← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

ثم ركبَ المسلمون في آثار المُنْهَزمين، يقتلونَهم بكلِّ مَرْصَدٍ (١) وطريق، وذهب مَنْ فرَّ منهم أو أكثرُهم في البحر إلى دَارِين (٢) ركبوا إليها السفن. ثم شرع العلاءُ بن الحضرمي في قسْم الغنيمة ونقل الأثقال وفرغَ من ذلك. وقال للمسلمين: اذهبوا بنا إلى دَارين لنغزو منْ بها من الأعداء، فأجابوا إلى ذلك سَريعًا، فسارَ بهم حتَّى أتى ساحلَ البحر ليركبوا. في السُّفُنِ، فرأى أن الشُّقَّة بعيدةٌ لا يصلونَ إليهم في السفن حتى يذهبَ أعداءُ الله، فاقتحمَ البحرَ بفرسه وهو يقولُ: يا أرحمَ الراحمين، يا حكيمُ يا كريمُ، يا أحدُ يا صمدُ، يا حيُّ يا مُحيي، يا قيّومُ، يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت يا ربَّنا. وأمر الجيش أن يقولوا ذلك ويقتحموا، ففعلوا ذلك فأجاز بهم الخليجَ بإذن الله يمشون على مثل رملةٍ دمثةٍ فوقها ماء لا يغمر أخفاف الإبل، ولا يصلُ إلى ركبِ الخيلِ، ومسيرتُه للسفنِ يومٌ وليلةٌ، فقطعَه إلى الساحل الآخر فقاتلَ عدوَّه وقهرهم واحتازَ غنائمهم ثم رجعَ فقطَعَهُ الى الجانبِ الآخر، فعاد إلى موضعه الأول، وذلك كلُّه في يومٍ، ولم يتركْ من العدوّ مُخبرًا، واستَاقَ الذَّراري والأنعام والأموالَ، ولم يفقدِ المسلمون في البحر شيئًا سوى عَليقة (٣) فرس لرجلٍ من المسلمين ومع هذا رجعَ العلاءُ فجاءه بها. ثم قسَمَ غنائمَ المسلمين فيهم، فأصابَ الفارسُ ألفين والراجل ألفًا، مع كثرةِ الجيش، وكتبَ إلى الصديق فأعلمه بذلك، فبعثَ الصديق يشكرُه على ما صنعَ. وقد قال رجل من المسلمين في مرورهم في البحر. وهو عفيف بن المنذر (٤): [من الطويل] ألمْ تَرَ أنَّ الله ذَلَّل بَحْرَهُ … وأنزلَ بِالكُفَّارِ إحدى الجلائِلِ دَعونا إلى شقِّ البحارِ فجاءنا … بِأعجب من فَلقِ البحار الأوائِلِ وقد ذكر سيفُ بن عمر التميمي (٥) أنه كان مع المسلمين في هذه المواقف والمشاهد التي رَأوْها من أمر العلاءَ، وما أجرى الله على يديه من الكرامات، رجل من أهل هَجَر راهب فأسلم حينئذ، فقيل له: ما دعاكَ إلى الإسلام؟ فقال: خشيتُ إن لم أفعلْ أن يمسخني الله، لما شاهدتُ من الآياتِ. قال: وقد سمعتُ في الهواء وقتَ السَّحَر دعاءً، قالوا: وما هو؟ قال: اللهم أنت الرحمنُ الرحيمُ، لا إله غيرك والبديع ليس قبلك شيء، والدائم غير الغافل، والذي لا يموت، وخالق ما يُرى وما لا يُرى، وكلَّ يومٍ

стр. 3187

أنتَ في شأنٍ، وعلمتَ اللَّهم كل شيء علمًا، قال: فعلمتُ أنَّ القوم لم يعانوا بالملائكة إلَّا وهم على أمر الله، قال: فحسُنَ إسلامه وكان الصحابةُ يسمعون منه. ذكرُ ردَّة أهلِ عُمان ومَهَرَ (١) اليَمَنِ أما أهل عُمان فنبغَ (٢) فيهم رجلٌ يقالَ له: ذو التاج لَقيطُ بن مالك الأَزدي، وكان يُسَمَّى في الجاهلية الجُلَنْدَى، فادّعى النُّبوَّة أيضًا، وتابعَهُ الجَهَلَةُ من أهل عُمان، فتغلَّب عليها وقهر جيفرًا وعبادًا وألجأهما إلى أطرافها، من نواحي الجبال والبحر، فبعثَ جيفر إلى الصديق فأخبره الخبر واستجاشه، فبعث إليه الصديق بأميرين وهما حذيفة بن محصن الحميري، وعرفجة البارقي من الأزد؛ حذيفة إلى عمان، وعرفجة إلى مهرة، وأمرهما أن يجتمعا ويتّفقا ويبتدئا بعُمان، وحذيفة هو الأمير فإذا ساروا إلى بلاد مهرة فعرفجة الأمير. وقد قدمنا أن عكرمةَ بن أبي جهل لمّا بعثه الصديقُ إلى مسيلمةَ وإتباعِه بشرحبيل بن حسنة، عجَّل عكرمةُ وناهضَ مسيلمةَ قبلَ مجيءِ شرحبيل ليفوز بالظَّفر وحدَه، فناله من مسيلمة قرحٌ والذين معه، فتقهقر حتى جاء خالدُ بن الوليد، فقهرَ مسيلمة كما تقدّم، وكتب إليه الصديق يلومُه على تسرُّعه، قال: لا أرينَّك ولا أسمعن بك إلا بعد بلاء، وأمره أن يلحقَ بحذيفة وعرفجة إلى عُمان، وكل منكم أميرٌ على جيشه وحذيفة ما دمتم بعمان فهو أمير الناس، فإذا فرغمُم فاذهبوا إلى مهرة، فإذا فرغتُم منها فاذهب إلى اليمن وحضرموت فكن مع المُهاجر بن أبي أمية، ومن لقيته من المرتدة بين عمان إلى حضرموت واليمن فنكِّلْ به، فسار عكرمةُ لما أمره به الصديق، فلحق حذيفة وعرفجة قبل أن يصلا إلى عمان، وقد كتب إليهما الصديق إن ينتهيا إلى رأي عكرمة بعد الفراغِ من السير من عُمان أو المقام بها، فساروا فلما اقتربوا من عمان راسلوا جيفرًا، وبلغَ لقيطَ بن مالك مجيءُ الجيش، فخرجَ في جموعه فعسكر بمكانٍ يقال له: دبا (٣)، وهي مصر تلك البلاد وسوقُها العُظمى، وجعل الذراري والأموال وراءَ ظهورهم ليكونَ أقوى لحربهم، واجتمع جيفر وعباد بمكانٍ يقال له صُحار (٤)، فعسكرا به وبعثا إلى أمراء الصديق فقدموا على المسلمين، فتقابل الجيشان هنالك، وتقاتلوا قتالًا شديدًا، وابتُلي المسلمون وكادوا أن يُولُّوا، فمن الله

стр. 3188

بكرمه ولطفه أن بعثَ إليهم مَددًا، في الساعة الراهنة من بني ناجية وعبد القيس، في جماعةٍ من الأمراءِ، فلما وصلوا إليهم كان الفتحُ والنصرُ، فولّى المشركون مُدْبرين، وركب المسلمون ظهورهم فقتلوا منهم عشرة آلاف مقاتل، وسَبَوا الذراري، وأخذوا الأموال والسوق بحذافيرها، وبعثوا بالخُمْس إلى الصديق ﵁ مع أحد الأمراء، وهو عرفجة، ثم رجع إلى أصحابه. وأما مهرة فإنهم لما فرغوا من عُمان كما ذكرنا، سار عكرمة بالناس إلى بلاد مهرة، بمن معه من الجيوش ومن أضيف إليهم، حتى اقتحم على مَهرة بلادها، فوجدهم جندين؛ على أحدهما - وهم الأكثر - أميرٌ يُقالُ له: المصبح، أحد بني محارب، وعلى الجند الآخر أمير يُقال له: شخريت، وهما مختلفان، وكان هذا الاختلاف رحمة على المؤمنين، فراسل عكرمةُ شخريت فأجابه وانضاف إلى عكرمة فقوي بذلك المسلمون، وضعف جأش المصبح، فبعث إليه عكرمة يدعوه إلى الله وإلى السمع والطاعة، فاغترّ بكثرةِ منْ مَعهُ ومخالفةً لشخريت، فتمادى على طغيانه فسار إليه عكرمةُ بمنْ معه من الجنود فاقتتلوا مع المصبح أشدَّ من قتال دبا المتقدم، ثم فتحَ اللهُ بالظفر والنصر، ففر المشركون وقتِل المصبح، وقتل خلقٌ كثيرٌ من قومه، وغنم المسلمون أموالهم، فكان في جملة ما غنموا ألفا نجيبة، فخمَّسَ عكرمة ذلك كله وبعثَ بخُمْسه إلى الصديق مع شخريت، وأخبره بما فتح الله عليه، والبشارة مع رجل يقال له: السائب، من بني عابد من مخزوم، وقد قال في ذلك رجل يقال له علجوم: [من الطويل] جَزى اللهُ شخريتًا وأفناء هاشم (١) … وَفِرضمَ إذ سارَت إلينا الحلائبُ جَزاءَ مُسيءٍ لم يُراقب لذمَّةٍ … ولم يَرْجُها فيما يُرجّى الأقاربُ أعِكْرمُ لولا جَمعُ قومي وفِعلُهُم … لضاقَت عليكُم بالفَضاءِ المذاهبُ وكُنَّا كمَن إقتادَ كَفًّا بأختِها … وَحلَّتْ علينا في الدُّهورِ النوائِبُ وأما أهل اليمن فقد قَدَّمنا أن الأسود العنسي لعنه الله لما نبغ باليمن، أضلَّ خلقًا كثيرًا من ضعفاء العقول والأديان حتى ارتدَّ كثير منهم أو أكثرهم عن الإسلام، وأنه لما قتله الأمراء الثلاثة قيس بن مكشوح وفيروز الديلمي، وداذويه، وكان ما قدمنا ذكره، ولما بلغهم موت رسول الله ﷺ ازداد بعضُ أهل اليمن فيما كانوا فيه من الحيرة والشك، أجارنا الله من ذلك، وطمعَ قيس بن مكشوح في الإمرة باليمن، فعمل لذلك، وارتدّ عن الإسلام وتابَعَهُ عوامُّ أهل اليمن، وكتب الصدّيق إلى الأمراء والرؤساء، من أهل اليمن أن يكونوا [عونًا إلى] فيروز والأبناء (٢) على قيس بن مَكشوح حتى تأتيهم جنوده سريعًا، وحرص قيس على قتل الأميرين الأخيرين، فلم يقدر إلا على داذويه، واحترز منه فيروز الديلمي، وذلك أنه عملَ

стр. 3189

طعامًا وأرسل إلى داذويه أولًا، فلما جاءه عجَّلَ عليه فقتلَهُ، ثم أرسلَ إلى فيروز ليحضرَ عنده فلما كان ببعض الطريق سمع امرأةً تقول لأخرى: وهذا أيضًا والله مقتولٌ كما قُتل صاحبُه، فرجع من الطريق وأخبر أصحابه بقتل داذويه، وخرج إلى أخواله خولان فتحصَّن عندهم وساعدته عقيلٌ، وعكٌّ وخلقٌ. وعمد قيسٌ إلى ذراري فيروز وداذويه والأبناء فأجلاهم عن اليمن، وأرسل طائفة في البر وطائفة في البحر، فاحتدّ فيروزُ فخرجَ في خلقٍ كثيرٍ، فتصادفَ هو وقيسٌ فاقتتلوا قتالًا شديدًا فهزم قيسًا وجنده من العوام، وبقية جند الأسود العنسي، فهزموا في كل وجه وأسر قيسٌ وعمرو بن معديكرب، وكان عمرو قد ارتدَّ أيضًا، وبايع الأسودَ العنسي، وبعث بهما المُهاجر بن أبي أمية إلى أبي بكر أسيرين، فعنَّفَهما وأنّبهما، فاعتذرا إليه فقبل منهما علانيتهما، ووكل سرائرهما إلى الله ، وأطلقَ سراحهما وردّهما إلى قومهما. ورجعت عمَّالُ رسول الله ﷺ الذين كانوا باليمن إلى أماكنهم التي كانوا عليها في حياته ﵇ بعد حروبٍ طويلة، لو استقصينا إيرادها لطال ذكرها، ومُلَخصُها أنه ما من ناحية من جزيرة العرب إلا وحصلَ في أهلها ردَّةٌ لبعض الناس، فبعثَ الصدِّيقُ إليهم جيوشًا وأمراء يكونون عونًا لمن في تلك الناحية من المؤمنين فلا يتواجه المشركون والمؤمنون في موطنٍ من تلك المواطن إلا غلب جيشُ الصدِّيق لمن هناك من المرتدين، ولله الحمد والمنة، وقتلوا منهم مقتلةً عظيمةً، وغنموا مغانم كثيرة، فيتقوون بذلك على منْ هنالك، ويبعثون بأخماسِ ما يغنمون إلى الصديق فينفقه في الناس فيحصل لهم قوةُ أيضًا ويستعدُّون به على قتال من يريدون قتلهم من الأعاجم والروم، على ما سيأتي تفصيله. ولم يزل الأمر كذلك حتى لم يبق بجزيرة العرب إلَّا أهل طاعة للّه ولرسوله، وأهل ذمة من الصديق، كأهل نجران وما جرى مجراهم ولله الحمد. وعامة ما وقع من هذه الحروب كان في أواخر سنة إحدى عشرة وأوائل سنة ثنتي عشرة. ولنذكر بعد إيراد هذه الحوادث منْ توفي في هذه السنة من الأعيان والمشاهير وبالله المستعان. وفيها رجع معاذ بن جبل من اليمن. وفيها استبقى أبو بكر الصديق عمر بن الخطاب ﵄. ذكر من توفي في هذه السنة أعني سنة إحدى عشرة من الأعيان والمشاهير، وذكرنا معهم من قتل باليمامة لأنها كانت سنة إحدى عشرة على قول بعضهم، وإن كان المشهور أنها في ربيع سنة ثنتي عشرة. توفي فيها رسول الله ﷺ محمد بن عبد الله سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، وذلك في ربيعها الأول يوم الإثنين ثاني عشرِهِ على المشهور، كما قدمنا بيانه.

стр. 3190

وبعده بستة أشهر على الأشهر، توفيت ابنته فاطمة (١) ﵂، وتُكْنَى بأم أبيها، وقد كان صلوات الله وسلامه عليه عهد إليها أنها أول أهله لحوقًا به، وقال لها مع ذلك: "أما ترضين أن تكوني سيدةَ نساءِ أهل الجنة؟ " (٢) وكانت أصغرَ بناتِ النبي ﷺ على المشهور ولم يبق بعده سواها، فلهذا عَظم أجرها لأنّها أُصيبت به ﵊، ويقال: إنها كانت توأمًا لعبد الله ابن رسول الله ﷺ وليس له ﵊ نسلٌ إلَّا من جهتها. قال الزبير بن بكار: وقد رُوي أنه ﵊ ليلةَ زفافِ علي عليٍّ فاطمةَ توضَّأ وصبَّ عليه وعلى فاطمةَ ودعا لهما أن يباركَ في نسلهما. وقد تزوجها ابنُ عمها علي بن أبي طالب بعد الهجرة، وذلك بعد بدر. وقيل: بعد أحدٍ، وقيل: بعد تزويجِ رسول الله ﷺ عائشةَ بأربعةِ أشهر ونصف، وبنى بها بعد ذلك بسبعةِ أشهرٍ ونصف، فأصدقَها درعَه الحُطَمية (٣) وقيمتُها أربعمئة درهم، وكان عمرُها إذ ذاك خمسَ عشرةَ سنةً وخمسة أشهر، وكان عليٌّ أسنَّ منها بستِّ سنين. وقد وردتْ أحاديثُ موضوعةٌ في تزويج عليٍّ بفاطمة لم نذكرها رغبة عنها. فولدت له حسنًا وحسينًا ومحسنًا وأم كلثوم - التي تزوجَ بها عمرُ بن الخطاب بعد ذلك -. وقد قال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا عفان، حذَثنا حماد، أنبأنا عطاء بن السائب، عن أبيه، عن علي: أن رسول الله لما زوَّجهُ فاطمةَ بعَثَ معها بخميلةٍ ووسادةٍ من أدم حشوها ليفٌ، ورحى وسقاء وجرَّتين، فقال علي لفاطمة ذات يوم: والله لقد سنوتُ (٥) حتى لقد اشتكيتُ صدري، وقد جاء الله أباك بسبي فاذهبي فاستخدميه، فقالت: وأنا واللهِ لقد طحنتُ حتى مجلت (٦) يداي، فأتت النبي ﷺ فقال: "ما جاء بك أي بنية؟ " قالت: جئتُ لأسلِّم عليك - واستَحْيَتْ أن تسألَه - ورجعتْ، فقال: ما فعلتِ؟ قالت: استحييتُ أن أسأله، فأتياه جميعًا، فقال علي: يا رسولَ الله والله لقد سَنَوْتُ حتى اشتكيتُ صدري، وقالت فاطمة: لقد طَحَنْتُ حتى مَجَلَتْ يداي، وقد جاءكَ الله بسبي وسَعة فأخدمنا، فقال: "والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تَطْوَى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم" (٧) فرجعا فأتاهما رسول الله ﷺ وقد

стр. 3191

دخلا في قطيفتهما إذا غطت رؤوسهما تكشفت أقدامهما، واذا غطت أقدامهما تكشفت رؤوسهما، فثارا، فقال: مكانكما، ثم قال: ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟ قالا: بلى، قال: "كلمات علمنيهن جبريل، تُسَبِّحانِ اللهَ في دُبُرِ كلِّ صلاةٍ عشرًا، وتحمدانِ عشرًا، وتكبّران عشرًا، واذا آويتما إلى فراشكما فسبِّحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، وكبِّرا أربعا وثلاثين" قال: فواللّه ما تركتهن منذ علمنيهن رسول الله ﷺ ، قال: فقال له ابن الكوا: ولا ليلة صفّين؟ فقال: قاتلكم الله يا أهل العراق، نعم ولا ليلة صفين. وآخر هذا الحديث ثابتٌ في الصَّحيحين (١) من غير هذا الوجه، فقد كانت فاطمةُ صابرةً مع عليٍّ على جَهْدِ العيشِ وضيقِه، ولم يتزوجْ عليها حتى ماتَتْ، ولكنه أرادَ أن يتزوجَ في وقتٍ بدرة (٢) بنت أبي جهل، فأنف رسول الله ﷺ من ذلك، وخطب الناسَ فقال: "لا أحرِّمُ حلالًا ولا أحلّ حرامًا، وإنّ فاطمةَ بضعةٌ مني، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها، وإني أخشى أن تُفْتن عن دينها، ولكن إني أحبُّ ابنَ أبي طالب أن يطلِّقَها ويتزوجَ بنتَ أبي جهل، فإنّه واللهِ لا تجتمعُ بنتُ نبي الله وبنت عدوِّ اللهِ تحتَ رجُل واحدٍ أبدًا" (٣) قال: فترك عليٌّ الخطبة. ولما مات رسول الله ﷺ سألت من أبي بكر الميراث فأخبرها أن رسول الله ﷺ قال: "لا نورث، ما تركنا فهو صدقةٌ" (٤) فسألتْ أن يكونَ زوجُها ناظرًا على هذه الصدقة فأبى ذلك، وقال: إني أعول منْ كان رسول الله يعول، واني أخشى إن تركتُ شيئًا مما كان رسول الله ﷺ يفعله أن أضل، ووالله لقرابةُ رسول الله ﷺ أحبُّ إليَّ أن أصل من قرابتي، فكأنها وجدت في نفسها من ذلك، فلم تزل تبغضه مدة حياتها، فلما مرضت جاءها الصديقُ فدخلَ عليها فجعلَ يترضّاها وقال: واللهِ ما تركتُ الدارَ والمالَ والأهلَ والعشيرةَ إلَّا ابتغاء مرضاةِ الله ومرضاةِ رسوله ومرضاتكم أهلَ البيت، فرضيتْ ﵄. رواه البيهقي (٥) من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي، ثم قال: وهذا مرسل حسن بإسناد صحيح. ولما حضرتها الوفاة أوصتْ إلى أسماء بنت عُمَيْس - أمرأة الصديق - أن تُغَسِّلَها، فَغَسَّلَتْها هي وعليُّ بن أبي طالب، وسلمى أم رافع، قيل: والعبَّاسُ بنُ عبد المطلب.

стр. 3192

وما رُوي من أنّها اغتسلتْ قبلَ وفاتها وأوصتْ أن لا تُغسَّلَ بعد ذلك فضعيفٌ لا يُعوَّلُ عليه، والله أعلم. وكان الذي صلَّى عليها زوجُها عليٌّ، وقيل: عمها العباسُ، وقيل أبو بكر الصديق، فالله أعلم. ودُفنت ليلًا وذلك ليلة الثلاثاء لثلاث خلونَ من رمضان سنة إحدى عشرة وقيل: إنها توفيت بعدَه ﵇ بشهرين، وقيل: بسبعين يومًا، وقيل: بخمسة وسبعين يومًا، وقيل: بثلاثة أشهر، وقيل: بثمانية أشهر، والصحيح ما ثبت في الصحيح (١) من طريق الزُّهري عن عروة عن عائشة: أن فاطمة عاشت بعد النبي ﷺ ستة أشهر، ودفنت ليلًا، ويقال إنّها لم تَضْحك في مدة بقائها بعده ﵇، وأنّها كانت تذوبُ من حُزْنها عليه، وشوقها إليه. واختلف في مقدار سنّها يومئذ فقيل: سبع، وقيل: ثمانٍ وقيل: تسع وعشرون، وقيل: ثلاثون، وقيل: خمس وثلاثون سنة، وهذا بعيد وما قبله أقرب منه، والله أعلم. ودفنت بالبقيع، وهي أول من سُتر سريرها. وقد ثبت في الصحيح (٢) أن عليًّا كان له وجهٌ من الناس حياة فاطمة، فلما ماتت التمس مبايعة الصدِّيق فبايعه كما هو مروي في البخاري، وهذه البيعة لإزالة ما كان وقع من وحشةٍ حصلت بسبب الميراث، ولا ينفي ما ثبتَ من البيعة المتقدمة عليها كما قررنا، والله أعلم. وممَّنْ تُوفِّي هذه السنة: أمّ أيمن بَرَكةٌ (٣) بنت ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن حِصْن (٤) بن مالك بن سَلَمة بن عَمْرو بن النُّعْمان، مولاةُ رسول الله ﷺ ورثها من أبيه، وقيل من أمه، وحضنتْهُ وهو صغير، وكذلك بعد ذلك، وقد شربت بولَهُ، فقال لها: لقد احتظرت بحظار (٥) من النار، وقد أعتقها وزوَّجها عُبيدًا (٦) فولدت منه ابنها أيمن فعرفت به، ثم تزوجها زيد بن حارثة، مولى رسول الله، فولدت أسامة بن زيد، وقد هاجرت الهجرتين إلى

стр. 3193

الحبشة والمدينة، وكانت من الصالحات، وكان ﵇ يزورها في بيتها ويقول: هي أمي بعد أمي، وكذلك كان أبو بكر وعمر يزورانها في بيتها، كما تقدم ذلك في ذكر الموالي، وقد توفيت بعده ﵊ بخمسة أشهر وقيل بستة أشهر. ومنهم: ثابتٌ (١) بن أقْرم بن ثَعْلبة بن عَدِيّ بن العَجْلان البَلَوي، حليف الأنصار، شهدَ بدرًا وما بعدها، وكان ممَّن حَضَرَ مُؤْتةَ فلما قُتِلَ عبدُ الله بن رَوَاحةَ دُفعت الرايةُ إليه فسلَّمها لخالدِ بن الوليد، وقال: أنت أعلمُ بالقتالِ منّي، وقد تقدَّم أن طُليحة الأسدي قَتَله وقتلَ معه عُكَّاشةَ بن مِحْصن وذلك حين يقول طُلَيْحة (٢): [من الطويل] عشِيَّةَ غادرتُ ابن أقرم ثاوِيًا … وعُكَّاشَةَ الغَنميَّ تحتَ مَجالِ وذلك في سنة إحدى عشرة، وقيل سنة ثِنْتي عشرةَ، وعن عروة أنه قُتل في حياةِ النبي ﷺ وهذا غريب، والصحيح الأول، والله أعلم. ومنهم: ثابتُ بن قيس بن شَمَّاس (٣) الأنْصاري الخَزْرجي، أبو محمد خطيبُ الأنصار ويقال له أيضًا: خطيب النبي ﷺ وقد ثبت عنه ﵊ أنه بشَّره بالشهادة، وقد تقدم الحديث في دلائل النبوة، فقُتل يوم اليمامة شهيدًا، وكانت راية الأنصار يومئذ بيده. وروى الترمذي (٤) بإسناد على شرط مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "نعم الرجل ثابتُ بن قيس بن شمّاس". وقال أبو القاسم الطبراني (٥): حدثنا أحمد بن المعلَّى الدمشقي: حدَّثنا سليمان بن عبد الرحمن، حدَّثنا الوليد بن مسلم، حدَّثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عطاء الخراساني قال: قدمتُ المدينةَ فسألتُ عمَّن يحدثني بحديث ثابت بن قيس بن شَمّاس، فأرشدوني إلى ابنته، فسألتها فقالت: سمعت أبي يقول:

стр. 3194

لما أُنزلَ على رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨] اشتدَّتْ على ثابتٍ وغلقَ عليه بابَه، وطفِقَ يبكي، فأُخبر رسول الله، فسأله فأخبره بما كَبُرَ عليه منها، وقال: أنا رجلٌ أحبُّ الجَمال، وأن أَسُودَ قومي، فقال: "إنّك لست منهم، بل تعيش بخير وتموت بخير، ويُدْخلكَ اللهُ الجنةَ". فلما أنزل على رسول الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الحجرات: ٢] فعلَ مثلَ ذلك، فأخبر النبيُّ ﷺ فأرسلَ إليه فأخبره بما كَبُر عليه منها، وأنه جَهيرُ الضَوت، وأنه يتخوَّفُ أن يكونَ ممَّنْ حَبِطَ عملُه، فقال: "إنك لستَ منهم، بل تعيشُ حميدًا وتُقْتلُ شهيدًا ويُدخلكَ اللهُ الجنة" فلما استنفر أبو بكر المسلمين إلى أهل الردَّةِ واليمامةِ ومُسَيْلمة الكذاب، سار ثابت فيمنْ سارَ، فلما لَقُوا مسيلمة وبني حنيفة هزموا المسلمين ثلاث مرات، فقال ثابتٌ وسالمٌ مولى أبي حذيفة: ما هكذا كنَّا نقاتلُ مع رسول الله ﷺ ، فجعلا لأنفسهما حفرة فدخلا فيها فقاتلا حتى قُتلا. قالت: وأُرِيَ رجلٌ من المسلمين ثابتَ بن قيس في منامه فقال: إني لما قُتلت بالأمس مرَّ بي رجلٌ من المسلمين فانتزعَ منّي درعًا نفيسة ومنزلُه في أقصى العسكر وعند منزله فرسٌ يَسْتن (١) في طوله، وقد أكفأ على الدرع بُرْمةً، وجعل فوق البُرْمة رَحْلا، وائت خالد بن الوليد فليبعث إلى درعي فليأخذها، فإذا قدمتَ على خليفة رسول الله فأعلمه أنَّ عليَّ من الدَّين كذا، ولي من المال كذا، وفلان من رقيقي عتيق، وإيّاك أن تقول: هذا حلم فَتُضيِّعه، قال: فاأتى خالدًا فوجَّه إلى الدرع فوجدها كما ذكر، وقدم على أبي بكر فأخْبَرهُ، فأنفذَ أبو بكر وصيَّتهُ بعد موته، فلا نعلم أحدًا جازَتْ وصيَّتهُ بعد موته إلَّا ثابت بن قيس بن شمّاس (٢). ولهذا الحديث وهذه القصة شواهد أخر. والحديث المتعلق بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ في صحيح مسلم (٣) عن أنس. وقال حماد بن سلمة: عن ثابت عن أنس: أن ثابت بن قيس بن شمَّاس، جاء يوم اليمامة وقد تحنّط ونشر أكفانه وقال: اللهم إنّي أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، وأعتذرُ إليك مما صنعَ هؤلاء، فقُتل وكانت له درعٌ فسُرقت فرآه رجل فيما يرى النائم فقال: إن درعي في قدر تحتَ الكانون في مكان كذا وكذا، وأوصاه بوصايا، فطلبوا الدرع فوجدوها، وأنفذوا الوصايا. رواه الطبراني (٤) أيضًا.

стр. 3195

ومنهم: حَزْن (١) بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ (٢) بن عمران المَخْزُومي، له هجرةٌ: ويقال: أسلم عامَ الفتح، وهو جدُّ سعيد بن المُسَيّب. أراد رسولُ الله ﷺ أن يسميه سَهْلًا فامتنعَ وقال: لا أغيّرُ اسمًا سمانيه أبواي، فلم تزل الحزونة فينا (٣). استُشهد يومَ اليمامة. وقتل معه أيضًا ابناه عبد الرحمن ووهب، وابن ابنه حكيمُ بن وَهْبِ بن حزن. وممَّنِ استُشهد في هذه السنة داذَويه الفارسي أحدُ أمراءِ اليمنِ الذين قتلوا الأسودَ العَنْسي، قتله غيلةً قيسُ بن مَكْشوح حين ارتدَّ قبل أن يرجعَ إلى الإسلام، فلما عنَّفه الصدِّيقُ على قتله أنكر ذلك، فقبل علانيته وإسلامه. ومنهم: زيد (٤) بن الخطاب بن نُفَيْل القُرشي العَدوي أيو محمد، وهو أخو عمر بن الخطّاب لأبيه، وكان زيدٌ أكبر من عمر، أسلم قديمًا، وشهدَ بدرًا، وما بعدها، وقد آخى رسول الله ﷺ بينه وبين معن بن عديّ الأنصاري وقد قُتلا جميعًا باليمامة، وقد كانت رايةُ المهاجرين يومئذ بيده، فلم يزل يتقدَّم بها حتى قُتل فسقطت، فأخذها سالم مولى أبي حذيفة، وقد قتل زيد يومئذ الرّجّال بن عُنفوة، واسمه نهار، وكان الرَّجَّال هذا قد أسلم وقرأ البقرة ثم ارتدَّ ورجعَ فصدَّق مسيلمةَ وشهد له بالرسالة، فحصل به فتنة عظيمة، فكانت وفاته على يد زيد، رضي الله عن زيد. ثم قتلَ زيدًا رجل يقال له: أبو مريم الحنفي، وقد أسلم بعد ذلك وقال لعمر: يا أميرَ المؤمنين إن الله أكرم زيدًا بيدي ولم يُهنِّي على يده، وقيل: إنما قتله سلمةُ بن صبيح ابن عمِّ (٥) أبي مريم هذا، ورجَّحه أبو عمر (٦) وقال: لأن عمر استقضى أبا مريم، وهذا لا يدل على نفي ما تقدم، والله أعلم. وقد قال عمر لما بلغَهُ مقتلُ زيد بن الخطاب: سبقني إلى الحُسَنيينِ، أسلمَ قبلي، واستشُهد قبلي.

стр. 3196

وقال لمُتَمِّم بن نويرة حين جعلَ يرثي أخاه مالكًا بتلك الأبيات المتقدم ذكرها: لو كنتُ أحسنُ الشعرَ لقلتُ كما قلت، فقال له متمِّم: لو أن أخي ذهب على ما ذهبَ عليه أخوك ما حزنتُ عليه، فقال له عمر: ما عزّاني أحد بمثل ما عزَّيْتني به، ومع هذا كان عمرُ يقول: ما هبتِ الصَّبا إلا ذَكَّرَتْني زيدَ بن الخطاب، ﵁. ومنهم: سالم (١) بن عبيد ويقال: ابن مَعْقل (٢) مولى أبي حذيفة بن عُتْبة بن رَبيعة، وإنما كان مُعْتقًا لزوجته ثُبَيْتة بنت يَعَار (٣) وقد تَبنّاهُ أبو حُذَيْفة (٤) وزوَّجَهُ بابنةِ أخيه فاطمة بنت الوليد بن عُتْبة، فلما أنزل الله ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] جاءت امرأة أبي حُذَيْفة سَهْلة بنت سَهْل بن عمرو فقالت: يا رسولَ الله إن سالمًا يدخل عليَّ وأنا غفلٌ، فأمرها أن تُرْضِعهُ فأرْضَعَتْهُ فكانَ يدخلُ عليها بتلك الرضاعة، وكان من سادات المسلمين، أسلمَ قديمًا وهاجرَ إلى المدينة قبل رسول الله ﷺ فكان يُصلي بمن بها من المُهاجرين، وفيهم عمر بن الخطاب لكثرةِ حفظِهِ القرآن، وشهد بدرًا وما بعدها، وهو أحد الأربعة الذين قال فيهم رسول الله ﷺ : "استقرئوا القرآنَ من أربعةٍ" (٥) فذكر منهم سالمًا مولى أبي حذيفة. وروي عن عمر أنه قال لما احتُضِر: لو كانَ سالمٌ حيًّا لما جعلتها شُورى، قال أبو عمر بن عبد البر (٦). معناه أنّه كان يصدرُ عن رأيه فيمن يُولّيه الخلافةَ. ولما أخذ الرايةَ يومَ اليمامةِ بعد مَقْتل زيدٍ بن الخطاب قال له المهاجرون: أتَخْشَى أنْ نُؤْتى من قبلك؟ فقال: بئسَ حاملُ القرآن أنا إذًا. انقطعت يدُه اليمنى فأخذها بيساره، فقُطعت فاحتضنها وهو يقول: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦] فلما صرع قال لأصحابه: ما فعل أبو حُذَيْفة؟ قالوا: قُتل، قال: فما فعلَ فلان؟ قالوا: قُتل، قال: فأضجعوني بينهما. وقد بعثَ عمرُ بميراثه إلى مولاته التي أعْتَقَتْه "بثينة" (٧) فردَّتْه وقالتْ: إنّما أعْتَقَتْهُ سائبةٌ، فجعله عمر في بيت المال.

стр. 3197

ومنهم: أبو دُجَانة سِماك (١) بن خَرَشَة ويقال سِماك بن أوْس بن خَرَشَة بن لَوْذان بن عَبْدِ ودٍّ بن زيد بن ثَعْلَبة بن الخَزْرجِ بن ساعدة بن كَعب بن الخَزْرج الأنْصاري الخَزْرجي. شهدَ بدرًا وأبلى يومَ أُحُدٍ، وقاتلَ شديدًا وأعطاهَ رسولُ الله ﷺ يومئِذٍ سَيْفًا فأعطاهُ حَقَّه وكانَ يَتَبَخْترُ عندَ الحَرْب، فقال ﵇: "إنَّ هذه لمشيةٌ يبغضها اللهُ، إلا في هذا الموطن (٢). وكان يعصبُ رأسَهُ بعصابةٍ حمراء، شعارًا له بالشجاعة. وشهدَ اليمامةَ ويُقال إنَّه ممَّنِ اقْتَحم على بني حنيفةَ يومئذٍ الحديقةَ فانكسرت رجلُه، فلم يزل يُقاتل حتى قُتل يومئذ. وقد قَتل مُسَيْلمةَ مع وَحْشيِّ بن حَرْب رماه وَحْشيّ بالحربة وعلاهُ أبو دُجانة بالسَّيْف، قال وحشي: فَربُّك أعلمُ أيُّنا قَتَله. وقد قيل إنه عاش حتَّى شَهدَ صِفِّين مع علي، والأول أصح. وأما ما يروى عنه من ذكر الحِرْز (٣) المنسوب إلى أبي دُجانة فإسناده ضعيف ولا يُلتفت إليه، والله أعلم. ومنهم: شجاع (٤) بن وَهْب بن رَبيعة الأسَدي، حليف بني عبد شمس، أسلمَ قديمًا وهاجرَ وشهدَ بدرًا وما بعدها، وكان رسولَ رسولِ الله إلى الحارث بن أبي شمر الغَسّاني فلم يُسْلم، وأسلم حاجبُه سوي. واستُشهد شُجاعُ بن وهب يومَ اليمامةِ عن بضعٍ وأربعين سنة، وكان رجلًا طوالًا نحيفًا أجنأ (٥). ومنهم: الطفيل (٦) بن عَمْرو بن طَريف بن العاص بن ثَعْلبة بن سُلَيْم بن فَهْم (٧) بن غَنْم بن دَوْس الدَّوْسي، أسلم قديمًا قبل الهجرة، وذهب إلى قومه فدعاهم إلى الله فهداهم الله على يديه، فلمّا هاجر النبي ﷺ إلى المدينة جاءه بتسعين أهل بيت من دَوْس مسلمين، وقد خرج عامَ اليمامة مع المسلمين ومعه ابنه عمرو، فرأى الطُّفَيْل في المَنام كأن رأسه قد حُلقَ، وكأنّ امرأةً أدخلته في فرجها، وكأن ابنه يجهتدُ أن يلحقه فلم

стр. 3198

يصل. فأولها بأنه سيقتل ويدفن، وأن ابنه يحرص على الشهادةِ فلا ينالُها عامَه ذلك. وقد وقع الأمر كما أوّلها، ثم قُتل ابنُه شهيدًا يوم اليرموك كما سيأتي (١). ومنهم: عَبَّاد (٢) بن بشر بن وَقْش الأنصاري: أسلم على يدَيْ مُصْعب بن عُمَيْر قبلَ الهجرة قبلَ إسلام مُعاذ، وأُسَيْد بن الحُضيْر، وشهد بدرًا وما بعدها. وكان ممَّنْ قتل كَعْب بن الأشرف، وكانت عصاهُ تُضيءُ له إذا خرج من عند رسول الله في ظلمةٍ. قال موسى بن عقبة عن الزهري: قُتل يوم اليمامةِ شَهيدًا عن خمسٍ وأربعين سنة، وكان له بلاءٌ وعناءٌ. وقال محمد بن إسحاق: عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة قالت: تهجَّدَ رسولُ الله فسمع صوتَ عَبَّاد فقال: "اللَّهم اغْفِرْ لَهُ" (٣). ومنهم: السَّائِب (٤) بن عُثْمان بن مَظْعون: بَدْريٌّ من الرماة، أصابه يومَ اليمامةِ سَهْمٌ فقتَله وهو شابٌّ، رحمه ومنهم: السَّائبُ بن العَوَّم (٥) أخو الزُّبَيْر بن العَوَّام واستُشهدَ يومئذ، ﵀.

стр. 3199

ومنهم: عبد الله (١) بن سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عَبْد ودٍّ القُرَشي العامري، أسلمَ قديمًا وهاجرَ ثم استُضعِفَ بمكة، فلما كان يوم بدر خرج معهم فلما تواجَهوا فرَّ إلى المسلمين فشهدها معهم، وقُتل يومَ اليمامة، فلما حجَّ أبو بكر عَزَّى أباه فيه، فقال سُهيل: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "إن الشهيدَ ليشفعُ لسبعين من أهله" (٢) فأرجو أن يبدأ بي. ومنهم: عبد الله (٣) بن عبد الله بن أُبيّ بن سَلُول الأنصاري الخزرجي، كان من سادات الصَّحابة وفضلائهم، شهدَ بدرًا وما بعدَها، وكان أبوه رأسَ المنافقين، وكان أشدَّ الناس على أبيه، ولو أذن له رسول الله فيه لضربَ عُنُقه، وكان اسمه الحُباب، فسمّاه رسولُ الله ﷺ عبدَ الله، وقد استشهد يومَ اليمامة ﵁. ومنهم: عبد الله بن أبي بَكْر الصِّدِّيق (٤) أسلم قديمًا، ويقال: إنه الذي كانَ يأتي بالطعامِ والشرابِ والأخبار إلى رسول الله ﷺ وإلى أبي بكر وهما بغارِ ثَوْرٍ، ويبيتُ عندهما ويصبحُ بمكة كبائتٍ، فلا يسمع بأمر يكادان به إلا أخبرهما به. وقد شهد الطائف فرماه رجلٌ يُقال له أبا محجن الثقفي بسهمٍ فَذَوى، فاندمَلَتْ ولكنْ لم يزلْ منها حمتًا (٥) حتى مات في شوال سنة إحدى عشرة. ومنهم: عُكَّاشة بن مِحْصنٍ (٦) بن حُرْثان بن قيس بن مرة بن كبير (٧) بن غَنْم بن دُودان بن أَسَد بن خُزيمة الأسدي

стр. 3200

حليف بني عبد شمس، يكنى أبا مِحْصن، وكان من سادات الصّحابة وفضلائهم، هاجرَ وشهدَ بدرًا، وأبلى يومئذ بلاءً حسنًا، وانكسر سيفُه، فأعطاهُ رسولُ الله يومئذ عرجونًا، فعادَ في يده سيفًا أمضى من الحديد شديد المتن. وكان ذلك السيف يسمى "العون". وشهدَ أُحدًا والخندق وما بعدها. ولما ذكر رسول الله ﷺ السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنةَ بغير حساب، فقال عُكاشة: يا رسول الله ادعُ اللهَ أن يجعلني منهم. فقال: "اللَّهُمّ اجعلْه منهم" (١) ثم قام رجل آخر فقال: يا رسولَ الله ادعُ الله أن يجعلني منهم، فقال: "سَبَقك بها عُكاشَة". والحديث مروي من طرق تفيد القطع. وقد خرج عكاشة مع خالد يوم إمرةِ الصديق بذي القصة فبعثَه وثابتَ بن أقْرمِ بين يديه طليعة، فتلقاهما طُلَيْحةُ الأسديُّ وأخوه سلمة فقتلاهما، وقد قَتَل عكاشةُ قَبْلَ مَقْتلهِ حِبال بن طُليْحة، ثم أسلم طُلَيْحة بعد ذلك كما ذكرنا، وكان عمر عكاشة يومئذ أربعًا وأربعين سنة، وكان من أجملِ الناس ﵁. ومنهم: مَعْنُ (٢) بن عَدِيّ بن الجدِّ (٣) بن عَجْلان بن ضُبَيْعة البَلَوي، حليف بني عمرو بن عوف. وهو أخو عاصم بن عدي، شهد العَقَبة وبدرًا وأُحدًا والخَنْدق وسائرَ المشاهد، وكان قد آخى رسولُ الله ﷺ بينه وبين زيد بن الخطاب فقُتلا جميعًا يوم اليمامة ﵄. وقال مالك: عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه قال: بكى الناس على رسول الله ﷺ حين مات وقالوا: والله وددنا أن مُتْنا قبلَه ونخشى أن نُفْتتنَ بعده، فقال معن بن عدي: لكني والله ما أحب أن أموتَ قبله لأصدقه ميتًا كما صدقته حيًا. ومنهم: الوليد وأبو عُبَيْدة ابنا عُمارة بن الوليد بن المُغيرة (٤)، قُتلا مع عمِّهما خالد بن الوليد بالبطاح، وأبوهما عمارة بن الوليد، وهو صاحب عمرو بن العاص إلى النجاشي، وقضيته مشهورة.

стр. 3201

ومنهم: أبو حذيفه (١) بن عُتْبة بن رَبيعة بن عبد شمس القُرشي العَبْشمي: أسلم قديمًا قبل دار الأرقم، وهاجر إلى الحبشة وإلى المدينة وشهد بدرًا وما بعدها، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين عَبَّاد بن بِشْر وقد قُتلا شَهيدين يومَ اليمامة. وكان عُمْرُ أبي حذيفة يومئذ ثلاثًا أو أربعًا وخمسين سنة، وكان طويلًا حسنَ الوجه، أثْعل، - وهو الذي له سِنٌّ زائدة - وقيل (٢) اسمه هُشَيْم، وقيل هاشم. ومنهم (٣): أبو دجانة واسمه سماك بن خرشة تقدم قريبًا. وبالجملة فقد قتل من المسلمين يوم اليمامة أربعمئة وخمسون من حَملة القرآن ومن الصَّحابة وغيرهم. وإنما أوردنا هؤلاء لشهرتهم وباللّه المستعان. قلت: وممَّن استُشهدَ يومئذ من المهاجرين: مالك بن عمرو حليف بني غنم (٤)، مهاجريٌّ بدري. ويزيد بن رُقَيْش بن رئاب (٥) الأسدي، بدري. والحَكَم بن سَعيد بن العاص بن أمية الأموي (٦). وجبير (٧) بن مالك بن بُحينة أخو عبد الله بن مالك الأزدي، حليف بني المطلب بن عبد مناف. وعامر بن البُكَيْر (٨) اللَّيْثي، حليف بني عدي، بدري. ومالك بن ربيعة حليف بني عبد شمس.

стр. 3202

وأبو أمية صفوان (١) بن أمية بن عمرو. ويزيد بن أوس (٢) حليف بني عبد الدار. وحُبَّى (٣) ويقال: مُعَلَّى (٤) بن حارثة (٥) الثقفي. وحبيب بن أسيد بن جارية الثقفي. والوليد بن عبد شمس المخزومي. وعبد الله بن عمرو بن بُجرة العدوي. وأبو قيس بن الحارث بن قيس السهمي، وهو من مهاجرة الحبشة. وعبد الله بن الحارث بن قيس. وعبد الله بن مَخْرمة بن عبد العُزَّى بن أبي قيس بن عَبْد ودّ بن نَصْر العامري، من المهاجرين الأولين، شهد بدرًا وما بعدها، وقتل يومئذ. وعمرو بن أويس (٦) بن سعد بن أبي سرح العامري. وسَليط بن سليط (٧) بن عمرو العامري. وربيعة بن أبي خَرشة العامري. وعبد الله بن الحارث بن رحضة من بني عامر. ومن الأنصار غير من ذكرنا تراجمهم: عمارة بن حزم بن زيد بن لوذان النجاري، وهو أخو عمرو بن حزم، كانت معه رايةُ قومه يومَ الفتح، وقد شهد بدرًا وقُتل يومئذ. وعُقبة بن عامر بن نابئ بن زيد بن حرام السَّلَمِي، شهد العقبة الأولى وشهد بدرًا وما بعدها.

стр. 3203

وثابت بن هزَّال من بني سالم بن عوف، بدري. في قول. وأبو عقيل بن عبد الله بن ثعلبة من بني جَحْجَبى، شهد بدرًا وما بعدها، فلما كان يوم اليمامة أصابه فنزعه ثم تحزم وأخذ سيفه فقاتل حتى قتل، وقد أصابته جراحات كثيرة. وعبد الله بن عتيك. ورافع بن سهل. وحاجب بن زيد (١) الأشهلي. وسهل بن عدي. ومالك بن أوس. وعمير (٢) بن أوس. وطلحة بن عتبة من بني جَحْجبى. ورَباح مولى الحارث. ومعن بن عدي. وجزء بن مالك بن عامر من بني جَحْجَبَى. وودقة (٣) بن إياس بن عمرو الخَزْرجي بدري. وجَرْول (٤) بن العباس. وعامر بن ثابت. وبشر بن عبد الله الخزرجي. وكليب بن تميم (٥). وعبد الله بن عِتْبان.

стр. 3204

وإياس بن وَديعة (١). وأسعد (٢) بن يربوع. وسعد بن حارثة (٣). وسعد (٤) بن حمان. ومخاشن (٥) من (٦) حمير. وسلمة بن مسعود، وقيل: مسعود بن سنان. وضمرة بن عياض. وعبد الله بن أنس (٧). وأبو حَبَّة بن غَزِيّة المازني.

стр. 3205

وحبيب (١) بن زيد. وحبيب بن عمرو بن محصن. وثابت بن خالد. وفروة بن النعمان. وعائذ بن ماعص. ويزيد بن ثابت بن الضحاك، أخو زيد بن ثابت. قال خليفة بن خياط (٢): فجميع من استشهد من المهاجرين والأنصار يوم اليمامة ثمانية وخمسون رجلًا. يعني وبقية الأربعمئة والخمسين من غيرهم والله أعلم. وقد قُتل من الكفار فيما سُقْنا من المواطن التي التقى فيها المسلمون والمشركون في هذه وأوائل التي قبلها، ما ينيف على خمسين ألفًا، ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة. فمن مشاهيرهم: الأسود العنسي لعنه الله، واسمه عبهلة بن كعب بن غوث، خرج أول مخرجه من بلدة باليمن يقال لها كهف خبان ومعه سبعمئة مقاتل، فما مضى شهر حتى تَملَّك صنعاء ثم استوسقت (٣) له اليمن بحذافيرها في أقصر مدة، وكان معه شيطان يحذق له ولكن خانه أحوج ما كان إليه. ثم لم تمض له ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر حتى قتله الله على يدي إخوان صدق، وأمراء حق، كما قدمنا ذكره وهم داذَوَيْه الفارسي، وفَيْروز الديلمي، وقيس بن مَكْشوح المُرادي، وذلك في ربيع الأول من سنة إحدى عشرة، قبل وفاة رسول الله ﷺ بليال، وقيل بليلة، فالله أعلم. وقد أطلع الله رسوله ليلة قتله على ذلك كما أسلفناه. ومنهم: مُسَيْلمة بن حَبيب اليَماميّ الكَذَّاب: قدمَ المدينةَ وافدًا إلى رسول الله ﷺ مع قومه بني حنيفة، وقد وقف عليه رسول الله ﷺ فسمعه وهو يقول: إن جعلَ لي محمدٌ الأمرَ من بعده اتَّبعته، فقال له: "لو سألتني هذا العود - لعرجون في يده - ما أعطيتكه، ولئن أدبرت ليعقرنَّكَ اللهُ، وإني لأراك الذي أريت فيه

стр. 3206

ما أريت" وكان رسول الله ﷺ قد رأى في المنام كأن في يده سوارين من ذهب فأهمَّه شأنهما، فأوحى الله إليه في المنام انفخهما، فنفخهما فطارا، فأوَّلهما بكذَّابين يخرجان، وهما صاحب صنعاء، وصاحب اليمامة. وهذا وقع، فإنهما ذهبا وذهب أمرهما، أما الأسودُ فذُبح في داره، وأما مُسيلمةُ فعقره الله على يَدَيْ وَحْشي بن حرب، رماهُ بالحربة فانفذه كما تُعْقرُ الإبلُ، وضربه أبو دُجانة على رأسه ففَلقَهُ وذلك بعُقْرِ داره في الحديقةِ التي يقال لها حديقةُ الموتِ (١). وقد وقف عليه خالد بن الوليد وهو طريحٌ - أراه إياه من بين القتلى مُجَّاعة بن مُرارة - ويقال: كان أصفر أُخينس، وقيل: كان ضخمًا أسمرَ اللون كأنه جملٌ أورقُ، ويقال: إنه ماتَ وعمرُه مئةٌ وأربعون سنة، فالله أعلم. وقد قتل قبله وزيراه ومستشاراه لعنهما الله، وهما: مُحكَّمُ بن الطُّفَيْل الذي يقال له مُحكَّمُ اليمامة، قتله عبد الرحمن بن أبي بكر، رماه بسهم وهو يخطبُ قومه يأمرهم بمصالح حربهم فقتله. والآخر نَهار بن عُنْفُوة الذي يقال له الرَّجَّالُ بن عُنْفُوة، وكان ممَّن أسلم ثم ارتدَّ وصدَّقَ مسيلمةَ لعنهما الله في هذه الشهادة، وقد رزق الله زيد بن الخطاب قتله قبل أن يُقتل زيد ﵁. ومما يدل على كذب الرَّجَّال في هذه الشهادة الضرورة في دين الإسلام، وما رواه البخاري وغيره أن مسيلمةَ كتبَ إلى رسول الله ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم، من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله سلام عليك: أما بعدُ فإني قد أُشركت معكَ في الأمر، فلك المدرُ ولي الوبرُ - ويُروى فلكم نصف الأرض ولنا نصفها - ولكنَّ قريشًا قوم يعتدون. فكتب إليه رسول الله ﷺ : "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلامٌ على من اتَّبعَ الهُدى، أما بعد فإن الأرضَ لله يورثُها من يشاءُ من عباده والعاقبةُ للمتقين". وقد قدمنا ما كان يتعاطاه مسيلمةُ ويتعاناه لعنه الله من الكلام الذي هو أسخفُ من الهَذَيان، مما كان يزعمُ أنه وحيٌ من الرحمن، تعالى الله عمَّا يقولُه وأمثاله علوًا كبيرًا. ولما مات رسول الله ﷺ زعمَ أنه استقل بالأمر من بعده واستخفَّ قومَهُ فأطاعوه، وكان يقول: [من المتقارب] خُذي الدُّفَّ يا هذهِ والعبِي … وَبُثِّي محاسِنَ هذا النَّبي تولَّى نبيٌّ بَني هاشم … وَقَام نَبيُّ بني يَعربِ فلم يُمهله اللهُ بعد وفاةِ رسول الله ﷺ إلَّا قليلًا حتى سلط اللهُ عليه سيفًا من سيوفه، وحتفًا من حتوفه

стр. 3207

فبعج بطنَه، وفلقَ رأسه، وعجّل الله بروحه إلى النار فبئس القرار، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣] فمُسَيْلمةُ والأسودُ وأمثالهما لعنهم الله أحق الناس دخولًا في هذه الآية الكريمة، وأولاهم بهذه العقوبة العظيمة. سنة (١) اثنتي عشرة من الهجرة النبوية استُهلَّت هذه السنة، وجيوشُ الصديق وأُمراؤه الذين بعثهم لقتال أهل الرّدّة جَوّالون في البلاد يمينًا وشمالًا، لتمهيد قواعد الإسلام، وقتال الطُّغاة من الأنام، حتى ردَّ شاردَ الدّين بعد ذهابه، ورجعَ الحقُّ إلى نصابه، وتمهدتْ جزيرةُ العرب، وصار البعيدُ الأقْصى كالقريب الأدْنى [الأقرب] (٢). وفد قال جماعةٌ من علماءَ السِّير والتواريخ: إنّ وقعة اليمامةِ كانت في ربيع الأول من هذه السنة، وقيل إنها كانت في أواخر [السنة] التي قبلها، والجَمْعُ بينَ القولين أنَّ ابتداءها كان في السنة الماضية، وانتهاءَها وقع في هذه السنة الآتية، وعلى هذا القول ينبغي (٣) أن يُذْكروا في السنة الماضية كما ذكرناه لاحتمال أنهم قُتلوا في الماضية، ومُبادرة إلى استيفاء تراجمهم قبل أن يُذْكروا مع منْ قُتل بالشام (٤) والعراق في هذه السنة على ما سنذكر (٥) إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان. وقد قيل: إن وقعةَ جُواثا وعُمان ومهرة وما كان من الوقائع التي أشرنا إليها إنما كانت في سنة ثنتي عشرة [من الهجرة]. وفيها كان قتلُ الملوك الأربعة: جَمْدٍ ومِخْوسٍ وأبْضَعة ومِشْرَحٍ (٦)، وأسروا أختهم العَمرَّدة

стр. 3208

الذين ورد الحديث في مسند أحمد (١) بلعنهم، وكان الذي قتلهم زياد بن لبيد الأنصاري. بعْثُ خالدِ بن الوليدِ إلى العراق (٢) لمَّا فَرَغ خالدُ بن الوليد من اليمامة، بعثَ إليه الصِّدِّيقُ أن يسيرَ إلى العراقِ، وأن يبدأ بفَرْجِ (٣) الهند، وهي الأُبُلَّة، ويأتي العراقَ من أسافلها، وأن يَتألَّفَ الناسَ ويدعوهم إلى الله ، فإن أجابوا وإلا أخذ منهم الجزيةَ فإن امتنعوا عن (٤) ذلك قاتلهم، وأمره أن لا يُكْرِه أحدًا على المسير معه، ولا يستعينُ بمنِ ارتدّ عن الإسلام وإن كان [قد] عاد إليه. وأمره أن يستصحبَ كلَّ امرئ (٥) مرَّ به من المسلمين. وشرع أبو بكر في تجهيز السَّرايا والبعوث والجيوش إمدادًا لخالد ﵁. قال الواقدي: اختُلف (٦) في خالدٍ؛ فقائلٌ يقولُ: مَضَى من وجهه ذلك من اليمامة إلى العراق. وقائلٌ يقول: رجعَ من اليمامة إلى المدينة ثم سار إلى العراق من المدينة فمرَّ على طريقِ الكوفة حتى انتهى إلى الحيرة. قلت: والمشهور الأول. وقد ذكر المدائني بإسناده أن خالدًا توجّه إلى العراق في المحرم سنة اثنتي عشرة، فجعل طريقه البصرة [فاستخلف] (٧) فيها قطبة بن قتادة، وعلى الكوفة المثنى بن حارثة (٨) الشيباني. وقال محمد بن إسحاق عن صالح بن كيسان. إن أبا بكر كتب إلى خالد أن يسير إلى العراق فمضى خالد يريد العراق حتى نزل بقُريّات من السواد يقال لها بانِقيا (٩) وبارُوسْما (١٠)

стр. 3209

[وأليْس] (١) وصاحبها جابان (٢)، فصالحه أهلها. قلت: وقد قَتَل منهم المسلمون قبلَ الصلح خلقًا كثيرًا. وكان الصلح على (٣) ألف درهم، وقيل دينار، في رجب، وكان الذي صالحه بصُبهري بن صلوبا، (ويقال صلوبا بن بصبهري) (٤) وصاحبها جابان وملوك الأعاجم، فهزمه خالد، وقتل أصحابه، ثم طلبوا الصلح، فقبل منهم خالد وكتب لهم كتابًا (٥). ثم أقبل حتى نزل الحيرة فخرج إليه أشرافها، مع قَبِيصة بن إياس بن حبَّة الطَّائي، وكان أمره عليها كسرى بعد النعمان بن المنذر، فقال لهم خالد: أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام، فإن أجبتم إليه فأنتم من المسلمين، لكم ما لهم وعليكم ما عليهم، فإن أبيتم فالجزية فإن أبيتم [الجزية] فقد أتيتكم بأقوام هم أحرصُ على الموتِ منكم على الحياة، جاهدناكم حتى يحكم الله بيننا وبينكم. فقال له قبيصة: ما لنا بحربك من حاجةٍ بل نُقيم على ديننا ونعطيكم الجزية [فقبل منهم خالد] (٦) فلقيه [منهم] رجلان أحدهما أعجمي والآخر عربي (٧) فاستبدل بالعجميّ، ثم صالحهم على تسعين ألفًا، (وفي رواية مئتي ألف درهم)، فكانت أول جزيةٍ أخذت من العراق، وحُملت إلى المدينة هي والقريات قبلها التي صالح عليها ابن صلوبا. قلت: وقد كان مع نائب كسرى على الحيرة ممَّنْ وفدَ إلى خالد عمرو بن عبد المسيح بن حيادن (٨) بن بُقَيْلة، وكان من نصارى العرب، فقال له خالد: من أين أثرك؟ قال: من ظهر أبي، قال: ومن أين خرجت (٩)؟ قال: من بطن أمي، قال: ويحك على أي شيء أنت؟ قال: على الأرض، قال: ويحك (١٠) وفي أي شيء أنت؟ قال: في ثيابي، قال: ويحك تعقل؟ قال: نعم وأُقيِّد، قال: إنما

стр. 3210

أسألكَ، قال: وأنا أُجيبكَ، قال: أسِلْمٌ أنت أم حربٌ؟ قال: بل سِلمٌ، (قال): فما (١) هذه الحصون التي أرى؟ قال: بنيناها للسفيه نحبسه حتى يجيء الحليم فينهاه، ثم دعاهم إلى الإسلام أو الجزية أو القتال، فأجابوا إلى الجزية بتسعين أو (٢) مئتي ألف كما تقدّم. ثم بعث خالد بن الوليد كتابًا إلى أمراء كسرى بالمدائن (ومرازبته) ووزرائه. كما قال هشام بن الكلبي: عن أبي مِخْنف، عن مُجالد، عن الشَّعبي (٣) قال: أقرأني بنو بُقيلة كتاب خالد بن الوليد إلى أهل المدائن: من خالد بن الوليد إلى مرازبة أهل فارس: سلامٌ على من اتَّبع الهُدى، أما بعد فالحمد لله الذي فض خدمتكم (٤) وسلبَ مُلْككم ووهنَ كيدكَم، وإنَّ منْ صلَّى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكلَ ذبيحتنا فذلك (٥) المسلمُ الذي له ما لنا وعليه ما علينا، أما بعد فإذا جاءكم كتابي فابعثوا إليَّ بالرُّهن واعتقدوا مني الذِّمة (٦)، و (إلا) فوالذي لا إله غيره لأبعثن إليكم قومًا يحبّون الموتَ كما تحبّون أنتم الحياة، فلما قرؤوا الكتاب أخذوا يتعجبون. وقال سيف بن عمر (٧): عن طلحة بن الأعلم (٨)، عن المغيرة بن عُتيبة (٩) - وكان قاضي أهل الكوفة - قال: فرَّقَ خالدٌ - مخرجه من اليمامة إلى العراق - جندَه ثلاثَ فرقٍ، ولم يحملهم على طريق واحدة، فسرح المثنى قبله بيومين ودليله ظفر (١٠)، وسرح عديَّ بن حاتم وعاصم بن عمرو، ودليلاهما (١١) مالك بن عباد وسالم بن نصر، أحدهما قبل صاحبه بيوم، وخرج خالد - يعني في آخرهم - ودليله رافع، فواعدهم جميعًا الحفير ليجتمعوا به، ويصادموا عدوهم، وكان فرج الهند [ويسمَّى فرجَ الذهب وهو الأبلق (١٢)، وهو] أعظمُ فروجِ فارس بأسًا وأشدها شوكة وكان صاحبه يحارب العربَ في البر والهند في البحر وهو هرمز، فكتب إليه خالدٌ فبعث هرمزُ بكتابِ خالدٍ إلى شيرَى بن كسرى، وأردشير بن شيرَى،

стр. 3211

وجمع هرمز، وهو نائب كسرى جموعًا كثيرةً وسار بهم إلى كاظمة (١)، وعلى مَجْنَبَتَيْهِ قباذ وأنوشجان - وهما من بيت الملك - وقد تقرن (٢) الجيش في السلاسل لئلا يفروا [فَتيمَّنَ المسلمون بذلك وقالوا هذا طائر مشؤوم قيدوا نفوسهم بالحديد] وكان هرمز - هذا - من أخْبَثِ النّاسِ طويَّةً وأشدِّهم كُفْرًا، وكان شريفًا في الفرس، وكان الرجل كلما ازداد شرفًا زاد في حليته، فكانت قلنسوة هرمز بمئة ألفٍ، وقدم خالد بمن معه من الجيش وهم ثمانية عشر ألفًا فنزل تجاههم على غير ماءً فشكى [إليه] أصحابُه ذلك فقال: جالدوهم حتى تجلوهم عن الماء، فإن الله جاعل [الماء] لأصبر الطائفتين. فلما استقرَّ بالمسلمين المنزلُ وهم ركبان على خيولهم، بعث الله سحابةَ فأمطرتهم حتى صار (٣) لهم غدران من ماءٍ. فقوي المسلمون بذلك، وفرحوا فرحًا شديدًا، فلما تواجه الصفان وتقابل (٤) الفريقان، ترجَّلَ هرمزُ ودعا إلى البراز، فترجَّل خالدٌ وتقدَّم إلى هرمز، فاختلفا (٥) ضربتين وأحتضنهُ خالدٌ، وجاءت حاميةُ هرمز فما شغله عن قتله، وحمل القعقاع بن عمرو (٦) على حامية هرمز فأناموهم (٧)، وانهزم أهل فارس وركب المسلمون أكتافهم إلى الليل واستحوذ (المسلمون و) خالد على أمتعتهم وسلاحهم فبلغ وقر ألف بعير، وسميت هذه الغزوة ذات السلاسل لكثرة من سلسل بها من فرسان فارس [ومنعتهم السلاسل من الهزيمة وقتل منهم ثلاثين ألفًا سوى من غرق وبعث بالسلاسل إلى الصّدّيق] (وأفلت قباذ وأنوشجان). ولما رجع الطلب نادى منادي خالد بالرحيل، فسار بالناس وتبعته الأثقالُ حتى نزلَ بموضع الجسر الأعظم من البصرة اليوم، وبعث بالفتح والبشارة والخمس، مع زِرّ (٨) بن كُلَيْب، إلى الصدّيق، وبعث معه بفيل، فلما رآه نسوةُ أهل المدينة جعلن يقلن: أمنْ خَلْقِ الله هذا أم شيءٌ مصنوعٌ؟ فردَّه الصديق مع زرٍّ، وبعث أبو بكر لمّا بلغه الخبرُ إلى خالد، فنفله سلبَ هرمز، وكانت قلنسوته بمئة ألف، (وكانت) مُرَصَّعةً بالجوهر، وبعث خالدٌ الأمراءَ يمينًا وشمالًا يحاصرون حَصُونًا هنالك ففتحوها عنوةً وصلحًا، وأخذوا منها أموالًا جمةً، ولم يكن خالدٌ يتعرَّضُ للفلاحين - من لم يقاتل منهم - ولا لأولادهم (٩) بل للمقاتلة من أهل فارس.

стр. 3212

[وقعة المذار] ثم كانت وقعة المذار (١) في صفر من هذه السنة. ويقال لها: وقعة الثني، وهو النهر، قال ابن جرير (٢): ويومئذ (قال الناس): صفر الأصفار، فيه يقتل كل جبار، على مجمع الأنهار. وكان سببها أنّ هرمز (٣) كان قد كتب إلى أردشير وشيرَى بقدومِ خالدٍ نحوهُ من اليمامة، فبعث إليه كسرى بمدد معِ أمير يقال له: قارن (٤) بن قريانس، فلم يصل إلى هرمز حتى كان من أمره مع خالد ما تقدم، وفرَّ منْ فرَّ من الفرس، فتلقّاهم قارن، فالتفوا عليه فتذامروا (٥) واتفقوا على العود إلى خالد، فساروا إلى موضع يقال له: المذار، وعلى مجنبتي قارن قباذ وأنوشجان (٦)، فلما انتهى الخبر إلى خالد، قسم ما كان معه من أربعة أخماس غنيمة يوم ذات السلاسل، وأرسل إلى الصديق بخبره مع الوليد بن عقبة، وسار خالدٌ بمنْ معه من الجيوش حتى نزَلَ على المَذار، وهو على تعبئته، فاقتتلوا قتال حنتي وحفيظةٍ، وخرج قارن يدعو إلى البراز فبرز إليه خالد وابتدره الشجعان من الأمراء، فقتل معقل بن الأعشى بن النباش (٧) قارنًا، وقتل عديُّ بن حاتم قباذ، وقتل عاصم أنوشجان، وفرت الفرس وركبهم المسلمون في ظهورهم فقتلوا منهم يومئذ ثلاثين ألفًا وغرق كثير منهم في الأنهار والمياه، وأقام خالد بالمذار وسلّم الأسلابَ إلى من قتل، وكان (قارن) قد انتهى شرفه في أبناء فارس. وجمع بقية الغنيمة وخَمَّسها، وبعث بالخمس والفتح والبشارة إلى الصّدّيق مع سعيد بن النعمان، أخي بني عدي بن كعب، وأقام خالد هناك حتى قسم أربعة الأخماس وسبَى ذراري مَنْ حضره من المقاتلة، دون الفلاحين فإنّه أقرَّهُمْ بالجزية، وكان في هذا السبي حبيب أبو الحسن البصري، وكان نصرانيًا، ومافنَّة مولى عثمان، وأبو زياد مولى المغيرة بن شعبة. ثم أمرّ على الجند سعيدَ بن النعمان وعلى الجزية سويدَ بن مُقَرِّن، وأمره أن ينزل الحفير، ليجبي إليه الأموال وأقام خالد يتحسس الأخبار عن الأعداء.

стр. 3213

[ذكر وقعة الولجة] ثم كان أمر الولجة (١) في صفر أيضًا من هذه السنة، فيما ذكره ابن جرير (٢) وذلك لأنه لما انتهى الخبر بما كان بالمذار (٣) من قتل قارن وأصحابه إلى أردشير وهو ملك الفرس يومئذ، بعث أميرًا شجاعًا يقال له الأنذر زغر (٤)، وكان من أبناء السواد، ولد بالمدائن، ونشأ بها وأمده بجيشٍ آخر مع أمير يقال له بهمن جاذَوَيه، فساروا حتى بلغوا مكانًا يقال له: الولجة [وهي مما يلي كَسْكَر عن ناحية البر]، فسمع بهم خالد، فسار بمنْ معه من الجنود ووصَّى من استخلفه هناك بالحَذَر وقلَّة الغفلة، فنازل أنذر زغر ومن ناشب معه، واجتمع عنده بالولجة، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، هو أشدّ مما قبله، حتى ظن الفريقان أن الصبر قد فرغ، واستبطأ كمينه الذي كان قد أرصدهم وراءه في موضعين، فما كان إلا يسيرًا حتى خرج الكمينان من هاهنا ومن هاهنا، ففرَّت صفوف الأعاجم فأخذهم خالدٌ من أمامهم والكمينان من ورائهم، فلم يعرف رجل منهم مقتل (٥) صاحبه، وهرب الأنذر زغر من الوقعة فمات عطشًا [وقتل منهم سبعون ألفًا]، وقام خالدٌ في الناس خطيبًا فرغَّبهم في بلاد الأعاجم وزهَّدَهم في بلاد العرب، وقال: ألا تَرَون ما هاهنا من الأطعمات؟ وتالله (٦) لو لم يلزمنا الجهاد في سبيل الله والدعاء إلى الإسلام ولم يكن [إلا] المعاش لكان الرأي أن نقاتل على هذا الريف حتى نكون أولى به، ونولي الجوع والإقلال من تولاه ممَّنِ اثّاقَل (٧) عما أنتم عليه. ثم خمَّس الغنيمة، وقسم أربعة أخماسها بين الغانمين، وبعثَ الخُمس إلى الصديق، وأسر من أسر من ذراري المقاتلة، وأقرَّ الفلاحين بالجزية. وقال سيف بن عمر (٨): عن عمرو، عن الشعبي، قال: بارز خالدٌ يوم الولجة رجلًا من الأعاجم يُعْدَلُ بألف (٩) رجلٍ فقتله، ثم اتكأ عليه وأُتِيَ بغدائه فأكله وهو مُتَّكئٌ عليه بين الصَّفَّيْن.

стр. 3214

[وقعة أُلَّيْس] (١) ثم كانت وقعة أُلَّيس في صفر أيضًا وذلك أن خالدًا كان قد قتل يوم الولجة طائفةً من بكر بن وائل، من نصارى العرب ممَّنْ كانَ مع الفرس، فاجتمعَ عشائرهم وأشدهم حنقًا عبد الأسود (٢) العجلي، وكان قد قُتل له ابنٌ بالأمس، فكاتبوا الأعاجمَ فأرسلَ إليهم أردشير جيشًا [مددا]، فاجتمعوا بمكان يقال (له): أُلَّيس، فبينما هم قد نصبوا لهم سماطًا (فيه طعام يريدون أكله)، إذ غافلهم خالد بجيشه فلما رأوه أشار من أشار منهم بأكل الطعام وعدم الاعتناء بخالد، وقال أمير كسرى [واسمه جابان]: بل ننهض إليه، فلم يسمعوا منه. فلما نزل خالد تقدم بين يدي جيشه، ونادى بأعلى صوته لشجعان (٣) من هنالك من الأعراب: أين فلان، أين فلان؟ فكلهم تلكؤوا عنه إلا رجلًا يقال له مالك بن قيس، من بني جذرة، فإنه برز إليه، فقال (له) خالد: يا بن الخبيثة (٤)، ما جرَّأك عليَّ من بينهم وليس فيك وفاء؟ فضربه (٥) فقتله. ونفرت الأعاجمُ عن الطعام، (وقاموا إلى السلاح)، فاقتتلوا قتالًا شديدًا جدًّا، والمشركون يرقبون قدوم بهمن مددًا من جهة الملك إليهم، فهم في قوة وشدة وكلب في القتال. وصبر المسلمون صبرًا بليغًا، وقال خالد: اللهم لك عليَّ إن منحتنا أكتافهم أن لا أستبقي منهم أحدًا (أقدر) عليه حتى أجري نهرهم بدمائهم. ثم إن الله منحَ المسلمين أكتافهم فنادى منادي خالد: الأسرَ، الأسرَ، لا تقتلوا إلا من امتنع من الأسر، فأقبلتِ الخيولُ بهم أفواجًا يساقون (سوقًا)، وقد وكل بهم رجالًا يضربون أعناقهم في النهر، ففعل ذلك بهم يومًا وليلة وتطلبهم (٦) في الغد ومن بعد الغد، وكلَّما حضر منهم أحدٌ ضُربت عنقه في النهر، وقد صرف ماء النهر، إلى موضعٍ آخر فقال له بعض الأمراء: إنّ النهر لا يجري بدمائهم حتى ترسل الماء على الدم فيجري معه فتبرَّ بيمينك، فأرسله فسال النهر دمًا عبيطًا، فلذلك سمي نهر الدم إلى اليوم، فدارت الطواحين بذلك الماء المختلط بالدم العبيط ما كفى العسكر بكماله ثلاثة أيام، وبلغ عدد القتلى سبعين ألفًا، [وقيل مئة وخمسين ألفًا]، ولما هزم خالد الجيش ورجع مَنْ رجع من الناس، عدل خالد إلى الطعام الذي كانوا قد وضعوه ليأكلوه فقال للمسلمين: هذا نفل فانزلوا فكلوا، فنزل الناس فأكلوا عشاءً. وقد جعل الأعاجم على طعامهم مرققًا (٧) كثيرًا فجعل من يراه من أهل البادية من الأعراب يقولون: ما هذه الرقع؟ يحسبونها ثيابًا، فيقول لهم من يعرف ذلك من

стр. 3215

(أهل) الأرياف والمدن: أما سمعتم برقيق (١) العيش؟ قالوا: بلى، قالوا: فهذا رقيق العيش، فسموه يومئذ رقاقًا، وإنما كانت (العرب تسميه القرى) (٢). وقد قال سيف بن عمر (٣): عن عمرو بن محمد، عن الشعبي، عمن حدث عن خالد: أن رسولَ الله ﷺ نفل الناسَ يومَ خيبرَ الخبز والطبيخ (٤) والشواء وما أكلوا غير ذلك غير متأثليه (٥). وكان كل (٦) من قُتل بهذه الوقعة يوم ألَّيْس من بلدة يقال لها أمْغيشيا (٧)، فعدل، إليها خالد وأمر بخرابها، واستولى على ما بها، فوجدوا بها مغنمًا عظيمًا، فقسم بين الغانمين فأصاب الفارس بعد النفل ألفًا وخمسمئة غير ما تهيأ (له) مما قبله. وبعث خالد إلى الصديق بالبشارة والفتح والخُمس من الأموال والسبي مع رجل يقال له جندل من بني عجل، وكان دليلًا صارمًا، فلما بلغ الصدّيق الرسالة وأدى الأمانة، أثنى عليه وأجازه جارية من السبي، وقال الصدِّيق: يا معشر قريش إن أسدكم قد عدا على الأسد (فغلبه على خراديله) (٨)، عجزتِ النساءُ أن يلدنَ مثلَ خالد بن الوليد، [وقد صدق الصدِّيق ﵁]. ثم جرت أمورٌ طويلةٌ لخالد في أماكن متعددة يملُّ سماعها، وهو مع ذلك لا يكلّ ولا يملّ ولا يهن ولا يحزن، بل كلما له في قوةٍ وصرامةٍ وشدةٍ وشهامةٍ، ومثل هذا إنما خلفه الله عزًا للإسلام وأهله، وذلًا للكفر وشتات شمله. فصل ثم سار خالدٌ فنزل الخَوَرْنق والسَّدير (٩) بالنجف وبثَّ سراياه هاهنا وهاهنا، يحاصرون الحصون من

стр. 3216

الحيرة ويسنزلون (١) أهلها قسرًا وقهرًا، وصلحًا ويسرًا، وكان في جملة من (٢) نزل بالصلح قوم من نصارى العرب فيهم ابن بُقَيْلة المتقدم ذكره، وكتب لأهل الحيرة كتابَ أمان، فكان (٣) الذي راوده عليه عمرو بن عبد المسيح بن بُقيلة (٤) ووجد خالد معه كيسًا، فقال: ما في هذا؟ - وفتحه خالد فوجد فيه شيئًا - فقال ابن بقيلة: هو سمُّ ساعة، فقال: ولم استصحبته معك؟ فقال حتى إذا رأيت مكروهًا في قومي أكلته فالموت أحب إليَّ من ذلك، فأخذه خالد في يده وقال: إنه لن تموت نفس حتى تأتي على أجلها، ثم قال: بسم الله خير الأسماء، رب الأرض والسماء، الذي ليس يضرُ مع اسمه داء، الرحمن الرحيم، قال: وأهوى إليه الأمراء ليمنعوه منه فبادرهم فابتلعه، فلما رأى ذلك ابن بُقَيْلة قال: والله يا معشر (٥) العرب لتملكن ما أردتم ما دام منكم أحد، ثم التفت إلى أهل الحيرة فقال: لم أر كاليوم أوضح إقبالًا من هذا، ثم دعاهم وسألوا خالدًا الصلحَ فصالحهم وكتب لهم كتابًا بالصلح، وأخذ منهم أربعمئة (ألف) درهم عاجلة، ولم يكن صالحهم حتى سلموا كرامة بنت عبد المسيح إلى رجل من الصحابة يقال له شويل (٦)، وذلك أنه لما ذكر رسول الله ﷺ قصور الحيرة كأن شُرُفها أنياب الكلاب فقال له: يا رسولَ الله هَبْ لي ابنةَ بُقَيْلة، فقال: "هي لك" فلما فُتحت ادَّعاها شويل وشهد له اثنان من الصحابة، فامتنعوا من تسليمها إليه وقالوا: ما تريدُ إلى امرأةٍ ابنةِ ثمانين سنة؟ فقالت لقومها: ادفعوني إليه فإني سأفتدي منه، وإنه (٧) قد رآني وأنا شابة، فسُلمت إليه فلما خلا بها قالت: ما تريد إلى امرأة بنت ثمانين سنة؟ وأنا أفتدي منك فاحكم بما أردتَ، فقال: والله لا أفديك بأقلّ من عشر مئة فاستكثرتها خديعة منها، ثم أتت قومها فاحضروا له (٨) ألف درهم، ولامه الناس وقالوا: لو طلبتَ أكثر من مئة ألف لدفعوها إليك، قال: وهل عددٌ أكثر من عشر مئة؟ وذهب إلى خالد وقال (٩): إنما أردتُ أكثرَ العدد، فقال خالد: أردتَ أمرًا وأراد اللهُ غيره، وإنا نحكم بظاهر قولك، ونيتُك عند الله، كاذبًا أنت أم صادقًا (١٠).

стр. 3217

وقال سيف بن عمر (١): عن عمرو بن محمد، عن الشعبي: لما افتتح خالدٌ الحيرةَ صلَّى ثماني ركعات بتسليمةٍ واحدةٍ. وقد قال عمرو بن القعقاع في هذه الأيام ومن قتل من المسلمين بها وأيام الردة (٢): [من الطويل] سقى الله قَتلى بالفُراتِ (٣) مُقيمةً … وأُخرى بأثَباجِ النِّجافِ الكوانِفِ وَنحنُ وَطئنا بالكواظِمِ هرمزًا … وَبالثني قَرْني قارنٍ بالجوارفِ وَيَومَ أحَطنا بالقُصور تَتابعتْ … على الحيرة الروحاءِ إحدى المصارف حَططناهمُ منْها (٤) وقد كان عرشُهُم … يميل بهمْ فِعْلَ الجَبانِ (٥) المُخالفِ رمينا عليهم بالقبولِ وقد رأوا … غَبوقَ المنايا حولَ تِلكَ المحارِف (٦) صبيحةَ قالوا نَحْنُ قَوْمٌ تنزَّلوا … إلى الرِّيف من أرض العريبِ المَقانِفَ وقد قدم جرير بن عبد الله البجلي على خالد بن الوليد (٧) وهو بالحيرة بعد الوقعات المتعددة، والغنائم المتقدم ذكرها، ولم يحضر شيئًا منها، وذلك لأنه كان قد بعثه الصديق مع خالد بن سعيد بن العاص إلى الشام، فاستأذن خالد بن سعيد في الرجوع إلى الصديق ليجمع له قومه من بجيلة فيكونوا معا (٨)، فلما قدم على الصديق فسأله (ذلك) غضب الصديق وقال: أتيتني لتشغلني عما هو أرضى لله من الذي تدعوني إليه، ثم سيره (الصديق) إلى خالد بن الوليد بالعراق. قال سيف بأسانيده: ثم جاء ابن صلوبا فصالح خالدًا على بانِقْيا وبرسوما (٩) وما حول ذلك على عشرة آلاف دينار، وجاءه دهاقين تلك البلاد فصالحوه (١٠) على بلدانهم وأهاليهم كما صالح أهل الحيرة (١١). واتفق في تلك الأيام التي كان [خالد] قد تمكن بأطراف العراق واستحوذ على الحيرة وتلك

стр. 3218

البلدان (١) وأوقع بأهل أُلَّيس والثني وما بعدها بفارس ومن ناشب معهم ما أوقع من القتل الفظيع في فرسانهم، أن عدت فارس على ملكهم الأكبر أردشير وابنه شيرين فقتلوهما وقتلوا كل من ينسب (٢) إليهما، ويقيت الفرس حائرين لمن يولُّوه أمرهم، واختلفوا فيما بينهم، غير أنَّهم قد جَهَّزوا جُيوشًا تكونُ حائلةَ بين خالدٍ ويين المدائن التي فيها إيوانُ كسرى وسرير مملكته، فحينئذ كتبَ خالدٌ إلى من هنالك من المرازبة والأمراءِ والدولة يدعوهم إلى اللهِ وإلى الدخولِ إلى دينِ الإسلام ليُثبتَ ملكَهُم عليهم، وإلا فليدفعوا الجزيةَ وإلا فليعلموا وليستعدّوا لقدومه علمهم بقومٍ يُحبُّون الموتَ كما يحبُّونَ [هم] الحياةَ، فجعلوا يُعْجبون من جرأةِ خالدٍ وشجاعته، ويسخرونَ من ذلك لحماقتهم ورعوننهم في أنفسهم، وقد أقامَ خالدٌ هنالك بعد صلحِ الحيرةِ سنةً يتردَّدُ في بلادِ فارس هاهنا وهاهنا، ويوقعُ بأهلها من البأس الشديد، والسطوةِ الباهرةِ، ما يُبْهوُ الأبصارَ لمن ضعاهدَ ذلك ويُشنّفُ أسماعَ منْ بَلغه ذلك ويحيِّر العقولَ لمن تدبَّرهُ. فَتْحُ خالدٍ للأنبار، وتُسمى هذه الغزوة ذات العيون ركبَ خالدٌ في جيوشه، فسارَ حتى انتهى إلى الأنْبار، وعليها رجلٌ من أعقل الفُرْس وأسودهم في أنفسهم، يقال له شيرزاذ، فأحاط بها خالدٌ وعليها خندق وحولهُ أعرابٌ من قومهم على دينهم، واجتمعَ معهم أهلُ أرضهم، فمانَعوا خالدًا أن يصلَ إلى الخندقِ فضربَ معهم رأسًا، ولما تواجَهَ الفريقانِ أمرَ خالدٌ أصحابَه فرشقوهم بالنبال حتى فقؤوا (٣) منهم ألف عين، فتصايحَ الناسُ: ذهبت عيونُ أهلِ الأنبارِ، وسُمِّيت هذه الغزوةُ ذات العيون، فراسلَ شيرزاذ خالدًا في الصُّلْح، فاشترطَ خالد (٤) أمورًا امتنع شيرزاذ من قبولها، فتقدم خالد إلى الخندق فاستدعى برذايا (٥) الأموال من الإبل فذبحها حتى ردم الخندق بها وجاز هو وأصحابه فوقها، فلما رأى شيرزاذ ذلك أجاب إلى الصلح على الشروط التي اشترطها خالد، وسأله أن لرده إلى مامنه فوفّى له خالد بذلك، وخرج شيرزاذ من الأنبار وتسلمها خالد، فنزلها واطمأن بها، وتعلَّم الصحابة ممن بها من العرب الكتابة العربية، وكان هؤلاء (٦) العرب قد تعلموها من عرب قبلهم وهم بنو إياد، كانوا بها في زمان بختنصر حين أباح العراق للعرب، وأنشدوا خالدًا قول بعض إياد يمتدح قومه (٧): [من المنسرح]

стр. 3219

قَوْمي إيادٌ لوْ أنَّهُمْ أُممُ … أو لوْ أقاموا فتُهْزل (١) النَّعمُ قومٌ لهم باحةُ العِراقِ إذا … ساروا جميعًا واللَّوْحُ والقَلَم (٢) ثم صالح خالدٌ أهلَ البوازيج وكلْوَاذَى، قال (٣): ثم نَقض أهلُ الأنبارِ ومنْ حَوْلَهم عهدَهم لمّا اضطربَتْ بعض الأحوال، ولم يبق على عهده سوى البوازيج وبانقْيا. قال سيف [بن عمر] (٤) عن عبد العزيز بن شاه، عن حبيب بن أبي ثابت قال: ليس لأحد من أهل السواد عهدٌ قبلَ الوقعة، إلا بني صلوبا. - وهم أهل الحيرة - وكَلْواذى وقرى من قُرى الفرات، غَدَروا حتى دَعوا إلى الذمة بعدما غادروا. وقال سيف (٥) عن محمد بن قيس: قلت للشَّعبي: أُخذ السَّواد عنوة [قال: نعم] وكل أرضٍ إلا بعض القلاع والحصون فإن بعضهم صالح وبعضهم غالب. قلت: فهل لأهل السَّواد ذمَّةٌ اعتقدوها قبل الحرب (٦)؟ قال: لا، ولكنهم لما دُعوا ورضوا بالخراج وأُخذ منهم (صاروا ذمَّة). وقعة عين التمر لما استقرّ (٧) خالدٌ بالأنبار استنابَ عليها الزّبْرِقانَ بن بَدْرٍ، وقصدَ عينَ التَّمْر وبها يومئذ مِهران بن بهرام (جُوبين) في جمعٍ عظيمٍ من العرب، وحولهم من الأعراب طوائفُ من النَّمر (٨) وتغلب وإياد ومنْ لاقاهم وعليهم عَقَّة (٩) بن أبي عقَّة، فلما دنا خالد قال عقة لمهران: إن العربَ أعلمُ بقتالِ العرب، فدعنا وخالدًا، فقال له: دونكم وإياهم، وإن احتجتم إلينا أعَنَّاكُم، فلامتِ العجمُ أميرَهم على هذا، فقال: دعوهم فإن غلبوا خالدًا فهو لكم (١٠)، وإن غُلبوا قاتلنا خالدًا، وفد ضعفوا ونحن أقوياء، فاعترفوا له بفضل الرأي عليهم.

стр. 3220

وسار خالد وتلقاه عقّة فلما تواجهوا قال خالد لمَجْنَبَتيْهِ: احفظوا مكانَكم فإني حامل، وأمرَ حماتَه أن يكونوا من ورائه، وحمل على عقّة وهو يسوّي الصفوف فاحتضنه وأسره وانهزم جيش عقّة من غير قتال فأكثروا (١) فيهم الأسْرَ، وقصدَ خالدٌ حصنَ عَيْنِ التَّمْرِ، فلما بلغَ مهرانَ هزيمةُ عقة وجيشه، نزلَ من الحصن وهربَ وتركه، ورجعتْ فُلَّالُ (٢) نصارى الأعراب إلى الحصن فوجدوه مفتوحًا فدخلوه واحتَموْا به، فجاء خالدٌ وأحاط بهم وحاصرهم أشدَّ الحصار، فلما رأوا ذلك سألوه الصلح فأبى إلا أن ينزلوا على حكم خالد، فنزلوا على حكمه فجعلوا في السلاسل وتسلم الحصن ثم أمر فضربت عنق عقة (٣) ومن كان أُسر معه والذين نزلوا على حكمه أيضًا أجمعين. وغنم جميع ما [كان] في ذلك الحصن، ووجد في الكنيسة التي به أربعين غلامًا يتعلمون الإنجيل وعليهم بابٌ مغلقٌ، فكسره خالد وفرَّقهم في الأمراء وأهل الغناء، وكان [فيهم] حمران صار إلى عثمان بن عفان من الخمس، ومنهم سيرين والد محمد بن سيرين أخذه أنس بن مالك. وجماعة آخرون من الموالي المشاهير، أراد بهم وبذراريهم خيرًا. ولما قدم الوليد بن عقبة على الصدّيق بالخُمس ردَّه الصديق إلى عياض بن غنم مددًا له وهو محاصرٌ دومةَ الجندلِ، فلما قدم عليه وجده في ناحية (من) العراق يُحاصر قومًا، وهم قد أخذوا عليه الطرقَ فهو محصور أيضًا، فقال عياض للوليد: إن بعض الرأي خير من جيش كثيف، ماذا ترى فيما نحن فيه؟ فقال له الوليد: اكتب إلى خالد يمدك بجيش من عنده، فكتب إليه يستمده فقدم كتابه على خالد عقب وقعة عين التمر وهو يستغيث به، فكتب إليه: من خالد [بن الوليد] إلى عياض، (إياك) أريد (٤): [من الرجز] لَبِّثْ قليلًا تأتِكَ الحلائبُ (٥) … يَحملنَ آسادًا عليها القاشب (٦) كتائب تتبعها كتائب

стр. 3221

خبرُ دُوْمَة (١) الجَنْدَل لما فرغَ خالدٌ من عَيْنِ التَّمْر قصدَ إلى دومة الجندل، واستخلفَ على عين التمر عويمر (بن) الكاهن (٢) الأسلمي، فلما سمع أهل دومة الجندل بمسيره إليهم، بعثوا إلى أحزابهم من بهراء وتنوخ وكلب (٣) وغسان والضجاعم، فأقبلوا إليهم وعلى غسان وتنوخ ابن الأيهم، وعلى الضجاعم اين الحدرجان، وجماعُ الناس بدومة إلى رجلين أُكيدر بن عبد الملك، والجودي بن ربيعة، فاختلفا، فقال أُكيدر: أنا أعلم الناس بخالد، لا أحد أيمن طائرًا منه في حرب، ولا أحدُّ منه، ولا يرى وجه خالد قوم أبدًا، قلوا أم كثروا إلا انهزموا عنه، فأطيعوني وصالحوا القومَ، فأبَوْا عليه، فقال: لن أمالئكم على حرب خالد وفارقهم، فبعث إليه خالد عاصم بن عمرو فعارضه فأخذه، فلما أتى به خالدًا أمر فضربت عنقه وأخذ ما كان معه، ثم تواجه خالد وأهل دومة الجندل وعليهم الجودي بن ربيعة، وكلُّ قبيلةٍ مع أميرها من الأعراب، وجعل خالدٌ دومةَ بينه وبين جيش عياض بن غنم، وافترق جيش الأعراب فرقتين، فرقة نحو خالد، وفرقة نحو عياض، حمل خالد على من قبله، وحمل عياض على أولئك، فأسرَ خالدٌ الجودي، وأسرَ الأقرع (بن حابس) وديعة، وفرت الأعراب إلى الحصن فملؤوه وبقي منهم خلق ضاق عنهم، فعطفت بنو تميم على منْ هو خارج الحصن (فأعطوهم ميرة فنجا بعضُم، وجاءَ خالدٌ فضربَ أعناقَ منْ وجده خارج الحصن)، وأمر بضرب عنقِ الجودي ومنْ كان معه من الأسارى (٤)، إلا أسارى بني كلب، فإنَّ عاصمَ بن عمرو والأقرع بن حابسٍ، وبني تميم أجاروهم، فقال لهم خالد: ما لي وما لكم أتحفظون أمرَ الجاهلية وتضيِّعونَ أمرَ الإسلام؟ فقال له عاصمُ بن عمرو: أتحسدونهم العافية وتحوذونهم الشيطان (٥)، ثم أطاف خالد بالباب فلم يزل عنه حتى اقتلعه، واقتحموا الحصن فقتلوا منْ فيه من المُقاتلة، وسَبَوا الذَّراري فبايعوهم بينهم فيمن يزيد، واشترى خالدٌ (يومئذ) ابنةَ الجودي، وكانت موصوفةً بالجمال، وأقام بدومة الجندل وردّ الأقرع إلى الأنبار، ثم رجع خالد إلى الحيرة، فتلقاه أهلها من أهل الأرض بالتقليس (٦)، فسمع رجلًا منهم يقول لصاحبه: مُرَّ بنا فهذا يومُ فَرَحِ الشَّرِّ (٧).

стр. 3222

خبر وقعتي الحُصَيْد (١) والمُصَبَّخ (٢) قال سيف (٣): عن محمد وطلحة والمهلب قالوا: وكان خالد أقام بدُومة الجَنْدل، فظنَّ الأعاجم به وكاتبوا عرب الجزيرة فاجتمعوا لحربه، وقصدوا الأنبار يريدون انتزاعها من الزِّبرقان، وهو نائب خالدٍ عليها، فلما بلغ ذلك الزِّبرقان كتب إلى القعقاع بن عمرو نائب خالد على الحيرة، فبعث (٤) القعقاع اْعْبَدَ بن فَدكي (٥) السَّعديّ، وأمره بالحُصَيْد، وبعث عُروة بن أبي الجعد البارقي وأمره بالخَنافس، ورجع خالد من دومة إلى الحيرة وهو عازم على مصادمة أهل المدائن محلة كسرى، لكنه يكره أن يفعل ذلك بغير إذن أبي بكر الصديق، وشغله ما قد اجتمع من جيوش الأعاجم مع نصارى الأعراب يريدون حربه، فبعث القعقاع بن عمرو أميرًا على الناس، فالتقوا بمكان يقال له الحُصَيْد، وعلى العجم رجل منهم يقال له روزبه، وأمده أمير آخر يقال له زَرْمهر (٦)، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وهزم المشركون، فقتل منهم المسلمون خلقًا كثيرًا، وقتل القعقاع (بيده) زرمهر، وقتل رجل يقال له عصمة بن عبد الله الضبي روزبه (٧). وغنم المسلمون شيئًا كثيرًا، وهرب من هرب من العجم، فلجؤوا إلى مكان يقال له خنافس، فسار إليهم أبو ليلى (بن) فدكي السعدي، فلما أحسوا بذلك ساروا إلى المُصَيَّخ، فلما استقروا بها بمنْ معهم من الأعاجم والأعراب قصدهم خالد بن الوليد بمن معه من الجنود، وقسم الجيش ثلاث فرق، وأغار عليهم ليلًا وهم نائمون فأنامهم (٨)، ولم يفلت منهم إلا اليسير فما شبهوا إلا بغنم مُصرَّعةٍ. وقد روى ابن جرير (٩) عن عدي بن حاتم قال: انتهينا في هذه الغارة إلى رجل يقال (له) حُرْقُوص بن النعمان النمري، وحوله بنوه وبناته وامرأته، وقد وضع لهم جفنة من خمر وهم يقولون: أحد يشرب هذه الساعة وهذه جيوش خالد قد أقبلت؟ فقال لهم: اشربوا شربَ وداعٍ فما أرى أن تشربوا خمرًا بعدها، فشربوا وجعل يقول (١٠): [من الطويل]

стр. 3223

ألا يا اسْقِياني (١) قبلَ نائِرة (٢) الفَجرِ (٣) … لعل مَنَايانا قريبٌ ولا نَدْري القصيدة إلى آخرها، قال: فهجم الناسُ عليه فضربَ رجلٌ رأسه فإذا هو في جفنته، وأخذت بنوه وبناته وامرأته. وقد قتل في هذه المعركة رجلان كانا قد أسلما ومعهما كتاب من الصدّيق بالأمان ولم يعلمِ بذلك المسلمون، وهما عبد العُزى بن أبي رُهم (٤) بن قِرْواش، قتله جرير بن عبد الله البجلي، والآخر لبيد بن جرير، قتله بعض المسلمين، فلما بلغ خبرهما الصّديق وداهما، وبعث بالوصاة بأولادهما، وتكلَّم عمر بن الخطاب في خالد بسببهما، كما تكلَّم فيه بسب مالك بن نويرة، فقال له الصدِّيق: كذلك يلقى من يساكن أهل الحرب في ديارهم، أي الذنب لهما في مجاورتهما المشركين، وهذا كما في الحديث "أنا بريٌ من كُلِّ منْ ساكنَ المشركَ في داره" (٥) وفي الحديث الآخر (٦) "لا تراءى ناراهما" أي: لا يجتمع المسلمون والمشركون في محلة واحدة. ثم كانت وقعة الثَّنيّ (٧) والزُّمَيْل (٨) وقد بيتوهم فقتلوا منْ كان هنالك من الأعراب والأعاجم فلم يُفلت منهم أحد ولا انبعث بخبر (٩)، ثم بعث خالد بالخمس من الأموال والسبيِّ إلى الصدِّيق، وقد اشترى عليُّ بن أبي طالب من هذا السبيِّ جاريةً من العرب وهي ابنة ربيعة بن بُجَيْر التغلبي، فاستولدها عمر ورقية ﵃ (أجمعين).

стр. 3224

وقْعةُ الفِراض (١) ثم سار خالد بمن معه من المسلمين إلى الفِراض وهي تُخومُ الشّام والعراق والجزيرة، فأقام هنالك شهرَ رمضان مُفْطرًا لشُغله بالأعداء، ولما بلغ الرومَ أمرُ خالدٍ ومصيرُه إلى قرب بلادهم، حموا وغضبوا وجمعوا جموعًا كثيرة، واستمدوا تغلب وإياد والنَّمِر، ثم ناهدوا خالدًا فحالت الفرات بينهم فقالت الروم لخالد: اعبر إلينا، وقال خالد للروم: بل اعبروا أنتم، فعبرت الروم إليهم، وذلك للنصف من ذي القعدة سنة ثنتي عشرة، فاقتتلوا هنالك قتالًا عظيمًا بليغًا، ثم هزمَ الله جموعَ الروم وتمكَّن المسلمون من اقتفائهم فقتلَ في هذه المعركة مئة ألف، وأقام خالد بعد ذلك بالفراض عشرةَ أيام، ثم أذن بالقفول إلى الحيرة، لخمس بقين من ذي القعدة، وأمر عاصم بن عمرو أن يسير في المقدمة وأمر شجرة بن الأعز أن يسير في الساقة، (وأظهر خالد أنه يسير في الساقة)، وسار خالد في عدة من أصحابه وقصد شطر المسجد الحرام، وسار إلى مكة في طريقٍ لم يُسْلكْ قبله قطُّ، وتأتَّى له (٢) في ذلك أمر لم يقعْ لغيره، فجعلَ يسيرُ مُعْتَسِفًا (٣) على غير جادَّةٍ، حتى انتهى إلى مكة فأدرك الحج هذه السنة، ثم عاد فأدرك أمر الساقة قبل أن يصلوا إلى الحيرة، ولم يعلمْ أحدٌ بحجِّ خالدٍ هذه السنة إلا القليل من الناس ممَّنْ كانَ معه، ولم يعلم أبو بكر الصديق بذلك أيضًا إلا بعدما رجع أهل الحجّ من الموسم، فبعث يعتب عليه في مفارقته الجيش وكانت عقوبته عنده أن صرفه من غزو العراق إلى غزو الشام، وقال له فيما كتب إليه: يقول له: وإن الجموعَ لم تُشْجَ (٤) بعون الله شجيكَ فليهنئك أبا سليمان النية والحظوة، فأتممْ يُتمِّمِ الله لكَ، ولا يدخلنك عُجْبٌ فتخسر وتخذل، وإياك أن تُدلَّ بعمل فإنَّ اللهَ له المنُّ وهو وليّ الجزاء. ولما قرأ خالد الكتاب قال (٥): هذا من عمل الأعيسر - يعني عمر بن الخطاب - حَسَدني أن يكون فتح العراق على يدي. ولما انفصل خالد عن العراق استخلف عليه المثنى بن حارثة، ومعه من تخلف من الصحابة وغيرهم، فانحاز بهم المثنى نحو البريَّة فيما يلي الأنهار مخافة عليهم من الفرس حتى يأتيه المدد.

стр. 3225

فصل فيما كان من الحوادث في هذه السنة (١) فيها أمرَ الصديق زيدَ بن ثابتٍ أن يجمعَ القرآن من اللِّخاف (٢) والعُسُب وصدور الرجال، وذلك بعد ما استَحَرّ (٣) القتلُ في القُرّاء يوم اليمامة كما ثبت به الحديث في صحيح البخاري (٤). وفيها تزوج علي بن أبي طالب بأُمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ ، وهي من أبي العاص بن الربيع بن عبد شمس الأموي، وقد توفي أبوها في هذا العام، وهذه هي التي كان رسول الله ﷺ يحملها في الصلاة فيضعها إذا سجد ويرفعها إذا قام. وفيها تزوَّجَ عمر بن الخطاب عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نُفَيْل، وهي ابنة عمه، وكان لها محبًا وبها معجبًا، وكان لا يمنعها من الخروج إلى الصلاة ويكره خروجَها، فجلس لها ذات ليلة في الطريق في ظلمة، فلما مرَّتَ ضربَ بيده على عجزها، فرجعتْ إلى منزلها ولم تخرج بعد ذلك، وقد كانت قبله تحت [أخيه] زيد بن الخطاب، فيما قيل، فقتل عنها، وكانت قبل زيد تحت عبد الله بن أبي بكر (فقتل عنها)، ولما مات عمر تزوَّجها بعده الزبير، فلما قُتل خطبها علي بن أبي طالب فقالت: إني أرغب بك عن الموت، وامتنعت عن التزوج (٥) حتى ماتت. وفيها اشترى عمر مولاه أسلم، ثم صار منه أن كان أحد سادات التابعين، وابنه زيد بن أسلم أحد الثقات الرفعاء. وفيها حج بالناس أبو بكر الصديق ﵁، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان. رواه ابن إسحاق (٦)، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحُرقة، عن رجل من بني سهم، عن ابن ماجد (٧)، قال: حجَّ بنا أبو بكر في خلافته سنة ثنتي عشرة، فذكر حديثًا في القصاص من قطع الأذن، وأن عمر حكم في ذلك بأمر الصديق. قال ابن إسحاق: (وقال بعض الناس) لم يحجّ أبو بكر في خلافته، وأنه بعث على الموسم سنة ثنتي عشرة عمر بن الخطاب، أو عبد الرحمن بن عوف.
следующие страницы →