← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

باب تسبيحِ الحَصَى في كفه ﵊ قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عَبَدان، أنبأنا أحمد بن عُبيد الصفار، حدَّثنا الكُدَيميُّ، حدَّثنا قريش بن أنس، حدَّثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن رجل يُقال له: سُويد بن يزيد السُّلمي، قال: سمعت أبا ذر يقول: لا أذكرُ عثمانَ إلا بخير بعد شيء رأيتُه، كنتُ رجلًا أتَّبعُ خلوات رسولِ الله ﷺ ، فرأيتُه يومًا جالسًا وحده، فاغتنمتُ خلوتَه فجئتُ حتى جلستُ إليه، فجاءَ أبوبكر فسلَّم عليه ثم جلسَ عن يمين رسولِ الله ﷺ ، ثم جاء عمرُ فسلَّم وجلس على يمينِ أبي بكر، ثم جاء عثمانُ فسلَّم ثم جلس عن يمين عمر، وبين يدي رسول الله سبعُ حَصَياتٍ -أو قال: تسعُ حصيات- فأخذهنَّ في كفِّه فسبَّحن حتى سمعتُ لهن حنينًا كحنين النحل، ثم وضعهن فخرسن، ثم أخذهن فوضعهن في كفِّ أبي بكر فسبَّحن حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل، ثم وضعهن فخَرِسنَ، ثم تناولهن فوضعهن في يد عمر، فسبَّحْنَ حتى سمعتُ لهن حنينًا كحنين النحل، ثم وضعهن فخرسنَ، ثم تناولهن فوضعهن في يد عثمان فسبَّحن حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل، ثم وضعهن فخرسن، فقال النبيُّ ﷺ : "هذه خلافة النبوة" (١). قال البيهقيُّ (٢): وكذلك رواه محمد بن بشار، عن قريش بن أنس، عن صالح بن أبي الأخضر، وصالح لم يكن حافظًا، والمحفوظ رواية شُعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: ذكر الوليد بن سُويد أن رجلًا من بني سليم كبير السنّ كان ممن أدرك أبا ذر بالرَّبَذَة ذكرَ له هذا الحديث عن أبي ذر. هكذا قال البيهقي. وقد قال محمد بن يحيى الذهلي (٣) في "الزهريات" التي جمعَ فيها أحاديثَ الزهري: حدَّثنا أبو اليمان، حدَّثنا شعيب قال: ذكر الوليدُ بن سُويد أن رجلًا من بني سُليم كبير السن، كان ممن أدركَ أبا ذر بالرَّبَذة، ذكر أنه بينما

стр. 2907

هو قاعدٌ يومًا في ذلك المجلس وأبو ذر في المجلس؛ إذ ذُكرَ عثمانُ بن عفان، يقول السلمي: فأنا أظنُّ أن في نفس أبي ذر على عثمان معتبة لإنزاله إياه بالرَّبَذة، فلما ذُكر له عثمان عرضَ له بعضُ أهل العلم بذلك، وهو يظنُّ أن في نفسه عليه مَعتبة، فلما ذكره قال: لا تقل في عثمان إلا خيرًا فإني أشهدُ لقد رأيتُ منه منظرًا، وشهدتُ منه مَشهدًا لا أنساه حتى أموت، كنتُ رجلًا ألتمسُ خلوات النبيِّ ﷺ لأسمعَ منه أو لآخذَ عنه، فهجَّرتُ يومًا من الأيام، فإذا النبيُّ ﷺ قد خرجَ من بيته فسألتُ عنه الخادمَ فأخبرني أنه في بيت، فأتيتُه وهو جالسٌ ليس عندَه أحدٌ من الناس، وكأني حينئذٍ أرى أنه في وحي، فسلَّمتُ عليه فردَّ السلام، ثم قال: "ما جاءَ بك؟ " فجلستُ إلى جنبه، لا أسألُه عن شيء، ولا يذكرُه لي، فمكثتُ غيرَ كثير، فجاءَ أبو بكر يمشي مُسرعًا فسلَّم عليه فردَّ السلام ثم قال: "ما جاء بك؟ ". قال: جاء بي الله ورسولهُ، فأشار بيده أن اجلس، فجلس إلى ربوة مُقابل النبي ﷺ ، بينَه وبينها الطريق، حتى إذا استوى أبو بكر جالسًا، فأشار بيده فجلسَ إلى جنبي عن يميني، ثم جاءَ عمرُ ففعلَ مثلَ ذلك، وقال له رسول الله ﷺ مثل ذلك، وجلس إلى جنب أبي بكر على تلك الربوة، ثم جاءَ عثمانُ فسلَّم فردَّ السلام وقال: "ما جاء بك؟ " قال: جاء بي الله ورسولُ، فأشار إليه بيده فقعدَ إلى الربوة، ثم أشار بيده فقعدَ إلى جنب عمر، فتكلَّم النبي ﷺ بكلمة لم أفقه أولها غير أنه قال: "قليل ما يبقين" ثم قبضَ على حَصيات سبع -أو تسع، أو قريب من ذلك- فسبَّحنَ في يده، حتى سُمع لهن حنينٌ كحنين النحل في كفّي النبي ﷺ ، ثم ناولَهن أبا بكر وجاوزني، فسبَّحن في كفِّ أبي بكر كما سبَّحن في كفِّ النبي ﷺ ، ثم أخذَهن منه فوضعهن في الأرض فخرسنَ فصرنَ حصى، ثم ناولَهن عمر فسبَّحن في كفِّه كما سبحَّن في كفِّ أبي بكر، ثم أخذهن فوضعهن في الأرض فخرسن، ثم ناولهن عثمان فسبَّحن في كفِّه نحوَ ما سبَّحن في كفِّ أبي بكر وعمر، ثم أخذهن فوضعهن في الأرض فخرسن (١). قال الحافظ ابن عساكر: رواه صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، فقال: عن رجل يُقال له سُويد بن يَزيد السلمي، وقول شُعيب أصح. وقال أبو نُعيم (٢) في كتاب "دلائل النبوة": وقد روى داودُ بن أبي هند، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، عن جُبير بن نُفير، عن أبي ذر، مثله.

стр. 2908

ورواه شهرُ بن حَوشب وسعيد بن المسيّب، عن أبي سعيد. قال: وفيه عن أبي هريرة. وقد تقدَّم ما رواه البخاريُّ (١)، عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: ولقد كنا نسمعُ تسبيحَ الطعام وهو يُؤكل. حديث آخر في ذلك: روى الحافظ البيهقي، من حديث عبد الله بن عثمان بن إسحاق بن سعد بن أبي وقاص، قال: حدَّثني أبو أمي مالك بن حمزة بن أبي أُسيد السَّاعدي، عن أبيه، عن جده أبي أسيد السَّاعدي، قال: قال رسول الله ﷺ للعباس بن عبد المطلب: "يا أبا الفضل لا تَرِم (٢) منزلك غدًا أنت وبنوك حتى آتيَكم، فإنَّ لي فيكم حاجة" فانتظروه حتى جاء بعدما أضحى، فدخلَ عليهم فقال: "السلام عليكم" فقالوا: وعليك السلام ورحمةُ الله وبركاته، قال: " كيف أصبحتم؟ " قالوا: أصبحنا بخير نحمدُ الله، فكيف أصبحتَ بأبينا وأمنا أنتَ يا رسولَ الله؟ قال: " أصبحتُ بخير أحمدُ الله " وقال لهم: " تقاربُوا تقاربُوا يزحفُ بعضُكم إلى بعض " حتى إذا أمكنوه اشتملَ عليهم بمُلاءته، وقال: " يا ربِّ عمِّي وصِنو أبي، وهؤلاء أهل بيتي فاسترهم من النَّار كسَتري إياهم بمُلاءتي هذه " قال: فأمَّنت أُسكُفَّةُ (٣) الباب وحوائط البيت فقالت: آمين آمين آمين (٤). وقد رواه أبو عبد الله بن ماجه في "سننه" مختصرًا (٥)، عن أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن أبي حاتم الهروي، عن عبد الله بن عثمان بن إسحاق بن سعد بن أبي وقاص الوقَّاصي الزهري (به، وعبد الله بن عثمان الوقاصي) (٦) روى عنه جماعة. وقد قال ابن معين: لا أعرفه، وقال أبو حاتم: يروي أحاديث (٧). حديث آخر: قال الإمام أحمد (٨): حدَّثنا يحيى بن أبي بُكير، حدَّثنا إبراهيم بن طَهمَان، حدَّثني

стр. 2909

سِمَاك بن حَرب، عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لأعرفُ حجرًا بمكةَ كان يُسَلِّمُ عليَّ قبل أن أُبعثَ، إني لأعرفُه الآن". رواه مسلم (١) عن أبي بكر بن أبي شَيبة (٢)، عن يحيى بن أبي بُكير، به. ورواه أبو داود الطيالسي (٣)، عن سليمان بن معاذ، عن سِماك، به. حديث آخر: قال الترمذيُّ (٤): حدَّثنا عبَّادُ بن يَعقوب الكوفي، حدَّثنا الوليد بن أبي ثَور، عن السُّدي، عن عبَّاد بن أبي يَزيد، عن عليّ بن أبي طالب، قال: كنتُ مع النبيّ ﷺ بمكةَ، فخرجنا في بعض نواحيها فما استقبلَه جبلٌ ولا شجرٌ إلا قال: السَّلامُ عليكَ يا رسولَ الله. ثم قال: وهذا حديث حسن غريب، وقد رواه غيرُ واحد، عن الوليد بن أبي ثور، عن عبَّاد بن أبي يزيد، منهم فروة بن أبي المَغْراء (٥). ورواه الحافظُ أبو نُعيم، من حديث زياد بن خيثمة، عن السُّدي، عن أبي عمارة الخيواني (٦)، عن علي، قال: خرجتُ مع رسول الله ﷺ ، فجعلَ لا يمرُّ على شجرٍ ولا حجرٍ إلا سلَّمَ عليه. وقدَّمنا في المبعث أنه ﵊ لمَّا رجعَ وقد أوحي إليه، جعلَ لا يمرُّ بحجرٍ ولا شجرٍ ولا مَدَرٍ ولا شيءٍ إلا قال له: السَّلامُ عليكَ يا رسول الله. وذكرنا في وقعة بدر، ووقعة حُنين رميه ﵊ بتلك القبضة من التراب، وأمره أصحابه أن يتبعوها بالحملة الصادقة، فيكون النصر والظفر والتأييد عقب ذلك سريعًا، أما في وقعة بدر فقد قال الله تعالى في سياقها في سورة الأنفال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]. وأما في غزوة حُنين فقد ذكرناه في الأحاديث بأسانيده وألفاظه بما أغنى عن إعادته هاهنا، ولله الحمد والمنة. حديث آخر: ذكرنا في غزوة الفتح أن رسولَ الله ﷺ لمَّا دخلَ المسجدَ الحرامَ فوجدَ الأصنامَ حولَ

стр. 2910

الكعبة، فجعلَ يطعنُها بشيء في يده ويقول: "جاءَ الحقُّ وزهقَ الباطلُ إنَّ الباطلَ كان زَهُوقًا، قل جاءَ الحقُّ وما يُبدئ الباطلُ وما يُعيد" (١). وفي رواية أنه جعلَ لا يُشير إلى صنمٍ منها إلا خرَّ لقفاه، وفي رواية: إلا سقطَ. وقال البيهقي (٢): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، قالا: حدَّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدَّثنا بحرُ بن نصر وأحمد بن عيسى اللخمي، قالا: حدَّثنا بشر بن بَكْر (٣)، أخبرنا الأوزاعي، عن ابن شهاب أنه قال: أخبرني القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، عن عائشة، قالت: دخلَ عليَّ رسولُ الله ﷺ وأنا مُستترة بقِرام فهتكه ثم قال: " إن أشدَّ النَّاس عَذابًا يومَ القيامة الذين يُشَبِّهون بخلق الله" (٤). قال الأوزاعي: وقالت عائشة: أُتي رسولُ الله ﷺ بترسٍ فيه تِمثال عِقابٍ، فوضعَ عليه يدَه، فأذهبَه الله . باب ما يتعلق بالحيوانات من دلائل النبوة قصة البعير النادّ وسجوده له وشكواه إليه قال الإمام أحمد (٥): حدَّثنا حسين، حدَّثنا خلف بن خليفة، عن حفص - هو ابن عمر - عن عمِّه أنس بن مالك، قال: كان أهلُ بيتٍ من الأنصار لهم جملٌ يُسنون (٦) عليه، وأنه (٧) استصعبَ عليهم فمنعَهم ظهرَه، وأن الأنصارَ جاؤوا إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: إنه كان لنا جملٌ نُسني عليه، وأنه استصعبَ علينا ومنعنا

стр. 2911

ظهرَه، وقد عَطِشَ الزرعُ والنَّخلُ، فقال رسولُ الله ﷺ لأصحابه: "قوموا" فقاموا، فدخل الحائطَ والجملُ في ناحيته، فمشَى النبيُّ ﷺ نحوَه، فقالت الأنصارُ: يا رسولَ الله، إنه قد صارَ مثلَ الكَلبِ الكَلِب وإنا نخافُ عليك صَولَته، فقال: "ليس عليَّ منه بأسٌ" فلما نظر الجملُ إلى رسول الله ﷺ أقبلَ نحوَه حتى خرَّ ساجدًا بين يديه، فأخذَ رسولُ الله ﷺ بناصيتِه أذلَّ ما كانت قط، حتى أدخلَه في العمل، فقال له أصحابُه: يا رسولَ الله، هذه البهيمةُ لا تعقلُ تسجدُ لك، ونحن أحقُّ أن نسجدَ لك، فقال: " لا يصلحُ لبشرٍ أن يسجدَ لبشرٍ، ولو صَلَحَ لبشرٍ أن يسجدَ لبشرٍ لأمرتُ المرأةَ أن تسجدَ لزوجها من عِظَم حقِّه عليها، والذي نفسي بيده لو كان من قدمِه إلى مَفرِق رأسِه قرحة تنبجسُ (١) بالقيحِ والصَّديد، ثم استقبلتْه فلحَسَتهُ ما أدَّت حقَّه". وهذا إسناد جيد، وقد روى النسائيُّ بعضَه من حديث خلف بن خليفة به (٢). رواية جابر في ذلك: قال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا مُصعبُ بن سَلَّام، سمعته من أبي مرتين، حدَّثنا الأجلَحُ، عن الذيَّال بن حَرمَلة، عن جابر بن عبد الله، قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ من سفر حتى إذا دَفَعنَا إلى حائطٍ من حِيطانِ بني النجار، إذا فيه جملٌ لا يدخلُ الحائطَ أحدٌ إلا شَدَّ عليه، قال: فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فجاءَ حتى أتى الحائطَ، فدعا البعيرَ، فجاءَ واضعًا مِشفَرَه إلى الأرض حتى بَرَكَ بين يديه، قال: فقال رسول الله ﷺ : "هاتوا خِطَامًا" فخطمَه ودفعَه إلى صاحبه، قال: ثم التفتَ إلى الناس، فقال: "إنه ليس شيءٌ بين السماءِ والأرض إلا يعلمُ أني رسولُ الله إلا عَاصِي الجِنّ والإنس". تفرد به الإمام أحمد (٤)، وسيأتي عن جابر من وجه آخر بسياق آخر، إن شاء الله، وبه الثقة. رواية ابن عباس قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدَّثنا بشر بن موسى، حدَّثنا يزيدُ بن مِهران أخو خالد الجيّار، حدَّثنا أبو بكر بن عيّاش، عن الأجلح، عن الذيَّال بن حرملة، عن ابن عباس، قال: جاء قوم إلى رسول الله، فقالوا: يا رسولَ الله إن لنا بعيرًا قد ندَّ في حائط، فجاءَ إليه رسولُ الله ﷺ فقال: "تعالَ" فجاءَ مطأطئًا رأسَه حتى حطمه وأعطاه أصحابه، فقال له أبو بكر الصديق:

стр. 2912

يا رسول الله، كأنه علم أنك نبي، فقال رسول الله ﷺ : "ما بين لابتيها أحدٌ إلا يعلمُ أني نبيُّ الله، إلا كفرةُ الجِنّ والإنس" (١). وهذا من هذا الوجه، عن ابن عباس غريب جدًا، والأشبه رواية الإمام أحمد عن جابر، اللهم إلا أن يكون الأجلح قد رواه عن الذيّال، عن جابر، وعن ابن عباس، والله أعلم. طريق أخرى عن ابن عباس: قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدَّثنا العباس بن الفضل الأسفاطي، حدَّثنا أبو عون الزِّيادي، حدَّثنا أبو عزة الدباغ، عن أبي يزيد المديني، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رجلًا من الأنصار، كان له فحلان فاغتلما (٢)، فأدخلهما حائطًا فسدَّ عليهما الباب، ثم جاءَ إلى رسول الله ﷺ فأرادَ أن يدعوَ له، والنبيُّ قاعدٌ معه نفرٌ من الأنصار، فقال: يا نبيُّ الله، إني جئتُ في حاجةٍ فإن فحلين لي اغتلما، وإني أدخلتُهما حائطاً وسددتُ عليهما البابَ، فأحبُّ أن تدعوَ لي أن يُسَخِّرَهما الله لي، فقال لأصحابه: " قوموا معنا " فذهبَ حتى أتى البابَ فقال: " افتح " فأشفقَ الرجلُ على النبي ﷺ ، فقال: "افتح" ففتحَ الباب، فإذا أحد الفحلين قريبًا من الباب، فلما رأى رسولَ الله ﷺ سجدَ له، فقال رسولُ الله: "ائتِ بشيءٍ أشدُّ رأسَه وأُمَكِّنُكَ منه" فجاءَ بخطام فشدَّ رأسَه وأمكنَه منه، ثم مشى إلى أقصى الحائط إلى الفحل الآخر، فلما رآه وقع له ساجدًا، فقال للرجل: " ائتني بشيءٍ أشدُّ رأسَه" فشدَّ رأسَه وأمكنَه منه، فقال: " اذهب فإنهما لا يَعصيانِك " فلما رأى أصحابُ رسول الله ﷺ ذلك قالوا: يا رسولَ الله، هذان فحلان سجدا لك، أفلا نسجدُ لك؟ قال: "لا آمرُ أحدًا أن يسجدَ لأحدٍ، ولو أمرتُ أحدًا أن يسجدَ لأحدٍ لأمرتُ المرأة أن تسجدَ لزوجها" (٣). وهذا إسناد غريب ومتن غريب. ورواه الفقيه أبو محمد عبد الله بن حامد في كتابه "دلائل النبوة" عن أحمد بن حمدان السجزي، عن عمر بن محمد بن بجير البُجيري (٤)، عن بشر بن آدم (٥)، عن محمد بن عون أبي عون الزيادي، به.

стр. 2913

وقد رواه أيضًا من طريق مكي بن إبراهيم، عن فائد أبي الورقاء، عن عبد الله بن أبي أوفى، عن النبي ﷺ ، بنحو ما تقدَّمَ عن ابن عباس. رواية أبي هريرة: قال أبو محمد عبد الله بن حامد الفقيه: أخبرنا أحمد بن حمدان، أخبرنا عمر بن محمد بن بجير، حدَّثنا يوسف بن موسى، حدَّثنا جرير، عن يحيى بن عبيد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: انطلقنا مع رسول الله ﷺ إلى ناحية، فأشرفنا إلى حائط، فإذا نحن بناضحٍ، فلما أقبلَ الناضحُ رفعَ رأسَه فبَصُرَ برسول الله ﷺ فوضعَ جِرَانَه على الأرض، فقال أصحابُ رسول الله ﷺ : فنحن أحقُّ أن نسجدَ لك من هذه البهيمة، فقال: "سبحان الله! أدون الله؟ ما ينبغي لأحدٍ أن يسجدَ لأحدٍ دون الله، ولو أمرتُ أحدًا أن يسجدَ لشيءٍ من دون الله لأمرتُ المرأةَ أن تسجدَ لزوجها". رواية عبد الله بن جعفر في ذلك: قال الإمام أحمد (١): حدَّثنا يزيد، حدَّثنا مَهدي بن ميمون، عن محمد بن أبي يعقوب، عن الحسن بن سعد، عن عبد الله بن جعفر "ح" وحدَّثنا بهز وعفان، قالا: حدَّثنا مَهدي، حدَّثنا محمد بن أبي يعقوب، عن الحسن بن سعد -مولى الحسن بن علي- عن عبد الله بن جعفر، قال: أردفني رسولُ الله ﷺ ذاتَ يومٍ خلفَه، فأسرَّ إليّ حديثًا لا أخبرُ به أحدًا أبدًا، وكان رسولُ الله ﷺ أحبَّ ما استترَ به في حاجته هدفٌ (٢) أو حائشُ (٣) نخلٍ، فدخلَ يومًا حائطًا من حِيطان الأنصار، فإذا جملٌ قد أتاه، فجرجرَ (٤) وذرفَت (٥) عيناه، وقال بهز وعفان: فلما رأى رسول الله حنَّ وذرفت عيناه. فمسحَ رسولُ الله سَرَاته (٦) وذِفراه (٧) فسكنَ، فقال: "من صاحبُ الجمل؟ " فجاءَ فتًى من الأنصار قال: هو لي يا رسولَ الله، فقال: "أما تتقي الله في هذه البهيمة التي ملَّكها الله؟ إنه شكا إليَّ أنك تُجِيعه وتُدئبه" (٨).

стр. 2914

وقد رواه مسلم (١) من حديث مهدي بن ميمون، به. رواية عائشة أُمِّ المؤمنين في ذلك: قال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا عبد الصمد وعفَّان، قالا: حدَّثنا حماد- هو ابن سلمة - (قال عفان: أخبرنا المعنى) (٣) عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيِّب، عن عائشة: أن رسولَ الله ﷺ كان في نَفَرٍ من المهاجرين والأنصار، فجاءَ بعيرٌ فسجدَ له، فقال أصحابه: يا رسولَ الله، تسجدُ لك البهائمُ والشَّجر، فنحن أحقُّ أن نسجدَ لك، فقال: "اعبدوا ربَّكم، وأكرموا أخاكم، ولو كنتُ آمرًا أحدًا أن يسجدَ لأحدٍ لأمرتُ المرأة أن تسجدَ لزوجها، ولو أمرها أن تنقل من جبلٍ أصفرَ إلى جبلٍ أسود، ومن جبلٍ أسودَ إلى جبلٍ أبيضَ كان ينبغي لها أن تفعَله". وهذا الإسناد على شرط السنن، وإنما روى ابن ماجه (٤)، عن أبي بكر بن أبي شيبة (٥)، عن عفَّان، عن حماد، به: "لو أمرت أحدًا أن يسجدَ لأحدٍ لأمرتُ المرأةَ أن تسجدَ لزوجها .. " إلى آخره. روايةُ يَعلَى بن مُرَّة الثَّقَفِيّ، أو هي قِصَّة أُخرى: قال الإمام أحمد (٦): حدَّثنا أبو سَلمة الخزاعي، حدَّثنا حمّاد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن حبيب بن أبي جُبيرة، عن يعلى بن سيابة (٧) قال: كنتُ مع النبي ﷺ في مسيرٍ له، فأراد أن يقضيَ حاجتَه فأمرَ وَديَتين (٨) فانضَمَّت إحداهُما إلى الأخرى، ثم أمرَهما فرجعتا إلى منابتهما، وجاء بعيرٌ فضربَ بجِرَانه إلى الأرض، ثم جرجرَ حتى ابتلَّ ما حولَه، فقال رسول الله ﷺ : "أتدرون ما يقولُ البعيرُ؟ إنه يزعمُ أن صاحبَه يُريد نحرَه" فبعث إليه رسول الله ﷺ فقال: "أواهبه أنت لي؟ " فقال: يا رسول الله مالي مالٌ أحبّ إليَّ منه، فقال: "استوصِ به معروفًا" فقال: لا جرمَ لا أكرمُ مالًا لي كرامتَه يا رسولَ الله، قال: وأتى على قبر يُعَذَّبُ

стр. 2915

صاحبُه فقال: "إنه يُعذبُ في غير كبير" فأمرَ بجريدةٍ فوُضعت على قبره، وقال: " عسى أن يُخَفَّفَ عنه ما دامت رطبة" (١). طريق أخرى عنه: قال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن حفص، عن يَعلى بن مرة الثقفي، قال: ثلاثةُ أشياء رأيتُهنَّ من رسول الله ﷺ : بينا نحن نسيرُ معه إذ مررنا ببعير يُسنَى عليه، فلما رآهُ البعيرُ جرجرَ ووضعَ جِرانه، فوقفَ عليه النبيُّ ﷺ فقال: " أين صاحبُ هذا البعير؟ " فجاء، فقال: "بعنيه" فقال: لا، بَل أهبُه لك، فقال: "لا، بل بعنيه " قال: لا، بل نهبُه لك، وإنه لأهل بيتٍ ما لهم معيشة غيره، قال: " أما إذا ذكرتَ هذا من أمره فإنه شكا كثرةَ العملِ وقلّةَ العَلفِ فأحسنوا إليه ". قال: ثم سِرنا فنزلنا منزلًا فنامَ رسولُ الله ﷺ ، فجاءت شجرةٌ تشقُّ الأرضَ حتى غشيتهُ ثم رجعت إلى مكانها، فلما استيقظ ذكرتُ له، فقال: "هي شجرةٌ استأذنت ربَّها في أن تُسَلِّمَ على رسول الله ﷺ فأذِنَ لها". قال: ثم سِرنا فمررنا بماءٍ فأتته امرأةٌ بابنٍ لها به جِنَّةٌ، فأخذَ النبيُّ ﷺ بمِنخره فقال: "اخرج إني محمدٌ رسولُ الله" قال: ثم سِرنَا فلمَّا رجعنا من سَفرنا مررنَا بذلك الماء، فأَتتهُ امرأةٌ بجَزرٍ (٣) ولبن، فأمرها أن تردَّ الجَزرَ، وأمر أصحابَه فشربُوا من اللبن، فسألها عن الصبيِّ فقالت: والذي بعثكَ بالحقِّ ما رأينا منه رَيبًا بعدكَ (٤). طريق أخرى عنه: قال الإمام أحمد (٥): حدَّثنا عبد الله بن نُمير، حدَّثنا عثمان بن حكيم، أخبرني عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن يعلى بن مرة، قال: لقد رأيتُ من رسول الله ﷺ ثلاثًا ما رآها أحدٌ قبلي، ولا يَراها أحدٌ بعدي: لقد خرجتُ معه في سفرٍ حتى إذا كنا ببعض الطريق، مَرَرنَا بامرأةٍ جالسةٍ معها صبيٌّ لها، فقالت: يا رسولَ الله، هذا صبيٌّ أصابَه بلاءٌ، وأصابنا منه بلاءٌ، يُؤخذ في اليوم ما أدري كم مرة، قال: " ناولينيه " فرفعته إليه، فجعلته بينَه وبينَ وَاسطةِ الرَّحل، ثم فغرَ فاه فنفثَ فيه ثلاثًا وقال: " باسم الله، أنا عبدُ الله، اخسأ عدوَّ الله " ثم ناولَها إيّاه، فقال: " القينا في الرجعة في هذا المكان، فأخبرينا ما فعل" قال: فذهبنا ورجعنا، فوجدناها في ذلك المكان معها شياهٌ ثلاث، فقال: "ما فعل صبيُّك؟ " فقالت: والذي بعثَك بالحقِّ

стр. 2916

ما حسَسنَا منه شيئًا حتى الساعة، فاحترز (١) هذه الغنم، قال: "انزل فخذ منها واحدةً وردَّ البقيّة". قال: وخرجتُ ذاتَ يومٍ إلى الجبَّانة حتى إذا برزنا قال: "ويحكَ، انظر هل ترى من شيءٍ يُواريني؟ " قلت: ما أرى شيئًا يُواريك إلا شجرةٌ ما أراها تُواريك، قال: " فما بقربها؟ " قلت: شجرة مثلُها أو قريبٌ منها، قال: "فاذهب إليهما فقل: إن رسولَ الله ﷺ يأمرُكما أن تجتمعا بإذن الله" قال: فاجتمعتا فبرزَ لحاجته ثم رجع، فقال: "اذهب إليهما فقل لهما: "إن رسولَ الله ﷺ يأمُركما أن ترجعَ كلُّ واحدةٍ منكما إلى مكانها" فرجعت. قال: وكنتُ معه جالسًا ذاتَ يوم إذ جاء جملٌ نجيب حتى ضربَ (٢) بجِرانه بين يديه، ثم ذرفت عيناه فقال: " ويحك، انظر لمن هذا الجمل، إن له لشأنًا " قال: فخرجتُ ألتمسُ صاحبَه، فوجدتُه لرجل من الأنصار فدعوته إليه، فقال: "ما شأنُ جملِك هذا؟ " فقال: وما شأنه؟ لا أدري والله ما شأنه، عملنا عليه ونضَحنَا عليه، حتى عجزَ عن السِّقاية، فائتمرنا البارحةَ أن ننحرَه ونقسمَ لحمه، قال: " فلا تفعل، هبه لي أو بعنيه" فقال: بل هو لك يا رسول الله، فوسمَه بسمة الصَّدقةِ ثم بعثَ به (٣). طريق أخرى عنه: قال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا وكيع، حدَّثنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن يعلى بن مرة، عن النبي ﷺ : أنه أتته امرأةٌ بابن لها قد أصابَه لَمَمٌ، فقال رسول الله ﷺ : "اخرج عدوَّ الله، أنا رسول الله" قال: فبرَأ، قال: فأهدت إليه كبشين وشيئًا من أقط وشيئًا من سمن، قال: فقال رسول الله: "خذ الأقطَ والسمنَ وأحدَ الكبشين وردَّ عليها الآخر " ثم ذكر قصة الشجرتين كما تقدَّم (٥). وقال أحمد (٦): حدَّثنا أسود، حدَّثنا أبو بكر بن عياش، عن حبيب بن أبي عمرة، عن المنهال بن عمرو، عن يعلى، قال: ما أظنُّ أن أحدًا من الناس رأى من رسول الله ﷺ إلا دونَ ما رأيتُ فذكرَ أمرَ الصَّبيّ، والنخلتين، وأمرَ البعير، إلا أنه قال: "ما لبعيرك يشكوك؟ زعم أنك سانيه حتى إذا كَبُر تريدُ أن تنحرَه" قال: صدقتَ والذي بعثَك بالحقِّ نبيًّا قد أردتُ ذلك، والذي بعثكَ بالحقِّ لا أفعلُ (٧).

стр. 2917

طريق أخرى عنه: روى البيهقي (١) عن الحاكم وغيره، عن الأصم: حدَّثنا عباس بن محمد الدوري، حدَّثنا حمدانُ بن الأصبهاني، حدَّثنا شريك، عن عُمر بن عبد الله بن يعلى بن مرة، عن أبيه، عن جده، قال: رأيتُ من رسول الله ﷺ ثلاثةَ أشياءٍ ما رآها أحدٌ قبلي، كنتُ معه في طريق مكة، فمرَّ بامرأةٍ معها ابنٌ لها به لَمَمٌ ما رأيتُ لَمَمًا أشدَّ منه، فقالت: يا رسول الله، ابني هذا كما ترى، فقال: "إن شئتِ دعوتُ له" فدعا له. ثم مضى فمرَّ على بعيرٍ نَادٍّ جِرَانَه يَرغو، فقال: "عليَّ بصاحب هذا البعير" فجيء به، فقال: "هذا يقول: نتجتُ عندَهم فاستعملوني حتى إذا كبرتُ عندَهم أرادوا أن يَنحروني". قال: ثم مضى ورأى شجرتين متفرقتين، فقال لي: " اذهب فمرهُمَا فلتجتمعا لي " قال: فاجتمعتا، فقضى حاجتَه. قال: ثم مضى، فلما انصرف، مرَّ على الصبيِّ وهو يلعبُ مع الغلمانِ وقد ذهبَ ما به، وهيَّأت أمُّه أكبُشًا، فأهدت له كبشين، وقالت: ما عاد إليه شيء من اللمم، فقال النبي ﷺ : "ما من شيءٍ إلا ويعلم أني رسولُ الله، إلا كفرةُ -أو فسقة- الجنّ والإنس" (٢). فهذه طرق جيدة متعددة تُفيد غلبةَ الظنِّ والقطع عندَ المتبحّرين؛ أن يَعلى بن مرة حدَّث بهذه القصة في الجملة، وقد تفرَّد بهذا كلّه الإمام أحمد دون أصحاب الكتب الستة، ولم يرو أحدٌ منهم شيئًا سوى ابن ماجه، فإنه روى عن يعقوب بن حُميد بن كاسِب، عن يحيى بن سُليم، عن (ابن) خُثَيم، عن يونس بن خَبّاب، عن يَعلى بن مُرّة؛ أن رسول الله ﷺ كان إذا ذهبَ إلى الغَائِط أبعدَ (٣). وقد اعتنى الحافظ أبو نُعيم بحديث البعير في كتابه "دلائل النبوة" وطرقه من وجوه كثيرة (٤). ثم أوردَ حديثَ عبد الله بن قرط اليماني قال: جيء رسول الله ﷺ بست ذَودٍ (٥) فجعلنَ يزدَلفن إليه بأيتهن يبدأ. وقد قدمت الحديث في حجة الوداع.

стр. 2918

قلت: قد أسلفنا عن جابر بن عبد الله نحو قصة الشجرتين، وذكرنا آنفًا عن غير واحد من الصحابة نحوًا من حديث الجمل؛ لكن بسياق يُشبه أن يكون غيرَ هذا، فالله أعلم. وسيأتي حديثُ الصبيّ الذي كان يُصرع ودعاؤه ﵊ له، وبرؤه في الحال، من طرق أخرى. وقد روى الحافظ البيهقيُّ عن أبي عبد الله الحاكم وغيره، عن أبي العباس الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يُونس بن بُكير، عن إسماعيل بن عبد الملك، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: خرجتُ مع رسول الله ﷺ في سفرٍ، وكان رسولُ الله ﷺ إذا أرادَ البرازَ تباعدَ حتى لا يراهُ أحدٌ، فنزلنا منزلًا بفلاةٍ من الأرض ليس فيها عَلَمٌ ولا شجر، فقال لي: "يا جابر، خذ الأداوَةَ وانطلق بنا" فملأتُ الأداوةَ ماءً وانطلقنا، فمشينا حتى لا نكادُ نرى، فإذا شجرتان بينهما أذرعٌ، فقال رسول الله ﷺ : " يا جابر، انطلق فقل لهذه الشجرة: يقولُ لك رسولُ الله: الحقِي بصاحبتِك حتى أجلس خلفَكُما" ففعلت فرجعت فلحِقَت بصاحبتها، فجلسَ خلفَهما حتى قضَى حاجته. ئم رجعنا فركبنا رواحلنَا فسِرنا كأنما على رؤوسنا الطير تُظَلِّلُنَا، وإذا نحنُ بامرأةٍ قد عَرَضت لرسول الله ﷺ فقالت: يا رسولَ الله، إن ابني هذا يأخذُه الشيطان كلَّ يوم ثلاثَ مراتٍ لا يدعه، فوقفَ رسولُ الله ﷺ فتناولَه فجعلَه بينَه وبين مُقَدّمة الرَّحل فقال: " اخسأ عدؤَ الله، أنا رسولُ الله " وأعاد ذلك ثلاثَ مراتٍ، ثم ناولَها إيّاه، فلمَّا رجعنا وكنّا بذلك الماء، عرضَت لنا تلك المرأة ومعها كَبشان تقودُهما والصبيّ تحملُه، فقالت: يا رسول الله، اقبل مني هديتي، فوالذي بعثَك بالحقِّ إن عاد إليه بعدُ، فقال رسول الله ﷺ : "خذوا أحدَهما وردُّوا الآخرَ ". قال: ثم سِرنا ورسولُ الله ﷺ بيننا، فجاءَ جملٌ نادٌّ، فلما كان بين السِّماطين خرَّ ساجدًا، فقال رسول الله ﷺ : "يا أيها الناسُ، من صاحبُ هذا الجمل؟ " فقال فِتية من الأنصار: هو لنا يا رسول الله، قال: "فما شأنه؟ " قالوا: سَنَونَا عليه منذُ عشرينَ سنةً، فلما كَبُرَت سِنُّه وكانت عليه شحيمة أردنا نحرَه لنقسمَه بين غِلمَتِنَا، فقال رسول الله ﷺ : "تبيعونيه؟ " قالوا: يا رسول الله، هو لك، قال: "فأحسنوا إليه حتى يأتيَه أجلُه" قالوا: يا رسولَ الله، نحن أحقُّ أن نسجدَ لك من البهائم، فقال رسول الله ﷺ : " لا يَنبغي لبشرٍ أن يسجدَ لبشرٍ، ولو كانَ ذلك كانَ النساءُ لأزواجهنّ" (١). وقد روى أبو داود وابن ماجه (٢)، من حديث إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصفراء، عن أبي

стр. 2919

الزبير، عن جابر: أنَّ رسولَ الله ﷺ كان إذا ذهبَ المذهبَ أبعدَ (١). ثم قال البيهقي (٢): وحدَّثنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا الحسن بن علي بن زياد، حدَّثنا أبو حُمَة، حدَّثنا أبو قرة عن زمعة، عن زياد - هو ابن سعد - عن أبي الزبير؛ أنه سمع يُونس بن خبَّاب الكُوفي يُحدّثُ؛ أنه سمعَ أبا عبيدة يُحَدِّث، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ : أنه كان في سفر إلى مكّةَ فذهبَ إلى الغائط، وكان يُبعِدُ حتى لا يراهُ أحدٌ، قال: فلم يجد شيئًا يُتوارى به، فبصرَ بشجرتين، فذكرَ قصّةَ الشجرتين وقصة الجمل، بنحو من حديث جابر. قال البيهقيُّ: وحديث جابر أصح، قال: وهذه الرواية ينفردُ بها زمعة بن صالح، عن زياد - أظنه ابن سعد- عن أبي الزبير. قلت: وقد تكون هذه أيضًا محفوظةً، ولا تُنافي حديثَ جابر ويَعلى بن مرة، بل تشهد لهما، ويكون هذا الحديث عند أبي الزبير محمد بن مسلم بن تَدرُس المكي، عن جابر. وعن يُونس بن خَبَّاب، عن أبي عُبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، والله أعلم (٣). وروى البيهقيُّ، من حديث مُعاوية بن يحيى الصدفي - وهو ضعيف - عن الزهري، عن خارجة بن زيد، عن أسامة بن زيد، حديثًا طويلًا نحو سياق حديث يَعلى بن مرة وجابر بن عبد الله، وفيه قصة الصبيِّ الذي كان يُصرع، ومجيء أمّهِ بشاةٍ مشويّةٍ فقال: " ناولني الذراعَ " فناولته، ثم قال: "ناولني الذراع" فناولته، ثم قال: "ناولني الذراع" فقلت: كم للشاة من ذراع؟ فقال: "والذي نفسي بيده لو سكتَّ لناوَلتَني ما دعوتُ " ثم ذكر قصةَ النخلات واجتماعهما وانتقال الحِجارة معهما، حتى صارت الحجارةُ رجمًا خلف النخلات (٤). وليس في سِياقه قصة البعير، فلهذا لم أورده (٥) بلفظه وإسناده، وبالله المستعان. وقد روى ابنُ عساكر في ترجمة غَيلَان بن سلمةَ الثقفي، بسنده إلى يَعلى بن منصور الرازي، عن شبيب بن شيبة، عن بشر بن عاصم، عن غَيلان بن سلمة، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ فرأينا عَجَبًا، فذكر قصّةَ الشجرتين واستتارَه بهما عندَ الخَلاء، وقصّةَ الصبيّ الذي كان يُصرع، وقوله: "باسم الله أنا رسولُ الله، اخرج عدوَّ الله" فعُوفي. ثم ذكرَ قصّةَ البعيرين النادّين وأنهما سجدَا له، بنحو ما تقدم في البعير الواحد (٦). فلعلَّ هذه قصة أخرى، والله أعلم.

стр. 2920

وقد ذكرنا فيما سلف حديثَ جابرًا (١) وقصَّة جملهِ الذي كان قد أَعْيَا، وذلك مرجعَهم من تبوك، وتأخّره في أخريات القوم، فلحقَه النبيُّ ﷺ فدعا له وضربَه فسارَ سَيرًا لم يسر مثله حتى جعلَ يتقدّمُ أمامَ الناس، وذكرنا شراءَه ﵊ منه، وفي ثمنه اختلاف كثير وقعَ من الرواة لا يَضرُّ أصلَ القِصّة كما بيناه. وتقدَّم حديثُ أنسٍ (٢) في ركوبه ﵊ على فرس أبي طلحة حين سَمِعَ الناسُ صَوتًا بالمدينة، فركبَ ذلك الفرس، وكان يُبطئ، وركبَ الفرسانُ نحوَ ذلك الصوت، فوجدوا رسولَ الله ﷺ قد رجعَ بعدما كشفَ ذلك الأمر، فلم يجد له حقيقةً، وكان قد ركبَه عُريًا لا شيءَ عليه وهو مُتقلّدٌ سيفًا، فرجعَ وهو يقول: "لن تراعوا لن تراعوا، ما وجدنا من شيء، وإن وجدناه لبحرًا" أي: لسابقًا. وكان ذلك الفرسُ يُبَطَّأ قبلَ تلك الليلة، فكان بعد ذلك لا يُجارى، ولا يُكشف له غبار، وذلك كلُّه ببركته ﵊. حديث آخر غريب في قصة البعير: قال الشيخ أبو محمد عبد الله بن حامد الفقيه، في كتابه " دلائل النبوة"، وهو مجلد كبير حافل كثير الفوائد: أخبرني أبو علي الفارسي، حدَّثنا أبو سعيد عبد العزيز بن شهلان القوَّاس، حدَّثنا أبو عمرو عثمان بن محمد بن خالد الراسبي، حدَّثنا عبد الرحمن بن علي البصري، حدَّثنا سلامة بن سعيد بن زياد بن أبي هند الرازي، حدَّثني أبي، عن أبيه، عن جده، حدَّثنا غُنَيم (٣) بن أوس -يعني: الرازي- قال: كنا جلوسًا مع رسول الله ﷺ إذ أقبلَ بعيرٌ يعدو حتى وقفَ على رسول الله ﷺ فَزِعًا، فقال رسول الله ﷺ : "أيُّها البعيرُ اسكن، فإن تكُ صادقًا فلك صِدقُك، وإن تك كذابًا فعليك كذبك، مع أنَّ الله تعالى قد أمَّنَ عائذنا، ولا يخاف لائذنا" قلنا: يا رسول الله، ما يقولُ هذا البعير قال: " هذا بعيرٌ هَمَّ أهلُه بنحره، فهربَ منهم، فاستغاثَ بنبيّكم" فبينا نحن كذلك؛ إذ أقبلَ أصحابُه يتعادون، فلما نظرَ إليهم البعيرُ عادَ إلى هامةِ رسولِ الله ﷺ . فقالوا: يا رسول الله، هذا بعيرُنا هربَ منا منذُ ثلاثة أيام، فلم نلقَه إلا بينَ يديكَ، فقال رسولُ الله ﷺ : "يشكو مرَّ الشّكاية" فقالوا: يا رسولَ الله، ما يقول قال: "يقولُ إنه رُبِّي في إبلكم حوارًا، وكنتم تحملون عليه في الصيف إلى موضع الكلأ، فإذا كان الشتاء رحلتُم إلى موضع الدفء " فقالوا: قد كان ذلك يا رسول الله، فقال: "ما جزاءُ العبد الصالح من مَواليه؟ " قالوا:

стр. 2921

يا رسول الله، فإنا لا نبيعُه ولا نَنحَرُه، قال: "فقد استغاثَ فلم تُغيثوه، وأنا أولى بالرحمة منكم، لأن الله نزعَ الرحمةَ من قلوبِ المنافقين وأسكنَها في قلوب المؤمنين". فاشتراه النبيُّ ﷺ بمئة درهم، ثم قال: " أيُّها البعير انطلق فأنت حرٌّ لوجه الله " فرغا على هامة رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله: " آمين " ثم رغا الثانية فقال: " آمين " ثم رغا الثالثة فقال: " آمين " ثم رغا الرابعة، فبكى رسول الله ﷺ . فقلنا: يا رسول الله، ما يقولُ هذا البعير؟ قال: يقول: "جزاكَ الله أيُّها النبيُّ عن الإسلام والقرآن خيرًا، قلت: آمين، قال: سكَّنَ الله رعبَ أمتك يوم القيامة كما سكَّنتَ رعبي قلت: آمين، قال: حقنَ الله دماءَ أمتك من أعدائها كما حقنتَ دمي، قلت: آمين، قال: لا جعلَ الله بأسَها بينها، فبكيتُ وقلت: هذه خِصال سألت ربي فأعطانيها ومنعني واحدة، وأخبرني جبريلُ عن الله أن فناءَ أمتك بالسيف، فجرى القلمُ بما هو كائن" (١). قلت: هذا الحديث غريبٌ جدًا، لم أرَ أحدًا من هؤلاء المصنفين في الدلائل أورده سوى هذا المُصنِّف، وفيه غرابةٌ ونكارةٌ في إسناده ومتنه أيضًا، والله أعلم. حديث في سجود الغنم له ﷺ - قال أبو محمد عبد الله بن حامد أيضًا: قال يحيى بن صاعد: حدَّثنا محمد بن عوف الحمصي، حدَّثنا إبراهيم بن العلاء الزَّبيدي، حدَّثنا عَبّاد بن يوسف الكندي أبو عثمان، حدَّثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أنس بن مالك قال: دخلَ النبيُّ ﷺ حائطًا للأنصار ومعه أبو بكر وعمر ورجلٌ من الأنصار، وفي الحائط غنمٌ فسجدَت له، فقال أبو بكر: يا رسول الله، كنا نحنُ أحقُّ بالسجود لك من الغنم، فقال: " إنه لا يَنبغي أن يسجدَ أحدٌ لأحد، ولو كان ينبغي لأحد أن يسجدَ لأحدٍ لأمرتُ المرأةَ أن تسجدَ لزوجها" (٢). غريب، وفي إسناده من لا يُعرف. قصة الذئب، وشهادته بالرسالة قال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا يزيد، حدَّثنا القاسم بن الفضل الحداني، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال:

стр. 2922

عدا الذئبُ على شاةٍ فأخذَها، فطلبَه الراعي فانتزعها منه، فأقعى الذئبُ على ذنبه فقال: ألا تتقي الله؟ تنزعُ مني رِزقًا ساقَه الله إليَّ؟ فقال: يا عَجبي ذئبٌ يُكلِّمني كلامَ الإنس! فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجبَ من ذلك؟ محمّدٌ ﷺ بيثربَ يُخبر الناسَ بأنباء ما قد سبقَ، قال: فأقبلَ الراعي يسوقُ غنمَه حتى دخلَ المدينةَ، فزواها إلى زاوية من زواياها، ثم أتى رسولَ الله ﷺ فأخبرَه، فأمرَ رسولُ الله ﷺ فنُودي الصلاةُ جامعة، ثم خرجَ فقال للراعي: أخبرهم، فأخبرَهم، فقال رسول الله ﷺ : "صدقَ، والذي نفسُ محمّدٍ بيده لا تقومُ الساعة حتى يُكَلِّمَ السِّباعُ الإنسَ، ويُكلِّم الرجلُ عذبةَ سَوطه، وشِرَاك نعله، ويُخبره فخذه بما أحدث أهله بعده". وهذا إسناد على شرط الصحيح، وقد صححه البيهقي، ولم يروه إلا الترمذيُّ (١) من قوله: " والذي نفسي بيده لا تقومُ السَّاعةُ حتى يكلم السباعُ الإنسَ .. " إلى آخره. عن سفيان بن وكيع، عن أبيه، عن القاسم بن الفضل. ثم قال: وهذا حديث حسن غريب صحيح لا نعرفه إلا من حديث القاسم، وهو ثقة مأمون عند أهل الحديث، وثَّقَه يحيى وابن مهدي. طريق أخرى عن أبي سعيد الخدري: قال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدَّثني عبد الله بن أبي حسين، حدَّثني شهر؛ أن أبا سعيد الخدريّ حدَّثه، عن النبي ﷺ قال: بينا أعرابيٌّ فيِ بعض نواحي المدينة في غنم له، عدا عليه الذئب فأخذ شاة من غنمه فأدركه الأعرابي، فاستنقذها منه وهجهجه (٣)، فعاندَه الذئبُ يمشي، ثم أقعى مستذفرًا (٤) بذنبه يُخاطبه، فقال: أخذتَ رزقًا رزقنيه الله، قال: واعجبًا من ذئبٍ مُستذفرٍ بذنبه يُخاطبني! فقال: والله إنك لتتركُ أعجبَ من ذلك، قال: وما أعجبُ من ذلك؟ قال: رسولُ الله ﷺ في النخلتين بين الحرتين يُحَدِّث الناسَ عن أنباءِ ما قد سبقَ وما يكون بعدَ ذلك، قال: فنعقَ الأعرابيُّ بغنمه حتى ألجأَها إلى بعض المدينة، ثم مشى إلى النبيِّ ﷺ حتى ضربَ عليه بابَه، فلما صلَّى النبيُّ ﷺ قال: "أينَ الأعرابيُّ صاحبُ الغنم؟ " فقام الأعرابي، فقال له النبي ﷺ : "حدِّث الناسَ بما سمعتَ وبما رأيتَ " فحدث الأعرابي الناس بما رأى من الذئب وما سمعَ منه، فقال النبي ﷺ عند ذلك: " صدق، آياتٌ تكون قبلَ الساعة، والذي نفسي بيده لا تقومُ السَّاعةُ حتى يخرجَ أحدُكم من أهله فيخبرَه نعلُه أو سوطُه أو عَصاه بما أحدثَ أهلُه بعده".

стр. 2923

وهذا على شرط أهل السنن، ولم يُخرِّجوه (١). وقد رواه البيهقيُّ (٢) من حديث النُّفَيليّ قال: قرأتُ على مَعقل بن عبد الله بن شَهر بن حَوشب، عن أبي سعيد، فذكره. ثم رواه عن الحاكم وأبي سعيد بن أبي عمروٍ، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يُونس بن بُكير، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أبي سعيد فذكره. ورواه الحافظ أبو نُعيم من طريق عبد الرحمن بن يَزيد بن تميم، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد، فذكره (٣). حديث أبي هريرة في ذلك: قال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أشعث بن عبد الله (٥)، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة قال: جاءَ ذئبٌ إلى راعي غنمٍ فأخذَ منها شاةً، فطلبَه الراعي حتى انتزعَها منه، قال: فصعِدَ الذئبُ على تلٍّ فأقعى فاستذفَر وقال: عَمدتَ إلى رزقٍ رزقنيه الله انتزعتَه منِّي، فقال الرجل: لله إن رأيتُ كاليوم ذئبًا يتكلَّمُ، فقال الذئب: أعجبُ من هذا رجلٌ في النخلاتِ بين الحرّتين يُخبرُكم بما مضى وما هو كائنٌ بعدَكم، وكان الرجلُ يهوديًا، فجاء إلى النبيّ ﷺ فأسلمَ وخبَّرَه فصدَّقه النبيُّ ﷺ ثم قال رسول الله: "إنها أمارة من أماراتٍ بين يدي الساعة، قد أوشكَ الرجلُ أن يخرجَ فلا يرجعَ حتى تُحدِّثَه نعلاهُ وسوطُهُ بما أحدَثه أهلُه بعَده". تفرد به أحمد، وهو على شرط السنن، ولم يخرجوه، ولعل شهر بن حوشب قد سمعَه من أبي سعيد وأبي هريرة أيضًا، والله أعلم (٦). حديث أنس في ذلك: قال أبو نعيم في "دلائل النبوة ": حدَّثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدَّثنا

стр. 2924

محمد بن يحيى بن منده، حدَّثنا علي بن الحسن بن سالم، حدَّثنا الحسين الرفاء، عن عبد الملك بن عُمير، عن أنس، وحدَّثنا سليمان - هو الطبراني -: حدَّثنا عبد الله بن محمد بن ناجية، حدَّثنا هشام بن يُونس اللؤلؤي، حدَّثنا حسين بن سليمان الرفاء، عن عبد الملك بن عُمير، عن أنس بن مالك قال: كنتُ مع النبي ﷺ في غزوة تبوك فشردَت عليَّ غنمي، فجاءَ الذئبُ فأخذَ منها شاةً، فاشتدَّ الرِّعَاءُ خلفَه، فقال: طعمةٌ أطعمنيها الله تنزعونَها مني؟ قال: فبُهِتَ القومُ، فقال: " ما تعجبون من كلام الذئب وقد نزلَ الوحيُ على محمدٍ فمن مُصدّق ومكذّب" (١). ثم قال أبو نُعيم: تفرَّد به حسين بن سليمان، عن عبد الملك. قلت: الحسين بن سليمان الرفاء هذا يُقال له الطلحي كوفي، أورد له ابن عديّ عن عبد الملك بن عُمير أحاديثَ، ثم قال: لا يُتابع عليها (٢). حديث ابن عمر في ذلك: قال البيهقي: أخبرنا أبو سعدٍ الماليني، أخبرنا أبو أحمد بن عدي، حدَّثنا عبد الله بن أبي داود السجستاني، حدَّثنا يعقوب بن يوسف بن أبي عيسى، حدَّثنا جعفر بن حسن، أخبرني أبو حسن، حدَّثنا عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب، قال: قال ابن عمر: كان راعٍ على عهد رسول الله ﷺ ، إذ جاءَ الذئبُ فأخذَ شاةً ووثبَ الراعي حتى انتزعَها من فيه، فقال له الذئبُ: أما تتقي الله أن تمنعني طعمة أطعمنيها الله تنزعُها مني؟ فقال له الراعي: العجبُ من ذئبٍ يتكلَّم، فقال الذئبُ: أفلا أدلُّك على ما هو أعجبُ من كلامي؟ ذلك الرجل في النخل يُخبر الناس بحديث الأوّلين والآخرين أعجبُ من كلامي، فانطلقَ الراعي حتى جاءَ رسولَ الله ﷺ فأخبرَه وأسلم، فقال له رسول الله ﷺ : "حدِّث به الناسَ" (٣). قال الحافظ ابن عديّ: قال لنا أبو بكر بن أبي داود: وَلدُ هذا الراعي يُقال لهم: بنو مُكلّم الذئب، ولهم أموالٌ ونَعَمٌ، وهم من خزاعة، واسم مُكلّم الذئب أَهبَان، قال: ومحمد بن أشعث الخزاعي من ولده. قال البيهقي (٤): فدلَّ على اشتهار ذلك، وهذا مِمَّا يُقَوِّي الحديثَ.

стр. 2925

وقد رُوي من حديث محمد بن إسماعيل البخاري في "التاريخ" (١): حدَّثني أبو طلحة، حدَّثني سفيان بن حمزة الأسلمي، سمعَ عبد الله بن عامر الأسلمي، عن ربيعةَ بن أوس، عن أنس بن عمرو، عن أهبان بن أوس، قال: كنتُ في غنمٍ لي، فكلَّمه الذئب وأسلَم. قال البخاري: إسنادُه ليس بالقوي. ثم روى البيهقيُّ عن أبي عبد الرحمن السُّلميّ، سمعتُ الحسينَ بن أحمد الرازي، سمعتُ أبا سُليمان المقري يقول: خرجت في بعض البلدان على حمار فجعلَ الحمارُ يَحيد بي عن الطريق، فضربتُ رأسَه ضرباتٍ، فرفعَ رأسَه إليَّ وقال: اضرب يا أبا سُليمان، فإنما على دماغِك هو ذا تضرب، قال: قلت له: كلَّمَك كلامًا يُفهم! قال: كما تُكلِّمني وأكلِّمك. حديث آخر عن أبي هريرة في الذئب: وقد قال سعيدُ بن منصور: حدَّثنا حَبَّان بن على، حدَّثنا عبد الملك بن عُمير، عن أبي الأدبر الحارثي، عن أبي هريرة قال: جاء الذئبُ فأقعى بين يدي النبيِّ ﷺ وجعلَ يُبَصبِصُ بذنبه، فقال رسول الله ﷺ : "هذا وافدُ الذئاب، جاءَ ليسألكم أن تجعلوا له من أموالكم شيئًا، قالوا: والله لا نفعلُ، وأخذَ رجلٌ من القوم حَجَرًا فرماه فأدبرَ الذئبُ وله عُوَاء، فقال رسولُ الله ﷺ : "الذئبُ، وما الذئبُ؟ ". وقد رواه البيهقيُّ (٢)، عن الحاكم، عن أبي عبد الله الأصبهاني، عن محمد بن مسلمة، عن يزيد بن هارون، عن شعبة، عن عبد الملك بن عُمير، به. ورواه الحافظُ أبو بكر البزار (٣)، عن محمد بن المثنى، عن غُندر، عن شعبة، عن عبد الملك بن عُمير، عن رجل، عن مَكحول، عن أبي هريرة، فذكره. وعن يوسف بن موسى، عن جرير بن عبد الحميد، عن عبد الملك بن عُمير، عن [زياد] أبي الأوبر، عن أبي هريرة، قال: صلَّى رسولُ الله ﷺ يومًا صلاةَ الغداة ثم قال: " هذا الذئبُ، وما الذئبُ؟ جاءَكم يسألُكم أن تعطوه أو تشركوه في أموالِكم، فرمَاه رجلٌ بحجر فمرَّ -أو ولَّى- وله عُوَاء". وقال محمدُ بن إسحاق: عن الزهري، عن حمزة بن أبي أُسَيدٍ، قال: خرجَ رسولُ الله ﷺ في جَنازة رجلٍ من الأنصار بالبقيع، فإذا الذئبُ مُفترشًا ذِراعيه على الطريق،

стр. 2926

فقال رسول الله ﷺ : "هذا جاءَ (١) يستفرضُ فأفرِضُوا له " قالوا: نرى رأيكَ يا رسولَ الله، قال: " من كُلِّ سائمةٍ شاةٌ في كلّ عام " قالوا: كثير، قال: فأشارَ إلى الذئب أن خالسهم، فانطلقَ الذئبُ. رواه البيهقي (٢). وروى الواقديُّ عن رجل (٣) سمَّاه، عن المطلب بن عبد الله بن حَنطب، قال: بينا رسولُ الله ﷺ في المدينة إذ أقبلَ ذئبٌ فوقفَ بين يديه، فقال: " هذا وافدُ السِّبَاعِ إليكم، فإن أحببتم أن تفرضوا له شيئًا لا يَعدُوه إلى غيره، وإن أحببتُم تركتُموه واحترزتُم منه، فما أخَذَ فهو رزقُه" فقالوا: يا رسول الله، ما تطيبُ أنفُسنا له بشيء، فأومأَ إليه بأصابعه الثلاث أن خالسهم، قال: فولَّى وله عَسلان (٤) (٥). وقال أبو نُعيم: حدَّثنا سُليمان بن أحمد، حدَّثنا مُعاذ بن المثنى، حدَّثنا محمد بن كثير، حدَّثنا سفيان، حدَّثنا الأعمش، عن شمر بن عطية، عن رجل من مُزينة - أو جهينة - قال: أتت وفودُ الذئاب قريبٌ من مئة ذئب حين صلَّى رسولُ الله، فأقعينَ، فقال رسولُ الله ﷺ : "هذه وفودُ الذئابِ، جئنكم يسألنكم لتفرضوا لهنّ من قُوت طعامِكم وتأمَنوا على ما سواه " فشكَوا إليه الحاجةَ، فأنذروهم. قال: فخرجنَ ولهنَّ عُواء (٦). وقد تكلَّم القاضي عِياض (٧) على حديثِ الذئب، فذكرَ عن أبي هريرة، وأبي سعيد، وعن أهبان بن أوس، وأنه يُقال له: مُكَلِّم الذئب. قال: وقد روى ابنُ وهبٍ أنه جرى مثل هذا لأبي سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، مع ذئبٍ وجدَاه أخذَ ظبيًا فدخلَ الظبيُ الحرمَ، فانصرفَ الذئبُ، فعجبا من ذلك، فقال الذئبُ: أعجبُ من ذلك محمّدُ بنُ عبد الله بالمدينة يَدعُوكم إلى الجنة وتدعونه إلى النار، فقال أبو سفيان: واللَّات والعزَّى لأن ذكرتُ هذا بمكّةَ لتتركنها خَلوفًا (٨).

стр. 2927

قصة الوحش الذي كان في بيت النبي ﷺ وكان يحترمُه ﵊ ويُوَقّرُه ويُجِلُّه قال الإمام أحمد (١): حدَّثنا أبو نُعيم، حدَّثنا يُونس، عن مجاهد، قال: قالت عائشة ﵂: كان لآلِ رسولِ الله ﷺ وحشٌ، فإذا خرجَ رسولُ الله ﷺ لَعِبَ واشتدَّ، وأقبلَ وأدبرَ، فإذا أحسَّ برسولِ الله ﷺ قد دخل ربضَ فلم (٢) يَتَرَمرم، ما دامَ رسول الله ﷺ في البيت كراهيةَ أن يُؤذيه. ورواه أحمد أيضًا عن وكيع (٣)، وعن أبي (٤) قطن، كلاهما عن يونس - وهو ابن أبي إسحاق السَّبيعي - وهذا الإسناد على شرط الصحيح. ولم يُخرِّجوه، وهو حديث مشهور، والله أعلم. قصة الأسد وقد ذكرنا في ترجمة "سفينة" مولى رسول الله ﷺ حديثَه حين انكسرت بهم السفينةُ فركبَ لوحًا منها، حتى دخل جزيرةً في البحر فوجد فيها الأسدَ، فقال له: يا أبَا الحارث إني سفينة مولى رسولِ الله ﷺ ، قالَ فضربَ منكبيّ (٥) وجعلَ يُحاذيني حتى أقامَني على الطريق، ثم هَمْهَمَ ساعةً، فرأيتُ أنه يُوَدِّعني (٦). وقال عبد الرزاق (٧): حدَّثنا معمر، عن الجَحْشي (٨)، عن محمد بن المنكدر: أن سفينة مولى رسول الله ﷺ أخطأ الجيشَ بأرض الروم، أو أُسِرَ في أرض الروم، فانطلقَ هاربًا يلتمسُ الجيش، فإذا هو بالأسد، فقال: يا أبا الحارث، إني مولى رسولِ الله ﷺ كان من أمري كَيتَ وكيتَ، فأقبل الأسد يُبَصبِصُه، حتى قامَ إلى جنبه، كلما سمعَ صوتًا أهوى إليه، ثم أقبل يمشي إلى جنبه، فلم يزل كذلك حتى أبلغه الجيشَ، ثم رجع الأسدُ عنه.

стр. 2928

رواه البيهقي (١). حديث الغزالة قال الحافظ أبو نُعيم الأصبهاني ﵀ في كتابه " دلائل النبوة ": حدَّثنا سليمان بن أحمد - إملاء - حدَّثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدَّثنا إبراهيم بن محمد بن ميمون، حدَّثنا عبد الكريم بن هلال الجعفي، عن صالح المُرّي، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، قال: مرَّ رسولُ الله ﷺ على قومٍ قد اصطَادوا ظَبيَةً فشدُّوها على عمودِ فسطاطٍ، فقالت: يا رسول الله، إني أُخذتُ ولي خُشفان (٢)، فاستأذن لي أُرضعهُما وأعودُ إليهم، فقال: " أين صاحبُ هذه؟ " فقال القوم: نحنُ يا رسول الله، قال: " خلُّوا عنها حتى تأتيَ خُشفَيها تُرضعهُما وترجعُ إليكم " فقالوا: من لنا بذلك؟ قال: "أنا" فأطلقوها، فذهبت فأرضعت، ثم رجعت إليهم فأوثقوها، فمرّ بهم رسولُ الله ﷺ فقال: " أين أصحابُ هذه؟ " فقالوا: هو ذا نحنُ يا رسولَ الله، فقال: " تبيعونها؟ " فقالوا: هي لكَ يا رسولَ الله، فقال: " خلُّوا عنها " فأطلقوها فذهبت (٣). وقال أبو نُعيم: حدَّثنا أبو أحمد محمد بن أحمد الغِطريفي - من أصله - حدَّثنا أحمد بن موسى بن أنس بن نصر بن عُبيد الله بن محمد بن سيرين بالبصرة، حدَّثنا زكريا بن يحيى بن خَلَّاد، حدَّثنا حَسَّان بن أغلب بن تميم، حدَّثنا أبي، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن ضَبَّةَ بن محصن، عن أمِّ سلمة زوجِ النبي ﷺ قالت: بينا رسولُ الله ﷺ في صحراءَ من الأرض إذا هاتفٌ يهتفُ: يا رسول الله، يا رسولَ الله، قال: فالتفتُّ فلم أرَ أحدًا، قال: فمشيت غير بعيد فإذا الهاتف: يا رسولَ الله، يا رسول الله، قال: فالتفتُّ فلم أر أحدًا، وإذا الهاتف يهتف بي، فاتَّبعتُ الصوتَ وهجمتُ على ظَبيةٍ مشدودةٍ في وَثاق، وإذا أعرابيٌّ مُنجَدِلٌ في شملةٍ نائمٌ في الشمس، فقالت الظبيةُ: يا رسول الله، إن هذا الأعرابي صادَني قبلُ، ولي خُشفَان في هذا الجبل، فإن رأيتَ أن تطلقني حتى أرضعَهما ثم أعودُ إلى وثاقي؟ قال: " وتفعلين؟ " قالت: عذبني الله عذابَ العَشَّار إن لم أفعل، فأطلقَها رسولُ الله ﷺ . فمضت فأرضعت الخُشفَين

стр. 2929

وجاءت، قال: فبينا رسولُ الله ﷺ يُوثقها إذ انتبَه الأعرابيُّ، فقال: بأبي أنت وأمي يا رسولَ الله، إن أصبتها قُبَيلًا. فلك فيها من حاجة؟ قال: قلت: " نعم " قال: هي لك، فأطلقَها، فخرجت تعدو في الصحراء فرحًا وهي تضربُ برجليها في الأرض وتقول: أشهدُ أن لا إله إلا الله وأنك رسولُ الله (١). قال أبو نُعيم: وقد رواه آدم بن أبي إياس، فقال: حدثني ختني الصدوق، نوح بن الهيثم، عن حسان بن أغلب، عن أبيه، عن هشام بن حسان ولم يجاوزه. وقد رواه أبو محمد عبد الله بن حامد الفقيه في كتابه " دلائل النبوة " من حديث إبراهيم بن مهدي، عن ابن أغلب بن تميم، عن أبيه، عن هشام بن حسان، عن الحسن بن ضبة، عن أمِّ سلمة، به. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي (٢): أنبأني أبو عبد الله الحافظ - إجازة - أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن دُحيم الشيباني، حدَّثنا أحمد بن حازم بن أبي غَرزَةَ الغِفاري، حدَّثنا علي بن قَادم، حدَّثنا أبو العلاء خالد بن طهمان، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: مرَّ النبيُّ ﷺ بظَبية مَربوطة إلى خِبَاءٍ، فقالت: يا رسولَ الله خَلِّني حتى أذهبَ فأرضع خُشْفي ثم أرجع فتربطني، فقال رسول الله ﷺ : "صَيدُ قومٍ وربيطةُ قوم " قال: فأخذ عليها فحلفت له، قال: فحلَّها، فما مَكثت إلا قليلًا حتى جاءت وقد نَفَضَت ما في ضَرعِهَا، فربطَها رسولُ الله ﷺ ، ثم أتى خِبَاءَ أصحابها، فاستوهبَها منهم فوهبُوها له فحلَّها، ثم قالَ رسول الله ﷺ : "لو تعلم البهائمُ من الموت ما تَعلمون، ما أكلتُم منها سَمينًا أبدًا ". قال البيهقي: وروي من وجه آخر ضعيف؛ أخبرنا أبو بكر أحمد (٣) بن الحسن القاضي، أخبرنا أبو علي حامد بن محمد الهروي، حدَّثنا بشرُ بن موسى، حدَّثنا أبو حفص عَمرو بن علي، حدَّثنا يعلى بن إبراهيم الغَزَّال، حدَّثنا الهيثمُ بن حمّاد عن أبي كثير، عن زيد بن أرقم قال: كنتُ مع النبي ﷺ في بعض سِكك المدينة، قال: فمررنا بخباءِ أعرابي، فإذا ظَبيةٌ مشدودةٌ إلى الخِبَاء، فقالت: يا رسولَ الله، إن هذا الأعرابي اصطادني، وإن لي خَشَفين في البريَّة، وقد تعقَّد اللبنُ في أخلافي (٤)، فلا هو يذبحني فأستريحُ ولا هو يدعُني فأرجع إلى خَشَفي في البريّة. فقال لها رسول الله ﷺ : "إن تركتُكِ ترجعين؟ " قالت: نعم وإلا عذبني الله عذابَ العَشَّار (٥)، قال: فأطلقَها رسولُ الله ﷺ

стр. 2930

فلم تلبث أن جاءت تَلَمَّظ (١) فشدَّها رسولُ الله ﷺ إلى الخِبَاء، وأقبلَ الأعرابيُّ ومعهُ قِربة، فقال رسول الله ﷺ : "أتبيعنيها؟ " قال: هي لك يا رسولَ الله، فأطلقَها رسولُ الله ﷺ (٢). قال زيدُ بن أرقم: فأنا والله رأيتُها تسيحُ في البريّة. وهي تقولُ: لا إله إلا الله محمدٌ رسولُ الله. ورواه أبو نعيم: حدَّثنا أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن بن مطر، حدَّثنا بشرُ بن موسى، فذكره. قلت: وفي بعضه نكارة، والله أعلم. وقد ذكرنَا في باب تكثيره ﵊ اللبنَ (٣)، حديثَ تلك الشاة التي جاءت وهي في البريّة، فأمرَ رسولُ الله ﷺ الحسنَ بن سعيد، مولى أبي بكر أن يحلبَها فحلبَها، وأمرَه أن يحفظَها فذهبت وهو لا يشعرُ، فقال رسولُ الله ﷺ : "ذهبَ بها الذي جاء بها ". وهو مرويٌّ من طريقين، عن صحابيين، كما تقدم، والله أعلم. حديث الضبِّ على ما فيه من النكارة والغرابة قال البيهقي (٤): أخبرنا أبو منصور أحمد بن علي الدامغانيُّ، من ساكني قرية نامين من ناحية بَيهق - قراءة عليه من أصل كتابه - حدَّثنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ - في شعبان سنة اثنتين وستين وثلاثمئة (بجُرجان) (٥) حدَّثنا محمد بن علي بن الوليد السلمي، حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، حدَّثنا معمرُ بن سُليمان، حدَّثنا كهمس، عن داود بن أبي هندٍ، عن عامر، عن ابن عمر، عن عمرَ بن الخطاب: أن رسول الله ﷺ كان في محفلٍ من أصحابه إذ جاءَ أعرابيٌّ من بني سُليم قد صاد ضَبًّا. وجعلَه في كمّه ليذهبَ به إلى رَحلِه فَيشويه ويأكُلَه، فلما رأى الجماعةَ قال: ما هذا؟ قالوا: هذا الذي يذكرُ أنه نبيٌّ فجاءَ فشقَّ الناسَ فقال: واللات والعزى ما اشتملتِ النساء على ذي لهجةٍ أبغضَ إليَّ منكَ، ولا أَمقتَ منك، ولولا أن يُسمِّيني قومي عَجولًا لعَجِلتُ عليك فقتلتُك، فسَرَرتُ بقتلك الأسودَ والأحمرَ والأبيضَ وغيرَهم.

стр. 2931

فقال عمرُ بن الخطاب: يا رسولَ الله، دعني فأقومُ فأقتلَه. قال: " يا عمر، أما علمتَ أن الحليمَ كادَ أن يكونَ نبيًّا؟ ". ثم أقبلَ على الأعرابي وقال: "ما حملكَ على أن قلتَ ما قلتَ، وقلتَ غير الحقِّ ولم تكرمني في مجلسي؟ " فقال: وتكلّمني أيضًا؟ -استخفافًا برسول الله ﷺ واللات والعزى لا آمنتُ بك أو يُؤمن بك هذا الضبُّ - وأخرج الضبَّ من كمّه وطرحَه بين يدي رسولِ الله ﷺ فقال رسولُ الله ﷺ :"يا ضبُّ" فأجابه الضبُّ بلسانٍ عربيّ مُبين يسمعُه القومُ جميعًا: لبَّيك وسعديك يا زينَ مَن وافى القيامةَ. قال: "مَن تعبدُ يا ضبُّ؟ " قال: الذي في السماء عرشُهُ، وفي الأرض سلطانُه، وفي البحر سبيلُه، وفي الجنّة رحمتُه، وفي النار عقابُه، قال: "فمن أنا يا ضبُّ؟ " فقال: رسولُ ربِّ العالمين وخاتمُ النبيين، وقد أفلحَ من صدَّقَكَ، وقد خابَ من كذّبك، فقال الأعرابي: والله لا أتّبعُ أثرًا بعدَ عين، والله لقد جئتُك وما على ظهر الأرض أبغض إليَّ منك، وإنك اليومَ أحبُّ إليَّ من والدي، ومن عَيني، ومِني، وإني لأحبّك بداخلي وخارجي، وسِري وعلانيتي، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وأنك رسولُ الله، فقال رسول الله: "الحمد لله الذي هداكَ بي، إن هذا الدينَ يَعلو ولا يُعلى ولا يُقبل إلا بصلاة، ولا تُقبل الصلاة إلا بقرآنٍ". قال: فعلّمني، فعلّمه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ قال: زدني فما سمعتُ في البَسِيطِ ولا في الوجيز (١) أحسنَ من هذا، قال: " يا أعرابيُّ إنَّ هذا كلامُ الله، ليس بشعر، إنك إن قرأت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مرةً كان لك كأجرِ من قرأَ ثلثَ القرآن، وإن قرأتَها مرتين كان لك كأجر من قرأ ثلثي القرآن، وإذا قرأتها ثلاثَ مرات كان لكَ كأجر من قرأَ القرآنَ كلَّه" قال الأعرابي: نِعمَ الإلهُ إلهنا. يقبلُ اليسيرَ ويُعطي الجزيلَ. فقال رسول الله ﷺ : "ألك مالٌ؟ " فقال: ما في بني سُليم قاطبةً رجلٌ هو أفقرُ مني، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "أعطوه" فأعطوه حتى أبطروه (٢). قال: فقال عبدُ الرحمن بن عوف، فقال: يا رسولَ الله! إن له عندي ناقة عُشَراء (٣)، دون البختية (٤) وفوق الأغرى (٥)، تَلحق ولا تُلحق، أُهديت إليَّ يوم تبوك، أتقربُ بها إلى الله فأدفعُها إلى الأعرابي. فقال رسول الله ﷺ : "وصفت ناقتك، فأصِف مالك عندَ الله يوم القيامة؟ " قال: نعم، قال: "لك ناقةٌ من دُرّة جَوفاء قوائمها من زَبَرجَدٍ أخضر، وعنقها من زبرجد أصفر عليها هودج، وعلى

стр. 2932

الهودج السندسُ والإستبرق، وتمرُّ بك على الصراط كالبرق الخاطف. يغبطك بها كل من رآك يوم القيامة " فقال عبدُ الرحمن: قد رضيتُ. فخرجَ الأعرابيُّ فلقيَه ألفُ أعرابي من بني سُليم على ألف دابّة، معهم ألفُ سيف وألفُ رمح، فقال لهم: أين تُريدون؟ قالوا: نذهبُ إلى هذا الذي سَفَّه آلهتنا فنقتلَه. قال: لا تفعلوا، أنا أشهدُ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسولُ الله، وحدَّثهم الحديثَ، فقالوا بأجمعهم: نشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وأن محمدًا رسولُ الله، ثم دخلوا، فقيل لرسول الله، فتلقَّاهم بلا رداءٍ، ونزلوا عن ركابهم يُقَبِّلون حيث وافوا عنه، وهم يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم قالوا: يا رسول الله! مُرنا بأمرك. قال: " كونوا تحت راية خالد بن الوليد " فلم يؤمن من العرب ولا من غيرهم ألفٌ غيرُهم (١). قال البيهقي: قد أخرجه شيخُنا أبو عبد الله الحافظ في المعجزات بالإجازة عن أبي أحمد بن عديّ الحافظ. قلت: ورواه الحافظ أبو نُعيم في " الدلائل " عن أبي القاسم بن أحمد الطبراني - إملاء وقراءة -: حدَّثنا محمد بن علي بن الوليد السلمي البصري أبو بكر بن كنانة. فذكرَ مثلَه. ورواه أبو بكر الإسماعيلي عن محمد بن علي بن علي بن الوليد السُّلمي. قال البيهقي: روي في ذلك عن عائشة وأبي هريرة وما ذكرناه هو أمثلُ الأسانيد فيه، وهو أيضًا ضعيف، والحملُ فيه على هذا السُّلَمي، والله أعلم. حديث الحِمَار وقد أنكره غيرُ واحدٍ من الحفَّاظ الكبار، فقال أبو محمد عبد الله بن حامد: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن حمدان السحركي، حدَّثنا عمر بن محمد بن بُجير، حدَّثنا أبو جعفر محمد بن يزيد - إملاء - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عقبة بن أبي الصهباء، حدَّثنا أبو حذيفة، عن عبد الله بن حَبيب الهذلي، عن أبي عبد الرحمن السُّلمي، عن أبي منظور، قال: لما فتحَ الله على نبيّه ﷺ خيبرَ أصابَه من سهمه أربعةُ أزواجِ بغالٍ وأربعةُ أزواجِ خِفَافٍ، وعشرُ أواق

стр. 2933

ذهبًا وفضة، وحمار أسود، ومِكتَل، قال: فكلَّمَ النبىِّ ﷺ الحمارَ فكلَّمَه الحمارُ، فقال له: "ما اسمُك " قال: يزيدُ بنُ شهاب، أخرج الله من نسل جَدِّي ستين حِمارًا كلُّهم لم يركبهم إلا نبي، لم يبقَ من نسل جدّي غيري، ولا من الأنبياء غيرك، وقد كنتُ أتوقعُك أن تركبني، قد كنتُ قبلَك لرجل يَهودي، وكنتُ أعثر به عَمدًا، وكان يُجيعُ بطني ويضربُ ظهري، فقال النبي ﷺ : " سمّيتُك يَعفور، يا يعفورُ " قال: لبيك، قال: "تشتهي الإناث؟ " قال: لا، فكانَ النبىِّ ﷺ يركبُه لحاجته، فإذا نزلَ عنه بعثَ به إلى باب الرجل، فيأتي البابَ فيقرعُه برأسه، فإذا خرجَ إليه صاحبُ الدار أوما إليه أن أجِب رسولَ الله ﷺ ، فلما قُبض النبىِّ ﷺ جاء إلى بئرٍ كان لأبي الهيثم التَّيِّهَان فتردّى فيها، فصارت قبرَه، جزعًا منه على رسول الله ﷺ (١). حديث الحُمَّرة، وهي طائرٌ مشهور قال أبو داود الطيالسي: حدَّثنا المَسعودي، عن الحسن بن سعد، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فدخلَ رجلٌ غَيضَةً فأخرجَ بيضةَ حمَّرة، فجاءت الحُمَّرة ترفُّ على رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال: " أيُّكم فجعَ هذه؟ " فقال رجلٌ من القوم: أنا أخذتُ بيضتَها، فقال " ردَّه ردَّه رحمةً بها " (٢). وروى البيهقي، عن الحاكم وغيره، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار: حدَّثنا أبو مُعاوية، عن أبي إسحاق الشيباني، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، قال: كنا مع رسول الله في سفر فمررنا بشجرة فيها فرخا حمَّرة فأخذناهما. قال: فجاءت الحمَّرة إلى رسول الله ﷺ وهي تُعَرِّشُ (٣)، فقال: " من فَجَعَ هذه بفرخيها؟ " قال: فقلنا: نحن، قال: "رُدُّوهما" فرددناهما إلى موضعهما، فلم ترجع (٤).

стр. 2934

حديث آخر في ذلك، وفيه غرابة: قال البيهقيّ: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن الحسين بن داود العلوي، قالا: حدَّثنا أبو العباس محمد بن يَعقوب الأموي، حدَّثنا محمد بن عُبيد بن عتبة الكندي، حدَّثنا محمد بن الصَّلت، حدَّثنا حِبَّان، حدَّثنا أبو سعيد البقال، عن عِكرمة، عن ابنِ عباس ﵄، قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا أرادَ الحاجةَ أبعدَ، قال: فذهبَ يومًا فقعدَ تحتَ سَمُرَةٍ ونزعَ خفيّه، قال: ولبسَ أحدَهما، فجاءَ طيرٌ فأخذَ الخف الآخرَ فحلَّقَ به في السماء. فانسلتَ منه أسودُ سَالم (١). فقال رسولُ الله ﷺ : "هذه كرامةٌ أكرمني الله بها، اللهم إني أعوذُ بك من شرِّ ما مَشى على رجليه، ومن شَرِّ ما يَمشي على بطنِه (٢). (باب ما جاء في إضاءة عصا الرجلين من أصحاب النبي ﷺ حين خرجا من عنده) (٣) قال البخاري (٤): حدَّثنا محمد بن المثنى، حدَّثنا مُعاذ، حدَّثني أبي، عن قتادة، قال: حدَّثنا أنس بن مالك: أن رجلين من أصحاب النبيِّ ﷺ خرجا من عند النبيّ ﷺ في ليلة مظلمة، ومعهما مثلُ المِصباحين بين أيديهما، فلما افترقا صارَ مع كل واحدٍ منهما واحدٌ حتى أتى أهله. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ثابت، عن أنس: أن أسيد بن حُضير الأنصاري ورجلًا آخر من الأنصار تحدَّثا عند النبي ﷺ في حاجة لهما، حتى ذهب من الليل ساعة، وهي ليلة شديدة الظلمة حتى خرجا من عند رسول الله ﷺ يَنقلبان، وبيد كل واحد منهما عصية، فأضاءت عصا أحدهما لهما حتى مَشيا في ضوئها، حتى إذا افترقت بهما الطريقُ أضاءت للآخر عصاه، حتى مشى في ضوئها حتى أتى كلُّ واحد منهما في ضوء عصاه حتى بلغ أهله (٥).

стр. 2935

وقد علَّقه البخاري (١). فقال: وقال معمر، فذكره. وعلَّقه البخاريُّ أيضًا، عن حمَّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: أن عبَّاد بن بشر وأسيد بن حضير خرجا من عند النبي ﷺ ، فذكر مثله. وقد رواه النسائي (٢)، عن أبي بكر بن نافع عن بَهز بن أسد. وأسنده البيهقي من طريق يزيد بن هارون كلاهما، عن حماد بن سلمة، به. حديث آخر: قال البيهقي (٣): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدَّثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الوهاب الأصبهاني، حدَّثنا أحمد بن مهران، حدَّثنا عبيد الله بن موسى، أنبأنا كامل بن العلاء، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. قال: كنا نُصلّي مع رسول الله ﷺ العِشَاءَ، وكان يُصلّي فإذا سجدَ وثبَ الحسنُ والحسين على ظهره، فإذا رفعَ رأسَه أخذَهما فوضعهما وضعًا رفيقًا، فإذا عادَ عادا، فلما صلَّى جعلَ واحدًا هاهنا وواحدًا هاهنا، فجئتُه فقلتُ: يا رسولَ الله، ألا أذهبُ بهما إلى أمّهما؟ قال: " لا ". فبرَقت بَرقة (٤) فقال: " الحقا بأمّكما " فما زالا يمشيان في ضوئها حتى دخلا (٥). حديث آخر: قال البخاري في " التاريخ " (٦): حدَّثني أحمد بن الحجَّاج، حدَّثنا سفيان بن حمزة، عن كثير بن زيد، عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي، عن أبيه، قال: كنا مع رسول الله ﷺ فتفرَّقنا في ليلة ظلماءَ دَحمسَةٍ، فأضاءت أصابعي حتى جَمَعُوا عليها ظهرَهم وما هلكَ منهم، وإن أصابعي لتُنير. ورواه البيهقي (٧) من حديث إبراهيم بن المنذر الحِزامي، عن سفيان بن حمزة.

стр. 2936

ورواه الطبراني (١) من حديث إبراهيم بن حمزة الزهري، عن سفيان بن حمزة، به. حديث آخر: قال البيهقي (٢): حدَّثنا أبو عبد الله الحافظ، حدَّثنا أبو أحمد بن عبد الله المزني، حدَّثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدَّثنا أبو كُريب، حدَّثنا زيدُ بن الحُباب، حدَّثنا عبدُ الحميد بن أبي عَبس الأنصاري من بني حارثةَ، أخبرني ميمون بن زيد بن أبي عبس، أخبرني أبي: أنَّ أبا عبسٍ، كان يُصلّي مع رسولِ الله ﷺ الصلواتِ ثم يرجعُ إلى بني حارثةَ، فخرجَ في ليلةٍ مظلمةٍ مَطيرةٍ، فنُوَّر له في عصاه حتى دخلَ دارَ بني حارثة. قال البيهقي: أبو عبس ممن شَهِدَ بدرًا. قلتُ: وروينا عن يزيد بن الأسود، وهو من التابعين، أنه كان يشهدُ الصَّلاةَ بجامعِ دمشق من جسرين فربما أضاءت له إبهامُ قدمه في الليلة المظلمة (٣). وقد قدَّمنا في قصة إسلام الطُّفيل بن عمرو الدَّوسي بمكّةَ قبلَ الهجرة، وأنه سألَ رسولَ الله ﷺ بآيةٍ يدعو قومَه بها، فلما ذهبَ إليهم وانهبَطَ من الثنيّة أضاءَ له نورٌ بين عينيه. فقال: اللهم لا يقولوا: هو مُثلَة. فحوَّله الله إلى طرف سَوطِه حتى جعلُوا يَرونه مثلَ القِنديل. حديث آخر فيه كرامةٌ لتميم الداري: روى الحافظ البيهقي، من حديث عفان بن مسلم، عن حمَّاد بن سلمة، عن الجريري، (عن أبي العلاء) (٤) عن معاوية بن حرمل (٥)، قال: خرجت نارٌ بالحرة فجاءَ عمر إلى تميم الداريّ فقال: قم إلى هذه النار، قال: يا أمير المؤمنين، ومن أنا وما أنا؟ قال: فلم يزل به حتى قامَ معه، قال: وتبعتُهما، فانطلقا إلى النَّار، فجعلَ تميمٌ

стр. 2937

يَحوشُها بيديه حتى دخلت الشِّعبَ، ودخل تميمٌ خلفَها، قال: فجعل عمر يقول: ليس من رأى كمن لم ير، قالها ثلاثًا (١). حديث فيه كرامة لوليّ من هذه الأمة وهي معدودةٌ من المعجزات، لأن كلَّ ما يثبتُ لوليِّ فهو معجزةٌ لنبيه. قال الحسن بن عرفة: حدَّثنا عبد الله بن إدريس، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي سَبرة النخعي، قال: أقبلَ رجلٌ من اليمن فلما كان ببعض الطريق، نَفَقَ حمارُه، فقامَ فتوضأ ثم صلَّى ركعتين، ثم قال: اللهم إني جئتُ من الدثينه (٢) مُجاهدًا في سبيلك وابتغاء مرضاتِك، وأنا أشهدُ أنك تُحيي الموتى وتبعثُ مَن في القبور، لا تجعل لأحدٍ عليَّ اليومَ مِنة، أطلبُ إليك اليومَ أن تبعثَ حِمَاري، فقامَ الحِمَارُ ينفضُ أُذنيه (٣). قال البيهقي: هذا إسناد صحيح، ومثلُ هذا يكون كرامة لصاحب الشريعة. قال البيهقي: وكذلك رواه محمد بن يحيى الذهلي وغيره، عن محمد بن عُبيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، وكأنه عند إسماعيل (٤) عنهما، واللّه أعلم. طريق أخرى: قال أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب "من عاش بعد الموت ": حدَّثنا إسحاق بن إسماعيل وأحمدُ بن بُجَير وغيرهما، قالوا: حدَّثنا محمد بن عُبيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي: أن قومًا أقبلوا من اليمن مُتطوّعين في سبيل الله، فنفَقَ حِمَارُ رجل منهم، فأرادُوه أن ينطلقَ معهم فأبى فقامَ فتوضأ وصلَّى ثم قال: اللهم إني جئتُ من الدثينة مجاهدًا في سبيلك وابتغاء مَرضاتك، وإني أشهدُ أنك تُحيي الموتى وتبعثُ من في القبور، لا تجعل لأحدٍ عليٍّ مِنّة، فإني أطلبُ إليك أن تبعثَ لي حِماري، ثم قام إلى الحمار، فقامَ الحمارُ ينفضُ أذنيه فأسرَجَه وألجمَه، ثم ركبَه وأجراه، فلحقَ بأصحابه، فقالوا له: ما شأنُك؟ قال: شأني أن الله بعثَ حماري (٥).

стр. 2938

قال الشعبي: فأنا رأيتُ الحِمار بيع أو يُباع في الكُنَاسة -يعني بالكوفة-. قال ابن أبي الدنيا: وأخبرني العباسُ بن هشام، عن أبيه، عن جده، عن مسلم بن عبد الله بن شريك النخعي، أن صاحبَ الحِمار رجلٌ من النَّخع، يُقال له: نُباتة بن يزيد خرجَ في زمنِ عمرَ غازيًا، حتى إذا كان بِشِق (١) عُمَيرَةَ نفقَ حمارُه، فذكرَ القِصَّه (٢). غير أنه قال: فباعَه بعدُ بالكُناسة، فقيل له: تبيعُ حمارك وقد أحياه الله لك؟ قال: فكيف أصنعُ؟ وقد قال رجلٌ من رهطه ثلاثةَ أبياتٍ، فحفظتُ هذا البيت: وَمِنَا الَّذي أَحيا الإلهُ حِمَارَهُ … وَقَد مَاتَ مِنهُ كُلُّ عُضوٍ ومَفصِلِ وقد ذكرنا في باب رَضاعه ﵊، ما كان من حمارة حليمة السعدية، وكيف كانت تسبقُ الركابَ في رجوعها لمَّا ركبَ معها عليها رسول الله ﷺ وهو رضيع، وقد كانت أَذَمَّت (٣) بالركب في مسيرهم إلى مكة. وكذلك ظهرت بركتُه عليهم في شارفهم -وهي الناقةُ التي كانوا يحلبُونها- وشياههم وسمنها وكثرة ألبانها، صلوات الله وسلامه عليه. قصة أخرى مع قصة العلاء بن الحضرمي قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدَّثني خالد بن خِدَاش بن عَجلان المُهلّبي وإسماعيل بن إبراهيم بن بَشَّار، قالا: حدَّثنا صالح المُرّي، عت ثابت البُناني، عن أنس بن مالك قال: عدنا شابًا من الأنصار، فما كان بأسرعَ من أن ماتَ، فأغمضناه ومدَدنا عليه الثوبَ، وقال بعضُنا لأمه: احتسبيه، قالت: وقد مات؛ قلنا: نعم، فمدَّت يَدَيها إلى السماء وقالت: اللهم إني آمنتُ بك، وهاجرتُ إلى رسولك، فإذا نزلت بي شدةٌ دعوتُك فَفَرَّجتَهَا، فأسألُك اللهم لا تحمل علي هذه المصيبةَ اليوم، قال: فكشفَ الثوبَ عن وجهه، فما بَرحنَا حتى أكلنَا وأكلَ معنا. وقد رواه البيهقي، عن أبي سعيد الماليني عن ابن عدي، عن محمد بن طاهر بن أبي الدُّميك، عن عُبيد الله بن عائشة (٤)، عن صالح بن بشير المرِّي -أحد زُهَّاد البصرة وعُبَّادها- مع لين في حديثه عن

стр. 2939

أنس، فذكرَ القصةَ، وفيه أن أمَّ السائبِ كانت عجوزًا عمياء (١). قال البيهقي: وقد رُوي من وجه آخر مرسل- يعني فيه انقطاع- عن ابن عدي وأنس بن مالك. ثم ساقَه من طريق عيسى بن يُونس، عن عبد الله بن عون، عن أنس، قال: أدركتُ في هذه الأمة ثلاثًا لو كانت في بني إسرائيل لما تقاسمتها الأممُ، قلنا: ما هي يا أبا حمزة؟ قال: كنا في الصُّفة عند رسول الله ﷺ فأتته امرأةٌ مُهاجرة ومعها ابن لها قد بلغ، فأضافَ المرأةَ إلى النساء، وأضاف ابنها إلينا، فلم يلبث أن أصابَه وباءُ المدينة فمرضَ أيامًا ثم قُبِضَ، فغمَّضَه النبىِّ ﷺ وأمرَ بجهازه، فلما أردنَا أن نغسلَه، قال: "يا أنسُ، ائتِ أمَّه فأعلمها" فأعلمتُها، قال: فجاءت حتى جلست عند قدميه، فأخذت بهما، ثم قالت: اللهم إني أسلمتُ لك طوعًا، وخالفتُ الأوثان زُهدًا، وهاجرتُ لك رغبةً، اللهم لا تشمِّت بي عَبَدةَ الأوثان، ولا تحفلني من هذه المُصيبةِ ما لا طاقةَ لي بحملها، قال: فوالله ما انقضى كلامُها حتى حرَّكَ قدميه وألقى الثوبَ عن وجهِه وعاشَ حتى قَبَضَ الله رسولَه ﷺ ، وحتى هَلَكت أمُّه. قال: ثم جهَّزَ عمرُ بن الخطاب جَيشًا واستعملَ عليهم العلاء بن الحضرمي، قال أنس: وكنتُ في غزاتِه فأتينا مغازينا، فوجدنا القومَ قد نذروا بنا فعَفوا آثارَ الماء، والحرُّ شديد، فجَهَدنَا العطشُ ودوائنَا، وذلك يوم الجمعة، فلما مالتِ الشمسُ لغروبها صلَّى بنا ركعتين، ثم مدَّ يدَه إلى السماء، وما نرى في السماء شيئًا. قال: فوالله ما حط يدَه حتى بعثَ الله ريحًا وأنشأَ سَحابًا، وأفرغت حتى ملأت الغُدُرَ والشعاب، فشربنا وسقينا ركابنا واستقينا، ثم أتينا عدوَّنا وقد جَاوزوا خليجًا في البحر إلى جزيرة، فوقفَ على الخليج وقال: يا عليٍّ، يا عظيمُ، يا حليمُ، كريمُ، ثم قال: أجيزوا باسم الله، قال: فأجزنا ما يبل الماءُ حوافرَ دوابنا، فلم نلبث إلا يسيرًا فاصبنا العدوَّ عليه فقتلنا وأسرنا وسبينا، ثم أتينا الخليجَ، فقال مثلَ مقالته، فأجزنا ما يبلُّ الماءُ حوافرَ دوائنا، قال: فلم نلبث إلا يسيرًا حتى رُمي (٢) في جنازته، قال: فحفرنا له وغسَّلناه ودفناه، فأتى رجلٌ بعد فراغِنَا من دفنه، فقال: من هذا؛ فقلنا: هذا خيرُ البشر، هذا ابنُ الحضرميّ، فقال: إن هذه الأرض تلفظُ الموتى، فلو نقلتُموه إلى مِيل أو ميلين، إلى أرض تقبلُ الموتى، فقلنا: ما جزاءُ صاحبِنا أن نُعَرِّضَه للسباع تأكلُه، قال: فاجتمعنا على نبشِه، فلما وصلنا إلى اللحد إذا صاحبُنا ليس فيه، وإذا اللحدُ مدَّ البصر نورٌ يتلألأ، قال: فأعدنا الترابَ إلى اللحد ثم ارتحلنا (٣).

стр. 2940

قال البيهقي (١) ﵀: وقد رُوي عن أبي هريرة في قصة العلاء بن الحضرمي في استسقائه، ومشيهم على الماء، دون قصة الموت، بنحو من هذا. وذكر البخاريّ (٢) في " التاريخ " لهذه القصة إسنادًا آخر. وقد أسندَه ابنُ أبي الدنيا، عن أبي كُريب، عن محمد بن فُضيل، عن الصلت بن مطر العجلي، عن عبد الملك بن سهم، عن سهم بن منجاب، قال: غزونا مع العلاء بن الحضرمي، فذكرَه. وقال في الدعاء: يا عليمُ، يا حليمُ، ويا عليُّ، يا عظيمُ، إنا عبيدُك وفي سبيلك نقاتلُ عدوَّك، اسقنا غَيثًا نشربُ منه ونتوضَّأ، فإذا تركناه فلا تجعل لأحدٍ فيه نصيبًا غيرَنا. وقال في البحر: اجعل لنا سبيلًا إلى عدوِّك. وقال في الموت: اخفِ جثتي ولا تُطلع على عورتي أحدًا، فلم يُقدَر عليه (٣). واللّه أعلم. قصة أخرى: قال البيهقي: أنبأنا أبو الحسين بن بشران، أنبأنا إسماعيل الصفار، حدَّثنا الحسن بن علي بن عثمان، حدَّثنا ابن نُمير، عن الأعمش، عن بعض أصحابه قال: انتهينا إلى دجلةَ وهي مادَّةٌ والأعاجمُ خلفَها، فقال رجلٌ من المسلمين: باسم الله، ثم اقتحمَ بفرسِه فارتفعَ على الماء، فقال الناسِ: باسم الله، ثم اقتحموا فارتفعُوا على الماء، فنظر إليهم الأعاجمُ وقالوا: ديوان ديوان (٤)، ثم ذهبوا على وجوههم. قال: فما فقدَ الناسُ إلا قدحًا كان مُعلّقًا بِعَذبَةِ سَرج، فلما خرجوا أصابوا الغنائمَ فاقتسمُوها، فجعلَ الرجلُ يقول: من يُبادِلُ صفراءَ ببيضاء؟ قصة أخرى: قال البيهقي (٥): أخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلمي، أنبأنا أبو محمد عبد الله بن محمد السمري، حدَّثنا أبو العباس السرَّاج، حدَّثنا الفضل بن سهل وهارون بن عبد الله، قالا: حدَّثنا أبو النضر، حدَّثنا سُليمان بن المغيرة: أن أبا مسلم الخولاني جاءَ إلى دجلةَ، وهي ترمي بالخشب من مَدِّها، فمشى على الماء والتفتَ إلى أصحابه، وقال: هل تفقدون من متاعكم شيئًا فندعو الله ؟ قال البيهقي: هذا إسناد صحيح.

стр. 2941

قلتُ: وستأتي (١) قصة أبي مسلم الخولاني -واسمه عبد الله بن ثُوَب- مع الأسود العنسي حين ألقاه في النار، فكانت عليه بردًا وسلامًا كما كانت على الخليل إبراهيم ﵇. قصة زيد بن خارجة وكلامُه بعدَ الموت وشهادتُه بالرسالة لمحمد ﷺ ، وبالخلافة لأبي بكر الصديق، ثم لعمر، ثم لعثمان ﵃. قال الحافظ أبو بكر البيهقي (٢): أخبرنا أبو صالح بن أبي طاهر العنبري، أنبأنا جدي يحيى بن منصور القاضي، حدَّثنا أبو علي محمد بن عمرو كشمرد، أنبانا القعنبي، حدَّثنا سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب: أن زيدَ بن خارجة الأنصاري، ثم من بني الحارث بن الخزرج تُوفي زمنَ عثمانَ بن عفانَ، فسُجِّي بثوبه، ثم إنهم سمعوا جلجلة في صدره، ثم تكلَّم، ثم قال: أحمدُ أحمدُ في الكتاب الأول، صدقَ صدقَ أبو بكر الصديق الضعيف في نفسه القويّ في أمر الله في الكتاب الأول، صدقَ صدقَ عمرُ بن الخطاب القويُّ الأمينُ في الكتاب الأول، صدقَ صدقَ عثمانُ بن عفان على منهاجهم، مضت أربعٌ وبقيت اثنتان، أتت الفتنُ، وأكلَ الشديدُ الضعيفَ، وقامتِ الشَاعةُ وسيأتيكم عن جيشكم خبر، بئر أريس، وما بئر أريس. قال يحيى: قال سعيد: ثم هلكَ رجلٌ من بني خَطمة، فسُجِّيَ بثوبه، فسُمع جلجلةٌ في صدره، ثم تكلّم، فقال: إن أخا بني الحارث بن الخزرج صدقَ صدقَ. ثم رواه البيهقيُّ، عن الحاكم، عن أبي بكر بن إسحاق، عن موسى بن الحسن (٣)، عن القعنبي، فذكره. وقال: هذا إسناد صحيح، وله شواهد (٤). ثم ساقه من طريق أبي بكر عبد الله بن أبي الدنيا، في كتاب "من عاش بعد الموت": حدَّثنا أبو مسلم عبد الرحمن بن يونس، حدَّثنا عبد الله بن إدريس، عن إسماعيل بن أبي خالد. قال: جاءنا يزيدُ بن النعمان بن بشير إلى حلقة القاسم بن عبد الرحمن، بكتاب أبيه النعمان بن بشير- يعني إلى أمه- بسم الله الرحمن الرحيم، من النعمان بن بشير إلى أم عبد الله بنت أبي هاشم، سلامٌ عليكِ، فإني أحمدُ إليك الله الذي لا إلهَ إلا هو، فإنَّكِ كتبتِ إليَّ لأكتبَ إليكِ بشأن زيد بن خارجة، وأنه كان من

стр. 2942

شأنه أنه أخذَه وجعٌ في حَلقِه، وهو يومئذٍ من أصحِّ الناس (١) - أو أهل المدينة- فتوفي بين صلاة الأولى وصلاة العصر، فأضجعنَاه لظهره وغشّيناه ببردين وكساء. فأتاني آتٍ في مقامي، وأنا أسبِّح بعد المغرب، فقال: إن زيدًا قد تكلَّم بعد وفاته، فانصرفتُ إليه مسرعًا، وقد حضرَه قومٌ من الأنصار، وهو يقولُ أو يُقال على لسانه: الأوسطُ أجلدُ الثلاثه (٢)، الذي كان لا يُبالي في الله لومةَ لائم، كان لا يأمرُ الناسَ أن يأكلَ قويُّهم ضعيفَهم، عبدُ الله أميرُ المؤمنين، صدقَ صدقَ كان ذلك في الكتاب الأول. ثم قال: عثمانُ أميرُ المؤمنين وهو يُعافي الناسَ من ذنوب كثيرة، خَلَتِ اثنتان (٣) وبقيَ أربع، ثم اختلفَ الناسُ وأكلَ بعضُهم بعضًا فلا نظام وأُبيحت الأحماء (٤)، ثم ارعوى المؤمنون وقالوا: كتاب الله وقدره، أيُّها الناس: أقبلوا على أميركم واسمعوا وأطيعوا، فمن تولَّى فلا يعهدَن ذمًّا، وكان أمرُ الله قدرًا مقدورًا، الله أكبر هذه الجنة وهذه النار، ويقول النجيون والصدِّيقون: سلامٌ عليكم. يا عبدَ الله بنَ رواحة، هل أحسست لي خارجة، لأبيه، وسعدًا اللذين قُتلا يومَ أحد؟ ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ [المعارج: ١٥ - ١٨] ثم خفتَ صوتُه، فسألتُ الرَّهطَ عما سبقني من كلامه، فقالوا: سمعناه يقول: أنصتوا أنصتوا، فنظرَ بعضُنا إلى بعض، فإذا الصوتُ من تحتِ الثياب، قال: فكشفنا عن وجههِ فقال: هذا أحمدُ رسولُ الله، سلامٌ عليك يا رسولَ الله ورحمةُ الله وبركاتُه، ثم قال: أبو بكر الصدِّيقُ الأمين، خليفةُ رسول الله، كان ضعيفًا في جسمه، قويًا في أمر الله، صدقَ صدقَ وكان في الكتاب الأول (٥). ثم رواه الحافظ البيهقي عن أبي نصر بن قتادة، عن أبي عمرو بن نجيد، عن علي بن الحسين بن الجنيد، عن المُعَافى بن سُليمان، عن زهير بن معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، فذكر (٦). وقال: هذا إسناد صحيح. وقد روى هشام بن عمَّار في كتاب "البعث" عن الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدَّثني عُمير بن هانئ، حدَّثني النعمان بن بشير، قال: تُوفي رجلٌ منا يقال له: زيدُ بن خارجة فسخينا عليه ثوبًا، فذكرَ نحو ما تقدم.

стр. 2943

قال البيهقي: وروي ذلك عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير، وذكرَ فيها بئرَ أريس، كما ذكرنا في رواية ابن المسيب. قال البيهقي (١): والأمرُ فيها: أن النبىِّ ﷺ اتخذَ خاتمًا فكان في يده، ثم كان في يد أبي بكر من بعده، ثم كان في يد عمر، ثم كان في يدِ عثمان حتى وقعَ منه في بئر أريس بعدما مضى من خلافته ست سنين، فعند ذلك تغثرت عمّاله، وظهرت أسبابُ الفتن، كما قيل على لسان زيد بن خارجة. قلت: وهي المرادة من قوله: مضت اثنتان وبقي أربع، أو مضت أربع وبقي اثنتان، على اختلاف الرواية، واللّه أعلم. وقد قال البخارى (٢) في "التاريخ": زيدُ بن خارجة الخزرجي الأنصاري شهِدَ بدرًا، تُوفي زمنَ عثمان، وهو الذي تكلَّم بعد الموت. قال البيهقي (٣): وقد روي في التكلُّم بعد الموت، عن جماعة بأسانيد صحيحة، واللّه أعلم. قال ابن أبي الدنيا: حدَّثنا خلف بن هشام البرار، حدَّثنا خالد الطحان، عن حصين، عن عبد الله بن عُبيد الأنصاري: أن رجلًا من بني (٤) سلمة تكلَّم فقال: محمدٌ رسولُ الله، أبو بكر الصدّيق، عثمان اللّين الرحيم، قال: ولا أدري إيش قال في عمر (٥). كذا رواه ابن أبي الدنيا في كتابه (٦). وقد قال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، حدَّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدَّثنا يحيى بن أبي طالب، أخبرنا علي بن عاصم، أخبرنا حُصَينُ بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عُبيد الأنصاري، قال: بينما هم يُثوِّرون (٧) القتلى يوم صفين أو يوم الجمل، إذ تكلَّم رجلٌ من الأنصار من القتلى، فقال: محمدٌ رسولُ الله، أبو بكرٍ الصدِّيق، عمرُ الشهيد، عثمان الرحيم، ثم سكت (٨).

стр. 2944

وقال هشامُ بن عمَّار في كتاب "البعث": باب في كلام الأموات وعجائبهم حدَّثنا الحكم بن هشام الثقفي، حدَّثنا عبد الحكم بن عُمير، عن رِبعي بن حِرَاش (١) العبسي قال: مرض أخي: الربيع بن حِرَاش، فمرَّضتُه ثم ماتَ فذهبنا نُجَهّزه، فلما جئنا رفعَ الثوبَ عن وجهه ثم قال: السلام عليكم، قلنا: وعليكَ السلام، قَد مِتَّ، قال: بلى، ولكن لقيتُ بعدَكم ربي ولقيني بروحِ ورَيحان وربّ غير غضبان، ثم كساني ثيابًا من سُندسٍ أخضر، وإني سألتهُ أن يأذنَ لي أن أبشِّركم فأذن لي، وإن الأمرَ كما ترون، فسدَّدوا وقاربُوا، وبشِّروا ولا تُنفِّروا، فلما قالها كانت كحصاة وقعت في ماء. ثم أورده بأسانيد كثيرة في هذا الباب، وهي آخر كتابه. حديث غريب جدًا قال البيهقي: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، حدَّثنا أحمد بن عُبيد الصَّفَّار، حدَّثنا محمد بن يُونس الكُدَيميُّ، حدَّثنا شاصُونة (٢) بن عُبيد أبو محمد اليَمَاني- وانصَرَفنا من عدن بقرية يقال لها الحَردَة- حدَّثني مُعَرِّضُ بن عبد الله بن مُعَرِّض بن مُعيقيب اليمامي، عن أبيه، عن جده قال: حَجَجتُ حَجَّة الوداع فدخلتُ دارًا بمكةَ فرأيتُ فيها رسولَ الله ﷺ ووجهُه مثلُ دَارةِ القمر، وسمعتُ منه عجبًا، جاءه رجلٌ بغلامٍ يومَ وُلد، فقال له رسول الله ﷺ : " مَن أنا؟ " قال: أنت رسولُ الله، قال: "صدقت، بارك الله فيك" ثم قال: إن الغلامَ لم يتكلَّم بعد ذلك حتى شبَّ، قال أبي: فكنا نُسَمِّيه مُبارك اليمامة، قال شَاصُونةُ: وقد كنتُ أمرُّ على مَعمَرٍ فلا أسمعُ منه (٣).

стр. 2945

قلت: هذا الحديث مما تكلَّم الناسُ في محمد بن يُونس الكُدَيمي بسببه وأنكروه عليه، واستغربوا شيخه هذا، وليس هذا مما يُنكر عقلًا ولا شرعًا، فقد ثبتَ في الصحيح (١) في قصة جُرَيج العابد أنه استنطقَ ابنَ تلك البغيّ، فقال له: يا أبا يونس، ابن من أنت؟ قال: ابنُ الراعي، فعلمَ بنو إسرائيل براءة عرض جريج مما كان نسب إليه. وقد تقدم ذلك. على أنه قد رُوي هذا الحديث من غير طريق الكُدَيمي، إلا أنه بإسناد غريب أيضًا. قال البيهقي: أخبرنا أبو سعد عبد الملك بن أبي عثمانَ الزاهدُ، أنبأنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن جميع الغساني- بثغر صيدا- حدَّثنا العباس بن محبوب بن عثمان بن عبيد أبو الفضل، حدَّثنا أبي، حدَّثنا جدي شاصُونة بن عُبيد، حدَّثني مُعرَّض بن عبد الله بن مُعرَّض بن مُعيقيب، عن أبيه، عن جده. قال: حججتُ حجّةَ الوَداع فدخلتُ دارًا بمكةَ فرأيتُ فيها رسولَ الله ﷺ وجهه كدارة القمر، فسمعتُ منه عجبًا، أتاه رجلٌ من أهل اليمامة بغلام يوم وُلد، وقد لفَّه في خِرقةٍ، فقال له رسول الله ﷺ : "يا غلام، من أنا؟ " قال: أنتَ رسولُ الله، فقال له: "باركَ الله فيك" ثم إن الغلامَ لم يتكلَّم بعدَها. قال البيهقي (٢): وقد ذكرَه شيخُنا أبو عبد الله الحافظ، عن أبي الحسن علي بن العباس الورَّاق، عن أبي الفضل أحمد بن خَلَف بن محمد المقري القزويني، عن أبي الفضل العباس بن محمد بن شَاصُونة، به. قال الحاكم: وقد أخبرني الثقة من أصحابنا، عن أبي عمر الزاهد، قال: لما دخلتُ اليمنَ دخلتُ حَردَة، فسألتُ عن هذا الحديث فوجدتُ فيها لشاصُونة عَقبًا، وحُملتُ إلى قبره فزرتُه (٣). قال البيهقي (٤): ولهذا الحديث أصل من حديث الكوفيين بإسناد مرسل يُخالفه في وقت الكلام. ثم أوردَ من حديث وكيع، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن بعض أشياخه: أن النبيَّ ﷺ أُتي بصبي قد شبَّ لم يتكلَّم قط، قال: " من أنا؟ " قال: أنت رسولُ الله (٥).
следующие страницы →