← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

أعطي عيسى إحياءَ الموتى، فقال: أُعطي محمَّدٌ الجِذعَ الذي كان يَخطبُ إلى جنبه حتى هُيِّئَ له المنبرُ، فلما هُيِّئَ له حن الجِذعُ حتى سُمِعَ صوتُه، فهذا أكبرُ من ذلك (١). وهذا إسنادٌ صحيحٌ إلى الشافعي ﵀، وهو مما كنتُ أسمعُ شيخنَا الحافظَ أبا الحجَّاج المِري ﵀ يذكرُه عن الشافعي ﵀ وأكرمَ مثواه، وإنما قال: فهذا أكبرُ من ذلك؛ لأن الجِذعَ ليس مَحَلًّا للحياة، ومع هذا حصلَ له شعورٌ، ووَجِدَ لما تحوَّل عنه إلى المِنبر، فأنَّ وحنَّ حنينَ العِشار حتَّى نزلَ إليه رسول الله ﷺ فاحتضنَه وسكَّنَه حتى سكنَ. قال الحسن البصري: فهذا الجِذْعُ حَنَّ إليه، فأنتُم أحقُّ أن تحِنُّوا إليه. وأما عودُ الحياة إلى جسد كانت فيه بإذن الله فعظيمٌ، وهذا أعجبُ وأعظمُ من إيجاد حياة وشعور في محلٍّ ليس مألوفًا لذلك، ولم تكن فيه قبلُ بالكُلِّية، فسبحان الله رب العالمين!. تنبيه: وقد كان لرسول الله ﷺ لواءٌ يُحملُ معه في الحرب، يخفقُ في قلوب أعدائه مسيرةَ شهر بين يديه، وكانت له عَنَزَةٌ تُحمَلُ بين يديه، فإذا أرادَ الصَّلاة إلى غير جدار ولا حائل رُكِّزت بين يديه، وكان له قضيبٌ يتوكَّأ عليه إذا مشى، وهو الذي عَبَّرَ عنه سَطيح في قوله لابن أخته عبد المسيح بن بقيلة: يا عبدَ المسيح! إذا كثرت التلاوة، وظهرَ صاحبُ الهَراوة وغاضتْ بُحيرة ساوة، فليستِ الشامُ لسَطِيح شامًا (٢). ولهذا كان ذكرُ هذه الأشياء عند إحياء عصا موسى وجَعلِها حَيَّةً أليقُ، إذ هي مساويةٌ لذلك، وهذه مُتعدِّدة في مَحالّ متفرقة، بخلاف عصا موسى فإنها وإن تعدَّد جَعلُها حيَّة، فهي ذاتٌ واحدة، واللّه أعلم. ثم نُنَبِّه على ذلك عند ذكر إحياء الموتى على يد عيسى لأنَّ هذه أعجبُ وأكبرُ وأظهر، والله أعلم. قال شيخنا: وأما أنَّ الله كَلَّمَ موسى تكليمًا، فقد تقدَّمَ حصولُ الكلام للنبي ﷺ ليلة الإسراء مع الرؤية، وهو أبلغ. ويشهدُ له: "فنُوديت: أن يا محمَّدُ! كمَّلت فريضتي، وخَفَّفتُ عن عبادي" (٣) وسياقُ بقية القِصَّة يُرشد إلى ذلك، وقد حكى بعضُ العلماء الإجماعَ على ذلك، لكن رأيتُ في كلام القاضي عياض (٤) نقل خلافٍ فيه، والله أعلم. وأما الرؤيةُ ففيها خلاف مشهور بين الخَلَف والسَّلَف، ونصرَها من الأئمة أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزيمة المشهور بإمام الأئمة، واختارَ ذلك القاضي (٥) عياض والشيخ محيي الدين النووي (٦).

стр. 3117

وجاء عن ابن عبَّاس تصديق الرؤية، وجاء عنه تفنيدها، وكلاهما في صحيح مسلم (١). وفي الصحيحين (٢) عن عائشة إنكار ذلك، وقد ذكرنا في الإسراء: عن ابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي ذر، وعائشة ﵃، أن المرئيَّ في المرتين المذكورتين في أول سورة النَجْم، إنما هو جبريلُ ﵇. وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: قلت: يا رسولَ الله! هل رأيتَ رَبَّكَ؟ فقال: "نور أنِّى أراه" (٣)؟ وفي رواية: "رأيت نورًا" (٤). وقد تقدَّمَ بسطُ ذلك في الإسراء في السيرة، وفي التفسير في أول سورة بني إسرائيل. وهذا الذي ذكرَه شيخنا فيما يتعلَّق بالمعجزات الموسوية عليه أفضل الصلاة والسلام. وأيضًا فإن الله تعالى كلَّم موسى وهو بطُور سَيْناء، وسألَ الرؤيةَ فَمُنِعَها، وكلَّم محمدًا ﷺ ليلةَ الإسراء وهو بالملأ الأعلى حين رُفع لمستوى سمع فيه صريفَ الأقلام، وحصلت له الرؤيةُ في قول طائفة كبيرة من علماء السَّلَفِ والخَلَف، واللّه أعلم. ثم رأيتُ ابنَ حامد قد طرقَ هذا في كتابه وأجادَ وأفادَ، وقال ابنُ حامد: قال الله تعالى لموسى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] وقال لمحمد: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] وأما اليد التي جعلَها الله برهانًا وحُجَّة لموسى على فرعون وقومه، كما قال تعالى بعد ذكر صيرورة العَصا حيَّة: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [القصص: ٣٢]. وقال في سورة طه: ﴿آيَةً أُخْرَى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ [طه: ٢٢ - ٢٣] فقد أعطى الله محمّدًا انشقاقَ القمر بإشارته إليه فرقتين، فرقة من وراء جبل حِرَاء، وأخرى أمامه، كما تقدَّم بيان ذلك بالأحاديث المتواترة، مع قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١ - ٢] ولا شَكَّ أنَّ هذا أجلُّ وأعظم وأبهر في المعجزات وأعتمُ وأظهر وأبلغ من ذلك. وقد قال كعبُ بن مالك في حديثه الطويل في قصة توبته: وكان رسول الله ﷺ إذا سُرَّ استنارَ وجهُه كأنَّه فلقة قمر، وذلك في صحيح البخاري (٥). وقال ابنُ حامد: قالوا: فإن موسى أعطي اليدَ البيضاءَ،

стр. 3118

قلنا لهم: فقد أُعطي مُحمَّدٌ ﷺ ما هو أفضلُ من ذلك؛ نورًا كان يُضيءُ عن يمينه حيث ما جلسَ، وعن يساره حيث ما جلس وقامَ، يراه النَّاسُ كلُّهم، وقد بقي ذلك النُّورُ إلى قيام الساعة، ألا ترى أنه يُرى النُّورُ السَّاطع من قبره ﷺ من مسيرةِ يوم وليلة؟ هذا لفظه. وهذا الذي ذكرَه من هذا النور غريب جدًّا. وقد ذكرنا في السيرة عند إسلام الطُّفَيْل بن عمرو الدَّوسي؛ أنه طلبَ من النبيِّ ﷺ آيةً تكون له عَوْنًا على إسلام قومه فدعا له، وذهبَ إلى قومِه، فلما أشرفَ على قومِه من بيتِه هناكَ؛ سطعَ نورٌ بينَ عينَيه كالمصبَاح، فقال: اللَّهُم في غير هذا الموضع فإنهم يَظنُّونَه مُثلَةً، فتحوَّلَ النُّور إلى طرف سوطه، فجعلوا ينظرون إليه كالمصباح، فهداهم الله على يديه ببركة رسول الله ﷺ وبدعائه لهم في قوله: "اللهم اهدِ دَوسًا، وائتِ بهم" (١) وكان يُقال للطُّفَيْل: ذو النور، لذلك. وذكرَ أيضًا حديثَ أُسَيْد بن حُضَيْر وعبَّاد بن بِشْر في خروجهما من عند النبيِّ ﷺ في ليلة مُظْلِمَةٍ، فأضاءَ لهما طرفُ عصا أحدهما، فلما افترقا أضاء كل واحد منهما طرف عصاه، وذلك في صحيح البخاري (٢) وغيره. وقال أبو زُرعةَ الرازيُّ في كتاب دلائل النبيِّ: حدَّثنا سُليمان بن حرب، حدَّثنا حمَّاد بن سلمةَ، عن ثابت بن أنس بن مالك، أنَّ عبَّاد بن بِشْر وأُسيْد بن حُضَيْر خرجا من عند النبي ﷺ في ليلة ظلماءَ حِندس (٣)، فأضاءت عصا أحدهما مثل السِّراج، وجعلا يمشيان بضوئها، فلما تفرَّقا إلى منزلهما أضاءت عصا ذا وعصا ذا. ثم روى عن إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزبير بن العوَّام، وعن يعقوب بن حُميد المدني، كلاهما عن سفيان بن حمزة، عن كثير بن زيد، عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلميّ، عن أبيه، قال: سرنا في سفير مع رسول الله ﷺ في ليلةٍ ظلماءَ دِحْمِسَة، فأضاءت أصابعي، حتَّى جَمَعُوا عليها ظهرَهم، وما هلكَ منهم، وإنَّ أصابعي لتستنيرُ (٤). وروى هشام بن عمَّار في "المبعث": حدَّثَنا عبدُ الأعلى بن محمد البَكْري، حدَّثنا جعفرُ بن سُليمان البصري، حدَّثنا أبو التَّيَّاح الضَّبْعي، قال: كان مُطَرِّف بن عبد الله يبدو، فيدخل كلَّ جمعة، فرُبما نُوِّرَ

стр. 3119

له في سوطه، فأدلجَ ذاتَ ليلةٍ وهو على فرسه، حتَّى إذا كان عند المقابر هوَّم به، قال: فرأيتُ صاحبَ كل قبرٍ جالسًا على قبره، فقال: هذا مُطَرِّفٌ يأتي الجمعةَ، فقلتُ لهم: وتعلمونَ عندَكم يومَ الجمعة؟ قالوا: نعم، ونعلم ما تقولُ فيه الطَّيرُ، قلتُ: وما تقول فيه الطير؟ قالوا: تقول: ربِّ سَلِّم سَلِّم، يومٌ صالح (١). وأما دعاؤه ﵇ عليهم بالطُّوفان، وهو الموت الذريع في قول، وما بعدَه من الآيات، والقحْط والجَدْب، فإنما كان ذلك لعلَّهم يرجعون إلى متابعته ويُقلعون عن مخالفته، فما زادهم إلا طُغيانًا كبيرًا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٨ - ٤٩] ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٢ - ١٣٦] وقد دعا رسولُ الله ﷺ على قريش حين تمادوا في مخالفته بسبعٍ كَسَبْعِ يوسفَ، فقُحطوا حتَّى أكلوا كلَّ شيء، وكان أحدُهم يرى بينَه وبين السماء مثل الدُّخَان من الجوع. وقد فسَّرَ ابن مسعود قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] بذلك، كما رواه البخاري (٢) عنه في غير ما موضع من صحيحه. ثم توَسَّلوا إليه، صلوات الله وسلامه عليه، بقرابتِهم منه مع أنه بُعث بالرحمة والرأفة، فدعا لهم، فأقلعَ عنهم، ورُفع عنهم العذاب، وأحيوا بعدما كانوا أَشرفوا على الهلكة. وأما فَلْقُ البحر لمُوسى ﵇ حينَ أمرَه الله تعالى - حين تَراءى الجمعان - أن يضربَ البحرَ بعصاه فانفلقَ فكان كلُّ فِرْقٍ كالطَودِ العظيم، فإنه معجزةٌ عظيمة باهرة، وحُجَّةٌ قاطعة قاهرة، وقد بسطنا ذلك في التفسير وفي قصص الأنبياء من كتابنا (٣) هذا. وفي إشارته ﷺ بيده الكريمة إلى قمرِ السَّماء فانشقَّ القمرُ فِلْقَتَين وَفقَ ما سألَه قريش، وهم معه جلوسٌ في ليلة البدر، أعظمُ آية، وأيمنُ دلالة، وأوضحُ حجَّة، وأبهرُ بُرهانٍ على نبوته وجاهه عند الله

стр. 3120

تعالى، ولم يُنقل معجزةٌ عن نبيٍّ من الأنبياء من الآيات الحِسِّيَّات أعظمُ من هذا، كما قرَّرنا ذلك بأدلته من الكتاب والسُّنة، في التفسير وفي أول البعثة (١) واللّه أعلمُ. وهذا أعظمُ من حَبس الشَّمس قليلًا ليُوشعَ بن نون حتَّى تَمَكَّن من الفتح ليلة السبت، كما سيأتي تقريرُ ذلك مع ما يُناسب ذكره عنده. وقد تقدَّم من سيرة العَلاء الحَضرميِّ، وأبي عُبيد الثَّقَفِيِّ وأبي مُسلم الخَولانيّ، وسَيرِ الجُيوش التي كانت معهم على تيَّار الماء، ومنها دجلة، وهي جاريةٌ عجَّاجة (٢)، تقذفُ بالخشب من شِدَّة جريها، وتقدَّم تقريرُ أنَّ هذا أعجبُ من فَلقِ البحر لموسى من عدة وجوه، واللّه أعلم. وقال ابن حامد: فإن قالوا: فإنَّ موسى ﵇ ضربَ بعصاه البحرَ فانفلقَ، فكان ذلك آيةً لموسى ﵇. قلنا: فقد أُوتي رسولُ الله ﷺ مثلَها. قال علي ﵁: لمَّا خرجنا إلى خيبرَ فإذا نحن بواد سُحتٍ، وقدَّرنَاه فإذا هو أربع عشرة قامة، فقالوا: يا رسول الله! العدوُّ من ورائِنا والوادي من أمامنا، كما قال أصحاب موسى: ﴿إِنَّا لَمُدرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] فنزلَ رسول الله ﷺ ثم قال: اللهم إنَّكَ جعلتَ لكل مرسلٍ دلالةً، فأرني قدرتكَ، فركبَ رسول الله ﷺ فعبرتِ الخيلُ لا تُبدي حوافرَها، والإبلُ لا تُبدي أخفافَها، فكان ذلك فتحًا. وهذا الذي ذكرَه بلا إسناد، ولا أعرفُه في شيء من الكتب المُعتمدة بإسناد صحيح ولا حسن، بل ولا ضعيف، فاللّه أعلم. وأما تظليلُه بالغَمام في التِّيه، فقد تقدَّم ذكرُ حديث الغَمامة (٣) التي رآها بحيرا تُظِلُّه من بين أصحابه، وهو ابنُ اثنتي عشرة سنة، صُحْبةَ عمِّه أبي طالب وهو قادم إلى الشام في تجارة، وهذا أبهرُ من جهةِ أنَّه كان وهو قبل أن يُوحى إليه، وكانت الغَمامة تُظِلُّه وحدَه من بين أصحابه، فهذا أشدُّ في الاعتناء، وأظهرُ من غَمام بني إسرائيل وغيرهم، وأيضًا فإن المقصود من تظليل الغَمام إنَّما كان لاحتياجهم إليه من شِدَّة الحَرِّ. وقد ذكرنا في الدلائل حين سُئل النبيُّ ﷺ أن يدعوَ لهم ليُسقَوا، لما هم عليه من الجُوع والجَهد والقَحط، فرفَعَ يديه وقال: "اللَّهُمَّ اسقِنا، اللَّهُمَّ اسقِنا، اللَهُمَّ اسقِنا" قال أنس: ولا واللّه ما نرى في السَّماء من سَحابٍ ولا قَزَعة (٤)، وما بيننا وبين سَلع من بيتٍ ولا دار، فأنشأت من ورائه سحابة مثل التُّرس، فلما تَوسَّطتِ السماءَ انتشرت ثم أمطرت، قال أنس: فلا واللّه ما رأينا الشَّمسَ سبتنا. ولمَّا

стр. 3121

سألوه أن يستصحيَ لهم رفعَ يدَه وقال: "اللَّهُمَّ حَوَالَينا ولا علينا"، فما جعلَ يُشيرُ بيديه إلى ناحيةٍ إلا انحازَ السَّحابُ إليها (١) حتى صارت المدينةُ في مثلِ الإكليل يُمطرُ ما حولَها ولا تُمطر (٢). فهذا تظليلُ غَمام محتاج إليه، آكدُ من الحاجة إلى ذلك، وهو أنفعُ منه، والتصرُّف فيه، وهو يشير، أبلغُ في المعجز وأظهرُ في الاعتناء، واللّه أعلم. وأما إنزالُ المَنِّ والسَّلوى عليهم فقد كثَّر رسولُ الله ﷺ الطعامَ والشَّرابَ في غير ما موطن، كما تقدَّم بيانُه في دلائل النبوة من إطعام الجَمِّ الغفير من الشيء اليسير، كما أطعمَ يومَ الخندق من شويهة (٣) جابر بن عبد الله وصاعِه الشعير، أزيدَ من ألف نفسٍ جائعة، صلواتُ الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين. وأطعمَ من حفنة قومًا من الناس، وكانت تُمَدُّ من السماء، إلى غير ذلك من هذا القَبيل مما يطولُ ذكره. وقد ذكرَ أبو نُعيم وابنُ حامد أيضًا هاهنا: أن المرادَ بالمَنّ والسَّلوى إنما هو رزقٌ رُزقُوه من غير كَدٍّ منهم ولا تعب، ثم أوردَ في مقابلتِه حديثَ تحليل المغنم ولا يحل لأحد قبلنا، وحديث جابر في سرية أبي عُبيدة، وجوعهم حتى أكلوا الخَبَطَ فحسرَ البحرُ لهم عن دَابَّة، تُسمَّى العنبرَ، فأكلوا منها ثلاثين من يوم وليلة حتى سَمِنُوا وتكرَّست عُكَنُ بطونهم، والحديث في الصحيح كما تقدَّم (٤)، وسيأتي عند ذكر المائدة في معجزات المسيح ابن مريم. قصة أبي مسلم الخَوْلاني أنه خرجَ هو وجماعة من أصحابه إلى الحج وأمرَهم ألا يَحملوا زادًا ولا مَزادًا، فكانوا إذا نزلوا منزلًا صلَّى ركعتين، فيُؤتون بطعامٍ وشرابٍ وعَلَفٍ يَكفيهم ويَكفي دَوائهم غدَاءً وعَشاء مُدَّة ذهابهم وإيابهم (٥). وأما قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٠]. فقد ذكرنا بسطَ ذلك في قِصَّة موسى ﵇ وفي التفسير. وقد ذكرنا الأحاديث (٦) الواردةَ في وَضع النبيِّ ﷺ يدَه في ذلك الإناء الصغير الذي لم يتسع لبسطها

стр. 3122

فيه، فجعلَ الماءُ ينبعُ من بَينِ أصابِعه أمثالَ العُيون، وكذلك كَثَّرَ الماءَ في غير ما موطن؛ كمَزادَتَي تلكَ المرأة، ويومَ الحُدَيبية، وغير ذلك، وقد استسقى اللّهَ لأصحابه في المدينة وغيرها فأُجيب طِبقَ السُّؤالِ وَفقَ الحاجةِ لا أزيدَ ولا أنقصَ، وهذا أبلغُ في المُعجز. ونبعُ الماء من بين أصابِعه من نفس يده، على قول طائفة كثيرة من العلماء، أعظمُ من نبع الماء من الحَجَرِ فإنَّه محلٌّ لذلك. قال أبو نُعيم الحافظ: فإن قيل: إن موسى كان يضربُ بعصاه الحجرَ فينفجرُ منه اثنتا عشرة عينًا في التيه، قد علمَ كلُّ أُناسٍ مَشربَهم. قيل: كان لمحمَّدٍ ﷺ مثلُه أو أعجبُ، فإنَّ نبعَ الماء من الحَجَر مشهورٌ من المعلوم والمتعارف، وأعجبُ من ذلك نبعُ الماء من بين اللَّحم والدَّم والعَظم، فكان يُفرِجُ بينَ أصابعه في مخضب، فينبع من بين أصابعه الماء، فيشربون ويَستقون ماءً جاريًا عذبًا، روى العددَ الكثير من الناس والخيل والإبل (١). ثم روى من طريق المُطَّلب بن عبد الله بن حَنطَبَ: حدَّثني عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري، حدَّثني أبي. قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة غزاها، فباتَ النَّاسُ في مَخمَصَة، فدعا بِركوَةٍ فوُضِعت بينَ يديه، ثم دعا بماءٍ فصبَّه فيها، ثم مجَّ فيها وتكلَّم ما شاء الله أن يتكلَّم، ثم أدخلَ إصبعه فيها، فأقسمَ باللّه لقد رأيتُ أصابعَ رسول الله ﷺ تَتفجَّر منها ينابيعُ الماء، ثم أمرَ النَّاسَ فسُقوا وشَربوا وملؤوا قِرَبَهم وإداواتِهم (٢). وأما قِصَّةُ إحياء الذين قُتلوا بسبب عبادة العجل وقصة البقرة، فسيأتي ما يُشابههما من إحياء حيواناتٍ وأُناس، عند ذكر إحياء الموتى على يد عيسى ابن مريم، واللّه أعلم. وقد ذكر أبو نُعيم ها هنا أشياءَ أُخرَ تركناها اختصارًا واقتصارًا. وقال هشام بن عمَّار في كتابه "المبعث": باب فيما أُعطي رسولُ الله ﷺ وما أُعطي الأنبياء قبله حدَّثنا محمد بن شعيب، حدَّثنا رَوحُ بن مدرك، أخبرني عمرُ بن حسَّان التميمي؛ أن موسى ﵇ أُعطي آيةً من كُنوز العرش: "ربّ لا تُولج الشيطان في قلبي، وأعذني منه ومن كل سوء، فإنَّ لك

стр. 3123

اليدَ والسُّلطانَ والمُلكَ والمَلكوت، ودهرَ الدَّاهرين، وأبدَ الآبدين، آمين آمين" (١). قال: وأُعطي محمَّد ﷺ آيتان من كُنوز العرش (٢)، آخر سورة البقرة: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ … ﴾ إلى آخرها [البقرة: ٢٨٥ - ٢٨٦]. قِصَّة حَبس الشمس على يُوشَع بن نون بن أفرايم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن، ﵈، وقد كان نبيَّ بني إسرائيل بعد موسى ﵇، وهو الذي خرجَ ببني إسرائيل من التِّيه، ودخلَ بهم بيتَ المقدس بعد حصار ومقاتلة، وكان الفتحُ قد ينجزُ بعدَ العصر يومَ الجمعة، وكادتِ الشَّمسُ تغربُ، ويدخلُ عليهم السَّبتُ، فلا يَتمكَّنونَ معه من القتال، فنظرَ إلى الشَمس فقال: إنَّكِ مأمورةٌ وأنا مأمورٌ، ثم قال: اللَّهُمَّ احبِسها عليَّ، فحبسَها الله عليه حتَّى فتحَ البلدَ، ثم غَرَبَت. وقد قدَّمنا في قِصَّة من قِصَص الأنبياء الحديثَ الواردَ في صحيح مسلم: من طريق عبد الرزاق، عن مَعْمَرَ بن هَمَّام، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: "غزا نبيٌّ من الأنبياء، فدنا من القرية حينَ صَلَّى العصرَ أو قريبًا من ذلك، فقال للشمس: أنت مأمور وأنا مأمورٌ، اللَّهُمَّ أمسكْها عليّ شيئًا" (٣) فحُبستْ عليه حتَّى فتحَ الله عليه .. الحديث بطوله. وهذا النبيُّ هو يُوشَعُ بن نون، بدليل ما رواه الإمام أحمد: حدَّثنا أسود بن عامر، حدَّثنا أبو بكر بن هشام، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الشَّمسَ لم تُحبس لبشرٍ إلا ليُوشعَ ﵇ لياليَ سارَ إلى بيتِ المقدس" (٤) تفرَّدَ به أحمدُ وإسناده على شرط البُخاري. إذا عُلمَ هذا، فانشقاقُ القمر فِلْقَتَيْنِ حتَّى صارت فلقة من وراء الجبل - أعني حراء - وأخرى من دونه، أعظمُ في المعجزة من حبس الشمس قليلًا. وقد قدَّمنا في الدلائل حديثَ رَدَّ الشَمْس بعد غُروبها، وذكرنا ما قيل فيه من المقالات، فاللّه أعلم. قال شيخنا العَلَّامة أبو المعالي بن الزملكاني: وأما حبسُ الشَّمس ليُوشعَ في قتال الجبَّارين، فقد انشقَّ القمرُ لنَبيِّنا ﷺ ، وانشقاق القمر فِلْقَتَينِ أبلغُ من حَبْسِ الشَّمس عن مسيرها.

стр. 3124

وصَحَّتِ الأحاديث (١) وتواترت بانشقاق القمر، وأنه كان فرقة خلف الجبل وفرقة أمامه، وأنَّ رسول الله ﷺ قال: "اشهدوا" (٢)، وأنَّ قريشًا قالوا: هذا سحرَ أبصارَنا، فوردَ المسافرون وأخبروا أنهم رأوه مفرَّقًا، قال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١ - ٢] قال: وقد حُبست الشَّمسُ لرسول الله ﷺ مرَّتين، إحداهُما ما رواه الطحاوي وقال: رواته ثقات، وسمَّاهم وعدَّهم واحدًا واحدًا؛ وهو أن النبيَّ ﷺ كان يُوحى إليه ورأسه في حِجر علي ﵁، فلم يرفع رأسَه حتَّى غَرَبَت الشَمسُ، ولم يكن عليّ صلَّى العصرَ، فقال رسول الله ﷺ : "اللَّهُمَّ إنه كان في طاعتِك وطاعةِ رسولك (٣)، فَارْدُد عليه الشَّمسَ" (٤) فردَّ الله عليه الشَّمسَ حتى رُئيَتْ، فقامَ عليٌّ فصَلَّى العصرَ، ثم غَرَبَتْ. والثانيةُ صبيحة الإسراء، فإنَّه ﷺ أخبرَ قريشًا عن مَسْراه من مكَّة إلى بيت المقدس، فسألوه عن أشياءَ من بيت المقدس، فجلَّاه الله له حتَّى نظرَ إليه ووصفَه لهم، وسألوه عن عِيْر كانت لهم في الطريق فقال: "إنَّها تصلُ إليكم مع شروق الشمس" فتأخَّرتْ، فحبسَ الله الشمسَ عن الطُّلوع حتى جاءتِ العيرُ. روى ذلك ابن بُكير (٥) في زياداته على السيرة. أما حديث ردِّ الشمس بسبب عليّ ﵁، فقد تقدَّم ذكرنا له من طريق أسماء بنت عميس وهو أشهرها، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وعلي نفسه، وهو مُستنكرٌ من جميع الوجوه، وقد مال إلى القول بتقويته أحمد بن صالح المصري الحافظ، وأبو جعفر الطحاوي، والقاضي عِياض، وكذا صحَّحه جماعة من العلماء الرافضة، كابن المُطَهِّر (٦) وذويه. وردَّه وحكمَ بضعفه آخرون من كبار حفَّاظ الحديث ونُقَّادهم، كعلي بن المَديني، وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، وحكاه عن شيخه محمد ويعلى ابني عبيد الطنافسيين، وكأبي بكر محمد بن حاتم البخاري المعروف بابن زنجويه أحد الحفَّاظ، والحافظ الكبير أبي القاسم بن عساكر، وذكره الشيخ جمالُ الدين أبو الفرج بن الجوزي في كتاب الموضوعات، وكذلك صرَّحَ بوضعه شيخاي الحافظان الكبيران أبو الحجَّاج المِري، وأبو عبد الله الذهبي. وأما ما ذكرَه يُونس بن بُكير في زياداته على السيرة من تأخر طلوع الشمس عن إبَّان طُلوعها، فلم ير لغيره من علماء

стр. 3125

السِّير. على أن هذا ليس من الأمور الشاهدة، وأكثر ما في الباب أن الراوي رأى تأخيرَ طلوعها، ولم يُشاهد حبسها عن وقتها. وأغرب من هذا ما ذكرَهُ ابنُ المُطَهَّر في كتابه "المنهاج"، أنَّها رُدَّت لعليٍّ مرتين، فذكرَ الحديث المُتقدِّم، كما ذكر، ثم قال: وأما الثانية فلمَّا أراد أن يعبرَ الفراتَ ببابلَ، اشتغلَ كثيرٌ من أصحابه بسبب دَوابِّهم، وصلَّى لنفسه في طائفة من أصحابه العصرَ، وفاتت كثيرًا منهم، فتكلَّموا في ذلك، فسألَ الله ردَّ الشمس فرُدَّت. وقد نظمه الحميريُّ، فقال: رُدَّت عليه الشمس لمَّا فاتَه … وقت الصلاة وقد دنتْ للمغربِ حتى تسلَّخ نورها في وقتها … للعصر ثم هوت هويَّ الكوكبِ عليه قد رُدَّت ببابل مرَّة … أخرى وما ردت لخلق مقرب قال: وذكر أبو نُعيم بعدَ موسى إدريس ﵇، وهو عند كثير من المفسرين من أنبياء بني إسرائيل، وعند محمَّد بن إسحاق بن يَسار وآخرين من علماء النسب قبلَ نوح ﵇، في عمود نسبه إلى آدم ﵇، كما تقدَّم التنبيه على ذلك. فقال: القول فيما أُعطي إدريس ﵇ من الرفعة التي نَوَّهَ الله بذكرها، فقال: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧] قال: والقول فيه أن نبينا محمدًا ﷺ أُعطي أفضلَ وأكملَ من ذلك، لأن الله تعالى رفعَ ذكرَه في الدنيا والآخرة فقال: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] فليس خطيبٌ ولا شفيعٌ ولا صاحبُ صلاة إلا يُنادي بها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فقرنَ الله اسمَه باسمِه، في مشارق الأرض ومغاربها، وذلك مفتاحًا للصلاة المفروضة. ثم أوردَ حديثَ ابن لهيعة: عن درَّاج، عن أبي الهيثم (١)، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ في قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قال: قال لي جبريلُ: قال الله: "إذا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ" (٢). ورواه ابن جرير وابن أبي عاصم من طريق دَرَّاج. ثم قال: حدَّثنا أبو أحمد محمد بن أحمد الغطريفي، حدَّثنا موسى بن سهل الجوني، حدَّثنا أحمد بن القاسم بن بهرام الهيتي، حدَّثنا نصرُ بن حمَّاد، عن عثمان بن عطاء، عن الزهري، عن

стр. 3126

أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "لما فرغتُ مما أمرني الله تعالى به من أمر السمواتِ والأرض قلت: يا ربِّ إنه لم يكن نبيٌّ قبلي إلا قد كرَّمته، جعلتَ إبراهيمَ خليلًا، وموسى كليمًا، وسخَّرت لداودَ الجبالَ، ولسليمانَ الريح والشياطين، وأحييت لعيسى الموتى، فما جعلتَ لي؟ قال: أوليس قد أعطيتُك أفضلَ من ذلك كله، أنِّي لا أُذْكَرُ إلا ذُكِرْتَ معي، وجعلتُ صدورَ أمتك أناجيلَ يقرؤون القرآن ظاهرًا، ولم أُعْطِها أُمَّةَ، وأنزلتُ عليك كلمة من كنوز عرشي: لا حول ولا قوة إلا باللّه" (١). وهذا إسناد فيه غرابة، ولكن أورد له شاهدًا من طريق أبي القاسم بن بنت منيع البغوي، عن سليمان بن داود المهراني، عن حمَّاد بن زيد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا بنحوه. وقد رواه أبو زُرعة الرازي في كتاب "دلائل النبوة" بسياق آخر، وفيه انقطاع، فقال: حدَّثنا هشام بن عمَّار الدمشقي، حدَّثنا الوليد بن مسلم، حدَّثنا شعيب بن زريق أنه سمع عطاءً الخراساني، يُحدِّث عن أبي هريرة وأنس بن مالك، عن النبي ﷺ من حديث ليلة أُسري به. قال: "فأراني الله من آياتِه، فوجدتُ ريحًا طيبة، فقلت: ما هذا يا جبريلُ؟! قال: هذه الجنَّةُ، تقولُ: يا ربِّ ائتني بأهلي، قال الله تعالى: لك ما وعدتُكَ، كل مؤمن ومؤمنة لم يتخذ من دوني أندادًا، من أقرضني قرَّبته، ومن توكَّل عليَّ كفيتُه، ومن سألني أعطيتُه، ولا ينقص نفقته، ولا ينقص ما يتمنى، لك ما وعدتُكَ، فنعم دار المتقين أنت، قلت: رضيت، فلما انتهينا إلى سدرة المنتهى خررت ساجدًا فرفعتُ رأسي فقلت: يا رب! اتخذت إبراهيم خليلًا، وكلمت موسى تكليمًا، وآتيت داود زبورًا، وآتيتَ سليمان ملكًا عظيمًا، قال: فإني قد رفعتُ لك ذكركَ، ولا تجوز لأمتك خطبة حتى يشهدوا أنك رسولي، وجعلتُ قلوبَ أمتك أناجيل، وآتيتك خواتيم سورة البقرة من تحت عرشي" (٢). ثم روى من طريق الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي هريرة، حديث الإسراء بطوله، كما سقناه من طريق ابن جرير في التفسير، وقال أبو زُرعة في سياقه: ثم لقيَ أرواحَ الأنبياء ﵈، فأثنوا على ربهم . فقال إبراهيمُ ﵇: الحمدُ لله الذي اتخذني خليلًا، وأعطاني مُلكًا عظيمًا، وجعلني أمَّة قانتًا للّه محياي ومماتي، وأنقذني من النار، وجعلَها على بردًا وسلامًا. ثم إنَّ موسى ﵇ أثنى على ربه، فقال: الحمد لله الذي كلَّمني تكليمًا، واصطفاني برسالته وبكلامه، وقرَّبني نجيًا، وأنزل عليَّ التوراة، وجعلَ هلاك فرعون على يديَّ ونجاة بني إسرائيل على يديَّ.

стр. 3127

ثم إن داود ﵇ أثنى على ربه فقال: الحمدُ للّه الذي جعلني ملكًا، وأنزل علي الزبور، وألان لي الحديد، وسخَّر لي الجبال يُسبِّحنَ معي والطَّيرَ، وآتاني الحكمة وفصل الخطاب. ثم إن سليمان ﵇ أثنى على ربِّه فقال: الحمدُ للّه الذي سخَّر لي الرياح والجِن والإنس، وسخر لي الشياطين يعملون لي ما شئتُ من محاريبَ وتماثيلَ وجِفَانٍ كالجَواب وقدور راسيات، وعلَّمني منطقَ الطير، وأسالَ لي عَينَ القِطْر، وأعطاني ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي. ثم إن عيسى ﵇ أثنى على الله فقال: الحمدُ لله الذي علَّمني التوراة والإنجيل، وجعلني أُبرئُ الأكمَه والأبرصَ وأُحيي الموتى بإذن الله، وطهَّرني ورفعَني من الذين كفروا، وأعاذني من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان علينا سبيل. ثم إنَّ محمدًا ﷺ أثنى على ربه فقال: كلُّكُم أثنى على ربِّه، وأنا مُثنٍ على ربِّي، الحمدُ لله الذي أرسلني رحمةً للعالمين، وكافة للناس بشيرًا ونذيرًا، وأنزلَ عليَّ الفُرقان فيه بيان لكل شيء، وجعلَ أمتي خير أمة أُخرجت للناس، وجعل أمتي أُمَّةً وسطًا، وجعل أُمَّتي هم الأوَّلون وهم الآخرون، وشرحَ لي صدري، ووضعَ عنِّي وزري، ورفعَ لي ذِكري، وجعلني فاتحًا وخاتمًا. فقال إبراهيم ﵇: بهذا فَضَلَكم محمد ﷺ " (١). ثم أورد الحديثَ المتقدم، فيما رواه الحاكم والبيهقي، من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطَّاب، مرفوعًا في قول آدم: "يا ربِّ أسألُكَ بحقِّ محمَّد إلا غفرتَ لي، فقال الله: وما أدراكَ ولم أَخلُقه بعدُ؟ فقال: لأني رأيتُ مكتوبًا مع اسمك على ساقِ العرش: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعرفتُ أنَّكَ لم تُضفْ إلى اسمِكَ إلا أحبَّ الخلق إليكَ، فقال الله: صدقتَ يا آدمُ، ولولا محمد ما خلقتُكَ" (٢). وقال بعضُ الأئمة: رفعَ الله ذكرَه، وقرَنه باسمه في الأوَّلين والآخرين، وكذلكَ يرفعُ قدرَه، ويقيمُه مقامًا مَحمُودًا يومَ القيامة، يغبطُه به الأوَّلُون والآخِرون، ويرغبُ إليه الخلق كلُّهم حتى إبراهيم الخليل، كما وردَ في صحيح مسلم (٣) فيما سلفَ، وسيأتي أيضًا. فأما التنويه بذكره في الأمم الخالية، والقرون السابقة، ففي صحيح البخاري (٤): عن ابن عباس

стр. 3128

قال: ما بعثَ الله نبيًّا إلا أخذَ عليه الميثاق لئن بُعِثَ محمَّدٌ وهو حي ليُؤمِنَنَّ به وليتبعنه ولينصرنَّه، وأمرَه أن يأخذَ على أمته العهدَ والميثاق لئن بُعثَ محمَّد وهم أحياء ليؤمننَّ به وليتبعنَّه. وقد بشَّرت بوجوده الأنبياء حتى كان آخر من بشَّر به عيسى ابن مريم خاتم أنبياء بني إسرائيل، وكذلك بشَّرت به الأحبارُ والرهبان والكهَّان، كما قدَّمنا ذلك مبسوطًا. ولما كانت ليلة الإسراء رُفِعَ من سماء إلى سماء حتَّى سلَّم على إدريس ﵇، وهو في السماء الرابعة، ثم جاوزَه إلى الخامسة ثم إلى السادسة، فسلَّم على موسى بها، ثم جاوزَه إلى السابعة فسلَّم على إبراهيم الخليل بها عند البيت المعمور، ثم جاوز ذلك المقام، فرُفِعَ لمستوى سمعَ فيه صريفَ الأقلام، وجاء سدرة المنتهى، ورأى الجنَّة والنَّار، وغير ذلك من الآيات الكبرى، وصلَّى بالأنبياء، وشيَّعه من كل سماءً مقرَّبُوها، وسلَّم عليه رضوانُ خازنُ الجِنان، ومالك خازن النار. فهذا هو الشرف، وهذه هي الرِّفعة، وهذا هو التكريم والتنويه والإشهار والتقديم والعلوّ والعظمة، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله أجمعين. وأما رفع ذكره في الآخرين، فإنَّ دينَه باقٍ ناسخٌ لكلِّ دين، ولا يُنسخُ هو أبدَ الآبدين ودَهرَ الدَّاهرين إلى يوم الدين، ولا تزالُ طائفة من أمته ظاهرين على الحق لا يضرُّهم من خذلَهم ولا من خالفَهم حتى تقومَ الساعة. والنِّداءُ في كل يوم خمس مرَّات على كل مكان مرتفع من الأرض: أشهدُ أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله. وهكذا كلُّ خطيبٍ يخطبُ لا بُدَّ أن يذكرَه في خطبته، وما أحسنَ قول حسان: أَغرُّ عَليهِ للنبوّةِ خَاتَمٌ … مِنَ الله مَشهود يَلوحُ ويَشهَدُ وضَمَّ الإله اسمَ النبيِّ إلى اسمِهِ … إذَا قَالَ في الخَمسِ المؤَذِّن أشهدُ وشَقَّ لَهُ من اسمهِ ليُجِلَّهُ … فَذُو العرشِ مَحمود وهذا مُحمَّدُ وقال الصرصريُّ (١): لا يصحُّ الأذانُ في الفرض … إلا باسمه العذب في الفم المرضي وقال أيضًا: أَلم ترَ أنَّا لا يَصحُ أَذانُنا … وَلَا فرضنَا إن لم نكَرِّرْهُ فيهِما

стр. 3129

القول فيما أوتي داود ﵇ قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٧ - ١٩] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ: ١٠ - ١١] وقد ذكرنا في قصته ﵇ وفي التفسير، طيب صوته ﵇، وأن الله تعالى كان قد سخر له الطير تُسبِّحُ معه، وكانت الجبالُ أيضًا تُجيبه وتُسبِّح معه، وكان سريع القراءة، يأمر بدوائه فتسرج فيقرأ الزبور بمقدار ما يفرغ من شأنها ثم يركب، وكان لا يأكل إلا من كسب يده، صلوات الله وسلامه عليه، وقد كان نبينا محمّد ﷺ حسنَ الصوت، طَيِّبَه بتلاوة القرآن، قال جُبير بن مطعم: قرأ رسول الله ﷺ في المغرب بالتين والزيتون، فما سمعتُ صوتًا أطيبَ من صوته ﷺ (١). وكان يقرأ ترتيلًا كما أمره الله بذلك. وأما تسبيحُ الطير مع داودَ، فتسبيحُ الجبال الصُّمَ أعجبُ من ذلك، وقد تقدَّم في الحديث أن الحصى سبَّحَ في كفِّ رسولِ الله ﷺ ، قال ابن حامد: وهذا حديث معروف مشهور، وكانت الأحجارُ والأشجارُ والمَدَرُ تُسلِّم عليه ﷺ . وفي صحيح البخاري (٢): عن ابن مسعود قال: لقد كنَّا نسمعُ تسبيحَ الطَّعام وهو يُؤكل - يعني بين يدي النبيِّ ﷺ . وكلَّمه ذراع الشاة المسمومة، وأعلمَه بما فيه من السُّمِّ، وشهدت بنبوته الحيواناتُ الإنسية والوحشية، والجماداتُ أيضًا، كما تقدَّم بسط ذلك كله، ولا شكَّ أن صدورَ التسبيح من الحصى الصِّغار الصُّمِّ التي لا تجاويفَ فيها، أعجبُ من صدور ذلك من الجبال، لما فيها من التجاويف والكهوف، فإنها وما شاكلَها تُردِّدُ صدَى الأصواتِ العالية غالبًا، كما كان عبد الله بن الزبير إذا خطبَ - وهو أميرُ المؤمنين بالحرم الشريف - تُجاوبُه الجبال، أبو قبيس وزرود (٣)، ولكن من غير تسبيح، فإن ذلك من معجزات داود ﵇. ومع هذا فتسبيح الحصى في كفّ رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، أعجب. وأما أكلُ داود من كسب يده، فقد كانَ رسولُ الله ﷺ ، يأكلُ من كسبه أيضًا، كما كان يرعى غنمًا لأهل مكة على قراريط. وقال: "ما من نبي إلا وقد رعى الغنمَ" (٤). وخرجَ إلى الشام في تجارة لخديجة مضاربةً، وقال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ

стр. 3130

فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٧ - ٩] إلى قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] أي: للتكسب والتجارة طلبًا للربح الحلال، ثم لما شرعَ الله له الجهادَ بالمدينة، كان يأكلُ مما أباحَ له من المغانم التي لم تُبَحْ لنبيٍّ قبلَه، ومما أفاءَ عليه من أموال الكفَّار التي أُبيحت، له دون غيره، كما جاء في المسند والترمذي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "بُعثت بالسيف بين يدي السَّاعة حتى يُعبَد الله وحدَه لا شريكَ له، وجُعِلَ رزقي تحتَ ظِلِّ رُمحِي، وجُعِلَ الذلَّة والصَّغار على من خالف أمري، ومن تشبَّه بقوم فهو منهم" (١). وأما إلانة الحديد له ﵇، فكان من المعجزات الباهرات، كان الحديدُ يلين بين يديه من غير نار كما يلينُ العجينُ في يده، فكانَ يصنعُ هذه الدروعَ الداودية، وهي الزَّرَدِيَّات السَّابغات، وأمره الله تعالى بكيفية عملها: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١١] أي: ألا يدقَّ المسمار فيسلس، ولا يعظمه فيفصم، كما جاء في البخاري (٢). وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠] وقد قال بعض الشعراء في معجزات النبوة: نَسْجُ داودَ ما حَمَى صَاحِبَ الغَا … رِ وَكَانَ الفَخَارُ لِلعَنكَبوتِ والمقصود المعجز في إلانة الحديد، وقد تقدَّم في السيرة عند ذكر حفر الخندق عام الأحزاب، وفي سنة أربع، وقيل: خمس، أنهم عَرَضَت لهم كُدْيةٌ - وهي الصَّخرة في الأرض - فلم يقدروا على كسرها ولا شيءَ منها، فقامَ إليها رسولُ الله ﷺ - وقد ربطَ حَجرًا على بطنه من شدة الجوع - فضربَها ثلاثَ ضَرباتٍ، لمعتِ الأولى حتَّى أضاءت له منها قصورُ الشام، وبالثانية قصورُ فارسَ، وثالثة، ثم انسالت الصَّخرة كأنها كثيبٌ من الرَّمل، ولا شك أن انسيالَ الصخرة التي لا تنفعلُ ولا بالنار، أعجبُ من لين الحديد الذي إن أحمي لانَ، كما قال بعضهم: فَلَو أَنَّ ما عَالجتَ لِينَ فُؤادِها … بِنَفسي لَلَان الجَندَلُ الصَّلدُ والجَندل: الصخر، فلو كان شيء أشدَّ قسوة من الصخر لذكَره هذا الشاعر المُبَالِغ، وقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤] الآية. وأما قوله تعالى:

стр. 3131

﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٠ - ٥١] الآية، فذلك لمعنى آخر في التفسير، وحاصلُه أنَّ الحديدَ أشدُّ امتناعًا في الساعة الراهنة من الحجر ما لم يُعالج، فإذا عُولجَ انفعلَ الحديدُ ولا ينفعلُ الحجر، واللّه أعلم. وقال أبو نُعيم: فإن قيل: فقد ليَّن الله لداود ﵇ الحديدَ حتى سردَ منه الدروعَ السوابغَ، قيل: لُيِّنَتْ لمحمد ﷺ الحجارةُ وصُمّ الضُخور، فعادت له غارًا استتر به من المشركين، يوم أحد مال ﷺ برأسه إلى الجبل ليخفيَ شخصَه عنهم فليَّنَ الله له الجبلَ حتى أدخلَ رأسَه فيه، وهذا أعجبُ لأن الحديدَ تُلَيِّنُه النَّارُ، ولم تُر النَّارُ تُلَيِّنُ الحجرَ، قال: وذلك بعد ظاهر باق يراه الناس. وقال: وكذلك في بعض شِعاب مكة حجرٌ من جبل أصمُّ استروحَ في صلاته إليه، فلانَ الحجرُ حتى أثَّرَ فيه بذراعيهِ وساعديه، وذلك مشهورٌ يقصدُه الحجَّاجُ ويزورونه. وعادتِ الصخرةُ ببيت المقدس ليلةَ أسري به كهيئة العجين، فربطَ بها دابَّته - البُراق - وموضعه يلمسُه الناس إلى يومنا هذا (١). وهذا الذي أشارَ إليه، من يوم أحد، وبعض شعاب مكة غريب جدًّا، ولعلَّه قد أسندَه هو فيما سلفَ، وليس ذلك بمعروف في السيرة المشهورة. وأما ربطُ الدابة في الحجر فصحيحٌ، والذي ربطَها جبريل كما هو في صحيح (٢) مسلم ﵀. وأما قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠] فقد كانت الحكمةُ التي أوتيها محمد ﷺ والشِّرْعة التي شرعت له أكملَ من كلّ حكمة وشِرْعة كانت لمن قبلَه من الأنبياء صلوات الله عليه وعليهم أجمعين، فإن الله جمعَ له محاسنَ مَن كان قبلَه، وفضلَه، وأكملَ له ما لم يُؤتِ أحدًا قبلَه، وقد قال ﷺ :" أوتيتُ جوامعَ الكَلمِ، واختُصِرَت ليَ الحكمةُ اختصارًا" (٣) ولا شكَّ أن العربَ أفصحُ الأمم، وكان النبيُّ ﷺ أفصحَهم نطقًا، وأجمعُ لكلِّ خلقٍ جميلٍ مطلقًا. القول فيما أُوتي سليمان بن داود ﵇ قال الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٣٦ - ٤٠] وقال الله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ

стр. 3132

لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ [الأنبياء: ٨١ - ٨٢] وقال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٢ - ١٣] وقد بسطنا ذلك في قصته، وفي التفسير أيضًا، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد (١) وصحَّحه الترمذي (٢)، وابن ماجه (٣) وابن حبان (٤)، والحاكم في مستدركه (٥): عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ : "أن سليمانَ ﵇ لما فرغَ من بناء بيت المقدس سألَ الله خلالًا ثلاثًا، سألَ الله حكمًا يُوافق حكمَه، ومُلكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعده، وأنه لا يأتي هذا المسجد أحدٌ إلا خرجَ من ذنوبه كيومَ ولدته أُمُّه". أما تسخيرُ الريح لسليمان، فقد قال الله تعالى في شأن الأحزاب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩]. وقد تقدَّم في الحديث الذي رواه مسلم: من طريق شعبة، عن الحَكَم، عن مجاهد، عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ قال: "نُصرتُ بالصبا وأُهلكت عاد بالدبور" (٦). ورواه مسلم: من طريق الأعمش، عن مسعود بن مالك، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ مثله (٧). وثبتَ في الصحيحين: "نُصرتُ بالرُّعبِ مسيرةَ شهر" (٨). ومعنى ذلك أنه ﷺ كان إذا قصدَ قتالَ قوم من الكفار ألقى الله الرعبَ في قلوبهم منه قبلَ وصوله إليهم بشهر، ولو كان مسيرُه شهرًا، فهذا في مقابلة ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ:١٢] بل هذا أبلغ في التمكين والنصر والتأييد والظفر، وسُخِّرَتْ له الرياحُ تسوقُ السَّحابَ لإنزال المطر الذي امتنَ الله تعالى به حين استسقى رسولُ الله ﷺ لأصحابه في غير ما موطن كما تقدَّمَ. وقال أبو نُعيم: فإن قيل: فإن سليمانَ سُخِّرَت له الريحُ فسارت به في بلاد الله، وكان غدوُّها شهرًا ورواحُها شهرًا. قيل: ما أعطي محمّدٌ ﷺ

стр. 3133

أعظمُ وأكبرُ، لأنه سارَ في ليلةٍ واحدةٍ من مكَّة إلى بيت المقدس مسيرةَ شهرٍ، وعُرج به في ملكوتِ السموات مسيرة خمسينَ ألف سنة، في أقل من ثلث ليلة، فدخلَ السمواتِ سماءً سماءً، ورأى عجائبها، ووقفَ على الجنَّة والنَّار، وعُرِضتْ عليه أعمالُ اْمته، وصلَّى بالأنبياء وبملائكةِ السموات، واخترقَ الحُجُبَ، وهذا كلُّه في ليلة واحدة، أكبر وأعجب. وأما تسخيرُ الشياطين بين يديه، تعملُ ما يشاء من محاريبَ وتماثيلَ وجِفانٍ كالجواب وقدور راسيات، فقد أنزلَ الله الملائكةَ المقرَّبين لنصرة عبده ورسوله محمد ﷺ في غير ما موطن، يوم أحد وبدر، ويوم الأحزاب، ويوم حنين، كما تقدَّم ذكرنا ذلك مفصلًا في مواضعه. وذلك أعظم وأبهر، وأجلُّ وأعلى من تسخير الشياطين. وقد ذكر ذلك أبو حامد في كتابه. وفي الصحيحين: من حديث شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن عفريتًا من الجِنِّ تفلَّت عليَّ البارحة - أو كلمةً نحوَها - ليقطعَ عليَّ الصلاة، فأمكنني الله منه، فأردتُ أن أربطَه إلى ساريةٍ من سواري المسجد حتى تُصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرتُ دعوةَ أخي سليمان: رب اغفر لي وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي" (١). قال روح: فردَّه الله خاسئًا. لفظ البخاري. ولمسلم: عن أبي الدرداء نحوه، قال: "ثم أردتُ أخذَه، والله لولا دعوةُ أخينا سليمان لأصبح مُوثَقًا يلعبُ به. وِلدانُ أهل المدينة" (٢). وقد روى الإمام أحمد بسند جيد (٣): عن أبي سعيد، أنَّ رسولَ الله ﷺ قامَ يُصلِّي صلاةَ الصبح، وهو خلفه، فقرأ فالتبست عليه القراءةُ، فلما فرغَ من صلاته قال: "لو رأيتموني وإبليس فأهويتُ بيدي فما زلتُ أختنقه حتى وجدتُ بردَ لُعابه بين أُصبعيَّ هاتين، الإبهام والتي تليها، ولولا دعوة أخي سليمان لأصبحَ مربوطًا بسارية من سواري المسجد يتلاعبُ به صِبْيان أهل المدينة". وقد ثبت في الصِّحاح والحِسان والمسانيد؛ أن رسولَ الله ﷺ قال: "إذا دخلَ شهرُ رمضانَ فتحت أبواب الجنان وغُلِّقَتْ أبوابُ النيران وصُفِّدت الشياطين" (٤) وفي رواية: "مردة الجن". وهذا من بركة ما شرَعه الله له من صيام شهر رمضان وقيامه، وسيأتي عند ذكر إبراء الأكمه والأبرص من معجزات المسيح عيسى ابن مريم ﵇، دعاء رسول الله ﷺ لغير ما واحد ممن أسلم، من الجِنِّ (٥)،

стр. 3134

فشُفِي، وفارقَهم خوفًا منه ومهابة له، وامتثالًا لأمره، صلوات الله وسلامه عليه. وقد بعث الله إليه نفرًا من الجِنِّ يسمعونَ القرآنَ، فآمنوا به وصدَّقوه، ورجعوا إلى قومهم فدَعَوهم إلى دين محمّد ﷺ ، وحذَّرُوهم مخالفَته، لأنه كان مبعوثًا إلى الإنس والجِنِّ، فآمنت طوائفُ من الجِنِّ كثيرة كما ذكرنا، ووفدت إليه منهم وفودٌ كثيرة وقرأ عليهم سورةَ الرحمن، وخبَّرهم بما لِمَن آمنَ منهم من الجِنان، وما لِمَن كفرَ من النيران، وشرعَ لهم ما يأكلون وما يُطعمون دوابَّهم، فدلَّ على أنه بيَّنَ لهم ما هو أهمُّ من ذلك وأكبر. وقد ذكر أبو نُعيم (١) هاهنا حديثَ الغول التي كانت تسرقُ التمرَ من جماعةٍ من أصحابه ﷺ ، ويُريدون إحضارَها إليه، فتمتنعُ كل الامتناع خوفًا من المثول بين يديه، ثم افتدت منهم بتعليمهم قراءة آية الكرسيّ التي لا يقربُ قارئَها الشيطانُ، وقد سقنا ذلك بطرقه وألفاظه عند تفسير آية الكرسي من كتابنا التفسير (٢) ولله الحمد. والغولُ: هي الجِنُّ المتبدّي بالليل في صورة مرعبة. وذكر أبو نُعيم هاهنا حمايةَ جبريل له ﵇ غير ما مرة من أبي جهل كما ذكرنا في السِّيرة، وذكر مقاتلة جبريل وميكائيل عن يمينه وشماله يومَ أُحد. وأما ما جمعَ الله تعالى لسليمانَ من النبوة والمُلك كما كان أبوه من قبله، فقد خيَّر الله عبدَه محمّدًا ﷺ بين أن يكونَ مَلِكًا نبيًّا أو عَبدًا رسولًا، فاستشارَ جبريلَ في ذلك فأشارَ إليه وعليه أن يتواضعَ، فاختارَ أن يكونَ عبدًا رسولًا، وقد روي ذلك من حديث عائشة وابن عباس، ولا شكَّ أن منصبَ الرسالة أعلى. وقد عُرِضَت على نبيِّنا ﷺ كنوز الأرض فأباها. قال: "ولو شئتُ لأجرى الله معي جبالَ الأرض ذهبًا، لكن أجوعُ يومًا وأشبعُ يومًا" وقد ذكرنا ذلك كلَّه بأدلته وأسانيده في التفسير وفي السيرة أيضًا، ولله الحمد والمنة. وقد أوردَ الحافظُ أبو نُعيم هاهنا طرفًا منها، من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمةَ، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "بينا أنا نائمٌ جِيءَ بمفاتيح خزائنِ الأرض فجُعِلتْ في يدي" (٣). ومن حديث الحسين بن واقد، عن أبي الزبير، عن جابر، مرفوعًا: "أوتيتُ بمفاتيح خزائن الدنيا على فرس أبلق، جاءني به جبريل عليه قطيفة من سندس" (٤). ومن حديث القاسم، عن أبي أمامة،

стр. 3135

مرفوعًا: "عرضَ عليَّ ربِّي ليجعلَ لي بطحاءَ مكَّة ذهبًا، فقال: لا يا ربّ، ولكن أشبعُ يومًا وأجوعُ يومًا، فإذا جعتُ تضرَّعتُ إليك وذكرتُكَ، وإذا شبعتُ حمدتُك وشكرتُك" (١). قال أبو نعيم: فإن قيل: فإنَّ سليمان ﵇ كان يفهمُ الطَّير والنَّملة كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل: ١٦] الآية وقال: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ الآية [النمل: ١٨ - ١٩]. قيل: قد أعطي محمّد ﷺ مثل ذلك وأكثر منه، فقد تقدَّم ذكرنا لكلام البهائم والسِّباع، وحنين الجذع، ورُغاء البعير، وكلام الشَّجَرِ، وتسبيح الحصى والحجر، ودعائه إياه واستجابته لأمره، وإقرار الذئب بنبوَّته، وتسخير الطير لطاعته، وكلام الظبية وشكواها إليه، وكلام الضَّبِّ وإقراره بنبوَّته، وما في معناه، كلُّ ذلك قد تقدَّم في الفصول بما يُغني عن إعادته. انتهى كلامه. قلت: وكذلك أخبره ذراع الشاة بما فيه من السُّمّ، وكان ذلك بإقرار من وضعه فيه من اليهود. وقال: "إن هذه السَّحابةَ لتستهِلُّ بنصرك يا عمرو بن سالم - يعني الخزاعي (٢) -" حين أنشدَه تلك القصيدةَ يستعديه فيها على بني بكر الذين نَقَضُوا صُلحَ الحديبية، وكان ذلك سببَ فتح مكَّة كما تقدَّم. وقال ﷺ : "إني لأعرفُ حَجَرًا كان يُسلِّمُ عليَّ بمكة قبلَ أَن أُبعثَ، إنِّي لأعرفُه الآن (٣) " فهذا إن كان كلامًا كما يليق بحاله ففهم عنه الرسول ذلك، فهو من هذا القبيل وأبلغ، لأنه جماد بالنسبة إلى الطير والنمل، لأنهم من الحيوانات ذوات الأرواح، وإن كان سلامًا نطقيًا وهو الأظهر، فهو أعجب من هذا الوجه أيضًا، كما قال عليّ: خرجتُ مع رسول الله ﷺ في بعض شعاب مكة، فما مرَّ بحجر ولا شجر ولا مدر إلا قال: السلام عليك يا رسولَ الله (٤)! فهذا نطقٌ سمعه رسول الله ﷺ وعليّ ﵁. ثم قال أبو نُعيم: حدَّثنا أحمدُ بن محمد بن الحارث العنبري، حدَّثنا أحمد بن يوسف بن سفيان، حدَّثنا إبراهيمُ بن سُويد النخعي، حدَّثنا عبد الله بن أذينة الطائي، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن معاذ بن جبل قال: أتى النبي ﷺ - وهو بخيبر - حمار أسود فوقف بين يديه فقال: "من أنت؟! فقال: أنا عمرو بن فهران، كنا سبعة إخوة وكلنا رَكِبَنا الأنبياءُ وأنا أصغرُهم، وكنتُ لك فملكني

стр. 3136

رجل من اليهود، وكنت إذا ذكركَ عثرتُ به، فيُوجعني ضربًا. فقال النبي ﷺ : "فأنتَ يعفورُ" (١). وهذا الحديث فيه نكارةٌ شديدة ولا يُحتاج إلى ذكره مع ما تقدَّم من الأحاديث الصحيحة التي فيها غُنيَةٌ عنه، وقد رُوي على غير هذه الصِّفة، وقد نصَّ على نكارته ابن أبي حاتم عن أبيه، والله أعلم. القول فيما أُوتي عيسى ابن مريم ﵇ ويُسمَّى المسيح (٢)، فقيل: لمسحه الأرض، وقيل: لمسح قدمه، وقيل: لخروجه من بطن أمه ممسوحًا بالدهان، وقيل: لمسح جبريل بالبركة، وقيل: لمسح الله الذنوب عنه، وقيل: لأنه كان لا يمسحُ أحدًا إلا برأ. حكاها كلَّها الحافظُ أبو نعيم ﵀. ومن خصائصه أنه ﵇ مخلوق بالكلمة من أُنثى بلا ذكر، كما خُلقت حواء من ذكر بلا أُنثى، وكما خُلقَ آدم ﵇ لا من ذكر ولا من أنثى، وإنما خلقه الله تعالى من تراب، ثم قال له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [ال عمران: ٥٩]. وكذلك يكون عيسى بالكلمة وبنفخ جبريل مريم فخلق الله منها عيسى. ومن خصائصه وأمه أن إبليس لعنه الله حين وُلد، ذهبَ يطعن فطعنَ في الحجاب كما جاء في الصحيح (٣). ومن خصائصه أنه حيٌّ لم يمت، وهو الآن بجسده في السماء الدنيا، وسينزل قبلَ يوم القيامة على المنارة البيضاء الشرقية بدمشق، فيملأ الأرض قسطًا وعدلًا، كما مُلئت جورًا وظلمًا، ويحكمُ بهذه الشريعة المحمَّدية، ثم يموتُ ويُدفن بالحجرة النبوية، كما رواه الترمذي (٤). وقد بسطنا ذلك في قصته من كتابنا هذا. وقال شيخنا العلامة ابن الزملكاني رحمه الله تعالى: وأما معجزات عيسى ﵇، فمنها إحياء الموتى، وللنبيّ ﷺ من ذلك كثير، وإحياء الجماد أبلغ من إحياء الميت، وقد كلَّم النبيَّ ﷺ الذراعُ المسمومةُ، وهذا الإحياء أبلغ من إحياء الإنسان المَيِّت من وجوه، أحدُها: إنَّه إحياءُ جزءٍ من الحيوان دون بقيَّة بدنه، وهذا معجز لو كان متصلًا بالبدن. الثاني: أنه أحياه وحدَه منفصلًا عن بقية أجزاء ذلك الحيوان مع موت البقية. الثالث: أنه أعاد عليه الحياة مع الإدراك والعقل، ولم يكن هذا الحيوانُ يعقل في حياته فصار جزؤه حيًّا يعقل. الرابع: أنه أقدره الله على النطق والكلام ولم يكن

стр. 3137

الحيوان الذي هو جزؤه مما يتكلَّم، وفي هذا ما هو أبلغُ من حياة الطيور التي أحياها الله لإبراهيم ﷺ . قلت: وفي حلول الحياة والإدراك والعقل في الحَجَر الذي كان يُخاطبُ النبيَّ ﷺ بالسلام عليه، كما قد روي في صحيح مسلم (١)، من المُعجز ما هو أبلغُ من إحياء الحيوان في الجملة، لأنه كان محلًا للحياة في وقت، بخلاف هذا حيث لا حياة له بالكلية قبل ذلك، وكذلك تسليمُ الأحجار والمَدَر عليه، وكذلك الأشجار والأغصان وشهادتها له بالرسالة، وحنين الجذع إليه صلوات الله وسلامه عليه. قال شيخنا رحمه الله تعالى: وقد جمع ابن أبي الدنيا كتابًا فيمن عاش بعدَ الموت، وذكرَ منها كثيرًا، وقد ثبتَ عن أنس ﵁ أنه قال: دخلنا على رجل من الأنصار وهو مريضٌ يعقل، فلم نبرح حتى قُبِض (٢)، فبسطنا عليه ثوبه وسجَّينَاه، وله أُمٌّ عجوز كبيرة عند رأسه، فالتفت إليها بعضُنا وقال: يا هذه احتسبي مصيبَتك عندَ الله! فقالت: وما ذاك! أماتَ ابني؟ قلنا: نعم. قالت: أحقٌّ ما تقولونَ؟ قلنا: نعم، فمدَّت يدها إلى الله تعالى، فقالت: اللهم إنَّكَ تعلمُ أنِّي أسلمتُ وهاجرتُ إلى رسولك رجاءَ أن تُعينني عند كل شِدَّة ورخاء، فلا تُحَمِّلني هذه المصيبة اليوم. قال: فكشفَ الرجلُ عن وجهه وقعدَ، وما بَرِحْنا حتى أكلنَا معه (٣). وهذه القصة قد تقدَّم التنبيه عليها في دلائل النبوة، وفي ذكر معجزة الطُّوفان مع قصَّة العَلاء بن الحضرمي. وهذا السياق الذي أوردَه شيخنا ذكرَ بعضه بالمعنى، وقد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا، والحافظ أبو بكر البيهقي (٤) من غير وجه: عن صالح بن بشير المُرِّي - أحد زهاد البصرة وعبادها - وفي حديثه لين، عن ثابت، عن أنس فذكره. وفي رواية البيهقي: أنَّ أمَّه كانت عجوزًا عمياءَ، ثم ساقَه البيهقيُّ (٥) من طريق عيسى بن يُونس، عن عبد الله بن عَون، عن أنسٍ كما تقدَّم، وسياقُه أتمُّ، وفيه: أن ذلك كان بحضرة رسولِ الله ﷺ ، وهذا إسناد رجاله ثقات، ولكن فيه انقطاع بين عبد الله بن عون وأنس، والله أعلم.

стр. 3138

قصة أخرى قال الحسن بن عرفة: حدَّثنا عبد الله بن إدريس، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي سبرة النخعي قال: أقبلَ رجلٌ من اليمن، فلما كان ببعض الطريق نَفَقَ حمارُه، فقامَ وتوضَّأ، ثم صلَّى ركعتين، ثم قال: اللهم إني جئتُ من الدَّثينَة (١) مجاهدًا في سبيلك وابتغاءِ مرضاتك، وأنا أشهدُ أنك تُحيي الموتى وتبعثُ من في القبور، لا تجعل لأحد عليَّ اليوم مِنَّة، أطلبُ إليك اليومَ أن تبعثَ حماري، فقامَ الحِمارُ ينفضُ أذنيه (٢). قال البيهقي: هذا إسناد صحيح، ومثلُ هذا يكون كرامة لصاحب الشريعة. قال البيهقي (٣): وكذلك رواه محمد بن يحيى الذهلي وغيره، عن محمد بن عُبيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، وكأنه عند إسماعيل من الوجهين، والله أعلم. قلت: كذلك رواه ابن أبي الدنيا من طريق إسماعيل، عن الشعبي، فذكره. قال الشعبيُّ: فأنا رأيتُ الحِمارَ بيعَ - أو يُباعُ - في الكُناسَة - يعني الكوفة - وقد أوردَها ابن أبي الدنيا من وجه آخر، وأن ذلك كان في زمن عمر بن الخطاب، وقد قال بعضُ قومه في ذلك: ومِنَّا الَّذي أَحيَا الإلهُ حمارَهُ … وَقَد ماتَ مِنهُ كُلُّ عُضوٍ ومَفصِل (٤) وأما قصة زيد بن خارجة وكلامه بعد الموت وشهادته للنبي ﷺ ولأبي بكر وعمر وعثمان بالصدق فمشهورة مروية من وجوه كثيرة صحيحة. قال البخاري في التاريخ الكبير: زيد بن خارجة الخزرجي الأنصاري، شهد بدرًا، وتوفي في زمن عثمان، وهو الذي تكلَّم بعد الموت (٥). وروى الحاكمُ في مستدركه، والبيهقي في دلائله، وصحَّحه كما تقدَّم من طريق القعنبي، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب؛ أن زيدَ بن خارجةَ الأنصاري ثم من بني الحارث بن الخزرج، توفي زمنَ عثمان بن عفَّان، فسُجِّي في ثوبه، ثم إنهم سمعوا جَلجَلَة في صدره، ثم تكلَّم فقال: أحمد أحمد في الكتاب الأول، صدقَ صدقَ. أبو بكر الضعيف في نفسه، القوي في أمر الله، في الكتاب الأول صدقَ صدقَ، عمر بن الخطاب القويُّ في الكتاب الأول، صدقَ

стр. 3139

صدقَ. عثمان بن عفَّان على منهاجهم، مضت أربع وبقيت ثنتان. أتتِ الفتنُ وأكلَ الشديدُ الضعيفَ، وقامتِ السَّاعةُ، وسيأتيكم عن جيشكم خبرٌ (١)، بئر أريسَ وما بئر أريس. قال يحيى بن سعيد: قال سعيد بن المُسيب: ثم هلكَ رجلٌ من بني خطمةَ فسُجِّي بثوبه، فسُمعَ جَلْجَلَةٌ في صدره، ثم تكلَّم فقال: إن أخا بني الحارث بن الخزرج صدقَ صدقَ (٢). ورواه ابن أبي الدنيا والبيهقيُّ أيضًا من وجه آخر بأبسطَ من هذا وأطول، وصحَّحه البيهقيُّ. قال: وقد روي في التكلُّم بعد الموت عن جماعة بأسانيدَ صحيحة (٣)، والله أعلم. قلت: وقد ذكرتُ في قصة سخلة جابر يومَ الخندق، وأكل الألف منها ومن قليلِ شعيرٍ ما تقدَّم (٤). وقد أورد الحافظُ محمد بن المنذر المعروف بـ شَكَّر (٥)، في كتابه الغرائب والعجائب بسنده كما سبقَ؛ أنَّ رسول الله ﷺ جمعَ عظامَها ثم دعا الله تعالى فعادت كما كانت، فتركَها في منزله، والله أعلم. قال شيخُنا: ومن معجزات عيسى الإبراء من الجُنون، وقد أبرأَ النبيُّ ﷺ - يعني من ذلك - هذا آخر ما وجدته فيما حكيناه عنه. فأما إبراء عيسى من الجنون، فما أعرف فيه نقلًا خاصًا، وإنما كان يُبرئ الأكمهَ والأبرصَ، والظاهر: ومن جميع العاهات والأمراض المزمنة. وأما إبراءُ النبيِّ ﷺ من الجنون، فقد روى الإمام أحمد والحافظ البيهقي، من غير وجه: عن يَعلَى بن مرة، أن امرأةً أتت بابن لها صغير به لَمَمٌ ما رأيتُ لَمَمًا أشدَّ منه، فقالت: يا رسول الله! ابني هذا كما ترى أصابَه بَلاءٌ، وأصابنا منه بَلاءٌ، يُوجد منه في اليوم ما يُؤذي، ثم قالت: مره، فقال رسول الله ﷺ : "ناولينيه" فجعلَه بينَه وبين واسطة الرحل، ثم فغر فاه ونفثَ فيه ثلاثًا وقال: "باسم الله، أنا عبدُ الله، اخسأ عدوَّ الله" ثم ناولَها إياه، فذكرت أنه برئ من ساعته، وما رابهم شيء بعد ذلك (٦).

стр. 3140

وقال أحمد: حدَّثنا يزيد، حدَثنا حمَّاد بن سلمة، عن فرقد السَّبخيّ عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن امرأةً جاءت بولدها إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن به لَمَمًا، وإنَّه يأخذه عند طعامنا فيُفسد علينا طعامَنا، قال: فمسحَ رسولُ الله ﷺ صدرَه ودعا له، فثعَّ ثعَّة، فخرجَ منه مثلُ الجرو الأسود فشُفي (١). غريب من هذا الوجه، وفرقد فيه كلام، وإن كان من زهَّاد البصرة، لكن ما تقدَّم له شاهد، وإن كانت القِصَّة واحدة، والله أعلم. وروى البزَّار من طريق فرقد أيضًا: عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال: كان رسولُ الله ﷺ بمكة، فجاءته امرأةٌ من الأنصار، فقالت: يا رسولَ الله! إن هذا الخبيث قد غلَبني، فقال لها: "تصبَّري على ما أنتِ عليه وتجيئي يوم القيامة ليس عليك ذنوبٌ ولا حساب؟ " فقالت: والذي بعثكَ بالحقِّ لأصبرنَّ حتى ألقى الله. ثم قالت: إني أخاف الخبيث أن يُجرِّدَني، فدعا لها، وكانت إذا أحسَّت أن يأتيها تأتي أستارَ الكعبة فتتعلَّق بها وتقولُ له: اخسأ، فيذهبُ عنها (٢). وهذا دليل على أن فرقدَ قد حفظ، فإنَّ هذا له شاهد في صحيح البخاري ومسلم من حديث عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أُريك امرأةً من أهلِ الجنَّة؟ قلت: بلى، قال: هذه السوداء، أتت رسولَ الله ﷺ فقالت: إني أُصرعُ وأتكشَّفُ فادعُ الله لي، قال: "إن شئتِ صبرتِ ولكِ الجنَّة، وإن شئتِ دعوتُ الله أن يُعافيَكِ" قالت: لا، بل أصبرُ، فادعُ الله ألا أتكشفَ، قال: فدعا لها، فكانت لا تتكشف (٣). ثم قال البخاريُّ: حدَّثنا محمد، حدثنا مخلد عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء أنه رأى أم زفر - امرأة طويلة سوداء - على ستر الكعبة (٤). وذكر الحافظُ ابن الأثير في كتاب "أسد الغابة" في أسماء الصحابة، أنَّ أُمَّ زفر هذه كانت ماشطة لخديجةَ بنت خُويلد، وأنها عمِّرت حتى رآها عطاءُ بن أبي رباح (٥). وأما إبراء عيسى الأكمه، وهو الذي يُولد أعمى، وقيل: هو الذي لا يُبصر في النهار ويُبصر في الليل،

стр. 3141

وقيل: غير ذلك، كما بسطنا ذلك في التفسير (١). والأبرص: الذي به بَهَقٌ، فقد ردَّ رسولُ الله ﷺ يومَ أُحد عينَ قتادة بن النعمان إلى موضعها بعدما سالت على خدِّه، فأخذها في كفِّه الكريم وأعادَها إلى مقرِّها، فاستمرت بحالها وبصرها، وكانت أحسن عينيه ﵁، كما ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة (٢) وغيره، وكذلك بسطناه ثمَّ، ولله الحمد والمنة. وقد دخلَ بعضُ ولده وهو عاصم بن عمر بن قتادة على عمر بن عبد العزيز فسأل عنه فأنشأ يقول: أنا ابنُ الَّذي سَالَت على الخَدِّ عَينُهُ … فَرُدَّت بِكَفِّ المُصطفى أَحسَنَ الرَّدِّ فَعَادَت كَما كانت لأوَّلِ أَمرِها … فَيا حُسنَ ما عَينٍ ويا حُسنَ ما خَدِّ فقال عمر بن عبد العزيز: تِلك المَكارِمُ لا قَعبَان مِن لَبَنٍ … شِيبا بماءٍ فَعادا بَعدُ أَبوالَا (٣) ثم أجازه فأحسن جائزته (٤). وقد روى الدارقطنيُّ أنَّ عينيه أُصيبتا معًا حتى سالتا على خدَّيْه، فردَّهما رسولُ الله ﷺ إلى مكانهما. والمشهورُ الأول كما ذكر ابن إسحاق. قصة الأعمى الذي ردَّ الله عليه بصرَه بدعاء الرسول ﷺ - قال الإمام أحمد: حدَّثنا رَوح وعثمان بن عمر، قالا: حدَّثنا شعبة، عن أبي جعفر المديني، سمعتُ عمارة بن خزيمة بن ثابت يُحدث عن عثمان بن حنيف، أن رجلًا ضريرًا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ادعُ الله لي أن يعافيني، فقال: "إن شئتَ أخَّرتُ ذلك فهو أفضلُ لآخرتِك، وإن شئتَ دعوتُ" قال: لا، بل ادعُ الله لي، قال: فأمرَه رسولُ الله ﷺ أن يتوضَّأ ويُصلِّيَ ركعتين، وأن يدعو بهذا الدعاء: "اللَّهُمَّ إني أسألُك وأتوجَّه إليكَ بنبيِّكَ محمد نبي الرحمة، يا محمد! إني أتوجَّه بك إلى ربِّي في حاجتي هذه فتقضى". وقال في رواية عثمان بن عمر (٥): "فشَفِّعه فيَّ" قال: ففعل الرجلُ فبرأ (٦).

стр. 3142

ورواه الترمذيُّ (١) وقال: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي جعفر الخَطْمِيِّ. وقد رواه البيهقي (٢): عن الحاكم بسنده إلى أبي جعفر الخَطمِيِّ، عن أبي أُمامة بن سَهل بن حُنيف، عن عمِّه عثمان بن حنيف، فذكرَ نحوَه، قال عثمان: فوالله ما تفرَّقنا ولا طالَ الحديث بنا حتى دخلَ الرجل كأن لم يكن به ضُرٌّ قطُّ. قصة أخرى قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدَّثنا محمدُ بن بشر، حدَّثنا عبد العزيز بن عمر، حدَّثني رجل من بني سَلامَان بن سعد، عن أُمِّه، عن خاله - أو أنَّ خالَه أو خالها - حبيب بن فويك حدَّثها أن أباه خرجَ إلى رسول الله ﷺ وعيناه مبيضَّتان لا يُبصر بهما شيئًا، فقال له: "ما أصابَكَ؟ " قال: كنت أرعى جملًا لي فوقعت رجلي على بيض حيَّة فأُصيب بصري. فنفثَ رسولُ الله ﷺ في عينيه فأبصر، فرأيتُه وإنه ليُدخلُ الخيطَ في الإبرة، وإنَّه لابن ثمانينَ سنة، وإن عينيه لمُبيضَّتان (٣). قال البيهقيُّ: وغيرُه يقول: حبيب بن مدرك (٤). وثبت في الصحيح (٥) أنَّ رسول الله ﷺ نفث في عيني عليٍّ يومَ خيبر وهو أرمد فبَرَأ من ساعته، ثم لم يرمد بعدها أبدًا. ومسحَ رجلَ عبد الله بن عتيك، وقد انكسرت رجلُه ليلة قتل أبا رافع - تاجر أهل الحجاز الخيبري - فبرأ من ساعته أيضًا (٦). وروى البيهقيُّ أنه ﷺ مسحَ يد محمد بن حاطب، وكانت قد احترقت بالنار فبرأ من ساعته (٧). ومسحَ رجلَ سلمة بن الأكوع وقد أُصيبت يوم خيبر فبرأت من ساعتها (٨). ودعا لسعد بن أبي وقاص أن يُشفى من مرضه ذلك، فشُفي (٩).

стр. 3143

وروى البيهقي أنَّ عمَّه أبا طالب مرض، فسأل منه ﷺ أن يدعوَ له ربَّه، فدعا له، فشُفي من مرضه ذلك (١). وكم له من مثلها وعلى مسلكها، من إبراء آلام، وإزالة أسقام، مما يطول شرحه وبسطه. وقد وقع في كرامات الأولياء إبراء الأعمى بعد الدعاء عليه بالعمَى أيضًا، كما رواه الحافظ ابن عساكر من طريق سعيد أبي سعيد بن الأعرابي، عن أبي داود: حدَّثنا عمر بن عثمان، حدَّثنا بقية، عن محمد بن زياد، عن أبي مسلم: أن امرأة خبثت عليه امرأتَه، فدعا عليها فذهبَ بصرُها، فأتتهُ فقالت: يا أبا مسلم! إني كنتُ فعلت وفعلتُ، وإني لا أعودُ لمثلها، فقال: اللَّهُمَّ إن كانت صادقةً فاردُدْ عليها بصرَها، فأبصرت (٢). ورواه أيضًا من طريق أبي بكر بن أبي الدنيا: حدَّثنا عبد الرحمن بن واقد، حدَّثنا ضمرة، حدَّثنا عاصم، حدَّثنا عثمان بن عطاء، قال: كان أبو مسلم الخولاني إذا دخل منزله كبَّر، فماذا بلغَ وسطَ الدار كبَّر وكبَّرت امرأته، فإذا بلغ البيتَ كبَّر وكبَّرت امرأته، فيدخل فينزع رداءَه وحذاءَه، وتأتيه بطعام فيأكل، فجاءَ ذاتَ ليلة فكبَّر فلم تُجبه، ثم جاء إلى باب البيت فكبَّر وسلَّم فلم تُجبه، وإذا البيتُ ليس فيه سراج، وإذا هي جالسة بيدها عود تنكتُ في الأرض به، فقال لها: ما لكِ؟ فقالت: الناس بخير، وأنت أبو مسلم، لو أتيتَ معاوية فيأمر لنا بخادم ويُعطيك شيئًا نعيشُ به، فقال: اللهم من أفسدَ عليَّ أهلي فأعمِ بصرَه. قال: وكانت أتتها امرأةٌ فقالت لامرأة أبي مسلم: لو كلَّمتِ زوجكِ ليُكلِّم معاوية فيُخدمكم ويُعطيكم؟ قال: فبينما هذه المرأة في منزلها والسراج يُزهر، إذ أنكرتْ بصرَها، فقالت: سراجُكم طفئ؟ قالوا: لا، قالت: أنا! ذهبَ بصري، فأقبلت كما هي إلى أبي مُسلم، فلم تزلْ تُناشده وتتلطَّف إليه، فدعا الله فردَّ بصرَها. ورجعت امرأته إلى حالها التي كانت عليها (٣). وأما قصة المائدة التي قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٢ - ١١٥] وقد ذكرنا في التفسير (٤) بسط ذلك واختلاف المفسرين فيها، هل

стр. 3144

نزلت أم لا؟! على قولين، والمشهور عن الجمهور أنها نزلت، واختلفوا فيما كان عليها من الطعام على أقوال. وذكرَ أهل التاريخ أنَّ موسى بن نصير، الذي فتحَ البلاد المغربية أيام بني أمية وجدَ المائدة، ولكن قيل: إنها مائدة سليمان بن داود مرصَّعة بالجواهر، وهي من ذهب، فأرسل بها إلى الوليد بن عبد الملك، فكانت عنده حتى مات، فتسلَّمها أخوه سليمان، وقيل: إنها مائدة عيسى، لكن يبعد هذا أن النصارى لا يعرفون أمر المائدة كما قاله غير واحد من العلماء (١)، والله أعلم. والمقصود أن المائدة سواء كانت قد نزلت أم لم تنزل، فقد كانت موائدُ رسول الله ﷺ تُمدُّ من السماء، وكانوا يسمعون تسبيحَ الطعام وهو يُؤكل بين يديه، وكم قد أشبعَ من طعام يسير ألوفًا ومئات وعشرات بعد عشرات، صلوات الله وسلامه عليه ما تعاقبت الأوقات، وما دامت الأرض والسموات. وهذا أبو مسلم الخولاني، قد ذكرَ الحافظ ابن عساكر في ترجمته من تاريخه أمرًا عجيبًا وشأنًا غريبًا، حيث روى من طريق إسحاق بن يحيى الملطي، عن الأوزاعي، قال: أتى أبا مسلم الخولاني نفرٌ من قومه فقالوا: يا أبا مسلم! أما تشتاقُ إلى الحج؟ قال: بلى لو أصبتُ لي أصحابًا، فقالوا: نحن أصحابُك، قال: لستم لي بأصحاب، إنما أصحابي قوم لا يُريدون الزاد ولا المزاد، فقالوا: سبحان الله! وكيف يسافر قوم بلا زاد ولا مزاد؟ قال لهم: ألا ترون إلى الطير تغدو وتروح بلا زاد ولا مزاد، والله يرزقها؟ وهي لا تبيع ولا تشتري، ولا تحرث ولا تزرع والله يرزقها؟ قال: فقالوا: فإنا نسافر معك، قال: تهيؤوا على بركة الله تعالى، قال: فغَدوا من غوطة دمشق ليس معهم زاد ولا مزاد، فلما انتهوا إلى المنزل قالوا: يا أبا مسلم! طعام لنا وعلف لدوابنا، قال: فقال لهم: نعم، فتنحَّى غير بعيد فتسنَّم مسجدَ أحجار، فصلَّى فيه ركعتين، ثم جثا على ركبتيه فقال: إلهي قد تعلمُ ما أخرجني من منزلي، وإنما خرجتُ آمرًا لك، وقد رأيتُ البخيل من ولد آدم تنزل به العِصابة من الناس فيُوسعهم قِرىً، وإنا أضيافُك وزوَّارك، فأطعمنا، واسقنا، واعلف دوابَّنا، قال: فأتي بسفرة فمدَّت بين أيديهم، وجيء بجفنة من ثريد يبخرُ، وجيء بقلَّتين من ماء، وجيء بالعلف لا يدرون من يأتي به، فلم تزل تلك حالهم منذ خرجوا من عند أهاليهم حتى رجعوا، لا يتكلَّفون زادًا ولا مزادًا (٢). فهذه حال وليٍّ من هذه الأمة، نزل عليه وعلى أصحابه مائدة كل يوم مرتين مع ما يُضاف إليها من الماء والعلوفة لدواب أصحابه، وهذا اعتناء عظيم، وإنما نال ذلك كلَّه ببركة متابعته لهذا النبيِّ الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم. وأما قوله تعالى عن عيسى ابن مريم ﵇: إنه قال لبني إسرائيل: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ٤٩] فهذا شيء (٣) يسير على الأنبياء، بل وعلى كثير من

стр. 3145

الأولياء، وقد قال يوسُف الصدِّيق ﵇ لذينك الفتيين المحبوسين معه: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ الآية [يوسف: ٣٧]. وقد أخبرَ رسولُ الله ﷺ بالأخبار الماضية طبقَ ما وقعَ، وعن الأخبار الحاضرة سواء بسواء، كما أخبرَ عن أكل الأرَضة لتلك الصحيفة الظالمة التي كانت بطونُ قريش قديمًا كتبتها على مقاطعة بني هاشم وبني المطلب حتى يُسلموا إليهم رسولَ الله ﷺ ، وكتبوا بذلك صحيفةً وعلَّقوها في سقف الكعبة، فأرسلَ الله الأَرَضة فأكلتها إلا مواضع اسم الله تعالى (١). وفي رواية: فأكلت اسمَ الله منها تنزيهًا لها أن تكون مع الذي فيها من الظلم والعدوان، فأخبرَ بذلك رسولُ الله ﷺ عمَّه أبا طالب وهم بالشِّعب، فخرجَ إليهم أبو طالب وقال لهم عمَّا أخبرَهم به، فقالوا: إن كان كما قال وإلا فسلِّموه إلينا، فقالوا: نعم، فأنزلوا الصحيفة فوجدوها كما أخبرَ عنها رسولُ الله ﷺ سواء بسواء، فأقلعت بطونُ قريش عما كانوا تمالؤوا عليه لبني هاشم وبني المطلب، وهدى الله بذلك خلقًا كثيرًا (٢). وكم له مثلها كما تقدَّم بسطه وبيانه في مواضع من السير (٣) وغيرها، ولله الحمد والمِنَّة. وفي يوم بدر لما طلب من العباس عمه فداء ادعى أنه لا مالَ له، فقال له: "فأينَ المال الذي دفنته أنت وأم الفضل تحت أسكفَّة الباب، وقلت لها: إن قتلت فهو للصبية؟ " فقال: والله يا رسول الله إنَّ هذا شيء لم يطلع عليه غيري وغير أم الفضل إلا الله (٤). وأخبرَ بموت النجاشيّ يوم مات وهو بالحبشة، وصلَّى عليه (٥). وأخبرَ عن قتل الأمراء يوم مؤتة واحدًا بعد واحد، وهو على المِنبر وعيناه تذرفان (٦). وأخبرَ عن الكتاب الذي أرسلَ به حاطبُ بن أبي بلتعة مع سارة مولاة بني عبد المطلب، وأرسل في طلبها عليًا والزبير والمقداد، فوجدوها قد جعلته في عقاصها، وفي رواية: في حجزتها، وقد تقدَّم ذلك في غزوة الفتح (٧). وقال لأميري كسرى اللَّذين بعثَ بهما نائب اليمن لكسرى، ليستعلما أمرَ رسول الله ﷺ : "إنَّ ربِّي

стр. 3146

قد قتلَ الليلة ربَّكما" فأرَّخا تلكَ الليلة، فإذا كسرى قد سلَّط الله عليه ولدَه فقتلَه، فأسلما وأسلمَ نائبُ اليمن، وكان سبب ملك اليمن لرسول الله ﷺ (١). وأما إخباره ﷺ عن الغيوب المستقبلة فكثيرة جدًّا كما تقدَّم بسط ذلك، وسيأتي في أنباء التواريخ ليقع ذلك طبق ما كان سواء. وذكرَ ابن حامد في مقابلة جهاد عيسى ﵊ جهادَ رسول الله ﷺ ، وفي مقابلة زهد عيسى ﵊ زهادة رسول الله ﷺ عن كنوز الأرض حين عُرضت عليه فأباها، وقال: "أجوع يومًا وأشبعُ يومًا" (٢) وأنه كان له ثلاث عشرة زوجة يمضي عليهن الشهر والشهران لا تُوقد عندهن نار ولا مصباح، إنما هو الأسودان التمر والماء، وربَّما ربطَ على بطنه الحجرَ من الجوع، وما شبعوا من خبز بر ثلاثَ ليالٍ تباعًا، وكان فراشُه من أدم وحشوه ليف، وربما اعتقلَ الشاة فيحلبَها، ورقعَ ثوبَه، وخصفَ نعلَه بيده الكريمة ﷺ ، وماتَ ﷺ ودرعه مرهونة عند يهوديٍّ على طعام اشتراه لأهله، هذا وكم آثر بالألوف المؤلفة والإبل والشاء والغنائم والهدايا على نفسه وأهله، للفقراء والمحاويج والأرامل والأيتام والأسرى والمساكين. وذكرَ أبو نُعيم في مقابلة تبشير الملائكة لمريم الصِّدِّيقة بوضع عيسى ما بشَّرت به آمنة أمّ رسول الله ﷺ حين حملتْ به في منامها، وما قيل لها: إنَّك قد حملتِ بسيِّد هذه الأمة فسمِّيه محمدًا. وقد بسطنا ذلك في المولد كما تقدَّم. وقد أوردَ الحافظُ أبو نُعيم هاهنا حديثًا غريبًا مطوَّلًا بالمولد أحببنا أن نسوقَه، ليكون الختام، نظيرَ الافتتاح، وبالله المستعان، وعليه التكلان، ولله الحمد. فقال: حدَّثنا سليمان بن أحمد، حدَّثنا حفص بن عمر بن الصباح، حدَّثنا يحيى بن عبد الله البابلي، أخبرنا أبو بكر بن أبي مريم، عن سعيد بن عمرو الأنصاري، عن أبيه، قال: قال ابن عباس: فكان من دلالات حمل محمد ﷺ أن كلَّ دابة كانت لقريش نطقت تلك الليلة وقالت: قد حُمِلَ برسول الله ﷺ وربّ الكعبة، وهو أمانُ الدنيا وسراجُ أهلها، ولم يبق كاهنةٌ في قريشٍ ولا قبيلة من قبائل العرب إلا حُجبت عن صاحبتها، انتُزع علمُ الكهنة منها، ولم يبق سريرُ مَلكٍ من مُلوك الدنيا إلا أصبحَ منكوسًا، والمَلِكُ مُخرَسًا لا ينطقُ يومَه ذلكَ، وفرَّت وحوشُ المشرق إلى وحوش المغرب بالبشارات، وكذلك أهلُ البحار بشَّر بعضُهم بعضًا، وفي كل شهر من شهور نداء في الأرض ونداء في السموات: أن أبشروا فقد آن لأبي القاسم أن يخرجَ إلى الأرض ميمونًا مباركًا قال: وبقي في بطن أمه تسعة أشهر كمَّلًا، لا تشكو وجعًا ولا ريحًا ولا مغصًا، ولا ما يعرض للنساء ذواتِ الحمل، وهلكَ أبوه عبدُ الله وهو

стр. 3147

في بطن أُمِّه، فقالت الملائكة: إلهنا، وسيدنا، بقيَ نبيُّك هذا يتيمًا، فقال الله تعالى للملائكة: أنا له وليٌّ وحافظ ونصير، فتبرَّكوا بمولده ميمونًا مباركًا. وفتح الله لمولده أبواب السماء وجنَّاته، وكانت آمنة تُحدِّث عن نفسها وتقول: أتاني آتٍ حتى مرَّ لي من حمله ستة أشهر فوكَزني برجله في المنام وقال: يا آمنة! إنَّكِ حملتِ بخير العالمين طُرًّا، فإذا ولدتيه فسمِّيه محمَّدًا، واكتمي شأنَك. قال: فكانت تُحدِّث عن نفسها وتقول: لقد أخذني ما يأخذ النساء ولم يعلم بي أحد من القوم، ذكر ولا أنثى، وإنِّي لوحيدةٌ في المنزل، وعبدُ المطلب في طوافه، قالت: فسمعتُ وجبةً شديدةً، وأمرًا عظيمًا، فهالني ذلك، وذلك يوم الإثنين، ورأيتُ كأن جناح طير أبيض قد مسحَ على فؤادي فذهبَ كلّ رعب وكل فزع ووجع كنتُ أجد، ثم التفتُّ فإذا أنا بشربةٍ بيضاءَ ظننتُها لبنًا، وكنت عطشى، فتناولتُها فشربتُها فأضاء فيَّ نورٌ عالٍ، ثم رأيتُ نسوةً كالنخل الطِّوال، كانهنَّ من بنات عبد المطلب يُحدِّقنَ بي، فبينا أن أعجبُ وأقول: واغوثاه، من أينَ علمنَ بي؟ واشتدَّ بي الأمر وأنا أسمعُ الوجبةَ في كل ساعة أعظم وأهول، وإذا أنا بديباج أبيض قد مُدَّ بين السماء والأرض، وإذا قائل يقول: خذوه عن أعين النَّاس، قالت: ورأيت رجالًا قد وقفوا في الهواء بأيديهم أباريقُ فِضَّة، وأنا يرشحُ مني عرقٌ كالجُمان، أطيبُ ريحًا من المسك الأذفر، وأنا أقولُ: يا ليتَ عبد المطلب قد دخل عليَّ، قالت: ورأيت قطعةً من الطير قد أقبلت من حيث لا أشعرُ حتى غطَّت حجرتي، مناقيرُها من الزمرّد، وأجنحتُها من اليواقيت، فكشفَ الله لي عن بصري: فأبصرتُ من ساعتي مشارقَ الأرض ومغاربَها، ورأيتُ ثلاثَ أعلامٍ مضروباب، علمٌ بالمشرق، وعلمٌ بالمغرب، وعلمٌ على ظهر الكعبة، فأخذني المَخاضُ واشتدَّ بي الطَّلق جدًّا، فكنتُ كأنِّي مستندة إلى أركان النساء، وكثرنَ عليَّ حتى كأنَّ الأيدي معي في البيت وأنا لا أرى شيئًا فولدت محمدًا، فلما خرج من بطني درتُ فنظرتُ إليه فإذا هو ساجد وقد رفعَ أصبعيه كالمُتضرِّع المبتهل، ثم رأيت سحابةً بيضاءَ قد أقبلت من السماء تنزل حتى غشيتُه، فغُيِّبَ عن عيني، فسمعتُ مناديًا يُنادي يقول: طُوفوا بمحمد ﷺ شرقَ الأرض وغربَها، وأدخلوه البحارَ كلَّها، ليعرفوه باسمه ونعته وصورته، ويعلموا أنه سُمِّي الماحي، لا يبقى شيءٌ من الشرك إلا مُحي به. قالت: ثم تَخَلَّوا عنه في أسرع وقت، فإذا أنا به مدرجٌ في ثوب صوف أبيض، أشدُّ بياضًا من اللَّبَن، وتحته حريرةٌ خضراء، وقد قبضَ محمَّد ثلاثة مفاتيح من اللؤلؤ الرَّطب الأبيض، وإذا قائل يقول: قبضَ محمَّدٌ مفاتيح النصر، ومفاتيح الريح، ومفاتيح النبوة (١).

стр. 3148

هكذا أوردَه وسكت عليه، وهو غريب جدًّا. وقال الشيخ جمال الدين أبو زكريا، يحيى بن يوسف بن منصور بن عمر الأنصاري الصَّرصَري (١)، المادح الماهر، الحافظ للأحاديث واللغة، ذو المحبَّة الصادقة لرسول الله ﷺ فلذلك يُشبَّه في عصره بحسَّان بن ثابت ﵁، في ديوانه المكتوب عنه في مديح رسول الله ﷺ ، وقد كان ضريرَ البصر، بصيرَ البصيرة، وكانت وفاتُه ببغداد في سنة ست وخمسين وستمئة، قتله التتار في كائنة بغداد، كما سيأتي ذلك في موضعه، في كتابنا هذا إن شاء الله تعالى، وبه الثقة، وعليه التكلان، قال في قصيدته، من حرف الحاء المهملة، من ديوانه: مُحمَّدٌ المبعُوثُ لِلنَّاسِ رَحمَةً … يُشيِّدُ مَا أَوهَى الضلالُ ويصلحُ لَئِنْ سَبَّحَتْ صُمُّ الجِبالِ مجيبَةً … لِداودَ أَو لَانَ الحديدُ المصَفَّحُ فَإنَّ الصُّخُور الصُّمَّ لَانَت بِكَفِّه … وَإنَّ الحَصى في كَفِّهِ ليُسَبِّحُ وَإِن كانَ مُوسَى أَنبَعَ الماءَ بالعَصَا … فَمِن كَفِّهِ قد أصبَحَ الماءُ يَطفَحُ وَإن كانَت الريحُ الرُّخاءُ مُطيعةً … سُليمان لا تَألو تَروحُ وتسرَحُ فإنَّ الصَّبا كَانَت لِنصرِ نَبِيِّنا … بِرعبٍ عَلى شَهرٍ به الخصمُ يُكلَحُ (٢) وَإن أُوتيَ الملكَ العظيمَ وسُخِّرت … لَهُ الجِنُّ تشفى مارِضيهِ وتَلدَحُ (٣) فَإنَّ مَفاتيح الكُنُوزِ بِأَسرِهَا … أَتَتْهُ فَرَدَّ الزَّاهِدُ المترَجّحُ وَإن كان إبراهيمُ أُعطي خِلَّةً … ومُوسى بتكليم على الطُّور يُمنحُ فَهذَا حَبيبٌ بَل خَليلٌ مُكَلَّم … وخُصِّصَ بالرؤيا وبالحقِّ أشرَحُ وَخُصِّصَ بالحوضِ العظيمِ وباللوا … ويَشفَعُ لِلعَاصِينَ والنَّار تَلفحُ وبالمقعَدِ الأعلى المُقَرَّبِ عِندَهُ … عَطاءٌ بِبُشراهُ أَقَرُّ وأَفرَحُ وبالرتبةِ العُليا الأسِيلةِ دونها … مَراتبُ أربابِ المواهِبِ تُلمَحُ (٤) وَفي جَنَّةِ الفِردَوس أوَّلُ دَاخِلٍ … لَه سائِرُ الأبواب بالخار تُفتَحُ (٥)

стр. 3149

وهذا آخر ما يسَّرَ الله جمعَه من الأخبار بالمغيَّبات التي وقعت إلى زماننا، مما يدخل في دلائل النبوة، والله الهادي. وإذا فرغنا إن شاء الله من إيراد الحادثات من بعد موته ﵊ إلى زماننا، نتبع ذلك بذكر الفتن والملاحم الواقعة في آخر الزمان، ثم نسوقُ بعد ذلك أشراط الساعة، ثم نذكرُ البعثَ والنشورَ، ثم ما يقعُ يوم القيامة من الأهوال وما فيه من العظمة، ونذكر الحوضَ والميزانَ والصراطَ، ثم نذكرُ صفةَ النَّار ثم صفة الجنَّة.

стр. 3150

البداية والنهاية «الخلفاء الراشدون ١١ هـ - ٤٠ هـ» تأليف الإمام الحافظ المؤرخ أبي الفداء إسماعيل بن كثير [٧٠١ هـ - ٧٧٤ هـ] حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه د. رياض عبد الحميد مراد - محمد حسان عبيد راجعه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط - الدكتور بشار عواد معروف الجزء السابع

стр. 3151

كتاب (١) تاريخ الإسلام الأوّل من الحوادث الواقعة في الزمان، ووفيات المشاهير والأعيان سنة إحدى عشرة من الهجرة تقدَّم ما كان في ربيع الأول منها من وفاة رسول الله ﷺ في يوم الإثنين وذلك لثاني عشر منه على المشهور، وقد بسطنا الكلام في ذلك بما فيه كفايةٌ وبالله التوفيق. خلافةُ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ وما فيها من الحوادث قد تقدم أنَّ رسولَ الله ﷺ توفي يوم الإثنين وذلك ضُحى، فاشتغل الناس ببيعة أبي بكر الصّديق في سَقيفة بني ساعدة، ثم في المسجد البيعة العامَّة في بقيّة يوم الإثنين وصبيحة الثلاثاء كما تقدَّم ذلك بطُوله، ثمّ أخذوا في غَسْل رسول الله ﷺ ، وتكفينه، والصلاةِ عليه ﷺ تسليمًا بقية يوم الثلاثاء، ودفنوه ليلة الأربعاء كما تقدّم ذلك مبرهنًا في موضعه. وقال محمد بن إسحاق بن يسار (٢): حدَّثني الزُّهري، حدَّثني أنس بن مالك قال: لما بُويع أبو بكر في السَّقيفة وكان الغد، جلس أبو بكر فقام عمر فتكلَّم قبل أبي بكر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها الناس إني قد قلت لكم بالأمس مقالةً ما كانت [إلا عن رأيي] (٣) وما وجدتُها في كتاب الله ولا كانت عهدًا عَهِدهُ إليَّ رسول الله ﷺ ولكني قد كنت أرى أنّ رسولَ الله ﷺ سيدبّر أمرَنا، حتى (٤) يكون آخرنا، وإن الله قد أبقى فيكم الذي به هدى رسول الله ﷺ اعتصمتُم به هداكم الله لما كان هَداهُ الله،

стр. 3152

وإنّ الله قد جمع أمركم على خيركم صاحبِ رسول الله ﷺ ، وثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه. فبايع الناس أبا بكر بعد بيعة السَّقيفة، ثم تكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله ثم قال: أما بعدُ، أيُّها الناس فإني قد وُلّيتُ عليكم ولستُ بخيركم فإنْ أحسنتُ فأعينوني وإن أسأتُ فقوِّموني. الصدقُ أمانةٌ والكذبُ خيانةٌ، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أُرْجعَ عليه حقَّه إن شاء الله، والقويُّ فيكم ضعيفٌ حتى آخذَ الحقَّ منه إن شاء الله، لا يدعُ قومٌ الجهادَ في سبيل الله إلا خذلهم اللهُ بالذلّ، ولا تشيعُ الفاحشةُ في قومٍ إلا عمَّهم اللهُ بالبلاء، أطيعوني ما أطعت اللهَ ورسولَه، فإذا عصيْتُ الله ورسولَه فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله. وهذا إسناد صحيح. وقد اتَّفقَ الصَّحابةُ ﵃ على بيعة الصّدّيق في ذلك الوقت، حتى عليّ بن أبي طالب والزُّبير بن العَوّام ﵄، والدليل على ذلك ما رواه البيهقيُّ (١) حيث قال: أخبرنا أبو الحسن (٢) عليُّ بن محمدٍ بن علي الحافظ الإسفراييني، حدَّثنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ، حدَّثنا أبو بكر بن خُزَيْمَة (٣) وإبراهيم بن أبي طالب قالا: حدَّثنا بُنْدار بن بشّار (٤)، حدَّثنا أبو هشام المَخْزومي، حدَّثنا وُهَيْب، حدَّثنا داود بن أبي هِنْد، حدَّثنا أبو نَضْرَة (٥)، عن أبي سعيد الخُدْري قال: قُبِضَ رسولُ الله ﷺ واجتمعَ الناسُ في دارِ سعدِ بن عُبادَةَ، وفيهم أبو بكر وعمرُ قال: فقام خطيبُ الأنصار فقال: أتعلمون أنَّا أنصارُ رسولِ الله ﷺ فنحن أنصار خليفتِه كما كنَّا أنصارَه، قال: فقام عمر بن الخطاب فقال: صدق قائلُكم، ولو قلتم غيرَ هذا لم نبايعْكم، فأخذ بيد أبي بكرٍ وقال: هذا صاحبُكم فبايعوه، فبايعه عمرُ، وبايعه المهاجرونَ والأنصارُ، وقال: فصعد أبو بكر المنبرَ فنظرَ في وجوه القوم فلم يرَ الزبيرَ، قال: فدعا الزبيرَ، فجاءَ، قال: قلتُ: ابنَ عمَّةِ رسولِ الله ﷺ أردتَ أن تَشُقَّ عصا المسلمين؟ قال: لا تثريبَ يا خليفةَ رسولِ الله، فقام فبايعه، ثم نظرَ في وجوه القوم فلم يرَ عليًا، فدعا

стр. 3153

بعلي بن أبي طالب، قال: قلت: ابنَ عمِّ رسولِ الله ﷺ وخَتَنهُ على ابنتهِ، أردتَ أن تَشُقَّ عصا المسلمين؟ قال: لا تثريب يا خليفةَ رسول الله فبايَعَه. هذا أو معناه. قال الحافظ أبو علي النَّيْسابوري: سمعتُ ابنَ خُزيمة يقول: جاءني مسلمُ بنُ الحجاج فسألني عن هذا الحديثِ فكتبتُه له في رُقْعة وقرأت عليه، فقال: هذا حديث يساوي بَدنةً، فقلتُ: يَسْوى بدَنةً، بل هذا يَسْوى (١) بَدْرَة (٢). وقد رواه الإمامُ أحمد عن الثقةِ عن وُهَيْب مختصرًا (٣). وأخرجه الحاكمُ في "مستدركِه" (٤) من طريقِ عفانَ بن مسلم، عن وهيب مطوَّلًا كنحو ما تقدَّم. وروينا من طريق المَحَاملي، عن القاسمِ بن سعيد بن المُسيّب، عن علي بن عاصم، عن الجُرَيْري (٥)، عن أبي نَضْرَة، عن أبي سعيدٍ فَذَكره مثلَه في مبايعةِ علي والزبير ﵄ يومئذٍ. وقال موسى بن عقبة (٦) في "مغازيه" عن سعد بن إبراهيم: حدَّثني أبي أن أباه عبد الرحمن بنَ عوفٍ كانَ معَ عمرَ وأنَّ محمَّد بنَ مَسْلمة كسر سيفَ الزُّبير، ثم خطب أبو بكر واعتذر إلى النَّاس وقال: واللهِ ما كنتُ حريصًا على الإمارةِ يومًا ولا ليلةً، ولا سألتُها اللهَ في سِرٍّ ولا علانيةٍ، فقَبِلَ المهاجرونَ مقالتَه، وقال عليٌّ والزبيرُ: ما [غصَبنا] (٧) إلا لأنَّنا أُخِّرْنا عن المشورة، وإنا نرى أبا بكرٍ أحقَّ النّاسِ بها، إنَّه لصاحبُ الغارِ، وإنَّا لنعرفُ شرفَه وخَيْره. ولقد أمَرَه رسولُ الله ﷺ بالصلاةِ بالنّاسِ وهو حيٌّ (٨). وهذا اللائقُ بعليٍّ ﵁، والذي يدلُّ عليه الآثارُ من شهودِه معه الصلواتِ، وخُرُوجِه معه إلى ذي القَصَّة (٩) بعد موت رسول الله ﷺ كما سنورده، وبذلِه له النصيحةَ والمشورة، بين يديه.

стр. 3154

وأما ما يأتي من مبايعته إياه بعد موت فاطمةَ، وقد ماتت بعد أبيها ﵊ بستة أشهر، فذلك محمولٌ على أنَّها بيعةٌ ثانيةٌ أزالت ما كان قد وقعَ من وحشةٍ بسبب الكلام في الميراث ومنعِه إياهم ذلك بالنص عن رسولِ الله ﷺ : في قوله: "لا نُورث، ما تركنا فهو صدقة" (١). كما تقدم إيراد أسانيده وألفاظه ولله الحمد. وقد كتبنا هذه الطرقَ مستقصاةً في الكتاب الذي أفردناه في سيرة الصدِّيقِ ﵁، وما أسنده من الأحاديث عن رسول الله ﷺ وما رُوي عنه من الأحكام مُبوَّبةً على أبواب العلم ولله الحمدُ والمنة. وقال سيف بن عمر التميمي (٢): عن أبي ضَمرة، عن أبيه، عن عاصم بن عدي، قال: نادى منادي أبي بكر من الغد من مُتوفَّى رسول الله ﷺ ليتمّم بعثَ أسامةَ: ألا لا يبقين بالمدينة أحدٌ من جيش أسامة إلَّا خرج إلى عسكره بالجُرف (٣). وقام أبو بكر في الناس فحمد الله وأثنى عليه، وقال: "أيها الناسُ إنما أنا مثلكم وإني [لا أدري] (٤) لعلكم تُكلّفوني ما كان رسولُ الله ﷺ يُطيق، إنَّ الله اصطفى محمدًا على العالمين، وعَصَمهُ من الآفاتِ، وإنما أنا متَّبع ولست بمُبتدعٍ، فإن استقمتُ فبايعوني، وإن زُغْتُ (٥) فقوِّموني، وإن رسول الله ﷺ قُبض وليس أحدٌ من هذه الأمة يطلبُه بمظلمةٍ ضربة سوط فما دونها، وإنَّ لي شيطانًا يعتريني فإذا أتاني فاجتنبوني لا أؤثرُ في أشعاركم وأبشاركم (٦) وإنكم تَغْدون وتَروحون في أجَلٍ قد غُيِّب عنكم علمُه، وإن استطعتُم أن لا يمضيَ يوم إلا وأنتم في عمل صالح فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله، وسابقوا في مهلِ آجالكم من قبل أن تُسْلِمكُم آجالُكم إلى انقطاع الأعمال، فإنَّ قومًا نسُوا آجالَهم وجعلوا أعمالَهم بعدهم، فإياكم أن تكونوا أمثالهم، الجدَّ الجَدَّ، النجاةَ النجاةَ، الوحَا الوحا (٧) فإن وراءكم طالبًا حثيثًا، وأجلًا أمرُه سريعٌ، احذروا الموتَ، واعتبروا بالآباءِ والأبناءِ والإخوان ولا تُطيعوا الأحياءَ إلا بما تطيعوا به الأمواتَ". قال: وقام أيضًا فحمد اللهَ وأثنى عليه ثم قال: إنّ الله لا يقبل من الأعمال إلا ما أُريد به وجهُه، فأريدوا اللهَ بأعمالكم، فإنّما أخلصتم لحين فقرِكم وحاجتكم، اعتبروا عبادَ الله بمنْ مات منكم، وتفكروا فيمن كان قبلكم، أين كانوا أمس، وأين هم اليومَ، أين الجبّارونَ الذين كان لهم ذكرُ القتالِ

стр. 3155

والغلبةِ في مواطن الحروبِ، قد تضعضعَ بهم الدهرُ، وصاروا رميمًا، قد تولَّت عليهم العالاتُ (١)، الخبيثاتُ للخبيثين، والخبيثونَ للخبيثاتِ، وأينَ الملوكُ الذين أثاروا الأرضَ وعمروها؟ قد بعدُوا ونُسِيَ ذكرُهم، وصاروا كلا شيءَ، ألا إنَّ اللهَ قد أبقى عليهم التبعاتِ، وقطَعَ عنهمِ الشهواتِ، ومضوا والأعمالُ أعمالُهم، والدنيا دنيا غيرِهم، وبُعثنا خلَفًا بعدَهم، فإن نحن اعتبرنا بهم نجَوْنا، وإن انحدرنا كنا مثلهم، أين الوضاءةُ الحسنة وجوههم، المعجبونَ بشبابهم؟ صاروا ترابًا، وصار ما فرَّطوا فيه حسرةً عليهم، أين الذين بنوا المدائن وحضَّنوها بالحوائط، وجعلوا فيها الأعاجيبَ؟ قد تركوها لمن خلفَهم، فتلك مساكنُهم خاويةٌ وهم في ظلماتِ القبور، ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨]؟ أين من تعرفون من آبائكم وإخوانكم، قد انتهت بهم آجالُهم، فرُدُّوا على ما قدموا، فحلُّوا عليه وأقاموا للشقوة أو السعادة بعد الموث، ألا إن الله لا شريكَ له، ليس بينه وبين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيرًا، ولا يصرف به عنه سوءًا، إلَّا بطاعته واتباعِ أمره، واعلموا أنَّكَم عبيدٌ مدينون، وأنّ ما عنده لا يُدرك إلا بطاعته، أما آن لأحدكم أن تحسر عنه النار ولا تَبْعُدُ عنه الجنة؟. فصل في تنفيذ جيش أسامةَ بن زيدٍ الذين كانوا قد أمرَهم رسول الله ﷺ بالمسير إلى تُخُومِ البَلقاء من الشام، حيث قُتل زيدُ بن حارثة، وجعفر، وابن رُواحةَ: فيغتزوا على تلك الأراضي، فخرجوا إلى الجُرف فخيَّموا به، وكان بينهم عمرُ بن الخطاب، ويقال: وأبو بكر الصديق فاستثناه رسول الله منهم للصلاة، فلما ثَقُلَ رسولُ الله ﷺ أقاموا هنالك، فلما مات عَظُمَ الخطبُ واشتدَّ الحالُ ونجم النفاقُ بالمدينة، وارتدَّ من ارتدَّ من أحياءِ العرب حولَ المدينة، وامتنع آخرون من أداء الزكاة إلى الصدِّيق، ولم يبقَ للجمعة مُقامٌ في بلدِ سوى مكةَ والمدينة، وكانت جُواثى من البحرين أول قرية أقامت الجمعةَ بعد رجوع الناس إلى الحق، كما في صحيح البخاري (٢)، عن ابن عباس كما سيأتي. وقد كانت ثقيفُ بالطائف ثَبَتوا على الإسلام، لم يفرُّوا ولا ارتدّوا، والمقصود أنه لما وقعت هذه الأمور أشار كثيرٌ من الناس على الصديق أن لا يُنفذ جش أسامة لاحتياجه إليه فيما هو أهم، لأنَّ ما جهز بسببه في حال السلامة، وكان من جملة من أشار بذلك عمر بن الخطاب، فامتنع الصدّيق من ذلك، وأبى أشدَّ الإباء، إلا أن يُنفذَ جيشَ أسامةَ، وقال: والله لا أحلُّ عقدةً عقدها رسولُ الله ﷺ ، ولو أنَّ الطير تَخْطفُنا، والسباع من حول المدينة، ولو أنَّ الكلابَ جرت بأرجلِ أمهات المؤمنين لأجَهّزن جيشَ أسامةَ وآمر الحرس يكونون حول المدينة، فكان خروجه في ذلك الوقت من أكبر المصالح والحالةُ تلك،
следующие страницы →