← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

وقال يعقوبُ بن سفيان: حدَّثنا حرملةُ، حدَّثنا ابنُ وهب، أخبرني ابنُ لَهيعة، عن أبي الأسود قال: دخلَ معاويةُ على عائشةَ، فقالت: ما حملكَ على قتل أهل عذراءَ حجرٍ وأصحابهِ؟ فقال: يا أمَّ المؤمنينَ، إني رأيتُ قتلَهم إصلاحًا للأمة، وأن بقاءَهم فسادًا، فقالت: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "سيُقتلُ بعذراءَ ناسٌ يغضبُ الله لهم وأهلُ السماء (١). وقال يعقوب: حدَّثنا عمرو بن عاصم، حدَّثنا حمَّاد بن سلمةَ، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المُسيب، عن مروان بن الحكم، قال: دخلتُ مع معاويةَ على أُمِّ المؤمنينَ عائشةَ ﵂، فقالت: يا معاويةُ! قتلتَ حُجْرًا وأصحابَه، وفعلتَ الذي فعلتَ، أما خشيتَ أن أُخَبِّئ لك رجلًا فيقتلكَ؟ قالَ: لا، إني في بيتِ أمانٍ، سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "الإيمانُ قيَّدَ الفَتْكَ، لا يفتكُ مؤمنٌ" يا أُمَّ المؤمنينَ، كيف أنا فيما سوى ذلك من حاجاتِكِ؟ قالت: صالح. قال: فدعيني وحُجْرًا حتى نلتقي عندَ ربِّنا (٢). خبر آخر قال يعقوب بن سفيان: حدَّثنا عُبيد الله بن مُعاذ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا شعبةُ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي هريرة، أن رسولَ الله ﷺ قال لعَشَرةٍ من أصحابه: "آخرُكم موتًا في النَّار" فيهم: سمرةُ بن جُنْدَبٍ، قال أبو نضرة: فكانَ سمرة آخرهم موتًا (٣). قال البيهقي: رواتُه ثقات إلا أن أبا نضرة العَبْديّ لم يثبت له من أبي هريرة سماع، والله أعلم (٤). ثُم رُوي من طريق إسماعيل بن حكيم، عن يُونسَ بن عُبيد، عن الحسن، عن أنس بن حَكيم قال: كنتُ أمرُّ بالمدينة فألقى أبا هريرةَ، فلا يبدأُ بشيءٍ حتَّى يسألني عن سَمُرةَ، فإذا أخبرتُه بحياته وصِحَّته فرحَ وقال: إنَّا كنا عشرةً في بيتٍ، وإنَّ رسول الله قامَ علينا ونظرَ في وُجوهنا وأخذَ بعَضادَتَي الباب وقال: "آخرُكم موتًا في النَّار" فقد ماتَ منا ثمانيةٌ ولم يبقَ غيري وغيرُه، فليس شيءٌ أحبَّ إليَّ من أن أكون قد ذقتُ الموتَ (٥). وله شاهد من وجه آخر.

стр. 3047

قال يعقوبُ بن سفيان: حدَّثنا حجَّاج بنُ مِنهالٍ، حدَّثنا حمَّادُ بن سلمةَ، عن عليِّ بن زيد، عن أوسِ بن خالد، قال: كنتُ إذا قدمتُ على أبي محذورة سألني عن سَمُرةَ، وإذا قدمتُ على سَمُرةَ سألني عن أبي محذورةَ، فقلتُ لأبي محذورةَ: مالكَ إذا قدمتُ عليكَ تسألُني عن سَمُرةَ، وإذا قدمتُ على سَمُرةَ سألني عنكَ؟ فقال: إنَي كنتُ أنا وسَمُرةَ وأبو هريرة في بيتٍ، فجاءَ النبيُّ ﷺ ، فقال: "آخرُكم موتًا في النَّار" قال: فماتَ أبو هريرة ثم ماتَ أبو محذورة ثم مات سَمُرة (١). وقال عبدُ الرزاق: أخبرنا معمرُ: سمعتُ ابنَ طاووس وغيرَه يقولون: قال النبيُّ ﷺ لأبي هُريرةَ وسَمُرةَ بن جُنْدَبٍ ولرجل آخرَ: "آخرُكم موتًا في النار" فماتَ الرجلُ قبلَهما، بقي أبو هريرة وسَمُرَة، فكانَ الرجلُ إذا أرادَ أن يغيظَ أبا هريرة يقول: مات سَمُرة، فإذا سمعَه غُشِي عليه وصَعِقَ، ثم مات أبو هريرة قبل سَمُرَة. وقتلَ سمرةُ بشرًا كثيرًا (٢). وقد ضعَّفَ البيهقي عامَّة هذه الروايات، لانقطاع بعضها وإرساله، ثم قال: وقد قال بعض أهل العلم: إن سَمُرة ماتَ في الحريق، ثم قال: ويَحتملُ أن يُوردَ النَّارَ بذنوبه، ثم ينجو منها بإيمانه، فيخرجُ منها بشفاعة الشافعين، والله أعلم (٣). ثم أوردَ من طريق هلال بن العَلاء الرَّقي: أنَّ عبدَ الله بن معاوية حدَّثهم عن رجل قد سمَّاه؛ أنَّ سمرةَ استجمرَ فغفلَ عن نفسه وغفلَ أهلُه عنه حتى أخذته النَّار (٤). قلتُ: وذكرَ غيرُه أن سمرةَ بن جندب ﵁ أصابه كُزاز (٥) شديد، فكان يُوقد له على قِدْر مملوءةٍ ماءً حارًا فيجلسُ فوقَها فيتدفأ ببخارها، فسقطَ يومًا فيها فماتَ ﵁، وكان موتُه سنة تسع وخمسين بعد أبي هريرة بسنة، وقد كان ينوبُ عن زياد بن سُمَيَّة في البصرة إذا سار إلى الكوفة، وفي الكوفة إذا سارَ إلى البصرة، فكان يُقيم في كل منهما ستةَ أشهرٍ من السنة، وكان شديدًا على الخوارج، مُكثرًا للقتل فيهم، ويقولُ: هم شرُّ قتلى تحتَ أديمِ السماء، وقد كان الحسنُ البصريُّ ومحمد بن سيرين وغيرُهما من علماء البصرة يُثنون عليه، ﵁. خبر رافع بن خديج روى البيهقي: من حديث مسلم بن إبراهيم، عن عمرو بن مرزوق الواشحي، حدَّثنا يحيى بن

стр. 3048

عبد الحميد بن رافع، عن جدته؛ أن رافعَ بن حديج رُمِيَ - قال: ولا أدري أيهما قال - يوم أحد أو يوم حنين بسهم في ثَنْدُوَته (١)، فأتى رسولَ الله ﷺ فقال: يا رسولَ الله أنزعُ السَّهْمَ، فقال له: "يا رافعُ! إن شئتَ نزعتُ السَّهمَ والقُطْبة (٢) جميعًا، وإن شئتَ نزعتُ السَّهمَ وتركتُ القُطبة وشهدتُ لك يوم القيامة أنك شهيدٌ" فقال: يا رسولَ الله انزعِ السَّهمَ واتركْ القُطْبة واشهدْ لي يومَ القيامةِ أنِّي شهيدٌ (٣). قال: فعاشَ حتى كانت خلافةُ معاويةَ، انتقضَ الجرحُ فماتَ بعد العصر. هكذا وقع في هذه الرواية أنه مات في إمارة معاوية، والذي ذكرَه الواقديّ (٤) وغيرُ واحد أنه مات في سنة ثلاث، وقيل: أربع وسبعين. ومعاويةُ ﵁ كانت وفاته في سنة ستين بلا خلاف، فاللّه أعلم. ذكر إخباره ﵊ لما وقعَ من الفتن من بني هاشم بعد موته وغير ذلك قال البخاريُّ: حدَّثنا محمد بن كثير، أخبرنا سُفيانُ، عن الأعْمَشِ، عن زيدِ بن وَهب، عن ابن مسعود، عن النبيِّ ﷺ قال: "ستكون أثَرَةٌ وأمورٌ تُنْكِرونَها". قالوا: يا رسولَ الله! فما تأمُرنا؟ قال: "تُؤَدُّونَ الحَقَّ الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم" (٥). وقال البخاري: حدَّثنا محمد بن عبد الرحيم، أخبرنا أبو مَعْمَرٍ إسماعيلُ بن إبراهيم، حدَّثنا أبو أسامةَ، حدَّثنا شعبةُ، عن أبي التَّيَّاح، عن أبي زُرْعَةَ، عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يُهْلِكُ النَّاسَ هذا الحيُّ من قُريش" قالوا: فما تأمُرنا يارسولَ الله؟ قال: "لو أن النَّاس اعتزلُوهم" (٦). ورواه مسلمٌ عن أبي بكر بن أبي شيبةَ، عن أبي أُسَامة (٧).

стр. 3049

وقال البخاريُّ: حدَّثنا محمودٌ، حدَّثنا أبو داودَ، أخبرنا شعبةُ، عن أبي التياح، قال: سمعتُ أبا زُرْعَة (١). وحدَّثنا أحمدُ بن محمد المَكِّيُّ، حدَّثنا عمرو بن يحيى بن سَعيد الأُمويُّ عن جَدِّه، قال: كنتُ مع مروانَ وأبي هُريرةَ، فسمعتُ أبا هريرة يقولُ: سمعتُ الصَّادق المَصْدوقَ يقولُ: "هلاكُ أُمَّتِي على يَدَي غِلْمَةٍ من قُريشٍ" فقال مروانُ: غِلْمَةٌ؟ قال أبو هريرة: إن شئتَ أن أُسمِّيهم بني فلانٍ وبني فلان (٢). تفرَّد به البخاري. وقال أحمد (٣): حدَّثنا روح، حدَّثنا أبو أُمَيَّةَ عمرو بن يحيى، عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، قال: أخبرني جَدِّي سعيدُ بن عمرو بن سعيد، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هلاكُ أُمَّتي على يدي غِلْمَةٍ من قريش" قال مروان: - وهو معنا في الحلقة قبلَ أن يليَ شيئًا - فلعنةُ الله عليهم من غِلْمَة؟ قال: وأما والله لو أشاءُ أقولُ: بنو فلانٍ وبنو فلانٍ لفعلتُ. قال: فقمتُ أخرجُ مع أبي وجَدِّي إلى بني مروان - بعدما ملكوا - فإذا هم يُبايعون الصِّبيانَ، ومنهم مَن يُبايَعُ له وهو في خِرْقَةٍ، قال لنا: هل عسى أصحابُكم هؤلاء أن يكونوا الذين سمعتُ أبا هريرة يذكرُ، إنَّ هذه الملوك يشبه بعضُها بعضًا. وقال أحمد: حدَّثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن سماك، حدَّثني عبدُ الله بن ظالم (٤) قال: سمعتُ أبا هريرة قال: سمعتُ حِبِّي أبا القاسم ﷺ يقول: "إنَّ فسادَ أُمَّتِي على يدي غِلْمَةٍ سفهاءَ مِن قُريش" (٥). ثم رواه أحمد عن زيد بن الحُباب، عن سفيان - وهو الثوريُّ - عن سِماك، عن مالكِ بن ظَالم، عن أبي هريرة … فذكره (٦). ثم روى عن غندر (٧) وروح بن عبادة، عن شعبة، عن سِماكِ بن حَرْب، عن مالك بن ظالم قال: سمعت أبا هريرة، زاد روح: يحدث مروان بن الحكم، قال: سمعت رسول الله ﷺ أبا القاسم

стр. 3050

الصَّادقَ المَصْدوق، يقول: "هلاكُ أمتي على يدِ غِلْمَة أمراء سفهاء من قريش" (١). وقال الإمام أحمد: حدَّثنا أبو عبد الرحمن، حدَّثنا حَيْوَة، حدَّثني بشيرُ بن أبي عمرو الخَوْلاني: أنَّ الوليدَ بن قَيْس التُّجيبي حدَّثه؛ أنَّه سمعَ أبا سعيد الخُدْريَّ يقولُ: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "يكونُ خَلْفٌ مِنْ بعدِ الستين سنة ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] ثم يكون خَلْفٌ يقرؤون القرآنَ لا يَعْدُو تَراقِيهم، ويقرأُ القرآنَ ثلاثة: مؤمن، ومنافق، وفاجر. قال بشيرٌ: فقلتُ للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ قال: المنافقُ كافرٌ به، والفاجرُ يتأكَّلُ به، والمؤمنُ يُؤمن به (٢). تفرَّد به أحمد، وإسناده جيد قويٌّ على شرط السنن. وقد روى البيهقيُّ: عن الحاكم، عن الأصمِّ، عن الحسن بن عليّ بن عفَّان، عن أبي أُسامةَ، عن مجالد، عن الشَّعبِيِّ، قال: لما رجَع عليٌّ من صِفِّين قال: أيُّها النَّاسُ، لا تَكرهوا إمارةَ معاويةَ فإنه لو فَقَدْتُمُوه لقد رأيتم الرؤوس تَنْزو (٣) من كواهِلها كالحَنْظَلْ (٤). ثم روى: عن الحاكم وغيره، عن الأَصمِّ، عن العبَّاس بن الوليد بن مَزْيَد، عن أبيه، عن ابن جابر، عن عُمير بن هانئ، أنَّه حدَّثه قال: كان أبو هريرة يَمْشي في سُوقِ المدينة وهو يقول: اللهم لا تُدْرِكني سنةُ الستين، ويحكم تمسَّكوا بصُدْغَيْ معاويةَ، اللَّهُمَّ لا تُدْرِكني إمارةُ الصِّبيَان (٥). قال البيهقي: وعلي وأبو هريرة إنما يقولان: هذا الشيءُ سمعناه من رسول الله ﷺ (٦). وقال يعقوبُ بن سُفيان: أخبرنا عبدُ الرحمن بن عمرو الحرَّاني، حدَّثنا محمد بن سُليمان، عن أبي غنيم البَعْلَبَكي، عن هشام بن الغاز، عن مكحول، عن أبي ثعلبة الخُشَني، عن أبي عُبيدة بن الجراح، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزالُ هذا الأمرُ معتدلًا قائمًا بالقِسْطِ حتى يُثْلِمَه رجلٌ من بني أمية" (٧). وروى البيهقيُّ: من طريق عَوْف الأعرابيِّ، عن أبي خلدة، عن أبي العالية، عن أبي ذرّ، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إنَّ أوَّلَ من يُبَدِّلُ سُنَّتي رجل من بني أمية" (٨) وهذا منقطع بين أبي العالية

стр. 3051

وأبي ذر، وقد رجَّحه البيهقيُّ بحديث أبي عُبيدة المُتقدِّم، قال: ويُشبه أن يكونَ هذا الرجلُ هو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، والله أعلم. قلت: النَّاسُ في يزيد بن معاويةَ أقسامٌ: فمنهم من يُحبُّه ويتولاه، وهم طائفةٌ من أهل الشَّام، مِنَ النَّواصِب، وأما الرَّوافضُ فيُشَنِّعون عليه، ويفترونَ عليه أشياء كثيرة ليست فيه، ويتهمه كثيرٌ منهم أو أكثرهم بالزندقة، ولم يكنْ كذلك، وطائفةٌ أخرى لا يُحِثونه ولا يَسبُّونه، لما يَعلمونَ من أنه لم يكن زنديقًا كما تقولُه الرافضةُ، ولِما وقع في زمانِه من الحَوادثِ الفظيعة، والأمور المُستَنْكَرة البَشِعةِ الشَّنيعةِ، فمِنْ أَنْكَرِها قتلُ الحُسين بن علي بكَرْبلَاءَ، ولكن لم يكن ذلك عن علم منه، ولعلَّه لم يرضَ به ولم يَسُؤهُ، وذلكَ من الأمور المُنكرة جِدًّا، ووقعةُ الحَرَّة، وكانت من الأمور القبيحة بالمدينة النَّبَوِيَّة على ما سنُورده إذا انتهينا إليه في التاريخ إن شاء الله تعالى. الإخبار بمقتل الحُسين بن عليٍّ ﵄ وقد ورد الحديث في مقتل الحُسين، فقال الإمام أحمد: حدَّثنا عبدُ الصمد بن حسَّان، حدَّثنا عمارةُ - يعني ابن زاذان - عن ثابت، عن أنس، قال: استأذنَ مَلَكُ القَطْرِ أن يأتيَ النبيَّ ﷺ ، فأذنَ له، فقالَ لأُمِّ سلمةَ: "احفظِي علينا البابَ لا يدخل علينا أحدٌ" فجاءَ الحُسينُ بن عليٍّ، فوثبَ حتَّى دخلَ، فجعلَ يصعدُ على مِنْكَبِ النبي ﷺ ، فقال له المَلَكُ: أتحبُّه؟ فقال النبي ﷺ : "نعم" قال: فإنَّ أُمَّتَكَ تَقْتُلُهُ، وإن شئتَ أريتُكَ المكانَ الذي يُقتلُ فيه، قال: فضربَ بيدِه فأراهُ تُرابًا أحمرَ. فأخذت أُمُّ سلمةَ ذلك الترابَ فَصَرَّته في طَرفِ ثوبها، قال: وكنا نسمعُ [أنه] يُقتلُ بكربلاء (١). ورواه البيهقيُّ من حديث بشر بن موسى، عن عبد الصمد، عن عمارة (٢) .. فذكرَه. ثم قال: وكذلك رواه شيبانُ بن فَرُّوخ، عن عُمارة (٣). وعمارة بن زاذان هذا هو الصَّيْدلانيُّ، أبو سلمةَ البصريُّ، اختلفوا فيه. وقد قال فيه أبو حاتم (٤): يُكتب حديثه ولا يُحْتَجُّ به، ليس بالمتين. وضغَفه أحمدُ مرَّةً ووثَّقه أخرى (٥). وحديثُه هذا قد رُوي عن غيره من وجه آخر.

стр. 3052

فرواهُ الحافظُ البيهقيُّ من طريق عمارة بن غَزِيَّة، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂ نحو هذا (١). وقد قال البيهقيُّ: أخبرنا الحاكم في آخرين، قالوا: أخبرنا الأصم، أخبرنا عباس الدوري، حدَّثنا خالد بن مخلد، حدَّثنا موسى بن يعقوب، عن هاشم بن هاشم بن (٢) عُتبة بن أبي وقاص، عن عبد الله بن وَهْب بن زَمْعة، أخبرتني أُمُّ سلمةَ: أن رسولَ الله؟! ﷺ اضطجعَ ذاتَ يوم للنوم، فاستيقظَ وهو حائرٌ، ثم اضطجعَ فرقدَ، ثم استيقظَ وهو حائر دونَ ما رأيتُ منه في المرة الأولى، ثم اضطجعَ واستيقظَ وفي يده تربةٌ حمراء وهو يُقَلِّبها، فقلتَ: ما هذه التربةُ يا رسول الله؟! قال: "أخبرني جبريلُ أن هذا يُقتلُ بأرضِ العراقِ - للحسين - قُلتُ له: يا جبريلُ أرني تربةَ الأرض التي يُقتل بها، فهذه تربتُها (٣). ثم قال البيهقيُّ: تابعه موسى الجُهَنِيّ، عن صالح بن يزيد النخعي، عن أمِّ سلمةَ، وأبان عن شهر بن حوشَب، عن أُمِّ سلمة (٤). وقال الحافظُ أبو بكر البزار في "مسنده": حدَّثنا إبراهيم بن يوسف الصيرفي، حدَّثنا الحُسين بن عيسى، حدَّثنا الحَكَم بن أَبَان، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباس، قال: كان الحسينُ جالسًا في حِجْر النبيِّ ﷺ فقال جبريلُ: أتحبُّه؟ فقال: "وكيف لا أحبُّه وهو ثمرةُ فُؤادي؟! " فقال: أما إنَّ أمَّتَكَ ستقتُله، ألا أُريكَ مِن مَوضعِ قَبرهِ؟ فقبضَ قبضةً فإذا تربةٌ حمراء" (٥). ثم قال البزار: لا نعلمُه يُروى إلا بهذا الإسناد، والحُسين بن عيسى قد حدَّث عن الحكم بن أبان بأحاديث لا نعلمُها عند غيره. قلت: هو الحسين بن عيسى بن مسلم الحنفي أبو عبد الرحمن الكوفي أخو سليم القاري، قال فيه البخاري: مجهول الحال - وإلا فقد روى عنه سبعةُ نفرٍ - وقال أبو زُرعة: منكرُ الحديث. وقال أبو حاتم: ليس بالقويِّ، رَوى عن الحَكَمِ بن أَبَان أحاديثَ منكرة. وذكره ابنُ حِبَّان في "الثقات"،

стр. 3053

وقال ابن عديّ: قليل الحديث، وعَامَّةُ حديثه غرائب، وفي بعض أحاديثه المنكرات. وروى البيهقيُّ: عن الحكم وغيره، عن أبي الأحوص، عن محمد بن الهيثم القاضي: حدَّثنا محمد بن مُصعب، حدَّثنا الأوزاعي، عن أبي عمَّار شدَّاد بن عبد الله، عن أُمِّ الفضل بن الحارث أنها دخلت على رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسولَ الله! إني رأيتُ حُلُمًا منكرًا الليلة، قال: وما هو؟ قالت: رأيتُ كأنَّ قطعة من جَسدِكَ قُطِعَتْ ووُضِعَتْ في حِجْري، فقال: "رأيتِ خيرًا، تلدُ فاطمةُ إن شاء الله غلامًا فيكونُ في حِجْرِك" فولدتْ فاطمةُ الحسينَ، فكان في حِجْري، كما قال رسول الله ﷺ ، فدخلتُ يومًا على رسول الله ﷺ فوضعتُه في حِجْره، ثم حانت مِنَي التفاتةٌ، فإذا عينا رسول الله ﷺ تُهريقان الدموعَ، قالت: قلتُ: يا نبي الله! بأبي أنتَ وأُمِّي، مالكَ؟ فقال: "أتاني جبريلُ ﵇ فأخبرَني أَنَّ أُمَّتِي ستقتلُ ابني هذا" فقلتُ: هذا؟ قال: "نعم، وأتاني بتربةٍ من تُربته حمراء" (١). وقد روى الإمام أحمد (٢): عن عفَّان، عن وُهيب، عن أَيوب، عن صالح أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن أُمِّ الفَضْلِ، قالت: أتيتُ رسولَ الله ﷺ فقلتُ: إنِّي رأيتُ في منامي أن في بيتي وفي حِجْري عضوًا من أعضائِكَ، قال: "تلدُ فاطمةُ إن شاءَ الله غلامًا تَكفلينَه" فولدتْ فاطمةُ حُسينًا، فدفعته إليها، فأرضعَتْه بلبنِ قُثَم، وأتيتُ به رسولَ الله ﷺ يومًا أزورُه، فأخذَه فوضعَه على صدره فبالَ فأصابَ البولُ إزارَه، فزخختُ بيدي على كَتفيْه، فقال: أوجعتِ ابني أصلَحكِ الله - أو قال: رَحِمَكِ الله - فقلتُ: أعطني إزارَك أَغْسِله، فقال: "إنَّما يُغسلُ بولُ الجارية ويُصبُّ على بول الغلام". ورواه أحمد أيضًا: عن يحيى بن بُكير، عن إسرائيلَ، عن سِماك، عن قابوس بن أبي المُخَارق، عن أُمِّ الفضل (٣) .. فذكرَ مثلَه سواء، وليس فيه الإخبار بقتله (٤)، فالله أعلم. وقال الإمامُ أحمد: حدَّثنا عفَّان، حدَّثنا حمَّاد، أخبرنا عمَّار بن أبي عمَّار، عن ابن عباس. قال: رأيتُ النبيَّ ﷺ فيما يرى النائم بنصفِ النَّهار وهو قائلٌ، أشعثَ أغبرَ، بيده قارورةٌ فيها دمٌ، فقلتُ: بأبي أنتَ وأُمِّي يا رسولَ الله، ما هذا؟ قال: "دمُ الحُسين وأصحابِه، لم أزلْ ألتقطُه منذ اليومَ" قال عمَّارٌ: فأحصينا ذلكَ اليومَ فوجد قُتلَ في ذلك اليوم (٥). ﵁.

стр. 3054

قال قتادةُ: قُتل الحسينُ يومَ الجمعة، يومَ عاشوراء سنة إحدى وستين، وله أربع وخمسون سنة وستة أشهر ونصف شهر، وهكذا قال اللَّيث، وأبو بكر بن عيَّاش، والواقديُّ، وخليفةُ بن خيَّاط، وأبو مَعْشر، وغيرُ واحد: إنه قُتل يومَ عاشوراء عام إحدى وستين. وزعمَ بعضُهم أنَّه قُتل يوم السبت، والأوَّلُ أصحُّ (١). وقد ذَكروا في مَقْتَلِه أشياءَ كثيرة، أنَّها وقعتْ: من كسوف الشمس يومئذ، وهو ضعيف، وتغيير آفاقِ السماء، ولم يُقلبْ حجرٌ إلا وُجد تحتَه دمٌ، ومنهم مَنْ خَصَّصَ ذلك بحجارةِ بيت المقدس، وأن الورسَ استحالَ رمادًا، وأن اللَّحم صارَ مِثْلَ العلقم وكان فيه النَّار، إلى غير ذلك مما في بعضها نكارة، وفي بعضها احتمالٌ، والله أعلم. وقد ماتَ رسولُ الله ﷺ وهو سيِّدُ ولدِ آدمَ في الدنيا والآخرة، ولم يقعْ شيءٌ من هذه الأشياء، وكذلك الصِّدِّيق بعدَه، مات ولم يكن شيءٌ من هذا، وكذا عمرُ بن الخطَّاب قُتل شهيدًا وهو قائمٌ يُصَلِّي في المحراب صلاةَ الفَجر، وحُصِرَ عثمانُ في داره، وقُتِل بعدَ ذلك شهيدًا، وقُتلَ عليُّ بن أبي طالب شهيدًا بعدَ صلاة الفجر، ولم يكن شيءٌ من هذه الأشياء، فالله أعلم. وقد روى حمَّادُ بن سلمة: عن عمَّار بن أبي عمَّار، عن أُمِّ سلمةَ؟ أنَّها سمعتِ الجِنَّ تنوحُ على الحُسين بن عليّ (٢). وهذا صحيح. وقال شهرُ بن حَوْشب: كنَّا عند أُمِّ سلمةَ، فجاءَها الخبرُ بقتلِ الحُسين، فخَرَّتْ مغشية عليها (٣). وكان سببُ قتل الحُسين أنه كتبَ إليه أهلُ العراق يطلبون منه أن يقدَم إليهم ليُبايعوه بالخلافة، وكثرَ تواترُ الكتب عليه من العامَّة ومن ابن عمه مُسلم بن عقيل، فلما ظهرَ على ذلك عبيدُ الله بن زياد نائبُ العراق ليزيدَ بن معاوية، فبعثَ إلى مسلم بن عقيل فضربَ عنقَه ورماه من القصر إلى العامَّة، فتفرَّق ملؤهم وتبدَّدت كلمتُهم، هذا وقد تجهَّز الحسينُ من الحجاز إلى العراق، ولم يشعرْ بما وقعَ، فتحمَّل بأهله ومن أطاعَه، وكانوا قريبًا من ثلاثمئة، وقد نهاه عن ذلك جماعةٌ من الصحابة، منهم أبو سعيد، وجابر، وابن عبَّاس، وابن عمر، فلم يُطعْهم، وما أحسنَ ما نهاه ابنُ عمر عن ذلك، واستدلَّ له على أن لا يقع ما يُريده، فلم يقبلْ، فروى الحافظ البيهقي: من حديث يحيى بن سالم الأَسدي، ورواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" عنه، قال: سمعتُ الشعبيَّ يقول: كان ابنُ عمر قدمَ المدينة فأُخبرَ أن الحسينَ بن علي قد تَوَجَّه إلى العراق، فلحقَه على مسيرة ليلتين أو ثلاث من المدينة، فقال: أين تريدُ؟ قال: العراق، ومعه طواميرُ وكتبٌ، فقال: لا تأتِهمْ، فقال: هذه كُتبهم وبَيْعَتُهم، فقال: إنَّ الله خيَّر نبيِّه ﷺ بينَ الدنيا والآخرة، فاختارَ الآخرة ولم يُردِ الدنيا، وإنَّكُم بضعةٌ من رسول الله ﷺ ، والله لا يَليها أحدٌ

стр. 3055

منكم أبدًا، وما صرفَها عنكم إلَّا للذي هو خير لكم، فارجعوا، فأبى. وقال: هذه كتبهم وبَيْعَتُهم، قال: فاعتنقَه ابن عمر وقال: أستودعُك الله من قتيل (١). وقد وقع ما فهمه عبدُ الله بن عمر من ذلك سواء، من أنه لم يلِ أحدٌ من أهل البيت الخلافةَ على سبيل الاستقلال ويتمُّ له الأمر، وقد قال ذلك عثمان بن عفَّان، وعليّ بن أبي طالب: إنه لا يلي أحدٌ من أهل البيت أبدًا. رواه عنهما أبو صالح الخليل بن أحمد بن عيسى بن الشيخ في كتاب "الفتن والملاحم". قلت: وأما الخلفاءُ الفاطميُّون الذين كانوا بالديار المصرية، فإنَّ أكثرَ العلماء على أنهم أدعياء، وعليُّ بن أبي طالب من أهل البيت، ومع هذا لم يتمَّ له الأمرُ كما كان للخلفاء الثلاثة قبلَه، ولا اتَّسعت يدُه في البلاد كلِّها، ثم تَنكَّدتْ عليه الأمورُ. وأما ابنه الحسن ﵁ فإنَّه لمَّا جاء في جيوشه وتَصافى هو وأهلُ الشام، ورأى أنَّ المصلحةَ في تركِ الخلافة، تركَها لله ، وصيانةً لدماءِ المسلمين وأثابَه الله ورضي الله عنه، وأما الحُسينُ ﵁ فإنَّ ابن عمر لما أشار عليه بترك الذهاب إلى العراق وخالفَه، اعتنقَه مُوَدِّعًا وقال: أستودعكُ الله من قتيل، وقد وقعَ ما تفرَّسه ابنُ عمر، فإنَّه لمَّا استقلَّ ذاهبًا بعثَ إليه عبيد الله بن زياد كتيبةً فيها أربعة آلاف يَتقدَّمهُم عمرُ بن سعد بن أبي وقَّاص، وذلك بعد ما استعفاه فلم يُعفه، فالتقوا بمكان يُقال له "كربلاء" بالطَّفِّ، فالتجأ الحسين بن علي ﵁ وأصحابه إلى مقصبة هنالك، جعلوها منهم بظهر، وواجهوا أولئك، وطلبَ منهم الحسينُ إحدى ثلاث: إما أن يدَعُوه أن يرجعَ من حيثُ جاء، وإما أن يذهبَ إلى ثغْرٍ من الثُّغور فيقاتل فيه، أو يتركوه حتى يذهبَ إلى يزيد بن معاوية فيضعَ يدَه في يده، فيحكم فيه بما شاء، فأبَوْا عليه واحدةً منهنَّ، وقالوا: لا بُدَّ من قدومك على عُبيد الله بن زياد فيرى فيكَ رأيه، فَأَبى أن يقدَم عليه أبدأ، وقاتلَهم دون ذلك، فقتلُوه ﵀، وذهبُوا برأسه إلى عُبيد الله بن زياد فوضعُوه بين يديه فجعل ينكتُ (٢) بقضيب في يده على ثناياه، وعندَه أنسُ بن مالك جالسٌ، فقال له: يا هذا! ارفعْ قضيبكَ، قد طالما رأيتُ رسولَ الله يُقَبِّلُ هذه الثنايا. ثم أمرَ عُبيد الله بن زياد أن يُسارَ بأهلِه ومَنْ كان معه إلى الشام، إلى يزيدَ بن معاوية، ويُقال: إنَّه بعثَ معهم بالرأس حتى وُضع بين يديْ يزيد، فأنشدَ حينئذٍ قولَ بعضهم: نُفَلِّقُ هامًا مِنْ رِجال أَعِزةٍ … عَلينَا وَهُم كانُوا أَعقَّ وأَظلَما (٣) ثم أمرَ بتجهيزهم إلى المدينة النبويَّة، فلمَّا دخلوها تَلفتْهم امرأة من بنات عبد المطلب ناشرةً شعرها، واضعةً ترابًا على رأسها تبكي وهي تقول شعرًا:

стр. 3056

مَاذَا تَقُولون إنْ قالَ النَّبيُّ لَكُم … مَاذَا فَعلتُمْ وَأَنتمْ آخِرُ الأُمَمِ بِعترتي وبِأَهلي بَعْدَ مُفتَقَدي … مِنْهُم أسارى وَقَتلَى ضُرِّجوا بِدَم (١) مَا كان هذَا جَزائي إذْ نَصَحتُ لَكُمْ … أَن تَخْلفُوني بشرٍّ في ذوِي رَحمي وسَنُورد هذا مفصَّلًا في موضعه إذا انتهينا إليه إن شاء الله، وبه الثقة وعليه التكلان. وقد رثاه الناس بمراثٍ كثيرة، ومن أحسنِ ذلك ما أوردَه الحاكمُ أبو عبد الله النيسابوري، وكان فيه تشيع: جاؤوا بِرَأْسِكَ يا بنَ بِنتِ مُحمَّدٍ … مُتَزَمِّلًا بدِمائِه تَزْميلا (٢) فَكَأَنَّما بِكَ يا بنَ بنتِ مُحَمَّدٍ … قَتَلُوا جِهَارًا عَامِدِين رَسُولا قَتَلوكَ عَطْشانًا وَلَمْ يَتَرَقَّبُوا … في قَتلِكَ التنزِيلَ والتأويلا ويُكَبِّرون بِأَنْ قُتِلتَ وإنَّما … قَتَلوا بِكَ التكبِيرَ والتهليلا ذكر الإخبار عن وقعة الحَرَّة التي كانت في زمن يزيد أيضًا قال يعقوبُ بن سفيان: حدَّثني إبراهيمُ بن المنذر، حدَّثني ابن فُلَيْح، عن أبيه، عن أيوب بن عبد الرحمن، عن أيوب بن بشير المُعَافِريّ، أنَّ رسولَ الله ﷺ خرجَ في سفر من أسفاره، فلمَّا مرَّ بحرَّةِ زُهْرَة وقفَ فاسترجعَ، فساءَ ذلك مَنْ معه، وظَنُّوا أنَّ ذلكَ من أمر سفرهم، فقالَ عمرُ بن الخطاب: يا رسولَ الله! ما الذي رأيتَ؟ فقال رسول الله ﷺ : "أما إنَّ ذلكَ ليس مِن سَفرِكم هذا" قالوا: فما هو يا رسولَ الله؟ قال: "يُقتل بهذه الحَرَّة خيارُ أمتي بعد أصحابي" (٣). هذا مرسل. وقد قالَ يعقوبُ بن سفيان: قال وهبُ بن جرير: قال جويريةُ: حدَّثني ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: جاء تأويلُ هذه الآية على رأس ستين سنة ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾ [الأحزاب: ١٤] قال: لأعطوها. يعني إدخال بني حارثة أهلَ الشام على أهل المدينة (٤). وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، وتفسير الصحابي في حكم المرفوع عند كثير من العلماء. وقال نُعَيْمُ بن حمَّاد في كتاب "الفتن والملاحم": حدَّثنا أبو عبد الصمد العَمِّيُّ، حدَّثنا أبو عمران الجَوني، عن عبد الله بن الصَّامت، عن أبي ذر، قال: قال لي رسولُ الله ﷺ : "يا أبا ذر! أرأيتَ إن

стр. 3057

النَّاسُ قُتلوا حتى تغرقَ حجارةُ الزَّيتِ من الدِّماء، كيف أنتَ صانعٌ؟ "قال: قلتُ: الله ورسولهُ أعلمُ، قال: "تدخلُ بيتَك" قال: قلت: فإن أتى عليَّ؟ قال: "يأتي من أنت منه" قال: قلت: "وأحمل السلاح؟ " قال: "إذًا تُشرك معهم" قال: قلت: فكيفَ أصنعُ يا رسول الله؟ قال: "إن خفتَ أن يبهرَكَ شعاعُ السيف فألقِ طائفةً من رِدائِك على وجهكِ يبوءُ بإثمِك وإثمِه" (١). ورواه الإمام أحمد في "مسنده" عن مرحوم - هو ابن عبد العزيز (٢) - عن أبي عمران الجَوني .. فذكرَه مطوَّلًا. قلت: وكان سببُ وقعةِ الحرَّة أن وفدًا من أهل المدينة قَدِمُوا على يزيدَ بن معاوية بدمشق، فأكرمَهم وأحسنَ جائزتهم، وأطلقَ لأميرهم - وهو عبدُ الله بن حنظلةَ بن أبي عامر - قريبًا من مئة ألف، فلما رَجعُوا ذَكروا لأهليهم عن يزيدَ ما كان يقعُ منه من القبائح في شُرْبهِ الخمرَ، وما يتبعُ ذلك من الفواحش التي من أكبرها تركُ الصَّلاة عن وقتِها، بسبب السُّكْر، فاجتمعُوا على خَلْعِه، فخلعُوه عند المنبرِ النَّبويِّ، فلما بلغَه ذلك بعثَ إليهم سرية، يَقْدَمُها رجلٌ يُقال له مسلم بن عُقبةَ، وإنَّما يُسمِّيه السَّلفُ: مُسْرِف بن عُقبةَ، فلما وردَ المدينةَ استباحَها ثلاثة أيام، فَقتلَ في غُضون هذه الأيام بشرًا كثيرًا، حتَّى كادَ لا يُفلتُ أحدٌ من أهلها، وزعمَ بعضُ علماء السَّلف أنه قتلَ في غُضون ذلك ألفَ بكرٍ، والله أعلم. وقال عبدُ الله بن وَهْبٍ، عن الإمام مالك: قُتِلَ يومَ الحَرَّة سبعمئة رجلٍ من حَمَلةِ القُرآن، حسبت أنه قال: وكان فيهم ثلاثة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وذلك في خلافة يزيد (٣). وقال يعقوبُ بن سُفيان: سمعتُ سعيدَ بن كَثير بن عُفير الأنصاري، يقول: قُتلَ يومَ الحَرَّة عبد الله بن زيد المازني، ومَعْقل بن سنان الأشجعي، ومعاذ بن الحارث القاري، وقُتل عبدُ الله بن حنظلةَ بن أبي عامر (٤). قال يعقوبُ: وحدَّثنا يحيى بن عبد الله بن بكير عن اللَّيث، قال: كانتْ وقعةُ الحَرَّة يومَ الأربعاء لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاب وستين (٥). ثم انبعثَ مُسرفُ بن عُقبَةَ إلى مكة قاصدًا عبد الله بن الزبير ليقتلَه بها، لأنه فرَّ من بيعةِ يزيدَ، فماتَ يزيدُ بن معاوية في غضون ذلك، واستفحلَ أمرُ عبد الله بن الزبير في الخِلافة بالحجاز، ثم أخذَ العراقَ

стр. 3058

ومِصْرَ، وبُويع بعد يزيدَ لابنه معاويةَ بن يزيد، وكانَ رجلًا صالحًا، فلم تطلْ مُدَّتُه، مكثَ أربعين يومًا، وقيل: عشرين يومًا، ثم مات ﵀، فوثبَ مروانُ بن الحَكَم على الشام فأخذَها، فبقي تسعة أشهر ثم مات، وقام بعدَه ابنه عبدُ الملك، فنازعَه فيها عمرو بن سعيد الأشدق، وكان نائبًا على المدينة من زمن معاوية وأيَّام يزيدَ ومروان، فلما هلكَ مروانُ زعمَ أنَّه أوصى له بالأمر من بعد ابنه عبد الملك، فضاقَ به ذرعًا (١)، ولم يزل به حتى أخذه بعدما استفحلَ (٢) أمره بدمشقَ فقتلهُ في سنة تسع وستين، ويقالُ: في سنة سبعين. واستمرَّت أيام عبد الملك حتى ظفر بابن الزبير سنة ثلاث وسبعين، قتلَه الحَجَّاج بن يُوسف الثَّقَفِيّ عن أمره بمكَّة، بعد مُحاصرةٍ طويلة، اقتضتْ أنْ نصبَ المنجنيقَ على الكعبة، من أجل أنَّ ابنَ الزبير لجأ إلى الحَرَمِ، فلم يزلْ له حتى قتلَه، ثم عَهِدَ في الأمر إلى بنيه الأربعة بعدَه: الوليدُ، ثم سليمانُ، ثم يزيدُ، ثم هشامُ بن عبد الملك. وقد قال الإمام أحمد: حدَّثنا أسودُ ويحيى بن أبي بكر، حدَّثنا كامل أبو العلاء، سمعتُ أبا صالح - وهو مولى ضباعة المؤذن، واسمه مينا - قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "تعوَّذوا بالله من رأس السبعين، وإمارة الصِّبيان". وقال: "لا تذهب الدنيا حتى تصيرَ لِلُكَع (٣) بن لُكَع" (٤). وقال الأسود: يعني اللئيم ابن اللئيم. وقد روى الترمذيُّ: من حديث أبي كامل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ : "عُمْرُ أُمَّتي من ستينَ إلى سبعينَ سنة" (٥) ثم قال: حسن غريب (٦). وقد روى الإمام أحمد، عن عفَّان وعبد الصمد، عن حمَّاد بن سلمة، عن علي بن زيد حدَّثني من سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لَيَنْعَقَنَّ - وقال عبدُ الصمد في روايته: ليَرْعَفَنَّ - جَبَّار من جبابرةِ بني أُميَّةَ على منبري هذا" زادَ عبدُ الصمد "حتَّى يسيلَ رُعَافُه" قال: فحدَّثني من رأى عمروَ بنَ سعيد بن العاص: يَرْعَفُ على مِنْبر النبيِّ ﷺ حتى سال رُعَافُه. قلت: علي بن زيد بن جُدْعان في روايته غَرابة ونكارة، وفيه تَشيُّعٌ.

стр. 3059

وعمرو بن سعيد هذا، يُقال له: الأشدق، كان من سادات المسلمين وأشرافهم في الدُّنيا لا في الدِّين (١)، رأى النبيّ (٢) ﷺ ، وروى عن جماعة من الصحابة، منهم في صحيح مسلم عن عثمان في فضل الطهور، وكان نائبًا على المدينة لمعاوية ولابنه يزيد من بعده، ثم استفحل أمره حتى كادَ يُصاولُ عبدَ الملك بن مروان، ثم خدعَه عبدُ الملك حتى ظفرَ به فقتلَه في سنة تسع وستين، أو سنة سبعين، فالله أعلم. وقد رُوي عنه من المكارم أشياء كثيرة من أحسنِها أنَّه لمَّا حضرتْ أباه الوفاة قال لبنيه، وكانوا ثلاثة، عمرو هذا، وأُمَيَّة، وموسى، فقال لهم: من يتحمَّل ما عليَّ؟ فبدرَ ابنه عمرو هذا وقال: أنا يا أبة، وما عليكَ؟ قال: ثلاثون ألفَ دينار، قال: نعم، قال: وأخواتك لا تُزوجْهنَّ إلا بالأكفاء ولو أكلنَ خبزَ الشعير، قال: نعم، قال: وأصحابي مِن بعدي، إن فقدوا وجهي فلا يفقدوا مَعروفي، قال: نعم، قال: أما لئن قلتَ ذلك، فلقد كنتُ أعرفه من حَماليقِ وجهكَ وأنتَ في مَهْدكَ (٣). وقد ذكرَ البيهقيُّ: من طريق عبد الله بن صالح - كاتب الليث - عن حرملةَ بن عمران، عن أبيه، عن يزيدَ بن أبي حبيب؛ أنَّه سمعَه يُحدِّث عن محمد بن يزيد بن أبي زياد الثقفيِّ، قال: اصطحبَ قيسُ بن خَرَشَة وكعبٌ حتى إذا بلغا صِفِّينَ، وقفَ كعبُ الأحبار، فذكرَ كلامَه فيما يقعُ هناك من سفك دماءِ المسلمين، وأنَّه يجدُ ذلك في التوراة، وذكرَ عن قيس بن خرشةَ أنه بايع رسول الله ﷺ على أن يقولَ الحق، وقال: يا قيس بن خرشةَ! عسى أن يمُدَّ لكَ الدَّهرُ حتى يليكَ بعدي من لا تستطيعُ أن تقولَ بالحقِّ معهم. فقال: والله لا أبايعُكَ على شيءِ إلا وَفَّيْتُ لك به، فقال رسول الله ﷺ : "إذًا لا يضرُّك بشر" فبلغَ قيسٌ إلى أيام عُبيد الله بن زياد بن أبي سفيان، فنقمَ عليه عبيد الله في شيء فأحضرَه فقال: أنتَ الذي زعمَ أنه لا يضرّك بشرٍّ؟ قال: نعم، قال: لتعلمنَّ اليوم أنك قد كذبتَ، ائتوني بصاحب العذاب، قال: فمالَ قيس عند ذلك فماتَ (٤). معجزة أخرى روى البيهقي: من طريق الدراوردي، عن ثور بن زيد، عن مُوسى بن مَيْسرةَ؛ أنَّ بعضَ بني

стр. 3060

عبد الله (١) سايره في بعض طريق مكة، قال: حدَّثني العبَّاسُ بنُ عبد المُطلب أنَّه بعثَ ابنه عبدَ الله إلى رسول الله ﷺ في حاجةٍ، فوجدَ عندَه رجلًا فرجعَ ولم يُكلِّمه من أجل مكان الرجل معه، فلقيَ العبَّاسُ رسولَ الله ﷺ فأخبرهَ بذلك، فقال: "ورآه؟ " قال: نعم، قال: "أتدري مَنْ ذلكَ الرجلُ؟ ذاكَ جبريلُ، ولن يموتَ حتى يذهبَ بصرُه ويُؤتى علمًا" (٢). وقد ماتَ ابنُ عبَّاس سنة ثمان وستين (٣) بعدما عَمِيَ ﵁. وروى البيهقي (٤): من حديث المعتمر بن سُليمان، حدَّثتنا نباتةُ بنت بريد، عن حمادة، عن أنيسةَ بنت زيد بن أرقم، عن أبيها؛ أنَّ رسول الله ﷺ دخلَ على زيد يعودُه من مرضٍ كان به، قال: "ليس عليكَ مِنْ مَرَضكَ هذا بأسٌ، ولكنْ كيفَ بك إذا عُمِّرتَ بعدي فَعَمِيْتَ؟ "قال: إذن أحتسب وأصبر، قال: "إذن تدخلَ الجنَّةَ بغير حساب" قال: فَعَميَ بعدما مات رسول الله ﷺ ، ثم ردَّ الله عليه بصرَه، ثم مات. وذلك في سنة [ثمان وستين] (٥). فصل وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة، وعند مسلم عن جابر بن سَمُرَة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إنَّ بينَ يدي السَّاعة ثلاثينَ كذَّابًا دجَّالًا، كلُّهم يزعمُ أنه نبيٌّ" (٦). وقال البيهقي (٧) عن الماليني، عن أبي أحمد بن عديّ، عن أبي يَعلى المَوصليِّ، حدَّثنا عثمانُ بن أبي شيبة، حدَّثنا محمد بن الحسن الأسديّ، حدَّثنا شَريك، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن الزبير، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقومُ الساعةُ حتى يخرجَ ثلاثون كذَّابًا، منهم مسيلمةُ، والعنسيُّ، والمختارُ. وشرُّ قبائل العربِ بنو أمية وبنو حنيفة وثقيف". قال ابنُ عديّ (٨): محمد بن الحسن له أفرادات، وقد حدَّث عنه الثقات، ولم أر بحديثه بأسًا، وقال البيهقي: لحديثه في المختار شواهدُ صحيحة.

стр. 3061

ثم أوردَ من طريق أبي داود الطيالسي، حدَّثنا الأسود بن شيبان، عن أبي نوفل بن أبي عقرب، عن أسماء بنت أبي بكر؛ أنها قالت للحجاج بن يُوسف: أما إن رسول الله ﷺ حدَّثنا أن في ثقيف كذابًا ومبيرًا، فأمَّا الكذَّابُ فقد رأيناه، وأما المبيرُ فلا إخالُكَ إلا إيَّاه (١). قال: ورواه مسلم (٢) من حديث الأسود بن شيبان، وله طرق عن أسماء وألفاظ سيأتي إيرادها في موضعه. وقال البيهقي (٣): أخبرنا الحاكمُ وأبو سعيد، عن الأصمِّ، عن عبَّاس الدراوردي، عن عبد الله بن الزبير الحُميدي (٤)، حدَّثنا سفيان بن عُيينة، عن أبي المحيَّاة (٥)، عن أمه، قالت: لما قتلَ الحجَّاجُ عبدَ الله بن الزبير دخلَ الحجَّاجُ على أسماءَ بنت أبي بكر، فقال: يا أُمَّة، إن أميرَ المؤمنين أَوْصاني بكِ، فهل لكِ مِنْ حاجة؟ فقالت: لستُ لكَ أُمًّا، ولكنِّي أُمّ المصلوبِ على رأسِ الثنيَّة، وما لي مِن حاجة، ولكن انتظرْ حتى أُحدِّثَكَ ما سمعتُ من رسول الله ﷺ ، يقول: "يخرجُ من ثقيفَ كذابٌ ومُبيرٌ فأمَّا الكذَّابُ فقد رَأَيْنَاهُ، وأمَّا المُبيرُ فأنتَ، فقال الحجَّاجُ: مُبير المنافقين. وقال أبو داود الطيالسي: حدَّثنا شريك، عن أبي عَلْوان - عبد الله بن عِصْمة - عن ابن عمر قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إنَّ في ثقيف كذابًا ومُبيرًا" (٦) ". وقد تواترَ خبر المختار بن أبي عُبيد الكذاب الذي كانَ نائبًا على العراق، وكان يزعمُ أنَّه نبيّ، وأنَّ جبريلَ كان يأتيه بالوحي، وقد قيل لابن عمر - وكان زوجَ أختِ المختار صفيَّة -: إن المختارَ يزعمُ أنَّ الوحيَ يأتيه. قال: صدقَ، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]. وقال أبو داود الطيالسي: حدَّثنا قرَّةُ بن خالد، عن عبد الملك بن عُمير، عن رِفاعة بن شدَّاد، قال: كنتُ أبطنَ شيءٍ بالمختار الكذاب، قال: فدخلتُ عليه ذاتَ يومٍ، فقال: دخلتَ وقد قامَ جبريلُ قبلُ من هذا الكرسيّ! قال: فأهويتُ إلى قائم السيف لأضربَه حتى ذكرتُ حديثًا حدَّثنيه عمرُو بن الحَمِقِ الخُزاعيّ، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إذا أمَّنَ الرجلُ الرَّجلَ على دمِه ثم قتلَه رُفعَ له لواءُ الغدر يومَ القيامة (٧) " فكففتُ عنه.

стр. 3062

وقد رواه أسباطُ بن نصر وزائدةُ والثوريُّ، عن إسماعيل السُّديِّ، عن رِفاعة بن شدَّاد القِتْباني، فذكرَ نحوه (١). وقال يعقوبُ بن سفيان: حدَّثنا أبو بكر الحُميدي، حدَّثنا سُفيان بن عُيينة، عن مجالد، عن الشعبي قال: فاخرتُ أهلَ البصرة فغلبتُهم بأهل الكوفة، والأحنفُ ساكتٌ لا يتكلَّم، فلما رآني غلبتُهم أرسلَ غلامًا له فجاءَ بكتاب فقال: هاكَ اقرأْ. فقرأتُه فإذا فيه: من المختار إليه، يذكرُ أنَّه نبي، يقولُ الأحنف: أنَّى فينا مثلُ هذا (٢).؟! وأما الحجَّاج بن يُوسف، فقد تقدَّم الحديث أنه الغلام المبير الثقَفِي، وسنذكرُ ترجمته إذا انتهينا إلى أيامه، فإنَّه كان نائبًا على العراق لعبد الملك بن مَرْوان، ثم لابنه الوليد بن عبد الملك، وكان من جبابرة الملوك، على ما كان فيه من الكَرم والفصاحة على ما سنذكره. وقد قال البيهقي: حدَّثنا الحاكم، عن أبي نصر الفقيه، عن عثمان بن سعيد الدَّارميِّ، أنَّ معاويةَ بن صالح حدَّثه، عن شُريح بن عُبيد، عن أبي عَذَبَةَ قال: جاءَ رجلٌ إلى عمرَ بن الخطاب، فأخبرَه أنَّ أهلَ العراق قد حَصَبُوا أميرَهم، فخرجَ غضبانَ، فصلَّى لنا الصَّلاةَ، فسَها فيها حتَّى جعلَ النَّاسُ يقولون: سبحان الله! سبحان الله! فلمَّا سلَّمَ أقبلَ على النَّاس، فقال: من هاهنا من أهل الشام؟ فقام رجل ثم قام آخر، ثم قمت أنا ثالثًا أو رابعًا، فقال: يا أهل الشام! استعدُّوا لأهل العراق، فإن الشيطان قد باضَ فيهم وفرَّخَ، اللهم إنهم قد لبَّسُوا عليَّ، فألبس عليهم وعَجِّلْ عليهم بالغُلام الثَّقَفِيِّ، يحكمُ فيهم بحكم أهل الجاهلية، لا يقبلُ مِن مُحسنهم، ولا يتجاوز عن مسيئهم (٣). قال عبد الله: وحدَّثني ابن لهيعة بمثله، قال: وما وُلدَ الحجَّاجُ يومئذ (٤). ورواه الدارمي أيضًا: عن أبي اليَمان، عن حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن ميسرة، عن أبي عَذَبَة الحِمْصي، عن عمر، فذكرَ مثله (٥). قال اليَمَان: علمَ عمرُ أنَّ الحجَّاج خارجٌ لا محالة، فلما أغضبوه استعجلَ لهم العقوبة (٦).

стр. 3063

قلت: فإن كان هذا نقلَه عمرُ عن رسول الله ﷺ لقد تقدَّم له شاهد عن غيره، وإن كان عن تحديثٍ، فكرامةُ الوَلِيِّ معجزةٌ لنبيِّه. وقال عبدُ الرزاق: أخبرنا جعفر - يعني ابن سليمان - عن مالك بن دينار، عن الحسن، قال: قال عليٌّ لأهل الكوفة: اللَّهُمَّ كما ائتمنتُهم فخانُوني، ونصحتُ لهم فغشُّوني، فسلط عليهم فتى ثقيف الذيَّال الميَّال، يأكلُ خُضْرتَها، ويلبسُ فروتَها، ويحكمُ فيهم بحكم الجاهلية. قال: فتوفي الحسنُ وما خلقَ الله الحجاج يومئذ (١). وهذا منقطع. وقد رواه البيهقيُّ أيضًا من حديث معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أيوب، عن مالك بن أوس بن الحَدَثَان، عن عليِّ بن أبي طالب، أنه قال: الشَّابُّ الذيَّال أميرُ المِصْريين، يَلبَسُ فروتَها، ويأكلُ خضرتَها، ويقتلُ أشرافَ أهلها، يَشتدُّ منه العرق، ويكثُر من الأرَق، ويُسلِّطه الله على شيعته (٢). وله من حديث يزيد بن هارون: أخبرنا العوَّامُ بن حَوْشب، حدَّثني حبيبُ بن أبي ثابت، قال: قال عليّ: لا مُتَّ حتى تدركَ فتى ثقيف. فقيل له: يا أميرَ المؤمنين! وما فتى ثقيف؟ فقال: لَيُقَالَنَّ له يوم القيامة: اكفنا زاويةً من زوايا جهنَّم، رجلٌ يملك عشرين سنة أو بضعًا وعشرين سنة، لا يدعُ لله معصيةً إلا ارتكبَها، حتى لو لم يبقَ إلا معصيةٌ واحدة وكان بينَه وبينَها بابٌ مُغلقٌ لَكَسَرهُ حتَّى يرتكبَها، يقتلُ بمن أطاعَه مَنْ عصاه (٣). وهذا معضل، وفي صحته عن عليٍّ نظر، والله أعلم. وقال البيهقي: عن الحاكم، عن الحُسين بن الحَسن بن أيوب، عن أبي حاتم الرازي، عن عبد الله بن يوسف التَّنِّيسي، حدَّثنا هشام بن يحيى الغسَّاني، قال: قال عمرُ بن عبد العزيز: لو جاءتْ كلُّ أُمَّةٍ بخبيثها، وجئناهم بالحجَّاج لغَلبنَاهم (٤). وقال أبو بكر بن عياش: عن عاصم بن أبي النَّجود: ما بقيتْ لله حُرْمَةٌ إلا وقد ارتكبَها الحجَّاج (٥). وقال عبدُ الرزَّاق: عن معمر، عن ابن طاووس؛ أن أباه لما تحقَّق موتَ الحجَّاج تلا قوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٦) [الأنعام: ٤٥]. قلت: وقد تُوفي الحجَّاجُ سنة خمس وتسعين.

стр. 3064

ذكر الإشارة النبويَّة إلى دولة عمرَ بن عبد العزيز تاجِ بني أميَّة قد تقدَّم حديث أبي إدريس الخَوْلاني، عن حذيفة، قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ هل بعد هذا الخير من شر؟ قال: "نعم" قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: "نعم وفيه دَخَنٌ" قلتُ: وما دخنُه؟ قال: "قومٌ يَستنُّون بغير سُنَّتي، ويهدونَ بغير هَديي، يُعرف منهم ويُنكر" (١) … الحديث. فحملَ البيهقيُّ وغيرُه هذا الخبر الثاني على أيَّام عمرَ بن عبد العزيز. وروى: عن الحاكم، عن الأصمِّ، عن العبَّاس بن الوليد بن مزيد، عن أبيه، قال: سُئل الأوزاعيُّ عن تفسير حديث حُذيفة حين سألَ رسولَ الله ﷺ عن الشرِّ الذي يكون بعد ذلك الخير، فقال الأوزاعيُّ: هي الرِّدَّةُ التي كانت بعد وفاة رسول الله ﷺ ، وفي مسألة حُذيفة: فهل بعد ذلك الشرِّ من خير؟ قال: نعم، وفيه دَخَنٌ، قال الأوزاعي: فالخيرُ الجماعة، وفي ولاتهم من يعرفُ سيرتَه، وفيهم من يُنكرُ سيرتَه، قال: فلم يأذن رسولُ الله ﷺ في قِتالهم ما صَلُّوا الصَّلاة (٢). وروى أبو داود الطيالسي: عن داود الواسطي - وكان ثقةً - عن حبيب بن سالم، عن نُعمان بن بشير بن سعد، عن حُذيفةَ، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنكم في النبوة ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكونُ خلافةٌ على منهاج النبوة تكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء، ثم تكون جبرية ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة"، قال: فقدمَ عمرُ بن عبد العزيز ومعه يزيدُ بن النُّعمان، فكتبتُ إليه أُذَكِّرُه الحديثَ، وكتبتُه إليه، أقول: إني أرجو أن تكونَ أميرَ المؤمنين بعد الجبرية، قال: فأخذ يزيدُ الكتابَ فأدخلَه على عمر، فسُرَّ به وأعجبَه (٣). وقال نعيمُ بن حمَّاد: حدَّثنا رَوْحُ بن عُبادة، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، قال: قال عمرُ بن عبد العزيز: رأيتُ رسولَ الله ﷺ وعندَه عمرُ وعثمان وعليّ، فقال لي: "ادنُ" فدنوتُ حتى قمتُ بين يديْه، فرفعَ بصرَه إليَّ، وقال: "أَما إنَّكَ سَتَلِي أمرَ هذه الأمَّة وستعدلُ عليهم" (٤). وسيأتي في الحديث الآخر إن شاءَ الله: "إنَّ الله يبعثُ لهذه الأُمَّة على رأسِ كلِّ مئةِ سنةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لها

стр. 3065

أمرَ دينِها" (١) وقد قالَ كثيرٌ من الأئمة: إنه عمرُ بن عبد العزيز، فإنه توفي سنة إحدى ومئة. وقال البيهقيُّ: أخبرنا الحاكم، أخبرنا أبو حامد أحمد بن علي المقري، حدَّثنا أبو عيسى الترمذي، حدَّثنا أحمد بن إبراهيم، حدَّثنا عفَّان بن مسلم، حدَّثنا عثمان بن عبد الحميد بن لاحق، عن جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، قال: بلغنا أن عمر بن الخطاب قال: إن من ولدي رجلًا بوجهه شين يلي فيملأ الأرض عدلًا، قال نافع من قبله: ولا أحسبه إلا عمر بن عبد العزيز (٢). وقد رواه نُعيم بن حمَّاد: عن عثمان بن عبد الحميد به، ولهذا طرقٌ عن ابن عمر أنه كان يقول: ليتَ شِعري، مَنْ هذا الذي من ولدِ عمرَ بن الخطاب في وجهه علامة يملأ الأرض عدلًا (٣). وقد روي ذلك عن عبد الرحمن بن حرملةَ، عن سعيد بن المسيب نحوًا من هذا. وقد كان هذا الأمرُ مشهورًا قبل ولايته وميلاده بالكلية؛ أنه يلي رجل من بني أمية يقال له: أشجّ بني مروان، وكانت أمُّه أروى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وكان أبوه عبد العزيز بن مروان نائبًا لأخيه عبد الملك على مصر، وكان يُكرمُ عبد الله بن عمر، ويبعثُ إليه بالتحف والهدايا والجوائز فيقبلُها، وبعث إليه مرة بألف دينار فأخذَها، وقد دخلَ عمر بن عبد العزيز يومًا إلى إصطبل أبيه وهو صغير، فرمَحه فرسٌ فشجَّه في جبينه، فجعل أبوه يسلتُ عنه الدَّمَ، ويقول: أما لئن كنتَ أشجَّ بني مروان، إنَّكَ إذًا لسعيد، وكان النَّاسُ يقولون: الأشجُّ والنَّاقِصُ أعدلَ بني مروان. فالأشجُّ هو عمر بن عبد العزيز، والنَّاقصُ هو يزيد بن الوليد بن عبد الملك، الذي يقول فيه الشاعر: رَأَيت اليَزِيدَ بنَ الوليدِ مُباركًا … شَدِيدًا بأعباءَ الخلافَةِ كاهِلُه قلت: وقد وُلِّي عمرُ بن عبد العزيز بن سُليمانَ بن عبد الملك سنتين ونصفًا، فملأ الأرض عدلًا، وفاضَ المالُ حتى كان الرجلُ يَهمُّه لمن يُعطي صدقتَه، وقد حمل البيهقيُّ الحديثَ المتقدِّم عن عديِّ بن حاتم، على أيام عمر بن عبد العزيز، وعندي في ذلك نظر، والله أعلم. وقد روى البيهقي من حديث إسماعيل بن أبي أُويس: حدَّثني أبو مَعْن الأنصاري: حدَّثنا أُسيد قال: بينما عمرُ بن عبد العزيز يَمشي إلى مكَّةَ بفلاةٍ من الأرض إذ رأى حية ميتة فقال: عليَّ بِمحفار، فقالوا: تكفيكَ أصلحكَ الله، قال: لا، ثم أخذَه، ثم لفَّه في خِرْقة ودفنَه، فإذا هاتفٌ يهتف: رحمة الله عليك يا سُرَّق، فقال له عمرُ بن عبد العزيز: مَنْ أنتَ يرحمُك الله؟ قال: أنا رجلٌ من الجِن وهذا سُرَّق، ولم

стр. 3066

يبق ممن بايع رسول الله ﷺ غيري وغيره، وأشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "تموتُ يا سُرَّقُ بفلاةٍ من الأرض ويدفِنُكَ خيرُ أُمَّتي" (١). وقد روي هذا من وجه آخر، وفيه: أنهم كانوا تسعةً بايعوا رسولَ الله ﷺ ، وفيه: أن عمرَ بن عبد العزيز حلَّفه، فلما حلفَ بكى عمرُ بن عبد العزيز (٢). وقد رجَّحه البيهقي وحسنه، فالله أعلم. حديث آخر في صحته نظر، في ذكر وَهْبِ بن مُنَبِّه بالمَدْح، وذِكر غَيْلَان بالذَّمِّ روى البيهقي: من حديث هشام بن عمّار وغيره، عن الوليد بن مسلم، عن مروان بن سالم القرقساني، عن الأحوص بن حكيم، عن خالد بن مَعْدان، عن عُبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : "يكونُ في أُمتي رجل يُقال له: وَهْب، يَهَب الله له الحكمةَ، ورجل يُقال له: غَيْلان، هو أضرُّ على أُمَّتي من إبليس" (٣). وهذا لا يصحُّ؛ لأن مروانَ بن سالم هذا متروك، وبه: إلى الوليد، حدَّثنا ابنُ لهيعةَ، عن موسى بن وردان، عن أبي هُريرة، قال: قال النبيُّ: "ينعقُ الشيطانُ بالشَّام نعقةً يُكَذِّبُ ثلثاهم بالقَدَر". قال البيهقي: وفي هذا - إن صحَّ - وأمثاله؛ إشارة إلى غَيْلان وما ظهرَ بالشام بسببه من التَّكَذيب بالقَدَر حتى قُتِلَ (٤). الإشارة إلى محمد بن كعب القُرَظيّ وعلمه بتفسير القرآن وحفظه قال حرملةُ عن ابن وَهْب: أخبرني أبو صَخْر، عن عبد الله بن مغيث بن أبي بردة الظفري، عن أبيه، عن جده، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "يخرج في أحد الكاهنين رجل قد درسَ القرآنَ دراسة لا يدرسُها أحدٌ يكون من بعده" (٥). وروى البيهقي: عن الحاكم، عن الأصم، عن إسماعيل القاضي، حدَّثنا أبو ثابت، حدَّثنا ابن وَهْب، حدَّثني عبد الجبار بن عمر، عن ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يكونُ في أحد الكاهنين رجل يدرس القرآن دراسةً لا يدرسُها أحدٌ غيره" (٦). قال: فكانوا يرون أنَّه محمدُ بن

стр. 3067

كعب القُرَظيّ، قال أبو ثابت: الكاهنان: قريظة والنضير. وقد رُوي من وجه آخر مرسل: "يخرجُ من الكاهنين رجل أعلمُ الناسِ بكتابِ الله" (١). وقد قالَ عَوْنُ بن عبد الله: ما رأيتُ أحدًا أعلم بتأويل القرآن من محمد بن كعب (٢). ذكر الإخبار بانخرام قرنه ﵊ بعد مئة سنة من ليلة إخباره فكانَ كما أخبرَ ثبتَ في الصحيحين: من حديث الزهري، عن سالم وأبي بكر بن سُليمانَ بن أبي خيثمةَ، عن عبد الله بن عمر، قال: صلَّى بنا رسولُ الله ﷺ صلاةَ العِشاء في ليلةٍ في آخر عُمُره، فلما سلَّمَ قامَ فقال: "أرأيتُمِ ليلَتكم هذه؟ فإنَّ على رأسِ مئةِ سنة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد" (٣) قال عمر: فوَهَلَ النَّاسُ في مَقالةِ رسولِ الله ﷺ ، إلى ما يتحدَّثون من هذه الأحاديث عن مئة سنة، وإنما يُريد بذلك أنَّها تخرمُ ذلكَ القرنَ. وفي رواية: إنَّما أراد رسول الله ﷺ انخرام قرنه. وفي صحيح مسلم: من حديث ابن جريج: أخبرني أبو الزبير، أنه سمعَ جابرَ بنَ عبد الله، يقول: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول قبل موته بشهر: "تسألوني عن السَّاعة، وإنَّما علمُها عند الله، فأقسم بالله ما على ظهر الأرض من نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ اليومَ، يأتي عليها مئةُ سنةٍ (٤). وهذا الحديث وأمثالهُ مما يَحتجُّ به من ذهبَ من الأئمة إلى أن الخَضِرَ ليس بموجود الآن، كما قدَّمنا ذلك في ترجمته في قصص الأنبياء ﵈، وهو نصٌّ على أن جميعَ الأحياء في الأرض يموتون إلى تمام مئة سنة من إخباره ﵊، وكذا وقعَ سواء، فما نعلمُ تأخَّرَ أحدٌ من أصحابه إلى ما يُجاوز هذه المدة، وكذلك جميع الناس. ثم قد طردَ بعضُ العلماء هذا الحكمَ في كل مئة سنةٍ، وليسَ في الحديث تعرُّض لهذا، والله أعلم. حديث آخر قال محمَّدُ بن عمرَ الواقديّ: حدَّثني شُرَيْح بن يزيد، عن إبراهيم بن محمد بن زياد الألْهاني، عن

стр. 3068

أبيه، عن عبد الله بن بُسْر، قال: وضعَ رسولُ الله ﷺ يدَه على رأسي وقال: "هذا الغلامُ يعيشُ قَرْنًا (١) قال: فعاشَ مئة سنة. وقد رواه البخاريُّ في "التاريخ": عن أبي حيوة شريح بن يزيد به .. فذكرَ (٢). قال: وزاد غيرُه: وكان في وجهه ثُؤْلولٌ، فقال: "ولا يموتُ حتى يذهبَ الثُّؤْلول من وجهه" فلم يمتْ حتى ذهبَ الثُّؤْلول من وجهه (٣). وهذا إسناد على شرط السنن. ولم يُخَرِّجوه. ورواه البيهقيُّ: عن الحاكم، عن محمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى، عن الفَضْل بن مُحْرز الشعراني، حدَّثنا حيوة بن شريح، عن إبراهيم بن محمد بن زياد الألهاني، عن أبيه، عن عبد الله بن بُسْر، أن رسولَ الله ﷺ قال له: "يعيشُ هذا الغلامُ قرنًا" (٤) فعاش مئة سنة. قال الواقدي وغيرُ واحد: توفي عبد الله بن بُسْر بحمصَ سنة ثمان وثمانين عن أربع وتسعين (٥)، وهو آخرُ من بقي من الصحابة بالشام. الإخبارُ عن الوليد بما فيه له من الوعيد الشديد وإن صحَّ فهو الوليد بن يزيد لا الوليد بن عبد الملك قال يعقوب بن سفيان: حدَّثني محمد بن خالد بن العبَّاس السَّكْسَكِي، حدَّثني الوليد بن مسلم، حدثني أبو عمرو الأوزاعي، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، قال: ولد لأخي أم سلمة (٦) غلام، فسمَّوه الوليدَ، فقال رسول الله ﷺ : "قد جعلتُم تُسمُّون بأسماء فراعنتِكُم، إنَّه سيكونُ في

стр. 3069

هذه الأمة رجلٌ يُقالُ له الوليدُ، هو أضرُّ على أمَّتِي مِن فرعونَ على قومه" (١). قال أبو عمرو الأوزاعي: فكان النَّاسُ يَرَوْنَ أنَّه الوليد بن عبد الملك، ثم رأينا أنه الوليد بن يزيد لفتنة الناس به، حين خَرجُوا عليه فقتلُوه، وانفتحت على الأمة الفتنة والهَرْج (٢). وقد رواه البيهقيُّ: عن الحاكم، وغيره، عن الأصم، عن سعيد بن عُثمان التَنُوخِي، عن بِشْر بن بَكْر، عن الأوزاعيّ، عن الزُّهريّ، عن سعيد … فذكرَه. ولم يذكر قولَ الأوزاعيّ، ثم قال: وهذا مرسلٌ حسن (٣). وقد رواه نُعيم بن حمَّاد: عن الوليد بن مسلم به، وعندَه قال الزهري: إنِ استُخْلِفَ الوليدُ بن يزيد، فهو هو، وإلا فهو الوليدُ بن عبد الملك (٤). وقال نُعيمُ بن حمَّاد: حدَّثنا هُشيم عن أبي حمزةَ، عن الحسن، قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "سيكونُ رجلٌ اسمُه الوليدُ، يُسَدُّ به ركنٌ من أركان جهنَّمَ وزاويةٌ من زواياها" (٥). وهذا مرسل أيضًا. حديث آخر قال سليمانُ بن بلال: عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا بلغَ بنو أبي العاص أربعينَ رجلًا، اتَّخذُوا دينَ الله دَغَلًا، وعبادَ الله خَوَلًا، ومالَ الله دُوَلًا" (٦). رواه البيهقي من حديثه. وقال نُعَيْمُ بن حمَّاد: حدَّثنا بقيَّةُ بن الوليد وعبد القدُّوس، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن راشدِ بن سعد، عن أبي ذر، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إذا بلغتْ بنو أمية أربعينَ، اتخذُوا عبادَ الله خَوَلًا، ومالَ الله نِحَلًا، وكتابَ الله دَغَلًا" (٧) وهذا منقطع بين راشد بن سعد وبينَ أبي ذر. وقال إسحاق بن راهويه: أخبرنا جريرٌ، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال

стр. 3070

رسول الله ﷺ : "إذا بلغَ بنو أبي العاص ثلاثينَ رجلًا اتَّخذوا دينَ الله دغلًا، ومالَ الله دُولًا، وعبادَ الله خَوَلًا" (١) ". ورواه أحمد: عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير به (٢). وقال البيهقي: أخبرنا عليُّ بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمدُ بن عبيد الصَّفَّار، حدَّثنا بسَّام - وهو محمد بن غالب -، حدَّثنا كاملُ بن طلحة، حدَّثنا ابن لَهيعة، عن أبي قبيل؛ أن ابنَ وَهْب أخبرَه، أنه كان عند معاويةَ بن أبي سفيان فدخلَ عليه مروانُ فكلَّمه في حاجته، فقال: اقضِ حاجَتِي يا أميرَ المؤمنين، فوالله إنَّ مُؤْنَتِي لعظيمةٌ، وإنِّي لأبو عشرة، وعم عشرة، وأخو عشرة. فلما أدبرَ مروانُ - وابنُ عباس جالسٌ مع معاويةَ على السرير - قال معاوية: أنشدُك بالله يا بنَ عبَّاس، أما تعلم أن رسولَ الله ﷺ قال: "إذا بلغَ بنو الحكم ثلاثينَ رجلًا اتَّخذوا مالَ الله بينهم دُولًا، وعبادَ الله خَوَلًا، وكتابَ الله دَغَلًا؟ "فإذا بلغوا سبعة وتسعين وأربعمئة، كان هلاكهم أسرع من لوك ثمرة؟ فقال ابنُ عباس: اللَّهُمَّ نعم. قال: وذكرَ مروانُ حاجةً له، فردَّ مروان عبدَ الملك إلى معاوية فكلَّمَه فيها، فلما أدبرَ عبدُ الملك قال معاويةُ: أنشدُك بالله يا بنَ عبَّاس، أما تعلمُ أنَّ رسولَ الله ﷺ ذكرَ هذا فقال: "أبو الجبابرة الأربعة؟ "فقال ابن عباس: اللَّهُمَّ نعم (٣). وهذا الحديثُ فيه غرابةٌ ونكارةٌ شديدة، وابنُ لَهِيعَة ضعيف. وقد قال أبو محمد عبدُ الله بن عبد الرحمن الدَّارمي: حدَّثنا مسلم بن إبراهيم، حدَّثنا سعدُ بن زيد، أخو حمَّاد بن زيد، عن علي بن الحكم البناني، عن أبي الحسن، عن عمرو بن مرَّة - وكانت له صحبة - قال: جاءَ الحَكَمُ بن أبي العاص يستأذنُ النبيَّ ﷺ ، فعرفَ كلامَه، فقال: "ائذنُوا له، حيَّة - أو ولد حيَّة - عليه لعنة الله، وعلى مَنْ يخرجُ من صُلْبه إلا المؤمنينَ، وقليلٌ ما هم، لَيُتْرَفُونَ في الدُّنيا ويُوضعونَ في الآخرة، ذوو مكر وخديعة، يُعطون في الدنيا ومالهم في الآخرة من خَلَاق" (٤). قال الدارمي: أبو الحسن هذا حمصيٌّ. وقال نُعيم بن حمَّاد في "الفتن والملاحم": حدَّثنا عبد الله بن مروان بن الحكم، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن راشد بن سعد، أن مروان بن الحكم لما وُلدَ دُفعَ إلى النبيِّ ﷺ ليدعوَ له، فأَبى أن يفعل، ثم قال: "ابنُ الزَّرْقاء، هَلاكُ أُمَّتي على يَدَيْه ويدي ذريَّته". وهذا حديث مرسل.

стр. 3071

ذكر الإخبار عن خُلفاء بني أميّه جملةً من جملة والإشارة إلى مدَّة دولتهم قال يعقوب بن سفيان: حدَّثنا أحمدُ بن محمد أبو محمد الزرقي، حدَّثنا الزنجي - يعني مسلم بن خالد - عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: "رأيتُ في المنام بني الحكم - أو بني أبي العاص - ينزونَ على مِنْبري كما تنزو القِرَدَةُ" قال: فما رُئي رسولُ الله ﷺ مُستجمعًا ضَاحِكًا حتى تُوفى (١). وقال الثوريُّ: عن عليِّ بن زيد بن جُدْعان، عن سعيد بن المسيب قال: رأى رسول الله ﷺ بني أُمية على منبره فساءَه ذلك، فأُوحي إليه: "إنما هي دنيا أُعطوها" فقرَّت به عينُه، وهي قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]، يعني: بلاء للناس (٢). عليٌّ بن زيد بن جُدْعان ضعيف، والحديثُ مرسلٌ أيضًا. وقال أبو داود الطيالسي: حدَّثنا القاسم بن الفضل - وهو الحَذَّاء - حدَّثنا يُوسف بن مازن الرَّاسبِي، قال: قامَ رجل إلى الحسن بن علي بعدما بايعَ مُعاوية، فقال: يا مُسَوِّدَ وجوهَ المؤمنين، فقال الحسن: لا تُؤَنِّبني رحمك الله، فإن رسول الله ﷺ رأى بني أمية يَخطُبون على مِنبره رجلًا رجلًا، فساءَه ذلك، فنزلتْ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]- يعني نهرًا في الجنة - ونزلت: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ١ - ٣]. يملكه بنو أمية. قال القاسم: فحسبنا ذلك فإذا هو ألف شهر لا يزيد يومًا ولا ينقصُ يومًا. وقد رواه الترمذي وابن جرير الطبري، والحاكمُ في "مستدركه"، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٣)، كلُّهم من حديث القاسم بن الفضل الحُدَّاني - وقد وثقه يحيى بن سعيد القَطَّان، وابن مَهدي - عن يوسف بن سعد، ويقال: يُوسف بن مازن الراسبي، وفي رواية ابن جرير: عيسى بن مازن، قال الترمذي: وهو رجل مجهول، وهذا الحديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه. فقوله: إن يوسف هذا مجهول، مشكل، والظاهر أنه أراد أنه مجهول الحال، فإنه قد روى عنه جماعة، منهم حمَّاد بن سلمة، وخالد الحَذَّاء، ويُونس بن عُبيد. وقالَ يحيى بن معين: هُو مشهور، وفي رواية عنه قال: هو ثقة،

стр. 3072

فارتفعت الجهالة عنه مطلقًا، قلت: ولكن في شهوده قصة الحسن ومعاوية نظر، وقد يكون أرسلَها عمن لا يُعتمد عليه، والله أعلم. وقد سألتُ شيخنا الحافظ أبا الحجَّاج المِزِّي ﵀ عن هذا الحديث فقال: هو حديث منكر. وأما قول القاسم بن الفضل ﵀: إنه حَسَبَ دَوْلَة بني أميَّة فوجدَها ألفَ شهرٍ، لا تزيدُ يومًا ولا تنقصه، فهو غريب جدًّا، وفيه نظر، وذلك لأنه لا يُمكن إدخال دولة عثمان بن عفان ﵁، وكانت ثنتا عشرة سنة، في هذه المدة، لا من حيث الصورة ولا من حيث المعنى، وذلك أنها ممدوحة، لأنه أحد الخلفاء الراشدين والأئمة المَهْدِيِّين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون. وهذا الحديثُ إنما سِيق لذمِّ دَوْلتِهم، وفي دلالة الحديث على الذمِّ نظر، وذلك أنه دل على أن ليلة القدر خيرٌ من ألف شهر التي هي دَوْلتهم، وليلةُ القَدْر ليلةٌ خَيِّرةٌ، عظيمةُ المِقْدار والبَركة، كما وصفَها الله تعالى به، فلم يلزم من تفضيلها على دولتهم ذمُّ دولتهم، فليتأمل هذا فإنه دقيقٌ يدلُّ على أنَّ الحديثَ في صحته نظر، لأنه إنما سيق لذم أيامهم، والله تعالى أعلم. وأما إذا أراد أن ابتداء دولتهم منذ وَلِيَ معاوية حين تسلَّمها من الحسن بن علي، فقد كان ذلك سنة أربعين، أو إحدى وأربعين، وكان يُقال له عامَ الجماعة، لأن النَّاسَ كلَّهم اجتمعوا على إمام واحد. وقد تقدَّم الحديثُ في صحيح البخاري عن أبي بكرة؛ أنه سمعَ رسولَ الله ﷺ يقولُ للحسن بن علي: "إن ابني هذا سَيِّدٌ، ولعل الله أن يُصْلِحَ به بين فئتين عظيمتين من المسلمين (١)، فكان هذا في هذا العام، ولله الحمد والمنة. واستمرَّ الأمرُ في أيدي بني أمية من هذه السنة إلى سنة ثنتين وثلاثين ومئة، حتى انتقلَ إلى بني العباس كما سنذكره (٢)، ومجموعُ ذلك ثنتان وتسعون سنة، وهذا لا يُطابق ألف شهر، لأن مُعَدَّل ألف شهر ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر، فإن قال: أنا أُخرجُ منها ولاية ابن الزبير وكانت تسع سنين، فحينئذ يبقى ثلاث وثمانون سنة، فالجواب أنه وإن خرجت ولاية ابن الزبير، فإنه لا يكون ما بقي مُطابقًا لألف شهر تحديدًا، بحيث لا ينقص يومًا ولا يزيده، كما قاله، بل يكون ذلك تقريبًا، هذا وجه. والثاني: أن ولاية ابن الزبير كانت بالحجاز والأهواز والعراق في بعض أيامه، وفي مصر في قول، ولم تنسلب يد بني أمية من الشام أصلًا، ولا زالت دولتهم بالكلية في ذلك الحين، الثالث: أن هذا يقتضي دخولَ دولة عمر بن عبد العزيز في حساب بني أمية، ومقتضى ما ذكره أن تكون دولته مذمومة، وهذا لا يقوله أحد من أئمة الإسلام، وإنَهم مُصرِّحون بأنه أحد الخلفاء الراشدين، حتى قرنوا أيامه تابعة

стр. 3073

لأيام الأربعة، وحتَّى اختلفوا في أيِّهما أفضل؟ هو أو معاوية بن أبي سفيان أحد الصحابة. وقد قالَ أحمد بن حنبل: لا أرى قولَ أحدٍ من التابعين حجَّةً إلا قول عمر بن عبد العزيز، فإذا علم هذا، فإن أخرجَ أيَّامَه من حسابه انخرمَ حسابُه، وإن أدخلَها فيه مذمومةً، خالف الأئمة، وهذا لا محيدَ عنه. وكلُّ هذا مِمَّا يدلُّ على نَكَارة هذا الحديث، والله أعلم. وقال نُعيم بن حمَّاد: حدَّثنا سُفيان، عن العلاء بن أبي العباس، سمعَ أبا الطفيل، سمعَ عليًا يقول: لا يزالُ هذا الأمر في بني أمية ما لم يختلفوا بينهم (١). حدَّثنا ابنُ وَهْب عن حرملةَ بن عمران عن سعيد بن سالم، عن أبي سالم الجيشاني، سمعَ عليًا يقول: الأمرُ لهم حتى يقتلوا قتيلَهم، ويتنافسوا بينهم، فإذا كان ذلك بعث الله عليهم أقوامًا من المشرق يقتلوهم بددًا ويحصوهم عددًا، والله لا يملكون سنة إلا ملكنا سنتين، ولا يملكون سنتين إلا ملكنا أربعًا (٢). وقال نعيم بن حمَّاد: حدَّثنا الوليد بن مسلم عن حصين بن الوليد، عن الأزهر بن الوليد، سمعت أم الدرداء سمعت أبا الدرداء يقول: إذا قتل الخليفة الشاب من بني أمية بين الشام والعراق مظلومًا، ما لم تزل طاعة يستخف بها، ودم مسفوك بغير حق - يعني: الوليد بن يزيد (٣) - ومثل هذه الأشياء إنما تقال عن توقيف. ذكر الإخبار عن دولة بني العباس وكان أول ظهورهم من خُراسان بالرايات السُّود سنة اثنتين وثلاثين ومئة قال يعقوبُ بن سفيان: حدَّثني محمَّدُ بن خالد بن العبَّاس، حدَّثنا الوليدُ بن مسلم، حدَّثني أبو عبد الله، عن الوليد بن هشام المعيطي، عن أبان بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط، قال: قدمَ عبدُ الله بن عباس على معاويةَ وأنا حاضر، فأجازَه فأحسنَ جائزتَه، ثم قال: يا أبا العباس! هل لكم دولة؟ فقال: اعفِني يا أميرَ المؤمنين! فقال: لتخْبِرُني. قال: نعم. قال: فمن أنصارُكم؟ قال: أهلُ خُراسانَ، ولبني أميَّة من بني هاشم بُطْحَاتٌ. رواه البيهقي (٤).

стр. 3074

وقال ابنُ عَدِيّ: سمعتُ ابن حمَّاد، أخبرنا محمد بن عبدةَ بن حَرْب، حدَّثنا سُويد بن سعيد، حدَّثنا حجاج بن تميم؛ عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، قال: مررتُ بالنبيِّ ﷺ وإذا معه جبريلُ، وأنا أظنُّه دحيةَ الكَلْبِيّ، فقال جبريل للنبيِّ ﷺ : إنه لَوَسِخُ الثياب وسَيَلْبَسُ ولدُه من بعده السَّوادَ (١). وذكرَ تمامَ الحديث في ذهاب بصره، ثم عودته إليه قبل موته. قال البيهقي (٢): تفرَّد به حجَّاج بن تميم وليس بالقوي. وقال البيهقي: أخبرنا الحاكم، حدَّثنا أبو بكر بن إسحاق، وأبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه في آخرين، قالوا: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد بن حنبل، حدَّثنا يحيى بن معين، حدَّثنا عُبيد بن أبي قرَّة، حدَّثنا الليث بن سعد، عن أبي قبيل، عن أبي ميسرةَ مولى العبَّاس، قال: سمعتُ العبَّاسَ، قال: كنتُ عندَ النبي ﷺ ذاتَ ليلةٍ فقال: "انظر هل ترى في السَّماء مِن شيء؟ قلتُ: نعم، قال: ما ترى؟ قلتُ: الثُّرَيَّا، قال: أما إنه سيملكُ هذه الأمة بعددها مِن صُلْبِكَ" (٣). قال البخاري: عُبيد بن أبي قرَّة بغدادي سمعَ الليثَ، لا يُتابعُ على حديثه في قصة العباس (٤). وروى البيهقي: من حديث محمد بن عبد الرحمن العامري - وهو ضعيف - عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ للعبَّاس: "فيكُم النبوة وفيكم الملكُ" (٥). وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: حدَّثنا يحيى بن مَعين، حدَّثنا سفيانُ، عن عمرو بن دينار، عن أبي مَعْبَد قال: قال ابنُ عبَّاس: كما فتحَ الله بأوَّلنا فأرجو أن يختمَه بنا (٦). هذا إسنادٌ جيّد، وهو موقوفٌ على ابن عباس من كلامه. وقال يعقوبُ بن سفيان: حدَّثني إبراهيمُ بن أيوب، حدَّثنا الوليد، حدَّثنا عبدُ الملك بن حُميد بن أبي غَنِيَّة، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، قال: سَمِعنَا ابنَ عباس ونحن نقول: اثنا عشر أميرًا واثنا عشر أميرًا، ثمَّ هي السَّاعة، فقال ابنُ عباس: ما أحمقكم؟! إنَّ مِنَّا أهلَ البيت بعد ذلك، المنصور، والسَّفَّاح، والمَهْدِيُّ، يدفعُها إلى عيسى ابن مريم (٧). وهذا أيضًا موقوف.

стр. 3075

وقد رواه البيهقي من طريق الأعمش، عن الضحَّاك، عن ابن عباس مرفوعًا: "منا السَّفَّاح، والمنصور، والمهدي" (١). وهذا إسناد ضعيف، والضحَّاك لم يسمع من ابن عباس شيئًا على الصحيح، فهو منقطع، والله أعلم. وقد قال عبدُ الرزَّاق: عن الثوري، عن خالد الحذَّاء، عن أبي قِلَابة، عن أبي أسماء، عن ثَوْبان، قال: قال رسول الله ﷺ : "يَقْتَتِلُ عندَ كَنْزِكُم ثلاثةٌ، كلُّهم وَلَدُ خليفةٍ، ثمَّ لا يصيرُ إلى واحد منهم، ثم تُقبل الراياتُ السُّود من خراسان، فيقتلونَهم مقتلةً لم يروا مثلَها، ثم يجيءُ خليفةُ الله المَهْدِيُّ، فإذا سمعتُم فائْتُوه فبايعوه ولو حَبوًا على الثَّلْجِ، فإنَّه خليفةُ الله المهدي". أخرجه ابن ماجه عن أحمد بن يوسف السُّلمي، ومحمد بن يحيى الذهلي، كلاهما عن عبد الرزاق به (٢). ورواه البيهقي من طرقٍ عن عبد الرزاق، ثم قال: تفرّد به عبد الرزاق. قال البيهقي: ورواه عبد الوهاب بن عطاء، عن خالد الحذاء، عن أبي قِلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبانَ، موقوفًا (٣). ثم قال البيهقي: أخبرنا عليُّ بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عُبيد الصَّفار، حدَّثنا محمد بن غالب، حدَّثنا كثير بن يحيى، حدَّثنا شريك، عن علي بن زيد، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أقبلت الرايات السُّود من عَقِب خُراسانَ، فائْتُوها ولو حَبْوًا على الثلْجِ، فإنَّ فيها خليفةَ الله المَهْدي (٤). وقال الحافظ أبو بكر البزَّار: حدَّثنا الفَضل بن سَهْل، حدَّثنا عبد الله بن داهر الرَّازي، حدَّثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن الحاكم، عن إبراهيم، عن عبد الله بن مسعود؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ ذكرَ فِتْيةً من بني هاشم، فاغرورقتْ عيناه، وذكرَ الرَّاياتِ، قال: "فمن أدركَها فليأتِها ولو حَبْوًا على الثلْجِ" (٥). ثم قال: وهذا الحديث لا نعلمُ رواه عن الحاكم إلا ابن أبي ليلى، ولا نعلمُ يُروى إلا من حديث داهر بن يحيى، وهو من أهل الرأي صالح الحديث، وإنما يُعرف من حديث يزيد بن أبي زياد، عن إبراهيم (٦). وقال الحافظ أبو يعلى: حدَّثنا أبو هشام بن يزيد بن رفاعة، حدَّثنا أبو بكر بن عيَّاش، حدَّثنا يزيد بن أبي زياد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال: قال رسول الله ﷺ : "تجيءُ رايات سُود من قِبَلِ المَشْرق، وتخوضُ الخيلُ الدِّماء إلى ثُنَتِها، يُظهرونَ العدلَ، ويَطلبونَ

стр. 3076

العَدْلَ فلا يُعطونه، فيَظْهَرُون، فيُطلَبُ منهم العَدْلُ فلا يُعطونه" (١). وهذا إسناد حسن (٢). وقال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا يحيى بن غَيْلان، وقُتيبة بن سعيد، قالا: حدَّثنا رشدين بن سعد. قال يَحيى بن غيلان في حديثه، قال: حدَّثني يُونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن قبيصة - هو ابن ذؤيب الخزاعي - عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "يخرجُ من خراسان راياتٌ سودٌ لا يردّها شيء حتى تُنْصَبَ بإيلياء". وقد رواه الترمذي (٤) عن قتيبة به وقال: غريب. ورواه البيهقي والحاكم: من حديث عبد الله بن مسعود، عن رشدين بن سعد. وقال البيهقي: تفرد به رشدين بن سعد، وقد رُوي قريبٌ من هذا عن كعب الأحبار، ولعله أشبه، والله أعلم (٥). ثم رُوي من طريق يعقوب بن سُفيان: حدَّثنا محمد، عن أبي المغيرة عبد القدوس، عن إسماعيل بن عيَّاش، عمَّن حدَّثه عن كعب الأحبار، قال: تظهرُ راياتٌ سودٌ لبني العبَّاس حتَّى ينزلوا بالشَّام، ويقتلُ الله على أيديهم كلَّ جبَّار، وكلَّ عدو لهم (٦). وقال الإمام أحمد (٧): حدَّثنا عثمان - هو ابن أبي شيبة - حدَّثنا جريرٌ، عن الأعمش، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : "يخرجُ عندَ انقطاع من الزمان، وظهور من الفِتن، رجلٌ يُقالُ له السَّفاح، فيكونُ إعطاؤُه المالَ حَثْوًا". ورواه البيهقيُّ (٨): عن الحاكم، عن الأصَمِّ، عن أحمد بن عبد الجبار، عن أبي عَوَانة، عن الأعمش به، وقال فيه: "يخرجُ رجلٌ مِن أهل بيتي يُقال له السَّفَاح .. "فذكرَه. وهذا الإسناد على شرط أهل السنن ولم يُخَرِّجوه. فهذه الأخبار في خروج الرايات السُّود من خُراسانَ، وفي ولاية السَّفاح، وهو ابن العبَّاس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، وقد وقعت ولايتُه في حدود سنة ثنتين وثلاثين ومنة، ثم ظهرَ بأعوانه ومعهم الراياتُ السُّود، وشعارهم لبسُ السَّواد، كما دخلَ رسولُ الله ﷺ مكةَ يومَ

стр. 3077

الفتح، وعلى رأسه المِغْفَرُ وفوقَه عِمامةٌ سوداء. ثم بعثَ عمَّه عبد الله بن عليّ لقتال بني أميَّةَ، فكسَرهم في سنة اثنتين وثلاثين ومئة، وهربَ من المعركة آخرُ خلفائهم، وهو مروان بن محمد بن مروان، ويُلقَّبُ بمروانَ الحمار، ويُقال له: مروان الجَعْدِيّ، لاشتغاله على الجَعْد بن درهم فيما قيل. ودخلَ عمُّه دمشقَ واستحوذَ على ما كانَ لبني أُميَّةَ من الملك والأْملاك والأموال، وجرتْ خُطوب كثيرة سنُوردها مُفَصَّلةً في موضعها إن شاء الله. وقد وردَ عن جماعةٍ من السلف في ذكر الرايات السُّود التي تخرجُ من خُراسانَ بما يطولُ ذكره، وقد استقصَى ذلك نُعيمُ بن حمَّاد في كتابه، وفي بعض الروايات ما يدلُّ على أنه لم يقع أمرها بعدُ، وأن ذلك يكونُ في آخر الزمان، كما سنُورده في موضعه إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان. وقد روى عبد الرَّزاق عن معمر، عن الزهريِّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقومُ السَّاعةُ حتى تكونَ الدنيا للكع ابن لكع" قال أبو معمر: هو أبو مسلم الخراساني - يعني: الذي أقامَ دولة بني العباس -. والمقصودُ أنَّه تحوَّلت الدولة من بني أمية إلى بني العبَّاس في هذه السنة، وكان أول قائم منهم أبو العبَّاس السَّفَّاح، ثم أخوه أبو جعفر عبد الله المنصور باني مدينة السلام بغداد، ثم من بعده ابنه المهدي محمد بن عبد الله، ثم من بعده ابنه الهادي، ثم ابنه الآخر هارون الرشيد، ثم انتشرتِ الخلافةُ في ذُرِّيَّتِهِ على ما سنُفصِّله إذا وصلنَا إلى تلك الأيام. وقد نطقتْ هذه الأحاديث التي أوردناها آنفًا بالسَّفَّاح والمنصور والمَهْدي، ولا شك أن المَهْدي الذي هو ابن المنصور وثالث خلفاء بني العباس، ليس هو المَهْديُّ الذي وردت الأحاديث المستفيضة بذكره، وأنَّه يكونُ في آخر الزمان، يملأ الأرضَ عَدْلًا وقِسْطًا كما مُلِئتْ جَورًا وظُلمًا، وقد أفردنَا للأحاديث الواردة فيه جزءًا على حِدَة، كما أفردَ له أبو داود كتابًا في "سننه"، وقد تقدَّمَ في بعض هذه الأحاديث آنفًا أنه يُسَلِّمُ الخلافةَ إلى عيسى ابن مريم إذا نزلَ إلى الأرض، والله أعلم. وأمَّا السَّفَّاحُ فقد تقدَّم أنه يكونُ في آخر الزمان، فيبعدُ أن يكونَ هو الذي بُويع أوَّلَ خلفاء بني العباس، فقد يكون خليفةً آخر، وهذا هو الظاهر، فإنه قد روى نُعيمُ بن حمَّاد: عن ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن عمرو المعافري، عن تدوم الحميري، سمعَ تبيع بن عامر، يقول: يعيشُ السَّفَّاحُ أربعينَ سنة، اسمُه في التوراة طائر السماء (١). قلت: وقد تكون صفة للمهدي الذي يظهرُ في آخر الزمان، لكثرة ما يَسفحُ - أي: يُريق من الدماء لإقامة العدل، ونشر القسط - وتكونُ الرايات السود المذكورة في هذه الأحاديث إن صَحَّتْ هي التي تكون مع المَهْديّ، ويكونُ أول ظهور بيعتِه بمكَة، ثم تكون أنصاره من خُراسانَ، كما وقع قديمًا للسَّفَّاح،

стр. 3078

والله تعالى أعلم. هذا كلُّه تفريعٌ على صِحَّة هذه الأحاديث، وإلا فلا يخلو سندٌ منها عن كلام، والله أعلمُ بالصواب. ذكْرُ الإخبار عن الأئمة الاثني عشر الذين كلّهم من قريش وليسوا بالاثني عشر الذين يدعون إمامتَهم الرافضة، فإن هؤلاء الذين يزعمون لم يل أمرَ الناس منهم إلا عليّ بن أبي طالب وابنه الحسن، وآخرُهم في زعمهم المَهْدي المنتظر في زعمهم بسرداب سامرّا، وليس له وجود، ولا عينٌ، ولا أثر، بل هؤلاء من الأئمة الاثني عشر المخبر عنهم في الحديث، الأئمة الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ، ﵃، ومنهم عمرُ بن عبد العزيز، بلا خلاف بين الأئمة على كلا القولين لأهل السنة في تفسير الاثني عشر على ما سنذكره بعدَ إيراد الحديث. ثبت في صحيح البخاري من حديث شعبة، ومسلم من حديث سفيان بن عُيينة، كلاهما عن عبد الملك بن عُمير، عن جابرِ بن سَمُرةَ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يكونُ اثنا عشرَ خليفة" ثم قال كلمة لم أسمعها، فقلت لأبي: ما قال: قال: "كلهم من قريش" (١). وقال نُعيم بن حماد في كتاب الفتن والملاحم (٢): حدَّثنا عيسى بن يونس، حدَّثنا مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "يكونُ بعدي من الخلفاء عِدة أصحاب موسى". وقد رُوي مثل هذا عن عبد الله بن عمر، وحذيفةَ، وابن عبَّاس، وكعب الأحبار، من قولهم. وقال أبو داود: حدَّثنا عمرو بن عثمان، حدَّثنا مروانُ بن مُعاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبيه، عن جابر بن سَمُرة، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا يزال هذا الأمرُ قائمًا حتى يكونَ عليهم اثنا عشر خليفة - أو أميرًا - كلهم تجتمع عليه الأمَّة" وسمعتُ كلامًا من النبيِّ ﷺ لم أفهمه، فقلتُ لأبي: ما يقولُ؟ قال: يقول: "كلُّهم من قريش" (٣). وقال أبو داود أيضًا: حدَّثنا ابن نُفَيْل، حدَّثنا زهيرُ بن مُعاوية، حدَّثنا زياد بن خَيْثمة، حدَّثنا الأسود بن سعيد الهَمْدَاني، عن جابر بن سَمُرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا تزال هذه الأمة مستقيمًا أمرها، ظاهرةً على عدوِّها، حتى يمضيَ منهم اثنا عشرَ خليفة، كلُّهم من قريش" قال: فلما

стр. 3079

رجعَ إلى منزله أتته قريشٌ فقالوا: ثم يكونُ ماذا؟ قال: "ثم يكون الهَرْج" (١). قال البيهقي (٢): ففي الرواية الأولى بيان العدد، وفي الثانية بيان المراد بالعدد، وفي الثالثة بيان وقوع الهَرْج، وهو القتل بعدهم، وقد وُجد هذا العدد بالصفة المذكورة إلى وقت الوليد بن يزيد بن عبد الملك، ثم وقعَ الهَرْج والفتنة العظيمة كما أخبر في هذه الرواية، ثم ظهرَ ملك العبَّاسية، كما أُشير إليه في الباب قبلَه، وإنما يزيدون على العدد المذكور في الخبر، إذا تُركت الصفة المذكورة فيه، أو عُدَّ منهم من كان بعد الهَرْج المذكور فيه، وقد قال النبي ﷺ : "لا يزال هذا الأمرُ في قريش ما بقي من الناس اثنان" (٣). ثم ساقَه من حديث عاصم بن محمد، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ … فذكرَه (٤). وفي صحيح البخاري: من طريق الزهري، عن محمد بن جُبير بن مُطْعم، عن معاويةَ بن أبي سفيان، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن هذا الأمرَ في قريش لا يُعاديهم أحدٌ إلا كبَّه الله على وجهه ما أقاموا الدِّين" (٥). قال البيهقي (٦): أي: أقاموا معالمَه وإن قصَّروا هم في أعمال أنفسهم. ثم ساقَ أحاديث تقتضي ما ذكره من هذا، والله أعلم. فهذا الذي سلكه البيهقي، وقد وافقَه عليه جماعةٌ، من أن المراد بالخلفاء الاثني عشر المذكورين في هذا الحديث هم المتتابعون إلى زمن الوليد بن يزيد بن عبد الملك الفاسق، الذي قدَّمنا الحديث فيه بالذم والوعيد، فإنه مسلك فيه نظر. وبيان ذلك أن الخلفاء إلى زمن الوليد بن يزيد هذا أكثر من اثني عشر على كل تقدير، وبرهانُه أنَّ الخلفاء الأربعة، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، خلافتُهم محقَّقة بنص حديث سفينة: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة" (٧). ثم بعدَهم الحسنُ بن على كما وقعَ، لأن عليًا أوصى إليه، وبايَعه أهلُ العراق، وركبَ وركبُوا معه لقتال أهل الشام حتى اصطلح هو ومعاوية، كما دلَّ عليه حديث أبي بكرة في صحيح

стр. 3080

البخاري (١)، ثمَّ معاوية، ثم ابنه يزيد بن معاوية، ثم ابنه معاوية بن يزيد، ثم مروان بن الحكم، ثم ابنه عبد الملك بن مروان، ثم ابنه الوليد بن عبد الملك، ثم سليمان بن عبد الملك، ثم عمرُ بن عبد العزيز، ثم يزيدُ بن عبد الملك، ثم هشام بن عبد الملك. فهؤلاء خمسة عشر، ثم الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فإن اعتبرنا ولاية الزبير قبلَ عبد الملك صارُوا ستة عشر رجلًا، وعلى كل تقدير فهم اثنا عشر قبل عمر بن عبد العزيز، فهذا الذي سلكه على هذا التقدير يدخل في الاثني عشر يزيد بن معاوية، ويخرج منهم عمر بن عبد العزيز، الذي أطبقَ الأئمة على شكره وعلى مدحه، وعدُّوه من الخلفاء الراشدين، وأجمعَ النَّاسُ قاطبةً على عدله، وأن أيَّامَه كانت من أعدل الأيام، حتى إنَّ الرافضة يعترفونَ بذلك. فإن قال: أنا لا أعتبر في هذا إلا من اجتمعت الأمَّةُ عليه، لزمَه على هذا القول أن لا يَعُدَّ عليَّ بن أبي طالب ولا ابنه؛ لأن الناس لم يجتمعوا عليهما، وذلك أن أهل الشام بكمالهم لم يُبايعوهما، وعَدَّ معاوية، وابنه يزيد، وابن ابنه معاوية بن يزيد، ولم يعتدَّ بأيَّام مروان ولا ابن الزبير؛ لأن الأمَّةَ لم تجتمع على واحد منهما، فعلى هذا نقول في مسلكه هذا عادًّا للخلفاء أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم معاوية، ثم يزيد بن معاويه (٢)، ثم عبد الملك، ثم الوليد، ثم سليمان، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد، ثم هشام، فهؤلاء اثنا عشرة، ثم من بعدهم الوليد بن يزيد بن عبد الملك الفاسق، ولكن هذا لا يمكن أن يُسلكَ لأنه يلزم منه إخراج عليّ وابنه الحسن من هؤلاء الاثني عشر، وهو خلاف ما نصَ عليه أئمةُ السُّنَّة، بل والشيعة. ثم هو خلاف ما دلَّ عليه نصًا حديث سفينة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الخلافةُ بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون مُلْكًا عَضُوضًا (٣). وقد ذكرَ سفينة تفصيلَ هذه الثلاثين سنة، فجمعَها من خلافة الأربعة، وقد بينَّا دخولَ خلافة الحسن، وكانت نحوًا من ستة أشهر فيها أيضًا، ثم صار الملكُ إلى معاويةَ لما سَلَّم الأمرَ إليه الحسنُ بن عليّ، وهذا الحديث فيه المنع من تسمية معاوية خليفة، وبيانُ أن الخِلافةَ قد إنقطعتْ بعد الثلاثين سنة لا مطلقًا، بل انقطعَ تتابُعها، ولا ينفي وجودَ خلفاءَ راشدين بعد ذلك، كما دل عليه حديث جابر بن سَمُرة. وقال نُعيمُ بن حمَّاد: حدَّثنا راشد بن سعد، عن ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حذيفة بن اليمان قال: "يكونُ بعدَ عثمان اثنا عشر ملكًا من بني أمية" قيل له: خلفاء؟ قال: "لا، بل ملوك (٤). وقد روى البيهقيُّ: من حديث حاتم بن [أبي صغيرة]، عن أبي بَحْر، قال: كان أبو الجَلْد جارًا

стр. 3081

لي، فسمعتُه يقولُ - يحلفُ عليه -: إنَّ هذه الأمَّةَ لن تهلكَ حتى يكونَ فيها اثنا عشر خليفة، كلّهم يعمل بالهُدى ودين الحق، منهم رجلان من أهل البيت، أحدُهما يعيشُ أربعينَ سنة، والآخر ثلاثين سنة (١). ثم شرعَ البيهقيُّ في ردِّ ما قاله أبو الجَلْد بما لا يحصلُ به الرَّدُّ، وهذا عجيبٌ منه، وقد وافقَ أبا الجَلْدِ طائفةٌ من العلماء، ولعل قولَه أرجحُ لما ذكرنا، وقد كان ينظر في شيء من الكتب المتقدمة. وفي التوراة التي بأيدي أهل الكتاب ما معناه: إن الله تعالى بشَّر إبراهيمَ بإسماعيل، وإنه يُنَمِّيه ويُكَثِّره، ويجعلُ من ذريته اثني عشر عظيمًا. قال شيخنا العلَّامة أبو العباس بن تيمية: وهؤلاء المُبَشَّر بهم في حديث جابر بن سَمُرة، وقرَّرَ أنهم يكونون مُفَرِّقِين في الأُمَّة، ولا تقومُ الساعة حتى يُوجدوا، قال: وغلط كثير ممن تشرَّف بالإسلام من اليهود فظنُّوا أنهم الذين تدعو إليهم فرقةُ الرافضة فاتَّبعوهم. وقد قال نعيمُ بن حمَّاد: حدَّثنا ضمرةُ، عن ابن شَوْذب، عن أبي المِنْهال، عن أبي زياد، عن كعب، قال: إنَّ الله وَهبَ لإسماعيلَ من صُلْبه اثني عشر قيِّمًا، أفضلُهم وخيرُهم أبو بكر وعمرُ وعثمان. وقال نُعيمٌ: حدَّثنا ضمرةُ، عن ابن شَوْذب، عن يحيى بن أبي عمرو السَّيْبَاني قال: ليس من الخلفاء من لم يملك المَسجِديْن: المسجدَ الحرام، والمسجدَ الأقصى (٢). ذكْرُ الإخبار عن أمور وقعت في دولة بني العباس إلى زماننا هذا فمن ذلك: [ما وقع في زمن] أبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عبَّاس الخليفة بعد أخيه الخليفة السَّفَّاح، وهو المنصورُ الباني لمدينة بغداد، في سنة خمس وأربعين ومئة. قال نُعيم بن حمَّاد في كتابه: عن أبي المُغيرة، عن أرطأة بن المنذر، عمن حَدَّثه، عن ابن عباس، أنه أتاه رجل وعنده حذيفة فقال: يا بن عباس قوله: ﴿حمعسق﴾ فأطرقَ ساعة وأعرَض عنه، ثم كرَّرها فلم يُجبْه بشيء، فقال له حذيفة: أنا أنبئك، وقد عرفتُ لم كَرَّرَها، إنما نزلتْ في رجلٍ من أهل بيته يُقال له عبد الإله، أو عبد الله، ينزلُ على نهر من أنهار المشرق، يبني عليه مدينتين يشقُّ النهرُ بينهما شقًّا، يَجتمعُ فيهما كلُّ جبَّار عنيد (٣).

стр. 3082

وقال أبو القاسم الطبراني (١): حدَّثنا أحمدُ بن عبد الوهاب بن نَجْدة الحَوْطي، حدَّثنا أبو المُغيرة، حدَّثنا عبدُ الله بن السَّمْط، حدَّثنا صالحُ بن عليّ الهاشمي، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبي ﷺ ، قال: "لأن يُرَبِّي أحدُكم بعد أربع وخمسين ومئة جروَ كلبٍ، خيرٌ من أن يُرَبِّي ولدًا لصُلْبِه". قال شيخنا الذهبيُّ (٢): هذا الحديث موضوع، واتَّهمَ به عبدَ الله بن السَّمْط هذا. وقال نعيمُ بن حمَّاد الخُزَاعي شيخ البخاريّ، في كتابه "الفتن والملاحم" (٣): حدَّثنا أبو عمرو البَصْري، عن أبي بيان المعافريّ، عن بديع، عن كعب، قال: إذا كانت سنة ستين ومئة انتقصَ فيها حلمُ ذوي الأحلام، ورأيُ ذَوِي الرأي. حديث آخر فيه إشارة إلى مالك بن أنس الإمام روى الترمذي (٤): من حديث ابن عُيينة، عن ابن جُريج، عن أبي الزبير، عن أبي صالح، عن أبي هُريرة رواية: يُوشك أن يضربَ النَّاسُ أكبادَ الإبل يَطلبونَ العلمَ ولا يجدون أحدًا أعلم من عالم المدينة (٥). ثم قال: "هذا حديث حسن، وهو حديث ابن عيينة، وقد رُوي عنه أنه قال: هو مالك بن أنس، وكذا قال عبد الرزاق". قلت: وقد تُوفي مالك ﵀ سنة تسع وسبعين ومئة. حديث آخر فيه إشارة إلى محمد بن إدريس الشافعي قال أبو داود الطيالسي (٦): حدَّثنا جعفر بن سليمان، عن النضر بن مَعْبد الكندي - أو العبدي - عن

стр. 3083

الجارود، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: قالَ رسول الله ﷺ : "لا تَسبُّوا قريشًا فإن عالمها يملأ الأرضَ علمًا، اللَّهُمَّ إنَّكَ أذقتَ أَوَّلَها وَبالًا، فأذقْ آخرَها نَوَالًا". وقد رواه الحاكم من طريق أبي هُريرة (١). قال الحافظُ أبو نُعيم الأصبهاني: وهو الشافعي. قلت: وقد تُوفي الشافعيّ ﵀ في سنة أربع ومئتين، وقد أفردنا ترجمتَه في مجلد، وذكرنا معه تراجمَ أصحابه من بعده. حديث آخر وروى رواد بن الجرَّاح: عن سفيان الثوري، عن منصور، عن ربعي، عن حذيفة، مرفوعًا: "خيرُكم بعد المئتين خفيفُ الحَاذِّ" قالوا: وما خفيفُ الحَاذِّ يا رسول الله؟ قال: "من لا أهل له ولا مال ولا ولد" (٢). حديث آخر قال ابن ماجه (٣): حدَّثنا الحسنُ بن عليّ الخَلَّال، حدَّثنا عَوْن بن عُمارة، حدَّثني عبدُ الله بن المُثنَّى، ابن (٤) ثُمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك، عن أبيه، عن جدّه، عن أنس بن مالك، عن أبي قتادة قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الآيات بعد المئتين" (٥). وحدَّثنا نصرُ بن عليّ الجَهْضَمِيّ، حدَّثنا نُوح بن قَيْس، حدَّثنا عبدُ الله بن معقل، عن يزيد الرَّقَاشي، عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ قال: "أُفَتي على خمسِ طبقاتٍ، فأربعونَ سنة، أهلُ بِرٍّ وتَقوى، ثم الذين يَلونَهم إلى عشرين ومئة سنة، أهلُ تَراحُم وتَواصُل، ثم الذين يلونَهم إلى ستين ومئة، أهلُ تَدَابُرٍ وتَقاطع، ثم الهَرجُ الهَرْجُ، النَّجَاء النَّجاء" (٦).

стр. 3084

وحدَّثنا نصرُ بن عليّ، حدَّثنا حازم أبو محمد العَنَزِيّ، حدَّثنا المِسْور بن الحسن، عن أبي مَعْن، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "أُمتي على خمس طبقاتٍ، كل طبقةٍ أربعونَ عامًا، فأمَّا طَبقتِي وطبقةُ أَصحابي فأهلُ علم وإيمان، وأما الطبقةُ الثانية ما بينَ الأربعينَ إلى الثمانين، فأهلُ بِرٍّ وتَقوى" (١) ثم ذكر نحوه. هذا لفظه، وهو حديث غريب من هذين الوجهين، لا يَخلُو عن نكارةٍ، واللّه أعلم. وقد قال الإمام أحمد: حدَّثنا وكيعٌ، حدَّثنا الأعمشُ، حدَّثنا هلالُ بن يسار، عن عمرانَ بن حُصين، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "خيرُ النَّاس قَرْني ثم الذين يَلونَهم، ثم الذين يَلونَهم، ثم يجيءُ قومٌ يتسمَّنون، يُحِبُّونَ السِّمَنَ، يُعطون الشهادة قبلَ أن يُسألوها" (٢). ورواه الترمذي (٣) من طريق الأعمش. وقد رواه البخاري ومسلم من حديث شعبة عن أبي حمزة، عن زَهْدَم بن مُغَرَّبٍ، سمعت عِمرانَ بن حُصَيْن، قال: قال رسول الله ﷺ : "خيرُ أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم - قال عمران: فلا أدري أذكرَ بعد قرنه قرنين أو ثلاثة - ثم إن بعدكم قومًا يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن" لفظ البخاري (٤). وقال البخاري: حدَّثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن عبَيْدَة، عن عبد الله؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "خيرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثمَّ الذينَ يلونَهم، ثمَّ الذين يَلونَهم، ثم الذين يلونهم، ثم يَجيءُ قوم تسبق شهادةُ أحدِهم يمينَه، ويمينُه شهادَتَه" (٥). قال إبراهيم: وكانوا يضربُوننا على الشهادة والعهد ونحنُ صغار. وقد رواه بقية الجماعة إلا أبا داود من طرق متعدِّدة عن منصورٍ به (٦).

стр. 3085

حديث آخر قال نُعيم بن حمَّاد: حدَّثنا أبو عمرو البَصْري، عن ابن لَهِيْعَة، عن عبد الوهاب بن حُسين، عن محمد بن ثابت البُناني، عن أبيه، عن الحارث الهَمَداني، عن ابن مسعود، عن النبيِّ ﷺ قال: "السابع من ولد العباس يدعُو النّاسَ إلى الكفر فلا يُجيبونه، فيقولُ له أهلُ بيته: تُريد أن تُخرجَنا من معايشنا؟ فيقولُ: إني أسيرُ فيكم بسيرة أبي بكر وعمرَ، فيأبون عليه، فيقتلَه عدوٌّ له من أهل بيته من بني هاشم، فإذا وثبَ عليه اختلفُوا فيما بينَهم" (١) فذكرَ اختلافًا طويلًا إلى خروج السُّفيانيّ. وهذا الحديثُ ينطبقُ على عبد الله المأمون، الذي دعا النَّاسَ إلى القول بخَلْق القرآن، ووقى الله شَرَّها، كما سنورد في موضعِه، والسُّفْيَانِيُّ رجل يكون آخر الزمان، منسوبٌ إلى أبي سفيان، يكونُ من سلالته، وسيأتي في آخر كتاب الملاحم. حديث آخر قال الإمام أحمد: حدَّثنا هاشم، حدَّثنا ليث، عن معاويةَ بن صالح، عن عبد الرحمن بن جُبير، عن أبيه، سمعتُ أبا ثَعْلَبةَ الخُشَنِيّ صاحب رسول الله ﷺ ، أنه سمعَه يقولُ - وهو بالفُسْطاط في خلافةِ معاويةَ -، وكان معاوية أغزى النَّاس القُسطنطينية، فقال: والله لا تَعْجِزُ هذه الأمَّةُ من نصفِ يوم إذا رأيتَ الشام مائدةَ رجل واحدٍ وأهلِ بيته، فعندَ ذلك فتحُ القُسطنطينينة (٢). هكذا رواه أحمد موقوفًا على أبي ثعلبة، وقد أخرجه أبو داود في "سننه": من حديث ابن وَهْب، عن معاويةَ بن صالح، عن عبد الرحمن بن جُبير، عن أبيه، عن أبي ثعلبة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لن يُعْجِزَ الله هذه الأُمَّة من نصفِ يومٍ" (٣) تفرد به أبو داود. ثم قال أبو داود: حدَّثنا عمرو بن عثمان، حدَّثنا أبو المُغيرةَ، حدَّثنى صَفوان، عن شُرَيْح بن عُبيد، عن سعد بن أبي وقَّاص، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إنِّي لأرجُو أنْ لا تعْجِزَ أُمَّتِي عندَ ربِّها أن يُؤخِّرَهم نصفَ يوم" (٤) قيل لسعدٍ: وكم نصفُ يومٍ؟ قال: خمسمئة سنة. تفرَّد به أبو داود، وإسناده جيد.
следующие страницы →