← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

قلتُ: وستأتي (١) قصة أبي مسلم الخولاني -واسمه عبد الله بن ثُوَب- مع الأسود العنسي حين ألقاه في النار، فكانت عليه بردًا وسلامًا كما كانت على الخليل إبراهيم ﵇. قصة زيد بن خارجة وكلامُه بعدَ الموت وشهادتُه بالرسالة لمحمد ﷺ ، وبالخلافة لأبي بكر الصديق، ثم لعمر، ثم لعثمان ﵃. قال الحافظ أبو بكر البيهقي (٢): أخبرنا أبو صالح بن أبي طاهر العنبري، أنبأنا جدي يحيى بن منصور القاضي، حدَّثنا أبو علي محمد بن عمرو كشمرد، أنبانا القعنبي، حدَّثنا سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب: أن زيدَ بن خارجة الأنصاري، ثم من بني الحارث بن الخزرج تُوفي زمنَ عثمانَ بن عفانَ، فسُجِّي بثوبه، ثم إنهم سمعوا جلجلة في صدره، ثم تكلَّم، ثم قال: أحمدُ أحمدُ في الكتاب الأول، صدقَ صدقَ أبو بكر الصديق الضعيف في نفسه القويّ في أمر الله في الكتاب الأول، صدقَ صدقَ عمرُ بن الخطاب القويُّ الأمينُ في الكتاب الأول، صدقَ صدقَ عثمانُ بن عفان على منهاجهم، مضت أربعٌ وبقيت اثنتان، أتت الفتنُ، وأكلَ الشديدُ الضعيفَ، وقامتِ الشَاعةُ وسيأتيكم عن جيشكم خبر، بئر أريس، وما بئر أريس. قال يحيى: قال سعيد: ثم هلكَ رجلٌ من بني خَطمة، فسُجِّيَ بثوبه، فسُمع جلجلةٌ في صدره، ثم تكلّم، فقال: إن أخا بني الحارث بن الخزرج صدقَ صدقَ. ثم رواه البيهقيُّ، عن الحاكم، عن أبي بكر بن إسحاق، عن موسى بن الحسن (٣)، عن القعنبي، فذكره. وقال: هذا إسناد صحيح، وله شواهد (٤). ثم ساقه من طريق أبي بكر عبد الله بن أبي الدنيا، في كتاب "من عاش بعد الموت": حدَّثنا أبو مسلم عبد الرحمن بن يونس، حدَّثنا عبد الله بن إدريس، عن إسماعيل بن أبي خالد. قال: جاءنا يزيدُ بن النعمان بن بشير إلى حلقة القاسم بن عبد الرحمن، بكتاب أبيه النعمان بن بشير- يعني إلى أمه- بسم الله الرحمن الرحيم، من النعمان بن بشير إلى أم عبد الله بنت أبي هاشم، سلامٌ عليكِ، فإني أحمدُ إليك الله الذي لا إلهَ إلا هو، فإنَّكِ كتبتِ إليَّ لأكتبَ إليكِ بشأن زيد بن خارجة، وأنه كان من

стр. 2942

شأنه أنه أخذَه وجعٌ في حَلقِه، وهو يومئذٍ من أصحِّ الناس (١) - أو أهل المدينة- فتوفي بين صلاة الأولى وصلاة العصر، فأضجعنَاه لظهره وغشّيناه ببردين وكساء. فأتاني آتٍ في مقامي، وأنا أسبِّح بعد المغرب، فقال: إن زيدًا قد تكلَّم بعد وفاته، فانصرفتُ إليه مسرعًا، وقد حضرَه قومٌ من الأنصار، وهو يقولُ أو يُقال على لسانه: الأوسطُ أجلدُ الثلاثه (٢)، الذي كان لا يُبالي في الله لومةَ لائم، كان لا يأمرُ الناسَ أن يأكلَ قويُّهم ضعيفَهم، عبدُ الله أميرُ المؤمنين، صدقَ صدقَ كان ذلك في الكتاب الأول. ثم قال: عثمانُ أميرُ المؤمنين وهو يُعافي الناسَ من ذنوب كثيرة، خَلَتِ اثنتان (٣) وبقيَ أربع، ثم اختلفَ الناسُ وأكلَ بعضُهم بعضًا فلا نظام وأُبيحت الأحماء (٤)، ثم ارعوى المؤمنون وقالوا: كتاب الله وقدره، أيُّها الناس: أقبلوا على أميركم واسمعوا وأطيعوا، فمن تولَّى فلا يعهدَن ذمًّا، وكان أمرُ الله قدرًا مقدورًا، الله أكبر هذه الجنة وهذه النار، ويقول النجيون والصدِّيقون: سلامٌ عليكم. يا عبدَ الله بنَ رواحة، هل أحسست لي خارجة، لأبيه، وسعدًا اللذين قُتلا يومَ أحد؟ ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ [المعارج: ١٥ - ١٨] ثم خفتَ صوتُه، فسألتُ الرَّهطَ عما سبقني من كلامه، فقالوا: سمعناه يقول: أنصتوا أنصتوا، فنظرَ بعضُنا إلى بعض، فإذا الصوتُ من تحتِ الثياب، قال: فكشفنا عن وجههِ فقال: هذا أحمدُ رسولُ الله، سلامٌ عليك يا رسولَ الله ورحمةُ الله وبركاتُه، ثم قال: أبو بكر الصدِّيقُ الأمين، خليفةُ رسول الله، كان ضعيفًا في جسمه، قويًا في أمر الله، صدقَ صدقَ وكان في الكتاب الأول (٥). ثم رواه الحافظ البيهقي عن أبي نصر بن قتادة، عن أبي عمرو بن نجيد، عن علي بن الحسين بن الجنيد، عن المُعَافى بن سُليمان، عن زهير بن معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، فذكر (٦). وقال: هذا إسناد صحيح. وقد روى هشام بن عمَّار في كتاب "البعث" عن الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدَّثني عُمير بن هانئ، حدَّثني النعمان بن بشير، قال: تُوفي رجلٌ منا يقال له: زيدُ بن خارجة فسخينا عليه ثوبًا، فذكرَ نحو ما تقدم.

стр. 2943

قال البيهقي: وروي ذلك عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير، وذكرَ فيها بئرَ أريس، كما ذكرنا في رواية ابن المسيب. قال البيهقي (١): والأمرُ فيها: أن النبىِّ ﷺ اتخذَ خاتمًا فكان في يده، ثم كان في يد أبي بكر من بعده، ثم كان في يد عمر، ثم كان في يدِ عثمان حتى وقعَ منه في بئر أريس بعدما مضى من خلافته ست سنين، فعند ذلك تغثرت عمّاله، وظهرت أسبابُ الفتن، كما قيل على لسان زيد بن خارجة. قلت: وهي المرادة من قوله: مضت اثنتان وبقي أربع، أو مضت أربع وبقي اثنتان، على اختلاف الرواية، واللّه أعلم. وقد قال البخارى (٢) في "التاريخ": زيدُ بن خارجة الخزرجي الأنصاري شهِدَ بدرًا، تُوفي زمنَ عثمان، وهو الذي تكلَّم بعد الموت. قال البيهقي (٣): وقد روي في التكلُّم بعد الموت، عن جماعة بأسانيد صحيحة، واللّه أعلم. قال ابن أبي الدنيا: حدَّثنا خلف بن هشام البرار، حدَّثنا خالد الطحان، عن حصين، عن عبد الله بن عُبيد الأنصاري: أن رجلًا من بني (٤) سلمة تكلَّم فقال: محمدٌ رسولُ الله، أبو بكر الصدّيق، عثمان اللّين الرحيم، قال: ولا أدري إيش قال في عمر (٥). كذا رواه ابن أبي الدنيا في كتابه (٦). وقد قال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، حدَّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدَّثنا يحيى بن أبي طالب، أخبرنا علي بن عاصم، أخبرنا حُصَينُ بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عُبيد الأنصاري، قال: بينما هم يُثوِّرون (٧) القتلى يوم صفين أو يوم الجمل، إذ تكلَّم رجلٌ من الأنصار من القتلى، فقال: محمدٌ رسولُ الله، أبو بكرٍ الصدِّيق، عمرُ الشهيد، عثمان الرحيم، ثم سكت (٨).

стр. 2944

وقال هشامُ بن عمَّار في كتاب "البعث": باب في كلام الأموات وعجائبهم حدَّثنا الحكم بن هشام الثقفي، حدَّثنا عبد الحكم بن عُمير، عن رِبعي بن حِرَاش (١) العبسي قال: مرض أخي: الربيع بن حِرَاش، فمرَّضتُه ثم ماتَ فذهبنا نُجَهّزه، فلما جئنا رفعَ الثوبَ عن وجهه ثم قال: السلام عليكم، قلنا: وعليكَ السلام، قَد مِتَّ، قال: بلى، ولكن لقيتُ بعدَكم ربي ولقيني بروحِ ورَيحان وربّ غير غضبان، ثم كساني ثيابًا من سُندسٍ أخضر، وإني سألتهُ أن يأذنَ لي أن أبشِّركم فأذن لي، وإن الأمرَ كما ترون، فسدَّدوا وقاربُوا، وبشِّروا ولا تُنفِّروا، فلما قالها كانت كحصاة وقعت في ماء. ثم أورده بأسانيد كثيرة في هذا الباب، وهي آخر كتابه. حديث غريب جدًا قال البيهقي: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، حدَّثنا أحمد بن عُبيد الصَّفَّار، حدَّثنا محمد بن يُونس الكُدَيميُّ، حدَّثنا شاصُونة (٢) بن عُبيد أبو محمد اليَمَاني- وانصَرَفنا من عدن بقرية يقال لها الحَردَة- حدَّثني مُعَرِّضُ بن عبد الله بن مُعَرِّض بن مُعيقيب اليمامي، عن أبيه، عن جده قال: حَجَجتُ حَجَّة الوداع فدخلتُ دارًا بمكةَ فرأيتُ فيها رسولَ الله ﷺ ووجهُه مثلُ دَارةِ القمر، وسمعتُ منه عجبًا، جاءه رجلٌ بغلامٍ يومَ وُلد، فقال له رسول الله ﷺ : " مَن أنا؟ " قال: أنت رسولُ الله، قال: "صدقت، بارك الله فيك" ثم قال: إن الغلامَ لم يتكلَّم بعد ذلك حتى شبَّ، قال أبي: فكنا نُسَمِّيه مُبارك اليمامة، قال شَاصُونةُ: وقد كنتُ أمرُّ على مَعمَرٍ فلا أسمعُ منه (٣).

стр. 2945

قلت: هذا الحديث مما تكلَّم الناسُ في محمد بن يُونس الكُدَيمي بسببه وأنكروه عليه، واستغربوا شيخه هذا، وليس هذا مما يُنكر عقلًا ولا شرعًا، فقد ثبتَ في الصحيح (١) في قصة جُرَيج العابد أنه استنطقَ ابنَ تلك البغيّ، فقال له: يا أبا يونس، ابن من أنت؟ قال: ابنُ الراعي، فعلمَ بنو إسرائيل براءة عرض جريج مما كان نسب إليه. وقد تقدم ذلك. على أنه قد رُوي هذا الحديث من غير طريق الكُدَيمي، إلا أنه بإسناد غريب أيضًا. قال البيهقي: أخبرنا أبو سعد عبد الملك بن أبي عثمانَ الزاهدُ، أنبأنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن جميع الغساني- بثغر صيدا- حدَّثنا العباس بن محبوب بن عثمان بن عبيد أبو الفضل، حدَّثنا أبي، حدَّثنا جدي شاصُونة بن عُبيد، حدَّثني مُعرَّض بن عبد الله بن مُعرَّض بن مُعيقيب، عن أبيه، عن جده. قال: حججتُ حجّةَ الوَداع فدخلتُ دارًا بمكةَ فرأيتُ فيها رسولَ الله ﷺ وجهه كدارة القمر، فسمعتُ منه عجبًا، أتاه رجلٌ من أهل اليمامة بغلام يوم وُلد، وقد لفَّه في خِرقةٍ، فقال له رسول الله ﷺ : "يا غلام، من أنا؟ " قال: أنتَ رسولُ الله، فقال له: "باركَ الله فيك" ثم إن الغلامَ لم يتكلَّم بعدَها. قال البيهقي (٢): وقد ذكرَه شيخُنا أبو عبد الله الحافظ، عن أبي الحسن علي بن العباس الورَّاق، عن أبي الفضل أحمد بن خَلَف بن محمد المقري القزويني، عن أبي الفضل العباس بن محمد بن شَاصُونة، به. قال الحاكم: وقد أخبرني الثقة من أصحابنا، عن أبي عمر الزاهد، قال: لما دخلتُ اليمنَ دخلتُ حَردَة، فسألتُ عن هذا الحديث فوجدتُ فيها لشاصُونة عَقبًا، وحُملتُ إلى قبره فزرتُه (٣). قال البيهقي (٤): ولهذا الحديث أصل من حديث الكوفيين بإسناد مرسل يُخالفه في وقت الكلام. ثم أوردَ من حديث وكيع، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن بعض أشياخه: أن النبيَّ ﷺ أُتي بصبي قد شبَّ لم يتكلَّم قط، قال: " من أنا؟ " قال: أنت رسولُ الله (٥).

стр. 2946

ثم روى عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بُكير، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن بعض أشياخه، قال: جاءت امرأو بابن لها قد تحرَّك فقالت: يارسولَ الله، إن ابني هذا لم يتكلَّم منذ وُلد، فقال رسول الله ﷺ : "أدنيه مني " فأدنته منه، فقال: " من أنا؟ " فقال: أنتَ رسولُ الله. قصة الصبي الذي كان يُصرع فدعا له ﵊ فبرأ قد تقدَّم ذلك من رواية أسامة بن زيد، وجابر بن عبد الله، ويعلى بن مرة الثقفي، مع قصة الجمل … الحديث بطوله. وقال الإمام أحمد (١): حدَّثنا يزيد، حدَّثنا حماد بن سلمة، عن فَرقَد السَّبخي، عن سعيد بن جبير عن ابن عباسٍ: أن امرأةً جاءت بولدها إلى رسول اللّه ﷺ ، فقال: يا رسول الله إن به لَمَمًا (٢) وإنه يأخذُه عند طعامِنا فيفسدُ علينا طعامَنا، قال: فَمسحَ رسولُ الله ﷺ صدرَه ودعا له فثَعَّ ثَعَّه (٣)، فخرجَ منه مِثلُ الجرو الأسود يَسعى (٤)، تفرد به أحمد. وفرقد السَّبخِي رجلٌ صالح، ولكنه سيِّئ الحفظ، وقد روى عنه شعبة وغيرُ واحد، واحتُمِل حديثُه (٥)، ولما رواه هاهنا شاهد مما تقدم، واللّه أعلم. وقد تكون هذه القصة هي ما سبقَ إيرادُها، ويُحتمل أن تكونَ أخرى غيرها، واللّه أعلم. حديث آخر في ذلك: قال أبو بكر البزار: حدَّثنا محمد بن مرزوق، حَدَّثنا مُسلم بن إبراهيم، حدَّثنا صدقة- يعني ابن موسى- حدَّثنا فرقد- يعني السبخي- عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان النبيُّ ﷺ بمكّةَ فجاءته امرأةٌ من الأنصار، فقالت: يا رسولَ الله إن هذا الخبيثَ قد غلَبني، فقال لها: " إِن تَصبِري على ما أنتِ عليه تجيئينَ يوم القيامة ليس عليك ذنوبٌ ولا حسابٌ ". قالت: والذي

стр. 2947

بعثكَ بالحق لأصبرنَ حتى ألقى الله، قالت: إني أخافُ الخبيثَ أن يجرِّدَني، فدعا لها، فكانت إذا خشيت أن يأتيَها تأتي أستارَ الكعبة فتعلق بها، وتقول له: اخسأ، فيذهبُ عنها (١). قال البزار: لا نعلمُه يُروى بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه، وصدقةُ ليس به بأس، وفرقدٌ حدَّثَ عنه جماعةٌ من أهل العلم، منهم شُعبة وغيرُه، واحتُمِلَ حديثُه على سوء حفظه فيه. طريق أخرى عن ابن عباس: قال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا يحيى بن سعيد، عن عمران بن مسلم أبي بكر، حدَّثنا عطاء بن أبي رباح، قال: قال لي ابنُ عباس: ألا أُريك امرأةً من أهلِ الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه السوداءُ أتت رسولَ الله ﷺ فقالت: إني أُصرع وأنكشفُ، فادعُ الله لي، قال: "إن شئتِ صبرتِ ولك الجنة، وإن شئت دعوتُ الله لك أن يعافيَك " قالت: لا بل أصبرُ فادعُ الله ألا أنكشفَ ولا ينكشف عني، فقال: فدعا لها. وهكذا رواه البخاريُّ (٣) عن مُسدّد عن يحيى- وهو ابن سعيد القطان- وأخرجه مسلم (٤) عن القواريري، عن يحيى القطان، وبشر بن الفضل، كلاهما عن عمران بن مسلم أبي بكر الفقيه البصري، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، فذكر مثله ثم قال البخاريُّ: حدَّثنا محمد، حدَّثنا مخلد، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاءٌ؛ أنه رأى أمَّ زُفَر تلك امرأةٌ طويلةٌ سوداء على ستر الكعبة. وقد ذكر الحافظ ابن الأثير في " الغابة " (٥) أن أمِّ زفر هذه كانت مَشَاطةَ خديجة بنت خُويلد قديمًا، وأنها عُمَرتْ حتى أدركَها عطاءُ بن أبي رباح، فاللّه أعلم. حديث آخر: قال البيهقي: أخبرنا علي بن أحمد بن عَبدان، أخبرنا أحمد بن عُبيد، حدَّثنا محمد بن يونس، حدَّثنا قُرة بن حبيب القَنوي، حدَّثنا إياس بن أبي تميمة، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: جاءت الحمَّى إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسولَ الله ابعثني إلى أحبِّ قومِك إليكَ- أو أحث أصحابك إليك- شك قرَّةُ، فقال: " اذهبي إلى الأنصار " فذهبت إليهم فصرعتهم، فجاؤوا إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسولَ الله قد أتت الحمّى علينا، فادعُ الله لنا بالشفاء، فدعَا لهم، فكُشِفَت عنهم، قال: فاتبَعتْهُ امرأةٌ فقالت: يا رسولَ الله، ادعُ الله لي، فإني من الأنصار (وإن أبي لمن

стр. 2948

الأنصار)، فادع الله كما دعوت لهم، فقال: " أيُّهما أحبُّ إليك أن أدعوَ لك فيكشفَ عنك، أو تصبرينَ وتجبُ لك الجنة؟ " فقالت: لا واللّه يا رسولَ الله بل أصبرُ ثلاثًا ولا أجعلُ واللّه لجنته خطرًا (١). محمد بن يونس الكديمي ضعيف. وقد قال البيهقي: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنبأنا أحمد بن عبيد الصَّفار، حدَّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدَّثنا أبي، حدَّثنا هشام بن لاحق -سنة خمس وثمانين ومئة- حدَّثنا عاصم الأحول، عن أبي عثمان النَّهدي، عن سلمان الفارسي، قال: استأذنتِ الحمَّى على رسول الله ﷺ فقال: " من أنتِ؟ " قالت: أنا الحمَّى، أبري اللحم، وأمصُّ الدَّمَ، قال: " اذهبي إلى أهل قباء " فأتتهم، فجاؤوا إلى رسول الله ﷺ وقد اصفرَّت وجوهُهم، فشكوا إليه الحمّى، فقال لهم: " ما شئتم؟ إن شئتم دعوتُ الله فيكشف عنكم، وإن شئتم تركتمُوها فأسقطت ذنوبَكم " قالوا: بل ندعُها يا رسولَ الله (٢). وهذا الحديث ليس هو في مسند الإمام أحمد، ولم يروه أحدٌ من أصحابِ الكتب الستة. وقد ذكرنا في أول الهجرة دعاءَه ﵊ لأهل المدينة أن يُذهِبَ حُمَّاها إلى الجُحفة، فاستجابَ الله له ذلك، فإن المدينةَ كانت من أوبأ أرضِ الله، فصحَّحَها الله ببركة حلوله بها، ودعائِه لأهلها، صلواتُ الله وسلامه عليه. حديث آخر في ذلك: قال الإمام أحمد: حدَّثنا روح، حدَّثنا شعبة، عن أبي جعفر المديني، سمعتُ عُمارةَ بن خزيمة بن ثابت يُحدِّث عن عثمان بن حنيف: أن رجلًا ضريرًا أتى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله، ادعُ الله أن يُعافيني، فقال: " إن شئتَ أخَّرتُ ذلك فهو أفضلُ لآخرتِكَ، وإن شئتَ دعوتُ لك " قال: لا، بل ادعُ الله لي، قال: فأمرَه رسولُ الله ﷺ أن يتوضأ ويُصلِّي ركعتين وأن يدعوَ بهذا الدعاء: " اللهم إني أسألُك وأتوجّه إليك بنبيك محمد نبيِّ الرحمة، يا محمد، إني أتوجّه بك إلى ربي في حاجتي هذه فتُقضى وتشفعني فيه وتشفعه فيَّ" قال: فكان يقولُ مِرارًا. ثم قال بعدُ: أحسبُ أن فيها أن " تشفعني فيه " قال: ففعل الرجل فَبَرأ. وقد رواه أحمد (٣) أيضًا، عن عثمان بن عمر، عن شعبة، به. وقال: " اللهم شفعه فيَّ " ولم يقل الأخرى، وكأنها غلط من الراوي، واللّه أعلم.

стр. 2949

وهكذا رواه الترمذي (١) والنسائي (٢)، عن محمود بن غيلان، وابن ماجه (٣) عن أحمد بن منصور بن سَيَّار، كلاهما، عن عثمان بن عُمر، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي جعفر الخطمي. ثم رواه أحمد (٤) أيضًا، عن مؤمل بن حماد بن سلمة، عن أبي جعفر الخطمي، عن عمارة بن خزيمة، عن عثمان بن حنيف، فذكر الحديث. وهكذا رواه النسائي (٥)، عن محمد بن معمر، عن حبان، عن حماد بن سلمة به. ثم رواه النسائي (٦) عن زكريا بن يحيى عن محمد بن المثنى، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن أبي جعفر، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن عمَّه عثمان بن حنيف. وهذه الرواية تخالف ما تقدم، ولعله عند أبي جعفر الخطمي من الوجهين، واللّه أعلم. وقد روى البيهقي والحاكم، من حديث يعقوب بن سفيان، عن أحمد بن شبيب بن سعيد الحَبَطي، عن أبيه، عن رَوح بن القاسم، عن أبي جعفر المديني، عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف، عن عمه عثمان بن حنيف، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ وجاءه رجل ضرير، فشكا إليه ذهابَ بصره، فقال: يا رسول الله ليس لي قائدٌ وقد شقَّ عليَّ، فقال رسولُ الله ﷺ : "ائتِ المِيْضَأةَ فتوضَّأ ثم صل ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألُك وأتوتجَه إليك بنبيك محمد نبيّ الرحمة، يا محمّدُ إني أتوجَّهُ بك إلى ربّي فتجلي لي بصري، اللهم فشفّعه فيَّ وشفعني في نفسي ". قال عثمان: فواللّه ما تفرَّقنا، ولا طالَ الحديثُ بنا حتى دخلَ الرجلُ كأنّه لم يكن به ضُرٌّ قط (٧). قال البيهقي: ورواه أيضًا هشام الدستوائي، عن أبي جعفر، عن أبي أُمامة بن سهل، عن عمِّه عثمان بن حنيف. حديث آخر: قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدَّثنا محمد بن بشر، حدَّثنا عبد العزيز بن عمر، حدَّثني

стр. 2950

رجلٌ من بني سلَامَان بن سعد، عن أبيه عن أمه، عن خالِه -أو أن خالَه أو خالَها- حبيب بن فويك حدَّثها: أن أباه خرجَ إلى رسول الله ﷺ وعينَاه مُبيضَّتان، لا يُبصر بهما شيئًا أصلًا، فسأله: " ما أصابَك؟ " فقالت: كنت أُمرئ (١) جملًا لي فوقعت رجلي على بيض حيّة فأُصبتُ ببصري، قالَ: فنفثَ رسولُ الله ﷺ في عينيه فأبصرَ، فرأيتُه وإنه ليُدخِلُ الخيطَ في الإبرة، وإنه لابن ثمانين سنة، وإن عينيه لمبيضتان (٢). قال البيهقي: كذا في كتابه. وغيره يقول: حبيب بن مدرك (٣). قال: وقد مضى في هذا المعنى حديث قتادة بن النعمان أنه أصيبت عينه فسالت حدقته، فردها رسول الله إلى موضعها، فكان لا يدري أيهما أصيبت (٤). قلت: وقد تقدم ذلك في غزوة أحد. وقد ذكرنا في مقتل أبي رافع مسحَه بيده الكريمة على رجلِ عبد الله بن عتيك- وقد انكسرَ ساقُه- فبَرأ من ساعته. وذكر البيهقي بإسناده: أنه ﷺ مسح يد محمد بن حاطب- وقد احترقت يده بالنار- فبرأ من ساعته (٥) وأنه ﵊ نَفَثَ في كف شُرَحبيل (٦) الجُعفِيِّ، فذهبت من كفِّه سلعَة كانت به. قلت: وتقدَّم في غزوة خيبر تفلُه في عيني على وهو أرمد فبرأ. وروى الترمذي (٧) عن عليٍّ حديثه في تعليمه ﵇ ذلك الدعاء لحفظ القرآن فحفظه. وفي الصحيح (٨) أنه قال لأبي هريرة وجماعة: " مَن يَبسطُ رداءَه اليوم فإنه لا ينسى شيئًا من مقالتي "، قال: فبسطته فلم أنس شيئًا من مقالته تلك، فقيل: كان ذلك حفظًا من أبي هريرة لكل ما سمعه منه في ذلك اليوم، وقيل: وفي غيره، فالله أعلم.

стр. 2951

ودعا لسعد بن أبي وقاص (١) فبرأ. وروى البيهقي (٢)؛ أنه دعا لعمه أبي طالب في مرضةٍ مرضها، وطلب من رسول الله ﷺ أن يدعوَ له ربَّه، فدعا له فبرأ من ساعته. والأحاديث في هذا كثيرة جدًا يطول استقصاؤها. وقد أورد البيهقيُ من هذا النوع كثيرًا طيِّبًا أشرنا إلى أطراف منه، وتركنا أحاديث ضعيفة الإسناد، واكتفينا بما أوردنا عما تركنا، وباللّه المستعان. حديث آخر: ثبت في الصحيحين (٣) من حديث زكريا بن أبي زائدة، زاد مسلم: والمغيرة، كلاهما عن شراحيل الشعبي، عن جابر بن عبد الله: أنه كان يسيرُ على جمل قد أعيا، فأراد أن يُسَيِّبَه، قال: فلحقني رسولُ الله ﷺ فضربَه ودعا لي، فسارَ سيرًا لم يسر مثلَه. وفي رواية: فما زال بين يدي الإبل قدَّامَها حتى كنتُ أحبسُ خِطامَه فلا أقدرُ عليه، فقال: " كيف ترى جملك؟ " فقلت: قد أصابتهُ بركتُك يا رسولَ الله، ثم ذكرَ أن رسولَ الله ﷺ اشتراه منه. واختلفَ الرواة في مِقدارِ ثمنِه على روايات كثيرة، وأنه استثنى حِملانَه إلى المدينة، ثم لما قدِمَ المدينةَ جاءَه بالجمل فنقدَه ثمنَه وزادَه، ثم أطلقَ له الجملَ أيضًا، الحديث بطوله. حديث آخر: روى البيهقي واللفظ له، وهو في صحيح البخاري (٤)، من حديث حسن بن محمد المروزي، عن جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين، عن أنس بن مالك، قال: فَزِعَ الناسُ فركبَ رسولُ الله ﷺ فرسًا لأبي طلحة بطيئًا، ثم خرجَ يركضُ وحده، فركبَ الناسُ يركضون خلفَ رسول الله ﷺ فقال: "لن تُراعوا إنه لبحرٌ " قال: فوالله ما سُبق بعدَ ذلك اليوم. حديث آخر: قال البيهقي (٥) أخبرنا أبو بكر القاضي، أنبأنا حامد بن محمد الهروي، حدَّثنا علي بن

стр. 2952

عبد العزيز، حدَّثنا محمد بن عبد الله الرقاشي، حدَّثنا رافع بن سلمة بن زياد، حدَّثني عبد الله بن أبي الجعد (الأشجعي)، عن جُعَيل الأشجعي، قال: غزوتُ مع رسول الله ﷺ في بعض غزواته، وأنا على فرسٍ لي عَجفَاءَ ضعيفة، قال: فكنتُ في أخريات الناس، فلحقني رسولُ الله ﷺ وقال: " سر يا صاحبَ الفرس " فقلت: يا رسولَ الله عَجفَاء ضَعيفة، قال: فرفعَ رسول الله ﷺ مِخفَقَةً (١) معه فضربَها بها وقال: " اللهم بارك له " قال: فلقد رأيتني أمسكُ برأسِها أن تقدَمَ الناسَ، ولقد بعتُ من بطنها باثني عشر ألفًا. ورواه النسائي (٢) عن محمد بن رافع، عن محمد بن عبد الله الرقاشي، فذكره. وهكذا رواه أبو بكر بن أبي خيثمة، عن عبيد بن يعيش، عن زيد بن الخُباب، عن رافع بن سلمة الأشجعي، فذكره. وقال البخاري في " التاريخ " (٣): وقال رافع بن زياد بن الجعد بن أبي الجعد: حدَّثني أبي، عن عبد الله بن أبي الجعد أخي سالم، عن جُعيل، فذكره. حديث آخر: قال البيهقي (٤): أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد، أنبأنا أبو سهل بن زياد القطان، حدَّثنا محمد بن شاذان الجوهري، حدَّثنا زكريا بن عدي، حدَّثنا مروان بن معاوية، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: جاءَ رجلٌ إلى النبىِّ ﷺ فقال: إني تزوّجتُ امرأةً، فقال: " هلا نظرتَ إليها فإن في أعين الأنصار شيئًا؟ " قال: قد نظرتُ إليها، قال: " على كم تزوجتَها؟ " فذكر شيئًا قال: " كأنَهم يَنحِتُون الذهبَ والفضةَ من عُرضِ هذه الجبال، ما عندنا اليومَ شيءٌ نعطيكَه، ولكن سأبعثُك في وجه تُصيب فيه " فبعثَ بَعثًا إلى بني عبس وبعثَ الرجلَ فيهم، فأتاه، فقال: يا رسول الله، أعيَتني ناقتي أن تنبعثَ، قال: فناوله رسولُ الله ﷺ يدَه كالمعتمد عليه للقيام، فأتاها فضربَها برجله. قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لقد رأيتُها تسبقُ به القائدَ. رواه مسلم (٥) في الصحيح عن يحيى بن معين عن مروان.

стр. 2953

حديث آخر: قال البيهقي (١): أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المُزَكِّي، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدَّثنا أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب، أخبرنا أبو جعفر بن عون، أخبرنا الأعمش، عن مجاهد: إن رجلًا اشترى بعيرًا فأتى رسولَ الله ﷺ فقال: إني اشتريتُ بعيرًا فادعُ الله أن يُبارك لي فيه، فقال: "اللهم بارك له فيه " فلم يلبث إلا يسيرًا أن نَفَقَ، ثم اشترى بعيرًا آخر، فأتى به رسولَ الله ﷺ فقال: إني اشتريتُ بعيرًا فادعُ الله أن يُبارك لي فيه، فقال: " اللهم بارك له فيه " فلم يلبث حتى نَفَقَ، ثم اشترى بعيرًا آخرَ، فأتى رسولَ الله ﷺ فقال: يا رسول الله، قد اشتريتُ بعيرين فدعوتُ الله أن يُبارك لي فيهما، فادعُ الله أن يحملني عليه، فقال: " اللهم احمله عليه " فمكثَ عندَه عشرينَ سنة (٢). قال البيهقي: وهذا مرسل، ودعاؤه ﵊ صارَ إلى أمر الآخرة في المرتين الأوليين. حديث آخر: قال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلمي، أنبأنا إسماعيل بن عبد الله الميكالي، حدَّثنا علي بن سعد العسكري؛ أخبرنا أبو أمية عبد الله بن محمد بن خَلَّاد الواسطيّ، حدَّثنا يزيد بن هارون، أخبرنا المُستلمُ بنُ سعيد، حدَّثنا خبيب بن عبد الرحمن بن خبيب بن إساف، عن أبيه، عن جده خبيب بن إساف قال: أتيتُ رسولَ الله ﷺ ، أنا ورجلٌ من قومي في بعض مغازيه، فقلنا: إنا نشتهي أن نشهَد معك مشهدًا، قال: " أسلمتم؟ " قلنا: لا، قال: " فإنا لا نستعينُ بالمشركين على المشركين " قال: فأسلمنا (٣) وشهدتُ مع رسول الله ﷺ فأصابتني ضربةٌ على عاتقي فجافتني، فتعلَّقَت يدي، فأتيتُ رسولَ الله ﷺ ، فتفلَ فيها وألزقَها فالتأمت وبرأت، وقتلتُ الذي ضربني، ثم تزوّجتُ ابنةَ الذي قتلته (٤) وضربني، فكانت تقول: لا عدمتُ رجلًا وشَّحَكَ هذا الوِشَاح، فأقول: لا عدمت رجلًا أعجل (٥) أباك إلى النار. وقد روى الإمام (٦) أحمد هذا الحديث، عن يزيد بن هارون بإسناده مثلَه، ولم يذكر: فتفلَ فيها فبرأَت.

стр. 2954

حديث آخر: ثبت في الصحيحين، من حديث أبي النضر هاشم بن القاسم، عن ورقاء بن عمر السكري، عن عبد الله بن يزيد، عن ابن عباس، قال: أتى رسولُ الله ﷺ الخلاءَ، فوضعت له وَضُوءًا، فلما خرجَ قال: " من صنع هذا؟ " قالوا: ابنُ عباس، قال: "اللهم فقهه في الدين" (١). وروى البيهقيُّ عن الحاكم وغيره، عن الأصم، عن عباس الدَّورقي، عن الحسن بن موسى الأشيب، عن زهير، عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيم، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ وضعَ يدَه على كتفي- أو قال: منكبي، شك سعيد- ثم قال: " اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل " (٢). وقد استجاب الله لرسوله ﷺ هذه الدعوة في ابن عمه، فكان إمامًا يُهتدى بهداه، ويُقتدى بسناه في علوم الشريعة، ولاسيما في علم التأويل وهو التفسير، فإنه انتهت إليه علوم الصحابة قبلَه، وما كان عقَلَه من كلام ابن عمه رسول الله ﷺ . وقد قال الأعمش عن أبي الضحى (٣)، عن مسروق، قال: قال عبد الله بن مسعود: لو أن ابن عباس أدرك أسناننا ما عاشَره أحدٌ منا، وكان يقول لهم: نعم ترجمان القرآن ابن عباس (٤). هذا وقد تأخرت وفاة ابن عباس عن وفاة عبد الله بن مسعود ببضع وثلاثين سنة، فما ظنك بما حصله بعده في هذه المدة؟ وقد روينا عن بعض أصحابه أنه قال: خطبَ النَّاسَ ابنُ عبَّاسٍ في عشيّة عرفَةَ ففسَّرَ لهم سورةَ البقرة، أو قال سورةً، ففسَّرَها تفسيرًا لو سمعه الروم والترك والديلم لأسلموا (٥). ﵁ وأرضاه.

стр. 2955

حديث آخر: ثبت في الصحيح (١) أنه ﵊ دعا لأنس بن مالك بكثرة المال والولد، فكان كذلك، حتى روى الترمذيُّ (٢) عن محمود بن غيلان، عن أبي داود الطيالسي، عن أبي خلدة، قال: قلتُ لأبي العالية: سمعَ أنس من النبي ﷺ ؟ فقال: خدمه عشر سنين ودعا له، وكان له بستان (٣) يحمل في السنة الفاكهة مرتين، وكان فيه ريحان يجيء منه ريح المسك. وقد روينا في الصحيح (٤) أنه ولد له لصلبه قريب من مئة أو ما ينيف عليها، وفي رواية: أنه ﷺ قال: "اللهم أطل عمرَه، فعمَّره مئة. وقد دعا ﷺ -لأم سُليم ولأبي طلحة في غابر ليلتهما، فولدت له غلامًا سمَّاه رسولُ الله ﷺ عبدَ الله، فجاءَ من صُلبه تسعة كلُّهم قد حفظَ القرآن، ثبت ذلك في الصحيح (٥). وثبت في صحيح مسلم من حديث عكرمة بن عمار، عن أبي كثير الغُبَريِّ، عن أبي هريرة: أنه سألَ رسولَ الله ﷺ أن يدعوَ لأمِّه فيهديَها الله، فدعا لها، فذهبَ أبو هريرة فوجدَ أمَّه تغتسلُ خلفَ الباب، فلما فرغت قالت: أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأشهدُ أنَّ محمّدًا رسولُ الله، فجعلَ أبو هريرة يبكي من الفرح، ثم ذهبَ فأعلمَ بذلك رسولَ الله، وسألَه أن يدعوَ لهما أن يُحبِّبَهما الله إلى عباده المؤمنين، فدعا لهما، فحصلَ ذلك، قال أبو هريرة: فليس مؤمنٌ ولا مؤمنةٌ إلا وهو يُحِبُّنا (٦). وقد صدقَ أبو هريرة في ذلك ﵁ وأرضاه، ومن تمام هذه الدعوة أن الله شهر ذكرَه في أيام الجمع حيثُ يذكُره الناسُ بين يدي خُطبةِ الجمعة، وهذا من التقييض القدَري والتقدير المعنوي. وثبت في الصحيح أنه ﵊، دعا لسعد بن أبي وقاص وهو مريضٌ فعُوفِي، ودعا له أن يكون مُجابَ الدعوة، فقال: " اللهم أجبْ دعوتَه وسدذِد رَميَتَه " (٧) فكان كذلك، فنعمَ أميرُ السرايا والجيوش كان.

стр. 2956

وقد دعا (١) على أبي سَعدة أسامةَ بن قتادة، حين شَهِدَ فيه بالزّور بطولِ العمر، وكثرة الفقر، والتعرّض للفتن، فكان ذلك، فكان إذا سُئل ذلك الرجلُ يقول: شيخٌ كبيرٌ مَفتون أصابتني دعوةُ سعد (٢). وثبت في صحيح البخاري وغيره: أنه ﷺ دعا للسائب بن يزيد، ومسحَ بيده على رأسِه (٣) فطالَ عُمُره حتى بلغَ أربعًا وتسعين سنة، وهو تامُّ القامةِ مُعتدل، ولم يشب منه موضعٌ أصابت يدُ رسول الله ﷺ ، ومُتِّعَ بحواسه وقواه (٤). وقال أحمد: حدَّثنا حرمي بن عُمارة، حدَّثَنا عَزرَةُ بن ثابت، حدَّثنا عِلبَاءُ بن أحمر، حدَّثني أبو زيد الأنصاري، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "ادنُ مني " فمسحَ بيده على رأسي، ثم قال: " اللهم جَمِّله وأدم جمالَه" قال: فبلغَ بِضعًا ومئة- يعني سنة- وما في لحيته بياضٌ إلا نُبذ يسيرة (٥)، ولقد كان مُنبسطَ الوجه لم ينقبض وجهُه حتى مات (٦). قال السهيلي: إسناده صحيح موصول. ولقد أوردَ البيهقيّ لهذا نظائرَ كثيرة في هذا المعنى، تشفي القلوب، وتحصّل المطلوب. وقد قال الإمام أحمد: حدَّثنا عارم، حدَّثنا معتمر، وقال يحيى بن معين: حدَّثنا عبد الأعلى، حدَّثنا معتمر -هو ابن سليمان- قال: سمعتُ أبي يُحدِّث عن أبي العلاء قال: كنتُ عند قتادةَ بن مِلحَان في مرضِه الذي مات فيه، قال: فمرَّ رجلٌ في مؤخر الدار، قال: فرأيتُه في وجهِ قتادةَ، وقال: كان رسول الله ﷺ قد مسحَ وجهَهُ، قال: وكنتُ قلَّما رأيته إلا ورأيتُ كأن على وجهه الدِّهان (٧).

стр. 2957

وثبت في الصحيحين (١)؛ أنه ﵊ دعا لعبد الرحمن بن عوف بالبركة حين رأى عليه ذلك الرَّدع (٢) من الزعفران لأجل العُرسِ، فاستجابَ الله لرسوله ﷺ ، ففتحَ له في المتجر والمغانم، حتى حصلَ له مال جزيلٌ بحيث إنه لما مات صُولحت امرأةٌ من نسائه الأربع عن ربع الثمن على ثمانين ألفًا. وثبت في الحديث من طريق شبيب بن غَرقَدَةَ؛ أنه سمع الحي يُخبرون عن عروةَ بن أبي الجَعد المازني، أن رسول الله ﷺ أعطاه دينارًا ليشتري له به شاةً " أُضحيةً " فاشترى به شاتين، وباع إحداهما بدينار، وأتاه بشاةٍ ودينار، فقال له: " باركَ الله لكَ في صفقة يمينك " وفي رواية: فدعا له بالبركة في البيع، فكان لو اشترى التراب لربح فيه (٣). وقال البخاري: حدَّثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا ابن وهب، حدَّثنا سعيد بن أبي أيوب، عن أبي عقيل: أنه كان يخرج به جدُّه عبدُ الله بن هشام إلى السوق (٤) فيثتري الطعامَ فيلقاهُ ابنُ الزبير وابنُ عمر فيقولان: أشركنا في بَيعك فإنَّ رسولَ الله ﷺ قد دعا لك بالبركة فيشركهم، فربما أصابَ الراحلةَ كما هي فيبعثُ بها إلى المنزل (٥). وقال البيهقي: أخبرنا أبو سعد الماليني، أنبأنا ابنُ عدي، حدَّثنا علي بن محمد بن سليمان الحلبي، حدَّثنا محمد بن يزيد المستملي، حدَّثنا شبابة بن عبد الله، حدَّثنا أيوب بن سَيَّار، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن أبي بكر، عن بلال، قال: أذَّنتُ في غداة باردة، فخرج النبىِّ ﷺ فلم يرَ في المسجد أحدًا، فقال: " أين الناس؟ " فقلت: منعهم البَردُ، فقال: " اللهم أذهِب عنهم البَردَ " فرأيتهم يَتَروَّحون (٦). ثم قال البيهقي: تفردَ به أيوب بن سيّار، ونظيرُ (٧) قد مضى في الحديث المشهور عن حذيفة فى قصة الخندق.

стр. 2958

حديث آخر: قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأصبهاني- إملاء- أنبأنا أبو إسماعيل الترمذي محمد بن إسماعيل، حدَّثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، حدَّثنا علي بن أبي علي اللهبيّ، عن ابن أبي ذِئب، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسولَ الله ﷺ خرجَ وعمر بن الخطاب معه، فَعَرَضت له امرأةٌ، فقالت: يا رسولَ الله، إني امرأة مسلمة محرمة، ومعي زوجٌ لي في بيتي مِثل المرأة، فقال لها رسول الله ﷺ : "ادعي لي زوجك" فدعته وكان جَزَّارًا (١)، فقال له: " ما تقول في امرأتك يا عبد الله؟ " فقال الرجلُ: والذي أكرَمك ما جفَّ رأسي منها، فقالت امرأته: جاء (٢) مرةً واحدة في الشهر، فقال لها رسولُ الله ﷺ : "أتبغضينه؟ " قالت: نعم، فقال رسول الله ﷺ : "أدنيا رؤوسَكُما " فوضعَ جبهتَها على جبهةِ زوجِها ثم قال: " اللهم ألّف بينهما وحبِّب أحَدهما إلى صاحبه". ثم مرَّ رسول الله ﷺ بسوق النَّمَطِ ومعه عمرُ بن الخطاب، فطلعتِ المرأةُ تحملُ أدمًا على رأسها، فلما رأت رسولَ الله ﷺ طرحته وأقبلَت فقبَّلت رِجليه، فقال: " كيف أنت وزوجك؟ " فقالت: والذي أكرمَك ما طارف ولا تالدٌ أحبُّ إليَّ منه، فقال رسول الله ﷺ : "أشهدُ أني رسولُ الله " فقال عمر: وأنا أشهدُ أنك رسولُ الله (٣). قال أبو عبد الله (٤): تفرَّدَ به علي بن أبي عليٍّ اللهبي، وهو كثير الرواية للمناكير. قال البيهقي: وقد روى يوسف بن محمد بن المنكدر، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله- يعني هذه القصة- إلا أنه لم يذكر عمر بن الخطاب. حديث آخر: قال أبو القاسم البغوي: حدَّثنا كامل بن طلحة، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، حدَّثنا علي بن زيد بن جُدعان، عن أبي الطفيل: أن رجلًا وُلد له غلام، فأتى به رسولَ الله ﷺ ، فدعا له بالبركة وأخذ بجبهته فنبتت شعرةٌ في جبهته كأنها هُلبَة (٥) فرس، فشبَّ الغلام، فلما كان زمنُ الخوارج أجابهم فسقطت الشعرةُ عن جبهتهِ، فأخذهُ

стр. 2959

أبوه فحبسَه وقيَّده مخافةَ أن يلحقَ بهم، قال: فدخلنا عليه فوعظنَاه وقلنا له: ألم ترَ إلى بركةِ رسولِ الله ﷺ وقعت؟ فلم نزل به حتى رجعَ عن رأيهم، قال: فردَّ الله تلك الشعرةَ إلى جبهتهِ إذ تابَ (١). وقد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي عن الحاكم وغيره، عن الأصم، عن أبي أسامة الكلبي، عن شريح بن مسلمه (٢)، عن أبي يحيى إسماعيل بن إبراهيم التيمي، حدَّثني سيف بن وهب، عن أبي الطفيل: أن رجلًا من بني ليث يقال له: فِراش بن عمرو، أصابَه صداعٌ شديدٌ فذهبَ به أبوه إلى رسول الله ﷺ فأجلسَه بين يديه، وأخذَ بجلدةٍ بين عينيه فجذبَها حتى تنقصت (٣)، فنبتت في موضع أصابعِ رسول الله ﷺ شعرةٌ، وذهب عنه الصُّداع فلم يُصدع (٤). وذكر بقيَّةَ القصة في الشعرة كنحو ما تقدم. حديث آخر: قال الحافظ أبو بكر البزار: حدَّثنا هاشم بن القاسم الحزَاني، حدَّثنا يَعلى بن الأشدق، سمعت عبدَ الله بن جَراد العقيلي، حدَّثني النابغة- يعني الجَعدِيّ- قال: أتيتُ رسولَ الله ﷺ فأنشدتُه من قولي: علونا العبادَ عِفَّةً وتكرُّمًا … وإنَّا لنرجو فوقَ ذلك مَظهَرا قال: " أين المظهرُ يا أبا ليلى؟ " قال: قلت: أي: الجنّة، قال: " أجل إن شاءَ الله " قال: " أنشدني " فأنشدتُه من قولي: وَلا خيرَ في حِلمٍ إذا لَم يَكُنْ لَهُ … بَوادِرُ تَحمي صَفوَهُ أن يُكَدَّرا وَلَا خَيرَ في جَهل إذا لَم يَكُن لَهُ … حَلِيمٌ إذَا ما أَورَدَ الأمر أصدَرَا (٥) قال: " أحسنتَ لا يَفضُضِ الله فاك " (٦).

стр. 2960

هكذا رواه البزار إسنادًا ومتنًا. وقد رواه الحافظ البيهقي من طريق أخرى فقال: أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد بن عبدان، أنبأنا أبو بكر بن محمد بن المؤمل، حدَّثنا جعفرُ بن محمد بن سَوَّار، حدَّثنا إسماعيل بن عبد الله بن خالد السكري الرقي، حدَّثني يَعلى بن الأشدَق قال: سمعتُ النابغةَ- نابغةَ بني جَعدة- يقول: أنشدتُ رسول الله ﷺ هذا الشعر، فأعجبَه: بَلَغْنَا السَّماءَ مَجدَنَا وثراءَنا … وَإنا لَنرجُو فَوقَ ذَلِكَ مَظهرا (١) فقال: " أين المظهر يا أبا ليلى؟ " قلت: الجنة. قال: " كذلك إن شاء الله ": وَلا خيرَ في حِلمٍ إذا لَم يَكُنْ لَهُ … بَوادِرُ تَحمي صَفوَهُ أن يُكَدَّرا وَلَا خَيرَ في جَهلٍ إذا لَم يَكُن لَهُ … حَلِيمٌ إذَا ما أَورَدَ الأمر أصدَرَا فقال النبي ﷺ : "أجدت لا يَفضُضِ الله فاكَ". قال يعلى: فلقد رأيتُه ولقد أتى عليه نيّفٌ ومئة سنة وما ذهب له سِن (٢). قال البيهقي (٣): ورُوي عن مجاهد بن سليم، عن عبد الله بن جَرَادٍ: سمعتُ نابغةَ يقول: سمعني رسولُ الله ﷺ وأنا أنشدُ من قولي: بَلَغنا السَّماءِ عِفَّةً وتكَرُّمًا … وإِنَّا لَنرجو فَوقَ ذَلِكَ مظهَرا ثم ذكر الباقي بمعناه، قال: فلقد رأيتُ سِنَّه كلها كأنها البَرَدُ المُنهَل ما سقط له سنٌ ولا انفلت. حديث آخر: قال الحافظ البيهقي (٤): أخبرنا أبو بكر القاضي وأبو سعيد بن يوسف أبي عمرو، قالا: حدَّثنا الأصم، حدَّثنا عباس الدوري، حدَّثنا علي بن بحر القطّان، حدَّثنا هشام (٥) بن يوسف، حدَّثنا معمر، حدَّثنا ثابت وسليمان التيمي، عن أنس:

стр. 2961

أن رسولَ الله ﷺ نظرَ قِبَلَ العراق والشام واليمن -لا أدري بأيتهن بدأ- ثم قال: " اللهم أقبل بقلوبهم إلى طاعِتك وحطَ من أوزارهم " (١). ثم رواه عن الحاكم، عن الأصم، عن محمد بن إسحاق الصغاني، عن علي بن بحر بن بري، فذكره بمعنا (٢). وقال أبو داود الطيالسي: حدَّثنا عمران القطَّان، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن زيد بن ثابت، قال: نظَرَ رسولُ الله ﷺ قِبَلَ اليمن فقال: " اللهم أقبل بقلوبهم " ثم نظرَ قِبَلَ الشام فقال: "اللهم أقبل بقلوبهم" ثم نظرَ قِبَلَ العراق فقال: "اللهم أقبل بقلوبهم، وبارك لنا في صَاعِنا ومُدِّنا " (٣). وهكذا وقعَ الأمرُ، أسلتم أهلُ اليمن قبلَ أهل الشام، ثم كان الخيرُ والبركةُ قِبَلَ العراق، وَوُعِدَ أهلُ الشام بالدَّوَام على الهداية والقيام بنصرةِ الدين إلى آخر الأمر. وروى أحمدُ في "مسنده": " لا تقومُ الساعة حتى يتحوَّلَ خيارُ أهل العراق إلى الشام، ويتحوَّلَ شِرَارُ أهل الشام إلى العراق " (٤). فَصل وروى مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن زيد بن الحباب، عن عكرمة بن عمار: حدَّثني إياس بن سلمة بن الأكوع؛ أن أباه حدَّثه: أن رجلًا أكل عند رسول الله ﷺ بشماله، فقال له: " كل بيمينك " قال: لا أستطيع، قال: " لا استطعت "ما مَنعَه إلا الكبرُ، قال: فما رفعَها إلى فيه (٥). وقد رواه أبو الوليد (٦) الطيالسي، عن عكرمة، عن إياس، عن أبيه، قال: أبصرَ رسولُ الله ﷺ بسرَ بن راعي العَير، وهو ياكل بشماله فقال: " كل بيمينك " قال: لا أستطيع، قال: " لا استطعت " قال: فما وصلت يدُه إلى فيه بعد.

стр. 2962

وثبت في صحيح مسلم، من حديث شعبة، عن أبي حمزة (١)، عن ابن عباس، قال: كنتُ ألعبُ مع الغلمان فجاءَ رسولُ الله ﷺ فاختبأتُ منه، فجاءَني فَحَطَأنِي (٢) حَطأةً- أو حَطأَتين- وأرسلني إلى معاوية في حاجة، فأتيته وهو يأكلُ، فقلت: أتيتُه وهو يأكلُ، فأرسلني الثانية، فأتيتُه وهو يأكلُ، فقلت: أتيتُه وهو يأكلُ، فقال: " لا أشبع الله بطنَه " (٣). وقد روى البيهقي، عن الحاكم، عن علي بن حماد، عن هشام بن علي، عن موسى بن إسماعيل: حدَّثني أبو عوانة، عن أبي حَمزَة: سمعتُ ابن عباسٍ قال: كنتُ ألعبُ مع الغلمان فإذا رسولُ الله قد جاء، فقلت: ما جاءَ إلا إليّ، فذهبتُ فاختبأتُ على باب، فجاء فحطأني حطأة، وقال: " اذهب فادعُ لي معاوية "- وكان يكتبُ الوحيَ- قال: فذهبتُ فدعوتُه له، فقيل: إنه يأكلُ، فأتيتُ رسولَ الله ﷺ فقلتُ: إنه يأكلُ، فقال: " اذهب فادعُهُ لي " فأتيتُه الثانيةَ، فقيل: إنه يأكلُ، فأتيتُ رسولَ الله فأخبرتُه، فقال في الثالثة: "لا أشبعَ الله بطنَه". قال: فما شبعَ بعدَها (٤). قلت: وقد كان معاويةُ ﵁ لا يشبعُ بعدَها، ووافقته هذه الدعوةُ في أيام إمارته، فيُقال: إنه كان يأكلُ في اليوم سبعَ مرّات طعامًا بلحم، وكان يقول: واللّه لا أشبعُ وإنما أَعْيَا. وقدمنا في غزوة تبوك (٥) أنه مرَّ بين أيديهم وهم يُصَلُّون غلامٌ، فدعا عليه، فأُقعدَ، فلم يقم بعدَها. وجاء من طرق أوردها البيهقي (٦)، أن رجلًا حاكَى النبي ﷺ في كلامٍ، واختلج (٧) بوجهه، فقال رسولُ الله ﷺ : "كن كذلك " فلم يزل يختلجُ ويرتعشُ مدّةَ عمره حتى مات. وقد ورد في بعض (٨) الروايات أنه الحكم بن أبي العاص، أبو مروان بن الحكم، فاللّه أعلم. وقال مالك: عن زيد بن أسلم، عن جابر بن عبد الله، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني

стр. 2963

أنمار، فذكرَ الحديثَ في الرجل الذي عليه ثوبان قد خَلَقَا، وله ثوبان في العَيبَة (١)، فأمرَه رسولُ الله ﷺ فلبسَهُما، ثم ولَّى، فقال رسول الله: " ماله؟ ضرب الله عنقه " (٢)، فقال الرجل: في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : " في سبيل الله " فقُتِل الرجلُ في سبيل الله " (٣). وقد ورد من هذا النوع كثير. وقد ثبَت في الأحاديث الصحيحة بطرق متعددة عن جماعة من الصحابة تفيدُ القطعَ كما سنُوردها قريبًا في باب فضائله ﷺ ؛ أنه قال: " اللهم من سَبَبْتُه أو جلدتُه أو لعنتُه وليس لذلك أهلًا، فاجعل ذلك قربةً له تقربُه بها عندكَ يومَ القيامة ". وقد قدمنا في أوّل البعثة حديثَ ابن مسعود في دعائه ﷺ على أولئك النفر السبعة، الذين أحدهم أبو جهل بن هشام وأصحابه، حين طرَحوا على ظهره ﵊ سَلا (٤) الجزور، وألقته عنه ابنته فاطمة، فلما انصرفَ قال: " اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وشَيبةَ بن ربيعة، وعُتبةَ بن ربيعة، والوليد بن عُتبة " ثم سمّى بقيّة السبعة، قال ابن مسعود: فوالذي بعثَه بالحق لقد رأيتُهم صرعى في القَلِيبِ (٥) قليبِ بدر (٦) … الحديث. وهو متفق عليه. حديث آخر: قال الإمام أحمد (٧): حدَّثني هاشم، حدَّثنا سليمان- يعني ابن المغيرة- عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: كان مِنَّا رجلٌ من بني النجار قد قرأَ البقرةَ وآل عمران، وكان يكتبُ لرسول الله ﷺ ، فانطلقَ هاربًا حتى لَحِقَ بأهل الكتاب، قال: فرفعُوه، وقالوا: هذا كان يكتُبُ لمحمّد، وأُعجبُوا به، فما لبث أن قصمَ الله عنقَه فيهم، فحفروا له فَوارَوه، فأصبحتِ الأرضُ قد نبذتهُ على وجهِها، ثم عادُوا فحفروا له ووَارَوه، فأصبحتِ الأرضُ قد نبذتهُ على وجهِها، فتركُوه مَنبوذًا.

стр. 2964

ورواه مسلم (١)، عن محمد بن رافع، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، به. طريق أخرى عن أنس: قال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا يزيدُ بن هارون، حدَّثنا حُميد، عن أنس: أن رجلًا كان يكتبُ للنبي ﷺ ، وكان قد قرَأ البقرةَ وآل عمران، وكان الرجلُ إذا قرأ البقرة وآل عمران عز (٣) فينا- يعني عَظُمَ- فكان رسول الله ﷺ يُملي عليه: غفورًا رحيمًا، فيكتبُ: عليمًا حكيمًا، فيقول له النبيُّ ﷺ : "اكتب كذا وكذا " فيقول: أكتبُ كيفَ شِئتُ، ويُملي عليه: عليمًا حكيمًا، فيكتبُ: سميعًا بصيرًا، فيقول: أكتبُ كيف شئتُ، قال: فارتدَّ ذلكَ الرجل عن الإسلام فلحِقَ بالمشركين. وقال: أنا أعلمُكم بمحمد، وإني كنتُ لا أكتبُ إلّا ما شئتُ، فماتَ ذلك الرجل، فقال النبي ﷺ : "إن الأرض (٤) لا تقبله ". قال أنس: فحدَّثني أبو طلحة أنه أتى الأرضَ التي ماتَ فيها ذلك الرجل فوجدَه منبوذًا، فقال أبو طلحة: ما شأنُ هذا الرجل؟ قالوا: قد دفنّاه مِرَارًا فلم تقبله الأرضُ. وهذا على شرط الشيخين ولم يخرجوه. طريق أخوى عن أنس وقال البخاري (٥): حدَّثنا أبو مَعمر، حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا عبد العزيز، عن أنس بن مالك، قال: كان رجل نصراني فأسلمَ وقرأَ البقرةَ وآل عمران، وكان يكتبُ للنبيّ ﷺ فعادَ نصرانيًا، وكان يقولُ: لا يدري محمّد إلا ما كتبتُ له، فأماتَه الله فدفنوه، فأصبحَ وقد لَفَظَته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه- لما هربَ منهم نَبَشُوا عن صاحبت فألقَوه-، فحفروا له فأعمَقُوا له في الأرض ما استطاعوا، فأصبحوا وقد لفظَته الأرضُ، فعلِمُوا أنه ليس من الناس فألقَوه. باب المسائل التي سُئل عنها رسول الله ﷺ فأجابَ عنها بما يُطابقُ الحقَّ الموافقَ لها في الكتب الموروثة عن الأنبياء قد ذكرنا في أول البعثة ما تَعنّتَت به قريشٌ، وبعثت إلى يهود المدينة يَسألونَهم عن أشياء يسألونَ عنها

стр. 2965

رسولَ الله ﷺ ، فقالوا: سَلوه عن الروح، وعن أقوام ذهبوا في الدهر فلا يُدرى ما صَنعوا، وعن رجل طوَّافٍ في الأرض بلغَ المشارقَ والمغاربَ، فلما رجعوا سألُوا عن ذلك رسولَ الله ﷺ ، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. وأنزلَ سورةَ الكهف يشرحُ فيها خبرَ الفِتية الذين فارقوا دينَ قومهم وآمنوا بالله العزيز الحميد، وأفردُوه بالعبادة، واعتزلُوا قومَهم، ونزلوا غارًا وهو الكهف، فنامُوا فيه، ثم أيقظَهم الله بعد ثلاثمئة سنة وتسع سنين، وكان من أمرهم ما قصَّ الله علينا في كتابه العزيز، ثم قصَّ خبرَ الرجلين المؤمن والكافر، وما كان من أمرِهما، ثم ذكرَ خبرَ موسى والخضر وما جرى لهما من الحكم والمواعظ. ثم قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٨٣]. ثم شرحَ، ثم ذكرَ خبرَه وما وصلَ إليه من المشارق والمغارب، وما عَمِلَ من المصالح في العالم، وهذا الإخبارُ هو الواقعُ في الواقع، وإنما يُوافقه من الكتب التي بأيدي أهل الكتاب، ما كان منها حقًا، وأما ما كان مُحرَّفًا مُبدَّلًا فذاك مردود، فإن الله بعثَ محمدًا بالحق وأنزل عليه الكتاب ليبيِّنَ للناس ما اختلفوا فيه من الأخبار والأحكام، قال الله تعالى بعد ذكر التوراة والأنجيل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]. وذكرنا في أول الهجرة قصّة إسلام عبد الله بن سَلام، وأنه قال: لما قدِمَ رسولُ الله ﷺ المدينة انجفلَ الناسُ إليه، فكنتُ فيمنِ انجفلَ، فلما رأيتُ وجهه علمت (١) أن وجهَه ليس بوجه كذاب، فكان أول ما سمعته يقول: " أيها النَّاسُ، أفشُوا السَّلامَ، وصِلُوا الأرحامَ، وأطعموا الطعامَ، وصَلُّوا بالليل والناسُ نيام، تَدخُلوا الجنَّة بسلام " (٢). وثبتَ في صحيح البخاري وغيره، من حديث إسماعيل بن عَطيّة، وغيره، عن حُميد، عن أنس: قصة سؤاله رسول الله ﷺ : عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبيّ، ما أوّل أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكلُه أهلُ الجنّة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه وإلى أمه؟ فقال رسول الله ﷺ : " أخبرني بهنَّ جبريل آنفًا، ثم قال: أما أوَّلُ أشراط الساعة فنارٌ تحشرُ الناسَ من المشرق إلى المغرب، وأما أوّلُ طعامٍ يأكلُه أهلُ الجنّةِ فزيادَةُ كَبدِ الحوت، وأما الولدُ فإذا سبقَ ماءُ الرجل ماءَ المرأة نَزَعَ الولدُ إلى أبيه، وإذا سبقَ مَاءُ المرأةِ ماءَ الرجلِ نَزَعَ الولدُ إلى أمِّه " (٣).

стр. 2966

وقد رواه البيهقيُّ، عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يُونس بن بُكير، عن أبي مَعشر، عن سعيد المقبري، فذكر مُساءَلةَ عبد الله بن سلام إلا أنه قال: فسأله عن السَّوَاد الذي في القمر، بدلَ أشراط الساعة، فذكرَ الحديث إلى أن قال: " وأما السَّوادُ الذي في القمر فإنهما كانا (١) شمسين، فقال الله : ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ١٢]. فالسَّوَادُ الذي رأيتَ هو المحو " فقال عبدُ الله بن سلام: أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وأن محمّدًا رسولُ الله (٢). حديث آخر في معناه: قال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو زكريا يحيى بن إبراهيم المزكي، أنبأنا أبو الحسن- أحمد بن محمد بن عبدوس (٣) - حدثنا عثمان بن سعيد، أخبرنا الرَّبِيعُ بن نافع، أبو توبة، حدَّثنا معاويةُ بن سَلام، عن زيد بن سَلام؛ أنه سمع أبا سَلامٍ يقول: أخبرني أبو أسماء الرَّحَبيّ؛ أن ثَوبانَ حدَّثه، قال: كنتُ قائمًا عندَ رسول الله ﷺ فجاءَه حَبرٌ من أحبارِ اليهود، فقال: السَّلامُ عليك يا محمّد، فدفعتُه دفعة كاد يُصرع منها، قال: لمَ تدفعني؛ قال: قلت: ألا تقول: يا رسول الله؟ قال: إنما سمّيته باسمه الذي سمَّاه به أهلُه، فقال رسول الله ﷺ : "إن اسمي الذي سمَّاني به أهلي محمد " فقال اليهودي: جئتُ أسألُكَ، فقال رسول الله ﷺ : "ينفعُك شيءٌ إن حدَّثتُك؟ " قال: أسمعُ بأذني، فنكتَ بعودٍ معَه فقال له: سل، فقال له اليهودي: أينَ النَّاسُ يومَ تُبَدَّلُ الأرضُ غيرَ الأرض والسَّموات؟ فقالَ رسولُ الله ﷺ : "في الظّلمة دون الجسر " قال: فمن أوّل الناس إجازةً؟ فقال: " فقراء المهاجرين " قال اليهودي: فما تُحفَتُهم حين يدخلونَ الجنّة؟ قال: " زيادةُ كَبِدِ الحُوت " قال: وما غذاؤهم على إثره؟ قال: "يُنحَرُ لهم ثَورُ الجنةِ الذي كان يأكلُ من أطرافِها " قال: فما شرابُهم عليه؟ قال: " من عين فيها تُسمَّى سَلسَبيلًا " قال: صدقت. قال: وجئتُ أسألُك عن شيءً لا يعلمُه أحدٌ من الأرض إلا نبيٌّ أو رجلٌ أو رجلان. قال: " ينفعُك إن حدَّثتُك؟ " قال: أسمع بأذني، قال: جئتُ أسألُك عن الولد، قال: " ماءُ الرجل أبيض وماءُ المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فَعَلا منيُّ الرجل منيَّ المرأة أذكرا بإذن الله، وإذا علا منيُّ المرأة منيَّ الرجل أنّثا

стр. 2967

بإذن الله" فقال اليهودي: صدقتَ، وإنك لنبيّ، ثم انصرفَ، فقال النبي ﷺ : "إنه سألني عنه وما أعلم شيئًا منه حتى أتاني الله به" (١). وهكذا رواه مسلم (٢)، عن الحسن بن عليّ الحلواني، عن أبي توبة، الربيع بن نافع، به، وهذا الرجلُ يُحتملُ أن يكونَ هو عبد الله بن سلام، ويُحتمل أن يكون غيره، واللّه أعلم. حديث آخر: قال أبو داود الطيالسي: حدَّثنا عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، حدَّثني ابنُ عباس، قال: حضرت عصابة من اليهود يومًا عند رسولِ الله ﷺ فقالوا: يا رسولَ الله حدَّثنا عن خلالٍ نسألُك عنها لا يعلمُها إلا نبى، قال: "سَلوني عما شِئتم، ولكن اجعلُوا لي ذمَّةَ الله وما أخذَ يعقوبُ على بنيه إن أنا حدَّثتكم بشيء تعرفونَه صِدقًا لتُتَابعُنِّي (٣) على الإسلام " قالوا: لك ذلك، قال: " سَلُوا عما شِئتم " قالوا: أخبرنا عن أربع خِلال ثم نسألُك، أخبرنا عن الطعام الذي حرَّمَ إسرائيلُ على نفسه من قبل أن تنزلَ التوراة، وأخبرنا عن ماءِ الرجلِ كيف يكونُ الذكرُ منه حتى يكونَ ذكرًا، وكيف تكونُ الأنثى حتى تكونَ أنثى، وأخبرنا عن هذا النبيِّ في النوم، ومن وليّك من الملائكة؟ قال: " فعليكم عهدُ الله لئن أنا حدَّثتكم لتُتَابِعُنّي " فأعطوه ما شاءَ من عهد وميثاق، قال: "أنشدُكم بالله الذي أنزلَ التوراةَ على موسى، هل تعلمون أن إسرائيلَ -يعقوب- مَرِضَ مرضًا شديدًا طال سقمُه فيه، فنذرَ للّه نَذرًا لئن شفاهُ الله من سقمِه ليحرمَنَّ أحبَّ الشرابِ إليه وأحبَّ الطعام إليه، وكان أحبَّ الشرابِ إليه ألبانُ الإبل، وأحبَّ الطعام إليه لحمان الابل؟ " قالوا: اللهم نعم، فقال رسول الله: "اللهم اشهد عليهم" قال: فانشُدكُم الله الذي لا إلهَ إلا هو، الذي أنزلَ التوراةَ على موسى، هل تعلمونَ أن ماءَ الرجلِ أبيض، وأن ماء المرأة رقيقٌ أصفر، فأيُّهما علا كان له الولد والشَّبَه بإذن الله، وإن علا ماءُ الرجل ماءَ المرأة كان ذكرًا بإذن الله، وإن علا ماءُ المرأةِ ماءَ الرجل كان أنثى بإذن الله؟ " قالوا: اللهم نعم. قال رسول الله: "اللهم اشهد عليهم". قال: "وأنشدُكم بالله الذي لا إلهَ إلا هو، الذي أنزلَ التوراةَ على موسى، هل تعلمونَ أن هذا النبي تنامُ عيناه ولا ينامُ قلبُه؟ " قالوا: اللهم نعم. قال: "اللهم اشهد عليهم". قالوا: أنت الآن حدّثنا عن وليَّك من الملائكةِ، فعندَها نجامعُكَ أو نفارِقُكَ، قال: " وليّي جبريلُ

стр. 2968

﵇، ولم يبعثِ الله نبيًّا قطُّ إلا وهو وليّه " فقالوا: نفارقُك، لو كان وليُّك غيره من الملائكة لبايعنَاك وصدَّقناكَ، قال: " فما يمنعُكم أن تُصدِّقوه؟ " قالوا: إنه عدوُّنا من الملائكة، فأنزل الله : ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٩٧]، ونزلت ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ الآية (١) [البقرة: ٩٠]. حديث آخر: قال الإمام أحمد، حدَّثنا يزيد، حدَّثنا شُعبة عن عمرو بن مُرَّةَ، سمعت عبدَ الله بن سلمة يُحدِّث عن صفوان بن عسال المرادي، قال: قال يهوديٌّ لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي حتى نسألَه عن هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] فقال: لا تقل له شيئًا، فإنه لو سمعَك لصارت له أربعُ أعين، فسألاه: فقال النبي ﷺ : " لا تشركوا باللّه شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريءٍ إلى ذي سلطان ليقتلَه، ولا تقذفوا محصنةً، أوقال: لا تَفِرُّوا من الزحف- شعبةُ الشَّاكُّ- وأنتم يا معشرَ يهود عليكم خاصة ألَّا تَعدُوا في السَّبت " قال: فقبَّلا يديه ورجليه وقالا: نشهدُ أنَّك نبيّ، قال: فما يمنعُكما أن تَتَّبِعَاني؟ قالا: إن داودَ ﵇ دعا ألا يزالَ من ذريته نبي، وإنا نخشى إن أسلمنا أن تقتلنَا يهودُ. وقد رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن جرير والحاكم والبيهقي (٢) من طرق، عن شُعبة، به، وقال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح. قلت: وفي رجاله من تُكُلِّمَ فيه (٣)، وكأنه اشتُبِه على الراوي التسعُ الآيات بالعشر الكلمات، وذلك أن الوصايا التي أوصاها الله إلى موسى وكلَّمه بها ليلة الطور بعدما خرجوا من ديار مصر، وشعبُ بني إسرائيل حول الطور حضورٌ، وهارون ومن معه من العلماء وقوف على الطور أيضًا، وحينئذ كلَّم الله موسى آمرأ له بهذه العشر كلمات، وقد فُسّرَت في هذا الحديث، وأما التسعُ الآيات فتلك دلائلُ وخوارق عادات أُيّدَ بها موسى ﵇، وأظهَرها الله على يديه بديار مصر، وهي العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدم، والجدب، ونقص الثمرات. وقد بسطتُ القولَ على ذلك في " التفسير " (٤) بما فيه الكفاية، واللّه أعلم.

стр. 2969

فَصل وقد ذكرنا في " التفسير " عند قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٩٤ - ٩٥]، ومثلها في سورة الجمعة، وهي قوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٦ - ٧]، وذكرنا أقوال المفسرين في ذلك، وأن الصوابَ أنه دعاهم إلى المباهلة، وأن يدعُوا بالموت على المبطل منهم أو المسلمين، فَنَكلُوا عن ذلك لعلمِهم بظلم أنفسهم، وأن الدعوةَ تنقلبُ عليهم، ويعودُ وَبالُها إليهم. وهكذا دعا النصارى من أهل نجران حين حاجُّوه في عيسى ابن مريم، فأمرَه الله أن يدعوَهم إلى المباهلة في قوله: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١]. وهكذا دعا على المشركين على وجه المباهلة في قوله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥]. وقد بسطنا القول في ذلك عند هذه الآيات في كتابنا " التفسير " بما فيه كفاية، وللّه الحمد والمنة. حديثٌ آخر: يتضمّن اعترافَ اليهود بأنه رسولُ الله ﷺ ويتضمّن تحاكُمَهم إليه، ولكن بقصدٍ منهم مذموم وذلك أنهم ائتمروا بينهم: أنه إن حكمَ بما يُوافق هواهُم اتَّبعوه، وإلا فاحذَرُوا ذلك، وقد ذمَّهم الله في كتابه العزيز على هذا القصد. قال عبد الله بن المبارك: حدَّثنا معمر، عن الزهري، قال: كنتُ جالسًا عند سعيد بن المسيب، وعند سعيد رجلٌ وهو يوقِّره، وإذا هو رجلٌ من مُزينة، كان أبوه شهدَ الحُدَيبية، وكان من أصحاب أبي هريرة، قال: قال أبو هريرة: كنتُ جالسًا عندَ رسول الله ﷺ إذ جاءَ نفرٌ من اليهود- وفد زنى رجل منهم وامرأة- فقال بعضُهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي فإنه نبيٌّ بُعث بالتخفيف، فإن أفتانا حَدًّا دون الرجم فعلنَاه واحتجَجنا عند الله حين نلقاهُ بتصديق نبيٍّ من أنبيائه. قال مُرّة: عن الزهري: وإن أمرنا بالرجم عصينَاه، فقد عَصَينَا الله فيما كتبَ علينا من الرجم في التوراة.

стр. 2970

فأتوا رسولَ الله ﷺ وهو جالسٌ في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم ما تَرى في رجل منا زنى بعد ما أُحصِنَ؟ فقام رسولُ الله ﷺ ولم يُرجع إليهم شيئًا، وقام معه رجالٌ من المسلمين، حتى أتَوا بيتَ مِدراس اليهود، فوجدوهم يَتدارسون التوارةَ، فقال لهم رسول الله ﷺ : "يا معشر اليهود، أنشدُكم باللّه الذي أنزلَ التوراةَ على موسى، ما تَجدون في التوراةِ من العقوبةِ على مَن زنى إذا أُحصِنَ؟ " قالوا: نجبيه (١)، والتجبية أن يحملوا اثنين على حِمار، فيُولّوا ظهرَ أحدهما ظهرَ الآخر. قال: وسكتَ حَبرُهم، وهو فتى شاب، فلما رآه رسولُ اللِّه ﷺ صَامتًا ألظَّ به النَّشدَةَ. فقال حَبرُهم: أما إذ نشدتُهم فإنا نجدُ في التوراة الرجمَ على من أُحصِنَ، قال النبي ﷺ : "فما أولُ ما تَرَخَّصتُم أمرَ الله ؟ " فقال: زنى رجل منا ذو قرابةٍ بملِكٍ من مُلوكنا، فأخَّر عنه الرجمَ، فزنى بعدَه آخرُ في إثرِه من الناس فأراد ذلك الملكُ أن يرجمَه، فقام قومُه دونَه، فقالوا: لا واللّه لا نرجمُهُ حتى يرجمَ فلانًا ابنَ عمِّه، فاصطلحوا بينَهم على هذه العقوبة، فقال رسول الله ﷺ : "فإني أحكُم بما حُكِمَ في التوراة " فأمرَ رسولُ الله ﷺ بهما فرُجِمَا. قال الزهري: وبلغنا أن هذه الآيات نزلت فيهم: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤]. وله شاهدٌ في الصحيح عن ابن عمر. قلت: وقد ذكرنا ما وردَ في هذا السياق من الأحاديث عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة: ٤١] يعني الجلد والتحميم الذي اصطلحوا عليه وابتدعوه من عند أنفسهم، يعني: إن حكم لكم محمد بهذا فخذوه: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: ٤١]، يعني: وإن لم يحكم لكم بذلك فاحذرُوا قبولَه، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١] إلى أن قال: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣] فذمَّهم الله تعالى على سوء ظنِّهم وقصدهم بالنسبة إلى اعتقادهم في كتابهم، وأن فيه حكم الله بالرجم، وهم من ذلك يعلمون صحته، ثم يعدلون عنه إلى ما ابتدعوه من التحميم والتجبية. وقد روى هذا الحديثَ محمد بن إسحاق، عن الزهري، قال: سمعتُ رجلًا من مزينةَ يُحدِّث سعيدَ بن المسيب؛ أن أبا هريرة حدَّثهم فذكرَه، وعنده: فقالَ رسولُ الله ﷺ لابن صوريا: "أنشدُك باللّه

стр. 2971

وأذكرك أيامَه عند بني إسرائيل، هل تعلمُ أنَّ الله حكمَ فيمن زنى بعدَ إحصانِه بالرجمِ في التوراة؟ " فقال: اللهم نعم، أما والله يا أبا القاسم، إنهم يَعرفون أنك نبيٌّ مرسل، ولكنَّهم يَحسدونَك. فخرجَ رسولُ الله ﷺ فأمرَ بهما فرُجِما عندَ باب مسجده في بني غنم بن مالك بن النجار. قال: ثم كفرَ بعد ذلك ابنُ صوريا، فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] الآيات. وقد وردَ ذكرُ عبد الله بن صُوريا الأعور في حديث ابن عمر وغيره، برواياتٍ صحيحة قد بيَّنَّاها في "التفسير". حديث آخر: قال حمَّادُ بن سلمة: حدَّثنا ثابت، عن أنس؛ أن غلامًا يهوديًا كان يخدمُ النبي ﷺ فمرضَ، فأتاه رسولُ الله ﷺ يعودُه، فوجدَ أباه عندَ رأسِه يقرأُ التوراةَ، فقال له رسولُ الله ﷺ : " يا يهوديُّ، أنشدُكَ بالله الذي أنزلَ التوارةَ على موسى، هل تجدونَ في التوارة نَعتي وصِفَاتِي ومَخرجي؟ " فقال: لا، فقال الفتى: بلى والله يا رسولَ الله، إنا نجد في التوراة نعتك وصفتك ومخرجك وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال النبيُّ لأصحابه: " أقيمُوا هذا من عند رأسه، وَلُوا (١) أخاكم". رواه البيهقيّ من هذا الوجه بهذا اللفظ (٢). حديث آخر: قال أبو بكر بن أبي شيبة، حدَّثنا عفّان، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبي عُبيدة بن عبد الله، عن أبيه، قال: إن الله ابتعثَ نبيَّه ﷺ لإدخال رجل الجنَّةَ، فدخلَ النبىِّ ﷺ كنيسةً، وإذا يهوديٌّ يقرأُ التوراةَ، فلما أتى على صفتِه أمسكَ، قال: وفي ناحيتها رجلٌ مريض، فقال النبيُّ ﷺ : " ما لكم أمسكتُم؟ " فقال المريضُ: إنهم أتَوا على صفة نبي فأمسَكُوا، ثم جاء المريضُ يَحبُو حتى أخذَ التوراة وقال: ارفع يدَك، فقرأَ حتى أتى على صفتِه، فقال: هذه صفتُك وصفةُ أمّتك، أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وأشهدُ أنَّ محمّدًا رسولُ الله، ثم ماتَ، فقال النبي ﷺ : " لوا أخاكم " (٣). حديث آخر: إن النبي ﷺ : وقف على مِدراس اليهود فقال: " يا معشرَ يهودَ أسلموا، فوالذي لا إلهَ إلا هو إنَّكم لتعلمونَ أني رسولُ الله إليكم " فقالوا: قد بلَّغتَ يا أبا القاسم، فقال: " ذلك أريد " (٤).

стр. 2972

فصل فالذي يقطعُ به كتابُ الله وسنّة رسولهِ، ومن حيث المعنى: أن رسولَ الله ﷺ قد بشَّرت به الأنبياء قبلَه، وأتباعُ الأنبياء يعلمون ذلك، ولكنَّ أكثرَهم يكتمون ذلك ويُخفونه. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧ - ١٥٨]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١١٤] وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦] وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [آل عمران: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿هَذَا بَلَاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] وقال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وقال تعالى ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ﴾ [هود: ١٧] وقال تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: ٧٠]. فذكر تعالى بعثته إلى الأمّيينَ وأهلِ الكتاب وسائرِ الخلق من عربهم وعجمهم، فكل من بلغَه القرآنُ فهو نذير له، قال ﷺ : "والذي نفسي بيده لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمة يهوديّ ولا نصرانيّ ولا يُؤمن بي إلا دخلَ النار ". رواه مسلم (١). وفي الصحيحين: " أعطيت خمسًا لم يُعطَهن أحد من الأنبياء قبلي: نُصِرتُ بالرُّعب مسيرةَ شهرٍ، وأُحِلَّت لي الغنائمُ ولم تحلَّ لأحدٍ قبلي، وجُعلت لي الأرضُ مَسجدًا وطَهورًا، وأُعطيت الشفاعةَ، وكان النبيُّ يُبعثُ إلى قومه وبُعثت إلى الناس عامّة " (٢).

стр. 2973

وفيهما: "بُعثت إلى الأسود والأحمر" (١) قيل: إلى العرب والعجم، وقيل: إلى الإنس والجن، والصحيح أعمُ من ذلك. والمقصود أن البشارات به ﷺ موجودة في الكتب الموروثة عن الأنبياء قبله، حتى تناهتِ النبوّةُ إلى آخر أنبياء بني إسرائيل، وهو عيسى ابن مريم، وقد قام بهذه البشارة في بني إسرائيل، وقصنَ الله خبرَ في ذلك، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]. فأخبارُ محمّدٍ صلواتُ الله وسلامُه عليه بأن ذكرَه موجودٌ في الكتب المتقدمة، فيما جاء به من القرآن، وفيما وردَ عنه من الأحاديث الصحيحة كما تقدَّمَ، وهو مع ذلك من أعقلِ الخلق باتفاق المُوافق والمُفارق، يدل على صدقه في ذلك قطعًا، لأنه لو لم يكن واثقًا بما أخبرَ به من ذلك، لكان ذلك من أشدِّ المُنَفِّراتِ عنه، ولا يُقدم على ذلك عاقل، والغرضُ أنه من أعقلِ الخلقِ حتى عند من يُخالفه بل هو أعقلُهم في نفس الأمر. ثم إنه قد انتشرت دعوتُه في المشارق والمَغارب، وعمَّت دولةُ أمَّتِه في أقطار الآفاق عمومًا لم يحصل لأمةٍ من الأمم قبلَها، فلو لم يكن محمد ﷺ نبيًا، لكان ضررُه أعظمَ من كل أحد، ولو كان كذلك لحذَّرَ عنه الأنبياءُ أشدَّ التحذير، ولنفروا أممَهم منه أشدَّ التنفير، فإنهم جميعهم قد حذروا من دعاة الضلالة في كتبهم، ونهوا أممَهم عن اتِّباعِهم والاقتداء بهم، ونصُّوا على المسيح الدجال، الأعورِ الكذاب، حتى قد أنذرَ نوح- وهو أوَّلُ الرسل- قومَه، ومعلومٌ أنه لم يَنصَّ نبي من الأنبياء على التحذير من محمَّد، ولا التنفير عنه، ولا الإخبار عنه بشيء خلافَ مدحه، والثناء عليه، والبشارة بوجوده، والأمر باتباعه، والنهي عن مخالفته، والخروج من طاعته. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨١ - ٨٢] قال ابن عباس ﵄: ما بعثَ الله نبيًا إلا أخذَ عليه الميثاق؛ لئن بُعث محمد وهو حيٌّ ليُؤمِنن به ولينصرنَه، وأمرَه أن يأخذَ على أُمّته الميثاقَ لئن بُعث محمَّدٌ وهم أحياء ليُؤمِنُنَ به وليتبعُنَّه (٢). رواه البخاري (٣).

стр. 2974

وقد وجدت البشارات بِه ﷺ في الكتب المتقدمة، وهي أشهرُ من أن تُذكرَ وأكثرُ من أن تُحصر. وقد قدَّمنا قبلَ مولده ﵊ طَرفًا صالحًا من ذلك، وقرَّرنا في كتاب " التفسير " عند الآيات المقتضية لذلك آثارًا كثيرة. ونحنُ نُورد هاهنا شيئًا مما وُجد في كتبهم التي يَعترفون بصحتها، وَيتديَّنون بتلاوتِها، مما جمعَه العلماءُ قديمًا وحديثًا ممن آمن منهم، واطلعَ على ذلك من كتبهم التي بأيديهم. ففي السِّفر الأوّل من التوراة التي بأيديهم في قصة إبراهيم الخليل ﵊ ما مضمونُه وتعريبُه: إن الله أوحى إلى إبراهيمَ ﵇، بعدما سلَّمَه من نار النمروذ: أن قم فاسلُك الأرضَ مشارقَها ومغاربَها لولدك. فلما قصَّ ذلك على سارة طمعت أن يكونَ ذلك لولدها منه، وحرصت على إبعاد هاجرَ وولدها، حتى ذهبَ بهما الخليلُ إلى بريّة الحجازِ وجبالِ فاران، وظن إبراهيم ﵇ أن هذه البشارة تكونُ لولده إسحاق، حتى أوحى الله إليه ما مضمونُه: أما ولدُك إسحاق فإنه يُرزق ذريَّة عظيمةً، وأما ولدُك إسماعيل فإني باركتُه وعظّمتُه، وكثَّرتُ ذرِّيتَه، وجعلتُ من ذرِّئته ماذ ماذ؛ يعني محمدًا ﷺ ، وجعلتُ في ذرّيته اثنا عشر إمامًا، وتكون له أمّة عظيمة. وكذلك بُشِّرَت هاجر حين وضعها الخليلُ عند البيت فعطِشَت وحزنت على ولدها، وجاءَ الملَكُ فأنبعَ زمزمَ، وأمرَها بالاحتفاظ بهذا الولد، فإنه سيُولد منه عظيم، له ذريّةٌ عددَ نجوم السماء. ومعلوم أنه لم يُولد من ذريّة إسماعيلَ، بل من ذريّة آدم، أعظمُ قدرًا ولا أوسعُ جاهًا، ولا أعلى منزلةً، ولا أجلُّ منصبًا، من محمد ﷺ ، وهو الذي استولت دولةُ أمّتِه على المشارق والمغارب، وحكموا على سائرِ الأمم. وهكذا في قصة إسماعيل من السِّفر الأوّل: أن ولد إسماعيل تكونُ يدُه على كل الأمم، وكلُّ الأمم تحتَ يده، وبجميع مساكن إخوته يسكن. وهذا لم يكن لأحدٍ يصدقُ على الطائفة إلا لمحمد ﷺ . وأيضًا في السفر الرابع في قصة موسى، أن الله أوحى إلى موسى ﵇: أن قل لبني إسرائيلَ: سأقيم لهم نبيًّا من أقاربهم مثلَك يا موسى، وأجعلُ وحيي بفيه وإيَّاه تَسمعون.

стр. 2975

وفي السِّفر الخامس -وهو سفر الميعاد- أن موسى ﵇ خطبَ بني إسرائيلَ في آخر عمره - وذلك في السنة التاسعة والثلاثين من سني التيه- وذكَّرَهم بأيام الله، وأياديه عليهم، وإحسانه إليهم، وقال لهم فيما قال: واعلموا أن الله سيبعثُ لكم نبيًّا من أقاربِكم مثلَ ما أرسلني إليكم، يأمرُكم بالمعروف، وينهاكم عن المنكر، ويُحِلُّ لكم الطيبات، ويُحرِّم عليكم الخبائث، فمن عَصَاهُ فله الخزيُ في الدنيا، والعذابُ في الآخرة. وأيضًا في آخر السِّفر الخامس وهو آخر التوراة التي بأيديهم: جاء الله من طُور سَيناء، وأشرقَ من ساعير، واستعلنَ من جبال فاران، وظهرَ من ربوات قدسه، عن يمينه نور، وعن شماله نار، عليه تجتمع الشعوب. أي: جاء أمرُ الله وشرعه من طُور سَيناء- وهو الجبل الذي كلَّم الله موسى ﵇ عنده- وأشرقَ من ساعير وهي جبال بيت المقدس- المَحلّة التي كان بها عيسى ابن مريم ﵇ واستعلنَ، أي ظهرَ وعلا أمرُه من جبال فاران، وهي جبالُ الحجاز بلا خلاف، ولم يكن ذلك إلا على لسان محمد ﷺ . فذكر تعالى هذه الأماكن الثلاثة على الترتيب الوقوعي، ذكر مَحلّة موسى، ثم عيسى، ثم بلد محمد ﷺ ، ولما أقسم تعالى بهذه الأماكن الثلاثة ذكر الفاضلَ أوَّلًا، ثم الأفضلَ منه، ثم الأفضلَ منه على قاعدة القسم، فقال تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ والمراد بها محلة بيت المقدس حيث كان عيسى ﵇ ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ١ - ٣] وهو البلد الذي ابتعث منه محمدًا ﷺ . قاله غير واحد من المفسرين في تفسير هذه الآيات الكريمات. وفي زبور داود ﵇ صفة هذه الأمة بالجهاد والعبادة، وفيه مَثَلٌ ضَربَه لمحمّدٍ ﷺ ، بأنه خِتَام القبّة المبنية، كما وردَ به الحديث في الصحيحين (١): " مَثلي ومثلُ الأنبياء قَبلي كمَثَلِ رجل بنى دارًا فاكملَها إلا موضِعَ لَبِنَةٍ. فجعلَ الناسُ يُطيفون بها ويقولون: هلاّ وضعت هذه اللَّبنة؟ " ومِصداقُ ذلك أيضًا في فوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. وفي الزبور صفةُ محمّد ﷺ بأنه ستنبسطُ نبوّتُه ودعوتُه وتنفذُ كلمتُه من البحر إلى البحر، وتأتيه الملوكُ من سائر الأقطار طائعينَ بالقرابين والهدايا، وأنه يُخَلِّصُ المضطرَ، ويَكشفُ الضُّرَّ عن الأمم، ويُنقذُ الضعيفَ الذي لا ناصرَ له، ويُصَلّى عليه في كل وقت، ويُبارِك الله عليه في كلّ يوم، ويَدوم ذكرُه إلى الأبد. وهذا إنما ينطبق على محمد ﷺ .

стр. 2976

وفي صحف شعيا ﵇ في كلام طويل فيه معاتبة لبني إسرائيل، وفيه: فإني أبعثُ إليكم وإلى الأمم نبيًّا ليس بفظٍّ ولا غليظ القلب، ولاسخَّابٍ في الأسواق، أُسَدِّده لكل جميل، وأهبُ له كل خُلُقٍ كريم، ثم أجعلُ السكينةَ لباسَه، والبِرَّ شعارَه، والتقوى في ضميره، والحكمَ معقولَه، والوفاءَ طبيعتَه، والعدلَ سيرتَه، والحقَّ شريعتَه، والهدى مِلَّتَه، والإسلام دينَه، والقرآنَ كتابَه، أحمدُ اسمه، أهدي به من الضلالة، وأرفعُ به بعدَ الخمالة، وأجمعُ به بعد الفرفة، وأؤلّفُ به بين القلوب المختلفة، وأجعلُ أمّتَه خيرَ أمّةٍ أُخرجت للناس، قرابينُهم دماؤهم، أناجيلُهم في صدورهم، رهبانًا بالليل، ليوثًا بالنهار ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]. وفي الفصل العاشر من كلام شعيا: يدوسُ الأممَ كدوس البَيَادر، ويُنزلُ البلاءَ بمشركي العرب، ويَنهزمون قدّامه. وفي الفصل السادس والعشرين منه: ليفرح أرضَ البادية العطشى، ويعطي أحمد محاسن لبنان، ويرون جلال الله ببهجته. وفي صحف إلياس ﵇: أنه خرج مع جماعة من أصحابه سائحًا، فلما رأى العربَ بأرض الحجاز قال لمن معه: انظروا إلى هؤلاء فإنهم هم الذين يَملكون حصونكم العظيمة، فقالوا: يا نبيَّ الله، فما الذي يَكون مَعبودُهم؟ فقال: يُعظمون ربَّ العزة فوقَ كل رابية عالية. ومن صحف حزقيل: إن عبدي خيرتي أنزل عليه وحيي، يُظهر في الأمم عدلي، اخترتُه واصطفيتُه لنفسي، وأرسلتُه إلى الأمم بأحكام صادقة. ومن كتاب النبوات: أن نبيًا من الأنبياء مرّ بالمدينة فأضافَه بنو قُريظة والنضير، فلما رآهم بكى، فقالوا له: ما الذي يُبكيك يا نبيَّ الله؟ فقال: نبيٌّ يَبعثه الله من الحرّة، يُخَرّبُ ديارَكم ويَسبي حريمَكم، قال: فأرادَ اليهودُ قتلَه فهربَ منهم. ومن كلام حزقيل ﵇: يقول الله: من قبل أن صوَّرتُك في الأحشاء قدَّستُك، وجعلتك نبيًّا، وأرسلتُك إلى سائر الأمم. وفي صحف شعيا أيضًا، مثلٌ مضروب لمكّة شرَّفها الله: افرحي يا عاقرُ بهذا الولد الذي يَهَبُه لكِ ربُّك، فإن يبركته تتسعُ لك الأماكن، وتثبتُ أوتادُك في الأرض، وتعلو أبوابُ مساكنك، ويأتيك مُلوكُ الأرض عن يمينك وشمالِك بالهدايا والتقادم، وولدُك هذا يرثُ جميعَ الأمم، ويملك سائر المدنِ والأقاليم، ولا تَخافي ولا تحزني، فما بقي يلحقُكِ ضيمٌ من عدو أبدًا، وجميعُ أيام تَرَمُّلك تنسيها. وهذا كله إنما حصلَ على يدي محمد ﷺ ، وإنما المرادُ بهذه العاقر مكة، ثم صارت كما ذُكر في هذا

стр. 2977

الكلام لا محالة. ومن أرادَ من أهل الكتاب أن يصرفَ هذا ويتأوّله على بيت المقدس، فهذا لا يناسبُه من كل وجه، واللّه أعلم. وفي صحف أرميا: كوكبٌ ظهرَ من الجنوب، أشعتُه صواعق، سِهامُه خوارق، دُكَّت له الجبال. وهذا المراد به محمد ﷺ . وفي الإنجيل يقولُ عيسى ﵇: إني مُرتقٍ إلى جناتِ العُلى، ومرسلٌ إليكم الفارقليط، روحُ الحق يُعلّمكُم كلَّ شيء، ولم يقل شيئًا من تِلقاء نفسه. والمراد بالفارقليط محمد صلوات الله وسلامه عليه، وهذا كما تقدم عن عيسى أنه قال: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]. وهذا بابٌ متسع، ولو تقصّينا جميعَ ما ذكرَه الناسُ لطالَ هذا الفصلُ جدًا، وقد أشرنا إلى نُبَذٍ من ذلك يَهتدي بها من نوَّرَ الله بصيرَته، وهدَاه إلى صراطه المستقيم، وأكثرُ هذه النصوص يعلمُها كثيرٌ من علمائهم وأحبارهم، وهم مع ذلك يتكاتمُونها ويُخفونها. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي (١): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى بن الفضل قالا: حدَّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدَّثنا محمد بن عُبيد الله بن أبي داود المُنادي، حدَّثنا يُونس بن محمد المُؤَدِّب، حدَّثنا صالح بن عمر، حدَّثنا عاصم بن كُليب، عن أبيه، عن الفلتان بن عاصم، قال: كنا جلوسًا عند النبيِّ ﷺ ، إذ شخصَ بصرُه إلى رجلٍ فدعَاه، فأقبلَ رجلٌ من اليهود مُجتمعٌ عليه قميصٌ وسراويلُ ونعلان (٢). فجعلَ يقول: يا رسولَ الله، فجعلَ رسولُ الله ﷺ يقول: " أتشهدُ أني رسولُ الله؟ " فجعلَ لا يقولُ شيئًا إلا قال: يا رسول الله، فيقولُ: "أتشهد أني رسولُ الله؟ " فيأبى، فقال رسولُ الله ﷺ : "أتقرأُ التوراة؟ " قال: نعم، قال: "والإنجيل؟ " قال: نعم، والفرقان وربّ محمد لو شئتُ لقرأتُه. قال: "فأنشدُك بالذي أنزلَ التوراة والإنجيلَ -وأشياء حَلَّفَه بها- تجدني فيهما؟ " قال: نجدُ مثلَ نَعتِكَ، يخرجُ من مَخرجِك، كنا نرجو أن يكون فينا، فلما خرجتَ رأينا أنَّك هو، فلما نظرنَا إذا أنتَ لستَ به، قال: "من أين؟ " قال: نجدُ من أمَّتك سبعينَ ألفًا يدخلون الجنَة بغير حساب، وإنما أنتم قليل، قال: فهلَّلَ رسول اللّه ﷺ وكبَّر، وهلَّلَ وكبَّر، ثم قال: "والذي نفسُ محمّد بيده إنني لأنا هو، وإن من أمّتي لأكثر من سبعين ألفًا وسبعين وسبعين" (٣).

стр. 2978

حديث في جوابه ﵊ لمن سأل عما سأل، قبلَ أن يسألَه عن شيء منه قال الإمام أحمد (١): حدَّثنا عفان، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، أخبرنا الزبير أبو عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله بن مكرز -ولم يسمعه منه- قال: حدَّثني جلساؤُه وقد رأيتُه، عن وابصة الأسدي، وقال (٢) عفان: حدَّثنا (٣) غيرَ مرّة ولم يقل: حدَّثني جلساؤه، قال: أتيتُ رسولَ الله ﷺ وأنا أُريدُ ألَّا أدعَ شيئًا من البِرِّ والإثم إلا سألتُه عنه، وحولَه عصابةٌ من المسلمين يستفتُونه، فجعلتُ أتخطَاهم، فقالوا: إليك يا وابصةُ عن رسول الله، فقلتُ: دعوني فأدنو منه، فإنه أحبُّ الناس إليَّ أن أدنوَ منه، قال: " دعوا وابصةَ، ادنُ يا وابصةَ " مرتين أو ثلاثًا، قال: فدنوتُ منه حتى قعدتُ بين يديه، فقال: " يا وابصةُ أخبرُك أم تسألُني؟ " فقلت: لا، بل أخبرني. فقال: " جئتَ تسألُ عن البرِّ والإثم " فقلت: نعم، فجمعَ أناملَه فجعلَ ينكتُ بهِنَ في صدري ويقول: " يا وابصةُ، استفتِ قلبكَ واستفتِ نفسكَ- ثلاث مرات- البِرُّ ما اطمأنت إليه النفسُ، والإثمُ ما حاكَ في النفس وتردَّدَ في الصدر، وإن أفتاكَ الناسُ وأفتوكَ " (٤). باب ما أخبر به ﷺ من الكائنات المستقبلة في حياته وبعده فوقعت طِبق ما أخبرَ به سواءً بسواء وهذا باب عظيم لا يُمكن استقصاءُ جميع ما فيه لكثرتها، ولكن نحن نُشير إلى طرفي منها، وباللّه المستعان، وعليه التكلان، ولا حولَ ولا قوّة إلا باللّه العزيز الحكيم، وذلك منتزع من القرآن، ومن الأحاديث. أما القرآن، فقال تعالى في سورة المزمل- وهي من أوائل ما نزل بمكة- ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ

стр. 2979

فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] ومعلوم أن الجهاد لم يُشرع إلا بالمدينة بعد الهجرة. وقال تعالى في سورة اقتربت -وهي مكية- ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٤ - ٤٥] ووقعَ هذا يوم بدر، وقد تلاها رسولُ الله ﷺ وهو خارجٌ من العريش، ورماهم بقبضةٍ من الحَصبَاء فكان النصرُ والطفرُ، وهذا مِصداقُ ذاك. وقال تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد: ١ - ٥] فأخبرَ أن عمَّه عبد العزى بن عبد المطلب -المُلقب بأبي لَهب- سيدخلُ النار هو وامرأته، فقدَّر الله أنهما ماتا على شركهما لم يُسلما، حتى ولا ظاهرًا، وهذا من دلائل النبوة الباهرة. وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] وقال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ الآية [البقرة: ٢٣ - ٢٤]، فأخبرَ أن جميعَ الخليقة لو اجتمعوا، وتعاضَدُوا وتناصَروا وتعاونوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في فصاحتِه وبلاغتِه، وحلاوتِه وإحكام أحكامِه، وبيان حَلاله وحَرامه، وغير ذلك من وجوه إعجازه، لما استطاعوا ذلك، ولما قَدَروا عليه ولا على عَشرِ سورٍ منه، بل ولا سورةٍ، وأخبرَ أنهم لن يفعلوا ذلك أبدأ، ولن لنفي التابيد (١) في المستقبل، ومثل هذا التحدّي، وهذا القطع، وهذا الإخبار الجازم، لا يصدرُ إلا عن واثقٍ بما يُخبر به، عالمٍ بما يَقوله، قاطع أن أحدًا لا يُمكنه أن يعارضَه، ولا يأتي بمثل ما جاءبه عن ربه . وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥] الآية، وهكذا وقع سواء بسواء، مَكَّنَ الله هذا الدين وأظهره، وأعلاه ونشرَه في سائر الآفاق، وأنفذَه وأمضاه، وقد فسَّرَ كثيرٌ من السلف هذه الآية بخلافة الصديق، ولا شك في دخوله فيها، ولكن لا تختصُّ به، بل تعمُّه كما تعمُّ غيرَه، كما ثبت في الصحيح " إذا هلكَ قيصرُ فلا قيصرَ بعدَه، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعدَه، والذي نفسي بيده لننفقن كنوزَهما في سبيل الله " (٢) وقد كان ذلك فى زمن الخلفاء الثلاثة أبى بكر وعمر وعثمان ﵃ وأرضاهم.

стр. 2980

وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] وهكذا وقع وعمَّ هذا الدين، وغلبَ وعلا على سائر الأديان، في مشارق الأرض ومغاربها، وعلت كلمتُه في زمن الصحابة ومَن بعدَهم، وذلَّت لهم سائرُ البلاد، ودان لهم جميعُ أهلها، على اختلاف أصنافهم، وصارَ الناسُ إما مؤمنٌ داخلٌ في الدين، وإما مُهادِنٌ باذلٌ الطاعةَ والمال، هاما مُحاربٌ خائفٌ وَجِلٌ من سَطوة الإسلام وأهله. وقد ثبت في الحديث: " إن الله زوى لي الأرضَ مشارقَها ومغاربَها، وسيبلغ ملكُ أمتي ما زوى لي منها " (١). وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] الآية، وسواء كان هؤلاء هوازن أو أصحاب مُسيلمة، أو الروم، فقد وقعَ ذلك. وقال تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الفتح: ٢٠ - ٢١] وسواء كانت هذه الأخرى خيبرَ أو مكةَ، فقد فُتحت وأُخذت كما وقع به الوعد سواءٌ بسواء. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧] فكان هذا الوعدُ في سنة الحُديبية عامَ ست، ووقعَ إنجازه في سنة سبع عام عُمرة القضاء كما تقدم. وذكرنا هناك الحديثَ بطوله، وفيه أن عمر قال: يا رسولَ الله ألم تكن تُخبرُنا أنا سنأتي البيتَ ونطوفُ به؟ قال: "بلى، أفأخبرتُك أنك تأتيه عامَك هذا؟ " قال: لا، قال: "فإنَّك تأتيه وتطوفُ به" (٢). وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧] وهذا الوعد كان في وقعة بدر لمَّا خرجَ رسولُ الله ﷺ من المدينة ليأخذَ عيرَ قريش، فبلغَ قريشًا خروجُه إلى عيرهم، فنَفروا في قريبٍ من ألف مُقاتل، فلما تحقَّقَ رسولُ الله ﷺ وأصحابُه قدومَهم وعدَه الله إحدى الطائفتين أن سيُظفِره بهم (٣)، إما العيرُ وإما النفيرُ، فودَّ كثيرٌ من الصحابة -ممن كان
следующие страницы →