← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

لي، فسمعتُه يقولُ - يحلفُ عليه -: إنَّ هذه الأمَّةَ لن تهلكَ حتى يكونَ فيها اثنا عشر خليفة، كلّهم يعمل بالهُدى ودين الحق، منهم رجلان من أهل البيت، أحدُهما يعيشُ أربعينَ سنة، والآخر ثلاثين سنة (١). ثم شرعَ البيهقيُّ في ردِّ ما قاله أبو الجَلْد بما لا يحصلُ به الرَّدُّ، وهذا عجيبٌ منه، وقد وافقَ أبا الجَلْدِ طائفةٌ من العلماء، ولعل قولَه أرجحُ لما ذكرنا، وقد كان ينظر في شيء من الكتب المتقدمة. وفي التوراة التي بأيدي أهل الكتاب ما معناه: إن الله تعالى بشَّر إبراهيمَ بإسماعيل، وإنه يُنَمِّيه ويُكَثِّره، ويجعلُ من ذريته اثني عشر عظيمًا. قال شيخنا العلَّامة أبو العباس بن تيمية: وهؤلاء المُبَشَّر بهم في حديث جابر بن سَمُرة، وقرَّرَ أنهم يكونون مُفَرِّقِين في الأُمَّة، ولا تقومُ الساعة حتى يُوجدوا، قال: وغلط كثير ممن تشرَّف بالإسلام من اليهود فظنُّوا أنهم الذين تدعو إليهم فرقةُ الرافضة فاتَّبعوهم. وقد قال نعيمُ بن حمَّاد: حدَّثنا ضمرةُ، عن ابن شَوْذب، عن أبي المِنْهال، عن أبي زياد، عن كعب، قال: إنَّ الله وَهبَ لإسماعيلَ من صُلْبه اثني عشر قيِّمًا، أفضلُهم وخيرُهم أبو بكر وعمرُ وعثمان. وقال نُعيمٌ: حدَّثنا ضمرةُ، عن ابن شَوْذب، عن يحيى بن أبي عمرو السَّيْبَاني قال: ليس من الخلفاء من لم يملك المَسجِديْن: المسجدَ الحرام، والمسجدَ الأقصى (٢). ذكْرُ الإخبار عن أمور وقعت في دولة بني العباس إلى زماننا هذا فمن ذلك: [ما وقع في زمن] أبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عبَّاس الخليفة بعد أخيه الخليفة السَّفَّاح، وهو المنصورُ الباني لمدينة بغداد، في سنة خمس وأربعين ومئة. قال نُعيم بن حمَّاد في كتابه: عن أبي المُغيرة، عن أرطأة بن المنذر، عمن حَدَّثه، عن ابن عباس، أنه أتاه رجل وعنده حذيفة فقال: يا بن عباس قوله: ﴿حمعسق﴾ فأطرقَ ساعة وأعرَض عنه، ثم كرَّرها فلم يُجبْه بشيء، فقال له حذيفة: أنا أنبئك، وقد عرفتُ لم كَرَّرَها، إنما نزلتْ في رجلٍ من أهل بيته يُقال له عبد الإله، أو عبد الله، ينزلُ على نهر من أنهار المشرق، يبني عليه مدينتين يشقُّ النهرُ بينهما شقًّا، يَجتمعُ فيهما كلُّ جبَّار عنيد (٣).

стр. 3082

وقال أبو القاسم الطبراني (١): حدَّثنا أحمدُ بن عبد الوهاب بن نَجْدة الحَوْطي، حدَّثنا أبو المُغيرة، حدَّثنا عبدُ الله بن السَّمْط، حدَّثنا صالحُ بن عليّ الهاشمي، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبي ﷺ ، قال: "لأن يُرَبِّي أحدُكم بعد أربع وخمسين ومئة جروَ كلبٍ، خيرٌ من أن يُرَبِّي ولدًا لصُلْبِه". قال شيخنا الذهبيُّ (٢): هذا الحديث موضوع، واتَّهمَ به عبدَ الله بن السَّمْط هذا. وقال نعيمُ بن حمَّاد الخُزَاعي شيخ البخاريّ، في كتابه "الفتن والملاحم" (٣): حدَّثنا أبو عمرو البَصْري، عن أبي بيان المعافريّ، عن بديع، عن كعب، قال: إذا كانت سنة ستين ومئة انتقصَ فيها حلمُ ذوي الأحلام، ورأيُ ذَوِي الرأي. حديث آخر فيه إشارة إلى مالك بن أنس الإمام روى الترمذي (٤): من حديث ابن عُيينة، عن ابن جُريج، عن أبي الزبير، عن أبي صالح، عن أبي هُريرة رواية: يُوشك أن يضربَ النَّاسُ أكبادَ الإبل يَطلبونَ العلمَ ولا يجدون أحدًا أعلم من عالم المدينة (٥). ثم قال: "هذا حديث حسن، وهو حديث ابن عيينة، وقد رُوي عنه أنه قال: هو مالك بن أنس، وكذا قال عبد الرزاق". قلت: وقد تُوفي مالك ﵀ سنة تسع وسبعين ومئة. حديث آخر فيه إشارة إلى محمد بن إدريس الشافعي قال أبو داود الطيالسي (٦): حدَّثنا جعفر بن سليمان، عن النضر بن مَعْبد الكندي - أو العبدي - عن

стр. 3083

الجارود، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: قالَ رسول الله ﷺ : "لا تَسبُّوا قريشًا فإن عالمها يملأ الأرضَ علمًا، اللَّهُمَّ إنَّكَ أذقتَ أَوَّلَها وَبالًا، فأذقْ آخرَها نَوَالًا". وقد رواه الحاكم من طريق أبي هُريرة (١). قال الحافظُ أبو نُعيم الأصبهاني: وهو الشافعي. قلت: وقد تُوفي الشافعيّ ﵀ في سنة أربع ومئتين، وقد أفردنا ترجمتَه في مجلد، وذكرنا معه تراجمَ أصحابه من بعده. حديث آخر وروى رواد بن الجرَّاح: عن سفيان الثوري، عن منصور، عن ربعي، عن حذيفة، مرفوعًا: "خيرُكم بعد المئتين خفيفُ الحَاذِّ" قالوا: وما خفيفُ الحَاذِّ يا رسول الله؟ قال: "من لا أهل له ولا مال ولا ولد" (٢). حديث آخر قال ابن ماجه (٣): حدَّثنا الحسنُ بن عليّ الخَلَّال، حدَّثنا عَوْن بن عُمارة، حدَّثني عبدُ الله بن المُثنَّى، ابن (٤) ثُمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك، عن أبيه، عن جدّه، عن أنس بن مالك، عن أبي قتادة قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الآيات بعد المئتين" (٥). وحدَّثنا نصرُ بن عليّ الجَهْضَمِيّ، حدَّثنا نُوح بن قَيْس، حدَّثنا عبدُ الله بن معقل، عن يزيد الرَّقَاشي، عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ قال: "أُفَتي على خمسِ طبقاتٍ، فأربعونَ سنة، أهلُ بِرٍّ وتَقوى، ثم الذين يَلونَهم إلى عشرين ومئة سنة، أهلُ تَراحُم وتَواصُل، ثم الذين يلونَهم إلى ستين ومئة، أهلُ تَدَابُرٍ وتَقاطع، ثم الهَرجُ الهَرْجُ، النَّجَاء النَّجاء" (٦).

стр. 3084

وحدَّثنا نصرُ بن عليّ، حدَّثنا حازم أبو محمد العَنَزِيّ، حدَّثنا المِسْور بن الحسن، عن أبي مَعْن، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "أُمتي على خمس طبقاتٍ، كل طبقةٍ أربعونَ عامًا، فأمَّا طَبقتِي وطبقةُ أَصحابي فأهلُ علم وإيمان، وأما الطبقةُ الثانية ما بينَ الأربعينَ إلى الثمانين، فأهلُ بِرٍّ وتَقوى" (١) ثم ذكر نحوه. هذا لفظه، وهو حديث غريب من هذين الوجهين، لا يَخلُو عن نكارةٍ، واللّه أعلم. وقد قال الإمام أحمد: حدَّثنا وكيعٌ، حدَّثنا الأعمشُ، حدَّثنا هلالُ بن يسار، عن عمرانَ بن حُصين، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "خيرُ النَّاس قَرْني ثم الذين يَلونَهم، ثم الذين يَلونَهم، ثم يجيءُ قومٌ يتسمَّنون، يُحِبُّونَ السِّمَنَ، يُعطون الشهادة قبلَ أن يُسألوها" (٢). ورواه الترمذي (٣) من طريق الأعمش. وقد رواه البخاري ومسلم من حديث شعبة عن أبي حمزة، عن زَهْدَم بن مُغَرَّبٍ، سمعت عِمرانَ بن حُصَيْن، قال: قال رسول الله ﷺ : "خيرُ أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم - قال عمران: فلا أدري أذكرَ بعد قرنه قرنين أو ثلاثة - ثم إن بعدكم قومًا يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن" لفظ البخاري (٤). وقال البخاري: حدَّثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن عبَيْدَة، عن عبد الله؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "خيرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثمَّ الذينَ يلونَهم، ثمَّ الذين يَلونَهم، ثم الذين يلونهم، ثم يَجيءُ قوم تسبق شهادةُ أحدِهم يمينَه، ويمينُه شهادَتَه" (٥). قال إبراهيم: وكانوا يضربُوننا على الشهادة والعهد ونحنُ صغار. وقد رواه بقية الجماعة إلا أبا داود من طرق متعدِّدة عن منصورٍ به (٦).

стр. 3085

حديث آخر قال نُعيم بن حمَّاد: حدَّثنا أبو عمرو البَصْري، عن ابن لَهِيْعَة، عن عبد الوهاب بن حُسين، عن محمد بن ثابت البُناني، عن أبيه، عن الحارث الهَمَداني، عن ابن مسعود، عن النبيِّ ﷺ قال: "السابع من ولد العباس يدعُو النّاسَ إلى الكفر فلا يُجيبونه، فيقولُ له أهلُ بيته: تُريد أن تُخرجَنا من معايشنا؟ فيقولُ: إني أسيرُ فيكم بسيرة أبي بكر وعمرَ، فيأبون عليه، فيقتلَه عدوٌّ له من أهل بيته من بني هاشم، فإذا وثبَ عليه اختلفُوا فيما بينَهم" (١) فذكرَ اختلافًا طويلًا إلى خروج السُّفيانيّ. وهذا الحديثُ ينطبقُ على عبد الله المأمون، الذي دعا النَّاسَ إلى القول بخَلْق القرآن، ووقى الله شَرَّها، كما سنورد في موضعِه، والسُّفْيَانِيُّ رجل يكون آخر الزمان، منسوبٌ إلى أبي سفيان، يكونُ من سلالته، وسيأتي في آخر كتاب الملاحم. حديث آخر قال الإمام أحمد: حدَّثنا هاشم، حدَّثنا ليث، عن معاويةَ بن صالح، عن عبد الرحمن بن جُبير، عن أبيه، سمعتُ أبا ثَعْلَبةَ الخُشَنِيّ صاحب رسول الله ﷺ ، أنه سمعَه يقولُ - وهو بالفُسْطاط في خلافةِ معاويةَ -، وكان معاوية أغزى النَّاس القُسطنطينية، فقال: والله لا تَعْجِزُ هذه الأمَّةُ من نصفِ يوم إذا رأيتَ الشام مائدةَ رجل واحدٍ وأهلِ بيته، فعندَ ذلك فتحُ القُسطنطينينة (٢). هكذا رواه أحمد موقوفًا على أبي ثعلبة، وقد أخرجه أبو داود في "سننه": من حديث ابن وَهْب، عن معاويةَ بن صالح، عن عبد الرحمن بن جُبير، عن أبيه، عن أبي ثعلبة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لن يُعْجِزَ الله هذه الأُمَّة من نصفِ يومٍ" (٣) تفرد به أبو داود. ثم قال أبو داود: حدَّثنا عمرو بن عثمان، حدَّثنا أبو المُغيرةَ، حدَّثنى صَفوان، عن شُرَيْح بن عُبيد، عن سعد بن أبي وقَّاص، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إنِّي لأرجُو أنْ لا تعْجِزَ أُمَّتِي عندَ ربِّها أن يُؤخِّرَهم نصفَ يوم" (٤) قيل لسعدٍ: وكم نصفُ يومٍ؟ قال: خمسمئة سنة. تفرَّد به أبو داود، وإسناده جيد.

стр. 3086

وهذا من دلائل النبوة فإن هذا يقتضي وقوع تأخير الأمة نصف يوم، وهو خمسمئة سنة، كما فسَّره الصحابي، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] ثم هذا الإخبار بوقوع هذه المدة لا ينفي وقوع ما زاد عليها، فأمَّا ما يذكره كثيرٌ من الناس من أنه ﵊ لا يُؤَلِّف في قبره، بمعنى لا يمضي عليه ألف سنة من يوم مات إلى حين قيام الساعة، فإنه حديث لا أصل له في شيء من كتب الإسلام، واللّه أعلم. حديث آخر فيه الإخبار عن ظهور النَّار التي كانت بأرض الحجاز، حتى أضاءت لها أعناقُ الإبل ببصرى، وقد وقعَ هذا في سنة أربع وخمسين وستمئة. قال البخاري في صحيحه: حدَّثنا أبو اليَمان، حدَّثنا شُعيب، عن الزُّهري، قال: قال سعيدُ بن المُسيِّب: أخبرني أبو هُريرة؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا تقومُ السَّاعةُ حتى تخرجَ نارٌ من أرضِ الحجاز تضيءُ لها أعناقُ الإبل ببصرى". تفرَّد به البخاري (١). وقد ذكرَ أهلُ التاريخ وغيرُهم من الناس، وتواترَ وقوع هذا في سنة أربع وخمسين وستمئة، قال الشيخ الإمام الحافظ شيخ الحديث وإمام المؤرخين في زمانه، شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل المُلَقَّب بأبي شامة في "تاريخه": إنها ظهرت يومَ الجُمعة في خامس جُمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمئة، وأنها استمرَّت شهرًا وأزيدَ منه، وذكرَ كتبًا متواترة عن أهل المدينة، في كيفية ظهورها شرقي المدينة من ناحية وادي شظاة (٢)، تلقاءَ أُحد، وأنها ملأت الأودية، وأنَّه يخرجُ منها شررٌ يأكلُ الحِجازَ، وذكرَ أن المدينةَ زُلزلت بسببها، وأنهم سمعوا أصواتًا مزعجة قبلَ ظهورها بخمسة أيام، أَوَّلُ ذلك مستهلّ الشهر يوم الإثنين، فلم تزل ليلًا ونهارًا حتَّى ظهرت يومَ الجمعة خامسه، فانبجستْ تلك الأرض عند وادي شظاة عن نار عظيمة جدًّا صارت مثل الوادي، طوله أربعة فراسخ في عرض أربعة أميال وعمقه قامة ونصف، يسيلُ الصَّخر حتى يبقى مثل الآنك، ثم يصيرُ كالفحم الأسود، وذكر أن ضوءها يمتد إلى تَيْمَاء، بحيث كتب الناس على ضوئها في الليل، وكأن في بيت كل منهم مصباحًا، ورأى النَّاسُ سناها من مكة شرَّفها الله. قلت: وأما بصرى فأخبرني قاضي القضاة صدر الدين عليّ بن أبي قاسم التَّيمِيّ الحنفي قال: أخبرني والدي، وهو الشيخ صفيّ الدين أحد مدرسي بُصرى، أنه أخبرَه غير واحد من الأعراب صبيحة تلك الليلة

стр. 3087

من كان بحاضرة بلدة بصرى أنهم رأوا صفحاتِ أعناق إبلهم في ضوء هذه النَّار التي ظهرت من أرض الحجاز. وقد ذكرَ الشيخ شهاب الدين أن أهل المدينة لجؤوا في هذه الأيام إلى المسجد النبوي، وتابوا إلى الله من ذنوب كانوا عليها، واستغفروا عند قبر النبي ﷺ مما سلفَ منهم وأعتقوا الغلمانَ، وتصدَّقوا على فقرائهم ومَحاوِيجهم، وقد قال قائلُهم في ذلك: يا كاشِفَ الضُّرّ صَفحًا عن جَرَائِمنا … فَقَد (١) أَحاطَت بِنَا يَا رَبُّ بأسَاءُ نَشْكو إليكَ خُطوبًا لا نُطيق لَها … حَملًا ونحنُ بها حقًا أَحِقَّاءُ زَلازِلًا تَخْشعُ الصُّمُّ الصِّلادُ لَها … وَكَيف تَقوى على الزلزالِ صَمَّاءُ أَقَامَ سَبْعًا يَرُجُّ الأرضَ فانصدَعَتْ … عَن مَنْظَير مِنهُ عينُ الشمسِ عَشْواء (٢) بَحرٌ مِنَ النارِ تَجري فَوقَهُ سُفُنٌ … مِنَ الهِضَابِ لها في الأرضِ إرساءُ يُرَى لَها شَرَرٌ كالقَصْرِ طَائِشة … كَأنَّها دِيمةٌ تَنصَبُّ هَطْلاء (٣) تَنْشَقٌّ منها قُلوبُ الصخر إن زَفَرَتْ … رُعبًا وَتَرعُدُ مِثْلُ الشُّهبِ أَضواءُ مِنْها تكاثَفَ في الجوِّ الدُّخانُ إلى … أَن عادَتِ الشمسُ مِنهُ وَهيَ دَهماء (٤) قَدْ أَثَّرَتْ سُعفةً في البدر لَفحتها … فَلَيْلَةُ التمِّ بَعْد النُورِ لَيلاء (٥) فَيَا لها آية من مُعجِزاتِ رَسو … لِ الله يَعقِلُها القَومُ الألِبَّاء (٦) ومما قيل في هذه النَّار مع غرق بغداد وفي هذه السنة إلى آخرها: سُبحانَ مَنْ أَصْبَحَت مَشِيئَتُهُ … جَارِيَةً في الوَرى بِمقدَار أَغرقَ بَغدادَ بالمِيَاهِ كَمَا … أَحرَقَ أَرْضَ الحِجَازِ بِالنَّارِ حديث آخر قال الإمام أحمد (٧): حدَّثنا أبو عامر، حدَّثنا أفلح بن سعيد الأنصاري - شيخٌ من أهلِ قباء من

стр. 3088

الأنصار - حدَّثني عبدُ الله بن رافع مولى أمِّ سلمة، قال: سمعتُ أبا هريرة يقولُ: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إنْ طالتْ بكم مُدَّةٌ أوشكَ أن تَرَوا قومًا يَغدونَ في سَخَطِ الله ويَروحُون في لعنتهِ، في أيديهم مثلُ أذناب البقر". ورواه مسلم: عن محمد بن عبد الله بن نُمير، عن زيد بن الحُباب، عن أفلحَ بن سعيد به (١). وروى مسلم أيضًا: عن زهير بن حرب، عن جرير، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال ﷺ : "صنفانِ مِن أهل النَّار لم أرَهُما بعدُ، قولم معهم سياطٌ كأذنابِ البقر يضربونَ بها النَّاسَ، ونساءٌ كاسيات عاريات، مائلاتٌ مُمِيْلاتٌ رؤُوسهن كأسنمةِ البُخْتِ المائلة، لا يدخلنَ الجَنَّةَ، ولا يجدنَ ريحَها، وإنَّ ريحَها ليُوجدُ مِن مَسيرةِ كذا وكذا" (٢). وهذان الصنفان وهما الجَلَّادون الذين يُسمَّون بالرجالة، والجاندارية، كثيرون في زماننا هذا، ومن قبله، وقبلَ قبله بدهر، والنساء الكاسيات العاريات، أي: عليهن لبس لا يُواري سوءاتهنَّ، بل هو زيادة في العورة، وإبداء للزينة، مائلات في مشيهنَّ، مميلات غيرهنَّ إليهن، وقد عمَّ البلاء بهنَّ في زماننا هذا، ومن قبله أيضًا، وهذا من أكبر دلالات النبوة، إذ وقع الأمر في الخارج طِبْقَ ما أخبرَ به ﵊، وقد تقدَّم حديثُ جابر: "أما إنها ستكون لكم أنماط" (٣) وذكر تمامَ الحديث في وقوع ذلك، واحتجاج امرأته عليه بهذا. حديث آخر روى الإمام أحمد: عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن داود بن أبي هند (٤). وأخرجه البيهقي من حديثه: عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي، عن طلحةَ بن عمرو البصري؛ أنَّه قدمَ المدينةَ على رسول الله ﷺ ، فبينما هو يُصلِّي إذ أتاه رجل فقال: يا رسول الله أحرقَ بُطونَنا التَّمرُ، وتحرَّقت عنا الجيف، قال: فحمدَ الله وأثنى عليه، ثم قال: "لقد رأيتني وصاحبي وما لنا طعامٌ غير البَرِيْر، حتَّى أتينَا إخواننا من الأنصار فآسونا من طعامهم وكان جلّ طعامهم التمر، والذي لا إله إلا هو لو قَدِرْتُ لكم على الخبز والتمر لأطعمتكُموه، وسيأتي عليكم زمان - أو مَن أدركَه منكم - يلبسون مثلَ أستار

стр. 3089

الكعبة، ويُغْدى ويُراح عليكم بالجِفَان، قالوا: يا رسولَ الله! أنحنُ يومئذٍ خيرٌ أم اليوم؟ قال: بل أنتم اليومَ خير، أنتُم اليومَ إخوان، وأنتمُ يومئذٍ يَضْرِبُ بعضُكم رقابَ بعضٍ (١). وقد روى سفيانُ الثوريُّ: عن يحيى بن سعيد، عن أبي موسى يُحَنَّس، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا مَشَتْ أُمَّتي المُطَيْطَاءَ، وخدَمتهم فارس والرُّومُ، وسلَّط الله بعضَهم على بعض" (٢). وقد أسندَه البيهقيّ من طريق موسى بن عُبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ (٣). حديث آخر قال أبو داود: حدَّثنا سليمانُ بن داود المَهْريّ، حدَّثنا ابنُ وَهْب، حدَّثنا سعيدُ بن أبي أيوب، عن شَرَاحِيْلَ بن يزيد المَعَافِريّ، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة - فيما أعلم - عن رسول الله ﷺ : "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يُجَدّد لها أمرَ دينها" (٤). قال أبو داود: رواه عبدُ الرحمن بن شريح الإسكندراني لم يَجُزْ به شر احيلَ، تفرَّد به أبو داود. وقد ذكرَ كلُّ طائفة من العلماء في رأس كل مئة سنة عالمًا من علمائهم، ينزلون هذا الحديث عليه، وقال طائفة من العلماء: بل الصحيح أن الحديث يشملُ كلَّ فرد من آحاد العلماء في هذه الأعصار ممن يقومُ بفرض الكفاية في أداء العلم عمَّن أدركَ من السلف إلى من يُدركه من الخلف، كما جاء في الحديث من طرق مرسلة وغير مرسلة: "يحملُ هذا العلمَ من كلِّ خَلَفٍ عُدوله، ينفون عنه تحريفَ الغالين، وانتحالَ المبطلين" (٥). وهذا موجودٌ وللّه الحمد والمِنَّة إلى زماننا هذا، ونحنُ في القرن الثامن، والله المسؤول أن يختمَ لنا بخير، وأن يجعلَنا من عباده الصَّالحين، ومن ورثة جنَة النعيم آمين آمين يا رب العالمين.

стр. 3090

وسيأتي الحديث المخرج في الصحيح: "لا تزالُ طائفةٌ من أمتي ظاهرينَ على الحَقِّ لا يضرُّهم من خذلَهم ولا من خالفَهم حتى يأتيَ أمرُ الله (١) وهم كذلك". وفي صحيح البخاري: وهم بالشام (٢). وقد قال كثير من علماء السلف: إنهم أهلُ الحديث، وهذا أيضًا من دلائل النبوة، فإن أهلَ الحديث بالشام أكثر من سائر أقاليم الإسلام، وللّه الحمد، ولا سيما بمدينة دمشق حَماها الله وصانَها، كما ورد في الحديث الذي سنذكرُه؛ أنها تكون معقلَ المسلمين عند وقوع الفتن. وفي صحيح مسلم عن النَّوَّاس بن سمعان؛ أن رسول الله ﷺ أخبرَ عن عيسى ابن مريم، أنه ينزلُ من السماء على المنارة البيضاء شرقيّ دمشق (٣). ولعل أصل لفظ الحديث "على المنارة البيضاء الشرقية بدمشق" وقد بلغني أنه كذلك في بعض الأجزاء، ولم أقف عليه إلى الآن، والله المُيَسِّرُ، وقد جُدِّدت هذه المنارة البيضاء الشرقية بجامع دمشق بعدما أحرَقها النصارى في أيامنا هذه بعد سنة أربعين وسبعمئة، فأقامُوها من أموال النَّصَارى مقاصَّة على ما فعلوا من العُدوان، وفي هذا حكمة عظيمة، وهو أن ينزلَ على هذه المَبْنيَّة من أموالهم عيسى ابن مريم نبيّ الله، فيُكَذِّبُهم فيما افتروه عليه من الكذب عليه وعلى الله، ويكسرُ الصليبَ، ويقتل الخنزيرَ ويضعُ الجزيةَ - أي: يتركها - ولا يقبل من أحد منهم ولا من غيرهم إلا الإسلام، يعني: أو يقتله، وقد أخبرَ بهذا عنه رسول الله ﷺ وقرَّره عليه وسوَّغه له، صلواتُ الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين، ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين (٤). باب التنبيه على ذكر معجزاتٍ لرسول الله ﷺ مماثلةٍ لمعجزاتِ جماعةٍ من الأنبياء قبلَه، وأعلى منها، خارجةٍ عما اختصَّ به من المعجزات العظيمة التي لم يكن لأحد قبلَه منهم ﵈ فمن ذلك القرآن العظيم الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] فإنَّه معجزةٌ مستمرة على الآباد، ولا يخفى برهانُها، ولا يتفحص مثلها. وقد تحدَّى به الثقلين من الجن والإنس على أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور، أو بسورة من مثله، فعجزوا عن ذلك كما تقدَّم تقرير ذلك في أول كتاب المعجزات، وقد سبقَ الحديثُ المتفق على إخراجه في الصحيحين من طريق الليث بن سعد

стр. 3091

عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إليّ، فأرجُو أَنْ أكونَ أكثَرهم تابعًا يومَ القيامة" (١). والمعنى أن كل نبي قد أوتي من خوارق العادات ما يقتضي إيمان من رأى ذلك من أُولي البَصائر والنُهى، لا من أهل العِناد والشقاء، وإنما كان الذي أُوتيه، أي: جلُّه وأعظمُه وأبهرُه، القرآن الذي أوحاه الله إليه، فإنه لا يبيدُ ولا يذهبُ كما ذهبت معجزات الأنبياء وانقضت بانقضاء أيامهم، فلا تُشاهد، بل يخبر عنها بالتواتر والآحاد، بخلاف القرآن العظيم الذي أوحاه الله إليه فإنه معجزة متواترة عنه، مستمرة دائمة البقاء بعده، مسموعة لكل من ألقى السمع وهو شهيد. وقد تقدَّم في الخصائص ذكر ما اختصَّ به رسولُ الله ﷺ : عن بقية إخوانه من الأنبياء ﵈، كما ثبت في الصحيحين: عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "أُعطيتُ خمسًا لم يُعطهن أحد قبلي، نصرتُ بالرُّعْب مسيرةَ شهر، وجُعلتْ ليَ الأرضُ مسجدًا وطَهُورًا، فأيما رجل مِن أمتي أدركته الصَّلاة فليُصَل، وأُحِلَّتْ لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي، وأُعطِيت الشفاعة، وكان النبيُّ يُبعثُ إلى قومه، وبُعثت إلى الناس عامة" (٢). وقد تكلَّمنا على ذلك وما شاكلَه فيما سلفَ بما أغنى عن إعادته وللّه الحمد. وقد ذكرَ غيرُ واحد من العلماء أنَّ كلَّ معجزة لنبي من الأنبياء فهي في الحقيقة معجزة لخاتمهم محمد ﷺ ، وذلك أن كلًّا منهم بَشّر بمبعثه، وأمر بمتابعته، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨١ - ٨٢] وقد ذكرَ البخاريُّ وغيره عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ما بعثَ الله نبيًا من الأنبياء إلا أخذَ عليه العهدَ والميثاق لئن بُعثَ محمد وهو حيٌّ لَيؤمِنُن به وليتبعنَه ولينصرنَّه، وأمره أن يأخذ العهد على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه (٣). وذكر غير واحد من العلماء أن كرامات الأولياء معجزات للأنبياء، لأن الولي إنما نالَ ذلك ببركة متابعته لنبيّه، وثواب إيمانه به. والمقصود أنه كان الباعث لي على عقد هذا الباب أنِّي وقفتُ على مولد اختصرَه من سيرة الإمام محمد بن إسحاق بن يَسار وغيرها شيخنا الإمام العلَّامة شيخ الإسلام كمال الدين أبو المَعالي محمَّدُ بن

стр. 3092

عليٍّ الأنصاري السِّماكي، نسبة إلى أبي دجانة الأنصاري، سِمَاك بن أوس بن خرشة الأوسيّ، ﵁، شيخ الشافعية في زمانه بلا مدافعة، المعروف بابن الزملكاني ﵀ وبلَّ بالرحمة ثراهُ، وقد ذكر في أواخره شيئًا من فضائل رسول الله ﷺ ، وعقدَ فصلًا في هذا الباب فأوردَ فيه أشياء حسنة، ونبَّه على فوائد جمة، وفرائد مهمة، وتركَ أشياءَ أخرى حسنة، ذكرَها غيرُه من الأئمة المُتقدِّمين، ولم أره استوعبَ الكلامَ إلى آخره، فإما أنه قد سقطَ من خطِّه، أو أنه لم يُكمل تصنيفَه، فسألني بعضُ أهله من أصحابنا ممن تتاكدُ إجابتهُ، تكرَّرَ ذلك منه، في تكميله، وتبويبه، وترتيبه، وتهذيبه، والزيادة عليه، والإضافة إليه، فاستخرت الله تعالى حينًا من الدهر، ثم نشطتُ لذلك ابتغاءَ الثواب والأجر، وقد كنتُ سمعتُ من شيخنا الإمام العلامة الحافظ الجِهْبِذ، أبي الحجَّاج المِري تغمَّده الله برحمته، أنَّ أوَّلَ من تكلَّم في هذا المقام الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ﵀. وقد روى الحافظ أبو بكر البيهقي ﵀ في كتابه دلائل النبوة (١): عن شيخه الحاكم أبي عبد الله، أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، عن أبيه، قال عمرو بن سوَّاد: قال الشافعي: ما أعطى الله نبيًّا ما أعطى محمّدًا ﷺ ، فقلتُ: أعطى عيسى إحياءَ الموتى، فقال: أعطى محمَّدًا ﷺ الجِذْعَ الذي كان يخطبُ إلى جنبه حينَ بنِي له المنبر، حنّ الجِذعُ حتَّى سُمِعَ صوتُه، فهذا أكبرُ من ذلك، هذا لفظه رحمه الله تعالى. والمراد من إيراد ما نذكره في هذا الباب، التنبيه على ما أعطى الله أنبياءَه ﵈ من الآيات البَيِّنات، والخَوارق القاطعاتِ، والحُجَج الواضحات، وأن الله تعالى جمعَ لعبده ورسوله سيد الأنبياء وخاتمهم من جميع أنواع المحاسن والآيات، مع ما اختصَّه به مما لم يُؤتِ أحدًا قبله، كما ذكرنا في خصائصه وشمائله ﷺ . ووقفتُ على فصل مليح في هذا المعنى، في كتاب دلائل النبوة للحافظ أبي نُعيم، أحمد بن عبد الله الأصبهاني، وهو كتابٌ حافلٌ في ثلاث مجلدات (٢)، عقد فيه فصلًا في هذا المعنى، وكذا ذكرَ ذلك الفقيه أبو محمد عبد الله بن حامد، في كتابه "دلائل النبوة" وهو كتابٌ كبيرٌ جليل حافل، مشتملٌ على فرائد نفيسة. وكذا الصَّرْصَرِي الشاعر، يُورد في بعض قصائده أشياء من ذلك كما سيأتي. وها أنا أذكرُ بعون الله مجامعَ ما ذكرنا من هذه الأماكن المتفرقة بأوجز عبارة، وأقصرِ إشارة، وباللّه المستعان، وعليه التُّكلان، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العليّ العظيم.

стр. 3093

القولُ فيما أُوتي نوح ﵇ قال الله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٠ - ١٥] وقد ذكرت القصة مبسوطة في أول هذا الكتاب، وكيف دعا على قومه، فنجَّاه الله ومن اتَّبعَه من المؤمنين، فلم يهلك منهم أحدٌ، وأغرقَ من خالفَه من الكافرينَ، فلم يسلم منهم أحد، حتى ولا ولد (١). قال شيخنا العلَّامة أبو المَعالي محمد بن عليّ الأنصاري بن الزملكاني (٢)، ومن خطه نقلتُ: وبيان أن كل معجزة لنبيٍّ فلنبيِّنا مثلها، إذا تمَّ يستدعي كلامًا طويلًا، وتفصيلًا لا يسعه مُجلَّدات عديدة، ولكن نُنَبِّه بالبعض على البعض، فلنذكر جلائلَ معجزات الأنبياء ﵈، فمنها نجاة نوح في السفينة بالمؤمنين، ولا شك أنَّ حملَ الماء للناس من غير سفينة أعظمُ من السُّلوك عليه في السفينة، وقد مشى كثيرٌ من الأولياء على متن الماء، وفي قصة العلاء بن زياد، صاحب رسول الله ﷺ ما يدلُّ على ذلك؛ روى سهمُ بن مِنْجاب قال: غزونا مع العلاء بن الحضرمي "دَارِيْن" (٣)، فدعا بثلاث دعوات فاستجيبتْ له، فنزلنا منزلًا فطلبَ الماء فلم يجده، فقام وصلَّى ركعتين، وقال: اللَّهُمَّ إنَّا عبيدُك وفي سبيلك، نقاتلُ عدوَّك، اللَّهُمَّ اسقنا غيثًا نتوضَأ به ونشربُ، ولا يكونُ لأحد فيه نصيبٌ غيرنا، فسرنا قليلًا فإذا نحن بماءً حين أقلعتِ السَّماءُ عنه، فتوضأنا منه وتزوَّدْنا، وملأتُ إداوتي وتركتها مكانَها حتى أنظر هل استجيب له أم لا، فسرنا قليلًا ثم قلت لأصحابي: نسيتُ إداوتي فرجعت إلى ذلك المكان فكأنَّه لم يصبه ماء قط، ثم سرنا حتى أتينا "دارين" والبحر بيننا وبينهم، فقال: يا عليٍّ يا حكيمُ يا عظيم! إنا عبيدك وفي سبيلك، نقاتل عدوك، اللهم فاجعل لنا إليهم سبيلًا، فدخلنا البحر فلم يبلغ الماء لبودنا، ومشينا على متن الماء ولم يبتل لنا شيء … وذكر بقية القصة. قال: فهذا أبلغُ من ركوب السفينة، فإنَّ حملَ الماء للسفينة معتاد، وأبلغ من فلق البحر لموسى، فإن هناك انحسرَ الماء حتَّى مشوا على الأرض، فالمعجزةُ انحسار الماء، وها هنا صار الماءُ جسدًا يمشون عليه كالأرض، وانما هذا منسوبٌ إلى النبيِّ ﷺ

стр. 3094

وبركته. انتهى ما ذكره بحروفه فيما يتعلَّق بنوح ﵇، وهذه القصة التي ساقها شيخُنا ذكرَها الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه "الدلائل": من طريق أبي بكر بن أبي الدنيا، عن أبي كريب، عن محمد بن فُضيل، عن الصَّلْت بن مطر العجلي، عن عبد الملك بن أخت سهم، عن سَهْم بن مِنْجَاب، قال: غزونا مع العلاء بن الحضرمي فذكره (١). وقد ذكرَها البخاريُّ في التاريخ الكبير من وجه آخر. ورواها البيهقي: من طريق أبي هريرة ﵁؛ أنه كان مع العلاء وشاهدَ ذلك. وساقَها البيهقيُّ: من طريق عيسى بن يونس، عن عبد الله بن عَوْن، عن أنس بن مالك، قال: أدركتُ في هذه الأمة ثلاثًا لو كانت في بني إسرائيل لما تقاسمتها الأمم [ولكان عجبًا] (٢) قلنا: ما هنَّ يا أبا حمزة؟! قال: كنا في الصُّفَّة عند رسول الله ﷺ ، فأتته امرأةٌ مهاجرةٌ، ومعها ابن لها قد بلغ، فأضاف المرأة إلى النساء، وأضاف ابنها إلينا، فلم يلبث أن أصابه وباء المدينة، فمرض أيَّامًا ثم قُبِضَ، فغمَّضَه النبيُّ ﷺ وأمرَ بجهازه، فلما أردنا أن نُغَسِّلَه قال: "يا أنس! ائتِ أمَّه، فأعلمْها " فأعلمتُها، قال: فجاءتْ حتى جلستْ عند قَدَمَيْه، فأخذتْ بهما ثم قالت: اللَّهم إني أسلمتُ لك طَوعًا، وخلعتُ الأوثان، فلا تُحمّلْنِي من هذه المُصيبة ما لا طاقةَ لي بحملِه. قال: فواللّه ما انقضَى كلامُها حتَّى حرَّكَ قدميْه، وألقى الثوبَ عن وجههِ، وعاشَ حتَّى قبضَ الله رسولَه ﷺ ، وحتى هلكت أُمُّه. قال أنس: ثم جَهَّزَ عمرُ بن الخَطَّاب جيشًا، واستعمل عليهم العلاء بن الحَضْرمِيّ، قال أنس: وكنتُ في غزاته، فأتينا مَغازينا فوجدنا القوم قد نذروا بنا فعَفَوا آثارَ الماء، الحرّ شديدٌ، فجَهِدَنا العطشُ ودوابَّنا، وذلك يومَ الجمعة، فلمَّا مالتِ الشَّمسُ لمغرِبِها، صلَّى بنا ركعتين، ثم مدَّ يدَه إلى السماء وما نرى في السماء شيئًا، قال: فوالله ما حَطَّ يدَه حتى بعثَ الله ريحًا وأنشأ سَحابًا وأفرغت حتى ملأت الغُدُرَ والشِّعاب، فشربنا، وسَقَيْنا رِكَابنا، واسْتَقَيْنا، قال: ثم أتينا عدوَّنا وقد جاوزوا خليجًا في البحر إلى جزيرة، قوقفَ على الخليج وقال: يا عليُّ يا عظيمُ! يا حليمُ يا كريمُ! ثم قال: أجيزوا باسم الله، قال: فأجزنا ما يبلُّ الماء حوافر دوابّنا، فلم نلبثْ إلا يسيرًا، فاصبنا العدوَّ غيلةً فقَتلْنا وأسرْنا وسَبَيْنَا، ثم أتينا الخليجَ، فقال مثل مقالته، فأجزنا ما يبلّ الماء حوافرَ دوابّنا. ثم ذكرَ موتَ العلاء ودفنَهم إيَّاه في أرض لا تقبلُ الموتى، ثم إنهم حفروا عليه لينقلوه منها إلى غيرها فلم يجدوه ثَمَّ، وإذا اللَّحْد يتلألأُ نورًا، فأعادوا التراب عليه ثم ارتحلوا (٣).

стр. 3095

فهذا السِّياق أتمُّ، وفيه قصة المرأة التي أحيا الله لها ولدَها بدعائها، وسننبِّه على ذلك فيما يتعلَّق بمعجزاتِ المسيح عيسى ابن مريم، مع ما يُشابهها إن شاء الله تعالى، كما سنُشير إلى قصة العلاء هذه مع ما سنُورده معها هاهنا، فيما يتعلَّق بمعجزات موسى ﵇، في قصَّة فَلْق البحر لبني إسرائيل، وقد أرشدَ إلى ذلك شيخنا في عيون كلامه. قصة أخرى تُشبه قصَّةَ العَلاء بن الحضرميّ روى البيهقي في "الدلائل" - وقد تقدَّم ذلك أيضًا -: من طريق سُليمان بن مهران الأعمش، عن بعض أصحابه، قال: انتهينا إلى دجلةَ وهي مَادَّة والأعاجم خلفَها، فقال رجلٌ من المسلمين: باسم الله، ثم اقتحمَ بفرسِه فارتفعَ على الماء، فقال النَّاسُ: باسم الله، ثم اقتحموا فارتفعوا على الماء، فنظرَ إليهم الأعاجمُ، وقالوا: ديوان، ديوان، أي: مجانين، ثم ذهبوا على وجوههم، قال: فما فقدَ النَّاسُ إلا قَدَحًا كان معلَّقًا بعلابة سرج، فلما خرجوا أصابوا الغنائمَ فاقتسموها، فجعل الرجل يقول: مَن يبادل صفراءَ ببيضاء (١)؟ وقد ذكرنا في "السيرة العمرية" وأيَّامها، وفي التفسير (٢) أيضًا: أن أول من اقتحم دجلة يومئذ أبو عُبيد الثَّقَفي (٣) أمير الجيوش في أيام عمرَ بن الخطاب ﵁، وأنه نظرَ إلى دجلةَ فتلا قولَه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: ١٤٥﴾ ثم سمَّى الله تعالى واقتحم بفرسه الماء واقتحمَ الجيشُ وراءَه، ولما نظرَ إليهم الأعاجمُ يفعلون ذلك جعلوا يقولون: ديوانا ديوانا، أي: مجانين مجانين، ثم وَلَّوا مُدبرينَ، فقتلَهم المسلمون، وغنموا منهم مغانمَ كثيرة. قصة أخرى شبيهة بذلك روى البيهقي: من طريق أبي النضر، عن سليمان بن المغيرة، أن أبا مسلم الخَوْلاني جاء إلى دجلةَ وهي ترمي الخشبَ مِنْ مَدِّها فمشَى على الماء والتفتَ إلى أصحابِه، وقال: هل تفقدونَ من متاعِكم شيئًا، فندعو الله تعالى؟ ثم قال: هذا إسناد صحيح (٤).

стр. 3096

قلت: وقد ذكر الحافظ الكبير، أبو القاسم، بن عساكر، في ترجمة أبي مسلم عبد الله بن ثوب الخَوْلاني هذه القصة بأبسط من هذا من طريق بقيَّة بن الوليد، حدَّثني محمد بن زياد، عن أبي مسلم الخولاني أنه كان إذا غزا أرض الروم فمروا بنهر قال: أجيزوا باسم الله، قال: ويمر بين أيديهم فيمرون على الماء، فما يبلغ من الدواب إلا إلى الركب، أو بعض ذلك، أو قريبًا من ذلك، قال: فإذا جازوا قال للناس: هل ذهبَ لكم شيء؟ من ذهبَ له شيء فأنا له ضامنٌ، قال: فألقى بعضهم مِخْلاةً عَمْدًا، فلما جاوزوا قال الرجلُ: مخلاتي وقعت في النهر، قال له: اتبعني، فإذا المِخْلاةُ قد تعلَّقت ببعض أعواد النَّهْر، فقال: خذها (١). وقد رواه أبو داود: من طريق ابن الأعرابي عنه، عن عمرو بن عثمان، عن بقية، به. ثم قال أبو داود: حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا سليمان بن المغيرة، عن حُميد: أن أبا مسلم الخولاني أتى على دجلةَ وهي ترمي بالخشب من مَدِّها، فوقفَ عليها، ثم حَمِدَ الله وأثنى عليه، وذكرَ مسيرَ بني إسرائيل في البحر، ثم لهزَ دابَّه فخاضتِ الماءَ، وتبعَه النَّاسُ حتى قطعُوا، ثم قال: هل فقدتُم شيئًا من مَتاعِكُم فأدْعُو الله أن يَردَّه عليَّ (٢)؟. وقد رواه ابنُ عساكر: من طريق أخرى عن عبد الكريم بن رشيد عن حُميد بن هلال العدوي، حدَّثني ابن عَمِّي أخي أبي، قال: خرجت مع أبي مسلم في جيش فأتينا على نهر عجاج منكر، فقلنا لأهل القرية: أين المخاضة؟ فقالوا: ما كانت ها هنا مخاضة قطُ ولكن المخاضة أسفل منكم على ليلتين، فقال أبو مسلم: اللَّهُمَّ أجزتَ بني إسرائيل البحرَ، وإنا عبيدك وفي سبيلك، فأجزنا هذا النهرَ اليوم، ثم قال: اعبُروا باسم الله، قال ابن عَمَّي: وأنا على فرس، فقلت: لأدفعنَّه أوَّل النَّاس خلفَ فرسِه، قال: فواللّه ما بلغَ الماءُ بطونَ الخيل، حتَّى عبرَ النَّاسُ كلُّهم، ثم وقفَ فقال: يا معشر المسلمين! هل ذهبَ لأحدٍ منكم شيءٌ فأدعو الله تعالى أن يردَّه (٣)؟. فهذه الكراماتُ لهؤلاء الأولياء، هي معجزات لرسول اللّه ﷺ كما تقدَّم تقريره، لأنهم إنما نالوها ببركة متابعته، ويُمْن سفارته، إذ فيها حجة في الدين، وحاجةٌ أكيدةٌ للمسلمين، وهي مشابهة لمعجزة نوح ﵇ في مسيره فوقَ الماء بالسفينة التي أمره الله تعالى بعملها، ولمعجزة موسى ﵇ في فَلْقِ البحر، وهذه فيها ما هو أعجب من ذلك، من جهة مسيرهم على متن الماء من غير حائل، ومن جهة أنه ماء جار والسير عليه أعجبُ من السير على الماء القَارِّ الذي يُجاز، وإن كان ماء الطوفان أَطمَّ وأعظم،

стр. 3097

فهذه خارقة، والخارقُ لا فرقَ بين قليله وكثيره، فإن من سلكَ على وجه الماء الخِضَم الجاري العجاج فلم تبتلَّ منه نعالُ خيولهم، أو لم يَصلْ إلى بُطونها، فلا فرقَ في الخارق بين أنْ يكونَ قامة أو ألف قامة، أو أن يكون نهرًا أو بحرًا، بل كونه نهرًا عجاجًا كالبرق الخاطف والسَّيْل الجاري، أعظمُ وأغربُ، وكذلك بالنسبة إلى فلق (١) البحر، وهو جانب بحر القلزم، حتى صار كل فِرْقٍ كالطود العظيم، أي: الجبل الكبير، فانحاز الماء يمينًا وشمالًا، حتى بدت أرض البحر، وأرسلَ الله عليها الريحَ حتى أيبسَها، ومشت الخيولُ عليها بلا انزعاج حتى جاوزوا عن آخرهم، وأقبلَ فرعون بجنوده: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [طه: ٧٨ - ٧٩] وذلك أنهم لما توسَّطوه وهمَّ أولهم بالخروج منه، أمر الله البحر فارتطمَ عليهم فَغرِقُوا عن آخرهم، فلم يفلت منهم أحدٌ، كما لم يفقد من بني إسرائيل واحدٌ، ففي ذلك آية عظيمة بل آيات معدودات، كما بسطنا ذلك في "التفسير" (٢) وللّه الحمد والمنة. والمقصود أنَّ ما ذكرناه من قصة العلاء بن الحضرمي، وأبي عُبيد (٣) الثقفي، وأبي مسلم الخَولاني، من مسيرهم على تيَّار الماء الجاري، فلم يُفقد منهم أحد، ولم يفقدوا شيئًا من أمتعتهم، هذا وهم أولياء، منهم صحابيُّ وتابعيان، فما الظن لو احتيجَ إلى ذلك بحضرة النبيّ ﷺ ، سيّد الأنبياء وخاتمهم، وأعلاهم منزلة ليلة الإسراء، وإمامهم [ليلتئذ] ببيت المقدس، والذي هو محل ولايتهم، ودار بدايتهم، وخطيبهم يوم القيامة، وأعلاهم منزلة في الجنة، وأول شافع في المحشر، وفي الخروج من النار، وفي دخول الجنة، وفي رفع الدرجات بها، كما بسطنا أقسام الشفاعة وأنواعها، في آخر الكتاب في أحوال يوم القيامة، وبالله المستعان. وسنذكر في المعجزات الموسوية ما وردَ من المعجزات المحمَّدية، ما هو أظهر وأبهر منها، ونحنُ الآن فيما يتعلَّق بمعجزات نوح ﵇، ولم يذكر شيخنا سوى ما تقدَّم، وأما الحافظ أبو نُعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، فإنه قال في آخر كتابه في "دلائل النبوة"، وهو في مجلدات ثلاث: الفصل الثالث والثلاثون: في ذكر موازنة الأنبياء في فضائلهم، بفضائل نبيِّنا، ومقابلة ما أُوتوا من الآيات بما أُوتي، إذ أُوتي ما أوتوا وشبهَه ونظيرَه، فكان أوَّل الرسل نوح ﵇، وآيتُه التي أُوتي شفاء غيظه، وإجابة دعوته، في تعجيل نقمة الله لمُكذبيه حتى هلك من على بسيط الأرض من صامت وناطق، إلا من آمن به ودخل معه في سفينته. ولعَمْري إنَّها آية جليلة، وافقت سابقَ قَدَر الله وما قد علمه في هلاكهم، وكذلك نبينا ﷺ لما كذبه قومُه وبالغوا في أذيَّتِه، والاستهانة بمنزلته من الله عر وجل، حتى ألقى السفيهُ عقبةُ بن أبي مُعيط سَلا الجزور على ظهره وهو ساجد، فقال: "اللهم عليكَ بالملأ من

стр. 3098

قريشًا (١) " ثم ساقَ الحديثَ عن ابن مسعود، كما تقدَّم ذِكْرُنا له في صحيح البخاري وغيره في وضمع الملأ من قريش على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد عند الكعبة سلا تلك الجزور، واستضحاكهم من ذلك، حتَّى إنَّ بعضَهم يميلُ على بعض من شدة الضحك، ولم يزل على ظهره، حتى جاءت ابنتُه فاطمةُ ﵍ فطرحته عن ظهره، ثم أقبلتْ عليهم تسبهم، فلما سلَّم رسول الله ﷺ من صلاته رفع يديه فقال: "اللهم عليك الملأ من قريش" ثم سمَّى فقال: "اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبةَ، وشيبةَ، والوليد بن عتبة، وأميَّة بن خلف، وعقبة بن أبي مُعيط، وعمارة بن الوليد". قال عبد الله بن مسعود: فوالذي بعثَه بالحقِّ رأيتُهم صرعى يوم بدر، ثم سُحبوا إلى القَليب قَليب بدر. وكذلك لما أقبلت قريشٌ يومَ بدر في عُددها وعَديدها (٢)، فحين عاينَهم رسولُ الله ﷺ : قال رافعًا يديه: "اللهم هذه قريش جاءَتك بفخرها وخيلائها، تحادُّك وتُكَذِّب رسولَك، اللهم أحِنْهم الغداةَ" (٣) فقُتل من أشرافهم (٤) سبعون، وأُسر من أشرافهم سبعون. ولو شاء الله لاستأصلَهم عن آخرهم، ولكن من حِلْمِ وشَرف نبيِّه أبقى منهم مَنْ سبقَ في قَدَرِه أن سيُؤمنُ به وبرسول الله ﷺ ، وقد دعا على عتبة بن أبي لَهَبٍ أن يُسَلِّط عليه كلبَه بالشام، فقتله الأسدُ عند وادي الزرقاء قبل مدينة بُصرى (٥). وكم له من مثلها ونظيرها [مما سلفَ ذكرناه وما لم نذكره وكذلك دعا على قريش سبعًا] (٦) كسبعِ يُوسفَ فقُحِطوا حتى أكلوا العِلْهِزَ، وهو الدَّمُ بالوبر، وأكلوا العظامَ وكلَّ شيء، ثم توسَّلوا إلى تراحمه وشفقته ورأفته، فدعا لهم، ففرَّج الله عنهم، وسُقوا الغيثَ ببركة دعائه. وقال الإمام الفقيه أبو محمد عبد الله بن حامد في كتاب "دلائل النبوة" - وهو كتاب حافل -: ذكرُ ما أُوتيَ نوح ﵇ من الفضائل، وبيان ما أُوتي محمد ﷺ مما يُضاهي فضائلَه ويزيد عليها: إن قوم نوح لما بلغوا من أذِيَّتِه والاستخفاف به، وترك الإيمان بما جاءهم به من عند الله، دعا عليهم فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] فاستجابَ الله دعوتَه، وغرق قومه، حتى لم يسلى شيء من الحيوانات والدوَّاب إلا مَنْ ركبَ السفينة، وكان ذلك فضيلة أُوتيها؛ إذ أُجيبتْ دعوتُه، وشفى صَدْرَه بإهلاك قومه. قلنا: قد أُوتي محمَّد ﷺ مثلَه حين نالَه من قريش ما نالَه من التكَذيب والاستخفاف،

стр. 3099

فأنزلَ الله إليه مَلَكَ الجبال وأمرَه بطاعته فيما يأمُره به من إهلاك قومه، فاختارَ الصبر على أَذِيَّتِهم، والابتهال في الدعاء لهم بالهداية. قلت: وهذا أحسن، وقد تقدَّمَ الحديث بذلك عن عائشة، عن رسول الله ﷺ ؛ في قصة ذهابه إلى الطائف، فدعاهم فآذوه، فرجع وهو مهموم، فلما كان عند قَرنِ الثعالب ناداه مَلَكُ الجبال فقال: يا محمَّد! إنَّ ربَّكَ قد سمعَ قولَ قومِكَ وما ردُّوا عليكَ، وقد أرسلني إليكَ لأفعلَ ما تأمرُني به، فإن شئتَ أطبقتُ عليهم الأخشبين - يعني: جبلي مكة اللذين يكتنفانها جنوبًا وشمالًا، أبو قبيس والأحمر - فقال: "بل أستأني بهم لعلَّ الله أن يُخرجَ من أصلابهم من لا يشرك بالله شيئًا" (١). وقد ذكرَ الحافظُ أبو نُعيم في مقابلة قوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٠ - ١٢] أحاديث الاستسقاء عن أنس وغيره، كما تقدَّم ذكرنا لذلك في دلائل النبوة قريبًا؛ أنه ﷺ سأله ذلك الأعرابي أن يدعوَ الله لهم، لما بهم من الجدب والجوع، فرفعَ يديه وقال: "اللهم اسقنا، اللهم اسقنا" (٢) فما نزلَ عن المنبر حتى رُئيَ المطرُ يتحادرُ على لحيته الكريمة ﷺ ، فاستحضرَ من استحضرَ من الصحابة ﵃ قولَ عمِّه أبي طالب فيه: وأَبيضَ يُستسقَى الغَمَامُ بوجهِهِ … ثِمالُ اليَتَامَى عِصمةٌ لِلأرامِلِ يَلُوذ بهِ الهلاكُ مِن آلِ هاشِمٍ … فَهُم عِندَه في نِعمَةٍ وَفَواضِلِ وكذلك استسقى في غير ما موضع للجدب والعطش فيُجاب كما يُريدُ على قَدْرِ الحاجة المائيَّة، ولا أزيد ولا أنقص، وهذا أبلغُ في المعجزة، وأيضًا فإن هذا ماءُ رحمةٍ ونعمة، وماءُ الطُوفان، ماءُ غَضَب ونقمة، وأيضًا فإنَّ عمرَ بن الخطاب ﵁ كان يَستسقي بالعبَّاس عمِّ النبي ﷺ فيُسقون، وكذلك ما زالَ المسلمون في غالب الأزمان والبلدان، يَستسقونَ فيُجابون فيُسقون، و [غيرُهم] لا يُجابون غالبًا ولا يُسقون، وللّه الحمد. قال أبوَ نُعيم: لبثَ نوحٌ في قومه ألفَ سنة إلا خمسين عامًا، فبلَّغَ جميعَ من آمن به رجالًا ونساء، الذين ركبوا معه في السفينة، دون مئة نفس، وآمنَ بنبيِّنا - في مدة عشرين سنة - النَّاسُ شرقًا وغربًا، ودانت له جبابرةُ الأرض وملوكها، وخافت زوال ملكهم، ككسرى وقيصر، وأسلم النجاشيُّ والأقيال رغبة في دين الله، والتزمَ من لم يُؤمن به من عظماء الأرض الجزية، والإيادة عن صَغار، أهلُ نجران، وهجر، وأيلعة، وأكيدر دومة، فذلُّوا له منقادينَ، لما أيده الله به من الرُّعب الذي يسير بين يديه شهرًا،

стр. 3100

وفتح الفتوح، ودخل الناس في دين الله أفواجًا كما قال الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ١ - ٢]. قلت: ماتَ رسولُ الله ﷺ وقد فتحَ الله له المدينةَ وخيبرَ ومكَةَ وأكثرَ اليمن وحضرموت، وتوفي عن مئة ألف صحابي أو يزيدون، وقد كتبَ في آخر حياته الكريمة إلى سائر ملوك الأرض يدعُوهم إلى الله تعالى، فمنهم من أجابَ، ومنهم من توقَّفَ، ومنهم مَن صانعَ ودَارى عن نفسه، ومنهمِ من تكبَّر فخابَ وخسر، كما فعلَ كسرى بن هرمز حين عتى وبغى وتكبَّر، فمُزق مُلكُه، وتفرَّق جندُه شَذرَ مَذَرَ، ثم فتحَ خلفاؤُه من بعده، أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليّ التالي على الأثر، مشارقَ الأرض ومغاربَها، من البحر الغربيّ إلى البحر الشرقيّ، كما قال رسولُ الله ﷺ : "زُويت لي الأرضُ فرأيتُ مشارقَها ومغاربَها، وسيبلغُ ملكُ أمتي ما زُوي لي منها" (١). وقال ﷺ : "إذا هلكَ قيصرُ فلا قيصرَ بعدَه، وإذا هلكَ كسرى فلا كسرى بعدَه، والذي نفسي بيده لَتُنْفِقُنَّ كنوزَهما في سبيل الله" (٢). وكذا وقعَ سَواءً بسواء، فقد استوسقت الممالكُ الإسلامية على ملك قيصر وحواصله، إلا القسطنطينية، وجميع ممالك كسرى وبلاد المشرق، وإلى أقصى بلاد المغرب، إلى أن قُتل عثمانُ ﵁ في سنة ست وثلاثين. فكما عمَّت جميعَ أهل الأرض النقمة بدعوة نوحُ ﵇، لما رأى ما هم عليه من التمادي في الضَّلال والكفر والفُجور، فدعا عليهم غضبًا للّه ولدينه ورسالته، فاستجاب الله له، وغضبَ لغضبه، وانتقمَ منهم بسببه، كذلك عمَّت جميعَ أهل الأرض النّعمةُ ببركة رسالة محمد ﷺ ودعوته، فآمن من آمن من الناس، وقامت الحجة على من كفر منهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وكما قال ﷺ : "إنما أنا رحمة مهداة" (٣).

стр. 3101

وقال هشام بن عمَّار في كتاب "المبعث": حدَّثني عيسى بن عبد الله النعماني، حدَّثنا المسعودي، عن أبي سعيد وعن سعيد بن جُبير، عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] قال: من آمن بالله ورسله تمَّت له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يُؤمن باللّه ورسله عُدَّ فيمن يستحقُّ تعجيلَ ما كان يُصيب الأمم قبل ذلك من العذاب والفتن والقذف والخسف. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] قال ابن عباس: النعمةُ محمَّد، والذين بَدَّلوا نعمةَ الله كفرًا كفار قريش - يعني: وكذلك كل من كذب به من سائر الناس - كما قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧]. قال أبو نُعيم: فإن قيل: فقد سمَّى الله نوحًا ﵇ باسم من أسمائه الحُسنى، فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣]. قلنا: وقد سمَّى الله محمَّدًا ﷺ باسمين من أسمائه فقال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] قال: وقد خاطبَ الله الأنبياءَ بأسمائهم، يا نوحُ! يا إبراهيم! يا موسى! يا داود! يا يحيى! يا عيسى ابن مريم، وقال مخاطبًا لمحمد ﷺ : يا أيُّها الرسول يا أيها النبي! يا أيها المُزمِّل يا أيها المُدثِّر! وذلك قائم مقام الكنية بصفة الشرف. ولما نسبَ المشركون أنبياءَهم إلى السَّفَه والجُنون، كلٌّ أجابَ عن نفسه، قال نوحٌ: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٦٧] وكذا قال هود ﵇. ولما قال فرعون: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١] قال [موسى] ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] إلى أمثال ذلك، وأما محمد ﷺ فإن الله تعالى هو الذي يتولَّى جوابَهم عنه بنفسه الكريمة، كما قال: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الحجر: ٦ - ٧] قال الله تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٨] وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٥ - ٦] ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣٠ - ٣١] وقال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤١ - ٤٣] ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ [القلم: ٥١] وقال الله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [القلم: ٥٢] وقال تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ١ - ٤] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣].

стр. 3102

القول فيما أوتي هود ﵇ قال أبو نعيم ما معناه: إن الله تعالى أهلكَ قومَه بالريح العقيم، وكانت ريحَ غضبٍ، ونصرَ الله تعالى محمّدًا ﷺ بالصَّبَا يومَ الأحزاب، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩]. ثم قال: حدَّثنا إبراهيم بن إسحاق، حدَّثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة (ح) وحدَّثنا عثمان بن محمد العثماني، أخبرنا زكريا بن يحيى السَّاجي، قالا: حدَّثنا أبو سعيد الأشج، حدَّثنا حفصُ بن غياث، عن داود بن أبي هند، عن عكرمةَ، عن ابن عباس، قال: لما كان يومُ الأحزاب انطلقت الجَنُوب إلى الشَّمأل فقالت: انطلقي بنا ننصرُ محمَّدًا رسولَ الله ﷺ ، فقالت الشَّمْال للجَنُوب: إن الحُرَّةَ لا تَسرِي بالليل، فأرسلَ الله عليهم الصَّبا، فذلك قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ (١) [الأحزاب: ٩]. ويشهدُ له الحديثُ المتقدم عن رسول اللّه ﷺ أنه قال: "نصرت بالصَّبَا وأُهلكت عادٌ بالدبور" (٢). القول فيما أُوتي صالحٌ ﵇ قال أبو نعيم: فإن قيل: فقد أخرجَ الله لصالح ناقةً من الصَّخرة جعلَها الله له آيةً وحُجَّةً على قومه، وجعلَ لها شُربَ يوم، ولهم شُربَ يومٍ معلوم، قلنا: وقد أعطى الله مُحمَدًا ﷺ مثلَ ذلك، بل أبلغَ، لأن ناقةَ صالح لم تُكَلِّمْه ولم تشهد له بالنبوة والرسالة، ومحمَّدٌ ﷺ شهدَ له البعيرُ النَّادُّ بالرسالة، وشكا إليه ما يلقَى من أهله، من أنهم يُجيعونه ويُريدون ذبحَه، ثم ساقَ الحديث (٣) بذلك كما قدَّمنا في دلائل النبوة بطرقه وألفاظه وغُرَرِه بما أغنى عن إعادته هاهنا، وهو في الصَّحاح والحِسان والمسانيد، وقد ذكرنا مع ذلك حديثَ الغزالة (٤)، وحديثَ الضَّبِّ (٥)، وشهادتَهما له ﷺ بالرسالة، كما تقدَّم التنبيه على ذلك والكلام فيه، وثبتَ الحديث في الصحيح (٦) بتسليم الحجر عليه قبل أن يُبعثَ، وكذلك سلامُ الأشجار والأحجار والمدر عليه قبل أن يُبعثَ ﷺ .

стр. 3103

القول فيما أُوتي إبراهيمُ الخليلُ ﵇ قال شيخنا العلامة أبو المَعالي بن الزَّمَلْكاني ﵀ وبلَّ بالرحمة ثراه: وأما خمود النار لإبراهيم ﵊، فقد خمدت لنبينا محمد ﷺ نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام وكان خمود نار فارس لمولده ﷺ وبينه وبينها مسافة أشهر كذا، وهذا الذي أشار إليه من خمود نار فارس ليلة مولده الكريم، قد ذكرناه بأسانيده وطرقه في أول السير (١)، عند ذكر المولد المُطهَّر الكريم (٢)، بما فيه كفاية ومقنع. ثم قال شيخنا: مع أنه قد أُلقي بعض هذه الأمة في النَّار فلم تُؤَثِّر فيه ببركة نبيِّنا محمد ﷺ ، منهم أبو مسلم الخولاني، قال: بينما الأسود بن قيس العَنْسي باليمن، فارسل إلى أبي مسلم الخولاني فقال: أتشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ الله؟ قال: نعم، قال: أتشهدُ أني رسولُ الله؟ قال: ما أسمع. فأعاد إليه، فقال: ما أسمع. فأمر بنار عظيمة قد أُجِّجَتْ، فطُرح فيها أبو مسلم فلم تضرَّه، فقيل له: لئن تركتَ هذا في بلادك أفسدها عليكَ، فأمره بالرحيل، فقدم المدينة وقد قُبِضَ رسولُ الله ﷺ واستُخلفَ أبو بكر، فقام إلى ساريةٍ من سواري المسجد يُصلَي، فبَصُرَ به عمرُ فقال: من أينَ الرَّجلُ؟ فقال: من اليمن. قال: ما فعلَ عدوُّ الله بصاحبنا الذي حرَّقه بالنار فلم تضرُّه؟ قال: ذاك عبد الله بن ثوب (٣)، قال: نشدتُك بالله أنتَ هو؟ قال: اللهم نعم. قال: فَقبَّلَ ما بين عينيْه ثم جاء به وأجلسَه بينه وبين أبي بكر الصديق، وقال: الحمدُ لله الذي لم يُمتني حتى أراني في أُمَّة محمّد ﷺ من فُعِلَ به كما فُعِلَ بإبراهيم خليل الرحمن ﵇. وهذا السِّياق الذي أوردَه شيخُنا بهذه الصفة قد رواه الحافظ الكبير، أبو القاسم ابن عساكر ﵀ في ترجمة أبي مسلم عبد الله بن ثُوَب. في "تاريخه" من غير وجه: عن عبد الوهاب بن الضحَّاك، عن إسماعيل بن عياش الحمصي، حدَّثني شرحبيل بن مسلم الخَوْلاني: أن الأسودَ بن قيس ذا الخمار العَنْسي تنبَّأ باليمن، فأرسلَ إلى أبي مسلم الخَوْلاني فأتي به، فلمَّا جاء به قال: أتشهدُ أني رسولُ الله؟ قال: ما أسمع، قال: أتشهد أن محمدًا رسولُ الله؟ قال: نعم، قال: فردَّ عليه ذلك مرارًا، ثم أمرَ بنار عظيمة فأُجِّجت، فأُلقي فيها فلم تضرَّه، فقيل للأسود: انفهِ عنكَ وإلا أفسدَ عليكَ مَنِ اتَّبعكَ. فأمرَه، فارتحلَ أبو مسلم، فأتى المدينةَ وقد قُبِضَ رسولُ الله ﷺ ، واستُخلفَ أبو بكر، فأناخَ أبو مسلم

стр. 3104

راحلتَه بباب المسجد، ثم دخلَ المسجدَ وقام يُصلِّي إلى ساريةٍ، فَبَصُرَ به عمرُ بن الخطَّاب، فأتاه فقال: مَن الرَّجلُ؟ فقال: من أهل اليمن. قال: ما فعلَ الرجلُ الذي حرَّقه الكذابُ بالنَّار؟ قال: ذاك عبد الله بن ثُوبَ، قال: فأنشدكَ بالله أنتَ هو؟ قال: اللهم نعم، قال: فاعتنقه ثم بكى، ثم ذهبَ به حتى أجلسَه بينه وبين أبي بكر الصديق، فقال: الحمدُ لله الذي لم يُمِتْني حتى أراني في أمة محمد ﷺ من فُعِلَ به كما فُعِلَ بإبراهيم خليل الرحمن. قال إسماعيلُ بن عبَّاس: فأنا أدركتُ رجالًا من الأمداد الذين يَمُدُّونَ إلينا من اليمن مِن خَولان، [من] ربما تمازحوا، فيقولُ الخَوْلانيون للعنسيين: صاحبُكم الكذَّابُ حرَّق صاحبَنا بالنَار فلم تضرَّه (١). وروى الحافظ ابنُ عساكر أيضًا من غير وجه: عن إبراهيم بن دُحَيْم: حدَّثنا هشام بن عمَّار، حدَّثنا الوليد، أخبرني سعيد بن بشير، عن أبي بشر - جعفر بن أبي وحشية - أن رجلًا من خَولانَ أسلم فأرادَه قومُه على الكفر فألقوه في نار فلم يحترقْ منه إلا أنملة لم يكن فيما مضى يُصيبها الوضوء، فقدمَ على أبي بكر فقال له: استغفر لي، قال: أنتَ أحق، قال أبو بكر: أنت أُلقيت في النار فلم تحترق، فاستغفر له ثم خرج إلى الشام، وكانوا يُشَبِّهونه بإبراهيم ﵇، وهذا الرجل هو أبو مسلم الخولاني. وهذه الرواية بهذه الزيادة تُحَقِّقُ أنه إنما نالَ ذلك ببركة متابعته الشريعة المحمَّدية المُطهَّرة المُقدَّسة، كما جاء في حديث الشفاعة: "وحرَّم الله على النَار أن تأكلَ مواضعَ السُّجود" (٢). وقد نزلَ أبو مسلم بداريَّا من غربيّ دمشق، وكان لا يسبقه أحدٌ إلى المسجد الجامع بدمشق وقتَ الصبح، وكان يُغازي ببلاد الروم، وله أحوالٌ وكراماتٌ كثيرة جدًّا، وقبرُه مشهور بداريا، والظاهر أنه مقامُه الذي كان يكون فيه، فإن الحافظ ابن عساكر رجَّح أنه مات ببلاد الروم، في خلافة معاوية، وقيل: في أيام ابنه يزيد، بعد الستين (٣)، والله أعلم. وقد وقعَ لأحمد بن أبي الحواري من غير وجه: أنه جاء إلى أستاذه أبي سليمان الدَّاراني يُعلمه بأن التَّنُّور قد سَجَرُوه، وأهلُه ينتظرون ما يأمرُهم به، فوجدَه يُكلِّمُ النَّاسَ وهم حولَه، فأخبره بذلك فاشتغلَ عنه بالناس، ثم أعلمَه فلم يلتفتْ إليه، ثم أعلمه مع أولئك الذين حولَه، فقال: اذهبْ فاجلسْ فيه، فذهبَ أحمدُ بن أبي الحَواري إلى التَّنُّور فجلسَ فيه وهو يتضرَّم نارًا، فكان عليه بردًا وسلامًا، وما زالَ فيه حتَّى استيقظَ أبو سُليمان من كلامه، فقال لمن حولَه: قوموا بنا إلى أحمد بن أبي الحَواري، فإني أظنُّه قد

стр. 3105

ذهبَ إلى التَّنوُّر فجلسَ فيه امتثالًا لما أمرته به، فذهبُوا فوَجدُوه جالسًا فيه، فأخذ بيده الشيخُ أبو سليمان وأخرجَه منه، رحمة الله عليهما (١). ثم قال شيخنا أبو المعالي: وأما إلقاؤه - يعني إبراهيم ﵇ من المِنْجنيق، فقد وقعَ في حديث البراء بن مالك في وقعة مسيلمة الكذَّاب، أنَّ أصحابَ مسيلمة انتهوا إلى حائط حفير فتحصَّنوا به وأغلقوا البابَ، فقال البراء بن مالك: ضَعُوني على تُرْسٍ واحملوني على رؤوس الرماح، ثم ألقوني من أعلاها داخلَ الباب، ففعلوا ذلك وألقوه عليهم فوقعَ وقامَ وقاتلَ المشركين حتى قتل عشرة أو أكثر، وفتحَ البابَ للمسلمين وكان سببَ هلاك المشركين، وقتلِ مُسيلمة. قلت: وذكرتُ ذلك مستقصًى في أيام الصّدِّيق حين بعثَ خالدَ بن الوليد لقتال مسيلمة وبني حنيفة، وكانوا في قريبٍ من مئة ألف أو يزيدون، وكان المسلمون بضعة عشر ألفًا، فلما التَقوا جعلَ كثيرٌ من الأعراب يفرُّون، فقال المهاجرون والأنصار: أخلصنا يا خالد! فميَّزَهم عنهم، وكان المهاجرون والأنصار قريبًا من ألفين وخمسمئة، فصمَّموا الحملةَ وجعلوا يتذامرون (٢) ويقولون: يا أصحابَ سورة البقرة! بطلَ السِّحر اليومَ! فهزموهم بإذن الله وألجؤوهم إلى حديقةٍ هناك، وتُسمَّى حديقة الموت، فتحصَّنوا بها، فحاصروهم فيها، ففعل البراءُ بن مالك، أخو أنس بن مالك - وكان الأكبر - ما ذكرَ من رفعه على الأسنة فوقَ الرِّماح حتى تمكَّنَ من أعلى سُورها، ثم ألقى نفسَه عليهم، ونهضَ سريعًا إليهم، ولم يزلْ يُقاتلُهم وحدَه ويُقاتلونه حتى تَمكَّن من فتح باب الحديقة، ودخلَ المسلمون يُكَبِّرونَ، وانتهوا إلى قصر مُسيلمةَ الكذَّاب وهو واقفٌ خارجَه عند جدار كانه جمل أورق - أي من سمرته - فابتدَره وحشيُّ بن حَرْب الأسود، قاتلُ حمزة، بحربته، وأبو دُجانة سِماكُ بن خرشة الأنصاري - وهو الذي يُنسب إليه شيخنا هذا أبو المعالي بن الزَّمَلْكانيّ - فسبقَه وحشيٌّ فأرسلَ الحربةَ عليه من بُعدٍ فانفذَها منه، وجاء إليه أبو دُجانة فعلاه بسيفه فقتلَه، لكن صرخت جارية من فوق القصر فقالت: وا أميراه! قتلَه العبد الأسود. ويقال: إن عمرَ مسيلمة - لعنه الله - يومَ قُتل مئة وأربعون سنة، فهو ممن طالَ عمرُه وساءَ عمله قبَّحه الله. هذا ما ذكرَه شيخُنا فيما يتعلَّق بإبراهيمَ الخليل ﵇. وأما الحافظ أبو نُعيم فإنه قال: فإن قيل: فإنَّ إبراهيمَ خُصَّ بالخُلَّة مع النبوة، قيل: فقد اتَّخذَ الله محمَّدًا خليلًا وحبيبًا، والحبيبُ ألطفُ من الخليل. ثم ساق من حديث شعبة: عن أبي إسحاقٍ، عن أبي

стр. 3106

الأحوص، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لو كنتُ مُتَّخِذًا خليلًا لاتَّخذتُ أبا بكرٍ خليلًا، ولكنَّ صاحبَكم خليلُ الله" (١). وقد رواه مسلم: من طريق شعبة والثوري، عن أبي إسحاق، ومن طريق عبد الله بن مرَّة، وعبد الله بن أبي الهذيل، كلُّهم عن أبي الأحوص عوف بن مالك الجشيمي، قال: سمعت عبد الله بن مسعود يُحدِّثُ عن رسول الله ﷺ قال: "لو كنتُ مُتَّخِذًا خليلًا لاتَّخذتُ أبا بكر خليلًا، ولكنَّه أخي وصاحبي، وقد اتَّخذَ الله صاحبَكم خليلًا" (٢) هذا لفظ مسلم. ورواه مسلم أيضًا منفردًا به: عن جندب بن عبد الله البجلي كما سأذكره (٣)، وأصلُ الحديث في الصحيحين: عن أبي سعيد (٤). وفي أفراد البخاري: عن ابن عباس (٥)، وابن الزبير (٦)، كما سقتُ ذلك في فضائل الصِّدِّيق ﵁. وقد أوردناه هنالك من رواية أنس، والبراء، وجابر، وكعب بن مالك، وأبي الحسين بن المُعلَّى، وأبي هريرة، وأبي واقد اللَّيْثي، وعائشة أم المؤمنين، ﵃ أجمعين. ثم إنما رواه أبو نُعيم من حديث عُبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أُمامة، عن كعب بن مالك، أنه قال: عهدي بنبيكم ﷺ قبلَ وفاته بخمسة أيام، فسمعتُه يقول: "لم يكنْ نبيٌّ إلا له خليلٌ من أمته، وإن خليلي أبو بكر، وإن الله اتَّخذَ صاحبَكم خليلًا" (٧). وهذا الإسناد ضعيف. ومن حديث محمد بن عَجْلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لكلِّ نبي خليلٌ، وخليلي أبو بكر بن أبي قُحافةَ، وخليلُ صاحبكم الرحمن" (٨). وهو غريب من هذا الوجه. ومن حديث عبد الوهاب بن الضَّحَّاك، عن إسماعيل بن عيَّاش، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن كثير بن مرة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله اتَّخذَنِي خليلًا كما اتَّخذَ إبراهيمَ خليلًا، منزلي ومنزل إبراهيم في الجنة تجاهين،

стр. 3107

والعباس بيننا مؤمن بين خليلين". غريبٌ، وفي إسناده نظر (١)، انتهى ما أورده أبو نُعيم ﵀. وقال مسلمُ بن الحجَّاج في "صحيحه": حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ واسحاقُ بن إبراهيم، قالا: حدَّثنا زكريا بن عديّ، حدَّثنا عُبيد الله بن عمرو، حدَّثنا زيد بن أبي أُنَيْسَةَ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن عبد الله بن الحارث، حدَّثني جُنْدَبُ بن عبد الله، قال: سمعتُ النبي ﷺ قبل أن يموتَ بخمسٍ وهو يقولُ: "إني أبرأُ إلى الله أن يكونَ لي بينكم خليلٌ، فإن الله قد اتَّخذني خليلًا كما اتَّخذَ إبراهيم خليلًا، ولو كنتُ مُتَّخِذًا مِن أُمَّتِي خليلًا لاتَّخذتُ أبا بكر خليلًا، ألا وإنَّ مَن كانَ قبلَكُم يتَّخذون قبورَ أنبيائهِم وصالحِيهم مَساجِدَ، ألا فلا تَتَّخذوا القبورَ مساجدَ، إني أنهاكُم عن ذلك" (٢). وأما اتِّخاذُه حَبيبًا خليلًا، فلم يتعرَّض لإسناده أبو نُعيم، وقد قال هشام بن عمَّار في كتابه "المبعث": حدَّثنا يحيى بن حمزة الحَضْرَميّ وعثمان بن علَّان القُرشي، قالا: حدَّثنا عروة بن رُويم اللَّخْمِي، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ الله أدركَ بي الأجلَ المرقومَ، وأخذَني لقُربهِ، واحتضرني احتضارًا، فنحنُ الآخرون، ونحن السَّابقون يومَ القيامة، وأنا قائلٌ قولًا غيرَ فخر: إبراهيمُ خليلُ الله، وموسى صفيُّ الله، وأنا حبيبُ الله، وأنا سيِّدُ ولدِ آدمَ يومَ القيامة، وإن بيدي لواءَ الحمد، وأجارَني الله عليكم من ثلاث: ألا يُهلكَكُم بسَنَة، وألا يستبيحَكُم عدوَّكُم، وألا تجتمعوا على ضلالة" (٣). وأما الفقيه أبو محمد عبدُ الله بن حامد، فتكلَّم على مقام الخُلَّة بكلام طويل إلى أن قال: ويُقال: الخليل: الذي يَعبدُ ربَّه على الرغبة والرهبة، من قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤] من كثرة ما يقول: أوَّاه. والحبيبُ: الذي يعبدُ ربَّه على الرؤية والمحبَّة. ويُقالُ: الخليل: الذي يكون معه انتظار العَطاء، والحبيبُ: الذي يكون معه انتظار اللِّقاء. ويُقال: الخليل: الذي يصلُ بالواسطة من قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] والحبيبُ: الذي يصل إليه من غير واسطة، من قوله: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] وقال الخليل: ﴿يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] وقال الله للحبيب محمد ﷺ : ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وقال الخليل: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧] وقال الله للنبيِّ: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨] وقال الخليلُ حين أُلقي في النَّار: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وقال الله لمحمد: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنقال: ٦٤] وقال الخليل: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] وقال الله لمحمد: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧] وقال

стр. 3108

الخليل: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] وقال الله للحبيب: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] وقال الخليل: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء: ٨٥] وقال الله لمحمد: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] وذكرَ أشياءَ أخرَ. وسيأتي الحديثُ في صحيح مسلم: عن أُبيِّ بن كعب؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنِّي سأقومُ مقامًا يومَ القيامة يرغبُ إليَّ الخلقُ كلُّهم حتى أبوهم إبراهيم الخليلُ فدل على أنه أفضلُ منه؛ إذ هو يحتاجُ إليه في ذلك المقام، ودل على أنَّ إبراهيمَ أفضلُ الخلق بعده، ولو كان أحد أفضل من إبراهيم بعدَه لذكرَه". ثم قال أبو نُعيم: فإن قيل: إنَّ إبراهيمَ ﵇ حُجِبَ عن نمروذ بحُجُب ثلاثة، قيل: فقد كان كذلك، وحُجِبَ محمّد ﷺ عمن أرادوه بخمسة حجب، قال الله تعالى في أمره: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩] فهذه ثلاث، ثم قال: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] ثم قال: ﴿فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ [يس: ٨] فهذه خمسُ حُجُب. وقد ذكرَ مثلَه سواء الفقيه أبو محمد بن حامد، وما أدري أيُّهما أخذَ من الآخر، واللّه أعلم. وهذا الذي قاله غريبٌ، والحُجُب التي ذكرَها لإبراهيم ﵇ لا أدري ما هي، كيف وقد ألقاه في النَّار التي نجَّاه الله منها! وأما ما ذكرَه من الحُجُبِ التي استدل عليها بهذه الآيات، فقد قيل: إنها جميعها معنوية لا حِسِّيَّة، بمعنى أنهم مصروفون عن الحق، لا يصلُ إليهم، ولا يخلصُ إلى قلوبهم، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥] وقد حرَّرنا ذلك في التفسير، وقد ذكرنا في السيرة وفي التفسير أن أمَّ جميل امرأةَ أبي لهبٍ، لما نزلت السورة في ذمِّها وذمِّ زوجها، ودخولهما النَّارَ، وخسارهما، جاءت بفِهْر (١) - وهو الحجر المستطيل - لترجُمَ النبي ﷺ ، فانتهت إلى أبي بكر وهو جالس عند النبيِّ ﷺ ، فلم ترَ رسول الله ﷺ وقالت لأبي بكر: أين صاحبُك؟ فقال: وماله؟ فقالت: إنَّه هجاني، فقال: وما هجاكِ؟ فقالت: واللّه لئن رأيته لأضربنَّه بهذا الفهر (٢) ثم رجعت وهي تقول: مُذَمّمًا أَتينا … ودِيْنَه قَلَيْنَا وكذلك حُجِبَ ومُنع من أبي جهل حين همَّ أن يطأ برجلِه رأسَ النبيِّ ﷺ وهو ساجد، فرأى جدثًا من نار، وهَوْلًا عظيمًا، وأجنحةَ الملائكة دونه، فرجعَ القهقرى وهو يَتَّقِي بيديه، فقالت له قريش:

стр. 3109

مالكَ، ويحَك؟ فأخبرَهم بما رأى. وقال النبي ﷺ : "لو تقدَّمَ لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا". وكذلك لما خرجَ رسولُ الله ﷺ ليلة الهجرة وقد أرصدوا على مدرجته وطريقه، وأرسلوا إلى بيته رجالًا يحرسونه لئلا يخرجَ، ومتى عاينوه قتلوه، فأمرَ عليًّا فنامَ على فراشه، ثم خرجَ عليهم وهم جلوس، فجعل يذرُّ على رأس كلِّ إنسان منهم ترابًا، ويقول: "شاهتِ الوجود (١) " ثم خرجَ ولم يروه، حتَّى صارَ هو وأبو بكر الصِّدِّيق إلى غار ثَورٍ، كما بسطنا ذلك في السيرة. وكذلك ذكرنا أن العنكبوت سدَّ على باب الغار؛ ليُعَمِّيَ الله عليهم مكانَه، وفي الصحيح: أنَّ أبا بكر قال: يا رسولَ الله! لو نظرَ أحدُهم إلى موضع قدميه لأبصرنَا، فقال: "يا أبا بكر! ما ظنَّك باثنين الله ثالثهما؟ " (٢) وقد قال بعض الشعراء في ذلك: نَسجُ داودَ ما حَمَى صاحِبَ الغا … رِ وَكانَ الفَخَارُ لِلعَنْكَبُوتِ وكذلك حُجبَ ومُنعَ مِن سراقةَ بن مالكِ بن جُعشُم حين اتَّبعَهم، بسقوط قوائم فرسه في الأرض، حتى أخذ منه أمانًا، كما تقدَّم بَسطُه في الهجرة. وذكر ابنُ حامدٍ في كتابه في مقابلة إضجاع إبراهيم ﵇ ولدَه للذبح مُستسلمًا لأمر الله تعالى، ببذل رسول الله ﷺ نَفسَه للقتل يومَ أُحد وغيره حتَّى نالَ منه العدو ما نالوا، من هَشم رأسه، وكَسْر ثنيَّته اليُمنى السُّفلى، كما تقدَّم بسطُ ذلك في السيرة. ثم قال: قالوا كان إبراهيمُ ﵇ ألقاه قومُه في النَّار فجعلَها الله بردًا وسلامًا، قلنا: وقد أُوتي رسولُ الله ﷺ مثلَه، وذلك أته لما نزل بخيبر سمَّته الخيبريةُ، فصيَّر ذلك السُّمَّ في جوفه بردًا وسلامًا إلى مُنتهى أجلهِ، والسُّمُّ يحرقُ إذ يستقرُّ في الجوف - كما تحرقُ النَّارُ. قلت: وقد تقدَّمَ الحديثُ بذلك في فتح خيبرَ، يُؤَيِّدُ ما قالَه أن بِشْرَ بن البَراء بن مَعرور مات سريعًا من تلك الشاة المسمومة، وأخبرَ ذراعُها رسولَ الله ﷺ بما أُودعَ فيه من السُّمِّ، وكان قد نَهَشَ منه نَهْشَة، وكان السُّمُّ فيه أكثر، لأنهم كانوا يفهمون أنه ﷺ يُحبُّ الذراعَ، فلم يَضرَّه السُّمُّ الذي حصلَ في باطنه بإذن الله ، حتى انقضى أجلُه ﷺ ، فذكرَ أنَّه وجدَ حينئذٍ من ألمِ ذلك السُّمَّ الذي كان في تلك الأكلة ﷺ . وقد ذكرنا في ترجمة خالد بن الوليد المَخزوميِّ، فاتحِ بلاد الشَّام، أنه أُتي بسُمٍّ فحثاه بحضرة الأعداء ليرهبَهم بذلك، فلم يرَ بأسًا، ﵁. ثم قال أبو نُعيم: فإن قيل: فإن إبراهيمَ خصمَ نمروذَ ببرهان نُبوَّتِه فَبَهَتَه، قال الله تعالى: ﴿فَبُهِتَ

стр. 3110

الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] قيل: محمد ﷺ أتاه الكذَّابُ بالبَعثِ، أبن بن خَلَف، بعظمٍ بالٍ ففرَكَه وقال: ﴿يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] فأنزل الله تعالى البرهان الساطع: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩] فانصرف مبهوتًا ببرهان نبوَّته. قلت: وهذا أقطعُ للحُجَّة، وهو استدلالُه للمَعَاد بالبَداءةِ، فالذي خلقَ الخَلقَ بعد أن لم يكونوا شيئًا مذكورًا، قادرٌ على إعادتِهم، كما قال: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١] أي: يُعيدهم كما بدأهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [الأحقاف: ٣٣] وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] هذا وأمرُ المَعاد نَظَريٌّ لا فِطريّ، ضروريٌّ في قول الأكثرين. فأما الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربه فإنه مُعاندٌ مكابرٌ، فإنَّ وجودَ الصانع مذكورٌ في الفِطَر، وكلُّ واحد مفطورٌ على ذلك، إلا من تغيَّرت فِطْرتُه، فيصيرُ نظريًا عندَه، وبعضُ المُتكلِّمِين يجعلُ وجودَ الصانع من باب النظر لا الضروريات، وعلى كل تقدير فدعواه أنه هو الذي يُحيي الموتى، لا يقبلُه عقل ولا سمعٌ، وكلُّ واحد يُكذِّبه بعقله في ذلك، ولهذا ألزمَه إبراهيمُ بالإتيان بالشمس من المغرب إن كان كما ادَّعى ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ البهقرة: ٢٥٨]. وكان ينبغي أن يذكر مع هذا؛ أنَّ الله تعالى سقَطَ محمَّدًا على هذا المعاندِ لمَّا بارزَ النبيَّ ﷺ يوم أُحد، فقتلَه بيده الكريمة، طعنه بحربةٍ فأصابَ ترقوته فتردَّى عن فرسه مِرارًا، فقالوا له: ويحكَ ما لك؟ فقال: واللّه إن بي لَما لو كانَ بأهل ذي المَجَاز لمَاتُوا أجمعين: ألم يقل: "بل أنا أقتلُه (١)؟ " واللّه لو بصقَ عليَّ لقتلني - وكان أُبيّ هذا لعنه الله قد أعدَّ فرسًا وحربةً ليقتل بها رسولَ الله ﷺ ، فقال: "بل أنا أقتلُه - إن شاء الله (٢) - " فكان كذلك يوم أُحد. ثم قال أبو نُعيم: فإن قيل: فإن إبراهيمَ ﵇ كسَّر أصنامَ قومه غضبًا لله، قيل: فإن محمَّدًا ﷺ كسَّر ثلاثمئة وستين صنمًا نُصبت حول الكعبة، فأشارَ إليهن فتساقطنَ، ثم روى من طريق عبد الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر قال: وقف رسول الله ﷺ يوم فتح مكة وحولَ البيت ثلاثمئة وستون صنمًا قد ألزمَها الشيطان بالرَّصاصِ والنُّحاس، فكان كلَّما دنا منها بِمخصَرَتِه تَهوي من غير أن يمسَّها، ويقولُ: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] فتساقط لوجوهها، ثم أمرَ بهنَّ فاُخرجنَ إلى المسيل.

стр. 3111

وهذا أظهرُ وأجلى من الذي قبلَه، وقد ذكرنا هذا في أوَّل دخول النبيِّ ﷺ مكة عام الفتح بأسانيده وطرقه من الصحاح وغيرها، بما فيه كفاية. وقد ذكر غيرُ واحد من علماء السِّيرة، أنَّ الأصنامَ تساقطت أيضًا لمولده الكريم، وهذا أبلغُ وأقوى في المعجزة من مباشرة كسرها. وقد تقدَّم (١) أنَّ نارَ فارسَ التي كانوا يعبدُونها خَمَدَت أيضًا ليلتئذ، ولم تَخْمَدْ قبل ذلك بألف عام، وأنَّه سقط من شُرفات قصر كسرى أربعَ عشرة شرفة، مؤذنة بزوال دولتهم بعد هلاك أربعة عشر من ملوكهم في أقصر مدة، وكان لهم في الملك قريب من ثلاثة آلاف سنة. وأما إحياءُ الطيور الأربعة لأبراهيمَ ﵇، فلم يذكره أبو نُعيم ولا ابنُ حامد، وسيأتي في إحياء الموتى على يد عيسى ﵇؛ ما وقعَ من المعجزات المحمَّدية من هذا النَمَط، ما هو مثل ذلك وأعلى من ذلك، كما سيأتي التنبيه عليه إذا انتهينا إليه، من إحياء أمواتٍ بدعواتٍ من أُمَّتِه، وحنين الجِذع، وتسليم الحَجَر والشَجَر والمَدَر عليه، وتكليم الذراع له، وغير ذلك. وأما قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] والآيات بعدَها، فقد قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] وقد ذكر ذلك ابنُ حامدٍ فيما وقفتُ عليه بعدُ، وقد ذكرنا في أحاديث الإسراء من كتابنا هذا، ومن التفسير ما شاهدهَ رسولُ الله ﷺ ليلة أُسري به من الآيات فيما بينَ مكَّة إلى بيت المقدس، وفيما بين ذلك إلى سماء الدنيا، ثم ما عاينَ من الآيات في السَّماوات السبع وما فوقَ ذلك، وسدرة المُنتَهى، وجنَّة المأوى، والنَار التي هي بئسَ المصير والمَثوى، وقال عليه أفضل الصلاة والسلام في حديث المنام - وقد رواه أحمد والترمذي وصحَّحه، وغيرهما - "فتجلَّى لي كلُّ شيء وعرفتُ" (٢). وذكرَ ابنُ حامد في مقابلة ابتلاءِ الله يعقوبَ ﵇ بفقدِه ولدَه يوسفَ ﵇، وصبرِه واستعانتِه ربَّه ، موتَ إبراهيم بن رسول الله ﷺ وصبرَه عليه، وقوله: "تدمع العينُ، ويحزنُ القلبُ، ولا نقول إلا ما يُرضي ربَّنا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون" (٣). قلتُ: وقد ماتت بناته الثلاثة: رقيَّة، وأُمُّ كلثوم، وزينبُ، وقُتِلَ عمّه حمزةُ، أسدُ الله وأسدُ رسوله يومَ أُحد، فصبرَ واحتسبَ. وذكرَ في مقابلة حُسنِ يوسفَ ﵇ ما ذُكِرَ من جمال رسولِ الله ﷺ ومهابتِه وحلاوتِه شكلًا ونفعًا وهَديًا، ودلًّا، ويُمنًا، كما؛ تقدَّم في ذكر شمائله من الأحاديث الدَّالَّةِ على ذلك، كما قالت الرُّبَيِّعُ بنت مُعَوِّذ:

стр. 3112

"لو رأيتَه لرأيتَ الشَّمسَ طالعةً" (١). وذكرَ في مقابلةِ ما ابتُلي به يوسفُ ﵇ من الفُرقة والغُربة، هجرةِ رسولِ الله ﷺ مِن مكَّةَ إلى المدينة، ومفارقته وطنَه وأهلَه وأصحابَه الذين كانوا بها. القول فيما أُوتي موسى ﵇ من الآيات البيِّنات وأعظمُهن تسعُ آياتٍ، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] وقد شرحناها في التفسير (٢)، وحَكَينا قولَ السَّلف عليها، واختلافهم فيها، وأن الجمهور على أنها: هي العصا في انقلابها حيَّة تسعى، واليدُ إذا أدخلَ يدَه في جَيْبِ درعه ثم أخرجَها تُضيء كقطعة قمر يتلألأُ إضاءَةً، ودعاؤُه على قومِ فرعونَ حين كذَّبوه، فأرسلَ عليهم الطُّوفانَ والجرادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ، آياتٍ مُفَصَّلاتٍ، كما بسطنا ذلك في "التفسير" (٣) وكذلك أخذَهم الله بالسّنين، وهي نقصُ الحُبوب، وبالجَدْب، وهو نقصُ الثِّمار، وبالموت الذريع، وهو نقصُ الأنفس، والطُّوفان في قول. ومنها: فَلْقُ البحر لإنجاءِ بني إسرائيلَ وإغراقِ آل فرعون، ومنها: تظليلُ بني إسرائيل في التيه بالغمام، وإنزال المَنّ والسَّلْوى عليهم، واستسقاؤُه لهم، فجعلَ الله ماءَهم يخرجُ من حَجَرٍ يُحملُ معهم على دَابّه، له أربعةُ وجوه، إذا ضربَه موسى بعصاه يخرجُ مِن كلِّ وجه ثلاثةُ أعين، لكلِّ سِبطٍ عَينٌ، ثم يضربُه فينقلع، إلى غير ذلك من الآياتِ الباهراتِ، كما بسطنا ذلك في التفسير، وفي قصَّة موسى ﵇ من كتابنا هذا في قصص الأنبياء منه، وللّه الحمدُ والمِنَّة، وقتل كلِّ من عَبَدَ العجْلَ منهم ثم أحياهُم الله تعالى، وقصَّة البقرة. أما العصا، فقال شيخنا العلَّامة ابنُ الزَّملكانِيّ: وأما حياة عصا موسى، فقد سبَّح الحَصى في كفِّ رسولِ الله ﷺ وهو جَماد، والحديثُ في ذلك صحيح (٤)، وهذا الحديثُ مشهورٌ عن الزُّهريّ، عن رجل، عن أبي ذَرٍّ، وقد قدَّمنا ذلك مبسوطًا في دلائل النبوة بما أغنى عن إعادته، وقيل: إنهن سبَّحنَ في كف (٥) أبي بكر ثم عمرَ ثم عثمان، كما سبَّحنَ في كفِّ رسول الله ﷺ ، فقال: هذه خِلافةُ النُّبُوَّة. وقد روى الحافظ ابن عساكر بسنده إلى بكر بن خنيس، عن رجل سمَّاه قال: كانَ بيد أبي مُسلم الخَوْلاني سُبْحَةٌ يُسَبِّحُ بها، قال: فنامَ والسُّبْحَةُ في يدِه، قال: فاستدارتِ الشُبْحَةُ فالتفَّتْ على ذراعِه

стр. 3113

وهي تقولُ: سبحانَكَ يا مُنْبِتَ النَبَاتِ ويا دائمَ الثَّبَاتِ. فقال: هلمَّ يا أمِّ مسلم وانظُري إلى أعجبِ الأعاجيبِ. قال: فجاءت أُمُّ مُسلمٍ والسُّبحةُ تدورُ وتُسَبِّحُ، فلما جلستْ سَكنت (١). وأصحُّ من هذا كُلِّه وأصرحُ حديثُ البخاريِّ عن ابن مسعود قال: كنَّا نسمعُ تسبيحَ الطعام وهو يُؤكلُ (٢). قال شيخنا: وكذلك قد سلَّمت عليه الأحجارُ. قلت: وهذا قد رواه مسلم عن جابر بن سَمُرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إني لأعرفُ حجرًا كَان يُسلِّم عليّ بمكة قبلَ أن أُبعثَ، إني لأعرفهُ الآن" (٣) فقال بعضهم: هو الحجرُ الأسودُ. وقال الترمذيُّ: حدَّثنا عبَّاد بن يعقوب الكُوفيّ، حدَّثنا الوليد بن أبي ثَوْر، عن السُّدي، عن عبَّاد بن يزيدَ، عن عليِّ بن أبي طالب ﵁، قال: كنتُ مع النبيِّ ﷺ بمكة في بعضِ نواحيها، فما استقبلَه جبلٌ ولا شجرٌ إلا قالَ: السَّلامُ عليكَ يا رسولَ الله (٤). ثم قال: غريب. ورواه أبو نُعيم في "الدلائل" من حديث السُّدَّي، عن أبي عُمارة الحيواني، عن علي قال: خرجتُ مع رسول الله ﷺ فجعلَ لا يمرُّ على حَجَرٍ ولا شَجَرٍ ولا مَدَرٍ ولا شَيء إلا سلَّم عليه. وقدَّمنا في أول المبعث أنه لما أوحى جبريلُ أوَّلَ ما أوحى إليه، فرجعَ لا يمرُّ بحجرٍ ولا مَدَرٍ ولا شيءٍ إلا قال: السَّلامُ عليكَ يا رسولَ الله. قال: وأقبلتِ الشَّجَرة عليه بدعائِه، وذكرَ اجتماعَ تينك الشجرتين لقضاءِ حاجتِه من ورائهما، ثم رجوعهما إلى منابتهما، وكِلا الحديثين (٥) في الصحيح، ولكن لا يلزمُ من ذلك حلولُ حياة فيهما، إذ قد يكونان ساقَهما سائقٌ، ولكن في قوله: "انقادي عليَّ بإذن الله (٦) ما يدلُّ على حصول شعور منهما لمخاطبته، ولا سيما مع امتثالهما ما أمرَهما به. قال: وأمرَ عِذْقًا من نَخْلةٍ أن ينزلَ، فنزلَ ينقز في الأرض حتى وقفَ بينَ يديْه، فقال: "أتشهدُ أنِّي رسولُ الله" (٧) فشهدَ بذلك ثلاثًا ثم عادَ إلى مكانه. وهذا أليقُ وأظهرُ في المطابقة من الذي قبلَه، ولكن هذا السِّياق فيه غرابةٌ.

стр. 3114

والذي رواه الإمام أحمد وصحَّحَه التِّرْمِذيُّ (١)، ورواه البيهقي والبخاريُّ في التاريخ: من رواية أبي ظبيانَ حُصين بن المُنْذر، عن ابن عبَّاس قال: جاء أعرابيٌّ إلى رسول الله ﷺ فقال: بم أعرفُ أنَّكَ رسولُ الله؟ قال: "أرأيتَ إن دعوتُ هذا العِذقَ من هذه النَّخْلة أتشهدُ أنِّي رسولُ الله؟ " قال: نعم. قال: فدعا العِذْقَ، فجعلَ العِذْقُ ينزلُ من النَّخْلةِ حتى سقطَ في الأرض، فجعل ينقزُ حتَّى أتى رسولَ الله ﷺ ، ثم قال له: "ارجعْ" فرجع حتَّى عاد إلى مكانه، وقالَ: أشهدُ أنَّكَ رسولُ الله، وآمن به (٢). هذا لفظ البيهقيِّ، وهو ظاهر في أن الذي شهدَ بالرسالة هو الأعرابيُّ، وكان رجلًا من بني عامرٍ، ولكن في رواية البيهقيِّ: من طريق الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس ﵄ قال: جاءَ رسولٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: ما هذا الذي يقولُ أصحابُكَ؟ قال: وحولَ رسولِ الله ﷺ أعذاقٌ وشجرٌ، فقال: "هل لكَ أنْ أُريكَ آيةً؟ " قال: نعم، فدعا غُصْنًا منها، فأقبلَ يخدُّ الأرضَ حتَّى وقفَ بين يديْه، وجعلَ يسجدُ ويرفعُ رأسَه، ثم أمرَه فرجعَ، قال: فرجعَ العامريُّ وهو يقولُ: يا بني عامر بن صَعْصَعَةَ: واللّه لا أُكَذِّبُه في شيءٍ يقولُه أبدًا (٣). وتقدَّم فيما رواه الحاكم في مستدركه مُتفرِّدًا به: عن ابن عمر؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ دعا رجلًا إلى الإسلام، فقال: هل من شاهدٍ على ما تقولُ؟ قال: "هذه الشجرة" فدعاها رسولُ الله ﷺ وهي على شاطئ الوادي، فأقبلتْ تخدُّ الأرضَ خَدًّا، فقامت بين يديه، فاستشهدَها ثلاثًا، فشهدتْ أنَّه كما قال، ثم إنها رجعت إلى مَنْبتِها، ورجعَ الأعرابي إلى قومه، وقال: إن يَتَّبِعُوني أتيتُكَ بهم، وإلا رجعتُ إليك وكنتُ معك (٤). قال: وأما حنينُ الجِذْعِ الذي كانَ يخطبُ إليه النبيُّ ﷺ ، فعُمِلَ له المِنْبَرُ، فلما رَقَى عليه وخطبَ حنَّ الجِذعُ إليه حنينَ العِشار، والنَّاسُ يسمعونَ بمشهدِ الخَلْقِ يومَ الجمعة، ولم يزل يَئِنُّ ويَحِنُّ حتى نزلَ إليه النبيُّ ﷺ فاعتنقَه وسَكَّنَه وخيَّره بينَ أن يرجعَ غُصنًا طَرِيًّا أو يُغرسَ في الجنَّةِ يأكلُ منه أولياءُ الله، فاختارَ الغَرْسَ في الجنَّة وسكنَ عند ذلك. فهو حديثٌ (٥) مشهور معروف، قد رواه من الصحابة عدد كثير متواتر، وكان بحضور الخلائق، وهذا الذي ذكرَه من تواتر حنين الجِذْعِ هو كما قال، فإنه قد روى هذا الحديثَ جماعة من الصحابة، وعنهم أعداد من التابعين، ثم مِنْ بَعدِهم آخرون عنهم لا يُمكن تَواطؤُهم

стр. 3115

على الكذب، فهو مقطوعٌ به في الجملة. وأما تخييرُ الجِذع كما ذكرَه شيخُنا فليس بمتواتر، بل ولا يصحُّ إسناده. وقد أوردتُه في الدلائل عن أُبن بن كعب، وذُكرَ في مسند أحمد، وسنن ابن ماجه. وعن أنسٍ من خمس طرق إليه، صحَّح الترمذيُّ إحداها، وروى ابنُ ماجه أخرى، وأحمد ثالثةً، والبزارُ رابعةً، وأبو نُعيم خامسة. وعن جابر بن عبد الله في صحيح البخاري من طريقين عنه، والبزار من ثالثة ورابعة، وأحمد من خامسة وسادسة، هذه على شرط مسلم. وعن سهل بن سعد في مصنف ابن أبي شيبةَ على شرط الصحيحين. وعن ابن عبَّاس في مسند أحمد وسنن ابن ماجه بإسناد على شرط مسلم، وعن ابن عمر في صحيح البخاري، ورواه أحمد من وجه آخر عن ابن عمر. وعن أبي سعيد في مسند عبد بن حُميد بإسناد على شرط مسلم، وقد رواه أبو يَعْلى المَوْصلي من وجه آخر عنه. وعن عائشة رواه الحافظ أبو نُعيم من طريق علي بن أحمد الجوربي، عن قبيصة، عن حبَّان بن علي، عن صالح بن حبَّان، عن عبد الله بن بُريدة، عن عائشة، فذكرَ الحديث بطوله، وفيه أنَّه خيَّره بين الدنيا والآخرة، فاختارَ الجِذعُ الآخرةَ، وغارَ حتَّى ذهبَ فلم يُعرف، وهذا غريب إسنادًا ومتنًا. وعن أُمِّ سلمة رواه أبو نُعيم بإسناد جيد. وقد تقدَّمتِ (١) الأحاديث ببسط أسانيدها وتحرير ألفاظها وعزوها، بما فيه كفايةٌ عن إعادته هاهنا، ومَنْ تدبُّرها حصلَ له القطعُ بذلك، ولله الحمدُ والمِنَّة. قال القاضي عياض بن موسى السبتي المالكي في كتابه "الشفا" (٢): وهو حديث مشهور متواتر خرَّجه أهل الصحيح، ورواه من الصحابة بضعة عشر، منهم: أبي، وأنس، وبُريدة، وجابر، وسهل بن سعد، وابن عبَّاس، وابن عمر، والمطلب بن أبي وداعة، وأبو سعيد، وأُمُّ سلمة ﵃ أجمعين. قال شيخنا: فهذه جمادات ونباتات، وقد حييت (٣) وتكلَّمت، وفي ذلك ما يُقابل انقلاب العصا حية. قلت: وسنُشير إلى هذا عند ذكر معجزات عيسى ﵇ في إحيائه الموتى بإذن الله تعالى في ذلك، كما رواه البيهقيّ: عن الحاكم، عن أبي أحمد بن أبي الحسين، عن عبد الرحمن بن أبي حاتم، عن أبيه، عن عمرو بن سواد، قال: قال لي الشافعيُّ: ما أَعطى الله نبيًّا ما أَعطى محمَّدًا ﷺ . فقلت:

стр. 3116

أعطي عيسى إحياءَ الموتى، فقال: أُعطي محمَّدٌ الجِذعَ الذي كان يَخطبُ إلى جنبه حتى هُيِّئَ له المنبرُ، فلما هُيِّئَ له حن الجِذعُ حتى سُمِعَ صوتُه، فهذا أكبرُ من ذلك (١). وهذا إسنادٌ صحيحٌ إلى الشافعي ﵀، وهو مما كنتُ أسمعُ شيخنَا الحافظَ أبا الحجَّاج المِري ﵀ يذكرُه عن الشافعي ﵀ وأكرمَ مثواه، وإنما قال: فهذا أكبرُ من ذلك؛ لأن الجِذعَ ليس مَحَلًّا للحياة، ومع هذا حصلَ له شعورٌ، ووَجِدَ لما تحوَّل عنه إلى المِنبر، فأنَّ وحنَّ حنينَ العِشار حتَّى نزلَ إليه رسول الله ﷺ فاحتضنَه وسكَّنَه حتى سكنَ. قال الحسن البصري: فهذا الجِذْعُ حَنَّ إليه، فأنتُم أحقُّ أن تحِنُّوا إليه. وأما عودُ الحياة إلى جسد كانت فيه بإذن الله فعظيمٌ، وهذا أعجبُ وأعظمُ من إيجاد حياة وشعور في محلٍّ ليس مألوفًا لذلك، ولم تكن فيه قبلُ بالكُلِّية، فسبحان الله رب العالمين!. تنبيه: وقد كان لرسول الله ﷺ لواءٌ يُحملُ معه في الحرب، يخفقُ في قلوب أعدائه مسيرةَ شهر بين يديه، وكانت له عَنَزَةٌ تُحمَلُ بين يديه، فإذا أرادَ الصَّلاة إلى غير جدار ولا حائل رُكِّزت بين يديه، وكان له قضيبٌ يتوكَّأ عليه إذا مشى، وهو الذي عَبَّرَ عنه سَطيح في قوله لابن أخته عبد المسيح بن بقيلة: يا عبدَ المسيح! إذا كثرت التلاوة، وظهرَ صاحبُ الهَراوة وغاضتْ بُحيرة ساوة، فليستِ الشامُ لسَطِيح شامًا (٢). ولهذا كان ذكرُ هذه الأشياء عند إحياء عصا موسى وجَعلِها حَيَّةً أليقُ، إذ هي مساويةٌ لذلك، وهذه مُتعدِّدة في مَحالّ متفرقة، بخلاف عصا موسى فإنها وإن تعدَّد جَعلُها حيَّة، فهي ذاتٌ واحدة، واللّه أعلم. ثم نُنَبِّه على ذلك عند ذكر إحياء الموتى على يد عيسى لأنَّ هذه أعجبُ وأكبرُ وأظهر، والله أعلم. قال شيخنا: وأما أنَّ الله كَلَّمَ موسى تكليمًا، فقد تقدَّمَ حصولُ الكلام للنبي ﷺ ليلة الإسراء مع الرؤية، وهو أبلغ. ويشهدُ له: "فنُوديت: أن يا محمَّدُ! كمَّلت فريضتي، وخَفَّفتُ عن عبادي" (٣) وسياقُ بقية القِصَّة يُرشد إلى ذلك، وقد حكى بعضُ العلماء الإجماعَ على ذلك، لكن رأيتُ في كلام القاضي عياض (٤) نقل خلافٍ فيه، والله أعلم. وأما الرؤيةُ ففيها خلاف مشهور بين الخَلَف والسَّلَف، ونصرَها من الأئمة أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزيمة المشهور بإمام الأئمة، واختارَ ذلك القاضي (٥) عياض والشيخ محيي الدين النووي (٦).

стр. 3117

وجاء عن ابن عبَّاس تصديق الرؤية، وجاء عنه تفنيدها، وكلاهما في صحيح مسلم (١). وفي الصحيحين (٢) عن عائشة إنكار ذلك، وقد ذكرنا في الإسراء: عن ابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي ذر، وعائشة ﵃، أن المرئيَّ في المرتين المذكورتين في أول سورة النَجْم، إنما هو جبريلُ ﵇. وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: قلت: يا رسولَ الله! هل رأيتَ رَبَّكَ؟ فقال: "نور أنِّى أراه" (٣)؟ وفي رواية: "رأيت نورًا" (٤). وقد تقدَّمَ بسطُ ذلك في الإسراء في السيرة، وفي التفسير في أول سورة بني إسرائيل. وهذا الذي ذكرَه شيخنا فيما يتعلَّق بالمعجزات الموسوية عليه أفضل الصلاة والسلام. وأيضًا فإن الله تعالى كلَّم موسى وهو بطُور سَيْناء، وسألَ الرؤيةَ فَمُنِعَها، وكلَّم محمدًا ﷺ ليلةَ الإسراء وهو بالملأ الأعلى حين رُفع لمستوى سمع فيه صريفَ الأقلام، وحصلت له الرؤيةُ في قول طائفة كبيرة من علماء السَّلَفِ والخَلَف، واللّه أعلم. ثم رأيتُ ابنَ حامد قد طرقَ هذا في كتابه وأجادَ وأفادَ، وقال ابنُ حامد: قال الله تعالى لموسى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] وقال لمحمد: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] وأما اليد التي جعلَها الله برهانًا وحُجَّة لموسى على فرعون وقومه، كما قال تعالى بعد ذكر صيرورة العَصا حيَّة: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [القصص: ٣٢]. وقال في سورة طه: ﴿آيَةً أُخْرَى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ [طه: ٢٢ - ٢٣] فقد أعطى الله محمّدًا انشقاقَ القمر بإشارته إليه فرقتين، فرقة من وراء جبل حِرَاء، وأخرى أمامه، كما تقدَّم بيان ذلك بالأحاديث المتواترة، مع قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١ - ٢] ولا شَكَّ أنَّ هذا أجلُّ وأعظم وأبهر في المعجزات وأعتمُ وأظهر وأبلغ من ذلك. وقد قال كعبُ بن مالك في حديثه الطويل في قصة توبته: وكان رسول الله ﷺ إذا سُرَّ استنارَ وجهُه كأنَّه فلقة قمر، وذلك في صحيح البخاري (٥). وقال ابنُ حامد: قالوا: فإن موسى أعطي اليدَ البيضاءَ،

стр. 3118

قلنا لهم: فقد أُعطي مُحمَّدٌ ﷺ ما هو أفضلُ من ذلك؛ نورًا كان يُضيءُ عن يمينه حيث ما جلسَ، وعن يساره حيث ما جلس وقامَ، يراه النَّاسُ كلُّهم، وقد بقي ذلك النُّورُ إلى قيام الساعة، ألا ترى أنه يُرى النُّورُ السَّاطع من قبره ﷺ من مسيرةِ يوم وليلة؟ هذا لفظه. وهذا الذي ذكرَه من هذا النور غريب جدًّا. وقد ذكرنا في السيرة عند إسلام الطُّفَيْل بن عمرو الدَّوسي؛ أنه طلبَ من النبيِّ ﷺ آيةً تكون له عَوْنًا على إسلام قومه فدعا له، وذهبَ إلى قومِه، فلما أشرفَ على قومِه من بيتِه هناكَ؛ سطعَ نورٌ بينَ عينَيه كالمصبَاح، فقال: اللَّهُم في غير هذا الموضع فإنهم يَظنُّونَه مُثلَةً، فتحوَّلَ النُّور إلى طرف سوطه، فجعلوا ينظرون إليه كالمصباح، فهداهم الله على يديه ببركة رسول الله ﷺ وبدعائه لهم في قوله: "اللهم اهدِ دَوسًا، وائتِ بهم" (١) وكان يُقال للطُّفَيْل: ذو النور، لذلك. وذكرَ أيضًا حديثَ أُسَيْد بن حُضَيْر وعبَّاد بن بِشْر في خروجهما من عند النبيِّ ﷺ في ليلة مُظْلِمَةٍ، فأضاءَ لهما طرفُ عصا أحدهما، فلما افترقا أضاء كل واحد منهما طرف عصاه، وذلك في صحيح البخاري (٢) وغيره. وقال أبو زُرعةَ الرازيُّ في كتاب دلائل النبيِّ: حدَّثنا سُليمان بن حرب، حدَّثنا حمَّاد بن سلمةَ، عن ثابت بن أنس بن مالك، أنَّ عبَّاد بن بِشْر وأُسيْد بن حُضَيْر خرجا من عند النبي ﷺ في ليلة ظلماءَ حِندس (٣)، فأضاءت عصا أحدهما مثل السِّراج، وجعلا يمشيان بضوئها، فلما تفرَّقا إلى منزلهما أضاءت عصا ذا وعصا ذا. ثم روى عن إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزبير بن العوَّام، وعن يعقوب بن حُميد المدني، كلاهما عن سفيان بن حمزة، عن كثير بن زيد، عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلميّ، عن أبيه، قال: سرنا في سفير مع رسول الله ﷺ في ليلةٍ ظلماءَ دِحْمِسَة، فأضاءت أصابعي، حتَّى جَمَعُوا عليها ظهرَهم، وما هلكَ منهم، وإنَّ أصابعي لتستنيرُ (٤). وروى هشام بن عمَّار في "المبعث": حدَّثَنا عبدُ الأعلى بن محمد البَكْري، حدَّثنا جعفرُ بن سُليمان البصري، حدَّثنا أبو التَّيَّاح الضَّبْعي، قال: كان مُطَرِّف بن عبد الله يبدو، فيدخل كلَّ جمعة، فرُبما نُوِّرَ

стр. 3119

له في سوطه، فأدلجَ ذاتَ ليلةٍ وهو على فرسه، حتَّى إذا كان عند المقابر هوَّم به، قال: فرأيتُ صاحبَ كل قبرٍ جالسًا على قبره، فقال: هذا مُطَرِّفٌ يأتي الجمعةَ، فقلتُ لهم: وتعلمونَ عندَكم يومَ الجمعة؟ قالوا: نعم، ونعلم ما تقولُ فيه الطَّيرُ، قلتُ: وما تقول فيه الطير؟ قالوا: تقول: ربِّ سَلِّم سَلِّم، يومٌ صالح (١). وأما دعاؤه ﵇ عليهم بالطُّوفان، وهو الموت الذريع في قول، وما بعدَه من الآيات، والقحْط والجَدْب، فإنما كان ذلك لعلَّهم يرجعون إلى متابعته ويُقلعون عن مخالفته، فما زادهم إلا طُغيانًا كبيرًا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٨ - ٤٩] ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٢ - ١٣٦] وقد دعا رسولُ الله ﷺ على قريش حين تمادوا في مخالفته بسبعٍ كَسَبْعِ يوسفَ، فقُحطوا حتَّى أكلوا كلَّ شيء، وكان أحدُهم يرى بينَه وبين السماء مثل الدُّخَان من الجوع. وقد فسَّرَ ابن مسعود قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] بذلك، كما رواه البخاري (٢) عنه في غير ما موضع من صحيحه. ثم توَسَّلوا إليه، صلوات الله وسلامه عليه، بقرابتِهم منه مع أنه بُعث بالرحمة والرأفة، فدعا لهم، فأقلعَ عنهم، ورُفع عنهم العذاب، وأحيوا بعدما كانوا أَشرفوا على الهلكة. وأما فَلْقُ البحر لمُوسى ﵇ حينَ أمرَه الله تعالى - حين تَراءى الجمعان - أن يضربَ البحرَ بعصاه فانفلقَ فكان كلُّ فِرْقٍ كالطَودِ العظيم، فإنه معجزةٌ عظيمة باهرة، وحُجَّةٌ قاطعة قاهرة، وقد بسطنا ذلك في التفسير وفي قصص الأنبياء من كتابنا (٣) هذا. وفي إشارته ﷺ بيده الكريمة إلى قمرِ السَّماء فانشقَّ القمرُ فِلْقَتَين وَفقَ ما سألَه قريش، وهم معه جلوسٌ في ليلة البدر، أعظمُ آية، وأيمنُ دلالة، وأوضحُ حجَّة، وأبهرُ بُرهانٍ على نبوته وجاهه عند الله

стр. 3120

تعالى، ولم يُنقل معجزةٌ عن نبيٍّ من الأنبياء من الآيات الحِسِّيَّات أعظمُ من هذا، كما قرَّرنا ذلك بأدلته من الكتاب والسُّنة، في التفسير وفي أول البعثة (١) واللّه أعلمُ. وهذا أعظمُ من حَبس الشَّمس قليلًا ليُوشعَ بن نون حتَّى تَمَكَّن من الفتح ليلة السبت، كما سيأتي تقريرُ ذلك مع ما يُناسب ذكره عنده. وقد تقدَّم من سيرة العَلاء الحَضرميِّ، وأبي عُبيد الثَّقَفِيِّ وأبي مُسلم الخَولانيّ، وسَيرِ الجُيوش التي كانت معهم على تيَّار الماء، ومنها دجلة، وهي جاريةٌ عجَّاجة (٢)، تقذفُ بالخشب من شِدَّة جريها، وتقدَّم تقريرُ أنَّ هذا أعجبُ من فَلقِ البحر لموسى من عدة وجوه، واللّه أعلم. وقال ابن حامد: فإن قالوا: فإنَّ موسى ﵇ ضربَ بعصاه البحرَ فانفلقَ، فكان ذلك آيةً لموسى ﵇. قلنا: فقد أُوتي رسولُ الله ﷺ مثلَها. قال علي ﵁: لمَّا خرجنا إلى خيبرَ فإذا نحن بواد سُحتٍ، وقدَّرنَاه فإذا هو أربع عشرة قامة، فقالوا: يا رسول الله! العدوُّ من ورائِنا والوادي من أمامنا، كما قال أصحاب موسى: ﴿إِنَّا لَمُدرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] فنزلَ رسول الله ﷺ ثم قال: اللهم إنَّكَ جعلتَ لكل مرسلٍ دلالةً، فأرني قدرتكَ، فركبَ رسول الله ﷺ فعبرتِ الخيلُ لا تُبدي حوافرَها، والإبلُ لا تُبدي أخفافَها، فكان ذلك فتحًا. وهذا الذي ذكرَه بلا إسناد، ولا أعرفُه في شيء من الكتب المُعتمدة بإسناد صحيح ولا حسن، بل ولا ضعيف، فاللّه أعلم. وأما تظليلُه بالغَمام في التِّيه، فقد تقدَّم ذكرُ حديث الغَمامة (٣) التي رآها بحيرا تُظِلُّه من بين أصحابه، وهو ابنُ اثنتي عشرة سنة، صُحْبةَ عمِّه أبي طالب وهو قادم إلى الشام في تجارة، وهذا أبهرُ من جهةِ أنَّه كان وهو قبل أن يُوحى إليه، وكانت الغَمامة تُظِلُّه وحدَه من بين أصحابه، فهذا أشدُّ في الاعتناء، وأظهرُ من غَمام بني إسرائيل وغيرهم، وأيضًا فإن المقصود من تظليل الغَمام إنَّما كان لاحتياجهم إليه من شِدَّة الحَرِّ. وقد ذكرنا في الدلائل حين سُئل النبيُّ ﷺ أن يدعوَ لهم ليُسقَوا، لما هم عليه من الجُوع والجَهد والقَحط، فرفَعَ يديه وقال: "اللَّهُمَّ اسقِنا، اللَّهُمَّ اسقِنا، اللَهُمَّ اسقِنا" قال أنس: ولا واللّه ما نرى في السَّماء من سَحابٍ ولا قَزَعة (٤)، وما بيننا وبين سَلع من بيتٍ ولا دار، فأنشأت من ورائه سحابة مثل التُّرس، فلما تَوسَّطتِ السماءَ انتشرت ثم أمطرت، قال أنس: فلا واللّه ما رأينا الشَّمسَ سبتنا. ولمَّا
следующие страницы →