← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

كتاب (١) تاريخ الإسلام الأوّل من الحوادث الواقعة في الزمان، ووفيات المشاهير والأعيان سنة إحدى عشرة من الهجرة تقدَّم ما كان في ربيع الأول منها من وفاة رسول الله ﷺ في يوم الإثنين وذلك لثاني عشر منه على المشهور، وقد بسطنا الكلام في ذلك بما فيه كفايةٌ وبالله التوفيق. خلافةُ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ وما فيها من الحوادث قد تقدم أنَّ رسولَ الله ﷺ توفي يوم الإثنين وذلك ضُحى، فاشتغل الناس ببيعة أبي بكر الصّديق في سَقيفة بني ساعدة، ثم في المسجد البيعة العامَّة في بقيّة يوم الإثنين وصبيحة الثلاثاء كما تقدَّم ذلك بطُوله، ثمّ أخذوا في غَسْل رسول الله ﷺ ، وتكفينه، والصلاةِ عليه ﷺ تسليمًا بقية يوم الثلاثاء، ودفنوه ليلة الأربعاء كما تقدّم ذلك مبرهنًا في موضعه. وقال محمد بن إسحاق بن يسار (٢): حدَّثني الزُّهري، حدَّثني أنس بن مالك قال: لما بُويع أبو بكر في السَّقيفة وكان الغد، جلس أبو بكر فقام عمر فتكلَّم قبل أبي بكر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها الناس إني قد قلت لكم بالأمس مقالةً ما كانت [إلا عن رأيي] (٣) وما وجدتُها في كتاب الله ولا كانت عهدًا عَهِدهُ إليَّ رسول الله ﷺ ولكني قد كنت أرى أنّ رسولَ الله ﷺ سيدبّر أمرَنا، حتى (٤) يكون آخرنا، وإن الله قد أبقى فيكم الذي به هدى رسول الله ﷺ اعتصمتُم به هداكم الله لما كان هَداهُ الله،

стр. 3152

وإنّ الله قد جمع أمركم على خيركم صاحبِ رسول الله ﷺ ، وثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه. فبايع الناس أبا بكر بعد بيعة السَّقيفة، ثم تكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله ثم قال: أما بعدُ، أيُّها الناس فإني قد وُلّيتُ عليكم ولستُ بخيركم فإنْ أحسنتُ فأعينوني وإن أسأتُ فقوِّموني. الصدقُ أمانةٌ والكذبُ خيانةٌ، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أُرْجعَ عليه حقَّه إن شاء الله، والقويُّ فيكم ضعيفٌ حتى آخذَ الحقَّ منه إن شاء الله، لا يدعُ قومٌ الجهادَ في سبيل الله إلا خذلهم اللهُ بالذلّ، ولا تشيعُ الفاحشةُ في قومٍ إلا عمَّهم اللهُ بالبلاء، أطيعوني ما أطعت اللهَ ورسولَه، فإذا عصيْتُ الله ورسولَه فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله. وهذا إسناد صحيح. وقد اتَّفقَ الصَّحابةُ ﵃ على بيعة الصّدّيق في ذلك الوقت، حتى عليّ بن أبي طالب والزُّبير بن العَوّام ﵄، والدليل على ذلك ما رواه البيهقيُّ (١) حيث قال: أخبرنا أبو الحسن (٢) عليُّ بن محمدٍ بن علي الحافظ الإسفراييني، حدَّثنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ، حدَّثنا أبو بكر بن خُزَيْمَة (٣) وإبراهيم بن أبي طالب قالا: حدَّثنا بُنْدار بن بشّار (٤)، حدَّثنا أبو هشام المَخْزومي، حدَّثنا وُهَيْب، حدَّثنا داود بن أبي هِنْد، حدَّثنا أبو نَضْرَة (٥)، عن أبي سعيد الخُدْري قال: قُبِضَ رسولُ الله ﷺ واجتمعَ الناسُ في دارِ سعدِ بن عُبادَةَ، وفيهم أبو بكر وعمرُ قال: فقام خطيبُ الأنصار فقال: أتعلمون أنَّا أنصارُ رسولِ الله ﷺ فنحن أنصار خليفتِه كما كنَّا أنصارَه، قال: فقام عمر بن الخطاب فقال: صدق قائلُكم، ولو قلتم غيرَ هذا لم نبايعْكم، فأخذ بيد أبي بكرٍ وقال: هذا صاحبُكم فبايعوه، فبايعه عمرُ، وبايعه المهاجرونَ والأنصارُ، وقال: فصعد أبو بكر المنبرَ فنظرَ في وجوه القوم فلم يرَ الزبيرَ، قال: فدعا الزبيرَ، فجاءَ، قال: قلتُ: ابنَ عمَّةِ رسولِ الله ﷺ أردتَ أن تَشُقَّ عصا المسلمين؟ قال: لا تثريبَ يا خليفةَ رسولِ الله، فقام فبايعه، ثم نظرَ في وجوه القوم فلم يرَ عليًا، فدعا

стр. 3153

بعلي بن أبي طالب، قال: قلت: ابنَ عمِّ رسولِ الله ﷺ وخَتَنهُ على ابنتهِ، أردتَ أن تَشُقَّ عصا المسلمين؟ قال: لا تثريب يا خليفةَ رسول الله فبايَعَه. هذا أو معناه. قال الحافظ أبو علي النَّيْسابوري: سمعتُ ابنَ خُزيمة يقول: جاءني مسلمُ بنُ الحجاج فسألني عن هذا الحديثِ فكتبتُه له في رُقْعة وقرأت عليه، فقال: هذا حديث يساوي بَدنةً، فقلتُ: يَسْوى بدَنةً، بل هذا يَسْوى (١) بَدْرَة (٢). وقد رواه الإمامُ أحمد عن الثقةِ عن وُهَيْب مختصرًا (٣). وأخرجه الحاكمُ في "مستدركِه" (٤) من طريقِ عفانَ بن مسلم، عن وهيب مطوَّلًا كنحو ما تقدَّم. وروينا من طريق المَحَاملي، عن القاسمِ بن سعيد بن المُسيّب، عن علي بن عاصم، عن الجُرَيْري (٥)، عن أبي نَضْرَة، عن أبي سعيدٍ فَذَكره مثلَه في مبايعةِ علي والزبير ﵄ يومئذٍ. وقال موسى بن عقبة (٦) في "مغازيه" عن سعد بن إبراهيم: حدَّثني أبي أن أباه عبد الرحمن بنَ عوفٍ كانَ معَ عمرَ وأنَّ محمَّد بنَ مَسْلمة كسر سيفَ الزُّبير، ثم خطب أبو بكر واعتذر إلى النَّاس وقال: واللهِ ما كنتُ حريصًا على الإمارةِ يومًا ولا ليلةً، ولا سألتُها اللهَ في سِرٍّ ولا علانيةٍ، فقَبِلَ المهاجرونَ مقالتَه، وقال عليٌّ والزبيرُ: ما [غصَبنا] (٧) إلا لأنَّنا أُخِّرْنا عن المشورة، وإنا نرى أبا بكرٍ أحقَّ النّاسِ بها، إنَّه لصاحبُ الغارِ، وإنَّا لنعرفُ شرفَه وخَيْره. ولقد أمَرَه رسولُ الله ﷺ بالصلاةِ بالنّاسِ وهو حيٌّ (٨). وهذا اللائقُ بعليٍّ ﵁، والذي يدلُّ عليه الآثارُ من شهودِه معه الصلواتِ، وخُرُوجِه معه إلى ذي القَصَّة (٩) بعد موت رسول الله ﷺ كما سنورده، وبذلِه له النصيحةَ والمشورة، بين يديه.

стр. 3154

وأما ما يأتي من مبايعته إياه بعد موت فاطمةَ، وقد ماتت بعد أبيها ﵊ بستة أشهر، فذلك محمولٌ على أنَّها بيعةٌ ثانيةٌ أزالت ما كان قد وقعَ من وحشةٍ بسبب الكلام في الميراث ومنعِه إياهم ذلك بالنص عن رسولِ الله ﷺ : في قوله: "لا نُورث، ما تركنا فهو صدقة" (١). كما تقدم إيراد أسانيده وألفاظه ولله الحمد. وقد كتبنا هذه الطرقَ مستقصاةً في الكتاب الذي أفردناه في سيرة الصدِّيقِ ﵁، وما أسنده من الأحاديث عن رسول الله ﷺ وما رُوي عنه من الأحكام مُبوَّبةً على أبواب العلم ولله الحمدُ والمنة. وقال سيف بن عمر التميمي (٢): عن أبي ضَمرة، عن أبيه، عن عاصم بن عدي، قال: نادى منادي أبي بكر من الغد من مُتوفَّى رسول الله ﷺ ليتمّم بعثَ أسامةَ: ألا لا يبقين بالمدينة أحدٌ من جيش أسامة إلَّا خرج إلى عسكره بالجُرف (٣). وقام أبو بكر في الناس فحمد الله وأثنى عليه، وقال: "أيها الناسُ إنما أنا مثلكم وإني [لا أدري] (٤) لعلكم تُكلّفوني ما كان رسولُ الله ﷺ يُطيق، إنَّ الله اصطفى محمدًا على العالمين، وعَصَمهُ من الآفاتِ، وإنما أنا متَّبع ولست بمُبتدعٍ، فإن استقمتُ فبايعوني، وإن زُغْتُ (٥) فقوِّموني، وإن رسول الله ﷺ قُبض وليس أحدٌ من هذه الأمة يطلبُه بمظلمةٍ ضربة سوط فما دونها، وإنَّ لي شيطانًا يعتريني فإذا أتاني فاجتنبوني لا أؤثرُ في أشعاركم وأبشاركم (٦) وإنكم تَغْدون وتَروحون في أجَلٍ قد غُيِّب عنكم علمُه، وإن استطعتُم أن لا يمضيَ يوم إلا وأنتم في عمل صالح فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله، وسابقوا في مهلِ آجالكم من قبل أن تُسْلِمكُم آجالُكم إلى انقطاع الأعمال، فإنَّ قومًا نسُوا آجالَهم وجعلوا أعمالَهم بعدهم، فإياكم أن تكونوا أمثالهم، الجدَّ الجَدَّ، النجاةَ النجاةَ، الوحَا الوحا (٧) فإن وراءكم طالبًا حثيثًا، وأجلًا أمرُه سريعٌ، احذروا الموتَ، واعتبروا بالآباءِ والأبناءِ والإخوان ولا تُطيعوا الأحياءَ إلا بما تطيعوا به الأمواتَ". قال: وقام أيضًا فحمد اللهَ وأثنى عليه ثم قال: إنّ الله لا يقبل من الأعمال إلا ما أُريد به وجهُه، فأريدوا اللهَ بأعمالكم، فإنّما أخلصتم لحين فقرِكم وحاجتكم، اعتبروا عبادَ الله بمنْ مات منكم، وتفكروا فيمن كان قبلكم، أين كانوا أمس، وأين هم اليومَ، أين الجبّارونَ الذين كان لهم ذكرُ القتالِ

стр. 3155

والغلبةِ في مواطن الحروبِ، قد تضعضعَ بهم الدهرُ، وصاروا رميمًا، قد تولَّت عليهم العالاتُ (١)، الخبيثاتُ للخبيثين، والخبيثونَ للخبيثاتِ، وأينَ الملوكُ الذين أثاروا الأرضَ وعمروها؟ قد بعدُوا ونُسِيَ ذكرُهم، وصاروا كلا شيءَ، ألا إنَّ اللهَ قد أبقى عليهم التبعاتِ، وقطَعَ عنهمِ الشهواتِ، ومضوا والأعمالُ أعمالُهم، والدنيا دنيا غيرِهم، وبُعثنا خلَفًا بعدَهم، فإن نحن اعتبرنا بهم نجَوْنا، وإن انحدرنا كنا مثلهم، أين الوضاءةُ الحسنة وجوههم، المعجبونَ بشبابهم؟ صاروا ترابًا، وصار ما فرَّطوا فيه حسرةً عليهم، أين الذين بنوا المدائن وحضَّنوها بالحوائط، وجعلوا فيها الأعاجيبَ؟ قد تركوها لمن خلفَهم، فتلك مساكنُهم خاويةٌ وهم في ظلماتِ القبور، ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨]؟ أين من تعرفون من آبائكم وإخوانكم، قد انتهت بهم آجالُهم، فرُدُّوا على ما قدموا، فحلُّوا عليه وأقاموا للشقوة أو السعادة بعد الموث، ألا إن الله لا شريكَ له، ليس بينه وبين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيرًا، ولا يصرف به عنه سوءًا، إلَّا بطاعته واتباعِ أمره، واعلموا أنَّكَم عبيدٌ مدينون، وأنّ ما عنده لا يُدرك إلا بطاعته، أما آن لأحدكم أن تحسر عنه النار ولا تَبْعُدُ عنه الجنة؟. فصل في تنفيذ جيش أسامةَ بن زيدٍ الذين كانوا قد أمرَهم رسول الله ﷺ بالمسير إلى تُخُومِ البَلقاء من الشام، حيث قُتل زيدُ بن حارثة، وجعفر، وابن رُواحةَ: فيغتزوا على تلك الأراضي، فخرجوا إلى الجُرف فخيَّموا به، وكان بينهم عمرُ بن الخطاب، ويقال: وأبو بكر الصديق فاستثناه رسول الله منهم للصلاة، فلما ثَقُلَ رسولُ الله ﷺ أقاموا هنالك، فلما مات عَظُمَ الخطبُ واشتدَّ الحالُ ونجم النفاقُ بالمدينة، وارتدَّ من ارتدَّ من أحياءِ العرب حولَ المدينة، وامتنع آخرون من أداء الزكاة إلى الصدِّيق، ولم يبقَ للجمعة مُقامٌ في بلدِ سوى مكةَ والمدينة، وكانت جُواثى من البحرين أول قرية أقامت الجمعةَ بعد رجوع الناس إلى الحق، كما في صحيح البخاري (٢)، عن ابن عباس كما سيأتي. وقد كانت ثقيفُ بالطائف ثَبَتوا على الإسلام، لم يفرُّوا ولا ارتدّوا، والمقصود أنه لما وقعت هذه الأمور أشار كثيرٌ من الناس على الصديق أن لا يُنفذ جش أسامة لاحتياجه إليه فيما هو أهم، لأنَّ ما جهز بسببه في حال السلامة، وكان من جملة من أشار بذلك عمر بن الخطاب، فامتنع الصدّيق من ذلك، وأبى أشدَّ الإباء، إلا أن يُنفذَ جيشَ أسامةَ، وقال: والله لا أحلُّ عقدةً عقدها رسولُ الله ﷺ ، ولو أنَّ الطير تَخْطفُنا، والسباع من حول المدينة، ولو أنَّ الكلابَ جرت بأرجلِ أمهات المؤمنين لأجَهّزن جيشَ أسامةَ وآمر الحرس يكونون حول المدينة، فكان خروجه في ذلك الوقت من أكبر المصالح والحالةُ تلك،

стр. 3156

فساروا لا يمرُّون بحيٍّ من أحياءِ العرب إلا أرعبوا منهم، وقالوا: ما خرج هؤلاء من قوم إلا وبهم منعَةٌ شديدة، فقاموا أربعين يومًا ويقال سبعين يومًا، ثم أتَوْا سالمين غانمين، ثم رجعوا فجهّزهم حينئذ مع الأحياء الذين أخرجهم لقتال المُرْتدة، ومانعي الزكاة على ما سيأتي تفصيلُه. قال سيفُ بن عمر (١): عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: لما بُويع أبو بكر وجمع الأنصارُ في الأمر الذي افترقوا فيه، قال: ليتمّ بعثُ أسامة، وقد ارتدت العرب؛ إما عامة وإما خاصة، في كل قبيلة، ونجم (٢) النّفاق واشرأبَّت اليهوديةُ والنصرانية، والمسلمون كالغنم المَطِيرة (٣) في الليلة الشاتيةِ، لفقد نبيهم ﷺ ، وقلَّتهم وكثرة عدوّهم، فقال له الناس: إن هؤلاء جلُّ المسلمين والعرب على ما ترى قد انتقضتْ بك، وليس ينبغي لك أن تُفرق عنك جماعةَ المسلمين، فقال: والذي نفس أبي بكر بيده لو ظننت أن السباعَ تَخْطفني لأنفذتُ بعثَ أسامةَ كما أمرَ به رسولُ الله ﷺ ؛ ولو لم يبقَ في القرى غيري لأنفذته. وقد روي هذا عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، ومن حديث القاسم وعمرة، عن عائشة قالت: لما قبض رسول الله ﷺ ارتدتِ العربُ قاطبةً وأُشْربت النفاق، والله لقد نزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها (٤)، وصار أصحاب محمد ﷺ كأنهم مِعْزًى (٥) مطيرة في حُشٍّ (٦) في ليلة مطيرة بأرض مَسْبَعَةٍ (٧)، فوالله ما اختلفوا في نقطة إلَّا طارَ أبي بِحَظِّها وغنائها وفَضْلها (٨)، ثم ذكرت عمر فقالت: من رأى عمر علم أنه خلق غنى للإسلام، كان والله أحوذيا (٩) نسيج وحدِه وقد أعد للأمور أقرانها (١٠). وقال الحافظ أبو بكر البَيْهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العبّاس محمد بن يعقوب،

стр. 3157

حدَّثنا محمد بن علي الميموني، حدَّثنا الفِرْيابي، حدَّثنا عبَّاد بن كَثير عن الأعرج (١) عن أبي هريرة قال: والله الذي لا إله إلَّا هو، لولا أن أبا بكر استُخلف ما عُبد اللهُ، ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة، فقيل له: مه يا أبا هريرة؟ فقال: إن رسول الله ﷺ وجَّهَ أسامةَ بن زيد في سبعمئة إلى الشام، فلما نزل بذي خُشُب (٢) قُبضَ رسولُ الله ﷺ وارتدَّتِ العربُ حولَ المدينة، فاجتمعَ إليه أصحابُ رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا بكر ردّ هؤلاء، تُوجه إلى الرّوم وقد ارتدَّتِ العربُ حولَ المدينة؟ فقال: والذي لا إله غيرُه لو جرت الكلاب بأرجل أزواجِ رسول الله ﷺ ما رددت جيشًا وجَّهه رسولُ الله ﷺ ، ولا حللتُ لواءً عقدَه رسولُ الله ﷺ فوجَّه أسامة، فجعل لا يمرُّ بقبيل يريدون الارتداد إلَّا قالوا: لولا أن لهؤلاء قوةً ما خرجَ مثلُ هؤلاء من عندهم، ولكن ندعُهم حتى يَلقوا الرومَ، فلقُوا الرومَ فهزموهم وقتلوهم، ورجعوا سالمين، فثبتوا على الإسلام. عبّاد بن كثير هذا أظنه البرمكيَّ لرواية الفِرْيابي عنه، وهو مقارب الحديث، فأما [عباد بن كثير] البصري الثقفي فمتروك الحديث، والله أعلم. وروى سيف بن عمر (٣)، عن أبي ضَمْرَة وأبي عمرو وغيرهما، عن الحسن البصري: أن أبا بكر لما صمَّم على تجهيز جيش أسامة قال بعض الأنصار لعمر: قل له فليُؤَمِّرْ علينا غيرَ أسامة، فذكر له عمرُ ذلك، فيقال: إنه أخذَ بلحيته وقال: ثكلتْكَ أمُّك يا بن الخطاب، أُؤَمِّر غيرَ أميرِ رسول الله ﷺ ؟ ثم نهض بنفسه إلى الجُرْفِ فاستعرضَ جيشَ أسامة وأمرهم بالمسير، وسارَ معهم ماشيًا، وأسامةُ راكبًا، وعبدُ الرحمن بن عوف يقود براحلةِ الصِّدِّيق، فقال أسامةُ: يا خليفةَ رسولِ الله: إما أن تركبَ وإما أن أنزلَ، فقال: والله لستَ بنازلٍ ولستُ براكبٍ، ثم استطلقَ الصدِّيقُ من أسامة عمرَ بن الخطاب - وكان مكتتبًا في جيشه - فأطلقهُ له، فلهذا كان عمرُ لا يلقاه بعد ذلك إلا قال: السلام عليكَ أيها الأميرُ. مقتلُ الأسْود العَنْسي، المُتَنبِّئ الكذَّاب قال أبو جعفر بنُ جَرِير (٤): حدَّثني عمر بن شَبَّة (٥) النُّمَيْري، حدَّثنا عليّ بن محمد - يعني المَدَائني - عن أبي مَعْشر ويزيد بن عياض بن جُعْدُبة (٦) وغسّان بن عبد الحميد وجُوَيْرية بن أسماء، عن مَشْيختهم قالوا:

стр. 3158

أمضى أبو بكر جيشَ أسامةَ بن زيد في آخر ربيع الأول، وأتى مقتل الأسود في آخر ربيع الأول بعد مخرج أسامة، فكان ذلك أولَ فَتْحٍ فَتَحَ أبو بكر وهو بالمدينة. صِفَةُ خُروجِهِ وتَمْليكِهِ ومَقْتَلِهِ قد أسلفنا فيما تقدَّم أنَّ اليمنَ كانت لِحِمْيَر، وكانت ملوكهم يُسَمَّون التَّبابعة، وتكلَّمنا في أيام الجاهلية على طرفٍ صالح من هذا. ثم إنّ ملك الحبشة بعث أميرين من قواده، وهما أبرهةُ الأشرمُ، وأرياطُ، فتملّكا له اليمن من حمير، وصار مُلْكُها للحبشة، ثم اختلف هذان الأميران، فقُتِلّ أرياطُ واستقلَّ أبرهةُ بالنيابة. وبنى كنيسةً سماها القُلَّيْس (١)، لارتفاعها، وأراد أن يصرفَ حجَّ العربِ إليها دونَ الكعبةِ، فجاء بعضُ قريشٍ فأحدث في هذه الكنيسة، فلما بلغه ذلك حلفَ ليخربنَّ بيتَ مكة، فسار إليه ومعه الجنود والفيلُ محمود، فكان من أمرهم ما قصَّ اللهُ في كتابه. وقد تقدَّم بسطُ ذلك في موضعه، فرجعَ أبرهةُ ببعض من بقيَ من جيشه في أسوإ حالٍ وشرّ خيبةٍ، وما زال تسقطُ أعضاؤُه أنملة أنملةً، فلمّا وصلَ إلى صنعاء انصدع صدرُه فماتَ، فقام بالملك بعده ولده يكسوم (٢) بن أبرهة ثم أخوه مسروق بن أبرهة، فيقال: إنه استمرَّ مُلك اليمن بأيدي الحبشة سبعين سنةً. ثم ثار سيفُ بن ذي يزن الحِمْيريُّ، فذهب إلى فيصرَ ملكِ الرّوم يستنصرُه عليهم، فأبى ذلك عليه - لما بينه وبينهم من الاجتماع في دين النَّصرانية - فسارَ إلى كسرى ملكِ الفرس فاستغاث به، وله معه مواقفُ ومقاماتٌ في الكلام تقدَّم بسط بعضها، ثم اتفق الحالُ على أنْ بَعَثَ معه ممن بالسجونِ طائفةً تقدمهم رجل منهم يقال له: وهرز، فاستنقذ مُلْك اليمن من الحبشة، وكسرَ مَسروق بن أبرهة وقتله، ودخلوا إلى صنعاءَ وقرروا سيفَ بن ذي يزن في المُلك على عادة آبائه، وجاءتِ المحوبُ تُهنِّئهُ من كل جانب، غير أن لكسرى نوايا على البلاد (٣)؛ فاستمرّ الحالُ على ذلك حتى بُعث رسولُ الله ﷺ فأقام بمكة ما أقام، ثم هاجر إلى المدينة فلما كتب كتبه إلى الآفاق يدعوهم إلى عبادة الله وحدَهُ لا شريكَ له، فكتب في جملة ذلك إلى كسرى ملكِ الفرس: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمدٍ رسولِ الله إلى كسرى عظيمِ الفرسِ، سلامٌ على منِ اتبعَ الهُدى، أما بعدُ، فأسلمْ تَسْلمْ … إلى آخره.

стр. 3159

فلما جاءه الكتابُ قال: ما هذا؟ قالوا: هذا كتابٌ جاء من عند رجلٍ بجزيرة العرب يزعُمُ أنه نبيٌّ، فلما فتحَ الكتابَ فوجده قد بدأ باسمه قبل اسمِ كسرى، غضبَ كسرى غضبًا شديدًا، وأخذَ الكتابَ فمزّقه قبل أن يقرأه، وكتب إلى عامله على اليمن - وكان اسمه باذام (١) - أما بعد فإذا جاءك كتابي هذا فابعث من قِبَلك أميرين إلى هذا الرجل الذي بجزيرة العرب، الذي يزعم أنه نبيٌّ، فابعثه إليَّ في جامعة (٢)، فلما جاء الكتاب إلى باذام، بعثَ منْ عنده أميرين عاقلين، وقال: اذهبا إلى هذا الرجل، فانظرا ما هو، فإن كان كاذبًا فخُذاه في جامعةٍ حتى تذهبا به إلى كسرى، وإن كان غير ذلك فارجعا إليَّ فأخبراني ما هو، حتى أنظرَ في أمره، فقدما على رسولِ الله ﷺ إلى المدينة، فوجداه على أسَدِّ الأحوالِ وأرشدِها، ورأيا منه أمورًا عجيبةً، يطول ذكرها، ومكَثَا عنده شهرًا حتى بلغا ما جاءا له، ثم تقاضاهُ الجواب بعد ذلك، فقال لهما: ارجعا إلى صاحبِكما فأخبراه أن ربِّي قد قتل الليلةَ ربَّه، فأرَّخا ذلك عندَهما ثم رجعا سريعًا إلى اليمن فأخبرا باذامَ بما قال لهما، فقال: احصوا تلك الليلة، فإن ظهرَ الأمرُ كما قال فهو نبيٌّ، فجاءت الكتبُ من عند ملكهم أنه قد قُتل كسرى في لية كذا وكذا، لتلك الليلة، وكان قد قتله بنوه ولهذا قال بعضُ الشعراء (٣): [من الوافر] وكِسْرى إذ تَقَاسمهُ بَنُوه … بأسيافٍ كما اقْتُسِم اللِّحام (٤) تمخّضتِ (٥) المنونُ له بيومٍ … أتى ولكلِّ حاملة تمامُ وقام بالمُلك بعده ولده شيرويه وكتب إلى باذام أن خُذْ ليَ البيعة من قبلك، واعمد إلى ذلك الرجل فلا تهنه وأكرمْهُ، فدخل الإسلامُ في قلب باذام وذريتِه من أبناء فارسَ ممن باليمن، وبعث إلى رسول الله ﷺ بإسلامه، فبعث إليه رسولُ الله ﷺ بنيابة اليمنِ بكمالها (٦)، فلم يعزله عنها حتى مات، فلما مات استنابَ ابنه شهر بن باذام على صنعاءَ وبعض مخاليف، وبعث طائفةً من أصحابه نوّابًا على مخاليف أُخر، فبعث أولًا في سنة عشرٍ عليًّا وخالدًا، ثم أرسل معاذًا وأبا موسى الأشعريَّ وفرّق عِمَالَة اليمن بين جماعةٍ من الصحابة، فمنهم شَهْر بن باذام، وعامر بن شَهْر الهَمْداني على همدان، وأبو موسى على مأرب، وخالد بن سعيد بن العاص على عامر نَجْران ورَفْعٍ وزَبيد، ويَعْلى بن أمية على الجَنَد، والطاهر بن

стр. 3160

أبي هالة على عَك (١) والأشعريين، وعمرو بن حرام على نَجْران، وعلى بلاد حضرموتَ زيادُ بن لبيد، وعلى السكاسك والسكون عكاشة بن ثور (٢) بن أخضر، وعلى بني معاوية بن كندة عبد الله بن قيس، وبعث معاذ بن جبل معلِّمًا لأهل البلدين - اليمن وحضرموت - يتنقَّلُ من بلدٍ إلى بلدٍ، ذكره سيف بن عمر، وذلك كله في سنة عشر، آخر حياة رسول الله ﷺ فبينما هم على ذلك إذ نجم (٣) هذا اللعين الأسود العنسي. خروجُ الأسودِ العنسي واسمه عَبْهَلَة (٤) بن كَعْب بن غَوْث - من بلد يقال لها: كهف خُبان (٥) - في سبعمئة مقاتل، وكتب إلى عُمّال النبي ﷺ : أيّها المتمرِّدون علينا، أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضنا، ووفِّروا ما جمعتم، فنحن أولى به، وأنتم على ما أنتم عليه، ثم ركب فتوجّه إلى نَجْران فأخذها بعد عشرِ ليالٍ من مخرجه ثم قصد إلى صنعاء، فخرج إليه شَهْر بن باذام فتقاتلا، فغلبه الأسودُ وقتله، وكسر جيشه من الأبناء واحتلّ بلدة صنعاء لخمسٍ وعشرين ليلةً من مخرجه، ففرَّ معاذ بن جبل من هنالك واجتاز بأبي موسى الأشعري فذهبا إلى حضرموت، وانحاز عُمّال رسول الله ﷺ إلى الطاهر، ورجع عمر بن حرام وخالد بن سعيد بن العاص إلى المدينة، واستوثقت اليمن بكمالها للأسود العَنْسي، وجعل أَمْرُهُ يَسْتطير (٦) استطارةَ الشرَّارَةِ، وكان جيشُه يومَ لقي شهرًا سبعمئة فارس، وأمراؤه. قيس بن عبد يغوث، ومعاوية بن قيس، ويزيد بن محرم ويزيد بن حصن الحارثي، ويزيد بن الأفكل الأزدي، واشتدّ ملكه، واستغلظ أمره، وارتدّ خلق من أهل اليمن، وعامله المسلمون الذين هناك بالتقية، وكان خليفته على مَذْحِج عمرو بن معدي كرب، وأسند أمر الجند إلى قيس بن عبد يغوث، وأسند أمر الأبناء إلى فيروز الدَّيْلمي وداذويه، وتزوَّج بامرأة شهر بن باذام وهي ابنةُ عمَّ فيروز الدَّيلمي، واسمها زاذ، وكانت امرأةً حسناءَ جميلةً، وهي مع ذلك مؤمنةٌ بالله ورسوله محمد ﷺ ، ومن الصالحات. قال سيف بن عمر التميمي (٧): وبعثَ رسولُ الله ﷺ كتابَه، حين بلغه خبرُ الأسودِ العنسي مع رجلٍ يُقال له: وبر بن يُحَنَّس الديلمي: يأمر المسلمين الذين هناك بمقاتلة الأسود العَنْسي ومصاولته، وقام معاذ بن جَبَل بهذا الكتاب أتمَّ القيام، وكان قد تزوّج امرأة من السَّكون يُقال لها: رَمْلة، فَحَدَبت عليه

стр. 3161

السَّكون لصهره فيهم (١)، وقاموا معه في ذلك، وبلغوا هذا الكتاب إلى عُمّال النبي ﷺ ، ومن قدروا عليه من الناس، واتَّفق اجتماعهم بقيس بن عبد يغوث أمير الجُنْد - وكان قد غضبَ على الأسود - واستخفَّ به، وهمَّ بقتله - وكذلك كان أمر فَيْروز الدَّيْلَمي، قد ضعف أيضًا، وكذا داذَوَيْه، فلما أعلم وبر بن يُحنَّس قيس بن عَبْدِ يَغُوث، وهو قيس بن مَكْشُوح، كان كأنّما نزلوا عليه من السَّماء، ووافقهم على الفَتْك بالأسود، وتوافق المسلمون على ذلك، وتعاقدوا عليه، فلما أيقنَ ذلك في الباطن اطَّلَعَ شيطان الأسود للأسود على شيء من ذلك، فدعا قَيْس بن مكشوح، فقال له: يا قَيْسُ ما يقولُ هذا؟ قال: وما يقول؟ قال يقول: عمدت إلى قيس فأكرمته حتى إذا دخل منه كلَّ مدخل، وصار في العزّ مثلَكَ، مال ميلَ عدوّك، وحاول ملكك، وأضمرَ على الغَدْر، إنّه يقول: يا أسودُ يا أسود يا سوءة يا سوءة، فطُفْ به وخُذْ من قيس أعلاه، وإلا سلبكَ وقطفَ قبلك، فقال له قيس وحلف له فكذب: وذي الخمار لأنتَ أعظمُ في نفسي وأجلُّ عندي من أن أحدّث بك نفسي، فقال له الأسودُ: ما إخالك تّكَذِّبُ المَلَك، فقد صدقَ المَلَكُ وعرفَ الآن أنَّك تائبٌ عما اطلع عليه منك، ثم خرج قيسٌ منِ بين يديه فجاء إلى أصحابه فيروز وداذويه، وأخبرهم بما قال له وردَّ عليه: فقالوا: إنّا كلُّنا على حَذرٍ، فما الرأيُ؟ فبينما هم يشتورون إذ جاءهم رسولُه فأحضرهم بين يديه، فقال: ألم أشَرِّفكم على قومكم؟ قالوا: بلى، قال: فماذا يبلغني عنكم؟ فقالوا: أقِلْنا مَرَّتنا هذه، فقال: لا يبلغني عنكم فأقيلكم، قال: فخرجنا من عنده ولم نكد، وهو في ارتيابٍ من أمرنا، ونحنُ على خطرٍ، فبينما نحن في ذلك إذ جاءتنا كتبٌ من عامر بن شَهْر، أمير هَمْدان، وذي ظُلَيْم، وذي كلاع، وغيرهم من أمراء اليمن، يبذلون لنا الطّاعة والنَّصْر، على مخالفة الأسود، وذلك حين جاءهم كتابُ رسول الله ﷺ يَحُثُّهم على مصاولة الأسودِ العَنْسي، فكتبنا إليهم أن لا يُحْدِثُوا شيئًا حتى نبرم الأمر (٢) قال قيس: فدخلت على امرأته زاذ، فقلت: يا ابنةَ عمّي قد عرفت بلاءَ هذا الرجل عند قومك، قتلَ زوجَك، وطأطأ (٣) في قومك القتلَ، وفضحَ النساءَ، فهل عندك ممالأةٌ عليه؟ قالت: على أي أمر، قلتُ إخراجه، قالت: أو قتله، قلت: أو قتله، قالتْ: نعم، واللهِ ما خلقَ اللهُ شخصًا هو أبغضُ إليَّ منه، فما يقومُ لله على حقٍّ ولا ينتهي له عن حرمة، فإذا عزمتمْ أخبروني أعلمكم بما في هذا الأمر، قال فأخرج فإذا فيروز وداذويه، ينتظران يريدون أن يناهضُوه، فما استقرّ اجتماعُه بهما حتى بعثَ إليه الأسود فدخلَ في عشرةٍ من قومه، فقال: ألم أخبرك بالحقّ وتخبرني بالكذابة؟ إنه يقول: يا سوأة يا سوأة، إن لم تقطع من قيس يده يقطع رقبتك العليا، حتى ظنَّ فيسٌ أنّه قاتلُهُ، فقال: إنه ليس من الحقّ، إنّ أهلكَ وأنتَ رسول الله، فقتلي أحبّ إليَّ من موتاتٍ أموتُها كلَّ

стр. 3162

يوم، فرقَّ له وأمره بالانصرافِ، فخرجَ إلى أصحابه فقال: اعملوا عملَكم، فبينما هم وقوف بالباب يشتورون، إذ خرجَ الأسودُ عليهم وقد جمعَ له مئةً ما بين بقرةٍ وبعيرٍ، فقام وخطَّ خطًا وأقيمت من ورائه، وقام دونها، فنحرها، غير مُحْبَسَةٍ ولا مُعقَّلة، ما يقتحم الخطّ منها شيء، فجالت إلى أن زهقت أرواحها، قال قيس: فما رأيتُ أمرًا كانَ أفظعَ منه، ولا يومًا أوحشَ منه، ثم قال الأسود: أحقٌّ ما بلغني عنكَ يا فيروز؟ لقد هممت أن أنحركَ فالحقكَ بهذه البهيمة، وأبدى له الحربةَ، فقال له فيروز: اخترتنا لصهرك، وفضلتنا على الأبناء، فلو لم تكن نبيًا ما بعنا نصيبنا منك بشيء، فكيف وقد اجتمع لنا بك أمرُ الآخرة والدنيا؟ فلا تقبلْ علينا أمثالَ ما يبلغُكَ، فانا بحيث تحبُّ، فرضي عنه وأمره بقسم لحوم تلك الأنْعام، ففرَّقها فيروز في أهل صنعاء، ثم أسرعَ اللحاقَ به، فإذا رجلٌ يحرّضُه على فيروز ويسعى إليه فيه، واستمع له فيروز، فإذا الأسود يقول: أنا قاتلُه غدًا وأصحابه، فاغْدُ عليَّ به، ثم التفت فإذا فيروز، فقال: مه، فأخبره فيروز بما صنعَ من قسم ذلك اللحم، فدخل الأسود داره، ورجع فيروز إلى أصحابه فأعلمهم بما سمعَ وبما قالَ وقيل له، فاجتمعَ رأيُهم على أن عاودوا المرأة في أمره، فدخلَ أحدهم - وهو فيروز - إليها فقالت: إنه ليس من الدار بيت إلا والحرس محيطون به، غير هذا البيت، فإن ظهره إلى مكان كذا وكذا من الطّريق، فإذا أمسيتُم فانقبوا عليه من دون الحرس، وليس من دون قتله شيءٌ، وإني سأضعُ في البيت سراجًا وسلاحًا، فلما خرج من عندها تلقّاهُ الأسودُ فقال له: ما أدخلك على أهلي؟ ووجأ رأسه، وكان الأسود شديدًا، فصاحت المرأةُ فأدهشته عنه، ولولا ذلك لقتله، وقالت: ابنُ عميّ جاءني زائرًا، فقال: اسكتي لا أبا لك، قد وهبتُه لكِ، فخرجَ على أصحابه فقال: النجاءَ النجاءَ، وأخبرهم الخبر، فحاروا ماذا يصنعون؟ فبعثت المرأةُ إليهم تقولُ لهم: لا تَنْثنوا عما كنتم عازمين عليه، فدخلَ عليها فيروزُ الدَّيلمي فاسْتَثْبَتَ منها الخبرَ، ودخلوا إلى ذلك البيت فنقبوا من داخله بطائن ليهونَ عليهم النقبُ من خارج، ثم جلسَ عندهما جهرةً كالزائر، فدخل الأسود فقال: وما هذا؟ فقالت: إنه أخي من الرّضاعة، وهو ابن عمّي، فنهره وأخرجَه، فرجعَ إلى أصحابه، فلما كان الليلُ نقبوا ذلك البيتَ فدخلوا فوجدوا فيه سراجًا تحتَ جفنةٍ فتقدّم إليه فيروز الديلمي والأسود نائمٌ على فراشٍ من حرير، قد غرقَ رأسُه في جسده، وهو سكرانُ يغطُّ، والمرأةُ جالسةٌ عنده، فلما قام فيروزُ على الباب أجلسَه شيطانهُ وتكلَّم على لسانه - وهو مع ذلك يغطُّ - فقال: مالي ومالكَ يا فيروزُ؟ فخشيَ إن رجعَ يهلكُ وتهلكُ المرأةُ، فعاجلَه وخالطه وهو مثلُ الجملِ فأخذَ رأسه فدقّ عنقه ووضع ركبتيه في ظهره حتى قتلَه، ثم قام ليخرجَ إلى أصحابه ليخبرهم، فأخذت المرأة بذيله وقالت: أين تذهبُ عن حرمتك. فظنَّتْ أنها لم تقتله، فقال: أخرج لأعلمهم بقتله، فدخلوا عليه ليحتّزوا رأسه، فحركه شيطانه فاضطرب، فلم يضبطوا أمره حتى جلس اثنان على ظهره، وأخذت المرأةُ بشعره، وجعلَ يبربرُ بلسانه فاحتزَّ الآخرُ رقبتَه، فخار كأشدّ خوارِ ثورٍ سُمع قطُّ، فابتدر الحرسُ إلى المقصورة، فقالوا: ما هذا ما هذا؟ فقالتِ المرأة: النبيّ يُوحى إليهِ، فرجعوا، وجلس قيسٌ وداذويه وفيروزُ يأتمرون كيف يعلمون أشياعَهم، فاتّققوا على أنّه إذا كان الصباحُ ينادون بشعارهم الذي بينهم وبين المسلمين، فلما كان الصباحُ قام

стр. 3163

أحدُهم، وهو قيسٌ على سور الحصن فنادى بشعارهم. فاجتمع المسلمون والكافرون حول الحصن، فنادى قيسٌ ويقال: وبر بن يحنس، الأذان: أشهد أن محمدًا رسول الله، وأن عبهلة كذاب، وألقى إليهم رأسه فانهزم أصحابُه وتبعهم الناسُ يأخذونهم ويرصدونهم في كلّ طريقٍ يأسرونهم، وظهر الإسلام وأهلُه، وتراجعَ نواب رسول الله ﷺ إلى أعمالهم وتنازعَ أولئك الثلاثةُ في الإمارة، ثم اتَّفقوا على معاذِ بن جَبَلٍ يصلّي بالناس، وكتبوا بالخبر إلى رسولِ الله ﷺ ، وقد أطلعَه الله على الخبر من ليلتِه، كما قال سيف بن عمر التميمي (١) عن أبي القاسم الشنوي، عن إلعلاء بن زياد (٢) عن ابن عمر: أتى الخبرُ إلى النبي ﷺ من السماء الليلةَ التي قُتل فيه العنسي ليبشّرنا، فقال: قُتل العنسيُّ البارحةَ، قتله رجلٌ مباركٌ من أهل بيتٍ مباركين، قيل: ومنْ؟ قال: فيروزُ فيروزُ. وقد قيل: إنَّ مدةَ مُلكه منذ ظهر إلى أن قتل ثلاثة أشهر، ويقال: أربعة أشهر، فالله أعلم. وقال سيفُ بن عمر (٣): عن المُسْتَنير، عن عروة، عن الضحّاك، عن فيروز، قال: قتلنا الأسودَ، وعاد أمرُنا في صنعاء كما كان إلا أنّا أرسلنا إلى معاذ بن جبل فتراضَيْنا عليه، فكان يُصلّي بنا في صنعاء، فوالله ما صلّى بنا إلا ثلاثةَ أيام حتى أتانا الخبرُ بوفاةِ رسولِ الله ﷺ ، فانتقضت الأمور، وأنكرنا كثيرًا مما كنا نعرفُ، واضطربتِ الأرض. وقد قدمنا أن خبرَ العنسي جاء إلى الصّدّيق في أواخر ربيع الأول بعدما جَهَّز جيشَ أسامة، وقيل: بل جاءت البشارةُ إلى المدينة صبيحةَ توفي رسول الله ﷺ والأول أشهر، والله أعلم. والمقصود أنه لم يجئهم فيما يتعلق بمصالحهم واجتماع كلمتهم وتأليف ما بينهم والتمسّك بدين الإسلام إلا الصديق ﵁، وسيأتي إرساله إليهم من يمهِّد الأمور التي أضطربت في بلادهم ويقوّي أيدي المسلمين، ويثبّت أركان دعائم الإسلام فيهم، ﵃. فصل في تصدّي الصِّدّيق لِقتالِ أهلِ الرِّدة ومانِعي الزَّكاة قد تقدَّم أنّ رسولَ الله ﷺ لمّا توفي ارتدَّت أحياءٌ كثيرةٌ من الأعراب، ونجمَ النّفاق بالمدينة، وانحازَ إلى مُسَيْلمَةَ الكَذَّاب بنوـ حَنيفةَ وخلقٌ كثيرٌ باليمامة، والتفَّت على طُلَيحة الأسدي بنو أَسَدٍ وطيِّء، وبشرٌ كثيرٌ أيضًا، وإدَّعى النبوَّة أيضًا، كما إدّعاها مُسَيْلمةُ الكَذَّاب، وعظمَ الخَطْبُ واشتدّتِ الحالُ، ونفذَ الصِّدّيق جيشَ أَسامةَ، فقلَّ الجندُ عند الصّدّيق فطمعت كثيرٌ من الأعراب في المدينة وراموا أن يهجموا

стр. 3164

عليها، فجعلَ الصّدّيق على أنقابِ المدينةِ حُرّاسًا يبيتون بالجيوش حولَها، فمن أمراءِ الحرس: عليُّ بن أبي طالب، والزُّبَيْر بن العَوّام، وطَلْحةُ بن عبد الله، وسَعْدُ بن أبي وقاص، وعبدُ الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود، وجَعَلَتْ وفودُ العرب تقدم المدينة يقرُّون بالصلاة ويمتنعون من أداء الزكاة، ومنهم من امتنعَ من دفعها إلى الصّدّيق، وذكر أن منهم من احتَجَّ بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] قالوا: فلسنا ندفعُ زكاتنا إلَّا إلى منْ صلاتُهُ سكنٌ لنا، وأنشد بعضهم: [من الطويل] أطعنَا رسولَ اللهِ إذْ كانَ بَيْننا … فواعَجَبًا ما بَالُ مُلْكِ أبي بَكْرِ وقد تكلَّم الصحابةُ مع الصّديق في أن يتركهم وما هم عليه من منعِ الزكاةِ ويتألَّفهم حتى يمكّنَ الإيمانُ في قلوبهم: ثم هم بعد ذلك يُزَكُّونَ، فامتنعَ الصّديق من ذلك وأباه. وقد روى الجماعةُ في كتبهم سوى ابن ماجه (١)، عن أبي هريرة: أنَّ عمرَ بن الخطاب قال لأبي بكر: علامَ تقاتلُ الناسَ؟ وقد قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتلَ الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسولُ الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها". فقال أبو بكر: والله لو مَنَعوني عَناقًا، وفي رواِية: عِقالًا كانو يؤدّونه إلى رسول الله ﷺ لأقاتِلَنَّهم على منعها، إنَّ الزكاةَ حقُّ المال، واللهِ لأقاتِلَنَّ منْ فرَّقَ بينَ الصلاةِ والزكاةِ، قال عمر: فما هو إلا أن رأيتُ اللهَ قد شرحَ صدرَ أبي بكر للقتال، فعرفتُ أنه الحقُّ. قلت: وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥]. وثبت في الصحيحين (٢): بُني الإسلام على خمسٍ: شهادةِ أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقامِ الصلاة، وإيتاءَ الزكاةِ، وحجِّ البيتِ، وصومِ رمضان. وقد روى الحافظ ابن عساكر من طريقين عن شبَابة بن سوَّار: حدَّثنا عيسى بن يزيد المديني، حدَّثني صالح بن كيسان، قال: لما كانت الرّدّة قام أبو بكرٍ في الناس فحمدَ الله وأثنى عليه ثم قال: الحمدُ الله الذي هَدى فكَفَى، وأعْطى فأغْنَى، إن اللهَ بعثَ محمدًا ﷺ والعلم شريد، والإسلام غريبٌ طريدٌ، قد رثَّ حبلُه، وخَلقَ عهدُه، وضلَّ أهلُه منه، ومقتَ الله أهل الكتاب فلا يعطيهم خيرًا لخير عندهم، ولا يصرف عنهم شرًا لشر عندهم، قد غيَّروا كتابهم، وألحقوا فيه ما ليس منه، والعربُ الآمنون يحسبون

стр. 3165

أنَّهم في مَنَعة من اللهِ لا يعبدونه ولا يدعونه، فأجهدهم عيشًا، وأضلَّهم دينًا، في ظلف (١) من الأرض مع ما فيه من السحاب، فختمهم الله بمحمدٍ، وجعلهم الأمة الوسطى، نصرهم بمن اتَّبعهم، ونصرهم على غيرهم، حتى قبض الله ﷺ فركب منهم الشيطانُ مركبَهُ الذي أنزله عليه، وأخذ بأيديهم، وبغى هلكتهم ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] إنّ منْ حولكم من العرب منعوا شاتَهم وبعيرَهم، ولم يكونوا في دينهم - وإن رجعوا إليه - أزهد منهم يومهم هذا، ولم تكونوا في دينكم أقوى منكم يومكم هذا، على ما تقدَّم من بركةِ نبيّكم ﷺ ، وقد وكلكم إلى المولى الكافي، الذي وجدَهُ ضالًا فهداه، وعائلًا فأغناه ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣] الآية، والله لا أدَعُ أن أقاتلَ على أمر الله حتى يُنْجزَ اللهُ وعدَه، ويوفي لنا عهدَه، ويُقْتل من قُتل منّا شهيدًا من أهل الجنة، ويَبْقَى من بَقي منها خليفَتَه، وذريَّته في أرضِهِ، قضاءُ اللهِ الحقُّ، وقولُه الذي لا خلفَ له ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥] الآية، ثم نزلَ. وقال الحسن وقتادة وغيرهما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] الآية، قالوا: المرادُ بذلك أبو بكر وأصحابُه، في قتالهم المُرْتدِّين، ومانعي الزكاة (٢). وقال محمد بن إسحاق: ارتدَّتِ العربُ عند وفاةِ رسول الله ﷺ ما خلا أهل المسجدين، مكة، والمدينة، وارتدَّت أسد وغطفان وعليهم طُلَيْحة بن خُوَيْلدٍ الأسدي الكاهن، وارتدَّت كندةُ ومن يليها، وعليهم الأشعثُ بن قيس الكِنْدي، وارتدَّتْ مَذْحجٌ ومن يليها، وعليهم الأسود بن كعب العَنْسي الكاهن، وارتدَّتْ ربيعةُ مع المعرور بن النعمان بن المنذر، وكانت حنيفةُ مقيمةً على أمرها مع مُسَيْلمة بن حبيب الكذّاب، وارتدَّت سليم مع الفجاءة، واسمه أنس بن عبد يا ليل، وارتدَّتْ بنو تَميم مع سَجَاحِ الكاهنة. وقال القاسم بن محمد (٣): اجتمعت أسد وغطفان وطيء على طُلَيْحة الأسدي، وبعثوا وفودًا إلى المدينة، فنزلوا على وجوه الناس فأنزلوهم إلا العباس، فحملوا بهم إلى أبي بكر، على أن يقيموا الصلاة ولا يؤتوا الزكاة، فعزم الله لأبي بكر على الحق وقال: لو مَنَعوني عِقالًا لجاهَدْتُهم، فردَّهم فرجَعوا إلى عشائرهم، فأخبروهم بقلَّة أهل المدينة، وطمَّعوهم فيها، فجعلَ أبو بكر الحرسَ على أنقاب (٤) المدينة، وألزمَ أهلَ المدينة بحضور المسجد وقال: إنّ الأرضَ كافرةٌ، وقد رأى وفدهم منكم قلّةً، وانكم لا تدرون ليلًا يأتون أم نهارًا، وأدناهم منكم على بريدٍ، وقد كان القومُ يُؤَمِّلون أن نقبل منهم

стр. 3166

نوادعهم وقد أبَيْنا عليهم، فاستعدّوا وأعدّوا، فما لبثوا إلَّا ثلاثًا حتى طرفُوا المدينة غارةً، وخلَّفوا نصفَهم بذي حُسَى ليكونوا ردءًا لهم، وأرسلَ الحرس إلى أبي بكر يخبرونه بالغارةِ، فبعث إليهم: أن الْزموا مكانَكم. وخرج أبو بكر في أهل المسجد على النَّواضِح (١) إليهم، فانفشَّ العدوُّ واتَّبعهم المسلمونَ على إبلهم، حتى بلغوا ذا حُسًى (٢)، فخرجَ عليهم الرِّدْء فالتقوا مع الجمع، فكان الفتح وقد قال: [من الطويل] أطعَنْا رسولَ الله ما كانَ وَسطَنا … فَيا لعبادِ الله ما لأبي بكرِ أيورثنا بَكْرًا إذا ماتَ بعدَه … وتِلكَ لَعمرُ الله قاصِمَةُ الظَّهرِ فَهَّلا رَدَدتُم وَفْدنا بِزَمانِهِ؟ … وَهلَّا خَشِيتُم حِسَّ راغيةِ البكرِ؟ وإنَّ التي سألوكموا فمَنَعْتُموا … لكالتَّمرِ أو أحلى إليَّ منَ التَّمر وفي جمادى الآخرة ركب الصّدّيقُ في أهل المدينة وأمراءِ الأنقاب، إلى من حول المدينة من الأعراب الذين أغاروا عليها، فلما تواجه هو وأعداؤه من بني عَبْسٍ، وبني مُرَّة، وذبيان، ومنْ ناصب معهم من بني كنانة، وأمدَّهم طُلَيْحة بابنه حبال، فلما تواجه القوم كانوا قد صنعوا مكيدةً وهي أنهم عمدوا إلى أنحاء (٣) فنفخوها ثم أرسلوها من رؤوس الجبال، فلما رأتها إبلُ أصحاب الصديق نفرت وذهبت كلَّ مذهبٍ، فلم يملكوا من أمرها شيئًا إلى الليل، وحتى رجعت إلى المدينة، فقال في ذلك الخُطَيْل بن أوس: [من الطويل] فِدىً لِبَني ذبيان رحلي وناقتي … عَشِيَّةَ يَحدي (٤) بالرِّماحِ أبو بكر ولكن يُدَهْدى (٥) بالرِّجَالِ فَهَبنهُ … إلى قدر ما أن تقيمَ ولا تسري (٦) ولله أجنادٌ تُذاقُ مَذَاقَهُ … لِتُحسبَ فيما عُدَّ من عَجَب الدَّهرِ أطعنا رسولَ الله ما كان بينَنا … فَيا لعبادِ الله ما لأبي بَكرِ فلما وقع ما وقع ظنَّ القوم بالمسلمين الوَهن، وبعثوا إلى عشائرهم من نواحي أُخَر، فاجتمعوا، وباتَ أبو بكر ﵁ قائمًا ليله يُعَبِّئُ الناسَ، ثم خرجَ على تعبئة من آخر الليل، وعلى ميمنته النُّعمانُ بن مُقَرِّنٍ، وعلى المَيْسرة أخوه عبد الله بن مُقرِّن، وعلى السَّاقةِ أخوهما سُويد بن مُقرِّن، فما طلعَ الفجرُ إلا وهم والعدوُّ في صعيدٍ واحدٍ، فما سمعوا للمسلمين حسًا ولا همسًا، حتى وضعوا فيهم السيوف، فما طلعتِ الشمسُ حتى ولُّوهم الأدبار، وغلبوهم على عامةِ ظهرهم، وقُتل حبال، واتَّبعهم أبو بكر حتى نزل بذي القصة، وكان أول الفتح، قى ذلّ بها المشركون، وعزّ بها المسلمون، ووثب بنو

стр. 3167

ذبيان وعَبْس على منْ فيهم من المسلمين فقتلوهم، وفعل منْ وراءهم كفعلهم، فحلفَ أبو بكر ليقتلنَّ من كلِّ قبيلةٍ بمنْ قتلوا من المسلمين وزيادة، ففي ذلك يقول زياد بن حنظلة التميمي: [من الوافر] غَداةَ سعَى أبو بكر إليهم … كما يَسْعى لموتَتِهِ حَلالُ أراحَ على نواهِقِها عَلَّيًا … ومَجَّ لَهُنَّ مُهجَتَهُ حبالُ وقال أيضًا: [من الطويل] أقمنَا لَهم عُرضَ الشِّمالٍ فَكُبكِبوا (١) … كَكَبْكبةِ الغُزَّى (٢) أنَاخُوا على الوفْرِ فما صَبرُوا لِلْحرْبِ عِنْدَ قيامها … صَبيحةَ يَسْمُوا بالرِّجَالِ أبو بكْرِ طَرقْنا بني عَبْس بأدنَى نِبَاجِها (٣) … وَذُبيانَ نَهنَهْنَا (٤) بِقاصِمَة الظَّهرِ (٥) فكانت هذه الوقعةُ من أكبر العونِ على نَصْرِ الإسلام وأهله، وذلك أنه عزَّ المسلمون في كلّ قبيلةٍ، وذلَّ الكفار في كلّ قبيلة، ورجعَ أبو بكر إلى المدينة مؤيَّدًا مَنْصورًا، سالمًا غانمًا، وطرقتِ المدينة في الليل صدقات عديّ بن حاتم، وصفوان والزّبرقان، إحداها في أول الليل، والثانية في أوسطه، والثالثة في آخره، وقدم بكلّ واحدة منهن بشيرٌ من أمراء الأنقاب، فكان الذي بشّر بصفوان سعد بن أبي وقاص، والذي بشَّر بالزبرقان عبد الرحمن بن عوف، والذي بشَّر بعدي بن حاتم عبد الله بن مسعود، ويقال: أبو قتادة الأنصاري ﵁ (٦). وذلك على رأس ستّين ليلةً من متَوَفَّى رسول الله ﷺ . ثم قدم أسامة بن زيد بعد ذلك بليالٍ (٧) فاستخلفَهُ أبو بكر على المدينة، وأمرهم أن يريحوا ظهرهم، ثم ركب أبو بكر في الذين كانوا معة، في الواقعة المتقدمة، إلى ذي القصة، فقال له المسلمون: لو رجعتَ إلى المدينة وأرسلتَ رجلًا، فقال: والله لا أفعل، ولأواسينَّكم بنفسي، فخرج في تعبئته، إلى ذي حسى وذي القصة، والنعمان وعبد الله وسويد بنو مقرِّن علىما كانوا عليه، حتى نزلَ على أهل الرَّبَذة بالأبرق وهناك جماعةٌ من بني عبس وذبيان، وطائفة من بني كنانة، فاقتتلوا فهزم الله الحارث وعوفًا، وأُخذ الحطيئةُ أسيرًا، فطارت بنو عبس وبنو بكر، وأقام أبو بكر على الأبرق أيامًا وقد غلبَ بني ذبيان على البلادِ، وقال: حرام على بني ذبيان أن يتملّكوا هذه البلاد، إذ غنمناها الله وحمى

стр. 3168

الأبرق بخيول المسلمين، وأرعى سائر بلاد الرَّبَذة. ولما فرَّت عبس وذبيان صاروا إلى مؤازرة طليحة وهو نازل على بُزاخة، وقد قال في يوم الأبرق زيادُ بن حنظلة: [من الوافر] وَيَومٌ بالأبارقِ قد شَهِدْنا … على ذبيان يلتهبُ التِهابا أتيناهم بداهيةٍ نَسُوفٍ … مَعَ الصِّديق إذ تركَ العِتابا خروجُه إلى ذي القصَّة حينَ عقدَ ألويةَ الأمراءِ الأحَدَ عَشَرَ وذلك بعدما جمَّ جيش أسامة واستراحوا، ركبَ الصّدّيقُ أيضًا في الجيوش الإسلامية شاهرًا سيفه مسلولًا، من المدينة إلى ذي القصة، وهي من المدينة على مرحلةٍ، وعليُّ بن أبي طالب يقودُ براحلةِ الصّدّيق ﵄، كما سيأتي، فسأله الصحابةُ، منهم عليٌّ وغيره، وألحّوا عليه أن يرجع إلى المدينة، وأن يبعثَ لقتالِ الأعراب غيره ممن يؤمِّره من الشجعانِ الأبطال، فأجابهم إلى ذلك، وعقدَ لهم الألويةَ لأحدَ عشرَ أميرًا، على ما سنفصِّله قريبًا إن شاء الله. وقد روى الدارقطني (١) من حديث عبد الوهاب بن موسى الزُّهري، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيّب، عن ابن عمرَ قال: لما برزَ أبو بكر إلى القصّة واستوى على راحلته، أخذ عليُّ بن أبي طالب بزمامها وقال: إلى أين يا خليفةَ رسولِ الله؟ أقول لك ما قال رسول الله ﷺ يوم أُحُدٍ: لمّ سيفَكَ ولا تَفْجَعْنا بنفسك، وارجع إلى المدينة، فواللهِ لئن فُجعنا بك لا يكونُ للإسلام نظامٌ أبدًا، فرجع. هذا حديث غريب من طريق مالك، وقد رواهُ زكريا السّاجي من حديث عبد الوهاب بن موسى بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، والزهري أيضًا عن أبي الزّناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: خرجَ أبي شاهرًا سيفَه راكبًا على راحلته إلى وادي القصّة، فجاء عليُّ بن أبي طالب فأخذَ بزمام راحلتِه فقال: إلى أينَ يا خليفةَ رسول الله؟ أقول لك ما قالَ رسولُ الله يومَ أُحُدٍ: "لمَّ سيفَكَ ولا تَفْجَعْنا بنفسِك، فواللهِ لئن أُصبنا بك لا يكونُ للإسلام بعدكَ نظامٌ أبدًا". فرجع وأمضى الجيش. وقال سيفُ بن عمر (٢): عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد: لما استراحَ أسامةُ وجندُه، وفد جاءت صدقاتٌ كثيرةٌ تفضل عنهم، قطع أبو بكر البعوث، وعقد الألوية: فعقد أحدَ عَشَرَ لواءً: عقدَ لخالد بن الوليد وأمره بطُلَيْحة بن خُوَيْلد، فإذا فرغَ سار إلى مالك بن نُوَيْرَةَ بالبطاح إن أقام له. ولعكرمة بن أبي جهل، وأمره بمُسَيْلمة. وبعث شرحبيل بن حَسَنة في أثره إلى مُسَيْلمة الكَذّاب، ثم إلى بني قُضاعة.

стр. 3169

وللمهاجر بن أبي أمية، وأمره بجنود العَنْسي، ومعونة الأبناء على قيس بن مَكْشوح. قلت: وذلك لأنه كانَ قد نزع يده من الطاعة، على ما سيأتي. قال: ولخالد بن سعيد بن العاص إلى مشارف الشام. ولعمرو بن العاص إلى جماع قضاعة ووديعة والحارث. ولحذيفة بن محصن الغطفاني وأمره بأهل دبا وبعرفجة وهرثمة وغير ذلك. ولطرفة بن حاجب، وأمره ببني سليم ومن معهم من هوازن. ولسويد بن مُقرِّن، وأمره بتهامة اليمن. وللعلاء بن الحَضْرمي، وأمره بالبحرين، ﵃. وقد كتب لكلِّ أمير كتاب عهده على حدته، ففصل كل أمير بجنده من ذي القصّة. ورجع الصِّدِّيق إلى المدينة، وقد كتب معهم الصديق كتابًا إلى المُرْتَدَّة (١) وهذه نسخته (٢): "بسم الله الرحمن الرحيم من أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ إلى منْ بلغه كتابي هذا، من عامةٍ وخاصةٍ، أقامَ على إسلامه أو رجعَ عنه، سلامٌ على من اتَّبع الهُدى، ولم يرجع بعدَ الهُدَى إلى الضلالةِ والهَوى، فإني أحمدُ اللهَ إليكم الذي لا إلهَ إلا هو، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأن محمدًا عبدُهُ ورسولُه، نقرُّ بما جاء به، ونُكَفِّر من أبى ذلك ونجاهده. أما بعدُ فإن الله أرسلَ بالحقّ من عنده، إلى خلقه بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذْنِه وسراجًا منيرًا، لينذرَ منْ كان حيًّا ويحقّ القولُ على الكافرين، فهدى الله بالحق منْ أجابَ إليه، وضربَ رسولُ الله ﷺ منْ أدبرَ عنه، حتى صار إلى الإسلام طوعًا أو كرهًا، ثم تَوفَّى اللهُ رسولَه، وقد نفَّذَ لأمر الله، ونصحَ لأمته، وقضَى الذي عليه، وكان الله قد بيَّن له ذلك، ولأهل الإسلام في الكتاب الذي أنزل فقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] وقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] وقال للمؤمنين: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] فمن كان إنّما يعبدُ محمدًا فإن محمدًا قد ماتَ، ومنْ كانَ إنما يعبدُ اللهَ فإنَّ اللهَ حيٌّ لا يموتُ، ولا تأخذُهُ سنةٌ ولا نومٌ، حافظٌ لأمره، مُنْتقمٌ من عدوِّه. وإني أوصيكُمْ بتَقْوى الله وحظكم ونصيبكم وما جاءكم به نبيكم ﷺ وأن تهتدوا بهداه، وأن تعتصموا بدينِ الله، فإنَّ كلَّ منْ لم يهدِهِ اللهُ ضالٌّ، وكلّ منْ لم يُعِنْهُ اللهُ مخذولٌ، ومنْ هداهُ غيرُ اللهِ كانَ ضالًّا، قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] ولن يُقْبَلَ له في الدنيا عملٌ حتى يقَّر به، ولن يُقْبَلَ له في الآخرة صرفٌ ولا عدلٌ، وقد بلغني رجوعُ منْ رَجَعَ منكم عن دينه بعد أن أقرَّ

стр. 3170

بالإسلامِ وعملَ به، اغترارًا بالله وجهلًا بأمره، وإجابة للشيطان، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠] وقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦] وإني بعثتُ إليكم فلانًا في جيشٍ من المهاجرين والأنصار، والتّابعين بإحسان، وأمرتُه أن لا يقبلَ من أحدٍ إلَّا الإيمان بالله، ولا يقتله حتى يدعوه إلى الله ، فإن أجابَ وأقرَّ وعملَ صالحًا قُبل منه، وأعانه عليه، وإن أبى حاربَه عليه حتى يفيءَ إلى أمر الله، ثم لا يُبْقي على أحدٍ منهم قدرَ عليه، وأن يحرقهم بالنار وأن يقتلهم كلَّ قتلة، وأن يسبيَ النساءَ والذَّراري ولا يقبل من أحدٍ غير الإسلام، فمن اتَّبعه فهو خيرٌ له، ومن تركَه فلن يعجزَ اللهَ، وقد أمرتُ رسولي أن يقرأ كتابه في كلِّ مَجْمعٍ لكم، والداعية الأذان، فإذا إذَّنَ المسلمون فأذنوا فكُفُّوا عنهم، وإن لم يُؤَذِّنوا فسلوهم ما عليهم، فإن أبوا عاجِلوهم، وإن أقرُّوا حُمِل منهم على ما ينبغي لهم". رواه سيفُ بن عمر عن عبد الله بن سعيد عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك. فصل في مَسِيرةِ الأُمراءِ من ذي القصة على ما عُوهدوا عليه وكان سيدَ الأمراءِ ورأس الشُّجعان الصَّناديد أبو سليمان خالد بن الوليد. روى الإمام أحمد (١) من طريق وَحْشي بن حَرْب، أن أبا بكر الصديق لما عقدَ لخالدِ بن الوليدِ على قتالِ أهلِ الرِّدَّة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نعم عبدُ الله وأخو العشيرة، خالدُ بن الوليد، سيفٌ من سيوف الله سلَّه اللهُ على الكفار والمنافقين". ولما توجَّهَ خالد (٢) من ذي القصة وفارقَه الصديقُ، واعده أنَّه سيلقاهُ من ناحيةِ خيبر بمن معه من الأمراء - وأظهروا ذلك ليرعبوا الأعرابَ - وأمره أن يذهبَ أولًا إلى طُلَيْحة الأسدي، ثم يذهب بعده إلى بني تميم، وكان طلَيْحة بن خُوَيْلد في قومه بني أسد، وفي غطفان، وانضمّ إليهم بنو عبس وذبيان، وبعث إلى بني جديلة والغوث وطيِّئ يستدعيهم إليه، فبعثوا أقوامًا منهم بين أيديهم، ليلحقوهم على أثرهم سريعًا، وكان الصديق قد بعثَ عديَّ بن حاتم قبل خالد بن الوليد، وقال له: أدرك قومك لا يلحقوا بطليحة فيكون دمارهم، فذهب عدي إلى قومه بني طيِّئ فأمرهم أن يبايعوا الصديق، وأن يراجعوا أمر الله، فقالو: لا نبايع أبا الفضل أبدًا - يعنون أبا بكر ﵁ فقال: والله ليأتينكم جيش فلا يزالون يقاتلونكم حتى تعلموا أنَّه أبو الفحل الأكبر، ولم يزل عدي يفتل لهم في الذروة والغارب

стр. 3171

حتى لانوا، وجاء خالد في الجنود وعلى مقدمة الأنصار الذين معه ثابت بن قيس بن شمَّاس، وبعث بين يديه ثابتَ بن أقرمَ، وعُكَّاشةَ بن محصن طليعةً، فتلقاهما طُلَيْحةُ وأخوه سلمة فيمن معهما، فلما وجدا ثابتًا وعُكَّاشة تبارزوا فقتل عُكَّاشة حبال (١) بن طُلَيْحة، وقيل: بل كان قتل حبالًا قبل ذلك وأخذ ما معه، وحمل عليه طُلَيْحة فقتله وقَتل هو وأخوه سلمة، ثابتَ بن أقرم، وجاء خالد بمن معه فوجدوهما صريعين، فشقّ ذلك على المسلمين. وقد قال طليحة في ذلك (٢): [من الطويل] عَشِيَّةَ غَادَرْتُ ابنَ أقرَمَ ثاويًا … وعُكَّاشةَ الغَنْميَّ تَحتَ مَجَالِ أقَمْتُ لَهُ صَدْرَ الحمالةٍ (٣) إنَّها … معوَّدةٌ قبلَ الكُمَاةِ نَزالِ فيومًا تراها في الجلالِ مَصُونةً … وَيَومًا تَراها في ظِلال عوالي وإن يَكُ أولادٌ أُصِبْنَ ونسوةٌ … فلمْ يَذهبوا فُرغًا بقتلِ حِبَالِ ومال خالدٌ إلى بني طيِّئ، فخرج إليه عديُّ بن حاتم فقال: أنْظِرْني ثلاثةَ أيامٍ، فإنَّهم قد استنظروني حتى يبعثوا إلى منْ تعجَّل منهم إلى طُلَيْحةَ حتى يرجعوا إليهم، فإنهم يخشون إن تابعوكَ أن يقتلَ طليحةُ من سار إليه منهم، وهذا أحبُّ إليك من أن يعجلهم إلى النار، فلما كان بعد ثلاثٍ جاءه عديٌّ في خمسمئة مقاتلٍ ممَّن راجعَ الحقَّ، فانضافوا إلى جيش خالدٍ وقصد خالدٌ بني جديلة (٤) فقال له: يا خالد، أجِّلني أيامًا حتى آتيهم فلعلَّ الله أن ينقذهم كما أنقذَ طَيِّئًا، فأتاهم عديٌّ فلم يزل بهم حتى تابعوه، فجاء خالدًا بإسلامهم، ولحق بالمسلمين منهم ألفُ راكبٍ، فكان عديٌّ خيرَ مولودٍ وأعظمَهُ بركةً على قومه، ﵃. قالوا: ثم سارَ خالدٌ حتى نزلَ بأجأ وسَلْمى، وعَبَّأ جيشَه هنالك والتقى مع طُلَيْحة الأسديِّ بمكانٍ يقال له: بُزاخَة (٥)، ووقفتْ أحياءٌ كثيرةٌ من الأعراب ينظرون على منْ تكونُ الدائرةُ، وجاء طُلَيْحة فيمن معه من قومه ومن التفَّ معهم وانضافَ إليهم، وقد حضر معه عُيَيْنة بن حصن في سبعمئة من قومه، بني فزارة، واصطفّ الناسُ، وجلس طُلَيْحةُ مُلْتفًا في كساءٍ له يَتَنبّأ لهم ينظر ما يُوحى إليه فيما يزعم، وجعلَ عيينةُ يقاتلُ ما يقاتلُ، حتى إذا ضجرَ من القتال يجيء إلى طُلَيْحةَ وهو مُلْتفٌّ في كسائه فيقول: أجاءك

стр. 3172

جبريلُ؟ فيقول: لا، فيرجع فيقاتل، ثم يرجع فيقول له مثلَ ذلك ويردّ عليه مثل ذلك، فلما كان في الثالثة قال له: هل جاءك جبريلُ؟ قال: نعم، قال؟ فما قال لك؟ قال: قال لي: إنَّ لكَ رحاءً كرحاه، وحديثًا لا تنساه، قال يقول عيينة: أظنّ أن قد علم الله سيكون لك حديث لا تنساه، ثم قال: يا بني فزارة انصرفوا، وانهزمَ وانهزمَ الناسُ عن طُلَيْحة، فلما جاءه المسلمون ركب على فرس كان قد أعدّها له، وأركبَ امرأتَه النُّوار على بعيرٍ له، ثم انهزمَ بها إلى الشام وتفرَّق جمعُه، وقد قتل الله طائفةً ممن كان معه، فلما أوقعَ الله بطليحةَ وفزارة ما أوقع، قالت بنو عامر وسليم وهوازن: ندخلُ فيما خرجنا منه، ونؤمن بالله ورسوله، ونسلِّم لحكمه في أموالنا وأنفسنا. قلت: وقد كان طُلَيْحةُ الأسديُّ ارتدَّ في حياةِ النبي ﷺ فلما مات رسول الله ﷺ قام بمؤازرته عُيَيْنة بن حصن من بدر، وارتدَّ عن الإسلام، وقال لقومه: والله لنبيٌّ من بني أسدٍ أحبُّ إليَّ من نبيٍّ من بني هاشم، وقد مات محمدٌ وهذا طُلَيْحةُ فاتَّبعوه، فوافق قومُه بنو فزارة على ذلك، فلما كسرهما خالدٌ هربَ طُلَيْحةُ بامرأته إلى الشام، فنزل على بني كلبٍ، وأسر خالدٌ عيينةَ بن حصن، وبعثَ به إلى المدينة مجموعة يداه إلى عنقه، فدخل المدينةَ وهو كذلك فجعلَ الولدانُ والغلمانُ يطعنونه بأيديهم، ويقولون: أي عدوَّ الله، ارتددتَ عن الإسلام؟ فيقول: والله ما كنتُ آمنتُ قطُّ، فلما وقفَ بين يدي الصّدّيق استتابه وحقنَ دمه، ثم حَسُنَ إسلامُه بعد ذلك، وكذلك منَّ على قرّة بن هبيرة، وكان أحد الأمراء مع طُلَيْحة، فأسره مع عُيَيْنة، وأما طُلَيْحة فإنه راجعَ الإسلام بعد ذلك أيضًا، وذهب إلى مكةَ مُعتمرًا أيامَ الصّدّيق، واستحيى أن يواجهه مدةَ حياتِه، وفد رجعَ فشهدَ القتالَ مع خالدٍ، وكتبَ الصّدّيق إلى خالدٍ، أن استَشِرْهُ في الحرب ولا تُؤَمِّره - يعني معاملته له بنقيض ما كان قصده من الرئاسة في الباطن - وهذا من فقه الصّدّيق ﵁ وأرضاه. وقد قال خالد بن الوليد لبعض أصحاب طُلَيْحة ممَّنْ أسلمَ وحَسُنَ إسلامُه: أخبرنا عمّا كان يقولُ لكم طُلَيْحةُ من الوحي، فقال: إنه كان يفول: الحمام واليمام، والصُّرد الصَّوَّام، قد صُمن قبلكم بأعوام ليبلغنَّ ملكنا العراقَ والشام، إلى غير ذلك من الخرافات والهذيانات السمجة. وقد كتب أبو بكر الصديق إلى خالد بن الوليد حين جاءه أنه كسر طليحة ومن كان في صفه وقام بنصره فكتب إليه: ليزدك ما أنعم الله به خيرًا واتقِ الله في أمرك، فإن الله مع الذين اتَّقَوْا والذين هم محسنون، جدّ في أمرك ولا تلنْ ولا تظفر بأحد من المشركين قتل من المسلمين إلا نكَّلْتَ به، ومن أخذت ممن حادَّ الله أو ضادَّه ممن يرى أن في ذلك صلاحًا فاقتله. فأقام خالد (١) ببُزاخةَ شهرًا، يُصعِّدُ فيها ويُصوِّبُ ويرجعُ إليها في طلب الذين وصَّاه بسببهم الصديق، فجعل يتردّد في طلب هؤلاء شهرًا يأخذه بثأر من قتلوا من المسلمين الذين كانوا بين أظهرهم حين ارتدّوا،

стр. 3173

فمنهم من حرَّقَهُ بالنار، ومنهم من رَضَخهُ بالحجارة، ومنهم من رَمَى به من شواهقِ الجبال، كلّ هذا ليعتبرَ بهم من يسمعُ بخبرهم من مُرْتدَّةِ العرب، ﵁. وقال الثوري عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: لما قدم وفد بُزَاخة - أسد وغطفان - على أبي بكر يسألونه الصلحَ، خَيَّرهم أبو بكر بين حرب مجليَّة أو خطة مخزية، فقالوا: يا خليفة رسول الله أما الحرب المجليَّة فقد عرفناها، فما الخطة المخزية؟ قال: تؤخذ منكم الحلقة والكراع وتتركون أقوامًا يتبعون أذناب الإبل حتى يُرِيَ اللهُ خليفة نبيه والمؤمنين أمرًا يعذرونكم به، وتؤدّون ما أصبتم منا، ولا نؤدي ما أصبنا منكم، وتشهدون أنّ قتلانا في الجنة وأن قتلاكم في النار، وتدون قتلانا ولا ندي قتلاكم، فقال عمر: أما قولك: تدون قتلانا، فإنّ قتلانا قتلوا على أمر الله لا ديات لهم، فامتنع عمر وقال عمر في الثاني: نعم ما رأيت. ورواه البخاري (١) من حديث الثوري بسنده مختصرًا. وقعة أخرى كان قد اجتمع طائفةٌ كثيرةٌ من الفُلَّال (٢) يوم بُزاخة من أصحاب طُلَيْحة، من بني غطفان فاجتمعوا إلى امرأةٍ يُقال لها: أم زمل - سلمى بنت مالك بن حذيفة - وكانت من سيِّداتِ العرب، كأمِّها أمّ قِرفة، وكان يُضربُ بأمها المثلُ في الشَّرفِ لكثرةِ أولادها (٣) وعزَّةِ قَبيلتها وبيتها، فلما اجتمعوا إليها ذمرتْهم لقتال خالد، فهاجوا لذلك، وتأشَّب (٤) إليهم آخرون من بني سليم وطيِّئ وهوازن وأسد، فصاروا جيشًا كثيفًا وتفحَّل أمرُ هذه المرأة، فلما سمعَ بهم خالد بن الوليد سار إليهم، واقتتلوا قتالًا شديدًا وهي راكبةٌ على جملِ أمِّها الذي كانَ يُقال له: منْ يَمسُّ جَمَلها فله مئةٌ من الإبلِ وذلك لعزِّها، فهزمهم خالدٌ وعقرَ جَمَلها وقتلَها وبعثَ بالفتح إلى الصِّدّيق ﵁. قصة الفجاءة (٥) واسمه إياسُ بن عبد الله بن عَبد يا ليل بن عميرة بن خفاف من بني سليم، قاله ابن إسحاق، وقد كان الصّدّيق حرقَ الفجاءةَ بالبقيع في المدينة، وكان سببه أنَّه قدمَ عليه فزعمَ أنه أسلمَ، وسأل منه أن يجهز معه

стр. 3174

جيشًا يقاتل به أهل الرِّدَّة، فجهَّز معه جيشًا، فلما سار جعل لا يمرّ بمسلمٍ ولا مُرْتدٍّ إلا قتلَه وأخذَ ماله، فلما سمعَ الصّديقُ بعث وراءه جيشًا فردَّه، فلما أمكنَه بعثَ به إلى البقيع، فجُمعت يداه إلى قفاه وأُلقي في النار فحرقه وهو مقموط. قصة سَجَاحِ وبني تميم (١) كانت بنو تميم قد اختلفتْ أراؤُهم أيام الرِّدَّة، فمنهم من ارتدَّ ومنعَ الزكاة، ومنهم منْ بعثَ بأموالِ الصَّدقات إلى الصدِّيق، ومنهم من توقف لينظر في أمره، فبينما هم كذلك إذ أقبلت سجاح بنتُ الحارث بن سويد بن عقفان التغلبية من الجزيرة، وهي من نصارى العرب، وقد ادَّعتِ النبوَّة ومعها جنودٌ من قومها ومن التفَّ بهم، وقد عزموا على غزو أبي بكر الصديق، فلما مرَّتْ ببلاد بني تميم دَعَتْهُمْ إلى أمرها، فاستجابَ لها عامَّتُهم، وكان ممَّن استجابَ لها مالكُ بن نُوَيْرة التميمي، وعُطَاردُ بن حاجبٍ، وجماعةٌ من سادات أمراء بني تميم، وتخلَّفَ آخرون منهم عنها، ثم اصطلحوا على أن لا حربَ بينهم، إلا أن مالكَ بن نُوَيْرة لما وإدعها ثناها عن عودها، وحرَّضها على بني تميم، ثم اتفق الجميعُ على قتال الناس، وقالوا: بمن نبدأ؟ فقالتْ لهم فيما تسجِّعُهُ: أعدّوا الرِّكاب، واستعدّوا للنهاب، ثم أغيروا على الرّباب، فليس دونهم حجاب. ثم إنهم تعاهدوا على نصرها، فقال قائل منهم: [من الوافر] أتَتْنا أُختُ تغلِبَ في رجالٍ (٢) … جلائِبَ من سُراةِ بني أبينا وَأرسَتْ دَعْوةً فينا سَفاهًا … وكانتْ من عَمائِرَ آخرينا فما كنا لنرزيهم زبالًا … وما كانت لتُسلمَ إذ أتينا ألا سَفهَتْ حلومُكمُ وضَلَّتْ … عَشيَّةَ تَحشدُون لها ثَبينا وقال عُطاردُ بن حاجبٍ في ذلك (٣): [من البسيط] أمستْ نَبيَّتُنا أُنثَى نُطيفُ بها … وأصبحَتْ أنبياءُ النَّاس ذُكرانا ثُمَّ إن سَجَاحِ قصدتْ بجنودها اليمامةَ، لتأخذَها من مُسَيْلمة بن حبيبٍ الكَذّاب، فهابه قومُها، وقالوا: إنه قد استفحلَ أمره وعَظُمَ، فقالت لهم فيما تقوله: عليكم باليمامَةْ، دفُّوا (٤) دَفيف الحَمامة، فإنّها غزوةُ صرامَةْ، لا تلحقكُمْ بعدها ملامَة. قال: فعمدوا لحرب مُسَيلمةَ، فلما سمعَ بمسيرها إليه خافها على بلاده، وذلك أنه مشغولٌ بمقاتلةِ ثُمامة بن أُثالٍ، وقد ساعدَه عكرمةُ بن أبي جَهْلٍ بجنودِ

стр. 3175

المُسْلمين، وهم نازلونَ ببعضِ بلادِه ينتظرون قدومَ خالدٍ كما سيأتي، فبعث (١) إليها يستأمنُها ويضمنُ لها أن يعطيها نصفَ الأرضِ الذي كان لقريشٍ لو عدلَتْ، فقد ردَّهُ الله عليك فحباك به، ورأسلها ليجتمعَ بها في طائفةٍ من قومه، فركبَ إليها في أربعينَ من فومِه، وجاء إليها فاجتمعا في خيمةٍ، فلما خلا بها وعرضَ عليها ما عرضَ من نصف الأرضِ، وقبلت ذلك. قال مسيلمة: سمعَ الله لمن سمعْ، وأطمعَهُ بالخير إذا طمعْ، ولا يزالُ أمرُه في كل ما يسر مجتمعْ، رآكم ربكم فحيّاكُمْ، ومن وحشته أخلاكمْ، ويوم دينه أنجاكم فأحياكم، علينا من صلواتِ معشر أبرارْ، لا أشقياء ولا فجَّار، يقومون الليل ويصومون النهار، لربكم الكبار، ربِّ الغيوم والأمطار. وقال أيضًا: لما رأيتُ وجوههم حسنتْ، وأبشارهم صفتْ، وأيديهم طَفُلَتْ (٢)، قلت لهم: لا النساءَ تأتونْ، ولا الخمر تشربونْ، ولكنكم معشرٌ أبرارٌ تصومونْ، فسبحان الله إذا جاءتِ الحياةُ كيف تَحْيَون، وإلى ملك السماء كيف تَرْقَوْن. فلو أنها حبةُ خردلةٍ لقام عليها شهيدٌ يعلم ما في الصدور، ولأكثر الناس فيها الثبور (٣). وقد كان مسيلمةُ لعنه الله شرعَ لمن اتبعه أن الأعزب يتزوج فإذا ولد له ذكر فيحرم عليه النساء حينئذ، إلا أن يموت ذلك الولد الذكر، فتحل له النساء حتى يولد له ذكر، هذا مما إقترحه لعنه الله، من تلقاء نفسه. ويقال: إنه لما خلا بسَجاحِ سألها ماذا يُوحَى إليها؟ فقالت: وهل يكونُ النساءُ يبتدئن؟ بل أنت ماذا أوحيَ إليك؟ فقال: ألم ترَ إلى ربّك كيف فَعَلَ بالحُبْلى؟ أخرج منها نسمةً تَسْعى، من بين صفاقٍ (٤) وحشًا. قالت: وماذا؟ فقال: إنَّ اللهَ خلقَ للنساء أفراجًا (٥)، وجعلَ الرجالَ لهن أزواجا، فنولج فيهن قَعْسًا (٦) إيلاجًا، ثم نخرجها إذا نشاء إخراجًا، فينتجن لنا سخالًا إنتاجًا. فقالت: أشهد أنك نبيٌّ؛ فقال لها: هل لك أن أتزوجك وآكل بقومي وقومك العربَ؟ قالت: نجم، فقال: [من الهزج] ألا قومي إلى النَّيْكِ … فقدَ هُيِّءْ لَكِ المَضْجَعْ فَإنْ شِئْتِ فَفِي البَيْتِ … وإنْ (٧) شِئْت ففي المَخْدَعْ وإنْ شِئْتِ سَلْقنَاكِ … وَإنْ شِئْتِ عَلَى أرْبَعَ

стр. 3176

وإنْ شِئْتِ بِثُلْثَيْهِ … وَإنْ شِئْتِ بهِ أجْمَعْ فقالت: بل به أجمع، فقال: بذلك أوحي إليّ، وأقامت عنده ثلاثة أيام، ثم رجعت إلى قومها فقالوا: ما أصدقَكِ؟ فقالت: لم يصدقني شيئًا، فقالوا: إنه قبيحٌ على مثلك أن تتزوج بغير صَداق فبعثت إليه تسألُه صَداقًا، فقال: أرسلي إليَّ مؤذنك، فبعثته إليه - وهو شَبَت بن رِبعي - فقال: نادِ في قومك: إن مسيلمةَ بن حبيب رسولَ الله قد وضعَ عنكم صلاتين مما أتاكم به محمد - يعني صلاة الفجرِ وصلاة العشاءِ الآخرةِ - فكان هذا صداقها عليه لعنهما الله. ثم انثنت سَجَاح راجعةً إلى بلادها وذلك حين بلغَها دنوُّ خالد من أرض اليمامة فكرَّتْ راجعةً إلى الجزيرة بعدما قبضَتْ من مسيلمة نصفَ خراجِ أرضِهِ، فأقامت في قومها بني تَغْلِب، إلى زمان معاوية، فأجلاهم منها عامَ الجماعة كما سيأتي بيانه في موضعه. فصل في خبرِ مالِكٍ بن نُوَيْرَةَ اليَرْبوعي التَّميمي (١) كان قد صانع سَجاحِ حين قدمتْ من أرض الجزيرةِ، فلما اتّصلتْ بمسيلمةَ لعنهما الله، ثم ترحلت إلى بلادها - فلما كان ذلك - ندمَ مالكُ بن نُوَيْرَة على ما كان من أمره، وتلوَّم في شأنه، وهو نازل بمكان يقال له: البطاح، فقصدها خالدٌ بجنوده، وتأخّرت عنه الأنصار، وقالوا: إنّا قد قضينا ما أمرنا به الصدِّيق، فقال لهم خالد: إن هذا أمرٌ لا بدَّ من فعله، وفرصةٌ لابدَّ من انتهازها، وإنه لم يأتني فيها كتابٌ، وأنا الأمير وإليّ تردُ الأخبارُ، ولست بالذي أجبركم على المسير، وأنا قاصدٌ البطاحَ. فسارَ يومين ثم لحقَهُ رسول الأنصار يطلبون منه الانتظار، فلحقوا به، فلما وصلَ البطاحَ وعليها مالك بن نوَيْرة، فبثَّ خالدٌ السرايا في البطاح يدعونَ الناسَ، فاستقبله أمراءُ بني تميم بالسمعِ والطاعةِ، وبذلوا الزكوات، إلَّا ما كانَ من مالك بن نويرة فإنّه متحيرٌ في أمره، مُتَنحٍّ عن الناس، فجاءته السرايا فأسروه وأسروا معه أصحابَه، واختلفت السريةُ فيهم، فشهد أبو قتادة - الحارث بن ربعي الأنصاري - أنهم أقاموا الصلاةَ، وقال آخرون: إنهم لم يُؤَذّنوا ولا صَلّوا، فيقال: إن الأسارى باتوا في كبولهم (٢) في ليلة شديدةِ البردِ، فنادى منادي خالدٍ: أن أدفئوا أسراكم، فظنَّ القوم أنّه أراد القتلَ، فقتلوهم، وقتل ضرارُ بن الأزور مالكَ بن نُوَيْرة، فلما سمعَ الداعية خرج وقد فرغوا منهم، فقال: إذا أراد الله أمرًا أصابه. واصطفى خالد امرأةَ مالكِ بن نُوَيْرة وهي أم تميم ابنة المنهال، وكانت جميلةً، فلما حَلَّتْ بنى بها، ويقال: بل استدعى خالدٌ مالكَ بن نويرة، فأنّبه على ما صدر منه من متابعة سَجَاح، وعلى منعِه الزكاة وقال: ألم تعلمْ أنها قرينةُ الصلاة؟ فقال مالكٌ: إن صاحبَكم كان يزعمُ ذلك، فقال: أهو صاحبُنا وليس

стр. 3177

بصاحبك؟ يا ضرار اضربْ عُنُقه، فضُربت عنقه، وأمر برأسه فجُعل مع حجرين وطبخ على الثلاثة قدرًا، فأكل منها خالد تلك الليلة ليرهب بذلك الأعراب، من المُرْتدَّةِ وغيرهم، ويقال: إن شَعْرَ مالكٍ جعلتِ النارَ تعملُ فيه إلى أن نضجَ لحمُ القِدر ولم تفرغ الشعر لكثرته، وقد تكلّم أبو قتادة مع خالد فيما صنع، وتقاولا في ذلك حتى ذهب أبو قتادة فشكاه إلى الصديق، وتكلَّم عمرُ مع أبي قتادة في خالدٍ، وقال للصدّيق: اعزلْهُ فإنَّ في سيفه رَهَقًا (١)، فقال أبو بكر: لا أشيم (٢) سيفًا سلّه اللهُ على الكفار، وجاء مُتمّم بن نُوَيْرة فجعل يشكو إلى الصديق خالدًا، وعمرُ يساعده وينشد الصديقَ ما قال في أخيه من المراثي، فوداه (٣) الصديق من عنده. ومن قول متمم في ذلك: [من الطويل] وكنّا كنُدْمانَيْ جَذيمةَ بُرهةً … منَ الدَّهْرِ حتَّى قيلَ لن يتصَدَّعا وَعشْنا بِخَيرٍ ما حَييْنا وقَبلنا … أبادَ المنايَا قومَ كِسْرى وتُبَّعا فلمّا تَفَرَّقنا كأنِّي ومَالِكًا … لِطولِ اجتماعٍ لم نَبِتْ ليلةً معا وقال أيضًا: [من الطويل] لقد لامني عِنْدَ القعورِ على البُكى … رَفيقي لِتذْرافِ الدموعِ السَّوافِكِ وَقال أتبكي كُلَّ قَبْرٍ رَأيْتَهُ … لِقبرٍ ثوى بينَ اللِّوى فالدَّكادِكِ (٤) فَقُلْتُ لهُ إنَّ الأسى يبعثُ الأسى … فَدَعني فهذا كُلُّه قَبْر مالِكِ (٥) والمقصودُ أنه لم يزلْ عمرُ بن الخطاب ﵁ يُحرِّضُ الصديقَ ويُذَمِّر (٦) على عزل خالد عن الإمرةِ ويقول: إن في سيفه لرهَقًا، حتى بعثَ الصديقُ إلى خالد بن الوليد فقدم عليه المدينة، وقد لبسَ درعَه التي من حديد، وقد صَدِئ من كثرةِ الدماء، وغرز في عمامته النشاب المُضمَّخ بالدماء، فلما دخل المسجد قام إليه عمرُ بن الخطاب فانتزعَ الأسهم من عمامةِ خالدٍ فحطَّمها، وقال: أرياءً قتلتَ امرأً مسلمًا ثم نزوتَ على امرأته، والله لأرجمنَّك بالجنادلِ. وخالد لا يكلّمُهُ، ولا يظنُّ إلَّا أنّ رأىَ الصديق فيه

стр. 3178

كرأي عمر، حتى دخلَ على أبي بكر فاعتذرَ إليه فعذره وتجاوز عنه ما كان منه في ذلك وودى مالك بن نويرة، فخرجَ من عنده وعمرُ جالسٌ في المسجد، فقال خالد: هلمّ إليَّ يا بن أمِّ شملةَ، فلم يردَّ عليه وعرفَ أنَّ الصديقَ قد رضيَ عنه، واستمرَّ أبو بكر بخالدٍ على الإمرة، وإن كان قد اجتهد في قتلِ مالك بن نويرة وأخطأَ في قتله، كما أن رسول الله ﷺ لما بعثه إلى بني جَذيمة فقتل أولئك الأسارى الذين قالوا: صبأنا صبأنا (١)، ولم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فوداهم رسول الله ﷺ حتى ردَّ إليهم ميلغة (٢) الكلب، ورفع يديه وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد، ومع هذا لم يعزل خالدًا عن الإمرة. مَقْتَلُ مُسَيْلَمَةَ الكَذّاب لعنه الله (٣) لما رضيَ الصدِّيقُ عن خالد بن الوليد وعذَرَهُ بما اعتذرَ به، بعثَه إلى قتالِ بني حنيفة باليمامة، وأوعب (٤) معه المسلمون، وعلى الأنصار ثابتُ بن قيس بن شمّاس، فسار لا يمرّ بأحدٍ من المُرْتدّين إلَّا نكَّلَ بهم، وقد اجتازَ بخيولٍ لأصحاب سَجَاح فشرَّدَهُمْ وأمرَ بإخراجهم من جزيرة العرب، وأردفَ الصديق خالدًا بسريةٍ لتكونَ رِدْءًا (٥) له من ورائهِ وقد كان بعثَ قبله إلى مسيلمةَ عكرمةَ بنَ أبي جهلٍ، وشرحبيلَ بن حسنةَ، فلم يقاوما بني حنيفة، لأنهم نحو أربعين ألفًا من المقاتلةِ، فعجلَ عكرمةُ قبل مجيء صاحبه شرحبيل فناجزَهم فنُكب، فانتظر خالدًا، فلما سمع مسيلمةُ بقدوم خالدٍ عسكر بمكانٍ يقال له: (عقربا) في طرف اليمامة والريفُ وراءَ ظهورهم، وندبَ الناسَ وحثَّهم، فحشدَ له أهلُ اليمامة، وجعل على مَجْنبتي جيشه المحكم بن الطفيل، والرَّجّال بن عُنْفوة بن نهشل. وكان الرَّجَّال هذا صديقه الذي شهدَ له أنه سمعَ رسولَ الله ﷺ يقولُ: إنه قد أشركَ معه مسيلمةَ بن حبيب في الأمر، وكان هذا الملعون من أكبر ما أضل أهل اليمامة، حتى اتبعوا مُسيلمة، لعنهما الله. وقد كان الرَّجالُ هذا قد وفدَ إلي النبي ﷺ وقرأ البقرةَ، وجاء زمَن الردّة إلى أبي بكر، فبعثه إلى أهل اليمامة يدعوهم إلى الله ويثبتهم على الاسلام، فارتد مع مسيلمة وشهد له بالنبوة. قال سيف بن عمر (٦) عن طلحة، عن عكرمة، عن أبي هريرة: كنت يومًا عند النبي ﷺ في رهطٍ معنا الرَّجَّال (٧) بن عُنْفوة، فقال: "إنّ فيكم لرجلًا ضرسُه في النار أعظمُ من أُحدٍ" فهلك القومُ وبقيت أنا

стр. 3179

والرَّجَّال وكنت متخوفًا لها، حتى خرجَ الرَّجَّال مع مسيلمة، وشهدَ له بالنبوة، فكانت فتنةُ الرجَّال أَعظمَ من فتنة مسيلمة (١). رواه ابن إسحاق عن شيخ عن أبي هريرة. وقرب خالد وقد جعل على المقدمة شرحبيل بن حسنة، وعلى المَجْنبتين زيدًا وأبا حذيفة، وقد مرَّت المقدمة في الليل بنحو من أربعين وقيل ستين فارسًا، عليهم مجاعة بن مرارة، وكان قد ذهب لأخذ ثأرٍ له في بني تميم وبني عامر وهو راجعٌ إلى قومه فأخذوهم، فلما جيء بهم إلى خالد عن آخرهم فاعتذروا إليه فلم يصدِّقهم، وأمر بضربِ أعناقهم كلِّهم، سوى مجاعة فإنه استبقاهُ مقيَّدًا عنده - لعلمه بالحرب والمكيدة - وكان سيِّدًا في بني حنيفة، شريفًا مطاعًا، ويقال: إن خالدًا لما عرضوا عليه قال لهم: ماذا تقولون يا بني حنيفة؟ قالوا: نقول منا نبي ومنكم نبي، فقتلهم إلَّا واحدًا اسمه سارية، فقال له: أيها الرجل إن كنتَ تريد بأهل اليمامة غدًا خيرًا أو شرًا فاستبق هذا الرجل - يعني مجاعة بن مرارة - فاستبقاه خالد مقيدًا، وجعله في الخيمة مع امرأته، وقال: استوصي به خيرًا، فلما تواجه الجيشان قال مسيلمة لقومه: اليوم يوم الغيرة، اليوم إن هُزمتم تُستنكح النساء سَبيّاتٍ، ويُنكحن غيرَ حظيّاتٍ، فقاتلوا عن أحسابكم، وامنعوا نساءكم. وتقدم المسلمون حتى نزل بهم خالد على كثيب يُشرف على اليمامة، فضرب به عسكره، ورايةُ المهاجرين مع سالم مولى أبي حذيفة، ورايةُ الأنصار مع ثابت بن قيس بن شمّاس، والعرب على راياتها، ومجاعة بن مرارة مقيدٌ في الخيمة مع أم تميم امرأة خالد، فاصطدم المسلمون والكفار فكانت جولة وانهزمتِ الأعرابُ حتى دخلت بنو حنيفة خيمةَ خالد بن الوليد وهمّوا بقتل أم تميم، حتى أجارها مجاعة وقال: نعمتِ الحُرَّةُ هذه، وقد قُتل الرَّجَّالُ بن عنفوة لعنه الله في هذه الجولة، قتله زيدُ بن الخطاب. ثم تذامر (٢) الصحابة بينهم. وقال ثابت بن قيس بن شماس: بئس ما عوَّدتم أقرانَكم، ونادَوْا من كل جانب: أخلصنا يا خالد، فخلصت ثلة من المهاجرين والأنصار وحمى البراء بن مالك - وكان إذا رأى الحرب أخذته العُرَوَاء (٣) فيجلس على ظهره الرجال حتى يبول في سراويله، ثم يثور كما يثور الأسد. وقاتلت بنو حنيفة قتالًا لم يعهد مثله. وجعلت الصحابة يتواصَون بينهم ويقولون: يا أصحاب سورةِ البقرةِ، بَطلَ السِّحْرُ اليوم، وحفر ثابتُ بن قيس لقدميه في الأرض إلى أنصافِ ساقَيْه، وهو حاملُ لواءِ الأنصارِ بعدما تحنَّطَ وَتكفَّنَ، فلم

стр. 3180

يزل ثابتًا حتى قُتل هناك، وقال المهاجرون لسالم مولى أبي حذيفة: أتخشى أن نؤتى من قبلك؟ فقال: بئس حامل القرآن أنا إذًا، وقال زيد بن الخطاب: أيها الناس عَضُّوا على أضراسكم، واضربوا في عدوِّكم وامضوا قدمًا، وقال: والله لا أتكلَّمُ حتى يهزمهم اللهُ أو ألقىَ اللهَ فأكلِّمه بحجَّتي، فقُتل شهيدًا ﵁. وقال أبو حذيفة: يا أهلَ القرآنِ زيِّنوا القرآنَ بالفِعال، وحملَ فيهم حتى أبعدَهم وأصيب ﵁، وحملَ خالدُ بن الوليد حتى جاوزَهم، وسار لحيال مسيلمة وجعل يترقَّب أن يصلَ إليه فيقتلَه، ثم رجع ثم وقف بين الصَّفَّيْن ودعا البراز، وقال: أنا ابن الوليد العَوْد (١)، أنا ابن عامر وزيد، ثم نادى بشعار المسلمين - وكان شعارهم يومئذ: يا محمداه - وجعل لا يبرز لهم أحدٌ إلا قتله، ولا يدنو منه شيء إلا أكله. ودارت رحى المسلمين، ثم اقترب من مسيلمة، فعرض عليه النَّصَفَ (٢) والرجوع إلى الحق، فجعل شيطانُ مسيلمةَ يلوي عنقه، لا يقبلُ منه شيئًا، وكلّما أراد مسيلمةُ يقاربُ من الأمر صرفه عنه شيطانه، فانصرف عنه خالد وقد ميز خالد المهاجرين من الأنصار من الأعراب، وكل بني أبٍ على رايتهم، يقاتلون تحتها، حتى يعرفَ الناسُ من أين يُؤْتون، وصبرت الصحابةُ في هذا الموطن صبرًا لم يُعْهد مثلُه، ولم يزالوا يتقدَّمون إلى نحور عدوهم حتى فتح الله عليهم، وولى الكفارُ الأدبارَ، واتَّبعوهم يقتلون في أقفائهم، ويضعونَ السيوفَ في رقابهم حيث شاؤوا، حتى ألجؤوهم إلى حديقة الموت، وقد أشار عليهم محكَّمُ اليمامة - وهو محكَّم بن الطفيل لعنه الله - بدخولها، فدخلوها وفيها عدوُّ الله مسيلمةُ لعنه الله، وأدرك عبد الرحمن بن أبي بكر محكمَ بن الطفيل فرماه بسهمٍ في عنقه وهو يخطب فقتله، وأغلقتْ بنو حنيفة الحديقةَ عليهم، وأحاط بهم الصحابةُ، وقال البراءُ بن مالك: يا معشرَ المسلمين ألقوني عليهم في الحديقة (٣)، فاحتملوه فوق الجحف ورفعوها بالرماح حتى ألقوه عليهم من فوق سورها، فلم يزل يقاتلهم دون بابها حتى فتحه، ودخل المسلمون الحديقةَ من حيطانها وأبوابها يقتلون من فيها من المُرْتدَّةِ من أهل اليمامة، حتى خلصوا إلى مسيلمة لعنه الله، وإذا هو واقفٌ في ثُلْمةِ جدارٍ كأنه جملٌ أورقٌ (٤)، وهو مُزْبدٌ يتساندُ، لا يعقلُ من الغَيْظِ، وكان إذا اعتراه شيطانُه أزبدَ حتى يخرج الزَّبَدُ من شِدْقَيْه، فتقدّم إليه وحشيُّ بن حرب مولى جُبَيْر بن مُطْعِم - قاتل حمزة - فرماه بحربته فأصابه وخرجت من الجانب الآخر، وسارع إليه أبو دُجانة سماك بن خرشة، فضَربه بالسيْف فسقطَ، فنادت امرأةٌ من القصر: وا أمير الوضاءة، قتله العبدُ الأسود.

стр. 3181

فكان جملة من قُتلوا في الحديقة وفي المعركة قريبًا من عشرة آلاف مقاتل، وقيل: أحد وعشرون ألفًا، وقتل من المسلمين ستمئة، وقيل: خمسمئة، فالله أعلم، وفيهم من سادات الصحابة، وأعيان الناس من يُذكر بعد. وخرج خالد وتبعه مجاعةُ بن مرارة يرسفُ في قيوده، فجعل يريه القتلى ليعرّفه بمسيلمة، فلما مرّوا بالرَّجَّال بن عُنْفوة قال له خالد: أهذا هو؟ قال لا، والله هذا خيرٌ منه، هذا الرَّجَّال بن عُنْفُوة. قال سيف بن عمر: ثم مرّوا برجلٍ أصفر أخنس (١)، فقال: هذا صاحبكم، فقال خالد: قبَّحكم الله على اتّباعكم هذا. ثم بعثَ خالدٌ الخيولَ حولَ اليمامة يلتقطونَ ما حول حصونها من مالٍ وسبيٍ. ثم عزمَ على غزو الحُصون ولم يكن بقيَ فيها إلا النساءُ والصبيانُ والشيوخُ الكبار، فخدعه مجاعة فقال: إنها ملأى رجالًا ومقاتلة، فهلمّ فصالحني عنها، فصالحه خالدٌ لما رأى بالمسلمين من الجَهد وقد كَلُّوا من كثرة الحروب والقتال، فقال: دعني حتى أذهبَ إليهم ليوافقوني على الصلح، فقال: اذهب. فسارَ إليهم مجاعة، فأمر النساءَ أن يلبسن الحديد ويبرزن على رؤوس الحصون، فنظر خالدٌ فإذا الشرفاتُ ممتلئةٌ من رؤوس الناس فظنهم كما قال مجاعة فانتظر الصلح، ودعاهم خالد إلى الإسلام فأسلموا عن آخرهم ورجعوا إلى الحق. وردّ عليهم خالدٌ بعضَ ما كان أخذ من السبي، وساق الباقين إلى الصدِّيق. وقد تسرَّى علي بن أبي طالب بجارية منهم، وهي أم ابنه محمد الذي يقال له: محمد بن الحنفية ﵁. وقد قال ضرار بن الأزور في غزوة اليمامة هذه: [من الطويل] فلو سُئِلتْ عنَّا جَنوبٌ لأخبرَتْ … عَشِيَّةَ سَالَتْ عَقرِباءٌ ومَلهَمُ وسالَ بفرع الوادِ حتى تَرَفْرَقَتْ … حِجارتُهُ فيه منَ القومِ بالدَّمِ عَشيَّةَ لا تُغني الرِّماحُ مكانها … وَلا النَّبْلُ إلَّا المشرفيُّ المُصمِّمُ فَإن تَبتغي الكفارَ غير مُسَيْلمٍ (٢) … جنوبٌ فأني تابعُ الدينِ مسلمُ أُجاهدُ إذ كانَ الجِهادُ غَنيمةً … وللهُ بالمرءِ المجاهدِ أعلمُ وقد قال خليفة بن خياط (٣)، ومحمد بن جرير (٤)، وخلق من السلف: كانت وقعةُ اليمامة في سنة إحدى عشرةَ. وقال ابن قانع: في آخرها، وقال الواقدي وآخرون: كانت في سنة ثنتي عشرة، والجمع

стр. 3182

بينها أن ابتداءها في سنة إحدى عشرة، والفراغ منها في سنة ثنتي عشرة، والله أعلم. ولما قدمت (١) وفود بني حنيفة على الصدّيق قال لهم: أسمعونا شيئًا من قرآن مسيلمة، فقالوا: أو تعفينا يا خليفةَ رسول الله. فقال: لا بدَّ من ذلك، فقالوا: كان يقول: يا ضفدعُ بنتَ الضِّفْدعين نِقِّي لكمْ تَنِقّين، لا الماءَ تكدّرين، ولا الشاربَ تمنعين، رأسُكِ في الماء، وذنبُكِ في الطين، وكان يقول: والمُبْذراتِ زَرْعًا، والحاصِداتِ حَصْدًا، والذاريات قَمْحًا، والطَّاحنات طَحْنًا، والخَابزاتِ خبزًا، والثّارداتِ ثَرْدًا، واللَّاقمات لقمًا، إهالةً (٢) وسمنًا، لقد فضلتُمْ على أهل الوَبَر، وما سبَقَكُمْ أهل المَدَر، رفيقكم فامنعوه، والمُعْتَرّ (٣) فآووه، والنّاعي فواسوه. وذكروا أشياءَ من هذه الخرافات التي يأنف من قولها الصبيان وهم يلعبون، فيقال: إن الصّدّيق قال لهم: ويحكم، أينَ كانَ يذهبُ بقولكم؟ إن هذا الكلام لم يخرج من إلٍّ (٤). وكان يقول: والفيل وما أدراك ما الفيل، له زلوم (٥) طويل، وكان يقول: والليل الدامسِ، والذئب الهامس، ما قطعت أسد من رطبٍ ولا يابس. وتقدم قوله: لقد أنعمَ اللهُ على الحُبْلى، أخرج منها نَسْمةً تَسْعى، من بين صفاق وحشى، وأشياء من هذا الكلام السخيف الركيك البارد السميج. وقد أورد أبو بكر بن الباقلاني (٦) ﵀ في كتابه إعجاز القرآن أشياء من كلام هؤلاء الجَهَلة المُتَنبئين كمُسيلمة وطُلَيْحة والأسود وسَجاحِ وغيرهم، مما يدل على ضعفِ عقولهم وعقولِ من اتَّبعهم على ضلالهم ومحالهم. وقد روينا عن عمرو بن العاص أنه وفدَ إلى مُسَيْلمة في أيّام جاهليته، فقال له مُسيلمةُ: ماذا أنزل على صاحبكم في هذا الحين؟ فقال له عمرو: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغةً، فقال: وما هي؟ قال: أنزل عليه ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣] قال: ففكَّر مسيلمةُ ساعةً ثم رفعَ رأسه فقال: ولقد أُنزلَ عليَّ مثلها، فقال له عمرو:

стр. 3183

وما هي؟ فقال مسيلمة: يا وَبر (١) يا وَبر، إنما أنتَ إيراد وصَدر، وسائرك حَفْرٌ نَقْر (٢). ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إنكَ لتعلمُ أني أعلمُ أنكَ تكذبُ. وذكر علماء التاريخ (٣) أنه كان يتشبَّهُ بالنبي ﷺ ، بلغه أن رسولَ الله ﷺ بَصَقَ في بئر فغزرَ ماؤُه، فبصقَ في بئبر فغاض ماؤُه بالكلية، وفي أخرى فصارَ ماؤه أُجاجًا (٤)، وتوضَّأ وسقى بوضوء نخلًا فَيَبستْ وهلَكتْ، وأتى بولدان يُبَرّك (٥) عليهم فجعلَ يَمْسحُ رؤوسَهمِ فمنهم من قَرَعَ رَأْسُه (٦)، ومنهم من لَثَغَ لسانُه. ويقال: إنه دعا لرجل أصابه وجعٌ في عينيه فمَسَحَهُما فعَمي. وقال سيف بن عمر (٧)، عن خليد بن زفر النَّمري، عن عمير بن طلحة، عن أبيه: أنه جاء إلى اليمامة فقال: أين مُسيلمةُ؟ فقال: مه رسول الله، فقال: لا حتّى أراهُ، فلما جاء قال: أنت مسيلمةُ؟ فقال: نعم. قال: من يأتيكَ؟ قال: رحمن (٨)، قال: أفي نورٍ أم في ظُلْمةٍ؟ فقال: في ظُلْمةٍ، فقال أشهد أنَّك كذّابٌ وأن محمدًا صادقٌ، ولكن كذّابَ ربيعة أحبُّ إلينا من صادقِ مُضَر، واتبعه هذا الأعرابيُّ الجلفُ لعنه الله حتى قُتل معه يوم عقرباء، لا ﵀. ذكرُ ردَّةِ أَهْلِ البَحْرين وعودهم إلي الإسلام (٩) كان من خبرهم أنَّ رسولَ الله ﷺ كان قد بعثَ العلاءَ بن الحَضْرميّ إلى مَلِكِها، المُنْذر بن ساوى العَبْدي، وأسلم على يديه وأقام فيهم الإسلامَ والعدلَ، فلما توفي رسولُ الله ﷺ توفي المنذر بعدَه بقليل، وكان قد حضر عنده في مرضه عمرو بن العاص، فقال له: يا عمرو هل كان رسولُ الله ﷺ يجعلُ للمريض شيئًا من ماله؟ قال: نعم، الثلث، قال: ماذا أصنعُ به؟ قال: إن شئتَ تصدقتَ به على أقربائك، وإن شئت على المَحاويج، وإن شئتَ جعلتَه صدقةً من بعدك حبسًا محرمًا، فقال: إني أكرهُ

стр. 3184

أن أجعله كالبَحيرةِ والسّائبة والوَصِيلةِ والحام (١)، ولكني أتصدّقُ به، ففعل، وماتَ فكان عمرو بن العاص يتعجّب منه (٢). فلما مات المنذرُ ارتدَّ أهلُ البحرين وملَّكوا عليهم الغرور، وهو المنذر بن النعمان بن المنذر. وقال قائلهم: لو كان محمد نبيًا ما مات، ولم يبق بها بلدةٌ على الثبات سوى قريةٍ يقال لها جُواثا (٣)، كانت أولَ قريةٍ أقامت الجمعة من أهل الردة كما ثبت ذلك في البخاري عن ابن عباس، وقد حاصرهم المُرْتدون وضيَّقوا عليهم، حتى منعوا من الأقوات وجاعوا جوعًا شديدًا حتى فَرَّجَ اللهُ، وقد قال رجل منهم يقال له عبد الله بن حذف، أحد بني بكر بن كلاب، وقد اشتد عليه الجوع (٤): [من الوافر] ألا أبلغْ أبا بَكْرٍ رَسولًا … وَفتيانَ المَدينةِ أجْمَعينا فهَلْ لكُمُ إلى قومٍ كرامٍ … قُعود في جُواثا مُحصرينا كَأنَّ دِماءَهم في كُلِّ فجٍّ … شُعاعُ الشمسِ يَغشى الناظرينا تَوكلْنا على الرَّحْمنِ إنَّا … وَجَدْنا الصَّبْرَ (٥) للمُتَوكِّلينا وقد قام فيهم رجلٌ من أشرافهم، وهو الجارود بن المُعلَّى - وكان ممَّن هاجروا إلى رسول الله ﷺ خطيبًا وقد جمعهم فقال: يا معشرَ عبد القيسِ، إنّي سائلُكُم عن أمرٍ فأخبروني إن علمتموه، ولا تُجيبوني إن لم تَعْلموه، فقالوا: سلْ، قال: أتعلمونَ أنَّه كان لله أنبياء قبلَ محمدٍ؟ قالوا: نعم، قال: تعلمونَه أم تَرَوْنهُ؟ قالوا: نعلمُه، قال: فما فعلوا؟ قالوا: ماتوا، قال: فإنَّ محمدًا ﷺ ماتَ كما ماتوا، وإني أشهدُ أن لا إله إلا الله. وأن محمدًا رسول الله، فقالوا: ونحن أيضًا نشهدُ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا

стр. 3185

رسول الله، وأنتَ أفضلُنا وسيِّدنا، وثَبَتوا على إسلامهم، وتركُوا بقيةَ الناس فيما هم فيه (١). وبعث الصديق ﵁ كما قدمنا إليهم العلاءَ بن الحَضْرمي، فلما دَنَا من البحرين جاءَ إليه ثُمامة بن أُثال في مَحْفلٍ كبيرٍ، وجاء كل أمراءَ تلك النواحي فانضافوا إلى جيشِ العلاءَ بن الحَضْرمي، فأكرمهم العلاءُ ورَحَّب (٢) بهم وأحسنَ إليهم، وقد كان العلاء من ساداتِ الصحابةِ العلماءِ العُبَّادِ مجابي الدعوة، اتَّفَقَ له في هذه الغزوة أنه نزلَ منزلًا فلم يستقر الناسُ على الأرض حتى نَفَرتِ الإبلُ بما عليها من زادِ الجيش وخيامهم وشرابهم، وبقوا على الأرض ليس معهم شيءٌ سوى ثيابهم - وذلك ليلًا - ولم يقدروا منها على بعيرٍ واحدٍ، فركبَ الناسَ من الهمِّ والغم ما لا يُحدُّ ولا يُوصفُ، وجعلَ بعضُهم يوصي إلى بعض، فنادى منادي العلاء، فاجتمعَ الناسُ إليه، فقال: أيها الناسُ ألستم المسلمين؟ ألستُم في سبيل الله؟ ألستُم أنصارَ الله؟ قالوا: بلى، قال: فأبشروا فواللهِ لا يخذل اللهُ منْ كانَ في مثل حالكم، ونُودي بصلاةِ الصبحِ، حين طلعَ الفجرُ فصلَّى بالناس، فلما قضى الصلاةَ جثا على رُكبتيه وجثا الناسُ، ونصبَ في الدعاء ورفع يديه وفعلَ الناسُ مثله حتى طلعتِ الشمسُ، وجعلَ الناسُ ينظرون إلى سراب الشمس يلمعُ مرةً بعد أخرى، وهو يجتهدُ في الدعاء فلما بلغَ الثالثةَ إذا قد خلق الله إلى جانبهم غديرًا عظيمًا من الماءَ القَراح، فمشى ومشى الناسُ إليه فشربوا واغتسلوا، فما تعالى النهارُ حتى أقبلتِ الإبل من كلّ فجٍّ بما عليها، لم يفقدِ الناسُ من أمتعتهم سِلْكًا (٣)، فَسَقوا الإبلَ عَللًا بعد نَهل. فكان هذا مما عاينَ الناس من آيات الله بهذه السرية. ثم لما اقترب من جيوش المرتدة - وقد حشدوا وجمعوا خلقًا عظيمًا - نزل ونزلوا، وباتوا مُتجاورين في المنازل، فبينما المسلمون في الليل إذ سمعَ العلاءُ أصواتًا عاليةً في جيشِ المُرْتدين، فقال: منْ رجلٌ يكشفُ لنا خبرَ هؤلاء؟ فقام عبدُ الله بن حذف فدخل فيهم فوجدهم سُكارى لا يعقلون من الشراب، فرجعَ إليه فأخبره، فركبَ العلاءُ من فَوْره والجيشُ معه فكبسوا أولئك فقتلوهم قتلًا عظيمًا، وقل منْ هربَ منهم، واستولى على جميعِ أموالهم وحواصلهم وأثقالهم، فكانت غنيمةً عظيمةً جسيمةً. وكان الحطم بن ضبيعة أخو بني قيس بن ثعلبة من سادات القوم نائمًا، فقامَ دَهِشًا حين اقتحمَ المسلمون عليهم، فركبَ جوادَهُ فانقطع ركابُه فجعلَ يقولُ: منْ يُصْلح لي ركابي؟ فجاءَ رجلٌ من المسلمين في الليل فقال: أنا أصلحُها لك، ارفع رجلك، فلما رفعها ضربه بالسيف فقطعها مع قدمه، فقال له: أجْهِزْ عليَّ، فقال: لا أفعل، فوقعَ صريعًا كلما مرَّ به أحدٌ يسأله أن يقتلَه فيأبى، حتى مرَّ به قيسُ بن عاصم فقال له: أنا الحطم فاقتلني فقتله، فلما وجدَ رجلَه مقطوعة ندمَ على قتله وقال: واسوأتاه، لو أعلمُ ما به لم أحرِّكْهُ.

стр. 3186

ثم ركبَ المسلمون في آثار المُنْهَزمين، يقتلونَهم بكلِّ مَرْصَدٍ (١) وطريق، وذهب مَنْ فرَّ منهم أو أكثرُهم في البحر إلى دَارِين (٢) ركبوا إليها السفن. ثم شرع العلاءُ بن الحضرمي في قسْم الغنيمة ونقل الأثقال وفرغَ من ذلك. وقال للمسلمين: اذهبوا بنا إلى دَارين لنغزو منْ بها من الأعداء، فأجابوا إلى ذلك سَريعًا، فسارَ بهم حتَّى أتى ساحلَ البحر ليركبوا. في السُّفُنِ، فرأى أن الشُّقَّة بعيدةٌ لا يصلونَ إليهم في السفن حتى يذهبَ أعداءُ الله، فاقتحمَ البحرَ بفرسه وهو يقولُ: يا أرحمَ الراحمين، يا حكيمُ يا كريمُ، يا أحدُ يا صمدُ، يا حيُّ يا مُحيي، يا قيّومُ، يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت يا ربَّنا. وأمر الجيش أن يقولوا ذلك ويقتحموا، ففعلوا ذلك فأجاز بهم الخليجَ بإذن الله يمشون على مثل رملةٍ دمثةٍ فوقها ماء لا يغمر أخفاف الإبل، ولا يصلُ إلى ركبِ الخيلِ، ومسيرتُه للسفنِ يومٌ وليلةٌ، فقطعَه إلى الساحل الآخر فقاتلَ عدوَّه وقهرهم واحتازَ غنائمهم ثم رجعَ فقطَعَهُ الى الجانبِ الآخر، فعاد إلى موضعه الأول، وذلك كلُّه في يومٍ، ولم يتركْ من العدوّ مُخبرًا، واستَاقَ الذَّراري والأنعام والأموالَ، ولم يفقدِ المسلمون في البحر شيئًا سوى عَليقة (٣) فرس لرجلٍ من المسلمين ومع هذا رجعَ العلاءُ فجاءه بها. ثم قسَمَ غنائمَ المسلمين فيهم، فأصابَ الفارسُ ألفين والراجل ألفًا، مع كثرةِ الجيش، وكتبَ إلى الصديق فأعلمه بذلك، فبعثَ الصديق يشكرُه على ما صنعَ. وقد قال رجل من المسلمين في مرورهم في البحر. وهو عفيف بن المنذر (٤): [من الطويل] ألمْ تَرَ أنَّ الله ذَلَّل بَحْرَهُ … وأنزلَ بِالكُفَّارِ إحدى الجلائِلِ دَعونا إلى شقِّ البحارِ فجاءنا … بِأعجب من فَلقِ البحار الأوائِلِ وقد ذكر سيفُ بن عمر التميمي (٥) أنه كان مع المسلمين في هذه المواقف والمشاهد التي رَأوْها من أمر العلاءَ، وما أجرى الله على يديه من الكرامات، رجل من أهل هَجَر راهب فأسلم حينئذ، فقيل له: ما دعاكَ إلى الإسلام؟ فقال: خشيتُ إن لم أفعلْ أن يمسخني الله، لما شاهدتُ من الآياتِ. قال: وقد سمعتُ في الهواء وقتَ السَّحَر دعاءً، قالوا: وما هو؟ قال: اللهم أنت الرحمنُ الرحيمُ، لا إله غيرك والبديع ليس قبلك شيء، والدائم غير الغافل، والذي لا يموت، وخالق ما يُرى وما لا يُرى، وكلَّ يومٍ

стр. 3187

أنتَ في شأنٍ، وعلمتَ اللَّهم كل شيء علمًا، قال: فعلمتُ أنَّ القوم لم يعانوا بالملائكة إلَّا وهم على أمر الله، قال: فحسُنَ إسلامه وكان الصحابةُ يسمعون منه. ذكرُ ردَّة أهلِ عُمان ومَهَرَ (١) اليَمَنِ أما أهل عُمان فنبغَ (٢) فيهم رجلٌ يقالَ له: ذو التاج لَقيطُ بن مالك الأَزدي، وكان يُسَمَّى في الجاهلية الجُلَنْدَى، فادّعى النُّبوَّة أيضًا، وتابعَهُ الجَهَلَةُ من أهل عُمان، فتغلَّب عليها وقهر جيفرًا وعبادًا وألجأهما إلى أطرافها، من نواحي الجبال والبحر، فبعثَ جيفر إلى الصديق فأخبره الخبر واستجاشه، فبعث إليه الصديق بأميرين وهما حذيفة بن محصن الحميري، وعرفجة البارقي من الأزد؛ حذيفة إلى عمان، وعرفجة إلى مهرة، وأمرهما أن يجتمعا ويتّفقا ويبتدئا بعُمان، وحذيفة هو الأمير فإذا ساروا إلى بلاد مهرة فعرفجة الأمير. وقد قدمنا أن عكرمةَ بن أبي جهل لمّا بعثه الصديقُ إلى مسيلمةَ وإتباعِه بشرحبيل بن حسنة، عجَّل عكرمةُ وناهضَ مسيلمةَ قبلَ مجيءِ شرحبيل ليفوز بالظَّفر وحدَه، فناله من مسيلمة قرحٌ والذين معه، فتقهقر حتى جاء خالدُ بن الوليد، فقهرَ مسيلمة كما تقدّم، وكتب إليه الصديق يلومُه على تسرُّعه، قال: لا أرينَّك ولا أسمعن بك إلا بعد بلاء، وأمره أن يلحقَ بحذيفة وعرفجة إلى عُمان، وكل منكم أميرٌ على جيشه وحذيفة ما دمتم بعمان فهو أمير الناس، فإذا فرغمُم فاذهبوا إلى مهرة، فإذا فرغتُم منها فاذهب إلى اليمن وحضرموت فكن مع المُهاجر بن أبي أمية، ومن لقيته من المرتدة بين عمان إلى حضرموت واليمن فنكِّلْ به، فسار عكرمةُ لما أمره به الصديق، فلحق حذيفة وعرفجة قبل أن يصلا إلى عمان، وقد كتب إليهما الصديق إن ينتهيا إلى رأي عكرمة بعد الفراغِ من السير من عُمان أو المقام بها، فساروا فلما اقتربوا من عمان راسلوا جيفرًا، وبلغَ لقيطَ بن مالك مجيءُ الجيش، فخرجَ في جموعه فعسكر بمكانٍ يقال له: دبا (٣)، وهي مصر تلك البلاد وسوقُها العُظمى، وجعل الذراري والأموال وراءَ ظهورهم ليكونَ أقوى لحربهم، واجتمع جيفر وعباد بمكانٍ يقال له صُحار (٤)، فعسكرا به وبعثا إلى أمراء الصديق فقدموا على المسلمين، فتقابل الجيشان هنالك، وتقاتلوا قتالًا شديدًا، وابتُلي المسلمون وكادوا أن يُولُّوا، فمن الله

стр. 3188

بكرمه ولطفه أن بعثَ إليهم مَددًا، في الساعة الراهنة من بني ناجية وعبد القيس، في جماعةٍ من الأمراءِ، فلما وصلوا إليهم كان الفتحُ والنصرُ، فولّى المشركون مُدْبرين، وركب المسلمون ظهورهم فقتلوا منهم عشرة آلاف مقاتل، وسَبَوا الذراري، وأخذوا الأموال والسوق بحذافيرها، وبعثوا بالخُمْس إلى الصديق ﵁ مع أحد الأمراء، وهو عرفجة، ثم رجع إلى أصحابه. وأما مهرة فإنهم لما فرغوا من عُمان كما ذكرنا، سار عكرمة بالناس إلى بلاد مهرة، بمن معه من الجيوش ومن أضيف إليهم، حتى اقتحم على مَهرة بلادها، فوجدهم جندين؛ على أحدهما - وهم الأكثر - أميرٌ يُقالُ له: المصبح، أحد بني محارب، وعلى الجند الآخر أمير يُقال له: شخريت، وهما مختلفان، وكان هذا الاختلاف رحمة على المؤمنين، فراسل عكرمةُ شخريت فأجابه وانضاف إلى عكرمة فقوي بذلك المسلمون، وضعف جأش المصبح، فبعث إليه عكرمة يدعوه إلى الله وإلى السمع والطاعة، فاغترّ بكثرةِ منْ مَعهُ ومخالفةً لشخريت، فتمادى على طغيانه فسار إليه عكرمةُ بمنْ معه من الجنود فاقتتلوا مع المصبح أشدَّ من قتال دبا المتقدم، ثم فتحَ اللهُ بالظفر والنصر، ففر المشركون وقتِل المصبح، وقتل خلقٌ كثيرٌ من قومه، وغنم المسلمون أموالهم، فكان في جملة ما غنموا ألفا نجيبة، فخمَّسَ عكرمة ذلك كله وبعثَ بخُمْسه إلى الصديق مع شخريت، وأخبره بما فتح الله عليه، والبشارة مع رجل يقال له: السائب، من بني عابد من مخزوم، وقد قال في ذلك رجل يقال له علجوم: [من الطويل] جَزى اللهُ شخريتًا وأفناء هاشم (١) … وَفِرضمَ إذ سارَت إلينا الحلائبُ جَزاءَ مُسيءٍ لم يُراقب لذمَّةٍ … ولم يَرْجُها فيما يُرجّى الأقاربُ أعِكْرمُ لولا جَمعُ قومي وفِعلُهُم … لضاقَت عليكُم بالفَضاءِ المذاهبُ وكُنَّا كمَن إقتادَ كَفًّا بأختِها … وَحلَّتْ علينا في الدُّهورِ النوائِبُ وأما أهل اليمن فقد قَدَّمنا أن الأسود العنسي لعنه الله لما نبغ باليمن، أضلَّ خلقًا كثيرًا من ضعفاء العقول والأديان حتى ارتدَّ كثير منهم أو أكثرهم عن الإسلام، وأنه لما قتله الأمراء الثلاثة قيس بن مكشوح وفيروز الديلمي، وداذويه، وكان ما قدمنا ذكره، ولما بلغهم موت رسول الله ﷺ ازداد بعضُ أهل اليمن فيما كانوا فيه من الحيرة والشك، أجارنا الله من ذلك، وطمعَ قيس بن مكشوح في الإمرة باليمن، فعمل لذلك، وارتدّ عن الإسلام وتابَعَهُ عوامُّ أهل اليمن، وكتب الصدّيق إلى الأمراء والرؤساء، من أهل اليمن أن يكونوا [عونًا إلى] فيروز والأبناء (٢) على قيس بن مَكشوح حتى تأتيهم جنوده سريعًا، وحرص قيس على قتل الأميرين الأخيرين، فلم يقدر إلا على داذويه، واحترز منه فيروز الديلمي، وذلك أنه عملَ

стр. 3189

طعامًا وأرسل إلى داذويه أولًا، فلما جاءه عجَّلَ عليه فقتلَهُ، ثم أرسلَ إلى فيروز ليحضرَ عنده فلما كان ببعض الطريق سمع امرأةً تقول لأخرى: وهذا أيضًا والله مقتولٌ كما قُتل صاحبُه، فرجع من الطريق وأخبر أصحابه بقتل داذويه، وخرج إلى أخواله خولان فتحصَّن عندهم وساعدته عقيلٌ، وعكٌّ وخلقٌ. وعمد قيسٌ إلى ذراري فيروز وداذويه والأبناء فأجلاهم عن اليمن، وأرسل طائفة في البر وطائفة في البحر، فاحتدّ فيروزُ فخرجَ في خلقٍ كثيرٍ، فتصادفَ هو وقيسٌ فاقتتلوا قتالًا شديدًا فهزم قيسًا وجنده من العوام، وبقية جند الأسود العنسي، فهزموا في كل وجه وأسر قيسٌ وعمرو بن معديكرب، وكان عمرو قد ارتدَّ أيضًا، وبايع الأسودَ العنسي، وبعث بهما المُهاجر بن أبي أمية إلى أبي بكر أسيرين، فعنَّفَهما وأنّبهما، فاعتذرا إليه فقبل منهما علانيتهما، ووكل سرائرهما إلى الله ، وأطلقَ سراحهما وردّهما إلى قومهما. ورجعت عمَّالُ رسول الله ﷺ الذين كانوا باليمن إلى أماكنهم التي كانوا عليها في حياته ﵇ بعد حروبٍ طويلة، لو استقصينا إيرادها لطال ذكرها، ومُلَخصُها أنه ما من ناحية من جزيرة العرب إلا وحصلَ في أهلها ردَّةٌ لبعض الناس، فبعثَ الصدِّيقُ إليهم جيوشًا وأمراء يكونون عونًا لمن في تلك الناحية من المؤمنين فلا يتواجه المشركون والمؤمنون في موطنٍ من تلك المواطن إلا غلب جيشُ الصدِّيق لمن هناك من المرتدين، ولله الحمد والمنة، وقتلوا منهم مقتلةً عظيمةً، وغنموا مغانم كثيرة، فيتقوون بذلك على منْ هنالك، ويبعثون بأخماسِ ما يغنمون إلى الصديق فينفقه في الناس فيحصل لهم قوةُ أيضًا ويستعدُّون به على قتال من يريدون قتلهم من الأعاجم والروم، على ما سيأتي تفصيله. ولم يزل الأمر كذلك حتى لم يبق بجزيرة العرب إلَّا أهل طاعة للّه ولرسوله، وأهل ذمة من الصديق، كأهل نجران وما جرى مجراهم ولله الحمد. وعامة ما وقع من هذه الحروب كان في أواخر سنة إحدى عشرة وأوائل سنة ثنتي عشرة. ولنذكر بعد إيراد هذه الحوادث منْ توفي في هذه السنة من الأعيان والمشاهير وبالله المستعان. وفيها رجع معاذ بن جبل من اليمن. وفيها استبقى أبو بكر الصديق عمر بن الخطاب ﵄. ذكر من توفي في هذه السنة أعني سنة إحدى عشرة من الأعيان والمشاهير، وذكرنا معهم من قتل باليمامة لأنها كانت سنة إحدى عشرة على قول بعضهم، وإن كان المشهور أنها في ربيع سنة ثنتي عشرة. توفي فيها رسول الله ﷺ محمد بن عبد الله سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، وذلك في ربيعها الأول يوم الإثنين ثاني عشرِهِ على المشهور، كما قدمنا بيانه.

стр. 3190

وبعده بستة أشهر على الأشهر، توفيت ابنته فاطمة (١) ﵂، وتُكْنَى بأم أبيها، وقد كان صلوات الله وسلامه عليه عهد إليها أنها أول أهله لحوقًا به، وقال لها مع ذلك: "أما ترضين أن تكوني سيدةَ نساءِ أهل الجنة؟ " (٢) وكانت أصغرَ بناتِ النبي ﷺ على المشهور ولم يبق بعده سواها، فلهذا عَظم أجرها لأنّها أُصيبت به ﵊، ويقال: إنها كانت توأمًا لعبد الله ابن رسول الله ﷺ وليس له ﵊ نسلٌ إلَّا من جهتها. قال الزبير بن بكار: وقد رُوي أنه ﵊ ليلةَ زفافِ علي عليٍّ فاطمةَ توضَّأ وصبَّ عليه وعلى فاطمةَ ودعا لهما أن يباركَ في نسلهما. وقد تزوجها ابنُ عمها علي بن أبي طالب بعد الهجرة، وذلك بعد بدر. وقيل: بعد أحدٍ، وقيل: بعد تزويجِ رسول الله ﷺ عائشةَ بأربعةِ أشهر ونصف، وبنى بها بعد ذلك بسبعةِ أشهرٍ ونصف، فأصدقَها درعَه الحُطَمية (٣) وقيمتُها أربعمئة درهم، وكان عمرُها إذ ذاك خمسَ عشرةَ سنةً وخمسة أشهر، وكان عليٌّ أسنَّ منها بستِّ سنين. وقد وردتْ أحاديثُ موضوعةٌ في تزويج عليٍّ بفاطمة لم نذكرها رغبة عنها. فولدت له حسنًا وحسينًا ومحسنًا وأم كلثوم - التي تزوجَ بها عمرُ بن الخطاب بعد ذلك -. وقد قال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا عفان، حذَثنا حماد، أنبأنا عطاء بن السائب، عن أبيه، عن علي: أن رسول الله لما زوَّجهُ فاطمةَ بعَثَ معها بخميلةٍ ووسادةٍ من أدم حشوها ليفٌ، ورحى وسقاء وجرَّتين، فقال علي لفاطمة ذات يوم: والله لقد سنوتُ (٥) حتى لقد اشتكيتُ صدري، وقد جاء الله أباك بسبي فاذهبي فاستخدميه، فقالت: وأنا واللهِ لقد طحنتُ حتى مجلت (٦) يداي، فأتت النبي ﷺ فقال: "ما جاء بك أي بنية؟ " قالت: جئتُ لأسلِّم عليك - واستَحْيَتْ أن تسألَه - ورجعتْ، فقال: ما فعلتِ؟ قالت: استحييتُ أن أسأله، فأتياه جميعًا، فقال علي: يا رسولَ الله والله لقد سَنَوْتُ حتى اشتكيتُ صدري، وقالت فاطمة: لقد طَحَنْتُ حتى مَجَلَتْ يداي، وقد جاءكَ الله بسبي وسَعة فأخدمنا، فقال: "والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تَطْوَى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم" (٧) فرجعا فأتاهما رسول الله ﷺ وقد
следующие страницы →