← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

سعيد بن منصور، وأبو داود وأبو الوليد الطيالسيان، قال: تركه عبد اللّه بن المبارك، وقال: لا تحدِّثوا عنه فإنه كان يسبُّ السلفَ. ولما مرَّت به جنازته توارى عنها. وكذلك تركه عبد الرحمن بن مهدي، وقال ابنُ معين والنسائي: ليس بثقة، ولا مأمون، ولا يكتب حديثه. وقال مرة أخرى هو وأبو زرعة وأبو حاتم: كان ضعيفًا. زاد أبو حاتم: وكان رديء الرأي شديدَ التشيّع، لا يُكتب حديثه. وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم. وقال أبو داود: كان مِن شرار الناس، كان رافضيًا خبيثًا رجلَ سُوء، قال هنا: ولما مات لم أصلِّ عليه؛ لأنه قال لما مات رسول اللّه ﷺ كفر الناس إِلَّا خمسة. وجعلَ أبو داود يذمّه. وقال ابن حِبّان: يَروي الموضوعات عن الأثبات. وقال ابن عدي: والضعف على حديثه بيّن، وأرَّخُوا وفاتَه في سنة سبع وعشرين ومئة، ولهذا قال شيخنا أبو العباس ابن تيمية: وكان عبد اللّه بن حسن وأبوه أجلَّ قدرًا من أن يُحدِّثا بهذا الحديث. قال هذا المُصَنِّف لا المنصف: وأما حديث أبي هريرة؛ فأخبرنا عقيل بن الحسن العسكري، أخبرنا أبو محمد صالح بن الفتح النسائي، حَدَّثَنَا أحمد بن عمير بن جوصاء، حَدَّثَنَا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حَدَّثَنَا يحيى بن زيد بن عبد الملك النوفلي، عن أبيه، حَدَّثَنَا داود بن فراهيج، عن عمارة بن برود، عن أبي هريرة فذكره. وقال: اختصرته من حديث طويل. وهذا إسناد مظلم، ويحيى بن يزيد وأبوه وشيخه داود بن فراهيج كلُّهم مُضعّفون، وهذا هو الذي أشار ابن الجوزي إلى أن ابن مردويه رواه من طريق داود بن فراهيج عن أبي هريرة، وضعَّف داود هذا شعبة والنسائي وغيرهما. والذي يظهر أن هذا مفتعل من بعض الرواة، أو قد دخل على أحدهم وهو لا يشعر، واللّه أعلم. قال: وأما حديث أبي سعيد، فأخبرنا محمد بن إسماعيل الجرجاني في كتابه؛ أن أبا طاهر محمد بن علي الواعظ أخبرهم: أخبرنا محمد بن أحمد بن متيم، أخبرنا القاسم بن جعفر بن محمد بن عبد اللّه بن عمر بن علي بن أبي طالب: حدثني أبي، عن أبيه محمد، عن أبيه عبد اللّه، عن أبيه عمر قال: قال الحسين بن عليّ: سمعتُ أبا سعيد الخدري يقول: دخلتُ على رسول اللّه ﷺ فإذا رأسُه في حجر عليّ وقد غابت الشمس، فانتبه النَّبِيّ ﷺ وقال: "يا عليّ! أصلّيتَ العصر؟ "قال: لا، يا رسول اللّه ما صلَّيت، كرهتُ أن أضعَ رأسَك من حِجري وأنت وَجِع. فقال رسول اللّه ﷺ : "يا عليّ، ادعُ يا عليّ أن تُرَدَّ عليك الشمسُ"، فقال عليٌّ: يا رسول اللّه، ادعُ أنت وأنا أُؤمن، فقال: "يا ربّ إنَّ عليًا في طاعتِك وطاعةِ نبيّك فاردد عليه الشمس". قال أبو سعيد: فواللّه لقد سمعتُ للشمس صريرًا كصرير البَكَرَة، حتى رجعت بيضاءَ نقيّة. وهذا إسناد مظلم أيضًا، ومتنه منكرٌ مخالف لما تقدّمه من السياقات، وكل هذا يدل على أنه موضوع مصنوع مفتعل، يسرقُه هؤلاء الرافضة بعضُهم من بعض، ولو كان له أصل من رواية أبي سعيد لتلقاه عنه

стр. 2837

كبار أصحابه؛ كما أخرجا في الصحيحين من طريقه حديث قتال الخوارج، وقصة المخدج، وغير ذلك من فضائل علي. قال: وأما حديثُ أمير المؤمنين عليّ، فأخبرنا أبو العباس الفرغاني، أخبرنا أبو المُفَضَّل الشيباني، حَدَّثَنَا رجاء بن يحيى السَّاماني، حَدَّثَنَا هارون بن مسلم بن سعدان بسامرَّاء سنة أربعين ومئتين، حَدَّثَنَا عبد الله بن عمرو بن الأشعث عن داود بن الكُمَيت، عن عمّه المستهل بن زيد، عن أبيه ابن سلهب، عن جويرية بنت شهر، قالت: خرجتُ مع علي بن أبي طالب، فقال: يا جويرية! إن رسولَ الله ﷺ كان يُوحى إليه ورأسه في حِجري. فذكر الحديث. وهذا الإسناد مظلم، وأكثر رجاله لا يُعرفون، والذي يظهرُ واللّه أعلم أنه مركب مصنوع، مما عملته أيدي الروافضِ قبحهم الله، ولعن من كذب على رسول الله ﷺ ، وعجَّلَ له ما توعَّدَه الشارعُ من العذاب والنَّكَال، حيث قال وهو الصادق في المقال: "من كذب عليَّ معتمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (١). وكيف يدخلُ في عقل أحد من أهل العلم أن يكون هذا الحديث يَرويه علي بن أبي طالب، وفيه منقبة عظيمة له، ودلالة معجزة باهرة لرسول الله ﷺ ، ثم لا يُروى عنه إِلَّا بهذا الإسناد المظلم المركّب على رجال لا يُعرفون، وهل لهم وجود في الخارج أم لا؟ الظاهر - واللّه أعلم - لا. ثم هو عن امرأة مجهولة العين والحال، فأين أصحاب علي الثقات؛ كعبيد السلماني، وشريح القاضي، وعامر الشعبي، وأضرابهم. ثم في ترك الأئمة كمالك، وأصحاب الكتب الستة، وأصحاب المسانيد والسنن والصحاح والحسان؛ رواية هذا الحديث وإيداعه في كتبهم، أكبر دليل على أنه لا أصل له عندهم، أو هو مفتعل، مأفوك بعدهم. وهذا أبو عبد الرحمن النسائي، قد جمع كتابًا في "خصائص على بن أبي طالب". ولم يذكره، وكذلك لم يروه الحاكمُ في "مُستدركه" (٢)، وكلاهما يُنسب إلى شيء من التشيع، ولا رَواهُ من رواه من الناس المعتبرين إِلَّا على سبيل الاستغراب والتعجب، وكيف يقعُ مثلُ هذا نهارًا جهرة وهو مما تتوفر الدواعي على نقله، ثم لا يُروى إِلَّا من طرق ضعيفة منكرة، وأكثرها مركبة موضوعة. وأجودُ ما فيها ما قدَّمناه من طريق أحمد بن صالح المصري، عن ابن أبي فُديك، عن محمد بن موسى الفِطْري، عن عون بن محمد، عن أمّه أم جعفر، عن أسماءَ، على ما فيها من التعليل الذي أشرنا إليه فيما سلف. وقد اغترَّ بذلك أحمد بن صالح ﵀، ومال إلى صحته، ورجَّح ثبوتَه.

стр. 2838

قال الطحاوي في كتابه "مشكل الحديث": عن علي بن عبد الرحمن، عن أحمد بن صالح المصري؛ أنه كان يقول: لا ينبغي لمن كان سبجله العلم التخلّف عن حفظ حديث أسماء في ردّ الشمس؛ لأنه من علامات النبوة. وهكذا مال إليه أبو جعفر الطحاوي أيضًا فيما قيل. ونقل أبو القاسم الحسكاني هذا عن أبي عبد اللّه البصري المتكلم المعتزلي أنه قال: عَودُ الشمس بعد مغيبها آكدُ حالًا فيما يقتضي نقلُه؛ لأنه وإن كان فضيلة لأمير المؤمنين فإنه من أعلام النبوة، وهو مُقارِن لغيره في فضائله في كثير من أعلام النبوة. وحاصل هذا الكلام يقتضي أنه كان ينبغي أن يُنقل هذا نقلًا متواترًا، وهذا حقّ لو كان الحديث صحيحًا، ولكنه لم يُنقل كذلك فدلَّ على أنه ليس بصحيح في نفس الأمر، واللّه أعلم. قلت: والأئمة في كلّ عصر يُنكرون صحة هذا الحديث، ويردُّونه ويُبالغون في التشنيع على رُواته كما قدَّمنا عن غير واحد من الحفّاظ، كمحمد ويعلى بن عبيد الطنافِسيَّين، وكإبراهيم بن يَعقوب الجوزجاني خطيب دمشق، وكأبي بكر محمد بن حاتم البخاري، المعروف بابن زنجويه، وكالحافظ أبي القاسم بن عساكر، والشيخ أبي الفرج بن الجوزي، وغيرهم من المتقدمين والمتأخرين. وممن صرَّحَ بأنه موضوع شيخُنا الحافظ أبو الحجاج المِزّي، والعلَّامة أبو العباس بن تيمية، وقال الحاكم أبو عبد اللّه النيسابوري: قرأتُ على قاضي القضاة أبي الحسن محمد بن صالح الهاشمي: حَدَّثَنَا عبد اللّه بن الحسين بن موسى، حَدَّثَنَا عبد اللّه بن عليّ بن المديني قال: سمعتُ أبي يقول: خمسةُ أحاديث يروونها، ولا أصل لها عن رسول اللّه ﷺ ؛ حديث: لو صدقَ السائلُ ما أفلحَ من رَدَّه، وحديث: لا وجع إِلَّا وَجَعَ العين، ولا غمَّ إِلَّا غم الدين، وحديث: أن الشمس رُدّت على عليّ بن أبي طالب، وحديث: أنا أكرمُ على اللّه من أن يدعني تحت الأرض مئتي عام، وحديث: أفطرَ الحاجمُ والمحجوم؛ إنهما كانا يَغتابان. والطحاوي ﵀ وإن كان قد اشتَبه عليه أمرُه، فقد روى عن أبي حنيفة ﵀ إنكاره والتهكم بمن رواه، قال أبو العباس بن عُقدة: حَدَّثَنَا جعفر بن محمد بن عُمير، حَدَّثَنَا سليمان بن عبَّاد، سمعتُ بشّار بن دراع قال: لقي أبو حنيفة محمد بن النعمان، فقال: عمن رويتَ حديثَ ردّ الشمس؟ فقال: عن غير الذي رويتَ عنه: يا سارية الجبل. فهذا أبو حنيفة ﵀، وهو من الأئمة المعتبرين، وهو كوفيٌّ لا يُتَّهم على حبّ عليّ بن أبي طالب وتفضيله بما فضله اللّه به ورسولُه، وهو مع هذا يُنكر على راويه، وقول محمد بن النعمان له ليس بجواب بل مجرد معارضة بما لا يُجدي، أي: أنا رويتُ في فضل عليّ هذا الحديث، وهو وإن كان مستغربًا فهو في الغرابة نظيرُ ما رويتَه أنت في فضل عمر بن الخطاب في قوله: يا ساريةَ الجبل. وهذا

стр. 2839

ليس بصحيح من محمد بن النعمان، فإن هذا ليس إسنادًا ولا متنًا، وأين مكاشفة إمام قد شهد الشارع له بأنه مُحَدَّثٌ بأمرِ خيرٍ، من ردّ الشمس طالعة بعد مغيبها الذي هو أكبر علامات الساعة؛ والذي وقع ليوشع بن نون ليس ردًّا للشمس عليه، بل حُبِست ساعة قبل غروبها، بمعنى تباطأت في سيرها حتى أمكنهم الفتح، واللّه تعالى أعلم. وتقدم ما أورده هذا المصنف من طرق هذا الحديث: عن على، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأسماء بنت عميس، وقد وقع في كتاب أبي بشر الدولابي في "الذرية الطاهرة" (١) من حديث الحسين بن علي، والظاهر أنه عنه، عن أبي سعيد الخدري كما تقدم، واللّه أعلم. وقد قال شيخُ الرافضة جمال الدين يُوسف بن الحسن الملقب بابن المُطَهِّر الحِلِّي في كتابه "في الإمامة" الذي ردَّ عليه شيخنا العلامة أبو العباس ابن تيمية، قال ابن المُطهر: التاسع: رجوع الشمس مرتين: إحداهما في زمن النبي ﷺ ، والثانية بعده. أما الأولى، فروى جابر وأبو سعيد: أن رسول اللّه ﷺ نزلَ عليه جبريل يومًا يُناجيه من عند اللّه، فلما تغشَّاه الوحيُ توسَّد فخذَ أمير المؤمنين، فلم يرفع رأسَه حتى غابت الشمس، فصلَّى عليٌّ العصرَ بالإيماء، فلما استيقظَ رسولُ اللّه ﷺ قال له: سل اللّه أن يردَّ عليك الشمسَ فتُصلِّي قائمًا. فدعا فرُدَّتِ الشمسُ فصلّى العصر قائمًا. وأما الثانية فلما أراد أن يعبرَ الفرات ببابل، واشتغلَ كثيرٌ من الصحابة بدوائهم، وصلَّى لنفسه في طائفة من أصحابه العصرَ، وفاتَ كثيرًا منهم، فتكلّموا في ذلك، فسأل اللّه رَدَّ الشمسِ فرُدَّت. قال: وقد نظمه الحِميَريّ فقال: رُدَّت عَليهِ الشمسُ لَمَّا فَاتَهُ … وَقتُ الصَّلاةِ وقد دَنَت للمَغرِبِ حَتَّى تَبَلَّجَ نُورها في وَقتِها … لِلعَصرِ ثُمَّ هَوَت هَوِيَّ الكوكَبِ وَعليهِ قَد رُدَّت بِبابِلَ مَرَّةً … أخرى وَما رُدَّت لِخَلقِ المغرِبِ قال شيخُنا أبو العباس (ابن تيمية) ﵀ (٢): فضل عليّ وولايتُه وعلوّ منزلته عند اللّه معلوم وللّه الحمد بطرق ثابتة، أفادتنا العلم اليقيني، لا يُحتاج معها إلى ما لا يُعلم صدقُه أو يُعلم أنه كذب، وحديثُ ردّ الشمس قد ذكرَه طائفةٌ كأبي جعفر الطحاوي، والقاضي عياض، وغيرهما، وعدُّوا ذلك من معجزات رسول اللّه ﷺ ، لكن المحقّقون من أهل العلم والمعرفة بالحديث يَعلمون أن هذا الحديث كذبٌ موضوع، ثم أورَد طرقَه واحدة واحدةً كما قدّمنا، وناقش أبا القاسم الحسكاني فيما تقدم، وقد أوردنا كلَّ ذلك، وزدنا عليه ونقصنا منه، واللّه الموفق.

стр. 2840

واعتذرَ عن أحمد بن صالح المِصري في تصحيحه هذا الحديث بأنه اغترَّ بسنده، وعن الطحاوي بأنه لم يكن عندَه نقلٌ جيّد للأسانيد كجهابذة الحفاظ، وقال في عيون كلامه: والذي يقطع به أنه كذب مفتعل. قلت: وإيراد ابن المطهر لهذا الحديث من طريق جابر غريب، ولكن لم يُسنده، وفي سياقه ما يقتضي أن عليًا هو الذي دعا بردِّ الشمس في الأولى والثانية، وأما إيرادُه لقصة بابل فليس لها إسناد وأظنه - واللّه أعلم - من وضع الزنادقة من الشيعة ونحوهم، فإن رسول اللّه ﷺ وأصحابه يومَ الخندق قد غربت عليهم الشمس ولم يكونوا صلّوا العصرَ بل قاموا إلى بُطحان - وهو واد هناك - فتوضؤوا وصلّوا العصر بعدما غربت الشمس، وكان عليّ أيضًا فيهم ولم تُرَدّ لهم، وكذلك كثيرٌ من الصحابة الذين ساروا إلى بني قريظة فاتتهم العصرُ يومئذ حتى غربت الشمسُ ولم ترد لهم، وكذلك لمَّا نامَ رسولُ اللّه ﷺ وأصحابُه عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس، صلّوها بعد ارتفاع النهار ولم يُرَدّ لهم الليل؛ فما كان الله ليعطي عليًّا وأصحابَه شيئًا من الفضائل لم يعظها رسولَ اللّه ﷺ وأصحابه. وأما نظم الحِميَري فليس [فيه] حُجّة، بل هو كهذيان ابن المُطَهّر، هذا لا يَعلم ما يقول من النثر وهذا لا يدري صحة ما ينظم، بل كلاهما كما قال الشاعر: إن كُنتُ أدري فَعَليَّ بَدَنَه … مِن كَثرَةِ التخلِيطِ أنّي من أنه والمشهور عن عليّ في أرض بابلَ، ما رواه أبو داود ﵀ في "سننه" عن عليّ، أنه مرَّ بأرض بابلَ وقد حانت صلاة العصر، فلم يُصل حتى جاوزَها، وقال: نهاني خليلي ﷺ أن أُصلِّي بأرضِ بابلَ فإنّها ملعونه (١). وقد قال أبو محمد بن حزم في كتابه "الملل والنحل" مُبطلًا لردّ الشمس على عليّ بعد كلام ذكره رادًّا على من ادَّعى باطلًا من الأمر، فقال: ولا فرق بين من ادعى شيئًا مما ذكرنا لفاضلٍ، وبين دعوى الرافضة ردّ الشمس على عليّ بن أبي طالب مرتين، حتى ادعى بعضُهم أن حبيب بن أوس قال: فَرُدَّت عَلَينَا الشمسُ والليلُ راغِمٌ … بِشَمسٍ لَهُم مِن جانِبِ الخِدرِ تَطلَعُ نضَا ضَوءُها صِبغَ الدِّجنةِ وانطَوى … لِبهجَتِها نُور السَّماءِ المُرَجَّعُ فَواللّه ما أدري أأحلَامُ نَائمٍ … ألَمَّت (٢) بنا أم كَانَ في القومِ يُوشَعُ

стр. 2841

هكذا أوردَه ابنُ حزم في كتابه (١)، وهذا الشِّعرُ تظهر عليه الركة والتركيب، وأنه مصنوع، واللّه أعلم. * * * استسقاء الرسول ﷺ - ومما يتعلّق بالآيات السماوية في باب دلائل النبوة، استسقاؤه ﵊ ربَّه لأمته حين تأخر المطر، فأجابه إلى سؤاله سريعًا، بحيث لم ينزل عن مِنبره إِلَّا والمطرُ يتحادرُ على لحيته ﵊، وكذلك استصحاؤه. قال البخاري: حَدَّثَنَا عمرو بن عليّ، حَدَّثَنَا أبو قُتيبة، حَدَّثَنَا عبدُ الرحمن بن عبد اللّه بن دينار، عن أبيه، قال: سمعتُ ابنَ عمر يَتمثَّلُ بشعر أبي طالب: وَأبيضَ يُستَسقى الغَمامُ بِوَجهِهِ … ثِمَالُ (٢) اليتامَى عِصمةٌ لِلأرامِلِ (٣) قال البخاري (٤): وقال عُمر بن حمزة: حَدَّثَنَا سالم، عن أبيه. ربما ذكرتُ قولَ الشاعر وأنا أنظر إلى وجه رسول اللّه ﷺ يَستسقي، فما ينزلُ حتى يَجيشَ كلُّ ميزاب. وَأَبيضَ يُستسقَى الغَمامُ بِوَجهِهِ … ثِمَالُ اليتامَى عِصمَةٌ لِلأرامِل وهو قول أبي طالب. تفرد به البخاري. وهذا الذي علَّقه (٥)، قد أسنده ابن ماجة (٦) في "سننه"، فرواه عن أحمد بن الأزهر، عن أبي النضر، عن أبي عقيل، عن عمر بن حمزة عن سالم عن أبيه. وقال البخاري: حَدَّثَنَا محمد - هو ابن سَلام - حَدَّثَنَا أبو ضمرة، حَدَّثَنَا شَريك بن عبد اللّه بن أبي نمر؛ أنه سمع أنس بن مالك يذكُر أن رجلًا دخلَ المسجدَ يومَ جمعةٍ من باب كان وِجاهَ المِنبر،

стр. 2842

ورسولُ اللّه ﷺ قائمٌ يخطب، فاستقبلَ رسولَ اللّه ﷺ قائمًا، فقال: يا رسولَ اللّه هلكتِ الأموال، وتقطَّعتِ السُّبل، فادعُ اللّه لنا يُغيثنا، قال: فرفعَ رسولُ اللّه ﷺ يديه فقال: "اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا" قال أنس: ولا واللّه ما نرى في السماء من سحاب ولا قَزَعة ولا شيئًا، وما بيننا وبين سَلع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، قال: واللّه ما رأينا الشَّمسَ سِتًا، ثم دخلَ رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسولُ اللّه ﷺ قائم يخطب، فاستقبله قائمًا، وقال: يا رسولَ اللّه هلكت الأموال وانقطعت السُّبل، ادعُ اللّه يُمسكها، قال: فرفعَ رسول اللّه ﷺ يديه ثم قال: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكَام والجبال والظِّرَاب ومنابت الشجر" قال: فأقلعت، وخرجنا نمشي في الشمس. قال شريك: فسألتُ أنسًا أهو الرجل الذي سأل أولًا؛ قال: لا أدري (١). وهكذا رواه البخاريُّ أيضًا ومسلم (٢)، من حديث إسماعيل بن جعفر، عن شريك به. وقال البخاري: حَدَّثَنَا مُسدَّدٌ، حَدَّثَنَا أبو عَوانة، عن قَتادةَ، عن أنس قال: بينما رسولُ اللّه ﷺ يخطبُ يومَ جمعة إذ جاء رجل فقال: يا رسول اللّه قَحَط المطرُ، فادعُ اللّه أن يسقينا، فدعا فمُطرنا، فما كدنا أن نصلَ إلى منازلنا، فما زلنا نُمطر إلى الجمعة المقبلة، قال: فقام ذلك الرجل - أو غيرُه - فقال: يا رسولَ اللّه ادعُ اللّه أن يصرفَه عنا، فقال رسول اللّه ﷺ : "اللهم حَوالَينا ولا علينا" قال: فلقد رأيتُ السحابَ يتقطَّع يمينًا وشِمالًا، يُمطرون ولا تُمطر (٣) المدينة (٤). تفرد به البخاري من هذا الوجه. وقال البخاري: حَدَّثَنَا عبدُ اللّه بن مسلمة، عن مالك، عن شَريك بن عبد اللّه بن أبي نَمِر، عن أنس، قال: جاء رجل إلى رسول اللّه ﷺ فقال: هلكتِ المواشي وتقطَّعت السُّبل، فادعُ اللّه، فدعا، فمُطرنا من لجمعة إلى الجمعة، ثم جاء فقال: تَهدَّمت البيوتُ وتقطَّعت السبل وهلكت المواشي (فادعُ اللّه أن يُمسكَها) (٥) فقال: "اللهم، على الآكام والظِّراب والأودية ومنابت الشجر"، فانجابت عن المدينة انجيابَ الثوب (٦). وقال البخاري: حَدَّثَنَا محمد بن مُقاتل، حَدَّثَنَا عبد اللّه، حَدَّثَنَا الأوزاعي، حَدَّثَنَا إسحاق بن

стр. 2843

عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري، حدَّثني أنس بن مالك قال: أصابتِ النَّاسَ سَنةٌ على عهد رسول اللّه ﷺ ، فبينا رسولُ اللّه ﷺ يخطُب على المنبر يوم الجمعة، فقام أعرابيٌّ فقال: يا رسولَ اللّه هلك المال، وجاعَ العيال، فادعُ الله أن يسقينَا، قال: فرفعَ رسول الله ﷺ يديه وما في السماء قَزَعة، فوالذي نفسي بيده ما وضعَها حتى ثارَ سحابٌ أمثالُ الجبال، ثم لم ينزل عن مِنبره حتى رأيتُ المطرَ يتحادرُ على لحيته قال: فمُطرنا يومنا ذلك ومن الغد ومن بعد الغد، والذي يليه إلى الجمعة الأخرى، فقام ذلك الأعرابي - أو غيره - فقال: يا رسول اللّه تهدَّم البناء، وغَرِق المالُ، فادعُ اللّه لنا، فرفعَ رسولُ اللّه ﷺ يديه فقال: "اللهم حَوالَينا ولا علينا" قال: فما جعلَ رسولُ اللّه ﷺ يُشير بيده إلى ناحية من السماء إِلَّا انفرجت، حتى صارت المدينة في مثل الجَوبَة، وسأل الوادي - وادي قناة - شهرًا، ولم يجئ أحدٌ من ناحية إِلَّا حدَّثَ بالجود (١). ورواه البخاري أيضًا في الجمعة، ومسلم (٢) من حديث الوليد، عن الأوزاعي. وقال البخاري: وقال أيوب بنُ سليمان: حدَّثني أبو بكر بن أبي أُوَيس، عن سُليمان بن بلال، قال: قال يَحيى بن سعيد: سمعت أنس بن مالك، قال: أتى (رجلٌ) أعرابيٌّ من أهل البدو إلى رسول الله ﷺ يوم الجمعة، فقال: يا رسولَ اللّه هلكتِ الماشيةُ، هلكَ العيال، هلك الناس، فرفع رسولُ الله ﷺ يديه يدعو، ورفع الناس أيديهم مع رسول اللّه ﷺ يدعون، قال: فما خرجنا من المسجد حتى مُطرنا، فما زلنا نُمطر حتى كانت الجمعة الأخرى، فأتى الرجلُ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول اللّه بَشِقَ المسافرُ ومُنع الطريق (٣). قال البخاري: وقال الأوَيسي -يعني عبد اللّه-: حدَّثني محمد بن جعفر -هو ابن كثير- عن يحيى بن سعيد وشَريك، سمعا أنسًا، عن النَّبِيِّ ﷺ رفعَ يديه حتى رأيتُ بياضَ إبطيه (٤). هكذا علَّق هذين الحديثين، ولم يسندهما أحد من أصحاب الكتب الستة بالكلية. وقال البخاري: حَدَّثَنَا محمد بن أبي بكر قال: حَدَّثَنَا معتمر، عن عُبيد الله، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: كان النبيُّ ﷺ يَخطب يومَ جُمعة، فقام الناس فصاحوا، فقالوا: يا رسول اللّه قَحَطَ

стр. 2844

المَطر، واحمرَّت الشجر، وهلكت البهائمُ، فادعُ اللّه أن يسقيَنا، فقال: "اللهم اسقنا" مرتين، وايمُ اللّه ما نرى في السماء قزعة من سحاب، فنشأت سحابة وأمطرت، ونزل عن المنبر فصلَّى، فلما انصرف لم تزل تمطر إلى الجمعة التي تليها، فلما قام النبيُّ ﷺ يَخطب صاحوا إليه: تهدمت البيوت، وانقطعت السبل، فادعُ اللّه يحبسَها عنا، قال: فتبسَّم رسولُ اللّه ﷺ ثم قال: "اللهم حوالَينا ولا علينا، فتكشَّفت (١) المدينة، فجعلت تُمطر حولَها ولا تُمطر بالمدينة قطرةً، فنظرتُ إلى المدينة وإنها لفي مثل الإكليل (٢). وقد رواه مسلم (٣) من حديث معتمر بن سليمان، عن عبيد اللّه -وهو ابن عمر العمري- به. وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا ابن أبي عدي، عن حُميد، قال: سُئل أنس: هل كان رسولُ اللّه ﷺ يَرفع يديه؛ فقال: قيل له يوم جمعة: يا رسول اللّه! قَحَطَ المطرُ، وأجدبتِ الأرضُ، وهلَك المالُ، قال: فرفع يديه حتى رأيتُ بياضَ إبطيه، فاستسقى، ولقد رفعَ يديه فاستسقى، ولقد رفعَ يديه وما نرى في السماء سحابةً، فما قضينا الصَّلاةَ حتى إن الشَّابَّ قريب الدَّار (٤) ليهمّه الرجوعُ إلى أهله، قال: فلما كانت الجمعة التي تليها قالوا: يا رسولَ اللّه! تهدَّمتِ البيوتُ واحتبست الرُّكبان، فتبسَّم رسولُ اللّه ﷺ من سرعة مَلالة ابن آدم، وقال: "اللهم حوالَينا ولا علينا"، قال: فتكشَّطَت عن المدينة. وهذا إسناد ثلاثي على شرط الشيخين، ولم يخرجوه (٥). وقال البخاريُّ وأبو داود واللفظ له: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حمَّاد بن زيد، عن عبد العزيز بن صُهَيب، عن أنس بن مالك، وعن يونس بن عُبيد، عن ثابت، عن أنس ﵁، قال: أصابَ أهلَ المدينة قَحطٌ على عهد رسول اللّه ﷺ ، فبينا هو يخطب يوم جمعة؛ إذ قام رجل فقال: يا رسول اللّه! هلكت الكُراع، هلكت الشاء، فادعُ اللّه يسقينا، فمدَّ يدَه ودعا. قال أنس: وإن السماء لمثل الزجاجة، فهاجت الريح فأنشأت سحابًا، ثم اجتمع، ثم أرسلت السماء عَزاليها فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا، فلم تزل تُمطر إلى الجمعة الأخرى، فقام إليه ذلك الرجل -أو غيره- فقال: يا رسول اللّه! تهدَّمت البيوتُ فادعُ اللّه يحبسه. فتبسَّم رسول اللّه ﷺ ثم قال: "حوالينا ولا علينا" فنظرت إلى السحاب يتصدَّع حول المدينة كأنه إكليل (٦).

стр. 2845

فهذه طرق متواترة عن أنس بن مالك؛ لأنها تُفيد القطعَ عند أئمة هذا الشأن. وقال البيهقيُّ بإسناده من غير وجه إلى أبي مَعمَر سعيد بن خثيم الهِلَالي، عن مسلم الملائي، عن أنس بن مالك قال: جاء أعرابي فقال: يا رسولَ اللّه! واللّه لقد أتيناكَ، وما لنا بعير يَئِطُّ (١)، ولا صبيٌّ يَصطبح، وأنشد: أَتَيناكَ والعَذراءُ يَدمِي لُبانُها (٢) … وَقَد شُغِلَت أُمُّ الصَّبيِّ عَنِ الطفلِ وَألقى بِكَفّيهِ الفَتَى لاستِكانَةٍ … مِنَ الجوعِ ضعفًا قائم (٣) وهو لا يُخلي وَلَا شيءَ مِمَّا يَأكُلُ النَّاسُ عِندنا … سوى الحَنظَلِ العَامِيِّ والعِلهِزِ الفَسْلِ (٤) وَلَيسَ لنا إلَّا إليكَ فِرارُنا .... وَأَينَ فِرَارُ النَّاس إِلَّا إلى الرُّسل قال: فقام رسول اللّه ﷺ وهو يجرُّ رداءَه حتى صَعِد المنبرَ فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم رفعَ يديه نحوَ السماء وقال: "اللهم اسقنا غيثًا مُغيثًا مَريئًا مَريعًا سريعًا غَدَقًا طَبَقًا، عاجلًا غير رائثٍ، نافعًا غير ضار، تملأ به الضرع، وتُنبت به الزرع، وتحيي به الأرض بعد موتها، وكذلك تخرجون". قال: فواللّه ما ردَّ يدَه إلى نحره حتى ألقت السماءُ بأوراقها، وجاء أهلُ البطانة يَصيحون: يا رسولَ الله الغرقَ الغرقَ، فرفع يديه إلى السماء وقال: "اللهم حوالينا ولا علينا" فانجابَ السَّحابُ عن المدينة حتى أحدق بها كالإكليل فضحك رسول اللّه ﷺ حتى بدت نواجذه ثم قال: "للّه درّ أبي طالب لو كان حيًّا قرَّت عيناه، مَن يُنشد قولَه؟ " فقام عليُّ بن أبي طالب فقال: يا رسول اللّه كأنك أردتَ قوله: وأبيضَ يُستَسقَى الغَمامُ بوجهِهِ … ثِمَالُ اليَتَامى عصمَةٌ للأرامِلِ يَلوذُ به الهُلَّاكُ مِن آل هاشمٍ … فَهُم عِندَهُ في نِعمَةٍ وَفَواضِلِ كَذبتمْ وبَيتِ اللّه يُبزَى مُحَمَّدٌ … ولَما نُقاتِل دُونَهُ ونُنَاضِل وَنسلِمُهُ حتَّى نُصرَّعَ حَولَهُ … وَنَذهَل عن أبنائِنا وَالحلائِلِ قال: وقام رجل من بني كِنانة فقال:

стр. 2846

لَكَ الحمدُ والحمدُ مِمَّن شَكَر … سُقينا بوَجهِ النَّبِيّ المَطَرْ دَعا اللّه خَالِقَهُ دَعوةً … إليهِ وأشخصَ مِنهُ البصَر فَلَم يَكُ إِلَّا كلفِّ الرِّدَاءِ … وأَسرَعَ حتى رَأينا الدِّرَرَ (١) دِفَاقُ العَزالَى (٢) عَمَّ البِقَاعَ … أغاثَ بِهِ اللّه عَينًا مُضر وكانَ كما قَالَهُ عَمُّهُ … أبو طالبٍ أبيضٌ ذو غُرَر بهِ اللّه يَسقي بِصَوبِ الغَمامِ … وهذا العيان كذَاك الخبر فَمَن يَشكُرِ اللّه يَلقى المزيدَ … ومَن يكفر اللّه يَلقى الغِيَر قال: فقال رسول اللّه ﷺ : "إن يكُ شاعر يُحسنُ فقد أحسنتَ" (٣). وهذا السياق فيه غرابة، ولا يُشبه ما قدَّمنا من الروايات الصحيحة المتواترة عن أنس، فإن كان هذا هكذا محفوظًا فهو قصة أخرى غير ما تقدم، واللّه أعلم. وقال الحافظ البيهقيّ: أخبرنا أبو بكر بن الحارث الأصبهاني، حَدَّثَنَا أبو محمد بن حَيَّان (٤)، حَدَّثَنَا عبد اللّه بن مصعب، حَدَّثَنَا عبد الجبار، حَدَّثَنَا مروان بن معاوية، حَدَّثَنَا محمد بن أبي ذئب المدني، عن عبد اللّه بن محمد بن عمر بن حاطب الجمحي، عن أبي وَجرَةَ يزيد بن عُبيد السُّلمي، قال: لما قفلَ رسولُ اللّه ﷺ من غزوة تبوك أتاه وفدُ بني فِزارة بضعة عشر رجلًا، فيهم خارجة بن الحصين، والحرُّ بن قيس - وهو أصغرهم - ابن أخي عُيينة بن حِصن، فنزلوا في دار رملةَ بنت الحارث من الأنصار، وقدموا على إبل ضِعاف عِجاف، وهم مسنتون (٥)، فأتوا رسولَ اللّه ﷺ مُقزين بالإسلام، فسألهم رسولُ اللّه ﷺ عن بلادهم قالوا: يا رسول اللّه، أسنتتْ بلادُنا، وأجدَبت أحياؤنا، وعَرِيت عيالُنا، وهلكت مواشينا، فادعُ ربَّك أن يغيثَنا، وتشفَّع لنا إلى ربِّك ويشفع ربُّك إليك، فقال رسول اللّه ﷺ : "سبحان اللّه، ويلك! هذا ما شفعت إلى ربِّي، فمن ذا الذي يشَفع ربُّنا إليه؟ لا إله إِلَّا اللّه، وسع كرسيُّه السموات والأرض، وهو يَئِطُّ من عظمته وجلاله كما يَئِطُّ (٦) الرَّحلُ الجديد". وقال رسولُ اللّه ﷺ : "إن اللّه يضحكُ من شفقتكم وأزلكُم (٧) وقُربِ غِيَاثِكم".

стр. 2847

فقال الأعرابي: ويضحك ربنا يا رسول اللّه؟ قال: نعم، فقال الأعرابي: لن نعدم يا رسولَ اللّه من ربّ يضحكُ خيرًا، فضحكَ رسولُ اللّه ﷺ من قوله، فقام رسولُ اللّه ﷺ فصَعِد المنبرَ وتكلَّم بكلام ورفع يديه - وكان رسولُ اللّه ﷺ لا يرفعُ يديه في شيء من الدعاء إِلَّا في الاستسقاء - ورفعَ يديه حتى رُئي بياضُ إبطيه، وكان مما حُفظ من دعائه: "اللهم اسق بلدَك وبهائمك، وانشر رحمتَك وأَحْي بلدكَ الميت، اللهم اسقنا غَيثًا مُغيثًامَرِيئًا (١) مَريعًا (٢) طبقًا واسعًا عاجلًا غير آجل، نافعًا غيرَ ضَارّ، اللهم سقيا رحمةٍ ولا سُقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق، اللهم اسقنا الغيثَ وانصرنا على الأعداء". فقام أبو لبابة بن عبد المنذر فقال: يا رسول الله! إن التَّمرَ في المرابد، فقال رسول الله: "اللهم اسقنا" فقال أبو لبابة: التمر في المرابد، ثلاث مرات، فقال رسول اللّه ﷺ : "اللهم اسقنا حتى يقومَ أبو لبابة عُريَانَ فيسدّ ثَعلَب (٣) مِربد (٤) بازاره" قال: فلا والله ما في السماء من قَزعَةٍ ولا سَحاب، وما بين المسجد وسَلع من بناء ولا دار، فطلعت من وراء سلع سحابةٌ مثلُ التُّرس، فلما توسطتِ السماءَ انتشرت وهم يَنظرون ثم أمطرت، فوالله ما رأوا الشمسَ ستًا، وقام أبو لبابة عُريَانَ يسدّ ثعلبَ مِربده بمازاره لئلا يخرج التمر منه، فقال رجل: يا رسولَ اللّه! هلكتِ الأموالُ وانقطعتِ السُّبلُ، فصعِد النَّبِيُّ ﷺ المِنبرَ فدعا ورفعَ يديه حتى رُئي بياضُ إبطيهِ، ثم قال: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظِّراب وبطون الأودية، ومنابتِ الشَّجر" فانجابت السَّحابة عن المدينة كانجياب الثوب (٥). وهذا السياق يشبه سياق مسلم المُلَائي عن أنس، ولبعضه شاهد في سنن أبي داود، وفي حديث أبي رَزِين العُقَيلي شاهد لبعضه، واللّه أعلم (٦). وقال الحافظ أبو بكر البيهقيّ في "الدلائل": أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن عليّ بن المؤمل، أخبرنا أبو أحمد محمد بن محمد الحافظ، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، حَدَّثَنَا محمد بن حمَّاد الظِّهرَاني، أخبرنا سهل بن عبد الرحمن المعروف بالسندي بن عبد ربه، عن عبد الله بن عبد اللّه بن أبي أُويس المدني، عن عبد الرحمن بن حَرمَلة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي لُبابة بن عبد المنذر

стр. 2848

الأنصاري قال: استسقى رسولُ الله ﷺ يومَ جمعة وقال: "اللهم اسقنا، اللهم اسقنا" فقام أبو لُبابة فقال: يا رسولَ الله إن التَّمرَ في المَرَابدِ. وما في السماء من سَحاب نراه، فقال رسول اللّه ﷺ : "اللهم اسقنا، حتى يقومَ أبو لبابة يَسدُّ ثَعلَب مِربَده بإزاره" فاستهلّت (١) السماءُ ومَطرت، وصلَّى بنا رسولُ اللّه ﷺ ، فأتى أبا لبابةَ (٢) يقولون له: يا أبا لبابة، إن السَّماءَ والله لن تُقلعَ حتى تقومَ عُريَانًا فتسدَّ ثَعلبَ مِربَدك بإزارك كما قال رسول الله ﷺ ، قال: فقام أبو لبابة عُريَانَ يَسذُ ثَعلبَ مِربده بإزاره، فأقلعت السماءُ (٣). وهذا إسناد حسن، ولم يروه أحمد ولا أهلُ الكتب، واللّه أعلم. وقد وقعَ مثلُ هذا الاستسقاء في غزوة تبوك في أثناء الطريق؛ كما قال عبد اللّه بن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عتبة بن أبي عتبة، عن نافع بن جبير، عن عبد الله بن عباس؛ أنه قيل لعمرَ بن الخطاب: حدِّثنا عن شأن ساعة العُسرة، فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قَيظ شديد، فنزلنا منزلًا وأصابنا فيه عَطشٌ حتى ظننا أن رقابَنا ستنقطع، حتى أن كان أحدُنا ليذهبُ فيلتمسُ الرَّحلَ فلا يجده حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى أن الرجل ليَنحرُ بعيره فيعصر فَرثه فيشربه، ثم يجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله! إن الله قد عَوَّدكَ في الدعاء خيرًا، فادعُ الله لنا، فقال: "أو تحبُّ ذلك؟ " قال: نعم، فرفع يديه نحو السماء، فلم يَرجعهما حتى قالت (٤) السماء فأطلّحتْ (٥)، ثم سكبت، فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر (٦). وهذا إسناد جيد قوي ولم يخرجوه. وقد قال الواقديّ (٧): كان مع المسلمين في هذه الغزوة اثنا عشر ألف بعير ومثلَها من الخيل، وكانوا ثلاثين ألفًا من المُقاتلة، قال: ونزل من المطر ماءٌ أغدقَ الأرض حتى صارت الغُدران تسكبُ بعضُها في بعض، وذلك في حمأة القيظ -أي: شدة الحر البليغ- فصلوات الله وسلامه عليه. وكم له ﵊ من مثل هذا في غير ما حديث صحيح، ولله الحمد. وقد تقدم أنه لما دعا على قريش حين استعصت؛ أن يُسَلِّطَ اله عليها سَبعًا كسبع يوسف، فأصابتهم

стр. 2849

سنة حَصَّت (١) كلَّ شيء حتى أكلوا العظام والكلاب والعِلْهز، ثم أتى أبو سفيان يَشفع عنده في أن يدعوَ اللّه لهم، فدعا لهم، فرُفِعَ ذلك عنهم. وقد قال البخاري: حَدَّثَنَا الحسن بن محمد، حَدَّثَنَا محمد بن عبد اللّه الأنصاري، حَدَّثَنَا أبي عبد اللّه بن المثنى، عن ثمامة بن عبد اللّه بن أنس، عن أنس بن مالك؛ أن عمر بن الخطاب كان إذا قُحطوا استسقى بالعباس، وقال: اللهم إنا كُنّا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيُسقون (٢). تفرد به البخاري. فصل وأما المعجزات الأرضية فمنها ما هو متعلّق بالجمادات، ومنها ما هو متعلّق بالحيوانات، فمن المتعلّق بالجمادات: تكثيرُه الماءَ في غير ما موطن على صفات متنوعة سنوردُها بأسانيدها إن شاء اللّه، وبدأنا بذلك لأنه أنسبُ باتّباع ما أسلفنا ذكرَه من استسقائه وإجابة اللّه له. قال البخاريّ (٣) حَدَّثَنَا عبد اللّه بن مسلمة، عن مالك، عن إسحاق بن عبد اللّه بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، قال: رأيتُ رسولَ اللّه ﷺ وحانت صلاةُ العصرِ، والتمسَ النَّاسُ الوضوءَ فلم يجدوه، فأتى رسولُ اللّه ﷺ بوضوء، فوضع رسول اللّه ﷺ يدَه في ذلك الإناء، فأمرَ النَّاسَ أن يتوضؤوا منه، فرأيت الماءَ ينبعُ من تحت أصابعه، فتوضأ النَّاسُ حتى توضؤوا من عند آخرهم. وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي (٤)، من طرق، عن مالك، به. وقال الترمذي: حسن صحيح. طريق أخرى عن أنس: قال الإمام أحمد (٥): حَدَّثَنَا يونس بن محمد، حَدَّثَنَا حزم، سمعت الحسن يقول: حَدَّثَنَا أنس بن مالك: أن رسول اللّه ﷺ خرجَ ذاتَ يوم لبعضِ مخارجه معه ناس من أصحابه، فانطلقوا تسيرون، فحضرت الصلاة، فلم يجد القومُ ماءً يتوضؤون به، فقالوا: يا رسول اللّه! ما نجدُ ما نتوضأ به ورأى في وجوه أصحابه كراهيةَ ذلك، فانطلقَ رجلٌ من القوم فجاء بقدح من ماء يسير،

стр. 2850

فأخذه نبيُّ اللّه فتوضأ منه، ثم مد أصابعه الأربع على القدح، ثم قال: "هلُمُّوا فتوضؤوا" فتوضأ القومُ حتى بلغوا فيما يريدون من الوضوء، قال الحسن: سئل أنس كم بلغوا؟ قال: سبعين أو ثمانين. وهكذا رواه البخاري، عن عبد الرحمن بن المبارك العَنْسي، عن حَزْم بن مِهْران القُطَعي (١). طريق أخرى عن أنس: قال الإمام أحمد (٢): حَدَّثَنَا ابن أبي عدي، عن حميد ويزيد قال: أخبرنا حُميد المَعْنى، عن أنس بن مالك، قال: نُودي بالصلاة فقام كلُّ قريب الدار من المسجد، وبقي من كان أهله نائي الدار، فأُتي رسولُ اللّه ﷺ بمِخْضب من حجارة، فَصَغُرَ أن يَبسطَ كفَّه فيه، قال: فضمَّ أصابعه. قال: فتوضأ بقيّتهم. قال حميد: وسُئل أنس: كم كانوا؟ قال: ثمانين أو زيادة. وقد روى البخاري (٣)، عن عبد اللّه بن منير، عن يزيد بن هارون، عن حُميد، عن أنس بن مالك، قال: حضرتِ الصَّلاةُ، فقام من كان قريبَ الدار من المسجد يتوضأ، وبقي قومٌ، فأُتي رسولُ اللّه ﷺ بمِخْضب من حجارة فيه ماء، فوضع كفَّه، فَصَغُر المِخْضب أن يبسطَ فيه كفَّه، فضمَّ أصابعَه فوضعَها في المِخْضب، فتوضأ القومُ كلُّهم جميعًا. قلت: كم كانوا؟ قال: كانوا ثمانين رجلًا. طريق أخرى عنه: قال الإمام أحمد (٤): حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا سعيد إملاءً، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن رسولَ اللّه ﷺ كان بالزَّوراء، فأُتي بإناء فيه ماء لا يَغمرُ أصابعَه، فأمرَ أصحابَه يتوضؤوا، فوضع كفَّه في الماء، فجعل الماءُ ينبعُ من بين أصابعه وأطراف أصابعه، حتى توضأ القوم، قال: فقلت لأنس: كم كنتم؟ قال: كنا ثلاثمئة. وهكذا رواه البخاري، عن بُنْدار، عن ابن أبي عدي، ومسلم عن أبي موسى (٥)، عن غندر، كلاهما عن سعيد بن أبي عروبة، وبعضُهم يقول عن شعبة، والصحيح سعيد، عن قتادة، عن أنس، قال: أُتي رسولُ اللّه ﷺ بماناء وهو في الزوراء، فوضع يدَه في الإناء، فجعلَ الماءُ ينبعُ من بين أصابعه فتوضَّأ القومُ. قال قتادة: فقلت لأنس: كم كنتم؟ قال: ثلاثمئة، أو زُهَاءَ ثلاثمئة. لفظ البخاري. حديث البراء بن عازب في ذلك: قال البخاري (٦): حَدَّثَنَا مالك بن إسماعيل، حَدَّثَنَا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: كنا يومَ الحديبية أربعَ عشرة مئة، والحُدَيبيةُ بئرٌ فنزحناها حتى

стр. 2851

لم نترك فيها قطرةً، فجلسَ رسولُ الله ﷺ على شفير البئر، فدعا بماء فَمَضْمَضَ ومَجَّ في البئر، فمكثنا غيرَ بعيد، ثم استقينا حتى روينا ورَوَتْ -أو صدرت- رِكَابُنا (١). تفرد به البخاري إسنادًا ومتنًا. حديث آخر عن البراء بن عازب: قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عفَّان وهاشم (٢)، حَدَّثَنَا سليمان بن المغيرة، حَدَّثَنَا حُميد بن هِلال، حَدَّثَنَا يُونس -هو ابن عُبَيدة مولى محمد بن القاسم- عن البراء قال: كنا مع رسول اللّه ﷺ في سفر، فأتينا على رَكِيٍّ ذَمَّة (٣) - يعني قليلة الماء - قال: فنزل فيها ستةُ أناسٍ أنا سادسُهم ومعهم مَاحَةٌ (٤)، فأُدليتْ إلينا دلوٌ قال: ورسولُ اللّه ﷺ على شفا الرَّكيّ، فجعلنا فيها نصفها أو ثلثيها، فرُفعت إلى رسول الله ﷺ ، قال البراء: فكدتُ (٥) بإنائي هل أجدُ شيئًا أجعلُه في حَلْقي؟ فما وجدتُ، فرُفعت الدلو إلى رسول الله ﷺ ، فغمسَ يدَه فيها، فقال ما شاءَ اللّه أن يقول، وأُعيدت إلينا الدلو بما فيها، قال: فلقد رأيتُ أحدَنا أُخرج بثوبٍ خشيةَ الغرق. قال: ثم ساحتْ - يَعني جرتْ نهرًا -. تفرد به الإمام أحمد، وإسنادُه جيِّد قوي (٦)، والظاهر أنها قصة أخرى غير يوم الحديبية، واللّه أعلم. حديث آخر عن جابر في ذلك: قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا سِنان بن حاتم، حَدَّثَنَا جعفر - يعني ابن سليمان - حَدَّثَنَا الجَعد أبو عثمان، حَدَّثَنَا أنس بن مالك، عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، قال: اشتكى أصحابُ رسول اللّه ﷺ إليه العطشَ، قال: فدعا بعُسٍّ (٧)، فصحث فيه شيءٌ من الماء، ووضعَ رسول اللّه ﷺ فيه يدَه، وقال: "استقوا" فاستقى الناسُ قال: فكنتُ أرى العيونَ تنبعُ من بين أصابع رسول الله ﷺ . تفرد به أحمد من هذا الوجه. وفي أفراد مسلم من حديث حاتم بن إسماعيل، عن أبي حَزْرَة يَعقوب بن مُجاهد، عن عُبادةَ بن الوليد بن عُبادة، عن جابر بن عبد الله في حديث طويل، قال فيه:

стр. 2852

سِرْنا مع رسول اللّه ﷺ حتى نزلنا واديًا أَفْيَحَ (١) فذهبَ رسولُ اللّه ﷺ يَقضي حاجتَه، فاتبعته بإداوةٍ من ماء، فنظرَ رسولُ اللّه ﷺ فلم يرَ شيئًا يَسْتترُ به، وإذا بشجرتين بشاطئ (٢) الوادي، فانطلق رسولُ اللّه ﷺ إلى إحداهما، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: "انقادي عليَّ بإذن اللّه" فانقادتْ معه كالبعير المخشوش (٣) الذي يُصَانع قائدَه، حتى أتى الأخرى، فأخذَ بغصنٍ من أغصانها، فقال: "انقادي عليّ بإذن اللّه" فانقادت معه كذلك، حتى إذا كان بالمنتصف مما بينهما لأمَ بينهما - يعني: جمعهما - فقال: "التئما عليَّ بإذن اللّه" فالتأمتا. قال جابر: فخرجتُ أُحْضِرُ (٤) مخافةَ أن يُحِسَّ رسولُ اللّه بقربي فيبتعدَ، فجلستُ أُحدّث نفسي، فحانت مني لفتةٌ، فإذا أنا برسول اللّه ﷺ ، وإذا بالشجرتين قد افترقتا، فقامت كلُّ واحدة منهما على ساق، فرأيتُ رسولَ اللّه وقفَ وقفةً، فقال برأسه هكذا: يمينًا وشمالًا، ثم أقبلَ، فلما انتهى إليَّ قال: "يا جابرُ! هل رأيتَ مَقَامي"؟ قلت: نعم يا رسولَ اللّه، قال: "فانطلقْ إلى الشجرتين فاقطع من كلِّ واحدةٍ منهما غُصْنًا فَأقبل بهما، حتى إذا قمتَ مَقَامي فأرسلْ غُصنًا عن يمينك وغصنًا عن شمالك". قال جابر: فقمتُ فأخذتُ حجرًا فكسرتُه وحَسَرْتُه (٥) فانذلق (٦) لي، فأتيتُ الشجرتين فقطعتُ من كل واحدة منهما غصنًا، ثم أقبلتُ حتى قمتُ مَقام رسول اللّه ﷺ ، أرسلتُ غصنًا عن يميني وغصنًا عن يَساري، ثم لحقتُه فقلت: قد فعلتُ يا رسول اللّه، قال: فقلت: فلم (٧) ذاك؛ قال: "إني مررتُ بقبرين يُعذّبان، فأحببت بشفاعتي أن يُرَفِّه ذلك (٨)؛ عنهما، ما دامَ الغصنان رَطْبين". قال: فأتينا العسكرَ فقال رسول اللّه ﷺ : "يا جابرُ نادِ الوَضوءَ" (٩) فقلت: ألا وضوءَ، ألا وضوءَ، ألا وضوءَ؟ قال: قلت: يا رسول اللّه! ما وجدتُ في الركب من قطرة، وكان رجلٌ من الأنصار يُبَرِّدُ لرسول اللّه في أَشْجابٍ (١٠) له على حِمَارةٍ (١١) من جريد، قال: فقال لي: "انطلق إلى فلانٍ الأنصاريّ،

стр. 2853

فانظرْ هل ترى في أشجابه من شيء؟ " قال: فانطلقتُ إليه فنظرتُ فيها فلم أجد فيها إِلَّا قطة في عَزْلاءِ (١) - شَجَبٍ منها - لو أني أفرغته لشربَه يا بِسُه، فأتيتُ رسولَ اللّه فقلت: يا رسول الله! لم أجدْ فيها إِلَّا قطرة في عَزْلاءِ شَجَبٍ منها، لو أني أفرغتُه لشربَه يا بسُهُ. قال: "اذهبْ فائْتِني به" فأتيتُه فأخذَه بيده فجعلَ يتكلَّم بشيء لا أدري ما هو، ويغمزُ بيده (٢)، ثم أعطانيه فقال: "يا جابرُ! نادِ بجفنةٍ" فقلتُ: يا جفنةَ الرَّكبِ، فأُتيتُ بها تُحمل، فوضعتُها بين يديه، فقال رسولُ اللّه بيده في الجَفْنة هكذا، فبسطَها وفرَّقَ بين أصابعه، ثم وضعها في قعر الجفنة وقال: "خذْ يا جابرُ، فصُبَّ عليَّ، وقل: باسم الله" فصببتُ عليه وقلت: باسم اللّه، فرأيتُ الماء يفورُ من بين أصابعِ رسولِ اللّه ﷺ ، ثم فارتِ الجفنةُ ودارت حتى امتلأت فقال: "يا جابر! نادِ من كانت له حاجةٌ بماء "قال: فأتى الناسُ فاستقَوْا حتى رَوُوا، فقلت: هل بقي أحد له حاجة؛ فرفعَ رسولُ اللّه ﷺ يدَه من الجفنة وهي ملأى. قال: وشكا الناسُ إلى رسول الله ﷺ الجوعَ، فقال: "عسى الله أن يُطعمَكم" فأتينا سَيْفَ (٣) البحر، فزجرَ زجرةً، فألقى دابةً فأَوْرَينا على شِقها النارَ، فطبخنا واشتوينا وأكلنا وشبعنا، قال جابر: فدخلتُ أنا وفلان وفلان وفلان، حتى عذَ خمسة في مَحاجرِ عَيْنها ما يَرانا أحد، حتى خرجنا وأخذنا ضِلْعًا من أضلاعِها فقَوَسناه، ثم دعوْنا بأعظم رجل في الركب، وأعظم جمل في الركب، وأعظم كِفْل في الركب، فدخل تحتها ما يُطأطئُ رأسَه (٤). وقال البخاري (٥): حَدَّثَنَا موسى بن إسماعيل، حَدَّثَنَا عبد العزيز بن مسلم، حَدَّثَنَا حُصين، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن جابر بن عبد اللّه، قال: عَطِشَ الناسُ يوم الحديبية والنبيُّ ﷺ بين يديْه ركوة نتوضأ فجهش الناس نحوه قال: "ما لكم؟ "قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إِلَّا ما بين يديك، فوضع يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون فشربنا وتوضأنا، قلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مئة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مئة. وهكذا رواه مسلم من حديث حُصين (٦) وأخرجا (٧) من حديث الأعمش. زاد مسلم (٨): وشعبة، ثلاثتهم عن سالم، عن جابر، به. وفي رواية الأعمش كنا أربع عشرة مئة.

стр. 2854

وقال الإمام أحمد (١): حَدَّثَنَا يحيى بن حماد، حَدَّثَنَا أبو عوانة، عن الأسود بن قيسر، عن شقيق العبدي؛ أن جابر بن عبد اللّه قال: غزونا - أو سافرنا - مع رسول اللّه ﷺ ، ونحن يومئذ بضعَ عشرَة ومئتان، فحضرت الصَّلاةُ، فقال رسول اللّه ﷺ : "هل في القوم من ماء؟ " فجاءَه رجلٌ يَسعى بإداوة فيها شيء من ماء. قال: فصبّه رسولُ اللّه ﷺ في قدح. قال: فتوضأ رسولُ اللّه ﷺ فأحسنَ الوضوءَ، ثم انصرف وتركَ القدحَ، فركبَ النَّاسُ القدحَ تمسّحوا وتمسّحوا، فقال رسول اللّه ﷺ : "على رِسْلكم" حين سمعهم يقولون ذلك، قال: فوضع رسولُ اللّه ﷺ كفَّه في الماء، ثم قال رسول اللّه ﷺ : باسم اللّه" ثم قال: "أسبغوا الوضوء". قال جابر: فوالذي هو ابتلاني ببصري، لقد رأيتُ العيونَ عيونَ الماء يومئذٍ تخرجُ من بين أصابع رسول الله ﷺ ، فما رفعها حتى توضؤوا أجمعون. وهذا إسناد جيد تفرد به أحمد (٢)، وظاهره كأنه قصة أخرى غير ما تقدم. وفي صحيح مسلم، عن سلمة بن الأكوع، قال: قدمنا الحديبيةَ مع رسول اللّه ﷺ ، ونحن أربع عشرة مئة - أو أكثر من ذلك (٣) - وعليه خمسون شاة لا تُرْويهَا، فقعد رسول اللّه على شفا (٤) الركية، فإما دعا وإما بصق فيها قال: فجاشت، فسقينا واستقينا (٥). وفي صحيح البخاري، من حديث الزهري، عن عروة عن المِسوَر ومروان بن الحكم، في حديث صُلح الحديبية الطويل: فعدلَ عنهم رسولُ اللّه ﷺ حتى نزلَ بأقصى الحديبية على ثَمَدٍ (٦) قليلِ الماءِ يَتَبَرَّضه تَبَرُّضأ (٧)، فلم يُلَبِّثْه الناسُ حتى نزحوه، وشكوا إلى رسول الله ﷺ العطشَ، فانتزعَ سهمًا من كِنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، واللّه ما زالَ يجيشُ لهم بالرِّيّ حتى صدروا عنه (٨). وقد تقدَّم الحديثُ بتمامه في صُلْح الحديبية، فأغنى عن إعادته.

стр. 2855

وروى ابنُ إسحاق عن بعضهم أن الذي نزلَ بالسهم ناجيةُ بن جُندُب سائقُ البُدْن، قال: وقيل: البَراءُ بن عازب. ثم رجَّحَ ابنُ إسحاق الأول. حديث آخر عن ابن عباس في ذلك: قال الإمام أحمد (١): حَدَّثَنَا حسين الأشقر وحدَّثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، قال: أصبحَ رسولُ اللّه ﷺ ذاتَ يوم وليس في العسكر ماء، فأتاه رجلٌ فقال: يا رسولَ اللّه! ليس في العسكر ماء، قال: "هل عندك شيء؟ " قال: نعم، قال: "فائتني" قال: فأتاهُ بإناء فيه شيءٌ من ماء قليل، قال: فجعلَ رسولُ اللّه ﷺ أصابعَه في فم الإناء وفتحَ أصابعَه، قال: فانفجرت من بين أصابعِه عيونٌ، وأمرَ بلالًا فقال: "نادِ في النَّاس الوضوءَ المبارك". تفرَّد به أحمد، ورواه الطبرانيُّ (٢) من حديث عامر الشعبي، عن ابن عباس، بنحوه. حديث عن عبد الله بن مسعود في ذلك: قال البخاري (٣): حَدَّثَنَا محمد بن المثنى، حَدَّثَنَا أبو أحمد الزبيري، حَدَّثَنَا إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللّه قال: كنا نعدُّ الآيات بركةً، وأنتم تعدُّونها تخويفًا، كنّا مع رسول اللّه ﷺ في سفر، فقلَّ الماء فقال: "اطلبوا فَضْلَةً من ماء" فجاؤوا بإناء فيه ماءٌ قليل، فأدخل يدَه في الإناء ثم قال: "حيَّ على الطَّهور المبارك، والبركةُ من اللّه " قال: فلقد رأيتُ الماءَ ينبعُ من بين أصابعِ رسولِ اللّه ﷺ ، ولقد كنّا نسمعُ تسبيحَ الطَّعام وهو يُؤكل. ورواه الترمذي (٤)، عن بُنْدار، عن أبي أحمد، وقال: حسن صحيح. حديث عن عمران بن حصين في ذلك: قال البخاري: حَدَّثَنَا أبو الوليد، حَدَّثَنَا مسلم بن زيد، سمعت أبا رجاء قال: حَدَّثَنَا عمران بن حُصَيْن: أنهم كانوا مع رسول اللّه ﷺ في مسير فأدلَجوا ليلتَهم حتى إذا كانوا (٥) في وجه الصبح عرَّسُوا، فغلبتهم أعينهُم حتى ارتفعت الشَّمسُ، فكان أوّلَ من استيقظَ من منامه أبو بكر، وكان لا يُوقظ رسولَ الله ﷺ من منامه حتى يستيقظَ، فاستيقظَ عمرُ، فقعدَ أبو بكر عندَ رأسِه فجعلَ يكبِّر ويرفعُ صوتَه حتى استيقظَ النبيُّ ﷺ ، فنزلَ وصلَّى بنا الغداةَ، فاعتزلَ رجلٌ من القوم لم

стр. 2856

يصلّ معنا، فلما انصرفَ قال: "يا فلان! ما يمنعُك أن تصلّي معنا؟ " قال: أصابتني جنابة، فأمره أن يتيمَّم بالصَّعيد ثم صلَّى، وجعلني رسولُ اللّه ﷺ في رَكوبٍ بين يديه، وقد عطشنا عطشًا شديدًا، فبينما نحن نسيرُ مع رسول اللّه ﷺ إذا نحن بامرأةٍ سادلةٍ رجليها بين مَزادتين، فقلنا لها: أين الماء؟ قالت: إنه لا ماء. فقلنا: كم بين أهلِك وبينَ الماء؟ قالت: يومٌ وليلة، فقلنا: انطلقي إلى رسول اللّه ﷺ ، قالت: وما رسولُ اللّه؟ فلم نملِّكْها من أمرها حتى استقبلنا بها النبيَّ ﷺ ، فحدَّثَته الذي حدَّثَتْنا، غيرَ أنها حدَّثته أنها مُؤْتمةٌ (١)، فأمر بمزادتيها، فمسحَ في العزلاوين (٢)، فشربنا عِطَاشًا أربعينَ رجلًا، حتى روينا وملأنا كل قِرْبةٍ معنا وإدَاوة، غير أنَّه لم نسقِ بعيرًا، وهي تكادُ تبضُّ من المِلء (٣)، ثم قال: هاتُوا ما عندكم، فجمعَ لها من الكِسَر والتَّمر حتى أتت أهلَها، قالت: أتيتُ أسحرَ النَّاس أو هو نبيٌّ كما زَعموا، فهدى اللّه ذاكَ الصِّرم بتلك المرأة فأسلمتْ وأسلمُوا (٤). وكذلك رواه مسلم (٥)، من حديث سَلم بن زريرٍ. وأخرجاه (٦) من حديث عوف الأعرابي، كلاهما عن أبي رجاء العُطَاردي - واسمه عِمْران بن تَيْم - عن عِمرَان بن حُصَيْن، به. وفي رواية لهما فقال لها: اذهبي بهذا معك لعيالك، واعلمي أنّا لم نرزأك (٧) من مائك شيئًا، غير أن اللّه سقانا، وفيه: أنه لما فتح العزلاوين سمَّى اللّه عر وجلّ. حديث عن أبي قتادة في ذلك: قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يزيد بن هارون، حَدَّثَنَا حمَّاد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد اللّه بن رَباح، عن أبي قتادة قال: كنّا مع رسول اللّه ﷺ في سفر، فقال: "إنكم إن لا تُدركوا الماءَ غدًا تعطشوا" وانطلق سُرعانٌ (٨) النَّاس يُريدون الماءَ، ولزمتُ رسولَ اللّه ﷺ ، فمالت برسول اللّه ﷺ راحلته، فنعِس رسولُ اللّه ﷺ ، فدَعَمْتُه فاندعَم، ثم مال فدَعَمْتُه فاندعمَ، ثم مال حتى كاد أن يَنْجَفِل (٩) عن راحلته فدَعَمْتُه فانتبَه، فقال: "من الرجل؟ " فقلت: أبو قتادة، قال: "منذ كم كان مسيرُك؟ " قلت: منذ الليلة، قال: "حَفِظَكَ اللّه كما حَفِظْتَ رسولَه، ثم قال: لو عَرَّسْنا".

стр. 2857

فمال إلى شجرة فنزلَ فقال: "انظرْ هل ترى أحدًا؟ " قلت: هذا راكب، هذان راكبان، حتى بلغ سبعة، فقال: "احفظوا علينا صلاتنا" فنمنا، فما أيقظنا إِلَّا حرُّ الشمس، فانتبهنا، فركبَ رسولُ اللّه ﷺ فسارَ وسرنا هُنَيْهَةً، ثم نزل فقال: "أمعكم ماء؟ "قال: قلت: نعم، معي مَيْضَأة فيها شيء من ماء، قال: "ائت بها" قال: فأتيته بها فقال: "مُسُّوا منها، مُسُّوا منها" فتوضأ القوم وبقيت جرعة فقال: "ازدهر (١) بها يا أبا قَتادة فإنّه سيكونُ لها نبأٌ". ثم أذّنَ بلال وصلُّوا الركعتين قبل الفجر، ثم صَلُّوا الفجرَ، ثم ركبَ وركبنا فقال بعضُهم لبعض: فرَّطنَا في صلاتنا، فقال رسولُ اللّه ﷺ : "ما تقولون؟ إن كان أمرُ دنياكم فشأنكم، وإن كان أمرُ دينك فإليَّ" قلنا: يا رسول اللّه! فرَّطْنا في صلاتنا، فقال: "لا تفريط في النوم، إنما التفريطُ في اليَقظة، فإذا كانَ ذلك فصلُّوها، ومن الغد وقتها، ثم قال: "ظنُّوا بالقوم" قالوا: إنك قلتَ بالأمس: إن لا تدركوا الماء غدًا تعطشوا، فالناس بالماء. قال: فلما أصبحَ الناسُ وقد فقدُوا نبيَّهم، فقال بعضهم لبعض: إن رسولَ اللّه ﷺ بالماء، وفي القوم أبو بكر وعمر، فقالا: أيُّها الناس إن رسولَ اللّه ﷺ لم يكن ليسبقَكم إلى الماء ويخلِّفَكم، وإن يطع الناسُ أبا بكر وعمرَ يَرشدوا، قالها ثلاثًا. فلما اشتدَّت الظهيرةُ رُفِعَ لهم رسولُ اللّه ﷺ فقالوا: يا رسولَ اللّه هلكنا عطشًا، تقطَّعت الأعناقُ، فقال: "لا هُلْكَ عليكم"، ثم قال: "يا أبا قتادة! ائت بالميضأة" فأتيته بها، فقال: "احللْ لي غُمَري (٢) - يعني قدحه - فحللته، فأتيته به، فجعلَ يصبُّ فيه ويسقي الناسَ، فازدحمَ الناسُ عليه، فقال رسول اللّه ﷺ : "يا أيّها الناس أحسنوا الملءَ، فكلّكم سيصدرُ عن رِيّ، فشربَ القوم حتى لم يبقَ غيري وغير رسول اللّه ﷺ ، فصبَّ لي، فقال: "اشرب يا أبا قتادة" قال: قلت: اشربْ أنت يا رسولَ اللّه، قال: "إن ساقي القوم آخرُهم" فشربتُ وشربَ بعدي، وبقي في الميضأة نحو مما كان فيها، وهم يومئذ ثلاثمئة. قال عبدُ اللّه: فسمعني عِمران بن حُصين وأنا أحدِّث هذا الحديثَ في المسجد الجامع، فقال: مَن الرجل؟ قلت: أنا عبد اللّه بن رَباح الأنصاري، قال: القومُ أعلمُ بحديثهم، انظر كيف تُحَدَّث فإني أحدُ السبعة تلك الليلة، فلما فرغتُ قال: ما كنتُ أحسَبُ أحدًا يحفظ هذا الحديث غيري (٣).

стр. 2858

قال حمادُ بن سَلمة: وحدَّثنا حُميد الطويل، عن بكر بن عبد اللّه المزني، عن عبد اللّه بن رَباحِ، عن أبي قتادة، عن النَّبِيّ ﷺ بمثله، وزاد: قال: كان رسولُ اللّه ﷺ إذا عرَّسَ وعليه ليلٌ توسَّدَ يمينه، وإذا عرَّسَ الصبحَ وضع رأسَه على كفّه اليُمنى وأقام ساعدَه (١). وقد رواه مسلم (٢)، عن شيبانَ بن فروخ، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد اللّه بن رَبَاح، عن أبي قتادة الحارث بن رَبعي الأنصاري بطوله. وأخرج (٣) من حديث حماد بن سلمة، بسنده الأخير أيضًا. حديث آخر عن أنس يُشبه هذا: روى البيهقيّ من حديث الحافظ أبي يعلى الموصلي: حَدَّثَنَا شَيْبان، حَدَّثَنَا سعيدُ بن سُليمان الضَّبْعي (٤)، حَدَّثَنَا أنس بن مالك، أن رسولَ اللّه ﷺ جهَّزَ جيشًا إلى المشركين، فيهم أبو بكر، فقال لهم: "جدُّوا (٥) السَّيرَ فإن بينكم وبين المشركين ماء، إن يَسبقِ المشركون إلى ذلك الماء شقَّ على الناس، وعطشتُم عطشًا شديدًا أنتم ودوابكم" قال: وتخلَّفَ رسولُ اللّه ﷺ في ثمانية أنا تاسعُهم، وقال لأصحابه: "هل لكم أن نُعرِّسَ قليلًا ثم نلحق بالناس؟ " قالوا: نعم يا رسولَ اللّه، لمحعرَّسُوا فما أيقظهم إِلَّا حرُّ الشمس، فاستيقظَ رسولُ اللّه ﷺ واستيقظَ أصحابُه، فقال لهم: "تقدَّموا واقضوا حاجاتِكم" ففعلوا ثم رجعوا إلى رسول اللّه ﷺ ، فقال لهم: "هل مع أحد منكم ماء؟ " قال رجل منهم: يارسولَ اللّه معي مَيْضأة فيها شيء من ماء، قال: "فجئ بها" فجاء بها، فأخذَها نبيُّ اللّه ﷺ فمسحَها بكفيه، ودعا بالبركة فيها، وقال لأصحابه: "تعالوا فتوضؤوا" فجاؤوا وجعلَ يصبُّ عليهم رسولُ اللّه ﷺ حتى توضؤوا كلُّهم، فأذن رجلٌ منهم وأقام، فصلَّى رسول اللّه ﷺ لهم، وقال لصاحب الميضأة: "ازدهرْ بميضأتِك فسيكون لها شأنٌ". وركب رسولُ اللّه ﷺ قبلَ الناس، وقال لأصحابه: "ما ترون الناسَ فعلوا؟ " فقالوا: اللّه ورسولُه أعلم. فقال لهم: فيهم أبو بكر وعمر، وسيرشدُ الناس، فقدمَ الناسُ وقد سبقَ المشركون إلى ذلك الماء، فشقَّ ذلك على الناس وعطشوا عطشًا شديدًا ركابُهم ودوابُّهم، فقال رسول اللّه ﷺ : "أين صاحب الميضأة؟ " قالوا: هو ذا يا رسولَ اللّه، قال: "جئني بميضأتك" فجاء بها، وفيها شيءٌ من ماء، فقال لهم: "تعالوا فاشربوا" فجعلَ يصبُّ لهم رسولُ اللّه ﷺ ، حتى شربَ النَّاسُ كلُّهم، وسقَوا

стр. 2859

دوابَّهم ورِكابَهم، وملؤوا ما كان معهم من إداوة وقِربة ومَزادة، ثم نهضَ رسول اللّه ﷺ ، وأصحابُه إلى المشركين، فبعثَ الله ريحًا فضربَ وجوهَ المشركين، وأنزل اللّه نصرَه، وأمكنَ من أدبارهم، فقتلوا (منهم) (١) مقتلة عظيمة، وأسَروا أُسَارى كثيرة، واستاقُوا غنائمَ كثيرة، ورجعَ رسولُ اللّه ﷺ والناسُ وافرين صالحين (٢). وقد تقدَّم (٣) قريبًا عن جابر ما يشبهُ هذا وهو في صحيح مسلم. وقدَّمنا في غزوة تبوك ما رواه مسلمٌ، من طريق مالك، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن مُعاذ بن جبل. فذكرَ حديثَ جمع الصلاة في غزوة تبوك، إلى أن قال: وقال - يعني رسول اللّه ﷺ : "إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عينَ تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يُضحيَ ضُحى النهار، فمن جاءَها فلا يمسَّ من مائِها شيئًا حتى آتي" قال: فجئناها وقد سبق إليها رجلان، والعينُ مثلُ الشِّراكِ تبضُّ بشيء من ماءٍ، فسألهما رسول اللّه ﷺ : "هل مسستما من مائها شيئًا؟ " قالا: نعم، فسبَّهما، وقال لهما ما شاء اللّه أن يقول، ثم غرفوا (بأيديهم) (٤) من العين قليلًا قليلًا، حتى اجتمع في شيء، ثم غسل رسول اللّه ﷺ فيه وجهَه ويديْه، ثم أعادَه فيها فجرتِ العينُ بماء كثير (٥)، فاستقى الناسُ، ثم قال رسول اللّه ﷺ : "يا معاذ يُوشك إن طالت بك حياةٌ أن ترى ما هاهنا قد مُلئ جِنَانًا" (٦). وذكرنا في باب الوفود من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن زياد بن الحارث الصُّدّائي في قصة وفادته، فذكر حديثًا طويلًا فيه: ثم قلنا: يا رسول الله! إن لنا بئرًا إذا كان الشتاءُ وَسِعَنَا ماؤُها واجتمعنا عليها، وإذا كان الصَّيف قلَّ ماؤُها، فتفرقنا على مياه حَوْلنا وقد أسلمنا، وكلُّ من حَوْلنا عدوٌّ، فادعُ الله لنا في بئرنا فيسعُنا ماؤُها، فنجتمعُ عليه ولا نتفرق، فدعا بسبع حَصيات ففركهن بيده ودعا فيهن، ثم قال: "اذهبوا بهذه الحصياتِ، فإذا أتيتم البئرَ فالقوا واحدةً واحدة واذكروا اللّه ". قال الصدائي: ففعلنا ما قال لنا، فما استطعنا بعد ذلك أن ننظرَ إلى قَعْرها -يعني البئر-.

стр. 2860

وأصلُ هذا الحديث في المسند، وسنن أبي داود، والترمذي، وابن ماجه (١). وأما الحديث بطوله ففي "دلائل النبوة" (٢) للبيهقي ﵀. وقال البيهقيّ (٣): باب ما ظهرَ في البئر التي كانت بقباء من بركته ﷺ - أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي، حَدَّثَنَا أبو حامد بن الشرقي، أخبرنا أحمد بن حفص بن عبد اللّه، أخبرنا أبي، حَدَّثَنَا إبراهيم بن طهمان، عن يحيى بن سعيد؛ أنه حدثه: أن أنس بن مالك أتاهم بقباء فسأله عن بئر هناك، قال: فدلَلْتُه عليها، فقال: لقد كانت هذه، وإنَّ الرجلَ لينضَحُ على حمارِه، فيُنزحُ، فجاء رسولُ اللّه ﷺ وأمرَ بذَنوبٍ فسُقي، فإما أن يكون توضأ منه، وإما أن يكون تَفَلَ فيه، ثم أمرَ به فأُعيد في البئر، قال: فما نَزَحت بَعدُ. قال: فرأيته بالَ، ثم جاء فتوضأ، ومسح على خفّيه ثم صلَّى. وقال أبو بكر البزار: حَدَّثَنَا الوليد بن عمرو بن مسكين، حَدَّثَنَا محمد بن عبد اللّه بن مثنى، عن أبيه، عن ثُمَامة، عن أنس، قال: أتى رسولُ اللّه ﷺ ، فنزلنا فسقيناه من بئر لنا في دَارنا، كانت تسمى النزور في الجاهلية، فتفلَ فيها، فكانت لا تَنزَحُ بَعد (٤). ثم قال: لا نعلم هذا يُروى إِلَّا من هذا الوجه. باب تكثيره ﵊ الأطعمة (للحاجة إليها في غير ما موطنٍ كما سنورده مبسوطًا) (٥)، وتكثيره اللبن في مواطن أيضًا. قال الإمام أحمد (٦): حَدَّثَنَا روح، حَدَّثَنَا عمر بن ذر، عن مُجاهد؛ أن أبا هريرة كان يقول: واللّه إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنتُ لأشدُّ الحجرَ على بطني من الجوع، ولقد قعدتُ يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه، فمرَّ أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله عر وجل؛ ما سألته

стр. 2861

إِلَّا ليستتبعني فلم يفعل، فمرَّ عمرُ ﵁ فسألتُه عن آيةٍ من كتاب اللّه؛ ما سألته إِلَّا ليستتبعني فلم يفعل، فمرَّ أبو القاسم ﷺ فعرفَ ما في وجهي وما في نفسي فقال: "أبا هريرة" قلت له: لبيك يا رسولَ اللّه، فقال: "الحق" واستأذنتُ فأذِنَ لي، فوجدتُ لبنًا في قدح، قال: "من أين لكم هذا اللبن؟ " فقالوا: أهداه لنا فلان أو آل فلان، قال: "أبا هريرة" قلت: لبيك يا رسولَ اللّه، قال: "انطلق إلى أهل الصُّفة فادعهم لي" قال: وأهل الصفة أضيافُ الإسلام، لم يأووا إلى أهل ولا مال، إذا جاءت رسولَ اللّه ﷺ هديةٌ أصابَ منها وبعث إليهم منها، وإذا جاءته الصدقة أرسل بها إليهم ولم يصب منها. قال: وأحزنني ذلك، وكنت أرجو أن أُصيبَ من اللبن شَرْبةً أتقوّى بها بقيّةَ يومي وليلتي، وقلت: أنا الرسولُ، فإذا جاءَ القومُ كنتُ أنا الذي أُعطيهم، وقلت: ما يبقى لي من هذا اللبن! ولم يكن من طاعة اللّه وطاعة رسوله بدٌّ، فانطلقتُ فدعوتُهم، فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم، فأخذَ الرجلُ القدَح فيشرب حتى يَروى، ثم يردّ القدحَ حتى أتيتُ على آخرهم، ودفعتُ إلى رسول اللّه ﷺ فأخذَ القدحَ فيشرب حتى يَروى، ثم يردّ القدحَ حتى أتيتُ على آخرهم، ودفعتُ إلى رسول اللّه ﷺ فأخذَ القدحَ فوضعَه في يده، وبقي فيه فَضلَةٌ، ثم رفعَ رأسَه ونظرَ إليّ وتبسَّم وقال: "أبا هريرة" فقلت: لبيك رسول اللّه، قال: "بقيتُ أنا وأنت" فقلت: صدقتَ يا رسول اللّه، قال: "فاقعد فاشرب" قال: فقعدتُ فشربتُ، ثم قال لي: "اشرب" فشربت، فما زال يقول لي: اشرب فأشرب حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق ما أجدُ له فيَّ مَسلكًا، قال: "ناولني القدح " فرددت إليه القدح، فشربَ من الفَضلة. ورواه البخاري (١)، عن أبي نُعيم، وعن محمد بن مقاتل، عن عبد الله بن المبارك. وأخرجه الترمذيُّ (٢)، عن هَنَّاد، عن يونس بن بُكير (٣)، ثلاثتُهم عن عمر بن ذر، وقال الترمذي: صحيح. وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا أبو بكر بن عيَّاش، حدَّثني (عاصم)، عن زِرّ، عن ابن مسعود، قال: كنت أرعى غنمًا لعُقبةَ بن أبي مُعيط، فمرَّ بي رسولُ الله ﷺ وأبو بكر، فقال: "يا غلام! هل من لبن؟ " قال: فقلت: نعم، ولكني مُؤتمن، قال: "فهل من شاةٍ لم ينز (٤) عليها الفحلُ؟ " فأتيتُه بشاةٍ فمسحَ ضَرعَها، فنزل لبنٌ، فحلَبه في إناء فشربَ وسقى أبا بكر، ثم قال للضِّرع: "اقلُص" (٥) فقلصَ، قال: ثم أتيتُه بعدَ هذا، فقلتُ: يا رسولَ الله علّمني من هذا القول، قال: فمسحَ رأسي وقال: "يا غلامُ يرحمُك اللّه، فإنك غُليم مُعلَّم" (٦).

стр. 2862

ورواه البيهقيُّ من حديث أبي عوانة، عن عاصم بن أبي النَّجود، عن زِرّ، عن ابن مسعود، وقال فيه: فأتيتُه بعَناق (١) جَذعة فاعتقلها، ثم جعلَ يمسحُ ضَرعَها ويدعو، وأتاه أبو بكر بجَفنة، فحلب فيها، وسقى أبا بكر، ثم شرب، ثم قال للضرع: "اقْلُصْ" فقلَص، فقلت: يا رسولَ اللّه علّمني من هذا القول، فمسحَ رأسي وقال: "إنك غُلَامٌ مُعَلَّمٌ"، فأخذتُ عنه سبعينَ سورةً ما نازعنيها بشر (٢). وتقدَّم في الهجرة حديثُ أُمّ مَعبدٍ، وحلبُه ﵊ شاتَها، وكانت عَجْفَاءَ لا لبنَ لها، فشربَ هو وأصحابُه، وغادَر عندها إناءً كبيرًا من لبن حتى جاءَ زوجُها. وتقدَّم في ذكر من كان (٣) يخدمُه، من غير مواليه ﵊؛ المقدادُ بن الأسود، حين شربَ اللبن الذي كان قد جاءَ لرسولِ اللّه ﷺ ، ثم قامَ في الليل ليذبحَ له شاةً، فوجدَ لبنًا كثيرًا، فحلبَ ما ملأ منه إناءً كبيرًا جدًا .. الحديث. وقال أبو داود الطيالسي: حَدَّثَنَا زهير، عن أبي إسحاق، عن ابنة خَبَّابٍ؛ أنها أتت رسولَ اللّه ﷺ بشاة، فاعتقلَها وحلبَها، فقال: "ائتني بأعظم إناء لكم" فأتيناه بجفنة العجين، فحلبَ فيها حتى ملأها، ثم قال: "اشربوا أنتم وجيرانكم" (٤). وقال البيهقيّ: أخبرنا أبو الحسين بن بشران ببغداد، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفَّار، أخبرنا محمد بن الفرج الأزرق، حَدَّثَنَا عصمة بن سليمان الخزاز، حَدَّثَنَا خلفُ بن خليفة، عن أبي هاشم الرماني، عن نافع -وكانت له صحبة- قال: كنا مع رسول اللّه في سفر، وكنا زُهَاءَ أربعمئة، فنزلنا في موضع ليس فيه ماء، فشقَّ ذلك على أصحابه، وقالوا: رسولُ الله ﷺ أعلمُ، قال: فجاءت شُوَيهةٌ لها قرنان، فقامت بين يدي رسولِ اللّه ﷺ فحلبَها، فشربَ حتى رَوي وسقى أصحابَه حتى رَوَوا، ثم قال: "يا نافع املكها الليلة، وما أراك تملكها "قال: فأخذتُها فوتدتُ لها وتدًا، ثم ربطتُها بحبلٍ، ثم قمتُ في بعض الليل فلم أرَ الشَّاةَ، ورأيتُ الحبلَ مطروحًا، فجئت رسولَ اللّه فأخبرتهُ من قبل أن يسألني، وقال: "يا نافع! ذهبَ بها الذي جاءَ بها". قال البيهقيّ: ورواه محمد بن سعد، عن خلف بن الوليد -أبي الوليد الأزدي- عن خلف بن

стр. 2863

خليفة، عن أبان (بن بشير، عن شيخٍ من أهل البصرة، عن نافع، فذكره) (١). وهذا حديثٌ غريبٌ جدًا إسنادًا ومتنًا. ثم قال البيهقيّ: أخبرنا أبو سعيد الماليني، أخبرنا أبو أحمد بن عدي، أخبرنا العباس بن محمد بن العباس، حَدَّثَنَا أحمد بن سعيد بن أبي مريم، حَدَّثَنَا أبو حفص الرياحي، حَدَّثَنَا عامر بن أبي عامر الخزاز، عن أبيه، عن الحسن بن سعد - يعني: مولى أبي بكر - قال: قال رسولُ اللّه ﷺ : "احلب لي العنز" قال: وعهدي بذلك الموضع لا عنزَ فيه، قال: فأتيتُ فاذا العنزُ حافلٌ، قال: فاحتلبتُها، واحتفظتُ بالعنز وأوصيتُ بها، قال: فاشتغلنا بالرحلة ففقدتُ (العنزَ) فقلتُ: يا رسول اللّه قد فقدتُ العنزَ، فقال: "إنَّ لها رَبًّا" (٢). وهذا أيضًا حديثٌ غريبٌ جدًا إسنادًا ومتنًا، وفي إسناده من لا يُعرف حالُه. وسيأتي حديث الغزالة في قسم ما يتعلَّقُ من المعجزات بالحيوانات. تكثيره ﵊ السَّمنَ لأُمِّ سُليم قال الحافظ أبو يَعلى: حَدَّثَنَا شيبان، حَدَّثَنَا محمد بن زيادة البرجمي، عن أبي ظِلَال، عن أنس، عن أمّه قال: كانت لها شاة، فجمعت من سمنها في عُكّةٍ (٣)، فملأت العُكّةَ ثم بعثت بها مع ربيبة، فقالت: يا ربيبةُ أبلغي هذه العكّةَ رسولَ اللّه ﷺ يَأتدمُ بها، فانطلقت بها ربيبةُ حتى أتت رسولَ اللّه ﷺ ، فقالت: يا رسولَ الله! هذه عكّة سمنٍ بعثت بها إليك أمّ سُليم، قال: "أفرغوا لها عكتها" ففرغت العكّة فدُفعت إليها، فانطلقت بها، وجاءت وأمّ سُليم ليست في البيت، فعلَّقت العكّة على وتد، فجاءت أُمُّ سُليم فرأت العكة ممتلئة تقطرُ، فقالت أم سُليم: يا ربيبة! أليس أمرتُك أن تنطلقي بها إلى رسول اللّه؟ فقالت: قد فعلتُ، فإن لم تصدقيني فانطلقي فسلي رسولَ اللّه ﷺ ، فانطلقت ومعها ربيبة، فقالت: يا رسولَ اللّه! إني بعثتُ معها إليك بعكّة فيها سمن، قال: قد فعلت، قد جاءت، قالت: والذي بعثَك بالحق ودينِ الحق إنها لممتلئةٌ تقطرُ سمنًا، قال: فقال لها رسول اللّه ﷺ : "يا أمَّ سليم أتعجبينَ إن كان اللّه أطعمَكِ كما أطعمتِ نبيَّه؟ كُلي وأطعمي" قالت: فجئتُ إلى البيت فقسمتُ في قَعبٍ (٤) لنا وكذا وكذا، وتركتُ فيها ما ائتدمنا به شهرًا أو شهرين (٥).

стр. 2864

حديث آخرُ في ذلك: قال البيهقيّ (١): أخبرنا الحاكم، أخبرنا الأصم، حَدَّثَنَا عباس الدُّوري، حَدَّثَنَا علي بن بحر القطان، حَدَّثَنَا خلف بن خليفة، عن أبي هاشم الرُّمَّاني، عن يوسف بن خالد، عن أوسٍ بن خالد، عن أُمّ أوسٍ البهزية، قالت: سَلَيتُ سمنًا لي فجعلته في عُكّةٍ فأهديته لرسول اللّه، فقبله وترك في العكّة قليلًا، ونفخ فيها ودعا بالبركة، ثم قال: "رُدُّوا عليها عكّتها" فردُّوها عليها وهي مملوءةٌ سمنًا، قالت: فظننتُ أنَّ رسولَ اللّه لم يقبلها، فجاءت ولها صُراخٌ، فقالت: يا رسولَ اللّه! إنما سليتُه لك لتأكلَه، فعلم أنه قد استُجيب له، فقال: "اذهبوا فقولوا لها فلتأكل سمنها وتدعو بالبركة" فأكلت بقيّة عمر النَّبِيّ ﷺ ، وولاية أبي بكر، وولاية عمر، وولاية عثمان، حتى كان من أمر عليّ، ومعاوية ما كان. حديث آخر: روى البيهقيّ، عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يُونس بن بُكير، عن عبد الأعلى بن أبي المساور (٢) القرشي، عن محمد بن عمرو بن عَطاء، عن أبي هريرة، قال: كانت امرأة من دوس يقال لها: أمّ شريك، أسلمت في رمضان، فذكرَ الحديث في هِجرتها وصحبة ذلك اليهوديّ لها، وأنها عَطِشَت فأبى أن يسقيَها حتى تهوَّدَ، فنامت فرأت في النوم مَن يَسقيهما، فاستيقظت وهي ريَّانة، فلما جاءت رسولَ اللّه قصَّت عليه القِصَّةَ، فخطبَها إلى نفسها فرأت نفسَها أقلَّ من ذلك، وقالت: بل زوّجني من شئتَ، فزوَّجَها زيدًا وأمرَ لها بثلاثين صاعًا، وقال: "كُلُوا ولا تَكِيلُوا" وكانت معها عكّة سمنٍ هديّة لرسول اللّه ﷺ ، فأمرت جاريتَها أن تحملَها إلى رسول اللّه، فَفُرِّغَت، وأمرَها رسولُ اللّه إذا ردتها أن تعلقَها ولا تُوكئها، فدخلت أم شريك فوجدتها ملأى، فقالت للجارية: ألم آمرك أن تذهبي بها إلى رسول اللّه؛ فقالت: قد فعلتُ، فذكروا ذلك لرسول اللّه، فأمرَهم أن لا يوكئوها، فلم تزل حتى أوكتها أمّ شريك (٣)، ثم كالوا الشعيرَ فوجدوه ثلاثينَ صاعًا لم ينقص منه شيء (٤). حديث آخر في ذلك: قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا حسن، حَدَّثَنَا ابن لهيعة، حَدَّثَنَا أبو الزبير، عن جابر؛ أن أُمَّ مالك البهزية كانت تهدي في عُكّة لها سمنًا للنبي ﷺ فبينما بنوها يسألونها الإدام، وليس

стр. 2865

عندَها شيءٌ، فعمدَت إلى عكّتها التي كانت تُهدي فيها إلى النَّبِيِّ ﷺ (فوجدت فيها سمنًا، فما زال يدوم لها أُدم بنيها حتى عصرته، وأتت رسولَ الله ﷺ ) (١)، فقال: "أعصرتيه؟ " فقالت: نعم، قال: "لو تركتيه ما زال ذلك مُقيمًا" (٢). ثم روى الإمام أحمد بهذا الإسناد عن جابر، عن النَّبِيّ ﷺ ؛ أنه أتاه رجلٌ يستطعمُه فأطعمَه شطرَ وَسقِ شعيرٍ، فما زالَ الرجلُ يأكلُ منه هو وامرأته ووصيفٌ لهم حتى كالوه، فقال رسول الله ﷺ : "لو لم تكيلوه لأكلتم منه، ولقام لكم" (٣). وقد روى هذين الحديثين مسلم (٤) من وجه آخر، عن أبي الزبير، عن جابر. ذكرُ ضيافةِ أبي طَلحةَ الأنصاريّ رسولَ الله ﷺ - قال البخاري (٥): حَدَّثَنَا عبدُ الله بن يُوسف، أخبرنا مالك، عن إسحاقَ بن عبدِ الله بن أبي طَلحةَ؛ أنه سمعَ أنسَ بن مالك يقول: قال أبو طلحة لأمّ سُليم: لقد سمعتُ صوتَ رسول الله ضعيفًا أعرفُ فيه الجوعَ، فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم، فأخرجت أقراصًا من شعير، ثم أخرجت خِمارًا لها فلفَّت الخبزَ ببعضه، ثم دسَّتهُ تحتَ يدي ولائتني (٦) ببعضِه، ثم أرسلتني إلى رسول الله ﷺ قال: فذهبتُ به فوجدتُ رسولَ الله ﷺ في المسجد ومعه الناس، فقمتُ عليهم، فقال لي رسول الله ﷺ : "أرسلكَ أبو طلحة؟ " فقلت: نعم. قال: "بطعام؟ " قلت: نعم، فقال رسول الله ﷺ لمن معه: "قوموا" فانطلقَ وانطلقتُ بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرتُه، فقال أبو طلحة: يا أم سُليم قد جاء رسولَ الله ﷺ والناسُ وليس عندنا ما نُطعمُهم، فقالت: اله ورسولُه أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ ، فأقبل رسولَ الله وأبو طلحة معه، فقال رسول الله: "هلمَّ يا أُمَّ سُليم، ما عندَك؟ " فأتت بذلك الخبز، فأمرَ

стр. 2866

به رسولُ اللّه ﷺ فَفُتَّ، وعصرت أمُّ سُليم عُكَّة فأدمته، ثم قال رسول اللّه فيه ما شاء الله أن يقول، ثم قال: "ائذن لعشرةٍ"، فأذنَ لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: "ائذن لعشرة" فأذنَ لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: "ائذن لعشرة" فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال: "ائذن لعشرة" فأكل القومُ كلُّهم والقوم سبعون أو ثمانون رجلًا. وقد رواه البخاريُّ في مواضع أخر من صحيحه، ومسلم من غير وجه، عن مالك (١). طريقٌ آخرُ عن أنسِ بن مالك ﵁ قال أبو يَعلى: حَدَّثَنَا هُدْبَة بن خالد، حَدَّثَنَا مُباركُ بن فضالة، حَدَّثَنَا بُكير وثابت البُناني، عن أنس؛ أن أبا طلحةَ رأى رسولَ اللّه ﷺ طاويًا، فجاء إلى أمّ سُليم فقال: إني رأيتُ رسولَ اللّه ﷺ طاويًا؛ فهل عندك من شيء؟ قلت: ما عندنا إِلَّا نحو من مُدّ دقيق وشعير. قال: فاعجنيه وأصلحيه عسى أن ندعوَ رسولَ اللّه ﷺ فيأكل عندنا، قال: فعجنته وخبزته، فجاء قرصًا، فقال: يا أنسُ ادعُ رسولَ اللّه، فأتيتُ رسولَ اللّه ومعه أناسٌ. قال مبارك: أحسبه قال: بضعةٌ وثمانون. قال: فقلت: يا رسولَ اللّه أبو طلحة يدعوك، فقال لأصحابه: "أجيبُوا أبا طلحةَ" فجئتُ جَزِعًا، حتى أخبرته أنه قد جاءَ بأصحابه. قال بكر: فعدى قومه وقال ثابت: قال أبو طلحة: رسولُ اللّه أعلمُ بما في بيتي مني. وقالا جميعًا: عن أنس، فاستقبلَه أبو طلحة فقال: يا رسولَ اللّه ما عندنا شيءٌ إِلَّا قرصٌ، رأيتُك طاويًا فأمرتُ أمَّ سُليم فجعلت لك قرصًا، قال: فدعا بالقرص، ودعا بجفنة، فوضعَه فيها، وقال: "هل من سمن؟ " قال أبو طلحة: قد كان في العكّة شيء، قال: فجاء بها، قال: فجعل رسولُ اللّه وأبو طلحة يعصرانها، حتى خرجَ شيء مسح رسول اللّه به سبابته ثم مسح القرص فانتفخ وقال: "باسم اللّه" فانتفخَ القرصُ، فلم يزل يصنعُ كذلك والقرصُ ينتفخُ حتى رأيتُ القرصَ في الجَفنة يميعُ، فقال: "ادعُ عشرةً من أصحابي" فدعوتُ له عشرةً، قال: فوضعَ رسولُ اللّه ﷺ يدَه وسطَ القرص وقال: "كلوا باسم اللّه" فأكلوا من حَوالي القرص حتى شبعوا، ثم قال: "ادعُ لي عشرة أُخرى" فدعوت له عشرة أخرى، فقال: "كلوا باسم اللّه" فأكلوا من حوالي القرص حتى شبعوا، فلم يزل يدعو عشرة عشرة يأكلون من ذلك القرص حتى أكل منه بضعة وثمانون من حوالي القرص، حتى شبعوا، وإن وسطَ القرص حيثُ وضعَ رسولُ اللّه ﷺ يدَه كما (٢) هو. وهذا إسناد حسن على شرط أصحاب السنن، ولم يخرجوه، فاللّه أعلم.

стр. 2867

طريقٌ أخرى عن أنسِ بن مالك قال الإمام أحمد (١): حَدَّثَنَا عبد اللّه بن نُمَير، حَدَّثَنَا سعد -يعني ابن سعيد بن قيس- أخبرني أنس بن مالك، قال: بعثني أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ لأدعوه، وقد جعل له طعامًا، فأقبلتُ ورسولُ اللّه ﷺ مع الناس، قال: فنظرَ إليَّ فاستحيَيتُ فقلت: أجب أبا طلحة، فقال للناس: "قوموا"، فقال أبو طلحة: يا رسولَ اللّه إنما صنعتُ شيئًا لك. قال: فمسَّها رسولُ اللّه ودعا فيها بالبركة، ثم قال: "أدخل نفرًا من أصحابي عشرة" فقال: "كلُوا" فأكلوا حتى شبعوا وخرجوا، وقال: "أدخل عشرة" فأكلوا حتى شبعوا، فما زال يُدخل عشرةً ويُخرج عشرة، حتى لم يبق منهم أحدٌ إِلَّا دخلَ فأكل حتى شبع ثم هيَّأها فإذا هي مثلها حين أكلوا منها. وقد رواه مسلم (٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد اللّه بن نُمَير؛ كلاهما عن عبد اللّه بن نُمَير، وعن سعيد بن يَحيى الأموي (٣)، عن أبيه، كلاهما عن سعد بن سعيد بن قيس الأنصاري. طريق أخرى رواه مسلم (٤) في الأطعمة، عن عبد بن حميد، عن خالد بن مَخلَد، عن محمّد بن مُوسى، عن عبد اللّه بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، فذكرَ نحو ما تقدم. وقد رواه أبو يَعلى الموصلي، عن محمد بن عبّاد المكي، عن حاتم، عن معاوية بن أبي مزرد، عن عبد الله بن عبد اللّه بن أبي طلحة، عن أبيه، عن أبي طلحة، فذكره، واللّه أعلم (٥). طريقٌ أخرى عن أنس قال الإمام أحمد (٦): حَدَّثَنَا علي بن عاصم، حَدَّثَنَا حُصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أنس بن مالك، قال: أتى أبو طلحة بمُدّين من شعيرٍ، فأمر به فصُنع طعامًا، ثم قال لي:

стр. 2868

يا أنسُ: انطلق ائت رسولَ اللّه ﷺ فادعُه، وقد تعلمُ ما عندنا، قال: فأتيتُ رسولَ اللّه ﷺ ، وأصحابُه عنده، فقلت: إن أبا طلحةَ يدعوك إلى طعامه، فقام، وقال للناس: "قوموا" فقاموا، فجئتُ أمشي بين يديه، حتى دخلتُ على أبي طلحة فأخبرتُه، قال: فضَحْتَنا، قلت: إني لم أستطع أن أردَّ على رسول اللّه ﷺ أمرَه. فلما انتهى رسولُ اللّه ﷺ قال لهم: "اقعدوا" ودخل عاشرُ عشرةٍ، فلما دخلَ أُتي بالطعام تناولَ فأكلَ وأكلَ معه القومُ حتى شبعوا، ثم قال لهم: "قوموا، وليدخل عشرة مكانكم" حتى دخلَ القومُ كلُّهم وأكلوا، قال: قلت: كم كانوا؟ قال: كانوا نيّفًا وثمانين، قال: وفضل لأهل البيت ما أشبعهم. وقد رواه مسلم في الأطعمة (١)، عن عمرو الناقد، عن عبد اللّه بن جعفر الرقي، عن عُبيد اللّه بن عمرو، عن عبد الملك بن عُمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أنس، قال: أمر أبو طلحة أمَّ سُليم قال: اصنعي للنبيّ ﷺ لنفسه خاصة طعامًا يأكلُ منه. فذكر نحو ما تقدم. طريقٌ أخرى عن أنس قال أبو يعلى: حَدَّثَنَا شُجاع بن مَخلَد، حَدَّثَنَا وَهب بن جرير، حَدَّثَنَا أبي، سمعت جريرَ بن زيد يُحَدِّثُ عن عمرو بن عبد اللّه بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، قال: رأى أبو طلحة رسولَ اللّه في المسجد مضطجعًا، يتقلّب ظهرًا لبطن، فأتى أمَّ سُلَيم فقال: رأيتُ رسولَ اللّه مضطجعًا في المسجد، يتقلَّبُ ظهرًا لبطن، فخبزت أمُّ سُليم قُرصًا. ثم قال لي أبو طلحة: اذهب فادعُ رسولَ اللّه، فأتيتُه، وعنده أصحابه، فقلت: يا رسولَ اللّه يدعوكَ أبو طلحة، فقام وقال: "قوموا" قال: فجئتُ أسعى إلى أبي طلحةَ فأخبرتُه أنَّ رسولَ اللّه قد كان تبعَه أصحابُه، فتلقّاه أبو طلحة، فقال: يا رسولَ اللّه إنما هو قُرصٌ، فقال: "إن اللّه سيُبارك فيه" فدخلَ رسولُ اللّه، وجيء بالقرص في قصعةٍ، فقال: "هل من سمن؟ " فجيء بشيءٍ من سمنٍ فغوَّرَ القرصَ بأصبعه هكذا، ورفعَها، ثم صبَّ وقال: "كلوا من بين أصابعي" فأكلَ القومُ حتى شبعوا، ثم قال: "أَدخل عليَّ عشرة" فأكلوا حتى شبعوا، حتى أكل القومُ فشبعوا، وأكل رسولُ اللّه ﷺ وأبو طلحة وأم سُليم وأنا حتى شبعنا، وفضلَت فضلة أهديت لجيران لنا (٢). ورواه مسلم (٣) في الأطعمة من صحيحه، عن حسن الحُلوَاني، عن وهب (٤)، عن جرير بن

стр. 2869

حازم، عن عمه جرير بن زيد (١)، عن عمرو بن عبد اللّه بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، فذكر نحو ما تقدم. طريقٌ أخرى عن أنس قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يُونس بن محمد، حَدَّثَنَا حمَّاد -يعني ابن زيدٍ- عن هشام، عن محمد - يعني ابن سيرين - عن أنس - قال حمَّاد: والجعد قد ذكر (٢) - قال: عَمَدَت أُمُّ سُليم إلى نصف مُدّ شعيرٍ فطحنتهُ، ثم عَمَدَت إلى عُكّةٍ كان فيها شيء من سمن، فاتَّخذت منه خطيفة (٣) قال: ثم أرسلتني إلى رسول اللّه ﷺ قال: فأتيتُه وهو في أصحابه فقلتُ: إن أُمَّ سُليم أرسلتني إليك تدعوك، فقال: "أنا ومن معي" قال: فجاء هو ومن معه، قال: فدخلتُ فقلتُ لأبي طلحةَ: قد جاءَ رسولُ اللّه ﷺ ومن معه، فخرج أبو طلحة فمشى إلى جنب النَّبِيّ ﷺ ، قال: يا رسولَ اللّه إنما هو خطيفة اتَّخذَتها أُمُّ سُليم من نصف مُدّ شعير، قال: فدخل فأتى به، قال: فوضع يدَه فيها. ثم قال: "أدخل عشرة" قال: فدخل عشرةٌ فأكلوا حتى شبعوا، ثم دخل عشرة فأكلوا، ثم عشرة فأكلوا، حتى أكلَ منها أربعون كلُّهم أكلوا حتى شبعوا، قال: وبقيت كما هي قال: فأكلنا (٤). وقد رواه البخاري (٥) في الأطعمة، عن الضَلتِ بن محمد، عن حمَّاد بن زيد، عن الجعد أبي عثمان، عن أنس. وعن هشام، عن محمد (٦)، عن أنس. وعن سِنان بن ربيعة أبي ربيعة (٧)، عن أنس: أن أم سُليم عَمَدَت إلى مُدٍّ من شعير جَشَّتة (٨) وجعلت منه خطيفة، وعمدت إلى عُكةٍ فيها شيء من سمن فعصرته، ثم بعثتني إلى رسول اللّه وهو في أصحابه .. الحديث بطوله. ورواه أبو يعلى المَوصلي: حَدَّثَنَا عمرو بن الضحاك، حَدَّثَنَا أبي، سمعتُ أشعثَ الحُدَّاني (٩) قال:

стр. 2870

قال محمد بن سيرين: حدَّثني أنس بن مالك؛ أن أبا طلحة بلغَه أنه ليس عندَ رسول اللّه ﷺ طعامٌ، فذهبَ فأجَّرَ نفسَه بصاعٍ من شعير، فعَمِل يومَه ذلك، فجاءَ به وأمرَ أمَّ سُلَيم أن تعملَه خطيفةً (١). وذكر الحديث. طريق أخرى عن أنس قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يُونس بن محمد، حَدَّثَنَا حربُ بن ميمون، عن النضر بن أنس، عن أنس بن مالك قال: قالت أُمُّ سُليم: اذهب إلى نبي اللّه ﷺ فقل: إن رأيتَ أن تغدَّى عندنا فافعل، فجئتُه فبلّغتُه، فقال: "ومن عندي؟ " قلت: نعم، قال: "انهضوا" قال: فجئتُه فدخلتُ على أُمّ سُلَيم وأنا لَدَهِشٌ لمن أقبلَ مع رسول اللّه ﷺ ، قال: فقالت أم سُلَيم: ما صنعتَ يا أنس؟ فدخلَ رسولُ اللّه ﷺ على إثر ذلك، فقال: "هل عندك سمن؟ " قالت: نعم، قد كان منه عندي عُكّة فيها شيء من سمن، قال: "فائتِ بها" قالت: فجئتُ بها، ففتحَ رباطَها ثم قال: "باسم اللّه، اللهم أعظم فيها البركة" قال: فقال: "اقلبيها " فقلبتُها، فعصرَها نبيُّ اللّه ﷺ وهو يُسمّي، فأخذتُ نَقعَ قِدرٍ، فأكلَ منها بضعٌ وثمانون رجلًا، وفضل فضلةً، فدفعها إلى أُمّ سُليم فقال: "كلي وأطعمي جيرانك" (٢). وقد رواه مسلم (٣) في الأطعمة، عن حَجَّاج بن الشاعر، عن يونس بن محمد المؤدب، به. طريق أخرى قال أبو القاسم البغوي: حَدَّثَنَا علي بن المَديني، حَدَّثَنَا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عمرو بن يحيى بن عُمارة المازني، عن أبيه، عن أنس بن مالك؛ أن أمَّه أمّ سُليم صنعت خزيرًا (٤). فقال أبو طلحة: اذهب يا بنيّ فادعُ رسولَ اللّه ﷺ قال: فجئتُه وهو بين ظَهراني الناس، فقلت: إن أبي يدعوكَ، قال: فقام وقال للناس: "انطلقوا" قال: فلما رأيتُه قام بالناس تقدّمتُ بين أيديهم، فجئت أبا طلحة، فقلت: يا أبت قد جاءَك رسولُ اللّه ﷺ بالناس، قال: فقام أبو طلحة على الباب وقال: يارسول اللّه إنما كان شيئًا يَسيرًا، فقال: "هلمَّهُ، فإن اللّه سيجعلُ فيه البركة! فجاء به، فجعل رسولُ اللّه يدَه فيه، ودعا اللّه بما شاء أن يدعوَ، ثم قال: "أدخل عشرة عشرة" فجاءه منهم ثمانون فأكلوا وشبعوا.

стр. 2871

ورواه مسلم في الأطعمة (١)، عن عبد بن حُميد، عن القعنبي، عن الدراوردي، عن يحيى بن عُمارة بن أبي حسن الأنصاري، المازني، عن أبيه، عن أنس بن مالك، بنحو ما تقدم. طريق أخرى ورواه مسلم في الأطعمة أيضًا (٢)، عن حرملة، عن ابن وهب، عن أسامة بن زيد اللَّيثي، عن يعقوب بن عبد اللّه بن أبي طلحة، عن أنس كنحو ما تقدم. قال البيهقيّ (٣): وفي بعض حديث هؤلاء: ثم أكلَ رسولُ اللّه ﷺ ، وأكلَ أهلُ البيت، وأفضلوا ما بلغَ جيرانَهم. فهذه طرق متواترة عن أنس بن مالك ﵁ أنه شاهدَ ذلك، على ما فيه من اختلاف عنه في بعض حروفه. ولكن أصلَ القصة متواترٌ لا محالة كما ترى، وللّه الحمد والمنة؛ فقد رواه عن أنس بن مالك: إسحاق بن عبد اللّه بن أبي طلحة، وبكر بن عبد اللّه المُزَني، وثابت بن أسلم البناني، والجعد أبو (٤) عثمان، وسعد بن سعيد أخو يحيى بن سعيد الأنصاري، وسِنان بن ربيعة، وعبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي طلحة، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعمرو بن عبد اللّه بن أبي طلحة، ومحمد بن سيرين، والنضر بن أنس، ويحيى بن عُمارة بن أبي حسن، ويَعقوب بن عبد اللّه بن أبي طلحة. وقد تقدَّم في غزوة الخندق حديث جابر في إضافته ﷺ على صاعٍ من شعير وعَناق (٥)، فعزمَ ﵊ على أهل الخندق بكمالهم، وكانوا ألفًا -أو قريبًا من ألف- فأكلوا كلُّهم من تبك العَنَاق وذلك الصاع حتى شَبِعوا وتركوه كما كان، وقد أسلفنا بسنده ومتنه وطرقه، وللّه الحمد والمنة. ومن العجيب الغريب ما ذكرَه الحافظُ أبو عبد الرحمن بن محمد بن المنذر الهروي -المعروف بشكر- في كتاب "العجائب الغريبة" في هذا الحديث فإنه أسنده وساقه بطوله، وذكر في آخره شيئًا غريبًا، فقال: حَدَّثَنَا محمد بن علي بن طرخان، حَدَّثَنَا محمد بن مَسرور، أخبرنا هاشم بن هاشم -ويكنى بأبي برزة- بمكة في المسجد الحرام، حَدَّثَنَا أبو كعب البداح بن سهل الأنصاري من أهل المدينة، من الناقلة الذين نقلهم هارون إلى بغداد، سمعتُ منه بالمَصِّيصة، عن أبيه سهل بن

стр. 2872

عبد الرحمن، عن أبيه عبد الرحمن بن كعب، عن أبيه كعب بن مالك، قال: أتى جابرُ بن عبد اللّه إلى رسول اللّه ﷺ ، فعرفَ في وجهه الجوع، فذكر أنه رجعَ إلى منزله، فذبح دَاجِنًا كانت عندهم، وطبخَها وثردَ تحتها في جَفنة وحملَها إلى رسول اللّه ﷺ ، فأمره أن يدعوَ له الأنصار، فأدخلهم عليه أرسالًا، فأكلوا كلُّهم وبقي مثل ما كان، وكان رسول الله ﷺ يأمرُهم أن يأكلوا ولا يَكسروا عظمًا، ثم إنه جمعَ العظامَ في وسط الجَفنة (١) فوضعَ عليها يدَه، ثم تكلَّم بكلام لا أسمعُه إِلَّا أني أرى شفتيه تتحرك، فإذا الشاة قد قامت تنفضُ أُذنيها، فقال: "خذ شاتَك يا جابر باركَ اللّه لك فيها" قال: فأخذتُها ومضيت، وإنها لتنازعُني أذنَها، حتى أتيتُ بها البيتَ، فقالت لي المرأة: ما هذا يا جابر؟ فقلت: هذه واللّه شاتُنا التي ذبحنَاها لرسول اللّه، دعا اللّه فأحياها لنا، فقالت: أنا أشهدُ أنه رسولُ اللّه، أشهدُ أنه رسولُ الله، أشهدُ أنه رسولُ اللّه. حديث آخر عن أنس في معنى ما تقدم قال أبو يعلى المَوصلي والبَاغندي: حَدَّثَنَا شَيبان، حدَّثنا محمد بن عيسى بصري - وهو صاحب الطعام (٢) - حَدَّثَنَا ثابت البُناني، قلتُ لأنس بن مالك: يا أنس أخبرني بأعجب شيء رأيتَه، قال: نعم يا ثابت خدمتُ رسولَ اللّه ﷺ عشرَ سنين فلم يعب (٣) عليَّ شيئًا أسأتُ فيه، وإن نبيَّ اللّه ﷺ لما تزوَّج زينبَ بنتَ جحش، قالت لي أمي: يا أنس، إنَّ رسولَ اللّه ﷺ أصبحَ عَروسًا ولا أدري أصبحَ له غداءٌ، فهلمَّ (٤) تلك العُكَّة، فأتيتُها بالعُكّة وبتمرٍ، فجعلت له حَيسًا (٥)، فقالت: يا أنس اذهب بهذا إلى نبيّ الله وامرأته، فلما أتيتُ رسولَ اللّه ﷺ بتَورٍ (٦) من حجارة فيه ذلك الحَيس، قال: "دعه (٧) ناحية البيت، وادع لي أبا بكر وعمر وعليًا وعثمان" ونفرًا من أصحابه، "ثم ادعُ لي أهل المسجد ومن رأيتَ في الطريق" قال: فجعلتُ أتعجّب من قلّة الطعام، ومن كثرة ما يأمُرني أن أدعوَ النَّاسَ، وكرهتُ أن أعصيَه حتى امتلأ البيتُ والحجرةُ، فقال: "يا أنس هل ترى من أحد؟ " فقلت: لا يا رسولَ اللّه، قال: "هات ذلك التَّورَ" فجئتُ بذلك التَّورِ فوضعتُه قدّامه، فغمسَ ثلاثَ أصابعَ في التَّورِ، فجعلَ التَّورُ (٨) يربُو

стр. 2873

(ويرتفعُ) (١) فجعلوا يتغذون ويخرجون، حتى إذا فرغوا أجمعون وبقيَ في التَّورِ نحو ما جئتُ به، فقال: "ضعه قدّام زينبَ"، فخرجتُ وأسففت عليهم بابًا من جريد. قال ثابت: قلنا: يا أبا حمزة، كم ترى كان الذين أكلوا من ذلك التَّورِ؟ فقال: أحسب واحدًا وسبعين أو اثنين وسبعين (٢). وهذا حديثٌ غريب من هذا الوجه ولم يخرجوه. حديث آخر عن أبي هريرة في ذلك قال جعفرُ بن محمد الفِريابي (٣): حَدَّثَنَا عثمان بن أبي شَيبةَ، حَدَّثَنَا حاتم بن إسماعيل، عن أنيس بن أبي يحيى، عن إسحاق بن سالم، عن أبي هريرة، قال: خرجَ عليَّ رسولُ الله ﷺ فقال: "ادعُ لي أصحابَك من أصحابِ الصُّفة" فجعلتُ أُنبِّههم رجلًا رجلًا، فجمعتُهم، فجئنا بابَ رسول اللّه ﷺ فاستأذنا. فأذنَ لنا، قال أبو هريرة: فوُضِعَت بين أيدينا صَحفَةٌ أظنُّ أن فيها قَدرَ مُدٍّ من شعير، قال: فوضعَ رسولُ الله ﷺ عليه يدَه وقال: "كُلوا باسم الله" قال: فأكلنا ما شئنا ثم رفعنا أيديَنا، فقالَ رسولُ اللّه ﷺ حين وُضِعَت الصَّحفَةُ: "والذي نفسي بيده ما أمسى في آلِ محمّدٍ طعامٌ ليس تَرونه" قيل لأبي هريرة: قَدرُ كَم كانت حين فرغتُم منها؟ قال: مثلها حين وُضعت إِلَّا أن فيها أثرُ الأصابع (٤). وهذه قصة غير قصة أهل الصُّفة المتقدمة في شربهم اللبن، كما قدَّمنا. حديث آخر عن أبي أيوب في ذلك قال جعفر الفريابي: حَدَّثَنَا أبو سلمة يحيى بن خلف، حَدَّثَنَا عبد الأعلى، عن سعيد الجريري، عن أبي الورد، عن أبي محمد الحضرمي، عن أبي أيوب الأنصاري، قال: صنعتُ لرسول اللّه ﷺ ولأبي بكر طعامًا قَدرَ ما يَكفيهما فأتيتُهما به، فقال رسول الله ﷺ : "اذهب فادعُ لي ثلاثينَ من أشراف الأنصار"

стр. 2874

قال: فشقَّ ذلك عليّ، ما عندي شيءٌ أزيدُه، قال: فكأني تثاقلتُ، فقال: "اذهب فادعُ لي ثلاثينَ من أشراف الأنصار" فدعوتُهم، فجاؤُوا، فقال: "اطعَمُوا" فأكلوا حتى صدروا، ثم شهدوا أنه رسولُ اللّه، ثم بايعوه قبل أن يخرجوا، ثم قال: "اذهب فادعُ لي ستينَ من أشراف الأنصار" قال أبو أيوب: فواللّه لأنا بالستين أجود مني بالثلاثين، قال: فدعوتُهم، فقال رسولُ الله ﷺ : "تربعوا" فأكلوا حتى صَدَرُوا ثم شَهِدوا أنه رسولُ اللّه وبايعوه قبل أن يخرجوا، قال: "فاذهب فادعُ لي تسعين من الأنصار "قال: فلأنا أجود بالتسعين والستين مني بالثلاثين، قال: فدعوتُهم فأكلوا حتى صَدَروا ثم شهدوا أنه رسولُ اللّه وبايعوه قبل أن يخرجوا، قال: فأكل من طعامي ذلك مئة وثمانون رجلًا كلُّهم من الأنصار. وهذا حديث غريب جدًا إسنادًا (١) ومتنًا. وقد رواه البيهقيُّ (٢) من حديث محمد بن أبي بكر المقدمي، عن عبد الأعلى، به. قصة أخرى في تكثير الطعام في بيت فاطمة قال الحافظ أبو يعلى: حَدَّثَنَا سهل بن الحنظلية، حَدَّثَنَا عبد اللّه بن صالح، حدَّثني ابن لهيعة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر: أن رسولَ اللّه ﷺ أقامَ أيامًا لم يَطعَم طعامًا حتى شقَّ عليه، فطافَ في منازل أزواجه فلم يُصِب عندَ واحدة منهنّ شيئًا، فأتى فاطمةَ فقال: "يا بنيّة، هل عندك شيء آكله فإني جائع؟ " فقالت: لا واللّه بأبي أنت وأمي، فلما خرجَ من عندها رسولُ اللّه ﷺ بعثت إليها جارةٌ لها برغيفين وقطعة لحم، فأخذته منها فوضَعته في جَفنةٍ لها وغطَّت عليها، وقالت: واللّه لأُوثرنَّ بهذا رسولَ اللّه ﷺ على نفسي ومن عندي، وكانوا جميعًا مُحتاجين إلى شبعةِ طعام، فبعثت حسنًا -أو حُسينًا- إلى رسول اللّه ﷺ فرجعَ إليها، فقالت له: بأبي أنت وأمي قد أتى اللّه بشيء فخبَّأته لك، قال: "هلمّي يا بنية" فكشفت عن الجفنةِ فإذا هي مملوءةٌ خبزًا ولحمًا، فلما نظرت إليها بُهتت وعرفت أنها بركة من اللّه، فحمدتِ اللّه وصلَّت على نبيه ﷺ وقدَّمته إلى رسول اللّه، فلما رآه حَمِدَ اللّه وقال: "من أين لك هذا يا بنية؟ "قالت: يا أبتِ هو من عند اللّه، إن اللّه يرزقُ من يشاءُ بغير حساب، فحَمِد اللّه وقال: "الحمد للّه الذي جعلك يا بنيَّة شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل، فإنها كانت إذا رزقَها اللّه شيئًا فسُئلت عنه، قالت: هو من عند اللّه، إن اللّه يرزقُ مَن يشاءُ بغير حساب" فبعثَ رسولُ اللّه ﷺ إلى عليّ، ثم أكلَ رسولُ اللّه ﷺ وعليٌّ وفاطمةُ وحسنٌ وحُسين، وجميعُ أزواج رسولِ اللّه ﷺ ، وأهلُ بيته جميعًا حتى

стр. 2875

شبعوا، قالت: وبقيت الجَفنَةُ كما هي، فاوسعت بقيّتَها على جميع جيرانها، وجعلَ اللّه فيها بركةً وخيرًا كثيرًا. وهذا حديث غريب أيضًا إسنادًا ومتنًا. وقد قدَّمنا في أوّل البعثة حين نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، حديثَ ربيعةَ بن ناجد، عن عليّ في دعوته ﵊ بني هاشم - وكانوا نحوًا من أربعين - فقدَّمَ إليهم طعامًا من مُدّ، فأكلوا حتى شَبِعوا وتركوه كما هو، وسقاهم من عُسٍّ (١) شرابًا حتى رووا، وتركوه كما هو ثلاثة أيام متتابعة، ثم دعاهم إلى الله، كما تقدم. قصة أخرى في بيت رسول اللّه ﷺ - قال الإمام أحمد (٢): حَدَّثَنَا على بن عاصم، حَدَّثَنَا سُليمان التَّيمِي، عن أبي العَلاء بن الشِّخير، عن سمُرةَ بن جُندب، قال: بينما نحن عند النَّبِيّ ﷺ إذ أُتي بقصعةٍ فيها ثريد، قال: فأكلَ وأكلَ كل القوم، فلم يزالوا يتداولونها إلى قريب من الظهر، يأكلُ قولم ثم يقومون، ويجيءُ قوم فيتعاقبونه، قال: فقال له رجل: هل كانت تُمَدُّ بطعامٍ؛ قال: "أمَّا من الأرضِ فلا، إِلَّا أن تكون كانت تُمدُّ من السماء". ثم رواه أحمد (٣) عن يزيد بن هارون، عن سُليمان، عن أبي العلاء، عن سَمُرة؛ أن رسولَ اللّه أُتي بقصعةٍ فيها ثريد، فتعاقبُوها إلى الظهر من غَدوَة، يقومُ ناس ويقعدُ آخرون، قال له رجل: هل كانت تُمَدُّ؛ فقال له: "فمن أين؟ - تَعجَّبَ - ما كانت تُمَدُّ إِلَّا من هاهنا"، وأشار إلى السماء. وقد رواه الترمذي والنسائي (٤) أيضًا، من حديث مُعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي العلاء - واسمُه يزيد بن عبد الله بن الشخير - عن سَمُرة بن جُندب، به. قصة قصعة بيت الصديق ولعلها هي القصة المذكورة في حديث سمرة، واللّه أعلم. قال البخاري (٥): حَدَّثَنَا موسى بن إسماعيل، حَدَّثَنَا مُعتَمِرٌ عن أبيه، حَدَّثَنَا أبو عثمان؛ أنه حدَّثه
следующие страницы →