← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

خبرُ دُوْمَة (١) الجَنْدَل لما فرغَ خالدٌ من عَيْنِ التَّمْر قصدَ إلى دومة الجندل، واستخلفَ على عين التمر عويمر (بن) الكاهن (٢) الأسلمي، فلما سمع أهل دومة الجندل بمسيره إليهم، بعثوا إلى أحزابهم من بهراء وتنوخ وكلب (٣) وغسان والضجاعم، فأقبلوا إليهم وعلى غسان وتنوخ ابن الأيهم، وعلى الضجاعم اين الحدرجان، وجماعُ الناس بدومة إلى رجلين أُكيدر بن عبد الملك، والجودي بن ربيعة، فاختلفا، فقال أُكيدر: أنا أعلم الناس بخالد، لا أحد أيمن طائرًا منه في حرب، ولا أحدُّ منه، ولا يرى وجه خالد قوم أبدًا، قلوا أم كثروا إلا انهزموا عنه، فأطيعوني وصالحوا القومَ، فأبَوْا عليه، فقال: لن أمالئكم على حرب خالد وفارقهم، فبعث إليه خالد عاصم بن عمرو فعارضه فأخذه، فلما أتى به خالدًا أمر فضربت عنقه وأخذ ما كان معه، ثم تواجه خالد وأهل دومة الجندل وعليهم الجودي بن ربيعة، وكلُّ قبيلةٍ مع أميرها من الأعراب، وجعل خالدٌ دومةَ بينه وبين جيش عياض بن غنم، وافترق جيش الأعراب فرقتين، فرقة نحو خالد، وفرقة نحو عياض، حمل خالد على من قبله، وحمل عياض على أولئك، فأسرَ خالدٌ الجودي، وأسرَ الأقرع (بن حابس) وديعة، وفرت الأعراب إلى الحصن فملؤوه وبقي منهم خلق ضاق عنهم، فعطفت بنو تميم على منْ هو خارج الحصن (فأعطوهم ميرة فنجا بعضُم، وجاءَ خالدٌ فضربَ أعناقَ منْ وجده خارج الحصن)، وأمر بضرب عنقِ الجودي ومنْ كان معه من الأسارى (٤)، إلا أسارى بني كلب، فإنَّ عاصمَ بن عمرو والأقرع بن حابسٍ، وبني تميم أجاروهم، فقال لهم خالد: ما لي وما لكم أتحفظون أمرَ الجاهلية وتضيِّعونَ أمرَ الإسلام؟ فقال له عاصمُ بن عمرو: أتحسدونهم العافية وتحوذونهم الشيطان (٥)، ثم أطاف خالد بالباب فلم يزل عنه حتى اقتلعه، واقتحموا الحصن فقتلوا منْ فيه من المُقاتلة، وسَبَوا الذَّراري فبايعوهم بينهم فيمن يزيد، واشترى خالدٌ (يومئذ) ابنةَ الجودي، وكانت موصوفةً بالجمال، وأقام بدومة الجندل وردّ الأقرع إلى الأنبار، ثم رجع خالد إلى الحيرة، فتلقاه أهلها من أهل الأرض بالتقليس (٦)، فسمع رجلًا منهم يقول لصاحبه: مُرَّ بنا فهذا يومُ فَرَحِ الشَّرِّ (٧).

стр. 3222

خبر وقعتي الحُصَيْد (١) والمُصَبَّخ (٢) قال سيف (٣): عن محمد وطلحة والمهلب قالوا: وكان خالد أقام بدُومة الجَنْدل، فظنَّ الأعاجم به وكاتبوا عرب الجزيرة فاجتمعوا لحربه، وقصدوا الأنبار يريدون انتزاعها من الزِّبرقان، وهو نائب خالدٍ عليها، فلما بلغ ذلك الزِّبرقان كتب إلى القعقاع بن عمرو نائب خالد على الحيرة، فبعث (٤) القعقاع اْعْبَدَ بن فَدكي (٥) السَّعديّ، وأمره بالحُصَيْد، وبعث عُروة بن أبي الجعد البارقي وأمره بالخَنافس، ورجع خالد من دومة إلى الحيرة وهو عازم على مصادمة أهل المدائن محلة كسرى، لكنه يكره أن يفعل ذلك بغير إذن أبي بكر الصديق، وشغله ما قد اجتمع من جيوش الأعاجم مع نصارى الأعراب يريدون حربه، فبعث القعقاع بن عمرو أميرًا على الناس، فالتقوا بمكان يقال له الحُصَيْد، وعلى العجم رجل منهم يقال له روزبه، وأمده أمير آخر يقال له زَرْمهر (٦)، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وهزم المشركون، فقتل منهم المسلمون خلقًا كثيرًا، وقتل القعقاع (بيده) زرمهر، وقتل رجل يقال له عصمة بن عبد الله الضبي روزبه (٧). وغنم المسلمون شيئًا كثيرًا، وهرب من هرب من العجم، فلجؤوا إلى مكان يقال له خنافس، فسار إليهم أبو ليلى (بن) فدكي السعدي، فلما أحسوا بذلك ساروا إلى المُصَيَّخ، فلما استقروا بها بمنْ معهم من الأعاجم والأعراب قصدهم خالد بن الوليد بمن معه من الجنود، وقسم الجيش ثلاث فرق، وأغار عليهم ليلًا وهم نائمون فأنامهم (٨)، ولم يفلت منهم إلا اليسير فما شبهوا إلا بغنم مُصرَّعةٍ. وقد روى ابن جرير (٩) عن عدي بن حاتم قال: انتهينا في هذه الغارة إلى رجل يقال (له) حُرْقُوص بن النعمان النمري، وحوله بنوه وبناته وامرأته، وقد وضع لهم جفنة من خمر وهم يقولون: أحد يشرب هذه الساعة وهذه جيوش خالد قد أقبلت؟ فقال لهم: اشربوا شربَ وداعٍ فما أرى أن تشربوا خمرًا بعدها، فشربوا وجعل يقول (١٠): [من الطويل]

стр. 3223

ألا يا اسْقِياني (١) قبلَ نائِرة (٢) الفَجرِ (٣) … لعل مَنَايانا قريبٌ ولا نَدْري القصيدة إلى آخرها، قال: فهجم الناسُ عليه فضربَ رجلٌ رأسه فإذا هو في جفنته، وأخذت بنوه وبناته وامرأته. وقد قتل في هذه المعركة رجلان كانا قد أسلما ومعهما كتاب من الصدّيق بالأمان ولم يعلمِ بذلك المسلمون، وهما عبد العُزى بن أبي رُهم (٤) بن قِرْواش، قتله جرير بن عبد الله البجلي، والآخر لبيد بن جرير، قتله بعض المسلمين، فلما بلغ خبرهما الصّديق وداهما، وبعث بالوصاة بأولادهما، وتكلَّم عمر بن الخطاب في خالد بسببهما، كما تكلَّم فيه بسب مالك بن نويرة، فقال له الصدِّيق: كذلك يلقى من يساكن أهل الحرب في ديارهم، أي الذنب لهما في مجاورتهما المشركين، وهذا كما في الحديث "أنا بريٌ من كُلِّ منْ ساكنَ المشركَ في داره" (٥) وفي الحديث الآخر (٦) "لا تراءى ناراهما" أي: لا يجتمع المسلمون والمشركون في محلة واحدة. ثم كانت وقعة الثَّنيّ (٧) والزُّمَيْل (٨) وقد بيتوهم فقتلوا منْ كان هنالك من الأعراب والأعاجم فلم يُفلت منهم أحد ولا انبعث بخبر (٩)، ثم بعث خالد بالخمس من الأموال والسبيِّ إلى الصدِّيق، وقد اشترى عليُّ بن أبي طالب من هذا السبيِّ جاريةً من العرب وهي ابنة ربيعة بن بُجَيْر التغلبي، فاستولدها عمر ورقية ﵃ (أجمعين).

стр. 3224

وقْعةُ الفِراض (١) ثم سار خالد بمن معه من المسلمين إلى الفِراض وهي تُخومُ الشّام والعراق والجزيرة، فأقام هنالك شهرَ رمضان مُفْطرًا لشُغله بالأعداء، ولما بلغ الرومَ أمرُ خالدٍ ومصيرُه إلى قرب بلادهم، حموا وغضبوا وجمعوا جموعًا كثيرة، واستمدوا تغلب وإياد والنَّمِر، ثم ناهدوا خالدًا فحالت الفرات بينهم فقالت الروم لخالد: اعبر إلينا، وقال خالد للروم: بل اعبروا أنتم، فعبرت الروم إليهم، وذلك للنصف من ذي القعدة سنة ثنتي عشرة، فاقتتلوا هنالك قتالًا عظيمًا بليغًا، ثم هزمَ الله جموعَ الروم وتمكَّن المسلمون من اقتفائهم فقتلَ في هذه المعركة مئة ألف، وأقام خالد بعد ذلك بالفراض عشرةَ أيام، ثم أذن بالقفول إلى الحيرة، لخمس بقين من ذي القعدة، وأمر عاصم بن عمرو أن يسير في المقدمة وأمر شجرة بن الأعز أن يسير في الساقة، (وأظهر خالد أنه يسير في الساقة)، وسار خالد في عدة من أصحابه وقصد شطر المسجد الحرام، وسار إلى مكة في طريقٍ لم يُسْلكْ قبله قطُّ، وتأتَّى له (٢) في ذلك أمر لم يقعْ لغيره، فجعلَ يسيرُ مُعْتَسِفًا (٣) على غير جادَّةٍ، حتى انتهى إلى مكة فأدرك الحج هذه السنة، ثم عاد فأدرك أمر الساقة قبل أن يصلوا إلى الحيرة، ولم يعلمْ أحدٌ بحجِّ خالدٍ هذه السنة إلا القليل من الناس ممَّنْ كانَ معه، ولم يعلم أبو بكر الصديق بذلك أيضًا إلا بعدما رجع أهل الحجّ من الموسم، فبعث يعتب عليه في مفارقته الجيش وكانت عقوبته عنده أن صرفه من غزو العراق إلى غزو الشام، وقال له فيما كتب إليه: يقول له: وإن الجموعَ لم تُشْجَ (٤) بعون الله شجيكَ فليهنئك أبا سليمان النية والحظوة، فأتممْ يُتمِّمِ الله لكَ، ولا يدخلنك عُجْبٌ فتخسر وتخذل، وإياك أن تُدلَّ بعمل فإنَّ اللهَ له المنُّ وهو وليّ الجزاء. ولما قرأ خالد الكتاب قال (٥): هذا من عمل الأعيسر - يعني عمر بن الخطاب - حَسَدني أن يكون فتح العراق على يدي. ولما انفصل خالد عن العراق استخلف عليه المثنى بن حارثة، ومعه من تخلف من الصحابة وغيرهم، فانحاز بهم المثنى نحو البريَّة فيما يلي الأنهار مخافة عليهم من الفرس حتى يأتيه المدد.

стр. 3225

فصل فيما كان من الحوادث في هذه السنة (١) فيها أمرَ الصديق زيدَ بن ثابتٍ أن يجمعَ القرآن من اللِّخاف (٢) والعُسُب وصدور الرجال، وذلك بعد ما استَحَرّ (٣) القتلُ في القُرّاء يوم اليمامة كما ثبت به الحديث في صحيح البخاري (٤). وفيها تزوج علي بن أبي طالب بأُمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ ، وهي من أبي العاص بن الربيع بن عبد شمس الأموي، وقد توفي أبوها في هذا العام، وهذه هي التي كان رسول الله ﷺ يحملها في الصلاة فيضعها إذا سجد ويرفعها إذا قام. وفيها تزوَّجَ عمر بن الخطاب عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نُفَيْل، وهي ابنة عمه، وكان لها محبًا وبها معجبًا، وكان لا يمنعها من الخروج إلى الصلاة ويكره خروجَها، فجلس لها ذات ليلة في الطريق في ظلمة، فلما مرَّتَ ضربَ بيده على عجزها، فرجعتْ إلى منزلها ولم تخرج بعد ذلك، وقد كانت قبله تحت [أخيه] زيد بن الخطاب، فيما قيل، فقتل عنها، وكانت قبل زيد تحت عبد الله بن أبي بكر (فقتل عنها)، ولما مات عمر تزوَّجها بعده الزبير، فلما قُتل خطبها علي بن أبي طالب فقالت: إني أرغب بك عن الموت، وامتنعت عن التزوج (٥) حتى ماتت. وفيها اشترى عمر مولاه أسلم، ثم صار منه أن كان أحد سادات التابعين، وابنه زيد بن أسلم أحد الثقات الرفعاء. وفيها حج بالناس أبو بكر الصديق ﵁، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان. رواه ابن إسحاق (٦)، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحُرقة، عن رجل من بني سهم، عن ابن ماجد (٧)، قال: حجَّ بنا أبو بكر في خلافته سنة ثنتي عشرة، فذكر حديثًا في القصاص من قطع الأذن، وأن عمر حكم في ذلك بأمر الصديق. قال ابن إسحاق: (وقال بعض الناس) لم يحجّ أبو بكر في خلافته، وأنه بعث على الموسم سنة ثنتي عشرة عمر بن الخطاب، أو عبد الرحمن بن عوف.

стр. 3226

فصل فيمن توفي في هذه السنة قد قيل إن وقعةَ اليمامة وما بعدها (كانت) في سنة ثنتي عشرة، فليذكر هاهنا من تقدَّم ذكره في سنة إحدى عشرة من قتل باليمامة وما بعدها، ولكن المشهور ما ذكرناه. [وممن توفي في هذه السنة]: بشير بن سَعْد بن ثعلبة الخزرجي (١) والدُ النعمان بن بشير، شهد العقبةَ الثانيةَ، وبدرًا وما بعدها، ويقال: إنه أولُ من أسلم من الأنصار، وهو أول من بايعَ الصديقَ يومَ السقيفة من الأنصار، وشهدَ مع خالدٍ حروبه إلى أن قُتل بعين التمر ﵁، وروى له النسائي (٢) حديث النُّحْل. والصَّعْبُ بن جَثَّامة اللَّيْثي (٣) أخو مُحلِّم (٤) بن جَثَّامة، له عن رسول الله ﷺ أحاديث. قال أبو حاتم (٥): هاجر وكان ينزل ودَّان (٦) ومات في خلافة الصدِّيق. وأبو مَرْثَد الغَنوي (٧) واسمه كَنَّار (٨) بن الحصن (٩) - ويقال ابن حصين - بن يربوع بن (عمرو بن

стр. 3227

يربوع) بن خَرَشَة (١) بن سَعْدِ بن طَريف بن جِلَّان (٢) بن غَنْم بن غَني بن أعصر (٣) بن سَعْد بن قَيْس بن غيلان بن مُضَر بن نزار أبو مَرْثد الغَنوي، شهد هو وابنه مَرْثَد بدرًا، ولم يشهدها رجلٌ هو وابنه سواهما، واستُشهد ابنُه مَرْثَد يوم الرَّجيع كما تقدَّم، وابنُ ابنهِ أُنَيس بن مَرْثد بن أبي مَرْثد له صحبة أيضًا، شهد الفتح وحنينًا وكان عينَ رسول الله ﷺ يوم أوطاس، فهم ثلاثة نسقا، وقد كان أبو مرثد حليفًا للعباس بن عبد المطلب، ورُوي له عن النبي ﷺ حديثٌ واحدٌ أنه قال: "لا تُصلّوا إلى القبور، ولا تَجْلسُوا إليها" [رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من طريق واثلة بن الأسقع عنه] (٤). قال الواقدي: توفي سنة اثنتي عشرة، زاد غيره بالشام، وزاد غيره عن ست وستين سنة، وكان رجلًا طويلًا كثير الشعر. قلت: وفي قبلي دمشق قبر يعرف بقبر كثيرًا (٥)، والذي قرأته على قبره: هذا قبر كَنّاز بن الحصين صاحب رسول الله ﷺ ، ورأيت على ذلك المكان روحًا وجلالة، والعجب أن الحافظ ابن عساكر لم يذكره في تاريخ الشام، فالله أعلم. وممن توفي في هذه السنة: أبو العاص (٦) بن الرَّبيع بن عَبْدِ العُزَّى بن عَبْدِ شَمْسِ بن عَبْدِ مُنافِ بن قُصيّ القُرشي العَبْشمي: زوج أكبر بنات رسول الله ﷺ زينب، وكان مُحْسنًا إليها ومُحبًّا لها، ولما أمره المشركون بطلاقها (٧) حين بُعث رسول الله ﷺ أبى عليهم ذلك، وكان ابنَ أختِ خديجة بنت خويلد، واسم أُمه هالة، ويقال هند بنت خويلد، واختلف في اسمه فقيل (٨): (لقيط)، وهو الأشهر، وقيل: مِهْشَم (٩)، وقيل: هُشَيْم، وقد شهد بدرًا من ناحية الكفار فأسر: فجاء أخوه عمرو بن الربيع ليفاديه وأحضر معه في الفداء قلادةً كانت خديجة أخرجتها مع ابنتها زينب حين تزوج أبو العاص بها، فلما رآها رسولُ الله رقَّ رقةً شديدة وأطلقه بسببها، واشترط عليه أن يبعث له زينب إلى المدينة فوفَّى له بذلك، واستمرّ أبو العاص على كفره بمكةَ إلى قُبيل الفتح بقليل، فخرج في تجارةٍ لقريش فاعترضه زيدُ بن حارثة في سرية فقتلوا جماعة من أصحابه

стр. 3228

وغنموا العير، وفرَّ أبو العاص هاربًا إلى المدينة فاستجار بامرأته زينب فأجارته، فأجاز رسول الله جوارها، ورد عليه ما كانَ معه من أموالِ قريشٍ، فرجع بها أبو العاص إليهم، فرد كلَّ مالٍ إلى صاحبه، ثم تشهد شهادة الحق وهاجر إلى المدينة، ورد عليه رسول الله ﷺ زينب بالنكاح الأول، وكان بين فراقها له وبين اجتماعها (١) ست سنين، وذلك بعد سنتين من وقت تحريم المسلمات على المشركين في عمرة الحديبية، وقيل إنما ردَّها عليه بنكاح جديد، فالله أعلم. وقد ولد من زينب علي بن أبي العاص [وأمامة بنت أبي العاص]. وخرج مع عليٍّ إلى اليمن حين بعثه إليها رسولُ الله ﷺ وكان رسولُ الله ﷺ يثني عليه خيرًا في صهارته، ويقول: "حدَّثني فصدَقني وواعدني فوَفاني" (٢) وقد توفي في أيام الصديق سنة ثنتي عشرة. وفي هذه السنة تزوج عليُّ بن أبي طالب بابنته أمامة بنت أبي العاص، بعد وفاة خالتها فاطمة، وما أدري هل كان ذلك قبل وفاة أبي العاص أو بعده، فالله أعلم (٣). سنة ثلاث عشرة من الهجرة استُهلَّتْ هذه السنة والصدِّيقُ عازم على جمع الجنود ليبعثَهم إلى الشام، وذلك بعد مرجعه من الحج [وذلك] عملًا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣] وبقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية [التوبة: ٢٩]. واقتداءً برسول الله ﷺ فإنه جمعَ المسلمين لغزو الشّام - وذلك عام تبوكَ - حتّى وَصلها في حرٍّ شديد وجهد، فرجع عامَهُ ذلك، ثم بعثَ قبل موته أسامةَ بن زيدٍ مولاه ليغزوَ تخوم الشام كما تقدم. ولما فرع (٤) الصدِّيقُ من أمر جزيرة العرب بسط يمينَه إلى العراق، فبعث إليها خالد بن الوليد ثم أراد أن يبعث إلى الشام كما بعث إلى العراق، فشرع في جمع الأمراء في أماكنَ متفرقةٍ من جزيرة العرب. وكان قد استعمل عمرو بن العاص على صدقات قضاعة معه الوليدُ بن عقبة فيهم، فكتب إليه يستنفره إلى الشام (٥): إنّي كنتُ قد رددتكَ على العمل الذي ولَّاكهُ رسولُ الله ﷺ مرةً، وسمّاه لك أخرى، وقد أحببت - أبا عبد الله - أن أفرِّغك لما هو خيرٌ لك في حياتك ومعادك منه، إلا أن يكون الذي أنت فيه أحبّ إليك.

стр. 3229

فكتب إليه عمرو بن العاص: إنّي سهمٌ من سهام الإسلام، وأنت عبد (١) الله الرامي بها، والجامع لها، فانظرْ أشدَّها وأخشاها فارم (بي) فيها. وكتب إلى الوليد بن عقبة بمثل (٢) ذلك ورد عليه مثله، وأقبلا بعد ما استخلفا في عملهما، إلى المدينة. وقدم خالد بن سعيد بن العاص من اليمن، فدخل المدينةَ وعليه جبَّةُ ديباج، فلما رآها عمرُ عليه أمر من هناك من الناس بتحريقها (٣) عنه، فغضب خالد بن سعيد وقال لعلي بن أبي طالب: يا أبا الحسن! أغُلبْتُم يا بني عبد مناف عن الإمرة؟ فقال له علي: أمغالبة تراها أو خلافة؟ فقال لا يغالب (٤) على هذا الأمر أولى منكم، فقال له عمر بن الخطاب: اسكت فضَّ اللهُ فاك، والله لا تزال كاذبًا تخوض فيما قلت ثم لا تضر إلا نفسك. وأبلغها عمر أبا بكر فلم يتأثر لها أبو بكر. ولما اجتمع عند الصدِّيق من الجيوش ما أراد قام في الناس خطيبًا فأثنى على الله بما هو أهله، ثم حثَّ الناسَ على الجهاد فقال: ألا [إنّ] (٥) لكلِّ أمرٍ جوامع، فمنْ بلغَها فهي حسبُه، ومن عملَ للّه كفاهُ اللهُ، عليكم بالجدِّ والقصد فإنَّ القصدَ أبلغُ، ألا إنه لا دينَ لأحدٍ لا إيمانَ له، ولا إيمانَ لمنْ لا حسبه (٦) له، ولا عملَ لمن لا نيَّة له، ألا وإن في كتابِ الله من الثواب على الجهادِ في سبيل الله لما ينبغي للمسلم أن يحبَّ أن يُخصَّ به، هي التجارة (٧) التي دلَّ اللهُ عليها، إذ نَجَّى بها من الخزي، وألحق بها [من] الكرامة. ثم شرعَ الصدِّيقُ في توليةِ الأمراءِ وعقدِ الألويةِ والرايات، فيُقال إنَّ (أولَ) لواءٍ عَقَدهُ لخالدِ بن سعيد بن العاص، فجاء عمر (بن الخطاب) فثناه عنه وذكَّره بما قال. فلم يتأثر (به الصديق كما تأثر به عمر، بل عزله عن الشام وولاه أرض "تيماء" يكون بها فيمن) معه من المسلمين حتى يأتيه أمره. ثم عقدَ لواءَ يزيد بن أبي سفيان ومعه جمهورُ الناس، ومعه سهيلُ بن عمرو، وأشباهُه من أهل مكة، وخرج معه ماشيًا يوصيه (بما اعتمده في حربه ومن معه من المسلمين، وجعل له دمشق. وبعث أبا عبيدة بن الجراح على جند آخر، وخرج معه ماشيًا يوصيه)، وجعل له نيابةَ حمص. وبعثَ عمرو بن العاص ومعه جندٌ أخر وجعله على فلسطين. وأمر كلَّ أميرٍ أن يسلكَ طريقًا غير طريق الآخر، لما لحظ في ذلك من المصالح. وكان الصدِّيقُ اقتدى في ذلك بنبيِّ الله يعقوب حين قال لبنيه: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا

стр. 3230

مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: ٦٧]. فكان سلوكُ يزيد بن أبي سفيان على تبوك. قال المدائنيّ بإسناده عن شيوخه قالوا: وكان أبو بكر بعث هذه الجيوش في أول سنة ثلاث عشرة. قال محمد بن إسحاق (١) عن صالح بن كيسان: خرج أبو بكر ماشيًا ويزيد بن أبي سفيان راكبًا فجعل يوصيه، فلما فرغ قال: أقرئك السلام وأستودعك الله، ثم انصرف ومضى يزيد وأجدَّ السيرَ. ثم ثبعه شرحبيل بن حسنة، ثم أبو عبيدة مددًا لهما. فسلكوا (غير) ذلك الطريق. وخرج عمرو بن العاص حتى نزل فلسطين من (٢) الشام. ويقالُ إن يزيدَ بن أبي سفيان نزلَ البلقاء أولًا. ونزل شرحبيلُ بالأردنّ، ويقال ببُصْرى. ونزلَ أبو عبيدة بالجابية. وجعلَ الصدِّيقُ يمدُّهم بالجيوش، وأمر كل واحد منهم أن ينضاف إلى من أحبَّ من الأمراص. ويُقال إن أبا عبيدة لما مرَّ بأرض البلقاءِ قاتلهم حتى صالحوه، وكان أولَ صلحٍ وقعَ بالشامِ. ويقالُ: إنَّ أولَ حربٍ وقع بالشام أن الرومَ اجتمعوا بمكانٍ يقال له العَرَبة (٣) من أرض فلسطين، فوجه (٤) إليهم أبا أمامة في سرية فقتلهم وغنم منهم، وقتل منهم بطريقًا عظيمًا. ثم كانت بعد هذه وقعة مَرْجِ الصُّفَّر استُشهد فيها خالد بن سعيد بن العاص وجماعة من المسلمين. ويقال إنَّ الذي استُشهد في مَرْج الصُّفَّر ابنٌ لخالد بن سعيد [بن العاص، وجماعة من المسلمين، وأما خالد بن سعيد] ففرَّ حتى انحاز إلى أرضِ الحجاز، فالله أعلم، حكاه ابن جرير (٥). قال ابن جرير (٦): ولما انتهى خالد بن سعيد إلى تيماء اجتمع له جنود من الروم في جمع (٧) كثير من نصارى العرب، من بَهْراء (٨)، وتنوخ، وبني كَلْب، وسَليح، ولَخْم وجُذام، وغَسّان، فتقدم إليهم خالد بن سعيد، فلمّا اقتربَ منهم تفرّقوا عنه ودخلَ كثيرٌ منهم في الإسلام، وبعثَ إلى الصديق يُعلمُه بما وقعَ من الفتح، فأمرَهُ الصديق أن يتقدَّم ولا يُحْجم؛ وأمدَّه بالوليد بن عقبة (٩)

стр. 3231

وعكرمة بن أبي جهل وجماعة، فسارَ إلى قريبٍ من إيلياء فالتقى هو وأميرٌ من الروم يقال له باهان (١) فكسره، ولجأ (٢) باهان إلى دمشق، فلحقه خالدُ بن سعيد، وبادرَ الجيش إلى لحوق دمشق وطلب الحظوة، فوصلوا إلى مرج الصُّفَر فانطوت عليه مسالح باهان وأخذوا عليهم الطريق، وزحف باهان ففرَّ خالدُ بن سعيد، فلم يزل إلى ذي المروة. واستحوذَ الرومُ على عسكرهم إلَّا من فرَّ على الخيل، وثبت عكرمة بن أبي جهل، وقد تقهقر عن الشام قريبًا وبقي ردءًا لمن نفر إليه، وأقبلَ شرحبيلُ بن حسنة من العراق من عند خالد بن الوليد إلى الصدِّيق، فأمَّره على جيشه وبعثه إلى الشام، فلما مر بخالد بن سعيد بذي المروة، أخذ جمهورُ أصحابه الذين هربوا معه إلى ذي المروة. ثم اجتمع عند الصديق طائفةٌ من الناس فأمَّر عليهم معاويةَ بن أبي سفيان وأرسله وراء أخيه يزيد بن أبي سفيان. ولما مرَّ بخالد بن سعيد أخذ منْ كان بقي معه بذي المروة إلى الشام. ثم أذن الصديق لخالد بن سعيد في الدخول إلى المدينة وقال: كان عمر أعلم بخالد. وقعةُ اليَرْموك على ما ذكره سيف بن عمر في هذه السنة قبل فتح دمشق، وتبعه على ذلك أبو جعفر بن جرير ﵀. وأما الحافظ ابن عساكر ﵀ فإنه نقل (٣) عن يزيد بن أبي عبيدة والوليد وابن لهيعة والليث وأبي معشر: أنها كانت في سنة خمس عشرة بعد فتح دمشق. وقال محمد بن إسحاق: كانت في رجب سنة خمس عشرة. وقال خليفة بن خياط (٤): قال ابن الكلبي: كانت وقعة اليرموك يوم الإثنين لخمسٍ مَضَيْن من رجب سنة خمس عشرة. قال ابن عساكر: وهذا هو المحفوظ، وما قاله سيف من أنها فبل فتح دمشق سنة ثلاث عشرة فلم يتابع عليه. قلت: وهذا ذكر سياق سيف وغيره على ما أورده ابن جرير (٥) وغيره. قال: ولما توجهت هذه الجيوش نحو الشام أفزع ذلك الروم وخافوا خوفًا شديدًا، وكتبوا إلى هرقل

стр. 3232

يعلمونه بما كان من الأمر. فيقال: إنه كان يومئذ بحمص، ويقال: [بل] كان حج عامه ذلك إلى بيت المقدس. فلما انتهى إليه الخبر. قال لهم: ويْحكم إن (هؤلاء) أهلُ دينٍ جديد، وإنهم لا قبلَ لأحدٍ بهم، فأطيعوني وصالحوهم بما تصالحونهم على نصفِ خراج الشام ويبقى لكم جبالُ الروم، وإن أنتم أبيتم ذلك أخذوا منكم الشام وضيقوا عليكم جبال الروم، فنخروا من ذلك نخرةَ حُمُرِ الوَحْش كما هي عاداتهم في قلة (١) المعرفة والرأي بالحرب والنصرة في الدّين والدنيا. فعند ذلك سار إلى حمص، (وأمر هرقل بخروج) (٢) الجيوش الرومية صحبةَ الأمراء، في مقابلة كل أمير من المسلمين جيشٌ كثيفٌ. فبعث إلى عمرو بن العاص أخًا له لأبويه تَذَارق في تسعين ألفًا من المقاتلة. وبعث جرجه بن توذرا إلى ناحية يزيد بن أبي سفيان، فعسكر بإزائه (٣) في خمسين ألفًا أو ستين ألفًا. وبعث الدُّراقص إلى شُرحبيل بن حَسَنة. وبعث الفيقار (٤) ويقال القيقلان - قال ابن إسحاق وهو خصيّ هرقل نسطورس - في ستّين ألفًا إلى أبي عبيدة بن الجراح. وقالت الروم: (والله) لنشغلنَّ أبا بكر عن أن يورد الخيول إلى أرضنا. وجميع عساكر المسلمين أحد وعشرون ألفًا سوى الجيش الذي مع عكرمة بن أبي جهل. وكان واقفًا في طرف الشام (٥) ردءًا للناس - في ستة آلاف - فكتب الأمراء إلى أبي بكر وعمر يعلمونهما بما وقع من الأمر العظيم، فكتب إليهم أن اجتمعوا وكونوا (٦) جندًا واحدًا والقوا جنود المشركين، فأنتم أنصار الله والله ناصرٌ (٧) منْ نَصَره، وخاذلٌ من كَفَره، ولن يُؤْتى مثلُكم عن قلة، ولكن من تلقاء الذنوب فاحترسوا منها، وليصل كل رجل منكم بأصحابه. وقال الصدِّيق: والله لأشغلنَّ النصارى عن وساوس الشيطان بخالد بن الوليد. وبعث إليه وهو بالعراق ليقدم إلى الشام فيكون الأمير على منْ به، فإذا فرغ عاد إلى عمله بالعراق، فكان ما سنذكره. ولما بلغ هرقل ما أمر به الصدِّيقُ أمراءه من الاجتماع، بعث إلى أُمرائه أن يجتمعوا أيضًا وأن ينزلوا بالجيش (منزلًا) واسع العطن (٨)، واسع المُطَّرَدِ (٩)، ضيقَ المَهْرب، وعلى الناس أخوه بذارق، وعلى المقدمة جرجه، وعلى المَجْنبتين باهان والدُّراقص، وعلى البحر القيقلان. وقال محمد بن عائذ (١٠): عن عبد الأعلى، عن سعيد بن عبد العزيز: إن المسلمين كانوا أربعةً

стр. 3233

وعشرين ألفًا، وعليهم أبو عبيدة، والرُّوم كانوا عشرين ومئة ألفٍ عليهم باهان وسقلاب يوم اليرموك. وكذا ذكر [محمد بن] إسحاق: أن سقلاب الخصي كان على الروم يومئذ في مئة ألف، وعلى المقدّمة جرجه - من أرمينية - في اثني عشر ألفًا، ومن المُسْتعربة اثني عشر ألفًا عليهم جبلة بن الأيهم، والمسلمون في أربعةٍ وعشرين ألفًا، فقاتلوا قتالًا شديدًا حتى قاتلت النساء من ورائهم أشدَّ القتال. وقال الوليد: عن صفوان، عن عبد الرحمن بن جبير قال: بعث هرقلُ مئتي ألف عليهم باهان الأرمني. قال سيف (١): فسارت الروم فنزلوا الواقوصة قريبًا من اليرموك، وصار الوادي خندقًا عليهم. وبعث الصحابةُ إلى الصدّيق يستمدُّونه ويعلمونه بما اجتمع من جيش الروم باليرموك، فكتب الصدِّيق عند ذلك إلى خالد بن الوليد أن يستنيب على العراق وأن يقفل بمن معه إلى الشام، فإذا وصل إليهم فهو الأمير عليهم. فاستناب المثنى بن حارثة على العراق، وسار خالد مسرعًا في تسعة آلاف وخمسمئة، ودليله رافع بن عُمَيْرة الطّائي، فأخذ به على السماوة (٢) حتى انتهى إلى قُراقِر (٣)، وسلك به أراضي لم يسلكها قبله أحدٌ، فاجتابَ البراري والقفار، وقطعَ الأوديةَ، وتصعَّد على الجبال، وسار في غير مهيع (٤)، وجعل رافع يدلُّهم في مسيرهم على الطريق، وهو في مفاوز مُعْطشة، وعَطَّشَ النوقَ وسقاها الماء عللًا بعد نهل (٥)، وقطع مشافرها وكعمها (٦) حتى لا تجترّ وخلَّى أدبارها، واستاقها معه، فلما فقدوا [ذلك] الماء نحرها، فشربوا ما في أجوافها من الماء، ويقال: بل سقاه الخيل وشربوا ما كانت تحمله من الماء وأكلوا لحومها. ووصل ولله الحمد والمنة في تسعة (٧) أيام، فخرج على الروم من ناحية تدمر، فصالح أهل تدمر وأركة (٨)، ولما مر بعذراء (٩) أباحها وغنم لغسان أموالًا (١٠) عظيمة، وخرج من شرقي دمشق، ثم

стр. 3234

سار حتى وصل إلى قناة بصرى، فوجد الصحابة تحاربها، فصالحه صاحبها وسلمها إليه، فكانت أول مدينة فتحت من الشام ولله الحمد. وبعثَ خالدٌ بأخماس ما غنم من غسان مع بلال بن الحارث المزني إلى الصديق (ثم سار وأبو عبيدة ومرثد وشرحبيل إلى عمرو بن العاص - وقد قصده الروم بأرض العربا من المعور - فكانت واقعة أجنادين). وقد قال رجل من المسلمين في مسيرهم هذا مع خالد (١) [من الرجز]: لله عَيْنَا (٢) رافِعٍ أنَّى اهْتدى فَوّزَ منْ قُراقِرٍ إلى سُوى خمسًا إذا ما سارها الجيشُ بكى ما سارَها قَبلكَ إنسيٌّ أرى وقد كان بعضُ العرب قال له في هذا المسير: إن أنتَ أصبحتَ عند الشجرة الفلانية نجوتَ أنتَ ومنْ معكَ، وإن لم تدركْها هلكتَ أنتَ ومنْ معك، فسار خالد بمن معه وسَرَوا سروةً عظيمةً فأصبحوا عندها، فقال خالد: عندَ الصَّباح يحمد القوم السُّرى. فأرسلها مثلًا، وهو أول من قالها ﵁. (ويقول غير ابن إسحاق، كسيف بن عمر وأبي مِخْنَف وغيرهما في تكميل السياق الأول: حين اجتمعت الروم مع أمرائها بالواقوصة) وانتقل الصحابة من منزلهم الذي كانوا فيه، فنزلوا قريبًا من الروم في طريقهم الذي ليس لهم طريق غيره، فقال عمرو بن العاص: أبشروا أيها الناس، فقد حصرت (والله) الروم، وفلما جاء محصور بخير. ويقال: إنّ الصحابة لما اجتمعوا للمشورة في كيفية المسير إلى الروم، جلس الأمراء لذلك فجاء أبو سفيان فقال: ما كنت أظنّ أني أعمَّر حتّى أدرك قومًا يجتمعون لحرب ولا أحضرهم، ثم أشار أن يتجزَّأ الجيشُ ثلاثةَ أجزاء، فيسير ثلثه فينزلون تجاه الروم، ثم تسير الأثقال والذراري في الثلث الآخر، ويتأخر خالد بالثلث الآخر حتى إذا وصلت الأثقال إلى أولئك سار بعدهم ونزلوا في مكان تكون البرية من وراء ظهورهم لتصل (إليهم) البُرُد والمَدد. فامتثلوا ما أشار به ونعم الرأي هو. وذكر الوليد عن صفوان عن عبد الرحمن بن جبير: أن الروم نزلوا فيما بين دير أيوب واليرموك، ونزل المسلمون من وراء النهر من الجانب الآخر، وأذرعات خلفهم ليصل إليهم المدد من المدينة. ويقال إن خالدًا إنما قدم عليه بعدما نزل الصحابة تجاه الروم بعد ما صابروهم (وحاصروهم) شهر ربيع الأول بكماله، فلما انسلخ وأمكن القتال لقلة الماء بعثوا

стр. 3235

إلى الصديق يستمدونه فقال: خالد لها، فبعث إلى خالد فقدم عليهم في ربيع الآخر، فعند وصول خالد إليهم أقبل باهان مددًا للروم ومعه القساقسة، والشمامسة والرهبان يحثونهم ويحرضونهم على القتال لنصر دين النصرانية، فتكامل جيش الروم أربعون ومئتا ألف، ثمانون ألف مسلسل بالحديد والحبال، وثمانون ألف فارس، وثمانون ألف راجل. قال سيف (١): وقيل بل كان الذين تسلسلوا كل عشرة سلسلة لئلا يفروا ثلاثين ألفًا، فالله أعلم. (قال سيف) وقدم عكرمةُ بمنْ معه من الجيوش فتكاملَ جيشُ الصحابةِ ستةً وثلاثين ألفًا إلى الأربعين ألفًا. وعند ابن إسحاق والمدائني (أيضًا): أن وقعةَ أجنادين قبل وقعة اليرموك وكانت وقعةُ أجنادين لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة، وقتل بها بشر كثير من الصحابة، وهزم الروم وقتل أميرهم القيقلان. وكان قد بعث رجلًا من نصارى العرب يجس له أمر الصحابة، فلما رجع إليه قال: وجدتُ قومًا رهبانًا بالليل فرسانًا بالنهار، والله لو سرقَ فيهم ابنُ ملكهم لقطعوه، أو زنى لرجموه. فقال له القيقلان: والله لئن كنت صادقًا لبَطْنُ الأرض خيرٌ من ظهرها. (وقال سيف بن عمر في سياقه): ووجد خالد الجيوش متفرقة فجيش أبي عبيدة وعمرو بن العاص ناحية، وجيش يزيد وشرحبيل ناحية. فقام خالد في الناس خطيبًا. (وقال سيف بن عمر في وقعة اليرموك) فأمرهم بالاجتماع ونهاهم عن التفرق والاختلاف. فاجتمع الناس وتَصافُّوا مع عدوّهم في أول جمادى الآخره، وقام خالد بن الوليد في الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن هذا يوم من أيام الله، لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي، أخلصوا جهادكم وأريدوا الله بعملكم، وإن هذا يوم له ما بعده لو رددناهم اليوم إلى خندقهم فلا نزال نردهم، وإن هزمونا لا نفلح بعدها أبدًا، فتعالوا فلنتعاور الإمارة فليكن عليها بعضُنا اليوم والآخر غدًا والآخر بعد غد، حتى يتأمَّر كلكم، ودعوني اليوم أليكم، فأمّروه عليهم وهم يظنون أن الأمرَ يطول جدًّا، فخرجت الروم في تعبئة لم يُر (مثلها) قبلها قط، وخرج خالد في تعبئة لم تعبئها العرب قبل (ذلك). فخرج في ستة وثلاثين كردوسًا (إلى الأربعين) كلُّ كردوسٍ ألفُ رجلٍ عليهم أميرٌ، وجعل أبا عبيدة في القلب، وعلى الميمنة عمرو بن العاص ومعه شرحبيل بن حسنة، وعلى الميسرة يزيد بن أبي سفيان. وأمَّرَ على كل كردوس أميرًا، وعلى الطلائع قُبَاث (٢) بن أشيم، وعلى الأقباض عبد الله بن مسعود، والقاضي يومئذ أبو الدرداء، وقاصّهم الذي

стр. 3236

يعظُهم ويحثُّهم على القتال أبو سفيان بن حرب، وقارؤهم الذي يدور على الناس فيقرأ سورة الأنفال وآياتِ الجهاد المِقْداد بن الأسود. وذكر إسحاق بن يسار بإسناده: أنَّ أمراء الأرباع يومئذ كانوا أربعة، أبو عبيدة وعمرو بن العاص وشُرحبيل بن حَسَنة ويزيد بن أبي سفيان، وخرج الناس على راياتهم وعلى الميمنة مُعاذ بن جَبَل، وعلى المَيْسرة نفاثة بن أسامة الكناني، وعلى الرجَّالة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وعلى الخيَّالة خالد بن الوليد وهو المشير في الحرب الذي يصدر الناس كلهم عن رأيه، ولما أقبلت الروم في خيلائها وفخرها قد سدت أقطار تلك البقعة سهلها ووعرها كأنهم غمامة سوداء يصيحون (١) بأصوات مرتفعة (ورهبانهم) يتلون الإنجيلَ ويحثُّونهم على القتال، وكان خالد في الخيل بين يدي الجيش (٢) فساق بفرسه إلى أبي عبيدة فقال له: إني مشيرٌ بأمر، فقال: قُلْ ما أمرَكَ الله أسمعُ لك وأطيع. فقال له خالد (إن) هؤلاء (القوم) لا بدَّ لهم من حملة عظيمة لا محيدَ لهم عنها، وإني أخثى على الميمنة والميسرة (وقد رأيت أن أفرق الخيل فرقتين وأجعلها وراء) (الميمنة والميسرة) حتى إذا صدموهم (كانوا لهم ردءًا فنأتيهم من ورائهم (٣). فقال له: نِعْمَ ما رأيتَ. فكان خالدٌ في أحد الخيلين من وراء الميمنة، وجعل قَيْسَ بن هُبَيْرة في الخيل الأخرى، وأمر أبا عبيدةَ أن يتأخر عن القلبِ إلى وراءِ الجيش كلِّه لكي إذا رآه المنهزمُ استحيى منه ورجع إلى القتال، فجعل أبو عبيدة مكانَه في القلب سعيدَ بن زيد أحدَ العشرة ﵃، وساقَ خالدٌ إلى النساء من وراء الجيش ومعهنَّ عددٌ من السيوف وغيرها، فقال لهن: من رأيتموه مولِّيًا فاقتلنه، ثم رجع إلى موقفه ﵁. ولما تراءى الجمعان وتبارزَ الفريقان وعظَ أبو عبيدة المسلمين فقال: عبادَ الله انصرُوا الله ينصرْكمْ ويُثبِّتْ أقدامكم، يا معشر (٤) المسلمين اصبروا فإن الصبرَ منجاةٌ من الكفر ومرضاةٌ للربّ ومدحضةٌ للعار، ولا تبرحوا مصافَّكم، ولا تخطوا إليهم خطوة، ولا تبدؤوهم بالقتال، وشرِّعوا الرماح، واستتروا بالدرق، والزموا الصمت إلا من ذِكْرِ الله (في أنفسكم) حتى آمركم إن شاء الله تعالى. قالوا: وخرج معاذُ بن جبَل على الناس فجعلَ يُذكِّرُهُم ويقولُ: يا أهلَ القرآن، ومتحفِّظي (٥) الكتاب وأنصار الهدى والحق، إن رحمة الله لا تُنال وَجنَّتهُ لا تُدْخلُ بالأماني، ولا يؤتي اللّهُ المغفرةَ والرحمةَ

стр. 3237

الواسعةَ إلا الصادقَ المُصدِّق، ألم تسمعوا لقول الله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥] الآية. فاستحيوا رحمكم اللهُ من ربكم أن يراكُمْ فرارًا من عدُوِّكم وأنتم في قَبْضتهِ وليس لكم مُلْتحدٌ من دونه ولا عزّ بغيره. وقال عمرو بن العاص: يا أيُّها المسلمون غُضّوا الأبصارَ، واجثوا على الرُّكَب، واشرعوا الرماحَ، فإذا حملوا عليكم فأمهلوهم حتى إذا ركبوا أطراف الأسنَّة فثبوا إليهم وَثْبة الأسدِ، فوالذي يرضى الصدق ويُثيبُ عليه ويمقتُ الكذب ويجزي بالإحسان إحسانًا، لقد سمعتُ أن المسلمين سيفتحونها كَفْرًا كَفْرًا وقَصْرًا قَصْرًا، فلا يهولنَّكم (١) جموعُهُم ولا عددُهم، فإنكم لو صدقتموهم [في] الشد تطايروا تطاير أولاد الحَجَل. وقال أبو سفيان: يا معشرَ المسلمين أنتم العربُ، وقد أصبحتُم في دار العَجم منقطعين عن الأهل نائين (٢) عن أمير المؤمنين وأمداد المسلمين، وقد والله أصبحتُم بإزاء عدو كثير عددُه، شديد عليكم حنقه (٣)، وقد وترتموهم في أنفسهم وبلادهم ونسائهم، والله لا ينجيكم من هؤلاء القوم، ولا يبلغ بكم رضوان الله غدًا إلا بصدق اللقاء والصبر في المواطن المكروهة، ألا وإنها سنَّة لازمة وأن الأرض وراءكم، بينكم وبين أمير المؤمنين وجماعة المسلمين صحاري وبراري، ليس لأحد فيها معقل ولا معدل إلا الصبر ورجاء ما وعد الله فهو خيرُ معول، فامتنعوا بسيوفكم وتعاونوا ولتكن هي الحصون. ثم ذهب إلى النساء فوصاهنَّ ثم عاد فنادى: يا معاشر أهل الإسلام حضر ما ترون فهذا ما ترون رسول الله والجنة (٤) أمامكم، والشيطان والنار خلفكم. ثم سار إلى موقفه ﵀. وقد وعظَ الناسَ أبو هريرة أيضًا فجعل يقول: سارعوا إلى الحُور العين وجوار ربكم في جنات النعيم، ما أنتم إلى ربكم في موطنٍ بأحبّ إليه منكم في مثل هذا الموطن، ألا وإن للصابرين فضلهم. قال سيف بن عمر بإسناده عن شيوخه، إنهم قالوا (٥): كان في ذلك الجمع ألف رجل من الصحابة، منهم مئة من أهل بدر. وجعل أبو سفيان يقف على كل كردوس ويقول: اللهَ اللهَ، إنكم دارة العرب وأنصارُ الإسلام، وإنهم دارةُ الرومِ وأنصارُ الشِّرك، اللهم إن هذا يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك على عبادك. قالوا: ولما أقبل خالد من العراق قال رجل من نصارى العرب لخالد بن الوليد: ما أكثر الرومَ وأقلَّ المسلمينَ!! فقال خالد:

стр. 3238

ويلك، أتخوّفني بالروم؟ وإنما تكثر الجنود بالنصر، وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال، والله لوددت أن الأشقر برأ من توجعه، وأنهم أضعفوا في العدد - وكان فرسه قد حفا واشتكى في مجيئه من العراق - ولما تقارب الناس تقدم أبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان ومعهما ضرار بن الأزور، والحارث بن هشام، وأبو جندل بن سهيل، ونادوا: إنما نريد أميركم لنجتمع به، فأذن لهم في الدخول على تذارق، صبهاذا هو جالسٌ خيمةٍ من حرير. فقال الصحابة: لا نستحلُّ دخولها، فأمرَ لهم بفرشِ بسطٍ من حرير، فقالوا: ولا نجلس على هذه. فجلس معهم حيث أحبُّوا وتراضوا على الصلح، ورجع (١) عنهم الصحابة بعد ما دعوهم إلى الله فلم يتم ذلك. وذكر الوليد بن مسلم: أن باهان طلب خالدًا ليبرز إليه فيما بين الصفين فيجتمعا في مصلحةٍ لهم فقال باهان: إنا قد علمنا أن ما أخرجكم من بلادكم الجهدُ والجوعُ، فهلموا إلى أن أعطي كلَّ رجلٍ منكم عشرةَ دنانير وكسوةً وطعامًا وترجعون إلى بلادكم، فإذا كان من العام المقبل (٢) بعثنا لكم بمثلها، فقال خالد: إنه لم يخرجنا من بلادنا ما ذكرت، غير أنّا قومٌ نشربُ الدماء، وأنه بلغنا أنه لا دمَ أطيبُ من دم الروم، فجئنا لذلك. فقال أصحاب باهان: هذا والله ما كنا نُحدِّثُ به عن العرب قالوا: ثم تقدَّم خالد إلى عكرمة بن أبي جهل والقعقاع بن عمرو - وهما على مَجْنبتي القلب - أن ينشبا القتال، فبدرا يرتجزان ودَعوا إلى البراز، وتنازل الأبطال، وتجاولوا، وحمي الحرب، وقامت على ساقٍ. هذا وخالدٌ مع كردوس من الحماة (٣) الشجعان الأبطال بين يدي الصفوف، والأبطال يتصاولون من الفريقين بين يديه، وهو ينظر ويبعث إلى كل قوم من أصحابه يما يعتمدونه من الأفاعيل، ويدبر أمر الحرب أتم تدبير. وقال إسحاق بن بشير (٤): عن سعيد بن عبد العزيز، عن قدماء مشايخ دمشق، قالوا: ثم زحف باهان فخرج أبو عبيدة، وقد جعل على المَيْمنة مُعاذَ بن جَبَلٍ، وعلى المَيْسرة قُباثَ بن أشْيم الكناني، وعلى الرجَّالة هاشم بن عتبة (بن أبي وقاص)، وعلى الخيل خالد بن الوليد، وخرج الناس على راياتهم، وسار أبو عبيدة بالمسلمين، وهو يقول: عبادَ الله انصروا الله ينصرُكم ويُثبِّتْ أقدامَكُم، يا معاشرَ المسلمين أصبْروا فإنَّ الصبرَ منجاةٌ من الكفر، (ومرضاة للرب)، ومدحضةٌ للعار، ولا تبرحوا مصافَّكُم، ولا تخطوا إليهم خطوة، ولا تبدؤوهم بالقتال، وأشرِعوا الرماح، واستتروا بالدرق، والزموا الصمتَ إلا من ذِكْر الله. وخرج معاذ بن جَبَل فجعل يُذكِّرهم، ويقول: يا أهلَ القرآن، ومستحفظي الكتاب، وأنصار الهدى والحق، إنَّ رحمةَ الله لا تُنال، وجنَّته لا تُدْخلُ بالأماني، ولا يُؤْتي اللهُ المغفرة والرحمة الواسعة إلا

стр. 3239

للصادق المُصدِّق، ألم تسمعوا لقول الله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النور: ٥٥] إلى آخر الآية؟ فاسْتَحْيُوا - رحمكم الله - من ربكم أن يراكم فرارًا من عدوكم، وأنتم في قبضته، وليس لكم مُلْتحدٌ من دونه. وسار عمرو بن العاص في الناس وهو يقول: أيُّها المسلمون غُضّوا الأبصار واجثوا على الركب، وأشرعوا الرماحَ، فإذا حملوا عليكم فأمهلوهم حتى إذا ركبوا أطراف الأسنة فَثِبُوا وثبةَ الأسدِ، فوالذي يرضى الصدق ويُثيب عليه ويَمْقتُ الكذبَ ويجزي بالإحسان إحسانًا، لقد سمعتُ أنَّ المسلمين سيفتحونها كَفْرًا كَفْرًا وقَصْرًا قَصْرًا، فلا يهولنكم جموعُهم ولا عددُهم، فإنكم لو صدقتموهم الشد لتطايروا (١) [تطاير] أولاد الحجل. ثم تكلم أبو سفيان فأحسن وحثَّ على القتال فابلغ في كلام طويل. ثم قال حين تواجه الناس: يا معشرَ أهل الإسلام حضر ما ترون، فهذا رسول الله والجنة أمامكم، والشيطان والنار خلفكم. وحرَّض أبو سفيان النساء فقال: من رأيتنه (٢) فارًا فاضربنه بهذه الأحجار والعصيّ حتى يرجع. وأشار خالد أن يقف في القلب سعيد بن زيد، وأن يكون أبو عبيدة من وراء الناس ليردَّ المُنهزمَ. وقسم خالد الخيلَ قسمين فجعل فرقة وراء الميمنة، وفرقة وراء الميسرة، لئلا يفرَّ الناسُ وليكونوا ردءًا لهم من ورائهم. فقال له أصحابه: افعلْ ما أراكَ اللهُ، وامتثلوا ما أشارَ به خالدٌ ﵁. وأقبلت الرومُ رافعة (٣) صلبانها ولهم أصواتٌ مزعجةٌ كالرعد، والقساقسة والبطارقة تحرّضُهم على القتال وهم في عَددٍ وعُدَدٍ (٤) لم يرَ مثله، فاللّه المستعان وعليه التّكلان. وقد كان فيمن شهد اليرموكَ الزبيرُ بن العوّام، وهو أفضل منْ هُناك من الصحابة، وكان من فرسان الناس وشجعانهم، فاجتمع إليه جماعة من الأبطال يومئذ (فقالوا): ألا تحملُ فنحملُ معك؟ فقال: إنكم لا تَثْبتون. فقالوا: بلى. فحمل وحملوا فلما واجهوا صفوفَ الرُّوم أحجموا وأقدم هو فاخترقَ صفوفَ الروم حتى خرج من الجانب الآخر وعاد إلى أصحابه. ثم جاؤوا إليه مرةً ثانية ففعل كما فعل في الأولى، وجُرح يومئذ جرحان بين كتفيه، وفي روايةٍ جرحٌ. وقد روى البخاري معنى ما ذكرناه في صحيحه (٥). وجعل معاذ بن جبل كلما سمع أصوات القسيسين والرهبان يقول: اللهم زلزل

стр. 3240

(أقدامهم)، وأرعب قلوبهم، وأنزل علينا السكينة، وألزمنا كلمة التقوى، وحبِّبْ إلينا اللقاء، وأرضنا بالقضاء. وخرج باهان فأمر صاحب الميسرة وهو الديريجان، وكان عدو الله متنسكًا فيهم، فحمل على الميمنة وفيها الأزد ومذحج وحضرموت (وخولان)، فثبتوا حتى صدّوا أعداء الله، ثم ركبهم من الروم أمثال الجبال. فزال المسلمون من الميمنة إلى ناحية القلب، وانكشف طائفة من الناس إلى العسكر، وثبت صور (١) من المسلمين عظيم يقاتلون تحت راياتهم، وانكشفت زبيد. ثم تنادوا فتراجعوا وحملوا حتى نهنهوا من أمامهم من الروم وأشغلوهم عن اتباع من انكشف من الناس، واستقبل النساء من انهزم من سرعان الناس يضربنهم (٢) بالخشب والحجارة وجعلت خولة (بنت ثعلبة) تقول: [من الرجز]: يا هَارِبًا عن نِسْوَةٍ تَقِيّات … فعَنْ قَليل ما ترى سَبِيّات ولا حَصِياتٍ ولا رضيّات قال: فتراجع الناس إلى مواقفهم. وقال سيف بن عمر (٣): عن أبي عثمان الغَسَّاني، عن أبيه. قال قال عكرمة بن أبي جهل يوم اليرموك: قاتلت رسول الله ﷺ في مواطن وأفرُّ منكم اليوم؟ ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايعه عمه الحارث بن هشام، وضرار بن الأزور في أربعمئة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدَّامَ فسطاطِ خالدٍ حتى أثبتوا جميعًا جراحًا، وقتل منهم خلق منهم ضرار بن الأزور ﵃. وقد ذكر الواقدي وغيره: أنهم لما صرعوا من الجراح استسقوا ماءً فجيء إليهم بشربة ماء فلما قربت إلى أحدهم نظر إليه الآخر فقال: ادفعها إليه، فلما دفعت إليه نظر إليه الآخر فقال: ادفعها إليه، فتدافعوها كلهم من واحد إلى واحد حتى ماتوا جميعًا ولم يشربها أحد منهم. ﵃ أجمعين. ويقال: إنَّ أول منْ قُتل من المسلمين يومئذ شهيدًا رجلٌ جاءَ إلى أبي عبيدة فقال: إنّي قد تهيأتُ لأمري فهل لكَ من حاجة إلى رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، تُقرئه عني السلام وتقول: يا رسول الله إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا. قال: فتقدَّم هذا الرجلُ حتى قتل، ﵀. قالوا: وثبتَ كلُّ قومٍ على رايتهم حتى صارتِ الرومُ تدورُ كأنها الرحا. فلم تر يوم اليرموك (إلا) مُخًّا ساقطًا، ومعصمًا نادرًا (٤)، وكفًا طائرة من ذلك الموطن. ثم حملَ خالدٌ بمن معه من الخيالة على المَيْسرة التي حملتْ على مَيْمنة المسلمين فأزالوهم إلى القلب، فقتل من الروم في حملته هذه ستة آلاف

стр. 3241

ومنهم، ثم قال: والذي نفسي بيده لم يبقَ عندهم من الصبر والجلد غيرُ ما رأيتُمْ، وإنّي لأرجو أن يمنحَكُم الله أكتافهُمْ. ثم اعترضَهُم فحملَ بمئة فارس معه على نحو من مئة ألف فما وصل إليهم حتى انفضَّ جمعُهم، وحمل المسلمون عليهم حملةَ رجلٍ واحد، فانكشفوا وتبعهم المسلمون لا يمتنعون منهم. قالوا: وبينما هُمْ في جولةِ الحرب وحومةِ الوَغى والأبطالُ يتصاولون من كلِّ جانبٍ، إذ قدم البريدُ من نحو الحجاز فدُفع إلى خالد بن الوليد فقال له: ما الخبرُ؟ فقال له - فيما بينه وبينه -: إن الصدِّيقَ ﵁ قد توفي واستخلفَ عمرَ، واستنابَ على الجيوش أبا عبيدةَ عامرَ بن الجرّاح. فأسرّها خالدٌ ولم يُبْد ذلك للناس لئلا يحصل ضعفٌ ووهنٌ في تلك الحال، وقال له (١) والناسُ يسمعون: أحسنتَ، وأخذ منه الكتابَ فوضعه في كنانته واشتغل بما كان فيه من تدبير الحرب والمقاتلة، وأوقف الرسول الذي جاء بالكتاب - وهو محمية بن زنيم - إلى جانبه. كذا ذكره ابن جرير (٢) بأسانيده. قالوا (٣): وخرجَ جرجة أحد الأمراء الكبار من الصف واستدعى خالدَ بن الوليد فجاء إليه حتى اختلفت أعناق فرسيهما، فقال جرجة: يا خالد أخبرني فاصدقني ولا تكذبني، فإنَّ الحُرَّ لا يكذب، ولا تخادعني فإنّ الكريمَ لا يُخادع المسترسل بالله، هل أنزل (الله) على نبيكم سيفًا من السماء فأعطاكه فلا تسلّه على أحد إلا هزمتهم؟ قال: لا! قال: فبم سُمِّيت سيفَ الله؟ قال: إن الله بعثَ فينا نبيَّه فدعانا فنفرنا منه ونأينا عنه جميعًا، ثم إن بعضنا صدقه وتابعه (٤)، وبعضنا كذبه وباعده، فكنت فيمن كذَّبه وباعدَه، ثم إنّ اللهَ أخذَ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به وبايعناه، فقال لي: أنت سيفٌ من سيوفِ الله سله (الله) على المشركين. (ودعا لي بالنصر، فَسُمِّيتُ سيف الله بذلك، فأنا من أشد المسلمين على المشركين). فقال جرجة: يا خالد إلى ما تدعون؟ قال: إلى شهادةِ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبدُه ورسولُه والإقرار بما جاء به من عند الله . قال: فمن لم يجبكم؟ قال: فالجزية ونمنعهم. قال: فإن لم يُعْطها؟ قال: نؤذنه بالحرب ثم نقاتله، قال: فما منزلةُ (من) يُجيبكم ويدخلُ في هذا الأمر اليوم؟ قال منزلتنا واحدة فما افترض الله علينا، شريفنا ووضيعنا وأولنا وآخرنا. قال جرجة: فلمن دخل فيكم اليوم من الأجر مثل ما لكم من الأجر والذخر؟ قال: نعم وأفضل. قال: وكيف يساويكم وقد سبقتموه؟ فقال خالد: إنا قبلنا هذا الأمر عنوة وبايعنا نبينا وهو حيّ بين أظهرنا تأتيه أخبار السماء ويخبرنا بالكتاب ويُرينا الآيات، وحق لمن رأى ما رأينا، وسمع ما سمعنا أن يسلم ويبايع، وإنكم أنتم لم تروا (٥) ما رأينا، ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج، فمن دخل في هذا الأمر منكم بحقيقةٍ ونيَّةٍ كان أفضلَ منا؟ فقال

стр. 3242

جرجة: بالله لقد صَدَقْتني ولم تُخادعني؟ قال: تالله لقد صَدَقْتُك وإنَّ اللهَ وليُّ ما سألتَ عنه. فعند ذلك قلبَ جرجة الترسَ ومال مع خالد. وقال: علّمْني الإسلامَ، فمال به خالدٌ إلى فسطاطه فسنّ (١) عليه قربةً من ماءٍ ثم صلَّى به ركعتين. وحملت الروم مع انقلابه إلى خالد وهم يرون أنها منه حملة فأزالوا المسلمين عن مواقفهم إلا المحامية عليهم عكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام. فركب خالد وجرجة معه والروم خلال المسلمين، فتنادى الناس وثابوا وتراجعت الرومُ إلى مواقفهم وزحف خالدٌ بالمسلمين حتى تصافحوا بالسيوف فضرب فيهم خالد وجرجة من لدن ارتفاع النهار إلى جنوح الشمس للغروب. وصلَّى المسلمون صلاة الظهر وصلاة العصر إيماءً، وأُصيب جرجة ﵀ ولم يصل لله إلا تلك الركعتين مع خالد ﵄. وضعضعت الروم عند ذلك. ثم نهدَ خالد بالقلب حتى صار في وسط خيول الرُّوم، فعند ذلك هربت (٢) خيالتهم، وأسندتْ (٣) بهم في تلك الصحراء، وأفرج المسلمون بخيولهم حتى ذهبوا. وأخَّر الناس صلاتي العشاءين حتى استقر الفتح، وعمد خالد إلى رحل الرُّوم وهم الرجالة ففصلوهم عن آخرهم حتى صاروا كأنهم حائطٌ قد هُدِمَ، ثم تبعوا من فرَّ من الخيالة، واقتحم خالد عليهم خندقهم، وجاء الروم في ظلام الليل إلى الواقوصة، فجعل الذين تسلسلوا وقيدوا بعضهم ببعض إذا سقط واحدٌ منهم سقط الذين معه. قال ابن جرير (٤) وغيره: فسقط فيها وقتل عندها، مئة ألف وعشرون ألفًا سوى منْ قُتل في المعركة. وقد قاتل نساءُ المسلمين في هذا اليوم وقتلوا خلقًا كثيرًا من الروم، وكن يضربن من انهزم من المسلمين ويقلن: أين تذهبون وتدعوننا للعلوج؟ فإذا زَجَرْنَهم لا يملك أحد نفسه حتى يرجعَ إلى القتال. قال: وتجلل القيقلان وأشراف من قومه من الروم ببرانسهم وقالوا: إذا لم نقدر (٥) على نصر دين النصرانية فلنمتْ على دينهم. فجاء المسلمون فقتلوهم عن آخرهم. قالوا: وقتل في هذا اليوم من المسلمين ثلاثة آلاف منهم عكرمة وابنه عمرو، وسلمة (٦) بن هشام،

стр. 3243

وعمرو بن سعيد، وأبان بن سعيد، وأثبت (١) خالد بن سعيد فلا يُدرى أين ذهب، وضرار بن الأزور، وهشام بن العاص، وعمرو بن الطفيل بن عمرو الدوسي، وحقَّقَ اللهُ رؤيا أبيه (٢) يوم اليمامة. وقد تسلل (٣) في هذا اليوم جماعة من الناس؛ انهزم عمرو بن العاص في أربعة حتى وصلوا إلى النساء ثم رجعوا حين زجرهم (٤) النساء، وانكشف شرحبيل بن حسنة وأصحابه ثم تراجعوا حين وعظهم الأمير بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١]. وثبت يومئذ يزيدُ بن أبي سفيان وقاتلَ قتالًا شديدًا، وذلك أن أباه مرَّ به فقال له: يا بني عليك بتقوى الله والصبر فإنه ليس رجل بهذا الوادي من المسلمين إلا محفوفًا بالقتال، فكيف بك وبأشباهك الذين ولّوا أمور المسلمين؟! أولئك أحقّ الناس بالصبر والنصيحة، فاتَّق اللهَ يا بُنيَّ ولا يكوننَّ أحدٌ من أصحابك بأرغب في الأجر والصبر في الحرب ولا أجرأ على عدوِّ الإسلام منك. فقال: أفعل إن شاء الله. فقاتل يومئذ قتالًا شديدًا وكان من ناحية القلب ﵁. وقال سعيد بن المسيب عن أبيه قال: هدأتِ الأصواتُ يومَ اليرموك فسمعنا صوتًا يكاد يملأ العسكر يقول: يا نصر الله اقترب، الثباتَ الثباتَ يا معشرَ المسلمين، قال: فنظرنا فإذا هو أبو سفيان (تحت راية ابنه يزيد)، وأكمل خالدٌ ليلته في خيمة تذارق أخي هرقل - وهو أميرُ الروم كلهم يومئذ - هرب فيمن هرب، باتت الخيول تجول نحو خيمةِ خالدٍ يقتلون من مرَّ بهم من الروم حتى أصبحوا وقتل تَذارِق وكان له ثلاثون سرادقًا وثلاثون رواقًا من ديباج بما فيها من الفرش والحرير، فلما كان الصباح حازوا ما كان هنالك من الغنائم. وما فرحوا بما وجدوا بقدر حزنهم على الصدِّيق حين أعلمهم خالد بذلك، ولكن عوضهم الله بالفاروق ﵁. وقال خالد حين عزَّى المسلمين في الصدِّيق: الحمد لله الذي قضى على أبي بكر بالموت، وكان أحبَّ إليَّ من عمر، والحمد لله الذي ولى عمر وكان أبغضَ إليَّ من أبي بكر وألزمني حبَّه. وقد اتبع خالد منِ انهزمَ من الروم حتى وصلَ إلى دمشقَ فخرج إليه أهلها فقالوا: نحن على عهدنا وصلحنا؟ قال: نعم. ثم اتبعهم إلى ثنيَّةِ العقاب فقتلَ منهم خلقًا كثيرًا ثم ساقَ وراءهم إلى حمص فخرج إليه أهلُها فصالحهم كما صالح أهل دمشق. وبعث أبو عبيدة عياضَ بن غَنْم وراءهم أيضًا فساقَ حتى وصلَ مَلَطْيَة (٥) فصالحه أهلُها ورجعَ. فلما بلغَ

стр. 3244

هرقل (ذلك) بعثَ إلى مقاتليها فحضروا بين يديه وأمر بمَلَطْيَه فحُرقت وانتهت الرومُ منهزمةً إلى هرقل وهو بحمص والمسلمون في آثارهم يقتلون ويأسرون ويغنمون. فلما وصل الخبر إلى هرقل ارتحل من حمص وجعلها بينه وبين المسلمين وترس (بها) وقال هرقل: أما الشامُ فلا شام، وويلٌ للرومِ من المولودِ المشؤوم. ومما قيل من الأشعار في يوم اليرموك قول القعقاع بن عمرو: [من الوافر] ألمْ ترَنَا عَلَى اليَرْموكِ فُزْنا … كَما فُزْنا بأيّامِ العِراقِ وعذراءَ المدائنِ قد فَتَحْنا … ومَرْج الصُّفرِ بالجُرْدِ العِتَاقِ (١) فتَحْنا قَبْلها بُصْرَى وكَانَتْ … مُحرَّمةَ الجناب لدى النعاقِ (٢) قَتَلْنَا منْ أقامَ لَنا وفِينا … نَهابُهُمُ بأَسْيافٍ رقاقِ قَتَلْنا الرُّومَ حتى ما تساوَى … على اليرموكِ معروقُ الوراق فَضَضْنا جمْعهُم لما استجالوا … على الواقوصِ بالبُتْرِ الرِّقاق (٣) غداةَ تهافتوا فيهها فَصَاروا … إلى أمرٍ فعُضِّلَ بالذواقِ وقال الأسود أبو مفزّر (٤) التميمي: [من الطويل] وكمْ قَدْ أغَرْنا غارةً بعد غارة … ويوْمًا وَيَومًا قد كَشَفْنا أهاوِلُه ولولا رجالٌ كانَ عشو (٥) غنيمةٍ … لدى مأقطٍ (٦) رَجّتْ علينا أوائله لقيناهم (٧) اليَرْموك لمَّا تَضَايَقَتْ … بمنْ حَلَّ باليَرْموكِ منهُ حمائلهُ فلا يَعْدِمنْ [منَّا] هرقلُ كتَائبًا … إذا رَامَها رامَ الَّذي لا يُحاوِلُهْ وقال عمرو بن العاص: [من الرجز] القَوْمُ لخمٌ وجذامٌ في الحربْ … ونحْنُ والرُّومُ بمَرْجٍ نَضْطربْ فإنْ يَعُودوا بها لا نَصْطحبْ … بل نَعْصِبُ الفُرّارَ بالضَرْبِ الكَربْ وروى أحمد بن مروان المالكي (٨) في "المجالسة": حدَّثنا أبو إسماعيل الترمذي حدَّثنا

стр. 3245

أبو معاوية، عن عمرو، عن أبي إسحاق قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يثبتُ لهم العدوُّ فُواقَ ناقةٍ (١) عند اللقاء، فقال هرقل وهو على أنطاكية لمّا (٢) قدمت منهزمةُ الروم: ويْلَكُم أخبروني عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم أليسوا بشرًا مثلكم؟ قالوا: بلى [وقال]: فأنتم أكثر أم هم؟ قالوا: بل نحن أكثرُ منهم أضعافًا في كل موطن. قال: فما بالكم تنهزمون؟ فقال شيخٌ من عظمائهم: من أجل أنهم يقومون الليل ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويتناصفون بينهم، ومن أجل أنا نشرب الخمر، ونزني، ونركب الحرام، وننقض العهد، ونغْصب ونظلم ونأمر بالسخط وننهى عمَّا يُرضي الله ونفسد في الأرض. فقال: أنت صدقتني. وقال الوليد بن مسلم: أخبرني من سمع يحيى بن يحيى الغساني يحدث عن رجلين من قومه قالا: لمّا نزل المسلمون بناحية الأردن، تحدثنا بيننا أن دمشق ستحاصر فذهبنا نتسوق (منها) قبل ذلك، فبينا نحن فيها إذ أرسل إلينا بطريقها فجئناه فقال: أنتما من العرب؟ قلنا: نعم! قال: وعلى النصرانية؟ قلنا: نعم. فقال: ليذهب أحدُكما فليتجسس لنا عن هؤلاء القوم ورأيهم، وليثبت الآخر على متاعٍ صاحبه. ففعل ذلك أحدنا، فلبثَ مليًا ثم جاءه فقال: جئتكَ من عند رجال (٣) دقاق يركبون خيولا عتاقًا، أما الليل فرهبان، وأما النهار ففرسان، يريشون النبل ويبرونها، ويثقفون القنا، لو حدَّثت جليسك حديثًا ما فهمه عنك لما علا من أصواتهم بالقرآن والذكر. قال فالتفت إلى أصحابه وقال: أتاكم منهم ما لا طاقة لكم به. انتقال إمرة الشام من خالد إلى أبي عبيدة [في الدولة العمرية وذلك] بعد وقعة اليرموك وصيرورة الإمرة بالشّام إلى أَبي عبيدة أولَ منْ سُمِّي أميرَ الأُمراء قد تقدم أن البريد قدم بموت الصديق والمسلمون مصافو الروم يوم اليرموك، وأن خالدًا كتم ذلك عن المسلمين لئلا يقع وهن، فلما أصبحوا أجلى لهم الأمر وقال ما قال، ثم شرع أبو عبيدة في جمع الغنيمة وتخميسها، وبعث بالفتح والخمس مع قُباث (٤) بن أَشْيم إلى الحجاز، ثم نودي بالرحيل إلى دمشق، فساروا حتى نزلوا مرج الصُّفَّر، وبعث أبو عبيدة بين يديه طليعةً أبا أمامة الباهلي ومعه رجلان من أصحابه. قال أبو أمامة: فسرتُ فلمّا كان ببعض الطريق أمرتُ الآخر فكَمَنَ هناك وسرتُ أنا وحدي حتى جئتُ بابَ البلد، وهو مغلقٌ في الليل، وليس هناك أحد، فنزلتُ وغرزت رمحي بالأرض، ونزعت لجامَ فرسي،

стр. 3246

وعلقت عليه مخلاتَه ونمتُ، فلما أصبحَ الصباحُ قمتُ فتوضَّأتُ وصَلّيتُ الفَجْرَ، فإذا بابُ المدينة يقعقعُ (١) فلما فُتح حملتُ على البواب فطعنتُه بالرمح فقتلته، ثم رجعتُ والطلب ورائي، فلما انتهينا إلى الرجل الذي في الطريق من أصحابي ظنوا أنه كمينٌ فرجعوا عني، ثم سرنا حتى أخذنا [صاحبنا] الآخر، وجئت إلى أبي عبيدة فأخبرته بما رأيت، فأقام أبو عبيدةَ ينتظرُ كتابَ عمر فيما يعتمده من أمر دمشق، فجاء (٢) الكتاب يأمره بالمسير إليها، فساروا إليها حتى أحاطوا بها. واستخلف أبو عبيدة على اليرموك بُشَيْر بن كعب في خيلٍ هناك. وقعة جرت بالعراق بعد مجيء خالد إلى الشام وذلك أنَّ أهلَ فارسٍ اجتمعوا بعدَ مقتلِ ملكهم وابنه على تمليك شهريار (٣) بن أزدشير بن شهريار واستغنموا غيبةَ خالد عنهم، فبعثوا إلى نائبه المُثَنَّى بن حارثة جيشًا كثيفًا نحوًا من عشرة آلاف عليهم هُرْمز بن جَاذَوَيْه، وكتب شهريار إلى المثنى: إنّي قد بعثت إليك جندًا من وَخْشِ (٤) أهل فارس إنما هم رعاة الدجاج والخنازير، ولست أقاتلُكَ إلَّا بهم. فكتب إليه المثنى: من المُثَنّى إلى شهريار إنما أنتَ أحدُ رجلين إما باغٍ فذلك (٥) شرٌّ لك وخيرٌ لنا، وإما كاذبٌ فأعظمُ الكاذبين عقوبةً وفضيحةً عند الله في الناس الملوكُ، وأما الذي يدلُّنا عليه الرأيُ؛ فأنكم إنما اضطررتم إليهم، فالحمد الله الذي ردَّ كيدَكم إلى رعاة الدجاجِ والخنازير. قال: فجزع (٦) أهلُ فارس من هذا الكتابِ، ولامُوا شهريارَ على كتابه إليه واستهجنوا رأيه. وسار المثنى من الحيرة (٧) إلى بابل، ولمَّا التقى المُثَنَّى وجيشهم بمكان عند عدوة الصَّراة (٨) الأولى، اقتتلوا قتالًا شديدًا جدًّا، وأرسل الفرس فيلًا بين صفوف الخيل ليفرق خيول المسلمين، فحمل عليه أمير المسلمين المثنى بن حارثة فقتله، وأمر المسلمين فحملوا، فلم تكن إلا هزيمة الفرس فقتلوهم قتلًا ذريعًا، وغنموا منهم مالًا عظيمًا، وفرَّت الفرسُ حتى انتهوا إلى المدائن في شرِّ حالةٍ، ووجدوا الملكَ قد ماتَ فملَّكوا عليهم ابنةَ كسرى "بوران (٩) بنت أبرويز" فأقامتِ العدلَ، وأحسنت السيرةَ، فأقامت سنةً وسبعةَ شهور، ثم ماتَتْ،

стр. 3247

فملَّكوا عليهم أختها "آزَرْمِيدُخْت زنان" فلم ينتظم لهم أمرٌ، فملَّكوا عليهم "سابور بن شهريار"، وجعلوا أمره إلى الفَرُّخْزاذ بن البِنْدوان فزوَّجه سابور بابنة كسرى "آزرميدخت" (فكرهت ذلك وقالتْ: إنّما هذا عبدٌ من عبيدنا. فلمَّا كان ليلة عُرْسها عليه همُّوا إليه فقتلوه، ثم ساروا إلى سابور فقتلوه أيضًا. وملَّكوا عليهم هذه المرأة وهي "آزرْمِيدُخْت") ابنة كسرى. ولعبت فارس بملكها لعبًا كثيرًا، وآخر ما استقرَّ أمرُهم عليه (في هذه السنة) أن ملَّكوا امرأة وقد قال رسول الله ﷺ : "لن يُفْلح قومٌ ولَّوْا أمرَهم امرأةً" (١). وفي هذه الوقعة التي ذكرنا يقول عبدة بن الطبيب السَّعدي (٢)، وكان قد هاجر لمهاجرة حليلة (له) حتى شهد وقعةَ بابل هذه، فلما آيسته رجع إلى البادية وقال (٣): [من البسيط] هَلْ حَبْلُ خَوْلة بَعْدَ البَيْن مَوصُولُ … أمْ أنتَ عَنْها بَعيدُ الدَّارِ مَشْغُولُ وَلِلأحبَّةِ أيَّامٌ تَذَكَّرُها … وللنَّوى قَبْلَ يَوْمِ البَيْن تَأْويلُ حَلَّتْ خُوَيْلةُ في حيٍّ عَهِدْتُهُمُ … دونَ المدينةِ (٤) فيها الدِّيكُ والفِيلُ يُقارعُونَ رُؤوسَ العُجْمْ (٥) ضَاحيَةً … منه فوارسُ لا عُزْلٌ ولا ميلُ وقد قال الفرزدق في شعره يذكر قتل المثنى ذلك الفيل (٦): [من الطويل] وبيتُ المُثَنَّى قاتِلِ الفيلِ عَنْوة … ببابلَ إذْ في فَارسٍ مُلْكُ بَابِلِ ثُمَّ إنَّ المُثَنَّى بن حارثة استبطأ أخبارَ الصدِّيق لتشاغله بأهل الشام، وما فيه من حربِ اليرموك المتقدم ذكره، فسار المثنى بنفسه إلى الصديق، واستناب على العراق بشير بن الخصاصيَّة، وعلى المسالح سعيدَ بن مُرَّة العِجْلي، فلما انتهى المُثنّى إلى المدينة وجد الصدِّيق في آخر مرضِ الموت. وقد عهد إلى عمر بن الخطاب، ولما رأى الصديق المثنى قال لعمر: إذا أنا متُّ فلا تمسين حتى تندب الناسَ لحربِ أهل العراق مع المثنى، وإذا فتح الله على أمرائنا بالشام فارددْ أصحابَ خالد إلى العراق فإنهم أعلم بحربه. فلما مات الصدِّيقُ ندبَ عمرُ المسلمين إلى الجهاد بأرض العراق لقلة من بقيَ فيه من المُقاتلة بعد خالد بن الوليد، فانتدب خلقًا وأمَّرَ عليهم أبا عبيدة بن مسعود، وكان شابًا شجاعًا، خبيرًا بالحرب والمكيدة. وهذا آخر ما يتعلق بخبر العراق إلى آخر أيام الصدِّيق وأول دولة الفاروق.

стр. 3248

خلافة عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه كانت وفاة الصدِّيق ﵁ في يوم الإثنين عشيةً، وقيل بعدَ المغرب ودفن من ليلته، وذلك لثمانٍ بقينَ من جمادى الآخرة سنة ثلاثَ عشرةَ بعد مرض خمسة عشر يومًا، وكان عمر بن الخطاب يصلي عنه فيها بالمسلمين، وفي أثناء هذا المرض عهد بالأمر من بعده إلى عمر بن الخطاب، وكان الذي كتب العهد عثمان بن عفان، وقرئ على المسلمين فأقروا به وسمعوا له وأطاعوا. فكانت خلافة الصدِّيق سنتين وثلاثة أشهر، وكان عمره يوم توفي ثلاثًا وستين سنة، للسن الذي توفي فيه رسول الله ﷺ ، وقد جمع الله بينهما في التوبة، كما جمع بينهما في الحياة، فرضي الله عنه وأرضاه. وقال محمد بن سعد (١): عن أبي قطن عمرو بن الهيثم، عن ربيع بن حسان (٢) الصائغ، قال: كان نقش خاتم أبي بكر "نعم القادر الله". وهذا غريب. وقد ذكرنا ترجمة الصدّيق ﵁، وسيرته (٣) وأيامه وما روى من الأحاديث، وما روي عنه من الأحكام في مجلد ولله الحمد والمنة. فقام بالأمر من بعده أتمَّ القيام الفاروق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁. وهو أوَّلُ من سُمِّي بامير المؤمنين، وكان أول من حيّاه بها المغيرةُ بن شعبة، وقيل غيره كما بسطنا ذلك في ترجمة عمر بن الخطاب وسيرته التي أفردناها (٤) في مجلد، ومسنده والآثار المروية مرتبًا على الأبواب في مجلد آخر ولله الحمد. وقد كتب بوفاة الصدِّيق إلى أمراء الشام مع شدَّاد بن أوس، ومَحْميَة بن جَزْء (٥)، فوصلا والناس مصافون جيوش الروم يوم اليرموك كما قدمنا. وقد أمَّر (عمر) على الجيوش أبا عبيدة (حين ولاه) وعزل خالد بن الوليد. وذكر سلمةُ عن محمد بن إسحاق:

стр. 3249

أن عمر إنما عزل خالدًا لكلام (١) بلغه عنه، ولما كان من أمر مالك بن نُويرة، وما كان يعتمده في حربه. فلما ولي عمر كان أولَ ما تكلّم به أن عزل خالدًا، وقال: لا يلي لي عملًا أبدًا. وكتب عمر إلى أبي عبيدة: إن أكذب خالد نفسه فهو أمير على ما كان عليه، وإن لم يكذب نفسه فهو معزول، فانزع عمامته عن رأسه وقاسمه ماله نصفين. فلما قال أبو عبيدة ذلك لخالد قال له خالد: أمهلني حتى أستشير أختي، فذهب إلى أخته فاطمة - وكانت (تحت) الحارث بن هشام - فاستشارها في ذلك، فقالت له: إن عمر لا يحبك أبدًا، وإنه سيعزلك وإن كذبت نفسك. فقال لها: صدقت والله. فقاسمه أبو عبيدة حتى أخذ [إحدى] (٢) نعليه وترك له الأخرى (٣)، وخالد يقول سمعًا وطاعة لأمير المؤمنين. وقد روى ابن جرير (٤) عن صالح بن كيسان أنه قال: كان أولَ كتابٍ كتبه عمرُ إلى أبي عبيدة حين ولاه وعزل خالدًا أن قال: "وأوصيك بتقوى الله الذي يَبْقى ويَفْنى ما سواه، الذي هدانا من الضلالة، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، وقد استعملتك على جُنْد خالد بن الوليد فقم بأمرهم الذي يحق عليك، لا تقدم المسلمين إلى هلكة رجاء غنيمة، ولا تنزلهم منزلًا قبل أن تَسْتريده (٥) لهم وتعلم كيف مأتاه، ولا تبعث سرية إلَّا في كَثْفٍ (٦) من الناس، هاياك وإلقاء المسلمين في الهلكة، وقد أبلاك الله بي وأبلاني بك، فَغُضَّ بصرَكَ عن الدنيا، وألْهِ قلبَكَ عنها، وإياكَ أن تُهْلِكَك (٧) كما أهلكت منْ كانَ قبلكَ، فقد رأيت مصارعَهم. وأمرهم بالمسير إلى دمشق". وكان بعدما بلغه الخبر بفتح اليرموك وجاءته به البشارةُ، وحُمل الخُمس إليه. وقد ذكر ابن إسحاق أن الصحابةَ قاتلوا بعد اليرموك بأجنادين ثم بفِحْل من أرض الغور قريبًا من بيسان بمكانٍ يقال له الرَّدَغة (٨) سمي بذلك لكثرة ما لقوا من الأوحال فيها، فأغلقوها عليهم، وأحاط بها الصحابةُ. قال: وحينئذ جاءت الإمارة لأبي عبيدة من جهة عمر وعُزِلَ خالدٌ، وهذا الذي ذكره ابن إسحاق من مجيء الإمارة لأبي عبيدة في حصار دمشق هو المشهور.

стр. 3250

[ذكر فتح دمشق] قال سيف بن عمر (١): لما ارتحل أبو عبيدة من اليرموك فنزل بالجنود على مرج الصُّفَّر وهو عازم على حصار دمشق إذ (٢) أتاهُ الخبرُ بقدوم مددهم من حمص، وجاءه الخبرُ بأنَّه قد اجتمع طائفة كبيرة (٣) من الروم بفِحْلٍ من أرض فلسطين، وهو لا يدري بأي الأمرين يبدأ. فكتب إلى عمر في ذلك، فجاء الجواب أن ابدأ بدمشق فإنها حصنُ الشام وبيتُ مملكتهم، فانهد لها وأشغلوا عنكم أهل فِحْل بخيولٍ تكون تلقاءهم، فإن فتحَها اللهُ قبلَ دمشق فذلك الذي نحبُّ (٤)، وإن فُتحت دمشقُ قبلَها فسرْ أنت ومن معكَ واستخلفْ على دمشقَ، فإذا فتح الله عليكم فِحْلَ (٥) فسر أنت وخالد إلى حمص واترك عمرًا وشرحبيل على الأردن وفلسطين. قال: فسرّح أبو عبيدة إلى فِحْل عشرةَ أمراء، مع كل أميرٍ خمسة أمراء، وعلى الجميع عمارة بن مخشي الصحابي، فساروا من مرج الصُّفّر إلى فِحْل فوجدوا الروم هنالك قريبًا من ثمانين ألفًا، وقد أرسلوا المياه حولهم حتَّى أرْدَغَتِ الأرض (٦) فسموا ذلك الموضع الرَّدَغة، وفتحها اللهُ على المسلمين فكانت أولَ حصنٍ فُتح قبل دمشق على ما سيأتي تفصيله. وبعث أبو عبيدة جيشًا يكون بين دمشق وبين فلسطين، وبعث ذا الكلاع في جيش يكون بين دمشق وبين حمص ليرد من يرد إليهم من المدد من جهة هرقل. ثم سار أبو عبيدة من مرج الصُّفَّر قاصدًا دمشق، وقد جعل خالد بن الوليد في القلب، وركب أبو عبيدة وعمرو بن العاص في المجنبتين، وعلى الخيل عياض بن غَنْم، وعلى الرَّجَّالة شرحبيل بن حسنة، فقدموا دمشق وعليها نِسطاس بن نُسْطُوُرس (٧)، فنزل خالد بن الوليد على الباب الشرقي وإليه باب كيسان أيضًا، ونزل أبو عبيدة على باب الجابية (الكبير، ونزل يزيد بن أبي سفيان على باب الجابية) الصغير، ونزل عمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة على بقية أبواب البلد، ونصبوا المجانيق والدَّبابات، وقد أرصد أبو عبيدة أبا الدرداء على جيش ببرزة ردءًا

стр. 3251

له، وكذا الذي بينه وبين حمص وحاصروها حصارًا شديدًا سبعين ليلة، وقيل أربعة أشهر، وقيل ستة أشهر، وقيل أربعة عشر شهرًا، فالله أعلم. وأهل دمشق ممتنعون منهم غاية الامتناع، ويرسلون إلى ملكهم هرقل - وهو مقيمٌ بحمص - يطلبون منه المددَ فلا يمكن وصولُ المدد إليهم من ذي الكلاع، الذي قد أرصده أبو عبيدة ﵁ بين دمشق وبين حمص - عن دمشق ليلة - فلما أيقنَ أهلُ دمشق أنه لا يصلُ إليهم مدد أبلسوا (١) وفشلوا وضعفوا، وقويَ المسلمون واشتدَّ حصارُهم. وجاء فصل الشتاء واشتدّ البردُ وعسر الحال وعسر القتال، فقدر الله الكبير المتعال، ذو العزة والجلال، أنْ وُلد لبطريقِ دمشق مولودٌ في تلك الليالي فصنع لهم طعامًا وسقاهم بعده شرابًا. وباتوا عنده في وليمته قد أكلوا وشربوا وتعبوا فناموا عن مواقفهم، واشتغلوا عن أماكنهمٍ، وفطن لذلك أميرُ الحرب خالد بن الوليد، فإنه كان لا ينام ولا يترك أحدًا ينام، بل مراصد لهم ليلا ونهارًا، وله عيون وقُصّاد يرفعون إليه أحوال المقاتلة صباحًا ومساء. فلما رأى جَمْدة تلك الليلة، وأنه لا يقاتل على السُّور أحدٌ كان قد أعدَّ سلالم من حبال، فجاء هو وأصحابه من الصناديد الأبطال، مثل القعقاع بن عمرو، ومذعور بن عدي، وقد أحضر جيشه عند الباب وقال لهم: إذا سمعتُم تكبيرنا فوقَ السّور فارقوا إلنا. ثم نهد هو وأصحابه فقطعوا الخندق سباحة بقِرب في أعناقهم، فنصبوا تلك السلالم وأثبتوا أعاليها بالشرفات، وأكدوا أسافلها خارج الخندق، وصعِدوا فيها، فلما استووا (٢) على السور رفعوا أصواتهم بالتكبير، وجاء المسلمون فصعدوا في تلك السلالم، وانحدر خالد وأصحابه الشجعان من السّور إلى البوّابين فقتلوهم، وقطع خالد واصحابه أغاليقَ الباب بالسيوف، وفتحوا الباب عنوةً، فدخل الجيشُ الخالديُّ من الباب الشرقي. ولمّا سمع أهلُ البلد التكبير ثاروا، وذهبَ كلُّ فريق إلى أماكنهم من السور، لا يدرون ما الخبر، فجعل كلما قدم أحدٌ من أصحاب الباب الشرقي قتله أصحاب خالد، ودخل خالد البلدة (٣) عنوةً فقتل منْ وجده. وذهب أهل كل باب فسألوا من أميرهم الذي عند الباب من خارج الصلح - وقد كان المسلمون دعوهم إلى المشاطرة فيأبون عليهم - فلما دعوهم إلى ذلك أجابوهم. ولم يعلم بقيةُ الصحابة ما صنعَ خالدٌ. ودخل المسلمون من كل جانبٍ وبابٍ، فوجدوا خالدًا وهو يقتل من وجده، فقالوا له: إنا قد أمَّناهم، فقال: إني فتحتُها عنوةً. والتقت الأمراء في وسط البلد عند كنيسة المقسلاط بالقرب من درب الريحان اليوم. هكذا ذكره سيف بن عمر وغيره وهو المشهور أن خالدًا فتح الباب قسرًا.

стр. 3252

وقال آخرون: بل الذي فتحها عنوةً أبو عبيدة. وقيل يزيد بن أبي سفيان، وخالد صالحَ أهلَ البلد فعكسوا المشهور المعروف، والله أعلم. وقد اختلف الصحابةُ، فقال قائلون هي صلح - يعني على ما صالحهم الأمير (في الأمر وهو أبو عبيدة - وقال آخرون: بل هي عنوة، لأن خالدًا افتتحها بالسيف) أولًا كما ذكرنا، فلما أحسوا بذلك ذهبوا إلى بقية الأمراء ومعهم (١) أبو عبيدة فصالحوهم، فاتفقوا فيما بينهم على أن جعلوا نصفَها صلحًا ونصفَها عنوةً، فملك أهلها نصف ما كان بأيديهم وأقروا عليه، واستقرت يدُ الصحابة على النصف. ويُقوِّي هذا ما ذكره سيفُ بن عمر (٢) من أن الصحابة كانوا يطلبون إليهم أن يصالحوهم على المشاطرة فيأبون، فلما أحسّوا باليأس أنابوا إلى ما كانت الصحابةُ دعوهم إليه فبادروا إلى إجابتهم، ولم تعلم الصحابة بما كان من خالد إليهم، والله أعلم. [الكنائس التي تركت لأهل دمشق] ولهذا أخذ الصحابةُ نصفَ الكنيسة العظمى التي كانت بدمشق وتعرف "بكنيسة يوحنا" فاتخذوا الجانب الشرقي منها مسجدًا، وأبْقوا لهم نصفها الغربي كنيسة، وقد أبقوا لهم مع ذلك أربع عشرة كنيسة أخرى مع نصف الكنيسة المعروفة "بيوحنا"، وهي جامع دمشق اليوم. وقد كتب لهم (٣) بذلك خالد بن الوليد كتابًا، وكتب فيه شهادته أبو عبيدة وعمرو بن العاص ويزيد وشرحبيل: إحداها كنيسة المقسلاط (٤) التي اجتمع عندها أمراء الصحابة، وكانت مبنية على ظهر السوق الكبير، وهذه القناطر المشاهدة في سوق الصابونيين من بقية القناطر التي كانت تحتها، ثم بادت فيما بعد وأخذت حجارتها في العمارات. الثانية: كنيسة كانت في رأس درب القرشيين وكانت صغيرة، قال الحافظ ابن عساكر (٥): وبعضها باقٍ إلى اليوم وقد تشعثت. الثالثة: كانت بدار البطيخ العتيقة (٦). قلت: وهي داخل البلد بقرب الكوشك، وأظنها هي المسجد الذي قبل هذا المكان المذكور، فإنها خربت من دهر، فالله أعلم.

стр. 3253

الرابعة: كانت بدرب بني نصر بين درب الحبالين ودرب التميمي. قال الحافظ ابن عساكر (١): وقد أدركت بعض بنيانها، وقد خرب أكثرها. الخامسة: كنيسة بولص، قال ابن عساكر (٢): وكانت غربيَّ القيساريةِ الفخرية [خربت] وقد أدركت من بنيانها بعض أساس الحنيّة. السادسة: كانت في موضع دار الوكالة وتعرف (اليوم) بكنيسة القلانسيين. قلت: والقلانسيين هي الخواصين (٣) اليوم (٤). السابعة: التي بدرب السقيل اليوم وتعرف بكنيسة حميد بن درة سابقًا، لأن هذا الدرب كان أقطاعًا له وهو حميد بن عمرو بن مساحق القرشي العامري، ودرة أمه، وهي درّة ابنة [أبي] هاشم بن عتبة بن ربيعة، فأبوها خال معاوية. وكان قد أقطع هذا الدرب فنسبت هذه الكنيسة إليه، وكان مسلمًا، ولم يبق لهم اليوم سواها، وقد خرب أكثرها. ولليعقوبية منهم كنيسة داخل باب توما بين رحبة خالد - وهو خالد بن أسيد بن أبي العاص (٥) - وبين درب طلحة بن عمرو بن مرة الجهني، وهي الكنيسة الثامنة. وكانت لليعقوبيين كنيسة أخرى فيما بين درب التنوي وسوق علي. قال ابن عساكر (٦): قد بقي من بنائها بعضه، وقد خربت منذ دهر. وهي الكنيسة التاسعة. وأما العاشرة فهي الكنيسة المصلبة. قال الحافظ ابن عساكر (٧): وهي باقية إلى اليوم بين الباب الشرقي وباب توما بقرب النيبطن عند السور. والناس اليوم يقولون النيبطون. قال ابن عساكر: وقد خرب أكثرها، هكذا قال. وقد خربت هذه الكنيسة وهدمت في أيام صلاح الدين فاتح القدس بعد الثمانين وخمسمئة بعد موت الحافظ ابن عساكر ﵀. الحادية عشرة: كنيسة مريم داخل الباب الشرقي. قال ابن عساكر (٨): وهي من أكبر ما بقي بأيديهم. قلت: ثم خربث بعد موته بدهر في أيام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري على ما سيأتي بيانه.

стр. 3254

الثانية عشرة: كنيسة اليهود التي بأيديهم اليوم في حارتهم (١)، ومحلها معروف بالقرب من الحير وتسميه الناس اليوم بستان القط. وكانت لهم كنيسة في درب البلاغة لم تكن داخلة في العهد فهدمت فيما بعد، وجعل مكانها المسجد المعروف بمسجد ابن الشهرزوري (٢)، والناس اليوم يقولون درب الشاذوري. قلت: وقد أخربت لهم كنيسة كانوا قد أحدثوها لم يذكرها أحد من علماء التاريخ لا ابن عساكر ولا غيره، وكان إخرابها في حدود سنة سبع عشرة وسبعمئة ولم يتعرض الحافظ ابن عساكر لذكر كنيسة السامرة بمرَّة. ثم قال ابن عساكر (٣): ومما أحدث - يعني النصارى - كنيسة بناها أبو جعفر المنصور لبني قطيطا في الفورنق (٤)، وقد أُخربتْ فيما بعد وجعلت مسجدًا يعرف بمسجد الجينيق (٥) وهو مسجد أبي اليمن. قال (٦): ومما أحدث كنيستا (٧) العباد إحداهما عند دار ابن الماشلي (٨) وقد جعلت مسجدًا. والأخرى التي في رأس درب النقاشين وقد جعلت مسجدًا. انتهى ما ذكره الحافظ ابن عساكر الدمشقي ﵀. [متى فتحت دمشق] قلت: وظاهر سياق سيف بن عمر يقتضي أن فتح دمشق وقع في سنة ثلاث عشرة، ولكن نص سيف على ما نص عليه الجمهور من أنها فتحت في نصف رجب سنة أربع عشرة؛ كذا حكاه الحافظ ابن عساكر (٩) من طريق محمد بن عائذ القرشي الدمشقي، عن الوليد (بن مسلم عن عثمان بن

стр. 3255

حصن (١) بن عَلَّاق، عن يزيد بن عبيدة قال: فتحت دمشق سنة أربع عشرة. ورواه دحيم عن الوليد). قال: سمعت أشياخًا يقولون: إن دمشق فتحت سنة أربع عشرة. وهكذا قال سعيد بن عبد العزيز وأبو معشر ومحمد بن إسحاق ومعمر والأموي وحكاه عن مشايخه وابن الكلبي وخليفة بن خياط (٢) وأبو عبيد القاسم بن سلَّام، إن فتح دمشق كان في سنة أربع عشرة. وزاد سعيد بن عبد العزيز وأبو معشر والأموي: وكانت اليرموك بعدها بسنة. وقال بعضهم: (بل) كان فتحها في شوال سنة أربع عشرة. وقال خليفة: حاصرهم أبو عبيدة في رجب وشعبان ورمضان وشوال وتم الصلح في ذي القعدة. وقال الأموي في "مغازيه": كانت وقعة أجنادين في جمادى الأولى، ووقعة فِحل في ذي القعدة من سنة ثلاث عشرة - يعني ووقعة دمشق سنة أربع عشرة -. وقال دحيم عن الوليد: حدَّثني الأموي أن وقعة فِحْل وأجْنادين كانت في خلافة أبي بكر، ثم مضى المسلمون إلى دمشق فنزلوا عليها في رجب سنة ثلاث عشرة، يعني ففتحوها في سنة أربع عشرة. وكانت اليرموك سنة خمس عشرة، وقدم عمر إلى بيت المقدس سنة ست عشرة. فصل: [هل فتحت دمشق صلحًا أو عنوة] واختلف العلماءُ في دمشقَ هل فُتحت صُلْحًا أو عنوة؟ فأكثرُ العلماء على أنَّه استقرَّ أمرُها على الصلح، لأنهم شكُّوا في المتقدم على الآخر أفتحت عنوةً ثم عدَلَ الرومُ إلى المصالحة، أو فُتحت صلحًا، أو اتّفق الاستيلاءُ من الجانب الآخر قسرًا؟ فلما شكُّوا في ذلك جعلوها صلحًا احتياطًا. وقيل: بل جُعل نصفُها صلحًا ونصفُها عنوةً، وهذا القول قد يظهر من صنع الصحابة في الكنيسة العظمى التي كانت أكبر معابدهم حين أخذوا نصفها وتركوا لهم نصفها، والله أعلم (٣). ثم قيل: إن أبا عبيدة هو الذي كتب لهم كتابَ الصلح، وهذا هو الأنسبُ والأشهرُ، فإن خالدًا كان قد عزل عن الإمرة، وقيل: بل الذي كتب لهم الصلحَ خالد بن الوليد، ولكن أقرَّهُ على ذلك أبو عبيدة فالله أعلم (٤). وذكر أبو حذيفة إسحاق بن بشر أن الصدِّيقَ توفي قبلَ فتح دمشق، وأنَّ عمرَ كتب إلى أبي عبيدة يُعَزّيه

стр. 3256

والمسلمين في الصدِّيق، وأنه قد استنابه على منْ بالشام، وأمره أن يستشير خالدًا في الحرب، فلما وصلَ الكتابُ إلى أبي عبيدة كتمهُ من خالد حتى فُتحت دمشقُ بنحو من عشرين ليلةً، فقال له خالدٌ: يرحمك الله، ما منعك أن تعلمني حين جاءك؟ فقال: إني كرهتُ أن أكسر عليك (١) حربكَ، وما سلطان الدنيا أريدُ، ولا للدنيا أعملُ، وما ترى سيصير إلى زوال وانقطاع، وإنما نحن أخَوان، وما يضرُّ الرجل أن يليه أخوه في دينه ودنياه. [هل كان إمداد خالد زمن أبي بكر أم زمن عمر] ومن أعجب ما يُذْكرُ هاهنا ما رواه يعقوب بن سفيان الفسوي (٢): حدَّثنا هشام بن عمار، حدَّثنا عبد الملك بن محمد، حدَّثنا راشد بن داود الصنعاني (حدَّثني أبو عثمان الصنعاني) شراحيل بن مرثد، قال: بعث أبو بكر خالدَ بن الوليد إلى أهل اليمامة، وبعثَ يزيدَ بن أبي سفيان إلى الشام، فذكر الراوي قتال (٣) خالد لأهل اليمامة إلى أن قال: ومات أبو بكر واستُخلف عمر، فبعث أبا عبيدة إلى الشام فقدم دمشق فاستمدَّ أبو عبيدة عمر فكتب عمر إلى خالد بن الوليد أن يسير إلى أبي عبيدة بالشام. فذكر مسير خالد من العراق إلى الشام كما تقدم، وهذا غريب جدًّا، فإنَّ الذي لا يُشكَّ فيه أن الصديقَ هو الذي بعث أبا عبيدة وغيره من الأمراء إلى الشام، وهو الذي كتب إلى خالد بن الوليد أن يقدم من العراق إلى الشام ليكون مددًا لمن به وأميرًا عليهم، ففتح الله تعالى عليه وعلى يديه جميعَ الشام على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. [بعثناه بريدًا فعاد أميرًا] وقال محمد بن عائذ: قال الوليد بن مسلم: أخبرني صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير: أن المسلمين لما افتتحوا مدينة دمشق بعثوا أبا عبيدة (بن الجراح) وافدًا إلى أبي بكر بشيرًا بالفتح، فقدمَ المدينةَ فوجد أبا بكر قد تُوفي واستُخْلفَ عُمرُ بن الخطاب، فأعظم أن يتأمَّر أحد من الصحابة (٤) عليه فولاه جماعة الناس، فقدم عليهم فقالوا: مرحبًا بمن بعثناه بريدًا فقدم علينا أميرًا.

стр. 3257

[مسألة فقهية في المسح على الخفين] وقد روى الليثُ وابنُ لهيعة وحيوة بن شريح ومفضل بن فضالة وعمر بن الحارث وغير واحد عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الله بن الحكم عن عُلَيّ بن رباح عن عقبة بن عامر: أنه بعثه أبو عبيدة بريدًا بفتح دمشق قال: فقدمت على عمر يوم الجمعة فقال لي: منذ كم لم تنزع خُفَّيك؟ فقلت من يوم الجمعة وهذا يوم الجمعة. فقال: أصبت السُّنَّةَ. قال الليث: وبه نأخذ، يعني أن المسحَ على الخُفَّيْن للمُسافر لا يتأقَّتُ، بل له أن يمسحَ عليهما ما شاء، وإليه ذهب الشافعي في القديم. وقد روى أحمد وأبو داود عن أُبيّ بن عِمارة مرفوعًا مثل هذا (١). والجمهور على ما رواه مسلم عن علي في تأقيت المسح للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمُقيم يوم وليلة (٢). ومن الناس من فصَّل بين البريد ومن في معناه وغيره، فقال في الأول لا يتأقَّت، وفيما عداه يتأقت لحديث عقبة (٣) وحديث علي، والله أعلم. فصل: [فتح البقاع وبيروت وتدمر] ثم إن أبا عبيدة بعث خالد بن الوليد إلى البقاع ففتحه بالسيف. وبعث سرية فالتقوا مع الروم بعين ميسنون (٤)، وعلى الروم رجل يقال له "سنان" (٥) تحدر على المسلمين من عقبة بيروت فقتل من المسلمين يومئذ جماعة من الشهداء فكانوا يسمون "عين ميسنون" عين الشهداء. واستخلف أبو عبيدة

стр. 3258

على دمشق (١) يزيد بن أبي سفيان كما وعده بها الصديق. وبعث يزيد دِحْيَة بن خَليفة إلى تدمر في سرية ليمهِّدوا أمرها. وبعث (٢) أبا الزهراء القشيري إلى البَثَنِيَّة وحوران فصالح أهلها. [فتح سائر مدن دمشق صلحًا] قال أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ (٣): افتتح خالد دمشق صلحًا، وهكذا سائر مدن الشام كانت صلحًا دون أرضيها. فعلى يدي يزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وأبي عبيدة. وقال الوليد بن مسلم: أخبرني غير واحد من شيوخ دمشق بينما هم على حصار دمشق إذ أقبلت خيل من عقبة السلمية مخمرة بالحرير، فثار إليهم المسلمون فالتقوا فيما بين بيت لهيا والعقبة (٤) التي أقبلوا منها، فهزموهم وطردوهم إلى أبواب حمص، فلما رأى أهل حمص ذلك ظنوا أنهم قد فتحوا دمشق، فقال لهم أهل حمص إنا نصالحكم على ما صالحتم عليه أهل دمشق ففعلوا. وقال خليفة بن خياط (٥): حدَّثني عبد الله بن المُغيرة، عن أبيه قال: افتتح شرحبيل بن حسنة الأردن كلها عنوة، ما خلا طبرية فإن أهلها صالحوه. وهكذا قال ابن الكلبي. وقالا: بعث أبو عبيدة خالدًا فغلب على أرض البقاع وصالحه أهل بعلبك وكتب لهم كتابًا. وقال ابن المغيرة عن أبيه: وصالحهم على أنصاف منازلهم وكنائسهم، ووضع الخراج. وقال ابن إسحاق وغيره: وفي سنة أربع عشرة فُتحت حمص وبعلبك صلحًا على يدي أبي عبيدة في ذي القعدة، قال خليفة: ويقال في سنة خمس عشرة. وقعة فِحْل [بكسر الفاء، وقيل والحاء، والصحيح تسكينها] وقد ذكرها كثيرٌ من علماء السِّيَر قبل فتحِ دمشق (وإنما ذكرها الإمام أبو جعفر بن جرير (٦) بعد فتح دمشق) وتبع في ذلك سياق سيف بن عمر فيما رواه عن أبي عثمان يزيد بن أسيد الغساني وأبي حارثة

стр. 3259

القيسي (١) قالا: خلف الناس يزيد بن أبي سفيان في خيله في دمشق وساروا (٢) نحو فحل، وعلى الناس الذين هم بالغور شرحبيل بن حَسَنة، وقد جعل على المقدمة خالد بن الوليد، وأبو عبيدة على الميمنة، وعمرو بن العاص على الميسرة، وعلى الخيل ضرار بن الأزور، وعلى الرَّجَّالة عياض بن غنم، فوصلوا إلى فِحْل: وهي بلدة بالغور، وقد انحاز الرومُ إلى بَيْسان، وأرسلوا مياه تلك الأراضي على [ما] هنالك من الأراضي، فحال بينهم وبين المسلمين، وأرسل المسلمون إلى عمر يخبرونه بما هم فيه من مصابرة عدوهم وما صنعَهُ الرومُ من تلك المكيدة، إلا أن المسلمين في عيش [رغيد] ومدد كبير، وهم على أُهبة من أمرهم. وأمير هذا الحرب شرحبيل بن حسنة وهو لا يبيت ولا يصبح إلا على تعبئة. وظن الروم أن المسلمين على غِرة، فركبوا في بعض الليالي ليبيتوهم، وعلى الروم سقلاب (٣) بن مخراق، فهجموا على المسلمين فنهضوا إليهم (٤) نهضة رجل واحد لأنهم على أُهبة دائمًا، فقاتلوهم حتى الصباح وذلك اليوم بكماله إلى الليل. فلما أظلمَ الليلُ فرَّ الرومُ وقتل أميرُهم (سقلاب) وركب المسلمون أكتافهم وأسلمتهم هزيمتهم إلى ذلك الوحل (٥) الذي كانوا قد كادوا به المسلمين فغرَّقهم الله فيه، وقتل منهم المسلمون بأطراف الرماح ما قارب الثمانين ألفًا لم ينجُ منهم إلا الشريد، وغنموا منهم شيئًا كثيرًا ومالًا جزيلًا. وانصرف أبو عبيدة وخالد بمن معهما من الجيوش نحو حمص كما (أمر) أميرُ المؤمنين عمر بن الخطاب. واستخلف أبو عبيدة على الأردن شُرحبيل بن حَسَنة، فسار شرحبيل ومعه عمرو بن العاص فحاصر بَيْسان، فخرجوا إليه، فقتلَ منهم مقتلةً عظيمة، ثم صالحوه على مثل ما صالحتْ عليه دمشقُ، وضرب عليهم الجزيةَ والخراجَ على أراضيهم (٦)، وكذلك فعل أبو الأعور السّلمي بأهل طبرية سواء. [فصلٌ فيـ]ــــــما وقع بأرض العراق آنذاك (٧) من القتال وقد قدمنا أنَّ المثنى بن حارثة لما سار خالد من العراق بمن صحبه إلى الشام، وقد قيل: إنه سار بتسعة آلاف، وقيل: بثلاثة آلاف، وقيل: بسبعمئة، وقيل: بأقل، إلا أنّهم صناديدُ جيشِ العراق، فأقام المثنى بمن بقي، فاستقلَّ عددهم، وخاف من سطوة الفرس لولا اشتغالهم بتبديل ملوكهم وملكاتهم، واستبطأ المثنى خبرَ الصدِّيق فسارَ إلى المدينة فوجد الصدِّيقَ في السياق، فأخبره بأمر العراق، فأوصى

стр. 3260

الصدِّيق عمر أن يندبَ الناسَ لقتال أهل العراق. فلما ماتَ الصدِّيقُ ودُفن ليلةَ الثلاثاء أصبح عمر فندب الناسَ وحثَّهمْ على قتالِ أهلِ العراق، وحرضهم ورغَّبهم في الثواب على ذلك، فلم يقم أحدٌ لأن الناس كانوا يكرهون قتال الفرس لقوة سطوتهم، وشدة قتالهم، ثم ندبهم في اليوم الثاني والثالث فلم يقم أحد (١). وتكلَّم المثنى بن حارثة فأحسن، وأخبرهم بما فتحَ اللهُ تعالى على يدي خالد من معظم أرض العراق، وما لهم هنالك من الأموال والأملاك والأمتعة والزاد، فلم يقم أحدٌ في اليوم الثالث. فلما كان اليوم الرابع كان أول من انتدب من المسلمين أبو عبيد بن مسعود الثقفي ثم تتابعَ الناسُ في الإجابة، وأمر عمر طائفة من أهل المدينة وأمَّر على الجميع أبا عبيد هذا ولم يكن صحابيًا، فقيل لعمر: هلا أمَّرت عليهم رجلًا من الصحابة؟ فقال: إنما أؤَمِّر أولَ من استجابَ، إنكم إنما سبقتم الناس بنصرة هذا الدين، وإن هذا هو الذي استجاب قبلكم (٢). ثم دعاه فوضاه في خاصة نفسه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرًا، وأمره أن يستشير أصحابَ رسول الله ﷺ ، وأن يستشير سَلِيط بن قَيْس فإنه رجلٌ باشرَ الحروب. فسار المسلمون إلى أرض العراق، وهم سبعةُ آلاف رجل، وكتب عمرُ إلى أبي عبيدة أن يرسلَ منْ كانَ بالعراق ممن قدمَ مع خالدٍ إلى العراق، فجهز عشرةَ آلاف عليهم هاشم بن عتبة، وأرسل عمر جريرَ بن عبد الله البجلي في أربعة آلاف إلى العراق فقدم الكوفةَ، ثم خرج منها فواقع هرقران المدار فقتله وانهزم جيشه وغرق أكثرهم في دجلة، فلما وصل الناسُ إلى العراق وجدوا الفرسَ مضطربين في ملكهم، وآخر ما استقرَّ عليه أمرهم أن ملكوا عليهم "بُوران (٣) بنت كسرى بعد ما قتلوا التي كانت قبلها (آزَرْميدُخت) وفوضت بوران أمر الملك عشر سنين إلى رجل منهم يقال له رستم (بن فَرُّخزاذ على أن يقوم بأمر الحرب، ثم يصير الملك إلى كسرى، فقبل ذلك. وكان رُسْتم) هذا منجمًا يعرف النجوم وعلمها جيدًا، فقيل له: ما حملك على هذا؟ يعنون وأنت تعلم أن هذا (الأمر) لا يتمّ لك، فقال: الطمعُ وحبُّ الشرف. وقعة النَّمَارِق بعث رستم أميرًا يقال له "جابان" وعلى مَجْنَبَتَيْه رجلان يُقال لأحدهما "حشنس ماه" ويقال للآخر "مردانشاه" وهو خصيُّ أمير حاجب الفرس، فالتقوا مع أبي عُبيد بمكان يقال له النَّمارِق (٤) - بين الحيرة والقادِسيَّة - وعلى الخيل المُثَنَّى بن حارثة، وعلى المَيْسرة عمرو بن الهيثم، فاقتتلوا هنالك قتالًا شديدًا، وهزمَ اللهُ الفرسَ، وأسر جابان ومردانشاه. فأما مردانشاه فإنَّه قتلهُ الذي أسره، وأما جابان فإنه خدَعَ
следующие страницы →