← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وروى ابن عساكر (١) بسنده إلى وَهْبِ بن مُنَبِّه قال: وُجِد عند قبر إبراهيم الخليل على حجر كتابة خلفه (٢): [من الرجز] ألهى جَهُولًا أمَلُهْ … يموتُ مَنْ جَا أجَلُهْ ومَنْ دَنا من حَتْفهِ … لم تُغنِ عَنْه حِيَلُهْ وكيفَ يَبْقَى آخِرٌ … مَنْ ماتَ عَنْهُ أوّلُهْ والمَرْءُ لا يَصْحبُهُ … في القبرِ إِلَّا عَمَلُهُ (٣) ذكر أولاد إبراهيم الخليل أَوَّل من وُلد له إسماعيلُ من هاجَرَ القِبْطيَّة المِصريَّة، ثم وُلد له إسحاق من سارَة بنت عمِّ الخليل، ثم تزوَّجَ بعدها "قنطورا" بنت يقطن الكنعانية، فولدتْ له ستةً: مدين، وزمران، وسرج، ونقشان، ونشق، ولم يُسمِّ السادسَ، ثم تزوَّجَ بعدها "حجون" بنت أهين، فولدت له خمسة: كيسان، وسورج، وأميم، ولوطان، ونافس. هكذا ذكره أبو القاسم (٤) السهيلي في كتابه "التعريف والإعلام". * * * [قصة قوم لوط ﵇] (٥) ومما وقع في حياة إبراهيم الخليل من الأمور العظيمة قصَّة قوم لوط ﵇، وما حلَّ بهم من النقمة الغميمة (٦)، وذلكَ أن لوطًا بن هاران بن تارح - وهو آزر - كما تقدَّم، ولوط ابن أخي إبراهيم الخليل، فإبراهيم وهاران وناحور إخوةٌ كما قدَّمنا، ويُقال: إن هاران هذا هو الذي بنى حَران، وهذا ضعيفٌ لمخالفته ما بأيدي أهل الكتاب، واللّه أعلم. وكان لوطٌ قد نزحَ عن محلَّة عمِّه الخليل ﵉ بأمره له وإذنه، فنزلَ بمدينة سَدُوم من أرض

стр. 352

غور زغر، وكان أَمَّ تلك المَحلَّة، ولها أرضٌ ومعتملات وقرى مضافة إليها، ولها أهلٌ من أفجرِ النَّاس وأكفرِهم وأسوئهم طويَّةٌ، وأردَاهم سريرة وسيرةً، يقطعونَ السبيلَ، ويأتون في ناديهم المنكر، ولا يتناهون عن منكرٍ فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون. ابتدعوا فاحشةً لم يسبقْهم إليها أحدٌ من بني آدم، وهي إتيانُ الذُّكْران من العالمين، وتركُ ما خلقَ اللّه من النِّسوان لعباده الصالحين، فدعاهم لوط إلى عبادة الله تعالى وحدَه لا شريكَ له، ونهاهم عن تعاطي هذه المحرمات، والفواحش المنكرات، والأفاعيل المستقبحات، فتمادَوْا على ضلالهم وطُغيانهم، واستمرُّوا على فُجورهم وكُفْرَانهم، فأحلَّ اللّه بهم من البأس الذي لا يُردُّ ما لم يكن في خَلَدِهم وحُسْبَانهم، وجَعلَهم مُثْلةً في العالمين، وعبرةً يتعظُ بها الألِبَّاءُ من العالمين، ولهذا ذكرَ اللّه تعالى قِصَّتهم في غير ما موضع من كتابه المبين، فقال تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠ - ٨٤]. وقال تعالى في سورة هود: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٦٩ - ٨٣]. وقال تعالى في سورة الحجر: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠) فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ

стр. 353

وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٥١ - ٧٧]. وقال تعالى في سورة الشعراء: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٦٠ - ١٧٥]. وقال تعالى في سورة النمل: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٤ - ٥٨]. وقال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢) وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٨ - ٣٥]. وقال تعالى في سورة الصافات: ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٣ - ١٣٨]. وقال تعالى في الذاريات بعد قصَّة ضيف إبراهيم، وبشارتهم إياه بغلام عليم: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [الذاريات: ٣١ - ٣٧].

стр. 354

وقال في سورة القمر: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٣٣ - ٤٠]. وقد تكلَّمنا على هذه القصص في أماكنها من هذه السور في التفسير. وقد ذكرَ اللّه لوطًا وقومَه في مواضع أُخرَ من القرآن، تقدَّمَ ذِكرها مع قوم نوح وعادٍ وثمود، والمقصودُ الآن إيرادُ ما كانَ من أمرهم، وما أحلَّ اللّه بهم مجموعًا من الآيات والآثار، وباللّه المستعان. وذلك أنَّ لوطًا ﵇ لما دعاهم إلى عبادة اللّه وحدَه لا شريكَ له، ونهاهم عن تعاطي ما ذكرَ اللّه عنهم من الفواحش، فلم يستجيبوا له ولم يؤمنوا به، حتى ولا رجل واحد منهم، ولم يتركُوا ما عنه نهُوا، بل استمرُّوا على حالهم، ولم يرعووا (١) عن غيِّهم وضَلالهم وهمُّوا بإخراج رسولهم من بين ظَهْرَانيهم، وما كانَ حاصلُ جوابهم عن خطابهم إذ كانوا لا يعقلون إلا أن قالوا: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] فجعلوا غاية المدح ذمًّا يقتضي الإخراج، وما حملَهم على مقالتهم هذه إلا العناد واللجاج. فطهَّره اللّه وأهلَه إلا امرأته، وأخرجهم منها أحسنَ إخراج، وتركَهم في محلَّتهم خالدين، لكنْ بعدما صيَّرها عليهم بحرةً منتنةً ذات أمواج، لكنَّها عليهم في الحقيقة نار تأجَّج، وحرٌّ يتوهَّجُ، وماؤها مِلْحٌ أجال. وما كان هذا جوابُهم إلا لما نهاهم عن الطَّامَّةِ العظمى والفاحشة الكبرى، التي لم يسبقْهم إليها أحدٌ من أهل الدنيا، ولهذا صاروا مُثْلةً فيها، وعبرةً لمن عليها. وكانوا مع ذلك يقطعون الطريقَ، ويخونونَ الرفيقَ، ويأتون في ناديهم - وهو مجتمعهم ومحلّ حديثهم وسمرهم - المنكرَ من الأقوال والأفعال على اختلاف أصنافه، حتى قيل: إنهم كانوا يتضارطُون في مجالسِهم ولا يستحيُونَ من مُجالسيهم، وربما وقعَ منهم الفعْلةُ العظيمةُ في المحافل، ولا يستنكفون، ولا يرعوون لوعظ واعظ ولا نميمة من ناقل (٢)، وكانوا في ذلك وغيره كالأنعام بل أضلُّ سبيلًا، ولم يُقلعوا عما كانوا عليه في الحاضر، ولا ندموا على ما سلفَ من الماضي، ولارامُوا في المستقبل تحويلًا، فأخذَهم اللّه أخذًا وبيلًا، وقالوا له فيما قالوا: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]، فطلبوا منهْ وقوعَ ما حذَّرهم من العذاب الأليم، وحلول البأس العظيم، فعند ذلك

стр. 355

دعا عليهم نبيُّهم الكريم، فسألَ من ربِّ العالمين وإله المرسلين، أن ينصرَه على القوم المفسدين، فغارَ لغَيْرتِه وغضب لغَضْبَتهِ، واستجابَ لدعوتِه، وأجابه إلى طُلْبَتهِ، وبعثَ رسلَه الكرام وملائكتَه العظام، فمرُّوا على الخليل إبراهيم، وبشَّرُوه بالغلام العليم، وأخبرُوه بما جاؤوا له من الأمر الجَسيم والخَطْب العَميم. ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات: ٣١ - ٣٤]. وقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١، ٣٢]. وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤]. وذلك أنه كان يرجو أن يُنيبوا ويُسلموا، ويُقلعوا ويرجعوا، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٥، ٧٦] أي: أعرضْ عن هذا وتكلَّمْ في غيره، فإنه قد حتمَ أمرُهم، ووجبَ عذابُهم وتدميرُهم وهلاكُهم ﴿إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود: ٧٦] أي: قد أَمر به من لا يُردُّ أمرُه، ولا يُردُّ بأسه، ولا مُعَقِّبَ لحكمِه ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٦]. وذكر سعيدُ بن جُبير، والسُّدِّي وقتادة ومحمد بن إسحاق: أن إبراهيمَ ﵇ جعلَ يقول: "أتُهلكون قريةً فيها ثلاثمئة مؤمن؟ قالوا: لا. قال: فمئتا مؤمن؟ قالوا: لا. قال: فأربعون مؤمنًا؟ قالوا: لا. قال: فأربعة عشرَ مؤمنًا؟ قالوا: لا، قال ابن إسحاق إلى أن قال "أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد؟ قالوا: لا. ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾ [العنكبوت: ٣٢] الآية (١) ". وعند أهل الكتاب أنه قال: يا ربِّ أتُهلكهم وفيهم خمسون رجلًا صالحًا؟ فقال الله: لا أُهلكهم وفيهم خمسونَ صالحًا. ثم تنازلَ إلى عشرة فقال الله: لا أهلكهم وفيهم عشرة صالحون. قال اللّه تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧] قال المفسرون: لما فصلتِ الملائكةُ من عند إبراهيم: جبريل وميكائيل وإسرافيل، أقبلوا حتى أتوا أرض سدُوم في صُور شبَّان حِسَان، اختبارًا من اللّه تعالى لقوم لوط، وإقامةً للحجَّة عليهم، فاستضافوا لوطًا ﵇ وذلك عند غروب الشمس، فخشيَ إنْ لم يُضْفهم يُضَيِّفهم غيرُه، وحسبَهم بشرًا من النَّاس ﴿سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧]. قال ابن عبَّاس (٢) ومجاهد وقتادة ومحمد بن إسحاق: شديدٌ بلاؤُه. وذلك لما يعلم من مدافعته الليلة عنهم، كما كان يصنعُ بهم في

стр. 356

غيرهم، وكانوا قد اشترطوا عليه أن لا يُضَيِّفَ أحدًا، ولكن رأى من لا يمكن المحيد عنه. وذكر قتادة: أنَّهم وَرَدُوا عليه وهو في أرضٍ له يعملُ فيها، فتضيَّفُوا، فاستحيا منهم، وانطلقَ أمامَهم، وجعلَ يُعرِّضُ لهم في الكلام لعلَّهم ينصرفون عن هذه القرية وينزلوا في غيرها، فقال لهم فيما قال: يا هؤلاء ما أعلم على وجه الأرض أهلَ بلد أخبثَ من هؤلاء، ثم مشى قليلًا، ثم أعاد ذلك عليهم، حتى كرَّره أربعَ مرَّات، قال: وكانوا قد أمروا ألا يُهلكوهم حتى يشهدَ عليهم نبيُّهم بذلك (١). وقال السُّديِّ: خرجتِ الملائكةُ من عند إبراهيم نحوَ قوم لوط، فأتَوْها نصفَ النَّهار، فلما بلغوا نهرَ سَدُوم لقوا ابنةَ لوط تَسْتقي من الماء لأهلها، وكانت له ابنتان، اسم الكبرى "ريثا" والصُّغرى "زغْرتا" فقالوا لها: يا جاريةُ: هل من منزلٍ؟ فقالت لهم: مكانَكم لا تدخلوا حتى آتيكم، فَرِقَتْ عليهم من قومها، فأتتْ أباها، فقالت: يا أبتاه أرادَك فتيانٌ على باب المدينة، ما رأيتُ وجوهَ قومِ قطُّ هي أحسن منهم، لا يأخذهم قومك فيفضحوهم. وقد كان قومُه نهوه أن يُضيِّفَ رجلًا، فجاء بهم فلم يعلم أحدٌ إلا أهلُ البيت، فخرجتْ امرأتُه فأخبرتْ قومَها، فقالت: إن في بيت لوط رجالًا ما رأيتُ مثلَ وجوههم قطُ، فجاءَه قومُه يُهرعون إليه (٢). وقوله: ﴿يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] أي: هذا مع ما سلفَ لهم من الذنوب العظيمة الكبيرة الكثيرة ﴿يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] يُرشدهم إلى غشيان نسائِهم وهنَّ بناته شرعًا، لأن النبيَّ للأمة بمنزلة الوالد، كما ورد في الحديث، وكما قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وفي قول بعض الصحابة والسلف: وهو أب لهم. وكهذا كقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٥، ١٦٦] وهذا هو الذي نصَّ عليه مجاهد وسعيد بن جُبَيْر والربيع بن أنس وقتادة والسُّدِّي ومحمد بن إسحاق، وهو الصواب. والقولُ الآخر خطأ، مأخوذ من أهل الكتاب، وقد تصحَّفَ عليهم، كما أخطؤوا في قولهم: إن الملائكة كانوا اثنين، وإنهم تَعشَّوْا عنده، وقد خبطَ أهلُ الكتاب في هذه القِصَّة تخبيطًا عظيمًا. وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨] نهيٌ لهم عن تعاطي ما لا يليقُ من الفاحشة، وشهادةٌ عليهم بأنه ليس فيهم رجلٌ له مُسْكةٌ ولا فيه خير، بل الجميعُ سفهاء، فجرةٌ أقوياء، كفرةٌ أغبياء. وكان هذا من جملة ما أرادَ الملائكةُ أن يسمعوا منه من قبل أن يسألوه عنه، فقال قومه: - عليهم لعنة

стр. 357

الله الحميد المجيد - مجيبينَ لنبيِّهما فيما أمرَهم به من الأمر السديد ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩] يقولون - عليهم لعائن الله - لقد علمتَ يا لوط إنه لا أربَ لنا في نسائنا، وإنك لتعلَمُ مُرادنا وغَرضنا. واجهوا بهذا الكلام القبيح رسولَهم الكريم، ولم يخافوا سَطْوةَ العظيم، ذي العذاب الأليم، ولهذا قال ﵇: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] ودَّ أن لو كان له بهم قوَّة، أو منعة وعشيرة ينصرونه عليهم، ليحل بهم ما يستحفونه من العذاب على هذا الخطاب. وقد قال الزُّهري: عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة: عن أبي هريرة مرفوعًا: "نحنُ أحقُّ بالشكُ من إبراهيم، ويرحمُ اللّه لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لَبِثتُ في السجن ما لبثَ يوسف لأجبتُ الداعي" (١) ورواه أبو الزِّناد: عن الأعرج، عن أبي هريرة. وقال محمد بن عمرو بن علقمة: عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللّه ﷺ قال: "رحمةُ الله على لوط، لقد كان يأوي إلى ركن شديد - يعني اللّه فما بعثَ الله بعدَه من نبيٍّ إلا في ثروة من قومه" (٢). وقال تعالى: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٦٧ - ٧١] فأمرهم بقُربان نسائِهم وحذَّرهم الاستمرار على طريقتهم وسيِّآتهم، هذا وهم في ذلك لا ينتهون ولا يرعوون، بل كلَّما نصحَ لهم يُبالغون في تحصيل هؤلاء الضِّيفان ويُحرِّضون، ولم يعلموا ما حُمَّ به القَدَرُ مما هم إليه صائرون، وصبيحةَ ليلتهم إليه مُنقلبون، ولهذا قال تعالى مقسمًا بحياة نبيِّه محمد صلوات اللّه وسلامه عليه: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣٦ - ٣٨] ذكرَ المفسرون (٣) وغيرُهم: أن نبيَّ اللّه لوطًا ﵇ جعلَ يُمانعُ قومَه الدخولَ، ويُدافعُهم، والبابُ مغلقٌ، وهم يرومون فتحَه وولوجَه، وهو يعظُهم وينهاهُم من وراء الباب، وكل ما لهم في إلحاح وإنفاج (٤)، فلما ضاقَ الأمرُ وعَسُرَ الحالُ، قال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]، لأحللتُ بكم النَّكال. قالت الملائكة: (﴿يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود: ٨١] وذكروا أن جبريلَ ﵇ خرجَ

стр. 358

عليهم فضربَ وجوهَهم خفقةً بطرف جناحِه، فطمست أعينَهم، حتى قيل: إنها غارت بالكلية، ولم يبق لها محلٌّ ولا عينٌ ولا أثر، فرجعوا يتحسَّسون مع الحيطان، ويتوعَّدون رسولَ الرحمن، ويقولون: إذا كان الغدُ كان لنا وله شأنٌ، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣٧، ٣٨] فذلك أن الملائكة تقدَّمت إلى لوط ﵈، آمرينَ له بأن يسري هو وأهله من آخر الليل ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ [هود: ٨١] يعني عند سمِاع صوت العذاب إذا حلَّ بقومه، وأمروه أن يكونَ سيرُه في آخرهم كالساقة لهم. وقوله: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ على قراءة النصب يحتمل أن يكون مستثنى من قوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ كأنه يقول: إلَأ امرأتك فلا تسرِ بها، ويحتمل أن يكونَ من قوله: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ أي: فإنها ستلتفت فيُصيبها ما أصابَهم، ويُقوِّي هذا الاحتمال قراءة الرفع، ولكن الأول أظهر في المعنى، واللّه أعلم. قال السهيلي (١): واسم امرأة لوط "والهة" واسم امرأة نوح "والغة". وقالوا له مبشرين بهلاك هؤلاء البغاة العتاة الملعونين النظراء والأشباه، الذين جعلَهم اللّه سلفًا لكلِّ خائن مُريب: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١] فلما خرجَ لوطٌ ﵇ بأهله وهم ابنتاه، ولم يتبعْه منهم رجلٌ واحد، ويُقال: إن امرأتَه خرجتْ معه، فالله أعلم. فلما خَلَصوا من بلادهم وطلعتِ الشَّمْسُ، فكان عند شروقها جاءَهم من أمر الله ما لا يُردُّ، ومن البأس الشديد ما لا يمكن أن يُصدَّ. وعند أهل الكتاب: أن الملائكة أمروه أن يصعدَ إلى رأس الجبل الذي هناك، فاستبعده، وسأل منهم أن يذهبَ إلى قرية قريبة منهم. فقالوا: اذهب فإنا ننتظرُك حتى تصيرَ إليها وتستقرَّ فيها، ثم نُحلّ بهم العذابَ، فذكروا أنه ذهبَ إلى قرية "صغر" التي يقول النَّاس "غور زغر" فلما أشرقتِ الشَّمْسُ نزلَ بهم العذاب، قال اللّه تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٢، ٨٣]. قالوا: اقتلعَهنَّ جبريلُ بطرف جناحِه منْ قَرارهنَّ، وكنَّ سبعَ مُدُنٍ بمن فيهنَّ من الأمم، فقالوا: إنَّهم كانوا أربعمئة نسمة. وقيل: أربعة آلاف نسمة، وما معهم من الحيوانات، وما يتبعُ تلك المدن من الأراضي والأماكن والمعتملات، فرفعَ الجميعَ حتى بلغَ بهنَّ عنانَ السماء، حتى سمعتِ الملائكةُ أصواتَ ديكتهم ونُباح كلابهم، ثم قلبَها عليهم، فجعل عاليها سافلَها. قال مجاهد: فكان أوَّل ما سقط منها شرفاتها ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود: ٨٢] والسِّجِّيل (٢): فارسي مُعرَّب، وهو الشديد

стр. 359

الصُّلْبُ القويُّ ﴿مَنْضُودٍ﴾ أي يتبعُ بعضُها بعضًا في نزولها عليهم من السماء ﴿مُسَوَّمَةً﴾ أي: معلمة، مكتوب على كل حجر اسم صاحبه الذي يهبط عليه فيدمغه كما قال: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ وكما قال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٣] وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ [النجم: ٥٣، ٥٤]، يعني قلبَها فأهوى بها منكَّسة عاليها سافلها، وغشَّاها بمطر من حجارة من سجيل متتابعة مرقومة، على كل حجر اسم صاحبه الذي سقطَ عليه، من الحاضرين منهم في بلدهم والغائبين عنها من المسافرين والنازحين والشاذِّين منها. ويقال: إن امرأةَ لوطٍ مكثتْ مع قومها، ويُقال: إنها خرجتْ مع زوجها وبنتيها، ولكنَّها لما سمعت الصَّيْحة وسقوطَ البلدة التفتتْ إلى قومها، وخالفتْ أمرَ ربِّها قديمًا وحديثًا، وقالت: واقوماه! فسقطَ عليها حجرٌ فدمغَها (١)، وألحقَها بقومها إذ كانت على دينهم، وكانت عَيْنًا لهم على منْ يكونُ عند لوطٍ من الضِّيفان، كما قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم: ١٠] أي: خانتاهما في الدين، فلم يتَّبعاهُما فيه. وليس المرادُ أنهما كانتا على فاحشةٍ، حاشا وكلا ولمَّا، فإنَّ الله لا يُقدِّرُ على نبيٍّ أن تبغيَ امرأتُهُ، كما قال ابن عبَّاس وغيره من أئمة السلف والخلف: ما بغت امرأةُ نبيٍّ قط. ومنْ قال خلافَ هذا فقد أخطأ خطأً كبيرًا. قال اللّه تعالى في قصة الإفك، لما أنزل براءة أمِّ المؤمنين عائشة بنت الصِّدِّيق زوج رسول اللّه ﷺ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فعاتبَ اللّه المؤمنين وأَنَّبَ وزجرَ ووعظَ وحذَّر، وقال فيما قال: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥، ١٦] أي: سبحانَكَ أن تكون زوجة نبيِّك بهذه المثابة. وقوله هاهنا ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣] أي: وما هذه العقوبة ببعيدة ممن أشبههم في فعلهم. ولهذا ذهبَ منْ ذهبَ من العلماء إلى أن اللائط يُرجمُ سواءٌ كان مُحْصنًا أو لا، نصَّ عليه الشافعيُّ وأحمد بن حنبل، وطائفةٌ كثيرة من الأئمة، واحتجُّوا أيضًا بما رواه الإمام أحمد وأهلُ السُّننَ: من حديث عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس: أن رسول اللّه ﷺ قال: "منْ وجدتُموه يعملُ عملَ قومِ لوط فاقتلوا الفاعلَ والمفعولَ به" (٢) وذهبَ أبو حنيفة إلى أن اللائطَ يُلقى من شاهق جبل ويُتْبعُ بالحجارة، كما فُعِلَ بقوم لوط، لقوله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣]. وجعلَ اللّه مكانَ تلك البلاد بحرةً منتنةً، لا يُنتفع بمائِها، ولا بما حولَها من الأراضي المتاخمة

стр. 360

لفنائها، لرداءتها ودناءتها، فصارتْ عبرة ومُثْلةً وعِظَةً وآيةً على قدرة اللّه تعالى وعظمته، وعزَّته في انتقامه ممن خالفَ أمرَه وكذَّبَ رسلَه واتَّبعَ هواه وعصى مولاه، ودليلًا على رحمتِه بعباده المؤمنينَ في إنجائه إيَّاهم من المهلكات، وإخراجه إياهم من النُّور إلى الظلمات، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٨، ٩]، وقال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٣ - ٧٧] أي: منْ نَظرَ بعين الفراسة والتوسُّم فيهم، كيف غيَّر اللّه تلك البلاد وأهلَها، وكيف جعلَها بعدما كانت آهلةً عامرة، هالكةً غامرة؛ كما روى الترمذيُّ وغيرُه مرفوعًا: "اتقوا فراسةَ المؤمن فإنَّه ينظر بنور اللّه" (١) ثم قرأ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥]. وقوله ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] أي: لطريق مهيعٍ مسلوك إلى الآن، كما قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٧]، أي: تركناها عبرة وعظةً لمن خافَ عذابَ الآخرة، وخشي الرحمن بالغيب، وخاف مقام ربّه، ونهى النفس عن الهوى، فانزجرَ عن محارم اللّه، وترك معاصيه، وخاف أن يُشابه قومَ لوط: "ومن تشبَّه بقوم فهو منهم" (٢) وإن لم يكن من كل وجه فمن بعض الوجوه، كما قال بعضهم: [من الطويل] فإنْ لم تكونوا قومَ لوطٍ بعينهم … بعينهم فما قومُ لوطٍ منكمُ ببعيد فالعاقلُ اللَّبيبُ الخائفُ من ربِّه، الفاهمُ، يمتثلُ ما أمرَه اللّه به ، ويقبلُ ما أرشده إليه رسولُ اللّه من إتيان ما خلقَ له من الزوجات الحلال، والجواري من السَّراري ذوات الجمَال، وإيَّاه أن يتَّبعَ كلَّ شيطان مريد، فيحقّ عليه الوعيد، ويدخل في قوله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣]. * * *

стр. 361

قصة مدين قوم شعيب ﵇ قال الله تعالى في سورة الأعراف بعد قصَّة قوم لوط: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩) وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (٩٢) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥ - ٩٣]. وقال في سورة هود بعد قصة قوم لوط أيضًا: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨) وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠) قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود: ٨٤ - ٩٥].

стр. 362

وقال في الحجر بعد قصة قوم لوط أيضًا: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٨، ٧٩]. وقال تعالى في الشعراء بعد قصتهم: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٧٦ - ١٩١]. كان أهل مدين قومًا عَربًا، يَسكنونَ مدينتَهم "مدينَ" التي هي قرية من أرض معان من أطراف الشام، مما يلي ناحية الحجاز، قريبًا من بحيرة قوم لوط، وكانوا بعدَهم بمدَّة قريبة، ومدين قبيلة عرفت بهم المدينة، وهم من بني مدين بن مديان بن إبراهيم الخليل، وشعيبُ نبيُّهم هو ابن ميكيل بن يشجن، ذكره ابن إسحاق، قال: ويقال له بالسريانية: "ينزون" وفي هذا نظر، ويُقال: شعيب بن يشخر بن لاوي بن يعقوب، ويقال: شعيب بن نويب بن عنقاء بن مدين بن إبراهيم. ويقال: شعيب بن ضيفور بن عيتا بن ثابت بن مدين بن إبراهيم. وقيل: غير ذلك في نسبه. قال ابن عساكر (١): ويُقال جدَّتُه، ويُقال: أمه بنت لوط. وكان ممن آمن بإبراهيم وهاجرَ معه، ودخلَ معه دمشقَ. وعن وهْب بن مُنبه أنه قال: كان شعيب وملغم ممن آمن بإبراهيم يوم أُحرقَ بالنار، وهاجرا معه إلى الشام فزوَّجهما بنتيْ لوط ﵇. ذكره ابن قتيبة (٢). وفي هذا كله نظر أيضًا واللّه أعلم. وذكر أبو عمر بن عبد البر في "الاستيعاب" (٣) في ترجمة سلمةَ بن سعد العَنزي، قدمَ على رسول اللّه ﷺ فأسلمَ وانتسبَ إلى عنزةَ، فقال: "نعم الحيُّ عنزةَ، مبغيٌّ عليهم، منصورون، رهطُ شعيب وأختان (٤) موسى" فلو صحَّ هذا لدلَّ على أنَّ شُعيبًا صهر موسى، وأنه من قبيلة من العرب العاربة يُقال

стр. 363

لهم: عَنزةَ، لا أنهم من عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان، فإن هؤلاء بعدَه بدهرٍ طويل، واللّه أعلم. وفي حديث أبي ذر الذي في صحيح ابن حِبَّان في ذكر الأنبياء والرسل، قال: "أربعةٌ من العرب: هود، وصالح، وشعيب، ونبيُّك يا أبا ذر" (١). وكان بعضُ السلف يُسمِّي شعيبًا خطيبَ الأنبياء، يعني لفصاحته وعلوِّ عبارته وبلاغته في دعاية قومه إلى الإيمان برسالته. وقد روى ابن إسحاق بن بشر: عن جويبر ومقاتل، عن الضَّحَّاك، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا ذكرَ شعيبًا قال: "ذاكَ خطيبُ الأنبياء" (٢). وكان أهلُ مَدْين كفَّارًا يقطعونَ السبيلَ، ويُخيفون المارَّة، ويعبدون الأيكةَ، وهي شجرةٌ من الأيك حولَها غيضة (٣) ملتفَّة بها، وكانوا من أسوأ الناس معاملةً، يبخسون المِكْيال والميزان، ويُطفِّفونَ فيهما، يأخذون بالزائد ويدفعونَ بالنَّاقص، فبعثَ اللّه فيهم رجلًا منهم، وهو رسول الله ﷺ شُعيب ﵇، فدعاهم إلى عبادة الله وحدَه لا شريكَ له، ونهاهم عن تعاطي هذه الأفاعيل القبيحةِ من بَخْسِ النَّاس أشياءهم وإخافتهم لهم في سُبُلهم وطُرُقاتِهم، فآمن به بعضُهم وكفرَ أكثرُهم، حتى أحلَّ اللّه بهم البأسَ الشديدَ، وهو الولي الحميد، كما قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥] أي: دلالة وحجَّة واضحة، وبرهان قاطع على صدق ما جئتكم به وأنه أرسلني، وهو ما أجرى الله على يديه من المعجزات التي لم تُنقل إلينا تفصيلًا، وإن كانَ هذا اللَّفظ قد دلَّ عليها إجمالًا: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٨٥] أمرهم بالعدل ونهاهم عن الظلم، وتوعَّدَهم على [خلاف ذلك] (٤) فقال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾ أي: طريق ﴿تُوعِدُونَ﴾ [الأعراف: ٨٥ - ٨٦]: تتوعدون الناس بأخذ أموالِهم من مُكوسٍ وغير ذلك، وتُخيفون السُّبُل. قال السُّدِّي في تفسيره عن الصحابة: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ أنهم كانوا يأخذونَ العشورَ من أموال المارة.

стр. 364

وقال إسحاق بن بشرٍ: عن جُويبر عن الضَّحاك، عن ابن عباس، قال: كانوا قومًا طغاةً بغاةً، يجلسون على الطريق، ويبخسون الناس، يعني: يُعشِّرونهم، وكانوا أوَّلَ من سَنَّ ذلك. ﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [الأعراف: ٨٦] فنهاهم عن قطعِ الطريقِ الحِسِّيَّةِ الدنيويَّة والمعنويَّة الدينية: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ٨٦] ذكَّرهم بنعمة اللّه تعالى عليهم في تكثيرهم بعد القِلَّة، وحذَّرهم نقمةَ اللّه بهم إن خالفوا ما أرشدَهم إليه ودلَّهم عليه، كما قال لهم في القِصَّة الأخرى: ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ [هود: ٨٤] أي: لا تركبُوا ما أنتم عليه وتستمروا فيه فيمحق (١) اللّه بركةَ ما في أيديكم ويُفقرُكم، ويُذهبُ ما به يغنيكم، وهذا مضافٌ إلى عذاب الآخرة، ومنْ جُمع له هذا وهذا فقد باءَ بالصفقة الخاسرة، فنهاهم أولًا عن تعاطي ما لا يليقُ من التطفيف، وحذَّرهم سَلْبَ نعمةِ اللّه عليهم في دنياهم وعذابه الأليم في أُخراهم، وعنَّفهم أشدَّ تعنيف. ثم قال لهم آمرًا بعدما كان عن ضِدِّه زاجرًا ﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [هود: ٨٥، ٨٦] قال ابن عباس والحسن البصري: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [هود: ٨٦] أي: رزق اللّه خير لكم من أخذ أموال النَّاس. وقال ابن جرير: ما فضلَ لكم من الربح بعدَ وفاء الكيل والميزان خيرٌ لكم من أخذ أموال الناس بالتطفيف، قال: وقد رُوي هذا عن ابن عبَّاس. وهذا الذي قاله وحكاه حسن، وهو شبيهٌ بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠] يعني: أن القليل من الحلال خيرٌ لكم من الكثير من الحرام، فإنَّ الحلالَ مباركٌ وإن قلَّ، والحرامَ ممحوقٌ وإنْ كثرَ، كما قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] وقال رسول اللّه ﷺ : "إنَّ الرِّبا وإنْ كَثُرَ فإن مصيره إلى قُلٍّ" رواه أحمد (٢). أي: إلى قلة. وقال رسول اللّه ﷺ : "البَيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا، فإن صدَقَا وبيَّنا بُوركَ لهما في بَيْعهما، وإنْ كتما وكذَبا مُحِقَتْ بركةُ بيعهما" (٣). والمقصود: أنَّ الربحَ الحلال مُباركٌ فيه وإنْ قَلَّ، والحرامُ لا يجدي وإن كثر، ولهذا قال نبي اللّه شُعيب: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٨٦].

стр. 365

وقوله: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [هود: ٨٦] أي: افعلوا ما آمرُكم به ابتغاءَ وجه اللّه، ورجاءَ ثوابه، لا لأرَاكم أنا وغيري. ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] يقولونَ هذا على سبيل الاستهزاء والتنقُّص والتَّهَكُم: أصلاتُك هذه التي تُصلِّيها هي الآمرةُ لك بأن تحجزَ علينا فلا نعبدُ إلا إلهك، ونتركُ ما يعبدُ آباؤنا الأقدمون وأسلافُنا الأَوَّلون، أو ألَّا نتعاملَ إلا على الوجه الذي ترتضيه أنتَ، ونتركُ المعاملاتِ التي تأباها، وإن كنا نحن نرضاها ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] قال ابن عباس وميمونُ بن مِهْران وابن جُرَيْج وزيد بن أسلم وابن جرير (١): يقول ذلك أعداء الله على سبيل الاستهزاء. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨] هذا تلطُّفٌ معهم في العبارة ودعوةٌ لهم إلى الحق بأبينِ إشارةِ، يقول لهم: أرأيتُم أيها المكذبون: ﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ [هود: ٨٨] أي: على أمر بَيِّنٍ من الله تعالى، أنه أرسلني إليكم ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [هود: ٨٨] يعني النبوة والرِّسالة، يعني وعَمِيَ عليكم معرفتها، فأيُّ حيلةِ لي لكم. وهذا كما تقدَّم عن نوح ﵇ أنه قال لقومه سواء. وقوله: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] أي: لستُ آمرُكم بالأمر إلا وأنا أَوَّلُ فاعل له، وإذا نهيتُكم عن الشيء فأنا أَوَّلُ منْ يتركُه، وهذه هي الصفة المحمودةُ العظيمة، وضدُّها هي المردودة الذميمة، كما تلبَّسَ بها علماء بني إسرائيل في آخر زمانهم، وخطباؤهم الجاهلون، قال الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]. وذكرَ عندها في الصحيح: عن رسول اللّه ﷺ ، أنه قال: " يُؤتى بالرجل فيُلقى في النار فتندلقُ أقتابُ بطنِه - أي: تخرجُ أمعاؤه من بطنِه - فيدورُ بها كما يدورُ الحمارُ برحاه، فيجتمعُ أهلُ النَّار، فيقولون: يا فلان مالكَ؟ ألم تكن تأمرُ بالمعروف وتَنْهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنتُ آمرُ بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه" (٢). وهذه صفة مُخالفي الأنبياء من الفُجَّار والأشقياء، فأمَّا السادةُ من النُّجباء والألبَّاء من العلماء، الذين يخشونَ ربَّهم بالغيب، فحالُهم كما قال نبي اللّه شعيب: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨] أي: ما أُريد في جميع أمري إلا الإصلاحَ في الفعال والمقال بجهدي

стр. 366

وطاقتي ﴿وَمَا تَوْفِيقِي﴾ أي: في جميع أحوالي ﴿إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨] أي: عليه أتوكَّل في سائر الأمور وإليه مَرْجعي ومَصيري في كلِّ أمري، وهذا مقامُ ترغيب. ثم انتقلَ إلى نوعٍ من الترهيب، فقال: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩] أي: لا تحملنَّكم مخالفتي، وبغضُكم ما جئتكم به على الاستمرار على ضلالِكم وجهلِكُم ومخالفتِكم، فيحلّ اللّه بكم من العذاب والنَّكال نظيرَ ما أحلَّه بنُظرائكم وأشباهِكم من قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح من المكذِّبين المخالفين. وقوله: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩] قيل: معناه في الزمان، أي: ما بالعهد من قدم، مما قد بلغكم ما أحلَّ بهم على كفرهم وعُتوِّهم. وقيل: معناه: وما هم منكم ببعيد في المحلَّة والمكان. وقيل: في الصفات والأفعال المُستقبحات، من قطع الطريق وأخذ أموال الناس جهرة وخفيةً، بأنواع الحيل والشبهات، والجمعُ بين هذه الأقوال ممكن، فإنَّهم لم يكونوا بعيدينَ منهم، لا زمانًا ولا مكانًا ولا صفاتٍ. ثم مزجَ الترهيب بالترغيب، فقال: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠]، أي: أقلعوا عما أنتم فيه وتوبوا إلى ربِّكم الرحيم الودود، فإنَّه منْ تابَ إليه تابَ عليه، فإنَّه رحيمٌ بعباده، أرحمُ بهم من الوالدة بولدها ﴿وَدُودٌ﴾ وهو المجيبُ، ولو بعد التوبة على عبده، ولو من المُوبقات العظام ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ [هود: ٩١] روي (١) عن ابن عبَّاس، وسعيد بن جُبَيْر، والثوريّ: أنهم قالوا: كان ضريرَ البَصَر. وقد رُوي في حديث مرفوع أنه بكى من حبِّ اللّه حتى عَمِيَ، فردَّ اللّه عليه بصرَه، وقال: "يا شعيبُ أتبكي من خوفِك من النَّار أو مِن شوقِك إلى الجنَّة؟ فقال: بل من محبَّتِكَ، فإذا نظرتُ إليكَ فلا أُبالي ماذا يُصنعُ بي. فأوحى إليه اللّه: هنيئًا لك يا شُعيب لقائي، فلذلكَ أخدمتُك موسى بن عمران كليمي". رواه الواحدي (٢) عن أبي الفتح محمد بن علي الكوفي، عن علي بن الحسن بن بندار، عن أبي عبد اللّه بن محمد بن إسحاق الرملي، عن هشام بن عمَّار، عن إسماعيل بن عيَّاش، عن بحير بن سعيد، عن شدَّاد بن أوس، عن النبي ﷺ بنحوه، وهو غريبٌ جدًا، وقد ضعَّفه الخطيب (٣) البغدادي.

стр. 367

وقولهم: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١] وهذا من كُفْرهم البليغ وعنادهم الشنيع، حيث قالوا: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ أي: ما نفهمه ولا نتعقَّله، لأنا لا نُحبُّه ولا نُريده، وليس لنا همَّةٌ إليه، ولا إقبال عليه، وهو كما قال كفَّارُ قريش لرسول اللّه ﷺ : ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت: ٥] وقولهم: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ [هود: ٩١] أي: مُضْطهدًا مهجورًا ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ﴾ أي: قبيلتُك وعشيرتُك فينا ﴿لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [هود: ٩١، ٩٢] أي: تخافونَ قبيلتي وعشيرتي، وتراعوني بسببهم ولا تخافونَ جَنَبة (١) اللّه، ولا تراعوني لأني رسول اللّه، فصارَ رهطي أعزّ عليكم من اللّه: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢] أي: جعلتم جانب اللّه وراءَ ظهوركم ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [هود: ٩٢] أي: هو عليمٌ بما تعملونَه وما تصنعونه، محيطٌ بذلك كله، وسيجزيكم عليه يوم تُرجعون إليه ﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ [هود: ٩٣] وهذا أمر تهديد شديد ووعيدٍ أكيد، بأن يستمروا على طريقتهم ومنهجِهم وشاكلتِهم، فسوفَ تعلمونَ من تكونُ له عاقبةُ الدار، ومن يحلّ عليه الهلاك والبَوَار ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ أي: في هذه الحياة الدنيا ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أي: في الأخرى ﴿وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ أي: مني ومنكم فيما أخبر وبشَّر وحذَّر ﴿وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ [هود: ٩٣] وهذا كقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٧]. ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٨، ٨٩]. طلبوا بزعمهم أن يردُّوا من آمن منهم إلى ملَّتهم، فانتصب شعيب للمحاجَّة عن قومه فقال: ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ أي: هؤلاء لا يعودونَ إليكم اختيارًا وإنما يعودونَ إليه إن عادُوا اضْطرارًا مُكرمينَ، وذلك لأن الإيمان إذا خالطتْه بشاشةُ القلوبِ لا يسخطُه أحدٌ، ولا يرتدُّ أحدٌ عنه، ولا محيدَ لأحد منه. ولهذا قال: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الأعراف: ٨٩] أي: فهو كافينا وهو العاصمُ لنا وإليه مَلْجَؤُنا في جميع أمرنا. ثم استفتحَ على قومِه واستنصرَ ربَّه عليهم في تعجيل ما يستحقونه إليهم، فقال: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩] أي: الحاكمين. فدعا عليهم، واللّه لا يردُّ دعاء رسلِه

стр. 368

إذا استنصروه على الذين جَحدُوه وكفَروه، ورسوله خالفوه، ومع هذا صَمَّمُوا على ما هم عليه مشتملون ويه مُتلبِّسونَ: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٠]. قال اللّه تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٩١] ذكر في سورة الأعراف أنهم أخذتهم رجفة، أي: رجفت بهم أرضهم، وزُلزلت زلزالًا شديدًا أزهقتْ أرواحَهم من أجسادها، وصَيَّرت حيواناتِ أرضهم كجمادِها، وأصبحت جُثثُهم جاثيةً لا أرواحَ فيها، ولا حركات بها، ولا حوَّاس لها. وقد جمعَ اللّه عليهم أنواعًا من العقوبات، وصنوفًا من المثلات، وأشكالًا من البَليَّاتِ، وذلك لما اتَّصفُوا به من قبيح الصِّفاتِ، سَلَّطَ اللّه عليهم رجفةً شديدةً، أسكنتِ الحركاتِ، وصيحةً عظيمة أخمدتِ الأصواتَ، وظُلَّة أُرسلَ عليهم منها شررُ النَّارِ من سائر أرجائِها والجهات. ولكئه تعالى أخبرَ عنهم في كلِّ سورة بما يُناسب سياقها ويُوافق طباقها، في سياق قصَّة الأعراف أرجفوا نبيَّ اللّه وأصحابه، وتوعَّدُوهم بالإخراج من قريتهم، أو ليعودُنَّ في مِلَّتهم راجعين، فقال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٩١] فقابلَ الإرجاف بالرجفة والإخافة بالخيفة، وهذا مناسبٌ لهذا السياق، ومُتعلِّق بما تقدَّمه من السياق. وأما في سورة هود: فذكرَ أنَّهم أخذتْهم الصَّيْحةُ فأصبحوا في ديارهم جاثمين، وذلك لأنهم قالوا لنبي اللّه على سبيل التَّهَكُّم والاستهزاء والتنقُّص: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] فناسبَ أنْ يذكرَ الصيحةَ التي هي كالزجر عن تعاطي هذا الكلام القبيح الذي واجهوا به هذا الرسولَ الكريم الأمين الفصيحَ، فجاءتهم صيحةٌ أسْكَتَتْهُمْ مع رجفةٍ أسْكنتْهُم. وأما في سورة الشعراء: فذكرَ أنه أخذَهم عذابُ يومِ الظُّلَّة، وكان ذلك إجابةً لما طَلبُوا، وتقريبًا إلى ما إليه رغبوا. فإنهم قالوا: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٨٥ - ١٨٨] قال اللّه تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩] ومن زعمَ من المفسرين، كقتادة وغيره: أن أصحابَ الأيكة أُمة أخرى غير أهل مَدْين، فقوله ضعيف. وإنَّما عمدتهم شيئان: أحدهما: أنه قال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ [الشعراء: ١٧٦، ١٧٧] ولم يقل أخوهم، كما قال ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥] والثاني: أنه ذكرَ عذابَهم بيوم الظُّلة، وذكر في أولئك الرجفة أو الصيحة. والجواب عن الأول: أنه لم يذكر الأخوة بعد قوله: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦]

стр. 369

لأنه وصفَهم بعبادة الأيكة، فلا يُناسبُ ذكرَ الأخوة هاهنا، ولمَّا نسبَهم إلى القبيلة شاعَ ذكرُ شعيب بأنَّه أخوهم. وهذا الفرقُ من النفائس اللَّطيفةِ العزيزة الشريفة. وأما احتجاجُهم بيوم الظُلَّةِ فإن كان دليلًا بمجرَّده على أن هؤلاء أُمة أخرى، فليكن تعداد الانتقام بالرجفة والصيحة دليلًا على أنهما أُمتان أخريان [وهذا لا يقولُه أحدٌ يفهم شيئًا من هذا الشأن] (١). فأما الحديثُ الذي أوردَه الحافظُ ابنُ عساكر في ترجمة النبيِّ شعيب ﵇ (٢): من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن أبيه، عن معاوية بن هشام، عن هشام بن سعد، عن شقيق بن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف، عن عبد الله بن عمرو، مرفوعًا: "إن قومَ مدين وأصحابَ الأيكةِ أَمَّتان، بعثَ الله إليهما شعيبًا النبيَّ ﵇". فإنَّه حديثٌ غريبٌ، وفي رجاله من تكلِّم فيه، والأشبهُ أنَّه كلام عبد اللّه بن عمرو، مما أصابَه يوم اليرموك من تلك الزاملتين من أخبار بني إسرائيل، واللّه أعلم. ثم قد ذكرَ الله عن أهل الأيْكة من المذمَّة ما ذكرَه عن أهل مدينَ من التطفيف في المِكيال والميزان، فدل على أنهم أُمة واحدة أُهلكوا بأنواعٍ من العذاب. وذَكرَ في كل موضعٍ ما يُناسب من الخطاب. وقوله ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩]، ذكروا أنَّهم أصابَهم حرٌّ شديد، وأسكنَ الله هبوبَ الهواء عنهم سبعة أيام، فكان لا ينفعُهم مع ذلك ماءٌ ولا ظِلٌّ، ولا دخولهم في الأسراب، فهربوا من محلَّتهم إلى البرِّيَّة، فأظلَّتهم سحابة، فاجتمعُوا تحتَها ليستظِلُّوا بظِلِّها، فلما تكاملوا فيه أرسلَها الله ترميهم بشررٍ وشُهُب، ورجفتْ بهم الأرضُ، وجاءتْهم صيحةٌ من السماء، فأزهقتِ الأرواحَ، وخرَّبت الأشباح، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٩١، ٩٢] ونجَّى اللهُ شعيبًا ومن معه من المؤمنين، كما قال تعالى - وهو أصدق القائلين -: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود: ٩٤، ٩٥]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٩٠ - ٩٢] وهذا في مقابلة قولهم: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٠] ثم ذكر تعالى عن نبيِّهم أنه نعاهم إلى أنفسهم مُوبِّخًا ومُؤنِّبًا ومُقرِّعًا، فقال تعالى: ﴿يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ

стр. 370

فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٩٣] أي: أعرضْ عنهم مُولّيًا عن محلَّتهم بعد هلكتهم قائلًا: ﴿يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٩٣] أي: قد أدَّيْتُ ما كان واجبًا عليّ من البلاغ التامِّ والنُّصْح الكامل، وحرصتُ على هدايتكم بكلِّ ما أقدرُ عليه، وأتوصّل إليه، فلم ينفعْكم ذلك، لأن الله لا يهدي منْ يُضلُّ، وما لهم من ناصرين، فلستُ أتأسَّف بعد هذا عليكم، لأنكم لم تكونوا تقبلونَ النصيحةَ، ولا تخافونَ يومَ الفضيحة، ولهذا قال: ﴿فَكَيْفَ آسَى﴾ أي: أحزن ﴿عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ أي: لا تقبلون الحقَّ ولا ترجعون إليه، ولا تلتفتونَ، فحلَّ بهم من بأسِ اللّه الذي لا يُردُّ ما لا يُدافَعُ ولا يُمانَعُ، ولا محيد لأحدٍ أريد به عنه ولا مناص (١) منه. وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه (٢): عن ابن عباس؛ أن شعيبًا ﵇ كان بعد يوسف ﵇. وعن وَهْب بن مُنَبِّه (٣) أنَّ شُعيبًا ﵇ ماتَ بمكَّة ومنْ معه من المؤمنينَ، وقبورهم غربيّ الكعبة بين دار النَّدْوة ودار بني سَهْم. * * * باب ذكر ذريّة إبراهيم ﵊ (٤) قد قدَّمنا قصَّته مع قومه وما كان من أمرهم، وما آلَ إليه أمره ﵇ والتحيَّة والإكرام، وذكرنا ما وقعَ في زمانهِ من قصَّة قوم لوط، وأتبعنا ذلك بقصَّة مدينَ قوم شعيب ﵇؛ لأنها قرينتها في كتاب اللّه في مواضعَ مُتعدِّدة، فذكرَ تعالى بعدَ قِضَة قومِ لوط قصَّة مدينَ، وهم أصحابُ الأيكة على الصحيح، كما قدَّمنا، فذكرناها تبعًا لها اقتداء بالقرآن العظيم. ثم نشرعُ الآن في الكلام على تفضيل ذرِّيَّة إبراهيم ﵇، لأنَّ اللّه جعلَ في ذريَّته النبوةَ والكتابَ، فكلُّ نبيٍّ أُرسلَ بعدَه فمن وَلَده.

стр. 371

ذكرُ إسماعيل ﵇ وقد كان للخليل بنونَ كما ذكرنا، و لكنَّ أشهرَهم الأخوان النَّبيَّان العظيمان الرسولان، أسنُّهما وأجلُّهما الذي هو الذبيحُ على الصحيح إسماعيل، بكرُ إبراهيم الخليل من هاجرَ القِبْطية المصرية ﵍ من العظيم الجليل. ومنْ قال: إنَّ الذبيحَ هو إسحاقُ فإنما تلقَّاه من نَقَلةِ بني إسرائيلَ الذين بدَّلوا وحرَّفوا وأوَّلوا التوراةَ والإنجيلَ، وخالفوا ما بأيديهم في هذا من التنزيل. فإنَّ إبراهيمَ أُمرَ بذبح ولده البكر، وفي روايةٍ الوحيد. وأيًّا ما كان فهو إسماعيلُ بنصِّ الدليل، ففي نصّ كتابهم إن إسماعيلَ وُلدَ ولإبراهيم من العمر ست وثمانون سنة، وإنما وُلِدَ إسحاق بعد مضي مئة سنةٍ من عمر الخليل، فإسماعيلُ هو البِكْرُ لا محالة، وهو الوحيد في الصورة والمعنى (١) على كل حالة. أما في الصورة فلأنَّه كان وحدَه ولدَه أزيدَ من ثلاثة عشر سنة، وأما أنه وحيدٌ في المعنى فإنه هو الذي هاجرَ به أبوه ومعه أمّه هاجرُ، وكان صغيرًا رضيعًا فيما قيل، فوضعهما في وهاد جبال فاران، وهي الجبال التي حولَ مكَة نعم المقيل، وتركَهما هنالك ليس معهما من الزاد والماء إلا القليل، وذلك ثقةٌ باللّه وتوكُّلًا عليه. فحاطَهُما اللّه تعالى بعنايته وكفايتِه، فنعمَ الحسيبُ والكافي والوكيلُ والكفيلُ، فهذا هو الولدُ الوحيدُ في الصورة والمعنى، ولكنْ أين من يتفطَّنُ لهذا السر؟ وأين منْ يحلُّ بهذا المحل، والمعنى لا يُدركُه ويُحيط بعلمه إلا كلُّ نبيهٍ نبيل. وقد أثنى اللّه تعالى عليه ووصفَه بالحِلْم والصَّبْر وصِدْقِ الوعد، والمحافظة على الصلاة، والأمر بها لأهله ليقيهم العذابَ، مع ما كانَ يدعو إليه من عبادة ربِّ الأرباب. قال اللّه تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠١، ١٠٢] فطاوعَ أباه على ما إليه دعاه، ووعدَه بأنْ سيصبر، فوفى بذلك، وصبرَ على ذلك. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٤، ٥٥]. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٥ - ٤٨] وقال تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ

стр. 372

الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥ - ٨٦] وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [النساء: ١٦٣] الآية. وقال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [البقرة: ١٣٦] الآية، ونظيرتها من السورة الأخرى. وقال تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠] الآية. فذكرَ اللّه عنه كلَّ صفةٍ جميلةٍ، وجعله نبيَّه ورسولَه وبرَّأه من كل ما نَسبَ إليه الجاهلون، وأمرَ بأن يُؤمنَ بما أنزلَ عليه عباده المؤمنون. وذكر علماءُ النسب وأيَّام النَّاس أنَّه أوَّلُ من ركبَ الخيلَ، وكانت قبلَ ذلك وُحُوشًا فآنسها وركبَها. وقد قال سعيد بن يحيى الأموي في مغازيه: حَدَّثَنَا شيخ من قُريش، حَدَّثَنَا عبدُ الملك بن عبد العزيز، عن عبد اللّه بن عمر؛ أنَّ رسولَ اللّه ﷺ قال: " اتَّخذوا الخيلَ واعتقِبُوها، فإنَّها ميراثُ أبيكم إسماعيل" (١) وكانت هذه العرابُ وحشًا فدعا لها بدعوتِه التي كان أعطي فأجابته. وأنَّه أولُ من تكلَّم بالعربية الفصيحة البليغة، وكان قد تعلَّمها من العرب العاربة الذين نزلوا عندهم بمكة من جُرهم والعماليق، وأهل اليمن من الأمم المتقدِّمين من العرب قبل الخليل. قال الأموي: حدَّثني عليُّ بن المغيرة، حَدَّثَنَا أبو عُبيدة، حَدَّثَنَا مِسْمَعُ بن مالك، عن محمد بن علي بن الحسين، عن آبائه، عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: "أوَّلُ من فُتِق لسانُه بالعربية البيِّنة إسماعيل، وهو ابن أربع عشرة سنة" (٢) فقال له يونس: صدقت يا أبا سيار، هكذا أبو جريّ حدَّثني. وقد قدَّمنا أنَّه تزوَّجَ لما شبَّ من العماليق امرأةً، وأنَّ أباه أمرَه بفراقِها، ففارقَها. قال الأموي: هي عمارةُ بنت سعد بن أسامة بن أكيل العماليقي (٣). ثم نكحَ غيرَها فأمرَه أن يستمرَّ بها، وهي السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي. وقيل: هذه ثالثة، فولدت له اثني عشرَ ولدًا ذكرًا، وقد سمَّاهم محمد بن إسحاق ﵀، وهم: نابت وقيذر وازبل وميشى ومسمع وماش ودوصا وآزر ويطور ونبش وطيما وقيذما (٤). وهكذا ذكرَهم أهلُ الكتاب في كتابهم. وعندهم أنهم الاثنا عشر عظيمًا المبشَّر بهم، المتقدِّم ذكرهم، وكذبوا في تأويلهم ذلك.

стр. 373

وكان إسماعيلُ ﵇ رسولًا إلى أهل تلك الناحية وما والاها من قبائل جرهم والعماليق وأهل اليمن صلواتُ الله وسلامه عليه، ولما حضرتْه الوفاةُ أوصى إلى أخيه إسحاق وزوج ابنته "نسمة" من ابن أخيه العيص بن إسحاق، فولدت له الروم، يقال لهم: بنو الأصفر، لصفرةٍ كانت في العيص. وولدتْ له اليونان في أحد الأقوال. ومن ولد العيص الأشبان، قيل: منهما أيضًا. وتوقَّفَ ابن جرير (١) ﵀. ودُفنَ إسماعيلُ نبيُّ الله بالحجر مع أمِّه هاجرَ، وكان عمرُه يوم مات مئة وسبعًا وثلاثين سنة (٢). ورُوي عن عمرَ بن عبد العزيز أنه قال: شكا إسماعيلُ ﵇ إلى ربِّه حزَ مكَّةَ، فأوحى اله إليه أنِّي سأفتحُ لك بابًا إلى الجنَّةِ، إلى الموضع الذي تُدفنُ فيه، تجري عليك روحُها إلى يوم القيامه (٣). وعربُ الحجاز كلُّهم ينتسبون إلى ولديْه نابت وقيذار. وسنتكلَّم على أحياء العرب وبطونها وعمائِرها وقبائِلها وعشائِرها من لدن إسماعيل ﵇ إلى زمان رسول اللّه ﷺ . وذلك إذا انتهينا إلى أيَّامه الشريفة وسيرته المنيفة بعد الفراغ من أخبار أنبياء بني إسرائيل إلى زمان عيسى ابن مريم خاتم أنبيائهم ومحقق أنبائهم، ثم نذكرُ ما كان في زمن بني إسرائيل، ثم ما وقعَ في أيَّام الجاهلية، ثم ينتهي الكلام إلى سيرة نبيّنا رسولِ اللّه إلى العرب والعجم وسائر صنوف بني آدم من الأمم، إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم العزيز الحكيم. * * * ذكرُ إسحاق بن إبراهيم الكريم ابن الكريم عليهما الصّلاة والتسليم قد قدَّمنا أنه ولد ولأبيه مئة سنة بعد أخيه إسماعيل بأربع عشرة سنة، وكان عمرُ أمّه سارَة حين بشُّرَتْ به تسعين سنة، قال الله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٢، ١١٣].

стр. 374

وقد ذكرَه اللّه تعالى بالثناء عليه في غير ما آية من كتابه العزيز، وقدَّمنا في حديث أبي هريرة، عن رسول اللّه ﷺ : "إنَّ الكريمَ بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم" (١). وذكرَ أهلُ الكتاب أنَّ إسحاقَ لما تزوَّج "رفقا" بنت بثوابيل في حياة أبيه، كان عمرُه أربعينَ سنة، وأنها كانت عاقرًا فدعا اللّه لها فحملَثْ، فولدت غلامين توأمين: أولهما سمَّوه "عيصو" وهو الذي تُسميه العربُ العيصَ، وهو والد الروم الثاني (٢). والثاني خرجَ وهو آخذٌ بعقبِ أخيه فسمَّوه "يعقوبَ" (٣) وهو إسرائيل الذي ينتسبُ إليه بنو إسرائيل. قالوا: وكان إسحاق يحبُّ "العيصو" أكثر من "يعقوب" لأنه بِكرُه، وكانت أُمُّهما "رفقا" تحبُّ يعقوبَ أكثر؛ لأنَّه الأصغرُ. قالوا: فلما كبرَ إسحاق وضعفَ بصرُه، اشتهى على ابنه "العيص" طعامًا وأمرَه أن يذهبَ فيصطادَ له صيدًا ويطبخَه له، ليُباركَ عليه ويدعوَ له. وكان العيص صاحبَ صيد، فذهبَ يبتغي ذلك، فأمرت "رفقا" ابنَها يعقوب أن يذبحَ جديين من خيار غنمه، ويصنع منهما طعامًا كما اشتهاه أبوه، ويأتي إليه به قبل أخيه ليدعوَ له، فقامت فألبستْه ثيابَ أخيه، وجعلتْ على ذراعيْه وعُنُقه من جلدِ الجَدْيَيْنِ، لأن العيصَ كان أشعرَ الجسد، ويعقوبُ ليس كذلك، فلما جاء به وقرَبه إليه، قال: من أنت؟ قال: ولدُك. فضمَّه إليه وجسَّه، وجعلَ يقولُ: أما الصوتُ فصوتُ يعقوب، وأما الجسُّ والثياب فالعيصُ، فلما أكلَ وفرغَ دعا له أن يكونَ أكبرَ إخوتِه قَدْرًا، وكلمتُه عليهم وعلى الشعوب بعدَه، وأن يكثرَ رزقُه وولدُه. فلما خرجَ من عنده جاء أخوه العيصُ بما أمرَه به والده، فقرَّبه إليه، فقال له: ما هذا يا بنيَّ؟ قال: هذا الطعام الذي اشتهيتَه. فقال: أما جئتني به قبلَ الساعة وأكلتُ منه، ودعوتُ لك؟ فقال: لا واللّه، وعرفَ أنَّ أخاه قد سبقَه إلى ذلك، فوجَدَ في نفسه عليه وَجْدًا كثيرًا. وذكروا أنَّه تواعده بالقتل إذا مات أبوهُما، وسألَ أباه فدعا له بدعوةٍ أخرى، وأن يجعلَ لذريَّته غليظَ الأرض، وأنْ يُكثِرَ أرزاقهم وثمارَهم، فلما سمعت أمُّهما ما يتواعدُ به العيصُ أخاه يعقوبَ، أمرت ابنهَا يعقوبَ أن يذهبَ إلى أخيها "لابان" الذي بأرض حرَّان، وأن يكونَ عندَه إلى حين يسكنُ مخضبُ أخيه عليه، وأن يتزوج من بناته. وقالت لزوجها إسحاق أن يأمرَه بذلك ويُوصيه ويدعو له ففعلَ. فخرجَ يعقوبُ ﵇ من عندِهم من آخر ذلك اليوم، فأدركَه المساء في موضعٍ فنامَ فيه، وأخذ

стр. 375

حجرًا فوضعَه تحت رأسِه ونام، فرأى في نومه ذلك مِعْراجًا (١) منصوبًا من السماء إلى الأرض، وإذا الملائكةُ يصعدون فيه وينزلون، والربُّ ﵎ يخاطبُه، ويقولُ له: إني سأُباركُ عليك وأكثِر ذريِّتك، وأجعلُ لك هذه الأرض ولعقبك من بعدك. فلما هبَّ من نومه فرحَ بما رأى، ونذرَ للّه لَئن رجعَ إلى أهله سالمًا ليبنينَّ في هذا الموضع معبدًا للّه ، وأن جميع ما يُرزقه من شيء يكونُ للّه عشره، ثم عمدَ إلى ذلك الحجر فجعلَ عليه دُهنًا يتعرَّفه به، وسمَّى ذلك الموضعَ "بيت إيل" أي: بيت اللّه، وهو موضع بيت المقدس اليوم، الذي بناه يعقوبُ بعد ذلك كما سيأتي. قالوا: فلما قدمَ يعقوبُ على خاله أرضَ حرَّان إذا له ابنتان، اسم الكبرى "ليا" واسم الصغرى "راحيل" [فخطب إليه راحيل] (٢)، وكانت أحسنهما وأجملهما، فأجابه إلى ذلك بشرط أنْ يرعى على غنمه سبع سنين، فلما مضت المدة على خاله "لابان" صنعَ طعامًا وجمعَ النَّاس عليه، وزفَّ إليه ليلًا ابنته الكبرى "ليا" وكانت ضعيفةَ العينين قبيحة المنظر. فلما أصبحَ يعقوبُ إذا هي "ليا" فقال لخاله: لم غدرتَ بي؟ وأنت إنما خطبتُ إليكَ "راحيل" فقال: إنه ليس من سنَتنا أن نُزوِّجَ الصغرى قبل الكبرى، فإن أحببتَ أختَها فاعملْ سبعَ سنين أخرى، وأزوِّجكها. فعملَ سبع سنين وأدخلَها عليه مع أُختها، وكان ذلك سائغًا في ملَّتهم ثم نُسخ في شريعة التوراة. وهذا وحده دليلٌ كافٍ على وقوع النسخ، لأن فعلَ يعقوب ﵇ دليلٌ على جواز هذا وإباحتِه، لأنه معصوم. ووهبَ "لابان" لكلِّ واحدة من ابنتيْه جاريةً، فوهبَ لليا جارية اسمها "زلفى" ووهب لراحيل جاريةً اسمها "بلهى". وجبرَ اللّه تعالى ضعفَ "ليا" بأن وهبَ لها أولادًا، فكان أول من ولدت ليعقوب روبيل، ثم شمعون، ثم لاوي، ثم يهوذا. فغارت عند ذلك "راحيل" وكانت لا تحبلُ، فوهبت ليعقوبَ جاريتها "بلهى" فوطئِها فحملتْ، وولدتْ له غلامًا سمَّته "دان" وحملتْ وولدتْ غلامًا آخر سمَّته "نيفتالي" فعمدتْ عند ذلك "ليا" فوهبت جاريتَها "زلفى" من يعقوب ﵇، فولدت له "حاد" و" أشير" غلامين ذكريْن، ثم حملت "ليا" أيضًا فولدت غلامًا خامسًا منها وسمَّته "إيساخر". ثم حملتْ وولدت غلامًا سادسًا سمته "زابلون" ثم حملت وولدت بنتًا سمَّتها "دنا" فصار لها سبعة من يعقوب. ثم دعتِ اللّه تعالى "راحيل" وسألتْه أن يهبَ لها غلامًا من يعقوب، فسمع اللّه نداءها وأجاب دعاءها فحملت من نبيِّ اللّه يعقوب فولدت له غلامًا عظيمًا شريفًا حسنًا جميلا سفَته يوسفَ، كل هذا وهم مقيمون بأرض حرَّان،

стр. 376

وهو يرعى على خاله غنمَه بعد دخوله على البنتين ست سنين أخرى، فصار مدَّة مقامه عشرين سنة. فطلبَ يعقوبُ من خاله "لابان" أن يُسرِّحه ليمرَّ إلى أهله. فقال له خاله: إنِّي قد بُورك لي بسببك فسلني من مالي ما شئتَ. فقال: تعطيني كلّ حَملٍ يُولد من غنمك هذه السنة أبقعَ (١)، وكل حَمْل ملمع أبيض بسواد، وكلّ أملح (٢) ببياض، وكل أجلح (٣) أبيض من المعز. فقال: نعم. فعمد بنوه فأبرزوا من غنم أبيهم ما كانَ على هذه الصفات من التُّيوس، لئلا يُولد شيء من الحملان على هذه الصفات، وساروا بها مسيرة ثلاثة أيام عن غنم أبيهم. قالوا: فعمد يعقوب ﵇ إلى قضبان رطبة بيض من لوز ودلب، فكان يُقشَرها بُلْقًا وينصبها في مساقي الغنم من المياه، لينظرَ الغنمُ إليها فتفزعَ وتتحرَّك أولادُها في بطونها، فتصيرُ ألوان حملانها كذلك، وهذا يكونُ من باب خوارق العادات، وينتظمُ في سلْكِ المعجزات، فصار ليعقوبَ ﵇ أغنامٌ كثيرة ودوابٌّ وعبيد، وتغيَّر له وجه خاله وبنيه، وكأنهم انحصروا منه. وأوحى اللّه تعالى إلى يعقوبَ أن يرجعَ إلى بلاد أبيه وقومه، ووعدَه بأن يكون معه، فعرضَ ذلك على أهله فأجابُوه مبادرينَ إلى طاعته، فتحمَّلَ بأهله ومالِه، وسرقت "راحيل" أصنام أبيها، فلما جاوزوا وتحيَّزوا عن بلادهم، لحقَهم "لابان" وقومُه، فلما اجتمع "لابانُ" بيعقوبَ عاتبَه في خروجه بغير علمه، وهلَّا أعلمَه فيُخرجهم في فرحٍ ومزاهرَ وطُبولٍ، وحتَى يُودِّعَ بناتِه وأولادهنَّ، ولما أخذوا أصنامَه معهم، ولم يكن عند يعقوبَ علمٌ من أصنامِه، فأنكرَ أن يكونَ أخذوا له أصنامًا، فدخلَ بيوتَ بناتِه وإمائهن يفتش فلم يجد شيئًا، وكانت راحيلُ قد جعلتهنَّ في بَرْدَعة (٤) الحِمْل وهي تحتَها، فلم تقمْ واعتذرتْ بأنَّها طامِثٌ، فلم يقدرْ عليهن، فعند ذلك تواثقُوا على رابية هناكَ، يُقال لها "جلعاد" على أنَّه لا يهين بناته ولا يتزوَّج عليهن، ولا يُجاوز هذه الرابية إلى بلادِ الآخر، لا لابان ولا يعقوب، وعملا طعامًا وأكلَ القومُ معهم وتودَّعَ كلٌّ منهما من الآخر، وتفارقوا راجعينَ إلى بلادهم. فلما اقتربَ يعقوبُ من أرض "ساعير" تلقَّتْه الملائكةُ يُبشِّرونه بالقدوم، وبعثَ يعقوب البرد إلى أخيه العيص يترفَّق له ويتواضع له، فرجعت البرد وأخبرتْ يعقوبَ بأن العيص قد ركبَ إليك في أربعمئة راجل، فخشيَ يعقوبُ من ذلك ودعا اللّه وصلَّى له وتضرَّع إليه وتمسكنَ لديْه، وناشدَه عهدَه ووعدَه الذي وعدَه به، وسأله أن يكفَّ عنه شرَّ أخيه العيص، وأعدَّ لأخيه هديَّة عظيمةً، وهي مئتا شاة،

стр. 377

وعشرون تيسًا ومئتا نعجةٍ، وعشرون كبشًا، وثلاثون لَقْحَه (١)، وأربعون بقرة، وعشرة من الثيران، وعشرون أتانًا، وعشرة من الحُمُر، وأمرَ عبيدَه أن يسوقوا كلًّا من هذه الأصناف وحدَه، وليكنْ بين كلِّ قطيعٍ وقطيع مسافةٌ، فإذا لقيهم العيصُ، فقال: للأَوَّل لمن أنت؟ ولمن هذه معكَ؟ فليقل: لعبدك يعقوب أهداها لسيِّدي العيصُ. وليقل الذي بعدَه كذلك، وكذا الذي بعدَه، ويقولُ كلٌّ منهم وهو جاءٍ بعدنا. وتأخَّر يعقوبُ بزوجتيْه وأمتيْه وبنيه الأحد عشرَ بعد الكل بليلتين، وجعل يسيرُ فيهما ليلًا، ويكمنُ نهارًا، فلما كان وقتُ الفجر من الليلة الثانية تبدَّى له ملَكٌ من الملائكة في صُورة رجل، فظنَه يعقوبُ رجلًا من النَّاس، فأتاه يعقوبُ ليُصارعه ويُغالبه، فظهرَ عليه يعقوبُ فيما يرى، إلا أنَّ المَلَك أصابَ وِرْكَه، فعرجَ يعقوبُ، فلما أضاءَ الفجر قال له الملك ما اسمكَ؟ قال: يعقوب. قال: لا ينبغي أن تُدعى به اليوم إلا إسرائيل. فقال له يعقوب: ومنْ أنتَ وما اسمكَ؟ فذهبَ عنه، فعلمَ أنَّه مَلَكٌ من الملائكة، وأصبحَ يعقوبُ وهو يعرجُ من رِجْلِه، فلذلك لا يأكلُ بنو إسرائيل عِرْقَ النَسَا، ورفعَ يعقوبُ عينيْه فإذا أخوه "عيصو" قد أقبلَ في أربعمئة راجل، فتقدَّم أمام أهله، فلما رأى أخاه العيص سجدَ له سبع مرَّاتٍ، وكانت هذه تحيَّتُهم في ذلك الزمان، وكان مشروعًا لهم؛ كما سجدتِ الملائكةُ لآدمَ تحيَّة له، وكما سجدَ إخوةُ يوسفَ وأبواه له كما سيأتي، فلما رآه العيص تقدَّم إليه واحتضنَه وقبَّله وبكى، ورفعَ العيصُ عينيْه ونظرَ إلى النساء والصِّبيان، فقال: من أين لك هؤلاء؟ فقال: هؤلاء الذين وهبَ الله لعبدكَ، فدنتِ الأمتان وبنوهما فسجدوا له ودنت "ليا" وبنوها فسجدوا له، ودنت "راحيل" وابنها يوسف فخرَّا سُجَّدًا له، وعرضَ عليه أن يقبلَ هديَّته وألحَّ عليه، فقبلَها ورجعَ العيصُ، فتقدَّم أمامَه ولحقَه يعقوبُ وما معه من الأنعام والمواشي والعبيد قاصدينَ جبالَ ساعير. فلما مرَّ بساحور ابتنى له بيتًا ولدوابّه ظلالًا، ثم مرَّ على أورشليم قرية شخيم، فنزل قبل القرية، واشترى مزرعةَ شخيم بن جمور بمئة نعجة، فضربَ هنالك فسطاطَه، وابتنى ثَم مذبحًا، فسمَّاه "إيل" إله إسرائيل، وأمر اللّه ببنائه ليُستعلنَ له فيه. وهو بيتُ المقدس اليوم، الذي جدَّده بعد ذلك سليمان بن داود ﵉، وهو مكان الصخرة التي أعلمَها بوضع الدُّهن عليها قبل ذلك، كما ذكرنا أولًا. [وذكر أهلُ الكتاب هنا قصة "دينا" بنت يعقوب بنت "ليا" وما كان من أمرها مع "شخيم" بن جمور الذي قهرَها على نفسها، وأدخلَها منزلَه ثم خطبها من أبيها وإخوتها، فقال إخوتها: إلا أن تختتنوا كلكم فنصاهركم وتصاهرونا، فإنا لا نُصاهر قومًا غلفًا، فأجابوهم إلى ذلك واختتنوا كلُّهم، فلما كان اليوم الثالث واشتدَّ وجعُهم من ألم الخِتان، مالَ عليهم بنو يعقوب فقتلوهم عن آخرهم، وقتلوا

стр. 378

"شخيمًا" وأباه "جمور" لقبيح ما صنعوا إليهم، مضافًا إلى كفرهم، وما كانوا يعبدونه من أصنامهم، فلهذا قتلهم بنو يعقوب، وأخذوا أموالهم غنيمة] (١). ثم حملت "راحيل" فولدت غلامًا وهو "بنيامين" إلا أنها جهدت في طلقها به جهدًا شديدًا وماتت عقيبه، فدفنَها يعقوبُ في "أفراث" وهي بيت لحم، وصنعَ يعقوبُ على قبرها حجرًا، وهي الحجارةُ المعروفة بقبر راحيل إلى اليوم. وكان أولاد يعقوب الذكور اثني عشر رجلًا؛ فمن "ليا": روبيل، وشمعون، ولاوي، ويهوذا، وايساخر، وزايبلون. ومن راحيل: يوسف، وبنيامين. ومن أمة راحيل: دان، ونيثالي. ومن أمة "ليا": جاد وأشير، ﵈. وجاء يعقوبُ إلى أبيه إسحاق، فأقام عنده بقرية حبرون، التي في أرض كنعان، حيث كان يسكنُ إبراهيم، ثم مرضَ إسحاقُ ومات عن مئة وثمانين سنة، ودفنَه ابناه العيصُ ويعقوبُ مع أبيه إبراهيم الخليل في المغارة التي اشتراها، كما قدَّمنا. * * *

стр. 379

ذكرُ ما وقعَ من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل فمن ذلك قصة يوسف بن راحيل وقد أنزل الله في شأنه، وما كان من أمره، سورة من القرآن العظيم ليتدبَّر ما فيها من الحِكم والمواعظ والآداب والأمر الحكيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ١ - ٣]. وقد تكلَّمنا على الحروف المقطعة في أول تفسير سورة البقرة، فمن أراد تحقيقه فلينظرْه ثَمَّ، وتكلَّمنا على هذه السورة مستقصىً في موضعها من التفسير، ونحن نذكرُ هاهنا نبذًا مما هناك على وجه الإيجاز والنجاز. وجملةُ القول في هذا المقام: أنه تعالى يمدحُ كتابه العظيم الذي أنزله على عبده ورسوله الكريم بلسانٍ عربيٍّ فصيح بيِّنٍ واضح جليّ، يفهمُه كلُّ عاقل ذكي زكي، فهو أشرف كتابٍ نزلَ من السماء، أنزلَه أشرف الملائكة على أشرفِ الخلق في أشرف زمان ومكان، بأفصح لغة وأظهر بيان، فإن كان السياق في الأخبار الماضية أو الآتية: ذكرَ أحسنها وأبينها، وأظهرَ الحق مما اختلف الناس فيه، ودمغَ الباطلَ وزيَّفه وردَّه، وإن كان في الأوامر والنواهي: فأعدلُ الشرائع وأوضحُ المناهج، وأبْيَنُ حكمًا وأعدلُ حكمًا، فهو كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]. يعني صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأوامر والنواهي. ولهذا قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣] أي بالنسبة إلى ما أوحي إليك فيه، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٢، ٥٣]. وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ [طه: ٩٩ - ١٠١]. يعني: منْ أعرضَ عن هذا القرآن واتَّبعَ غيرَه من الكتب فإنه ينالُه هذا الوعيد، كما قال في الحديث المروي في المسند والترمذي: عن أمير المؤمنين عليٍّ مرفوعًا وموقوفًا: "من ابتغى الهدى في غيره أضلَّه اللهُ" (١).

стр. 380

وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا سريج بن النعمان: حَدَّثَنَا هشيم، أخبرنا مجالد، عن الشعبي، عن جابر: أنَّ عُمَرَ بن الخطاب أتى النبيَّ ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه على النبيِّ ﷺ : قال فغضبَ وقال: "أتتهوكون (١) فيها يا بن الخطاب! والذي نفسي بيده لقد جئتُكم بها بيضاء نقيَّة، لا تسألوهم عن شيءً فيخبرونكم بحقٍّ فتكذِّبونه، أو بباطل فتُصدِّقونه، والذي نفسي بيده لو أنَّ موسى كان حيًّا ما وسعَه إلا أن يتبعني". إسناد صحيح (٢). ورواه أحمد من وجهٍ آخر (٣): عن عمر، وفيه فقال رسول اللّه ﷺ : "والذي نفسي بيده لو أصبحَ فيكم موسى ثم اتبعتمُوه وتركتُموني لضَلَلْتُم. إنكم حَطي من الأمم وأنا حَظُّكم من النَّبيِّين". وقد أوردتُ طرقَ هذا الحديث وألفاظَه في أول سورة يوسف (٤)، وفي بعضها أن رسول اللّه ﷺ خطبَ النَّاسَ، فقال في خطبته: "أيُّها الناس! إني قد أوتيتُ جوامعَ الكلم وخواتيمَه، واختُصرَ لي اختصارًا، ولقد أتيتكم بها بيضاءَ نقيَّةً فلا تتهوَّكوا، ولا يغرَّنكم المُتَهوِّكون" (٥). ثم أمر بتلك الصحيفة فمُحيت حرفًا حرفًا. ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤) قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف: ٤ - ٦]. [قد قدَّمنا أن يعقوب كان له من البنين اثنا عشر ولدًا ذكرًا وسمَّيناهم، وإليهم تُنسب أسباط بني إسرائيل كلهم، وكان أشرفَهم وأجلَّهم وأعظمَهم يوسفُ ﵇، وقد ذهبَ طائفةٌ من العلماء إلى أنه لم يكن فيهم نبيٌّ غيره، وباقي إخوته لم يُوحَ إليهم، وظاهرُ ما ذُكر من فعالهم ومقالهم في هذه القصَّة يدلُّ على هذا القول. ومن استدلَّ على نبوَّتهم بقوله: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [آل عمران: ٨٤] وزعمَ أن هؤلاء هم الأسباط، فليس استدلاله بقوي، لأن المرادَ

стр. 381

بالأسباط شعوبُ بني إسرائيل، وما كان يُوجد فيهم من الأنبياء الذين ينزلُ عليهم الوحي من السماء، والله أعلم. ومما يؤيِّد أن يوسف ﵇ هو المختصُّ من بين إخوته بالرسالة والنبوة، أنه نصَّ على واحد من إخوتِه سواه، فدلَّ على ما ذكرناه، ويُستأنس لهذا بما قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبدُ الصمد، حَدَّثَنَا عبد الرحمن، عن عبد اللّه بن دينار، عن أبيه، عن ابن عمر، أنَّ رسولَ اللّه ﷺ قال: "الكريمُ ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم" (١). انفردَ به البخاريُّ، فرواه عن عبد اللّه بن محمد، وعبدة، عن عبد الصمد بن عبد الوارث به. وقد ذكرنا طرقَه في قصَّة إبراهيم بما أغنى عن إعادته هاهنا - وللّه الحمد والمنة (٢) -. قال المفسرون وغيرهم: رأى يوسفُ ﵇ وهو صغير قبل أن يحتلم كأن ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف: ٤] وهم إشارة إلى بقية إخوته ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [يوسف: ٤] وهما عبارة عن أبويه، قد سجدوا له، فهالَه ذلك، فلما استيقظَ قصَّها على أبيه، فعرفَ أبوه أنَّه سينالُ منزلة عاليةً ورِفْعةً عظيمة في الدنيا والآخرة، بحيث يخضعُ له أبواه وإخوته فيها، فأمرَه بكتمانها، وألَّا يقصَّها على إخوته كيلا يحسدوه ويبغوا له الغوائل (٣)، ويكيدوه بأنواع الحيل والمكر، وهذا يدلُّ على ما ذكرناه. ولهذا جاء في بعض الآثار: استعينوا على قضاء حوائجكم بكتمانها، فإن كل ذي نعمة محسود (٤). وعند أهل الكتاب أنه قصَّها على أبيه وإخوته معًا وهو غلطٌ منهم ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ أي: وكما أراكَ هذه الرؤيا العظيمة فإذا كتمتَها ﴿يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ أي: يخصُّك بانواع اللطف والرحمة ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ أي: يُفهمُكَ من معاني الكلام وتعبير المنام ما لا يفهمُه غيرك ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ أي: بالوحي إليك ﴿وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾ أي: بسببك ويحصل لهم بك خيرُ الدنيا والآخرة ﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ أي: يُنعم عليك ويُحسن إليك بالنبوة، كما أعطاها أباك يعقوب وجدَّك إسحاق، ووالد جدِّك إبراهيم الخليل ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤].

стр. 382

ولهذا قال رسول اللّه ﷺ : لما سُئل أيُّ النَّاس أكرم؟ قال: "يوسفُ نبيُّ اللّه ابن نبيِّ اللّه ابن نبيِّ اللّه ابن خليل الله" (١). وقد روى ابن جرير (٢)، وابن أبي حاتم، في تفسيريهما، وأبو يعلى، والبزَّار، في مسنديهما: من حديث الحكم بن ظُهَير - وقد ضعَّفه الأئمة - عن السُّدِّي، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر، قال: أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ من يهود يقال له: "بستانة اليهودي" فقال: يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسفُ أنها ساجدة له ما أسماؤها؟ قال: فسكتَ النبيُّ ﷺ فلم يُجبْه بشيء. ونزلَ جبريلُ ﵇ بأسمائها. قال: فبعثَ إليه رسولُ الله، فقال: "هل أنت مؤمن إن أخبرتُك بأسمائها؟ قال: نعم. فقال: هي حرثان، والطارق، والذئال، وذو الكتفان، وقابس، ووثاب، وعمردان، والفيلق، والمصبح، والضروح، وذو الفرع، والضياء، والنور". فقال اليهوديُّ: إي والله إنها لأسماؤها (٣). وعند أبي يعلى فلما قصَّها على أبيه. قال: هذا أمز مُشتَّتٌ يجمعُه الله. والشمس: أبوه، والقمر: أمه. ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [يوسف: ٧ - ١٠]. يُنبِّه تعالى على ما في هذه القصَّة من الآيات والحِكم والدَّلالاتِ والمواعظ والبَيِّنات، ثم ذكرَ حسدَ إخوة يوسف له على محبَّة أبيه له ولأخيه - يعنونَ شقيقَه لأمِّه بنيامين - أكثر منهم، وهم عُصْبة، أي: جماعة، يقولون: فكنّا نحن أحقُ بالمحبَّة من هذين ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: بتقديمه حبَّهما علينا. ثم اشتوروا فيما بينهم في قتل يوسفَ أو إبعاده إلى أرضٍ لا يرجعُ منها، ليخلوَ لهم وجهُ أبيهم، أي: لتتمحَّضَ (٤) محبَّته لهم، وتتوفر عليهم، وأضْمَروا التوبةَ بعد ذلك، فلما تمالؤوا على ذلك وتوافقوا عليه ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ قال مجاهد: هو شمعون. وقال السُّدي: هو يهوذا. وقال قتادة ومحمد بن إسحاق: هو أكبرُهم روبيل: ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ أي: المارة

стр. 383

من المسافرين ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ ما تقولون لا محالة، فليكن هذا الذي أقول لكم فهو أقربُ حالًا من قتله أو نفيه وتغريبه، فأجمعوا رأيَهم على هذا فعند ذلك: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [يوسف: ١١ - ١٤]. طلبوا من أبيهم أن يرسلَ معهم أخاهم يوسفَ، وأظهروا له أنهم يُريدون أن يرعى معهم، وأن يلعبَ وينبسطَ، وقد أضمروا له ما الله به عليم، فأجابهم الشيخ عليه من اللّه أفضل الصلاة والتسليم: يا بنيَّ يشقُّ عليّ أن أفارقَه ساعةً من النهار، ومع هذا أخشى أن تشتغلوا في لعبكم وما أنتم فيه، فيأتي الذئبُ فيأكلَه، ولا يقدرُ على دفعه عنه لصغره وغفلتِكم عنه. ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ أي: لئن عدا عليه الذئبُ فأكلَه من بيننا، أو اشتغلنا عنه حتى وقعَ هذا ونحن جماعة، إنا إذًا لخاسرون، أي: عاجزون هالكون. وعند أهل الكتاب: أنه أرسلَه وراءَهم يتبعُهم، فضلَّ عن الطريق، حتى أرشدَه رجلٌ إليهم. وهذا أيضًا من غَلطِهم وخَطئِهم في التعريب، فإن يعقوبَ ﵇ كان أحرصَ عليه يبعثَه معهم، فكيف يبعثه وحده؟! ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥) وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦) قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٥ - ١٨]. لم يزالوا بأبيهم حتى بعثَه معهم، فما كان إلا أن غابوا عن عينيْه، فجعلوا يشتمونَه ويُهينونه بالفِعال والمقال، وأجمعُوا على إلقائه في غيابت الجبِّ، أي: في قعره، على راعوفته - وفي الصخرة التي تكون في وسطه، يقف عليها المائحُ، وهو الذي ينزل ليملي الدِّلاء إذا قلَّ الماء، والذي يرفعُها بالحبل يُسمَّى الماتح - فلما ألقوْه فيه أوحى اللّه إليه أنَّه لا بُدَّ لك من فرجٍ ومخرجٍ من هذه الشِّدَّة التي أنت فيها، ولتخبرنَّ إخوتك بصنيعهم هذا في حالٍ أنت فيه عزيزٌ، وهم محتاجون إليك، خائفونَ منكَ، وهم لا يشعرون. قال مجاهد وقتادة: لا يشعرون بإيحاء اللّه إليه ذلك (١). وعن ابن عباس: وهم لا يشعرون أي: لتخبرنَّهم بأمرهم هذا في حال لا يعرفونك فيها. رواه ابن جرير (٢) عنه. فلما وضعوه فيه ورجعوا عنه أخذوا قميصَه فلطَّخوه بشئ من دم، ورجعوا إلى أبيهم عِشَاءً وهم يبكون، أي: على أخيهم. ولهذا

стр. 384

قال بعضُ السلف: لا يغرَّنكَ بكاءُ المتظلّم، فرُبَّ ظالم وهو باكٍ. وذكرَ بكاء إخوة يوسف، وقد جاءوا أباهم عشاءً يبكون، أي: في ظلمة الليل، ليكون أمشى لغدرهم لا لعُذْرهم ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ أي: ثيابنا ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ أي: في غيبتنا عنه في استباقنا، وقولهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ أي: وما أنت بمصدِّقٍ لنا في الذي أخبرناكَ من أكل الذئب له ولو كنَّا غير مُتَّهمين عندك، فكيف وأنت تتَّهِمنا في هذا؟! فإنك خشيتَ أن يأكلَه الذئبُ، وضمنَّا لك ألا يأكلَه لكثرتنا حوله، فصرنا غير مُصدَّقين عندكَ، فمعذورٌ أنت في عدم تصديقك لنا والحالة هذه. ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي: مكذوب مُفتعل؛ لأنهم عمَدوا إلى سخلةٍ ذبحوها، فأخذوا من دمِها فوضعُوه على قميصه، ليُوهموا أنَّه أكله الذئبُ. قالوا: ونسوا أن يَخْرقُوهُ، وآفةُ الكذب النسيان. ولما ظهرتْ عليهم علائمُ الرِّيبة لم يَرُجْ صنيعُهم على أبيهم، فإنه كان يفهم عداوتَهم له وحسدَهم إيَّاه على محبَّتِه له من بينهم أكثر منهم، لما كان يتوسَّم فيه من الجَلالة والمَهابة التي كانت عليه في صغره، لما يُريد اللّه أن يخصَّه به من نبوته. ولما راودُوه عن أخذِه، فبمجرَّد ما أخذوه أعدموه وغيَّبوه عن عينيْه، جاؤوا وهم يتباكون، وعلى ما تمالؤا عليه يتواطؤون، ولهذا ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾. وعند أهل الكتاب: أن "روبيل" أشار بوضعه في الجُبِّ ليأخذه من حيث لا يشعرون، ويردَّه إلى أبيه، فغافلوه وباعوه لتلك القافلة. فلما جاءَ "روبيلُ" من آخر النهار ليخرجَ يوسفَ لم يجدْه، فصاحَ وشقَّ ثيابَه، وعمدَ أولئك إلى جَدْيٍ فذبحوه ولطَّخوا من دمه جبَّة يوسف. فلما علمَ يعقوبُ شقَّ ثيابَه ولبسَ مِئْزرًا أسودَ، وحزنَ على ابنه أيَّامًا كثيرة، وهذه الركاكة جاءتْ من خطئهم في التعجير والتصوير. ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠) وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ١٩ - ٢٢] يُخبر تعالى عن قصَّة يوسفَ حين وُضع في الجُبِّ، أنَّه جلسَ ينتظرُ فرجَ اللّه ولُطْفه به، فجاءتْ سيَّارة، أي: مسافرون. قال أهلُ الكتاب: كانت بضاعتُهم من الفُسْتق والصَّنوبر والبُطْم (١)، قاصدينَ ديار مصر من الشام.

стр. 385

فأرسلوا بعضَهم ليستقُوا من ذلك البئر، فلما أدلى أحدُهم دلوه تعلَّق فيه يوسفُ، فلما رآه ذلك الرجلُ ﴿قَالَ يَابُشْرَى﴾ أي: يا بشارتي ﴿هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ أي أوهموا أنه معهم غلام من جملة مَتْجَرهم ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: هو عالمٌ بما تمالأ عليه إخوته وبما يسَّره واجدوه، من أنه بضاعة لهم، ومع هذا لا يغيره تعالى؛ لما له في ذلك من الحكمة العظيمة والقَدر السابق والرحمة بأهل مصرَ، بما يجري اللّه على يديْ هذا الغلام، الذي يدخلُها في صورة أسير رقيق، ثم بعد هذا يُملِّكه أزمَّة الأمور، وينفعهم الله به في دنياهم وأخراهم بما لا يُحدُّ ولا يُوصف. ولما استشعرَ إخوةُ يوسفَ بأخذ السيَّارة له لحقُوهم، وقالوا: هذا غلامنا أبَقَ منا فاشتروه منهم بثمنٍ بخسٍ، أي: قليل نَزْر، وقيل: هو الزيف ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾. قال ابن مسعود وابن عباس ونوف البكالي والسدي وقتادة وعطيَّة العوفي: باعوه بعشرين درهمًا، اقتسموها درهمين درهمين. وقال مجاهد: اثنان وعشرون درهمًا. وقال عكرمة ومحمد بن إسحاق: أربعون درهمًا، فاللّه أعلم. ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ أي: أحسني إليه ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ وهذا من لُطْف اللّه به ورحمته وإحسانه إليه بما يريد أن يُؤهِّلَه له ويُعطيه من خيري الدنيا والآخرة. قالوا: وكان الذي اشتراه من أهل مصرَ عزيزُها، وهو الوزيرُ بها، الذي الخزائنُ مُسلَّمة إليه. قال ابن إسحاق: واسمه إطفير (١) بن رُوحيب. قال: وكان مَلِكُ مصرَ يومئذ الريَّان بن الوليد، رجل من العماليق. قال: واسم امرأة العزيز "راعيل" بنت رعاييل. وقال غيره: كان اسمها "زليخا" [والظاهر أنه لقبها] (٢). وقيل: "فكا" بنت ينوس. رواه الثعالبي عن أبي هشام الرفاعي. وقال محمد بن إسحاق: عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس، كان اسم الذي باعَه بمصر يعني الذي جلبَه إليها مالكَ بن زعر بن نويب بن عفقا بن مديان بن إبراهيم، فاللّه أعلم. وقال ابن إسحاق: عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود، قال: أفرسُ الناس ثلاثة: عزيز مصر حين قال لامرأته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ [يوسف: ٢١] والمرأة التي قالت لأبيها عن موسى: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] وأبو بكر الصديق حين استخلفَ عمرَ بن الخطاب ﵄.

стр. 386

ثم قيل: اشتراه العزيز بعشرين دينارًا. وقيل: بوزنه مِسْكًا، ووزنه حريرًا، ووزنه وَرِقًا. فالله أعلم. وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: وكما قيَّضْنا هذا العزيز وامرأتَه يُحسنان إليه ويعتنيان به، مكنَّا له في أرض مصر ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ أي: فهمها. وتعبير الرؤيا من ذلك ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ أي: إذا أراد شيئًا فإنه يُقَيِّضُ له أسبابًا وأمورًا لا يهتدي إليها العباد، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٢٢] فدلَّ على أن هذا كلَّه كان وهو قبل بلوغ الأشدِّ، وهو حدُّ الأربعينَ الذي يُوحي الله فيه إلى عباده النَّبييِّنَ عليهم الصلاة والسلام من ربِّ العالمين. وقد اختلفوا في مُدَّة العمر الذي هو بلوغُ الأَشُد (١)، فقال مالك وربيعة وزيد ين أسلم والشعبي: هو الحلم. وقال سعيد بن جبير: ثماني عشرة سنة. وقال الضَّحاك: عشرون سنة. وقال عكرمة: خمس وعشرون سنة. وقال السُّدِّي: ثلاثون سنة. وقال ابن عبَّاس ومُجاهد وقتادة: ثلاث وثلاثون سنة. وقال الحسن: أربعون سنة. ويشهدُ له قولُه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: ١٥]. ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤) وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٢٣ - ٢٩]. يذكرُ تعالى ما كان من مُراودة امرأة العزيز ليوسفَ ﵇ عن نفسه، وطلبها منه ما لا يليقُ بحاله ومَقامه، وهي في غاية الجمال والمال والمنصب والشباب، وكيف غلَّقتِ الأبوابَ عليها وعليه، وتهيَّأتْ له، وتصنَّعتْ، ولبستْ أحسنَ ثيابها، وأفخرَ لباسها، وهي مع هذا كله امرأة الوزير. قال ابن إسحاق: وبنت أخت الملك الريَّان بن الوليد صاحب مصر. وهذا كلُّه مع أنَّ يوسفَ ﵇ شابٌّ بديعُ الجمال والبَهاء إلا أنَّه نبيٌّ من سُلالة الأنبياء، فعصمَه ربُّه عن الفحشاء، وحماه عن مَكْر النساء، فهو سَيِّدُ السادة النُّجباء السبعة الأتقياء، المذكورينَ في الصحيحين عن خاتم الأنبياء، في قوله ﵊ من ربِّ الأرض والسماء: "سبعةٌ يظلُّهم اللّه

стр. 387

في ظِلِّه يومَ لا ظِلَّ إلاظِلُّه: إمامٌ عادل، ورجلٌ ذكرَ اللّه خاليًا ففاضتْ عيناه، ورجلٌ مُعلَّقٌ قلبُه (١) بالمسجد إذا خرجَ منه حتَّى يعودَ إليه، ورجلان تحابَّا في اللّه اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه، ورجلٌ تصدقَ بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلمَ شمالُه ما تنفقُ يمينُه، وشابٌ نشأ في عبادة اللّه، ورجلٌ دعتْه امرأةٌ ذاتُ مَنْصِبٍ وجمالٍ فقال: إنِّي أخافُ اللّه" (٢). والمقصود: أنها دعتْه إليها وحرصتْ على ذلك أشدَّ الحِرْص، فقال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي﴾ يعني زوجها صاحب المنزل سيِّدي ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ أي: أحسنَ إليّ وأكرمَ مقامي عنده ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ وقد تكلَّمنا على قوله ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ بما فيه كفاية ومقنع في التفسير. وأكثرُ أقوال المفسرين هاهنا متلقَّى من كتب أهل الكتاب، فالإعراض عنه أولى بنا. والذي يجبُ أن يُعتقد أنَّ اللّه تعالى عصمَه (٣) وبرَّأه، ونرهه عن الفاحشة، وحماه عنها، وصانَه منها. ولهذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾. ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ أي: هربَ منها طالبًا إلى الباب ليخرجَ منه فِرارًا منها، فاتَّبعتْه في أثره ﴿وَأَلْفَيَا﴾ [أي: وجدا] (٤). ﴿سَيِّدَهَا﴾ أي: زوجَها لدى الباب، فبدرتْه بالكلام وحرَّضْته عليه ﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. اتَّهمته وهي المتَّهَمة، وبرَّأتْ عِرْضَها ونزَّهَتْ ساحتَها. فلهذا قال يوسف ﵇: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ احتاج إلى أن يقولَ الحقَّ عند الحاجة ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ قيل: كان صغيرًا في المهد، قاله ابن عباس. ورُوي عن أبي هريرة، وهلال بن يساف، والحسن البصري، وسعيد بن جُبير، والضَّحَّاك، واختاره ابن جرير (٥). وروى فيه حديثًا مرفوعًا عن ابن عباس (٦)، ووقفَه غيرُه عنه. وقيل: كان رجلًا قريبًا إلى "أطفير" بعلها. وقيل: قريبًا إليها. وممن قال: إنه كان

стр. 388

رجلًا (١): ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والسدي، ومحمد بن إسحاق، وزيد بن أسلم. فقال: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ أي: لأنه يكونُ قد راودَها فدافعْته حتى قَدّت (٢) مُقَدَّم قميصه ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أي: لأنه يكونُ قد هربَ منها، فاتَّبعتْه وتعلَّقتْ فيه، فانشقَّ قميصُه لذلك، وكذلك كان. ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ أي: هذا الذي جرى من مكركنَّ، أنتِ راودتِه عن نفسه. ثم اتَّهمْتِه بالباطل، ثم ضربَ بعلُها عن هذا صفحًا، فقال: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ أي: لا تذكرْه لأحدٍ، لأنَّ كتمانَ مثل هذه الأمور هو الأليقُ والأحسنُ، وأمرَها بالاستغفار لذنبها الذي صدرَ منها، والتوبة إلى ربِّها، فإنَّ العبدَ (٣) إذا تاب إلى اللّه تابَ اللّه عليه. وأهلُ مصرَ وإن كانوا يعبدون الأصنامَ إلا أنَّهم يعلمونَ أنَّ الذي يغفرُ الذنوبَ ويُؤاخذ بها هو اللّه وحدَه لا شريكَ له في ذلك، ولهذا قالَ لها بعلها، وعذرَها من بعض الوجوه، لأنها رأتْ ما لا صبرَ لها على مثله، إلا أنه عفيفٌ نزيهٌ بريءُ العِرْضِ، سليم الناحية، فقال: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٢٩]. ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٠ - ٣٤]. يذكرُ تعالى ما كان من قِبَل نساء المدينة من نساء الأمراء وبنات الكبراء في الطعن على امرأة العزيز، وعيبها، والتشنيع عليها في مراودتها فتاها، وحُبِّها الشديد له، تعنين: وهو لا يساوي هذا؛ لأنه مولى من الموالي، وليس مثله أهلًا لهذا، ولهذا قلن ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: في وضعِها الشيء في غير محلّه ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ أي: بتشنيعهنَّ عليها، والتنقُّص لها، والإشارة إليها بالعيب والمذمَّة بحبِّ مولاها وعِشْقِ فتاها، فأظهرنَ ذمًّا وهي معذورةلا في نفس الأمر، فلهذا أحبَّتْ أن تبسطَ عدرَها عندهنَّ، وتُبيِّن أنَّ هذا الفتى ليس كما حسبنَ، ولا من قبيل ما لديهنَّ. فأرسلتْ إليهنَّ فجمعتهنَّ في منزلها،

стр. 389

وأعتدت لهنَّ ضِيافة مثلهنَّ، وأحضرتْ في جملة ذلك شيئًا مما يُقَطعُ بالسكاكين؛ كالأَتْرُجُ (١) ونحوه. وآتتْ كلَّ واحدةٍ منهنَّ سكِّينًا، وكانت قد هيَّأتْ يوسفَ ﵇، وألبستْه أحسنَ الثياب، وهو في غاية طراوة الشباب، وأمرتْه بالخروج عليهن بهذه الحالة. فخرجَ وهو أحسنُ من البَدْر لا محالة ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ أي: أعظمنَه وأجللنَه وهِبْنه، وما ظننَّ أن يكونَ مثل هذا في بني آدم، وبهرهنَّ حُسْنه، حتى اشتغلنَ عن أنفسهن، وجعلنَ يحززنَ في أيديهنَ بثلك السكاكين، ولا يشعرنَ بالجراح ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾. وقد جاء في حديث الإسراء "فمررتُ بيوسفَ وإذا هو قد أعطي شَطْرَ الحُسْن" (٢). قال السهيلي (٣) وغيره من الأئمة: معناه أنَّه كان على النصْفِ من حُسْن آدمَ ﵇، لأن الله تعالى خلقَ آدمَ بيده، ونفخَ فيه من روحه، فكان في غاية نهايات الحُسْنِ البشريِّ، ولهذا يدخلُ أهلُ الجنّةِ الجنَّةَ على طُولِ آدمَ وحُسْنه، ويُوسف كان على النصفِ من حُسْنِ آدمَ، ولم يكن بينهما أحسن منهما، كما أنَّه لم تكن أنثى بعد حوَّاء أشبه بها من سَارَة امرأة الخليل ﵇. قال ابن مسعود: وكان وجهُ يوسفَ مثل البرق، وكان إذا أتته امرأةٌ لحاجةٍ غطَّى وجهه. وقال غيره: كان في الغالب مبرقعًا لئلا يراه النَّاسُ، ولهذا لمَّا قام عذرن امرأة العزيز في محبَّتِها لهذا المعنى المذكور، وجرى لهن وعليهنَّ ما جرى من تقطيعِ أيديهن بجِراح السكاكين، وما ركبهن من المهابة والدَّهش عند رؤيتِه ومعاينتِه. ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ ثم مدحتْه بالعِفَّة (٤) التَّامَّة، فقالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ أي: امتنع ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ وكان بقيَّةُ النساء حرَّضْنَهُ على السمع والطاعة لسيدته، فأبى أشدَّ الإباء، ونأى لأنه من سُلالة الأنبياء، ودعا فقال في دعائه لرب العالمين ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ يعني إن وَكَلْتني إلى نفسي فليس لي من نفسي إلا العجز والضعف، ولا أملكُ لنفسي نفعًا ولا ضَزَأ إلا ما شاء الله، فأنا ضعيفٌ إلا ما قوَّيتني وعصمتني وحفظتني، وحُطتني بحولك وقؤتك، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦) قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ

стр. 390

مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨) يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠) يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٣٤ - ٤١]. يذكرُ تعالى عن العزيز وامرأته أنهم بدا لهم، أي: ظهرَ لهم من الرأي بعدما علموا براءةَ يوسفَ أن يسجنوه إلى وقتٍ، ليكونَ ذلك أقلّ لكلام الناس في تلك القضية وأخمد لأمرها، وليظهروا أنه راودَها عن نفسها فسُجن بسببها، فسجنوه ظلمًا وعدوانًا، وكان هذا مما قدَّر اللّه له، ومن جملة ما عصمَه به، فإنَّه أبعدُ له عن معاشرتِهم ومخالطتِهم، ومن هاهنا استنبطَ بعضُ الصوفية، ما حكاه عنهم الشافعي: أن من العصمة ألَّا تجد (١)!. قال اللّه تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ قيل: كان أحدُهما ساقي الملك واسمه فيما قيل "نبو"، والآخر خبَّازه، يعني الذي يلي طعامَه، وهو الذي يقول له الترك "الجاشنكير" واسمه فيما قيل "مجلث" كان الملك فد اتَّهمَهما في بعض الأمور فسجنَهما. فلما رأيا يوسفَ في السجن أعجبَهما سَمْتُه وهديُه ودلُّه، وطريقته وقولُه وفعلُه، وكثرةُ عبادته ربَّه، وإحسانه إلى خلقه، فرأى كل واحد منهما رؤيا تُناسبُه. قال أهلُ التفسير: رأيا في ليلة واحدة، أما الساقي فرأى كأن ثلاثَ قضبان من حَبَلةٍ (٢)، وقد أورقت وأينعتْ عناقيدَ العِنبِ (٣)، فأخذَها فاعتصرَها في كأسِ الملك وسقاه. ورأى الخبَّازُ على رأسه ثلاثَ سِلالٍ من خبزٍ وضَواريَ الطيور تأكلُ من السَّلَ الأعلى، فقصَّاها عليه، وطلبا منه أن يُعبرهما لهما وقالا: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ فأخبرَهما أنه عليمٌ بتعبيرها، خبيرٌ بأمرها و ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾. قيل: معناه مهما رأيتُما من حلم فإني أعَبِّره لكم قبلَ وقوعه، فيكونُ كما أقول. وقيل: معناه إني أخبرُكما بما يأتيكما من الطعام قبل مَجيئهِ حلوًا أو حامضًا، كما قال عيسى: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩]. وقال لهما: إن هذا من تعليم اللّه إياي، لأني مؤمنٌ به مُوحِّد له، مُتَبعٌ مِلَّة آبائي الكرام إبراهيم
следующие страницы →