← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

ورواه مسلم في الأطعمة (١)، عن عبد بن حُميد، عن القعنبي، عن الدراوردي، عن يحيى بن عُمارة بن أبي حسن الأنصاري، المازني، عن أبيه، عن أنس بن مالك، بنحو ما تقدم. طريق أخرى ورواه مسلم في الأطعمة أيضًا (٢)، عن حرملة، عن ابن وهب، عن أسامة بن زيد اللَّيثي، عن يعقوب بن عبد اللّه بن أبي طلحة، عن أنس كنحو ما تقدم. قال البيهقيّ (٣): وفي بعض حديث هؤلاء: ثم أكلَ رسولُ اللّه ﷺ ، وأكلَ أهلُ البيت، وأفضلوا ما بلغَ جيرانَهم. فهذه طرق متواترة عن أنس بن مالك ﵁ أنه شاهدَ ذلك، على ما فيه من اختلاف عنه في بعض حروفه. ولكن أصلَ القصة متواترٌ لا محالة كما ترى، وللّه الحمد والمنة؛ فقد رواه عن أنس بن مالك: إسحاق بن عبد اللّه بن أبي طلحة، وبكر بن عبد اللّه المُزَني، وثابت بن أسلم البناني، والجعد أبو (٤) عثمان، وسعد بن سعيد أخو يحيى بن سعيد الأنصاري، وسِنان بن ربيعة، وعبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي طلحة، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعمرو بن عبد اللّه بن أبي طلحة، ومحمد بن سيرين، والنضر بن أنس، ويحيى بن عُمارة بن أبي حسن، ويَعقوب بن عبد اللّه بن أبي طلحة. وقد تقدَّم في غزوة الخندق حديث جابر في إضافته ﷺ على صاعٍ من شعير وعَناق (٥)، فعزمَ ﵊ على أهل الخندق بكمالهم، وكانوا ألفًا -أو قريبًا من ألف- فأكلوا كلُّهم من تبك العَنَاق وذلك الصاع حتى شَبِعوا وتركوه كما كان، وقد أسلفنا بسنده ومتنه وطرقه، وللّه الحمد والمنة. ومن العجيب الغريب ما ذكرَه الحافظُ أبو عبد الرحمن بن محمد بن المنذر الهروي -المعروف بشكر- في كتاب "العجائب الغريبة" في هذا الحديث فإنه أسنده وساقه بطوله، وذكر في آخره شيئًا غريبًا، فقال: حَدَّثَنَا محمد بن علي بن طرخان، حَدَّثَنَا محمد بن مَسرور، أخبرنا هاشم بن هاشم -ويكنى بأبي برزة- بمكة في المسجد الحرام، حَدَّثَنَا أبو كعب البداح بن سهل الأنصاري من أهل المدينة، من الناقلة الذين نقلهم هارون إلى بغداد، سمعتُ منه بالمَصِّيصة، عن أبيه سهل بن

стр. 2872

عبد الرحمن، عن أبيه عبد الرحمن بن كعب، عن أبيه كعب بن مالك، قال: أتى جابرُ بن عبد اللّه إلى رسول اللّه ﷺ ، فعرفَ في وجهه الجوع، فذكر أنه رجعَ إلى منزله، فذبح دَاجِنًا كانت عندهم، وطبخَها وثردَ تحتها في جَفنة وحملَها إلى رسول اللّه ﷺ ، فأمره أن يدعوَ له الأنصار، فأدخلهم عليه أرسالًا، فأكلوا كلُّهم وبقي مثل ما كان، وكان رسول الله ﷺ يأمرُهم أن يأكلوا ولا يَكسروا عظمًا، ثم إنه جمعَ العظامَ في وسط الجَفنة (١) فوضعَ عليها يدَه، ثم تكلَّم بكلام لا أسمعُه إِلَّا أني أرى شفتيه تتحرك، فإذا الشاة قد قامت تنفضُ أُذنيها، فقال: "خذ شاتَك يا جابر باركَ اللّه لك فيها" قال: فأخذتُها ومضيت، وإنها لتنازعُني أذنَها، حتى أتيتُ بها البيتَ، فقالت لي المرأة: ما هذا يا جابر؟ فقلت: هذه واللّه شاتُنا التي ذبحنَاها لرسول اللّه، دعا اللّه فأحياها لنا، فقالت: أنا أشهدُ أنه رسولُ اللّه، أشهدُ أنه رسولُ الله، أشهدُ أنه رسولُ اللّه. حديث آخر عن أنس في معنى ما تقدم قال أبو يعلى المَوصلي والبَاغندي: حَدَّثَنَا شَيبان، حدَّثنا محمد بن عيسى بصري - وهو صاحب الطعام (٢) - حَدَّثَنَا ثابت البُناني، قلتُ لأنس بن مالك: يا أنس أخبرني بأعجب شيء رأيتَه، قال: نعم يا ثابت خدمتُ رسولَ اللّه ﷺ عشرَ سنين فلم يعب (٣) عليَّ شيئًا أسأتُ فيه، وإن نبيَّ اللّه ﷺ لما تزوَّج زينبَ بنتَ جحش، قالت لي أمي: يا أنس، إنَّ رسولَ اللّه ﷺ أصبحَ عَروسًا ولا أدري أصبحَ له غداءٌ، فهلمَّ (٤) تلك العُكَّة، فأتيتُها بالعُكّة وبتمرٍ، فجعلت له حَيسًا (٥)، فقالت: يا أنس اذهب بهذا إلى نبيّ الله وامرأته، فلما أتيتُ رسولَ اللّه ﷺ بتَورٍ (٦) من حجارة فيه ذلك الحَيس، قال: "دعه (٧) ناحية البيت، وادع لي أبا بكر وعمر وعليًا وعثمان" ونفرًا من أصحابه، "ثم ادعُ لي أهل المسجد ومن رأيتَ في الطريق" قال: فجعلتُ أتعجّب من قلّة الطعام، ومن كثرة ما يأمُرني أن أدعوَ النَّاسَ، وكرهتُ أن أعصيَه حتى امتلأ البيتُ والحجرةُ، فقال: "يا أنس هل ترى من أحد؟ " فقلت: لا يا رسولَ اللّه، قال: "هات ذلك التَّورَ" فجئتُ بذلك التَّورِ فوضعتُه قدّامه، فغمسَ ثلاثَ أصابعَ في التَّورِ، فجعلَ التَّورُ (٨) يربُو

стр. 2873

(ويرتفعُ) (١) فجعلوا يتغذون ويخرجون، حتى إذا فرغوا أجمعون وبقيَ في التَّورِ نحو ما جئتُ به، فقال: "ضعه قدّام زينبَ"، فخرجتُ وأسففت عليهم بابًا من جريد. قال ثابت: قلنا: يا أبا حمزة، كم ترى كان الذين أكلوا من ذلك التَّورِ؟ فقال: أحسب واحدًا وسبعين أو اثنين وسبعين (٢). وهذا حديثٌ غريب من هذا الوجه ولم يخرجوه. حديث آخر عن أبي هريرة في ذلك قال جعفرُ بن محمد الفِريابي (٣): حَدَّثَنَا عثمان بن أبي شَيبةَ، حَدَّثَنَا حاتم بن إسماعيل، عن أنيس بن أبي يحيى، عن إسحاق بن سالم، عن أبي هريرة، قال: خرجَ عليَّ رسولُ الله ﷺ فقال: "ادعُ لي أصحابَك من أصحابِ الصُّفة" فجعلتُ أُنبِّههم رجلًا رجلًا، فجمعتُهم، فجئنا بابَ رسول اللّه ﷺ فاستأذنا. فأذنَ لنا، قال أبو هريرة: فوُضِعَت بين أيدينا صَحفَةٌ أظنُّ أن فيها قَدرَ مُدٍّ من شعير، قال: فوضعَ رسولُ الله ﷺ عليه يدَه وقال: "كُلوا باسم الله" قال: فأكلنا ما شئنا ثم رفعنا أيديَنا، فقالَ رسولُ اللّه ﷺ حين وُضِعَت الصَّحفَةُ: "والذي نفسي بيده ما أمسى في آلِ محمّدٍ طعامٌ ليس تَرونه" قيل لأبي هريرة: قَدرُ كَم كانت حين فرغتُم منها؟ قال: مثلها حين وُضعت إِلَّا أن فيها أثرُ الأصابع (٤). وهذه قصة غير قصة أهل الصُّفة المتقدمة في شربهم اللبن، كما قدَّمنا. حديث آخر عن أبي أيوب في ذلك قال جعفر الفريابي: حَدَّثَنَا أبو سلمة يحيى بن خلف، حَدَّثَنَا عبد الأعلى، عن سعيد الجريري، عن أبي الورد، عن أبي محمد الحضرمي، عن أبي أيوب الأنصاري، قال: صنعتُ لرسول اللّه ﷺ ولأبي بكر طعامًا قَدرَ ما يَكفيهما فأتيتُهما به، فقال رسول الله ﷺ : "اذهب فادعُ لي ثلاثينَ من أشراف الأنصار"

стр. 2874

قال: فشقَّ ذلك عليّ، ما عندي شيءٌ أزيدُه، قال: فكأني تثاقلتُ، فقال: "اذهب فادعُ لي ثلاثينَ من أشراف الأنصار" فدعوتُهم، فجاؤُوا، فقال: "اطعَمُوا" فأكلوا حتى صدروا، ثم شهدوا أنه رسولُ اللّه، ثم بايعوه قبل أن يخرجوا، ثم قال: "اذهب فادعُ لي ستينَ من أشراف الأنصار" قال أبو أيوب: فواللّه لأنا بالستين أجود مني بالثلاثين، قال: فدعوتُهم، فقال رسولُ الله ﷺ : "تربعوا" فأكلوا حتى صَدَرُوا ثم شَهِدوا أنه رسولُ اللّه وبايعوه قبل أن يخرجوا، قال: "فاذهب فادعُ لي تسعين من الأنصار "قال: فلأنا أجود بالتسعين والستين مني بالثلاثين، قال: فدعوتُهم فأكلوا حتى صَدَروا ثم شهدوا أنه رسولُ اللّه وبايعوه قبل أن يخرجوا، قال: فأكل من طعامي ذلك مئة وثمانون رجلًا كلُّهم من الأنصار. وهذا حديث غريب جدًا إسنادًا (١) ومتنًا. وقد رواه البيهقيُّ (٢) من حديث محمد بن أبي بكر المقدمي، عن عبد الأعلى، به. قصة أخرى في تكثير الطعام في بيت فاطمة قال الحافظ أبو يعلى: حَدَّثَنَا سهل بن الحنظلية، حَدَّثَنَا عبد اللّه بن صالح، حدَّثني ابن لهيعة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر: أن رسولَ اللّه ﷺ أقامَ أيامًا لم يَطعَم طعامًا حتى شقَّ عليه، فطافَ في منازل أزواجه فلم يُصِب عندَ واحدة منهنّ شيئًا، فأتى فاطمةَ فقال: "يا بنيّة، هل عندك شيء آكله فإني جائع؟ " فقالت: لا واللّه بأبي أنت وأمي، فلما خرجَ من عندها رسولُ اللّه ﷺ بعثت إليها جارةٌ لها برغيفين وقطعة لحم، فأخذته منها فوضَعته في جَفنةٍ لها وغطَّت عليها، وقالت: واللّه لأُوثرنَّ بهذا رسولَ اللّه ﷺ على نفسي ومن عندي، وكانوا جميعًا مُحتاجين إلى شبعةِ طعام، فبعثت حسنًا -أو حُسينًا- إلى رسول اللّه ﷺ فرجعَ إليها، فقالت له: بأبي أنت وأمي قد أتى اللّه بشيء فخبَّأته لك، قال: "هلمّي يا بنية" فكشفت عن الجفنةِ فإذا هي مملوءةٌ خبزًا ولحمًا، فلما نظرت إليها بُهتت وعرفت أنها بركة من اللّه، فحمدتِ اللّه وصلَّت على نبيه ﷺ وقدَّمته إلى رسول اللّه، فلما رآه حَمِدَ اللّه وقال: "من أين لك هذا يا بنية؟ "قالت: يا أبتِ هو من عند اللّه، إن اللّه يرزقُ من يشاءُ بغير حساب، فحَمِد اللّه وقال: "الحمد للّه الذي جعلك يا بنيَّة شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل، فإنها كانت إذا رزقَها اللّه شيئًا فسُئلت عنه، قالت: هو من عند اللّه، إن اللّه يرزقُ مَن يشاءُ بغير حساب" فبعثَ رسولُ اللّه ﷺ إلى عليّ، ثم أكلَ رسولُ اللّه ﷺ وعليٌّ وفاطمةُ وحسنٌ وحُسين، وجميعُ أزواج رسولِ اللّه ﷺ ، وأهلُ بيته جميعًا حتى

стр. 2875

شبعوا، قالت: وبقيت الجَفنَةُ كما هي، فاوسعت بقيّتَها على جميع جيرانها، وجعلَ اللّه فيها بركةً وخيرًا كثيرًا. وهذا حديث غريب أيضًا إسنادًا ومتنًا. وقد قدَّمنا في أوّل البعثة حين نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، حديثَ ربيعةَ بن ناجد، عن عليّ في دعوته ﵊ بني هاشم - وكانوا نحوًا من أربعين - فقدَّمَ إليهم طعامًا من مُدّ، فأكلوا حتى شَبِعوا وتركوه كما هو، وسقاهم من عُسٍّ (١) شرابًا حتى رووا، وتركوه كما هو ثلاثة أيام متتابعة، ثم دعاهم إلى الله، كما تقدم. قصة أخرى في بيت رسول اللّه ﷺ - قال الإمام أحمد (٢): حَدَّثَنَا على بن عاصم، حَدَّثَنَا سُليمان التَّيمِي، عن أبي العَلاء بن الشِّخير، عن سمُرةَ بن جُندب، قال: بينما نحن عند النَّبِيّ ﷺ إذ أُتي بقصعةٍ فيها ثريد، قال: فأكلَ وأكلَ كل القوم، فلم يزالوا يتداولونها إلى قريب من الظهر، يأكلُ قولم ثم يقومون، ويجيءُ قوم فيتعاقبونه، قال: فقال له رجل: هل كانت تُمَدُّ بطعامٍ؛ قال: "أمَّا من الأرضِ فلا، إِلَّا أن تكون كانت تُمدُّ من السماء". ثم رواه أحمد (٣) عن يزيد بن هارون، عن سُليمان، عن أبي العلاء، عن سَمُرة؛ أن رسولَ اللّه أُتي بقصعةٍ فيها ثريد، فتعاقبُوها إلى الظهر من غَدوَة، يقومُ ناس ويقعدُ آخرون، قال له رجل: هل كانت تُمَدُّ؛ فقال له: "فمن أين؟ - تَعجَّبَ - ما كانت تُمَدُّ إِلَّا من هاهنا"، وأشار إلى السماء. وقد رواه الترمذي والنسائي (٤) أيضًا، من حديث مُعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي العلاء - واسمُه يزيد بن عبد الله بن الشخير - عن سَمُرة بن جُندب، به. قصة قصعة بيت الصديق ولعلها هي القصة المذكورة في حديث سمرة، واللّه أعلم. قال البخاري (٥): حَدَّثَنَا موسى بن إسماعيل، حَدَّثَنَا مُعتَمِرٌ عن أبيه، حَدَّثَنَا أبو عثمان؛ أنه حدَّثه

стр. 2876

عبدُ الرحمن بن أبي بكر ﵄: أن أصحاب الصُّفة كانوا أناسًا فقراءَ، وأن النبيَّ ﷺ قال مرة: "مَن كان عندَه طعامُ اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عندَه طعامُ أربعة فليذهب بخامس، أو سادس" أو كما قال، وإن أبا بكر جاء بثلاثة، وانطلقَ النَّبِيُّ ﷺ بعشرةٍ، وأبو بكر بثلاثة قال: فهو أنا وأبي وأمي، ولا أدري هل قال امرأتي وخادم بين بيتنا وبين بيت أبي بكر، وإن أبا بكر تعشَّى عندَ النَّبِيّ ﷺ ، ثم لبثَ حتى صلَّى العشاءَ، ثم رجعَ فلبثَ حتى تعشَى رسولُ اللّه ﷺ ، فجاء بعدما مضى من الليل ما شاء اللّه، قالت له امرأتُه: ما حبسكَ عن أضيافك أو ضيفك؟ قال: أو ما عشّيْتِيهم؛ قالت: أبوا حتى تجيءَ، قد عرضوا عليهم فغلبوهم. قال: فذهبتُ فاختبأتُ. فقال: يا غُنثرُ -فجَدَّعَ وسبَّ- وقال: كلوا. وفي رواية أخرى: لا هنيئًا. وقال: لا أطعَمُه أبدًا، وايم اللّه ما كنّا نأخذُ من لقمةٍ إِلَّا رَبَا من أسفلها أكثرُ منها، حتى شبعوا وصارت أكثرَ مما كانت قبلُ. فنظر أبو بكر فإذا هي شيءٌ أو أكثرُ. فقال لامرأته: (وفي رواية أخرى: ما هذا) يا أختَ بني فراس؛ قالت: لا وَقرَّةِ عيني لهي الآن أكثرُ مما قبلُ بثلاثِ مرار. فأكلَ منها أبو بكر، وقال: إنما كان الشيطانُ -يعني يمينَه- ثم أكل منها لقمةً ثم حملَها إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فأصبحَت عندَه، وكان بيننا وبين قوم عهدٌ، فمضى الأجلُ فعرَّفنا (١) اثنا عشر رجلًا مع كلِّ رجلٍ منهم أناسٌ اللّه أعلمُ كم معَ كلِّ رجلٍ، غيرَ أنه بَعَثَ معهم، قال: فأكلوا منها أجمعون، أو كما قال. وغيرهم يقول: "فتفرقنا" (٢). هذا لفظه، وقد رواه في مواضعَ أخر من صحيحه (٣)، ومسلم (٤) من غير وجه، عن أبي عثمان عبد الرحمن بن مُلٍّ النهدي، عن عبد الرحمن بن أبي بكر. حديث آخر عن عبد الرحمن بن أبي بكر في هذا المعنى قال الإمام أحمد (٥): حَدَّثَنَا عارمٌ، حَدَّثَنَا مُعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي بكر؛ أنه قال: كنا مع رسول اللّه ﷺ ثلاثينَ ومئة، فقال النَّبِيّ ﷺ : "هل مع أحد منكم طعام؟ " فإذا مع رجل صاعٌ من طعام أو نحوُه، فعجن، ثم جاء رجل مشرك مُشعانٌ (٦) طويل بغنم يسوقُها، فقال النَّبِيّ ﷺ : "أبَيعًا أم عطيّة؟ - أو قال: أم هدية؟ "قال: لا، بل بَيعٌ، فاشترى منه

стр. 2877

شاة، فصنعت، وأمر النَّبِيّ ﷺ بسواد البطن أن يشوى، قال: وايم الله ما من الثلاثين والمئة إِلَّا قد حز له رسولَ الله حزةً من سَوَاد بطنِها، إن كان شاهدًا أعطاه إياه، وإن كان غائبًا خبَّأ له، قال: وجعلَ منها قصعتين، قال: فأكلنا منهما أجمعون وشبعنا وفَضَلَ في القصعتين، فحملناه على البعير، أو كما قال. وقد أخرجه البخاريُّ ومسلم (١)، من حديث معتمر بن سليمان. حديث آخر في تكثير الطعام في السفر قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا فزارة بن عمر، أخبرنا فُلَيحٌ، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: خرجَ رسول الله ﷺ في غزوة غزاها، فأرملَ فيها المسلمون، واحتاجوا إلى الطعام، فاستأذنوا رسولَ الله ﷺ في نَحرِ الإبل فأذنَ لهم، فبلغَ ذلك عمرَ بن الخطاب ﵁ قال: فجاء فقال: يا رسولَ الله، إبلُهم تحملُهم وتبلِّغُهم عدوَّهم ينحرونَها؟ ادعُ يا رسول الله، بغبراتِ (٢) الزَّادِ، فادعُ الله فيها بالبركة، قال: "أجل" فدعا بغبرات الزاد، فجاء الناس بما بقي معهم، فجمَعه ثم دعا له فيه بالبركة، ودعاهم بأوعيتهم فملأها وفضل فضل كثير، فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: "أشهد أن لا إله إِلَّا اله وأشهدُ أني عبدُ الله ورسوله، ومن لقيَ الله بهما غيرَ شَاك دخلَ الجنة" (٣). وكذلك رواه جعفر الفريابي عن أبي مصعب الزهري، عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن (٤) سهيل، به. ورواه مسلم والنسائي (٥) جميعًا، عن أبي بكر بن أبي النضر، عن أبيه، عن عُبيد اللّه الأشجعي، عن مالك بن مِغوَل، عن طلحة بن مصرف، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، به. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي (٦): حَدَّثَنَا زهير، حَدَّثَنَا أبو معاوية، عن الأعمش، عن

стр. 2878

أبي صالح، (عن أبي سعيد) (١)، أو عن أبي هريرة - شك الأعمش - قال: لما كانت غزوةُ تبوك أصابَ النَاسَ مجاعةٌ، فقالوا: يا رسول اللّه، لو أذنتَ لنا فنحرنا نواضحَنا فأكلنا وادَّهَنَّا؟ فقال: "افعلوا" فجاء عمرُ، فقال: يا رسولَ الله، إن فعلوا قل الظَّهرُ، ولكن ادعُهم بفضل أزوادِهم، ثم ادعُ لهم عليها بالبركة لعلَّ اللّه أن يجعلَ في ذلك البركة، فأمرَ رسولُ اللّه بنِطعٍ فبُسِطَ ودعا بفضل أزوادهم، قال: فجعلَ الرجلُ يجيءُ بكفِّ التمرِ، والآخرُ بالكِسرة، حتى اجتمعَ على النطعِ شيءٌ من ذلك يَسير، فدعا عليهم بالبركة، ثم قال: "خذوا في أوعيتكم" فأخذوا في أوعيتهم، حتى ما تركوا في العسكر وعاء إِلَّا مَلؤُوه، وأكلوا حتى شبِعوا وفضُلَت فَضلَةٌ، فقال رسول اللّه ﷺ : "أشهد أن لا إله إِلَّا اللّه وأني رسولُ اللّه، لا يلقى اللّه بها عبدٌ غيرَ شَاكٍّ فتُحتَجَبُ (٢) عنه الجنّة". وهكذا رواه مسلم (٣) أيضًا عن سهل بن عثمان وأبي كُريب، كلاهما عن أبىِ مُعاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد أو أبي هريرة، فذكر مثلَه. حديث آخر في هذه القصة قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا علي بن إسحاق، حَدَّثَنَا عبد اللّه - هو ابن المبارك - أخبرنا الأوزاعي، أخبرنا المطلبُ بن حتطب المخزومي، حدَّثني عبد الرحمن بن أبي عَمرة الأنصاري، حدَّثني أبي قال: كنا مع رسول اللّه ﷺ في غزاة فأصاب النَّاسَ مَخمَصةٌ (٤)، فاستأذنَ النَّاسُ رسولَ اللّه ﷺ في نحرِ بعض ظُهورهم، وقالوا: يُبلِّغنا اللّه به، فلما رأى عمرُ بن الخطاب أن رسول الله ﷺ قد همَّ أن يأذنَ لهم في نحر بعض ظُهورهم، قال: يا رسولَ اللّه، كيف بنا إذا نحن لقينا العدوَّ غدًا جِياعًا رِجَالًا؛ ولكن إن رأيتَ يا رسولَ اللّه، أن تدعوَ لنا ببقايا أزوادهم وتجمِّعها، ثم تدعو الله فيها بالبركةِ فإن الله سيبلّغنا بدعوتك، أو سيُبارك لنا في دعوتك، فدعا النَّبِيُّ ﷺ ببقايا أزوادهم، فجعل النَّاسُ يَجيئون بالحبَّة من الطعام وفوقَ ذلك، فكان أعلاهم من جاءَ بصاعٍ من تمر، فجمعَها رسولُ اللّه ﷺ ، ثم قام فدعا ما شاء اللّه أن يدعوَ، ثم دعا الجيشَ بأوعيتهم وأمرَهم أن يحتثوا، فما بقي في الجيش وعاء إِلَّا ملؤوه، وبقي مثله، فضحكَ رسولُ اللّه ﷺ حتى بدت نواجذُه وقال: "أشهد أن لا إله إِلَّا اللّه وأشهد أني رسولُ اللّه، لا يلقى اللّهَ عبدٌ يُؤمن بها إِلَّا حُجِبَت عنه النَّار يومَ القيامة" (٥).

стр. 2879

وقد رواه النسائيّ، من حديث عبد الله بن المبارك بإسناده نحو ما تقدم (١). حديث آخر في هذه القصة قال الحافظُ أبو بكر البَزَّار: حَدَّثَنَا أحمد بن المُعَلَّى الأَدَمِي، حَدَّثَنَا عبدُ اللّه بن رجاء، حَدَّثَنَا سعيدُ بن سلمة، حدَّثني أبو بكر - أظنُّه من ولد عمرَ بن الخطاب - عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعةَ، أنه سمعَ أبا خُنَيْس الغِفاري، أنه كانَ مع رسول اللّه ﷺ في غزوة تِهامة حتى إذا كنا بعُسفان جاءَه أصحابُه فقالوا: يا رسولَ اللّه، جَهدنَا الجوعُ فأذن لنا في الظهر أن نأكلَه، قال: نعم، فأُخبرَ بذلك عمرُ بن الخطاب فجاءَ رسول الله، فقال: يا نبيّ اللّه ما صنعتَ؟ أمرتَ الناسَ أن يَنحروا الظهرَ فعلى ماذا يركبون؟ قال: "فما ترَى يا بن الخطاب؟ "قال: أرى أن تأمرَهم أن يأتُوا بفضل أزوادِهم فتجمعَه في ثوبٍ ثم تدعو لهم، فأمرهم فجمعوا فضلَ أزوادهم في ثوبٍ ثم دعا لهم، ثم قال: "ائتوا بأوعيتكم" فملأ كلُّ إنسان وعاءَه، ثم أذن بالرحيل، فلما جاوزَ مُطروا، فنزلَ ونزلوا معه، وشربوا من ماء السماء، فجاء ثلاثةُ نفر، فجلس اثنان مع رسول اللّه وذهبَ الآخر مُعرضًا، فقال رسول الله: "ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؛ أما واحدٌ فاستحى من اللّه فاستحى اللّه منه، وأمّا الآخرُ فأقبلَ تائبًا فتابَ اللّه عليه، وأما الآخر فأعرضَ فأعرضَ الله عنه". ثم قال البزار: لا نعلم روى أبو خُنَيس إِلَّا هذا الحديث بهذا الإسناد. وقد رواه البيهقيّ (٢) عن أبي الحُسين بن بِشران، عن أبي بكر الشافعي: حَدَّثَنَا إسحاق بن الحسن الحَرْبي (٣)، أخبرنا أبو رجاء، حَدَّثَنَا سعيد بن سلمة، حدَّثني أبو بكر بن عمرو بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن أبي ربيعة؛ أنه سمع أبا خُنَيس الغِفاري، فذكرَه. حديث آخر عن عمر بن الخطاب في هذه القصة قال الحافظ أبو يعلى: حَدَّثَنَا أبو هشام - محمد بن زيد الرفاعي - حَدَّثَنَا ابنُ فُضيل، حَدَّثَنَا يزيد

стр. 2880

-وهو ابن أبي زياد- عن عاصم بن عُبيد اللّه بن عاصم، عن أبيه، عن جده عمر، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غَزَاة، فقلنا: يا رسول الله، إن العدوَّ قد حضرَ، وهم شِبَاعٌ والنَّاس جِيَاع، فقالت الأنصار: ألا ننحرُ نواضحَنا فنُطعمَها الناسَ؟ فقال رسول اللّه ﷺ : "من كان معه فضل طعايم فليجئ به" فجعل الرجلُ يجيء بالمُدِّ والصَّاعِ وأقلّ وأكثر، فكان جميعُ ما في الجيش بضعًا وعشرين صَاعًا، فجلسَ النَّبِيُّ ﷺ إلى جنبه فدعا بالبركة، فقال النبيُّ ﷺ : "خذوا ولا تَنتهبوا" فجعل الرجلُ يأخذُ في جِرَابه (١) وفي غِرَارته (٢)، وأخذوا في أوعيتهم، حتى أن الرجل ليربطَ كمَّ قميصه فيملؤُه، ففرغوا والطعام كما هو، ثم قال النَّبِيُّ ﷺ : "أشهدُ أن لا إلهَ إِلَّا اللّه وأني رسولُ اللّه، لا يأتي بها عبدٌ مُحِقٌّ إِلَّا وَقاه اللّه حرَّ النار" (٣). ورواه أبو يعلى (٤) أيضًا، عن إسحاق بن إسماعيل الطَّالقانيّ، عن جرير، عن يزيد بن أبي زياد، فذكره. وما قبلَه شاهد له بالصحة، كما أنه مُتَابع لما قبله، والله أعلم. حديث آخر عن سلمة بن الأكوع في ذلك قال الحافظ أبو يعلى: حَدَّثَنَا محمد بن بشار، حَدَّثَنَا يعقوب بن إسحاق الحضرمي القاري، حَدَّثَنَا عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، قال: كنا مع رسول اللّه ﷺ في غزوة خيبر، فأمرَنا أن نجمعَ ما في أزوادِنا -يعني من التمر- فبسطَ نِطعًا (٥)، فنثرنا عليه أزوادَنا، فال: فتمطَّيمتُ (٦) فتطاولتُ فنظرتُ، فحزرتُه (٧) كَربضَةِ (٨) شاةٍ، ونحن أربع عشرة مئة، قال: فأكلنا، ثم تطا ولتُ فنظرتُ فحزرته كرَبضَةِ شاةٍ، وقال رسول اللّه ﷺ : "هل من وضوء؟ "قال: فجاء رجلٌ بنطفةٍ في إداوة وقال: فقبضَها فجعلَها في قدحٍ، قال: فتوضَّأنا كلُّنا ندغفقها (٩) دغفقةً، ونحن أربع عشرة مئة، قال: فجاء أناسٌ

стр. 2881

فقالوا: يا رسولَ اللّه ألا وضوء؟ فقال: "قد فرغ الوضوء" (١). وقد رواه مسلم (٢)، عن أحمد بن يُوسف السلميّ، عن النضر بن محمد، عن عكرمة بن عمّار، عن إياس، عن أبيه سلمة، وقال: فأكلنا حتى شبعنا ثم حشونا جُرُبَنا. وتقدَّم (٣) ما ذكرَه ابنُ إسحاق في حفر الخندق، حيث قال: حدَّثني سعيد بن مِيناء؛ أنه قد حُدِّث أن ابنةً لبشير بن سعد -أخت النُّعمان بن بشير- قالت: دعتني أُمّي عمرةُ بنتُ رَواحة، فأعطتني جَفنةً من تمر في ثوبي، ثم قالت: أين بنية، اذهبي إلى أبيك وخالك عبد اللّه بغدائهما. قالت: فأخذتُها فانطلقتُ بها، فمررتُ برسول الله ﷺ وأنا ألتمسُ أبي وخالي، فقال: "تعالي يا بنية! ما هذا معك؟ "قالت: قلت: يا رسول اللّه، هذا تمرٌ بعثتني به أمّي إلى أبي بشير بن سعد وخالي عبد اللّه بن رواحة يتغديانه. فقال: "هاتيه" قالت: فصببتُه في كفّي رسولِ اللّه ﷺ فما ملأَتهما، ثم أمر بثوبٍ فبُسِطَ له، ثم دعا بالتمر فنُبِذَ فوق الثوب، ثم قال لإنسان عندَه: "اصرخ في أهل الخندق أن هلمَّ إلى الغداء" فاجتمع أهلُ الخندق عليه، فجعلُوا يأكلون منه وجعلَ يزيدُ حتى صدرَ أهلُ الخندق عنه، وإنه ليسقطُ من أطرافِ الثوب. قصّةُ جابر ودَينُ أبيه وتكثيرُه ﵊ التَّمرَ قال البخاري في "دلائل النبوة" (٤): حَدَّثَنَا أبو نُعيم، حَدَّثَنَا زكريا، حدَّثني عامر، حدَّثني جابر؛ أن أباه تُوفيَ وعليه دينٌ، فأتيتُ النَّبِيَّ ﷺ فقلتُ: إن أبي تركَ عليه دَينًا، وليس عندي إِلَّا ما يُخرجُ نخلُه، ولا يبلغُ ما يُخرج سنين ما عليه، فانطلق معي لكيلا يَفحش علي الغرماءُ، فمشى حول بيدر من بيادر التمر فدعا، ثم آخر، ثم جلسَ عليه، فقال: "انزعوه" فأوفاهم الذي لهم ويقي مثل ما أعطاهم (٥). هكذا رواه هنا مختصرًا. وقد أسندَه من طرق، عن عامر بن شراحيل الشَّعبي عن جابر به. وهذا الحديثُ قد رُوي من طرق متعددة عن جابر (٦)؛ بألفاظ كثيرة، وحاصلُها أنه ببركةِ

стр. 2882

رسول اللّه ﷺ ودعائِه له ومشيهِ في حائطه وجلوسه على تمره وَفَّى اللّه دَينَ أبيه، وكان قد قُتِل يومَ أحد وكان لا يرجو وفاءَه في ذلك العام ولا ما بعدَه، ومع هذا فَضَلَ له من التمر أكثره، فوقَ ما كان يُؤَمِّلُه ويرجوه، وللّه الحمدُ والمِنّة. قصة سلمان في تكثيره ﷺ تلك القطعة من الذهب لوفاء دَينهِ في مكاتبته قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يعقوب، حَدَّثَنَا أبي، عن ابن إسحاق، حدَّثني يزيد بن أبي حبيب -رجل من عبد القيس- عن سلمان، قال: لمّا قلتُ: وأين تقعُ هذه (١) من الذي عليّ يا رسولَ اللّه؟ أخذَها رسولُ اللّه ﷺ فقلَّبها على لسانه ثم قال: "خذها فأَوْفِهم منها" فأخذتُها فأوفيتُهم منها حقهم أربعين أوقيّة (٢). ذكرُ مِزودِ أبي هريرة وتمرِه قال الإمام أحمد (٣): حَدَّثَنَا يونس، حَدَّثَنَا حمّاد - يعني: ابن زيد - عن المُهاجر، عن أبي العَالية، عن أبي هريرة قال: أتيتُ رسولَ اللّه ﷺ يومًا بتمراتٍ، فقال: ادعُ الله لي فيهن بالبركة قال: فصفَّهن بينَ يديه ثم دعا، فقال لي: "اجعلهن في مِزودٍ، وأدخل يدَك ولا تنثره" قال: فحملتُ منه كذا وكذا وَسقًا في سبيل اللّه، ونأكلُ ونطعَم، وكان لا يُفارق حقويَّ. فلما قُتل عثمان ﵁ انقطعَ عن حقويّ فسقط (٤). ورواه الترمذي، عن عمران بن موسى القزّاز البصري، عن حمّاد بن زيد، عن المُهاجر، عن أبي مَخلد، عن رُفيع أبي العالية، عنه، وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه. طريق أخرى عنه قال الحافظ أبو بكر البيهقيّ: أخبرنا أبو الفتح هلال بن محمد بن جعفر الحفار، أنبأنا الحسين بن

стр. 2883

يحيى بن عباس القطان، حدَّثنا حفصُ بن عمرو، حدَّثنا سهلُ بن زياد أبو زياد، حدَّثنا أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: كان رسولُ الله ﷺ في غزاة فأصابهم عَوَزٌ من الطعام فقال: "يا أبا هريرة، عندكَ شيءٌ؟ " قال: قلتُ: شيءٌ من تمر في مِزودٍ لي، قال: "جئ به" قال: فجئتُ بالمِزود، قال: "هاتِ نِطعًا" فجئتُ بالنطع فبسطتُه، فأدخلَ يدَه فقبضَ على التمر، فإذا هو إحدى وعشرون (تمرةً، ثم قال: باسم الله) (١) فجعل يضعُ كلَّ تمرةٍ ويُسمّي، حتى أتى على التمر، فقالَ به هكذا، فجمَعه، فقال: "ادعُ فلانًا وأصحابَه" فأكلوا حتى شبعوا وخرجوا، ثم قال: "ادعُ فلانًا وأصحابَه" فأكلوا حتى شبعوا وخرجوا، ثم قال: "ادعُ فلانًا وأصحابَه" فأكلوا وشبعوا وخرَجوا، ثم قال: "ادعُ فلانًا وأصحابَه" فأكلوا وشبِعوا وخرجوا، وفضل، ثم قال لي: "اقعد" فقعدتُ، فأكلَ وأكلتُ، وفضل تمرٌ فأدخلتُه فى المِزود، وقال لي: "يا أبا هريرة، إذا أردتَ شيئًا فأدخل يَدك وخذه ولا تَكفِي (٢) فيُكفَى عليكَ" قال: فما كنتُ أريد تمرًا إلا أدخلتُ يدي فأخذتُ منه خمسين وَسقًا في سبيل الله، قال: وكان معلّقًا خلفَ رحلي، فوقعَ في زمن عثمان فذهبَ (٣). طريق أخرى عن أبي هريرة في ذلك روى البيهقيُّ من طريقين، عن سهل بن أسلم العدوي، عن يزيد بن أبي منصور، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: أُصبت بثلاث مُصيباتٍ في الإسلام لم أُصب بمثلهن: موت رسول الله ﷺ وكنتُ صُويحبه، وقتل عثمان، والمِزود، قالوا: وما المِزود يا أبا هريرة؟ قال: كنّا مع رسول الله ﷺ في سفر، فقال: "يا أبا هريرة أمعك شيء؟ " قال: قلت: تمرٌ في مِزود، قال: "جئ به" فأخرجتُ تمرًا فأتيتُه به، قال: فمسّه ودعا فيه، ثم قال: "ادع عشرة" فدعوتُ عشرة فأكلوا حتى شبعوا، ثم كذلك حتى أكل الجيشُ كلّه، وبقي من تمر معي في المِزود، فقال: "يا أبا هريرة، إذا أردتَ أن تأخذَ منه شيئًا فأدخل يدك فيه ولا تكبّه قال: فأكلتُ منه حياةَ النبي ﷺ ، وأكلتُ منه حياةَ أبي بكر كلّها، وأكلتُ منه حياةَ عمر كلّها، وأكلتُ منه حياة عثمان كلّها، فلما قُتل عثمان انتُهبَ ما في يدي وانتُهبَ المِزود، ألا أخبرُكم كم أكلتُ منه؟ أكلتُ منه أكثرَ من مئتي وَسق (٤).

стр. 2884

طريق أخرى عن عبد الملك بن عمرو العقدي قال الإمام أحمد (١): حدَّثنا أبو عامر، حدَّثنا إسماعيل - يعني ابن مسلم - عن أبي المتوكل، عن أبي هريرة، قال: أعطاني رسولُ الله ﷺ شيئًا من تمر، فجعلتُه في مِكتلٍ فعلّقناه في سقف البيت، فلم نزل نأكلُ منه حتى كان آخره، أصابه أهلُ الشَّام حيثُ أغاروا بالمدينة. تفرَّد به أحمد. حديثٌ عن العِربَاض بن سارية في ذلك رواه الحافظُ ابن عساكر في ترجمته من طريق محمد بن عمر الواقدي حدَّثني ابن أبي سبرةَ، عن موسى بن سعد، عن العِرباض، قال: كنتُ ألزمُ بابَ رسول الله ﷺ في الحَضرِ والسفر، فرأينا ليلةً ونحن بتبوك، فذهبنا لحاجةٍ فرجعنا إلى رسول الله ﷺ وقد تعشَّى ومَن عندَه، فقال: "أين كنت منذ الليلة؟ " فأخبرته، وطلعَ جُعالُ بن سُراقة وعبد الله بن مغفل المزني، فكنا ثلاثة، كلُّنا جائع، فدخلَ رسول الله ﷺ بيتَ أمّ سلمة، فطلب شيئًا نأكلُه فلم يجده، فنادى بلالًا: "هل من شيء؟ " فأخذ الجرب ينفضُها فاجتمع سبعُ تمرات، فوضعَها في صَحفةٍ، ووضعَ عليهن يدَه وسمَّى الله. وقال: "كلوا باسم الله" فأكلنا، فأحصيتُ أربَعًا وخمسين تمرة، كلها أعدُّها، ونواها في يدي الأخرى، وصاحباي يصنعان ما أصنع، فأكل كل منهما خمسينَ تمرة، ورفعنا أيدينا فإذا التمرات السبع كما هنَّ، فقال: "يا بلال ارفعهن في جرابك" فلما كان الغد وضعهنَّ في الصَّحفَة وقال: "كلوا باسم الله" فأكلنا حتى شبعنا وإنا لعشرة، ثم رفعنا أيدينا وإنهن كما هنّ سبع، فقال: "لولا أني أستحي من ربّي لأكلتُ من هذه التمرات حتى نَرِدَ إلى المدينة عن آخرنا" فلما رجعَ إلى المدينة طلعَ غُلَيم من أهل المدينة، فدفعهن إلى ذلك الغلام فانطلق يَلُوكهن (٢). حديث آخر روى البخاريُّ ومسلم، من حديث أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت له:

стр. 2885

لقد تُوفي رسولُ الله ﷺ وما في بيتي شيءٌ يأكلُه ذو كَبد، إلا شطرَ شعيرٍ في رفٍّ لي، فأكلتُ منه حتى طال عليَّ، فكِلته ففَنِيَ (١). حديث آخر روى مسلم في "صحيحه"، عن سلمةَ بن شَبيب، عن الحسن بن أعينَ، عن مَعقِل، عن أبي الزُّبير، عن جابر: أن رجلًا أتى النبيَّ ﷺ يستطعمُه فأطعمَه شطرَ وَسقِ شعيرٍ، فما زال الرجلُ يأكلُ منه وامرأته وضيفُهما حتى كالَه فأتى النبيَّ ﷺ فقال: "لو لم تَكِله لأكلتُم منه ولقامَ لكم" (٢). وبهذا الإسناد عن جابرٍ: أن أمَّ مالكٍ كانت تُهدي إلى رسول الله ﷺ في عُكّتِها سمنًا، فيأتيها بنوها فيسألون الأدمَ وليس عندها شيء، فتعمد إلى الذي كانت تُهدي فيه إلى رسول الله ﷺ فتجد فيه سمنًا، فما زال يُقيم لها أدم بيتها حتى عصرتها، فأتت رسولَ الله ﷺ فقال: " أعصرتيها؟ " قالت: نعم، فقال: " لو تركتيها ما زالت قائمة (٣). وقد رواهما الإمام أحمد، عن موسى، عن ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر (٤). حديث آخر قال البيهقيُّ (٥): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو جعفر البغدادي، حدَّثنا يحيى بن عثمان بن صالح، حدَّثنا حسان بن عبد الله، حدَّثنا ابن لهيعة، حدَّثنا يونس بن يزيد، حدَّثنا أبو إسحاق (٦)، عن سعيد بن الحارث، عن جده نوفل بن الحارث بن عبد المطلب؛ أنه استعانَ رسولَ الله التزويج فأنكحَه امرأة، فالتمسَ شيئًا فلم يجده، فبعثَ رسولُ الله ﷺ أبا رافع وأبا أيوب بدرعِه فرهناها عندَ رجلٍ من

стр. 2886

اليهود بثلاثين صاعًا من شعير، فدفَعه رسولُ الله ﷺ إليه، قال: فطَعِمنا منه نصفَ سنةٍ، ثم كِلنَاهُ فوجدناه كما أدخلناه، قال نوفل: فذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ فقال: " لو لم تَكِله لأكلتَ منه ما عِشتَ". حديث آخر قال الحافظ البيهقي في "الدلائل": أخبرنا عبد الله بن يوسف الأصفهاني، أخبرنا أبو سعيد (١) ابن الأعرابي، حدَّثنا عباس بن محمد الدُّوريّ، أخبرنا أحمدُ بن عبد الله بن يونس، أخبرنا أبو بكر بن عيّاشٍ، وعن هشام - يعني ابن حسّان - عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: أتى رجلٌ أهلَه فرأَى ما بهم من الحاجة، فخرجَ إلى البريّة، فقالت امرأته: اللهم ارزقنا ما نعتجنُ ونختبزُ، قال: فإذا الجَفنة ملأى خميرًا، والرحا تطحن، والتنور ملأى خبزًا وشواءً، قال: فجاء زوجُها فقال: عندكم شيء؟ قالت: نعم رزقُ الله، فرفع الرحا فكنسَ ما حَوله، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: " لو تركتها لدارت إلى يوم القيامة ". وأخبرنا علي بن أحمد بن عَبدَان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدَّثنا أبو إسماعيل الترمذي، حدَّثنا أبو صالح عبدُ الله بن صالح، حدَّثني اللَّيث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيدٍ المَقبُري عن أبي هريرة؛ أن رجلًا من الأنصار كان ذا حاجة، فخرجَ وليس عند أهله شيء، فقالت امرأته: لو حرَّكتُ رحايَ، وجعلتُ في تنّوري سعفاتٍ، فسمعَ جيراني صوتَ الرحا ورأوا الدخانَ، فظنوا أن عندنا طعامًا وليس بنا خَصَاصة؟ فقامت إلى تنوّرها فأوقدته وقعدت تُحرّكُ الرحا، قال: فأقبلَ زوجُها وسمعَ الرحا، فقامت إليه لتفتحَ له الباب، فقال: ماذا كنتِ تطحنين؟ فأخبرته فدخلا وإن رحاهما لتدور وتصبُّ دقيقًا، فلم يبقَ في البيت وعاء إلا مُلئ، ثم خرجت إلى تنوّرها فوجدته مملوءًا خبزًا، فأقبلَ زوجُها فذكر ذلك للنبي ﷺ قال: "فما فعلت الرحا؟ " قال: رفعتُها ونفضتها، فقال رسول الله ﷺ : "لو تركتموها ما زالت لكم حياتي" (٢) -أو قال: حياتكم (٣). وهذا غريب سندًا ومتنًا. حديث آخر وقال مالك: عن سُهَيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة:

стр. 2887

أن رسول الله ﷺ ضافَه ضيفٌ كافرٌ، فأمرَ له بشاة فحُلبت فشربَ حِلَابها، ثم أخرى فشربَ حِلَابها، ثم أُخرى فشربَ حِلَابهَا (١)، حتى شربَ حِلَابَ سبع شياهٍ، ثم إنه أصبحَ فأسلمَ، فأتى رسولَ الله ﷺ فأمرَ له بشاة فحُلِبَت فشربَ حِلَابَها، ثم أمر له بأخرى فلم يَسْتَتِمَّها، فقال رسول الله ﷺ : "إن المسلم (٢) يشربُ في مِعىً واحدٍ، والكافرُ يشربُ في سبعةِ أمعاءٍ (٣) ". ورواه مسلم (٤) من حديث مالك. حديث آخر قال الحافظ البيهقي: أخبرنا عليّ بن أحمد بن عَبدان، حدَّثنا أحمد بن عُبيد الصفَّار، حدَّثني محمد بن الفضل بن حاتم (٥)، حدَّثنا الحسين بن عبد الأول، حدَّثنا حفصُ بن غِياث، حدَّثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: ضافَ النبيَّ ﷺ أعرابيٌّ، قال: فطلبَ له شيئًا فلم يجد إلا كِسرةً في كوّة. قال: فجزَّأَها رسولُ الله ﷺ أجزاءً ودعا عليها، وقال: "كل! " قال: فأكلَ فأفضَلَ. قال: فقال: يا محمّد إنك لرجلٌ صالح، فقال له النبي ﷺ : "أسلم" فقال: إنك لرجلٌ صالح (٦). ثم رواه البيهقي (٧) من حديث سهل بن عثمان، عن حفص بن غِيَاث بإسناده، نحوه. حديث آخر قال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ، قال وفيما ذكر عبدان الأهوازي: حدَّثنا محمد بن زياد البرجمي، حدَّثنا عبيد الله بن موسى، عن مِسعَر، عن زبيد، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود قال:

стр. 2888

أضاف النبيُّ ﷺ ضيفًا، فأرسلَ إلى أزواجه يبتغي عندهن طعامًا، فلم يجد عند واحدةٍ منهن شيئًا، فقال: "اللهم إني أسألُك من فضلك ورحمتك، فإنه لا يملكها إلا أنت" قال: فأُهديت له شاةٌ مصليَّةٌ (١) فقال: " هذا من فضل الله، ونحنُ ننتظر الرحمة" (٢). قال أبو علي: حدَّثنيه محمد بن عَبدان الأهوازي عنه، قال: والصحيح عن زبيد مرسلًا. حدَّثناه محمدُ بن عَبدان، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الحسن بن الحارث الأهوازي، أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن مِسعر، عن زَبيد (٣)، فذكره مرسلًا. حديث آخر قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلَمي، حدَّثنا أبو عمرو بن حَمدان، أنبأنا الحسن بن سفيان، حدَّثنا إسحاق بن منصور، حدَّثنا سليمان بن عبد الرحمن، حدَّثنا عمرو بن بشر بن السرح، حدَّثنا الوليد بن سليمان بن أبي السائب، حدَّثنا واثلة بن الخطاب، عن أبيه، عن جده واثلة بن الأسقع قال: حضرَ رمضانُ ونحن في أهل الصُّفة، فصمنا فكنّا إذا أفطرنَا أتى كلَّ رجلٍ منا رجلٌ من أهل البَيعة، فانطلق به فعشَّاه، فأتت علينا ليلةٌ لم يأتنا أحد، وأصبحنا صَباحًا، وأتت علينا القابلة فلم يأتنا أحد، فانطلقنا إلى رسول الله ﷺ فأخبرناه بالذي كان من أمرنا، فأرسلَ إلى كلّ امرأة من نسائه يسألُها هل عندها شيءٌ، فما بقيت منهنّ امرأة إلا أرسلت تُقسِمُ ما أمسى في بيتها ما يأكلُ ذو كبدٍ، فقال لهم رسول الله ﷺ فاجتمعوا، فدعا وقال: "اللهم إني أسألك من فضلِك ورحمتِك فإنها بيدِك لا يملكُها أحدٌ غيرُك" فلم يكن إلا ومستأذنٌ يستأذنُ، فإذا بشاةٍ مصليَّة ورُغُفٍ، فأمر بها رسولُ الله ﷺ فوُضعت بين أيدينا، فأكلنا حتى شَبعنا، فقال لنا رسول الله ﷺ : "إنا سألنا الله من فضله ورحمته، فهذا فضلُه وقد ذَخَر (٤) لنا عندَه رحمتَه" (٥). حديث الذِّراع قال الإمام أحمد: حدَّثنا إسماعيل، حدَّثنا يحيى بن إسحاق، حدَّثني رجل من بني غِفَار في مجلس سالم بن عبد الله، قال: حدَّثني فلان:

стр. 2889

أن رسولَ الله ﷺ أُتي بطعام من خبز ولحم، فقال: "ناولني الذراع" فنُوول ذراعًا (١). قال يحيى: لا أعلمه إلا هكذا، ثم قال: "ناولني الذراع" فنُووِل ذراعًا، فأكلها، ثم قال: "ناولني الذراع" فقال: يا رسولَ الله إنما هما ذراعان! فقال: "وأبيك لو سكت ما زلتُ أُناول منها ذِراعًا ما دعوتُ به" (٢). فقال سالم: أمّا هذه فلا، سمعتُ عبدَ الله بن عمر يقول: قالَ رسول الله ﷺ : "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم". هكذا وقعَ إسنادُ هذا الحديث، وهو عن مُبهم، عن مثله، وقد رُوي من طرق أخرى. قال الإمام أحمد: حدَّثنا خلفُ بن الوليد، حدَّثنا أبو جعفر -يعني: الرازي- عن شُرحبيل، عن أبي رافع، مولى النبي ﷺ قال: أُهديت له شاةٌ، فجعلَها في القِدر، فدخلَ رسولُ الله ﷺ ، فقال: " ما هذا يا أبا رافع؟ " قال: شاة أُهديت لنا يا رسولَ الله، فطبختُها في القِدر، فقال: "ناولني الذراعَ يا أبا رافع" فناولتُه الذراعَ، ثم قال: " ناولني الذراع الآخر " فناولتُه الذراعَ الآخرَ، ثم قال: " ناولني الذراع الآخر " فقال: يا رسول الله إنما للشاة ذراعان، فقال رسول الله ﷺ : " أما إنك لو سكتَّ لناولتني ذِراعًا فذِراعًا ما سكتَّ " ثم دعا بماءٍ فمضمضَ فاه وغسلَ أطرافَ أصابعِه ثم قامَ فصلَّى، ثم عاد إليهم فوجدَ عندهم لحمًا باردًا فأكل، ثم دخلَ المسجدَ فصلَّى ولم يمسَّ ماء (٣). طريق أخرى عن أبي رافع: قال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا مؤمَّل (٥)، حدَّثنا حماد، حدَّثني عبد الرحمن ابن أبي رافع، عن عمته، عن أبي رافع، قال: صُنع لرسول الله ﷺ شاةٌ مَصليّة، فأتي بها، فقال لي: "يا أبا رافع، ناولني الذراع" فناولته، ثم قال: "يا أبا رافع، ناولني الذراع" فناولته، ثم قال: "يا أبا رافع، ناولني الذراع" فقلتُ: يا رسول الله هل للشاة إلّا ذراعان؟ فقال: لو سكتَّ لناولتني منها ما دعوتُ به، قال: وكان رسول الله ﷺ يُعجبه الذِّراع. قلت: ولهذا لما علمت اليهودُ -عليهم لعائن الله- بخيبرَ سَمُّوه في الذراع في تلك الشاة التي

стр. 2890

أحضرتها زينبُ اليهودية، فأخبرَه الذراعُ بما فيه من السُّمّ، لمَّا نَهَسَ (١) منه نهسةً، كما قدمنا ذلك في غزوة خيبر مبسوطًا. طريق أخرى: قال الحافظ أبو يعلى: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدَّثنا زيدُ بن الحُباب، حدَّثني فائد مولى عُبيد الله بن أبي رافع، عن أبي رافع قال: أتيتُ رسولَ الله ﷺ يومَ الخندق بشاةٍ في مِكتل فقال: " يا أبا رافع، ناولني الذراع" فناولته، ثم قال: "يا أبا رافع، ناولني الذراع " فناولته، ثم قال: " يا أبا رافع، ناولني الذراع" فقلت: يا رسولَ الله أللشاة إلا ذراعان؟ فقال: " لو سكتَّ ساعةً ناولتنيه ما سألتُك ". فيه انقطاع من هذا الوجه. وقال أبو يعلى أيضًا: حدَّثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدَّثنا فُضيل بن سليمان، حدَّثنا فايد مولى عُبيد الله، حدَّثني عُبيد الله؛ أن جدَّته سلمى أخبرته: أن النبيَّ ﷺ بعثَ إلى أبي رافع بشاة، وذلك يومَ الخندق فيما أعلم، فَصَلاها أبو رافع ليس معها خبز، ثم انطلق بها، فلقيَه النبيُّ ﷺ راجعًا من الخندق فقال: "يا أبا رافع، ضع الذي معك" فوضعه، ثم قال: يا أبا رافع، ناولني الذراع " فناولته، ثم قال: " يا أبا رافع، ناولني الذراع" فناولته، ثم قال: "يا أبا رافع، ناولني الذراع" فقلت: يا رسولَ الله، هل للشاة غير ذراعين؟ فقال: لو سكتَّ لناولتني ما سألتك. وقد رُوي من طريق أبي هريرة. قال الإمام أحمد: حدَّثنا الضحَّاك، حدَّثنا ابن عَجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن شاةً طُبخت، فقال رسول الله ﷺ : "أعطني الذراع " فناولته إياه، فقال: "أعطني الذراع" فناولته إياه، ثم قال: أعطني الذراع" فقال: يا رسول الله إنما للشاة ذراعان، قال: " أما إنك لو التمستَها لوجدتَها" (٢). حديثٌ آخر: قال الإمام أحمد: حدَّثنا وكيع (عن إسماعيل، عن قيس) (٣)، عن دُكين بن سعيد الخثعمي، قال: أتينا رسولَ الله ﷺ ، ونحن أربعون وأربعمئة نسألُه الطعامَ، فقال النبيُّ ﷺ لعمرَ: " قم فأعطهم " فقال: يا رسول الله، ما عندي إلا ما يَقيظني والصِّبية، قال وكيع: القيظ في كلام العرب أربعة أشهر. قال: " قم فأعطِهم " قال: يا رسول الله، سمعًا وطاعة. قال: فقام عمرُ وقمنا معه فصعِدَ

стр. 2891

بنا إلى غرفةٍ له فأخرجَ المفتاحَ من حُجزته، ففتح الباب، قال دُكين: فإذا في الغرفة من التمر شبيه بالفَصِيل الرَّابض، قال: شأنكم، قال: فأخذ كلُّ رجل منا حاجتَه ما شاء، ثم التفتَ وإني لمن آخرهم، فكأنا لم نرزأ منه تمرةٌ (١). ثم رواه أحمد، عن محمد ويعلى ابني (٢) عبيد، عن إسماعيل- وهو ابن أبي خالد- عن قيس- وهو ابن أبي حازم - عن دُكين به (٣). ورواه أبو داود (٤) عن عبد الرحيم بن مُطرف الرَّواسي، عن عيسى بن يونس، عن إسماعيل، به. حديث آخر: قال عليُّ بن عبد العزيز: حدَّثنا أبو نُعيم، حدَّثنا حشرج بن نُباتة، حدَّثنا أبو نضرة، حدَّثني أبو رجاء، قال: خرجَ رسولُ الله ﷺ حتى دخلَ حائطًا لبعض الأنصار، فإذا هو يَستوفيه، فقال رسول الله ﷺ : "ما تجعلُ لي إن أرويتُ حائطكَ هذا؟ " قال: إني أجهدُ أن أرويَه فما أُطيق ذلك، فقال له رسول الله ﷺ : " تجعلُ لي مئة تمرة أختارُها من تمرك؟ " قال: نعم، فأخذ رسولُ الله ﷺ الغَربَ، فما لبثَ أن أرواهُ، حتى قال الرجل: غرقت حائطي، فاختارَ رسول الله ﷺ من تمره مئة تمرةٍ، قال: فأكلَ هو وأصحابُه حتى شبعوا، ثم ردَّ عليه مئة تمرة، كما أخذها (٥) منه. هذا حديث غريب، أوردَه الحافظ ابن عساكر في " دلائل النبوة " من أول تاريخه بسنده، عن علي بن عبد العزيز البغوي، كما أوردناه. وقد تقدَّم في ذكر إسلام سلمان الفارسي ما كان من أمر النخيل التي غرسَها رسولُ الله ﷺ بيده الكريمة لسلمانَ، فلم يهلك منهنّ واحدة، بل أنجبَ الجميعُ وكنّ ثلاثمئة، وما كان من تكثيره الذهبَ حين قلَّبه على لسانه الشريف، حتى قضى منه سلمانُ ما كان عليه من نُجوم كتابته، وعَتَق ﵁ وأرضاه. باب انقيادِ الشَّجر لرسول الله ﷺ - قد تقدَّم الحديث الذي رواه مسلم (٦)، من حديث حاتمِ بن إسماعيل، عن أبي حَرزَةَ يعقوب بن مجاهد، عن عُبادةَ بن الوليد بن عُبادة، عن جابر بن عبد الله، قال:

стр. 2892

سِرنا مع النبي ﷺ حتى نزلنا واديًا أفيحَ (١) فذهبَ رسولُ الله ﷺ يقضي حاجته، فاتّبعته بإداوة من ماء فنظر فلم ير شيئًا يستترُ به، وإذا شجرتان بشاطئ الوادي، فانطلق إلى إحداهما فأخذَ بغصنٍ من أغصانها، وقال: " انقادي عليّ بإذن الله " فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يُصانِع قائده، حتى أتى الشجرة الأخرى، فأخذ بغصنٍ من أغصانها وقال: "انقادي عليّ بإذن الله" فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يُصانع قائده، حتى إذا كان بالمنتصف فيما بينهما لأمَ بينهما - يعني: جمعَهما - وقال: التئما عليّ بإذن الله" فالتأمتا، قال جابر: فخرجتُ أُحضِرُ (٢) مخافة أن يُحسَّ بقربي فيبعد، فجلستُ أحدّث نفسي، فحانت مني لفتة، فإذا أنا برسول الله مقبلٌ، وإذا الشجرتان قد افترقتا وقامت كل واحدة منهما على ساق، فرأيتُ رسول الله وقفَ وقفةً وقال برأسه هكذا (٣) -يمينًا وشمالًا-. وذكر تمامَ الحديث في قصّة الماء، وقصة الحوت، الذي دسَرَه (٤) البحرُ، كما تقدم، ولله الحمد والمنة. حديث آخر قال الإمام أحمد (٥): حدَّثنا أبو معاوية، حدَّثنا الأعمش، عن أبي سفيان -وهو طلحة بن نافع- عن أنس، قال: جاء جبريلُ إلى رسول الله ﷺ ذات يوم، وهو جالس حزين، قد خُضب بالدماء، من ضربةِ بعض أهل مكة، قال: فقال له: مالك؟ قال: "فعلَ بي هؤلاء وفعلوا" قال: فقال له جبريل: أتحبُّ أن أريك آية؟ قال: فقال: نعم، قال: فنظرَ إلى شجرةٍ من وراء الوادي فقال: ادع تلك الشجرة، فدعاها، قال: فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه، فقال: مرها فلترجع، فأمرَها فرجعت إلى مكانها، فقال رسول الله ﷺ : "حسبي". وهذا إسناد على شرط مسلم، ولم يروه إلا ابن ماجه (٦)، عن محمد بن طريف، عن أبي معاوية. حديث آخر روى البيهقي، من حديث حمَّاد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن عمر بن الخطاب:

стр. 2893

أن رسول الله كان على الحجون كئيبًا لما آذاه المشركون، فقال: "اللهم أرني اليوم آية لا أُبالي من كذَّبني بعدَها" قال: فأُمِرَ، فنادى شجرةً من قِبَل عَقَبةِ أهل المدينة، فأقبلت تخدُّ الأرضَ حتى انتهت إليه، قال: ثم أمرَها فرجعت إلى موضِعها، قال: فقال: " ما أبالي من كذَّبني بعدَها من قومي" (١). ثم قال البيهقي: أخبرنا الحاكم وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: حدَّثنا الأصم، حدَّثنا أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بُكير، عن مُبارك بن فَضالة، عن الحسن، قال: خرج رسولُ الله ﷺ إلى بعض شِعَاب مكة، وقد دخله من الغمّ ما شاء الله من تكذيب قومه إياه، فقال: "يارب أرني ما أطمئن إليه، ويذهب عني هذا الغم" فأوحى الله إليه: ادعُ إليك أيّ أغصانِ هذه الشجرة شئتَ، قال: فدعا غصنًا، فانتزعَ من مكانه ثم خدَّ في الأرض حتى جاء رسولَ الله ﷺ ، فقال له رسول الله: "ارجع إلى مكانك" فرجعَ، فحمد اللهَ رسولُ الله وطابت نفسُه، وكان قد قال المشركون: "أَفَضَلت أباكَ وأجدادَك يا محمد؟! فأنزل الله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] الآيات (٢). قال البيهقي (٣): وهذا المرسل يشهد له ما قبله. حديث آخر قال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا أبو معاوية، حدَّثنا الأعمش، عن أبي ظبيان - وهو حصين بن جندب - عن ابن عباس، قال: أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ من بني عامر فقال: يا رسول الله أرني الخاتَم الذي بين كتفيك فإني من أطبِّ الناس، فقال له رسولُ الله ﷺ : "ألا أريك آية؟ " قال: بلى، قال: فنظرَ إلى نخلةٍ، فقال: "ادعُ ذلكَ العِذق" فدعاه، فجاء ينقز بين يديه، فقال له رسول الله ﷺ : "ارجع" فرجعَ إلى مكانه، فقال العامري: يا آل بني عامر، ما رأيتُ كاليوم رجلًا أسحرَ من هذا (٥).

стр. 2894

هكذا رواه الإمام أحمد، وقد أسندَه البيهقيُّ (١) من طريق محمد بن أبي عُبيدة، عن أبيه، عن الأعمش، عن أبي ظِبيان، عن ابن عباس، قال: جاءَ رجلٌ من بني عامرٍ إلى رسول الله ﷺ فقال: إنَّ عندي طِبًّا وعلمًا، فما تَشتكي؟ هل يَريبك من نفسِك شيءٌ؟ إلى ما (٢) تدعو؟ قال: "أدعو إلى الله والإسلام". قال: فإنك لتقول قولًا، فهل لكَ من آية؟ قال: " نعم، إن شئتَ أريتُك آية " وبين يديه شجرةٌ، فقال لغصنٍ منها: " تعالَ يا غصن " فانقطعَ الغصنُ من الشجرة، ثم أقبلَ ينقزُ حتى قامَ بين يديه، فقال: " ارجع إلى مكانِك " فرجعَ. فقال العامريُّ: يا آلَ عامرِ بن صَعصَعة، لا ألومُكَ على شيءٍ قلتَهُ أبدًا. وهذا يقتضي أنه سلَّم الأمرَ ولم يُجب من كل وجه. وقد قال البيهقي (٣): أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصَّفار وحدَّثنا ابن أبي قماش، حدَّثنا ابن عائشة، عن عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله، فقال: ما هذا الذي يقول أصحابُك؟ قال: وحولَ رسول الله أعذاقٌ وشجرٌ، قال: فقال رسول الله: " هل لك أن أُريك آيةً؟ " قال: نعم، قال: فدعا عِذقًا منها، فأقبلَ يخدُّ الأرضَ، حتى وقفَ بين يديه يخدُّ الأرضَ ويسجدُ ويرفعُ رأسه، حتى وقفَ بين يديه، ثم أمرَه فرجعَ. قال: فخرج (٤) العامريُّ وهو يقول: يا آلَ عامر بن صَعصَعة، والله لا أكذِّبُه بشيءٍ يقولُه أبدًا. طريق أخرى، فيها أن العامريّ أسلم: قال البيهقي: أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أنبأنا أبو علي حامد بن محمد بن الرفاء، أنبأنا علي بن عبد العزيز، حدَّثنا محمد بن سعيد بن الأصبهاني، أنبأنا شريك، عن سِماك، عن أبي ظِبيان، عن ابن عباس، قال: جاءَ أعرابيٌّ إلى رسول الله ﷺ قال: بم أعرفُ أنك رسولُ الله؟ قال: " أرأيتَ إن دعوتُ هذا العِذق من هذه النخلة، أتشهدُ أني رسولُ الله؟ " قال: نعم، قال: فدعا العِذقَ فجعلَ العِذقُ ينزلُ من النخلة

стр. 2895

حتى سقطَ في الأرض، فجعل ينقزُ حتى أتى رسولَ الله، ثم قال له: " ارجع " فرجعَ حتى عادَ إلى مكانه، فقال: أشهد أنك رسول الله، وآمن (١). قال البيهقي: رواه البخاريُّ في " التاريخ "، عن محمد بن سعيد الأصبهاني (٢). قلت: ولعله قال أولًا إنه سحرٌ، ثم تَبَصَّرَ لنفسِه، فأسلمَ وآمنَ لما هداهُ الله ، والله أعلم. حديث آخر، عن ابن عمر في ذلك: قال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الوراق، أنبأنا الحسَن بن سفيان، أنبأنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن أَبان الجُعفي، حدَّثنا محمد بن فُضيل، عن أبي حيّان، عن عطاء، عن ابن عمر، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فأقبل أعرابيٌّ، فلما دنا منه قال له رسول الله: "أين تريد؟ " قال: إلى أهلي، قال: "هل لك إلى خير؟ " قال: ما هو؟ قال: "تشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأن محمدًا عبدُه ورسولهُ" قال: هل من شاهد على ما تقولُ؟ قال: "هذه الشجرة" فدعاها رسولُ الله ﷺ وهي على شاطئ الوادي، فأقبلت تخدُّ الأرض خدًّا، فقامت بين يديه، فاستشهدَها ثلاثًا فشهدت أنه كما قال، ثم إنها رجعت إلى منبتِها، ورجعَ الأعرابيُّ إلى قومه، فقال: إن يتبعوني أتيتُك بهم، وإلا رجعتُ إليك وكنتُ معك (٣). وهذا إسنادٌ جيد ولم يخرجوه (٤)، ولا رواه الإمام أحمد، والله أعلم. باب حنينُ الجِذع، شَوقًا إلى رسول الله، وشَغَفًا من فِراقه وقد وردَ من حديث جماعة من الصحابة، بطرق متعددة تفيدُ القطعَ، عند أئمة هذا الشأن، وفرسان هذا الميدان. (قال القاضي عياض في كتابه "الشفاء" (٥): وهو حديث مشهورٌ منتشرٌ متواتر، خرَّجه أهل الصحيح، ورواه من الصحابة بضعة عشر، منهم: أبيٌّ، وجابر، وأنس، وابن عمر، وابن عباس، وسهل بن سعد، وأبو سعيد، وبُريدة، وأم سلمة، والمطلبُ بن أبي وداعة، ﵃ (٦).

стр. 2896

الحديث الأول عن أبيّ بن كعب: قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ﵀ (١): حدَّثنا إبراهيم بن محمد، قال: أخبرني عبدُ الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبيّ بن كعب، عن أبيه، قال: كان النبيُّ ﷺ يُصَلِّي إلى جِذع نخلةٍ إذ كان المسجدُ عريشًا، وكان يخطبُ إلى ذلك الجذع، فقال رجل من أصحابه: يا رسولَ الله، هل لك أن نجعل لك مِنبرًا تقوم عليه يوم الجمعة، ويَسمعُ الناسُ خطبتكَ؟ قال: " نعم " فصنعَ له ثلاثَ درجات هنّ اللاتي على المنبر، فلما صُنع المنبرُ ووُضع موضعه الذي وضعه فيه رسولُ الله ﷺ ، بدا للنبيّ ﷺ أن يقومَ على ذلك المنبر فيخطب عليه، فمر إليه، فلما جاوز ذلك الجِذع الذي كان يخطبُ إليه، خارَ حتى تصدَّعِ وانشقَّ، فنزل النبي ﷺ لما سمعَ صوتَ الجِذع فمسحَه بيده، ثم رجعَ إلى المنبر، فلما هُدم المسجدُ أخذ ذلك الجذعَ أبيُّ بن كعب ﵁، فكان عنده حتى بليَ وأكلته الأرضةُ، وعاد رُفاتًا (٢). وهكذا رواه الإمام أحمد بن حنبل (٣): عن زكريا بن عديّ، عن عُبيد الله بن عمرو الرقي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل، عن أبيّ بن كعب، فذكره. وعنده: فمسحَه بيده حتى سكنَ، ثم رجعَ إلى المنبر، وكان إذا صلَّى صلَّى إليه. والباقي مثله. وقد رواه ابن ماجه (٤) عن إسماعيل بن عبد الله الرقي، عن عُبيد الله بن عمرو الرقي، به. الحديث الثاني عن أنس بن مالك: قال الحافظ أبو يَعلى المَوصلي (٥): حدَّثنا أبو خيثمة، حدَّثنا عمر بن يُونس الحنفي، حدَّثنا عكرمة بن عمّار، حدَّثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، حدَّثنا أنس بن مالك: أن رسول الله كان يوم الجمعة يُسند ظهرَه إلى جِذعٍ منصوبٍ في المسجد فيخطبُ الناس، فجاءَه روميٌّ فقال: ألا أصنعُ لك شيئًا تقعدُ عليه كأنَّك قائم؟ فصنعَ له مِنبرًا درجتان، ويقعد على الثالثة، فلما قعدَ نبيُّ الله على المِنبر خارَ كخُوار الثور، ارتجَّ لخواره؛ حزنًا على رسول الله ﷺ ، فنزلَ إليه رسولُ الله من المنبر فالتزمَه، وهو يخورُ، فلما التزمَه سكتَ، ثم قال: "والذي نفسُ محمّدٍ بيده لو لم ألتزمه لما زالَ هكذا حتى يوم القيامة حزنًا على رسول الله" فأمر به رسولُ الله ﷺ فدُفِنَ.

стр. 2897

وقد رواه الترمذي (١)، عن محمود بن غَيلان، عن عمر بن يونس، به. وقال: صحيح غريب من هذا الوجه. طريق أخرى عن أنس: قال الحافظ أبو بكر البزَّار في " مسنده ": حدَّثنا هدبة، حدَّثنا حمَّاد، عن ثابت، عن أنس، عن النبي ﷺ : (وحبيب بن الشهيد، عن الحسن، عن النبي ﷺ ) (٢) أنه كان يخطبُ إلى جِذع نخلةٍ، فلما اتَّخذَ المِنبرَ تحوَّلَ إليه، فحنَّ فجاءَ رسولُ الله ﷺ حتى احتضنَه فسكنَ، وقال: "لو لم أحتضنه لحنَّ إلى يومِ القيامة" (٣) وهكذا رواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن خَلَّاد، عن بَهز بن أسد، عن حمّاد بن سَلمة، عن ثابت، عن أنس، وعن حمّاد، عن عمّار بن أبي عمّار، عن ابن عباس به. وهذا إسناد على شرط مسلم. طريق أخرى عن أنس: قال الإمام أحمد: حدَّثنا هاشم، حدَّثنا المبارك، عن الحسن، عن أنس بن مالك، قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا خطبَ يومَ الجمعةِ يُسند ظهرَه إلى خَشبةٍ، فلما كَثُرَ النَّاسُ قال: "ابنوا لي مِنبرًا" -أراد أن يسمعَهم- فبَنَوا له عتبتين، فتحوَّلَ من الخشبة إلى المِنبر، قال: فأُخبرَ أنسُ بن مالك أنه سمعَ الخشبةَ تَحِنُّ حنينَ الوالِه، قال: فما زالت تَحِنُّ حتى نزلَ رسولُ الله ﷺ عن المنبر، فمشى إليها فاحتضنَها، فسكنت (٤). تفرَّد به أحمد. وقد رواه أبو القاسم البغوي، عن شيبان بن فروخ، عن مُبارك بن فَضَالة، عن الحسن، عن أنس فذكره، وزاد: فكان الحسنُ إذا حدَّثَ بهذا الحديث بَكى، ثم قال: يا عبادَ الله، الخشبةُ تَحِنُّ إلى رسول الله شوقًا إليه لمكانه من الله، فأنتم أحقُّ أن تَشتاقوا إلى لقائه (٥). وقد رواه الحافظ أبو نعيم (٦)، من حديث الوليد بن مسلم، عن سالم بن عبد الله الخياط، عن أنس بن مالك، فذكره.

стр. 2898

طريق أخرى عن أنس: قال أبو نُعيم: حدَّثنا أبو بكر بن خَلَّاد، حدَّثنا الحارث بن محمد بن أبي أُسامة، حدَّثنا يَعلى بن عبَّاد، حدَّثنا الحكم، عن أنس، قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يخطبُ إلى جذع، فحنَّ الجِذعُ، فاحتضنَه وقال: " لو لم أحتضنه لحنَّ إلى يوم القيامة " (١). الحديث الثالث عن جابر بن عبد الله ﵄: قال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا وكيع، حدَّثنا عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه، عن جابر قال: كان رسولُ الله ﷺ يخطبُ إلى جِذعِ نخلةٍ، قال: فقالت امرأةٌ من الأنصار- وكان لها غلام نجّار - يا رسولَ الله، إن لي غلامًا نجارًا أفآمُره أن يتَّخذَ لك مِنبرًا تخطبُ عليه؟ قال: " بلى " قال: فاتَّخذ له مِنبرًا، قال: فلما كان يوم الجمعة خطبَ على المنبر، قال: فأنَّ الجِذعُ الذي كان يقومُ عليه كما يَئِن الصبيُّ، فقال النبيُّ ﷺ : "إن هذا بكى لِمَا فَقَدَ من الذِّكر ". هكذا رواه أحمد. وقد قال البخاريُّ (٣): حدَّثنا أبو نُعيم، حدَّثنا عبد الواحد بن أيمن، قال: سمعتُ أبي، عن جابر بن عبد الله: أن رسولَ الله ﷺ كان يقومُ يومَ الجمعة إلى شجرة - أو نخلة - فقالت امرأة من الأنصار - أو رجل -: يا رسولَ الله، ألا نجعلُ لك منبرًا؟ قال: "إن شِئتم" فجعلُوا له منبرًا، فلما كان يوم الجمعة دُفِعَ إلى المِنبر، فصاحتِ النَّخلةُ صِياحَ الصبيّ، ثم نزلَ النبيُّ ﷺ فضمَّه إليه يَئِنُّ أنينَ الصبيّ الذي يُسَكَّنُ. قال: " كانت تبكي على ما كانت تسمعُ من الذكر عندَها ". وقد ذكره البخاري في غير ما موضع من صحيحه، من حديث عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه، عن أيمن الحبشي المكي، مولى ابن أبي عمرة المخزومي، عن جابر، به. طريق أخرى عن جابر: قال البخاريُّ: حدَّثنا إسماعيل، حدَّثني أخي، عن سُليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، حدَّثني حفصُ بن عُبيد الله بن أنس بن مالك؛ أنه سمعَ جابرَ بنَ عبد الله الأنصاري يقول: كان المسجدُ مسقوفًا على جذوع من نخل، فكان النبيُّ ﷺ إذا خطبَ يقومُ إلى جِذعٍ منها، فلما

стр. 2899

صنع له المنبر، وكان عليه، فسمعنا لذلك الجِذعِ صوتًا كصوتِ العِشَار، حتى جاء النبيُّ ﷺ فوضعَ يدَه عليها فسكنت (١). تفرد به البخاري. طريق أخرى عنه: قال الحافظ أبو بكر البزار، حدَّثنا محمد بن المثنى، حدَّثنا أبو المساور، حدَّثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن أبي صالح -وهو ذكوان- عن جابر بن عبد الله، وعن أبي إسحاق، عن كُريب، عن جابر قال: كانت خشبةٌ في المسجد يخطبُ إليها النبيُّ ﷺ ، فقالوا: لو اتخذنا لك مِثلَ الكرسي تقومُ عليه؟ ففعلَ، فحنَّتِ الخشبةُ كما تَحِنُّ الناقةُ الحلوجُ، فأتاها فاحتضنها فوضعَ يدَه عليها فسكنت (٢). قال أبو بكر البزار: أحسبُ أنا قد حدَّثناه عن أبي عوانة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن جابر، وعن أبي إسحاق، عن كريب، عن جابر بهذه القصة التي رواها أبو المساور، عن أبي عوانة. وحدَّثنا محمد بن عثمان بن كرامة، حدَّثنا عُبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن أبي كَرِب (٣)، عن جابر، عن النبي ﷺ بنحوه. والصواب إنما هو سعيدُ بن أبي كرب (٣)، وكريب خطأ، ولا نعلم يروي عن سعيد بن أبي كَرِب (٣) إلا أبا إسحاق. قلت: ولم يخرجوه من هذا الوجه، وهو جيد. طريق أخرى عن جابر: قال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا يحيى بن آدم، حدَّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن أبي كرب، عن جابر بن عبد الله، قال: كان النبيُّ ﷺ يخطبُ إلى خشبةٍ، فلما جُعل له مُنبر حنَّت حنينَ النَّاقة، فأتاها فوضعَ يدَه عليها فسكنت.

стр. 2900

تفرد به أحمد. طريق أخرى عن جابر: قال الحافظ أبو بكر البزار: حدَّثنا محمد بن مَعْمَر، حدَّثنا محمد بن كَثير، حدَّثنا سُليمان بن كثير، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد الله قال: كان النبيُّ ﷺ يقومُ إلى جِذع قبلَ أن يُجعل له المنبر، فلما جُعل المنبرُ حَنَّ الجِذعُ حتى سمعنا حنينَه، فمسحَ رسولُ الله ﷺ يدَه عليه فسكنَ. قال البزار: لا نعلمُ رواه عن الزهري إلا سليمان بن كثير. قلت: وهذا إسنادٌ جيد، رجاله على شرط الصحيح، ولم يروه أحدٌ من أصحاب الكتب الستة. وقال الحافظ أبو نُعيم في " الدلائل" (١): ورواه عبدُ الرزاق عن مَعْمَر، عن الزهري، عن رجل سمَّاه، عن جابر. ثم أوردَه (٢) من طريق أبي عاصم بن علي، عن سُليمان بن كثير، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن جابر مثله. ثم قال: حدَّثنا أبو بكر بن خَلَّاد، حدَّثنا أحمدُ بن علي الخراز، حدَّثنا عيسى بن المساور، حدَّثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر: أن رسولَ الله كان يخطبُ إلى جذع، فلما بُني المنبرُ حنَّ الجذعُ فاحتضنَه فسكنَ، وقال: " لو لم أحتضنه لحنَّ إلى يوم القيامة" (٣). ثم رواه (٤) من حديث أبي عَوانة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن جابر. وعن أبي إسحاق، عن كريب، عن جابر، مثله. طريق أخرى عن جابر: قال الإمام أحمد (٥): حدَّثنا عبدُ الرزاق، أخبرنا ابنُ جُريج، ورَوح قال: حدَّثنا ابن جُريج: أخبرني أبو الزبير؛ أنه سمعَ جابر بن عبد الله يقول: كان النبيُّ ﷺ إذا خطبَ يستندُ إلى جذعِ نخلةٍ من سَواري المسجد، فلما صُنع له مِنبرُه واستوى عليه،

стр. 2901

فاضطربت تلك السَّاريةُ كحنين الناقة، حتى سمعَها أهلُ المسجد، حتى نزلَ إليها رسولُ الله ﷺ فاعتنقَها فسكنت. وقال رَوح: فسكتت. وهذا إسناد على شرط مسلم ولم يخرجوه. طريق أخرى عن جابر: قال الإمام أحمد (١): حدَّثنا محمد بن أبي عديّ، عن سُليمان، عن أبي نَضرةَ، عن جابر، قال: كان رسولُ الله ﷺ يقومُ في أصلِ شجرةٍ -أو قال: إلى جِذعٍ- ثم اتخذَ منبرًا، قال: فحنَّ الجِذعُ، قال جابر: حتى سمعَه أهلُ المسجد، حتى أتاه رسولُ الله ﷺ فمسحَه فسكنَ، فقال بعضُهم: لو لم يأتِه لحنَّ أبَدًا إلى يومِ القيامة. وهذا على شرط مسلم، ولم يروه إلا ابن ماجه (٢)، عن بَكر بن خَلف، عن ابن أبي عديٍّ، عن سُليمان التَّيمِيِّ، عن أبي نَضرَةَ - المُنذِر بن مالك بن قُطَعَةً (٣) العَبديِّ النَّضريِّ، عن جابر، به. الحديث الرابع عن سهل بن سعد: قال أبو بكر بن أبي شيبة (٤): حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن أبي حازم، قال: أتَوا سهلَ بن سعد فقالوا: من أيّ شيءٍ منبرُ رسول الله ﷺ ؟ فقال: كان رسولُ الله ﷺ يستندُ إلى جِذعٍ في المسجد يُصلِّي إليه إذا خطبَ، فلما اتَّخذَ المِنبَرَ فصَعِدَ حنَّ الجِذعُ، حتى أتاه رسولُ الله ﷺ فوطَّنَه حتى سكنَ. وأصل هذا الحديث في الصحيحين (٥)، وإسناده على شرطهما. وقد رواه إسحاق بن راهويه، وابن أبي فديك، عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه، عن جده، ورواه عبدُ الله بن نافع، وابنُ وهب، عن عبد الله بن عمر، عن عباسِ بن سهل، عن أبيه، فذكره. ورواه ابنُ لهيعة، عن عمارة بن عرفة، عن ابن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه، بنحوه. الحديث الخامس عن عبد الله بن عباس: قال الإمام أحمد (٦): حدَّثنا عفَّان، حدَّثنا حمَّادٌ، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس ﵄:

стр. 2902

أن رسولَ الله ﷺ كان يخطبُ إلى جِذعٍ قبلَ أن يتَّخِذَ المنبر، فلما اتَّخذَ المنبر وتحوَّل إليه، حنّ عليه، فأتاه فاحتضنَه فسكنَ، قال: "ولو لم أحتضنه لحنَّ إلى يوم القيامة". وهذا الإسنادُ على شرط مسلم، ولم يروه إلا ابن ماجه (١)، من حديث حماد بن سلمة. الحديث السادس عن عبد الله بن عمر: قال البخاري (٢): حدَّثنا محمد بن المثنى، حدَّثنا يحيى بن كثير أبو غسان، حدَّثنا أبو حفص واسمُه عمر بن العلاء -أخو أبي عمرو بن العلاء- قال: سمعتُ نافعًا، عن ابن عمر ﵄، قال: كان النبيُّ ﷺ يخطبُ إلى جِذعٍ، فلما اتَّخذَ المِنبَر تحوَّل إليه، فحنّ الجذعُ، فأتاهُ فمسحَ يدَه عليه. وقال عبد الحميد: أخبرنا عثمان بن عمر، أخبرنا معاذُ بن العلاء، عن نافع بهذا. ورواه أبو عاصم، عن ابن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ . وهكذا ذكره البخاري. وقد رواه الترمذي (٣)، عن عمرو بن علي الفَلَّاس، عن عثمان بن عمرو ويحيى بن كثير أبي غَسَّان العنبري (٤)، كلاهما عن معاذ بن العلاء، به. وقال: حسن صحيح غريب. قال شيخنا الحافظ أبو الحجَّاج المِزِّي في "أطرافه" (٥): ورواه علي بن نصر بن علي الجهضمي، وأحمد بن خالد الخلال، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي في آخرين، عن عثمان بن عمر، عن معاذ بن العلاء. قال: وعبد الحميد هذا -يعني: الذي ذكره البخاري- يقال: إنه عبدُ بن حميد، والله أعلم. قال شيخُنا: وقد قيل: إن قول البخاري: عن أبي حفص، واسمه عُمر (٦) بن العلاء، وهمٌ، والصواب معاذ بن العلاء؛ كما وقع في رواية الترمذي. قلت: وليس هذا ثابتًا في جميع النسخ، ولم أرَه في النسخ التي كتبتُ منها تسميته بالكلية، والله أعلم. وقد روى هذا الحديث الحافظ أبو نُعيم (٧)، من حديث عبد الله بن رجاء، عن عبد الله بن عمر. ومن حديث أبي عاصم، عن ابن أبي رواد، كلاهما عن نافعٍ، عن ابن عمر، قال:

стр. 2903

قال تميمٌ الداريّ: ألا نتخذُ لك منبرًا. فذكر الحديث. طريق أخرى عن ابن عمر: قال الإمام أحمد (١): حدَّثنا حسين، حدَّثنا خلفٌ، عن أبي جَناب - وهو يحيى بن أبي حَيّة - عن أبيه، عن عبد الله بن عمر، قال: كان جذعُ نخلةٍ في المسجد يُسند رسولُ الله ﷺ ظهرَه إليه إذا كان يومَ جمعةٍ، أو حدثَ أمرٌ يُريدُ أن يُكلِّمَ الناسَ، فقالوا: ألا نجعلُ لكَ يا رسولَ الله شيئًا كقَدرِ قيامِك؟ قال: "لا عليكم أن تفعلوا" فصنعوا له منبرًا ثلاثَ مراقٍ، قال: فجلس عليه، قال: فخارَ الجذعُ كما تخورُ البقرةُ جزعًا على رسول الله ﷺ ، فالتزمَه ومسحَه حتى سكنَ (٢). تفرد به أحمد. الحديث السابع عن أبي سعيد الخدري: قال عبدُ بن حُميد الكشي (٣): حدَّثنا علي بن عاصم، عن الجريري، عن أبي نضرة العيدي، حدَّثني أبو سعيد الخدري، قال: كان رسولُ الله ﷺ يخطبُ يومَ الجمعة إلى جذعِ نخلةٍ، فقال له الناس: يا رسول الله، إنه قد كَثُرَ الناسُ - يعني: المسلمين - وإنهم ليحبُّون أن يروكَ، فلو اتَّخذتَ مِنبرًا تقومُ عليه ليراكَ الناس؟ قال: "نعم، مَن يجعلُ لنا هذا المنبر؟ " فقامَ إليه رجلٌ فقال: أنا، قال: " تجعله؟ " قال: نعم، ولم يقل: إن شاء الله، قال: "ما اسمك؟ " قال: فلان، قال: "اقعد" فقعدَ، ثم عاد فقال: "مَن يجعلُ لنا هذا المنبر؟ " فقام إليه رجل فقال: أنا، قال: " تجعله؟ " قال: نعم، ولم يقل: إن شاء الله، قال: " ما اسمك؟ " قال: فلان، قال: "اقعد" فقعد، ثم عاد فقال: "مَن يجعلُ لنا هذا المنبر؟ " فقام إليه رجلٌ، فقال: أنا، قال: "تجعلُه؟ " قال: نعم، ولم يقل: إن شاء الله، قال: "ما اسمك؟ " قال: فلان، قال: "اقعد" فقعد، ثم عاد فقال: "مَن يجعلُ لنا هذا المنبر" فقام إليه

стр. 2904

رجلٌ، فقال: أنا، قال: "تجعله؟ " قال: نعم إن شاءَ الله، قال: "ما اسمك؟ " قال: إبراهيم، قال: "اجعله". فلما كان يومُ الجمعة اجتمعَ الناسُ للنبيّ ﷺ في آخر المسجد، فلما صَعِدَ رسولُ الله ﷺ المنبرَ فاستوى عليه فاستقبل وحنَّتِ النخلةُ، حتى أسمعتني وأنا في آخر المسجد، قال: فنزلَ رسولُ الله ﷺ عن المِنبر فاعتنقَها، فلم يزل حتى سكنت، ثم عاد إلى المِنبر فحمِدَ الله وأثنى عليه، ثم قال: " إن هذه النَّخلةَ إنما حنَّت شوقًا إلى رسول الله، لمَّا فارقَها، فوالله لو لم أنزل إليها فأعتنقُها، لما سكنت إلى يوم القيامة ". وهذا إسناد على شرط مسلم، ولكن في السياق غرابة، والله تعالى أعلم. طريق أخرى عن أبي سعيد: قال الحافظ أبو يَعلى (١): حدَّثنا مسروق بن المَرزُبَان، حدَّثنا يحيى بن زكريا، عن مُجالد، عن أبي الوداك وهو جبرُ بن نوف، عن أبي سعيد، قال: كان النبيُّ ﷺ يقومُ إلى خشبةٍ يتوكَّأُ عليها، يخطبُ كلَّ جمعةٍ، حتى أتاه رجلٌ من الروم (٢)، فقال: إن شئتَ جعلتُ لك شيئًا إذا قعدتَ عليه كنتَ كأنك قائم، قال: " نعم " قال: فجعلَ له المنبرَ، فلما جلسَ عليه حنَّتِ الخشبةُ حنينَ النَّاقةِ على ولدها، حتى نزلَ النبيُّ ﷺ فوضعَ يدَه عليها، فلما كان الغدُ رأيتُها قد حُوَّلت، فقلنا: ما هذا؟ قالوا: جاء رسولُ الله ﷺ وأبو بكر وعمر البارحة فحوَّلوها. وهذا غريب أيضًا (٣). الحديث الثامن عن عائشة ﵂: ورواه الحافظ أبو نُعيم (٤) من حديث علي بن أحمد الجوربي، عن قبيصة، عن حَيّان بن علي، عن صالح بن حيان، عن عبد الله بن بريدة، عن عائشة، فذكر الحديثَ بطوله، وفيه أنه خيَّرَه بين الدنيا والآخرة، فاختارَ الجِذعُ الآخرةَ، وغارَ حتى ذهبَ فلم يُعرف (٥). هذا حديث غريب إسنادًا ومتنًا.

стр. 2905

الحديث التاسع عن أم سلمة ﵂: روى أبو نُعيم، من طريق شريك القاضي، وعمرو بن أبي قيس، ومعلّى بن هلال، ثلاثتُهم عن عمار الدهني، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أم سلمة، قالت: كان لرسول الله ﷺ خشبة يستندُ إليها إذا خطبَ، فصُنع له كرسيٌّ - أو منبر - فلما فقدتهُ خارت كما يخورُ الثور، حتى سمعَ أهلُ المسجد، فأتاها رسولُ الله ﷺ فسكنت (١). هذا لفظ شريك. وفي رواية معلى بن هلال: أنها كانت من دَوم. وهذا إسناد جيد ولم يخرجوه. وقد روى الإمام أحمد والنسائي (٢)، من حديث عمار الدُّهني، عن أبي سلمة، عن أم سلمة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "قوائمُ مِنبري رواتبُ في الجنة". وروى النسائيُّ أيضًا بهذا الإسناد: " ما بينَ بَيتي ومِنبري روضةٌ من رِياض الجنة" (٣). فهذه الطرق من هذه الوجوه، تفيدُ القطعَ بوقوع ذلك عند أئمة هذا الفن، وكذا من تأملَها وأنعمَ فيها النظر والتأمل، مع معرفته بأحوال الرجال، وبالله المستعان. وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، حدَّثنا عبدُ الرحمن بن محمد بن إدريس الرازي، قال: قال أبي -يعني: أبا حاتم الرازي-: قال عمرو بن سواد، قال لي الشافعي: ما أعطى الله نبيًا ما أعطى محمدًا ﷺ ، فقلت له: أعطى عيسى إحياء الموتى، فقال: أعطى محمدًا الجِذعَ الذي كان يخطبُ إلى جنبه حتى هُيِّئ له المنبر، فلما هُيِّئَ له المِنبر حنَّ الجذعُ حتى سُمعَ صوتُه، فهذا أكبر من ذلك (٤).

стр. 2906

باب تسبيحِ الحَصَى في كفه ﵊ قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عَبَدان، أنبأنا أحمد بن عُبيد الصفار، حدَّثنا الكُدَيميُّ، حدَّثنا قريش بن أنس، حدَّثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن رجل يُقال له: سُويد بن يزيد السُّلمي، قال: سمعت أبا ذر يقول: لا أذكرُ عثمانَ إلا بخير بعد شيء رأيتُه، كنتُ رجلًا أتَّبعُ خلوات رسولِ الله ﷺ ، فرأيتُه يومًا جالسًا وحده، فاغتنمتُ خلوتَه فجئتُ حتى جلستُ إليه، فجاءَ أبوبكر فسلَّم عليه ثم جلسَ عن يمين رسولِ الله ﷺ ، ثم جاء عمرُ فسلَّم وجلس على يمينِ أبي بكر، ثم جاء عثمانُ فسلَّم ثم جلس عن يمين عمر، وبين يدي رسول الله سبعُ حَصَياتٍ -أو قال: تسعُ حصيات- فأخذهنَّ في كفِّه فسبَّحن حتى سمعتُ لهن حنينًا كحنين النحل، ثم وضعهن فخرسن، ثم أخذهن فوضعهن في كفِّ أبي بكر فسبَّحن حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل، ثم وضعهن فخَرِسنَ، ثم تناولهن فوضعهن في يد عمر، فسبَّحْنَ حتى سمعتُ لهن حنينًا كحنين النحل، ثم وضعهن فخرسنَ، ثم تناولهن فوضعهن في يد عثمان فسبَّحن حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل، ثم وضعهن فخرسن، فقال النبيُّ ﷺ : "هذه خلافة النبوة" (١). قال البيهقيُّ (٢): وكذلك رواه محمد بن بشار، عن قريش بن أنس، عن صالح بن أبي الأخضر، وصالح لم يكن حافظًا، والمحفوظ رواية شُعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: ذكر الوليد بن سُويد أن رجلًا من بني سليم كبير السنّ كان ممن أدرك أبا ذر بالرَّبَذَة ذكرَ له هذا الحديث عن أبي ذر. هكذا قال البيهقي. وقد قال محمد بن يحيى الذهلي (٣) في "الزهريات" التي جمعَ فيها أحاديثَ الزهري: حدَّثنا أبو اليمان، حدَّثنا شعيب قال: ذكر الوليدُ بن سُويد أن رجلًا من بني سُليم كبير السن، كان ممن أدركَ أبا ذر بالرَّبَذة، ذكر أنه بينما

стр. 2907

هو قاعدٌ يومًا في ذلك المجلس وأبو ذر في المجلس؛ إذ ذُكرَ عثمانُ بن عفان، يقول السلمي: فأنا أظنُّ أن في نفس أبي ذر على عثمان معتبة لإنزاله إياه بالرَّبَذة، فلما ذُكر له عثمان عرضَ له بعضُ أهل العلم بذلك، وهو يظنُّ أن في نفسه عليه مَعتبة، فلما ذكره قال: لا تقل في عثمان إلا خيرًا فإني أشهدُ لقد رأيتُ منه منظرًا، وشهدتُ منه مَشهدًا لا أنساه حتى أموت، كنتُ رجلًا ألتمسُ خلوات النبيِّ ﷺ لأسمعَ منه أو لآخذَ عنه، فهجَّرتُ يومًا من الأيام، فإذا النبيُّ ﷺ قد خرجَ من بيته فسألتُ عنه الخادمَ فأخبرني أنه في بيت، فأتيتُه وهو جالسٌ ليس عندَه أحدٌ من الناس، وكأني حينئذٍ أرى أنه في وحي، فسلَّمتُ عليه فردَّ السلام، ثم قال: "ما جاءَ بك؟ " فجلستُ إلى جنبه، لا أسألُه عن شيء، ولا يذكرُه لي، فمكثتُ غيرَ كثير، فجاءَ أبو بكر يمشي مُسرعًا فسلَّم عليه فردَّ السلام ثم قال: "ما جاء بك؟ ". قال: جاء بي الله ورسولهُ، فأشار بيده أن اجلس، فجلس إلى ربوة مُقابل النبي ﷺ ، بينَه وبينها الطريق، حتى إذا استوى أبو بكر جالسًا، فأشار بيده فجلسَ إلى جنبي عن يميني، ثم جاءَ عمرُ ففعلَ مثلَ ذلك، وقال له رسول الله ﷺ مثل ذلك، وجلس إلى جنب أبي بكر على تلك الربوة، ثم جاءَ عثمانُ فسلَّم فردَّ السلام وقال: "ما جاء بك؟ " قال: جاء بي الله ورسولُ، فأشار إليه بيده فقعدَ إلى الربوة، ثم أشار بيده فقعدَ إلى جنب عمر، فتكلَّم النبي ﷺ بكلمة لم أفقه أولها غير أنه قال: "قليل ما يبقين" ثم قبضَ على حَصيات سبع -أو تسع، أو قريب من ذلك- فسبَّحنَ في يده، حتى سُمع لهن حنينٌ كحنين النحل في كفّي النبي ﷺ ، ثم ناولَهن أبا بكر وجاوزني، فسبَّحن في كفِّ أبي بكر كما سبَّحن في كفِّ النبي ﷺ ، ثم أخذَهن منه فوضعهن في الأرض فخرسنَ فصرنَ حصى، ثم ناولَهن عمر فسبَّحن في كفِّه كما سبحَّن في كفِّ أبي بكر، ثم أخذهن فوضعهن في الأرض فخرسن، ثم ناولهن عثمان فسبَّحن في كفِّه نحوَ ما سبَّحن في كفِّ أبي بكر وعمر، ثم أخذهن فوضعهن في الأرض فخرسن (١). قال الحافظ ابن عساكر: رواه صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، فقال: عن رجل يُقال له سُويد بن يَزيد السلمي، وقول شُعيب أصح. وقال أبو نُعيم (٢) في كتاب "دلائل النبوة": وقد روى داودُ بن أبي هند، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، عن جُبير بن نُفير، عن أبي ذر، مثله.

стр. 2908

ورواه شهرُ بن حَوشب وسعيد بن المسيّب، عن أبي سعيد. قال: وفيه عن أبي هريرة. وقد تقدَّم ما رواه البخاريُّ (١)، عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: ولقد كنا نسمعُ تسبيحَ الطعام وهو يُؤكل. حديث آخر في ذلك: روى الحافظ البيهقي، من حديث عبد الله بن عثمان بن إسحاق بن سعد بن أبي وقاص، قال: حدَّثني أبو أمي مالك بن حمزة بن أبي أُسيد السَّاعدي، عن أبيه، عن جده أبي أسيد السَّاعدي، قال: قال رسول الله ﷺ للعباس بن عبد المطلب: "يا أبا الفضل لا تَرِم (٢) منزلك غدًا أنت وبنوك حتى آتيَكم، فإنَّ لي فيكم حاجة" فانتظروه حتى جاء بعدما أضحى، فدخلَ عليهم فقال: "السلام عليكم" فقالوا: وعليك السلام ورحمةُ الله وبركاته، قال: " كيف أصبحتم؟ " قالوا: أصبحنا بخير نحمدُ الله، فكيف أصبحتَ بأبينا وأمنا أنتَ يا رسولَ الله؟ قال: " أصبحتُ بخير أحمدُ الله " وقال لهم: " تقاربُوا تقاربُوا يزحفُ بعضُكم إلى بعض " حتى إذا أمكنوه اشتملَ عليهم بمُلاءته، وقال: " يا ربِّ عمِّي وصِنو أبي، وهؤلاء أهل بيتي فاسترهم من النَّار كسَتري إياهم بمُلاءتي هذه " قال: فأمَّنت أُسكُفَّةُ (٣) الباب وحوائط البيت فقالت: آمين آمين آمين (٤). وقد رواه أبو عبد الله بن ماجه في "سننه" مختصرًا (٥)، عن أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن أبي حاتم الهروي، عن عبد الله بن عثمان بن إسحاق بن سعد بن أبي وقاص الوقَّاصي الزهري (به، وعبد الله بن عثمان الوقاصي) (٦) روى عنه جماعة. وقد قال ابن معين: لا أعرفه، وقال أبو حاتم: يروي أحاديث (٧). حديث آخر: قال الإمام أحمد (٨): حدَّثنا يحيى بن أبي بُكير، حدَّثنا إبراهيم بن طَهمَان، حدَّثني

стр. 2909

سِمَاك بن حَرب، عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لأعرفُ حجرًا بمكةَ كان يُسَلِّمُ عليَّ قبل أن أُبعثَ، إني لأعرفُه الآن". رواه مسلم (١) عن أبي بكر بن أبي شَيبة (٢)، عن يحيى بن أبي بُكير، به. ورواه أبو داود الطيالسي (٣)، عن سليمان بن معاذ، عن سِماك، به. حديث آخر: قال الترمذيُّ (٤): حدَّثنا عبَّادُ بن يَعقوب الكوفي، حدَّثنا الوليد بن أبي ثَور، عن السُّدي، عن عبَّاد بن أبي يَزيد، عن عليّ بن أبي طالب، قال: كنتُ مع النبيّ ﷺ بمكةَ، فخرجنا في بعض نواحيها فما استقبلَه جبلٌ ولا شجرٌ إلا قال: السَّلامُ عليكَ يا رسولَ الله. ثم قال: وهذا حديث حسن غريب، وقد رواه غيرُ واحد، عن الوليد بن أبي ثور، عن عبَّاد بن أبي يزيد، منهم فروة بن أبي المَغْراء (٥). ورواه الحافظُ أبو نُعيم، من حديث زياد بن خيثمة، عن السُّدي، عن أبي عمارة الخيواني (٦)، عن علي، قال: خرجتُ مع رسول الله ﷺ ، فجعلَ لا يمرُّ على شجرٍ ولا حجرٍ إلا سلَّمَ عليه. وقدَّمنا في المبعث أنه ﵊ لمَّا رجعَ وقد أوحي إليه، جعلَ لا يمرُّ بحجرٍ ولا شجرٍ ولا مَدَرٍ ولا شيءٍ إلا قال له: السَّلامُ عليكَ يا رسول الله. وذكرنا في وقعة بدر، ووقعة حُنين رميه ﵊ بتلك القبضة من التراب، وأمره أصحابه أن يتبعوها بالحملة الصادقة، فيكون النصر والظفر والتأييد عقب ذلك سريعًا، أما في وقعة بدر فقد قال الله تعالى في سياقها في سورة الأنفال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]. وأما في غزوة حُنين فقد ذكرناه في الأحاديث بأسانيده وألفاظه بما أغنى عن إعادته هاهنا، ولله الحمد والمنة. حديث آخر: ذكرنا في غزوة الفتح أن رسولَ الله ﷺ لمَّا دخلَ المسجدَ الحرامَ فوجدَ الأصنامَ حولَ

стр. 2910

الكعبة، فجعلَ يطعنُها بشيء في يده ويقول: "جاءَ الحقُّ وزهقَ الباطلُ إنَّ الباطلَ كان زَهُوقًا، قل جاءَ الحقُّ وما يُبدئ الباطلُ وما يُعيد" (١). وفي رواية أنه جعلَ لا يُشير إلى صنمٍ منها إلا خرَّ لقفاه، وفي رواية: إلا سقطَ. وقال البيهقي (٢): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، قالا: حدَّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدَّثنا بحرُ بن نصر وأحمد بن عيسى اللخمي، قالا: حدَّثنا بشر بن بَكْر (٣)، أخبرنا الأوزاعي، عن ابن شهاب أنه قال: أخبرني القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، عن عائشة، قالت: دخلَ عليَّ رسولُ الله ﷺ وأنا مُستترة بقِرام فهتكه ثم قال: " إن أشدَّ النَّاس عَذابًا يومَ القيامة الذين يُشَبِّهون بخلق الله" (٤). قال الأوزاعي: وقالت عائشة: أُتي رسولُ الله ﷺ بترسٍ فيه تِمثال عِقابٍ، فوضعَ عليه يدَه، فأذهبَه الله . باب ما يتعلق بالحيوانات من دلائل النبوة قصة البعير النادّ وسجوده له وشكواه إليه قال الإمام أحمد (٥): حدَّثنا حسين، حدَّثنا خلف بن خليفة، عن حفص - هو ابن عمر - عن عمِّه أنس بن مالك، قال: كان أهلُ بيتٍ من الأنصار لهم جملٌ يُسنون (٦) عليه، وأنه (٧) استصعبَ عليهم فمنعَهم ظهرَه، وأن الأنصارَ جاؤوا إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: إنه كان لنا جملٌ نُسني عليه، وأنه استصعبَ علينا ومنعنا
следующие страницы →