبَّه، يقول ناعتُه: لم أرَ قبلَه ولا بعدَه مثله (١). وقد روى هذا الحديث الإمام أبو عُبيد القاسم بن سلام في كتاب "الغريب" (٢). ثم روى (٣) عن الكسائي والأصمعي وأبي عمرو تفسير غريبه، وحاصل ما ذكره مما فيه غرابة: أن "المُطَهَّم" هو الممتلئ الجسم، و"المكلثم" شديد تدوير الوجه. يعني لم يكن بالسمين الناهض، ولم يكن ضعيفًا بل كان بين ذلك، ولم يكن وجهه في غاية التدوير بل فيه سهولة، وهي أحلى عند العرب ومن يعرف. وكان "أبيض مشربًا حمرة" وهي أحسن اللون، ولهذا لم يكن أمهق اللون. و"الأدعج" هو شديد سواد الحدقة. و"جليل المشاش" هو عظيم رؤوس العظام؛ مثل الركبتين والمرفقين والمنكبين. و"الكتد" الكاهل وما يليه من الجسد. وقوله "شثْن الكفين" أي: غليظهما. "وتقلع في مشيته" أي: شديد المشية. وتقدم الكلام على الشُّكلة والشُّهلة والفرق بينهما. و"الأهدب" طويل أشفار العين. وجاء في حديث أنه كان شَبح الذراعين، يعني غليظهما (٤)، والله تعالى أعلم.

стр. 2752

حديثُ أمِّ مَعبَدٍ (١) في ذلك قد تقدم الحديث بتمامه في الهجرة من مكة إلى المدينة، حين ورد عليها رسول الله ﷺ ، ومعه أبو بكر ومولاه عامر بن فهيرة، ودليلهم عبد الله بن أريقط الدِّيلي، فسألوها: هل عندها لبن أو لحم يشترونه منها؟ فلم يجدوا عندها شيئًا، وقالت: لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القِرى، وكانوا ممحلين، فنظر إلى شاة في كِسْرِ خيمتها فقال: "ما هذه الشاةُ يا أمَّ معبد؟ " فقالت: خلَّفَها الجهد. فقال: "أتأذنين أن أحلبها؟ " فقالت: إن كان بها حلب فاحلبها، فدعا بالشاة فمسحها وذكر اسم الله .. فذكرَ الحديث في حَلْبه منها ما كفاهم أجمعين، ثم حلبها وترك عندها إناءها ملأى وكان يُربض الرهط. فلما جاء بعلُها استنكر اللبن، وقال: من أين لك هذا يا أم معبد ولا حَلُوبة في البيت، والشاء عازب؟ فقالت: لا والله إنه مرَّ بنا رجلٌ مُبارك كان من حديثه كيت وكيت. فقال: صفيه لي، فوالله إني لأراه صاحبَ قريش الذي تطلب. فقالت: رأيتُ رجلًا ظاهرَ الوضاءة، حسن الخلق، مليح الوجه، لم تعبه ثُجلة، ولم تُزْرِ بهِ صُعْلة، قَسِيم وَسِيم، في عينيه دَعَجٌ، وفي أشفاره وَطَف، وفي صوته صَحَل، أحور، أكحل، أزَجُّ،

стр. 2753

أقرَن، في عنقه سَطَع، وفي لحيته كثاثة، إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلَّم سما وعلَاه البهاء، حُلو المنطق، فَصْل لا نزْر ولا هَذر، كأن منطقه خرزات نَظْم يَنحدرن، أَبْهى الناس وأَجْمله من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، رَبعة لا تَشْنَؤه عين من طول، ولا تقتحمه عينٌ من قِصَر، غُصْن بين غُصْنَيْن، فهو أنضرُ الثلاثة منظرًا، وأحسنهم قَدًّا، له رفقاء يحفُّون به، وإن قال استمعوا لقوله، وإن أمر تَبادروا إلى أمره، مَحْفُود مَحْشُود، لا عابس، ولا مُفْنِد. فقال بعلُها: هذا والله صاحبُ قريش الذي تطلب، ولو صادفتُه لالتمستُ أن أصحبه، ولأجْهَدن إن وجدت إلى ذلك سبيلًا. قال: وأصبحَ صوتٌ بمكة عالٍ بين السماء والأرض يسمعونه ولا يرون من يقوله، وهو يقول: جَزَى اللهُ رَبّ الْعَرْشِ خَيْرَ جَزَائِه … رَفِيقَيْنِ حَلَّا خَيْمَتَي أُمّ مَعْبَدٍ هُمَا نَزَلَا بِالْبِرّ وَارْتَحَلَا بِه … فَأَفْلَحَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمّدِ فَيَا لَقُصَيٍّ مَا رَوَى اللهُ عَنْكُمْ … بِهِ مِنْ فَعَالٍ لَا تُجَازَى وَسُؤْدَدِ سَلُوا أُخْتَكُمْ عَنْ شَاتِهَا وَإِنَائِهَا … فَإِنّكُمْ إنْ تَسْأَلُوا الشَّاةَ تَشْهَدِ دَعاهَا بِشَاةٍ حَائلٍ فَتَحَلَّبت … لَهُ بِصريحٍ ضَرَّةُ الشَّاة مُزْبِدِ فَغَادَرهُ رَهْنًا لَدَيها بحَالبٍ … يَدُرُّ لَها فِي مَصْدَرٍ ثُمَّ مَوْرِدِ وقد قدمنا جوابَ حسان بن ثابت لهذا الشعر المبارك بمثله في الحسن. والمقصود أن الحافظ البيهقيّ روى هذا الحديث من طريق عبد الملك بن وهب المَذْحِجي، قال: حَدَّثَنَا الحسن بن الصبَّاح عن أبي مَعبد الخُزَاعي، فذكر الحديث بطوله كما قدمناه بألفاظه (١). وقد رواه الحافظ يعقوب بن سفيان الفَسوي (٢)، والحافظ أبو نعيم (٣) في كتابه "دلائل النبوة". قال عبد الملك: فبلغني أن أبا معبد أسلم بعد ذلك، وأن أُمَّ معبد هاجرت وأسلمت. ثم إن الحافظ البيهقيّ أتبع هذا الحديث بذكر غريبه، وقد ذكرناه في الحواشي فيما سبق، ونحن نذكر هاهنا نكتًا من ذلك. فقولها: ظاهر الوضاءة: أي: ظاهر الجمال. أبلج الوجه: أي: مشرق الوجه مضيئه.

стр. 2754

لم تعبه ثُجْلة: قال أبو عبيد: هو كِبَر البطن. وقال غيره: كِبرَ الرأس، وردَّ أبو عبيدة رواية من روى: لم تعبه نُحْلة. يعني من النُّحول وهو الضعف. قلت: وهذا هو الذي فسَّر به البيهقيّ الحديث، والصحيح قول أبي عبيد، ولو قيل: إنه كِبر الرأس لكان قويًا، وذلك لقولها بعده: ولم تُزْرِ به صُعْلَة. وهو صِغَر الرأس بلا خلاف، ومنه يقال لولد النعامة: صُعْل، لصغر رأسه، ويقال له: الظَّلِيم، وأما البيهقيّ فرواه: لم تعبه نُحْلة يعني من الضعف كما فسره، ولم تزر به صُعْلة وهو الخاصِرة، يُريد أنه ضَرْب من الرجال ليس بمنتفخ ولا ناحل. قال: ويُروى: لم تعبه ثُجْلة: وهو كبر البطن، ولم تُزر به صُعْلة: وهو صغر الرأس. وأما الوسيم: فهو حسن الخلق. وكذلك: القسيم أيضًا. والدعج: شدة سواد الحدقة، والوَطَف: طول أشفار العينين. ورواه القُتَيْبي: في أشفاره عَطَف. وتبعه البيهقيّ في ذلك. قال ابن قتيبة: ولا أعرفُ ما هذا؛ لأنه وقع في روايته غلط فحارَ في تفسيره، والصواب ما ذكرناه، والله أعلم. وفي صوته صَحَلٌ: وهو بَحّة يسيرة، وهي أحلى في الصوت من أن يكون حادًا. قال أبو عبيد: وبالصحل يُوصف الظِّباء. قال: ومَن رَوى: في صوته صَهَل؛ فقد غلط، فإن ذلك لا يكون إِلَّا في الخيل، ولا يكون في الإنسان. قلت: وهو الذي أورده البيهقيّ، قال: ويُروى: صَحَل. والصواب قول أبي عبيد، والله أعلم. وأما قولها: أحور، فمستغرب في صفة النَّبِيّ ﷺ ، وهو قَبَل في العين يزينها لا يشينها كالحَول. وقولها: أكحل. قد تقدم له شاهد. وقولها: أزج؛ قال أبو عبيد: هو المتقوس الحاجبين. قال: وأما قولها: أَقرَن؛ فهو التقاء الحاجبين بين العينين. قال: ولا يُعرف هذا في صفة النَّبِيّ ﷺ إِلَّا في هذا الحديث. قال: والمعروف في صفته ﵊ أنه أبْلَج الحاجبين. وفي عنقه سَطَع: قال أبو عبيد: أي: طول، وقال غيره: نور. قلت: والجمع ممكن، بل متعيّن. وقولها: إذا صمتَ فعليه الوقار: أي: الهيبة عليه في حال صمته وسكوته. وإذا تكلَّم سما: أي: علا على الناس. وعلاه البهاء: أي: في حال كلامه. حُلوُ المنطق فَصْل: أي: فصيح بليغ، يفصل الكلام ويبينه. لا نَزْر ولا هَذْر: أي: لا قليل ولا

стр. 2755

كثير، كان منطقه خرزات نظم: يعني الذي من حسنه وبلاغته وفصاحته وبيانه وحلاوة لسانه (١). أبهى الناس وأجملُه من بعيد وأحلاه وأحسنه من قريب: أي هو مليح من بعيد ومن قريب. وذكرت أنه لا طويل ولا قصير، بل هو أحسن من هذا ومن هذا، وذكرت أن أصحابَه يعظمونه ويخدمونه ويبادرون إلى طاعته، وما ذلك إِلَّا لجلالته عندهم وعظمته في نفوسهم ومحبتهم له، وأنه ليس بعابس؛ أي: ليس يعبس، ولا يُفنِّد أحدًا: أي يهجِّنه ويستقل عقله، بل جميل المعاشرة حسن الصحبة، صاحبه كريم عليه، وهو حبيب إليه ﷺ . (وقال أبو زرعة في "الدلائل" (٢) حَدَّثَنَا أبو نُعيم، حَدَّثَنَا يوسف -يعني ابن صُهيب- عن عبد الله بن بريدة؛ أن رسول الله ﷺ كان أحسن البشر قدمًا. وهذا مرسل. وقال أبو زرعة أيضًا: حَدَّثَنَا إسماعيل بن أبان الأزدي الورّاق، حَدَّثَنَا عنبسة بن عبد الرحمن، عن محمد بن زاذان، عن أم سعد، عن عائشة، قالت: قلت يا رسول الله! تأتي الخلاءَ فلا يُرى منك شيءٌ من الأذى، فقال: "وما علمت يا عائشة أن الأرض تبتلع ما يخرج من الأنبياء، فلا يُرى منه"؟. هذا الحديث يُعَدُّ من المنكرات، والله أعلم) (٣). حديثُ هِنْدِ بن أبي هَالة (٤) في ذلك وهند هذا هو رَبيب رسول الله ﷺ ، أمه خديجة بنت خُويلد، وأبوه أبو هالة كما قدَّمنا بيانه. قال يعقوب بن سفيان الفَسوي الحافظ ﵀: حَدَّثَنَا سعيدُ بن حمَّاد الأنصاري المصري، وأبو غسان مالك بن إسماعيل النَّهْدِي (٥) قالا: حَدَّثَنَا جُمَيْع بن عمر بن عبد الرحمن العِجْلي (٦)، قال:

стр. 2756

حدَّثني رجل بمكة، عن ابنٍ لأبي هالة التميمي، عن الحسن بن علي، قال: سألتُ خالي هندَ بن أبي هالة -وكان وصَّافًا- عن حِلْية رسول الله ﷺ -وأنا أشتهي أن يصفَ لي منها شيئًا أتعلَّقُ به- فقال: كان رسولُ الله ﷺ ، فَخْمًا مُفَخَّما (١)، يتلألأُ وجهُه تلألؤَ القمر ليلةَ البدر، أطولَ من المربوع، وأقصرَ من المُشَذَّب (٢)، عظيمَ الهامة، رَجِلَ الشعر، إذا تفرّقت عقيصتُه (٣) فَرَق، وإلا فلا يُجاوز شعرُه شحمةَ أذنيه إذا هو وفَّره، أزهر اللون، واسع الجبين، أزجّ الحواجب (٤)، سوابغَ في غيرِ قَرَنٍ (٥)، بينهما عِرْق يُدِرّه الغضبُ، أقنى العِرْنين (٦)، له نور يعلوه، يَحْسبه من لم يتأمله أشمَّ، كثَّ اللّحية، أَدْعَج، سهل الخدين، ضليع الفم، أشنب، مُفَلَّجَ الأسنان، دقيق المسرُبة، كأن عنقَه جِيدُ دُمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادن متماسك، سواء البطن والصدر، عريض الصدر، بَعِيد ما بين المنكبين، ضخم الكَرَاديس، أَنْوَر المتجرَّد، موصول ما بين اللُّبة والسُّرة بشعر يجر كالخط، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك، أشْعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر، طويل الزندين، رَحْب الراحة، سَبْط العصب، شَثْن الكفين والقدمين، سائل الأطراف، خَمْصان الأخمصين، مَسِيح القدمين يَنْبو عنهما الماء، إذا زال زال قَلْعا (٧)، يخطو تكفِّيًا، ويمشي هَوْنًا (٨)، ذَريع المشية (٩)، إذا مشى كأنما ينحطُّ من صَبَب (١٠)، وإذا التفتَ التفتَ جميعًا، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جُلُّ نظره الملاحظة، يَسُوق أصحابه، يبدأ من لقيه بالسلام. قلت: صف لي مَنْطقه. قال: كان رسولُ الله ﷺ متواصلَ الأحزان، دائم الفكر، ليست له راحة، لا يتكلَّم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، ويتكلَّم بجوامع الكلم، فَصْل لا فُضول ولا تقصير،

стр. 2757

دَمِث ليس بالجافي ولا المَهين، يُعَظِّم النعمةَ وإن دقت، لا يذمُّ منها شيئًا، لا يذمُّ ذَوَاقًا ولا يمدحه، ولا يقوم لغضبه إذا تُعرِّض للحق شيء حتى ينتصرَ له، وفي رواية: لا تُغضبه الدنيا وما كان لها، فإذا تُعوطي الحقُّ لم يعرفه أحدٌ ولم يقم لغضبه شيءٌ حتى ينتصر له، لا يغضبُ لنفسه ولا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفه كلَّها، وإذا تعجّب قلبها، وإذا تحدَّث فصلَ بها، يضربُ براحته اليمنى باطنَ إبهامه اليسرى، وإذا غضب أعرضَ وأشاح، وإذا فرح غضَّ طرفه، جُلُّ ضحكِه التبسُّم، ويفتر عن مثل حَبِّ الغمام. قال الحسن: فكتمتُها الحسينَ بن علي زمانًا، ثُمَّ حدَّثته فوجدتُه قد سبقني إليه فسأله عما سألتُه عنه، ووجدته قد سألَ أباه عن مدخله ومخرجه ومجلسه وشكله فلم يدع منه شيئًا. قال الحسين: سألت أبي عن دُخول رسول الله ﷺ ، فقال: كان دخولُه لنفسه، مأذون له في ذلك، وكان إذا أوى إلى منزله جزَّأ دخولَه ثلاثةَ أجزاء، جزءًا لله، وجزءًا لأهله، وجزءًا لنفسه. ثم جزأ جزأه بين الناس فرد ذلك على العامة والخاصة، لا يدخر عنهم شيئًا. وكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه وقَسْمه على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم ويُشغلهم فيما أصلحهم والأمة؛ من مسألته عنهم وإخبارهم بالذي ينبغي، ويقول: "ليبلغ الشاهدُ الغائبَ، وأبلغوني حاجةَ من لا يستطيع إبلاغي حاجته، فإنه من بَلَّغَ سلطانًا حاجة من لا يستطيع إبلاغها إياه ثبَّتَ الله قدميه يوم القيامة" لا يُذكر عنده إِلَّا ذلك، ولا يقبل من أحد غيرَه، يدخلون عليه زوارًا -ويُروى: روّادًا. أي: طالبين ما عنده- ولا يفترقون إِلَّا عن ذَواق. وفي رواية: ولا يتفرقون إِلَّا عن ذَوْق، ويخرجون أدلةً، يعني فقهاء. قال: وسألته عن مخرجه، كيف كان يصنع فيه؟ فقال: كان رسول الله ﷺ يَخْزن لسانَه إِلَّا بما يعنيهم ويؤلفهم ولا ينفرهم، ويكرم كريمَ كُلِّ قوم ويُولِّيه عليهم، ويَحْذر الناسَ، ويحترسُ منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بِشْرَهُ ولا خُلُقَهُ، يتفقد أصحابَه، ويسأل الناس عما في الناس، ويُحَسِّن الحسنَ ويقويه، ويُقبِّح القبيح ويوهّيه، معتدل الأمر غير مختلف، ولا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملوا، لكل حال عنده عتاد، لا يُقصِّر عن الحق ولا يجوزه، الذين يلونه من الناس خيارُهم، أفضلُهم عنده أعمُّهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنُهم مواساة ومؤازرة. قال: فسألته عن مجلسه، كيف كان؟ فقال: كان رسول الله ﷺ لا يجلس ولا يقوم إِلَّا على ذكرٍ، ولا يُوطن الأماكن وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، يُعطي كلَّ جلسائه نصيبَه حتى لا يحسب

стр. 2758

جليسه أن أحدًا أكرم عليه منه، من جالسَه أو قاوَمَه في حاجة صابَرَه حتى يكون هو المُنْصَرِف، ومن سأله حاجة لم يردّه إلَّا بها أو بميسور من القول، قد وَسِع الناس منه بَسْطُه وخُلُقُه، فصار لهم أبًا، وصاروا عنده في الحق سواء، مجلسُه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا تُرفع فيه الأصوات، ولا تُؤَبَّن فيه الحُرَم، ولا تُنثى فلتاتُه، متعادلين يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين يوقِّرون فيه الكبير، ويرحمون فيه الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب. قال: فسألته عن سيرته في جلسائه، فقال: كان رسول الله ﷺ دائمَ البِشر، سهل الخُلُقِ، ليِّن الجانب، ليس بفظٍّ ولا غليظ، ولا سخَّاب ولا فحَّاش، ولا عيَّاب ولا مزَّاح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه راجيه، ولا يخيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار، وما لا يعنيه. وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدًا، ولا يعيِّره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلَّم إِلَّا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلَّم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلَّموا، ولا يتنازعون عنده، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجَّب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، حتى إن كان أصحابه ليستجلبونه في المنطق، ويقول: "إذا رأيتم طالب حاجة فأرفدوه" ولا يقبل الثناء إِلَّا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوزَ فيقطعه بانتهاء أو قيام. قال: فسألته، كيف كان سكوته؟ قال: كان سكوته على أربع: الحلم والحذر والتقدير والتفكر. فأما تقديره ففي تسويته النظر والاستماع بين الناس، وأما تذكره أو قال تفكره ففيما يبقى ويفنى، وجُمع له ﷺ الحلم والصبر، فكان لا يغضبه شيء ولا يستفزُّه، وجُمع له الحذر في أربع: أخذه بالحسنى، [ليُقتدى به، وتركه القبيح لِيُنتْهَى عنه، واجتهاده الرأي فيما يصلح أمته] (١) والقيام بهم فيما جمع لهم الدنيا والآخرة ﷺ . وقد روى هذا الحديث بطوله الحافظ أبو عيسى الترمذي ﵀ في كتاب "شمائل رسول الله ﷺ " (٢) عن سفيان بن وكيع بن الجراح، عن جُميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلي، حدَّثني رجل من ولد أبي هالة زوج خديجة، يكنى أبا عبد الله -سمَّاه غيره: يزيد بن عمر- عن ابنٍ لأبي هالة، عن الحسن بن علي، قال: سألت خالي .. فذكره، وفيه حديثه عن أخيه الحسين، عن أبيه علي بن أبي طالب.

стр. 2759

وقد رواه الحافظ أبو بكر البيهقيّ في "الدلائل" (١) عن أبي عبد الله الحاكم النيسابوري لفظًا وقراءة عليه: أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي (٢) بن أبي طالب العقيقي (٣) صاحب كتاب "النسب" ببغداد، حَدَّثَنَا إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو محمد بالمدينة سنة ست وستين ومئتين، حدَّثني علي بن جعفر بن محمد، عن أخيه موسى بن جعفر، عن جعفر بن محمد، عن علي بن الحسين بن علي، عن أبيه محمد بن علي بن الحسين، قال: قال الحسن: سألت خالي هند بن أبي هالة .. فذكره. قال شيخنا الحافظ أبو الحجَّاج المِزِّي ﵀ في كتابه "الأطراف" (٤) بعد ذكره ما تقدم من هاتين الطريقين: وروى إسماعيل بن مسلَمَة بن قَعْنَبٍ القَعْنبي، عن إسحاق بن صالح المخزومي، عن يعقوبٍ التَّيمي، عن عبد الله بن عباس؛ أنه قال لهند بن أبي هالة -وكان وصَّافًا لرسول الله-: صف لنا رسولَ الله ﷺ . فذكر بعضَ هذا الحديث. وقد روى الحافظ البيهقي (٥) من طريق صَبيح بن عبد الله الفَرْغَاني -وهو ضعيف- عن عبد العزيز بن عبد الصمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، وعن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، حديثًا مطولًا في صفة النَّبِيِّ ﷺ قريبًا من حديث هند بن أبي هالة. وسردَه البيهقيُّ بتمامه، وفي أثنائه تفسير ما فيه من الغريب، وفيما ذكرناه غنية عنه، والله تعالى أعلم. وروى البخاري (٦) عن أبي عاصم الضَّحاك، عن عمر بن سعيد بن أحمد بن حسين، عن ابن أبي مُلَيكة، عن عقبة بن الحارث قال: صلَّى أبو بكر العصر بعد موت النَّبِيّ ﷺ بليال فخرج هو وعلي يمشيان، فإذا الحسن بن علي يلعب مع الغلمان، قال: فاحتمله أبو بكر على كاهله وجعل يقول: بأبي، شبيه بالنبي، … ليس شبيهًا بعلي وعلي يضحك منهما ﵄. وقال البخاري (٧): حَدَّثَنَا أحمد بن يونس، حَدَّثَنَا زهير، حَدَّثَنَا إسماعيل عن أبي جُحَيفةَ قال: رأيت رسول الله ﷺ وكان الحسن بن علي يشبهه.

стр. 2760

وروى البيهقيّ (١) عن أبي علي الرُّوذبَارِيّ، عن عبد الله بن جعفر بن شَوذَب الوأسطي، عن شعيب بن أيوب الصَّرِيفيني، عن عُبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ، عن علي ﵁ قال: الحسن أشبه برسول الله ﷺ ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين أشبه برسول الله ﷺ ما كان أسفل من ذلك. باب ذكر أخلاقه وشمائله الطاهرة ﷺ - قد قدمنا طيب أصله ومحتده، وطهارة نسبه ومولده، وقد قال الله تعالى ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. وقال البخاري: حَدَّثَنَا قتيبة، حَدَّثَنَا يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو عن سعيدٍ المَقْبُري، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "بُعثت من خير قرون بني آدم قَرْنًا فقَرْنًا (٢) حتى كنتُ من القَرْن الذي كنتُ فيه" (٣). وفي صحيح مسلم، عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله اصطفى قريشًا من بني إسماعيل، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم" (٤). وقال الله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ١ - ٤] قال العَوفي عن ابن عباس: في قوله تعالى ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ يعني: وإنك لعلى دينٍ عظيم، وهو الإسلام. وهكذا قال مجاهد، وأبو مالك، والسُّدي، والضحّاك، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال عطية: لعلى أدبٍ عظيم. وقد ثبت في صحيح مسلم، من حديث قَتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، قال:

стр. 2761

سألتُ عائشةَ أمّ المؤمنين، فقلت: أخبريني عن خُلُق رسول الله ﷺ . فقالت: أما تقرأ القرآن؟ قلتُ: بلى، فقالت: كان خُلُقُه القرآن (١). وقد روى الإمام أحمد، عن إسماعيل بن عليّة، عن يُونس بن عُبيد، عن الحسن البصري، قال: سُئلت عائشةُ عن خُلُق رسول الله ﷺ ، فقالت: كان خلقُه القرآن (٢). وروى الإمام أحمد، عن عبد الرحمن بن مَهدي (٣)، والنسائي من حديثه (٤)، وابن جرير (٥) من حديث ابن وَهب، كلاهما عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهِريّة، عن جُبير بن نُفير، قال: حججتُ فدخلتُ على عائشةَ، فسألتُها عن خُلُق رسول الله ﷺ ، فقالت: كان خُلُقه القرآن (٦). ومضى هذا أنه ﵊ مهما أمره به القرآن امتثله، ومهما نهاه عنه تركه. هذا ما جبلَه الله عليه من الأخلاق الجِبِليَّة الأصلية العظيمة، التي لم يكن أحد من البشر ولا يكون على أجمل منها، وشرع له الدين العظيم الذي لم يشرعه لأحد قبله، وهو مع ذلك خاتم النبيين فلا رسول بعده ولا نبي ﷺ ، فكان فيه من الحياء والكرم والشجاعة والحِلْم والصَّفْح والرحمة وسائر الأخلاق الكاملة ما لا يُحَدُّ، ولا يُمكن وصفُه. وقال يعقوب بن سفيان: حَدَّثَنَا سليمان بن عبد الرحمن، حَدَّثَنَا الحسن بن يحيى، حَدَّثَنَا زيد بن واقد، عن بُسْر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء، قال: سألتُ عائشةَ عن خُلق رسول الله ﷺ ، فقالت: كان خلقُه القرآن يَرضى لرضاه ويَسخطُ لسخَطِه (٧). وقال البيهقيّ: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أحمد بن سهل الفقيه ببخارى، أخبرنا قيس بن أُنَيْف، حَدَّثَنَا قتيبة بن سعيد، حَدَّثَنَا جعفر بن سليمان، عن أبي عمران، عن يزيد بن بابَنُوس، قال: قلنا لعائشة: يا أم المؤمنين! كيف كان خُلُق رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان خُلُق رسول الله ﷺ القرآن. ثم

стр. 2762

قالت: أتقرأ سورة المؤمنين؟ اقرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ … ﴾ إلى العشر (١). قالت: هكذا كان خُلُق رسول الله ﷺ . وهكذا رواه النسائي (٢)، عن قتيبة. وروى البخاري من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] قال: أُمر رسولُ الله ﷺ أن يأخذَ العفوَ من أخلاق الناس (٣). وقال الإمام أحمد (٤): حَدَّثَنَا سعيدُ بن منصور، حَدَّثَنَا عبدُ العزيز بن محمد، عن محمد بن عَجْلان، عن القعقاع بن حَكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما بُعثت لأتمِّمَ صالحَ الأخلاق" تفرد به أحمد (٥). ورواه الحافظ أبو بكر الخرائطي في كتابه (٦)، فقال: "إنما بُعثتُ لأتمِّم مكارمَ الأخلاق". وتقدم ما رواه البخاري من حديث أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: كان رسولُ الله ﷺ أحسنَ الناس وجهًا، وأحسنَ الناس خُلقًا. وقال مالك (٧): عن الزهري، عن عروة، عن عائشة؛ أنها قالت: ما خُيِّرَ رسولُ الله ﷺ بين أمرين إِلَّا أخذَ أيسرَهُما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعدَ الناس منه، وما انتقمَ لنفسه إِلَّا أن تُنتهَكَ حُرمةُ الله فينتقم لله بها. ورواه البخاري ومسلم (٨)، من حديث مالك. وروى مسلم، عن أبي كريب، عن أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت:

стр. 2763

ما ضربَ رسولُ الله ﷺ بيده شيئًا قط، لا عبدًا ولا امرأةً ولا خادمًا، إِلَّا أن يُجاهدَ في سبيل الله، ولا نِيل منه شيءٌ فينتقمُ من صاحبه، إِلَّا أن يُنتهكَ شيءٌ من محارم الله، فيَنتقمُ لله (١). وقد قال الإمام أحمد (٢): حَدَّثَنَا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قال: ما ضربَ رسولُ الله بيده خادمًا له قطّ ولا امرأة، ولا ضربَ بيده شيئًا إِلَّا أن يُجاهدَ في سبيل الله، ولا خُيِّر بين شيئين قط إِلَّا كان أحبهما إليه أيسرهما، حتى يكون إثمًا، فإذا كان إثمًا كان أبعدَ الناس من الإثم، ولا انتقم لنفسه من شيء يُؤتى إليه حتى تُنتهك حرماتُ الله، فيكون هو ينتقمُ لله . وقال أبو داود الطيالسي (٣): حَدَّثَنَا شعبة، عن أبي إسحاق، سمعتُ أبا عبد الله الجَدلِيّ يقول: سمعتُ عائشةَ، وسألتها عن خلق رسول الله ﷺ ، فقالت: لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، ولا سَخَابًا في الأسواق، ولا يَجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، أو قال: يعفو ويغفر -شك أبو داود-. ورواه الترمذي (٤)، من حديث شعبة، وقال: حسن صحيح. وقال يعقوب بن سفيان: حَدَّثَنَا آدم وعاصم بن علي، قالا: حَدَّثَنَا ابن أبي ذئب، حَدَّثَنَا صالح مولى التَّوْءمة، قال: كان أبو هريرة ينعت رسول الله قال: كان يُقبل جميعًا ويُدبر جميعًا، بأبي وأمي، لم يكن فاحشًا ولا مُتَفَحِّشًا ولا سخَّابًا في الأسواق. زاد آدم: ولم أرَ مثله قبله، ولم أرَ مثلَه بعدَه (٥). وقال البخاري (٦): حَدَّثَنَا عبدان، عن أبي حمزة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو، قال: لم يكن النبيُّ ﷺ فاحشًا ولا مُتفحشًا، وكان يقول: "إنَّ من خيارِكم أحسنَكم أخلاقًا". ورواه مسلم (٧) من حديث الأعمش به. وقد روى البخاري (٨) من حديث فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو؛ أنه قال: إن رسولَ الله موصوفٌ في التوراة بما هو موصوف في القرآن،

стр. 2764

﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الفتح: ٨] وحِرْزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سمّيتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يُقيمَ به الملّة العَوْجاء بأن يقولوا: لا إله إِلَّا الله، ويفتح أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا. وقد رُوي عن عبد الله بن سلام، وكعب الأحبار. وقال البخاري (١): حَدَّثَنَا مسدد، حَدَّثَنَا يحيى، عن شعبة، عن قتادة، عن عبد الله بن أبي عتبة، عن أبي سعيد، قال: كان النبيُّ ﷺ أشدَّ حياءً من العذراء في خِدْرها. حَدَّثَنَا ابن بشار، حَدَّثَنَا يحيى وعبد الرحمن، قالا: حَدَّثَنَا شعبة مثله، وإذا كره شيئًا عُرِفَ ذلك في وجهه. ورواه مسلم (٢) من حديث شعبة. وقال الإمام أحمد (٣): حَدَّثَنَا أبو عامر، حَدَّثَنَا فُلَيح، عن هلال بن علي، عن أنس بن مالك، قال: لم يكن رسولُ الله ﷺ سَبَّابًا ولا لَعّانًا ولا فاحشًا، كان يقول لأحدنا عند المعاتبة: "ماله تربت جبينه". ورواه البخاري (٤) عن محمد بن سنان، عن فليح. وفي الصحيحين -واللفظ لمسلم- من حديث حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس، قال: كان رسولُ الله ﷺ أحسنَ الناس، وكان أجودَ الناس، وكان أشجعَ الناس، ولقد فَزعَ أهلُ المدينة ذات ليلة، فانطلق ناسٌ قِبَل الصوت، فتلقاهم رسولُ الله ﷺ راجعًا وقد سبقهم إلى الصوت، وهو على فرس لأبي طلحة عُرْيٍ، في عنقه السيف، وهو يقول: "لم تُرَاعُوا لم ترَاعُوا". قال: "وجدناه بحرًا، أو إنه لبحر" قال: وكان فرسًا يُبَطَّأُ (٥).

стр. 2765

ثم قال مسلم: حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا وكيع، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، قال: كان فزعٌ بالمدينة، فاستعارَ رسولُ الله ﷺ فرسًا لأبي طلحة يُقال له "مَنْدُوب" فركبه، فقال: "ما رأينا من فَزَعٍ، وإن وجدناه لبحرًا" (١). وقال: كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله ﷺ (٢). وقال أبو إسحاق السبيعي، عن حارثة بن مُضَرِّب، عن علي بن أبي طالب، قال: لما كان يومُ بدرٍ اتَّقينا المشركينَ برسول الله ﷺ ، وكان أشدَّ الناس بأسًا. رواه أحمد والبيهقي (٣). وتقدم في غزوة هوازن أنه ﵊ لما فرَّ جُمهور أصحابه يومئذ ثبت، وهو راكب بغلته وهو ينوه باسمه الشريف، يقول: "أنا النبيُّ لا كذب، … أنا ابنُ عبد المطلب" وهو مع ذلك يركضها إلى نحور الأعداء. وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة العظيمة والتوكل التام صلوات الله عليه. وفي صحيح مسلم، من حديث إسماعيل بن عُلَيَّة، عن عبد العزيز، عن أنس، قال: لما قدم رسولُ الله المدينة أخذَ أبو طلحة بيدي، فانطلقَ بنا إلى رسول الله، فقال: يا رسولَ الله إن أنسًا غلامٌ كيَّسٌ فليخدُمْك. قال: فخدمتُه في السفر والحَضَر، والله! ما قالَ لي لشيء صنعتُه: لم صنعتَ هذا هكذا؟ ولا لشيء لم أصنعه: لمَ لمْ تصنعْ هذا هكذا (٤)؟. وله من حديث سعيد بن أبي بردة، عن أنس، قال: خدمتُ رسولَ الله تسعَ سنين، فما أعلمُه قال لي قط: لم فعلت كذا وكذا؟ ولا عابَ عليَّ شيئًا قطُّ (٥). وله من حديث عكرمة بن عمّار، عن إسحاق، قال أنس: كان رسولُ الله ﷺ من أحسنِ النَّاس خُلُقًا، فأرسلني يومًا لحاجة، فقلت: والله لا أذهبُ -وفي نفسي أن أذهبَ لما أمرني به رسولُ الله ﷺ - فخرجتُ حتى أمرَّ على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسولُ الله ﷺ قد قبضَ بقفاي من ورائي قال: فنظرتُ إليه وهو يَضحكُ، فقال: "يا أُنيسُ! ذهبتَ حيثُ أمرتُك؟ " فقلتُ: نعم أنا أذهبُ

стр. 2766

يا رسول الله. قال أنس: والله لقد خدمته تسع سنين ما علمته قال لشيء صنعتُه: لم صنعتَ كذا وكذا؟ أو لشيء تركته: هلا فعلتَ كذا وكذا؟ (١). وقال الإمام أحمد (٢): حَدَّثَنَا كثير بن هشام، حَدَّثَنَا جعفر، حَدَّثَنَا عمران القصير، عن أنس بن مالك، قال: خدمتُ النبيَّ ﷺ عشر سنين، فما أمرني بأمر فتوانيتُ عنه، أو ضيّعتُه، فلامني، وإن لامني أحدٌ من أهله إِلَّا قال: "دعوه فلو قُدِّرَ -أو قال قُضِيَ- أن يكون كان". ثم رواه أحمد، عن علي بن ثابتٍ، عن جعفر -هو ابن برقان- عن عمران البصري -وهو القصير- عن أنس فذكره، تفرد به الإمام أحمد. وقال الإمام أحمد (٣): حَدَّثَنَا عبد الصمد، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا أبو التيّاح، حَدَّثَنَا أنس، قال: كان رسولُ الله ﷺ أحسن الناس خُلقًا، وكان لي أخ يُقال له أبو عُمير، قال: أحسبُه قال: فطيمًا، قال: فكان إذا جاء رسولُ الله ﷺ فرآه قال: "أبا عُمير! ما فعل النَّغَير". قال: نغر كان يلعب به، قال: فربما تحضرهُ الصلاة وهو في بيتنا، فيأمر بالبساط الذي تحته فيُكنس، ثم يُنضح بالماء، ثم يقومُ رسول الله ﷺ ونقوم خلفه يُصلّي بنا، قال: وكان بساطهم من جريد النخل. وقد رواه الجماعة (٤)، إِلَّا أبا داود، من طرق عن أبي التياح يزيد بن حميد، عن أنس، بنحوه. وثبت في الصحيحين، من حديث الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فَلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة (٥). وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا أبو كامل، حَدَّثَنَا حمّاد بن زيد، حَدَّثَنَا سَلم العلوي، سمعتُ أنس بن مالك؛ أن النَّبِيّ ﷺ رأى على رجل صُفْرة، فكرهَها، قال: فلما قام قال: "لو أمرتم هذا أن يغسل عنه هذه الصفرة". قال: وكان لا يكاد يواجه أحدًا بشيء يكرهه (٦).

стр. 2767

وقد رواه أبو داود، والترمذي في "الشمائل"، والنسائي في "اليوم والليلة" (١)، من حديث حماد بن زيد، عن سَلْم بن قيس العلوي البصري. قال أبو داود (٢): وليس من ولد علي بن أبي طالب، وكان يُبصر في النجوم، وقد شهد عند عديّ بن أَرْطاة على رؤية الهلال فلم يُجزْ شهادته. وقال أبو داود: حَدَّثَنَا عثمان بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا عبد الحميد الحِمَّاني (٣)، حَدَّثَنَا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة قالت: كان النَّبِيِّ ﷺ ، إذا بلغه عن رجل شيء لم يقل ما بالُ فلان يقول، ولكن يقول: "ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟ (٤) ". وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "لا يُبَلغنِي أحدٌ عن أحدٍ شيئًا، إنِّي أُحِبُّ أن أخرجَ إليكم وأنا سليمُ الصَّدر" (٥). وقال مالك: عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، قال: كنتُ أمشي مع النبيِّ ﷺ وعليه بُردٌ غليظ الحاشية، فأدرَكه أعرابي فجبذَ بردائه جبذًا شديدًا، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ فإذا قد أثرت بها حاشيةُ البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندكَ. قال: فالتفتَ إليه رسول الله ﷺ فضحكَ ثم أمرَ له بعطاء. أخرجاه (٦) من حديث مالك. وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا زيد بن الحباب، أخبرني محمد بن هلال القرشي، عن أبيه، أنه سمع أبا هريرة يقول: كنا مع رسول الله ﷺ في المسجد، فلما قام قمنا معه، فجاء أعرابي فقال: أعطني يا محمد، فقال: "لا وأستغفر الله" فجذبه بحجزته فخدشه، قال: فهمُّوا به فقال: "دعوه" قال: ثم أعطاه، قال: فكانت يمينه: "لا وأستغفر الله" (٧).

стр. 2768

وقد روى أصل هذا الحديث أبو داود والنسائي وابن ماجه (١) من طرق، عن محمد بن هلال بن أبي هلال مولى بني كعب، عن أبيه، عن أبي هريرة بنحوه. وقال يعقوب بن سفيان: حَدَّثَنَا عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن الأعمش، عن ثُمَامَة بن عُقبة، عن زيد بن أرقمَ، قال: كان رجلٌ من الأنصار يدخلُ على رسول الله ﷺ ويأتمنه، وأنه عقد له عُقَدًا وألقاه في بئر، فصَرَعَ ذلك رسولَ الله ﷺ ، فأتاه ملكان يعودانه فأخبراه أن فلانًا عَقَدَ له عُقَدًا، وهي في بئر فلان، ولقد اصفرَّ الماءُ من شدّة عقده. فأرسل النبيُّ ﷺ فاستخرجَ العُقَدَ، فوجدَ الماءَ قد اصفرَّ، فحلَّ العُقَدَ، ونام النَّبِيّ ﷺ . فلقد رأيتُ الرجلَ بعد ذلك يدخلُ على النَّبِيِّ ﷺ ، فما رأيتُه في وجه النَّبِيِّ ﷺ حتى مات (٢). (ورواه الطبراني من طريق علي بن المديني، عن جرير، عن الأعمش، به. وقال: فلم يُعاتبه) (٣). قلت: والمشهور في الصحيح: أن لبيد بن الأعصم اليهودي هو الذي سحرَ النَّبِيَّ ﷺ في مِشْطٍ ومُشَاطةٍ في جُفّ طَلعةٍ ذَكَر، تحت بئر ذَرْوَان، وأن الحال استمر نحو ستة أشهر حتى أنزل الله سورتي المعوذتين. ويقال: إن آياتهما إحدى عشرة آية وأن عقد ذلك الذي سحر فيه كان إحدى عشرة عقدة، وقد بسطنا ذلك في كتابنا "التفسير" (٤) بما فيه كفاية، والله أعلم. وقال يعقوب بن سفيان: حَدَّثَنَا أبو نُعَيم، حَدَّثَنَا عمران بن زيد أبو يحيى المُلَائي، حَدَّثَنَا زيد العَمِّيُّ، عن أنس بن مالك، قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا صافحَ، أو صافحَه الرجلُ، لا يَنْزعُ يدَه من يده حتى يكونَ الرجلُ يَنْزِعُ يدَه، وإن استقبلَه بوجهه لا يصرفه عنه حتى يكونَ الرجلُ ينصرف عنه، ولا يُرى مُقَدِّمًا ركبتيه بين يديْ جليسٍ له (٥). ورواه الترمذي وابن ماجه (٦) من حديث عمران بن زيد الثعلبي، أبي يحيى الطويل الكوفي، عن زيد بن الحَوَاري العمّيّ، عن أنس به.

стр. 2769

وقال أبو داود: حَدَّثَنَا أحمد بن منيع، حَدَّثَنَا أبو قطن، حَدَّثَنَا مبارك بن فضالة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، قال: ما رأيتُ رجلًا قد التقم أذن النبي ﷺ فينحي رأسه حتى يكون الرجل هو الذي ينحي رأسه، وما رأيتُ رسولَ الله آخذًا بيده رجل فترك يده حتى يكون الرجل هو الذي يدع يده (١). تفرد به أبو داود. قال الإمام أحمد (٢): وحَدَّثَنَا محمد بن جعفر وحجاج قالا: حَدَّثَنَا شعبة، قال ابن جعفر في حديثه قال: سمعت علي بن زيد قال: قال أنس بن مالك: إن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجيء فتأخذ بيد رسول الله ﷺ فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت. ورواه ابن ماجه (٣) من حديث شعبة. وفال الإمام أحمد (٤): حَدَّثَنَا هشيم، حَدَّثَنَا حميد، عن أنس بن مالك، قال: إن كانت الأمة من أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به في حاجتها. وقد رواه البخاري في كتاب الأدب من "صحيحه" معلَّقًا فقال: وقال محمد بن عيسى -هو ابن الطباع- حَدَّثَنَا هشيم، فذكره. وقال الطبراني (٥): حَدَّثَنَا أبو شعيب الحراني، حَدَّثَنَا يحيى بن عبد الله البَابْلُتيُّ، حَدَّثَنَا أيوب بن نهيك، سمعت عطاء بن أبي رباح، سمعت ابن عمر، سمعت رسولَ الله ﷺ وأتي بصاحب بزٍّ فاشترى منه قميصًا بأربعة دراهم، فخرج وهو عليه، فإذا رجلٌ من الأنصار فقال: يا رسولَ الله! اكسني قميصًا كساكَ الله من ثياب الجنة، فنزع القميص فكساه إياه، ثم رجع إلى صاحب الحانوت فاشترى منه قميصًا بأربعة دراهم، وبقي معه درهمان، فإذا هو بجاريةٍ في الطريق تبكي، فقال: ما يُبكيك؟ فقالت: يا رسول الله دفع إليَّ أهلي درهمين أشتري بهما دقيقًا فهلكا، فدفع إليها رسول الله الدرهمين الباقيين، ثمَّ انقلب وهي تبكي، فدعاها، فقال: "ما يبكيك وقد أخذت الدرهمين؟ " فقالت: أخاف أن يضربوني، فمشى معها إلى أهلها فسلَّم، فعرفوا صوته، ثمَّ عاد فسلَّم، ثمَّ عاد فسلَّم، ثمَّ عاد فثلث فردوا، فقال: "أسمعتم أول السلام؟ " قالوا: نعم ولكن أحببنا أن تزيدنا من السلام فما أشخصك بأبينا وأمنا، فقال: "أشفقت هذه الجارية أن تضربوها" فقال صاحبها: هي حرة لوجه الله لممشاك معها،

стр. 2770

فبشَّرهم رسول الله بالخير والجنَّة. ثم قال: "لقد بارك الله في العشرة: كسا الله نبيه قميصًا، ورجلًا من الأنصار قميصًا، وأعتق الله منها رقبة، وأحمد الله هو الذي رزقنا هذا بقدرته". هكذا رواه الطبراني وفي إسناده أيوب بن نهيك الحلبي وقد ضعفه أبو حاتم، وقال أبو زرعة: منكر الحديث، وقال الأزدي: متروك (١). وقال الإمام أحمد (٢): حَدَّثَنَا عفان، حَدَّثَنَا حماد، عن ثابت، عن أنس؛ أن امرأة كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله إن لي حاجة، فقال: "يا أمَّ فلان انظري أي الطرق شئت" فقام معها يناجيها حتى قضت حاجتها. وهكذا رواه مسلم (٣) من حديث حماد بن سلمة. وثبت في الصحيحين من حديث الأعمش عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: ما عابَ رسول الله ﷺ طعامًا قط، إن اشتهاه أكله وإلا تركه (٤). وقال الثوري عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزي، عن جابر قال: أتانا رسول الله في منزلنا فذبحنا له شاة فقال: "كأنهم علموا أنا نحب اللحم" (٥). الحديث. وقال محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن عمر بن عبد العزيز، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلس يتحدَّث كثيرًا ما يرفع طرفه إلى السماء. وهكذا رواه أبو داود في كتاب الأدب من "سننه" (٦) من حديث محمد بن إسحاق به. وقال أبو داود: حَدَّثَنَا سلمة بن شعيب، حَدَّثَنَا عبد الله بن إبراهيم، حَدَّثَنَا إسحاق بن محمد الأنصاري، عن ربيح بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جده أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ كان إذا جلس احتبى بيده (٧).
следующие страницы →