← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

وفي صحف شعيا ﵇ في كلام طويل فيه معاتبة لبني إسرائيل، وفيه: فإني أبعثُ إليكم وإلى الأمم نبيًّا ليس بفظٍّ ولا غليظ القلب، ولاسخَّابٍ في الأسواق، أُسَدِّده لكل جميل، وأهبُ له كل خُلُقٍ كريم، ثم أجعلُ السكينةَ لباسَه، والبِرَّ شعارَه، والتقوى في ضميره، والحكمَ معقولَه، والوفاءَ طبيعتَه، والعدلَ سيرتَه، والحقَّ شريعتَه، والهدى مِلَّتَه، والإسلام دينَه، والقرآنَ كتابَه، أحمدُ اسمه، أهدي به من الضلالة، وأرفعُ به بعدَ الخمالة، وأجمعُ به بعد الفرفة، وأؤلّفُ به بين القلوب المختلفة، وأجعلُ أمّتَه خيرَ أمّةٍ أُخرجت للناس، قرابينُهم دماؤهم، أناجيلُهم في صدورهم، رهبانًا بالليل، ليوثًا بالنهار ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]. وفي الفصل العاشر من كلام شعيا: يدوسُ الأممَ كدوس البَيَادر، ويُنزلُ البلاءَ بمشركي العرب، ويَنهزمون قدّامه. وفي الفصل السادس والعشرين منه: ليفرح أرضَ البادية العطشى، ويعطي أحمد محاسن لبنان، ويرون جلال الله ببهجته. وفي صحف إلياس ﵇: أنه خرج مع جماعة من أصحابه سائحًا، فلما رأى العربَ بأرض الحجاز قال لمن معه: انظروا إلى هؤلاء فإنهم هم الذين يَملكون حصونكم العظيمة، فقالوا: يا نبيَّ الله، فما الذي يَكون مَعبودُهم؟ فقال: يُعظمون ربَّ العزة فوقَ كل رابية عالية. ومن صحف حزقيل: إن عبدي خيرتي أنزل عليه وحيي، يُظهر في الأمم عدلي، اخترتُه واصطفيتُه لنفسي، وأرسلتُه إلى الأمم بأحكام صادقة. ومن كتاب النبوات: أن نبيًا من الأنبياء مرّ بالمدينة فأضافَه بنو قُريظة والنضير، فلما رآهم بكى، فقالوا له: ما الذي يُبكيك يا نبيَّ الله؟ فقال: نبيٌّ يَبعثه الله من الحرّة، يُخَرّبُ ديارَكم ويَسبي حريمَكم، قال: فأرادَ اليهودُ قتلَه فهربَ منهم. ومن كلام حزقيل ﵇: يقول الله: من قبل أن صوَّرتُك في الأحشاء قدَّستُك، وجعلتك نبيًّا، وأرسلتُك إلى سائر الأمم. وفي صحف شعيا أيضًا، مثلٌ مضروب لمكّة شرَّفها الله: افرحي يا عاقرُ بهذا الولد الذي يَهَبُه لكِ ربُّك، فإن يبركته تتسعُ لك الأماكن، وتثبتُ أوتادُك في الأرض، وتعلو أبوابُ مساكنك، ويأتيك مُلوكُ الأرض عن يمينك وشمالِك بالهدايا والتقادم، وولدُك هذا يرثُ جميعَ الأمم، ويملك سائر المدنِ والأقاليم، ولا تَخافي ولا تحزني، فما بقي يلحقُكِ ضيمٌ من عدو أبدًا، وجميعُ أيام تَرَمُّلك تنسيها. وهذا كله إنما حصلَ على يدي محمد ﷺ ، وإنما المرادُ بهذه العاقر مكة، ثم صارت كما ذُكر في هذا

стр. 2977

الكلام لا محالة. ومن أرادَ من أهل الكتاب أن يصرفَ هذا ويتأوّله على بيت المقدس، فهذا لا يناسبُه من كل وجه، واللّه أعلم. وفي صحف أرميا: كوكبٌ ظهرَ من الجنوب، أشعتُه صواعق، سِهامُه خوارق، دُكَّت له الجبال. وهذا المراد به محمد ﷺ . وفي الإنجيل يقولُ عيسى ﵇: إني مُرتقٍ إلى جناتِ العُلى، ومرسلٌ إليكم الفارقليط، روحُ الحق يُعلّمكُم كلَّ شيء، ولم يقل شيئًا من تِلقاء نفسه. والمراد بالفارقليط محمد صلوات الله وسلامه عليه، وهذا كما تقدم عن عيسى أنه قال: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]. وهذا بابٌ متسع، ولو تقصّينا جميعَ ما ذكرَه الناسُ لطالَ هذا الفصلُ جدًا، وقد أشرنا إلى نُبَذٍ من ذلك يَهتدي بها من نوَّرَ الله بصيرَته، وهدَاه إلى صراطه المستقيم، وأكثرُ هذه النصوص يعلمُها كثيرٌ من علمائهم وأحبارهم، وهم مع ذلك يتكاتمُونها ويُخفونها. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي (١): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى بن الفضل قالا: حدَّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدَّثنا محمد بن عُبيد الله بن أبي داود المُنادي، حدَّثنا يُونس بن محمد المُؤَدِّب، حدَّثنا صالح بن عمر، حدَّثنا عاصم بن كُليب، عن أبيه، عن الفلتان بن عاصم، قال: كنا جلوسًا عند النبيِّ ﷺ ، إذ شخصَ بصرُه إلى رجلٍ فدعَاه، فأقبلَ رجلٌ من اليهود مُجتمعٌ عليه قميصٌ وسراويلُ ونعلان (٢). فجعلَ يقول: يا رسولَ الله، فجعلَ رسولُ الله ﷺ يقول: " أتشهدُ أني رسولُ الله؟ " فجعلَ لا يقولُ شيئًا إلا قال: يا رسول الله، فيقولُ: "أتشهد أني رسولُ الله؟ " فيأبى، فقال رسولُ الله ﷺ : "أتقرأُ التوراة؟ " قال: نعم، قال: "والإنجيل؟ " قال: نعم، والفرقان وربّ محمد لو شئتُ لقرأتُه. قال: "فأنشدُك بالذي أنزلَ التوراة والإنجيلَ -وأشياء حَلَّفَه بها- تجدني فيهما؟ " قال: نجدُ مثلَ نَعتِكَ، يخرجُ من مَخرجِك، كنا نرجو أن يكون فينا، فلما خرجتَ رأينا أنَّك هو، فلما نظرنَا إذا أنتَ لستَ به، قال: "من أين؟ " قال: نجدُ من أمَّتك سبعينَ ألفًا يدخلون الجنَة بغير حساب، وإنما أنتم قليل، قال: فهلَّلَ رسول اللّه ﷺ وكبَّر، وهلَّلَ وكبَّر، ثم قال: "والذي نفسُ محمّد بيده إنني لأنا هو، وإن من أمّتي لأكثر من سبعين ألفًا وسبعين وسبعين" (٣).

стр. 2978

حديث في جوابه ﵊ لمن سأل عما سأل، قبلَ أن يسألَه عن شيء منه قال الإمام أحمد (١): حدَّثنا عفان، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، أخبرنا الزبير أبو عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله بن مكرز -ولم يسمعه منه- قال: حدَّثني جلساؤُه وقد رأيتُه، عن وابصة الأسدي، وقال (٢) عفان: حدَّثنا (٣) غيرَ مرّة ولم يقل: حدَّثني جلساؤه، قال: أتيتُ رسولَ الله ﷺ وأنا أُريدُ ألَّا أدعَ شيئًا من البِرِّ والإثم إلا سألتُه عنه، وحولَه عصابةٌ من المسلمين يستفتُونه، فجعلتُ أتخطَاهم، فقالوا: إليك يا وابصةُ عن رسول الله، فقلتُ: دعوني فأدنو منه، فإنه أحبُّ الناس إليَّ أن أدنوَ منه، قال: " دعوا وابصةَ، ادنُ يا وابصةَ " مرتين أو ثلاثًا، قال: فدنوتُ منه حتى قعدتُ بين يديه، فقال: " يا وابصةُ أخبرُك أم تسألُني؟ " فقلت: لا، بل أخبرني. فقال: " جئتَ تسألُ عن البرِّ والإثم " فقلت: نعم، فجمعَ أناملَه فجعلَ ينكتُ بهِنَ في صدري ويقول: " يا وابصةُ، استفتِ قلبكَ واستفتِ نفسكَ- ثلاث مرات- البِرُّ ما اطمأنت إليه النفسُ، والإثمُ ما حاكَ في النفس وتردَّدَ في الصدر، وإن أفتاكَ الناسُ وأفتوكَ " (٤). باب ما أخبر به ﷺ من الكائنات المستقبلة في حياته وبعده فوقعت طِبق ما أخبرَ به سواءً بسواء وهذا باب عظيم لا يُمكن استقصاءُ جميع ما فيه لكثرتها، ولكن نحن نُشير إلى طرفي منها، وباللّه المستعان، وعليه التكلان، ولا حولَ ولا قوّة إلا باللّه العزيز الحكيم، وذلك منتزع من القرآن، ومن الأحاديث. أما القرآن، فقال تعالى في سورة المزمل- وهي من أوائل ما نزل بمكة- ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ

стр. 2979

فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] ومعلوم أن الجهاد لم يُشرع إلا بالمدينة بعد الهجرة. وقال تعالى في سورة اقتربت -وهي مكية- ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٤ - ٤٥] ووقعَ هذا يوم بدر، وقد تلاها رسولُ الله ﷺ وهو خارجٌ من العريش، ورماهم بقبضةٍ من الحَصبَاء فكان النصرُ والطفرُ، وهذا مِصداقُ ذاك. وقال تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد: ١ - ٥] فأخبرَ أن عمَّه عبد العزى بن عبد المطلب -المُلقب بأبي لَهب- سيدخلُ النار هو وامرأته، فقدَّر الله أنهما ماتا على شركهما لم يُسلما، حتى ولا ظاهرًا، وهذا من دلائل النبوة الباهرة. وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] وقال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ الآية [البقرة: ٢٣ - ٢٤]، فأخبرَ أن جميعَ الخليقة لو اجتمعوا، وتعاضَدُوا وتناصَروا وتعاونوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في فصاحتِه وبلاغتِه، وحلاوتِه وإحكام أحكامِه، وبيان حَلاله وحَرامه، وغير ذلك من وجوه إعجازه، لما استطاعوا ذلك، ولما قَدَروا عليه ولا على عَشرِ سورٍ منه، بل ولا سورةٍ، وأخبرَ أنهم لن يفعلوا ذلك أبدأ، ولن لنفي التابيد (١) في المستقبل، ومثل هذا التحدّي، وهذا القطع، وهذا الإخبار الجازم، لا يصدرُ إلا عن واثقٍ بما يُخبر به، عالمٍ بما يَقوله، قاطع أن أحدًا لا يُمكنه أن يعارضَه، ولا يأتي بمثل ما جاءبه عن ربه . وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥] الآية، وهكذا وقع سواء بسواء، مَكَّنَ الله هذا الدين وأظهره، وأعلاه ونشرَه في سائر الآفاق، وأنفذَه وأمضاه، وقد فسَّرَ كثيرٌ من السلف هذه الآية بخلافة الصديق، ولا شك في دخوله فيها، ولكن لا تختصُّ به، بل تعمُّه كما تعمُّ غيرَه، كما ثبت في الصحيح " إذا هلكَ قيصرُ فلا قيصرَ بعدَه، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعدَه، والذي نفسي بيده لننفقن كنوزَهما في سبيل الله " (٢) وقد كان ذلك فى زمن الخلفاء الثلاثة أبى بكر وعمر وعثمان ﵃ وأرضاهم.

стр. 2980

وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] وهكذا وقع وعمَّ هذا الدين، وغلبَ وعلا على سائر الأديان، في مشارق الأرض ومغاربها، وعلت كلمتُه في زمن الصحابة ومَن بعدَهم، وذلَّت لهم سائرُ البلاد، ودان لهم جميعُ أهلها، على اختلاف أصنافهم، وصارَ الناسُ إما مؤمنٌ داخلٌ في الدين، وإما مُهادِنٌ باذلٌ الطاعةَ والمال، هاما مُحاربٌ خائفٌ وَجِلٌ من سَطوة الإسلام وأهله. وقد ثبت في الحديث: " إن الله زوى لي الأرضَ مشارقَها ومغاربَها، وسيبلغ ملكُ أمتي ما زوى لي منها " (١). وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] الآية، وسواء كان هؤلاء هوازن أو أصحاب مُسيلمة، أو الروم، فقد وقعَ ذلك. وقال تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الفتح: ٢٠ - ٢١] وسواء كانت هذه الأخرى خيبرَ أو مكةَ، فقد فُتحت وأُخذت كما وقع به الوعد سواءٌ بسواء. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧] فكان هذا الوعدُ في سنة الحُديبية عامَ ست، ووقعَ إنجازه في سنة سبع عام عُمرة القضاء كما تقدم. وذكرنا هناك الحديثَ بطوله، وفيه أن عمر قال: يا رسولَ الله ألم تكن تُخبرُنا أنا سنأتي البيتَ ونطوفُ به؟ قال: "بلى، أفأخبرتُك أنك تأتيه عامَك هذا؟ " قال: لا، قال: "فإنَّك تأتيه وتطوفُ به" (٢). وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧] وهذا الوعد كان في وقعة بدر لمَّا خرجَ رسولُ الله ﷺ من المدينة ليأخذَ عيرَ قريش، فبلغَ قريشًا خروجُه إلى عيرهم، فنَفروا في قريبٍ من ألف مُقاتل، فلما تحقَّقَ رسولُ الله ﷺ وأصحابُه قدومَهم وعدَه الله إحدى الطائفتين أن سيُظفِره بهم (٣)، إما العيرُ وإما النفيرُ، فودَّ كثيرٌ من الصحابة -ممن كان

стр. 2981

معه - أن يكونَ الوعدُ للعير، لما فيه من الأموال وقفةِ الرجال، وكرهوا لقاءَ النفير، لما فيه من العَدد والعُدد، فخَارَ الله لهم وأنجزَ لهم وعدَه في النفير، فأوقع بهم بأسَه الذي لا يُرَدّ، فقُتِلَ من سَراتِهم سبعون، وأُسِرَ سبعون، وفادُوا أنفسَهم بأموال جزيلة، فجمعَ لهم بين خيري الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧]. وقد تقدم بيان هذا في غزوة بدر. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٠] وهكذا وقع؛ فإن الله عوَّضَ مَن أسلمَ منهم بخير الدنيا والآخرة. ومن ذلك ما ذكرَه البخاريُّ (١) أن العباسَ جاءَ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسولَ الله، أعطني، فإني فاديتُ نفسي، وفاديتُ عَقيلًا، فقال له:" خذ " فأخذَ في ثوبٍ مقدارًا لم يُمكنهُ أن يُقِلَّه، ثم وضعَ منه مرةً بعد مرةٍ حتى أمكنَه أن يحملَه على كاهله، وانطلقَ به كما ذكرناه في موضعه مبسوطًا. هذا من تصديق هذه الآية الكريمة. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ١٢٨] وهكذا وقعَ، عوَّضَهم الله عما كان يغدو إليهم مع حُجَّاج المشركين، بما شرَعه لهم من قتال أهل الكتاب، وضَربِ الجِزية عليهم، وسلبِ أموالِ من قُتل منهم على كفره، كما وقع بكفّار أهل الشام من الروم وَمَجوس الفرس، بالعراق وكيرها من البلدان التي انتشرَ الإسلام على أرجائها، وحكم على مدائنها وفَيفَائها، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣]. وقال تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ الآية [التوبة: ٩٥]، وهكذا وقع، لمَّا رجعَ ﷺ من غزوة تبوك، كان قد تخلَّفَ عنه طائفةٌ من المنافقين، فجعلوا يَحلِفون باللّه لقد كانوا معذورينَ في تخلّفهم، وهم في ذلك كاذبون، فأمرَ الله رسولَه أن يُجرِيَ أحوالَهم على ظاهرها، ولا يفضحَهم عند الناس، وقد أطلَعه الله على أعيان جماعةٍ منهم أربعةَ عشرَ رجلًا كما قدَّمناه لك في غزوة تبوك، فكان حُذيفةُ بن اليَمَان ممن يعرفُهم بتعريفه إياه ﷺ . وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٦] وهكذا وقع، لما اشتوروا عليه ليثبتوه، أو يقتلوه، أو يُخرجوه من بين أظهرهم، ثم وقع الرأي على القتل، فعند ذلك أمر الله رسولَه بالخروج من بين أظهرهم، فخرجَ هو وصديقُه أبو بكر،

стр. 2982

فكَمَنا في غار ثورٍ ثلاثًا، ثم ارتحلا بعدَها كما قدَّمنا، وهذا هو المرادُ بقوله: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠] وهو المراد من قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] ولهذا قال: ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٦] وقد وقعَ كما أخبرَ فإن الملأ الذين اشتوَرُوا على ذلك لم يلبثوا بمكة بعد هجرته ﷺ إلا ريثما استقرَّ ركابُه الشريف بالمدينة وتابعه المهاجرون والأنصار، ثم كانت وقعة بدرٍ فقُتلت تلك النفوسُ، وكُسِرَت تلك الرؤوس، وقد كان ﷺ يعلمُ ذلك قبل كونه من إخبار الله له بذلك، ولهذا قال سعدُ بن معاذ لأميّة بن خلف: أما إني سمعتُ محمّدًا ﷺ يذكرُ أنه قاتلُك، فقال: أنت سمعتَه؟ قال: نعم، قال: فإنه واللّه لا يكذبُ، وسيأتي الحديثُ في بابه. وقد قدَّمنا أنه ﵊ جعلَ يُشيرُ لأصحابه قبلَ الوقعة إلى مَصارع القتلى، فما تعدَّى أحد منهم موضعَه الذي أشارَ إليه، صلوات الله وسلامه عليه. وقال تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ١ - ٦] وهذا الوعدُ وقعَ كما أخبرَ به، وذلك أنه لما غَلبت فارسُ الرومَ فرحَ المشركون، واغتمَّ بذلك المؤمنون، لأن النصارى أقربُ إلى الإسلام من المجوس، فأخبرَ الله رسوله ﷺ بأنَّ الرومَ ستغلبُ الفرسَ بعد هذه المدة بسبع سنين، وكان من أمر مُراهنةِ الصدّيق رؤوس المشركين على أن ذلك سيقعُ في هذه المدة، ما هو مشهورٌ كما قرَّرنَاهُ في "التفسير" (١) فوقعَ الأمرُ كما أخبرَ به القرآن، غَلبتِ الرومُ فارسَ بعد غَلَبِهم غَلَبًا عظيمًا جدًا، وقصّتُهم في ذلك يطولُ بسطُها، وقد شرحناها في "التفسير" بما فيه الكفاية، وللّه الحمدُ والمِنّةُ. وقال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] وكذلك وقع، أظهرَ الله من آياتِه ودلائِله في أنفس البشر وفي الآفاق بما أوقعَه من الناس بأعداء النبوة، ومخالفي الشرع ممن كذَّبَ به من أهلِ الكتابين، والمجوس والمشركين، ما دلَّ ذوي البصائر والنُّهى على أن محمدًا رسول الله حقًا، وأن ما جاءَ به من الوحي عن الله صدق، وقد أوقعَ له في صدور أعدائه وقلوبهم رُعبًا ومهابةً وخوفًا، كما ثبتَ عنه في الصحيحين أنه قال: "نُصرتُ بالرعب

стр. 2983

مسيرةَ شهر" (١) وهذا من التأييد والنصر الذي آتاه اللّه ، وكان عدوّه يخافُه وبينه وبينه مسيرة شهر، وقيل: كان إذا عزمَ على غزو قومٍ أُرعبوا قبل مجيئه إليهم، ووروده عليهم بشهر، صلواتُ اللّه وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين. فصل وأما الأحاديث الدّالة على إخباره بما وقعَ كما أخبر، فمن ذلك ما أسلفنَاه في قصة الصحيفة التي تعاقدت فيها بطونُ قريش، وتمالؤوا على بني هاشم وبني المطلب ألا يُؤووهم، ولا يُناكحوهم، ولا يُبايعوهم، حتى يُسلموا إليهم رسولَ الله ﷺ . فدخلت بنو هاشم وبنو المطلب، بمُسلمهم وكافرهم شِعبَ أبي طالب آنِفِينَ لذلك مُمتنعينَ منه أبدًا، ما بَقُوا دائمًا، ما تَناسلوا وتَعاقبوا. وفي ذلك عمل أبو طالب قصيدته اللامية التي يقول فيها: كذَبتُم وَبَيتِ اللّه نبزي (٢) مُحَمَّدًا … وَلَمَّا نُقَاتِل دُونَهُ وَنُنَاضِل ونُسلِمُهُ حَتَّى نُصَرَّعَ حَولَهُ … ونَذهَلَ عَنْ أَبنائِنَا والحَلائِلِ وَمَا تَرْكُ قَومٍ لَا أبا لَكَ سَيّدًا … يَحُوطُ الذِّمَارَ غيرَ ذَرْبٍ مُواكِلِ وَأَبيضَ يُستَسْقى الغَمامُ بِوَجْهِهِ … ثِمَالُ اليتَامَى عِصْمَةٌ لِلأرامِلِ يَلوذُ بِهِ الهُلّاكُ مِن آلِ هاشِمٍ … فَهُمْ عِنْدَهُ في نِعْمةٍ وَفَواضِلِ وكانت قريشٌ قد علَّقت صحيفة التعاقد في سقف الكعبة، فسلَّطَ اللّه عليها الأَرَضةَ فأكلت ما فيها من أسماء الله، لئلا يجتمعَ بما فيها من الظلم والفجور، وقيل: إنها أكلتْ ما فيها إِلَّا أسماء الله ، فأخبرَ بذلك رسولُ اللّه ﷺ عمَّه أبا طالب، فجاء أبو طالب إلى قريش فقال: إن ابن أخي قد أخبرَني بخيرٍ عن صحيفَتكم، فإن اللّه قد سقَطَ عليها الأرَضة فأكلتهَا إِلَّا ما فيها من أسماء اللّه، أو كما قال: فأحْضِرُوها، فإن كان كما قال وإلا أسلمتُه إليكم، فانزلُوها ففتحوها فإذا الأمرُ كما أخبرَ به رسولُ الله ﷺ فعند ذلك نقضُوا حكمَها ودخلتْ بنو هاشم وبنو المطلب مكة، ورجعوا إلى ما كانوا عليه قبل ذلك، كما أسلفنا (٣) ذكرَه، ولله الحمد. ومن ذلك حديثُ خبَّاب بن الأرت، حين جاء هو وأمثالهُ من المستضعفين يَستنصرون النبيَّ ﷺ ، وهو يتوَسَّدُ رداءَه في ظلِّ الكعبة فيدعو لهم لما هم فيه من العذاب والإهانة، فجلسَ مُحْمَرًا وجهُه وقال:

стр. 2984

"إن من كان قبلكم كان أحدُهم يُشقُّ باثنتين، ما يصرفُه ذلك عن دينه، واللّه ليتمّنَّ اللّه هذا الأمرَ ولكنّكم تَستعجلون" (١). ومن ذلك الحديث الذي رواه البخاري: حَدَّثَنَا محمد بن العلاء، حَدَّثَنَا حمَّادُ بن أسامة، عن بُرَيد بن عبد اللّه بن أبي بُردة، عن أبيه، عن جده أبي بُردة، عن أبي موسى؛ أُراهُ عن النَّبِيّ ﷺ قال: "رأيتُ في المنام أني أهاجرُ من مكةَ إلى أرضٍ فيها نخلٌ، فذهبَ وَهَلي (٢) إلى أنها اليَمَامةُ أو هَجَرٌ، فإذا هي المدينةُ يَثرب، ورأيتُ في رؤياي هذه أني هززتُ سيفًا فانقطعَ صدرُه، فإذا هو ما أُصيبَ من المؤمنينَ يومَ أُحدٍ، ثم هززتُه أخرى فعادَ أحسنَ ما كان، فإذا هو ما جاءَ به من الفتح واجتماعِ المؤمنينَ، ورأيتُ فيها بَقرًا والله خيرٌ، فإذا هُم المؤمنون يومَ أُحدٍ، وإذا الخيرُ ما جاء اللّه به من الخير وثوابِ الصدقِ الذي آتانا اللّه بعدَ يوم بدر" (٣). ومن ذلك قصة سعد بن معاذ مع أمية بن خلف حين قدم عليه مكة. قال البخاري: حَدَّثَنَا أحمدُ بن إسحاق، حَدَّثَنَا عُبيد اللّه بن موسى، حَدَّثَنَا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد اللّه بن مسعود قال: انطلقَ سعدُ بن معاذ مُعتمرًا، فنزلَ على أُميّةَ بن خلف، أبي صفوانَ، وكان أميّةُ إذا انطلقَ إلى الشام فمرَّ بالمدينة نزلَ على سعدٍ، فقال أميّةُ لسعدٍ: انتظر حتى إذا انتصفَ النهارُ وغفلَ الناسُ انطلقتَ فطفتَ، فبينما سعدٌ يطوفُ فإذا أبو جهل، فقال: من هذا الذي يطوفُ بالكعبة؛ فقال سعدٌ: أنا سعد، فقال أبو جهل: تطوفُ بالكعبة آمنًا وقد آويتُم محمّدًا وأصحابَه؛ فقال: نعم، فتلاحيا بينهما، فقال أميّةُ لسعدٍ: لا ترفع صوتَك على أبي الحكم فإنه سيّدُ أهل الوادي، ثم قال سعد: والله لئن منعتني أن أطوفَ بالبيت لأقطعنَّ متجرَك بالشام، قال: فجعلَ أميةُ يقولُ لسعدٍ: لا ترفع صوتَك، وجعل يُمسكه، فغضِبَ سعدٌ فقال: دعنا عنكَ، فإني سمعتُ محمَّدًا يزعمُ أنه قاتلُك، قال: إيايَ؟ قال: نعم، قال: واللّه ما يكذبُ محمّدٌ إذا حدَّثَ، فرجعَ إلى امرأته فقال: أما تعلمينَ ما قال لي أخي اليثربي؟ قالت: وما قالَ لكَ؛ قال: زعمَ أنه سمعَ محمّدًا يزعمُ أنه قاتلي، قالت: فوالله ما يكذبُ محمّد، قال: فلما خرجوا إلى بدر وجاء الصريخُ، قالت له امرأته: أما ذكرتَ ما قالَ لك أخوك اليثربيُّ؟ قال: فأرادَ ألا يخرجَ، فقال له أبو جهل: إنك من أشرافِ الوادي، فسر يومًا أو يومَين، فسارَ معهم فقتلَهُ اللّه (٤).

стр. 2985

وهذا الحديث من أفراد البخاري، وقد تقدَّمَ بأبسطَ من هذا السياق. ومن ذلك قصة أبيّ بن خلف الذي كان يعلفُ حِصَانًا له، فإذا مرَّ برسول اللّه ﷺ يقول: إني سأقتلُك عليه، فيقولُ له رسول الله ﷺ : "بل أنا أقتلُك إن شاء اللّه" (١) فقتلَه يوم أحد كما قدَّمنا بسطَه. ومن ذلك إخبارُه عن مَصارع القتلى يومَ بدرٍ كما تقدم الحديثُ في الصحيح؛ أنه جعل يشيرُ قبلَ الوقعةِ إلى محلها ويقول: "هذا مصرعُ فلان غدًا إن شاء اللّه، وهذا مصرعُ فلان" (٢) قال: فوالذي بعثَه بالحقِّ ما حادَ أحدٌ منهم عن مكانه الذي أشارَ إليه رسولُ اللّه ﷺ . ومن ذلك قولُه لذلك الرجل الذي كان لا يتركُ للمشركين شادةً ولا فاذّةً إِلَّا اتبعها ففراها بسيفه، وذلك يوم أحد، وقيل: خيبر - وهو الصحيح - وقيل: في يوم حُنين، فقال الناس: ما أغنى أحدٌ اليوم ما أغنى فلان، يقال: إنه قَزْمَان، فقال: "إنه من أهل النار" فقال بعضُ الناسِ: أنا صاحبُه، فاتَّبعَه، فجُرح، فاستعجلَ الموتَ، فوضعَ ذُبَابَ سيفه في صدرِه ثم تحاملَ عليه حتى أنفذَه، فرجعَ ذلك الرجل فقال: أشهدُ أن لا إله إِلَّا اللّه وأَنَّكَ رسولُ اللّه، فقال: "وما ذاك؟ " فقال: إن الرجلَ الذي ذكرتَ آنفًا كان من أمره كيتَ وكيتَ. فذكرَ الحديث (٣)، كما تقدم. ومن ذلك إخبارُه عن فتح مدائن كسرى وقصور الشام وغيرها من البلاد يومَ حَفر الخندق، لمَّا ضربَ بيده الكريمة تلك الصخرةَ فبَرِقَت من ضربه، ثم أخرى، ثم أُخرى، كما قدَّمنا (٤). ومن ذلك إخبارُه ﷺ عن ذلك الذراع (٥) أنه مسمومٌ، فكان كما أخبرَ به، اعترف اليهودُ بذلك، وماتَ من أكلَ معه - بِشْرُ بن البراء بن مَعرور -. ومن ذلك ما ذكرَه عبدُ الرزاق، عن مَعمر؛ أنه بلغَه أن رسولَ الله ﷺ قال ذات يوم: "اللهم نجِّ

стр. 2986

أصحابَ السفينة" (١) ثم مكثَ ساعةً، ثم قال: "قد استمرَّتْ" والحديثُ بتمامه في "دلائل النبوة" للبيهقي، وكانت تلك السفينة قد أشرفتْ على الغرق، وفيها الأشعريون الذين قَدِمُوا عليه وهو بخيبر. ومن ذلك إخبارُه عن قبر أبي رِغَال، حين مرَّ عليه وهو ذاهبٌ إلى الطائف وأنَّ معه غصنًا من ذهب، فحفرُوه فوجدُوه كما أخبرَ، صلواتُ اللّه وسلامُه عليه. رواه أبو داود (٢)، من حديث أبي إسحاق، عن إسماعيل بن أمية، عن بحر بن أبي بحر، عن عبد اللّه بن عمرو به. ومن ذلك قولُه ﵊ للأنصار، لما خطبَهم تلك الخطبة مسلِّيًا لهم عمَّا كان وقعَ في نفوس بَعضِهم من الإيثار عليهم في القِسْمَة لما تألَفَ قلوبَ من تألَّفَ من ساداتِ العرب، ورؤوس قريش، وغيرهم، فقال: "أما ترضون أن يذهبَ الناسُ بالشاه والبعير، وتذهبُون برسول اللّه تَحوزُونه إلى رحالكم؟ " (٣). وقال: "إنكم ستجدون بعدي أثرةً فاصبرُوا حتى تلقوني على الحوض" (٤). وقال: "إن الناسَ يكثُرون وتقلّ الأنصار" (٥). وقال لهم في الخطبة قبلَ هذا على الصفا: "بل المَحْيَا مَحْيَاكم، والمماتُ مماتكم" (٦). وقد وقع جميعُ ذلك كما أخبرَ به سواءٌ بسواء. وقال البخاري (٧): حَدَّثَنَا يحيى بن بكير، حَدَّثَنَا اللَّيث، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: وأخبرني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ : "إذا هَلَكَ كِسْرى فلا كِسْرى بعدَه، وإذا هلك قيصرَ فلا قيصرُ بعدَه، والذي نفسُ محمَّد بيده لتنفقنَّ كنوزهما في سبيل اللّه".

стр. 2987

ورواه مسلم (١) عن حرملة، عن ابن وهب، عن يونس، به. وقال البخاري (٢): حَدَّثَنَا قبيصة، حَدَّثَنَا سفيان، عن عبد الملك بن عُمير، عن جابر بن سمرة، رفعه: "إذا هلكَ كِسرى فلا كسرى بعدَه، واذا هَلَكَ قيصرُ فلا قيصَرَ بعدَه" وقال: "لتنفقنَّ كنوزهما في سبيل الله". وقد رواه البخاري أيضًا ومسلم من حديث جرير (٣)، وزاد البخاري وأبي عَوانة ثلاثتُهم عن عبد الملك بن عُمير، به. وقد وقعَ مِصداقُ ذلك بعدَه في أيام الخلفاء الثلاثة أبي بكر، وعمر، وعثمان، استوثقت هذه الممالكُ فتحًا على أيدي المسلمين، وأنفقتْ أموالُ قيصرَ ملك الروم، وكسرى ملك الفرس، في سبيل الله، على ما سنذكُره بعدُ إن شاء اللّه. وفي هذا الحديث بشارةٌ عظيمة للمسلمين، وهي أن مُلكَ فارسَ قد انقطعَ فلا عودةَ له، ومُلك الروم للشام قد زالَ عنها، فلا يملكوه بعدَ ذلك، ولله الحمدُ والمِنّة. وفيه دلالةٌ على صحّة خلافِة أبي بكر، وعمر، وعثمان، والشهادةُ لهم بالعدل، حيث أُنفقت الأموال المغنومة في زمانهم في سبيل الله على الوجه المَرضيّ الممدوح. وقال البخاري (٤): حَدَّثَنَا محمد بن الحكم، حَدَّثَنَا النضر، حَدَّثَنَا إسرائيلُ، حَدَّثَنَا سعدٌ الطائيُّ، أخبرنا مُحِلُّ بن خليفةَ، عن عديّ بن حاتم، قال: بينا أنا عند النَّبِيّ ﷺ إذ أتاه رجلٌ، فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخرُ فشكا إليه قَطْعَ السبيل، فقال: "يا عديُّ هل رأيتَ الحِيْرةَ؟ " قلتُ: لم أرَها، وقد أُنبئتُ عنها، قال:، فإن طالتْ بك حياةٌ لترَينَّ الظعينةَ ترتحلُ من الحيرةِ حتى تطوفَ بالكعبة ما تخافُ أحَدًا إِلَّا الله ". قلتُ فيما بيني وبين نفسي: فأينَ دُعَّارُ طيئ (٥) الذين قد سَعَّروا (٦) البلادَ؟ "ولئن طالتْ بك حياةٌ لتفتحنَّ كنوز كسرى"

стр. 2988

قلت: كسرى بن هرمز؛ قال: "كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة لترينَّ الرجلَ يُخرجُ مِلءَ كفِّه من ذهبٍ أو فضّةٍ، يطلبُ من يَقبلُه منه فلا يجدُ أحدًا يقبلُه منه، وليلقين اللّه أحدُكم يومَ يلقاه وليس بينه وبينه ترجمانٌ يُترجم له، فيقولنَّ له: ألم أبعثْ إليك رسولًا فيُبلِّغكَ؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أعطِكَ مالًا وولدا (١) وأُفضل عليكَ؟ فيقول: بلى، فينظرُ عن يمينه فلا يرى إِلَّا جهنَّمَ، وينظرُ عن يساره فلا يرى إِلَّا جهنَّمَ". قال عدي: سمعتُ رسولَ اللّه ﷺ يقول: "اتقوا النَّارَ ولو بشقِّ تمرة، فإن لم (٢) تجد فبكلمةٍ طيّبة". قال عدي: فرأيتُ الظعينةَ ترتحلُ من الحِيرة حتى تطوفَ بالكعبة فلا تخافُ إِلَّا اللّه عر وجل، وكنتُ فيمن افتتحَ كنوزَ كسرى بن هرمز، ولئن طالتْ بكم حياةٌ لترون ما قال النَّبِيّ أبو القاسم ﷺ : "يُخرجُ ملءَ كفّه". ثم رواه البخاري (٣) عن عبد اللّه بن محمد - هو أبو بكر بن أبي شيبة - عن أبي عاصم النبيل، عن سَعدان بن بشرٍ، عن أبي مجاهد - سعد الطائي - عن مُحِلّ عنه، به. وقد تفرَّد به البخاريُّ من هذين الوجهين. ورواه النسائيُّ (٤)، من حديث شعبة، عن مُحِلّ عنه: "اتقوا الثار ولو بِشق تمرة". وقد رواه البخاري من حديث شعبة، ومسلم من حديث زهير، كلاهما عن أبي إسحاق، عن عبد اللّه بن مَعْقِلٍ، عن عدي مرفوعًا: "اتقوا النَّارَ ولو بشق تمرةٍ" (٥). وكذلك أخرجاه في الصحيحين (٦)، من حديث الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن خيثمة، عن عدي.

стр. 2989

وفيهما (١)، من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن خيثمة، عن عدي، به. وهذه كلّها شواهدُ لأصل هذا الحديث الذي أوردناه. وقد تقدم في غزوة الخندق الإخبار بفتح مدائن كسرى وقصوره، وقصور الشام، وغير ذلك من البلاد. وقال الإمام أحمد (٢): حَدَّثَنَا محمد بن عًبيد، حَدَّثَنَا إسماعيل، عن قيس، عن خبَّاب قال: أتينا رسولَ اللّه ﷺ وهو في ظِلِّ الكعبةِ مُتَوَسِّدًا بردةً له، فقلنا: يا رسولَ اللّه، ادعُ اللّه لنا واستنصِرْه، قال: فاحمَرَّ لونُه أوٍ تغيَّر، فقال: "لقد كان من قبلَكم تُحفر له الحُفيرةً، ويُجاء بالميشار فيُوضع على رأسه فيُشقّ ما يصرفه عن دينه، ويُمْشَط بأمشاط الحديد ما دونَ عظمٍ أو لحمٍ أو عَصَبٍ ما يصرفُه عن دينه، وليُتِمَّنَّ اللّه هذا الأمرَ حتى يسيرَ الراكبُ ما بين صنعاءَ إلى حضرَموْت ما يَخشى إِلَّا اللّه والذئبَ على غنمه، ولكنَكم تَعجلون". وهكذا رواه البخاريُّ (٣) عن مُسَدد، ومحمَّد بن المثنى، عن يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، به. ثم قال البخاريُّ في كتاب"علامات النبوة": حَدَّثَنَا سعيدُ بن شُرحبيل، حَدَّثَنَا ليث، عن يزيدَ بن أبي حَبيب، عن أبي الخير، عن عقبةَ، عن النَّبِيّ ﷺ ؛ أنه خرج (٤) يومًا فصلَّى على أهل أُحُدٍ صلاتَه على الميّت، ثم انصرفَ إلى المِنبَرِ فقال: "أنا (٥) فَرطُكم، وأنا شهيدٌ عليكم، وإني والله لأنظرُ إلى حَوْضي الآن، وإني قد أُعطيت مفاتيحَ خزائن الأرض، وإني واللّه ما أخافُ بعدي أن تُشْركُوا، ولكني أخافُ أن تَنافَسُوا فيها" (٦). وقد رواه البخاري أيضًا، من حديث حَيوَةَ بن شُريح، ومسلم، من حديث يحيى بن أيوب، كلاهُما عن يزيد بن أبي حَبيب، كرواية الليث عنا (٧). ففي هذا الحديث مما نحنُ بصدده أشياء، منها: أنه أخبرَ الحاضرين أنه فرَطُهم، أي: المتقدم

стр. 2990

عليهم في الموت، وهكذا وقعَ، فإن هذا كان في مرض موْته ﵊، ثم أخبرَ أنه شهيدٌ عليهم وإن تقدَّمتْ وفاتُه عليهم، وأخبرَ أنه أُعطي مفاتيحَ خزائن الأرض، أي: فُتحت له البلاد كما جاء في حديث أبي هريرة المتقدم. قال أبو هريرة: فذهبَ رسولُ اللّه ﷺ وأنتم تفتحونها كَفرًا كَفرًا؛ أي بلدًا بلدًا، وأخبرَ أن أصحابَه لا يُشركون بعدَه، وهكذا وقعَ وللّه الحمد والمِنّة، ولكن خافَ عليهم أن ينافسُوا في الدنيا، وقد وقعَ هذا في زمان عليٍّ ومعاوية ﵄، ثم مَن بعدَهما، وهلمَّ جرًا إلى وقتنا هذا. ثم قال البخاري: حَدَّثَنَا عليُّ بن عبد اللّه، أخبرنا أزهرُ بن سعد، أخبرنا ابنُ عَوْن، أنبأني موسى بنُ أنس بن مالك، عن أنس: أن النبيَّ ﷺ افتقدَ ثابتَ بن قَيْس، فقال رجلٌ: يا رسولَ اللّه، أنا أعلمُ لك علمَه؛ فأتاه فوجدَه جالسًا في بيته مُنكِّسًا رأسَه، فقال: ما شأنُك؛ فقال: شرًا، كان يرفعُ صوتَه فوقَ صوتِ النَّبِيِّ ﷺ ، فقد حَبِطَ عملُه، وهو من أهلِ النَّار، فأتى الرجلُ فأخبَره أنه قال كذا وكذا، قال موسى: فرجعَ المرّة الآخِرَة ببشارةٍ عظيمةٍ، فقال: "اذهبْ إليه فقل له: إنك لستَ من أهلِ النَّار، ولكن من أهلِ الجنة". تفرد به البخاريّ (١). وقد قُتل ثابتُ بن قيس بن شمَّاس شهيدًا يوم اليمامة كما سيأتي تفصيلُه. وهكذا ثبتَ في الحديث الصحيح البشارة لعبد اللّه بن سَلام أنه يموتُ على الإسلام، ويكون من أهل الجنة، وقد مات ﵁ على أكملِ أحوالِه وأجملها، وكان الناسُ يَشهدون له بالجنة في حياته؛ لإخبار (٢) الصادق عنه بأنه يموتُ على الإسلام، وكذلك وقع. وقد ثبتَ في الصحيح الإخبار عن العشر (٣) بأنهم من أهل الجنة. بل ثبتَ أيضًا الإخبار عنه ﷺ "بأنه لا يدخل النَّارَ أحدٌ بايعَ تحتَ الشجرة (٤) " وكانوا ألفًا وأربعمئة،

стр. 2991

وقيل: وخمسمئة، ولم يُنقلْ أن أحدًا من هؤلاء ﵁ عاشَ إِلَّا حميدًا، ولا ماتَ إِلَّا على السَّداد والاستقامة والتوفيق، وللّه الحمد والمنة. وهذا من أعلام النبوات، ودلائل (١) الرسالة. فصل في الإخبار بغيوبٍ ماضية ومُستقبلة روى البيهقيّ، من حديث إسرائيل، عن سِماك، عن جابر بن سمرة، قال: جاءَ رجلٌ فقال: يا رسول اللّه إن فلانًا مات، فقال: "لم يمتْ" فعادَ الثانية فقال: إن فلانًا مات، فقال: "لم يمت" فعاد الثالثة فقال: إن فلانًا (مات) نحرَ نفسه بِمشقصٍ عندَه، فلم يصلِّ عليه (٢). ثم قال البيهقيّ: تابعه زهير عن سماك. ومن ذلك الوجه رواه مسلم (٣) ختصرًا في الصلاة. وقال أحمد (٤): حَدَّثَنَا أسود بن عامر، حَدَّثَنَا هُرَيم بن سفيان، عن بَيَان بن بشر، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي شَهم، قال: مرَّتْ بي جاريةٌ بالمدينة فأخذتُ بكَشْحها (٥)، قال: وأصبحَ الرسولُ ﷺ يُبايع الناسَ، قال: فأتيتُه فلم يُبايعْني، فقال: "صاحبُ الجبيذة؟ " (٦) قال: قلتُ: واللّه لا أعودُ، قال: فبايعني. ورواه النسائي (٧) عن محمد بن عبد الرحمن المُخَرَّمي، عن أسود بن عامر، به. ثم رواه أحمد عن سُرَيج، عن يزيد بن عَطاء، عن بَيان بن بِشر، عن قيس، عن أبي شَهْم، فذكره (٨).

стр. 2992

وفي صحيح البخاري (١): عن أبي نُعيم، عن سفيانَ، عن عبد اللّه بن دِينار، عن عبد اللّه بن عمر، قال: كنا نتقي الكلامَ والانبساطَ إلى نسائِنا في عهدِ رسولِ اللّه ﷺ خشيةَ أن ينزلَ فينا شيءٌ، فلما توفي النَّبِيِّ ﷺ تكلّمنا وانبَسطنا. وقال ابنُ وهب (٢): أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد أنه قال: واللّه لقد كان أحدنا يكف عن الشيء مع امرأته وهو وإياها في ثوب واحد تخوفًا أن ينزل فيه شيء من القرآن. وقال أبو داود (٣): حَدَّثَنَا محمد بن العلاء، حَدَّثَنَا ابن إدريس، حَدَّثَنَا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن رجل من الأنصار، قال: خرجنا مع رسول اللّه ﷺ في جنازة فرأيتُ رسولَ اللّه ﷺ وهو على القبر يُوصي الحافر: "أوسعْ من قبل رجليه، أوسع من قبل رأسه" فلما رجع استقبله داعي امرأة، فجاء وجيء بالطعام فوضع يده فيه ووضع القوم أيديهم فأكلوا فنظر آباؤنا رسولَ اللّه ﷺ يلوك لقمة في فيه، ثم قال: "أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها، قال: فأرسلت المرأة: يا رسول اللّه إني أرسلت إلى البقيع يشترى لي شاة فلم توجد، فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة: أن أرسل بها إليَّ بثمنها فلم يوجد، فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إليَّ بها، فقال رسول اللّه ﷺ : "أطعميه الأسارى". فصل في ترتيب الإخبار بالغيوب المستقبلة بعده ﵊ ثبت في صحيح البخاري ومسلم، من حديث الأعمش، عن أبي وائل، عن حُذيفة بن اليَمان: قال: قامَ رسول اللّه فينا مَقامًا، ما تركَ فيه شيئًا إلى قيامِ السَّاعة إِلَّا ذكرَه، عَلِمَه مَن عَلِمَه، وجَهِلَه مَن جَهِلَه، وقد كنتُ أرى الشيءَ قد كنتُ نسيتُه فأعرفه كما يعرفُ الرجلُ الرجلَ إذا غابَ عنه فرآهُ فعرفَه (٤). وقال البخاري (٥): حَدَّثَنَا يحيى بن موسى، حَدَّثَنَا الوليدُ، حدَّثني ابن جابر، حدَّثني بُسر بن

стр. 2993

عُبيد اللّه الحضرميّ، حدَّثني أبو إدريس الخَولاني؛ أنه سمع حذيفةَ بن اليَمان يقولُ: كان الناسُ يَسألون رسولَ اللّه ﷺ عن الخيرِ، وكنتُ أسألُه عن الشر مخافةَ أن يُدركَني، فقلتُ: يا رسولَ اللّه، إنا كنّا في جَاهليةٍ وسرّ، فجاءَ اللّه بهذا الخير، فهل بعدَ هذا الخير من شرّ؟ قال: "نعم" قلتُ: وهل بعد ذلك الشرِّ من خَيْر؟ قال: "نعم، وفيه دَخَنٌ" قلتُ: وما دَخَنُه؟ فقال: "قومٌ يَهْدُون بغير هَدي تَعرفُ منهم وتُنكر" قلت: فهل بعد ذلك الخيرِ من شرٍّ؟ قال: "نعم، دُعاةٌ على أبواب جهنّم، مَن أجابَهم إليها قَذَفوه فيها" قلتُ: يا رسولَ الله صِفهم لنا، قال: "هم من جِلدتِنَا، ويتكلّمون بألسنتنا" قلت: فما تَأْمُرني إن أدركني ذلك؟ قال: "تلزمُ جَماعةَ المسلمين وإمامَهم" قلت: فإن لم يكنْ لهم جماعةٌ ولا إمامٌ؟ قال: "فاعتزلْ تلكَ الفِرقَ كلَّها، ولو أن تعضَّ بأصل شجرة حتى يُدرِكَكَ الموتُ وأنت على ذلك". وقد رواه البخاري أيضًا ومسلم (١)، عن محمد بن المثنى، عن الوليد، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، به. قال البخاري، حَدَّثَنَا محمد بن مثنى، حَدَّثَنَا يحيى بنُ سعيد، عن إسماعيل، عن قيس، عن حذيفةَ قال: تعلَّمَ أصحابي الخيرَ، وتعلّمتُ الشرَّ. تفرد به البخاري (٢). وفي صحيح مسلم من حديث شعبةَ، عن عديّ بن ثابت، عن عبد اللّه بن يَزيد، عن حذيفةَ، قال: لقد حدَّثني رسولُ اللّه ﷺ بما يكونُ حتى تقومَ الساعةُ، غير أني لم أسألْه ما يُخرجُ أهلَ المدينة منها (٣). وفي صحيح مسلم، من حديث عِلْبَاء بن أحمر، عن أبي زيد - عمرو بن أخطب - قال: أخبرنا رسولُ الله ﷺ بما كان وبما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، فأعلمنا أحفظُنا (٤). وفي الحديث الآخر: حتى دخلَ أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ، وأهلُ النَّارِ النَّارَ (٥). وقد تقدَّمَ حديثُ خبَّاب بن الأرت: "واللّه ليتمنّ الله هذا الأمرَ ولكنَّكم تستعجلون" (٦). وكذا حديث عدي بن حاتم (٧) في ذلك.

стр. 2994

وقال اللّه تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [النور: ٥٥]. وفي صحيح مسلم، من حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: قال رسول اللّه ﷺ : "إن الدنيا حُلوَة خضرة، وإن اللّه مستخلفكم فيها فناظرٌ كيف تعملون، فاتقُوا الدنيا، واتَّقُوا النساءَ، فإنَّ أولَ فتنة بني إسرائيل كانت في النساء" (١). وفي حديث آخر: "ما تركتُ بعدي فِتنةً هيَ أضرُّ على الرجال من النساء" (٢). وفي الصحيحين، من حديث الزهري، عن عروةَ بن المِسْوَر، عن عمرو بن عَوْف، فذكرَ قصّةَ بعثِ أبي عُبيدة إلى البحرين قال: وفيه قال: قال رسول اللّه ﷺ : "أبشِروا وأمِّلُوا ما يسرُّكم، فواللّه ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تنبسطَ عليكم الدنيا كما بُسطت على مَن كان قبلَكم، فتنافَسوها كما تنافسوها، فتهلكَكم كما أهلكَتْهُم" (٣). وفي الصحيحين، من حديث سفيان الثوري، عن محمد بن المُنْكدر، عن جابرٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "هل لكم من أنماط؟ " قال: قلت يا رسولَ اللّه: وأنى يكونُ لنا أنماط؟ فقال: "أما إنها ستكونُ لكم أنماط". قال: فأنا أقولُ لامرأتي: نَحِّي عني أنماطَك، فتقول: ألم يقلْ رسولُ الله: "إنها ستكون لكم أنماط؟ " فأتركها (٤). وفي الصحيحين، والمسانيد، والسنن وغيرها، من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد اللّه بن الزبير، عن سفيان بن أبي زُهير، قال: قال رسولُ اللّه ﷺ : "تُفتحُ اليمنُ، فيأتي قومٌ يَبُسُّون (٥) فيتحمَّلون بأهليهم ومن أطاعَهم، والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يَعلمون" (٦).

стр. 2995

كذلك رواه عن هشام بن عروة جماعةٌ كثيرون. وقد أسندَه الحافظُ ابن عساكر، من حديث مالك، وسفيان بن عُيينة، وابن جُريج، وأبي مُعاوية، ومالك بن سعد بن الحسن، وأبي ضَمْرة أنس بن عِيَاض، وعبد العزيز بن أبي حازم سلمة بن دينار، وجرير بن عبد الحميد. ورواهُ أحمد (١)، عن يونس، عن حماد بن زيد، عن هشام بن عروة. وعبد الرزاق (٢)، عن ابن جريج، عن هشام. ومن حديث مالك (٣)، عن هشام به بنحوه. ثم روى أحمد (٤)، عن سُليمان بن داود الهاشمي، عن إسماعيل بن جعفر، أخبرني يزيدُ بن خُصَيْفة؛ أن بُسْرَ بن سعيد أخبرَه، أنه سمعَ (٥) في مجلس الليثيين يذكرون أن سُفيان أخبرَهم، فذكر قصة، وفيها: أن رسولَ اللّه ﷺ قال له: "ويُوشك الشامُ أن يُفتح فيأتيه رجالٌ من هذا البلد - يعني: المدينة - فيعجبُهم ريفُه ورخاؤه، والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يَعلمون، ثم يُفتح العراق فيأتي قوم يَبُسُّون، فيتحملون بأهليهم ومَن أطاعهم، والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون" (٦). وأخرجه ابن خزيمة من طريق إسماعيل. ورواه الحافظ ابنُ عساكر من حديث أبي ذر، عن النَّبِيّ ﷺ بنحوه. وكذا حديث ابن (٧) حوالة. ويشهدُ لذلك: "مَنَعتِ الشَّامُ مدها ودينارَها، وَمَنعتِ العراقُ درهمها وقَفِيزَها، ومنعت مصرُ أَرْدُبَّهَا ودينارَها، وعُدتم من حيث بَدأتم" وهو في الصحيح (٨).

стр. 2996

وكذلك حديث: المواقيت لأهل الشام واليمن، وهو في الصحيحين (١)، وعند مسلم (٢): ميقات أهل العراق. ويشهد لذلك أيضًا حديث: "إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل اللّه " (٣). وفي صحيح البخاري، من حديث أبي إدريس الخَوْلاني، عن عَوْف بن مالك؛ أنه قال: قال رسولُ اللّه ﷺ في غزوة تبوك: "اعدد ستًا بين يدي الساعة … " فذكرَ موته ﵊، ثم فتحَ بيت المقدس، ثم مُوتان - وهو الوباء - ثم كثرةَ المال، ثم فتنةً، ثم هدنةً بين المسلمين والروم" (٤) وسيأتي الحديث فيما بعد. وفي صحيح مسلم، من حديث عبد الرحمن بن شُمَاسَة، عن أبي ذر، قال: قال رسولُ اللّه ﷺ : "إنكم ستفتحون أرضًا يُذكر فيها القيراطُ فاستوصُوا بأهلها خيرًا، فإن لهم ذِمّةً وَرَحِمًا، فإذا رأيتَ رجلين يَختصمان في موضع لَبِنَة فاخرج منها" (٥). قال: فمرَّ بربيعةَ وعبد الرحمن ابني شُرحبيل بن حَسَنَة يختصمان في موضع لَبِنة، فخرجَ منها. يعني ديار مصر، على يدي (٦) عمرو بن العاص في سنة عشرين، كما سيأتي. وروى ابن وهب، عن مالك والليث، عن الزهري، عن ابن لكعب بن مالك (٧)، أن رسول اللّه ﷺ قال: "إذا افتتحتم مصر فاستوصُوا بالقبط خيرًا، فإن لهم ذمة ورحمًا". ورواه البيهقيّ، من حديث إسحاق بن راشد (٨)، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن

стр. 2997

مالك، عن أبيه (١). وحكى أحمد بن حنبل، عن سفيان بن عيينة أنه سُئل عن قوله: "ذمةً ورحمًا" فقال: مِن الناس مَن قال: إن أم إسماعيل - هاجر - كانت قبطية، ومن الناس من قال: أم إبراهيم. قلت: الصحيحُ الذي لا شكَّ فيه أنهما قبطيتان كما قدَّمنا ذلك، ومعنى قوله: "ذمةً" يعني بذلك هديَّة المُقوقس إليه وقبولَه ذلك منه، وذلك نوع ذِمام ومُهادنة، واللّه تعالى أعلم. وتقدَّم ما رواه البخاريُّ من حديث مُحِلّ بن خليفة، عن عديّ بن حاتم، في فتح كنوز كسرى وانتشار الأمن، وفيضان المال حتى لا يتقبَّلَه أحدٌ، وفي الحديث أن عديًّا شهدَ الفتحَ، ورأى الظعينةَ ترتحلُ من الحيرة إلى مكة لا تخاف إِلَّا اللّه، قال: ولئن طالت بكم حياةُ لترونَّ ما قال أبو القاسم ﷺ ، من كثرة المال حتى لا يقبلَه أحدٌ. قال البيهقيُّ: وقد كان ذلك في زمن عمرَ بن عبد العزيز (٢). قلت: ويُحتمل أن يكون ذلك متأخرًا إلى زمن المَهدي؛ كما جاء في صفته، أو إلى زمن نزول عيسى ابن مريم ﵇ بعد قتله الدجال، فإنه قد ورد في الصحيح (٣) أنه يقتلُ الخِنزيرَ، ويكسرُ الصليبَ، ويفيضُ المالُ حتى لا يقبلَه أحدٌ، واللّه تعالى أعلم. وفي صحيح مسلم من حديث ابن أبي ذِئب، عن مُهاجر بن مِسمَار، عن عامر بن سعد، عن جابر بن سَمُرة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا يزالُ هذا الدينُ قائمًا ما كان اثنا عشرَ خليفة كلّهم من قريش، ثم يخرج كذابون بين يدي الساعة، وليفتحنَّ عصابةٌ من المسلمين كنزَ القصر الأبيض، قصر كسرى، وأنا فَرَطُكم على الحوض" الحديث بمعناه (٤). وتقدم حديث عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن همَّام، عن أبي هريرة، مرفوعًا: "إذا هلكَ قيصرُ فلا

стр. 2998

قيصرَ بعده، وإذا هلكَ كسرى فلا كسرى بعدَه، والذي نفسي بيده لتنفقنَّ كنوزَهما في سبيل الله " أخرجاه (١). وقال البيهقيّ (٢): المراد زوال ملك قيصر، عن الشام، ولا يبقى كبقاءِ ملكهِ على الروم، لقوله ﵇، لما عظم كتابه: ثبت ملكه، وأما ملك فارس فبادَ بالكلية، لقوله: "مزَّق اللّه ملكَه". وقد روى أبو داود (٣) عن محمد بن عُبيد، عن حمَّاد، عن يونس، عن الحسن؛ عن عمر بن الخطاب. وروينا (٤) من طريق أخرى عن عمرَ بن الخطاب ﵁، لما جيء بفروة كِسرى وسيفه ومنطقته وتاجه وسواريه ألبسَ ذلك كلَّه لسراقةَ بن مالك بن جُعشم، وقال: قل الحمد لله الذي ألبسَ ثيابَ كسرى لرجل أعرابي من البادية. قال الشافعيُّ (٥): إنما ألبسَه ذلك لأن النبيَّ ﷺ قال لسراقة - ونظر إلى ذراعيه -: "كأني بك وقد لبستَ سواري كسرى" واللّه أعلم. وقال سفيان بن عيينة: عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عدي بن حاتم، قال: قال رسول اللّه ﷺ : "مُثِّلَت لي الحيرةُ كأنياب الكلاب، وإنكم ستفتحونها" فقام رجلٌ، فقال: يا رسول اللّه، هب لي ابنةَ بُقَيْلَة، قال: "هي لك" فأعطوه إياها، فجاء أبوها فقال: أتبيعها؟ قال: نعم، قال: فبكم؟ قال: احكم ما شئتَ، قال: ألف درهمء قال: قد أخذتها، فقالوا له: لو قلت ثلاثين ألفًا لأخذها، فقال: وهل عددٌ أكثرُ من ألف (٦)؟ وقال الإمام أحمد (٧): حَدَّثَنَا عبدُ الرحمن بن مهدي، حَدَّثَنَا معاوية، عن ضَمرة بن حبيب، أن ابنَ زُغبٍ الإيادي حدَّثه قال: نزلَ عليَّ عبدُ اللّه بن حوالة الأزدي، فقال لي (وإنه لنازلٌ عليَّ في بيتي) (٨): بعثنا رسول اللّه ﷺ حولَ المدينة على أقدامنا لنغنمَ، فرجعنا ولم نغنم شيئًا، وعرف الجَهْدَ في وجوهنا،

стр. 2999

فقام فينا فقال: "اللهم لا تَكِلْهُم إليَّ فأضعفَ، ولا تَكِلْهُم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها، ولا تَكِلْهُم إلى النَّاس فيستأثروا عليهم" ثم قال: "لتفتحنَّ لكم الشامُ والرومُ وفارسُ، أو الرومُ وفارسُ، وحتى يكونَ لأحدِكُم من الإبل كذا وكذا، ومن البقر كذا وكذا، ومن الغنم كذا وكذا، وحتى يُعطى أحدُكم مئةَ دينار فيَسْخَطُها" ثم وضعَ يدَه على رأسي أو على هامتي فقال: "يا بنَ حَوَالةَ، إذا رأيتَ الخلافَةَ قد نزلت الأرضَ المقدسةَ فقد دنت الزلازلُ والبَلابِلُ (١) والأمورُ العظام، والسَّاعة يومئذ أقربُ إلى النَّاس من يدي هذه من رأسِك". ورواه أبو داود (٢): حديث معاوية بن صالح (٣). وقال أحمد (٤): حَدَّثَنَا حيوةُ بن شريح، ويزيدُ بن عبد ربه قالا: حَدَّثَنَا بقيَّة، حدّثني بَحِير بن سعد، عن خالد بن مَعْدَان، عن أبي قُتَيْلَةَ، عن ابن حوالة؛ أنه قال: قال رسولُ الله ﷺ : "سيصيرُ الأمرُ إلى أن تكون جنودٌ مجنَّدةٌ، جندٌ بالشام، وجندٌ باليمن، وجندٌ بالعراق" فقال ابن حَوَالَة: خِرْ لي يا رسولَ الله إن أدركتُ ذلك، فقال: "عليكَ بالشام فإنه خِيْرَةُ الله من أرضِه يَجتبي إليه خيرتَه من عباده، فإن أبيتُم فعليكم بيمنِكم واسْقُوا من غُدُره، فإنَّ الله تكفل لي بالشام وأهله. وهكذا رواه أبو داود (٥)، عن حيوة بن شريح به. وقد رواه أحمد (٦) أيضًا، عن عصام بن خالد وعلي بن عياش، كلاهُما عن حَريز بن عثمان، عن سليمان بن شمير، عن عبد اللّه بن حوالة، فذكر نحوَه. ورواه الوليدُ بن مسلم الدمشقي، عن سعيد بن عبد العزيز، عن مكحولٍ وربيعةَ بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عبدِ الله بن حَوَالة، به (٧).

стр. 3000

وقال البيهقيّ: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، أخبرنا عبدُ اللّه بن جعفر، حَدَّثَنَا يعقوب بن سفيان، حَدَّثَنَا عبدُ الله بن يوسف، حَدَّثَنَا يحيى بن حمزة، حدَّثني أبو علقمة - نصرُ بن علقمة - يَردُّ الحديثَ إلى جُبَيْر بن نُفَيْر. قال: قال عبد اللّه بن حَوَالة: كنّا عندَ رسولِ الله ﷺ فشكونا إليه العُرْيَ والفقرَ، وقِلَّةَ الشيء، فقال: "أبشروا فوالله لأنا بكثرةِ الشيء أخوفني عليكم من قِلَّته، والله لا يزالُ هذا الأمرُ فيكم حتى يفتَح اله عليكم أرضَ الشام - أو قال: أرضَ فارسَ وأرضَ الروم وأرضَ حِمْيَرَ - وحتى تكونوا أجنادًا ثلاثة: جندًا بالشام، وجندًا بالعراق، وجندًا باليمن، وحتى يُعطى الرجل المئة، فيسخَطُها" قال ابنُ حَوَالة: قلت: يا رسولَ الله، ومن يستطيعُ الشام وبه الروم ذاتُ القرون؟ قال: "واللّه ليفتحنَّها الله عليكم، وليستخلفنَّكم فيها حتى تظلَّ العصابةُ البِيضُ منهم قُمُصُهم، الملحمة (١) أقفاؤهم، قيامًا على الرُّوَيْجل الأسودِ منكم المحلوق، ما أمرَهم من شيءٍ فعلوه … " وذكر الحديث. قال أبو علقمة: سمعتُ عبد الرحمن بن مهدي يقول: فعرفَ أصحابُ رسول الله نَعْتَ هذا الحديث في جَزءِ بن (٢) سُهيل السُّلمي، وكان على الأعاجم في ذلك - الزمان، فكانوا إذا راحوا إلى المسجد نظروا إليه وإليهم قيامًا حولَه، فيتعجبون بنعت رسول اللّه ﷺ فيه وفيهم (٣). وقال أحمد: حَدَّثَنَا حجَّاج، حَدَّثَنَا اللَّيث بن سعد، حدَّثني يزيد بن أبي حبيب (٤)، عن ربيعة بن لقيط التجيبي، عن عبد اللّه بن حَوَالة الأزدي؛ أن رسولَ الله ﷺ قال: "من نجا من ثلاثٍ فقد نجا" (قاله ثلاث مرات) قالوا: ماذا يا رسولَ الله؟ قال: "موتي، ومن قتل خليفةٍ مصطبر بالحق يعطيه، والدجال" (٥). وقال أحمد: حَدَّثَنَا إسماعيل بن إبراهيم، حَدَّثَنَا الجُرَيْري، عن عبد الله بن شقيق، عن عبد الله بن حَوالة، قال: أتيتُ على (٦) رسول اللّه ﷺ وهو جالسٌ في ظل دَوْمةٍ (٧)، وهو (٨) عنده كاتب له يُملي

стр. 3001

عليه، فقال: "ألا نكتبك (١) يا بن حوالة؟ " قلتُ: لا أدري ما خارَ اللّه لي ورسولُه، فأعرضَ عني، وأكبَّ على كاتبه يُملي عليه. ثم قال: "ألا نكتبك يا بن حوالة؟ " قلت: لا أدري ما خار الله لي ورسوله، فأعرض عني، وأكبَّ على كاتبه يملي عليه. قال: فنظرتُ فإذا في الكتاب عمر، فقلت: لا يكتبُ عمرَ إِلَّا في خير، ثم قال: "أنكتبك (٢) يا بن حوالة؟ " قلت: نعم، فقال: "يا بن حَوالة، كيف تفعلُ في فتنة تخرجُ في أطراف الأرض كأنها صَيَاصِي (٣) بقر؟ " قلت: لا أدري ما خارَ الله لي ورسولُه، قال: "فكيف تفعلُ في أخرى تخرجُ بعدهَا كأن الأولى فيها انتفاجةٌ (٤) أرنب؟ " قلت: لا أدري ما خارَ اللّه لي ورسولُه، قال: "اتبعُوا هذا" قال: ورجلٌ مقفي حينئذ، فانطلقتُ فسعيْتُ، وأخذتُ بمنكبيه فأقبلتُ بوجهه إلى رسول اللّه ﷺ فقلتُ: هذا؟ قال: "نعم" قال: فإذا هو عثمان بن عفان ﵁." (٥) ". وثبت في صحيح مسلم، من حديث يحيى بن آدم، عن زهير بن معاوية، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه ﷺ : "منعتِ العراقُ درهمَها وقفيزَها، منعتِ الشَّامُ مُدْيَها ودِينارَها، ومنعتِ مصرُ إردبها ودينارها، وعُدتُم من حيث بدأتُم، وعدتُم من حيث بدأتُم، وعدتُم من حيث بدأتُم، شهدَ على ذلك لحمُ أبي هُريرة ودمُه" (٦). وقال يحيى بن آدم وغيره من أهل العلم: هذا من دلائل النبوة حيث أخبرَ عما ضربَه عمرُ على أرض العراق من الدراهم والقفزان، وعما ضربَ من الخراج بالشام ومصر قبل وجود ذلك، صلواتُ اللّه وسلامه عليه. وقد اختلفَ الناسُ في معنى قوله ﵊: "منعتِ العراقُ … " إلخ، فقيل: معناه أنهم يُسلمون فيسقطُ عنهم الخراجُ، ورجَّحه البيهقيُّ (٧)، وقيل: معناه أنهم يَرجعون عن الطاعة ولا يُؤدُّون الخراجَ المضروبَ عليهم، ولهذا قال: وعدتُم من حيثُ بدأتم، أي: رجعتُم إلى ما كنتم عليه قبل ذلك؛ كما ثبت في صحيح مسلم: "إن الإسلامَ بدأ غريبًا وسيعودُ غريبًا فطُوبى للغرباء" (٨).

стр. 3002

ويؤيّدُ هذا القولَ ما رواه الإمامُ أحمد (١): حَدَّثَنَا إسماعيل، عن الجُرَيْري، عن أبي نضرة، قال: كنا عند جابر بن عبد اللّه فقال: يُوشك أهلُ العراق ألا يجبى إليهم قفيزٌ ولا درهمٌ، قلنا: من أين ذلك؟ قال: من قبل العجم، يَمنعون ذلك، ثم قال: يُوشك أهلُ الشام ألا يُجبى إليهم دينارٌ ولا مُدّ، قلنا: من أين ذلك؟ قال: من قبل الروم، يَمنعون ذلك، قال: ثم سكتَ (٢) هُنيهة، ثم قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "يكونُ في آخر أمتي خليفة يَحْثي المال حَثْيًا" (٣)، لا يعدُّه عدًّا". قال الجُرَيْرِيُّ: فقلتُ لأبي نضرة وأبي العلاء: أتريانِه عمرَ بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه؟ فقالا: لا. وقد رواه مسلم (٤)، من حديث إسماعيل بن إبراهيم بن عُلَيّة وعبد الوهاب الثقفي، كلاهُما عن سعيد بن إياس الجُرَيْرِي، عن أبي نَضْرةَ المُنذر بن مالك بن قُطَعَة العَبْدي، عن جابر، كما تقدم. والعجب أن الحافظ أبا بكر البيهقيّ احتجَّ به على ما رجَّحه من أحد القولين المتقدمين، وفيما سلكه نظر، والظاهر خلافه. وَثبت في الصحيحين (٥)، من غير وجه؛ أن رسولَ اللّه ﷺ وقَّتَ لأهل المدينة ذا الحُلَيفة، ولأهل الشام الجُحْفة، ولأهل اليمن يَلَمْلَم، وفي صحيح (٦) مسلم، عن جابر: ولأهل العراق ذاتِ عرق. فهذا من دلائل النبوة، حيث أخبرَ عما وقعَ من حجِّ أهل الشَّام واليمن والعراق، صلواتُ اللّه وسلامه عليه. وفي الصحيحين، من حديث سفيان بن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر، عن أبي سعيد، قال: قال رسول اللّه ﷺ : "ليأتينَّ على النَّاسِ زمانٌ يغزو فيه فِئَامٌ من النَّاس، فيُقال لهم: هل فيكم من صَحِبَ رسولَ اللّه ﷺ ؟ فيقال: نعم. فيفتحُ اللّه لهم، ثم يأتي على الناس زمانٌ فيغزو فئامٌ من الناس، فيُقال لهم: هل فيكم من صحبَ أصحابَ رسول اللّه ﷺ ؟ فيُقال: نعم، فيُفْتَحُ لهم، ثم يأتي على الناس زمان يغزو فيه فئامٌ من الناس، فيقال: هل فيكم من صَحِبَ من صاحبَهم؟ فيُقال: نعم، فيفتح اللّه لهم" (٧).

стр. 3003

وثبت في الصحيحين، من حديث ثور بن زيد، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة، قال: كنا جلوسًا عند رسول الله ﷺ فأُنزلتْ عليه سورةُ الجمعة ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣] فقال رجلٌ: مَن هؤلاء يا رسولَ الله؟ فوضَعَ يدَه على سلمانَ الفارسي وقال: "لو كان الإيمانُ عند الثُّرَيَّا لنالَه رجالٌ من هؤلاء" (١) وهكذا وقع كما أخبر به ﵊. وروى الحافظُ البيهقيّ من حديث محمد بن عبد الرحمن بن عِرْقٍ، عن عبد اللّه بن بُسْرٍ، قال: قال رسول اللّه ﷺ : "والذي نفسي بيده لتُفتحنَّ عليكم فارسُ والروم حتى يكثرَ الطعام فلا يُذكرُ عليه اسمُ اللّه (٢). وروى الإمام أحمد والبيهقي وابن عدي وغيرُ واحدٍ من حديث أوس بن عبد اللّه بن بريدة، عن أخيه سهل، عن أبيه عبد الله بن بُريدة بن الخصيب مرفوعًا: "ستُبعثُ بعوثٌ، فكنْ في بَعْثِ خُراسان، ثم اسكنْ مدينةَ مرو، فإنه بناها ذو القرنين، ودعا لها بالبركة، وقال: لا يُصيبُ أهلَها سوء" (٣). وهذا الحديثُ يُعدُّ من غرائب المسند، ومنهم من يجعلُه موضوعًا، فالله أعلم (٤). وقد تقدَّم حديث أبي هريرة (٥)، من جميع طرقه في قتال الترك، وقد وقع ذلك كما أخبر به سواء بسواء، وسيقعُ أيضًا. وفي صحيح البخاري، من حديث شعبة، عن فُرَاتٍ القَزَّاز، عن أبي حَازمٍ، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "كانت بنو إسرائيلَ تسوسُهم الأنبياءُ، كلما هلكَ نبيٌّ خلفَه نبيٌّ، وإنه لا نبيَّ بعدي، وإنه سيكون خُلفاءُ فيَكثُرون" قالوا: فما تأمُرنا يا رسُولَ الله " قال: "فُوا ببيعةِ الأَوَّل فالأول، وأعطوهم حقَّهم، فإن الله سائلُهم عما استرعاهُم" (٦).

стр. 3004

وفي صحيح مسلم، من حديث أبي رافع، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول اللّه ﷺ : "ما كان نبيٌّ إِلَّا كان له حواريُّون يَهدون بهديه، ويَسْتَنُّون بسنته، ثم يكونُ من بعدهم خلوفٌ يقولون ما لا يفعلون ويعملون ما تنكرون" (١). وروى الحافظ البيهقيّ، من حديث عبد اللّه بن الحارث بن محمد (بن عمرو) بن حاطب الجُمَحِي، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ : "يكون بعد الأنبياء خلفاء يَعملون بكتاب اللّه، ويَعدلونَ في عبادة اللّه، ثم يكونُ من بعد الخلفاء ملوكٌ يأخذون بالثأر، ويقتلون الرجالَ، ويصطفون الأموالَ، فمغيِّرٌ بيده، ومغيِّرٌ بلسانه، وليس وراءَ ذلك من الإيمان شيءٌ" (٢). وقال أبو داود الطيالسي (٣): حَدَّثَنَا جرير بن حازم، عن ليث، عن عبد الرحمن بن سابط، عن أبي ثعلبة الخشني، عن أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل، عن النَّبِيِّ ﷺ فقال: "إنَّ الله بدأَ هذا الأمرَ نُبُوَّةً ورحمةً، وكائنًا خلافة ورحمة، وكائنًا مُلكًا عضوضًا، وكائنًا عزةً وجبرية وفسادًا في الأمة، يستحِلُّون الفروج والخمور والحرير، ويُنصرون على ذلك، ويُرزقون أبدًا حتى يلقوا الله " (٤). وهذا كله واقع. وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي - وحسَّنه - والنسائي، من حديث سعيد بن جُمْهان، عن سفينةَ مولى رسول الله؛ أن رسول اللّه ﷺ قال: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكًا" وفي رواية: "ثم يُؤتي اللّه ملكَه مَنْ يشاء" (٥). وهكذا وقع سواء، فإن أبا بكر ﵁ كانت خلافتُه سنتين وأربعة أشهر وعشر ليالٍ (٦)، وكانت خلافةُ عمر عشرَ سنين وستة أشهر وأربعة أيام، وخلافةُ عثمان اثنتا عشرة سنة إِلَّا اثني عشر يومًا، وكانت خلافة علي بن أبي طالب خمس سنين إِلَّا شهرين (٧).

стр. 3005

قلت: تكميلُ الثلاثين بخلافة الحسن بن علي نحوًا من ستة أشهر، حتى نزلَ عنها لمعاوية عام أربعين من الهجرة، كما سيأتي بيانه وتفصيله. وقال يعقوبُ بن سفيان: حدَّثني محمد بن فُضيل، حَدَّثَنَا مُؤمل، حَدَّثَنَا حمَّاد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة (عن أبيه) (١)، قال: سمعتُ رسولَ اللّه ﷺ يقول: "خلافة نبوة ثلاثون (٢) عامًا، ثم يُؤتي الله ملكَه مَنْ يشاء" (٣). فقال معاوية: رضينا بالملك. وهذا الحديث فيه ردٌّ صريح على الروافض المنكرين لخلافة الثلاثة، وعلى النواصب من بني أمية ومَن تَبِعَهم من أهل الشام، في إنكار خلافة عليّ بن أبي طالب. فإن قيل: فما وجهُ الجمع بين حديث سفينةَ هذا، وبين حديث جابر بن سَمُرة المتقدم في صحيح مسلم: "لا يزالُ هذا الدينُ قائمًا ما كان على الناس اثنا عشرَ خليفة كلُّهم من قريش" (٤)؟ فالجوابُ: أن من الناس من قال: إن الدينَ لم يزل قائمًا حتى ولي اثنا عشر خليفة، ثم وقع تخبيطٌ بعدَهم في زمان بني أمية، وقال آخرون: بل هذا الحديث فيه بشارةٌ بوجود اثني عشرَ خليفة عادلًا من قريش، وإن لم يُوجدوا على الولاء، وإنما اتفق وقوع المُتابعة بعد النبوة في ثلاثين سنة، ثم قد كان خلفاءُ راشدون. فمنهم عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي ﵀، وقد نصَّ على خلافتِه وعدله وكونه من الخلفاء الراشدين، غيرُ واحد من الأئمة، حتى قال أحمدُ بن حنبل: ليس قولُ أحدٍ من التابعين حجَّة إِلَّا قول عمر بن عبد العزيز. ومنهم من ذَكر من هؤلاء المَهدي بأمر الله العباسي. والمَهدي المُبَشِّر بوجوده في آخر الزمان منهم أيضًا بالنص على كونه من أهل البيت، واسمُه محمد بن عبد اللّه، وليس بالمنتظر في سرداب سامرا، فإن ذاك ليس بموجود بالكلية، وإنّما ينتظرُه الجهلة من الروافض. وقد تقدَّم في الصحيحين، من حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة؛ أن رسولَ الله ﷺ قال: "لقد هممتُ أن أدعوَ أباكِ وأخاكِ وأكتبَ كتابًا لئلا يقول قائلٌ، أو يتمنى متمنٍّ" ثم قال رسولُ اللّه ﷺ :

стр. 3006

"يأبى اللّه والمؤمنون إِلَّا أبا بكرٍ" (١). وهكذا وقع، فإن اللّه ولَّاه، وبايَعه المؤمنون قاطبةً كما تقدم. وفي صحيح البخاري: أن امرأة قالت: يا رسول الله، أرأيتَ إن جئتُ فلم أجدْك؛ كأنها تُعَرِّضُ بالموت - فقال: "إن لم تجديني فائْتِ أبا بكر" (٢). وثبت في الصحيحين، من حديث ابن عمر وأبي هريرة، أن رسول اللّه ﷺ قال: "بينا أنا نائمٌ رأيتني على قَليب فنزعتُ منها ما شاءَ اللّه، ثم أخذَها ابن أبي قُحَافة فنزعَ منها ذَنُوبًا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعفٌ والله يغفر له، ثم أخذها ابنُ الخطاب فاستحالت غَرْبًا، فلم أرَ عبقريًا من الناس يفري فريَه، حتى ضربَ الناسُ بعطن" (٣). قال الشافعي (٤) ﵀: رؤيا الأنبياء وحي، وقوله: "وفي نزعه ضعف" قصر مدته، وعجلة موته، واشتغاله بحرب أهل الردة عن الفتح الذي ناله عمر بن الخطاب في طول مدته. قلت: وهذا فيه البشارة بولايتهما على الناس، فوقعَ كما أخبرَ سواء. ولهذا جاء في الحديث الآخر الذي رواه أحمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان، من حديث ربعي بن خِراش، عن حذيفة بن اليمان، عن النَّبِيّ ﷺ ؛ أنه قال: "اقتدوا باللذين من بعدي، أبي بكر وعمر" (٥) ﵄. وقال الترمذي: حسن. وأخرجه (٦) من حديث ابن مسعود، عن النَّبِيّ ﷺ .

стр. 3007

وتقدَّم من طريق الزهري، عن رجل عن أبي ذر، حديث تسبيح الحصى في يد رسول اللّه، ثم يد أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، وقوله ﵊: "هذه خلافة النبوة (١). وفي الصحيح، عن أبي موسى، قال: دخلَ رسولُ اللّه ﷺ حائطًا فدلَّى رجليه في القف، فقلت: لأكوننَّ اليوم بَوَّابَ رسول اللّه ﷺ ، فجلستُ خلفَ الباب، فجاء رجل فقال: افتحْ، فقلت: من أنت؛ قال: أبو بكر، فأخبرت رسولَ اللّه ﷺ فقال: "افتحْ له وبشِّره بالجنة" ثم جاء عمر فقال كذلك، ثم جاء عثمان فقال: "ائذنْ له وبشره بالجنة على بلوى تُصيبه" فدخل وهو يقول: اللّه المستعان (٢). وثبت في صحيح البخاري، من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، قال: صَعِدَ رسولُ الله - ﷺ أُحدًا ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجفَ بهم الجبلُ، فضربَه رسول الله ﷺ برجله وقال: "اثبتْ، فإنما عليك نبيٌّ وصدِّيقٌ وشهيدان" (٣). وقال عبد الرزاق (٤): أخبرنا معمر، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد؛ أن حِراءَ ارتجَّ وعليه النَّبِيُّ ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان، فقال النَّبِيّ ﷺ : "اثبتْ ما عليك إِلَّا نبيٌّ وصدِّيقٌ وشهيدان". قال معمر: قد سمعتُ قتادة يُحدِّث عن النَّبِيّ ﷺ مثله. وقد روى مسلم، عن قتيبةَ، عن الدراوردي (٥)، عن أبيه، عن أبي هُريرة؛ أن رسولَ اللّه ﷺ كان على حِرَاء، هو وأبو بكر وعمرُ وعثمانُ وعليٌّ وطلحةُ والزبير، فَتَحَرَّكَت الصخرةُ، فقال النَّبِيّ ﷺ : "اهدأ فما عليكَ إِلَّا نبيٌّ أو صدِّيق أو شهيد" (٦). وهذا من دلائل النبوة، فإن هؤلاء كلّهم أصابوا الشهادة، واختصَّ رسولُ الله ﷺ بأعلى مراتب الرسالة والنبوة، واختصَّ أبو بكر بأعلى مقامات الصديقية. وقد ثبتَ في الصحيح الشهادة للعشرة بالجنة، بل لجميع من شهدَ بيعةَ الرضوان عام الحُديبية،

стр. 3008

وكانوا ألفًا وأربعمئة، وقيل: وثلاثمئة، وقيل: خمسمئة، وكلُّهم استمرَّ على السَّدَاد والاستقامة حتى مات، ﵃ أجمعين. وثبت في صحيح البخاري (١) البشارة لعُكَّاشَة بأنه من أهل الجنة، فقُتل شهيدًا يوم اليمامة. وفي الصحيحين، من حديث يونس، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة؛ أنه سمعَ رسولَ الله ﷺ يقول: "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب، تُضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر" فقام عُكَّاشة بن مِحْصَن الأسدي يجرُّ نمرةً عليه، فقال: يا رسولَ اللّه ادعُ الله أن يجعلَني منهم، فقال ﷺ : "اللهم اجعله منهم" ثم قام رجلٌ من الأنصار فقال: يا رسولَ الله، ادعُ اللّه أن يجعلَني منهم، فقال: "سبقك بها عُكَّاشة" (٢). وهذا الحديث قد روي من طرق متعددة تُفيد القطعَ، وسنُورده في باب صفة الجنة، وسنذكرُ في قتال أهل الردة أن طلحةَ الأسدي قتلَ عُكَّاشَة بن مِحْصن شهيدًا ﵁، ثم رجعَ طلحةُ الأسديُّ عما كان يدعيه من النبوة وتاب إلى اللّه، وقدم على أبي بكر الصديق واعتمرَ وحَسُنَ إسلامه. وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رسولَ اللّه ﷺ قال: "بينا أنا نائم رأيتُ كأنه وُضع في يدي سِواران فقطعتهما، فأُوحي إليّ في المنام: أن انفخْهما، فنفختُهما فطارا، فأوَّلتُهما كذَّابين يَخرجان، صاحبَ صنعاء، وصاحبَ اليمامة" (٣). وقد تقدَّم في الوفود أنَّه قالَ لمُسيلمةَ حينَ قَدِمَ مع قومِه وجعلَ يقولُ إنْ جعلَ لي محمّد الأمرَ مِن بعدِه اتَّبعتُه، فوقفَ عليه رسولُ اللّه ﷺ قالَ به: "واللّه لو سَألتَنِي هَذَا العَسِيْبَ مَا أعطيتُكَه، ولئنْ أدبرتَ ليعقرنَّك اللّه، وإني لأراكَ الذي أُريتُ إليه ما أُريتُ" (٤). وهكذا وقعَ، عقرَه اللّه وأهانَه وكسرَه وغلبَه يومَ اليَمامةَ، كما قُتل الأسودُ العَنْسِيُّ بصنعاءَ، وعلى ما سنُورده إن شاء اللّه تعالى. وروى البيهقيُّ من حديث مبارك بن فَضالة، عن الحسن، عن أنس، قال: لقي رسولَ اللّه ﷺ مسيلمةُ، فقال له مسيلمة: أتشهدُ أني رسولُ اللّه؛ فقال النَّبِيّ ﷺ : "آمنتُ بالله ورسولِه" ثم قالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ هذا رجلٌ أُخرَ لِهَلَكَةِ قومِه" (٥).

стр. 3009

وقد ثبتَ في الحديث الآخر، أنَّ مسيلمةَ كتبَ بعد ذلك إلى النَّبِيِّ ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم، مِن مسيلمةَ رسولِ اللّه، إلى محمّدٍ رسولِ الله، سلامٌ عليكَ، أمَّا بعدُ قد أُشْرِكْتُ في الأمرِ معكَ، فلكَ المَدَرُ ولي الوَبَرُ، ولكن قُريشًا قومٌ يعتدُونَ. فكتبَ إليه رسولُ اللّه ﷺ : "بسم اللّه الرَّحمن الرَّحيم، مِن محمَّدٍ رسولِ اللّه إلى مُسيلمةَ الكَذابِ، سَلامٌ على مَنِ اتَّبَعَ الهُدى، أمَّا بعدُ فإنَّ الأرضَ للّه يُورثها مَن يَشَاءُ مِن عبادِه والعَاقِبَةُ للمُتَّقين" (١). وقد جعل اللّه العاقبةَ لمحمَّدٍ وأصحابِه لأنَّهم هُم المتَّقون، وهم العَادِلون المؤمنون، لا مَن عَداهُم. وقد وردتِ الأحاديثُ المَروَيَّةُ من طُرق عنه ﷺ في الأخبار عن الرِّدة التي وقعت في زمن الصِّدِّيقِ، فقاتلَهم الصِّدِّيقِ بالجُنُودِ المُحمَّديَّةِ حتى رَجعُوا إلى دين اللّه أفواجًا، وعَذُبَ مَاءُ الإيمان كما كانَ بعدما صَار أُجاجًا، وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، قال المفسرون: هم أبو بكر وأصحابُه ﵃. وثبتَ في الصحيحين: من حديث عَامرٍ الشَّعبيِّ، عن مَسْروق، عن عائشَةَ، في قِصَّة مسَارَّةِ النَّبِيّ ﷺ ابنتَه فاطمةَ وإخبارِه إيَّاهَا بأَنَّ جبريلَ كان يُعارضهُ بالقرآنِ في كلِّ عامٍ مرَّة "وإِنَّه عارضني العَامَ مرتين، وما أرى ذلك إِلَّا لاقترابِ أَجَلي" فبكت، ثم سارَّها، فأخبرَها بأنَّها سَيِّدَةُ نِساءَ أهلِ الجنَّة، وأنَّها أَوّلُ أهلِه لُحوقًا به (٢). وكانَ كما أخبرَ. قال البيهقيُّ: واختلفُوا في مُكثِ فاطمةَ بعدَ رسولِ اللّه ﷺ ، فقيل: شهرانِ، وقيلَ: ثلاثة، وقيل: ستة، وقيل: ثمانية، قالَ: وأصحُّ الروايات رواية الزهري: عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: مكثت فاطمةُ بعدَ رسولِ الله ﷺ ستةَ أشهرٍ. أخرجاه في الصحيحين (٣). ومن كتاب دلائل النبوة في باب إخباره ﵊ عن الغُيوبِ المستقبلة فمن ذلك ما ثبتَ في الصحيحين: من حديث إبراهيم بن سَعد، عن أبيه، عن أبي سَلَمَة، عن عائشة، قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّه قد كانَ في الأُمم مُحَدَّثونَ، فإن تكن في أُمَّتي فعمرُ بنُ الخطَّاب" (٤).

стр. 3010

وقال يعقوبُ بن سُفيان: حَدَّثَنَا عُبيد اللّه بن مُوسى، أخبرنا أبو إسرائيلَ كوفي، عن الوليدِ بن العَيْزَار، عن عمرو بن ميمون، عن عليٍّ ﵁، قال: ما كنَّا ننكرُ ونحنُ مُتوافِرونَ أصحاب محمّد ﷺ ، أنَّ السكينةَ تنطقُ على لسان عُمَر (١). قال البيهقيُّ: تابعه زرُّ بن حُبَيْش، والشعبيُّ عن عليٍّ. وقالَ يعقوبُ بن سُفيان: حَدَّثَنَا مسلم بن إبراهيم، حَدَّثَنَا شعبةُ، عن قَيس بن مُسلم، عن طارق بن شِهاب، قال: كنَّا نُحدَّثُ أنَّ عمرَ بنَ الخَطَّابِ ينطقُ على لِسَانِ مَلَك (٢). وقد ذكرنَا في سيرةِ عمرَ بن الخطَاب ﵁ أشياءَ كثيرة، من مُكاشفاتِه وما كانَ يُخبرُ به من المُغَيَّبَات، كقِصَّةِ ساريةَ بن زُنَيم (٣)، وما شاكلَها، وللّه الحمدُ والمِنَّةُ. ومن ذلك ما رواه البخاريُّ: من حديث فِراس، عن الشعبيِّ، عن مَسروق، عن عائشة ﵂؛ أنَّ نساءَ النَّبِيِّ ﷺ اجتمعنَ عندَه، فقلنَ يومًا: يا رسولَ اللّه! أيَّتُنَا أسرعُ بكَ لُحوقًا؟ فقال: "أطولكن يدًا" فكانت سودةُ أطولنا ذراعًا، فكانت أسرعنا به لحوقًا. هكذا وقع في الصحيح عند البخاري أنها سودة (٤). وقد رواه يُونس بن بكير: عن زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، فذكرَ الحديث مُرسلًا، وقال: فلما تُوفيت زينبُ علمنَ أنها كانت أطولَهُنَّ يدًا في الخير والصدقة (٥). والذي رواه مسلم: عن محمود بن غيلان، عن الفضل بن موسى، عن طلحة بن يحيى بن طلحة، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين ﵂ .. فذكرَ الحديثَ، وفيه: فكانت زينبُ أطولَنا يدًا، لأنها كانت تعملُ بيدها وتَصدَّق (٦). وهذا هو المشهور عن علماء التاريخ؛ أن زينبَ بنت جحش كانت أوَّل أزواج النَّبِيِّ ﷺ وفاةً. قال الواقدي: تُوفيت سنة عشرين، وصلَّى عليها عمر بن الخطاب (٧). قلت: وأما سودة فإنها توفيت في آخر إمارة عمر بن الخطاب أيضًا، قاله ابن أبي خيثمة. ومن ذلك ما رواه مسلم (٨): من حديث أُسيد بن جابر، عن عمرَ بن الخطَّاب، في قصة أُويس القرنيّ، وإخباره ﵊ عنه بأنه خيرُ التابعين، وأنه كان به بَرَصٌ، فدعا اللّه فأذهبَه عنه،

стр. 3011

إِلَّا موضعَ قَدْرِ الدِّرهم من جسده، وأنه بَارٌّ بأُمِّه، وأمرُه لعمرَ بن الخطاب أن يستغفرَ له، وقد وُجد هذا الرجل في زمان عمرَ بن الخطَّاب على الصفة والنعت الذي ذكرَه في الحديث سواء. وقد ذكرتُ طرقَ هذا الحديث وألفاظه والكلام عليه مطوَّلًا في الذي جمعته من مسند عمر بن الخطاب ﵁، وللّه الحمد والمنة. ومن ذلك ما رواه أبو داود: حَدَّثَنَا عثمان بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا الوليد بن عبد اللّه بن جُميع، حدَّثني جرير بن عبد اللّه. وعبد الرحمن بن خَلَّاد الأنصاري، عن أم ورقة بنت نوفل؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ لما غزا بدرًا قالت: يا رسول اللّه! ائذنْ لي في الغزو معكَ، أُمرِّضُ مرضاكم، لعل اللّه يرزقني الشهادة، فقال لها: "قرِّي في بيتك فإنَّ الله يرزقكِ الشهادةَ (١) " فكانت تسمَّى الشهيدة، وكانت قد قرأتِ القرآن، فاستأذنت النَّبِيَّ ﷺ أن يتخذ في دارها (٢) مؤذنًا يُؤذن لها، وكانت دَبَّرت غلامًا لها وجارية، فقاما إليها بالليل فغمَّاها (٣) في قطيفةٍ لها حتى ماتت، وذهبا، فأصبح عمر، فقام في الناس وقال: من عنده من هذين علم أو من رآهما فليجئ بهما، فجيء بهما، فأمر بهما فصُلبَا، فكانا أَوَّلَ مصلوبين بالمدينة. وقد رواه البيهقيّ: من حديث أبي نُعيم: حَدَّثَنَا الوليد بن جُميع، حدَّثَتني جدَّتي، عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث، فكان رسولُ الله ﷺ يزورُها ويُسمِّيها الشهيدة، فذكر الحديث، وفي آخره فقال عمر: صدقَ رسولُ الله ﷺ كان يقول: "انطلقوا بنا نزور الشهيدةَ" (٤). ومن ذلك ما رواه البخاري (٥): من حديث أبي إدريس الخَوْلاني، عن عَوْف بن مالك في حديثه عنه، في الآيات الست بعد موته، وفيه: "ثم مُوتانٌ يأخذ (٦) فيكم كقُعاص (٧) الغنم" وهكذا وقع في أيام عمرَ، وهو طاعون عمَواس سنة ثماني عشرة، ومات بسببه جماعات من سادات الصحابة، منهم معاذ بن جبل، وأبو عُبيدة، ويزيد بن أبي سفيان، وشُرحبيل بن حَسَنة، وأبو جندل بن سهل بن عمرو وأبوه، والفَضْل بن العبَّاس بن عبد المطلب، ﵃ أجمعين. وقد قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا النَّهَّاسُ بن قَهْم، حَدَّثَنَا شدَّاد أبو عمَّار، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ : سِتٌّ من أشراط الساعة: موتي، وفتح بيت المقدس، وموتٌ يأخذ

стр. 3012

الناسَ كقُعاص الغنم، وفتنة يدخل حريمها بيت كل مسلم، وأن يعطى الرجل ألف دينار فيسخطها، وأن يعدو الروم فيسيرون إليكم بثمانين بندًا، تحت كل بند اثنا عشر ألفًا" (١). وقد قال الحافظ البيهقيّ: أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، حَدَّثَنَا أبو العباس محمد بن يعقوب، حَدَّثَنَا بَحْر بن نصر، حَدَّثَنَا ابن وَهْب، أخبرني ابن لهيعة، عن عبد الله بن حيَّان؛ أنه سمع سُليمان بن موسى يذكر: أنَّ الطاعونَ وقع بالناس يوم جسر عموسة (٢)، فقام عمرو بن العاص، فقال: يا أيها الناس، إنما هذا الوجع رجسٌ فتنحَّوا عنه. فقام شُرحبيل بن حسنة، فقال: يا أيها الناس، إني قد سمعتُ قولَ صاحبكم، وإني والله لقد أسلمتُ وصلَّيتُ، وإن عمرًا لأضلُّ من بعير أهله، وإنما هو بلاءٌ أنزلَه الله ، فاصبروا. فقام معاذُ بن جبل فقال: يا أيُّها الناس! إني قد سمعتُ قولَ صاحبيْكم هذين، وإن هذا الطاعون رحمةُ ربَكُم ودعوة نبيكم ﷺ ، وإني قد سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: "إنكم ستَقدَمون الشَّامَ، فتنزلون أرضًا يُقال لها: أرض عموسة، فيخرج بكم فيها خُرْجَانٌ له ذُبَابٌ كذُباب الدُّمَّل، يستشهد الله به أنفسَكم وذراريكم، ويُزَكِّي به أموالَكم" اللَّهُمَّ إنْ كنتَ تعلم أني قد سمعتُ هذا من رسول اللّه ﷺ فارزقْ معاذًا وآلَ معاذ منه الحظَّ الأوفى ولا تُعافِه منه، قال: فطُعنَ في السَّبَّابة، فجعلَ ينظر إليها، ويقول: اللَّهُمَّ باركْ فيها، فإنَّكَ إذا باركتَ في الصغير كان كبيرًا، ثم طُعن ابنه، فدخلَ عليه فقال: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧]، فقال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (٣) [الصافات: ١٠٢]. وثبت في الصحيحين: من حديث الأعمش وجامع بن أبي راشد، عن شقيق بن سَلَمة، عن حُذيفةَ، قال: كُنَّا جلوسًا عند عمرَ، فقال: أيُّكُم يحفظُ حديثَ رسول اللّه ﷺ في الفتنة؟ قلتُ: أنا، قال: هاتِ، إنَّك لجريء، فقلت: ذكر فتنةَ الرَّجُل في أهله ومالِه وولدِه وجارِه، يُكَفِّرُها الصَّلاة والصَّدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال: ليس هذا أعني، إنما أعني التي تموجُ مَوجَ البحر، فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين! إنَّ بينَكَ وبينَها بابًا مُغْلقًا، قال: وَيْحَكَ! أيُفتحُ الباب أم يُكسرُ؟ قلت: بل يُكسرُ، قال: إذًا لا يُغلقُ أبدًا. قلت: أجل. فقلنا لحُذيفة: فكان عمر يعلمُ من الباب؟ قال: نعم، إني حدَّثته حديثًا ليس بالأغاليط، قال: فهبنا أن نسألَ حذيفةَ من الباب، فقلنا لمَسْروق، فسأله، فقال: مَنِ الباب؟ قال: عمر (٤).

стр. 3013

وهكذا وقعَ من بعد مقتل عمر، وقعت الفتنُ في النَّاس، وتأكَّد ظهورُها بمقتل عثمانَ بن عفَّان ﵁. وقد قال يَعلى بن عُبيد، عن الأعمش، عن شقيق، عن عَزْرة بن قَيْس، قال: خطبنا خالدُ بن الوليد، فقال: إنَّ أميرَ المؤمنينَ عمر بعثني إلى الشام، فحين ألقى بَوانِيَهُ (١) بَثْنيَّة وعسلًا، أراد أن يُؤثِرَ بها غيري ويبعثني إلى الهند، فقال رجلٌ من تحته: اصبرْ أيها الأمير فإنَّ الفتنَ قد ظهرتْ، فقال خالد: أما وابنُ الخطاب حيٌّ فلا، وإنما ذاك بعدَ (٢). وقد روى الإمام أحمد (٣): حَدَّثَنَا عبد الرزاق (٤)، عن مَعمَر، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه، قال: أبصرَ رسولُ الله ﷺ على عمرَ ثوبًا، فقال: "أجديدٌ ثوبُكَ أم غسيلٌ؟ "قالَ: بل غَسيل، قال: "البسْ جديدًا، وعِشْ حَمِيْدًا، ومُتْ شَهيدًا" وأظنُّه قال: "ويرزقُك اللّه قُرَّة عَيْنٍ في الدُّنيا والآخرة". وهكذا رواه النسائيُّ (٥) وابن ماجة (٦) من حديث عبد الرزاق به. ثم قال النَّسائي: هذا حديث منكرٌ، أنكرَه يحيى القطَّان على عبد الرزاق، وقد رُوي عن الزهريّ من وجه آخر مُرسلًا، وقال حمزةُ بن محمَّد الكِناني الحافظ: لا أعلمُ أحدًا رواه عن الزُّهريّ غيرَ مَعْمَر، وما أحسبه بالصحيح، واللّه أعلم. قلت: رجال إسناده واتصاله على شرط الصحيحين، وقد قَبِلَ الشيخان تَفرُّدَ مَعمر عن الزُّهريِّ في غير ما حديث. ثم قد روى البَزَّارُ هذا الحديثَ من طريق جابرٍ الجُعفيّ - وهو ضعيف - عن عبد الرحمن بن سَابط، عن جابر بن عبد الله مرفوعًا مثلَه سَواء (٧). وقد وقعَ ما أُخبرَ به في هذا الحديث، فإنه ﵁ قُتل شهيدًا وهو قائمٌ يصلِّي الفجرَ في مِحرابهِ من المسجدِ النبويِّ، على صاحبهِ أفضلُ الصَّلاة والسَّلام.

стр. 3014

وقد تقدَّمَ حديثُ أبي ذرٍّ في تسبيح الحصى في يد أبي بكر، ثم عمرَ، ثم عثمان، وقوله ﵊: "هذه خلافة النبوة" (١). وقال نعيم بن حمَّاد: حَدَّثَنَا عبدُ اللّه بن المبارك، أنبأنا حَشْرَجُ بن نُباتة، عن سعيد بن جُمْهَان، عن سفينة، قال: لمَّا بنَى رسولُ اللّه ﷺ مسجدَ المدينة، جاء أبو بكر بحجرٍ فوضعَه، ثم جاءَ عمرُ بحجرٍ فوضعَه، ثم جاءَ عثمانُ بحجرٍ فوضعَه، فقال رسول اللّه: "هؤلاء يكونون الخلفاء بعدي" (٢). وقد تقدَّم في حديث عبد الله بن حَوالة قوله ﷺ : "ثَلاثٌ مَن نَجا مِنهنَّ فقد نَجا: موتي، وقتلُ خليفة مضطهدًا، والدَّجَّال" (٣) وفي حديثه الآخر، الأمر باتباع عثمان عند وقوع الفتنة. وثبتَ في الصحيحين، من حديث سُليمان بن بِلال، عن شَريك بن أبي نَمر، عن سَعِيد بن المُسيِّب، عن أبي مُوسى، قال: تَوَضَّأتُ في بَيتي، ثم خَرَجْتُ فقلتُ: لأَكوننَّ اليومَ مع رسولِ اللّه ﷺ ، فجئتُ المسجدَ فسألتُ عنه، فقالُوا: خرجَ وتوجَّه هاهنا، فخرجتُ في أثرهِ حتى جئتُ بئرَ أريس - وبَابُها من جَريد - فمكثتُ عند بابها حتَّى ظننت أنَّ رسولَ اللّه ﷺ قد قَضى حاجتَه وجلسَ، فجئتُه فسلَّمتُ عليه فإذا هو قد جلسَ على قُفِّ بئرِ أريسٍ، فتوسَّطَه ثم دلَّى رِجْلَيهِ في البئرِ وكشفَ عن سَاقيه، فرجعتُ إلى البابِ وقلتُ: لأَكُوننَّ بَوَّابَ رسولِ اللّه ﷺ ، فلم أَنْشب أن دقَّ البابُ، فقلتُ: مَنْ هذا؟ قال: أبو بكر، قلتُ: على رِسْلِكَ، وذهبتُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فقلتُ: يا رسولَ اللّه! هذا أبو بكر يستأذنُ، فقالَ: "ائذنْ له وَبَشِّرهُ بالجنَّةِ"، قالَ: فخرجتُ مُسرعًا حتَّى قلتُ لأبي بكرٍ: ادخل ورسولُ اللّه ﷺ يُبَشرُكَ بالجَنَّة، قالَ: فدخلَ حتى جلسَ إلى جَنْبِ النَّبِيِّ ﷺ في القُفِّ على يمينه، ودلَّى رِجْلَيهِ وكشفَ عن سَاقيه، كما صنعَ النَّبِيُّ ﷺ . قالَ: ثم رجعتُ وقد كنتُ تركتُ أخي يَتَوَضَّأُ وقد كانَ قال لي: أنا على إثْرِكَ. فقلتُ: إن يُردِ اللّه بفلانٍ خَيرًا يأتِ به، قال: فسمعتُ تحريكَ البابِ، فقلتُ: مَن هذا؟ قال: عمرُ، فقلتُ: على رِسْلِكَ. قال: وجئتُ النَّبِيَّ فسلَّمتُ عليه وأخبرتُه، فقالَ: "ائذنْ له وبَشِّرْهُ بالجَنَّةِ". قالَ: فجئتُ وأَذِنْتُ له وقلتُ له: رَسولُ اللّه ﷺ يُبَشِّرُكَ بالجَنَّةِ. قالَ: فدخلَ حتَّى جلسَ مع رسولِ اللّه ﷺ على يَسارِه، وكشفَ عن سَاقيْه ودلَّى رِجْليه في البئرِ كمَا صنعَ النَّبِيُّ ﷺ وأبو بكر، قالَ: ثم رجعتُ فقلتُ: إن يُرِد اللّه بفلانٍ خيرًا يأتِ به، يُريدُ أخَاه، فإذا تحريكُ البَابِ، فقلتُ: مَن هَذا؟ قال: عُثمانُ بنُ عفان، قلتُ: على رِسْلِكَ. وذهبتُ إلى رسولِ الله ﷺ فقلتُ: هذا عثمانُ يستأذنُ، فقالَ: "ائذنْ له وبَشِّرهُ بالجَنَّةِ على بَلْوَى تُصيبُه" قالَ: فجئتُ، فقلتُ: رسولُ الله ﷺ يأذنُ لكَ ويُبَشِّرُكَ بالجَنَّةِ

стр. 3015

مع (١) بَلْوَى أو بَلاءٍ يُصيبُكَ، فدخلَ وهو يقولُ: الله المُستعانُ، فلم يجد في القُفِّ مَجْلِسًا، فجلسَ وِجَاهَهُمْ مِنْ شِقِّ البئرِ، وكشفَ عن سَاقَيْهِ ودَلَّاهُمَا في البئرِ، كمَا صنعَ رسولُ اللّه ﷺ وأبو بكر وعُمَرُ، ﵄، قالَ سعيدُ بنُ المُسَيِّبِ: فأَوَّلتُها قُبورهم، اجتمعت وانفرد عثمان (٢). وقد روى البيهقيّ من حديث عبد الأعلى بن أبي المساور، عن إبراهيم بن محمد بن حَاطب، عن عبد الرحمن بن محيريز، عن زيدِ بن أرقمَ، قال: بَعثَني رسولُ الله ﷺ فقالَ:، انطلقْ حتى تأتيَ أبا بكرٍ فتجدَه في دَارِه جالسًا مُحْتَبِيًا، فقلْ: إنَّ رسولَ الله ﷺ يقرأُ عليكَ السَّلام ويقولُ: أبشرْ بالجَنَّة، ثم انطلقْ حتَّى تأتيَ الثَّنِيَّة فتلقَى عمرَ راكبًا على حِمَارٍ تلوحُ صَلْعَتُه فقلْ: إنَّ رسولَ الله ﷺ يقرأُ عليكَ السَّلامَ، ويقولُ: أبشرْ بالجَنَّةِ، ثم انصرفْ حتى تأتيَ عثمانَ، فتجدَه في السُّوق يبيعُ ويَبتاعُ، فقل: إنَّ رسولَ اللّه ﷺ يقرأُ عليكَ السَّلامَ، ويقولُ: أبشرْ بالجَنَّةِ بعدَ بَلَاءً شَديدٍ". فذكرَ الحديثَ في ذهابهِ إليهم، فوجدَ كُلًّا منهم كما ذكرَ رسولُ الله ﷺ ، وكُلًّا منهم يقولُ: أينَ رسولُ الله؟ فيقولُ: في مَكانِ كذا وكذا، فيذهبُ إليه، وأن عثمانَ لمَّا رجعَ قال: يا رسول الله! وأيُّ بَلاء يُصيبُني؟ والذي بعثَكَ بالحَقِّ ما تَغَيَّبتُ ولا تَمَنَّيْتُ ولا مَسَسْتُ ذكري بيميني منذ بايعتُك، فأيّ بَلاء يُصيبُني؟ فقالَ: "هو ذاك" (٣). ثم قالَ البيهقيُّ: عبدُ الأعلى ضعيفٌ، فإن كانَ حفظَ هذا الحديثَ فيحتملُ أنَّ رسولَ اللّه ﷺ بعثَ إليهم زيدَ بنَ أرقمَ، فجاءَ وأبو مُوسى الأشعريّ جالسٌ على الباب كما تقدم. وهذا البلاءُ الذي أصابَه (٤) هو ما اتَّفقَ وقوعه على يدي مَنْ أنكرَ عليه من رُعَاع أهل الأمصار بلا علم، فوقعَ ما سنذكُره في دولته إن شاء اللّه من حَصْرِهم إيَّاه في دارِه، حتَّى آلَ الحالُ بَعدَ ذاك كُلِّه إلى اضطهاده وقتله وإلقائه على الطريق أيَّامًا، لا يُصلَّى عليه ولا يُلتفتُ إليه، حتى غُسِّلَ بعد ذلك وصُلِّيَ عليه ودُفن بحَشِّ كَوْكَبٍ (٥) - بستان في طرفِ البَقيع ﵁ وأرضاه، وجعلَ جَنَّاتِ الفردوسِ متقلَّبه ومَثواه. كما قال الإمامُ أحمدٌ (٦): حَدَّثَنَا يحيى، عن إسماعيل بن قيس، عن أبي سهلة مولى عثمان، عن عائشة، قالت: قالَ رسولُ الله ﷺ : "ادعُوا لي بعضَ أصحَابي، قلتُ: أبو بكر؟ قال: "لا" قلتُ: عمرُ؟ قال: "لا" قلتُ: ابنُ عَمِّكَ عَليٌّ؟ قال: "لا" قلتُ: عثمانُ؟ قال: "نعم" فلمَّا جاءَ
следующие страницы →