← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

يا رسول الله. قال أنس: والله لقد خدمته تسع سنين ما علمته قال لشيء صنعتُه: لم صنعتَ كذا وكذا؟ أو لشيء تركته: هلا فعلتَ كذا وكذا؟ (١). وقال الإمام أحمد (٢): حَدَّثَنَا كثير بن هشام، حَدَّثَنَا جعفر، حَدَّثَنَا عمران القصير، عن أنس بن مالك، قال: خدمتُ النبيَّ ﷺ عشر سنين، فما أمرني بأمر فتوانيتُ عنه، أو ضيّعتُه، فلامني، وإن لامني أحدٌ من أهله إِلَّا قال: "دعوه فلو قُدِّرَ -أو قال قُضِيَ- أن يكون كان". ثم رواه أحمد، عن علي بن ثابتٍ، عن جعفر -هو ابن برقان- عن عمران البصري -وهو القصير- عن أنس فذكره، تفرد به الإمام أحمد. وقال الإمام أحمد (٣): حَدَّثَنَا عبد الصمد، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا أبو التيّاح، حَدَّثَنَا أنس، قال: كان رسولُ الله ﷺ أحسن الناس خُلقًا، وكان لي أخ يُقال له أبو عُمير، قال: أحسبُه قال: فطيمًا، قال: فكان إذا جاء رسولُ الله ﷺ فرآه قال: "أبا عُمير! ما فعل النَّغَير". قال: نغر كان يلعب به، قال: فربما تحضرهُ الصلاة وهو في بيتنا، فيأمر بالبساط الذي تحته فيُكنس، ثم يُنضح بالماء، ثم يقومُ رسول الله ﷺ ونقوم خلفه يُصلّي بنا، قال: وكان بساطهم من جريد النخل. وقد رواه الجماعة (٤)، إِلَّا أبا داود، من طرق عن أبي التياح يزيد بن حميد، عن أنس، بنحوه. وثبت في الصحيحين، من حديث الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فَلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة (٥). وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا أبو كامل، حَدَّثَنَا حمّاد بن زيد، حَدَّثَنَا سَلم العلوي، سمعتُ أنس بن مالك؛ أن النَّبِيّ ﷺ رأى على رجل صُفْرة، فكرهَها، قال: فلما قام قال: "لو أمرتم هذا أن يغسل عنه هذه الصفرة". قال: وكان لا يكاد يواجه أحدًا بشيء يكرهه (٦).

стр. 2767

وقد رواه أبو داود، والترمذي في "الشمائل"، والنسائي في "اليوم والليلة" (١)، من حديث حماد بن زيد، عن سَلْم بن قيس العلوي البصري. قال أبو داود (٢): وليس من ولد علي بن أبي طالب، وكان يُبصر في النجوم، وقد شهد عند عديّ بن أَرْطاة على رؤية الهلال فلم يُجزْ شهادته. وقال أبو داود: حَدَّثَنَا عثمان بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا عبد الحميد الحِمَّاني (٣)، حَدَّثَنَا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة قالت: كان النَّبِيِّ ﷺ ، إذا بلغه عن رجل شيء لم يقل ما بالُ فلان يقول، ولكن يقول: "ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟ (٤) ". وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "لا يُبَلغنِي أحدٌ عن أحدٍ شيئًا، إنِّي أُحِبُّ أن أخرجَ إليكم وأنا سليمُ الصَّدر" (٥). وقال مالك: عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، قال: كنتُ أمشي مع النبيِّ ﷺ وعليه بُردٌ غليظ الحاشية، فأدرَكه أعرابي فجبذَ بردائه جبذًا شديدًا، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ فإذا قد أثرت بها حاشيةُ البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندكَ. قال: فالتفتَ إليه رسول الله ﷺ فضحكَ ثم أمرَ له بعطاء. أخرجاه (٦) من حديث مالك. وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا زيد بن الحباب، أخبرني محمد بن هلال القرشي، عن أبيه، أنه سمع أبا هريرة يقول: كنا مع رسول الله ﷺ في المسجد، فلما قام قمنا معه، فجاء أعرابي فقال: أعطني يا محمد، فقال: "لا وأستغفر الله" فجذبه بحجزته فخدشه، قال: فهمُّوا به فقال: "دعوه" قال: ثم أعطاه، قال: فكانت يمينه: "لا وأستغفر الله" (٧).

стр. 2768

وقد روى أصل هذا الحديث أبو داود والنسائي وابن ماجه (١) من طرق، عن محمد بن هلال بن أبي هلال مولى بني كعب، عن أبيه، عن أبي هريرة بنحوه. وقال يعقوب بن سفيان: حَدَّثَنَا عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن الأعمش، عن ثُمَامَة بن عُقبة، عن زيد بن أرقمَ، قال: كان رجلٌ من الأنصار يدخلُ على رسول الله ﷺ ويأتمنه، وأنه عقد له عُقَدًا وألقاه في بئر، فصَرَعَ ذلك رسولَ الله ﷺ ، فأتاه ملكان يعودانه فأخبراه أن فلانًا عَقَدَ له عُقَدًا، وهي في بئر فلان، ولقد اصفرَّ الماءُ من شدّة عقده. فأرسل النبيُّ ﷺ فاستخرجَ العُقَدَ، فوجدَ الماءَ قد اصفرَّ، فحلَّ العُقَدَ، ونام النَّبِيّ ﷺ . فلقد رأيتُ الرجلَ بعد ذلك يدخلُ على النَّبِيِّ ﷺ ، فما رأيتُه في وجه النَّبِيِّ ﷺ حتى مات (٢). (ورواه الطبراني من طريق علي بن المديني، عن جرير، عن الأعمش، به. وقال: فلم يُعاتبه) (٣). قلت: والمشهور في الصحيح: أن لبيد بن الأعصم اليهودي هو الذي سحرَ النَّبِيَّ ﷺ في مِشْطٍ ومُشَاطةٍ في جُفّ طَلعةٍ ذَكَر، تحت بئر ذَرْوَان، وأن الحال استمر نحو ستة أشهر حتى أنزل الله سورتي المعوذتين. ويقال: إن آياتهما إحدى عشرة آية وأن عقد ذلك الذي سحر فيه كان إحدى عشرة عقدة، وقد بسطنا ذلك في كتابنا "التفسير" (٤) بما فيه كفاية، والله أعلم. وقال يعقوب بن سفيان: حَدَّثَنَا أبو نُعَيم، حَدَّثَنَا عمران بن زيد أبو يحيى المُلَائي، حَدَّثَنَا زيد العَمِّيُّ، عن أنس بن مالك، قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا صافحَ، أو صافحَه الرجلُ، لا يَنْزعُ يدَه من يده حتى يكونَ الرجلُ يَنْزِعُ يدَه، وإن استقبلَه بوجهه لا يصرفه عنه حتى يكونَ الرجلُ ينصرف عنه، ولا يُرى مُقَدِّمًا ركبتيه بين يديْ جليسٍ له (٥). ورواه الترمذي وابن ماجه (٦) من حديث عمران بن زيد الثعلبي، أبي يحيى الطويل الكوفي، عن زيد بن الحَوَاري العمّيّ، عن أنس به.

стр. 2769

وقال أبو داود: حَدَّثَنَا أحمد بن منيع، حَدَّثَنَا أبو قطن، حَدَّثَنَا مبارك بن فضالة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، قال: ما رأيتُ رجلًا قد التقم أذن النبي ﷺ فينحي رأسه حتى يكون الرجل هو الذي ينحي رأسه، وما رأيتُ رسولَ الله آخذًا بيده رجل فترك يده حتى يكون الرجل هو الذي يدع يده (١). تفرد به أبو داود. قال الإمام أحمد (٢): وحَدَّثَنَا محمد بن جعفر وحجاج قالا: حَدَّثَنَا شعبة، قال ابن جعفر في حديثه قال: سمعت علي بن زيد قال: قال أنس بن مالك: إن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجيء فتأخذ بيد رسول الله ﷺ فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت. ورواه ابن ماجه (٣) من حديث شعبة. وفال الإمام أحمد (٤): حَدَّثَنَا هشيم، حَدَّثَنَا حميد، عن أنس بن مالك، قال: إن كانت الأمة من أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به في حاجتها. وقد رواه البخاري في كتاب الأدب من "صحيحه" معلَّقًا فقال: وقال محمد بن عيسى -هو ابن الطباع- حَدَّثَنَا هشيم، فذكره. وقال الطبراني (٥): حَدَّثَنَا أبو شعيب الحراني، حَدَّثَنَا يحيى بن عبد الله البَابْلُتيُّ، حَدَّثَنَا أيوب بن نهيك، سمعت عطاء بن أبي رباح، سمعت ابن عمر، سمعت رسولَ الله ﷺ وأتي بصاحب بزٍّ فاشترى منه قميصًا بأربعة دراهم، فخرج وهو عليه، فإذا رجلٌ من الأنصار فقال: يا رسولَ الله! اكسني قميصًا كساكَ الله من ثياب الجنة، فنزع القميص فكساه إياه، ثم رجع إلى صاحب الحانوت فاشترى منه قميصًا بأربعة دراهم، وبقي معه درهمان، فإذا هو بجاريةٍ في الطريق تبكي، فقال: ما يُبكيك؟ فقالت: يا رسول الله دفع إليَّ أهلي درهمين أشتري بهما دقيقًا فهلكا، فدفع إليها رسول الله الدرهمين الباقيين، ثمَّ انقلب وهي تبكي، فدعاها، فقال: "ما يبكيك وقد أخذت الدرهمين؟ " فقالت: أخاف أن يضربوني، فمشى معها إلى أهلها فسلَّم، فعرفوا صوته، ثمَّ عاد فسلَّم، ثمَّ عاد فسلَّم، ثمَّ عاد فثلث فردوا، فقال: "أسمعتم أول السلام؟ " قالوا: نعم ولكن أحببنا أن تزيدنا من السلام فما أشخصك بأبينا وأمنا، فقال: "أشفقت هذه الجارية أن تضربوها" فقال صاحبها: هي حرة لوجه الله لممشاك معها،

стр. 2770

فبشَّرهم رسول الله بالخير والجنَّة. ثم قال: "لقد بارك الله في العشرة: كسا الله نبيه قميصًا، ورجلًا من الأنصار قميصًا، وأعتق الله منها رقبة، وأحمد الله هو الذي رزقنا هذا بقدرته". هكذا رواه الطبراني وفي إسناده أيوب بن نهيك الحلبي وقد ضعفه أبو حاتم، وقال أبو زرعة: منكر الحديث، وقال الأزدي: متروك (١). وقال الإمام أحمد (٢): حَدَّثَنَا عفان، حَدَّثَنَا حماد، عن ثابت، عن أنس؛ أن امرأة كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله إن لي حاجة، فقال: "يا أمَّ فلان انظري أي الطرق شئت" فقام معها يناجيها حتى قضت حاجتها. وهكذا رواه مسلم (٣) من حديث حماد بن سلمة. وثبت في الصحيحين من حديث الأعمش عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: ما عابَ رسول الله ﷺ طعامًا قط، إن اشتهاه أكله وإلا تركه (٤). وقال الثوري عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزي، عن جابر قال: أتانا رسول الله في منزلنا فذبحنا له شاة فقال: "كأنهم علموا أنا نحب اللحم" (٥). الحديث. وقال محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن عمر بن عبد العزيز، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلس يتحدَّث كثيرًا ما يرفع طرفه إلى السماء. وهكذا رواه أبو داود في كتاب الأدب من "سننه" (٦) من حديث محمد بن إسحاق به. وقال أبو داود: حَدَّثَنَا سلمة بن شعيب، حَدَّثَنَا عبد الله بن إبراهيم، حَدَّثَنَا إسحاق بن محمد الأنصاري، عن ربيح بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جده أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ كان إذا جلس احتبى بيده (٧).

стр. 2771

ورواه البزّار في "مسنده" ولفظه: كان إذا جلس نصب ركبتيه واحتبى بيديه. ثم قال أبو داواد (١): حَدَّثَنَا حفص بن عمر وموسى بن إسماعيل، قالا: حَدَّثَنَا عبد الله بن حسان العَنْبَري، حدَّثتني جَدّتاي صفية ودُحَيْبة ابنتا عُلَيْبة، قال موسى: ابنة حرملة، وكانتا ربيبتي قَيْلَة بنت مخرمة، وكانت جدة أبيهما؛ أنها أخبرتهما؛ أنها رأت رسول الله ﷺ وهو قاعد القُرْفُصاء، قالت: فلما رأيتُ رسول الله المُتَخَشعَ في الجِلْسة أُرعدت من الفَرَق. ورواه الترمذي في "الشمائل" (٢) وفي "الجامع" (٣) عن عبد بن حميد، عن عفان بن مسلم، عن عبد الله بن حسان به. وهو قطعة من حديث طويل قد ساقَه الطبراني بتمامه في "معجمه الكبير" (٤). وقال البخاري (٥): حَدَّثَنَا الحسن بن الصباح البزار، حَدَّثَنَا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة؛ أن رسول الله ﷺ : كان يحدّث حديثًا لو عدَّه العَادُّ لأحصاه. قال البخاري (٦): وقال اللَّيث: حدَّثني يُونس، عن ابن شهاب، أخبرني عروةُ بن الزبير، عن عائشة؛ أنها قالت: ألا أعجبك (٧) أبو فلان، جاءَ فجلسَ إلى جانب حُجرتي يُحَدِّث عن رسول الله ﷺ يُسمعني ذلك، وكنت أسبّحُ، فقام قبل أن أقضيَ سُبْحتي، ولو أدركته لرددتُ عليه، إن رسول الله ﷺ لم يكن يَسْرِدُ الحديثَ كسردِكم. وقد رواه أحمد (٨)، عن علي بن إسحاق، ومسلم (٩) عن حرملة، وأبو داواد (١٠) عن سليمان بن داود، كلُّهم عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد به. وفي روايتهم: ألا أعجبك من أبي هريرة .. فذكرت نحوه. وقال الإمام أحمد (١١): حَدَّثَنَا وكيع، عن سفيان، عن أسامة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: كان كلام النَّبِيّ ﷺ فصلًا يفهمه كل أحد، لم يكن يسرد سردًا.

стр. 2772

وقد رواه أبو داود، عن ابن أبي شيبة، عن وكيع (١). وقال أبو يَعلى: حَدَّثَنَا عبد الله بن محمد بن أسماء، حَدَّثَنَا عبد الله بن [المبارك (٢)، عن] مِسْعَر، حدَّثني شيخ؛ أنه سمع جابر بن عبد الله -أو ابن عمر- يقول: كان في كلام النَّبِيّ ﷺ ترتيلٌ أو ترسيل. وقال الإمام أحمد (٣): حَدَّثَنَا عبد الصمد، حَدَّثَنَا عبد الله بن المثنى، عن ثمامة، عن أنس؛ أن رسول الله ﷺ كان إذا تكلَّم بكلمة رددها ثلاثًا، واذا أتى قومًا يُسلّم عليهم سلَّم ثلاثًا. ورواه البخاري (٤) من حديث عبد الصمد. وقال أحمد (٥): حَدَّثَنَا أبو سعيد بن أبي مريم، حَدَّثَنَا عبد الله بن المثنى، سمعت ثمامة بن أنس يذكر؛ أن أنسًا كان إذا تكلَّم تكلَّمَ ثلاثًا، ويذكرُ أن النَّبِيَّ ﷺ : كان إذا تكلَّمَ تكلَّمَ ثلاثًا، وكان يستأذن ثلاثًا. وجاء في الحديث الذي رواه الترمذي (٦)، عن عبد الله بن المثنى، عن ثُمامة، عن أنس؛ أن رسول الله ﷺ كان إذا تكلَّم يُعيدُ الكلمةَ ثلاثًا لتُعقلَ عنه. ثم قال الترمذي: حسن صحيح غريب. وفي الصحيح؛ أنه قال: "أُوتيت جوامعَ الكلم، وأختصر الحِكَم (٧) اختصارًا (٨) ".

стр. 2773

قال الإمام أحمد (١): حَدَّثَنَا حجَّاج، حَدَّثَنَا ليث، حدّثني عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بُعثت بجوامع الكلم، ونُصرت بالرعب، وبينا أنا نائم أُوتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوُضعت في يدي". وهكذا رواه البخاري (٢) من حديث الليث. وقال أحمد (٣): حَدَّثَنَا إسحاق بن عيسى، حَدَّثَنَا ابن لَهيعة، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "نُصرت بالرعب، وأوتيت جوامع الكلم، وبينا أنا نائم أُتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي"، تفرد به أحمد من هذا الوجه (٤). وقال أحمد (٥): حَدَّثَنَا يزيد، حَدَّثَنَا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "نُصرتُ بالرعب، وأوتيت جوامع الكلم، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وبينا أنا نائم أُتيت بمفاتيح خزائن الأرض فتُلَّت في يدي". تفرد به أحمد من هذا الوجه، وهو على شرط مسلم (٦). وثبت في الصحيحين (٧)، من حديث ابن وَهْب، عن عمرو بن الحارث حدَّثني أبو النضر، عن سليمان بن يسار عن عائشة، قالت: ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ مُستجمعًا ضاحكًا حتى أرى منه لَهَواتِهِ، إنما كان يَتَبسَّم. وقال الترمذي (٨): حَدَّثَنَا قتيبة، حَدَّثَنَا ابن لَهيعة، عن عُبيد الله (٩) بن المغيرة، عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء قال: ما رأيتُ أحدًا أكثر تبسُّمًا من رسول الله ﷺ .

стр. 2774

ثم رواه من حديث الليث (١) عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء، قال: ما كان ضحك رسول الله ﷺ إِلَّا تبسمًا. ثم قال: صحيح. وقال مسلم (٢): حَدَّثَنَا يحيى بن يحيى، حَدَّثَنَا أبو خَيْثمة، عن سِمَاك بن حرب، وقلت لجابر بن سَمُرة: أكنتَ تُجالس رسولَ الله ﷺ ؟، قال: نعم، كثيرًا، كان لا يقومُ من مُصلَّاه الذي يُصلِّي فيه الصبحَ، حتى تطلعَ الشمسُ (فإذا طلعت) (٣) قامَ، وكان يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكُون ويتبسمُ رسولُ الله ﷺ . وقال أبو داود الطيالسي (٤): حَدَّثَنَا شَرِيك وقيس بن سعد، عن سِماك بن حرب، قال: قلت لجابر بن سَمُرة: أكنتَ تُجالس النَّبِيّ ﷺ ؟ قال: نعم. كان طويلَ الصمت (٥)، قليلَ الضحك، فكان أصحابُه ربما يتناشدون الشعر عندَه، وربما قالوا الشيءَ من أمورهم، فيضحكون، وربما يتبسم (٦). وقال الحافظ أبو بكر البيهقيّ (٧): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: حَدَّثَنَا أبو العباس محمد بن يعقوب، حَدَّثَنَا محمد بن إسحاق، أخبرنا أبو عبد الرحمن المقري، حَدَّثَنَا الليث بن سعد عن الوليد بن أبي الوليد؛ أن سليمان بن خارجة أخبره عن خارجة بن زيد -يعني ابن ثابت- أن نفرًا دخلوا على أبيه فقالوا: حَدَّثَنَا عن بعض أخلاق رسول الله ﷺ فقال: كنتُ جارَه، فكان إذا نزلَ الوحيُ بعثَ إليَّ فآتيه، فأكتبُ الوحيَ. وكنا إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكرَه معنا، فكل هذا نحدّثكم عنه. ورواه الترمذي في "الشمائل" (٨) عن عباس الدوري، عن أبي عبد الرحمن، عن عبد الله بن يزيد المقرئ، به نحوه.

стр. 2775

ذكرُ كرمِه ﵊ تقدم ما أخرجاه في الصحيحين من طريق الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ أجود الناس وكان أجود ما يكون في شهر رمضان حين يلقاه جبريل بالوحي فيدارسه القرآن فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسله (١). وهذا التشبيه في غاية ما يكون من البلاغة، في تشبيهه الكرم بالريح المرسلة، في عمومها وتواترها وعدم انقطاعها. وفي الصحيحين من حديث سفيان بن عُيَينَة (٢)، عن محمد بن المُنْكَدر، عن جابر بن عبد الله قال: ما سُئِلَ رسولُ الله ﷺ شيئًا قطُ فقال: لا (٣). وقال الإمام أحمد (٤): حَدَّثَنَا ابن أبي عدي، عن حميد، عن موسى بن أنيس، عن أنس؛ أن رسول الله ﷺ لم يُسأل شيئًا على الإسلام إِلَّا أعطاه، قال: فأتاه رجل فأمر له بشاء كثير بين جبلين من شاء الصدقة. قال: فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدًا يُعطي عطاءً ما يخشى الفاقة. ورواه مسلم (٥)، عن عاصم بن النضر، عن خالد بن الحارث، عن حميد. وقال أحمد (٦): حَدَّثَنَا عَفَّان، حَدَّثَنَا حمّاد، حَدَّثَنَا ثابت، عن أنس؛ أن رجلًا سأل النَّبِيّ ﷺ ، فأعطاه غنمًا بين جبلين، فأتى قومَه، فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمَّدًا يُعطي عطاء من لا يخاف الفاقة. فإن كان الرجل ليجيء إلى رسول الله ما يُريد إِلَّا الدنيا، فما يُمسي حتى يكونَ دينه أحبَّ إليه وأعزَّ عليه من الدنيا وما فيها. ورواه مسلم (٧) من حديث حماد بن سلمة به. وهذا العطاء ليؤلف به قلوب ضعيفي القلوب في الإسلام، ويتألف آخرين ليدخلوا في الإسلام؛ كما

стр. 2776

فعل يوم حُنين، قسم (١) تلك الأموال الجزيلة من الإبل والشاء والذهب والفضة في المؤلفة، ومع هذا لم يُعط الأنصارَ وجمهور المهاجرين شيئًا، بل أنفقَ فيمن كان يحبُّ أن يتألَّفه على الإسلام، وترك أولئك لما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، وقال مُسلِّيًا لمن سأل عن وجه الحكمة في هذه القسمة لمن عتَب من جماعة الأنصار: "أما ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير، وتذهبون برسول الله تحوزونه إلى رِحَالكم؟ " قالوا: رضينا يا رسول الله (٢). وهكذا أعطى عمَّه العباس بعدما أسلم حين جاءه ذلك المال من البحرين، فوُضع بين يديه في المسجد وجاء العباسُ فقال: يا رسولَ الله أعطني فقد فاديتُ نفسي يوم بدر وفاديتُ عقيلًا، فقال: "خذ" فنزع ثوبَه عنه وجعل يضعُ فيه من ذلك المال، ثم قام ليُقِلَّه فلم يقدر، فقال لرسول الله: ارفعه عليَّ، قال: "لا أفعل" فقال: مر بعضَهم ليرفعَه عليَّ، فقال: "لا" فوضع منه شيئًا، ثم عاد فلم يقدر، فسأله أن يرفعَه أو أن يأمرَ بعضَهم برفعه فلم يفعل، فوضع منه، ثم احتمل الباقي وخرجَ به من المسجد، ورسولُ الله ﷺ يُتبعه بصرَه عجبًا من حرصه!. قلت: وقد كان العباسُ ﵁ رجلًا شديدًا طويلًا نبيلًا، فأقلّ ما احتمل شيء يُقارب أربعين ألفًا، والله أعلم. وقد ذكره البخاري في "صحيحه" في مواضع معلَّقًا بصيغة الجزم، وهذا يُورد في مناقب العباس؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٠]. وقد تقدم عن أنس بن مالك خادمه ﵊ أنه قال: كان رسول الله ﷺ أجودَ الناس، وأشجعَ الناس … الحديث (٣). وكيف لا يكون كذلك وهو رسولُ الله ﷺ المجبول على أكمل الصفات، الواثق بما في يدي الله ، الذي أنزل الله عليه في محكم كتابه العزيز: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية [الحديد: ١٠] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]. وهو ﵊ القائل لمؤذنه بلال، وهو الصادق المصدوق في الوعد والمقال: "أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالًا" (٤).

стр. 2777

وهو القائل ﵊: "ما من يوم تُصبح العباد فيه إِلَّا وملكان ينزلان يقول أحدُهما: اللهم أعطِ مُنفقًا خَلَفًا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ مُمسكًا تلفًا" (١). وفي الحديث الآخر؛ أنه قال لعائشة: "لا تُوعي فيُوعِي الله عليكِ، ولا تُوكي فيُوكي الله عليك" (٢). وفي الصحيح أنه ﵊ قال: "يقول الله تعالى: ابن آدم أَنفِق أُنْفِق عَلَيكَ" (٣). فكيف لا يكون أكرم الناس، وأشجع الناس، وهو المتوكل الذي لا أعظم منه في توكله، الواثق برزق الله ونصره، المستعين بربه في جميع أمره؟ ثم قد كان قبل بعثته وبعدها وقبل هجرته، ملجأً للفقراء والأرامل، والأيتام: والضعفاء، والمساكين، كما قال عمُّه أبو طالب فيما قدمناه من القصيدة المشهورة: وَمَا تَركُ قَومٍ لَا أبالَكَ سَيِّدًا … يَحوطُ الذِّمارَ غيرَ ذَربٍ مُوَاكِلِ وأبيضَ يُستَسقى الغَمَامُ بِوَجهِهِ … ثَمالُ اليتامَى عِصمَة لِلأرامِلِ يَلوذُ بِهِ الهُلّاكُ مِن آلِ هاشِمٍ … فَهُم عِنْدَهُ في نعمةٍ وَفَواضِلِ ومن تواضعه ﷺ ما روى الإمام أحمد من حديث حمَّاد بن سلمة، عن ثابت -زاد النسائي: وحميد- عن أنس؛ أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ : يا سيدنا وابن سيدنا، فقال رسول الله ﷺ : "يا أيُّها الناس قُولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطانُ، أنا محمد بن عبد الله ورسوله، والله ما أحبُّ أن ترفعوني فوقَ ما رفعني الله" (٤). وفي صحيح مسلم (٥)، عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تطرُونى كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبدُ الله ورسولهُ". وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يحيى، عن شعبة، حدَّثني الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، قال:

стр. 2778

قلت لعائشة: ما كان رسول الله ﷺ يصنعُ في أهله؟ قالت: كان في مَهنةِ أهله، فإذا حضرتِ الصلاةُ خرجَ إلى الصَّلاة (١). وحدَّثنا وكيع ومحمد بن جعفر، قالا: حَدَّثَنَا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود قال: قلت لعائشة: ما كان النَّبِيِّ ﷺ يصنعُ إذا دخلَ بيته؟ قالت: كان يكون في مَهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرجَ فصلَّى (٢). ورواه البخاري (٣)، عن آدم، عن شعبة. وقال الإمام أحمد (٤): حَدَّثَنَا عبدة، حَدَّثَنَا هشام بن عروة، عن رجل، قال: سُئلت عائشة: ما كان رسول الله ﷺ يصنعُ في بيته؟ قالت: كان يرقعُ الثوبَ، ويخصفُ النعل، ونحو هذا. وهذا منقطع من هذا الوجه. وقد قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة وهشام بن عروة عن أبيه، قال: سأل رجلٌ عائشةَ: هل كان رسول الله ﷺ يعملُ في بيته؟ قالت: نعم، كان يخصفُ نعلَه، ويخيطُ ثوبَه؛ كما يعمل أحدكم في بيته. رواه البيهقيّ (٥) فاتصل الإسناد. وقال البيهقيّ: أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا أبو جعفر محمد بن عمرو بن البختري -إملاء- حَدَّثَنَا محمد بن إسماعيل السُّلَمي، حَدَّثَنَا أبو صالح، حدَّثني معاوية بن صالح، عن يحيى بن سعيد، عن عَمرَةَ، قالت: قلت لعائشة: ما كان يعملُ رسولُ الله ﷺ في بيته؟ قالت: كان رسول الله ﷺ بشرًا من البشر، يَفْلي ثوبَه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه (٦). ورواه الترمذي في "الشمائل" (٧) عن محمد بن إسماعيل، عن عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، قالت: قيل لعائشة: ما كان يعملُ رسولُ الله ﷺ في بيته؟ .. الحديث. وروى ابن عساكر (٨)، من طريق أبي أسامة، عن حارثة بن محمد الأنصاري، عن عمرة، قالت:

стр. 2779

قلتُ لعائشة: كيف كان رسول الله ﷺ في أهله؟ قالت: كان ألينَ الناس، وأكرمَ الناس، وكان ضحَّاكًا بسَّامًا. وقال أبو داود الطيالسي: حَدَّثَنَا شعبة، حدَّثني مسلم أبو عبد الله الأعور، سمع أنسًا يقول: كان رسولُ الله ﷺ يُكثرُ الذكر، ويُقِلُّ اللَّغو، ويركبُ الحِمار، ويلبسُ الصُّوف، ويُجيب دعوة المملوك، ولقد رأيته يوم خيبر على حمار خطامه من ليف (١). وفي الترمذي وابن ماجه (٢)، من حديث مسلم بن كيسان الملائي، عن أنس بعض ذلك. وقال البيهقيّ (٣): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ -إملاء- حَدَّثَنَا أبو بكر محمد بن جعفر الآدمي القاري ببغداد، حَدَّثَنَا عبد الله بن أحمد بن إبراهيم الدَّورَقي، حَدَّثَنَا أحمد بن نصر بن مالك الخُزَاعي، حَدَّثَنَا علي بن الحسين بن وَاقِد، عن أبيه، قال: سمعتُ يحيى بنَ عقيل يقول: سمعت عبدَ الله بن أبي أَوفى يقول: كان رسولُ الله ﷺ يُكثر الذكرَ، ويُقِلُّ اللغوَ، ويُطيل الصلاةَ، ويقصرُ الخطبةَ، ولا يَستنكفُ أن يمشيَ مع العبد، ولا مع الأرملة، حتى يَفرُغَ لهم من حاجاتهم. ورواه النسائي (٤)، عن محمد بن عبد العزيز، عن أبي زرعة، عن الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن يحيى بن عقيل الخزاعي البصري، عن ابن أبي أوفى، بنحوه (٥). وقال البيهقي (٦): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حَدَّثَنَا أبو بكر إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الفقيه بالريّ، حَدَّثَنَا أبو بكر محمد بن الفرج الأزرق، حَدَّثَنَا هاشم بن القاسم، حَدَّثَنَا شيبان أبو معاوية، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن أبي بُردَة، عن أبي موسى، قال: كان رسولُ الله ﷺ يركبُ الحمار، ويلبسُ الصوف، ويَعتَقِلُ الشاةَ، ويَأتي مُراعاة الضيف.

стр. 2780

وهذا غريب من هذا الوجه، ولم يخرجوه، وإسناده جيد. وروى محمدُ بن سعد (١)، عن إسماعيل بن أبي فُديك، عن موسى بن يعقوب الزمعي، عن سهل مولى عتيبة، أنه كان نصرانيًا من أهل مريس، وأنه كان في حِجر أمه وعمه، وأنه قال: قرأت يومًا في مصحف لعمي، فإذا فيه ورقة بغير الخط، وإذا فيها نعت محمد ﷺ : لا قصير ولا طويل أبيض ذو ضفيرتين، بين كتفيه خاتم، يُكثِرُ الاحتباءَ، ولا يَقبل الصدقة، ويركب الحمارَ والبعير، ويحتلبُ الشاة، ويلبَس قميصًا مرقوعًا، ومن فعل ذلك فقد برئ من الكِبر، وهو من ذرية إسماعيل، اسمه أحمد. قال: فلما جاء عمي ورآني قد قرأتها ضربني، وقال: مالك وفتح هذه؟ فقلت: إن فيها نعت أحمد، فقال: إنه لم يأت بعد. وقال الإمام أحمد (٢): حَدَّثَنَا إسماعيل، حَدَّثَنَا أيوب، عن عمرو بن سعيد، عن أنس، قال: ما رأيت أحدًا كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ . وذكر الحديث. ورواه مسلم (٣) عن زهير بن حرب، عن إسماعيل بن عليّة، به. وقال الترمذي في "الشمائل" (٤): حَدَّثَنَا محمود بن غيلان، حَدَّثَنَا أبو داود، عن شُعبة، عن الأشعث بن سُلَيم، [قال]: سمعتُ عمتي تحدِّث عن عمِّها، قال: بينا أنا أمشي بالمدينة إذا إنسان خلفي يقول: "ارفع إزارَك فإنه أنقى وأبقى"، فإذا هو رسول الله، فقلت: يا رسولَ الله إنما هي بُردة ملحاء، قال: "أما لك فيَّ أسوة؟ " (فنظرتُ) فإذا إزارُه إلى نصف ساقيه. ثم قال (٥): حَدَّثَنَا سويد بن نصر، حَدَّثَنَا عبد الله بن المبارك، عن موسى بن عُبيدة، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، قال: كان عثمان بن عفان متزرًا إلى أنصاف ساقيه، قال: هكذا كانت إزرَة صاحبي ﷺ . وقال أيضًا (٦): حَدَّثَنَا يوسف بن عيسى، حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا الربيع بن صبيح، حَدَّثَنَا يزيد بن أبان، عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ يُكثر القناع (٧)، كأن ثوبه ثوب زيات.

стр. 2781

وهذا فيه غرابة ونكارة، والله أعلم. وروى البخاري، عن علي بن الجَعد، عن شُعبة، عن يَسار أبي الحكم، عن ثابت، عن أنس؛ أن رسولَ الله ﷺ مرَّ على صبيان يلعبون فسلَّم عليهم (١). ورواه مسلم (٢) من وجه آخر عن شعبة. ذكرُ مِزَاحِهِ ﵊ وقال ابن لَهيعة: حدَّثني عُمَارة بن غَزِيَّة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس قال: كان رسولُ الله ﷺ مِن أَفْكَهِ النَّاسِ مع صبيّ (٣). وقد تقدم حديثه في ملاعبته أخاه أبا عُمير، وقوله: "أبا عُمير! ما فعل النغير؟ " يذكره بموت نُغر كان يلعبُ به ليحرجَه بذلك؛ كما جرت به عادة الناس من المداعبة مع الأطفال الصغار. وقال الإمام أحمد (٤): حدَّثَنَا خلف بن الوليد، حدَّثَنَا خالد بن عبد الله، عن حُميد الطويل، عن أنس بن مالك؛ أن رجلًا أتى النَّبِيّ ﷺ فاستحمله، فقال رسول الله ﷺ : "إنا حاملوك على ولد ناقة" فقال: يا رسول الله ما أصنعُ بولد ناقة؟ فقال رسول الله ﷺ : "وهل تلدُ الإبل إِلَّا النوق؟ ". ورواه أبو داود (٥) عن وهب بن بَقية، والترمذي (٦) عن قتيبة، كلاهما عن خالد بن عبد الله الواسطي الطَّحَّان، به. وقال الترمذي: صحيح غريب. وقال أبو داود في هذا الباب (٧): حَدَّثَنَا يحيى بن معين، حَدَّثَنَا حجَّاج بن محمد، حَدَّثَنَا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن العَيزَارِ بن حُرَيْث، عن النعمان بن بشير، قال: استأذن أبو بكر على النَّبِيّ ﷺ ، فسمعَ صوت عائشة عاليًا على رسول الله، فلما دخل تناولها ليلطمها، وقال: ألا أراك ترفعين صوتك على رسول الله! فجعل النَّبِيّ ﷺ يحجزُه، وخرج أبو بكر مُغضَبًا، فقال رسول الله حين خرج أبو بكر: "كيف رأيتيني أنقذتُك من الرجل؟ " فمكث أبو بكر أيامًا، ثم استأذن على رسول الله

стр. 2782

فوجدهما قد اصطلحا، فقال لهما: أدخلاني في سِلمِكما كما أدخلتماني في حربكما، فقال رسول الله ﷺ : "قد فعلنا، قد فعلنا". وقال أبو داود (١): حَدَّثَنَا مؤمّل بن الفضل، حَدَّثَنَا الوليد بن مسلم، عن عبد الله بن العلاء، عن بُسْر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني، عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: أتيتُ رسولَ الله في غزوة تبوك، وهو في قبةٍ من أَدَم، فسلّمتُ فردَّ وقال: "ادخل" فقلت: أكلّي يا رسول الله؟ فقال: "كلَّك"، فدخلتُ. وحدَّثنا (٢) صفوان بن صالح، حَدَّثَنَا الوليد بن عثمان بن أبي العاملة: إنما قال: أدخل كلي؟ من صغر القبة. ثم قال أبو داود (٣): حَدَّثَنَا إبراهيم بن مهدي، حَدَّثَنَا شريك، عن عاصم، عن أنس، قال: لي رسول الله ﷺ : "يا ذا الأذنين". قلت: ومن هذا القبيل ما رواه الإمام أحمد (٤): حَدَّثَنَا عبد الرزاق، حَدَّثَنَا معمر، عن ثابت، عن أنس؛ أن رجلًا من أهل البادية كان اسمه زاهرًا، وكان يُهدي للنبي ﷺ الهديّةَ من البادية، فيجهزه النبيُّ ﷺ إذا أراد أن يخرجَ، فقال رسول الله: "إن زاهرًا باديتُنا ونحن حاضرُوه" وكان رسول الله ﷺ يحبّه، وكان رجلًا دميمًا، فأتاه رسول الله ﷺ (يومًا) وهو يبيعُ متاعَه، فاحتضنه من خلفه ولا يبصره (٥) الرجل، فقال: أرسلني، من هذا؟ فالتفتَ فعرفَ النَّبِيّ ﷺ ، فجعل لا يألو (٦) ما ألصق ظهره بصدر النَّبِيّ ﷺ حين عرفه، وجعل رسولُ الله ﷺ يقول: "من يشتري العبد؟ " فقال: يا رسول الله إذًا والله تجدني كاسدًا، فقال رسول الله ﷺ : "لكن عند الله لست بكاسد" أو قال: "لكن عند الله أنت غال".

стр. 2783

وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات على شرط الصحيحين، ولم يروه إلا الترمذي في "الشمائل" (١) عن إسحاق بن منصور، عن عبد الرزاق. ورواه ابن حِبّان في "صحيحه" (٢). ومن هذا القبيل ما رواه البخاري من صحيحه (٣)؛ أن رجلًا كان يُقال له عبد اللّه -ويلقب حمارًا- وكان يُضحِكُ النبيَّ ﷺ ، وكان يُؤتى به في الشراب، فجيء به يومًا، فقال رجل: لعنه اللّه ما أكثر ما يُؤتى به، فقال رسول اللّه ﷺ : "لا تلعنه فإنه يُحِبُّ اللّه ورسوله". ومن هذا ما قال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا حجَّاج، حدَّثني شعبة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك؛ أن النبي ﷺ كان في مسير، وكان حاد يحدو بنسائه أو سائق، قال: فكان نساؤُه يتقدمن بين يديه، فقال: "يا أنجشة ويحك، ارفق بالقوارير". وهذا الحديث في الصحيحين عن أنس (٥)، قال: كان للنبي ﷺ حادٍ يحدو بنسائه يقال له أنجشة، فحدا، فأعنقت الإبل، فقال رسول اللّه ﷺ : "ويحك يا أنجشة! ارفق بالقوارير". ومعنى القوارير: النساء، وهي كلمةُ دُعابة. صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين. ومن مكارم أخلاقه ودعابته وحسن خُلُقه استماعه ﵇ حديث أُم زرع (٦) من عائشة بطوله، ووقع في بعض الروايات أنه ﵊ هو الذي قصَّه على عائشة. ومن هذا ما رواه الإمام أحمد (٧): حدَّثنا أبو النضر، حدَّثنا أبو عقيل- يعني عبد الله بن عقيل الثقفي-. حدَّثنا مجالد بن سعيد، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة قالت: حدَّث رسولُ الله ﷺ نساءَه ذات ليلة حديثًا، فقالت امرأة منهن: يا رسولَ اللّه كأن الحديثَ حديثُ خرافة، فقال رسول الله ﷺ : "أتدرين ما خرافة؟ إن خرافة كان رجلًا من عذرة أسرته الجن في الجاهلية، فمكث فيهم دهرًا طويلًا، ثم ردوه إلى الإنس، فكان يحدث الناس بما رأى فيهم من الأعاجيب، فقال الناس: حديث خرافة".

стр. 2784

وقد رواه الترمذي في "الشمائل" (١) عن الحسن بن الصبَّاح البزَّار، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، به. قلت: وهو من غرائب الأحاديث، وفيه نكارة، ومجالد بن سعيد يتكلمون فيه، فاللّه أعلم. وقال الترمذي في باب مُزَاحِ النبي ﷺ من كتابه "الشمائل" (٢): حدَّثنا عَبدُ بن حُميد، حدَّثنا مصعب بن المقدام، حدَّثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن، فال: أتت عجوز إلى النبيِّ ﷺ فقالت: يا رسول الله ادع لي أن يدخلني اللّه الجنة، قال: "يا أُمَّ فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز" فولَّت العجوز تبكي، فقال: "أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، فإن اللّه تعالى يقول: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ (٣) [الواقعة: ٣٥، ٣٦] وهذا مرسل من هذا الوجه. وقال الترمذي (٤): حدَّثنا عباس بن محمد الدوري، حدَّثنا علي بن الحسن بن شقيق، حدَّثنا عبد اللّه بن المبارك، عن أسامة بن زيد، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قالوا يا رسول اللّه إنك تداعبنا، قال: "إني لا أقول إلا حقًا". تداعبنا: يعني: تمازحنا. وهكذا رواه الترمذي في "جامعه" في باب البر، بهذا الإسناد، ثم قال: وهذا حديث حسن. بابُ زهده ﵊ وإعراضُه عن هذه الدار (وإقبالُه واجتهادُه وعملُه لدار القرار) قال اللّه تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١] وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم: ٢٩، ٣٠] وقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٧، ٨٨] والآيات في هذا كثيرة.

стр. 2785

وأما الأحاديث، فقال يعقوب بن سفيان: حدَّثني أبو العباس حَيوَةُ بن شُريح، أخبرنا بقيّة، عن الزُّبيدي، عن الزُّهري، عن محمد بن عبد اللّه بن عباس، قال: كان ابن عباس يُحدّث أن اللّه أرسل إلى نبيه مَلَكًا من الملائكة معه جبريل، فقال المَلَكُ لرسول اللّه ( ﷺ ) (١): "إن اللّه يُخيِّرك بين أن تكون عبدًا نبيًا، وبين أن تكون مَلِكًا نبيًا" فالتفت رسولُ الله إلى جبريل كالمستشير له، فأشار جبريلُ إلى رسول اللّه أن تواضع، فقال رسول اللّه ﷺ : "بل أكون عبدًا نبيًا" قال: فما أكل بعد تلك الكلمة طعاما مُتَّكِئًا حتى لقيَ اللّه . وهكذا رواه البخاري في "التاريخ" (٢) عن حَيوةَ بن شريح، وأخرجه النسائي (٣) عن عمرو بن عثمان، كلاهما عن بقية بن الوليد به. وأصل هذا الحديث في الصحيح بنحو من هذا اللفظ. وقال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا محمد بن فُضَيل، عن عُمارة، عن أبي زُرعة- ولا أعلمه إلا عن أبي هريرة- قال: جلس جبريل إلى رسول اللّه ﷺ فنظر إلى السماء، فإذا مَلَكٌ ينزل، فقال جبريل: إن هذا الملك ما نزل منذ يوم خلق قبل الساعة، فلما نزل قال: يا محمد أرسلني إليك ربك: أفملِكًا نبيًا يجعلك أو عبدًا رسولًا؟ (٥). هكذا وجدته بالنسخة التي عندي بالمسند مختصرًا (٦) وهو من أفراده من هذا الوجه. وثبت في الصحيحين (٧)، من حديث ابن عباس، عن عمر بن الخطاب، في حديث إيلاء رسول الله ﷺ من أزواجه، ألا يدخل عليهن شهرًا، واعتزل عنهن في عِليّة، فلما دخل عليه عمر في تلك العِليّة فإذا ليس فيها سوى صبرة من قرظ، وأهبة معلقة، وصبرة من شعير، وإذا هو مضطجع على رمال حصير قد أثَّر في جنبه، فهملت عينا عمر، فقال: "مالك؟ " فقلت: يا رسول الله أنت صفوة اللّه من خلقه، وكسرى وقيصر فيما هما فيه! فجلس محمرًا وجهه فقال: "أو في شك أنت يا بن الخطاب؟ " ثم قال: "أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا".

стр. 2786

وفي رواية لمسلم "أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ " فقلت: بلى يا رسول اللّه، قال: "فاحمد اللّه " ثم لما انقضى الشهر أمره اللّه أن يخير أزواجه وأنزل عليه قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨، ٢٩]. وقد ذكرنا هذا مبسوطًا في كتابنا التفسير وأنه بدأ بعائشة، فقال لها: "إني ذاكر لك أمرًا فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك" وتلا عليها هذه الآية، قالت: فقلت أفي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أختار اللّه ورسولَه والدارَ الآخرة. وكذلك قال سائر أزواجه ﵊ ورضي اللّه عنهن. وقال مُباركُ بن فَضَالة، عن الحسن، عن أنس، قال: دخلتُ على رسول اللّه وهو على سرير مَرمول (١) بالشريط، وتحت رأسه وسادة من أدم (٢) حشوها ليف، ودخل عليه عمرُ وناسٌ من أصحابه، فانحرفَ رسول اللّه انحرافةً، فرأى عمرُ أثرَ الشريط في جنبه فبكى، فقال له: "ما يُبكيك يا عمر؟ " قال: ومالي لا أبكي وكسرى وقَيصر يعيشان فيما يعيشان فيه من الدنيا، وأنتَ على الحال الذي أرى؟! فقال: "يا عمر! أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ " قال: بلى، قال: "هو كذلك". هكذا رواه البيهقي (٣). وقال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا أبو النضر، حدَّثنا مبارك، عن الحسن، عن انس بن مالك، قال: دخلتُ على رسول اللّه وهو على سرير مضطجع مزمل بشريط، وتحت راسه وسادة من أدم حشوها ليف، فدخل عليه نفر من أصحابه، ودخل عمر فانحرف رسول اللّه انحرافة، فلم ير عمر بين جنبه وبين الشريط ثوبًا، وقد أثر الشريط بجنب رسول اللّه، فبكى عمر، فقال له رسول اللّه ﷺ : "ما يبكيك يا عمر؟ " قال: واللّه ما أبكي إلا أن أكون أعلم أنك أكرم على اللّه من كسرى وقيصر، وهما يعيشان في الدنيا فيما يعيشان فيه، وأنت يا رسول اللّه في المكان الذي أرى؟! فقال رسول اللّه: "أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ " قال: بلى، قال: "فإنه كذلك" (٥).

стр. 2787

وقال أبو داود الطيالسي (١): حدَّثنا المسعودي، عن عمرو بن مُرّة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: اضطجعَ رسولُ الله على حصير فأثَّر الحصيرُ بجلده، فجعلتُ أمسحه وأقول: بأبي أنت وأمي ألا آذنتنا فنبسط لك شيئًا يقيك منه تنام عليه؟ فقال: "مالي وللدنيا، ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها". ورواه ابن ماجه (٢) عن يحيى بن حكيم، عن أبي داود الطيالسي به. وأخرجه الترمذي (٣)، عن موسى بن عبد الرحمن الكندي، عن زيد بن الحُباب، كلاهما عن المسعودي به، وقال الترمذي: حسن صحيح (٤). وقد رواه الإمام أحمد من حديث ابن عباس، فقال (٥): حدَّثنا عبد الصمد وأبو سعيد وعفان، قالوا: حَدَّثنا ثابت، حَدَّثنا هلال، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن رسول اللّه دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثَّرَ في جنبه، فقال: يا رسول اللّه لو اتخذت فراشًا أوثرَ من هذا، فقال: "مالي وللدنيا، ما مَثَلي ومثل الدنيا إلا كراكبٍ سارَ في يوم صائفٍ، فاستظلَّ تحتَ شجرة ساعةً من نهار، ثم راحَ وتركها". تفرد به أحمد. وفي صحيح البخاري (٦)، من حديث الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله قال: "لو أن لي مثل أحد ذهبًا ما سرَّني أن تأتيَ عليّ ثلاثُ ليالٍ وعندي منه شيء إلا شيء أرصدُه لدَين". وفي الصحيحين (٧)، من حديث عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم اجعل رزقَ آلِ محمدٍ قُوتًا". فأما الحديث الذي رواه ابن ماجه (٨)، من حديث يزيد بن سنان، عن ابن المبارك، عن عطاء، عن أبي سعيد؛ أن رسول الله ﷺ قال: "اللهمَّ أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة

стр. 2788

المساكين". فإنه حديث ضعيف لا يثبت من جهة إسناده؛ لأن فيه يزيد بن سِنان أبا فروة الرُّهاوي، وهو ضعيف جدًا (١)، واللّه أعلم. وقد رواه الترمذي من وجه آخر فقال (٢): حَدَّثنا عبد الأعلى بن واصل الكوفي، حدَّثنا ثابت بن محمد العابد الكوفي، حدَّثنا الحارث بن النعمان اللَّيثي، عن أنس؛ أن رسول اللّه ﷺ قال: "اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة" فقالت عائشة: لم يا رسول الله؟ قال: "إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفًا، يا عائشة! لا ترُدّي المسكين ولو بشِقِّ تمرة، يا عائشة أحبِّي المساكين وقرّبيهم فإن اللّه يُقرّبك يومَ القيامة". ثم قال: هذا حديث غريب. قلت: وفي إسناده ضعف، وفي متنه (٣) نكارة، والله أعلم. وقال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا عبد الصمد، حَدَّثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، أنه قيل له: هل رأى (رسولُ الله ﷺ ) (٥) النَّقيَّ (قبل موته) (٥) بعينه- يعني الحُوَّارى- فقال له: ما رأى رسول الله التَّقيَّ بعينه حتى لقي اللّه ، فقيل له: هل كانت لكم مناخل على عهد رسول اللّه؟ فقال: ما كانت لنا مناخل، فقيل له: فكيف كنتم تصنعون بالشعير؟ قال: ننفخه فيطير [منه] ما طار. وهكذا رواه الترمذي (٦) من حديث عبد الرحمن بن عبد اللّه بن دينار به، وزاد: ثم نثريه (٧) ونعجنه. ثم قال: حسن صحيح، وقد رواه مالك عن أبي حازم. قلت: وقد رواه البخاري (٨)، عن سعيد بن أبي مريم، عن محمد بن مطرف بن غسان المدني، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد به.

стр. 2789

ورواه البخاري أيضًا والنسائي (١)، عن قتيبة، عن يعقوب بن عبد الرحمن القاري، عن أبي حازم، عن سهل به. وقال الترمذي (٢): حدَّثنا عباس بن محمد الدُّوريّ، حَدَّثنا يحيى بن أبي بُكير، حدَّثنا جرير بن عثمان، عن سُليم بن عامر، سمعت أبا أمامة يقول: ما كان يَفضُل عن أهل بيت رسول اللّه ﷺ خبز الشعير. ثم قال: حسن صحيح غريب. وقال الإمام أحمد (٣): حَدَّثنا يحيى بن سعيد، عن يزيد بن كيسان، حدَّثني أبو حازم، قال: رأيتُ أبا هريرة يُشير بأصبعه مرارًا: والذي نفسُ أبي هريرة بيده! ما شبع نبيُّ الله وأهلُه، ثلاثةَ أيام تباعًا، من خبز حنطةٍ حتى فارقَ الدنيا. ورواه مسلم والترمذي وابن ماجه (٤)، من حديث يزيد بن كيسان. وفي الصحيحين (٥) من حديث جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: ما شبع آلُ محمد ﷺ ، منذ قدموا المدينة، ثلاثة أيام تباعًا، من خبز بُرِّ حتى مضى لسبيله. وقال الإمام أحمد (٦): حَدَّثنا هاشم، حَدَّثنا محمد بن طلحة، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: ما شبع آل محمد ثلاثًا من خبز بُرٍّ حتى قُبض، وما رُفع من مائدته كسرةٌ قطّ حتى قُبضَ. وقال أحمد (٧): حَدَّثنا محمد بن عُبيد، حَدَّثنا مطيع الغزال، عن كردوس، عن عائشة، قالت: قد مضى رسول الله لسبيله وما شبع أهلُه ثلاثة أيام من طعام بُر. وقال الإمام أحمد (٨): حَدَّثنا حُسين (٩)، حدَّثنا دويد (١٠)، عن أبي سهل، عن سليمان بن رومان

стр. 2790

-مولى عروة- عن عروة، عن عائشة؛ أنها قالت: والذي بعث محمدًا بالحق ما رأى منخلًا، ولا أكل خبزًا منخولًا منذ بعثه اللّه [ ] إلى أن قُبِض. قلت: كيف كنتم تأكلون الشعير؟ قالت: كنا نقول أف. تفرد به أحمد من هذا الوجه (١). وروى البخاري (٢) عن محمد بن كثير، عن الثوري، عن عبد الرحمن بن عابس بن ربيعة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: إن كنا لنخرج الكراع بعد خمسة عشر يومًا فنأكله، قلت: ولم تفعلون ذلك؟ فضحكت وقالت: ما شبعَ آلُ محمد ﷺ من خبزِ بُرّ مأدوم حتى لحقَ باللّه . وقال أحمد (٣): حدَّثنا يحيى، حدَّثنا هشام، أخبرني أبي، عن عائشة، قالت: كان يأتي على آل محمد الشهر ما يُوقدون فيه نارًا ليس إلا التمر والماء، إلا أن تُؤتى باللحم. وفي الصحيحين (٤)، من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة؛ أنها قالت: إن كنا آل محمد ليمر بنا الهلال ما نُوقد نارًا، إنما هو الأسودان: التمر والماء، إلا أنه كان حولنا أهل دور من الأنصار يبعثون إلى رسول اللّه بلبن منائحهم، فيشربُ ويسقينا من ذلك اللبن. ورواه أحمد (٥)، عن يزيد (٦) عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عنها بنحوه. (وفي مسند) (٧) الإمام أحمد (٨): حَدَّثنا عبد اللّه، حدَّثني أبي، حَدَّثنا حسين، حدَّثنا محمد بن مطرِّف، عن أبي حازم، عن عروة بن الزبير؛ أنه سمع عائشة تقول: كان يمر بنا هلال وهلال ما يُوقد في بيب من بيوت رسول اللّه ﷺ نار، قال قلت: يا خالة! على أي شيء كنتم تعيشون؟ قالت: على الأسودين: التمر والماء. تفرد به أحمد. وقال أبو داود الطيالسي (٩)، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن

стр. 2791

الأسود، عن عائشة قالت: ما شبعَ رسولُ اللّه ﷺ من خبز شعير يومين متتابعين حتى قُبِض. وقد رواه مسلم (١) من حديث شعبة. (وفي مسند) الإمام أحمد (٢): حَدَّثنا عبد اللّه، حدَّثني أبي، حَدَّثنا إسماعيل (٣)، حَدَّثنا سليمان بن المغيرة، عن حُميد بن هلال، قال: قالت عائشة: أرسل إلينا آل أبي بكر بقائمة شاة ليلًا، فأمسكتُ وقطعَ رسول الله ﷺ ، أو قالت: أمسكَ رسولُ الله ﷺ وقطعتُ. قالت -تقول للذي تحدثه- هذا على غير مصباح. وفي رواية: لو كان عندنا مصباح لائتدمنا به، قال: قالت عائشة: إنه ليأتي على آل محمد الشهر ما يختبزون خبزًا ولا يطبخون قدرًا. وقد رواه أيضًا عن بهز بن أسد (٤)، عن سليمان بن المغيرة، وفي روايته (٥): شهرين، تفرَّد به أحمد. وقال الإمام أحمد (٦): حَدَّثنا خَلَف، حَدَّثنا أبو معشر، عن سعيد -هو ابن أبي سعيد- عن أبي هريرة، قال: كان يمر بآل رسول الله هلال ثم هلال لا يُوقدون في شيء من بيوتهم النار، لا لخبز ولا لطبيخ، قالوا: بأي شيء كانوا يعيشون يا أبا هريرة؟ قال: الأسودان التمر والماء، وكان لهم جيران من الأنصار، جزاهم اللّه خيرًا، لهم منائح يُرسلون إليهم شيئًا من لبن، تفرد به أحمد. وفي صحيح مسلم (٧)، من حديث منصور بن عبد الرحمن الحَجَبي، عن أمه، عن عائشة، قالت: تُوفي رسول الله وقد شبع الناس من الأسودين: التمر والماء. وقال ابن ماجه (٨): حدَّثنا سُوَيدُ بن سعيد، حَدَّثنا علي بن مُسهِر، عن الأعمش، عن أبي صالح،

стр. 2792

عن أبي هريرة، قال: أُتي رسولُ اللّه ﷺ يومًا بطعام سُخنٍ فأكلَ، فلما فرغ قال: "الحمد للّه، ما دخلَ بطني طعام سخنٌ منذ كذا وكذا". وقال الإمام أحمد (١): حَدَّثنا عبد الصمد، حَدَّثنا (عمار) (٢) أبو هاشم صاحب الزعفراني، عن أنس بن مالك؛ أن فاطمة ناولت رسولَ الله ﷺ كسرةً من خبز شعيرٍ فقال: "هذا أول طعام أكلَه أبوكِ من ثلاثة أيام". تفرد به أحمد (٣). وروى الإمام أحمد، عن عفان، والترمذي وابن ماجه (٤) جميعًا عن عبد اللّه بن معاوية، كلاهما عن ثابت بن يزيد، عن هلال بن خبَّاب العبدي الكوفي، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن رسول اللّه ﷺ كان يبيتُ الليالي المتتابعة طاويًا وأهلَه لا يجدون عشاء، وكان عامة خبزهم خبز الشعير. وهذا لفظ أحمد. وقال الترمذي في "الشمائل" (٥): حدَّثنا عبد اللّه بن عبد الرحمن الدارمي، حَدَّثنا عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه، عن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، عن يزيد بن (٦) أبي أمية الأعور، عن أبي يوسف عبد اللّه بن سلام قال: رأيتُ رسولَ اللّه أخذ كِسرة من خبز الشعير فوضع عليها تمرة، وقال: "هذه إدام هذه" وأكل. وفي الصحيحين من حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: كان أحب الشراب إلى رسول اللّه الحلو البارد (٧). وروى البخاري (٨) من حديث قتادة عن أنس قال: ما أعلم رسول اللّه ﷺ رأى رغيفًا مرققًا حتى لحق باللّه، ولا شاة سميطًا بعينه قط.

стр. 2793

وفي رواية له عنه أيضًا: ما أكلَ رسولُ الله ﷺ على خوان، ولا فى سكرجة، ولا خُبِزَ له مرقق، فقلت لأنس: فعلى ما كانوا يأكلون؟ قال: على السُّفَر. وله من حديث قتادة أيضًا، عن أنس؛ أنه مشى إلى رسول اللّه ﷺ بخبز شعير وإهَالةٍ سَنِخَة، ولقد رهن درعَه من يهودي، فأخذ لأهله شعيرًا، ولقد سمعته ذات يوم يقول: ما أمسى عند آل محمد صاع ثمر ولا صاع حدب (١). وقال الإمام أحمد (٢): حَدَّثنا عفان، حدَّثنا أبان بن يزيد، حدَّثنا قتادة، عن أنس بن مالك، أن رسول اللّه ﷺ لم يجتمع له غداء ولا عشاء من خبز ولحم إلا على ضَفَفٍ. ورواه الترمذي في "الشمائل" (٣) عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن عفان. وهذا الإسناد على شرط الشيخين. وقال أبو داود الطيالسي (٤): حدَّثنا شعبة، عن سماك بن حرب، سمعت النعمان بن بشير يقول: سمعت عمر بن الخطاب يخطب، فذكر ما فتح اللّه على الناس، فقال: لقد رأيتُ رسولَ اللّه ﷺ يتلوَّى من الجوع، ما يجد من الدقل ما يملأُ بطنه. وأخرجه مسلم (٥) من حديث شعبة. وفي الصحيح أن أبا طلحة قال: يا أم سليم، لقد سمعت صوت رسول اللّه ﷺ أعرف فيه الجوع (٦) … وسيأتي الحديث في دلائل النبوة. وفي قصة أبي الهيثم بن التَّيِّهان: أن أبا بكر وعمر خرجا من الجوع، فبينما هما كذلك إذ خرج رسول الله، فقال: "ما أخرجكما؟ " فقالا: الجوع، فقال: "والذي نفسي بيده لقد أخرجني الذي أخرجكما" فذهبوا إلى حديقة أبي الهيثم بن التَّيِّهان، فأطعمهم رطبًا، وذبح لهم شاة، فأكلوا وشربوا الماء البارد، وقال رسول اللّه ﷺ : "هذا من النعيم الذي تُسألون عنه" (٧).

стр. 2794

وقال الترمذي في "الشمائل" (١): حَدَّثنا عبد اللّه بن أبي زياد، حدَّثنا سيَّار، حَدَّثنا سهل بن أسلم، عن يزيد بن أبي منصور، عن أنس، عن أبي طلحة قال: شكونا إلى رسول اللّه ﷺ الجوعَ ورفعنا عن بطوننا عن حجرٍ حجرٍ، فرفع رسولُ اللّه ﷺ عن حجرين (٢). ثم قال: غريب. وثبت في الصحيحين، من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أنها سُئلت عن فراش رسول اللّه ﷺ فقالت: كان من أَدَمٍ حشوه ليف (٣). وقال الحسن بن عرفة: حَدَّثنا عبَّاد بن عبّاد المُهَلّبي، عن مُجَالد بن سعيد، عن الشعبي، عن مَسروق، عن عائشة قالت: دخلت عليَّ امرأةٌ من الأنصار فرأت فراشَ رسول اللّه عباءةً مَثْنِيّةً، فانطلقت، فبعثت إليّ بفراش حشوُه الصوفُ، فدخلَ عليَّ رسول اللّه، فقال: "ما هذا يا عائشة؟ " قالت: قلت: يا رسول اللّه! فلانةُ الأنصاريّةُ دخلت عليَّ فرأت فراشَك فذهبت فبعثت إليَّ بهذا. فقال: "ردِّيه" قالت: فلم أردَّه وأعجبني أن يكون في بيتي، حتى قال ذلك ثلاث مرات، قالت: فقال: "رُدِّيه يا عائشة، فواللّه لو شئت لأجرى اللّه تعالى معي جبال الذهب والفضة" (٤). وقال الترمذي في "الشمائل" (٥): حدَّثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى البصري، حَدَّثنا عبد اللّه بن مَيْمون (٦)، حدَّثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: سُئلت عائشةُ ما كان فراشُ رسول اللّه ﷺ في بيتك؟ قالت: من أدَمٍ حشوُه ليف. وسُئلت حفصةُ: ما كانَ فراشُ رسول اللّه ﷺ ؟ قالت: مَسحًا، نَثْنِيه ثَنِيّتين، فينام علّيه، فلما كان ذات ليلة قلت: لو ثنيتُه أربعَ ثنيات كان أوطأَ له، فثنيناه له بأربع ثنيات، فلما أصبح قال: "ما فرشتُم لي الليلة؟ " قالت: قلنا: هو فراشك إلا أنّا ثنيناهُ بأربع ثنيّات، قلنا: هو أوطأُ لك، قال: "ردُّوه لحالته الأولى، فإنه منعتني وطأته صلاتي الليلة". وقال الطبراني: حدَّثنا محمد بن أبانٍ الأصبهاني، حدَّثنا محمد بن عبادة الواسطي، حدَّثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدَّثنا محمد بن إبراهيم، حَدَّثنا ابن لَهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة،

стр. 2795

عن حكيم بن حِزام، قال: خرجتُ إلى اليمن فابتعتُ حُلّة ذي يزن، فأهديتها إلى النبي ﷺ فردَّها، فبعتُها فاشتراها فلبسها، ثم خرج على أصحابه وهي عليه، فما رأيت شيئًا أحسنَ منه فيها، فما ملكتُ نفسي أن قلت: مَا يَنظُرُ الحُكَّامُ بالفَضلِ بَعدَما … بَدَا واضحٌ مِن غُرَّةٍ وحَجُولِ (١) إذَا قَايسَوهُ المَجْدَ أَربَى (٢) عَليهِمُ … بِمُستَفْرغ مَاءِ الذِّناب سَجِيلِ (٣) فسمعها النبي ﷺ ، فالتفت إليَّ يتبسم، ثم دخل فكساها أسامة بن زيد (٤). وقال الإمام أحمد (٥): حدَّثني (حسين بن) (٦) علي، عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن رِبعي بن حراش، عن أُم سلمة قالت: دخل عليَّ رسول اللّه ﷺ وهو ساهم الوجه، قالت: فحسبت ذلك من وجع، فقلت: يا رسول الله أراك ساهم الوجه، أفمن وجع؟ فقال: "لا، ولكن الدنانير السبعة التي أتينا بها (أمس، أمسينا) ولم ننفقها، نسيتُها في خصْم الفراش" (٧). تفرد به أحمد. وقال الإمام أحمد: حدَّثنا أبو سلمة، قال: أخبرنا بكرُ بن مُضر، حَدَّثنا موسى بن جُبير، عن أبي أمامة بن سهل، قال: دخلتُ أنا وعروةُ بن الزبير يومًا على عائشة، فقالت: لو رأيتُما نبيَّ اللّه ﷺ ذاتَ يوم في مرضٍ مرضه؟ قالت: وكان له عندي سِتَّةُ دنانير- قال موسى: أو سبعة- قالت: فأمرني رسولُ الله ﷺ أن أفرّقها، قالت: فشغلني وجعُ نبي اللّه ﷺ حتى عافاهُ اللْه ، قالت: ثم سألني عنها، فقال: "ما فعلتِ الستةُ؟ "- قال: أو السبعةُ- قلتُ: لا والله لقد شغلني عنها وجعُك، قالت: فدعا بها ثم صفَّها في كفِّه، فقال: "ما ظنُّ نبيِّ الله لو لقيَ الله وهذه عنده! " (٨). تفرد به أحمد.

стр. 2796

وقال قتيبة: حدَّثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس قال: كان رسولُ اللّه ﷺ لا يَدَّخِرُ شيئًا لغدٍ (١). وهذا الحديث في الصحيحين (٢). والمراد أنه كان لا يدخر شيئًا لغد مما يُسرع إليه الفساد كالأطعمة ونحوها؛ لما ثبت في الصحيحين (٣) عن عمر أنه قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يُوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب، فكان يعزل نفقة أهله سنة، ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح عُدّة في سبيل اللّه . ومما يؤيد ما ذكرناه ما رواه الإمام أحمد (٤): حَدَّثنا مروان بن معاوية، (قال: أخبرني) (٥) هلال بن سويد أبو معلى (قال): سمعت أنس بن مالك وهو يقول: أهديت لرسول اللّه ﷺ ثلاثة طوائر، فأطعم خادمَه طائرًا، فلما كان من الغد أتته به، فقال لها رسول اللّه ﷺ : "ألم أنهك أن ترفعي شيئًا لغد، فإن اللّه يأتي برزق كل غد". حديث بلال في ذلك: قال البيهقي (٦): حدَّثنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا أبو محمد جعفر بن نصير، حَدَّثنا إبراهيم بن عبد اللّه البصري، حَدَّثنا بكَار بن محمد، أخبرنا عبد اللّه بن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة؛ أن رسول اللّه دخل على بلال فوجدَ عندَه صُبرًا من تمر، فقال: "ما هذا يا بلال؟ " قال: تمر أدّخره، قال: "ويحك يا بلال، أو ما تخافُ أن تكونَ له بُخارٌ في النار! أنفق بلال ولا تخشَ من ذي العرش إقلالًا". قال البيهقي (٧) بسنده عن أبي داود السجستاني (٨)، وأبي حاتم الرازي، كلاهما عن أبي تَوبَةَ

стр. 2797

الربيع بن نافع، حدَّثني معاويةُ بن سَلام، عن زيد بن سَلام، (أنه سمع أبا سلام قال (١): حدَّثني عبد اللّه الهَوْزَني (٢) قال: لقيتُ بلالًا مؤذنَ رسولِ اللّه ﷺ بحلبَ، فقلت: يا بلالُ، حدثني كيف كانت نفقةُ رسول اللّه ﷺ فقال: ما كان له شيء، إلا أنا الذي كنت ألي ذلك منه منذ بعثه اللّه إلى أن تُوفي، فكان إذا أتاه الإنسان المسلمُ فرآه عاريًا (٣)، يأمُرني فأنطلقُ فأستقرضُ فأشتري البردةَ والشيءَ فأكسوه وأطعمه، حتى اعترضني رجلٌ من المشركين فقال: يا بلال، إن عندي سَعَةً فلا تستقرض من أحد إلا مني، ففعلتُ، فلما كان ذات يوم توضأتُ ثم قمت لأؤذِّنَ بالصلاة، فإذا المشركُ في عِصابة من التُّجار، فلما رآني قال: يا حبشيُّ، قال: قلت يا لَبَّيه، فتجهَّمني، وقال قولًا عظيمًا أو غليظًا، وقال: أتدري كم بينك وبين الشهر؟ قلت: قريب، قال: إنما بينك وبينه أربع ليال، فآخذك بالذي لي عليك، فإني لم أعطِكَ الذي أعطيتُك من كرامتك ولا من كرامة صاحبك، وإنما أعطيتُك لتصير (٤) لي عبدًا فأدرك (٥) ترعى في الغنم كما كنتَ قبل ذلك، قال: فأخذني في نفسي ما يأخدُ في أنفس الناس، فانطلقت، فناديتُ بالصلاة حتى إذا صلّيتُ العَتمَة، ورجعَ رسولُ اللّه ﷺ إلى أهله، فاستأذنتُ عليه فأذنَ لي، فقلت: يا رسول اللّه، بأبي أنت وأمي، إن المشركَ الذي ذكرتُ لك أني كنت أَتَدَيَّن منه قد قال كذا وكذا، وليس عندك ما يقضي عني، ولا عندي، وهو فاضحي، فائْذَنْ لي أن آتيَ إلى بعض هؤلاء الأحياء الذين قد أسلموا حتى يرزقَ اللّه رسولَه ﷺ ما يقضي عني. فخرجتُ حتى أتيتُ منزلي، فجعلتُ سيفي وحِرابي ورمحي ونعلي عند رأسي، فاستقبلتُ بوجهي الأفقَ فكلما نمتُ انتبهتُ، فإذا رأيتُ عليَّ ليلًا نمتُ حتى انشقَّ عمودُ الصبح الأوّل، فأردتُ أن أنطلقَ فإذا إنسان يدعو: يا بلال، أجبْ رسولَ اللّه ﷺ ، فانطلقتُ حتى آتيهُ، فإذا أربعُ ركائبَ عليهن أحمالُهُنَّ، فأتيتُ رسولَ اللّه فاستأذنتُ، فقال لي رسول اللّه: "أبشر فقد جاءَك اللّه بقضاءَ دَيْنِكَ"، فحمدتُ الله. وقال: "ألم تمرَّ على الركائب المُناخَات الأربع؟ " قال: قلت: بلى، قال: "فإن لك رقابهن وما عليهن". فإذا عليهن كسوة وطعام أهداهُنَّ له عظيم فَدَكَ، فاقبضهنَّ إليك ثم اقضِ دينَك، قال: ففعلتُ فحططتُ عنهن أحمالَهن ثم علقتهن (٦)، ثم عمدتُ إلى تأذين صلاة الصبح، حتى إذا صلَّى رسولُ اللّه ﷺ خرجتُ إلى القيع، فجعلتُ أصبعي في أذني فقلت: من كان يطلبُ من رسول اللّه ﷺ دَيْنًا فليحضر، فما زلت أبيعُ وأقضي وأَعرض، حتى لم يبقَ على رسول اللّه ﷺ دَين في الأرض، حتى فضلَ عندي أُوقيّتَان أو أوقية ونصف، ثم انطلقتُ إلى المسجد وقد

стр. 2798

ذهبَ عامَّةُ النهار، فإذا رسولُ الله ﷺ قاعدٌ في المسجد وحده، فسلَّمتُ عليه، فقال لي: "ما فعلَ ما قِبَلَكَ؟ " قلتُ: قد قضى اللّه كلَّ شيء كان على رسول الله ﷺ فلم يبقَ شيءٌ، قال: "فضلَ شيء؟ " قلتُ: نعم، ديناران، قال: "انظر أن تريحني منهما فلستُ بداخل على أحد من أهلي حتى تريحني منهما" فلم يأتنا أحدٌ، فباتَ في المسجد حتى أصبحَ، وظلَّ في المسجد اليوم الثاني، حتى إذا كان في آخر النهار جاءَ راكبان فانطلقتُ بهما فكسوتُهما وأطعمتُهما، حتى إذا صلَّى العَتَمَة دعاني فقال: "ما فعل ذلك قِبَلَك؟ " قلت: قد أراحَك الله منه، فكبَّر وحَمِدَ اللّه شَفَقًا من أن يدركَه الموتُ وعنده ذلك. ثم اتبعتُه حتى جاء أزواجَه فسلَّم على امرأة امرأة، حتى أتى مبيتَه، فهذا الذي سألتني عنه. وقال الترمذي في "الشمائل" (١): حدَّثنا هارون بن موسى بن أبي علقمةَ المدِيني، حدَّثني أبي، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب؛ أن رجلًا جاء إلى رسول اللّه ﷺ فسأله أن يُعطيَه، فقال: "ما عندي ما أعطيك، ولكن ابتغ عليّ شيئًا فإذا جاءني شيءٌ قضيتُه". فقال عمر: يا رسولَ الله قد أعطيتَه، فما كلَّفَك الله ما لا تقدر عليه، فكرهَ النبيُّ ﷺ قولَ عمر، فقال رجلٌ من الأنصار: يا رسول الله! أنفقْ ولا تخفْ من ذِي العرش إقلالًا. فتبسّم رسولُ الله ﷺ ، وعُرِف التبسُّم (٢) في وجهه لقول الأنصاري، وقال: "بهذا أمرت". وفي الحديث؟ "ألا إنهم ليسألوني ويأبى الله عليَّ البخل" (٣). وقال يوم حنين حين سألوه قسم الغنائم: "والله لو أن عندي عدد هذه العضاة نعمًا لقسمتها فيكم، ثم لا تجدوني بخيلًا، ولا جبانًا، ولا كذابًا" ﷺ . وقال الترمذي (٤): حَدَّثنا علي بن حِجْر، حدَّثنا شَريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الرُّبَيّع بنتِ معوِّذٍ بن عَفراء، قالت: أتيتُ رسولَ الله بقِنَاع (٥) من رُطب، وأَجْرٍ زُغب (٦)، فأعطاني ملءَ كفِّه حُليًا أو ذَهَبًا. وقال الإمام أحمد (٧): حدَّثنا سفيان، عن مطرف، عن عطية، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال:

стр. 2799

"كيف أنعم وقد التقمَ صاحبُ القرن القَرنَ، وحنى جبهتَه وأصغى سمعه ينتظر متى يُؤمر" قال المسلمون: يا رسول الله فما نقول؟ قال: "قولوا: حَسبُنَا الله وَنِعمَ الوكيلُ، على الله تَوَكّلنا". ورواه الترمذي، عن ابن أبي عمر (١)، عن سفيان بن عيينة، عن مطرِّف، ومن حديث خالد بن طهمان (٢)، كلاهما عن عطية وأبي سعيد العَوفي البَجَلي، وأبي الحسن الكوفي، عن أبي سعيد الخدري، وقال الترمذي: حسن. قلت: وقد رُوي من وجه آخر عنه، ومن حديث ابن عباس كما سيأتي في موضعه. ومن تواضعه ﵊: قال أبو عبد الله بن ماجه (٣): حَدَّثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، حَدَّثنا عمرو بن محمد، حَدَّثنا أسباطُ بن نَصر، عن السُّدي، عن أبي سَعدٍ الأزدِيّ - وكان قارئ الأزد- عن أبي الكَنُود، عن خَبَّابٍ في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢] قال: جاء الأقرعُ بن حابسٍ التميميُّ، وعُيينة بن حِصن الفزاري، فوجدوا رسولَ الله ﷺ مع صُهيب وبلال وعمار وخبَّاب، قاعدًا في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهُم حولَ رسول الله ﷺ حَقَرُوهم، فأتوه فخلَوا به، فقالوا: نريدُ أن تجعلَ لنا منك مجلسًا تعرفُ لنا به العربُ فضلَنا، فإن وفودَ العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العربُ مع هذه الأعبُد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنكَ، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئتَ. قال: "نعم" قالوا: فاكتب لنا عليك كتابًا، قال: فدعا بصحيفةٍ ودعا عليًّا ليكتب ونحن قعودٌ في ناحية، فنزل جبريل ﵇ فقال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢] ثم ذكر الأقرعَ بن حابس وعُيينةَ بن حصن فقال: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] ثم قال: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] قال: فدنونا منه حتى وضعنا ركبَنا على ركبتِه، فكان رسولُ اللّه ﷺ يجلسُ معنا، فإذا أرادَ أن يقومَ قامَ وتركنا، فأنزل اللّه : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨] ولا تجالس الأشراف ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ يعني عيينةَ والأقرع ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ قال: هلاكًا، قال: أمرُ عيينة والأقرع. ثم

стр. 2800

ضربَ لهم مثل الرجلين ومثل الحياة الدنيا. قال خَبَّاب: فكنا نقعد مع رسول اللّه ﷺ فإذا بلغنا الساعة التي يقومُ قمنا وتركناه حتى يقوم. ثم قال ابن ماجه (١): حَدَّثنا يحيى بن حكيم، حدَّثنا أبو داود، حَدَّثنا قيسُ بن الربيع، عن المِقدام بن شُرَيح، عن أبيه، عن سعد، قال: نزلت هذه الآية فينا، ستةٍ، فيّ، وفي ابن مسعود، وصهيب، وعمّار، والمقداد، وبلال. قال: قالت قريش: يا رسول اللّه، إنا لا نرضى أن نكون أتباعًا لهم، فاطردهم عنك، قال: فدخل قلبَ رسول اللّه ﷺ من ذلك ما شاءَ اللّه أن يدخلَ، فأنزلَ اللّه : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ الآية [الأنعام: ٥٢]. وقال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو محمد عبد اللّه بن يوسف الأصفهاني، أخبرنا أبو سعيد بن الأعرابي، حدَّثنا أبو الحسن خلف بن محمد الواسطي، كردوس، حدَّثنا يزيد بن هارون، حَدَّثنا جعفر بن سليمان الضُّبَعي، حدَّثنا المعلّى- يعني ابن زياد- عن العلاء بن بشير المزني، عن أبي الصدِّيق النَّاجي، عن أبي سعيد الخدريّ قال: كنت في عصابةٍ من المهاجرين جالسًا معهم وإن بعضَهم ليستترُ ببعضٍ من العُري، وقارئٌ لنا يقرأُ علينا، فكنا نسمعُ إلى كتاب اللّه، فقال رسول اللّه: "الحمدُ للّه الذي جعلَ من أمتي من أُمِرتُ أن أصبرَ معهم نفسي" قال: فاستدارتِ الحلقةُ وبرزت وجوهُهم، قال: فما عرفَ رسولُ اللّه أحدًا منهم غيري، فقال رسول اللّه: "أبشروا معاشرَ صعاليك المهاجرين بالنور يوم القيامة، تدخلون قبل الأغنياء بنصف يوم، وذلك خمسمئة عام" (٢). وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي، من حديث حمّاد بن سلمة، عن حميد، عن أنس، قال: لم يكن شخصٌ أحبّ إليهم من رسول اللّه ﷺ ، قال: وكانوا إذا رأوه لم يقومُوا؛ لما يعلمون من كراهيته لذلك (٣). فَصل عبادته ﵊ واجتهاده في ذلك قالت عائشة: كان رسولُ اللّه ﷺ يصومُ حتى نقولَ لا يُفطر، ويُفطر حتى نقولَ لا يَصوم (٤)،

стр. 2801

وكان لا تشاء تراهُ من الليل قائمًا إلا رأيتَه، ولا تشاءُ تراه نائمًا إلا رأيتَة (١). قالت: وما زاد رسول اللّه ﷺ في رمضان وفي غيره على إحدى عشرة ركعة، يُصلِّي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يُصلِّي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطُولهن، ثم يوتر بثلاث (٢). (وقالت حفصة) (٣): كان رسول اللّه ﷺ يقرأ السورةَ فيرتلها حتى تكونَ أطول من أطول منها، قالت: ولقد كان يقوم حتى أرثي له من شدة قيامه. وذكر ابن مسعود أنه صلَّى معه ليلةً فقرأ في الركعة الأولى البقرة والنساء وآل عمران، ثم ركع قريبًا من ذلك، ورفع نحوه، وسجد نحوه (٤). وعن أبي ذر: أن رسول اللّه ﷺ قام ليلة حتى أصبح يقرأ هذه الآية: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] رواه أحمد (٥). وكل هذا في الصحيحين وغيرهما من الصحاح، وموضع بسط هذه الأشياء في "كتاب الأحكام الكبير" (٦). وقد ثبت في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة، عن زياد بن عِلاقة، عن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله ﷺ قام حتى تفطرت قدماه، فقيل له: أليس قد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا" (٧).

стр. 2802

وتقدم في حديث سلام بن سليمان، عن ثابت، عن أنس بن مالك: أن رسول اللّه ﷺ قال: "حبب إليَّ الطيب والنساء، وجُعِلت قُرّة عيني في الصلاة" (١). رواه أحمد والنسائي. وقال الإمام أحمد: حَدَّثنا عفان، حدَّثنا حماد بن سَلَمة، أخبرني علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس؛ أن جبريلَ قال لرسول اللّه ﷺ : "قد حُبِّبَ إليك الصلاة، فخذ منها ما شئت" (٢). وثبت في الصحيحين عن أبي الدرداء قال: خرجنا مع رسول اللّه ﷺ في شهر رمضان في حر شديد، وما فينا صائم إلا رسول اللّه ﷺ وعبد اللّه بن رواحة (٣). وفي الصحيحين من حديث منصور عن إبراهيم عن علقمة قال: سألت عائشة هل كان رسول الله ﷺ يخص شيئًا من الأيام؟ قالت: لا، كان عمله ديمة. وأيكم يستطيع ما كان رسول الله ﷺ يستطيع (٤)؟ وثبت في الصحيحين من حديث أنس وعبد اللّه بن عمر وأبي هريرة وعائشة أن رسول اللّه ﷺ كان يواصل ونهى أصحابه عن الوصال وقال: "إني لست كأحدكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" (٥). والصحيح أن هذا الإطعام والسقيا معنويان كما ورد في الحديث الذي رواه ابن ماجه (٦)؛ أن رسول اللّه ﷺ قال: "لا تُكرهوا مَرضاكم على الطعام والشراب، فإنَّ الله يُطعمهم ويسقيهم" (٧). وما أحسن ما قال بعضهم: لهَا أحادِيثُ مِن ذِكراكَ يُشغِلُها … عَنِ الشَّرَابِ ويُلهِيهَا عنِ الزَّادِ

стр. 2803

وقال النضر بن شميل، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ : "إني لأستغفر اللّه وأتوب إليه في اليوم مئة مرة" (١). وروى البخاري: عن الفريابي، عن الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عَبيدة، عن عبد اللّه قال: قال رسول الله ﷺ : "اقرأ علي" فقلت، أقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال: "إني أحب أن أسمعه من غيري" قال: فقرأت سورة النساء حتى إذا بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] قال: حسبك، فالتفت فإذا عيناه تذرفان (٢). وثبت في الصحيح: أنه ﵇ كان يجد التمرة على فراشه فيقول: "لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها" (٣). وقال الإمام أحمد: حَدَّثنا وكيع، حَدَّثنا أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ وجد تحت جنبه تمرة من الليل، فأكلها فلم ينم تلك الليلة، فقال بعض نسائه: يا رسول اللّه أرقت الليلة، قال: "إني وجدت تحت جنبي تمرة فأكلتها، وكان عندنا تمر من تمر الصدقة، فخشيت أن تكون منه" (٤). تفرد به أحمد. وأسامة بن زيد هو اللَّيثي، من رجال مسلم. والذي نعتقد أن هذه التمرة لم تكن من تمر الصدقة لعصمته ﵇، ولكن من كمال ورعه ﵇ أرق تلك الليلة. وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: " [والله إني] لأتقاكم دته وأعلمكم بما أتقي" (٥). وفي الحديث الآخر أنه قال: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (٦). وقال حماد بن سَلَمة، عن ثابت، عن مطرف بن عبد اللّه بن الشخِّير، عن أبيه قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلّي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل، وفي رواية: وفي صدره أزيز كأزيز الرحا من البكاء (٧).

стр. 2804

وروى البيهقي من طريق أبي كُرَيب محمد بن العلاء الهمداني، حَدَّثنا معاوية بن هشام، عن شَيبان، عن أبي إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسولَ الله! أراك شِبتَ، فقال: "شيّبتني هودٌ، والواقعة، والمرسلات، وعمَّ يَتساءلون، وإذا الشَّمسُ كُوِّرت" (١). وفي رواية له عن أبي كُريب، عن معاويةَ بن هشام، عن شَيبان، عن فِراس، عن عطيّة، عن أبي سعيد قال: قال عمرُ بن الخطّاب: يا رسولَ الله! أسرعَ إليك الشَّيبُ، فقال: "شيّبتني هودٌ وأخواتُها: الواقعةُ، وعمَّ يَتساءلون، وإذا الشَّمسُ كُوِّرت" (٢). فصل في شجاعته ﵊ ذكرنا في "التفسير" (٣) عن بعض السلف؛ أنه استنبط من قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٤] أن رسول اللّه ﷺ كان مأمورًا ألا يفر من المشركين إذا واجهوه ولو كان وحده من قوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾. وقد كان ﷺ من أشجع الناس وأصبرِ الناس وأجلدهم، ما فرَّ قطُّ من مصافّ ولو تولى عنه أصحابه. قال بعض صحابه: كنا إذا اشتدَّ الحربُ وحمي البأسُ، نَتَّقِي برسول اللّه ﷺ (٤)؟ ففي يوم بدر رمى ألف مشرك بقبضة من حصى، فنالتهم أجمعين حين قال: "شاهت الوجوه". وكذلك يوم حنين كما تقدم، وفرّ أكثر أصحابه في ثاني الحال يوم أحد، وهو ثابت في مقامه لم يبرح منه ولم يبق معه إلا اثنا عشر، قتل منهم سبعة وبقي الخمسة. وفي هذا الوقت قَتَلَ أبىَّ بن خلف لعنه اللّه، فعجله الله إلى النار. ويوم حنين ولَّى الناسُ كلُّهم وكانوا يومئذ اثنا عشر ألفًا، وثبت هو في نحو من مئة من الصحابة، وهو راكبٌ يومئذ بغلته وهو يَركُضُ بها إلى نحو العدو، وهو ينوّه باسمه، ويعلن بذلك قائلًا: "أنا النبيُّ

стр. 2805

لا كذب أنا ابن عبد المطلب" (١). حتى جعلَ العباسُ وعلي وأبو سفيان يتعلقون في تلك البغلة ليبطِّئوا سَيرَها خوفًا عليه من أن يصلَ أحدٌ من الأعداء إليه. ومازال كذلك حتى نصره اللّه وأيَّدَه في مقامه ذلك، وما تراجع الناسُ إلا والأشلاءُ مُجَنْدَلَةٌ بين يديه، صلواتُ اللّه وسلامه عليه. وقال أبو زرعة: حدَّثنا العباس بن الوليد بن صبح الدمشقي، حدَّثنا مروان -يعني ابن محمد- حدَّثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول اللّه ﷺ : "فُضِّلْتُ على النَّاسِ بشدّة البطش" (٢). فصل فيما يذكر من صفاته ﵊ في الكتب المأثور (٣) عن الأنبياء الأقدمين قد أسلفنا طرفًا صالحًا من ذلك في البشارات (٤) قبل مولده، ونحن نذكر هنا غُررًا من ذلك. فقد روى البخاريُّ، والبيهقيُّ واللفظ له، من حديث فُلَيح بن سليمان، عن هِلال بن عليّ، عن عَطَاءِ بن يَسار، قال: لقيتُ عبدَ اللّه بن عمرو، فقلت: أخبرني عن صفةِ رسول اللّه ﷺ في التوراة، فقال: أجل، والله إنّه لموصوفٌ في التوراة بِبَعض صفتِه في الفرقان: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الفتح: ٨] وحِرزًا لِلأُميين، أنت عبدي ورسولي، سَمَّيتُك المتوكل، ليس بفظٍّ (٥) ولا غليظٍ ولا سخَّاب (٦) بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء أن يقولوا: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ وأفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا (٧).
следующие страницы →