← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

إِلَّا موضعَ قَدْرِ الدِّرهم من جسده، وأنه بَارٌّ بأُمِّه، وأمرُه لعمرَ بن الخطاب أن يستغفرَ له، وقد وُجد هذا الرجل في زمان عمرَ بن الخطَّاب على الصفة والنعت الذي ذكرَه في الحديث سواء. وقد ذكرتُ طرقَ هذا الحديث وألفاظه والكلام عليه مطوَّلًا في الذي جمعته من مسند عمر بن الخطاب ﵁، وللّه الحمد والمنة. ومن ذلك ما رواه أبو داود: حَدَّثَنَا عثمان بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا الوليد بن عبد اللّه بن جُميع، حدَّثني جرير بن عبد اللّه. وعبد الرحمن بن خَلَّاد الأنصاري، عن أم ورقة بنت نوفل؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ لما غزا بدرًا قالت: يا رسول اللّه! ائذنْ لي في الغزو معكَ، أُمرِّضُ مرضاكم، لعل اللّه يرزقني الشهادة، فقال لها: "قرِّي في بيتك فإنَّ الله يرزقكِ الشهادةَ (١) " فكانت تسمَّى الشهيدة، وكانت قد قرأتِ القرآن، فاستأذنت النَّبِيَّ ﷺ أن يتخذ في دارها (٢) مؤذنًا يُؤذن لها، وكانت دَبَّرت غلامًا لها وجارية، فقاما إليها بالليل فغمَّاها (٣) في قطيفةٍ لها حتى ماتت، وذهبا، فأصبح عمر، فقام في الناس وقال: من عنده من هذين علم أو من رآهما فليجئ بهما، فجيء بهما، فأمر بهما فصُلبَا، فكانا أَوَّلَ مصلوبين بالمدينة. وقد رواه البيهقيّ: من حديث أبي نُعيم: حَدَّثَنَا الوليد بن جُميع، حدَّثَتني جدَّتي، عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث، فكان رسولُ الله ﷺ يزورُها ويُسمِّيها الشهيدة، فذكر الحديث، وفي آخره فقال عمر: صدقَ رسولُ الله ﷺ كان يقول: "انطلقوا بنا نزور الشهيدةَ" (٤). ومن ذلك ما رواه البخاري (٥): من حديث أبي إدريس الخَوْلاني، عن عَوْف بن مالك في حديثه عنه، في الآيات الست بعد موته، وفيه: "ثم مُوتانٌ يأخذ (٦) فيكم كقُعاص (٧) الغنم" وهكذا وقع في أيام عمرَ، وهو طاعون عمَواس سنة ثماني عشرة، ومات بسببه جماعات من سادات الصحابة، منهم معاذ بن جبل، وأبو عُبيدة، ويزيد بن أبي سفيان، وشُرحبيل بن حَسَنة، وأبو جندل بن سهل بن عمرو وأبوه، والفَضْل بن العبَّاس بن عبد المطلب، ﵃ أجمعين. وقد قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا النَّهَّاسُ بن قَهْم، حَدَّثَنَا شدَّاد أبو عمَّار، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ : سِتٌّ من أشراط الساعة: موتي، وفتح بيت المقدس، وموتٌ يأخذ

стр. 3012

الناسَ كقُعاص الغنم، وفتنة يدخل حريمها بيت كل مسلم، وأن يعطى الرجل ألف دينار فيسخطها، وأن يعدو الروم فيسيرون إليكم بثمانين بندًا، تحت كل بند اثنا عشر ألفًا" (١). وقد قال الحافظ البيهقيّ: أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، حَدَّثَنَا أبو العباس محمد بن يعقوب، حَدَّثَنَا بَحْر بن نصر، حَدَّثَنَا ابن وَهْب، أخبرني ابن لهيعة، عن عبد الله بن حيَّان؛ أنه سمع سُليمان بن موسى يذكر: أنَّ الطاعونَ وقع بالناس يوم جسر عموسة (٢)، فقام عمرو بن العاص، فقال: يا أيها الناس، إنما هذا الوجع رجسٌ فتنحَّوا عنه. فقام شُرحبيل بن حسنة، فقال: يا أيها الناس، إني قد سمعتُ قولَ صاحبكم، وإني والله لقد أسلمتُ وصلَّيتُ، وإن عمرًا لأضلُّ من بعير أهله، وإنما هو بلاءٌ أنزلَه الله ، فاصبروا. فقام معاذُ بن جبل فقال: يا أيُّها الناس! إني قد سمعتُ قولَ صاحبيْكم هذين، وإن هذا الطاعون رحمةُ ربَكُم ودعوة نبيكم ﷺ ، وإني قد سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: "إنكم ستَقدَمون الشَّامَ، فتنزلون أرضًا يُقال لها: أرض عموسة، فيخرج بكم فيها خُرْجَانٌ له ذُبَابٌ كذُباب الدُّمَّل، يستشهد الله به أنفسَكم وذراريكم، ويُزَكِّي به أموالَكم" اللَّهُمَّ إنْ كنتَ تعلم أني قد سمعتُ هذا من رسول اللّه ﷺ فارزقْ معاذًا وآلَ معاذ منه الحظَّ الأوفى ولا تُعافِه منه، قال: فطُعنَ في السَّبَّابة، فجعلَ ينظر إليها، ويقول: اللَّهُمَّ باركْ فيها، فإنَّكَ إذا باركتَ في الصغير كان كبيرًا، ثم طُعن ابنه، فدخلَ عليه فقال: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧]، فقال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (٣) [الصافات: ١٠٢]. وثبت في الصحيحين: من حديث الأعمش وجامع بن أبي راشد، عن شقيق بن سَلَمة، عن حُذيفةَ، قال: كُنَّا جلوسًا عند عمرَ، فقال: أيُّكُم يحفظُ حديثَ رسول اللّه ﷺ في الفتنة؟ قلتُ: أنا، قال: هاتِ، إنَّك لجريء، فقلت: ذكر فتنةَ الرَّجُل في أهله ومالِه وولدِه وجارِه، يُكَفِّرُها الصَّلاة والصَّدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال: ليس هذا أعني، إنما أعني التي تموجُ مَوجَ البحر، فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين! إنَّ بينَكَ وبينَها بابًا مُغْلقًا، قال: وَيْحَكَ! أيُفتحُ الباب أم يُكسرُ؟ قلت: بل يُكسرُ، قال: إذًا لا يُغلقُ أبدًا. قلت: أجل. فقلنا لحُذيفة: فكان عمر يعلمُ من الباب؟ قال: نعم، إني حدَّثته حديثًا ليس بالأغاليط، قال: فهبنا أن نسألَ حذيفةَ من الباب، فقلنا لمَسْروق، فسأله، فقال: مَنِ الباب؟ قال: عمر (٤).

стр. 3013

وهكذا وقعَ من بعد مقتل عمر، وقعت الفتنُ في النَّاس، وتأكَّد ظهورُها بمقتل عثمانَ بن عفَّان ﵁. وقد قال يَعلى بن عُبيد، عن الأعمش، عن شقيق، عن عَزْرة بن قَيْس، قال: خطبنا خالدُ بن الوليد، فقال: إنَّ أميرَ المؤمنينَ عمر بعثني إلى الشام، فحين ألقى بَوانِيَهُ (١) بَثْنيَّة وعسلًا، أراد أن يُؤثِرَ بها غيري ويبعثني إلى الهند، فقال رجلٌ من تحته: اصبرْ أيها الأمير فإنَّ الفتنَ قد ظهرتْ، فقال خالد: أما وابنُ الخطاب حيٌّ فلا، وإنما ذاك بعدَ (٢). وقد روى الإمام أحمد (٣): حَدَّثَنَا عبد الرزاق (٤)، عن مَعمَر، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه، قال: أبصرَ رسولُ الله ﷺ على عمرَ ثوبًا، فقال: "أجديدٌ ثوبُكَ أم غسيلٌ؟ "قالَ: بل غَسيل، قال: "البسْ جديدًا، وعِشْ حَمِيْدًا، ومُتْ شَهيدًا" وأظنُّه قال: "ويرزقُك اللّه قُرَّة عَيْنٍ في الدُّنيا والآخرة". وهكذا رواه النسائيُّ (٥) وابن ماجة (٦) من حديث عبد الرزاق به. ثم قال النَّسائي: هذا حديث منكرٌ، أنكرَه يحيى القطَّان على عبد الرزاق، وقد رُوي عن الزهريّ من وجه آخر مُرسلًا، وقال حمزةُ بن محمَّد الكِناني الحافظ: لا أعلمُ أحدًا رواه عن الزُّهريّ غيرَ مَعْمَر، وما أحسبه بالصحيح، واللّه أعلم. قلت: رجال إسناده واتصاله على شرط الصحيحين، وقد قَبِلَ الشيخان تَفرُّدَ مَعمر عن الزُّهريِّ في غير ما حديث. ثم قد روى البَزَّارُ هذا الحديثَ من طريق جابرٍ الجُعفيّ - وهو ضعيف - عن عبد الرحمن بن سَابط، عن جابر بن عبد الله مرفوعًا مثلَه سَواء (٧). وقد وقعَ ما أُخبرَ به في هذا الحديث، فإنه ﵁ قُتل شهيدًا وهو قائمٌ يصلِّي الفجرَ في مِحرابهِ من المسجدِ النبويِّ، على صاحبهِ أفضلُ الصَّلاة والسَّلام.

стр. 3014

وقد تقدَّمَ حديثُ أبي ذرٍّ في تسبيح الحصى في يد أبي بكر، ثم عمرَ، ثم عثمان، وقوله ﵊: "هذه خلافة النبوة" (١). وقال نعيم بن حمَّاد: حَدَّثَنَا عبدُ اللّه بن المبارك، أنبأنا حَشْرَجُ بن نُباتة، عن سعيد بن جُمْهَان، عن سفينة، قال: لمَّا بنَى رسولُ اللّه ﷺ مسجدَ المدينة، جاء أبو بكر بحجرٍ فوضعَه، ثم جاءَ عمرُ بحجرٍ فوضعَه، ثم جاءَ عثمانُ بحجرٍ فوضعَه، فقال رسول اللّه: "هؤلاء يكونون الخلفاء بعدي" (٢). وقد تقدَّم في حديث عبد الله بن حَوالة قوله ﷺ : "ثَلاثٌ مَن نَجا مِنهنَّ فقد نَجا: موتي، وقتلُ خليفة مضطهدًا، والدَّجَّال" (٣) وفي حديثه الآخر، الأمر باتباع عثمان عند وقوع الفتنة. وثبتَ في الصحيحين، من حديث سُليمان بن بِلال، عن شَريك بن أبي نَمر، عن سَعِيد بن المُسيِّب، عن أبي مُوسى، قال: تَوَضَّأتُ في بَيتي، ثم خَرَجْتُ فقلتُ: لأَكوننَّ اليومَ مع رسولِ اللّه ﷺ ، فجئتُ المسجدَ فسألتُ عنه، فقالُوا: خرجَ وتوجَّه هاهنا، فخرجتُ في أثرهِ حتى جئتُ بئرَ أريس - وبَابُها من جَريد - فمكثتُ عند بابها حتَّى ظننت أنَّ رسولَ اللّه ﷺ قد قَضى حاجتَه وجلسَ، فجئتُه فسلَّمتُ عليه فإذا هو قد جلسَ على قُفِّ بئرِ أريسٍ، فتوسَّطَه ثم دلَّى رِجْلَيهِ في البئرِ وكشفَ عن سَاقيه، فرجعتُ إلى البابِ وقلتُ: لأَكُوننَّ بَوَّابَ رسولِ اللّه ﷺ ، فلم أَنْشب أن دقَّ البابُ، فقلتُ: مَنْ هذا؟ قال: أبو بكر، قلتُ: على رِسْلِكَ، وذهبتُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فقلتُ: يا رسولَ اللّه! هذا أبو بكر يستأذنُ، فقالَ: "ائذنْ له وَبَشِّرهُ بالجنَّةِ"، قالَ: فخرجتُ مُسرعًا حتَّى قلتُ لأبي بكرٍ: ادخل ورسولُ اللّه ﷺ يُبَشرُكَ بالجَنَّة، قالَ: فدخلَ حتى جلسَ إلى جَنْبِ النَّبِيِّ ﷺ في القُفِّ على يمينه، ودلَّى رِجْلَيهِ وكشفَ عن سَاقيه، كما صنعَ النَّبِيُّ ﷺ . قالَ: ثم رجعتُ وقد كنتُ تركتُ أخي يَتَوَضَّأُ وقد كانَ قال لي: أنا على إثْرِكَ. فقلتُ: إن يُردِ اللّه بفلانٍ خَيرًا يأتِ به، قال: فسمعتُ تحريكَ البابِ، فقلتُ: مَن هذا؟ قال: عمرُ، فقلتُ: على رِسْلِكَ. قال: وجئتُ النَّبِيَّ فسلَّمتُ عليه وأخبرتُه، فقالَ: "ائذنْ له وبَشِّرْهُ بالجَنَّةِ". قالَ: فجئتُ وأَذِنْتُ له وقلتُ له: رَسولُ اللّه ﷺ يُبَشِّرُكَ بالجَنَّةِ. قالَ: فدخلَ حتَّى جلسَ مع رسولِ اللّه ﷺ على يَسارِه، وكشفَ عن سَاقيْه ودلَّى رِجْليه في البئرِ كمَا صنعَ النَّبِيُّ ﷺ وأبو بكر، قالَ: ثم رجعتُ فقلتُ: إن يُرِد اللّه بفلانٍ خيرًا يأتِ به، يُريدُ أخَاه، فإذا تحريكُ البَابِ، فقلتُ: مَن هَذا؟ قال: عُثمانُ بنُ عفان، قلتُ: على رِسْلِكَ. وذهبتُ إلى رسولِ الله ﷺ فقلتُ: هذا عثمانُ يستأذنُ، فقالَ: "ائذنْ له وبَشِّرهُ بالجَنَّةِ على بَلْوَى تُصيبُه" قالَ: فجئتُ، فقلتُ: رسولُ الله ﷺ يأذنُ لكَ ويُبَشِّرُكَ بالجَنَّةِ

стр. 3015

مع (١) بَلْوَى أو بَلاءٍ يُصيبُكَ، فدخلَ وهو يقولُ: الله المُستعانُ، فلم يجد في القُفِّ مَجْلِسًا، فجلسَ وِجَاهَهُمْ مِنْ شِقِّ البئرِ، وكشفَ عن سَاقَيْهِ ودَلَّاهُمَا في البئرِ، كمَا صنعَ رسولُ اللّه ﷺ وأبو بكر وعُمَرُ، ﵄، قالَ سعيدُ بنُ المُسَيِّبِ: فأَوَّلتُها قُبورهم، اجتمعت وانفرد عثمان (٢). وقد روى البيهقيّ من حديث عبد الأعلى بن أبي المساور، عن إبراهيم بن محمد بن حَاطب، عن عبد الرحمن بن محيريز، عن زيدِ بن أرقمَ، قال: بَعثَني رسولُ الله ﷺ فقالَ:، انطلقْ حتى تأتيَ أبا بكرٍ فتجدَه في دَارِه جالسًا مُحْتَبِيًا، فقلْ: إنَّ رسولَ الله ﷺ يقرأُ عليكَ السَّلام ويقولُ: أبشرْ بالجَنَّة، ثم انطلقْ حتَّى تأتيَ الثَّنِيَّة فتلقَى عمرَ راكبًا على حِمَارٍ تلوحُ صَلْعَتُه فقلْ: إنَّ رسولَ الله ﷺ يقرأُ عليكَ السَّلامَ، ويقولُ: أبشرْ بالجَنَّةِ، ثم انصرفْ حتى تأتيَ عثمانَ، فتجدَه في السُّوق يبيعُ ويَبتاعُ، فقل: إنَّ رسولَ اللّه ﷺ يقرأُ عليكَ السَّلامَ، ويقولُ: أبشرْ بالجَنَّةِ بعدَ بَلَاءً شَديدٍ". فذكرَ الحديثَ في ذهابهِ إليهم، فوجدَ كُلًّا منهم كما ذكرَ رسولُ الله ﷺ ، وكُلًّا منهم يقولُ: أينَ رسولُ الله؟ فيقولُ: في مَكانِ كذا وكذا، فيذهبُ إليه، وأن عثمانَ لمَّا رجعَ قال: يا رسول الله! وأيُّ بَلاء يُصيبُني؟ والذي بعثَكَ بالحَقِّ ما تَغَيَّبتُ ولا تَمَنَّيْتُ ولا مَسَسْتُ ذكري بيميني منذ بايعتُك، فأيّ بَلاء يُصيبُني؟ فقالَ: "هو ذاك" (٣). ثم قالَ البيهقيُّ: عبدُ الأعلى ضعيفٌ، فإن كانَ حفظَ هذا الحديثَ فيحتملُ أنَّ رسولَ اللّه ﷺ بعثَ إليهم زيدَ بنَ أرقمَ، فجاءَ وأبو مُوسى الأشعريّ جالسٌ على الباب كما تقدم. وهذا البلاءُ الذي أصابَه (٤) هو ما اتَّفقَ وقوعه على يدي مَنْ أنكرَ عليه من رُعَاع أهل الأمصار بلا علم، فوقعَ ما سنذكُره في دولته إن شاء اللّه من حَصْرِهم إيَّاه في دارِه، حتَّى آلَ الحالُ بَعدَ ذاك كُلِّه إلى اضطهاده وقتله وإلقائه على الطريق أيَّامًا، لا يُصلَّى عليه ولا يُلتفتُ إليه، حتى غُسِّلَ بعد ذلك وصُلِّيَ عليه ودُفن بحَشِّ كَوْكَبٍ (٥) - بستان في طرفِ البَقيع ﵁ وأرضاه، وجعلَ جَنَّاتِ الفردوسِ متقلَّبه ومَثواه. كما قال الإمامُ أحمدٌ (٦): حَدَّثَنَا يحيى، عن إسماعيل بن قيس، عن أبي سهلة مولى عثمان، عن عائشة، قالت: قالَ رسولُ الله ﷺ : "ادعُوا لي بعضَ أصحَابي، قلتُ: أبو بكر؟ قال: "لا" قلتُ: عمرُ؟ قال: "لا" قلتُ: ابنُ عَمِّكَ عَليٌّ؟ قال: "لا" قلتُ: عثمانُ؟ قال: "نعم" فلمَّا جاءَ

стр. 3016

عُثمانُ، قال: "تَنَحَّي" فجعلَ يُسارُّه ولونُ عثمانَ يَتغيَّرُ. قال أبو سَهلة: فلمَّا كانَ يومُ الدَّار وحضرَ فيها، قلتُ: يا أميرَ المؤمنين! ألا تقاتلُ؟ قالَ: لا، إنَّ رسولَ اللّه ﷺ عَهِدَ إليَّ عَهْدًا وإنِّي صَابرٌ نَفْسِي عليه. تفرَّد به أحمدُ. ثم قد رواه أحمدُ (١): عن وكيع، عن إسماعيل، عن قيس، عن عائشة، فذكرَ مثلَه، وأخرجه ابنُ ماجة (٢) من حديث وكيع. وقال نُعيم بنُ حمَّاد في كتابه "الفتن والملاحم" (٣): حَدَّثَنَا عتَاب بن بَشير، عن خُصَيْف، عن مُجاهد، عن عائشَةَ ﵂، قالت: دخلتُ على رسولِ اللّه ﷺ وعثمانُ بين يَديْه يُناجيه، فلم أُدركْ مِن مَقالتِه شيئًا إِلَّا قولَ عثمان: أظلمًا وعُدوانًا يا رسولَ الله؟! فمَا دريتُ ما هو، حتَّى قُتِلَ عثمانُ، فعلمتُ أنَّ رسولَ الله ﷺ إنَّمَا عَنى قتلَه. قالت عائشةُ: وما أحببتُ أن يصل إلى عثمانَ شيءٌ إلَّا وصلَ إلِيَّ مثلُه، غيرَ أَنَّ الله علمَ أَنِّي لم أُحبَّ قتلَه. ولو أحببتُ قتلَه لقُتِلتُ. وذلكَ لمَّا رُمي هودجُها من النَّبْل حتَّى صارَ مثلَ القُنفذ. وقال أبو داود الطَّيالسي (٤): حَدَّثَنَا إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو مولى المُطَّلب، عن حذيفة، قال: قال رسول اللّه ﷺ : "لا تقومُ السَّاعة حتَّى تقتلُوا إمامَكم، وتَجتلِدُوا بأسيافِكُم، ويرثَ دنياكُم شِرارُكُم". وقال البيهقيُّ: أخبرنا أبو الحُسين بن بشران، أخبرنا علي بن محمد المصري، حَدَّثَنَا محمد بن إسماعيل السُّلمي، حَدَّثَنَا عبد اللّه بن صالح، حدَّثني اللَّيث، حدَّثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن رَبيعة بن سَيف، أنَّه حَدَّثه أنَّه جلسَ يومًا مع شُفَيٍّ الأصبحيّ فقالَ: سمعتُ عبدَ اللّه بن عمرو يقولُ: سمعتُ رسولَ اللّه ﷺ يقولُ: "سيكونُ فيكم اثني عشرَ خليفةً: أبو بكر الصِّديق، لا يلبثُ خلفي إِلَّا قليلًا، وصاحبُ رَحى العرب، يَعيشُ حَميدًا ويموتُ شهيدًا، فقال رجلٌ: ومَنْ هو يا رسولَ اللّه؟ قال: عمرُ بن الخطَّاب. ثم التفتَ إلى عثمانَ، فقالَ: وأنتَ يسألُكَ النَّاسُ أن تخلعَ قميصًا كسَاكَه اللّه، والذي بعثني بالحَقِّ إن خلعتَه لا تدخلِ الجنَّةَ حتَّى يلجَ الجملُ في سَمِّ الخِياط" (٥).

стр. 3017

ثم روى البيهقيُّ من حديث مُوسى بن عُقبة: حدَّثني جَدِّي أبو أُمِّي، أبو حَبيبة، أنه دخلَ الدَّارَ وعثمانُ مَحصورٌ فيها، وأنَّه سمعَ أبا هُريرة يستأذنُ عثمانَ في الكلام، فأذنَ له، فقامَ فحمدَ الله وأثنى عليه، ثم قالَ: إنِّي سمعتُ رسولَ اللّه ﷺ يقولُ: "إنكم سَتلقون بعدي فتنة واختلافًا". فقالَ له قائلٌ من الناس: فمَن لنا يا رسولَ اللّه؟ أو ما تأمرُنا؟ فقال: "عَليكُم بالأمينِ وأصحابهِ" وهو يُشير إلى عثمانَ بذلك (١). وقد رواه الإمام أحمد (٢): عن عفَّان، عن وُهيب، عن موسى بن عُقبة، به. وقد تقدَّم في حديث عبد اللّه بن حَوالة شاهدان له بالصحة، واللّه أعلم. وقال الإمام أحمد (٣): حَدَّثَنَا عبدُ الرحمن، عن سفيان، عن منصور، عن ربعي، عن البراء بن ناجية، عن عبد الله - هو ابن مسعود - عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "تدورُ رَحى الإسلام لخمسٍ وثلاثينَ، أو لسِت وثلاثينَ، أو سبعٍ وثلاثينَ، فإن هلكوا فسبيلُ مَنْ قد هلكَ، وإن يقم لهم دينُهم يقم لهم سبعين عامًا" قال: قلت: أمِمَّا مضى أو مِمَّا بقيَ؟ قال: "مما بقي". ورواه أبو داود (٤): عن محمد بن سُليمان الأنباري، عن عبد الرحمن بن مَهدي، به. ثم رواه أحمد: عن إسحاق (٥)، وحجَّاج (٦)، عن سفيان، عن منصور، عن رَبعي، عن البراء بن ناجية الكاهلي، عن عبد اللّه بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ رَحى الإسلام ستزول لخمسٍ وثلاثينَ أو ست وثلاثين، أو سبعٍ وثلاثينَ، فإن تهلك فسبيلُ مَنْ هلك، وإن يقمْ لهم دِينُهم يقمْ لهم سبعينَ عامًا" قال: قال عمر: يا رسولَ الله! أبما مضى أو بما بقيَ؟ قال: "بل بما بقيَ". وهكذا رواه يعقوب بن سفيان: عن عُبيد اللّه بن موسى، عن إسرائيل، عن منصور به، فقال له عمرُ: فذكرَه. قال البيهقيُّ (٧): وقد تابعَ إسرائيلُ الأعمشَ وسفيانَ الثوري عن منصور. قال: وبلغني أنَّ في هذا إشارة إلى الفتنة التي كان فيها قتل عثمان سنة خمس وثلاثين، ثم إلى الفتن التي كانت في أيام عليّ، وأرادَ بالسبعينَ ملكَ بني أمية، فإنه بقيَ ما بينَ أن استقرَّ لهم المُلك إلى أن ظهرتِ الدعاة بخراسان، وضَعُفَ أمرُ بني أُميَّة ودخلَ الوَهَن فيه، نحوًا من سبعين سنة.

стр. 3018

قلت: ثم انطوتْ هذه الحروبُ أيَّام صِفِّين، وقاتلَ عليٌّ الخوارجَ في أثناء ذلك، كما تقدَّم الحديث المتفق على صحته، في الأخبار بذلك، وفي صِفتهم وصفةِ الرجل المُخَدَّج (١) فيهم. حديث آخر قال الإمام أحمد (٢): حَدَّثَنَا إسحاق بن عيسى، حدَّثني يحيى بن سُلَيْم، عن عبد اللّه بن عثمان، عن مجاهد، عن إبراهيم بن الأشتر، عن أبيه، عن أُمِّ ذَرٍّ قالت: لما حضرت أبا ذر الوفاة بكيتُ. فقال: ما يُبكيكِ؟ فقلتُ: وما لي لا أبكي وأنتَ تموتُ بفلاةٍ من الأرض ولا يَد لي بدفنِكَ، وليس عندي ثوبٌ يسعكَ فأُكفِّنكَ فيه. قال: فلا تبكي وأبشري، فإني سمعتُ رسولَ اللّه ﷺ يقولُ لنَفَرٍ: "ليموتنَّ رجل منكم بفَلاةٍ من الأرض، يشهدُه عِصابةٌ من المؤمنين" وليس من أولئك النَّفَر أحدٌ إِلَّا وقد مات في قرية أو جماعة، وإنِّي أنا الذي أموتُ بالفَلاة، واللّه ما كذبَ ولا كذبتُ. تفرَّد به أحمدُ ﵀، وقد رواه البيهقيُّ من حديث عليِّ بن المَديني، عن يحيى بن سُليم الطَّائفي به مطوَّلًا (٣). والحديث مشهور في موته ﵁ بالرَّبَذة سنة ثنتين وثلاثين، في خلافة عثمان بن عفان، وكان في النَّفَر الذين قدموا عليه وهو في السياق (٤) عبد اللّه بن مسعود، وهو الذي صلَّى عليه ثم قدم المدينة فأقام بها عشرَ ليال ومات ﵁. حديث آخر قال البيهقيُّ: أخبرنا الحاكم، أخبرنا الأصم، حَدَّثَنَا محمد بن إسحاق الصَّغَّاني، حَدَّثَنَا عمر بن سعيد الدمشقي، حَدَّثَنَا سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عُبيد اللّه، عن أبي عبد اللّه الأشعري، عن أبي الدرداء، قال: قلتُ: يا رسولَ اللّه! بلغني أَنَّكَ تقول: "لَيَرْتَدَّنَّ أقوامٌ بعد إيمانهم". قال: "أجل، ولستَ منهم". قال: فتوفي أبو الدرداء قبلَ أن يُقتلَ عثمان (٥). وقال يعقوبُ بن سفيان: حَدَّثَنَا صفوان، حَدَّثَنَا الوليد بن مسلم، حَدَّثَنَا عبد الله أو عبد الغفار بن إسماعيل بن عُبيد اللّه، عن أبيه أنه حدَّثه عن شيخ من السَّلف، قال: سمعتُ أبا الدرداء يقول: قال

стр. 3019

رسولُ الله ﷺ : "إنِّي فَرَطُكُم على الحوض، أنتظرُ من يَرِدُ عليَّ منكم، فلا أُلفينَّ أُنازعُ أحدَكم، فأقولُ: إنه من أُمَّتِي، فيقال: هل تدري ما أَحدثوا بعدكَ؟ "قال أبو الدرداء: فتخوَّفتُ أن أكونَ منهم، فأتيتُ رسولَ الله ﷺ فذكرتُ ذلك له، فقال: "إنَّكَ لستَ منهم". قال: فتوفي أبو الدرداء قبل أن يُقتلَ عثمان، وقبل أن تقعَ الفتنُ. قال البيهقيّ: تابعه يزيد بن أبي مريم، عن أبي عُبيد الله مسلم بن مِشْكم (١)، عن أبي الدرداء إلى قوله: "لستَ منهم" (٢). قلت: قال سعيد بن عبد العزيز: توفي أبو الدرداء لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وقال الواقدي وأبو عُبيد وغير واحد: توفي سنة اثنتين وثلاثين، ﵁ (٣). ذكر إخباره ﷺ عن الفتن الواقعة في آخر أيام عثمان بن عفَّان وفي خلافة علي بن أبي طالب ﵄ ثبت في الصحيحين من حديث سفيان بن عُيينة، عن الزهري، عن عروةَ، عن أسامة بن زيد: أنَّ رسولَ اللّه ﷺ أشرفَ على أُطُمٍ من آطام المدينة، فقال: "هل ترونَ ما أرى؟ إنِّي لأرى مواقعَ الفتن خلالَ بيوتِكم كمواقعِ القَطر" (٤). وروى الإمام أحمد ومسلم من حديث الزهريّ، عن أبي إدريس الخَوْلانيِّ: سمعتُ حذيفةَ بنَ اليمان يقول: والله إنِّي لأعلمُ النَّاس بكلِّ فتنةٍ هي كائنةٌ فيما بيني وبينَ الساعة، وما ذاكَ أن يكون رسولُ اللّه ﷺ حدَّثني من ذلك شيئًا أسَرَّه إليَّ لم يكن حدَّث به غيري، ولكنَّ رسولَ اللّه ﷺ قال: - وهو يُحدِّثُ مجلسًا أنا فيه - سُئل عن الفتن وهو يَعُدُّ الفتنَ: "فيهن ثلاث لا يذرنَ شيئًا، منهنَّ كرياح الصَّيف، منها صغار ومنها كبار" قال حذيفةُ: فذهبَ أولئك الرَّهطُ كلُّهم غيري. وهذا لفظ أحمد (٥). قال البيهقيّ: مات حذيفة بعد الفتنة الأولى بقتل عثمانَ، وقبل الفتنتين الأُخرَيَين في أيَّام عليٍّ (٦). قلت: قال العِجْلِيُّ، وغير واحد من علماء التاريخ: كانت وفاة حذيفةَ بعد مقتل عثمان بأربعين

стр. 3020

يومًا (١). وهو الذي قال: لو كان قتلُ عثمانَ هدىً لاحتلبتْ به الأُمَّة لبنًا، ولكنَّه كان ضلالةً، فاحتلبتْ به الأُمَّة دمًا، وقال: ولو أن أحدًا ارفضَ لِمَا صنعتُم بعثمانَ، لكان جديرًا أن يرفضَّ. وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا سفيان بن عُيينة، عن الزُّهريِّ، عن عووةَ، عن زينت بنت أبي سلمة، عن حَبيبةَ بنت أُمِّ حَبيبة بنت أبي سفيان، عن أُمِّها أم حَبيبة، عن زينبَ بنت جَحْشٍ زوج النَّبِيِّ ﷺ - قال سفيان: أربع نسوة - قالت: استيقظَ النَّبِيُّ ﷺ من نومه وهو مُحْمَرُّ الوجه، وهو يقول: "لا إلهَ إِلَّا اللّه، ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقتربَ، فُتحَ اليومَ من رَدْمِ يأجوجَ ومأجوجَ مثلُ هذه - وحلَّقَ بأصبعه الإبهام والتي تليها - قلتُ: يا رسولَ اللّه! أنهلكُ وفينا الصَّالحون؟ "قال: "نعم، إذا كثر الخبث" (٢). هكذا رواه الإمام أحمد عن سفيان بن عُيينة به، وكذلك رواه مسلم (٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة، وسعيد بن عمرو الأَشْعَثي، وزُهير بن حَرْب، وابن أبي عُمرَ، كلّهم عن سفيان بن عُيينة به سواء. ورواه الترمذي (٤) عن سعيد بن عبد الرحمن المخزوميّ وغير واحد، كلّهم عن سفيان بن عُيينة. وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال الترمذي: قال الحُمَيْديُّ عن سفيانَ: حفظت من الزهريِّ في هذا الإسناد أربع نسوة. قلت: وقد أخرجه البخاريّ (٥): عن مالك بن إسماعيل، ومسلم (٦): عن عمرو الناقد، عن سفيان بن عُيينة، عن الزهري، عن عُروةَ، عن زينبَ، عن أُمّ حَبيبة، عن زينبَ بنت جَحْش، فلم يذكروا حبيبة في الإسناد، وكذلك رواه عن الزهري: شعيب، وصالح بن كيسان، وعقيل، ومحمد بن إسحاق، ومحمد بن أبي عتيق، ويونس بن يزيد؛ فلم يذكروا عنه في الإسناد حَبيبة. فاللّه أعلم. فعلى ما رواه أحمد ومن تابعه عن سفيان بن عُيينة، يكون قد اجتمعَ في هذا الإسناد تابعيان، وهما الزهري وعروة بن الزبير، وأربع صحابيات، وبنتان، وزوجتان، وهذا عزيزٌ جدًّا. ثم قال البخاري بعد رواية الحديث المتقدِّم: عن أبي اليَمَان، عن شُعيب، عن الزُّهْريّ، فذكره إلى آخره (٧). ثم قال: وعن الزُّهْريّ: حدَّثتني هندُ بنت الحارث، أَنَّ أُمَّ سلمةَ، قالت: استقيظَ رسولُ اللّه ﷺ فقال: "سبحان الله! ماذا أنزل من الخزائن؟! وماذا أنزل من الفتن؟! ". وقد أسند (٨) البخاريُّ في مواضع أُخر

стр. 3021

من طُرق عن الزهريّ به. ورواه الترمذيُّ من حديث مَعْمَر عن الزهريِّ، وقال: حسن صحيح (١). وقال أبو داود الطيالسي: حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بن دينار، حَدَّثَنَا عُقبةُ بن صهبان وأبو رجاء العطاردي، قالا: سمعنا الزبيرَ وهو يتلو هذه الآية: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]. قال: لقد تلوتُ هذه الآية زمنًا وما أُراني من أهلها، فأصبحنا مِن أهلها (٢). وهذا الإسناد ضعيف، ولكن روي من وجه آخر، فقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا أسود بن عامر، حَدَّثَنَا جرير، قال: سمعتُ الحسن قال: قال الزُّبيرُ بن العوَّام: نزلت هذه الآية ونحن متوافرون مع النَّبِيِّ ﷺ ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنقال: ٢٥] فجعلنا نقول: ما هذه الفتنة؟ وما نشعرُ أنَّها تقعُ حيث وقعت (٣). ورواه النسائي عن إسحاق بن إبراهيم عن ابن مهدي، عن جرير بن حازم، به (٤). وقد قُتل الزبير بوادي السِّباع مرجعه من قتال يوم الجمل؛ على ما سنورده في موضعه إن شاء اللّه تعالى. وقال أبو داود السجستاني في "سننه": حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا أبو الأحوص - سَلَّام بن سُلَيم - عن منصور، عن هِلال بن يَساف، عن سعيد بن زيد، قال: كنَّا عند النَّبِيِّ ﷺ فذكرَ فتنةً فعظَّم أمرَها. فقلنا: يا رسولَ الله! لئن أَدركَتْنا هذه لتُهْلِكُنا. فقال: "كلَّا، إنَّ بِحَسْبِكُم القتل" (٥) قال سعيد: فرأيتُ إخواني قُتلوا. تفرد به أبو داود. وقال أبو داود السجستاني: حَدَّثَنَا الحسن بن علي، حَدَّثَنَا يزيد، أخبرنا هشام، عن محمد، قال: قال حذيفة: ما أحدٌ من الناس تدركُه الفتنة إِلَّا أنا أخافُها عليه إلَّا محمد بن مسلمة، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا تَضُرُّك الفتنة". وهذا منقطع (٦). وقال أبو داود الطيالسيّ، حَدَّثَنَا شعبة، عن أشعث بن أبي الشعثاء، سمعت أبا بُرْدةَ يُحدِّث، عن ثعلبة بن أبي ضُبيعة (٧)، سمعتُ حذيفة يقول: إني لأعرف رجلًا لا تضرُّه الفتنةُ، فأتينا المدينة فإذا

стр. 3022

فُسطاطٌ مضروب، وإذا محمد بن مسلمة الأنصاري، فسألته: فقال: لا أستقرُّ بمصرٍ من أمصارهم حتَّى تنجليَ هذه الفتنة عن جماعة المسلمين (١). قال البيهقيّ: ورواه أبو داود - يعني السجستاني - عن عمرو بن مرزوق، عن شعبة، به (٢). وقال أبو داود: حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا أبو عوانة، عن أشعث بن سُلَيم، عن أبي بُرْدةَ، عن ضُبيعة بن حصيق الثعلبي، عن حذيفة، بمعناه (٣). قال البخاريّ (٤) في "التاريخ": هذا عندي أولى. وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يزيد، حَدَّثَنَا حمَّاد بن سَلَمَة، عن عليِّ بن زيد، عن أبي بُرْدة، قال: مررتُ بالرَّبذَة فإذا فُسْطاط، فقلت: لمن هذا؛ فقيل: لمحمد بن مَسْلَمة، فاستأذنت عليه فدخلتُ عليه فقلت: رحمكَ اللّه إنَّكَ من هذا الأمر بمكان، فلو خرجتَ إلى الناس فأمرتَ ونهيتَ، فقال: إنَّ رسول اللّه ﷺ قال: "إنها (٥) ستكون فتنةٌ وفرقةٌ واختلافٌ، فإذا كانَ ذلك فائْتِ بسيفك أُحُدًا فاضربْ به عَرْضَه، واكسر نبلَكَ، واقطعْ وَتَرَكَ، واجلسْ في بيتِكَ حتى تأتيَكَ يدٌ خاطئةٌ أو يُعافيك اللّه ". فقد كان ما قال رسولُ اللّه ﷺ ، وفعلتُ ما أمرني به، ثم استنزلَ سيفًا كان مُعلَّقًا بعمود الفُسطاط، واخترَطَه فإذا سيفٌ من خشب، فقال: قد فعلتُ ما أمرَني به، واتَّخذتُ هذا أُرهبُ به النّاسَ. تفرَّد به أحمد (٦). وقال البيهقيّ: أخبرنا الحاكم (٧)، حَدَّثَنَا عليُّ بن عيسى المَدني، أخبرنا أحمد بن نجدة (٨) القُرشيُّ، حَدَّثَنَا يحيى بن عبد الحميد، أخبرنا إبراهيم بن سعد، حَدَّثَنَا سالم بن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن محمود بن لبيد، عن محمد بن مسلمة؛ أنه قال: يا رسول اللّه! كيف أصنعُ إذا اختلفَ المُصَلُّون! قال: "تخرجُ بسيفك إلى الحرَّة فتضربَها به، ثم تدخلُ بيتَك حتَّى تأتيَك مَنِيَّةٌ قاضِيَةٌ أو يدٌ خاطئةٌ". وقال الإمام أحمد (٩): حَدَّثَنَا عبدُ الصَّمد، حَدَّثَنَا زياد بن مسلم أبو عمر، حَدَّثَنَا أبو الأشعث

стр. 3023

الصَّنعاني، قال: بعثنا يزيدُ بن معاوية إلى ابن الزبير، فلمَّا قدمتُ المدينةَ دخلتُ على فلان - نسي زياد اسمَه - فقال: إنَّ النَّاس قد صَنعُوا ما صَنَعُوا فما ترى؟ قال: أوصاني خليلي أبو القاسم إن أدركت شيئًا من هذه الفتن فاعتمد إلى أُحدٍ فاكسر به حدَّ سيفِك ثم اقعدْ في بشِك، فإن دخلَ عليكَ أحدٌ البيتَ فقم إلى المَخْدَع، فإن دخلَ عليك المَخْدَعَ فاجْثُ على ركبتيْكَ وقل: بؤ (١) بإثمي وإثمك فتكونَ من أصحاب النَّار وذلك جزاءُ الظالمين، فقد كسرتُ سيفي وقعدتُ في بيتي. هكذا وقعَ إيرادُ هذا الحديث في مسند محمَّد بن مَسْلَمة عند الإمام أحمد، ولكنْ وقعَ إبهامُ اسمه، وليس هو لمحمَّد بن مَسْلَمَة بل صحابي آخر، فإن محمد بن مَسْلَمة ﵁، لا خلافَ عند أهل التاريخ أنه تُوفِّي فيما بين الأربعين إلى الخمسين، فقيل سنة ثنتين، وقيل: ثلاث، وقيل: سبع وأربعين، ولم يُدركْ أيَّام يزيد بن معاوية وعبد اللّه بن الزبير بلا خلاف، فتعيَّنَ أنه صحابيٌّ آخر خبرُه كخبر محمَّد بن مسلمة. وقال نُعيم بن حمَّاد في "الفتن والملاحم": حَدَّثَنَا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن حمَّاد بن سلمة، حَدَّثَنَا أبو عمرو القسملي، عن ابنة أهبان (٢) الغفاري؛ أنَّ عليًا أتى أهبان فقال: ما يمنعُكَ أن تتبعنا؟ فقال: أوصاني خليلي وابنُ عَمِّكَ ﷺ : "أنْ ستكونُ فرقةٌ وفتنةٌ واختلاف، فإذا كان ذلك فاكسرْ سيفَك واقعدْ في بيتِكَ واتَّخذْ سيفًا من خشب (٣). وقد رواه أحمد بن عفَّان، وأسود بن عامر، ومُؤَمِّل، ثلاثتهم عن حمَّاد بن سلمة به، وزاد مُؤَمّلٌ في روايته بعد قوله: واتَّخذْ سيفًا من خشبٍ "واقعدْ في بيتِكَ حتى تأتيَك خاطئةٌ أو مَنِيةٌ قاضِيَةٌ" (٤). ورواه الإمام أحمد أيضًا والترمذيُّ وابن ماجة، من حديث عبد الله بن عُبيد الدِّيلي، عن عُدَيْسَةَ بنتِ اهْبَانَ بن صَيْفِيّ، عن أبيها به (٥). وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إِلَّا من حديث عبد الله بن عُبيد، كذا قال، وقد تقدَّم من غير طريقه. وقال البخاريُّ: حَدَّثَنَا عبد العزيز الأويسي، حَدَّثَنَا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كَيْسَان، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المُسيّب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي (٦) هريرة ﵁، قال:

стр. 3024

قال رسولُ اللّه ﷺ : "ستكون فتنةٌ (١) القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من السَّاعي، من تشرَّف لها تَسْتَشْرِفْهُ، ومَنْ وجدَ ملجأً أو مَعاذًا فَلْيَعُذْ به" (٢). وعن ابن شهاب: حدَّثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن عبد الرحمن بن مُطيع بن الأسود، عن نَوْفَل بن مُعاوية مثل حديث أبي هريرة هذا (٣). وقد روى مسلمٌ حديثَ أبي هريرة من طريق إبراهيم بن سعد كما رواه البخاري، وكذلك حديثَ نوفل بن مُعاوية بإسناد البخاري ولفظه (٤). ثم قال البخاري: حَدَّثَنَا محمد بن كثير، أخبرني سُفيان، عن الأعمش، عن زيد بن وَهْبٍ، عن ابن مسعود، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "ستكونُ أَثَرَةٌ وأمورٌ تُنكرونها، قالوا: يا رسولَ اللّه! فما تأمرُنا؟ قال: تُؤَدُّونَ الحَقَّ الذي عليكم وتسألونَ اللّه الذي لكم (٥). ورواه مسلم من حديث الأعمش به (٦). وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا عثمانُ الشَّحَّام، حَدَّثَنَا سَلمةُ بن أبي بَكْرَةَ، عن أبي بَكْرَةَ، عن رسول اللّه ﷺ أنه قال: "إنها ستكونُ فتنةٌ، ثم تكونُ فتنةٌ، ألا فالماشي فيها خيرٌ من السَّاعي إليها، والقاعدُ فيها خيرٌ من القائم فيها، ألا والمُضْطَجِعُ فيها خيرٌ من القاعد، ألا فإذا نزلتْ فمن كان له غنمٌ فليلحقْ بغنمهِ، ألا ومَنْ كانت له أرضٌ فليلحقْ بأرضه، ألا ومن كانت له إبلٌ فليلحقْ بإبله" فقال رجلٌ من القوم: يا نبيَّ اللّه! جعلني اللّه فداكَ، أرأيتَ مَنْ ليست له غنمٌ ولا أرضٌ ولا إبلٌ، كيف يصنعُ؟ قال: "ليأخذْ سيفَه ثم ليَعْمَدْ إلى صخرةٍ، ثمَّ ليدن على حدِّه بحجرٍ، ثم لينجُ إن استطاعَ النَّجاء، اللَّهُمَّ هلْ بلَّغتُ" إذ قال رجلٌ: يا رسولَ الله! جعلني اللّه فداكَ، أرأيتَ إن أُخِذَ بيدي مُكرهًا حتى يُنطلقَ بي إلى أحد الصَّفَّين أو إحدى الفئتين؟ - عثمانُ يشكُّ - فيَحْذفنِي رجل بسيفه فيَقتُلني، ماذا يكونُ من شأني؟ قال: "يبوءُ بإثمكَ وإثمهِ، ويكون من أصحاب النَّار" (٧). وهكذا رواه مسلم من حديث عثمان الشَّحَّام بنحوه (٨). وهذا إخبارٌ عن إقبال الفتن، وقد وردت أحاديث كثيرة في معنى هذا.

стр. 3025

وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يحيى بن إسماعيل، حَدَّثَنَا قيس، قال: لما أقبلتْ عائشةُ - يعني في مسيرها إلى وقعة الجمل - بلغتْ مياهَ بني عامرٍ ليلًا، نبحتِ الكِلابُ، فقالت: أيُّ ماءٍ هذا؟ قالوا: ماء الحَوْأَب، فقالت: ما أَظُنُّنِي إِلَّا أني راجعةٌ. فقالَ بعضُ مَنْ كانَ معها: بل تَقْدَمِينَ فيرَاكِ المسلمون، فيصلحُ الله ذاتَ بينهم. قالت: إن رسول الله ﷺ قالَ لها ذاتَ يومٍ: "كيفَ بإحداكُنَّ تنبحُ عليها كِلابُ الحَوْأب" (١). ورواه نُعيم بن حمَّاد في "الملاحم": عن يزيد بن هارون، عن إسماعيل بن خالد، عن قيس بن أبي حازم (٢) به. ثم رواه أحمد: عن غُنْدَر، عن شعبةَ، عن إسماعيلَ بن أبي خالد، عن قَيْسِ بن أبي حَازم؛ أنَّ عائشةَ لما أتتْ على الحوأبِ، فسمعتْ نباح الكِلاب فقالت: ما أظنني إِلَّا راجعةً، إن رسول الله ﷺ قال لنا: "أَيَّتُكُنَّ تنبح عليها كِلابُ الحَوْأب" فقال لها الزُّبَيرُ: ترجعينَ؟ عسى الله أن يُصلحَ بكِ بينَ النَّاس (٣). وهذا إسناد على شرط الصحيحين ولم يُخرِّجوه. وقال الحافظ أبو بكر البزَّار: حَدَّثَنَا محمد بن عثمان بن كرامة، حَدَّثَنَا عُبيدُ الله بن موسى، عن عصام بن قُدامة البَجَليِّ، عن عكرمةَ، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليتَ شِعْري أيتكم صاحبة الجمل الأدبب (٤) تسير حتى تنبحها كلاب الحوأب، يقتل عن يمينها وعن يسارها خلق كثير" (٥). ثم قال: لا نعلمه يُروى عن ابن عباس إِلَّا بهذا الإسناد. وقال الطبراني: حَدَّثَنَا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني، حَدَّثَنَا إسماعيل بن عمرو البَجَلِيّ، حَدَّثَنَا نُوح بن درَّاج، عن الأَجْلح بن عبد الله، عن زيد بن عليّ، عن أبيه، عن ابن عباس قال: لما بلغَ أصحابُ عليّ، حينَ ساروا إلى البصرة؛ أنَّ أهلَ البصرةِ قد اجتمعوا لطلحةَ والزُّبير، شقَّ عليهم، ووقع في قلوبهم، فقال عليّ: والذي لا إله غيره ليظهرنَّه على أهل البصرة، وليقتلنَّ طلحةَ والزُّبير، وليخرجنَّ إليكم من الكوفة ستة آلاف وخمسمئة وخمسون رجلًا، أو خمسةُ آلافٍ وخمسمئة وخمسون رجلًا - شكَّ الأجلح - قال ابنُ عباس: فوقع ذلكَ في نفسي. فلما أتى الكوفةَ خرجتُ، فقلت: لأنظرنَّ، فإن كانَ كما يقولُ، فهو أمرٌ سمعَه، وإلا فهو خديعةُ الحربِ، فلقيتُ رجلًا من الجيش فسألته، فوالله ما عَتَمَ أنْ قالَ ما قالَ عليّ، قال ابن عباس: وهو ما كان رسول الله ﷺ يُخبر (٦).

стр. 3026

وقال البيهقيّ: أخبرنا عبد اللّه الحافظ؛ حَدَّثَنَا أبو بكر محمد بن عبد الله الجنيد، حَدَّثَنَا أحمد بن نصر، حَدَّثَنَا أبو نُعيم الفَضْل بن دُكَيْن، حَدَّثَنَا عبد الجبَّار بن الوَرْد، عن عمَّار الدُّهني، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن أُمِّ سلمةَ، قالت: ذكرَ النبيُّ ﷺ خروجَ بعض نسائه أمهات المؤمنين، فضحكت عائشةُ، فقال لها: "انظُري يا حُميراء ألا تَكوني أنتِ" ثم التفتَ إلى عليّ وقال: "يا عليّ! إن وليتَ من أمرِها شيئًا فَارْفُقْ بها". وهذا حديث غريب جدًّا (١). وأغربُ منه ما رواه البيهقيّ أيضًا، عن الحاكم، عن الأصمِّ، عن محمد بن إسحاق الصَّنعاني، عن أبي نُعيم، عن عبد الجبار بن العباس الشَّباميِّ، عن عطاءَ بن السَّائب، عن عمرَ بن الهُجَنَّع، عن أبي بكرة، قال: قيل له ما يمنعُك ألا تكونَ قاتلتَ على نصرتك يوم الجمل؟ فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "يخرجُ قوم هَلْكَى لا يُفلحون، قائدُهم امرأة، قائدُهم في الجنَّة" (٢) وهذا منكرٌ جدًّا. والمحفوظ ما رواه البخاريُّ من حديث الحسن البصري، عن أبي بكرةَ، قال: نفعني اللّه بكلمة سمعتُها من رسول اللّه ﷺ وبلغه أنَّ فارسَ ملَّكُوا عليهم امرأةَ كسرى - فقال: "لن يُفلحَ قومٌ وَلوْا أمرَهم امرأةً" (٣). وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شُعبةُ، عن الحكم، سمعتُ أبا وائل قال: لمَّا بعثَ عليٌّ عمَّارًا والحسنَ إلى الكوفة يستنفرُهم، خطبَ عمَّار فقال: إنِّي لأعلمُ أنها زوجته في الدُّنيا والآخرة، لكن اله ابتلاكم لتتبعوه أو إياها (٤). ورواه البخاريُّ عن بندار عن غندر (٥). وهذا كلُّه وقع في أيام الجمل، وقد ندمت عائشةُ ﵂ على ما كان من خروجها، على ما سنُورده في موضعه، وكذلك الزبير بن العوَّام أيضًا، تذكَّر وهو واقفٌ في المعركة أن قتالَه في هذا الموطن ليس بصواب، فرجعَ عن ذلك. قال عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمَرُ، عن قتادة، قال: لما وَلَّى الزبيرُ يومَ الجمل بلغَ عليًّا، قال: لو كانَ ابنُ صفيَّةَ يعلم أنَّه على حقٍّ ما ولَّى، وذلك أنَّ النبيَّ ﷺ لقيَهما في سقيفةِ بني ساعدةَ، فقال: "أتحبُّه يا زبيرُ؟ " فقال: وما يَمنعُني؟ قال: "فكيف بك إذا قاتلتَه وأنتَ ظالمٌ له؟ "قال: فيرون أنه إنما وَلَّى لذلك. وهذا مرسل من هذا الوجه (٦).

стр. 3027

وقد أسنده الحافظ البيهقيُّ من وجه آخر فقال: أخبرنا أبو بكر - أحمد بن الحسن القاضي - حَدَّثَنَا أبو عمرو بن مطر، أخبرنا أبو العباس عبد الله بن محمد بن سوار الهاشمي الكوفي، حَدَّثَنَا منجاب بن الحارث، حَدَّثَنَا عبد اللّه بن الأجلح، حَدَّثَنَا أبي، عن يزيد الفقير، عن أبيه، قال: وسمعتُ المفضل بن فَضَالة يُحدِّث أبي، عن أبي حرب بن أبي الأسود الدُّؤلِيِّ، عن أبيه، دخلَ حديثُ أحدهما في حديث صاحبه، قال: لما دنا عليُّ وأصحابُه من طلحة والزبير، ودنتِ الصفوفُ بعضُها من بعض، خرجَ عليٌّ وهو على بغلة رسول الله ﷺ ، فنادى: ادعوا لي الزبيرَ بن العوَّام، فإنِّي عليٌّ، فدُعي له الزُّبيرُ، فأقبلَ حتى اختلفتْ أعناقُ دوابِّهما، فقال عليٌّ: يا زبير نشدتُكَ بالله، أتذكرُ يوم مرَّ بك رسولُ الله ﷺ مكانَ كذا وكذا، فقال: "يا زبيرُ تحبُّ عليًّا؟ " فقلتَ: ألا أحبُّ ابنَ خالي وابنَ عمِّي وعلى ديني؟ فقال: "يا عليّ أتحبُّه؟ " فقلت: يا رسولَ الله! ألا أحبُّ ابن عمَّتي وعلى ديني؟ فقال: "يا زبيرُ! أما والله لَتقاتلنَّه وأنت ظالمٌ له" فقال الزبيرُ: بلى، والله لقد نسيتُه منذ سمعتُه من رسول الله ﷺ ثم ذكرتُه الآن، والله لا أقاتلُكَ، فرجعَ الزُّبيرُ على دابَتِه يشقُّ الصفوفَ، فعرضَ له ابنه عبدُ اللّه بن الزبير فقال: ما لكَ؟ فقال: ذكَّرني عليٌّ حديثًا سمعتُه من رسول الله ﷺ ، سمعتُه يقول: "لتقاتلنَّهُ وأنت ظالمٌ له" فلا أقاتله. فقال: وللقتال جئت؟ إنما جئتَ تصلحُ بين الناس، ويُصلح الله هذا الأمرَ. قال: قد حلفتُ أن لا أقاتله، قال: فأعتق غلامك جَرْجِسَ، وقفْ حتى تُصلحَ بين الناس، فاعتقَ غلامَه ووقفَ، فلمَا اختلفَ أمرُ الناس ذهبَ على فرسِه (١). قال البيهقيُّ: وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا الإمام أبو الوليد، حَدَّثَنَا الحسنُ بن سفيان، حَدَّثَنَا قَطَنُ بن بشير، حَدَّثَنَا جعفرُ بن سُليمان، حَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمد الرَّقاشيُّ، حَدَّثَنَا جدي - وهو عبد الملك بن مسلم - عن أبي جَرْو المازنيّ، قال: سمعتُ عليًّا والزبير، وعليٌّ يقول له: نشدتك (٢) الله يا زبيرُ! أما سمعتَ رسول الله ﷺ يقول: "إنك مُقاتلي (٣) وأنتَ لي ظالمٌ؟ " قال: بلى، ولكنِّي نسيتُ (٤). وهذا غريب كالسياق الذي قبله. وقد روى البيهقيُّ من طريق الهُذيل بن بلال - وفيه ضعفٌ - عن عبد الرحمن بن مسعود العَبْدي، عن

стр. 3028

عليٍّ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ سرَّه أن ينظرَ إلى رجلٍ يسبقُه بعضُ أعضائه إلى الجنَّة فلينظرْ إلى زيدِ بن صُوحَان (١) " قلت: قُتل زيد هذا في وقعة الجمل من ناحية عليٍّ. وثبتَ في الصحيحين من حديث همَّام بن منبه، عن أبي هريرة، قال: قالَ رسولُ اللّه ﷺ : "لا تقومُ الساعة حتى تقتتلَ فئتان عظيمتان دعواهما واحدة" (٢). ورواه البخاريُّ أيضًا: عن أبي اليَمان، عن شُعيب، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة (٣). مثله. وهاتان الفئتان هما أصحاب الجمل، وأصحاب صِفِّين، فإنهما جميعًا يدعون إلى الإسلام، وإنما يتنازعون في شيء من أمور المُلْك، ومراعاة المصالح العائد نفعُها على الأُمَّة والرعايا، وكان ترك القتال أولى من فعله، كما هو مذهب جمهور الصحابة على ما سنذكره. وقد قال يعقوبُ بن سفيان: حَدَّثَنَا أبو اليمان، حَدَّثَنَا صفوان بن عمر، وقال: كان أهلُ الشام ستين ألفًا، فقُتل منهم عشرون ألفًا، وكان أهل العراق مئة وعشرين ألفًا، فقُتل منهم أربعون ألفًا. ولكن كان على وأصحابُه أدنى الطائفتين إلى الحقِّ من أصحاب معاوية، وأصحابُ معاوية كانوا باغين عليهم، كما ثبتَ في صحيح مسلم: من حديث شعبة، عن أبي سلمة، عن أبي نضرةَ، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: حدَّثني من هو خير مني - يعني أبا قتادةَ - أنَّ رسولَ اللّه ﷺ قال لعمَّار: "تَقتلُكَ الفئة الباغيةُ" (٤). ورواه أيضًا من حديث ابن عُليَّةَ، عن ابن عَوْن، عن الحسن، عن أُمه، عن أُمِّ سلمة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "تقتلُ عمَّارًا الفئةُ الباغيةُ" (٥). وفي رواية: "وقاتلُه في النَّار". وقد تقدَّم الحديثُ بطرقه عند بناء المسجد النبوي في أَوَّل الهجرة النبوية، وما يزيدُه بعضُ الرافضة في هذا الحديث من قولهم بعد ذلك: لا أنالَها الله شفاعتي حتى يوم القيامة. فليس له أصل يُعتمد عليه، بل هو من اختلاق الروافض - قبَّحهم الله -. وقد روى البيهقيّ من حديث أبي عُبيدة بن محمد بن عمَّار بن ياسر عن مولاة لعمَّار قالت: اشتكى عمَّارٌ شكوى، أَرِقَ منها، فغُشي عليه، فأفاقَ ونحنُ نبكي حولَه، فقال: ما تبكون؟ أتخشونَ أن أموتَ على فراشي؟ أخبرني حبيبي ﷺ أنه تَقْتُلُني الفئةُ الباغيةُ، وأنَّ آخرَ زادي من الدنيا مَذْقة من لبن (٦).

стр. 3029

وقال الإمام أحمد: حدَّثني وكيع، حَدَّثَنَا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي البَخْتَريِّ، قال: قال عمَّارٌ يومَ صِفِّين: ائتوني بِشَرْبَةِ لَبَنٍ، فإنَّ رسولَ الله ﷺ قال: (آخرُ شَرْبَةٍ تشربُها من الدنيا شَرْبَةُ لَبَنٍ" فشربَها ثم تقدَّم فقُتل (١). وحدَّثنا عبد الرحمن بن مَهْدي، عن سفيان، عن حبيب، عن أبي البَخْتَريِّ، أن عمَّار بن ياسر أُتي بشَرْبةِ لَبَنٍ فضحكَ، وقال: إنَّ رسول اللّه ﷺ قال لي: آخرُ شراب أشربُه لَبَنٌ حتَّى أموتَ (٢). وروى البيهقيُّ من حديث عمَّار الدُّهني، عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن مسعود، سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إذا اختلفَ الناسُ كان ابن سُمية مع الحقّ" (٣). ومعلومٌ أنَّ عمَّارًا كان في جيش عليٍّ يوم صِفِّين، وقتلَه أصحابُ معاوية من أهل الشام، وكان الذي تولَّى قَتْلَه رجل يُقال له أبو الغادية، رجل من أفناء الناس، وقيل: إنه صحابي. وقد ذكره أبو عمر بن عبد البر (٤) وغيره من أسماء الصحابة، وهو أبو الغادية مسلم، وقيل: يَسَار بن أزيهر الجهنيّ من قُضاعة، وقيل: مزنيٌّ، وقيل: هما اثنان (٥). سكَنَ الشام ثم صار إلى واسط، روى له أحمد حديثًا، وله عند غيره آخر، قالوا: وهو قاتل عمَّار بن ياسر. وكان يذكرُ صفة قتله لعمَّار لا يتحاشى من ذلك، وسنورد ترجمتَه عند قتله لعمَّار أيَّام معاوية في وقعة صِفِّين، وأخطأ من قال: كان بدريًا. وقال الإمام أحمد (٦): حَدَّثَنَا يزيد بن هارون، حَدَّثَنَا العوَّام، حدَّثني أسود بن مسعود، عن حنظلةَ بن خُويلد العنزي، قال: بينما أنا عند معاوية إذ جاءَه رجلان يختصمان في رأس عمَّار، يقولُ كلُّ واحد منهما: أنا قتلتُه، فقال عبد الله بن عمرو: ليطبْ به أحدُكما لصاحبه نفسًا، فإنّي سمعتُ النَّبِيَّ ﷺ يقول: "تقتله الفئة الباغية" فقال معاوية: ألا نحِّ عنا مجنونَك يا عمرو، فما بالك معنا؟! قال: إن أبي شكاني إلى رسول الله ﷺ فقال: "أطعْ أباكَ ما دامَ حيًّا ولا تعصِه" فأنا معكم ولست أُقاتل. وقال الإمام أحمد (٧): حَدَّثَنَا أبو معاويةَ، حَدَّثَنَا الأعمشُ، عن عبد الرحمن بن زياد، عن

стр. 3030

عبد اللّه بن الحارث بن نوفل، قال: إني لأسيرُ مع معاوية مُنصرفه من صِفِّين، بينه وبين عمرو بن العاص، فقال عبد اللّه بن عمرو: يا أبة، أما سمعتَ رسولَ اللّه ﷺ يقول لعمَّار: "ويحكَ يا بن سُميَّة! تَقتُلُكَ الفئةُ الباغيةُ؟ "قال: فقال عمرو لمعاوية: ألا تسمع ما يقول هذا؟ فقال معاوية: لا تزال تأتينا بِهَنَةٍ، أو نحنُ قتلناهُ؟ إنما قتلَه الذين جاؤوا به. ثم رواه أحمد عن أبي نُعيم، عن الثوريِّ، عن الأعمش، عن عبد الرحمن بن أبي زياد (١)، فذكرَ مثله (٢). فقول معاوية: إنما قتلَه من قدَّمه إلى سيوفنا، تأويل بعيدٌ جدًّا، إذ لو كان كذلك لكان أميرُ الجيش هو القاتلُ للذين يُقتلون في سبيل اللّه، حيث قدَّمهم إلى سُيوف الأعداء. وقال عبدُ الرزاق: أخبرنا ابن عُيينة، أخبرني عمرو بن دينار، عن ابن أبي مُليكة، عن المِسْوَر بن مَخْرمةَ، قال عمرُ لعبد الرحمن بن عوف: أما علمتَ أنَّا كنَّا نقرأ ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] في آخر الزمان، كما جاهدتُم في أوَّله؟ فقال عبد الرحمن: ومتى ذلك يا أميرَ المؤمنين؟ قال: إذا كان بنو أمية الأمراء وبنو المغيرة الوزراء. ذكره البيهقيّ هاهنا، وكأنه يستشهد به على ما عقد له الباب بعده من ذكر الحكمين وما كان من أمرهما، فقال: "باب ما جاء في إخباره ﷺ عن الحكمين اللذين بُعثا في زمان عليٍّ ﵁". أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عُبيد الصفار، حَدَّثَنَا إسماعيل بن الفضل، حَدَّثَنَا قُتيبة بن سعيد، عن جرير، عن زكريا بن يحيى، عن عبد اللّه بن يزيد وحبيب بن يسار، عن سُويد بن غَفَلة قال: إني لأمشي مع عليٍّ بشطِّ الفُرات فقال: قال رسول اللّه ﷺ : "إن بني إسرائيلَ اختلفوا فلم يزلْ اختلافهم بينهم حتى بعثوا حكمين فضَلَّا وأضلا من اتَّبعَهما، وإنَّ هذه الأمة ستختلفُ فلا يزالُ اختلافهم بينَهم حتى بعثوا حكمين ضَلَّا وأضَلَّا من اتَّبَعَهُما" (٣). هكذا أورده ولم يُبيِّن شيئًا من أمره، وهو حديث منكر جدًّا، وآفته من زكريا بن يحيى هذا - وهو الكِنْديُّ الأعمى - قال يحيى بن معين: لسس بشيء، والحَكَمان كانا من خيار الصحابة، وهما عمرو بن العاص السَّهْمِيُّ من جهة أهل الشام، الثاني أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعريُّ، من جهة أهل العراق،

стр. 3031

وإنما نُصِبَا ليُصلحا بين النَّاس ويتفقا على أمر فيه رِفْقٌ بالمسلمين، وحقنٌ لدمائهم، وكذلك وقع، ولم يَضِلَّ بسببهم إِلَّا فرقة الخوارج حيث أنكروا على الأميرين التحكيم، وخرجوا عليهما وكفَّروهما، حتى قاتلَهم عليُّ بن أبي طالب، وناظرَهم ابنُ عباس، فرجعَ منهم شِرذِمَة إلى الحقِّ، واستمرَّ بقيَّتُهم حتى قُتِلَ أكثرُهم بالنَّهْرَوان وغيره، من المواقف المرذولة عليهم، كما سنذكره. ذكر إخباره ﵊ عن خروج الخوارج، وعلامتهم بالرجل المُخَدَّج ذي الثدية، فوُجد ذلك في خلافة علي بن أبي طالب ﵁ قال البخاري: حَدَّثَنَا أبو اليمان، حَدَّثَنَا شُعيب، عن الزُّهريِّ، أخبرني أبو سلمةَ بنُ عبد الرحمن، أنَّ أبا سعيدٍ الخدريَّ، قال: بينما نحنُ عند رسول اللّه ﷺ وهو يُقسم قَسْمًا، أتاه ذُو الخُويصرة - وهو رجلٌ من بني تَميمٍ - فقال: يا رسولَ الله! اعدلْ، فقال: "ويلكَ، ومَنْ يعدلُ إذا لم أعدلْ؟ قد خبت وخسرت إن لم أكنْ أعدلُ" فقال عمر: يا رسول اللّه! ائذن لي فيه فأضربَ عنقَه، فقال: "دعْه فإنَّ له أصحابًا يَحْقِرُ أحدُكم صلاتَه مع صلاتِهم، وصيامَه مع صيامِهم، يقرؤون القرآن لا يُجاوزُ تَراقيَهم، يَمْرُقون (١) من الدِّين كما يَمْرُقُ السَّهْمُ من الرَّمِيَّةِ، يُنظرُ إلى نَصْلِهِ فلا يُوجد فيه شيءٌ، ثم يُنظرُ إلى رِصَافِهِ فلا يُوجدُ فيه شيءٌ، ثم ينظرُ إلى نَضِيّه هو قِدْحُهُ - فلا يُوجدُ فيه شيءٌ، ثم يُنْظَرُ إلى قُذذِهِ فلا يُوجد فيه شيءٌ، قد سبَقَ الفَرْثَ والدَّمَ، آيتُهم رجلٌ أسود، إحدى عَضُدَيهِ مِثلُ ثَدْي المرأةِ أو مِثْلُ البَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، ويخرجونَ على حينِ فُرْقَةٍ من النَّاس". قال أبو سعيد: فأشهدُ أنِّي سمعتُ هذا الحديث من رسول اللّه ﷺ ؟ وأشهدُ أنَّ عليَّ بن أبي طالب قاتِلَهم وأنا معه، فأمرَ بذلك الرجل فالتُمسَ، فأُتي به، حتى نظرتُ إليه على نَعْتِ رسولِ اللّه ﷺ الذي نَعْتَه (٢). وهكذا رواه مسلم من حديث أبي سلمة عن أبي سعيد (٣). ورواه البخاريُّ أيضًا من حديث الأوزاعيِّ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي سَلَمَة والضَّحَّاك، عن أبي سعيد (٤).

стр. 3032

وأخرجه البخاريُّ أيضًا من حديث سفيان بن سعيد الثوري عن أبيه (١). ومسلم عن هَنَّاد، عن أبي الأحوصِ سَلَّام بن سُلَيم، عن سعيدِ بن مَسروقٍ، عن عبد الرحمن بن أبي نُعْم، عن أبي سعيد الخدري (٢) به. وقد روى مسلم في صحيحه: من حديث داود بن أبي هند، والقاسم بن الفضل، وقتادة، عن أبي نضرةَ عن أبي سعيد قال: قال رسول اللّه ﷺ : "تمرقُ مارقةٌ عند فُرْقةٍ من المسلمين يقتلُها أولى الطائفتين بالحقِّ" (٣). ورواه أيضًا من حديث أبي إسحاق الثَّوْريِّ، عن حبيبِ بن أبي ثابت، عن الضحَّاك المشرقيِّ، عن أبي سعيد، مرفوعًا (٤). وروى مسلم: عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن مُسْهر، عن الشيبانيِّ، عن بشير بن عمرو، قال: سألت سهلَ بن حُنيف، هل سمعتَ رسول اللّه ﷺ يذكر هؤلاء الخوارج؟ فقال: سمعتُه وأشارَ بيده نحو المشرق - وفي رواية نحو العِراق - "ويخرجُ قومٌ يقرؤون القرآن بألسنتهم لا يُجاوز تراقيَهم، يَمْرقُون من الدِّين كما يمرقُ السَّهمُ من الرَّمِيَّة، مُحَلَّقَةٌ رؤوسُهم" (٥). وروى مسلم: من حديث حُميد بن هلال، عن عبد اللّه بن الصَّامت، عن أبي ذر نحوَه، وقال: "سيماهُم التَّحْليقُ، شرُّ الخَلْقِ والخَلِيقة" (٦). وكذلك رواه محمد بن كثير المِصِّيصي: عن الأوزاعي، عن قتادة، عن أنس بن مالك مرفوعًا، وقال: "سيماهُمُ التَّحليقُ، شرَّ الخَلْقِ والخَلِيقة (٧) ". وفي الصحيحين: من حديث الأعمش، عن خيثمةَ، عن سُويد بن غَفَلَة، عن عليٍّ: سمعتُ رسولَ اللّه ﷺ يقول: "يخرجُ قومٌ في آخر الزمان حُدَثَاءُ الأسنان، سُفَهَاءُ الأحلام، يقولونَ مِن قولِ خيرِ البَرِيَّةِ، لا يُجاوز إيمانُهم حناجرَهم، فأينما لقيتموهم فاقتلُوهُم، فإن في قَتلِهم أجرًا لمن قَتلَهم إلى يوم القيامة" (٨).

стр. 3033

وقد روى مسلم: عن قُتيبة، عن حمَّاد، عن أيوب، عن محمد بن عبدة، عن عليّ في خبر "مودون اليد، وهو ذو الثدية" (١). وأسنده من وجه آخر: عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن عبيدة عن علي وفيه: أنه حلَّفَ عليًا على ذلك، فحلفَ له أنَّه سمعَ ذلك من رسول الله ﷺ . ورواه مسلم: عن عبد بن حُميد، عن عبد الرزاق، عن عبد الملك بن أبي سُليمان، عن زيد بن وَهْب، عن عليّ بالقصة مطوَّلة، وفيه قصة ذي الثدْيَة (٢). ورواه: من حديث عُبيد الله بن أبي رافع، عن عليٍّ (٣). ورواه أبو داود الطيالسي: عن حمَّاد بن زيد، عن حميد بن مُرَّة، عن أبي الوضيِّ السُّحَيْميِّ، عن عليٍّ في قصة ذي الثدية (٤). ورواه الثوري: عن محمد بن قيس عن أبي موسى - رجل من قومه - عن عليٍّ بالقصة (٥). وقال يعقوب بن سفيان: حدَّثنا الحُمَيْدي، حدَّثنا سفيان، حدَّثني العلاء بن أبي العباس أنه سمع أبا الطفيل يُحدِّث عن بكر بن قِرْواش، عن سعد بن أبي وقَّاص، قال: ذكرَ رسولُ الله ﷺ ذا الثُّدْيَة فقال: "شيطانُ الرَّدْهَة، كراعي الخيل، يحذرُه رجل من بَجِيلةَ، يقال له: الأشهب - أو ابن الأشهب - علامة في قوم ظلمة" قال سفيان: فأخبرني عمار الدُّهنِي أنه جاء رجل منهم يُقال له: الأشهب - أو ابن الأشهب (٦) -. قال يعقوب بن سفيان: وحدَّثنا عُبيد الله بن مُعاذ، عن أبيه، عن شُعبة، عن أبي إسحاق، عن حامد الهَمْداني، سمعت سعدَ بن مالك يقول: قتلَ عليُّ بن أبي طالب شيطانَ الرَّدْهَة - يعني المُخْدَجَ - يُريد والله أعلم - قتلَهُ أصحابُ عليّ (٧). وقال عليُّ بن عياش: عن حبيب، عن سلَمَةَ، قال: لقد علمتْ عائشةُ أن جيشَ المَرْوَة وأهلَ النَّهْرَوانِ ملعونونَ على لسان محمد ﷺ (٨). قال ابن عيَّاش: جيش المروة قَتَلةُ عثمان. رواه البيهقي.

стр. 3034

ثم قال البيهقي: أخبرنا الحاكم، أخبرنا الأصمُّ، حدَّثنا أحمد بن عبد الجبَّار، حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن منكم من يُقاتلُ على تأويل القرآن، كما قاتلتُ على تنزيله" فقال أبو بكر: أنا هو يا رسولَ الله، قال: "لا" فقال عمر: أنا هو يا رسولَ الله، قال: "لا، ولكن خاصِفُ النَّعلِ - يعني عليًّا" (١). وقال يعقوب بن سفيان: عن عُبيد الله بن مُعاذ، عن أبيه، عن عمران بن جرير عن لاحق، قال: كان الذين خرجوا على عليٍّ بالنَّهْرَوان أربعة آلاف في الحديد، فركبَهم المسلمون فقتلوهُم، ولم يقتلوا من المسلمين إلا تسعة رهط، وإن شئتَ فاذهبْ إلى أبي برزةَ فإنه يشهدُ بذلك. قلت: الأخبار بقتال الخوارج متواترة عن رسول الله ﷺ ، لأن ذلك من طرق تُفيد القطعَ عند أئمة هذا الشأن، ووقوع ذلك في زمان علىّ معلومٌ ضرورة لأهل العلم قاطبة، وأما كيفية خروجهم وسببه ومناظرة ابن عباس لهم في ذلك، ورجوع كثير منهم إليه، فسيأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. إخباره ﷺ بمقتل عليِّ بن أبي طالب فكان كما أخبرَ قال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا عليُّ بن بحر، حدَّثنا عيسى بن يُونس، حدَّثنا محمد بن إسحاق، حدَّثني يزيد بن محمد بن خُثَيم المحاربي، عن محمد بن كعب [القرظي، عن محمد، بن خُثَيْم] عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ لعلي - حين وَلَّى في غزوة العُشَيْرة: "يا أبا تراب! - لِمَا يرى عليه من التراب - ألا أُحَدِّثُكَ بأشقى الناس رجلين؟ قلنا: بلى يا رسول الله! قال: أُحَيْمِرُ ثمودَ الذي عقرَ الناقة، والذي يضربُك يا علي على هذه - يعني قرنَه - حتى تَبُلَّ هذه - يعني لحيتَه" -. وروى البيهقيُّ (٣): عن الحاكم، عن الأصمِّ، عن الحسن بن مكرم، عن أبي النَضْر، عن محمد بن راشد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن فَضَالة بن أبي فَضَالة الأنصاريّ - وكان أبوه من أهل بدر - قال: خرجتُ مع أبي عائدًا لعلي بن أبي طالب في مرضٍ أصابَه ثَقُلَ منه، قال: فقال له أبي: ما يُقيمُك بمنزِلكَ هذا؟ فلو أصابَكَ أجلُكَ لم يكن (٤) إلا أعرابُ جهينة! تُحملُ إلى المدينة، فإن أصابَك أجلُكَ وَليَكَ أصحابُكَ وصَلَّوا عليكَ. فقال عليٌّ: إنَّ رسولَ الله ﷺ عَهِدَ إليَّ ألا أموتَ حتَّى تُخضبَ هذه

стр. 3035

- يعني لحيتَه - من دم هذه - يعني: هامتَه - فقُتِلَ، وقُتِلَ أبو فَضَالة مع على يومَ صِفِّين (١). وقال أبو داود الطيالسي: حدَّثنا شَريك، عن عثمانَ بن المغيرة، عن زيد بن وَهْب، قال: جاء رأسُ الخوارج إلى عليّ فقال له: اتَّقِ الله فإنَّكَ مَيِّتٌ، فقال: لا والذي فلقَ الحبَّةَ وبَرَأَ النَّسْمَةَ، ولكن مقتولٌ من ضربةٍ على هذه تَخْضِبُ هذه - وأشارَ بيده إلى لحيته - عهدٌ معهودٌ، وقضاءٌ مقضيٌّ، وقد خابَ من افتري (٢). وقد روى البيهقي: بإسناد صحيح عن زيد بن أسلم، عن أبي سِنان الدُّؤليّ، عن علي، في إخبار النبيِّ ﷺ بقتله (٣). وروى: من حديث هُشَيم، عن إسماعيل بن سالم، عن أبي إدريس الأزدي، عن علي، قال: إنَّ مما عَهِدَ إليَّ رسولُ الله ﷺ : أنَّ الأُمَّةَ ستغدرُ بكَ بعدي (٤). ثم ساقَه من طريق فِطْر بن خليفةَ وعبد العزيز بن سِيَاه، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ثعلبةَ بن يزيد الحِمَّاني، قال: سمعتُ عليًّا يقول: إنَّه لعهدُ النبيِّ الأُمِّي إليَّ، إنَّ الأمة ستغدرُ بكَ بعدي. قال البخاري: ثعلبة هذا فيه نظر، ولا يُتابع على حديثه هذا (٥). وروى البيهقي: عن الحاكم، عن الأصمِّ عن محمد بن إسحاق الصَّغَّاني، عن أبي الجوَّاب الأحوص بن جَوَّاب، عن عمَّار بن زُريق، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ثعلبة بن يزيد، قال: قال علي: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لتُخْضَبَنَّ هذه من هذه، للحيته من رأسه، فما يحبس (٦) أشقاها؟ فقال عبدُ الله بن سَبُعٍ: والله يا أميرَ المؤمنين! لو أنَّ رجلًا فعل ذلك لأبرْنا (٧) عشيرته، فقال: أنشدُ بالله ألا يُقتل بي غير قاتلي. قالوا: يا أمير المؤمنين! ألا تستخلفُ؟ قال: لا، ولكنْ أتركُكُم كما تَرَكَكُم رسولُ الله ﷺ ، قالوا: فما تقولُ لربِّك إذا تركتَنا هَمَلًا؟ قال: أقولُ: اللَّهُمَّ استخلفتَني فيهم ما بدا لكَ، ثم قبضتَني وتركتُكَ فيهم، فإن شئتَ أصلحتَهم، وإن شئتَ أفسدتَهم (٨).

стр. 3036

هكذا روى البيهقيُّ هذا، وهو موقوف، وفيه غَرَابةٌ من حيث اللفظ ومن حيث المعنى، ثم المشهورُ عن عليٍّ أنَّه لما طعنَه عبدُ الرحمن بن مُلْجَم الخارجيُّ، وهو خارج لصلاة الصبح عند السُّدَّة، فبقيَ عليٌّ يومين من طعنته، وحُبس ابن مُلْجَم، وأوصى عليٌّ إلى ابنه الحسن بن عليّ كما سيأتي بيانه، وأمر أن يركبَ في الجنود، وقال له: لا يَجُرْ عليٌّ كما تَجُرِ الجاريةُ. فلما ماتَ قُتِلَ عبدُ الرحمن بن مُلْجَم قَوَدًا، وقيل: حَدًّا، والله أعلم، ثم ركبَ الحسنُ بن علي في الجنود، وسارَ إلى معاويةَ كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. ذكر إخباره ﵊ بذلك، وسيادة ولده الحسن بن عليّ في تركه الأمرَ من يده، وإعطائه ذلك الأمر لمعاوية، ما كان سواه يقومُ بأعبائه قال البخاري في دلائل النبوة (١): حدَّثنا عبد الله بن محمد، حدَّثنا يحيى بن آدم، حدَّثنا حسين الجُعْفِيّ، عن أبي موسى، عن الحسن، عن أبي بكرةَ، قال: أخرجَ النبيُّ ﷺ ذاتَ يومٍ الحسنَ بنَ عليٍّ فصَعِدَ به على المنبر فقال: "إنَّ ابني هذا سَيِّدٌ: ولعلَّ الله أَنْ يُصلحَ به بين فئتين من المُسلمين". وقال في كتاب الصلح (٢): حدَّثنا عبدُ الله بن محمد، حدَّثنا سُفيان، عن أبي موسى، قال: سمعتُ الحسنَ يقولُ: استقبلَ والله الحسنُ بن عليّ معاويةَ بن أبي سفيان بكتائبَ أمثالِ الجبال، فقال عمرو بن العاص: إنِّي لأرى كتائبَ لا تُولِّي حتى تَقْتُلَ أقرانَها، فقال له معاويةُ، - وكان والله خيرَ الرجلين -: أي عمرو! إنْ قتلَ هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء، مَن لي بأُمورِ النَّاس؟ مَنْ لي بنسائهم؟ مَنْ لي بضَيْعتِهم؟ فبعثَ إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس، عبدَ الرحمن بن سَمُرة، وعبدَ الله بنَ عامِرُ (٣) بن كُرَيْز، فقال: اذهبا إلى هذا الرجل فاعْرِضَا عليه وقُولا له واطْلُبَا إليه، فأتَياه فدخلا عليه فتكلَّما وقالا له، وطلبَا إليه، فقال لهما الحسنُ بنُ عليّ: إنا بنو عبد المطلب قد أَصَبْنَا من هذا المال، وإنَّ هذه الأمة قد عاثتْ في دمائها، قالا: فإنه يعرضُ عليكَ كذا وكذا، ويطلبُ إليكَ ويسألُكَ، قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحنُ لك به، فما سألَهما شيئًا إلا قالا: نحنُ لك به، فصالحَه، فقال الحسنُ: ولقد سمعتُ أبا بكرة يقول: رأيتُ رسول الله ﷺ على المِنجر والحسنُ بن عليّ إلى جَنْبِه، وهو يُقبلُ على النَّاس مرَّة وعليه

стр. 3037

أخرى، ويقول: "إنَّ ابنى هذا سَيِّدٌ، ولعلَّ الله أن يُصلحَ به بين فئتين عظيمتين من المسلمين". وقال البخاري (١): قال لي علي بن المديني: إنما ثبت عندنا سَماعُ الحسن من أبي بكرةَ بهذا الحديث. وقد رواه البخاري أيضًا في فضل الحسن (٢)، وفي كتاب الفتن عن عليِّ ين المدينيّ (٣)، عن سفيان بن عُيينة، عن أبي موسى - وهو إسرائيل بن يُونس بن أبي إسحاق -. ورواه أبو داود (٤) والترمذي (٥): من حديث أشعث. وأبو داود أيضًا والنَّسائي (٦): من حديث على بن زيد بن جدعان، كلُّهم عن الحسن البصري، عن أبي بكرة به. وقال الترمذي: صحيح. وله طرق عن الحسن مرسلًا، وعن الحسن وعن أم سلمة به. وهكذا وقع الأمر كما أخبر به النبيُّ ﷺ سواء، فإنَّ الحسنَ بن عليّ لمَّا صارَ إليه الأمرُ بعد أبيه، وركبَ في جيوش أهل العراق، وسار (٧) إليه معاوية، فتصافَّا بصِفِّينَ، على ما ذكرَه الحسنُ البصريُّ (٨)، فمالَ الحسنُ بن علي إلى الصُّلْح، وخطبَ النَّاسَ وخلعَ نفسَه من الأمر وسلَّمه إلى معاوية، وذلك سنة أربعين، فبايَعه الأُمراءُ من الجيشين، واستقلَّ باعباء الأُمَّة، فسُمِّي ذلك العام عامَ الجماعة، لاجتماع الكلمة فيه على رجل واحد، وسنُورد ذلك مُفَصَّلًا في موضعه إن شاء الله تعالى. وقد شهدَ الصادقُ المصدوقُ للفِرْقتين بالإسلام، فمن كفرهم أو واحدًا منهم بمجرد ما وقعَ فقد أخطأ وخالفَ النَّصَّ النَّبَوِيَّ المُحَمَّدِيَّ الذي لا ينطقُ عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يُوحى، وقد تَكمُلُ بهذه السَّنة المُدَّة التي أشار إليها رسول الله ﷺ أنها مدة الخلافة المتتابعة بعدَه، كما تقدَّم في حديث سفينةَ مولاهُ أنه قال: "الخِلافةُ بعدي ثلاثونَ سَنَةً، ثم تكونُ مُلْكًا" (٩) وفي رواية "عَضُوضًا" وفي رواية عن معاوية، أنه قال: رَضِيْنَا بها مُلْكًا. وقد قالَ نُعَيْم بن حمَّاد في كتابه "الفتن والملاحم": سمعتُ محمد بن فضيل عن السَّرِيِّ بن إسماعيل، عن عامر الشعبي، عن سفيان بن اللَّيل قال: سمعتُ الحسنَ بن علي يقول: سمعتُ عليًا يقول: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا تذهبُ الأيَّام واللَّيالي حتَّى يجتمعَ أمرُ هذه الأُمَّة على

стр. 3038

رَجُلٍ واسعِ القدم، ضخم البُلعوم، يأكلُ ولا يشبعُ وهو معاوية" (١). هكذا وقع في هذه الرواية، وفي رواية بهذا الإسناد: "لا تذهبُ الأيَّام واللَّيالي حتَّى تجتمعَ هذه الأُمَّة على مُعاوية". وروى البيهقيُّ من حديث إسماعيل بن إبراهيم بن مُهاجر - وهو ضعيف - عن عبد الملك بن عُمَيْر قال: قال معاوية: والله ما حمَلني على الخِلافة إلا قولُ رسول الله ﷺ لي: "يا معاوية! إنْ ملكتَ فأحسنْ (٢). ثم قال البيهقيُّ: وله شواهد، من ذلك، حديث عمرو بن يحيى بن سعيد بن العاص، عن جدِّه سعيد، أن معاويةَ أخذَ الإدارة، فتبعَ رسولَ الله ﷺ ، فنظر إليه، فقال له: "يا معاويةُ! إن وَلِيْتَ أمرًا فَاتَّقِ الله واعدلْ" قال معاويةُ: فما زلتُ أظنُّ أنِّي مُبتلى بعمل لقول رسول الله ﷺ (٣). ومنها: حديث الثوري، عن ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد المَقْرائي، عن معاوية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّكَ إنِ اتَّبَعْتَ عوراتِ النَّاسِ أفسدتَهم، أو كِدْتَ أن تُفسدَهم". ثم يقول أبو الدرداء: كلمةً سمعها معاويةُ من رسول الله ﷺ فنفعه الله بها. رواه أبو داود (٤). وروى البيهقيُّ من طريق هُشَيْم عن العوَّام بن حَوْشبٍ، عن سُليمان بن أبي سُليمان، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ "الخِلافةُ بالمدينة والمُلْكُ بالشام" (٥). وقال الإمام أحمد (٦): حدَّثنا إسحاق بن عيسى، حدَّثنا يحيى بن حمزة، عن زيد بن واقد، حدَّثني بُسْر بن عُبيد الله، حدَّثني أبو إدريس الخَوْلاني، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "بينا أنا نائمٌ إذ رأيتُ عمودَ الكتابِ رُفعَ احْتُمِلَ من تحتِ رأسي، فظننتُ أنه مذهوبٌ به، فأتبعتهُ بصري، فعُمِدَ به إلى الشام، ألا وإنَّ الإيمانَ - حين تقعُ الفتنُ - بالشام". وها هنا رواه البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان، عن عبد الله بن يُوسف، عن يحيى بن حمزة

стр. 3039

السلمي به. قال البيهقي: هذا إسناد صحيح، وروي من وجه آخر (١). ثم ساقَه من طريق عقبةَ بن علقمةَ، عن سعيد بن عبد العزيز الدِّمشقيّ، عن عطيَّةَ بن قيس، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنِّي رأيتُ أنَّ عمودَ الكتابِ انتُزِعَ من تحتِ وسَادَتِي، فنظرتُ فإذا هو نور ساطعٌ عُمِدَ به إلى الشام، ألا إنَّ الإيمانَ إذا وقعتِ الفتنُ بالشام" (٢). ثم أورده البيهقيُّ: من طريق الوليد بن مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز، عن يُونس بن ميسرة، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال لي رسول الله ﷺ ، فذكرَ نحوَه، إلا أنه قال: فَاتَّبَعْتُه بَصري حتَّى ظننتُ أنه مذهوبٌ به" قال: وإنِّي أَوَّلتُ أنَّ الفتنَ إذا وقعت، أنَّ الإيمانَ بالشَّام (٣). قال الوليد: وحدَّثني عُفَيرُ بن مَعدان أنه سمعَ سليمانَ بن عامر يُحدِّث، عن أبي أُمامةَ، عن رسول الله ﷺ مثلَ ذلك (٤). وقال يعقوبُ بن سفيان: حدَّثني نصرُ بن محمد بن سليمان الحمصي، حدَّثنا أبو ضمرة - محمد بن سليمان السُّلَمي - حدَّثني عبدُ الله بن أبي قيس، سمعتُ عمرَ بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ : "رأيتُ عَمُودًا من نورٍ خرجَ من تحتِ رأسي ساطِعًا حتَّى استقرَّ بالشام" (٥). وقال عبدُ الرزاق: أخبرنا معمرُ، عن الزهريِّ، عن عبد الله بن صَفْوان، قال: قال رجلٌ يومَ صِفِّين: اللَّهُمَّ العنْ أهلَ الشَّام، فقال له عليٌّ: لا تسبَّ أهلَ الشَّام جَمًّا غَفِيْرًا، فإنَّ بها الأبدالَ، فإن بها الأبدالَ، فإنَّ بها الأبدالَ (٦). وقد روي من وجه آخر عن عليّ، قال الإمام أحمد: حدَّثنا أبو المغيرة، حدَّثنا صفوان، حدَّثني شريح - يعني ابن عبيد الحضرمي - قال: ذُكِرَ أهلُ الشام عند عليّ بن أبي طالب وهو بالعراق، فقالوا: العنْهم يا أميرَ المؤمنين، قال: لا، إنِّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "الأبدالُ يكونون بالشام، وهم أربعون رجلًا، كلَّما ماتَ رجلٌ أبدلَ الله مكانَه رجلًا، يُستسقى بهم الغيثُ، ويُنتصرُ بهم على الأعداء، ويُصرفُ عن أهل الشام بهمُ العذابُ" (٧). تفرَّدَ به أحمد، وفيه انقطاع، فقد نصَّ أبو حاتم الرازيُّ على أن شُرَيح بن عُبيد هذا لم يسمع من أبي أُمامة ولا من أبي مالك الأشعري وأن روايته عنهما مرسلة، فما ظَنُّكَ بروايته عن علي بن أبي طالب، وهو أقدم وفاة منهما؟!.

стр. 3040

إخباره ﵊ عن غزوة البحر إلى قبرص التي كانت في أيام أمير المؤمنين عثمان بن عفَّان ﵁ قال مالك: عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يدخل على أُمِّ حَرَام بنت مِلْحَانَ، فتُطعمُه، وكانت تحتَ عُبادةَ بن الصَّامتِ، فدخلَ عليها يومًا فأطعمتهُ ثم جلست تَفْلِي رأسَه، فنامَ رسول الله ﷺ ، ثم استيقظَ وهو يضحكُ، قالت: فقلتُ: ما يُضحِكُكَ يا رسول الله؟! قال: "ناس من أُمَّتي عُرِضوا عليّ غُزاةً في سبيلِ الله يركبون ثبج هذا البحر، ملوكًا على الأسرَّة - أو مثل الملوك على الأسرَّة -" شك إسحاق، فقلت: يا رسول الله! ادعُ الله أنْ يجعلَني منهم، فدعَا لها، ثم وضعَ رأسَه فنامَ ثم استيقظَ وهو يضحكُ، قالت: قلتُ ما يُضحِكُكَ يا رسولَ الله؟ قال: "ناس مِن أُمَّتي عُرِضُوا عليَّ غُزاةً في سبيل الله" كما قال في الأولى، قالت: فقلت: يا رسولَ الله: ادعُ الله أن يجعلَني منهم، قال: "أَنْتِ من الأَوَّلِين" قال: فركبت أُمُّ حَرَام بنت مِلْحَانَ البحرَ في زمان معاويةَ، فصُرعت عن دابَّتِها حينَ خرجت من البحر فهلكت. رواه البخاريُّ عن عبد الله بن يُوسف. ومسلم عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك به (١). وأخرجاه في الصحيحين من حديث اللَّيْث (٢) وحمَّاد بن زيد (٣)، كلاهما عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبَّان، عن أنس بن مالك، عن خالته أم حَرَام بنت مِلْحَان، فذكر الحديث إلى أن قال: فخرجتْ مع زوجها عبادةَ بن الصَّامت غازيةً أَوَّلَ مَا رَكِبُوا مع معاوية، أو أَوَّلَ ما ركبَ المسلمون البحر مع معاوية بن أبي سفيان، فلما انصرفُوا من غَزَاتهم قافلين فنزلُوا الشَّامَ، فقُرَّبَتْ إليها دَابَّةٌ لتركبَها فصَرَعَتْهَا فماتت. ورواه البخاريُّ من حديث أبي إسحاق الفَزَاري، عن أبي حَوَالة عبد الله بن عبد الرحمن، عن أنس به (٤). وأخرجه أبو داود: من حديث معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أخت أم سُلَيم (٥).

стр. 3041

باب ما قيل في غزو الروم وقال البخاريُّ: حدَّثنا إسحاقُ بن يزيد الدِّمشقي، حدَّثنا يحيى بن حمزة، حدَّثني ثورُ بن يزيد، عن خالد بن مَعْدَان أن عمير بن الأسود العَنْسيَّ حدَّثه: أنه أتى عبادةَ بن الصَّامت وهو نازلٌ إلى ساحل (١) حمصَ، وهو في بناء له، ومعه أُمُّ حَرَام، قال عُمير: فحدَّثتنا أُمّ حَرَام أنَها سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: "أَوَّلُ جيشٍ مِن أُمَّتي يَغزونَ البحرَ قد أَوْجَبُوا" قالت أُمُّ حَرَام: فقلتُ: يا رسولَ الله! أنا فيهم؟ قال: "أنتِ فيهم" قالت: ثم قال النبيُّ ﷺ : "أَوَّلُ جَيْشٍ مِن أُمَّتِي يغزونَ مدينةَ قيصرَ مغفورٌ لهم "قلتُ: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: "لا" (٢). تفرَّد به البخاريُّ دون أصحاب الكتب الستة. وقد رواه البيهقيُّ في الدلائل: عن الحاكم، عن أبي عمرو بن أبي جعفر، عن الحسن بن سُفيان، عن هشام بن عمَّار الخطيب، عن يحيى بن حمزة القاضي به، وهو يُشبه معنى الحديث الأول (٣). وفيه من دلائل النبوة ثلاث: إحداها الإخبار عن الغزوة الأولى في البحر، وقد كانت في سنة سبع وعشرين مع معاويةَ بن أبي سفيان حين غزا قبرصَ، وهو نائبُ الشام عن عثمان بن عفان، وكانت معهم أُمُّ حَرَام بنت مِلْحَان هذه، صُحْبَةَ زوجها عبادةَ بن الصَّامت، أحدِ النُقَبَاء ليلةَ العقبة، فتُوفِّيَتْ مرجعهم من الغزو قبلُ بالشَّام، كما تقدم في الرواية عند البخاري. وقال ابنُ زيد: تُوفِّيَتْ بقبرصَ سنة سبع وعشرين، الغزوة الثانية غزوة قسطنطينيةَ مع أوَّل جيش غزاها، وكان أميرها يزيدُ بن معاويةَ بن أبي سُفيان، وذلك في سنة ثنتين وخمسين، وكان معهم أبو أيوب، خالدُ بن زيد الأنصاريُّ، فماتَ هنالك ﵁ وأرضاه، ولم تكن هذه المرأةُ معهم؛ لأنَّها كانت قد تُوفِّيت قبل ذلك في الغزوة الأولى. فهذا الحديث فيه ثلاث آيات من دلائل النبوة: الإخبار عن الغزوتين، والإخبار عن المرأة بأنها من الأوَّليْنَ وليست من الآخِرين، وكذلك وقعَ كما أخبرَ صلواتُ الله وسلامُه عليه. الإخبارُ عن غزوة الهند قال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا هُشيم، عن سيَّار، عن جبر بن عبيدة، عن أبي هريرة قال: وعدَنا

стр. 3042

رسولُ الله ﷺ غزوة الهند، فإن استُشهدتُ كنتُ من خيرِ الشهداء، وإن رجعتُ فأنا أبو هريرة المُحرَّر. ورواه النَّسائيُّ (١): من حديث هُشيم، وزيد بن أبي أُنيسة، عن سيَّار، عن جَبْر - ويُقال: جُبَيْر - عن أبي هريرة، قال: وعدَنا رسولُ الله ﷺ غزوة الهند … وذكره. وقال أحمد (٢): حدَّثنا يحيى بن إسحاق، حدَّثنا البراءُ، عن الحسن، عن أبي هريرة، قال: حدَّثني خليلي الصَّادقُ المصدوقُ، رسولُ الله ﷺ ، أنه قال: "يكونُ في هذه الأمة بعثٌ إلى الهند والهند، فإنْ أنا أدركتُه فاستشهدتُ فذاك، وإن أنا" فذكرَ كلمة "رجعتُ" فأنا أبو هريرة المُحَرَّر قد أعتقني من النار. تفرَّد به أحمد. وقد غزا المسلمون الهندَ في أيام مُعاويةَ سنة أربع وأربعينَ، وكانت هنالك أمورٌ سيأتي بسطُهَا في مَوْضِعِها، وقد غزا الملكُ الكبيرُ الجليلُ محمود بن سُبُكْتكين، صاحب غَزْنَةَ، في حدود سنة أربعمئة، بلاد الهند فوغَلَ فيها وقتلَ وأسرَ وسبى وغنم ودخل السومنات وكسرَ البدّ الأعظم الذي يعبدونه، واستلبَ سيوفَه وقلائدَه، ثم رجع سالمًا مؤيَّدًا منصورًا، كما سيأتي. فصل في الإخبار عن قتال الترك كما سنبيّنه إن شاء الله قال البخاري: حدَّثنا أبو اليمان، أخبرنا شُعيب، حدَّثنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: "لا تقومُ السَّاعةُ حتى تُقاتلوا قومًا نعالُهم الشعر، وحتَّى تُقاتلوا التّركَ صغارَ الأعين حُمْرَ الوجوه، ذُلْفَ الأنوف، كأن وجوهَهُم المِجَانُّ المُطْرَقَةُ، وتجدونَ مِن خير النَّاس أشدَّهُم كراهيةً لهذا الأمر حتى يقعَ فيه، والنَّاس معادنُ: خيارُهم في الجاهلية خيارُهم في الإسلام، ولَيَأتينَّ على أحدِكُم زمانٌ لأن يراني أحبُّ إليه من أنْ يكونَ له مِثْلُ أهلهِ ومالِه" (٣). تفرَّد به من هذا الوجه. ثم قال البخاري: حدَّثنا يحيى، حدَّثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن هَمَّام، عن أبي هريرة، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لا تقومُ الساعة حتَّى تُقاتلوا خُوزًا وكِرْمانَ من الأعاجم، حُمْرَ الوجوه، فُطْسَ الأُنوفِ،

стр. 3043

صِغَارَ الأَعينِ، كأن وجوهَهم المِجَانَ المُطْرَقةُ (١)، نِعالُهم الشَّعرُ" (٢) تابَعهُ غيرُه عن عبد الرزاق. وقد ذُكر عن الإمام أحمد أنه قال: أخطأَ عبدُ الرزاق في قوله: "خُوزًا" بالخاء، وإنما هو بالجيم "جُوزًا وكِرْمَانَ" هما بلدان معروفان بالشرق (٣)، فالله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدَّثنا سفيان، عن الزُّهْري، عن سعيد، عن أبي هريرة فبلغَ به النبيَّ ﷺ : "لا تقومُ السَّاعةُ حتى تُقاتلوا قومًا كأنَ وجوهَهم المِجَانّ المُطْرَقَةُ، نعالُهم الشَّعْر". وقد رواه الجماعة إلا النَّسَائي من حديث سُفيان بن عُيينة به (٤). وقال البخاريُّ: حدَّثنا على بن عبد الله، حدَّثنا سُفيانُ، قال: قال إسماعيلُ: أخبرني قيسٌ، قال: أتينا أبا هريرة ﵁، فقال: صحبتُ رسولَ الله ﷺ ثلاثَ سِنينَ لم أكنْ في سِنِيَّ أحرصَ على أن أعيَ الحديثَ مِنِّي فيهن، سمعتُه يقول: - وقال هكذا بيده - " بين يدي السَّاعة تقاتلون قومًا نِعالُهم الشَعَر، وهو هذا البارِزُ" وقال سفيانُ مرَّةً: وهم أهلُ البارز" (٥). وقد رواه مسلم: عن أبي كُرَيْب، عن أبي أُسامَة ووكيع، كلاهُما عن إسماعيلَ بن أبي خالد عن قَيْسِ بن أبي حَازمٍ، عن أبي هُريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لا تقومُ القِيَامةُ حتَّى تُقاتِلُوا قومًا نعالُهم الشَّعَر، كأنَ وُجوهَهم المِجَانُ المُطْرَقَةُ، حُمْرُ الوجوه، صِغَارُ الأَعيُنِ (٦). قلت: وأما قول سُفيان بن عُيينةَ: أنَّهم هم أهلُ البَازِر، فالمشهورُ في الرواية تقديمُ الراء على الزاي، ولعلَّه تصحيف اشتبهَ على القائل "البارز" وهو السُّوق بلغتهم، فالله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدَّثنا عفان، حدَّثنا جرير بن حازم، سمعتُ الحسنَ، قال: حدَّثنا عمرُو بن تَغْلب، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إنَّ من أشراطِ السَّاعة أن تُقاتلوا قومًا نِعالُهم الشَّعَر - أو ينتعلون الشَّعرَ - وإنَّ من أشراطِ السَّاعة أن تُقاتلوا قومًا عِراضَ الوجوه كأنَّ وجوهَهم المِجَان المُطْرَقَة" (٧). ورواه البخاريُّ: عن سُليمانَ بن حَرْبٍ، عن جرير بن حازمٍ به (٨).

стр. 3044

والمقصودُ أنَّ قتالَ الترك وقع في آخرِ أيام الصحابة، قاتلوا القان الأعظم (١)، فكسروه كسرةً عظيمةً على ما سنُورده في موضعه إذا انتهينا [إليه] بحول الله وقُوَّته، وحسن توفيقه (٢). خبرُ عبدِ الله بن سَلَام قال الإمام أحمد: حدَّثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، حدَّثنا ابن عون، عن محمد - هو ابن سيرين - عن قيس بن عُبَاد، قال: كنتُ في المسجد فجاءَ رجلٌ في وجههِ أثرُ خُشوعٍ، فدخلَ فصلَّى ركعتين فأوجزَ فيهما، فقال القومُ: هذا رجلٌ من أهل الجنَّةِ، فلمَّا خرجَ اتَّبعْتُه حتى دخلَ منزلَه، فدخلتُ معه فحدَّثتُه، فلما استأنسَ، قلت له: إنَّ القومَ لما دخلتَ [قبَل] (٣) المسجدِ قالُوا كذا وكذا، قال: سبحان الله! والله ما ينبغي لأحدٍ أن يقولَ ما لا يعلم، وسأُحَدِّثُكَ أنِّي رأيتُ رؤيا على عهدِ رسولِ الله ﷺ فَقَصَصْتُها عليه، رأيت كأني في روضةٍ خضراءَ - قال ابنُ عَوْن: فذكر من خُضْرتِها وسَعَتِها - وَسْطها عمودُ حديدٍ أسفلُه في الأرض وأعلاه في السَّماءِ، في أعلاهُ عُروةٌ، فقيل لي: اصعدْ عليه، فقلتُ: لا أستطيعُ، فجاءَ بنَصِيف (٤) - قال ابن عون: هو الوصيفُ - فرفعَ ثيابي من خَلْفِي فقال: اصعدْ عليه، فَصَعِدْتُ حتى أخذتُ بالعُروة، فقال: استمسكْ بالعُروةِ، فاستيقظتُ وإنَّها لفي يدي، قال: فأتيتُ النبي ﷺ فقَصصتُها عليه، فقال: "أما الروضةُ فروضةُ الإسلام، وأمَّا العمودُ فعمودُ الإسلام، وأما العروةُ فهي العروةُ الوثقى، أنتَ على الإسلام [حتَّى، تموتَ] (٥) قال: وهو عبد الله بن سلام. ورواه البخاريُّ من حديث ابن عونٍ (٦). ثم قد رواه الإمامُ أحمدُ (٧): من حديث حمَّاد بن سلمةَ، عن عاصم بن بهدلةَ، عن المُسَيِّب بن رافع، عن خرشةَ بن الحر، عن عبد الله بن سلام، فذكرَه مُطوَّلًا، وفيه قال: حتى انتهيت إلى جبل زَلق، فأخذ بيدي وزجلِ بي، فإذا أنا على ذروته، فلم أتقارَّ ولم أتماسك، فإذا عمودٌ من حديدٍ في ذروته حَلَقةُ ذَهَبٍ، فأخذ بيدي فزجلَ بي حتَّى أخذتُ بالعروة … وذكرَ تمامَ الحديث.

стр. 3045

وأخرجه مسلم في صحيحه (١): من حديث الأعمش، عن سُليمانَ بن مُسْهرٍ، عن خرَشَةَ بن الحُرِّ، عن عبدِ الله بن سَلَام فذكرَه، وقال: حتَّى أتى بي جبلًا فقال لي: اصعدْ، فجعلتُ إذا أردتُ أن أصعدَ خررتُ على اسْتِي، حتى فعلتُ ذلك مرارًا، وأنَّ رسول الله ﷺ قال له حين ذكر رؤياه: "وأما الجبلُ فهو منزلُ الشُّهداء، ولنْ تنالَه". قال البيهقيُّ (٢): وهذه معجزةٌ ثانية، حيث أخبرَ أنه لا ينالُ الشهادةَ، وهكذا وقعَ، فإنَّه ماتَ سنة ثلاث وأربعين فيما ذكره أبو عُبيد القاسم بن سَلَّام وغيرُه. الإخبارُ عن مَوْتِ ميمونةَ بنت الحارِث بِسَرِف قال البخاريُّ في "التاريخ" (٣): أخبرنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا عبدُ الواحد بن زياد، حدَّثنا عبدُ الله بن عبد الله بن الأصمّ، حدَّثنا يزيدُ بن الأصمّ، قال: ثَقَلَتْ ميمونةُ بمكَة وليس عندَها من بني أخيها أحدٌ، فقالت: أخرجوني من مَكَّةَ فإني لا أموتُ بها، إنَّ رسولَ الله ﷺ أخبرني أني لا أموتُ بمكَّةَ، فحملُوها حتى أتوا بها سَرِفَ، إلى الصخرة التي بَنى بها رسولُ الله ﷺ تحتَها في موضع القُبَّةِ، فماتت ﵂. قلتُ: وكان موتُها سنة إحدى وخمسين على الصحيح. ما رُوي في إخباره عن مَقْتَلِ حُجْرِ بن عديٍّ وأصحابه قال يعقوب بن سفيان: حدَّثنا ابن بُكير، حدَّثنا ابنُ لهيعة، حدَّثني الحارث بن يزيد، عن عبد الله بن زُرير الغافقي قال: سمعتُ عليَّ بن أبي طالب، يقول: يا أهل العراق! سيُقتل منكم سبعة نفر بِعَذْراءَ، مثلُهم كَمَثل أصحاب الأخدود، فقُتل حُجْر بن عديّ وأصحابُه (٤). وقال يعقوب: قال أبو نعيم: ذكرَ زياد بن سُمَيَّة عليَّ بن أبي طالب ﵁ على المِنْبر، فقبضَ حُجْرٌ على الحَصْبَاء ثم أرسلَها، وحصبَ مَنْ حولَه زيادًا، فكتب إلى معاويةَ يقول: إن حُجْرَا حَصَبَنِي وأنا على المِنْبر، فكتبَ إليه معاويةُ أن يَحْمِلَ إليه حُجْرًا، فلما قربَ من دمشق بعث من يَتَلَقَّاهُم، فالتقى معهم بعذراءَ فقتلَهم. قال البيهقيُّ: لا يقولُ عليٌّ مثلَ هذا إلا أن يكونَ سمعَه من رسول الله ﷺ (٥).

стр. 3046

وقال يعقوبُ بن سفيان: حدَّثنا حرملةُ، حدَّثنا ابنُ وهب، أخبرني ابنُ لَهيعة، عن أبي الأسود قال: دخلَ معاويةُ على عائشةَ، فقالت: ما حملكَ على قتل أهل عذراءَ حجرٍ وأصحابهِ؟ فقال: يا أمَّ المؤمنينَ، إني رأيتُ قتلَهم إصلاحًا للأمة، وأن بقاءَهم فسادًا، فقالت: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "سيُقتلُ بعذراءَ ناسٌ يغضبُ الله لهم وأهلُ السماء (١). وقال يعقوب: حدَّثنا عمرو بن عاصم، حدَّثنا حمَّاد بن سلمةَ، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المُسيب، عن مروان بن الحكم، قال: دخلتُ مع معاويةَ على أُمِّ المؤمنينَ عائشةَ ﵂، فقالت: يا معاويةُ! قتلتَ حُجْرًا وأصحابَه، وفعلتَ الذي فعلتَ، أما خشيتَ أن أُخَبِّئ لك رجلًا فيقتلكَ؟ قالَ: لا، إني في بيتِ أمانٍ، سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "الإيمانُ قيَّدَ الفَتْكَ، لا يفتكُ مؤمنٌ" يا أُمَّ المؤمنينَ، كيف أنا فيما سوى ذلك من حاجاتِكِ؟ قالت: صالح. قال: فدعيني وحُجْرًا حتى نلتقي عندَ ربِّنا (٢). خبر آخر قال يعقوب بن سفيان: حدَّثنا عُبيد الله بن مُعاذ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا شعبةُ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي هريرة، أن رسولَ الله ﷺ قال لعَشَرةٍ من أصحابه: "آخرُكم موتًا في النَّار" فيهم: سمرةُ بن جُنْدَبٍ، قال أبو نضرة: فكانَ سمرة آخرهم موتًا (٣). قال البيهقي: رواتُه ثقات إلا أن أبا نضرة العَبْديّ لم يثبت له من أبي هريرة سماع، والله أعلم (٤). ثُم رُوي من طريق إسماعيل بن حكيم، عن يُونسَ بن عُبيد، عن الحسن، عن أنس بن حَكيم قال: كنتُ أمرُّ بالمدينة فألقى أبا هريرةَ، فلا يبدأُ بشيءٍ حتَّى يسألني عن سَمُرةَ، فإذا أخبرتُه بحياته وصِحَّته فرحَ وقال: إنَّا كنا عشرةً في بيتٍ، وإنَّ رسول الله قامَ علينا ونظرَ في وُجوهنا وأخذَ بعَضادَتَي الباب وقال: "آخرُكم موتًا في النَّار" فقد ماتَ منا ثمانيةٌ ولم يبقَ غيري وغيرُه، فليس شيءٌ أحبَّ إليَّ من أن أكون قد ذقتُ الموتَ (٥). وله شاهد من وجه آخر.

стр. 3047

قال يعقوبُ بن سفيان: حدَّثنا حجَّاج بنُ مِنهالٍ، حدَّثنا حمَّادُ بن سلمةَ، عن عليِّ بن زيد، عن أوسِ بن خالد، قال: كنتُ إذا قدمتُ على أبي محذورة سألني عن سَمُرةَ، وإذا قدمتُ على سَمُرةَ سألني عن أبي محذورةَ، فقلتُ لأبي محذورةَ: مالكَ إذا قدمتُ عليكَ تسألُني عن سَمُرةَ، وإذا قدمتُ على سَمُرةَ سألني عنكَ؟ فقال: إنَي كنتُ أنا وسَمُرةَ وأبو هريرة في بيتٍ، فجاءَ النبيُّ ﷺ ، فقال: "آخرُكم موتًا في النَّار" قال: فماتَ أبو هريرة ثم ماتَ أبو محذورة ثم مات سَمُرة (١). وقال عبدُ الرزاق: أخبرنا معمرُ: سمعتُ ابنَ طاووس وغيرَه يقولون: قال النبيُّ ﷺ لأبي هُريرةَ وسَمُرةَ بن جُنْدَبٍ ولرجل آخرَ: "آخرُكم موتًا في النار" فماتَ الرجلُ قبلَهما، بقي أبو هريرة وسَمُرَة، فكانَ الرجلُ إذا أرادَ أن يغيظَ أبا هريرة يقول: مات سَمُرة، فإذا سمعَه غُشِي عليه وصَعِقَ، ثم مات أبو هريرة قبل سَمُرَة. وقتلَ سمرةُ بشرًا كثيرًا (٢). وقد ضعَّفَ البيهقي عامَّة هذه الروايات، لانقطاع بعضها وإرساله، ثم قال: وقد قال بعض أهل العلم: إن سَمُرة ماتَ في الحريق، ثم قال: ويَحتملُ أن يُوردَ النَّارَ بذنوبه، ثم ينجو منها بإيمانه، فيخرجُ منها بشفاعة الشافعين، والله أعلم (٣). ثم أوردَ من طريق هلال بن العَلاء الرَّقي: أنَّ عبدَ الله بن معاوية حدَّثهم عن رجل قد سمَّاه؛ أنَّ سمرةَ استجمرَ فغفلَ عن نفسه وغفلَ أهلُه عنه حتى أخذته النَّار (٤). قلتُ: وذكرَ غيرُه أن سمرةَ بن جندب ﵁ أصابه كُزاز (٥) شديد، فكان يُوقد له على قِدْر مملوءةٍ ماءً حارًا فيجلسُ فوقَها فيتدفأ ببخارها، فسقطَ يومًا فيها فماتَ ﵁، وكان موتُه سنة تسع وخمسين بعد أبي هريرة بسنة، وقد كان ينوبُ عن زياد بن سُمَيَّة في البصرة إذا سار إلى الكوفة، وفي الكوفة إذا سارَ إلى البصرة، فكان يُقيم في كل منهما ستةَ أشهرٍ من السنة، وكان شديدًا على الخوارج، مُكثرًا للقتل فيهم، ويقولُ: هم شرُّ قتلى تحتَ أديمِ السماء، وقد كان الحسنُ البصريُّ ومحمد بن سيرين وغيرُهما من علماء البصرة يُثنون عليه، ﵁. خبر رافع بن خديج روى البيهقي: من حديث مسلم بن إبراهيم، عن عمرو بن مرزوق الواشحي، حدَّثنا يحيى بن

стр. 3048

عبد الحميد بن رافع، عن جدته؛ أن رافعَ بن حديج رُمِيَ - قال: ولا أدري أيهما قال - يوم أحد أو يوم حنين بسهم في ثَنْدُوَته (١)، فأتى رسولَ الله ﷺ فقال: يا رسولَ الله أنزعُ السَّهْمَ، فقال له: "يا رافعُ! إن شئتَ نزعتُ السَّهمَ والقُطْبة (٢) جميعًا، وإن شئتَ نزعتُ السَّهمَ وتركتُ القُطبة وشهدتُ لك يوم القيامة أنك شهيدٌ" فقال: يا رسولَ الله انزعِ السَّهمَ واتركْ القُطْبة واشهدْ لي يومَ القيامةِ أنِّي شهيدٌ (٣). قال: فعاشَ حتى كانت خلافةُ معاويةَ، انتقضَ الجرحُ فماتَ بعد العصر. هكذا وقع في هذه الرواية أنه مات في إمارة معاوية، والذي ذكرَه الواقديّ (٤) وغيرُ واحد أنه مات في سنة ثلاث، وقيل: أربع وسبعين. ومعاويةُ ﵁ كانت وفاته في سنة ستين بلا خلاف، فاللّه أعلم. ذكر إخباره ﵊ لما وقعَ من الفتن من بني هاشم بعد موته وغير ذلك قال البخاريُّ: حدَّثنا محمد بن كثير، أخبرنا سُفيانُ، عن الأعْمَشِ، عن زيدِ بن وَهب، عن ابن مسعود، عن النبيِّ ﷺ قال: "ستكون أثَرَةٌ وأمورٌ تُنْكِرونَها". قالوا: يا رسولَ الله! فما تأمُرنا؟ قال: "تُؤَدُّونَ الحَقَّ الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم" (٥). وقال البخاري: حدَّثنا محمد بن عبد الرحيم، أخبرنا أبو مَعْمَرٍ إسماعيلُ بن إبراهيم، حدَّثنا أبو أسامةَ، حدَّثنا شعبةُ، عن أبي التَّيَّاح، عن أبي زُرْعَةَ، عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يُهْلِكُ النَّاسَ هذا الحيُّ من قُريش" قالوا: فما تأمُرنا يارسولَ الله؟ قال: "لو أن النَّاس اعتزلُوهم" (٦). ورواه مسلمٌ عن أبي بكر بن أبي شيبةَ، عن أبي أُسَامة (٧).

стр. 3049

وقال البخاريُّ: حدَّثنا محمودٌ، حدَّثنا أبو داودَ، أخبرنا شعبةُ، عن أبي التياح، قال: سمعتُ أبا زُرْعَة (١). وحدَّثنا أحمدُ بن محمد المَكِّيُّ، حدَّثنا عمرو بن يحيى بن سَعيد الأُمويُّ عن جَدِّه، قال: كنتُ مع مروانَ وأبي هُريرةَ، فسمعتُ أبا هريرة يقولُ: سمعتُ الصَّادق المَصْدوقَ يقولُ: "هلاكُ أُمَّتِي على يَدَي غِلْمَةٍ من قُريشٍ" فقال مروانُ: غِلْمَةٌ؟ قال أبو هريرة: إن شئتَ أن أُسمِّيهم بني فلانٍ وبني فلان (٢). تفرَّد به البخاري. وقال أحمد (٣): حدَّثنا روح، حدَّثنا أبو أُمَيَّةَ عمرو بن يحيى، عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، قال: أخبرني جَدِّي سعيدُ بن عمرو بن سعيد، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هلاكُ أُمَّتي على يدي غِلْمَةٍ من قريش" قال مروان: - وهو معنا في الحلقة قبلَ أن يليَ شيئًا - فلعنةُ الله عليهم من غِلْمَة؟ قال: وأما والله لو أشاءُ أقولُ: بنو فلانٍ وبنو فلانٍ لفعلتُ. قال: فقمتُ أخرجُ مع أبي وجَدِّي إلى بني مروان - بعدما ملكوا - فإذا هم يُبايعون الصِّبيانَ، ومنهم مَن يُبايَعُ له وهو في خِرْقَةٍ، قال لنا: هل عسى أصحابُكم هؤلاء أن يكونوا الذين سمعتُ أبا هريرة يذكرُ، إنَّ هذه الملوك يشبه بعضُها بعضًا. وقال أحمد: حدَّثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن سماك، حدَّثني عبدُ الله بن ظالم (٤) قال: سمعتُ أبا هريرة قال: سمعتُ حِبِّي أبا القاسم ﷺ يقول: "إنَّ فسادَ أُمَّتِي على يدي غِلْمَةٍ سفهاءَ مِن قُريش" (٥). ثم رواه أحمد عن زيد بن الحُباب، عن سفيان - وهو الثوريُّ - عن سِماك، عن مالكِ بن ظَالم، عن أبي هريرة … فذكره (٦). ثم روى عن غندر (٧) وروح بن عبادة، عن شعبة، عن سِماكِ بن حَرْب، عن مالك بن ظالم قال: سمعت أبا هريرة، زاد روح: يحدث مروان بن الحكم، قال: سمعت رسول الله ﷺ أبا القاسم

стр. 3050

الصَّادقَ المَصْدوق، يقول: "هلاكُ أمتي على يدِ غِلْمَة أمراء سفهاء من قريش" (١). وقال الإمام أحمد: حدَّثنا أبو عبد الرحمن، حدَّثنا حَيْوَة، حدَّثني بشيرُ بن أبي عمرو الخَوْلاني: أنَّ الوليدَ بن قَيْس التُّجيبي حدَّثه؛ أنَّه سمعَ أبا سعيد الخُدْريَّ يقولُ: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "يكونُ خَلْفٌ مِنْ بعدِ الستين سنة ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] ثم يكون خَلْفٌ يقرؤون القرآنَ لا يَعْدُو تَراقِيهم، ويقرأُ القرآنَ ثلاثة: مؤمن، ومنافق، وفاجر. قال بشيرٌ: فقلتُ للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ قال: المنافقُ كافرٌ به، والفاجرُ يتأكَّلُ به، والمؤمنُ يُؤمن به (٢). تفرَّد به أحمد، وإسناده جيد قويٌّ على شرط السنن. وقد روى البيهقيُّ: عن الحاكم، عن الأصمِّ، عن الحسن بن عليّ بن عفَّان، عن أبي أُسامةَ، عن مجالد، عن الشَّعبِيِّ، قال: لما رجَع عليٌّ من صِفِّين قال: أيُّها النَّاسُ، لا تَكرهوا إمارةَ معاويةَ فإنه لو فَقَدْتُمُوه لقد رأيتم الرؤوس تَنْزو (٣) من كواهِلها كالحَنْظَلْ (٤). ثم روى: عن الحاكم وغيره، عن الأَصمِّ، عن العبَّاس بن الوليد بن مَزْيَد، عن أبيه، عن ابن جابر، عن عُمير بن هانئ، أنَّه حدَّثه قال: كان أبو هريرة يَمْشي في سُوقِ المدينة وهو يقول: اللهم لا تُدْرِكني سنةُ الستين، ويحكم تمسَّكوا بصُدْغَيْ معاويةَ، اللَّهُمَّ لا تُدْرِكني إمارةُ الصِّبيَان (٥). قال البيهقي: وعلي وأبو هريرة إنما يقولان: هذا الشيءُ سمعناه من رسول الله ﷺ (٦). وقال يعقوبُ بن سُفيان: أخبرنا عبدُ الرحمن بن عمرو الحرَّاني، حدَّثنا محمد بن سُليمان، عن أبي غنيم البَعْلَبَكي، عن هشام بن الغاز، عن مكحول، عن أبي ثعلبة الخُشَني، عن أبي عُبيدة بن الجراح، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزالُ هذا الأمرُ معتدلًا قائمًا بالقِسْطِ حتى يُثْلِمَه رجلٌ من بني أمية" (٧). وروى البيهقيُّ: من طريق عَوْف الأعرابيِّ، عن أبي خلدة، عن أبي العالية، عن أبي ذرّ، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إنَّ أوَّلَ من يُبَدِّلُ سُنَّتي رجل من بني أمية" (٨) وهذا منقطع بين أبي العالية
следующие страницы →