← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

وكان لا تشاء تراهُ من الليل قائمًا إلا رأيتَه، ولا تشاءُ تراه نائمًا إلا رأيتَة (١). قالت: وما زاد رسول اللّه ﷺ في رمضان وفي غيره على إحدى عشرة ركعة، يُصلِّي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يُصلِّي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطُولهن، ثم يوتر بثلاث (٢). (وقالت حفصة) (٣): كان رسول اللّه ﷺ يقرأ السورةَ فيرتلها حتى تكونَ أطول من أطول منها، قالت: ولقد كان يقوم حتى أرثي له من شدة قيامه. وذكر ابن مسعود أنه صلَّى معه ليلةً فقرأ في الركعة الأولى البقرة والنساء وآل عمران، ثم ركع قريبًا من ذلك، ورفع نحوه، وسجد نحوه (٤). وعن أبي ذر: أن رسول اللّه ﷺ قام ليلة حتى أصبح يقرأ هذه الآية: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] رواه أحمد (٥). وكل هذا في الصحيحين وغيرهما من الصحاح، وموضع بسط هذه الأشياء في "كتاب الأحكام الكبير" (٦). وقد ثبت في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة، عن زياد بن عِلاقة، عن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله ﷺ قام حتى تفطرت قدماه، فقيل له: أليس قد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا" (٧).

стр. 2802

وتقدم في حديث سلام بن سليمان، عن ثابت، عن أنس بن مالك: أن رسول اللّه ﷺ قال: "حبب إليَّ الطيب والنساء، وجُعِلت قُرّة عيني في الصلاة" (١). رواه أحمد والنسائي. وقال الإمام أحمد: حَدَّثنا عفان، حدَّثنا حماد بن سَلَمة، أخبرني علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس؛ أن جبريلَ قال لرسول اللّه ﷺ : "قد حُبِّبَ إليك الصلاة، فخذ منها ما شئت" (٢). وثبت في الصحيحين عن أبي الدرداء قال: خرجنا مع رسول اللّه ﷺ في شهر رمضان في حر شديد، وما فينا صائم إلا رسول اللّه ﷺ وعبد اللّه بن رواحة (٣). وفي الصحيحين من حديث منصور عن إبراهيم عن علقمة قال: سألت عائشة هل كان رسول الله ﷺ يخص شيئًا من الأيام؟ قالت: لا، كان عمله ديمة. وأيكم يستطيع ما كان رسول الله ﷺ يستطيع (٤)؟ وثبت في الصحيحين من حديث أنس وعبد اللّه بن عمر وأبي هريرة وعائشة أن رسول اللّه ﷺ كان يواصل ونهى أصحابه عن الوصال وقال: "إني لست كأحدكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" (٥). والصحيح أن هذا الإطعام والسقيا معنويان كما ورد في الحديث الذي رواه ابن ماجه (٦)؛ أن رسول اللّه ﷺ قال: "لا تُكرهوا مَرضاكم على الطعام والشراب، فإنَّ الله يُطعمهم ويسقيهم" (٧). وما أحسن ما قال بعضهم: لهَا أحادِيثُ مِن ذِكراكَ يُشغِلُها … عَنِ الشَّرَابِ ويُلهِيهَا عنِ الزَّادِ

стр. 2803

وقال النضر بن شميل، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ : "إني لأستغفر اللّه وأتوب إليه في اليوم مئة مرة" (١). وروى البخاري: عن الفريابي، عن الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عَبيدة، عن عبد اللّه قال: قال رسول الله ﷺ : "اقرأ علي" فقلت، أقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال: "إني أحب أن أسمعه من غيري" قال: فقرأت سورة النساء حتى إذا بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] قال: حسبك، فالتفت فإذا عيناه تذرفان (٢). وثبت في الصحيح: أنه ﵇ كان يجد التمرة على فراشه فيقول: "لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها" (٣). وقال الإمام أحمد: حَدَّثنا وكيع، حَدَّثنا أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ وجد تحت جنبه تمرة من الليل، فأكلها فلم ينم تلك الليلة، فقال بعض نسائه: يا رسول اللّه أرقت الليلة، قال: "إني وجدت تحت جنبي تمرة فأكلتها، وكان عندنا تمر من تمر الصدقة، فخشيت أن تكون منه" (٤). تفرد به أحمد. وأسامة بن زيد هو اللَّيثي، من رجال مسلم. والذي نعتقد أن هذه التمرة لم تكن من تمر الصدقة لعصمته ﵇، ولكن من كمال ورعه ﵇ أرق تلك الليلة. وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: " [والله إني] لأتقاكم دته وأعلمكم بما أتقي" (٥). وفي الحديث الآخر أنه قال: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (٦). وقال حماد بن سَلَمة، عن ثابت، عن مطرف بن عبد اللّه بن الشخِّير، عن أبيه قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلّي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل، وفي رواية: وفي صدره أزيز كأزيز الرحا من البكاء (٧).

стр. 2804

وروى البيهقي من طريق أبي كُرَيب محمد بن العلاء الهمداني، حَدَّثنا معاوية بن هشام، عن شَيبان، عن أبي إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسولَ الله! أراك شِبتَ، فقال: "شيّبتني هودٌ، والواقعة، والمرسلات، وعمَّ يَتساءلون، وإذا الشَّمسُ كُوِّرت" (١). وفي رواية له عن أبي كُريب، عن معاويةَ بن هشام، عن شَيبان، عن فِراس، عن عطيّة، عن أبي سعيد قال: قال عمرُ بن الخطّاب: يا رسولَ الله! أسرعَ إليك الشَّيبُ، فقال: "شيّبتني هودٌ وأخواتُها: الواقعةُ، وعمَّ يَتساءلون، وإذا الشَّمسُ كُوِّرت" (٢). فصل في شجاعته ﵊ ذكرنا في "التفسير" (٣) عن بعض السلف؛ أنه استنبط من قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٤] أن رسول اللّه ﷺ كان مأمورًا ألا يفر من المشركين إذا واجهوه ولو كان وحده من قوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾. وقد كان ﷺ من أشجع الناس وأصبرِ الناس وأجلدهم، ما فرَّ قطُّ من مصافّ ولو تولى عنه أصحابه. قال بعض صحابه: كنا إذا اشتدَّ الحربُ وحمي البأسُ، نَتَّقِي برسول اللّه ﷺ (٤)؟ ففي يوم بدر رمى ألف مشرك بقبضة من حصى، فنالتهم أجمعين حين قال: "شاهت الوجوه". وكذلك يوم حنين كما تقدم، وفرّ أكثر أصحابه في ثاني الحال يوم أحد، وهو ثابت في مقامه لم يبرح منه ولم يبق معه إلا اثنا عشر، قتل منهم سبعة وبقي الخمسة. وفي هذا الوقت قَتَلَ أبىَّ بن خلف لعنه اللّه، فعجله الله إلى النار. ويوم حنين ولَّى الناسُ كلُّهم وكانوا يومئذ اثنا عشر ألفًا، وثبت هو في نحو من مئة من الصحابة، وهو راكبٌ يومئذ بغلته وهو يَركُضُ بها إلى نحو العدو، وهو ينوّه باسمه، ويعلن بذلك قائلًا: "أنا النبيُّ

стр. 2805

لا كذب أنا ابن عبد المطلب" (١). حتى جعلَ العباسُ وعلي وأبو سفيان يتعلقون في تلك البغلة ليبطِّئوا سَيرَها خوفًا عليه من أن يصلَ أحدٌ من الأعداء إليه. ومازال كذلك حتى نصره اللّه وأيَّدَه في مقامه ذلك، وما تراجع الناسُ إلا والأشلاءُ مُجَنْدَلَةٌ بين يديه، صلواتُ اللّه وسلامه عليه. وقال أبو زرعة: حدَّثنا العباس بن الوليد بن صبح الدمشقي، حدَّثنا مروان -يعني ابن محمد- حدَّثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول اللّه ﷺ : "فُضِّلْتُ على النَّاسِ بشدّة البطش" (٢). فصل فيما يذكر من صفاته ﵊ في الكتب المأثور (٣) عن الأنبياء الأقدمين قد أسلفنا طرفًا صالحًا من ذلك في البشارات (٤) قبل مولده، ونحن نذكر هنا غُررًا من ذلك. فقد روى البخاريُّ، والبيهقيُّ واللفظ له، من حديث فُلَيح بن سليمان، عن هِلال بن عليّ، عن عَطَاءِ بن يَسار، قال: لقيتُ عبدَ اللّه بن عمرو، فقلت: أخبرني عن صفةِ رسول اللّه ﷺ في التوراة، فقال: أجل، والله إنّه لموصوفٌ في التوراة بِبَعض صفتِه في الفرقان: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الفتح: ٨] وحِرزًا لِلأُميين، أنت عبدي ورسولي، سَمَّيتُك المتوكل، ليس بفظٍّ (٥) ولا غليظٍ ولا سخَّاب (٦) بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء أن يقولوا: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ وأفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا (٧).

стр. 2806

قال عطاء بن يسار: ثم لقيت كعبًا الحَبرَ فسألته، فما اختلفا في حرفٍ، إلا أن كعبًا قال: أعينًا (عموميَ، وآذانًا صُمُويَ، وقُلوبًا غُلوفى) (١). ورواه البخاري (٢) أيضًا، عن عبد اللّه -غير منسوب- قيل: هو ابن رجاء، وقيل: عبد اللّه بن صالح، وهو الأرجح، عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن هلال بن علي به. قال البخاري (٣): وقال سعيد: عن هلال، عن عطاء، عن عبد اللّه بن سلام. كذا علَّقه البخاري. وقد روى البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان: حَدَّثنا أبو صالح- هو عبد اللّه بن صالح كاتب الليث- حدَّثني خالدُ بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن أسامة، عن عَطاء بن يَسار، عن ابن سَلام، أنه كان يقول: إنا لنجد صفةَ رسول اللّه ﷺ ، إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا (ونذيرًا، وحِرزًا للأميين) (٤)، أنت عبدي ورسولي سمَّيته المتوكل، ليس بفظِّ، ولا غليظ، ولا سخَّاب في الأسواق، ولا يَجزي بالسيئة مِثلَها، ولكن يعفو ويتجاوز. ولن أقبضَه حتى يُقيمَ المِلَّةَ العَوجاء: بأن يُشهد ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ يفتحُ به أعيُنًا عُميًا، وآذانًا صُمًّا، وفُلوبًا غُلفًا (٥). قال عطاء بن يسار: وأخبرني اللَّيثِيُّ أنه سمع كعبَ الأحبار يقولُ مثلَ ما قال ابنُ سلام. وقد رُوي عن عبد اللّه بن سلام من وجه آخر، فقال الترمذي: حَدَّثنا زيد بن أخزم الطائي البصري، حدَّثنا أبو قُتيبة -سَلم بن قُتيبة-، حدَّثني أبو مَودود المدني، حدَّثنا عثمان بن الضحَّاك، عن محمد بن يوسف بن عبد اللّه بن سَلام، عن أبيه، عن جده، قال: مكتوب في التوراة صفة محمد، وعيسى ابن مريم يُدفن معه. فقال أبو مَودُود: قد بقي في البيت (٦) موضع قبر (٧). ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن. هكذا قال: عثمان بن الضحَّاك، والمعروف: الضحَّاك بن عثمان المدني. وهكذا حكى شيخُنا الحافظ المِزّي في كتابه "الأطراف" (٨) عن ابن عساكر؛ أنه قال مثل قول

стр. 2807

الترمذي. ثم قال: وهو شيخٌ آخر أقدم من الضحاك بن عثمان، ذكره ابن أبي حاتم عن أبيه فيمن اسمه عثمان. فقد رُوِي هذا عن عبد اللّه بن سلام، وهو من أئمة أهل الكتاب ممن آمن. وعبد اللّه بن عمرو بن العاص، وقد كان له اطلاع على ذلك من جهة زاملتين (١) كان أصابهما يوم اليرموك، فكان يحدِّث منهما عن أهل الكتاب. وعن كعب الأحبار، وكان بصيرًا بأقوال المتقدمين على ما فيها من خلط وغلط وتحريف وتبديل، فكان يقولُها بما فيها من غير نقد، وربما أحسن بعضُ السلف بها الظن نقلها عنه مُسلَّمة، وفي ذلك من المخالفة لبعض ما بأيدينا من الحق جملةٌ كثيرة، لا يَتفطَّنُ لها كثيرٌ من الناس. ثم ليُعلم أن كثيرًا من السلف يُطلقون التوراة على كتب أهل الكتاب (سواء كانت هذا) (٢) المتلوَّ عندَهم، أو أعمَّ من ذلك، كما أن لفظ القرآن يُطلق على كتابنا خصوصًا (وقد يُستعمل) (٣) ويُراد به غيره، كما في الصحيح: "خُفِّف على داود القرآن، فكان يأمر بدوابه فتُسرج، فيقرأ القرآن مقدار ما يفرغ منها" (٤). وقد بُسط هذا في غير هذا الموضع، واللّه أعلم. وقال البيهقي: عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يُونسَ بن بُكير، عن ابن إسحاق، حدّثني محمد بن ثابت بن شُرحبيل، عن أم الدرداء، قالت: قلت لكعبٍ الحَبر: كيف تجدون صفةَ رسول اللّه ﷺ في التوراة؟ قال: نجدُه: محمدٌ رسولُ اللّه، اسمُه المتوكِّل، ليس بفظّ ولا غليظٍ، ولا سخَّابٍ بالأسواق، وأُعطي المفاتيح ليُبَصِّرَ اللّه به أعينًا عميًا، ويُسمعَ به آذانًا وُقرأْ (٥)، ويُقيم به ألسُنًا مُعوجَّة حتى يُشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، يُعين المظلوم ويمنعه (٦). وبه عن يُونسَ بن بُكير، عن يُونس بن عمروٍ، عن العَيزَار بن حُرَيثٍ، عن عائشة: أن رسولَ اللّه ﷺ مكتوبٌ في الإنجيل: لافظٌّ، ولا غليظٌ، ولا سخَّابٌ في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلَها، بل يعفو ويصفح (٧). وقال يعقوبُ بن سفيان: حدَّثنا فيضٌ البَجَليّ: حَدَّثنا سَلاَّمُ بن مِسكين عن مُقاتِل بن حيَّان قال:

стр. 2808

أوحى الله إلى عيسى ابن مريم. جِدَّ في أمري ولا تهزل، واسمع وأطع يا بن الطاهر البَتُول، إني خلقتُك من غير فحل، وجعلتُك آية للعالمين، فإيايَ فاعبد، وعلىَّ فتوكل، بيِّن (١) لأهل سُوران (٢): أني أنا الحقُّ القائم الذي لا أزول، صَدَّقوا بالنبيّ العربيّ، صاحب الجمل والمِدرعَة والعَمامة (وهي التَّاجُ) (٣)، والنعلين والهِرَاوة، الجَعد الرأس، الصَّلت (٤) الجبين، المقرون الحاجبين، الأدعجْ (٥) العينين، الأقنى الأنف، الواضح الخدين، الكثّ اللحية، عَرَقُه في وجهه كاللؤلؤ، ريحُ المسكِ ينفحُ منه، كأن عنقَه إبريقُ فضة، وكأن الذهَب يجري في تراقيه، له شعراتٌ من لَبّته إلى سُرّته تجري كالقضيب، ليس على صدره ولا بطنه شعرٌ غيرُه، شَثْنُ الكفين والقدم، إذا جاء مع الناس غمرَهم، وإذا مشى كأنما يَتقلَّع من الصخر، وينحدرُ في صَبَب، ذو النسل (٦) القليل (٧). وروى الحافظ البيهقي بسنده، عن وهب بن منبه اليماني، قال: إن اللّه لما قرّبَ موسى نجيًا قال: ربِّ إني أجدُ في التوراة أمةً خيرَ أمّةٍ أُخرِجت للناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويؤمنون باللّه، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمَّة أحمد، قال: ربِّ إني أجد في التوراة أمة هم الآخرون من الأمم، السابقون يوم القيامة، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمّةُ أحمد. قال: يا ربِّ إني أجدُ في التوراة أمةً أناجيلُهم في صدورهم يقرؤُونها، وكان مَن قبلهم يقرؤون كتبَهم نَظَرًا ولا يحفظُونها، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: ربِّ إني أجدُ في التوراة أمة يُؤمنون بالكتاب الأول والآخر ويُقاتلون رؤوسَ الضلالة حتى يُقاتلوا الأعورَ الكذاب، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمّةُ أحمد. قال: ربِّ إني أجد في التوراة أمة يأكلون صدقاتهم في بطونهم وكان من قبلهم إذا أخرج صدقته بعث اللّه عليها نارًا فأكلتها فإن لم تقبل لا تقربها النار، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد. قال: ربِّ إني أجدُ في التوراة أمةً إذا همّ أحدُهم بسيئة لم تُكتب عليه، فإن عملَها كُتبت عليه سيئة واحدة، وإذا همّ أحدُهم بحسنة ولم يعملها كُتبت له حسنة، فإن عملها كُتبت له عشر أمثالها إلى سبعمئة ضعف، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد.

стр. 2809

قال: ربِّ إني أجد في التوراة أمةً هم المستجيبون والمستجاب لهم فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد (١). قال: وذكر وهبُ بن منبّه في قصة داودَ ﵇، وما أوحى اللّه إليه في الزبور: يا داود! إنه سيأتي من بعدك نبيٌّ اسمُه أحمد ومحمد، صادقًا سَيدًا، لا أغضبُ عليه أبدًا، ولا يُغضبُني أبدًا، وقد غفرتُ له قبلَ أن يعصيَني ما تقدَّمَ من ذنب وما تأخر، وأمتُه مرحومةٌ، أُعطيهم من النوافل مثل ما أعطيتُ الأنبياء، وافترضتُ عليهم الفرائضَ التي افترضتُ على الأنبياء والرسل، حتى يأتُوني يومَ القيامة ونورُهم مثلُ نور الأنبياء، وذلك أني افترضتُ عليهم أن يتطهروا لي لكلّ صلاة، كما افترضتُ على الأنبياء قبلَهم، وأمرتُهم بالغسل من الجَنابة كما أمرتُ الأنبياءَ قبلَهم، وأمرتُهم بالحجّ كما أمرتُ الأنبياء قبلَهم، وأمرتهم بالجهاد كما أمرت الرسل قبلهم. يا داودُ إني فضلتُ محمدًا وأمته على الأمم كلِّها، وأعطيتُهم ستَّ خِصال لم أعطها غيرَهم من الأمم: لا أؤاخذهم بالخطأ والنسيان، وكلُّ ذنبٍ رَكبوه على غير عَمد إن استغفروني منه غفرتُه لهم، وما قدَّموا لآخرتهم من شيء طيبةً به أنفسهم عجَّلتُه لهم أضعافًا مضاعفة، ولهم في المدخور عندي أضعافٌ مضاعفة، وأفضل من ذلك، وأعطيتُهم على المصائب في البلايا إذا صبروا وقالو ا: إنا للّه وإنا إليه راجعون، الصَّلاةَ والرحمةَ والهُدى إلى جنّات النعيم، فإن دعوني استجبتُ لهم، فإما أن يَروه عاجلًا، وإما أن أصرفَ عنهم سوءًا، وإما أن أدّخِرَه لهم في الآخرة. يا داود من لقيني من أمة محمد يشهد أن لا إله إلا اللّه وحدَه لا شريكَ له صادقًا بها، فهو معي في جنتي وكرامتي، ومَن لقيني وقد كذَّبَ محمدًا أو كذَّبَ بما جاء به، واستهزأَ بكتابي صببتُ عليه في قبره العذابَ صبًّا، وضربتِ الملائكةُ وجهَه ودُبرَه عند مَنشَرِه من قبره، ثم أدخلُه في الدَّركِ الأسفلِ من النّار (٢). وقال الحافظ البيهقي: أخبرنا الشريف أبو الفتح العمري، حَدَّثنا عبد الرحمن بن أبي شريح الهروي، حدَّثنا يحيى بن محمد بن صاعد، حدَّثنا عبد اللّه بن شبيب أبو سعيد الربعي، حدَّثني محمد بن عمر بن سعيد- يعني ابن محمد بن جبير بن مطعم- قال: حدَّثتني أم عثمان بنت سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيها، عن أبيه قال: سمعت أبي جُبير بن مطعم يقول: لما بعث الله نبيه ﷺ وظهرَ أمرُه بمكة، خرجتُ إلى الشام، فلما كنت ببُصرى أتتني جماعةٌ من النصارى فقالوا لي: أمن الحرم أنت؟ قلت: نعم، قالوا: فتعرف هذا الذي تنبَّأ فيكم؟ قلت: نعم، قال: فأخذوا بيدي فأدخلوني دَيرًا

стр. 2810

لهم فيه تماثيل وصور، فقالوا لي: انظر هل ترى صورةَ هذا النبيّ الذي بُعث فيكم؟ فنظرتُ فلم أرَ صورتَه، قلتُ: لا أرى صورتَه، فأدخلوني دَيرًا أكبرَ من ذلك الدَّير، فإذا فيه تماثيلُ وصورٌ أكثرُ مما في ذلك الدَّير، فقالوا لي: انظر هل ترى صورتَه؟ فنظرتُ فإذا أنا بصفة رسول اللّه ﷺ وصورتِه، وإذا أنا بصفةِ أبي بكر وصورتِه، وهو آخذ بعَقب رسول اللّه ﷺ . فقالوا لي: هل ترى صفتَه؟ قلتُ: نعم، قالوا: هو هذا؟ -وأشاروا إلى صفة رسول اللّه ﷺ قلت: اللهم نعم، أشهدُ أنه هو. قالوا: أتعرفُ هذا الذي آخذٌ بعقبِه؟ قلتُ: نعم، قالوا: نشهدُ أن هذا صاحبُكم، وأن هذا الخليفةُ من بعده (١). ورواه البخاري (٢) في "التاريخ"، عن محمد غير منسوب، عن محمد بن عمر هذا بإسناده، فذكره مختصرًا، وعنده فقالوا: إنه لم يكن نبيٌّ إلَّا بعدَه نبيٌّ إلَّا هذا النبيّ. وقد ذكرنا في كتابنا "التفسير" (٣) عند قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿(١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧] ذكرنا ما أورده البيهقي وغيره، من طريق أبي أُمامةَ الباهِليّ، عن هشام بن العاص الأمويّ، بُعثتُ أنا ورجلٌ من قريش إلى هرقلَ صاحب الرومِ ندعوه إلى الإسلام، فذكرَ اجتماعهم به وأن غرفتَه تَنَغَّضَت حين ذكروا اللّه ، فأنزلَهم في دار ضيافتِه ثم استدعاهم بعد ثلاث، فدعا بشيء نحو الرَّبعة العظيمة فيها بيوت صِغارٌ عليها أبواب، وإذا فيها صورُ الأنبياء ممثلة في قِطَعٍ من حرير، من آدمَ إلى محمدٍ صلواتُ اللّه عليهم أجمعين، فجعلَ يُخرج لهم واحدًا واحدًا ويُخبرهم عنه، وأخرجَ لهم صورةَ آدم، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم تعجَّل إخراجَ صورة رسول اللّه ﷺ ، قال: ثم فتح بابًا آخرَ فإذا فيها صورةٌ بيضاء، وإذا رسولُ اللّه ﷺ ، قال: أتعرفون هذا؟ قلنا: نعم، محمّدٌ رسولُ اللّه، قال: وبَكينا، قال: واللّه يعلمُ أنه قامَ قائمًا ثم جلس وقال: واللّه إنه لهو؟ قلنا: نعم إنه لهو كما ننظرُ إليه، فأمسكَ ساعةً ينظر إليها ثم قال: أما إنه كان آخر البيوت، ولكني عجَّلته لكم لأنظرَ ما عندكم. ثم ذكر تمامَ الحديث في إخراجه بقيّة صور الأنبياء وتعريفه إياهما بهم، وقال في آخره: قلنا له: من أين لك هذه الصور؟ لأنا نعلم أنها على ما صُوِّرت عليه الأنبياءُ ﵈، لأنا رأينا صورةَ نبيّنا ﵇ مثلَه، فقال: إن آدمَ ﵇ سألَ ربَّه الأنبياءَ من ولدِه، فأنزلَ عليه صورَهم، فكانت في خزانة آدم ﵇ عند مغرب الشمس، فاستخرجَها ذو القرنين من مغرب الشمس، فدفعَها إلى دانيال، ثم قال: أما واللّه إن نفسي طابت بالخروج من مُلكي، وأني كنتُ عبدًا لا يتركٌ (٤) ملكَه حتى أموت.

стр. 2811

قال: ثم أجازنا فأحسنَ جائزتَنا وسرَّحَنا، فلما أتينا أبا بكر الصديق ﵁، حَدَّثناه بما رأينا، وما قال لنا وما أجازنا، قال: فبكى أبو بكر فقال: مسكين، لو أراد اللّه به خيرًا لفعل، ثم قال: أخبرَنا رسولُ الله ﷺ أنهم واليهود يجدون نعتَ محمّد ﷺ عندَهم (١). وقال الواقدي: حدَّثني علي بن عيسى الحكِيمي عن أبيه، عن عامر بن ربيعة، قال: سمعتُ زيدَ بن عمرو بن نُفيل يقول: أنا أنتظرُ نبيًا من ولد إسماعيل، ثم من بني عبد المطلب، ولا أراني أدركُه، وأنا أؤمن به وأصدّقه وأشهدُ أنه نبي (٢)، فإن طالت بك مدة فرأيتَه فأقرئه مني السَّلام، وسأخبرك ما نعتُه، حتى لا يَخفى عليك. قلتُ: هلمَّ، قال: هو رجل ليس بالطويل ولا بالقصير، ولا بكثير الشعر ولا بقليله، وليست تُفارِقُ عينيه حمرةٌ، وخاتَمُ النُّبوة بين كتفيه، واسمه أحمد، وهذا البلد مولدُه ومبعثُه، ثم يُخرجه قومه منها، ويَكرهون ما جاء به حتى يُهاجِرَ إلى يثربَ فيظهر أمرُه، فإياك أن تُخدعَ عنه فإني طِفتُ البلادَ كلَّها أطلبُ دينَ إبراهيم، فكل من أسأل من اليهود والنصارى والمجوس يقولون: هذا الدين وراءَك (٣)، وينعتُونه مثلَ ما نعتُّه لك، ويقولون: لم يبق نبيٌّ غيره. قال عمر بن ربيعة: فلما أسلمتُ أخبرتُ النبيَّ ﷺ قولَ زيد بن عمرو بن نُفيل وأقرأتُه منه السَّلام، فردَّ عليه¬ السلام وتَرحم عليه، وقال: "قد رأيتُه في الجنّة يَسحبُ ذُيولًا" (٤). * * *

стр. 2812

كتاب دلائل النبوة وهي معنوية وحسيّة: فمن المعنوية إنزال القرآن العظيم عليه، وهو أعظمُ المعجزات، وأبهرُ الآيات، وأبينُ الحُجج الواضحات؛ لما اشتملَ عليه من التركيب المعجِز الذي تحدَّى به الإنس والجِنَّ أن يأتوا بمثله فعجزوا عن ذلك، مع توافر دواعي أعدائه على معارضتِه، وفصاحتهم وبلاغتهم، ثم تحدَّاهم بعشر سورٍ منه فعجزوا، ثم تنازل إلى التحدي بسورة مِن مِثله، فعجزوا عنه وهم يعلمون عجزَهم وتقصيرَهم عن ذلك، وأنَّ هذا ما لا سبيلَ لأحد إليه أبدًا، قال اللّه تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]. وهذه الآية مكية. وقال في سورة الطور وهي مكيّة: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٣، ٣٤]. أي: إن كنتم صادقين في أنه قاله من عنده، فهو بشر مثلكم، فائتوا بمثل ما جاء به فإنكم مثله. وقال تعالى في سورة البقرة -وهي مدنية- معيدًا للتحدي: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٣، ٢٤] وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٣، ١٤]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ٣٧] ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٣٧ - ٣٩]. فبَيَّن تعالى أن الخلقَ عاجزون عن معارضة هذا القرآن، بل عن عشر سور مثلِه، بل عن سورة منه، وأنهم لا يَستطيعون ذلك أبدًا، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة:٢٤]. أي: فإن لم تفعلوا في الماضي ولن تستطيعوا ذلك في المستقبل، وهذان تحدِّيَان (١)، وهو أنه لا يمكن معارضتُهم له لا في الحال ولا في المآل، ومثل هذا الثحدي إنما يصدرُ عن واثقٍ بأنَّ ما جاءَ به لا يُمكن للبشر معارضتُه ولا الإتيان بمثله، ولو كان من متقول

стр. 2813

من عِند نفسه لخاف أن يُعارض، فيُفتضح ويعود عليه نقيضُ ما قصدَه من متابعة الناس له، ومعلومٌ لكل ذي لبّ أن محمدًا صلوات اللّه وسلامه (١) عليه من أعقلِ خلق اللّه، بل أعقلُهم وأكملُهم على الإطلاق في نفس الأمر، فما كان ليُقدمَ على هذا الأمر إلا وهو عالم بأنه لا يمكن معارضته، وهكذا وقع، فإنه من لدنِ رسول الله ﷺ وإلى زماننا هذا لم يستطع أحدٌ أن يأتيَ بنظيره ولا نظيرِ سورة منه، وهذا لا سبيلَ إليه أبدًا، فإنه كلامُ ربّ العالمين الذي لا يُشبهُه شيءٌ من خلقه لا في ذاته ولا في صفاتِه ولا في أفعاله، فأنَّى يُشبه كلامُ المخلوقين كلامَ الخالق؟ وقول كفار قريش الذي حكاه تعالى عنهم في قوله: [وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣١] كذبٌ منهم ودعوى باطلة بلا دليل ولا برهان ولا حجّة ولا بيان، ولو كانوا صادقين لأتوا بما يُعارضه، بل هم يعلمون كذبَ أنفسهم، كما يعلمون كذبَ أنفسهم في قولهم: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]. قال اللّه تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦]. أي: أنزله عالم الخفيات، ربّ الأرض والسموات، الذي يعلمُ ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، فإنه تعالى أوحى إلى عبده ورسوله النبيّ الأميّ الذي كان لا يُحسن الكتابة ولا يَدريها بالكلية، ولا يعلمُ شيئًا من علم الأوائل وأخبار الماضين، فقصَّ اللّه عليه خبرَ ما كان وما هو كائن على الوجه الواقع سواء بسواء، وهو في ذلك يفصلُ بين الحق والباطل الذي اختلفت في إيراده جملةُ الكتب المتقدمة، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤٨] الآية وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨ - ٥٢]. فبيَّن تعالى أن نفس إنزال هذا الكتاب المشتمل على علم ما كان وما يكون، وحكم ما هو كائن بين الناس، على مِثل هذا النبيّ الأمي وحده، كان من الدلالة على صدقه، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ

стр. 2814

بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ١٥، ١٧]. يقول لهم: إني لا أُطيق تبديلَ هذا من تلقاء نفسي، وإنما اللّه هو الذي يمحو ما يشاء ويُثبت، وأنا مبلّغ عنه وأنتم تعلمون صدقي فيما جئتكم به، لأني نشأت بين أظهركم وأنتم تعلمون نسبي وصدقي وأمانتي، وأني لم أكذب على أحد منكم يومًا من الدهر، فكيف يَسعني أن أكذبَ على اللّه ، مالك الضُّر والنفع، الذي هو على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم؟ وأي ذنب عنده أعظم من الكذب عليه، ونسبة ما ليس منه إليه، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧]. أي: لو كذبَ علينا لانتقمنا منه أشدَّ الانتقام، وما استطاع أحدٌ من أهل الأرض أن يحجزَنا عنه ويمنعنا منه. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣]. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]. وهذا الكلام فيه الإخبار بأن اللّه شهيدٌ على كل شيء، وأنه تعالى أعظمُ الشهداء، وهو مطلع عليّ وعليكم فيما جئتكم به عنه، وتتضمن قوة الكلام قَسَمًا به أنه قد أرسلني إلى الخلق لأنذرهم بهذا القرآن، فمن بلغه منهم فهو نذير له، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [هود: ١٧]. ففي هذا القرآن من الأخبار الصادقة عن اللّه وملائكته وعرشه ومخلوقاته العلوية والسفلية كالسموات والأرضين وما بينهما وما فيهن، أمور عظيمة كثيرة مبرهنة بالأدلة القطعية المرشدة إلى العلم بذلك من جهة العقل الصحيح. كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٨] وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٧، ٢٨]. وفي القرآن العظيم الإخبار عما مضى على الوجه الحق، وبرهانه ما في كتب أهل الكتاب من ذلك

стр. 2815

شاهدًا له، مع كونه نزل على رجل أمّيٍّ لا يعرفُ الكتابة ولم يُعَانِ يومًا من الدهر شيئًا من علوم الأوائل، ولا أخبار الماضين، فلم يفجأ الناس إلا بوحي إليه عما كان من الأخبار النافعة، التي ينبغي أن تُذكر للاعتبار بها من أخبار الأمم مع الأنبياء، وما كان منهم من أمورهم معهم، وكيف نجَّى اللّه المؤمنين وأهلك الكافرين، بعبارة لا يستطيع بشر أن يأتي بمثلها أبد الآبدين، ودهرَ الداهرين. ففي مكان تُقصُّ القِصَّة موجزة في غاية البيان والفصاحة، وتارة تُبسط، فلا أحلى ولا أجلى ولا أعلى من ذلك السياق، حتى كأنَّ التالي أو السامع مشاهد لما كان، حاضر له، معاين للخبر بنفسه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٦] وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤] وقال تعالى في سورة يوسف ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [يوسف: ١٠٢ - ١٠٤]، إلى أن قال في آخرها: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١]. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ [طه: ١٣٣]. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٢: ٥٣]. وعدَ تعالى أنه سيُظهر آيات القرآن وصدقه، وصدق ما جاء به، بما يخلقه في الآفاق من الآيات الدالة على صدق هذا الكتاب، وفي أنفس المنكرين له المكذبين ما فيه حجة عليهم وبرهان قاطع لشبههم، حتى يستيقنوا أنه منزل من عند اللّه على لسان الصادق. ثم أرشد إلى دليل مستقل بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣]. أي: في العلم بأن اللّه يطّلع على هذا الأمر كفاية في صدق هذا المخبر عنه، إذ لو كان مفتريًا عليه لعاجلَه بالعقوبة البليغة كما تقدم بيان ذلك. وفي هذا القرآن إخبار عما وقع في المستقبل طبق ما وقع سواء بسواء، وكذلك في الأحاديث حسب ما قررناه في كتابنا "التفسير" (١) وما سنذكره من الملاحم والفتن؛ كقوله تعالى: ﴿أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ﴾

стр. 2816

مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] وهذه السورة من أوائل ما نزل بمكة. وكذلك قوله تعالى في سورة اقتربت، وهي مكية بلا خلاف: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٥، ٤٦] وقعَ مصداق هذه الهزيمة يومَ بدر بعد ذلك. إلى أمثال هذا من الأمور البيّنة الواضحة، وسيأتي فصلٌ فيما أخبر به من الأمور التي وفعت بعده ﵊ طبقَ ما أخبر به. وفي القرآن الأحكام العادلة أمرًا ونهيًا، المشتملة على الحكم البالغة التي إذا تأملها ذو الفهم والعقل الصحيح قطع بأن هذه الأحكام إنما أنزلها العالم بالخفيات، الرحيم بعباده، الذي يعاملهم بلطفه ورحمته، وإحسانه، قال اللّه تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] أي: صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأوامر والنواهي، وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] أي: أحكمت ألفاظه وفصلت معانيه، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [الفتح:٢٨]، أي العلم النادع والعمل الصالح. وهكذا رُوي عن علي بن أبي طالب ﵁، أنه قال لكُمَيل بن زياد: هو كتابُ اللّه، فيه خبرُ ما قبلكم، وحكمُ ما بينكم، ونبأ ما بعدكم. وقد بسطنا هذا كله في كتابنا "التفسير" (١) بما فيه كفايه (٢). فالقرآن العظيم معجز من وجوه كثيرة: في فصاحته، وبلاغته، ونَظمه، وتراكيبه، وأساليبه، وما تضمنه من الأخبار الماضية والمستقبلة، وما اشتمل عليه من الأحكام الجلية، والتحدّي ببلاغة ألفاظه يخصُّ فصحاء العرب، والتحدي بما اشتمل عليه من المعاني الصحيحة الكاملة- وهي أعظم في التحدي عند كثير من العلماء- يعمُّ جميعَ أهل الأرض، من الملّتين (٣) أهل الكتابين، وغيرهم من عقلاء اليونان والهند والفرس والقبط، وغيرهم من أصناف بني آدم في سائر الأقطار والأمصار. وأما من زعم من المتكلمين (٤) أن الإعجاز إنما هو من صَرف دواعي الكفرة عن معارضته مع إنكار ذلك، أو هو سلبُ قدرتهم على ذلك، فقولٌ باطل، وهو مُفَرّعٌ على اعتقادهم أن القرآن مخلوق، خلقه اللّه في بعض الأجرام، ولا فرق عندهم بين مخلوق ومخلوق. وقولُهم هذا كفر وباطل، وليس

стр. 2817

مطابقًا لما في نفس الأمر، بل القرآن كلامُ اللّه غير مخلوق، تكلَّم به كما شاء تعالى وتقدَّس وتنزه عما يقولون علوًا كبيرًا، فالخَلقُ كلُّهم عاجزون حقيقة وفي نفس الأمر عن الإتيان بمثله ولو تعاضدوا وتناصروا على ذلك، بل لا تقدر الرسلُ الذين هم أفصحُ الخلق وأكملُهم، أن يتكلموا بمثل كلام اللّه. وهذا القرآن الذي يبلّغُه الرسولُ ﷺ عن اللّه، أسلوبُ كلامه لا يُشبه أساليبَ كلامِ رسول اللّه ﷺ ، وأساليبُ كلامه ﵊ المحفوظة عنه بالسند الصحيح إليه، لا يقدر أحد من الصحابة ولا من بعدهم أن يتكلم بمثل أساليبه في فصاحته وبلاغته، فيما يرويه من المعاني بألفاظه الشريفة، بل وأسلوبُ كلام الصحابة أعلى من أساليب كلام التابعين، وهلم جرًا إلى زماننا. وعلماء السلف أفصحُ وأعلمُ، وأقل تكلفًا، فيما يرونه من المعاني بألفاظهم من علماء الخلف، وهذا يَشهده من له ذوق بكلام الناس، كما يُدرك تفاوتَ ما بين أشعار العرب في زمن الجاهلية، وبين أشعار المولّدين الذين كانوا بعد ذلك. ولهذا جاء الحديثُ الثابت في هذا المعنى، وهو فيما رواه الإمام أحمد قائلًا (١): حدَّثنا يونسُ وحجّاج، حدَّثنا ليث، حدَّثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أن رسول اللّه ﷺ قال: "ما من الأنبياء نبيٌّ إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وَحيًا أوحاه اللّه إليّ، فأرجو أن أكونَ أكثَرهم تابعًا يومَ القيامة". وقد أخرجه البخاري ومسلم من حديث الليث بن سعد به (٢). ومعنى هذا أن الأنبياء ﵈ كل منهم قد أُوتي من الحجج والدلائل على صدقه وصحة ما جاء به عن ربه ما فيه كفاية وحجة لقومه الذين بُعث إليهم، سواء آمنوا به ففازوا بثواب إيمانهم، أو جحدوا فاستحقوا العقوبة، وقوله: "وإنما كان الذي أوتيت" أي: جلّه وأعظمه، الوحي الذي أوحاه إليه، وهو القرآن، الحجّة المستمرة الدائمة القائمة في زمانه وبعده، فإن البراهين التي كانت للأنبياء انقرض زمانها في حياتهم، ولم يبق منها إلا الخبر عنها، وأما القرآن فهو حجة قائمة كأنما يسمعُه السامعُ من في رسول اللّه ﷺ ، فحجة الله قائمة به في حياته ﵊ وبعد وفاته، ولهذا قال: "فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة" أي: لاستمرار ما آتاني اللّه من الحجّة البالغة والبراهين الدامغة، فلهذا يكون يوم القيامة أكثرَ الأنبياء تبعًا.

стр. 2818

فصل من الدلائل المعنوية ومن الدلائل المعنوية أخلاقُه ﵊ الطاهرة، وخلقُه الكامل، وشجاعته وحِلمه، وكرمه وزهده، وقناعته وإيثاره، وجميل صحبته، وصدقه وأمانته، وتقواه وعبادته، وكرم أصله. وطيب مولده ومنشئه ومربَاه؛ كما قدمناه مبسوطًا في مواضعه، وما أحسن ما ذكَره شيخُنا العلاّمة أبو العباس بن تيمية ﵀ في كتابه الذي ردَّ فيه على فِرق النصارى واليهود وما أشبههم من أهل الكتاب وغيرهم، فإنه ذكر في آخره دلائل النبوة، وسلكَ فيها مسالك حسنة صحيحة منتِجة، بكلام بليغ يخضَعُ له كلُّ من تأمله وفهمه. قال في آخر هذا الكتاب المذكور: فصل: وسيرة الرسول ﷺ وأخلاقه وأقوالُه وأفعاله من أياته، أي: من دلائل نبوته. قال: وشريعته من آياته، وأمته من آياته، ودينهم من آياته، وكراماتُ صالحي أمته من آياته، وذلك يَظهر بتدبر سيرته من حين وُلد إلى أن بُعث، ومن حين بُعث إلى أن مات، وتدبُّر نسبه وبلده وأصله وفصله. فإنه كان من أشرف أهل الأرض نسبًا، من صميم سلالة إبراهيم الذي جعل اللّه في ذريته النبوة والكتاب، فلم يأت بعد إبراهيم نبيٌّ إلا من ذريته، وجعل اللّه له ابنين: إسماعيل وإسحاق، وذكر في التوراة هذا وهذا، وبشَّر في التوراة بما يكون من ولد إسماعيل، ولم يكن من ولد إسماعيل من ظَهر فيه ما بَشَّرَت به النبوات غيره، ودعا إبراهيمُ لذرية إسماعيل بأن يبعث اللّه فيهم رسولًا منهم. ثم الرسولُ ﷺ من قريش صفوة بني إبراهيم، ثم من بني هاشم صفوة قريش، ومن مكة أُمّ القرى، وبلد البيت الذي بناه إبراهيمُ ودعا الناسَ إلى حجّه، ولم يزل مَحجوجًا من عهد إبراهيم، مذكورًا في كتب الأنبياء بأحسن وصف. وكان ﷺ من أكمل الناس تربية ونَشأة، لم يزل معروفًا بالصدق والبر والعدل، ومكارم الأخلاق، وترك الفواحش والظلم، وكلِّ وصف مذموم، مَشهودًا له بذلك عند جميع من يعرفه قبل النبوة، ومن آمن به ومن كفر بعد النبوة، ولا يُعرف له شيءٌ يُعاب به لا في أقواله ولا في أفعاله ولا في أخلاقه، ولا جرت عليه كِذبة قط، ولا ظلم ولا فاحشة. وقد كان ﷺ خَلقه وصورته من أحسن الصُّور وأتمها وأجمعها للمحاسن الدالة على كماله، وكان أمّيًا من قوم أمّيين، لا يعرف هو ولا هم ما يعرفه أهل الكتاب من التوراة والإنجيل، ولم يقرأ شيئًا من علوم الناس، ولا جالسَ أهلها، ولم يدَّع نبوة إلى أن أكمل اللّه له أربعين سنة، فأتى بأمر هو أعجبُ الأمور

стр. 2819

وأعظمُها، وبكلام لم يَسمع الأولون والآخرون بنظيره، وأخبرَ بأمر لم يكن في بلده وقومه من يعرف مثلَه. ثم اتَّبَعه أتباعُ الأنبياء، وهم ضعفاء الناس، وكذَّبَه أهلُ الرياسة وعادوه، وسعَوا في هلاكه وهلاك من اتبعه بكل طريق، كما كان الكفار يفعلون بالأنبياء وأتباعهم. والذين اتَّبعُوه لم يتبعوه لرغبة ولا لرهبة، فإنه لم يكن عنده مال يُعطيهم ولا جِهاتٌ يولّيهم إياها، ولا كان له سيف، بل كان السيفُ والجاهُ والمالُ مع أعدائه، وقد آذَوا أتباعَه بأنواع الأذى وهم صابرون محتسبون، لا يرتدون عن دينهم، لما خالط قلوبهم من حلاوة الإيمان والمعرفة. وكانت مكة يحجُّها العربُ من عهد إبراهيم، فيجتمع في الموسم قبائل العرب، فيخرج إليهم يبلّغهم الرسالةَ، ويدعوهم إلى الله صابرًا على ما يلقاه من تكذيب المكذب، وجفاء الجافي، وإعراض المعرض، إلى أن اجتمع بأهل يثربَ وكانوا جيران اليهود، وقد سمعوا أخباره منهم وعرفوه، فلما دعاهم علموا أنه النبيُّ المنتظر الذي يُخبرهم به اليهود، وكانوا سمعوا من أخباره أيضًا ما عَرفوا به مكانته، فإن أمره كان قد انتشر وظهر في بضع عشرة سنة، فآمنوا به وبايعوه على هجرته وهجرة أصحابه إلى بلدهم، وعلى الجهاد معه، فهاجر هو ومن اتَّبعَه إلى المدينة، وبها المهاجرون والأنصار ليس فيهم من آمن برغبة دنيوية، ولا برهبة إلا قليلًا من الأنصار أسلموا في الظاهر ثم حَسُن إسلام بعضهم، ثم أذن له في الجهاد، ثم أُمر به. ولم يزل قائمًا بأمر الله على أكمل طريقة وأتمَّها، من الصدق والعدل والوفاء، لا يُحفظ له كِذبة واحدة، ولا ظلمٌ لأحد، ولا غدر بأحد، بل كان أصدقَ الناس وأعدلَهم، وأوفاهم بالعهد مع اختلاف الأحوال، من حرب وسلم، وأمن وخوف، وغِنًى وفقر، وقدرة وعجز، وتمكّن وضعف، وقلّة وكثرة، وظهور على العدو تارة، وظهور العدو تارة. وهو على ذلك كلِّه لازمٌ لأكمل الطرق وأتمها، حتى ظهرت الدعوةُ في جميع أرض العرب التي كانت مملوءةً من عبادة الأوثان، ومن أخبار الكُهّان، وطاعة المخلوق في الكفر بالخالق، وسفك الدماء المحرّمة، وقطيعة الأرحام، لا يَعرفون آخرة ولا مَعادًا، فصاروا أعلمَ أهل الأرض وأدينَهم وأعدلَهم وأفضلَهم، حتى أن النصارى لما رأوهم حين قدموا الشام قالوا: ما كان الذين صَحِبوا المسيحَ أفضلَ من هؤلاء. وهذه آثارُ علمهم وعملهم في الأرض وآثار غيرهم؛ تعرفُ العقلاء فرقَ ما بين الأمرين. وهو ﷺ مع ظهور أمره، وطاعة الخلق له، وتقديمهم له على الأنفس والأموال، مات ولم يُخلِّف درهمًا ولا دينارًا، ولا شاة ولا بعيرًا، إلا بغلتَه وسلاحَه، ودرعُه مرهونةٌ عند يهودي على ثلاثين

стр. 2820

وَسقًّا (١) من شعير ابتاعها لأهله، وكان بيده عَقَارٌ يُنفق منه على أهله، والباقي يصرفُه في مصالح المسلمين، فحكم بأنه لا يُورَث ولا يأخذ ورثته شيئًا من ذلك. وهو في كل وقت يظهر من عجائب الآيات وفنون الكرامات ما يطول وَصفه، ويُخبرهم بما كان وما يكون، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويُحِل لهم الطيبات ويُحَرِّمُ عليهم الخبائثَ، ويَشرع الشريعةَ شيئًا بعد شيء، حتى أكمل اللّه دينَه الذي بعثه به، وجاءت شريعتُه أكملَ شريعة، لم يبق معروفٌ تعرف العقولُ أنه معروف إلا أمرَ به، ولا منكرٌ تعرفُ العقولُ أنه منكر إلا نهى عنه، لم يأمر بشيء فقيل: ليته لم يأمر به، ولا نهى عن شيء فقيل: ليته لم ينه عنه، وأحلَّ لهم الطيبات لم يحرم منها شيئًا كما حُرِّمَ في شريعة غيره، وحرَّم الخبائثَ لم يُحِلّ منها شيئًا كما استحلَّ غيره. وجمعَ محاسنَ ما عليه الأمم، فلا يُذكر في التوراة والإنجيل والزبور نوعٌ من الخبر عن اللّه وعن الملائكة وعن اليوم الآخر إلا وقد جاء به على أكمل وجه، وأخبرَ بأشياء ليست في الكتب، وليس في الكتب إيجابٌ لعدل، وقضاء بفضل، وندب إلى الفضائل، وترغيب في الحسنات؛ إلا وقد جاء به وبما هو أحسن منه. وإذا نظرَ اللبيبُ في العباداتِ التي شرعَها وعباداتِ غيره من الأمم ظهرَ له فضلُها ورُجحانُها، وكذلك في الحدود والأحكام وسائر الشرائع. وأمّته أكملُ الأمم في كل فضيلة، وإذا قيس علمُهم بعلم سائر الأمم ظهرَ فضلُ علمهم، وإن قيس دينهم وعبادتهم وطاعتُهم للّه بغيرهم ظهرَ أنهم أدْيَنُ من غيرهم، وإذا قيس شجاعتُهم وجهادُهم في سبيل اللّه وصبرهم على المكاره في ذات اللّه، ظهر أنهم أعظمُ جهادًا وأشجعُ قلوبًا، وإذا قيس سخاؤُهم وبرّهم وسماحةُ أنفسهم بغيرهم: ظهر أنهم أسخى وأكرم من غيرهم. وهذه الفضائلُ به نالوها، ومنه تعلَّموها، وهو الذي أمرهم بها، لم يكونوا قبلًا متبعين لكتاب جاء هو بتكميله، كما جاء المسيح بتكميل شريعة التوراة، فكانت فضائلُ أتباع المسيح وعلومُهم بعضُها من التوراة، وبعضُها من الزبور، وبعضُها من النبوات، وبعضُها من المسيح، وبعضُها ممن بعدَه؛ كالحواريين وممن بعدَ الحواريين (٢)، وقد استعانوا بكلام الفلاسفة وغيرهم حتى أدخلوا -لما غيروا دينَ المسيح- في دين المسيح أمورًا من أمور الكفّار المناقضة لدين المسيح. وأما أمّةُ محمد ﷺ فلم يكونوا قبله يقرؤون كتابًا، بل عامّتُهم ما آمنوا بموسى وعيسى وداود والتوراة والإنجيل والزبور إلا من جهته، وهو الذي أمرهم أن يؤمنوا بجميع الأنبياء، ويُقِرُّوا بجميع الكتب المنزلة

стр. 2821

من عند اللّه، ونهاهم عن أن يُفَرَّقوا بين أحدٍ من الرسل، فقال تعالى في الكتاب الذي جاء به: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٦، ١٣٧]، وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٥، ٢٨٦] وأمته ﵊ لا يستحلون أن يأخذوا (١) شيئًا من الدين غير ما جاءَ به، ولا يَبتدعون بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يَشرعون من الدين ما لم يأذن به الله، لكن ما قصَّه عليهم من أخبار الأنبياء وأممهم، اعتبروا به، وما حدَّثهم أهلُ الكتاب موافقًا لما عندهم صدّقوه، وما لم يعلم صدقه ولا كذبه أمسكوا عنه، وما عرفوا بأنه باطل كذَّبوه، ومن أدخل في الدين ما ليس منه من أقوال متفلسفة الهند والفرس واليونان أو غيرهم، كان عندهم من أهل الإلحاد والابتداع. وهذا هو الدِّين الذي كان عليه أصحاب رسول اللّه ﷺ والتابعون، وهو الذي عليه أئمةُ الدين الذين لهم في الأمة لسان صدق، وعليه جماعة المسلمين وعامَّتُهم، ومن خرجَ عن ذلك كان مذمومًا مدحورًا عند الجماعة، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، الظاهرين إلى قيام الساعة، الذين قال فيهم رسول الله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي، ظاهرين على الحق، لا يضرِّهم من خالفهم ولا من خذلهم، حتى تقوم الساعة" (٢). وقد يَتنازعُ بعضُ المسلمين مع اتفاقهم على هذا الأصل الذي هو دين الرسل عمومًا، ودين محمد ﷺ خصوصًا، ومن خالف في هذا الأصل كان عندهم مُلحدًا مَذمومًا، ليسوا كالنصارى الذين ابتدعوا دينًا ما قام به أكابر علمائهم وعبَّادهم، وقاتل عليه ملوكُهم، ودانَ به جُمهورهم، وهو دينٌ مُبتدع ليس هو دين المسيح ولا دين غيره من الأنبياء، والله سبحانه أرسلَ رسلَه بالعلم النافع، والعمل الصالح، فمن اتَّبعَ الرسلَ حصل له سعادة الدنيا والآخرة، وإنما دخل في البدع من قصَّرَ في اتِّباع الأنبياء علمًا وعملًا. ولما بعثَ اللّه محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق، تلقى ذلك عنه المسلمون أمّتُه، فكلُّ علم نافع وعمل صالح عليه أمة محمد، أخذوه عن نبيهم؛ كما ظهر لكل عاقل أن أمَّته أكملُ الأمم في جميع الفضائل، العلمية والعملية، ومعلومٌ أن كل كمال في الفرع المتعلِّم هو في الأصل المعلِّم، وهذا يقتضي أنه ﵊ كان أكمل الناس عِلمًا ودينًا.

стр. 2822

وهذه الأمور تُوجب العلمَ الضروري بأنه كان صادقًا في قوله: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] لم يكن كاذبًا مفتريًا، فإن هذا القول لا يَقولُه إلا من هو من خيار الناس وأكملهم؛ إن كان صادقًا، أو من هو من أشر الناس وأخبثهم إن كان كاذبًا، وما ذُكِرَ من كمال علمه ودينه يُناقض الشرَّ والخبثَ والجهل، فتعيَّنَ أنه مُتّصفٌ بغاية الكمال في العلم والدين، وهذا يَستلزم أنه كان صادقًا في قوله: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]. لأن الذي لم يكن صادقًا إما أن يكونَ متعمّدًا للكذب أو مُخطِئًا، والأوّل يُوجب أنه كان ظالمًا غاويًا، والثاني يقتضي أنه كان جاهلًا ضَالًا، ومحمد ﷺ كان علمُه يُنافي جهلَه، وكمالُ دينه يُنافي تعمّدَ الكذب، فالعلمُ بصفاته يستلزمُ العلمَ بأنه لم يكن يتعمّدُ الكذبَ ولم يكن جاهلًا يكذبُ بلا علم، وإذا انتفى هذا وذاك تعيَّنَ أنه كان صادقًا عالمًا بأنه صادق، ولهذا نزَّهه الله عن هذين الأمرين بقوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ١ - ٤]. وقال تعالى عن الملك الذي جاء به: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١] ثم قال عنه: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٢ - ٢٧] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥] إلى قوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٣]، بَيَّن سبحانه أن الشيطان إنما يَنزلُ على مَن يُناسبه ليُحَصِّلَ به غرضَه، فإن الشيطانَ يقصِد الشرَّ، وهو الكذب والفجور، ولا يقصد الصدق والعدل، فلا يقترن إلا بمن فيه كذبٌ إما عمدًا وإما خطأً، وفجورًا أيضًا، فإن الخطأ في الدين هو من الشيطان أيضًا، كما قال ابن مسعود لما سُئل عن مسألة: أقول فيها برأي؛ فإن يكن صوابًا فمن اللّه، وإن يكن خطأ فمنى ومن الشيطان، واللّه ورسولُه بريئان منه. فإن رسول اللّه بريءٌ من تنزل الشياطين عليه في العمد والخطأ، بخلاف غير الرسول؛ فإنه قد يُخطئُ ويكون خطؤه من الشيطان، وإن كان خطؤه مغفورًا له، فإذا لم يُعرف له خبرٌ أخبرَ به كان فيه مخطئًا، ولا أمرٌ به كان فيه فاجرًا، عُلم أن الشيطان لم ينزل عليه، وإنما ينزل عليه مَلَك كريم، ولهذا قال في الآية الأخرى عن النبي: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤٠ - ٤٣]. انتهى ما ذكره (١)، وهذا عين ما أورده بحروفه.

стр. 2823

باب (وأمَّا) (١) دلائلُ النبوة الحسيّة (-أعني المشاهدةَ بالأبصار- فسماويّةٌ وأرضيّة) (٢) ومن أعظم ذلك كله انشقاق القمر المنير فرقتين، قال اللّه تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر:١ - ٥]. وقد اتفق العلماءُ مع بقية الأئمة على أن انشقاق القمر كان في عهد رسول اللّه ﷺ ، وقد وردت الأحاديث بذلك من طريق تفيد القطعَ عند الأمة. رواية أنس بن مالك: قال الإمام أحمد (٣): حَدَّثنا عبد الرزاق، حَدَّثنا معمر، عن قتادة، عن أنس قال: سألَ أهلُ مكةَ النبيَّ ﷺ آيةً فانشقَّ القمرُ بمكة مرتين، فقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]. ورواه مسلم (٤)، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق. وقال البخاري (٥): حدَّثني عبد اللّه بن عبد الوهاب، حدَّثنا بِشرُ بن المفضل، حدَّثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أن أهلَ مكة سألوا رسولَ اللّه ﷺ أن يريَهم آية فأراهم القمرَ شِقّين، حتى رأوا حِرَاء بينهما. وأخرجاه في الصحيحين (٦) من حديث شيبان، عن قتادة. ومسلم (٧) من حديث شعبة، عن قتادة. رواية جُبير بن مُطعم: قال أحمد (٨): حدّثنا محمد بن كثير، حدَّثنا سُليمان بن كثير، عن حُصين بن

стр. 2824

عبد الرحمن، عن محمد بن جُبير بن مُطعم، عن أبيه قال: انشقَّ القمرُ على عهد رسول اللّه ﷺ فصارَ فِرقتين: فرقةُ على هذا الجبل وفرقةٌ على هذا الجبل، فقالوا: سحَرَنا محمدٌ، فقالوا: إن كان سحَرَنا فإنه لا يستطيعُ أن يسحرَ الناسَ (كلَّهم). تفرد به أحمد (١). ورواية ابن جرير والبيهقي (٢)، من طرقٍ، عن حُصين بن عبد الرحمن به. رواية حذيفة بن اليمان: قال أبو جعفر بن جرير (٣): حدَّثني يعقوب، حدَّثني ابن عُلَية، أخبرنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السُّلمي قال: نزلنا المدائنَ فكنا منها على فرسخ، فجاءت الجمعةُ فحضر أبي وحضرتُ معه، فخطبنا حُذيفةُ فقال: إن اللّه تعالى يقول: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشقَّ، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفِراق، ألا وإن اليومَ المِضمارَ وغدًا السباق. فقلت لأبي: أتستبقُ الناس غدًا؟ فقال: يا بني إنك لجاهل، إنما هو السِّباق بالأعمال. ثم جاءت الجمعةُ الأخرى فحضرَه فخطبَ حذيفةُ، فقال: ألا إن اللّه يقول: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] (ألا وإنَّ الساعةَ قد اقتربت، ألا وإنَّ القمر قد انشقَّ) ألا وإن الدنيا قد آذنت بفِرَاق. (ألا وإن اليوم المضمارَ وغدًا السباق، ألا وإنَّ الغاية النار، والسابقُ مَن سَبَقَ إلى الجنة). ورواه أيو زُرعة الرازي في كتاب "دلائل النبوة" من غير وجه، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، عن حذيفة، فذكر نحوَه، وقال: ألا وإن القمر قد انشقَّ على عهد رسول اللّه ﷺ ، ألا وإن اليومَ المضمارَ وغدًا السباق، ألا وإن الغايةَ النار، والسابقُ من سَبَقَ إلى الجنة. رواية عبد اللّه بن عباس: قال البخاري (٤): حَدَّثنا يحيى بن بُكير، حَدَّثنا بكر، عن جعفر، عن عراك بن مالك، عن عُبيد الله بن عبد اللّه بن عُتبَة، عن ابن عباس، قال: انشقَّ القمرُ في زمان النبي ﷺ . ورواه البخاري أيضًا ومسلم (٥)، من حديث بكر بن مضر، عن جعفر بن ربيعة به.

стр. 2825

طريق أخرى عنه: قال ابن جرير (١): حَدَّثنا ابن المثنى، حَدَّثنا عبد الأعلى، حدَّثنا داود بن أبي هند، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر:١ - ٢] قال: قد مضى ذلك، كان قبل الهجرة انشقَّ القمرُ حتى رَأَوا شِقّيه. وروى العوفى (٢)، عن ابن عباس نحوًا من هذا. وقد روي من وجه آخر، عن ابن عباس، فقال أبو القاسم الطبراني (٣): حدَّثنا أحمد بن عمرو البزار، حدَّثنا محمد بن يحيى القطيعي، حدَّثنا محمد بن بكير، حدَّثنا ابن جُريج، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كُسِفَ القمرُ على عهد رسولِ اللّه ﷺ فقالوا: سَحَرَ القمرَ، فنزلت: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١ - ٢]. وهذا سياق غريب، وقد يكون حصل للقمر مع انشقاقه كسوف، فيدل على أن انشقاقه إنما كان في ليالي إبداره، واللّه أعلم. رواية عبد اللّه بن عمر بن الخطاب: قال الحافظ أبو بكر البيهقي (٤): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، قالا: حدَّثنا أبو العباس الأصمّ، حدَّثنا العباس بن محمد الدُّوريّ: حدَّثنا وهبُ بن جرير، عن شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، في قوله : ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] قال: وقد كان ذلك على عهد رسول الله ﷺ ، انشقَّ فِلقتين؛ فِلقة من دون الجبل، وفِلقة من خلف الجبل، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم اشهد". وهكذا رواه مسلم والترمذي (٥)، من طرق عن شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد. قال مسلم كرواية مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود. وقال الترمذي: حسن صحيح. رواية عبد اللّه بن مسعود: قال الإمام أحمد (٦): حدَّثنا سفيان، عن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود قال: انشقَّ القمرُ على عهد رسول اللّه ﷺ شقتين، حتى نظروا إليه، فقال رسول الله ﷺ : "اشهدوا".

стр. 2826

ورواه البخاري ومسلم (١)، من حديث سفيان بن عيينة. وأخرجاه (٢) من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر عبد اللّه بن سخبرة، عن ابن مسعود به. قال البخاري (٣): وقال أبو الضحى، عن مسروق عن عبد اللّه: "انشقَّ بمكة". وهذا الذي علَّقه البخاري، قد أسنده أبو داود الطيالسي في"مسنده" (٤)، فقال: حدَّثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد اللّه بن مسعود قال: انشقَّ القمرُ على عهد رسول اللّه ﷺ ، فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة، قال: فقالوا: انظروا ما يأتينا به السُّفار، فإن محمدًا لا يستطيعُ أن يسحرَ الناس كلَّهم. قال: فجاء السُّفار فقالوا ذلك. وروى البيهقي (٥)، عن الحاكم، عن الأصم، عن عباس الدوري (٦)، عن سعيد بن سُليمان، عن هُشَيْم (٧)، عن مغيرة، عن أبي الضُّحى، عن مسروقٍ، عن عبد اللّه، قال: انشقَّ القمرُ بمكةَ حتى صار فِرقتين، فقالت كفارُ قريش أهل مكة: ذا سحرٌ سحرَكم به ابن أبي كبشة، انظروا المسافرينَ فإن كانوا رأَوا ما رأيتم فقد صدقَ، وإن كانوا لم يَروا ما رأيتُم فهو سحرٌ سحرَكم به، قال: فسُئل السُّفار- وقدموا من كل وجه- فقالوا: رأيناه. ورواه ابن جرير (٨) من حديث المغيرة، وزاد: فأنزل اللّه: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]. وقال الإمام أحمد (٩): حدَّثنا مُؤَمِّل، عن إسرائيل، عن سِمَاك، عن إبراهيم، عن الأسود، عن

стр. 2827

عبد اللّه، قال: انشقَّ القمرُ على عهد رسولِ الله ﷺ ، حتى رأيتُ الجبلَ بين فُرجَتَي القمر. وروى ابن جرير (١)، عن يعقوب الدَّورقي (٢) عن ابن عُلَيّة، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، قال: نُبِّئتُ أن ابنَ مسعودٍ كان يقول: لقد انشقَّ القمر. ففي صحيح البخاري، عن ابن مسعود، أنه كان يقول: خمسٌ قد مَضَينَ: الرُّوم، واللِّزام، والبَطشَةُ، والدُّخانُ، والقمر، في حديث طويل عنه، مذكورٌ في تفسير سورة الدخان (٣). وقال أبو زرعة في "الدلائلا" (٤): حَدَّثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، حَدَّثنا الوليد، عن الأوزاعي، عن ابن بُكير قال: انشقَّ القمر بمكةَ والنبيُّ ﷺ قبلَ الهجرة فخرَّ شقتين، فقال المشركون: سَحَرَه ابنُ أبي كبشة. وهذا مرسل من هذا الوجه. هذه طرقٌ عن هؤلاء الجماعة من الصحابة، وشهرةُ هذا الأمر تُغني عن إسناده، مع وُروده في الكتاب العزيز. وما يذكُره بعضُ القصّاص: من أن القمر دخل في جيب النبي ﷺ وخرج من كُمّه (٥)، ونحو هذا الكلام فليس له أصلٌ يُعتمد عليه، والقمر في حال انشقاقه لم يزايل السماء، بل انفرق باثنتين، وسارت إحداهُما حتى صارت وراءَ جبل حِرَاءَ، والأخرى من الناحية الأخرى، وصار الجبلُ بينهما، وكلتا الفِرقتين في السماء، وأهلُ مكة يَنظرون إلى ذلك، وظنَّ كثيرٌ من جهلتهم أن هذا شيء سُحرت به أبصارُهم. فسألوا من قَدِمَ عليهم من المسافرين فأخبرُوهم بنظير ما شاهدوه، فعلموا صِحَّةَ ذلك وتيقنوه. فإن قيل: فلم لم يُعرف هذا في جميع أقطار الأرض؟ فالجوابُ: ومن يَنفي ذلك، ولكن تطاول العهد والكفرةُ يجحدون بآيات اللّه، ولعلَّهم لما أخبروا أن هذا كان آية لهذا النبي المبعوث، تداعت آراؤُهم الفاسدة على كتمانه وتناسيه، على أنه قد ذَكرَ غيرُ واحد من المسافرين أنهم شاهدوا هيكلًا بالهند مكتوبًا عليه أنه بني في الليلة التي انشقَّ القمرُ فيها. ثم لما كان انشقاقُ القمر ليلًا قد يُخفى أمرُه على كثير من الناس لأمورٍ مانعةٍ من مشاهدته في تلك الساعة، من غيومٍ متراكمةٍ كانت تلك الليلة في بلدانهم، ولنومِ كثيرٍ منهم، أو لعلّه كان في أثناء الليل حيثُ ينامُ كثيرٌ من الناس، وغير ذلك من الأمور، واللّه أعلم.

стр. 2828

وقد حرَّرنا هذا فيما تقدم في كتابنا "التفسير" (١). فأما حديث رد الشمس بعد مغيبها: فقد أنبأني شيخُنا المسند الرَّحَّالة بهاء الدين القاسم بن المظفر بن تاج الأمناء بن عساكر (٢) إذنًا، قال: أخبرنا الحافظ أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن عساكر المشهور بالنسَّابة، قال: أخبرنا أبو المظفر بن القُشَيري وأبو القاسم المستملي، قا لا: حدَّثنا أبو عثمان المحبر، أخبرنا أبو محمد عبد اللّه بن محمد بن الحسن الدَّنْدَقاني (٣) بها، أخبرنا محمد بن أحمد بن محبوب. وفي حديث ابن القشيري: حدَّثنا أبو العباس المَحبوبي، حدَّثنا سعيد بن مسعود "ح" قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر، وأخبرنا أبو الفتح الماهاني، أخبرنا شجاع بن علي، أخبرنا أبو عبد اللّه بن منده، أخبرنا عثمان بن أحمد الننسي، أخبرنا أبو أميّة محمد بن إبراهيم، قال: حدَّثنا عبيدُ اللّه بن موسى، حدَّثنا فضيل بن مرزوق، عن إبراهيم بن الحسن، زاد أبو أميّة بن الحسن، عن فاطمة بنت الحسين، عن أسماء بنت عُمَيس، قالت: كان رسولُ اللّه ﷺ يُوحى إليه ورأسه في حِجر عليّ، فلم يُصَلِّ العصرَ حتى غربت الشَّمسُ، فقال رسول اللّه ﷺ : "صَلَّيتَ العصرَ؟ " وقال أبو أمية: "صَلّيتَ يا علي؟ " قال: لا، قال رسول اللّه ﷺ ، وقال أبو أمية: فقال النبي ﷺ : "اللهم إنه كان في طاعتِك وطاعةِ نبيّك" وقال أبو أمية: "رسولك، فاردد عليه الشمسَ" قالت أسماء: فرأيتُها غَرُبَت ثم رأيتُها طَلَعت بعدما غَرُبَت". وقد رواه الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في "الموضوعات" (٤) من طريق أبي عبد اللّه بن منده كما تقدم، ومن طريق أبي جعفر العقيلي: حدَّثنا أحمد بن داود، حدَّثنا عمّار بن مطر، حَدَّثنا فضيل بن مرزوق، فذكره. ثم قال: وهذا حديث موضوع، وقد اضطربَ الرواةُ فيه، فرواه سعيدُ بن مَسعود، عن عُبيد اللّه بن موسى، عن فُضَيل بن مرزوق، عن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن دينار، عن عليّ بن الحسن، عن فاطمة بنت عليّ، عن أسماء. وهذا تخليط في الرواية. قال: وأحمد بن داود ليس بشيء، قال الدارقطني (٥): متروك كذاب، وقال ابن حِبّان (٦): كان

стр. 2829

يضعُ الحديث. وعمَّار بن مَطر، قال فيه العقيلي (١): كان يُحدِّث عن الثقات بالمناكير. وقال ابن عدي (٢): متروك الحديث. قال: وفُضيل بن مَرزوق قد ضعَّفه يحيى (٣). قال ابن حِبّان (٤): يَروي الموضوعات ويُخطئ عن الثقات. وبه، قال الحافظ ابن عساكر: وأخبرنا أبو محمد، عن طاووس، أخبرنا عاصم بن الحسن، أخبرنا أبو عمرو بن مَهدي، أخبرنا أبو العباس بن عُقْدة، حدَّثنا أحمد بن يحيى الصوفي، حَدَّثنا عبد الرحمن بن شَريك، حدَّثني أبي، عن عروة بن عبد اللّه بن قشير، قال: دخلتُ على فاطمةَ بنت علىّ فرأيتُ في عنقها خرزة، ورأيت في يديها مَسكتين غليظتين -وهي عجوز كبيرة- فقلتُ لها: ما هذا؟ فقالت: إنه يُكره للمرأة أن تتشبَّه بالرجال. ثم حدَّثتني: أن أسماءَ بنت عُمَيس حدَّثتها: أن عليَّ بن أبي طالب دفعَ إلى النبي ﷺ وقد أُوحي إليه، فجلَّلَه بثوبه، فلم يزل كذلك حتى أدبرتِ الشمسُ -يقول: غابت أو كادت أن تغيب- ثم إن نبى اللّه ﷺ سُرِّي عنه، فقال: أصلَّيتَ يا عليّ؟ قال: لا، فقال النبي ﷺ : "اللهم ردّ على عليّ الشمس" فرجعتْ حتى بلغت نصفَ المسجد. قال عبد الرحمن: وقال أبي: حدَّثني موسى الجهني نحوَه. ثم قال الحافظ ابن عساكر: هذا حديث منكر، وفيه غير واحد من المجاهيل. وقال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في "الموضوعات" (٥): وقد روى ابنُ شاهين هذا الحديث عن ابن عقدة، فذكره. ثم قال: وهذا باطل، والمتهم به ابن عقدة، فإنه كان رافضيًا، يُحدِّثُ بمثالب الصحابة. قال الخطيب (٦): حَدَّثنا علي بن محمد بن نصر، سمعت حمزة بن يوسف يقول (٧): كان ابن عقدة بجامع "براثا" يملي مثالب الصحابة- أو قال: الشيخين- فتركته. وقال الدارقطني: كان ابن عقدة رجل سوء، وقال ابن عدي (٨): سمعت أبا بكر بن أبي غالب يقول: ابن عقدة لا يتديّنُ بالحديث، لأنه

стр. 2830

كان يحملُ شيوخًا بالكوفة على الكذب فيَروي لهم نُسَخًا ويأمرهم أن يروُوها. وقد تبينا (١) ذلك منه في غير شيخ بالكوفة. وقال الحافظ أبو بشر الدُّولابي (٢) في كتابه "الذرية الطاهرة": حَدَّثنا إسحاق بن يونس، حَدَّثنا سُويد بن سعيد، حدَّثنا المطلب بن زياد، عن إبراهيم بن حَيَّان، عن عبد اللّه بن حَسَن، عن فاطمة بنت الحسين، عن الحسين، قال: كان رأسُ رسول اللّه ﷺ في حِجر علي وهو يُوحَى إليه، فذكر الحديث بنحو ما تقدم. إبراهيمُ بن حَيَّان هذا تركه الدارقطني (٣)، وغيره (٤). وقال محمد بن ناصر البغدادي الحافظ: هذا الحديث موضوع، قال شيخنا الحافظ أبو عبد اللّه الذهبي: وصدق ابن ناصر. وقال ابن الجوزي (٥): وقد رواه ابن مردويه من حديث داود بن فراهيج (٦)، عن أبي هريرة قال: نام رسولُ اللّه ﷺ ورأسُه في حِجر عليّ، ولم يكن صلَّى العصرَ، حتى غَرُبت الشمسُ، فلما قامَ رسولُ اللّه دعا له فرُدّت عليه الشمسُ حتى صلَّى، ثم غابت ثانية. ثم قال: وداود ضعَّفه شعبةُ. ثم قال ابن الجوزي: ومن تغفيل واضع هذا الحديث أنه نظر إلى صورة فضله ولم يتلمَّح عدمَ الفائدة، فإن صلاة العصر بغيبوبة الشمس صارت قضاءً، فرجوع الشمس لا يُعيدها أداءً، وفي الصحيح (٧) عن رسول اللّه ﷺ : "إن الشمس لم تُحبَس على أحدٍ إلا ليُوشع". قلت: هذا الحديث (٨) ضعيفٌ ومُنكر من جميع طرقه، فلا تخلو واحدة منها عن شيعيّ ومجهول الحال، وشيعيّ ومتروك، ومثل هذا الحديث لا يُقبل فيه خبرُ واحد إذا اتَّصلَ سندُه، لأنه من باب

стр. 2831

ما تتوفر الدواعي على نقله، فلا بد من نقله بالتواتر والاستفاضة، لا أقل من ذلك. ونحنُ لا نُنكر هذا في قدرة اللّه تعالى وبالنسبة إلى جناب رسول اللّه ﷺ ، فقد ثبتَ في الصحيح (١) أنها رُدّت ليوشع بن نون، وذلك يوم حاصر بيتَ المقدس، واتفق ذلك في آخر يوم الجمعة، وكانوا لا يُقاتلون يومَ السبت فنظر إلى الشمس وقد تَنَصَّفَت للغروب فقال: "إنّكِ مأمورةٌ، وأنا مأمورٌ، اللهم احبسها عليّ، فحبَسها اللّه عليه حتى فتحُوها". ورسول اللّه ﷺ أعظمُ جاهًا، وأجلُّ منصبًا، وأعلى قدرًا من يُوشعَ بن نون، بل من سائر الأنبياء على الإطلاق، ولكن لا نقول إلا ما صحَّ عندنا عنه، ولا نُسند إليه ما ليس بصحيح، ولو صحَّ لكنّا من أول القائلين به، والمعتقدين له، وباللّه المستعان. (وقال الحافظ أبو بكر محمد بن حاتم بن زنجويه البخاري في كتابه "إثبات إمامة أبي بكر الصديق") (٢): فإن قال قائل من الروافض: إن أفضلَ فضيلةٍ لأبي الحسن، وأدلَّ دليل على إمامته ما رُوي عن أسماء بنت عُمَيس، قالت: كان رسول اللّه ﷺ يُوحى إليه ورأسُه في حِجر عليّ بن أبي طالب، فلم يُصَلِّ العصرَ حتى غَرُبت الشمسُ، فقال رسول اللّه ﷺ لعلي: "صَلَّيتَ؟ " قال: لا، فقال رسول اللّه: "اللهم إنه كان في طاعتِك وطاعةِ رسولك، فاردد عليه الشمس" قالت أسماء: فرأيتُها غَرُبَت، ثم رأيتُها طلعت بعدما غربت. قيل له: كيف لنا لو صحَّ هذا الحديثُ فنَحتجُّ على مخالفينا من اليهود والنصارى، ولكنَّ الحديثَ ضعيفٌ جدًا لا أصلَ له، وهذا مما كَسبت أيدي الروافض، ولو رُدّت الشمسُ بعدما غَرُبَت لرآها المؤمنُ والكافرُ، ونقلوا إلينا أن في يوم كذا في شهر كذا في سنة كذا رُدّت الشمسُ بعدما غَرُبَت. ثم يقال للروافض: أيجوزُ أن تُرَدَّ الشمسُ لأبي الحسن حين فاتته صلاةُ العصر، ولا تُرَدُّ لرسول اللّه ولجميع المهاجرين والأنصار وعليٌّ فيهم حين فاتتهم صلاة الظهر والعصر والمغرب يوم الخندق؟. قال: وأيضًا مرة أخرى عَرَّسَ رسولُ اللّه ﷺ بالمهاجرين والأنصار حين قفلَ من غزوة خيبر، فذكرَ نومَهم عن صلاة الصبح، وصلاتهم لها بعد طلوع الشمس، قال: فلم يُرَدَّ الليلُ على رسول اللّه وعلى أصحابه. قال: ولو كان هذا فضلًا أُعطيه رسولُ اللّه، وما كان اللّه ليمنعَ رسولَه شرفًا وفضلًا- يعني أُعطيه علي بن أبي طالب-.

стр. 2832

ثم قال: وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني (١): قلت لمحمد بن عُبيد الطنافسي (٢): ما تقولُ فيمن يقولُ: رجعت الشمس على عليّ بن أبي طالب حتى صلَّى العصرَ؟ فقال: مَن قال هذا فقد كذَب. وقال إبراهيم بن يعقوب: سألت يَعلى بن عُبيد الطنافسي (٣)، قلت: إن ناسًا عندنا يقولون: إن عليًا وصيُّ رسول اللّه ﷺ ورجعت عليه الشَّمسُ، فقال: كذبٌ هذا كلُّه. فصل في إيراد هذا الحديث من أماكن متفرقة وقد جمعَ أبو القاسم عُبيد اللّه بن عبد اللّه بن أحمد الحَسَكاني جزءًا، وسمَّاه "مسألة في تَصحيح ردّ الشَّمس وترغيم النواصِب الشُّمسِ". وقال: قد رُوي ذلك من طريق أسماءِ بنت عُميس، وعليّ بن أبي طالب، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري. ثم رواه من طريق أحمد بن صالح المصري، وأحمد بن الوليد الأنطاكي، والحسن بن داود، ثلاثتُهم عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك -وهو ثقة- أخبرني محمد بن موسى الفطري المدني، وهو ثقة أيضًا، عن عون بن محمد، قال: وهو ابن محمد ابن الحنفية، عن أمِّه أمّ جعفر بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب، عن جدتها أسماء بنت عُمَيس: أن رسولَ اللّه ﷺ صلَّى الظهرَ بالصهباء من أرضِ خَيبر، ثم أرسل عليًّا في حاجةٍ، فجاء وقد صلَّى رسولُ اللّه العصرَ، فوضعَ رأسَه في حِجر عليّ، ولم يحرّكه حتى غَرُبت الشمسُ، فقال رسول اللّه ﷺ : "اللهم إن عبدَك عليًّا احتبسَ نفسه على نبيّه فرُدَّ عليه شرقَها" قالت أسماء: فطلعتِ الشمسُ حتى رفعت على الجبال، فقام عليٌّ فتوضأ وصلَّى العصر، ثم غابت الشمسُ. وهذا الإسناد فيه من يُجهل حالُه؛ فإن عَونًا هذا وأمه لا يُعرف أمرُهما بعدالة وضبط يُقبل بسببهما خبرُهما فيما هو دون هذا المقام، فكيف يثبتُ بخبرهما هذا الأمر العظيم، الذي لم يروه أحدٌ من أصحاب الصحاح ولا السنن ولا المسانيد المشهورة؟ فاللّه أعلم. ولا ندري أسمعتْ أمُّ هذا من جَدتها أسماء بنت عُميس أم لا؟.

стр. 2833

ثم أورده هذا المصنف من طريق الحسين بن الحسن الأشعر، وهو شيعي جلد، وضعَّفه غيرُ واحد عن الفُضيل بن مرزوق، عن إبراهيم بن الحسين بن الحسن، عن فاطمة بنت الحسين الشهيد، عن أسماء بنت عُمَيس، فذكر الحديث. قال: وقد رواه عن فُضيل بن مرزوق جماعة، منهم عبيد اللّه بن موسى. ثم أورده من طريق أبي جعفر الطحاوي من طريق عبد اللّه. وقد قدَّمنا روايتنا له من حديث سعيد بن مسعود، وأبي أمية الطرسوسي، عن عُبيد اللّه بن موسى العبسي، وهو من الشيعة. ثم أورده هذا المصنف من طريق أبي جعفر العقيلي، عن أحمد بن داود، عن عمار بن مطر، عن فُضيل بن مرزوق الأغر الرقاشي ويقال الرَّوّاسي أبو عبد الرحمن الكوفي مولى بني عنزة، وثقه الثوري وابن عيينة، وقال أحمد: لا أعلم إِلَّا خيرًا. وقال ابن معين: ثقة، وقال مرة: صالح ولكنه شديد التشيّع، وقال مرة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث، يَهِمُ كثيرًا، يُكتب حديثه ولا يُحتج به. وقال عثمان بن سعيد الدارمي: يقال: إنه ضعيف. وقال النسائي: ضعيف. وقال ابن عدي: أرجو أن لا بأس به. وقال ابن حِتان: منكر الحديث جدًا، كان يُخطئ على الثقات ويروي عن عطية الموضوعات. وقد روى له مسلم وأهلُ السنن الأربعة. فمن هذه ترجمته لا يُتهم بتعفد الكذب ولكنه قد يتساهل، ولا سيما فيما يُوافق مذهبه، فيروي عمن لا يعرفه، أو يحسن به الظن، فيدلس حديثه ويسقطه ويذكر شيخه، ولهذا قال في هذا الحديث الذي يجب الاحتراز فيه، وتوقي الكذب فيه "عن" بصيغة التدليس، ولم يأت بصيغة التحديث، فلعل بينهما من يُجهل أمرُه، على أن شيخَه هذا - إبراهيم بن الحسن بن علي بن أبي طالب - ليس بذلك المشهور في حاله، ولم يرو له أحدٌ من أصحاب الكتب المعتمدة، ولا روى عنه غيرُ الفضيل بن مرزوق هذا، ويحيى بن المتوكل، قاله أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان ولم يتعرضا لجرح ولا تعديل. وأما فاطمةُ بنت الحسين بن عليّ بن أبي طالب - وهي أخت زين العابدين - فحديثُها مشهور، روى لها أهلُ السنن الأربعة، وكانت فيمن قُدِمَ بها مع أهل البيت بعد مقتل أبيها إلى دمشق، وهي من الثقات، ولكن لاندري أسمعت هذا الحديث من أسماء أم لا؟ فاللّه أعلم. ثم رواه هذا المصنف من حديث أبي حفص الكَتَّاني: حَدَّثَنَا محمد بن عمر القاضي، هو الجعابي، حدَّثني محمد بن القاسم بن جعفر العَسكري من أصل كتابه، حَدَّثَنَا أحمد بن محمد بن يزيد بن سليم، حَدَّثَنَا خلف بن سالم، حَدَّثَنَا عبد الرزاق، حَدَّثَنَا سفيان الثوري، عن أشعث أبي الشعثاء، عن أمّه، عن فاطمة - يعني بنت الحسين - عن أسماء؛ أن رسولَ اللّه ﷺ دعا لعليّ حتى رُدّت عليه الشمس.

стр. 2834

وهذا إسناد غريب جدًّا، وحديث عبد الرزاق وشيخُه الثوري محفوظٌ عند الأئمة، لا يكاد يُترك منه شيء من المهمات، فكيف لم يَرو عن عبد الرزاق مثل هذا الحديث العظيم إِلَّا خلفُ بن سالم بما قبله من الرجال، الذين لا يُعرف حالُهم في الضبط والعدالة لغربتهم؟ ثم إن أمّ أشعثَ مجهولةٌ، فاللّه أعلم (١). ثم ساقه هذا المصنف من طريق محمد بن مرزوق: حَدَّثَنَا حسين الأشقر - وهو شيعي وضعيف كما تقدم - عن عليّ بن هاشم بن البريد - وقد قال فيه ابن حِبّان: كان غالبًا في التشيّع، يَروي المناكير عن المشاهير - عن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن دينار، عن عليّ بن الحسين بن الحسن، عن فاطمة بنت عليّ، عن أسماءَ بنت عُمَيس فذكرَه. وهذا إسناد لا يثبت. ثم أسنده من طريق عبد الرحمن بن شَريك، عن أبيه، عن عروة بن عبد اللّه، عن فاطمة بنت عليّ، عن أسماءَ بنت عُمَيس، فذكر الحديث كما قدمنا إيراده من طريق ابن عُقدة، عن أحمد بن يَحيى الصُّوفي، عن عبد الرحمن بن شريك، عن عبد اللّه النخعي. وقد روى عنه البخاريُّ في كتاب "الأدب" وحدَّث عنه جماعة من الأئمة، وقال فيه أبو حاتم الرازي: كان واهي الحديث، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات وقال: ربما أخطأ. وأرخ ابن عقدة وفاتَه سنة سبع وعشرين ومئتين. وقد قدَّمنا أن الشيخ أبا الفرج بن الجوزي قال: إنما اتهم بوضعه أبا العباس بن عُقدة، ثم أورد كلام الأئمة فيه بالطعن والجرح، وأنه كان يسوي النسخ للمشايخ فيرويهم إياها، فاللّه أعلم. قلت: في سياق هذا الإسناد عن أسماء؛ أن الشمس رجعت حتى بلغت نصف المسجد، وهذا يُناقض ما تقدَّم من أن ذلك كان بالصَّهباء من أرض خيبر، ومثل هذا يُوجب توهينَ الحديث وضعفَه والقدحَ فيه. ثم سردَه من حديث محمد بن عمر القاضي الجعابي: حَدَّثَنَا علي بن العباس بن الوليد، حَدَّثَنَا عَبَّاد بن يعقوب الرَّواجيني، حَدَّثَنَا علي بن هاشم، عن صباح، عن عبد الله بن الحسن - أبي جعفر - عن حسين المقتول، عن فاطمة، عن أسماء بنت عُمَيس قالت: لما كان يوم شُغِل علي؛ لمكانه من قسم المغنم، حتى غربت الشمس أو كادت، فقال رسول اللّه ﷺ : "أما صلّيت؟ " قال: لا، فدعا اللّه، فارتفعت الشمس حتى توسطت السماء، فصلَّى علي، فلما غربت الشمس سمعتُ لها صريرًا كصرير الميشار في الحديد. وهذا أيضًا سياقٌ مخالف لما تقدم من وجوه كثيرة، مع أن إسناده مظلم جدًا، فإن صباحًا هذا لا يُعرف، وكيف يَروي الحسينُ بن علي المقتول شهيدًا عن واحد عن واحد عن أسماءَ بنت عُمَيس؟ هذا

стр. 2835

تخبيط إسنادًا ومتنًا، ففي هذا أن عليًا شُغل بمجرد قسم الغنيمة، وهذا لم يقله أحدٌ ولا ذهب إلى جواز ترك الصلاة لذلك ذاهب، وإن كان قد جوَّز بعضُ العلماء تأخيرَ الصلاة عن وقتِها لعذر القتال؛ كما حكاه البخاري عن مكحول والأوزاعي وأنس بن مالك في جماعة من أصحابه بتسترَ، واحتجَّ لهم في بني قريظة. وذهبَ جماعة من العلماء إلى أن هذا نُسِخَ بصلاة الخوف. والمقصودُ أنه لم يقل أحدٌ من العلماء إنه يجوز تأخيرُ الصلاة بعذر قسم الغنيمة، حتى يُسند هذا إلى صنيع عليّ ﵁، وهو الراوي عن رسول اللّه ﷺ أن الوسطى هي العصر، فإن كان هذا ثابتًا على ما رواه هؤلاء الجماعة، وكان عليّ متعمدًا لتأخير الصلاة لعذر قسم الغنيمة، وأقرَّه عليه الثارع صارَ هذا وحدَه دليلًا على جواز ذلك، ويكون أقطع في الحجة مما ذكره البخاري، لأن هذا بعد مشروعية صلاة الخوف قطعًا، لأنه كان بخيبر سنة سبع، وصلاة الخوف شُرعت قبل ذلك، وإن كان عليّ ناسيًا حتى تركَ الصلاة إلى الغروب فهو معذور، فلا يحتاج إلى ردّ الشمس، بل وقتها بعد الغروب، والحالة هذه إذن، كما ورد به الحديث، واللّه أعلم. وهذا كلُّه مما يدل على ضعف هذا الحديث. ثم إن جعلناه قضيَّةً أخرى، وواقعة غير ما تقدم، فقد تعدد رد الشمس غير مرة، ومع هذا لم ينقله أحدٌ من أئمة العلماء، ولا رواه أهلُ الكتب المشهورة، وتفرد بهذه الفائدة هؤلاء الرواة الذين لا يخلو إسناد منها عن مجهول ومتروك ومتهم، واللّه أعلم. ثم أورده هذا المصنف من طريق أبي العباس بن عُقدة: حَدَّثَنَا يحيى بن زكريا، حَدَّثَنَا يعقوبُ بن سعيد، حَدَّثَنَا عمرو بن ثابت، قال: سألتُ عبدَ اللّه بن حسن بن حسن بن على (بن أبي طالب)، عن حديث رد الشمس على عليّ بن أبي طالب: هل يثبتُ عندكم؟ فقال لي: ما أنزلَ الله في كتابه أعظمُ من ردّ الشمس، قلت: صدقتَ - جعلني اللّه فداك - ولكني أحبُّ أن أسمعَه منك، فقال: حدَّثني أبي - الحسن - عن أسماء بنت عُمَيس؛ أنها قالت: أقبل عليُّ بن أبي طالب ذاتَ يوم وهو يُريد أن يصلِّي العصرَ مع رسول اللّه ﷺ ، فوافق رسولَ اللّه ﷺ قد انصرفَ ونزل عليه الوحي، فأسندَه إلى صدره، فلم يزل مُسندَه إلى صدره، حتى أفاقَ رسولُ اللّه ﷺ فقال: "أصلّيتَ العصرَ يا عليّ؟ "قال: جئتُ والوحيُ ينزلُ عليكَ، فلم أزل مُسندَك إلى صدري حتى الساعة، فاستقبلَ رسولُ اللّه ﷺ القبلةَ - وقد غربت الشمس - وقال: "اللهم إن عليًّا كان في طاعتِك فارددها عليه" قالت أسماء: فأقبلتِ الشَّمسُ ولها صريرٌ كصرير الرحى، حتى كانت في موضعها وقت العصر. فقام عليٌّ متمكنًا فصلَّى، فلما فرغَ رجعتِ الشمس ولها صرير كصرير الرحى، فلما غابت اختلطَ الظلامُ، وبدت النجوم. وهذا منكرٌ أيضًا إسنادًا ومتنًا، وهو مناقض لما قبله من السياقات، وعمرو بن ثابت هذا هو المتهم بوضع هذا الحديث أو سرقته من غيره، وهو عمرو بن ثابت بن هرمز البكري الكوفي، مولى بكر بن وائل، ويُعرف بعمرو بن المِقدام الحداد، روى عن غير واحد من التابعين، وحدَّث عنه جماعة، منهم

стр. 2836

سعيد بن منصور، وأبو داود وأبو الوليد الطيالسيان، قال: تركه عبد اللّه بن المبارك، وقال: لا تحدِّثوا عنه فإنه كان يسبُّ السلفَ. ولما مرَّت به جنازته توارى عنها. وكذلك تركه عبد الرحمن بن مهدي، وقال ابنُ معين والنسائي: ليس بثقة، ولا مأمون، ولا يكتب حديثه. وقال مرة أخرى هو وأبو زرعة وأبو حاتم: كان ضعيفًا. زاد أبو حاتم: وكان رديء الرأي شديدَ التشيّع، لا يُكتب حديثه. وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم. وقال أبو داود: كان مِن شرار الناس، كان رافضيًا خبيثًا رجلَ سُوء، قال هنا: ولما مات لم أصلِّ عليه؛ لأنه قال لما مات رسول اللّه ﷺ كفر الناس إِلَّا خمسة. وجعلَ أبو داود يذمّه. وقال ابن حِبّان: يَروي الموضوعات عن الأثبات. وقال ابن عدي: والضعف على حديثه بيّن، وأرَّخُوا وفاتَه في سنة سبع وعشرين ومئة، ولهذا قال شيخنا أبو العباس ابن تيمية: وكان عبد اللّه بن حسن وأبوه أجلَّ قدرًا من أن يُحدِّثا بهذا الحديث. قال هذا المُصَنِّف لا المنصف: وأما حديث أبي هريرة؛ فأخبرنا عقيل بن الحسن العسكري، أخبرنا أبو محمد صالح بن الفتح النسائي، حَدَّثَنَا أحمد بن عمير بن جوصاء، حَدَّثَنَا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حَدَّثَنَا يحيى بن زيد بن عبد الملك النوفلي، عن أبيه، حَدَّثَنَا داود بن فراهيج، عن عمارة بن برود، عن أبي هريرة فذكره. وقال: اختصرته من حديث طويل. وهذا إسناد مظلم، ويحيى بن يزيد وأبوه وشيخه داود بن فراهيج كلُّهم مُضعّفون، وهذا هو الذي أشار ابن الجوزي إلى أن ابن مردويه رواه من طريق داود بن فراهيج عن أبي هريرة، وضعَّف داود هذا شعبة والنسائي وغيرهما. والذي يظهر أن هذا مفتعل من بعض الرواة، أو قد دخل على أحدهم وهو لا يشعر، واللّه أعلم. قال: وأما حديث أبي سعيد، فأخبرنا محمد بن إسماعيل الجرجاني في كتابه؛ أن أبا طاهر محمد بن علي الواعظ أخبرهم: أخبرنا محمد بن أحمد بن متيم، أخبرنا القاسم بن جعفر بن محمد بن عبد اللّه بن عمر بن علي بن أبي طالب: حدثني أبي، عن أبيه محمد، عن أبيه عبد اللّه، عن أبيه عمر قال: قال الحسين بن عليّ: سمعتُ أبا سعيد الخدري يقول: دخلتُ على رسول اللّه ﷺ فإذا رأسُه في حجر عليّ وقد غابت الشمس، فانتبه النَّبِيّ ﷺ وقال: "يا عليّ! أصلّيتَ العصر؟ "قال: لا، يا رسول اللّه ما صلَّيت، كرهتُ أن أضعَ رأسَك من حِجري وأنت وَجِع. فقال رسول اللّه ﷺ : "يا عليّ، ادعُ يا عليّ أن تُرَدَّ عليك الشمسُ"، فقال عليٌّ: يا رسول اللّه، ادعُ أنت وأنا أُؤمن، فقال: "يا ربّ إنَّ عليًا في طاعتِك وطاعةِ نبيّك فاردد عليه الشمس". قال أبو سعيد: فواللّه لقد سمعتُ للشمس صريرًا كصرير البَكَرَة، حتى رجعت بيضاءَ نقيّة. وهذا إسناد مظلم أيضًا، ومتنه منكرٌ مخالف لما تقدّمه من السياقات، وكل هذا يدل على أنه موضوع مصنوع مفتعل، يسرقُه هؤلاء الرافضة بعضُهم من بعض، ولو كان له أصل من رواية أبي سعيد لتلقاه عنه

стр. 2837

كبار أصحابه؛ كما أخرجا في الصحيحين من طريقه حديث قتال الخوارج، وقصة المخدج، وغير ذلك من فضائل علي. قال: وأما حديثُ أمير المؤمنين عليّ، فأخبرنا أبو العباس الفرغاني، أخبرنا أبو المُفَضَّل الشيباني، حَدَّثَنَا رجاء بن يحيى السَّاماني، حَدَّثَنَا هارون بن مسلم بن سعدان بسامرَّاء سنة أربعين ومئتين، حَدَّثَنَا عبد الله بن عمرو بن الأشعث عن داود بن الكُمَيت، عن عمّه المستهل بن زيد، عن أبيه ابن سلهب، عن جويرية بنت شهر، قالت: خرجتُ مع علي بن أبي طالب، فقال: يا جويرية! إن رسولَ الله ﷺ كان يُوحى إليه ورأسه في حِجري. فذكر الحديث. وهذا الإسناد مظلم، وأكثر رجاله لا يُعرفون، والذي يظهرُ واللّه أعلم أنه مركب مصنوع، مما عملته أيدي الروافضِ قبحهم الله، ولعن من كذب على رسول الله ﷺ ، وعجَّلَ له ما توعَّدَه الشارعُ من العذاب والنَّكَال، حيث قال وهو الصادق في المقال: "من كذب عليَّ معتمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (١). وكيف يدخلُ في عقل أحد من أهل العلم أن يكون هذا الحديث يَرويه علي بن أبي طالب، وفيه منقبة عظيمة له، ودلالة معجزة باهرة لرسول الله ﷺ ، ثم لا يُروى عنه إِلَّا بهذا الإسناد المظلم المركّب على رجال لا يُعرفون، وهل لهم وجود في الخارج أم لا؟ الظاهر - واللّه أعلم - لا. ثم هو عن امرأة مجهولة العين والحال، فأين أصحاب علي الثقات؛ كعبيد السلماني، وشريح القاضي، وعامر الشعبي، وأضرابهم. ثم في ترك الأئمة كمالك، وأصحاب الكتب الستة، وأصحاب المسانيد والسنن والصحاح والحسان؛ رواية هذا الحديث وإيداعه في كتبهم، أكبر دليل على أنه لا أصل له عندهم، أو هو مفتعل، مأفوك بعدهم. وهذا أبو عبد الرحمن النسائي، قد جمع كتابًا في "خصائص على بن أبي طالب". ولم يذكره، وكذلك لم يروه الحاكمُ في "مُستدركه" (٢)، وكلاهما يُنسب إلى شيء من التشيع، ولا رَواهُ من رواه من الناس المعتبرين إِلَّا على سبيل الاستغراب والتعجب، وكيف يقعُ مثلُ هذا نهارًا جهرة وهو مما تتوفر الدواعي على نقله، ثم لا يُروى إِلَّا من طرق ضعيفة منكرة، وأكثرها مركبة موضوعة. وأجودُ ما فيها ما قدَّمناه من طريق أحمد بن صالح المصري، عن ابن أبي فُديك، عن محمد بن موسى الفِطْري، عن عون بن محمد، عن أمّه أم جعفر، عن أسماءَ، على ما فيها من التعليل الذي أشرنا إليه فيما سلف. وقد اغترَّ بذلك أحمد بن صالح ﵀، ومال إلى صحته، ورجَّح ثبوتَه.

стр. 2838

قال الطحاوي في كتابه "مشكل الحديث": عن علي بن عبد الرحمن، عن أحمد بن صالح المصري؛ أنه كان يقول: لا ينبغي لمن كان سبجله العلم التخلّف عن حفظ حديث أسماء في ردّ الشمس؛ لأنه من علامات النبوة. وهكذا مال إليه أبو جعفر الطحاوي أيضًا فيما قيل. ونقل أبو القاسم الحسكاني هذا عن أبي عبد اللّه البصري المتكلم المعتزلي أنه قال: عَودُ الشمس بعد مغيبها آكدُ حالًا فيما يقتضي نقلُه؛ لأنه وإن كان فضيلة لأمير المؤمنين فإنه من أعلام النبوة، وهو مُقارِن لغيره في فضائله في كثير من أعلام النبوة. وحاصل هذا الكلام يقتضي أنه كان ينبغي أن يُنقل هذا نقلًا متواترًا، وهذا حقّ لو كان الحديث صحيحًا، ولكنه لم يُنقل كذلك فدلَّ على أنه ليس بصحيح في نفس الأمر، واللّه أعلم. قلت: والأئمة في كلّ عصر يُنكرون صحة هذا الحديث، ويردُّونه ويُبالغون في التشنيع على رُواته كما قدَّمنا عن غير واحد من الحفّاظ، كمحمد ويعلى بن عبيد الطنافِسيَّين، وكإبراهيم بن يَعقوب الجوزجاني خطيب دمشق، وكأبي بكر محمد بن حاتم البخاري، المعروف بابن زنجويه، وكالحافظ أبي القاسم بن عساكر، والشيخ أبي الفرج بن الجوزي، وغيرهم من المتقدمين والمتأخرين. وممن صرَّحَ بأنه موضوع شيخُنا الحافظ أبو الحجاج المِزّي، والعلَّامة أبو العباس بن تيمية، وقال الحاكم أبو عبد اللّه النيسابوري: قرأتُ على قاضي القضاة أبي الحسن محمد بن صالح الهاشمي: حَدَّثَنَا عبد اللّه بن الحسين بن موسى، حَدَّثَنَا عبد اللّه بن عليّ بن المديني قال: سمعتُ أبي يقول: خمسةُ أحاديث يروونها، ولا أصل لها عن رسول اللّه ﷺ ؛ حديث: لو صدقَ السائلُ ما أفلحَ من رَدَّه، وحديث: لا وجع إِلَّا وَجَعَ العين، ولا غمَّ إِلَّا غم الدين، وحديث: أن الشمس رُدّت على عليّ بن أبي طالب، وحديث: أنا أكرمُ على اللّه من أن يدعني تحت الأرض مئتي عام، وحديث: أفطرَ الحاجمُ والمحجوم؛ إنهما كانا يَغتابان. والطحاوي ﵀ وإن كان قد اشتَبه عليه أمرُه، فقد روى عن أبي حنيفة ﵀ إنكاره والتهكم بمن رواه، قال أبو العباس بن عُقدة: حَدَّثَنَا جعفر بن محمد بن عُمير، حَدَّثَنَا سليمان بن عبَّاد، سمعتُ بشّار بن دراع قال: لقي أبو حنيفة محمد بن النعمان، فقال: عمن رويتَ حديثَ ردّ الشمس؟ فقال: عن غير الذي رويتَ عنه: يا سارية الجبل. فهذا أبو حنيفة ﵀، وهو من الأئمة المعتبرين، وهو كوفيٌّ لا يُتَّهم على حبّ عليّ بن أبي طالب وتفضيله بما فضله اللّه به ورسولُه، وهو مع هذا يُنكر على راويه، وقول محمد بن النعمان له ليس بجواب بل مجرد معارضة بما لا يُجدي، أي: أنا رويتُ في فضل عليّ هذا الحديث، وهو وإن كان مستغربًا فهو في الغرابة نظيرُ ما رويتَه أنت في فضل عمر بن الخطاب في قوله: يا ساريةَ الجبل. وهذا

стр. 2839

ليس بصحيح من محمد بن النعمان، فإن هذا ليس إسنادًا ولا متنًا، وأين مكاشفة إمام قد شهد الشارع له بأنه مُحَدَّثٌ بأمرِ خيرٍ، من ردّ الشمس طالعة بعد مغيبها الذي هو أكبر علامات الساعة؛ والذي وقع ليوشع بن نون ليس ردًّا للشمس عليه، بل حُبِست ساعة قبل غروبها، بمعنى تباطأت في سيرها حتى أمكنهم الفتح، واللّه تعالى أعلم. وتقدم ما أورده هذا المصنف من طرق هذا الحديث: عن على، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأسماء بنت عميس، وقد وقع في كتاب أبي بشر الدولابي في "الذرية الطاهرة" (١) من حديث الحسين بن علي، والظاهر أنه عنه، عن أبي سعيد الخدري كما تقدم، واللّه أعلم. وقد قال شيخُ الرافضة جمال الدين يُوسف بن الحسن الملقب بابن المُطَهِّر الحِلِّي في كتابه "في الإمامة" الذي ردَّ عليه شيخنا العلامة أبو العباس ابن تيمية، قال ابن المُطهر: التاسع: رجوع الشمس مرتين: إحداهما في زمن النبي ﷺ ، والثانية بعده. أما الأولى، فروى جابر وأبو سعيد: أن رسول اللّه ﷺ نزلَ عليه جبريل يومًا يُناجيه من عند اللّه، فلما تغشَّاه الوحيُ توسَّد فخذَ أمير المؤمنين، فلم يرفع رأسَه حتى غابت الشمس، فصلَّى عليٌّ العصرَ بالإيماء، فلما استيقظَ رسولُ اللّه ﷺ قال له: سل اللّه أن يردَّ عليك الشمسَ فتُصلِّي قائمًا. فدعا فرُدَّتِ الشمسُ فصلّى العصر قائمًا. وأما الثانية فلما أراد أن يعبرَ الفرات ببابل، واشتغلَ كثيرٌ من الصحابة بدوائهم، وصلَّى لنفسه في طائفة من أصحابه العصرَ، وفاتَ كثيرًا منهم، فتكلّموا في ذلك، فسأل اللّه رَدَّ الشمسِ فرُدَّت. قال: وقد نظمه الحِميَريّ فقال: رُدَّت عَليهِ الشمسُ لَمَّا فَاتَهُ … وَقتُ الصَّلاةِ وقد دَنَت للمَغرِبِ حَتَّى تَبَلَّجَ نُورها في وَقتِها … لِلعَصرِ ثُمَّ هَوَت هَوِيَّ الكوكَبِ وَعليهِ قَد رُدَّت بِبابِلَ مَرَّةً … أخرى وَما رُدَّت لِخَلقِ المغرِبِ قال شيخُنا أبو العباس (ابن تيمية) ﵀ (٢): فضل عليّ وولايتُه وعلوّ منزلته عند اللّه معلوم وللّه الحمد بطرق ثابتة، أفادتنا العلم اليقيني، لا يُحتاج معها إلى ما لا يُعلم صدقُه أو يُعلم أنه كذب، وحديثُ ردّ الشمس قد ذكرَه طائفةٌ كأبي جعفر الطحاوي، والقاضي عياض، وغيرهما، وعدُّوا ذلك من معجزات رسول اللّه ﷺ ، لكن المحقّقون من أهل العلم والمعرفة بالحديث يَعلمون أن هذا الحديث كذبٌ موضوع، ثم أورَد طرقَه واحدة واحدةً كما قدّمنا، وناقش أبا القاسم الحسكاني فيما تقدم، وقد أوردنا كلَّ ذلك، وزدنا عليه ونقصنا منه، واللّه الموفق.

стр. 2840

واعتذرَ عن أحمد بن صالح المِصري في تصحيحه هذا الحديث بأنه اغترَّ بسنده، وعن الطحاوي بأنه لم يكن عندَه نقلٌ جيّد للأسانيد كجهابذة الحفاظ، وقال في عيون كلامه: والذي يقطع به أنه كذب مفتعل. قلت: وإيراد ابن المطهر لهذا الحديث من طريق جابر غريب، ولكن لم يُسنده، وفي سياقه ما يقتضي أن عليًا هو الذي دعا بردِّ الشمس في الأولى والثانية، وأما إيرادُه لقصة بابل فليس لها إسناد وأظنه - واللّه أعلم - من وضع الزنادقة من الشيعة ونحوهم، فإن رسول اللّه ﷺ وأصحابه يومَ الخندق قد غربت عليهم الشمس ولم يكونوا صلّوا العصرَ بل قاموا إلى بُطحان - وهو واد هناك - فتوضؤوا وصلّوا العصر بعدما غربت الشمس، وكان عليّ أيضًا فيهم ولم تُرَدّ لهم، وكذلك كثيرٌ من الصحابة الذين ساروا إلى بني قريظة فاتتهم العصرُ يومئذ حتى غربت الشمسُ ولم ترد لهم، وكذلك لمَّا نامَ رسولُ اللّه ﷺ وأصحابُه عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس، صلّوها بعد ارتفاع النهار ولم يُرَدّ لهم الليل؛ فما كان الله ليعطي عليًّا وأصحابَه شيئًا من الفضائل لم يعظها رسولَ اللّه ﷺ وأصحابه. وأما نظم الحِميَري فليس [فيه] حُجّة، بل هو كهذيان ابن المُطَهّر، هذا لا يَعلم ما يقول من النثر وهذا لا يدري صحة ما ينظم، بل كلاهما كما قال الشاعر: إن كُنتُ أدري فَعَليَّ بَدَنَه … مِن كَثرَةِ التخلِيطِ أنّي من أنه والمشهور عن عليّ في أرض بابلَ، ما رواه أبو داود ﵀ في "سننه" عن عليّ، أنه مرَّ بأرض بابلَ وقد حانت صلاة العصر، فلم يُصل حتى جاوزَها، وقال: نهاني خليلي ﷺ أن أُصلِّي بأرضِ بابلَ فإنّها ملعونه (١). وقد قال أبو محمد بن حزم في كتابه "الملل والنحل" مُبطلًا لردّ الشمس على عليّ بعد كلام ذكره رادًّا على من ادَّعى باطلًا من الأمر، فقال: ولا فرق بين من ادعى شيئًا مما ذكرنا لفاضلٍ، وبين دعوى الرافضة ردّ الشمس على عليّ بن أبي طالب مرتين، حتى ادعى بعضُهم أن حبيب بن أوس قال: فَرُدَّت عَلَينَا الشمسُ والليلُ راغِمٌ … بِشَمسٍ لَهُم مِن جانِبِ الخِدرِ تَطلَعُ نضَا ضَوءُها صِبغَ الدِّجنةِ وانطَوى … لِبهجَتِها نُور السَّماءِ المُرَجَّعُ فَواللّه ما أدري أأحلَامُ نَائمٍ … ألَمَّت (٢) بنا أم كَانَ في القومِ يُوشَعُ
следующие страницы →