← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

والمسلمين في الصدِّيق، وأنه قد استنابه على منْ بالشام، وأمره أن يستشير خالدًا في الحرب، فلما وصلَ الكتابُ إلى أبي عبيدة كتمهُ من خالد حتى فُتحت دمشقُ بنحو من عشرين ليلةً، فقال له خالدٌ: يرحمك الله، ما منعك أن تعلمني حين جاءك؟ فقال: إني كرهتُ أن أكسر عليك (١) حربكَ، وما سلطان الدنيا أريدُ، ولا للدنيا أعملُ، وما ترى سيصير إلى زوال وانقطاع، وإنما نحن أخَوان، وما يضرُّ الرجل أن يليه أخوه في دينه ودنياه. [هل كان إمداد خالد زمن أبي بكر أم زمن عمر] ومن أعجب ما يُذْكرُ هاهنا ما رواه يعقوب بن سفيان الفسوي (٢): حدَّثنا هشام بن عمار، حدَّثنا عبد الملك بن محمد، حدَّثنا راشد بن داود الصنعاني (حدَّثني أبو عثمان الصنعاني) شراحيل بن مرثد، قال: بعث أبو بكر خالدَ بن الوليد إلى أهل اليمامة، وبعثَ يزيدَ بن أبي سفيان إلى الشام، فذكر الراوي قتال (٣) خالد لأهل اليمامة إلى أن قال: ومات أبو بكر واستُخلف عمر، فبعث أبا عبيدة إلى الشام فقدم دمشق فاستمدَّ أبو عبيدة عمر فكتب عمر إلى خالد بن الوليد أن يسير إلى أبي عبيدة بالشام. فذكر مسير خالد من العراق إلى الشام كما تقدم، وهذا غريب جدًّا، فإنَّ الذي لا يُشكَّ فيه أن الصديقَ هو الذي بعث أبا عبيدة وغيره من الأمراء إلى الشام، وهو الذي كتب إلى خالد بن الوليد أن يقدم من العراق إلى الشام ليكون مددًا لمن به وأميرًا عليهم، ففتح الله تعالى عليه وعلى يديه جميعَ الشام على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. [بعثناه بريدًا فعاد أميرًا] وقال محمد بن عائذ: قال الوليد بن مسلم: أخبرني صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير: أن المسلمين لما افتتحوا مدينة دمشق بعثوا أبا عبيدة (بن الجراح) وافدًا إلى أبي بكر بشيرًا بالفتح، فقدمَ المدينةَ فوجد أبا بكر قد تُوفي واستُخْلفَ عُمرُ بن الخطاب، فأعظم أن يتأمَّر أحد من الصحابة (٤) عليه فولاه جماعة الناس، فقدم عليهم فقالوا: مرحبًا بمن بعثناه بريدًا فقدم علينا أميرًا.

стр. 3257

[مسألة فقهية في المسح على الخفين] وقد روى الليثُ وابنُ لهيعة وحيوة بن شريح ومفضل بن فضالة وعمر بن الحارث وغير واحد عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الله بن الحكم عن عُلَيّ بن رباح عن عقبة بن عامر: أنه بعثه أبو عبيدة بريدًا بفتح دمشق قال: فقدمت على عمر يوم الجمعة فقال لي: منذ كم لم تنزع خُفَّيك؟ فقلت من يوم الجمعة وهذا يوم الجمعة. فقال: أصبت السُّنَّةَ. قال الليث: وبه نأخذ، يعني أن المسحَ على الخُفَّيْن للمُسافر لا يتأقَّتُ، بل له أن يمسحَ عليهما ما شاء، وإليه ذهب الشافعي في القديم. وقد روى أحمد وأبو داود عن أُبيّ بن عِمارة مرفوعًا مثل هذا (١). والجمهور على ما رواه مسلم عن علي في تأقيت المسح للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمُقيم يوم وليلة (٢). ومن الناس من فصَّل بين البريد ومن في معناه وغيره، فقال في الأول لا يتأقَّت، وفيما عداه يتأقت لحديث عقبة (٣) وحديث علي، والله أعلم. فصل: [فتح البقاع وبيروت وتدمر] ثم إن أبا عبيدة بعث خالد بن الوليد إلى البقاع ففتحه بالسيف. وبعث سرية فالتقوا مع الروم بعين ميسنون (٤)، وعلى الروم رجل يقال له "سنان" (٥) تحدر على المسلمين من عقبة بيروت فقتل من المسلمين يومئذ جماعة من الشهداء فكانوا يسمون "عين ميسنون" عين الشهداء. واستخلف أبو عبيدة

стр. 3258

على دمشق (١) يزيد بن أبي سفيان كما وعده بها الصديق. وبعث يزيد دِحْيَة بن خَليفة إلى تدمر في سرية ليمهِّدوا أمرها. وبعث (٢) أبا الزهراء القشيري إلى البَثَنِيَّة وحوران فصالح أهلها. [فتح سائر مدن دمشق صلحًا] قال أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ (٣): افتتح خالد دمشق صلحًا، وهكذا سائر مدن الشام كانت صلحًا دون أرضيها. فعلى يدي يزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وأبي عبيدة. وقال الوليد بن مسلم: أخبرني غير واحد من شيوخ دمشق بينما هم على حصار دمشق إذ أقبلت خيل من عقبة السلمية مخمرة بالحرير، فثار إليهم المسلمون فالتقوا فيما بين بيت لهيا والعقبة (٤) التي أقبلوا منها، فهزموهم وطردوهم إلى أبواب حمص، فلما رأى أهل حمص ذلك ظنوا أنهم قد فتحوا دمشق، فقال لهم أهل حمص إنا نصالحكم على ما صالحتم عليه أهل دمشق ففعلوا. وقال خليفة بن خياط (٥): حدَّثني عبد الله بن المُغيرة، عن أبيه قال: افتتح شرحبيل بن حسنة الأردن كلها عنوة، ما خلا طبرية فإن أهلها صالحوه. وهكذا قال ابن الكلبي. وقالا: بعث أبو عبيدة خالدًا فغلب على أرض البقاع وصالحه أهل بعلبك وكتب لهم كتابًا. وقال ابن المغيرة عن أبيه: وصالحهم على أنصاف منازلهم وكنائسهم، ووضع الخراج. وقال ابن إسحاق وغيره: وفي سنة أربع عشرة فُتحت حمص وبعلبك صلحًا على يدي أبي عبيدة في ذي القعدة، قال خليفة: ويقال في سنة خمس عشرة. وقعة فِحْل [بكسر الفاء، وقيل والحاء، والصحيح تسكينها] وقد ذكرها كثيرٌ من علماء السِّيَر قبل فتحِ دمشق (وإنما ذكرها الإمام أبو جعفر بن جرير (٦) بعد فتح دمشق) وتبع في ذلك سياق سيف بن عمر فيما رواه عن أبي عثمان يزيد بن أسيد الغساني وأبي حارثة

стр. 3259

القيسي (١) قالا: خلف الناس يزيد بن أبي سفيان في خيله في دمشق وساروا (٢) نحو فحل، وعلى الناس الذين هم بالغور شرحبيل بن حَسَنة، وقد جعل على المقدمة خالد بن الوليد، وأبو عبيدة على الميمنة، وعمرو بن العاص على الميسرة، وعلى الخيل ضرار بن الأزور، وعلى الرَّجَّالة عياض بن غنم، فوصلوا إلى فِحْل: وهي بلدة بالغور، وقد انحاز الرومُ إلى بَيْسان، وأرسلوا مياه تلك الأراضي على [ما] هنالك من الأراضي، فحال بينهم وبين المسلمين، وأرسل المسلمون إلى عمر يخبرونه بما هم فيه من مصابرة عدوهم وما صنعَهُ الرومُ من تلك المكيدة، إلا أن المسلمين في عيش [رغيد] ومدد كبير، وهم على أُهبة من أمرهم. وأمير هذا الحرب شرحبيل بن حسنة وهو لا يبيت ولا يصبح إلا على تعبئة. وظن الروم أن المسلمين على غِرة، فركبوا في بعض الليالي ليبيتوهم، وعلى الروم سقلاب (٣) بن مخراق، فهجموا على المسلمين فنهضوا إليهم (٤) نهضة رجل واحد لأنهم على أُهبة دائمًا، فقاتلوهم حتى الصباح وذلك اليوم بكماله إلى الليل. فلما أظلمَ الليلُ فرَّ الرومُ وقتل أميرُهم (سقلاب) وركب المسلمون أكتافهم وأسلمتهم هزيمتهم إلى ذلك الوحل (٥) الذي كانوا قد كادوا به المسلمين فغرَّقهم الله فيه، وقتل منهم المسلمون بأطراف الرماح ما قارب الثمانين ألفًا لم ينجُ منهم إلا الشريد، وغنموا منهم شيئًا كثيرًا ومالًا جزيلًا. وانصرف أبو عبيدة وخالد بمن معهما من الجيوش نحو حمص كما (أمر) أميرُ المؤمنين عمر بن الخطاب. واستخلف أبو عبيدة على الأردن شُرحبيل بن حَسَنة، فسار شرحبيل ومعه عمرو بن العاص فحاصر بَيْسان، فخرجوا إليه، فقتلَ منهم مقتلةً عظيمة، ثم صالحوه على مثل ما صالحتْ عليه دمشقُ، وضرب عليهم الجزيةَ والخراجَ على أراضيهم (٦)، وكذلك فعل أبو الأعور السّلمي بأهل طبرية سواء. [فصلٌ فيـ]ــــــما وقع بأرض العراق آنذاك (٧) من القتال وقد قدمنا أنَّ المثنى بن حارثة لما سار خالد من العراق بمن صحبه إلى الشام، وقد قيل: إنه سار بتسعة آلاف، وقيل: بثلاثة آلاف، وقيل: بسبعمئة، وقيل: بأقل، إلا أنّهم صناديدُ جيشِ العراق، فأقام المثنى بمن بقي، فاستقلَّ عددهم، وخاف من سطوة الفرس لولا اشتغالهم بتبديل ملوكهم وملكاتهم، واستبطأ المثنى خبرَ الصدِّيق فسارَ إلى المدينة فوجد الصدِّيقَ في السياق، فأخبره بأمر العراق، فأوصى

стр. 3260

الصدِّيق عمر أن يندبَ الناسَ لقتال أهل العراق. فلما ماتَ الصدِّيقُ ودُفن ليلةَ الثلاثاء أصبح عمر فندب الناسَ وحثَّهمْ على قتالِ أهلِ العراق، وحرضهم ورغَّبهم في الثواب على ذلك، فلم يقم أحدٌ لأن الناس كانوا يكرهون قتال الفرس لقوة سطوتهم، وشدة قتالهم، ثم ندبهم في اليوم الثاني والثالث فلم يقم أحد (١). وتكلَّم المثنى بن حارثة فأحسن، وأخبرهم بما فتحَ اللهُ تعالى على يدي خالد من معظم أرض العراق، وما لهم هنالك من الأموال والأملاك والأمتعة والزاد، فلم يقم أحدٌ في اليوم الثالث. فلما كان اليوم الرابع كان أول من انتدب من المسلمين أبو عبيد بن مسعود الثقفي ثم تتابعَ الناسُ في الإجابة، وأمر عمر طائفة من أهل المدينة وأمَّر على الجميع أبا عبيد هذا ولم يكن صحابيًا، فقيل لعمر: هلا أمَّرت عليهم رجلًا من الصحابة؟ فقال: إنما أؤَمِّر أولَ من استجابَ، إنكم إنما سبقتم الناس بنصرة هذا الدين، وإن هذا هو الذي استجاب قبلكم (٢). ثم دعاه فوضاه في خاصة نفسه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرًا، وأمره أن يستشير أصحابَ رسول الله ﷺ ، وأن يستشير سَلِيط بن قَيْس فإنه رجلٌ باشرَ الحروب. فسار المسلمون إلى أرض العراق، وهم سبعةُ آلاف رجل، وكتب عمرُ إلى أبي عبيدة أن يرسلَ منْ كانَ بالعراق ممن قدمَ مع خالدٍ إلى العراق، فجهز عشرةَ آلاف عليهم هاشم بن عتبة، وأرسل عمر جريرَ بن عبد الله البجلي في أربعة آلاف إلى العراق فقدم الكوفةَ، ثم خرج منها فواقع هرقران المدار فقتله وانهزم جيشه وغرق أكثرهم في دجلة، فلما وصل الناسُ إلى العراق وجدوا الفرسَ مضطربين في ملكهم، وآخر ما استقرَّ عليه أمرهم أن ملكوا عليهم "بُوران (٣) بنت كسرى بعد ما قتلوا التي كانت قبلها (آزَرْميدُخت) وفوضت بوران أمر الملك عشر سنين إلى رجل منهم يقال له رستم (بن فَرُّخزاذ على أن يقوم بأمر الحرب، ثم يصير الملك إلى كسرى، فقبل ذلك. وكان رُسْتم) هذا منجمًا يعرف النجوم وعلمها جيدًا، فقيل له: ما حملك على هذا؟ يعنون وأنت تعلم أن هذا (الأمر) لا يتمّ لك، فقال: الطمعُ وحبُّ الشرف. وقعة النَّمَارِق بعث رستم أميرًا يقال له "جابان" وعلى مَجْنَبَتَيْه رجلان يُقال لأحدهما "حشنس ماه" ويقال للآخر "مردانشاه" وهو خصيُّ أمير حاجب الفرس، فالتقوا مع أبي عُبيد بمكان يقال له النَّمارِق (٤) - بين الحيرة والقادِسيَّة - وعلى الخيل المُثَنَّى بن حارثة، وعلى المَيْسرة عمرو بن الهيثم، فاقتتلوا هنالك قتالًا شديدًا، وهزمَ اللهُ الفرسَ، وأسر جابان ومردانشاه. فأما مردانشاه فإنَّه قتلهُ الذي أسره، وأما جابان فإنه خدَعَ

стр. 3261

الذي أسره حتى أطلقه فأمسكه المسلمون وأبوا أن يُطلقوه، وقالوا: إن هذا هو الأمير وجاؤوا به إلى أبي عُبيد فقالوا: اقتله فإنه الأمير، فقال وإن كان الأمير فإني لا أقتله، وقد أمَّنه رجلٌ من المسلمين، ثم ركب أبو عُبيد في آثار (١) من انهزمَ منهم وقد لجؤوا إلى مدينة كسْكَر (٢) التي لابن خالة كسرى واسمه نرْسي فوازرهم نرْسي على قتال أبي عبيد، فقهرهم (٣) أبو عبيد وغنم منهم شيئًا كثيرًا وأطعمات كثيرة جدًّا، ولله الحمد. وبعث بخمس ما غنمَ من المال والطعام إلى عمر بن الخطاب بالمدينة وقد قال في ذلك رجل من المسلمين (٤): [من الطويل] لَعَمْري وما عَمري عَليَّ بَهيِّنٍ … لقد صُبِّحتْ بالخِزْي أهلُ النَّمارقِ بأيدي رجالٍ هاجَرُوا نَحْو ربّهمْ … يَجُوسونَهُمْ ما بين دُرْتا (٥) وبارِق (٦) قَتَلْناهُمُ ما بين مرجٍ مُسَلَّحٍ (٧) … وبين الهَوَافي (٨) من طريقِ التدارق (٩) فالتقَوْا بمكان بين كَسْكَر والسَّقَاطيَّة (١٠) وعلى ميمنة نَرْسي ومَيْسرته ابنا خاله بِنْدَويه وَتِيرَوِيْه (١١) أولاد نظام (١٢)، وكان رستم قد جَهَّز الجيوشَ مع الجالينوس (١٣)، فلما بلغ أبو عُبَيد ذلك أعجل نرْسي بالقتال قبل وصولهم فاقتتلوا قتالًا شديدًا فانهزمتِ الفرسُ وهرب نَرْسي والجالينوس إلى المدائن بعد وقعة جَرَتْ من أبي عبيد مع الجالينوس بمكان يقال له (باروسما) فبعثَ أبو عُبيد المُثَنّى بن حارثة وسرايا أُخر إلى متاخم تلك الناحية كنهر جور (١٤) ونحوها، ففتحها صلحًا وقهرًا، وضربوا الجزيةَ والخراج وغنموا

стр. 3262

الأموال (١) الجزيلةَ ولله الحمد والمنة، وكسروا الجالينوس الذي جاء لنصرة جابان وغنموا جيشه وأمواله، وكرَّ هاربًا إلى قومه حقيرًا ذليلًا. وقعة جسر أبي عُبَيْدٍ ومَقْتلُ أمير المُسلمين وخلق كثير منهم لما رجع الجالينوس هاربًا مما لقي من المسلمين تذامرت (٢) الفرس بينهم واجتمعوا إلى رستم فأرسل جيشًا كثيفًا عليهم ذا الحاجب "بَهْمَن (٣) جاذويه" وأعطاه راية أفريدون وتسمى دِرفْش كابيان، وكانت الفرس تتيمَّن بها. وحملوا معهم راية كسرى وكانت من جلودِ النمور، عرضُها ثمانية أذرع. فوصلوا إلى المسلمين وبينهم النهر وعليه جسر، فأرسلوا: إما (أن) تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم. فقال المسلمون لأميرهم أبي عبيد: أُؤْمُرْهُمْ فليعبروا هم إلينا. فقال: ما هُم بأجرأ على الموت منّا، ثم اقتحمَ إليهم فاجتمعوا في مكانٍ ضيّقٍ هنالك، فاقتتلوا قتالًا شديدًا لم يعهدْ مُثْله، والمسلمون في نحو من عشرة آلاف، وقد جاءت الفرسُ معهم بأفيلةٍ كثيرةٍ عليها الجلاجلُ، قائمة لتذعر خيولَ المسلمين، فجعلوا كلما حملوا على المسلمين فرَّت خيولُهم من الفيلةِ ومما تَسْمعُ من الجلاجل التي عليها، ولا يثبت منها إلا القليل على قسْر، وإذا حمل المسلمون عليهم لا تقدم خيولُهم على الفيلة، وَرَشَقَتْهُم الفرسُ بالنبل، فنالوا منهم خلقًا كثيرًا وقتلَ المسلمون منهم مع ذلك ستةَ آلاف. وأمر أبو عُبَيْد المسلمين أن يقتلوا الفيلة أولًا، فاحتوشوها (٤) فقتلوها عن آخرها، وقد قدَّمتِ الفرسُ بين أيديهم فيلًا عظيمًا أبيض، فتقدَّم إليه أبو عُبيد فضربَهُ بالسيف فقطع ذلومه (٥) فحمي الفيل، وصاح صيحةً هائلةً وحمل فتخبطه برجليه فقتله ووقفَ فوقه، فحمل على الفيل خليفة أبي عبيد الذي كان أوصى أن يكون أميرًا بعده فقتل، ثم آخر، ثم آخر، حتى قتل سبعة من ثقيف كان قد نصَّ أبو عُبيد عليهم واحدًا بعد واحد، ثم صارت إلى المُثنَّى بن حارثة بمُقْتضى الوصية أيضًا. وقد كانت دَوْمةُ امرأةُ أبي عبيد رأت منامًا (٦) يدل على ما وقع سواء بسواء. فلما رأى المسلمون ذلك وَهَنوا عند ذلك، ولم يكن

стр. 3263

بقيَ إلا الظفر بالفُرْس، وضعف أمرهم، وذهب ريحهم، وولَّوْا مُدْبرين، وسافت الفرسُ خلفهم فقتلوا بشَرًا كثيرًا وانكشف الناس (فكان) أمرًا بليغًا، وجاؤوا إلى الجسر فمر بعض الناس. ثم انكسر الجسر فتحكَّم فيمن وراءه الفرس فقتلوا من المسلمين وغرق في الفرات نحوًا من أربعة آلاف. فإنا لله وإنا إليه راجعون. وسار المثنى بن حارثة فوقف عند الجسر الذي جاؤوا منه، وكان الناس لما انهزموا جعل بعضهم يلقي بنفسه في الفرات فيغرق، فنادى المثنى: أيُّها الناسُ على هِينتِكُمْ، فإني واقفٌ على فمِ الجسر لا أجوزُه حتى لا يَبْقى منكم أحدٌ هاهنا، فلما عدَّى الناسَ إلى الناحية الأخرى سارَ المثنى فنزل بهم أولَ منزلٍ، وقام يحرسُهم هو وشجعانُ المسلمين، وقد جُرح أكثرُهم وأُثْخِنوا، ومن الناس منْ ذهب في البرية لا يدرى أين ذهب، ومنهم من رجعَ إلى المدينة النبوية مذعورًا. وذهب بالخبر عبد الله بن زيد بن عاصم المازني إلى عمر بن الخطاب فوجده على المنبر، فقال له عمر: ما وراءك يا عبد الله بن زيد؟ فقال: أتاك الخبر اليقين يا أمير المؤمنين، ثم صعد إليه المخبر فأخبره الخبر سرًا. ويقال: كان أول من قدم بخبرِ الناس عبدُ الله بن يزيد (١) بن الحُصَيْن الخَطْمي (٢)، فالله أعلم. قال سيف بن عمر: وكانت هذه الوقعة في شعبان من سنة ثلاث [عشرة] بعد اليرموك بأربعين يومًا فالله أعلم. وتراجع المسلمون بعضهم إلى بعض وكان منهم منْ فَرَّ إلى المدينة فلم يُؤَنِّب عمرُ الناسَ بل قالَ: أنا فيئكم. وأشغل اللهُ المجوسَ بأمر مَلِكهم. (وذلك (٣) أنَّ أهلَ المدائن عَدَوْا على رُستم فخلعوه ثم وَلَّوه وأضافوا إليه الفَيْرُزان، واختلفوا على فرقتين، فركب الفرس إلى المدائن ولحقهم المُثَنّى بن حارثة في نَفَرٍ من المسلمين، فعارضه أميران من أمرائهم في جيشهم، فأسرهما وأسر معهما بشرًا كثيرًا فضرب أعناقهم. ثم أرسل المُثنى إلى منْ بالعراق من أمراء المسلمين يستمدُّهم، فبعثوا إليه بالأمداد، وبعثَ إليه عمر بن الخطاب بمددٍ كثير فيهم جرير بن عبد الله البَجَلي، في قومه بَجيلة بكمالها، وغيره من سادات المسلمين حتى كثر جيشه.

стр. 3264

وقْعةُ البُوَيْبِ التي اقْتَصَّ فيها المسلمون من الفرس فلما سمعَ بذلك أمراءُ الفرس، وبكثرةِ جيوشِ المُثَنَّى، بعثوا إليه جيشًا آخر مع رجلٍ يقال له مِهْران فتوافَوْا هم وإياهم بمكان يُقال له: "البُوَيْب" (١) قريب من مكانِ الكوفةِ اليوم وبينهما الفرات. فقالوا: إما أن تعبروا إلينا، أو نعبر إليكم. فقال المسلمون: بل اعبروا إلينا. فعبرتِ الفرسُ إليهم فتوافقوا، وذلك في شهرِ رمضان. فعزمَ المُثَنَّى على المسلمين في الفطر فأفطروا عن آخرهم ليكون أقوى لهم، وعُبي الجيش، وجعلَ يمرُّ على كلِّ رايةٍ من راياتِ الأمراءَ على القبائلِ ويعظهم ويحثُّهم على الجهاد والصبر والصمت. وفي القوم جرير بن عبد الله البجلي في بَجِيلة وجماعة من سادات المسلمين. وقال المثنى لهم: إني مُكَبِّر ثلاثَ تكبيرات فتهيَّؤوا، فإذا كَبَّرْتُ الرابعةَ فاحملوا. فقابلوا قوله بالسمع والطاعة والقبول. فلما كبَّر أولَ تكبيرة عاجلتهم الفرس فحملوا حتى غالقوهم (٢)، واقتتلوا قتالًا شديدًا، ورأى المُثَنّى في بعض صفوفه خللًا، فبعث إليهم رجلًا يقول: الأمير يقرأ عليكم السلام ويقول لكم: لا تفضحوا العرب اليوم فاعتدلوا. فلما رأى ذلك منهم - وهم بنو عجل - أعجبه وضحك. وبعث إليهم يقول: يا معشر المُسلمين عاداتكم، انصروا الله ينصركُمْ. وجعلَ المُثَنّى والمسلمون يدعون اللهَ بالظَّفَر والنصر. فلما طالت مدة الحرب جمع المُثَنّى جماعة من أصحابه الأبطال يحمون ظهره، وحمل على مِهران فأزاله عن موضعه حتى دخل الميمنةَ، وحمل غلامٌ من بني تغلب نصراني فقتلَ مِهْران وركب فرسه. كذا ذكره سيف بن عمر (٣). وقال محمد بن إسحاق: بل حمل عليه المُنْذِر بن حسَّان بن ضرار الضّبّي فطعنه واحتزَّ رأسه جرير بن عبد الله البجلي، واختصما في سَلَبِهِ (٤)، فأخذ جرير السلاح، وأخذ المنذر مِنْطقته. وهربتِ المجوسُ وركبَ المسلمون أكتافهم يفصلونهم فصلًا. وسبق المثنى بن حارثة إلى الجسر فوقف عليه ليمنعَ الفرسَ من الجواز عليه ليتمكَّن منهم المسلمون. فركبوا أكتافَهم بقيةَ ذلك اليوم وتلك الليلة، ومن أبعد إلى الليل، فيُقال: إنه قتل منهم يومئذ، وغرق قريبٌ من مئة ألفِ، ولله الحمد والمنة. وغنمَ المسلمون مالًا جزيلًا وطعامًا كثيرًا، وبعثوا بالبشارة والأخماس إلى عمر ﵁. وقد قُتل من سادات المسلمين في هذا اليوم بَشَرٌ كثيرٌ أيضًا. وذلَّتْ لهذه الوقعة رقابُ الفُرْس وتمكن الصحابةُ من الغارات في بلادهم فيما بين الفرات ودجلة، فغنموا شيئًا عظيماَ لا يمكن حصره. وجرت

стр. 3265

أمورٌ يطول ذِكرها بعد يوم البُوَيْب، وكانت هذه الواقعة بالعراق نظير اليرموك بالشام. وفد قال الأعْورُ الشَّنيُّ (١) العَبْدِيُّ في ذلك (٢): [من البسيط] هاجَتْ لأعْورَ دارُ الحيِّ أحْزانا … واسْتَبْدَلَتْ بَعْدَ عَبْدِ القَيْسِ حَسَّانا (٣) وَقَدْ أرانا بها والشَّمْلُ مُجْتمعٌ … إذ بالنُّخَيْلةِ قتْلَى جُنْدِ مِهْرانا إِذْ كان (٤) سارَ المُثنَّى بالخيُولِ لهم … فَقتَّلَ الزَّحفَ من فُرْسٍ وجِيلانا سَما لِمهرانَ والجيشِ الذي مَعهُ … حَتَّى أبادَهُمُ مَثنى وَوُحْدانا) فصل ثم بعثَ أميرُ المؤمنين عمرُ بن الخطّاب سعدَ بن أبي وقّاص الزهري أحدَ العشرة في ستة آلاف أميرًا على العراق، وكتب إلى جرير بن عبد الله والمُثَنى بن حارثة أن يكونا تبعًا له وأن يسمعا له ويُطيعا، فلما وصل إلى العراق كانا معه، وكان قد تنازعا الإمرةَ، فالمثنى يقول لجرير: إنما بعثكَ أميرُ المؤمنين مَددًا إليَّ. ويقول جرير (٥): إنما بعثني أميرًا عليكَ. فلما قدم سعد على إمارة (٦) العراق انقطع نزاعهما. قال ابن إسحاق: وتوفي المثنى بن حارثة في هذه السنة (٧): كذا قال ابن إسحاق. والصحيح أن بعثَ عمر سعدًا إنّما كان في أول سنة أربع عشرة كما سيأتي. ذكر اجتماع الفرس على يَزْدَجِرْد بعد اختلافهم كان شيرين قد جمعَ آلَ كسرى في القصر الأبيض، وأمر بقتلِ ذُكرانه كلّهم، وكانت أم يزدجرد فيهم ومعها ابنها وهو صغير، فواعدت أخواله فجاؤوا وأخذوه منها، وذهبوا به إلى بلادهم، فلما وقع ما وقع يوم البُوَيْبِ وقُتل منْ قُتل منهم كما ذكرنا، وركب المسلمون أكتافَهُمْ وانتصروا عليهم وعلى أخذ بلدانهم، ومحالّهم وأقاليمهم. ثم سمعوا (بقدوم سعد بن أبي وقاص من جهة عمر)، اجتمعوا فيما بينهم وأحضروا الأميرين الكبيرين فيهم وهما رُسْتم والفيرزان فتذامروا (٨) فيما بينهم وتواصَوْا وقالوا لهما:

стр. 3266

لئن لم تقوما بالحرب كما ينبغي لنقتلنكما ونشتفي بكما. ثم رأوا فيما بينهم أن يبعثوا خلف نساء كسرى من كل فج ومن كل بقعة، فمن كان لها ولد من آل كسرى مَلَّكوه عليهم. فجعلوا إذا أتوا بالمرأة عاقبوها (١) هل لها ولد وهي تُنكر ذلك خوفًا على ولدها إن كان لها ولد، فلم يزالوا حتى دُلُّوا على أم يَزْدَجِرْدَ، فأحضروها وأحضروا ولدها فملَّكوه عليهم وهو ابن إحدى وعشرين سنة، وهو من ولد (٢) شهريار بن كسرى وعزلوا بوران، واستوثقت الممالك له، واجتمعوا عليه وفرحوا به، وقاموا بين يديه بالنصر أتمَّ قيام، واستفحلَ أمره فيهم وقويت شوكتُهم به، وبعثوا إلى الأقاليم والرساتيق فخلعوا الطاعةَ للصحابة ونقضوا عهودهم وذممهم، وبعث الصحابة إلى عمر بالخبر، فأمرهم عمر أن يتبرَّزوا من بين ظهرانيهم وليكونوا على أطرافِ البلاد حولهم على المياه، وأن تكون كلُّ قبيلةٍ تنظر إلى الأخرى بحيث إذا حدث (٣) حدث على قبيلة لا يَخْفى أمرُها على جيرانهم. وتفاقمَ الحالُ جدًّا، وذلك في ذي القعدة من سنة ثلاثَ عشرةَ. وقد حجَّ بالناس عمرُ في هذه السنة، وقيل: بل حجَّ بهم عبد الرحمن بن عوف (٤)، ولم يحجَّ عمر هذه السنة، والله أعلم. [ذكر] ما وقع [في هذه السنة - أعني] سنة ثلات عشرة من الحوادث [إجماعًا ومن توفي من الأعيان] كانت فيها وقائع تقدم تفصيلها ببلاد (العراق) على يَديْ خالدِ بن الوليد ﵁، فُتحت فيها الحيرةُ والأنبارُ وغيرُهما من الأمصار. وفيها سار خالد بن الوليد من العراق إلى الشام على المشهور. وفيها كانت وقعة اليرموك في قول سيف بن عمر، واختيار ابن جرير، وقتل بها من (قتل من) الأعيان ممَّنْ يطولُ ذكرُهم وتراجمُهم ﵃ أجمعين. وفيها توفي أبو بكر الصدِّيق. وقد أفردنا سيرته في مجلد ولله الحمد. وفيها ولي عمر بن الخطاب ﵁ يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة منها. فولَّى قضاءَ المدينة على بن أبي طالب ﵁. واستناب على الشام أبا عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري.

стр. 3267

وعَزلَ عنها خالد بن الوليد المخزومي، وأبقاه على شُورى الحربِ. وفيها فُتحت بصرى صُلْحًا وهي أولُ مدينة فُتحت من الشام. وفيها فتحت دمشق في قول سيف وغيره - كما قدمنا - واستنيب فيها يزيدُ بن أبي سفيان، فهو أولُ من وليها من أمراء المسلمين ﵃. وفيها (كانت وقعة) فحل من أرض الغور وقتل بها جماعة من الصحابة وغيرهم. وفيها كانت وقعة جسر أبي عُبَيْد فقتل فيها أربعة آلاف من المسلمين، منهم أميرُهم أبو عُبَيْد بن مسعود الثقفي، وهو والد صفية امرأة عبد الله بن عمر، وكانت امرأةً صالحة رحمهما الله. ووالد المُخْتار بن أبي عُبَيْد كذّاب ثقيف، وقد كان نائبًا على العراق في بعض (وقعات) العراق كما سيأتي. وفيها توفي المُثَنَّى بن حارثة في قول ابن إسحاق، وقد كان نائبًا على العراق، استخلفه خالدُ بن الوليد حين سار إلى الشام، وقد شهد مواقفَ مشهورة، وله أيامٌ مذكورةٌ ولاسيَّما يوم البُوَيْب (١) بعد جسر أبي عُبَيْد، قتل فيه من الفرس وغرق بالفرات قريبٌ من مئة ألف، والذي (٢) عليه الجمهورُ أنّه بقيَ إلى سنة أربعَ عشرةَ كما سيأتي بيانه. وفيها حج بالناس عمرُ بن الخطاب في قول بعضهم، وقيل: بل حجَّ عبد الرحمن بن عوف. وفيها استنفرَ عمرُ قبائلَ العرب لغزو العراق والشام فأقبلوا من كلّ النّواحي فرمى بهم الشامَ والعراق. (وفيها) كانت وقعة أجْنَادين في قول ابن إسحاق يوم السبت لثلاث من جمادى الأولى منها. وكذا عند الواقدي فيما بين الرملة وبيت جَبْرين (٣) وعلى الروم القيقلان (٤) وأمير المسلمين عمرو بن العاص، وهو في عشرين ألفًا في قول، فقتل القيقلان وانهزمت الروم وقتل منهم خلق كثير. واستشهد من المسلمين أيضًا جماعةٌ منهم هشام بن العاص، والفضل بن العباس، وأبان بن سعيد، وأخواه خالد وعمرو، ونعيم بن عبد الله بن النحَّام، والطفيل بن عمرو، وعبد الله بن عمرو الدَّوْسيّان، وضرار بن الأزور، وعكرمة بن أبي جهل، وعمّه سلمة بن هشام، وهبّار بن سفيان (٥)، وصخر بن نصر، وتميم وسعيد ابنا الحارث بن قيس ﵃.

стр. 3268

وقال محمد بن سعد (١): قتل يومئذ طليب بن عمير (٢) وأمُّه أروى بنت عبد المطلب عمةُ رسول الله ﷺ . وممن قُتل يومئذ عبدُ الله بن الزبير بن عبد المطلب، وكان عمره يومئذ ثلاثين سنة فيما ذكره الواقدي (٣)، قال: ولم يكن له روايةٌ، وكان ممن صبر يوم حنين. قال ابن جرير: وقتل يومئذ عثمان بن طلحة بن أبي طلحة والحارث بن أوس بن عتيك ﵃. وفيها كانت وقعة مرج الصُّفَّر في قول خليفة بن خَيّاط (٤) وذلك لاثنتي عشرةَ بقيتْ من جمادى الأولى، وأميرُ الناس خالدُ بن سعيد بن العاص فقُتل يومئذ، وقيل: إنَّما قُتل أخوه عمرٌو، وقيل: ابنُه فالله أعلم. قال ابن إسحاق: وكان أمير الروم فلقط (٥)، فقتل من الروم مقتلةً عظيمة حتى جرت طاحون هناك من دمائهم. والصحيح أن وقعة مرج الصُّفر في أول سنة أربع عشرة كما سيأتي. ذكر المُتَوفَّين في هذه السنة مُرَتَّبينَ على الحروف كما ذكرهم [شيخنا] الحافظ الذهبي [في تاريخه] (٦) - أبانُ (٧) بن سَعيد بن العاص بن أمية الأموي أبو الوليد (المكي) صحابيٌّ جليلٌ، وهو الذي أجار عُثمان بن عفّان يومَ الحُدَيْبية حتى دخل مكةَ لأداءَ رسالة رسول الله ﷺ . أسلم بعد مرجع أخويه من الحبشة خالد، وعمرو، فدعواه إلى الإسلام فأجابهما، وساروا فوجدوا رسولَ الله ﷺ قد فتح خيبر. وقد استعمله رسول الله ﷺ سنةَ تسع على البحرين وقتل بأجْنادين.

стр. 3269

- أنسة (١) مولى رسول الله ﷺ المشهور أنه قتل ببدر فيما ذكره البخاري وغيره، وزعم الواقدي (٢) فيما نقله عن أهل العلم أنه شهد أحدًا وأنه بقي بعد ذلك زمانًا. قال: وحدَّثني ابن أبي الزناد عن محمد بن يوسف أن أنسةَ ماتَ في خلافة أبي بكر الصدِّيق، وكان يُكْنَى أبا مسروح (٣). وقال الزُّهْري (٤): كان يأذن للناس على النبي ﷺ . تميم (٥) بن الحارث بن قيس السهمي وأخوه قيس، صحابيان جليلان هاجرا إلى الحبشة (وقُتلا بأجنادين. الحارث (٦) بن أوس بن عتيك من مهاجرة الحبشة. قتل بأجنادين. خالد (٧) بن سعيد بن العاص الأموي من السابقين الأولين، ممن هاجر إلى الحبشة) وأقام بها بضعَ عشرة سنةً، ويقال: إنه كان على صنعاء من جهة رسول الله ﷺ ، وأمَّره الصدِّيقُ على بعض الفتوحات، كما تقدم. قُتل يوم مَرْج الصُّفَّر في قولٍ، وقيل: بل هرب فلم يُمكّنه الصديقُ من دخول المدينة تعزيرًا (٨) له، فأقام شهرًا (٩) في بعض ظواهرها حتى أذن له. ويقال: إن الذي قتله أسلم، وقال (رأيت له) حين قتلته نورًا ساطعًا إلى السماء ﵁. سعد (١٠) بن عبادة بن دُلَيْم بن حارثة بن أبي حَزِيمة (١١). ويقال حارثة بن حَزِيمة بن ثَعْلَبة بن طَريف بن

стр. 3270

الخَزْرج بن ساعدَة بن كَعْب بن الخَزْرج الأنصاري الخزرجي سيِّدهم، أبو ثابت، ويقال: أبو قيس: صحابيٌّ جليلٌ كان أحدَ النقباء ليلة العقبة، وشهد بدرًا في قول عروة وموسى بن عقبة والبخاري (١) وابن ماكولا (٢). وروى ابن عساكر (٣) من طريق حجاج بن أرطأة، عن الحكم، عن مِقْسَم، عن ابن عباس: أن راية المهاجرين يوم بدر كانت مع علي، وراية الأنصار مع سعد بن عبادة ﵄. قلت: والمشهور أنَّ هذا كان يوم الفتح، والله أعلم. وقال الواقدي (٤): لم يشهدها لأنه نهشته (٥) حيةٌ فشغلته عنها بعد أن تجهَّز لها، فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجره، وشهد أُحدًا وما بعدها. وكذا قال خليفة بن خياط (٦). وكانت له جفنة تدورُ مع النبيّ حيث دار من بيوت نسائه بلحمٍ وثَريدٍ، أو لبن وخبز، أو خبز بسمن، أو بِخلٍّ وزيت، وكان ينادي عند أطمة (٧) كلّ ليلة لمن أراد القرى. وكان يحسن الكتابةَ بالعربيّ، والرميَ والسباحةَ، وكان يُسمَّى منْ أحسنَ ذلك كاملًا. وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر (٨) ما ذكره غير واحد من علماء التاريخ أنه تخلف عن بيعة الصدّيق حتى خرج إلى الشام فمات بقرية من حوران سنة أربع (٩) عشرة [وقيل: توفي] (١٠) (في خلافة الصدِّيق. قاله ابن إسحاق والمدائني وخليفة. قال: وقيل في أول خلافة عمر. وقيل سنة أربع عشرة)، وقيل سنة خمس عشرة. وقال الفَلاس وابن بُكَيْر سنة ست عشرة. قلتُ: أما بيعةُ الصدِّيق، فقد روينا في مسند الإمام أحمد (١١) أنه سلم للصدِّيق ما قاله من إن الخلفاء من قريش. وأما موته بأرض الشام فمُحقَّقٌ والمشهور أنه بحوران. قال محمد بن عائذ الدمشقي: عن عبد الأعلى، عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال: أول مدينة فُتحت من الشام بصرى، وبها توفي سعد بن عبادة. وعند كثير من أهل زماننا أنه دفن بقريةٍ

стр. 3271

من غوطة دمشق، يقال لها "المنيحة" وبها قبر مشهور به. ولم أر الحافظ ابن عساكر تعرَّض لذكر هذا القبر (١) في ترجمته بالكلية، فالله أعلم. قال ابن عبد البر (٢): ولم يختلفوا أنه وجد ميتًا في مغتسله، وقد اخضرَّ جسدُه ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلًا يقول (٣): [من الهزج] قَتَلْنا سَيِّدَ الخَزْرَ … جِ سَعْدَ بْن عُبَادة رَمَيْناهُ بسهمين (٤) … فلم يخطئ فؤادَهْ قال ابن جريج: سمعت عطاءً [يقول] سمعت أن الجنَّ قالوا في سعد بن عبادة هذين البيتين. له عن النبي ﷺ أحاديثُ، وكان ﵁ من أشد الناس غيرةً، ما تزوّج امرأةً إلا بكرًا، ولا طلَّق امرأة فتجاسر أحدٌ أن يخطبها بعده. وقد روي أنّه لما خرج من المدينة قسم ماله بين بنيه، فلما توفي، ولد له ولد، فجاء أبو بكر وعمر إلى ابنه (قيس) بن سعد فأمراه أن يدخل هذا معهم، فقال إني لا أغير ما صنع سعد، ولكن نصيبي لهذا الولد. سلمة (٥) بن هشام بن المغيرة، أخو أبي جهل بن هشام، أسلم سلمةُ قديمًا، وهاجر إلى الحبشة، فلما رجع منها حبسه أخوه وأجاعه، فكان رسول الله ﷺ يدعو له في القنوت ولجماعةٍ معه من المستضعفين. ثم انسلّ فلحق برسول الله ﷺ بالمدينة بعد الخندق، وكان معه بها، وقد شهد أجنادين، وقتل بها ﵁. ضرار (٦) بن الأزور الأسدي، كان من الفرسان المشهورين، والأبطال المذكورين، له (مواقف) مشهودة، وأحوال محمودة. ذكر عروة وموسى بن عقبة أنه قتل بأجنادين. له حديث (٧) في استحباب إبقاء شيء من اللبن في الضرع عند الحلب.

стр. 3272

طُلَيْب (١) بن عُمَيْر بن وَهْب بن كبير (٢) بن عبد (٣) بن قُصَيّ القُرَشي العبدي، أمهُ أروى بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ . أسلم قديمًا وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وشهدَ بدرًا، قاله ابن إسحاق والواقدي والزبير بن بكار. ويقال إنه أول من ضرب مشركًا، وذلك أن أبا جهل سبَّ النبي ﷺ فضربَه طُلَيْب بلَحْي (٤) جمل فشجَّه. استشهد طليب بأجنادين وقد شاخ ﵁. عبد الله (٥) بن الزبير بن عبد المطلب بن هاشم القرشي (الهاشمي، ابن) عم النبي ﷺ كان من الأبطال المذكورين، والشجعان المشهورين، قُتل يوم أجنادين بعد ما قتل عشرة من الروم مبارزةً كلهم بطارقةٌ أبطال. وله من العمر يومئذ بضع وثلاثون سنة. عبد الله (٦) بن عمرو الدوسي قتل بأجنادين. (وليس هذا الرجل معروفًا). عثمان (٧) بن طلحة العبدري الحجبي، قيل إنه قتل بأجنادين)، والصحيح أنه تأخر إلى ما بعد الأربعين.

стр. 3273

عتاب (١) بن أسيد بن أبي العيص بن أمية الأموي أبو عبد الرحمن أمير مكة نيابةً عن رسول الله ﷺ استعمله عليها عامَ الفتح، وله من العمر عشرون سنة، فحجَّ بالناس عامئذٍ، واستنابه عليها أبو بكر بعده ﵇. وكانت وفاته بمكة، قيل: يوم توفي أبو بكر ﵄. له حديث واحدٌ رواه أهلُ السنن الأربعة (٢). عكرمة (٣) بن أبي جهل عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم أبو عثمان القرشي المخزومي، كان من سادات الجاهلية كأبيه، ثم أسلم عام الفتح بعدما فرَّ، ثم رجع إلى الحق. واستعمله الصدِّيقُ على عُمان حين ارتدُّوا، فظفر بهم كما تقدم. ثم قدم الشام وكان أميرًا على بعض الكراديس، ويقال: إنه لا يُعرفُ له ذنبٌ بعد ما أسلم. وكان يُقبِّلُ المصحفَ ويبكي ويقول، كلامُ ربي، كلام ربي (٤). احتجَّ بهذا الإمام أحمد على جواز تقبيل المصحف ومشروعيته. وقال الشافعي: كان عكرمة محمود البلاء في الإسلام. وقال عروة: قتل بأجنادين. وقال غيره: باليرموك بعد ما وجد به بضع وسبعون ما بين ضربةٍ وطعنةٍ ﵁. الفضل (٥) بن العباس بن عبد المطلب، قيل إنه توفي في هذه السنة، والصحيح أنه تأخر إلى سنة ثماني عشرة. نعيم بن عبد الله النَّحَّام (٦) أحد بني عدي، أسلمَ قديمًا قبل عمر، ولم يتهيَّأ له هجرةٌ إلى ما بعد الحُدَيْبية، وذلك لأنه كان فيه بِرٌّ بأقاربه، فقالت له قريش: أقم عندنا على أي دينٍ شئتَ، فوالله

стр. 3274

لا يتعرضكَ أحدٌ إلا ذهبت أنفسنا دونك. استشهد يوم أجنادين، وقيل: يوم اليرموك ﵁. هَبَّار (١) بن الأسود بن أسد أبو الأسود القُرشي الأسدي، هذا الرجل كان قد طعن راحلة زينب بنت النبي ﷺ يوم خرجتْ من مكةَ حتى أسقطت، ثم أسلم بعدُ فحَسُنَ إسلامُه، وقُتل بأجنادين ﵁. هَبَّار (٢) بن سُفْيان بن عبد الأسد المَخْزومي ابن أخي أم سلمة. أسلمَ قديمًا وهاجرَ إلى الحبشة واستشُهد يوم أجْنَادين على الصحيح، وقيل: قتل يوم مؤتة، والله أعلم. هشام (٣) بن العاص بن وائل السَّهْمي أخو عمرو بن العاص. روى الترمذي أن رسول الله ﷺ قال "ابنا العاص مؤمنان" (٤) وقد أسلم هشام قبل عمرو، وهاجر إلى الحبشة، فلما رجع منها احتبس بمكة. ثم هاجر بعد الخندق، وقد أرسله الصديق إلى ملك الروم. وكان من الفرسان. وقتل بأجْنادين، وقيل: باليرموك، والأول أصح، والله أعلم. أبو بكر الصديق ﵁ تقدم، وله ترجمة مفردة ولله الحمد. * * * سنة أربع عشرة من الهجرة استُهلَّتْ هذه السنة، والخليفة عمر بن الخطاب يحثُّ الناسَ ويحرِّضُهم على جهادِ أهل العراق، وذلك لِما بلغَه من قتل أبي عُبَيْد يومَ الجِسْر، وانتظامِ شَمْلِ الفرس، واجتماعِ أمرهم على يَزْدَجِرْد الذي أقاموه من بيت الملك، ونقض أهل الذمة (٥) بالعراق عهودهم، ونبذهم المواثيق التي كانت عليهم، وآذوا المسلمين وأخرجوا العمال من بين أظهرهم. وقد كتب عمر إلى من هنالك من الجيش أن يتبرزوا من بين أظهرهم إلى أطراف البلاد. قال ابن جرير ﵀: وركب عمر ﵁ في أول يوم من المحرم هذه السنة في الجيوش من

стр. 3275

المدينة فنزل على ماءٍ يقال له صِرار (١)، فعسكر به عازمًا على غزو العراق بنفسه، واستخلفَ على المدينة عليَّ بن أبي طالب، واستصحب معه عثمان بن عفان وساداتِ الصحابة. ثم عقدَ مجلسًا لاستشارة الصحابة فيما عزم عليه، ونودي أنّ الصلاةَ جامعةٌ، وقد أرسل إلى علي (٢) فقدم من المدينة، ثم استشارهم فكلهم وافقه (٣) على (الذَّهاب إلى) العراق، إلا عبد الرحمن بن عوف فإنَّه قالَ له: إنِّي أخشى إن كسرتَ أن يضعفَ المسلمون في سائر أقطار الأرض، وإني أرى أن تبعث رجلًا وترجع أنت إلى المدينة. فأرثا (٤) عمر والناس عند ذلك واستصوبوا رأيَ ابن عوف. فقال عمر: فمن ترى أن نبعثَ إلى العراق؟ فقال: قد وجدتُه. قال: ومن هو؟ قال الأسد (في براثنه) (٥) سعد بن مالك الزهري. فاستجادَ قوله وأرسلَ إلى سعدٍ، فأمَّره على العراق وأوصاه، فقال: "يا سعد بن وهيب لا يغرنَّك من الله أن قيل: خالُ رسول الله ﷺ وصاحبُه، فإنَّ اللهَ لا يمحو السيِّءَ بالسيِّءَ، ولكن يمحو السيِّءَ بالحسنِ، وإن الله ليس بينه وبين أحدٍ نسبٌ إلا بطاعته، فالناس شريفُهم ووضيعُهم في ذات اللهِ سواء، الله ربهم وهم عبادُه، يتفاضلون بالعافية، ويدركون ما عند الله بالطاعة، فانظر الأمرَ الذي رأيتَ رسولَ الله ﷺ منذ بُعِثَ إلى أن فارقنا عليه فالزمْهُ، فإنَّه الأمرُ. هذه عِظتي إيّاك، إن تركتَها ورغبتَ عنها حَبِطَ (٦) عملُك وكنتَ من الخاسرين". ولما أراد فراقَه قالَ له: "إنَّكَ سَتَقْدِمُ على أمرٍ شديدٍ، فالصبرَ الصبرَ على ما أصابَكَ ونابكَ، تجتمع (٧) لك خشية الله، وأعلم أن خشية الله تجتمع في أمرين، في طاعته واجتناب معصيته، وإنَّما أطاعه من أطاعه ببغضِ (٨) الدنيا وحبِّ الآخرة، وإنما عصيان من عصاه بحبِّ الدنيا وبغض الآخرة. وللقلوب حقائقُ يُنْشئها الله إنشاءً، منها السرُّ، ومنها العلانية، فأما العلانيةُ فأن يكون (٩) حامدهُ وذامُّه في الحقِّ سواء، وأمّا السرُّ فيعرف بظهور الحكمة من قلبه على لسانه، وبمحبة الناس، ومن محبة الناس فلا

стр. 3276

تزهدْ في التحبُّب فإنَّ النبيّين قد سألوا محبتهم، وإنّ الله إذا أحب عبدًا حبّبه، وإذا أبغض عبدًا بغَّضه، فاعتبر منزلتكَ عندَ الله بمنزلتكَ عند الناس". قالوا: فسارَ سعدٌ نحوَ العراقِ في أربعة آلاف، ثلاثة آلاف من أهل اليمن، وألف من سائر الناس، وقيل في ستة آلاف. وشَيَّعَهُمْ عمر من صِرارٍ إلى الأعوص (١)، وقام عمر في الناس خطيبًا هنالك فقال: "إن الله إنّما ضربَ لكمُ الأمثالَ، وصرَّفَ لكم القول لتحيى [به] القلوب فإنَّ القلوبَ ميتةٌ في صدورها حتى يُحْييها اللهُ. من عَلِم شيئًا فلينتفع (٢) به، فإنَّ للعدلِ أمارات وتباشير، فأما الأمارات فالحياء والسخاء والهين واللين. وأما التباشير فالرحمة. وقد جعل الله لكل أمر بابًا، ويسر لكل باب مفتاحًا، فباب العدل الاعتبار؛ ومفتاحه الزهد، والاعتبار ذكر الموت والاستعداد بتقديم الأموال. والزهد أخذ الحق من كلّ أحدٍ قِبَلهُ حقٌّ والاكتفاء بما يكفيه من الكفاف، فإنْ لم يكفه الكفاف لم يُغْنه شيءٌ. إني بينكم وبين الله، وليس بيني وبينه أحدٌ، وإنَّ اللهَ قد ألزمني دفعَ الدعاء عنه فانهوا شكاتكم إلينا، فمن لم يستطع فإلى من يُبَلِّغُناها نأخذ (٣) له الحقَّ غَيْرَ متعتع" (٤). ثم سار سعد إلى العراق، ورجع عمر بمنْ معه من المسلمين إلى المدينة. ولما انتهى سعد إلى نهر زَرود، ولم يبق بينه وبين أن يجتمع بالمثنى بن حارثة إلا اليسير، وكل منهما مشتاق إلى صاحبه، انتقض جرح المثنى بن حارثة الذي كان جرحه يوم الجسر فمات ﵀ ورضي الله عنه. واستخلف على الجيش بشير بن الخصاصية، ولما بلغ سعدًا موتُه ترحَّم عليه وتزوج زوجته سلمى. ولما وصل سعد إلى محلة الجيوش انتهت إليه رياستها وإمرتها، ولم يبق بالعراق أمير من سادات العرب إلا تحث أمره، وأمدَّه عمر بامداد أخر حتى اجتمع معه يوم (٥) القادسية ثلاثون ألفًا، وقيل ستة وثلاثون. وقال عمر: والله لأرمينَّ ملوكَ العجم بملوك العرب. وكتب إلى سعد أن يجعل الأمراء على القبائل، والعرفاء على كل عشرة (٦) عريفًا على الجيوش، وأن يواعدهم إلى القادسية، ففعل ذلك سعدٌ، عرَّفَ العُرفاء، وأمَّر على القبائل، وولَّى على الطلائع، والمقامات، والمَجْنبات والسَّاقات، والرّجّالة، والركبان، كما أمرَ أمير المؤمنين عمر. قال سيف (٧) بإسناده عن مشايخه قالوا: وجعل عمر على قضاء الناس عبدَ الرحمن بن ربيعة الباهلي

стр. 3277

ذا النون. وجعل إليه الأقباض وقسمة الفَيْء، وجعلَ داعيةَ الناس وقاصَّهُم سلمانَ الفارسيَّ. وجعل الكاتبَ زيادَ بن أبي سفيان. قالوا: وكان في هذا الجيش كلّه من الصحابة ثلاثمئة وبضعة عشر صحابيًا، منهم بضعة وسبعون بدريًا، وكان فيه سبعمئة من أبناء الصحابة ﵃. وبعث عمر كتابًا إلى سعد يأمره بالمبادرة إلى القادسية، والقادسية باب فارس في الجاهلية، وأن يكون بين الحجر والمدر، وأن يأخذ الطرقَ والمسالكَ على فارس، وأن يبدروهم بالضرب والشدة، ولا يهولنك (١) كثرةُ عددهم وعُدَدهم، فإنَّهم قومٌ خَدَعةٌ مَكَرةٌ، وإن أنتم صبرتم واحتسبتم (٢) ونويتم الأمانة (٣) رجوتُ أن تُنْصروا عليهم، ثم لم يجتمع لهم شملهم أبدًا إلَّا أن يجتمعوا، وليست معهم قلوبهم. وإن كانت الأخرى فارجعوا إلى ما وراءكم حتى تصلوا (إلى) الحجر فإنكم عليه (٤) أجرأ، وإنهم عنه أجبن، وبه أجهل، حتى يأتي اللهُ بالفتح عليهم ويردَّ لكم الكرّة. وأمره بمحاسبة نفسه وموعظة جيشه، وأمرهم بالنية الحسنة والصبر فإنَّ النصر يأتي من الله على قدر النية، والأجر على قدر الحسبة، وسلوا الله العافية، وأكثروا من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، واكتب إليّ بجميع أحوالكم وتفاصيلها، وكيف تنزلون وأين يكون منكم عدوكم، واجعلني بكتبك إليَّ كأني أنظر إليكم، واجعلني من أمركم على الجلية، وخفِ الله وارْجُهُ ولا تدل بشيء (٥)، واعلم أن الله قد توكَّل لهذا الأمر بما لا خُلْفَ له، فاحذر أن يصرفه عنك ويستبدل بكم غيركم. فكتب إليه سعد يصفُ له كيفيةَ تلك المنازل والأراضي بحيث كأنه يشاهدها، وكتب إليه يخبره بأن الفرس قد جرَّدُوا لحربه رُسْتم وأمثاله، فهم يطلبوننا ونحن نطلبهم، وأمر الله بعدُ ماضٍ، وقضاؤه مسلَّم (٦)، إلى ما قدِّر لنا وعلينا، فنسأل الله خيرَ القضاء وخيرَ القدر في عافية. وكتب إليه عمر: قد جاءني كتابك وفهمته، فإذا لقيتَ عدوَّك ومنحكَ الله أدبارهم، فإنه قد أُلْقيَ في رُوعي أنَّكم ستهزمونهم فلا تشكَّنَّ في ذلك، فإذا هزمتهم فلا تنزع عنهم حتى تقتحم عليهم المدائن فإنه خرابُها إن شاء الله. وجعل عمر يدعو لسعدٍ خاصة وله وللمسلمين عامةً.

стр. 3278

ولما بلغ سعد العُذَيْب (١) اعترضَ للمسلمين جيشٌ للفرس مع شيرزاذ بن آزاذويه (٢)، فغنموا مما معه شيئًا كثيرًا ووقع منهم موقعًا كبيرًا، فَخَمَّسَها سعد وقسمَ أربعةَ أخماسها في الناس واستبشر الناسُ بذلك وفرحوا، وتفاءلوا، وأفرد سعد سرية تكون حياطة لمن معهم من الحريم، على هذه السرية غالب بن عبد الله الليثي. [فصل في] غَزْوة القادسيَّة ثم سار سعدٌ فنزلَ القادسيةَ، وبثَّ سراياه، وأقامَ بها شهرًا لم ير أحدًا من الفرس، فكتب إلى عمر بذلك، والسرايا تأتي بالمِيرة. من كلِّ مكانٍ، فعجَّت رعايا الفُرْس من أطراف بلادهم إلى يَزْدَجِردَ من الذين يلقون (من المسلمين) من النهب والسبي. وقالوا: إن لم تنجدونا وإلا أعطينا (ما) بأيدينا وسلَّمنا إليهم الحصون. واجتمع رأي الفرس على إرسال رُسْتم إليهم، فبعث إليه يَزْدَجزدَ فأمَّره على الجيش فاستعفى رستم من ذلك، وقال: إن هذا ليس برأي في الحرب، إن إرسال الجيوش بعد الجيوش أشدّ على العرب من أن يكسروا جيشًا كثيفًا مرة واحدة. فأبى الملك إلا ذلك. فتجهز رستم للخروج (٣). ثم بعث سعد كاشفًا إلى الحيرة (وإلى صلوبا) فأتاه الخبر بأن الملكَ قد أمَّر على الحرب رُسْتم بن الفرخزاذ الأرمني، وأمدَّه بالعساكر. فكتب سعد إلى عمر بذلك فكتب إليه عمر: لا يكربنك ما يأتيك (٤) عنهم، ولا ما يأتونك به، واستعن بالله وتوكل عليه، وابعث إليه رجالًا من أهل النظر والرأي والجَلَد يدعونه، فإن الله جاعلٌ دعاءهم توهينًا لهم وفَلْجأ (٥) عليهم، واكتب إليَّ في كل يوم. ولما اقترب رُسْتم بجيوشه وعسكر بساباط (٦) كتب سعد إلى عمر يقول: إن رستم قد عسكر بساباط وجرَّ الخيول والفيول وزحف علينا بها، وليس شيء أهمَّ عندي، ولا أكثر ذكرًا مني لما أحببت أن أكون عليه من الاستعانة (٧) والتَّوكُّل. وعبأ رستم فجعل على المقدمة وهي أربعون ألفًا الجالنوس، وعلى الميمنة الهرمزان، وعلى الميسرة مهران بن بهرام وذلك ستون ألفًا، وعلى الساقة البندران في عشرين ألفًا، فالجيش كله ثمانون ألفًا فيما ذكره سيف (٨) وغيره.

стр. 3279

وفي رواية كان رستم في مئة ألف وعشرين ألفًا، يتبعها ثمانون ألفًا، وكان معه ثلاثة وثلاثون فيلًا منها فيل أبيض كان لسابور، فهو أعظمها وأقدمها، وكانت الفيلة تألفه. ثم بعث سعدٌ جماعةً من السادات منهم النعمان بن مُقرِّن، وفُرات بن حَيَّان، وحَنْظلة بن الربيع التميمي، وعطارد بن حاجب، والأشعث بن قيس، والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن معد يكرب، يدعون رستم إلى الله . فقال لهم رستم: ما أقدمكم؟ فقالوا: جئنا لموعود الله إيانا، أخذ بلادكم وسبي نسائكم (وأبنائكم) وأخذ أموالكم، فنحن على يقين من ذلك، وقد رأى رستم في منامه كأنَّ ملكًا نزل من السماء فختم على سلاح الفرس كله ودفعه إلى رسول الله ﷺ فدفعه رسول الله ﷺ إلى عمر. وذكر سيف بن عمر (١) أنَّ رستم طاول سعدًا في اللقاء حتى كان بين خروجه من المدائن وملتقاه سعدًا بالقادسية أربعة أشهر، كل ذلك لعله يضجر سعدًا ومن معه (٢) ليرجعوا، ولولا أن الملك استعجله ما التقاه، لما يعلم من غلبة المسلمين لهم ونصرهم عليهم، لما رأى في منامه، ولما يتوسَّمه، ولما سمع منهم، ولما عنده من علم النجوم الذي يعتقد صحته في نفسه لما له من الممارسة لهذا الفن. ولما دنا جيش رستم من سعد أحبَّ سعدٌ أن يطَّلعَ على أخبارهم على الجلية، فبعثَ سرية لتأتيه برجلٍ من الفرس وكان في السرية طُلَيْحة الأسدي الذي كان ادَّعى النبوةَ ثم تاب. وتقدَّمَ الحارثُ مع أصحابه حتى رجعوا. فلما بعث سعدٌ السريةَ اخترقَ طُلَيْحةُ الجيوشَ والصفوفَ، وتَخطَّى الألوفَ، وقتل جماعة من الأبطال حتّى أسرَ أحدَهم وجاء به لا يملكُ من نفسه شيئًا، فسأله سعدٌ عن القوم فجعل يصف شجاعةَ طليحة، فقال: دَعْنا من هذا وأخبرنا عن رستم، فقال: هو في مئة ألف وعشرين ألفًا، ويتبعها مثلها. وأسلم الرجل من فوره ﵀. [رستم والمغيرة بن شعبة] قال سيف (٣) عن شيوخه: ولما تواجه الجيشان بعث رستم إلى [سعد] أن يبعثَ إليه برجلٍ عاقلٍ عالمٍ بما أسأله عنه. فبعث إليه المغيرةَ بن شعبة ﵁. فلما قدم عليه جعل رستم يقول له: إنكم جيراننا وكنا نُحسن (٤) إليكم ونكفُّ الأذى عنكم، فارجعوا إلى بلادكم، ولا نمنع تجارتكم من الدخول إلى بلادنا. فقال له المغيرة: إنّا ليس طلبنا الدنيا، وإنما همنا (٥) وطلبنا الآخرة، وقد بعث الله إلينا رسولًا قال له: إني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يدنْ بديني (فأنا) منتقم بهم، منهم، وأجعل لهم

стр. 3280

الغلبةَ ما داموا مُقِرِّين به، وهو دين الحق، لا يرغبُ عنه أحدٌ إلا ذلَّ، ولا يعتصم به إلا عزَّ. فقال له رستم: فما هو؟ فقال: أما عموده الذي لا يصلح شيء منه إلا به فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والإقرار بما جاء من عند الله، فقال ما أحسن هذا؟! وأي شيء أيضًا. قال وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله. قال: وحسن أيضًا، وأي شيء أيضًا؟ قال: والناس بنو آدم، فهم إخوة لأب وأم، قال: وحسن أيضًا. ثم قال رستم: أرأيت إن دخلنا في دينكم أترجعون عن بلادنا؟ قال: إي والله ثم لا نقرب بلادكم إلا في تجارة أو حاجة. قال: وحسن أيضًا. (قال): ولما خرج المغيرة من عنده ذاكر رستم رؤساء قومه في الإسلام فأنِفُوا ذلك وأَبَوْا أن يدخلوا فيه، قبَّحهم الله وأخزاهم، وقد فعل. [رستم وربعي بن عامر] قالوا (١): ثم بعث إليه سعد رسولًا آخر بطلبه وهو رِبْعي بن عامر، فدخل عليه وقد زيَّنوا مجلسَهُ بالنمارق المذهَّبة" (٢) والزرابي الحرير (٣)، وأظهر اليواقيت واللآلئ الثمينة، والزينة العظيمة، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة. وقد جلس على سرير من ذهب. ودخل رِبْعي بثياب صفيقة (٤) وسيف وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه. فقالوا له: ضع سلاحك. فقال: إني لم آتكم، وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلَّا رجعت. فقال رستم: ائذنوا له، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق، فخرق عامتها، فقالوا له: ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جَور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قَبِلَ ذلك (قبلنا) منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبدًا حتى نفضي إلى موعود (٥) الله. قالوا: وما موعود الله؟ قال: الجنةُ لمن ماتَ على قتال منْ أبى، والظفرُ لمن بقي. فقال رستم: قد سمعتُ مقالتكم فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظرَ فيه وتنظروا؟ قال: نعم! كم أحبُّ إليكم؟ يومًا أو يومين؟ قال: لا، بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا. فقال: ما سنَّ لنا رسول الله ﷺ أن نؤخّر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك وأمرهم واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل، فقال: أسيدهم أنت؟ قال! لا: ولكن المسلمون كالجسد الواحد يجير أدناهم على أعلاهم. فاجتمع رستم برؤساء قومه فقال: هل رأيتم قط أعزَّ وأرجحَ من كلام هذا الرجل؟ فقالوا: معاذَ الله أن تميل إلى شيء من هذا، وتدعَ دينك إلى هذا الكلب، أما ترى إلى ثيابه، فقال: ويلكم لا تنظروا إلى الثياب،

стр. 3281

وانظروا إلى الرأي والكلام والسيرة. إن العربَ يستخفّون بالثياب والمأكل، ويصونون الأحساب. ثم بعثوا يطلبون في اليوم الثاني رجلًا فبعث إليهم حذيفة بن محصن فتكلم نحو ما قال ربعي. وفي اليوم الثالث المغيرة بن شعبة فتكلم بكلام حسن طويل. قال فيه رستم للمغيرة: إنما مَثَلكُم في دخولكم أرضنا كمثل الذباب رأى العسل. فقال منْ يوصلني إليه وله درهمان؟ فلما سقط عليه غرق فيه، فجعل يطلب الخلاص فلا يجده، وجعل يقول منْ يُخلِّصني وله أربعة دراهم؟ ومَثَلُكُم كمثل ثعلب ضعيفٍ دخل جحرًا في كَرْمٍ، فلما رآه صاحب الكَرْم ضعيفًا رحمه فتركه، فلما سمنَ أفسدَ شيئًا كثيرًا فجاء بجيشه، واستعانَ عليه بغلمانه فذهبَ ليخرجَ فلم يستطع لسمنه فضربه حتى قتله، فهكذا تخرجون من بلادنا. ثم استشاط غضبًا وأقسم بالشمس لأقتلنكم غدًا (فقال المغيرة: ستعلم. ثم قال رستم للمغيرة: قد أمرتُ لكم بكسوةٍ ولأميركم بألف دينار وكسوة ومركوب وتنصرفون عنا. فقال المغيرة: أبعد أن أوهنَّا ملككم وضعضعنا (١) عزَّكم، ولنا مدة نحو بلادكم ونأخذ الجزية منكم عن يدٍ وأنتم صاغرون، وستصيرون لنا عبيدًا على رغمكم؟! فلما قال ذلك استشاط غضبًا). وقال ابن جرير (٢): حدَّثني محمد بن عبد الله بن صفوان الثقفي، حدَّثنا أمية بن خالد، حدَّثنا أبو عوانة، عن حُصَين بن عبد الرحمن. قال قال أبو وائل: جاء سعد حتى نزل القادسية ومعه الناس قال: لا أدري لعلنا لا نزيد على سبعة آلاف (أو ثمانية آلاف) بين ذلك، والمشركون ثلاثون ألفًا، أو نحو ذلك، فقالوا: لا يَدَ لَكُمْ ولا قوةَ ولا سلاح، ما جاء بكم؟ ارجعوا. قال: قلنا ما نحن براجعين،، فكانوا يضحكون من نَبْلِنا (٣) ويقولون دوك دوك ويشمهونها بالمغازل. فلما أبينا عليهم أن نرجع قالوا: ابعثوا إلينا رجلًا من عقلائكم يبين لنا ما جاء بكم. فقال المغيرة بن شعبة: أنا، فعبر إليهم فقعد مع رستم على السرير، فنخروا (٤) وصاحوا، فقال: إن هذا لم يزدني رفعةً ولم يُنْقص صاحبكم. فقال رستم: صدق، ما جاء بكم؟ فقال: إنّا كنّا قومًا في شرٍّ وضلالةٍ، فبعث الله إلينا نبيًا فهدانا الله به ورزقنا على يديه، فكان فيما رزقنا حبةٌ تنبتُ في هذا البلد فلما أكلناها وأطعمناها أهلينا قالوا: لا صبرَ لنا عنها، أنزلونا هذه الأرضَ حتى نأكلَ من هذه الحبة. فقال رستم إذًا نقتلكم. قال إن قتلتمونا دخلنا الجنة، وإن قتلناكم دخلتم النار، وأدَّيتم الجزية (قال: فلما قال: وأديتم الجزية) نخزوا (٥) وصاحوا وقالوا: لا صلحَ بيننا وبينكم. فقال المغيرة: تعبرون إلينا أو نعبر إليكم؟ فقال رستم: بل نعبر إليكم، فاستأخر المسلمون حتى عبروا، فحملوا عليهم فهزموهم.

стр. 3282

وذكر سيف (١): أن سعدًا كان به عِرْق النَّسا يومئذ، وأنَّه خطبَ الناسَ وتلا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وصلَّى بالناس الظهرَ ثم كبَّر أربعًا، وحملوا بعد أن أمرهم أن يقولوا (٢): لا حول ولا قوة إلا بالله، في طردهم إياهم، وقتلهم لهم. وقعودهم لهم كل مرصد، وحصرهم لبعضهم في بعض الأماكن حتى أكلوا الكلاب والسنانير. وما رد شاردهم حتى وصل إلى نهاوند، ولجأ أكثرهم إلى المدائن، ولحقهم المسلمون إلى أبوابها. وكان سعد قد بعث طائفةً من أصحابه إلى كسرى يدعونه إلى الله قبل الوقعة فاستأذنوا على كسرى فأذن لهم، وخرجَ أهلُ البلد ينظرون إلى أشكالهم وأرديتهم على عواتقهم وسياطهم بأيديهم، والنعال في أرجلهم، وخيولهم الضعيفة، وخبطها الأرض بأرجلها. وجعلوا يتعجبون منها (٣) غاية العجب كيف مثل هؤلاء يقهرون جيوشَهم مع كثرة عددها وعُددها. ولما استأذنوا على الملك يَزْدجردَ أذن لهم وأجلسهم بين يديه، وكان متكبِّرًا قليل الأدب، ثم جعل يسألهم عن ملابسهم هذه ما اسمها؟ عن الأردية، والنعال، والسياط، ثم كلما قالوا له شيئًا من ذلك تفاءل، فردَّ الله فأله على رأسه. ثم قال لهم: ما الذي أقدمكم هذه البلاد؟ أظننتم أنا لما تشاغلنا بأنفسنا اجترأتم علينا؟. فقال له النعمان بن مُقرِّن: إن الله رحمنا فارسل إلينا رسولًا يدلُّنا على الخير ويأمرنا به، ويعرفنا الشر وينهانا عنه، ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة. فلم يدع إلى ذلك قبيلة إلَّا صاروا فرقتين فرقة تقاربه وفرقة تباعده، ولا يدخل معه في دينه إلا الخواصّ، فمكث كذلك ما شاء الله أن يمكث، ثم أمر أن ينهد إلى منْ خالفه من العرب ويبدأ بهم، ففعل فدخلوا معه جميعًا على وجهين مكروه عليه فاغتبط، وطائع (٤) إياه فازداد. فعرفنا جميعًا فضلَ ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق، وأمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف، فنحن ندعوكم إلى ديننا وهو دين الإسلام حَسَّن (٥) الحسنَ وقبَّح القَبيح كله، فإن أبيتم فأمرٌ من الشرِّ هو أهونُ من آخر شرٍّ منه الجزيةُ، فإن أبيتم فالمناجزة، وإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله وأقمناكم عليه على أن تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم، وشأنكم وبلادكم، وإن أتيتمونا بالجزية (٦) قبلنا ومنعناكم وإلا قاتلناكم. قال: فتكلم يَزْدَجرد فقال: إني لا أعلم في الأرض أمةً كانت أشقى ولا أقل عددًا ولا أسوأ ذات بينٍ منكم، قد كنّا نوكل بكم قرى الضواحي ليكفوناكم، لا تغزوكم فارس ولا تطمعون أن تقوموا لهم. فإن

стр. 3283

كان عددكم كَثُرَ فلا يغرَّنكم منا، وإن كان الجهْدُ دعاكم فرضنا لكم قوتًا (إلى) خصبكم وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم وملَّكنا عليكم ملكًا يرفق بكم. فأسكت القوم. فقام المغيرة بن شعبة فقال: أيها الملك إن هؤلاء رؤوسُ العرب ووجوهُهم، (وهم) أشراف (١) يستحيون من الأشراف، وإنما يكرم الأشراف الأشراف، ويعظم حقوق الأشراف الأشراف، وليس كل ما أرسلوا له جمعوه لك، ولا كل ما تكلمت به أجابوك عليه (٢)، وقد أحسنوا ولا يحسن بمثلهم إلا ذلك، فجاوبني فأكون (أنا) الذي أبلغك ويشهدون على ذلك. إنك قد وصفتنا صفةً لم تكن بها عالمًا، فأما ما ذكرت من سوء الحال، فما كان أسوأ حالًا منا، وأما جوعنا، فلم يكن يشبه (٣) الجوع، كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات، ونرى ذلك طعامنا، وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم. ديننا أن يقتل بعضنا بعضًا، وأن يبغي (٤) بعضنا على بعض، وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهية أن تأكل من طعامه، وكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرتُ لك وفي المعاد على ما ذكرتُ لك، فبعث الله إلينا رجلًا معروفًا نعرف نسبَه ونعرفُ وجهَه ومولدَه، فأرضه (٥) خير أرضنا، وحَسَبُه خيرُ أحسابنا، وبيتُه خيرُ بيوتنا، وقبيلتُه خيرُ قبائنا، وهو نفسه كان خيرَنا في الحال التي كان فيها أصدقنا وأحلمنا، فدعانا إلى أمرٍ فلم يجبْه أحدٌ. أول تربٍ كانَ له الخليفة من بعده، فقال وقلنا، وصدق وكذبنا، وزاد ونقصنا، فلم يقل شيئًا إلا كان، فقذف الله في قلوبنا التصديقَ له واتّباعه، فصار فيما بيننا وبين ربِّ العالمين. فما قالَ لنا فهو قولُ الله، وما أمرنا فهو أمرُ الله، فقال لنا: إن ربَّكم يقول: [إني] أنا اللهُ وحدي لا شريكَ لي، كنتُ إذ لم يكن شيءٌ، وكل شيءٍ هالك إلا وجهي، وأنا خلقتُ كل شيءٍ، وإليَّ يصيرُ كل شيء، وإنَّ رحمتي أدركَتْكُم فبعثتُ إليكم هذا الرجلَ لأدلَّكم على السبيل التي أنجيكم بها بعد الموت من عذابي، ولأحلَّكُمْ داري، دارَ السلام. فنشهد عليه أنه جاءَ بالحق من عند الحق. وقال: منْ تابعكم على هذا فله ما لكم وعليه ما عليكم، ومنْ أبَى فاعْرِضُوا عليه الجزيةَ، ثم امنعوه ممَّا تمنعون منه أنفسَكمِ، ومنْ أبى فقاتلوه فأنا الحكمُ بينكم، فمنْ قُتل منكم أدخلته جنَّتي، ومنْ بقيَ منكم أعقبته النصر على منْ ناوأه. فاخْتَرْ إنْ شئتَ الجزيةَ وأنت صاغرٌ، وإن شئت فالسيفُ، أو تُسْلم فتُنْجي نفسَكَ. فقال يَزْدَجِرْدُ: استقبلتني بمثل هذا؟ فقال: ما استقبلت إلَّا منْ كلَّمني، ولو كلَّمني غيرُك لم أستقبلك به. فقال: لولا أن الرسل لا تُقْتلُ لقتلتكم، لا شيء لكم عندي. وقال: ائتوني بوقْرٍ من تُراب

стр. 3284

فاحملوه على أشرف هؤلاء، ثم سوقوه حتى يخرج من أبيات (١) المدائن. أرجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أني مرسلٌ إليه رستم حتى يدفنه (٢) وجنده في خندق القادسية وينكِّل به وبكم من بعد، ثم أورده بلادكم حتى أشغلكم في أنفسكم بأشدّ مما نالكم من سابور. ثم قال: من أشرفُكم؟ فسكتَ القوم، فقال عاصم بن عمرو وافْتأَتَ (٣) ليأخذ التراب: أنا أشرفهم، أنا سيدُ هؤلاء فحمّلنيه، فقال: أكذلك؟ قالوا: نعم. فحمله على عنقه، فخرج به من الإيوان والدار حتى أتى راحلته فحمله عليها، ثم انجذب في السير فأتوا (٤) به سعدًا وسبقهم عاصم فمر بباب قُدَيْس (٥) فطواه فقال (٦) بَشِّروا الأمير بالظفر، ظفرنا إن شاء الله (تعالى، ثم مضى حتى جعل التراب في الحِجْر، ثم رجع فدخل على سعد، فأخبره الخبر. فقال: أبشروا) فقد واللّه أعطانا الله أقاليد ملكهم. وتفاءلوا بذلك أخذ بلادهم. ثم لم يزل أمر الصحابة يزداد في كلّ يومٍ عُلوًّا وشَرَفًا ورفعةً، وينحط أمرُ الفرس سُفلًا وذُلًا ووهنًا. ولما رجعَ رستم إلى الملك يسأله (٧) عن حال من رأى من المسلمين؟ فذكر (له) عقلهم وفصاحتهم وحدَّةَ جوابهم، وأنهم يرومون أمرًا يوشك أن يدركوه. وذكر ما أمر به أشرفهم من حمل التراب وأنه استحمق أشرفهم في حمله التراب على رأسه، ولو شاء اتقى بغيره وأنا لا أشعر. فقال له رستم: إنه ليس أحمق، وليس هو بأشرفهم، إنما أراد أن يفتدي قومه بنفسه، ولكن والله ذهبوا بمفاتيح أرضنا. وكان رستم مُنجِّمًا، ثم أرسل رجلا وراءهم وقال: إن أدرك التراب فردَّه تداركنا أمرنا، وإن ذهبوا به إلى أميرهم غلبونا على أرضنا. قال: فساق وراءهم فلم يدركهم بل سبقوه إلى سعد بالتراب. وساء ذلك فارس وغضبوا من ذلك أشدَّ الغضب واستهجنوا رأي الملك. فصل كانت وقعةُ القادسية وقعةً عظيمة لم يكن بالعراق أعجبَ منها، وذلك أنه لما تواجه الصفان كان سعد ﵁ قد أصابه عِرْقُ النَّسا، ودمامل في جسده، فهو لا يستطيع الركوب، وإنما هو في قصر متكئ على (صدره فوق) وسادة وهو ينظر إلى الجيش ويدبّر أمره، وقد جعل أمر الحرب إلى خالد بن

стр. 3285

عُرْفُطة، وجعل على الميمنة جرير بن عبد الله البجلي، وعلى الميسرة قيس بن مكشوح، وكان قيس والمغيرة بن شعبة قد قدما على سعد مددًا من عند أبي عبيدة من الشام بعدما شهدا وقعة اليرموك. وزعم ابن إسحاق أن المسلمين كانوا ما بين السبعة آلاف إلى الثمانية آلاف، وأن رستمًا (١) كان في ستين ألفًا، فصلَّى سعدٌ بالناس الظهر، ثم خطب الناسَ فوعظهم وحثهم وتلا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] وقرأ القُرّاءُ آياتِ الجهاد وسُوَرَهُ، ثم كبَّر سعدٌ أربعًا، ثم حملوا بعد الرابعة، فاقتتلوا حتى كان الليل فتحاجزوا، وقد قتل من الفريقين بشرٌ كثيرٌ، ثم أصبحوا إلى مواقفهم فاقتتلوا يومهم ذلك وعامة ليلتهم، ثم أصبحوا (كما أمسوا) على (٢) مواقفهم، فاقتتلوا حتى أمسوا، ثم اقتتلوا في اليوم الثالث كذلك، وأمست هذه الليلة تسمى ليلة الهَرير، فلما أصبح اليومُ الرابعُ اقتتلوا قتالا شديدًا وقد قاسوا من الفيلة بالنسبة إلى الخيول العربية بسبب نفرتها منها أمرًا بليغًا، وقد أباد الصحابة الفيلةَ ومنْ عليها، وقلعوا عيونها، وأبلى جماعةٌ من الشجعان في هذه الأيام مثل طُلَيْحة الأسدي، وعمرو بن مَعْديكرب، والقَعْقاع بن عمرو، وجَرير بن عبد الله البَجَلي، وضِرار بن الخَطاب، وخالد بن عرفطة، وأشكالهم وأضرابهم، فلما كان وقت الزوال من هذا اليوم ويسمى يوم القادسية، وكان يوم الإثنين من المحرم سنة أربعَ عشرةَ كما قاله سيف بن عمر التميمي، هبت ريحٌ شديدةٌ فرفعت (٣) خيامَ الفرس عن أماكنها وألقتْ سريرَ رستم الذي هو منصوب له، فبادر فركب بغلته وهرب، فأدركه المسلمون فقتلوه وقتلوا الجالينوس مقدمَ الطلائع القادسية، وانهزمت الفرسُ، وللّه الحمد والمنة عن بكرة أبيهم، ولحقهم المسلمون في أقفائهم فقُتل يومئذ المُسلْسَلون بكمالهم وكانوا ثلاثين ألفًا، وقتل في المعركة عشرة آلاف، وقتلوا قبل ذلك قريبًا من ذلك. وقُتل من المسلمين في هذا اليوم وما قبله من الأيام ألفان وخمسمئة ﵏. وساق المسلمون خلفَ المنهزمين حتى دخلوا وراءهم مدينة (٤) الملك وهي المدائن التي فيها الإيوان الكسروي، وقد أذن لمن ذكرنا عليه، فكان منهم إليه ما قدمنا. وقد غنم المسلمون من وقعةِ القادسية هذه من الأموال والسلاح ما لا يُحدُّ ولا يُوصف كثرةً، فحصلت الغنائمُ بعد صرف الأسلاب وخُمِّستْ وبُعث بالخمس والبشارة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁. وقد كان عمر ﵁ يستخبرُ عن أمر القادسية كلَّ منْ لقيهُ من الركبان، ويخرج من المدينة إلى ناحية العراق يستنشقُ الخبرَ، فبينما (٥) (هو ذات) يومٍ من الأيام إذا هو براكبٍ يلوحُ من بُعْدٍ، فاستقبلهُ عمرُ فاستخبره، فقال له: فتحَ الله على المسلمين بالقادسية وغنموا غنائمَ كثيرةً،

стр. 3286

وجعل يحدّثُه، وهو لا يعرفُ عمر، وعمر ماشٍ تحت راحلته، فلما اقتربا من المدينة جعلَ الناس يُحيُّونَ عمرَ بالإمارة، فعرفَ الرجلُ عمرَ فقال: يرحمكَ الله يا أمير المؤمنين هلا أعلمتنى أنَّكَ الخليفةُ؟ فقال لا حرج عليك يا أخي. وقد تقدَّم أنَّ سعدًا ﵁ كان به قروحٌ وعِرقُ النّسا، فمنعَهُ من شهودِ القتال، لكنه جالسٌ في رأس القصر ينظرُ في مصالح الجيش، وكان مع ذلك لا يُغلقُ عليه بابَ القصر (لشجاعته)، ولو فرَّ الناسُ لأخذته الفُرسُ قبضًا باليد، لا يمتنع منهم، وعنده امرأتُه سلمى بنت خصفة التي كانت قبله عند المُثتى بن حارثة، فلما فَرَّ بعضُ الخيل يومئذٍ فزعتْ وقالت: وامُثَنياه ولا مُثنَّى لي اليوم. فغضبَ سعدٌ من ذلك ولطمَ وجهها، فقالت: أغيرةً وجبنًا - يعني أنبها تعيِّره بجلوسه في القصر يوم الحرب - وهذا عناد منها، فإنها أعلم الناس بعذره وما هو فيه من المرض المانع (١) من ذلك. وكان عنده في القصر رجلٌ مسجونٌ على الشراب كان قد حُدَّ فيه مراتٍ متعددةٍ، يقالُ سبعَ مراتٍ، فامر به سعدٌ فَقُيِّدَ واودعَ في القصر، فلما رأى الخيول تجول حول حمى القصر وكان من الشُّجعان الأبطال قال (٢): [من الطويل] كفَى حزنًا أنْ تدحمَ الخيلَ بالفتى (٣) … وأُتْرَك مَشْدُودًا عَليَّ وِثَاقيا إذا قمتُ غنّاني الحديدُ وغُلّقتْ (٤) … مصاريعُ من دوني تصمُّ المناديا وقدْ كنتُ ذا مالٍ كثيرٍ وإخوةٍ … وقدْ تركوني مفردًا (٥) لا أَخا ليا (٦) ثم سأل من زَبْراء (٧) أم ولد سعد أن تطلقه وتعيره فرس سعد، وحلف لها أنه يرجع آخر النهار فيضع رجله في القيد فأطلقته، وركب فرس سعد وخرج فقاتل قتالًا شديدًا، وجعل سعد ينظر إلى فرسه فيعرفها وينكرها (٨) ويشبهه بأبي محجن ولكن يشك لظنه أنه في القصر موثق، فلما كان آخر النهار رجع فوضع رجله في قيدها ونزل سعد فوجد فرسه يعرق فقال: ما هذا؟ فذكروا له قصة أبي محجن فرضي عنه وأطلقه ﵄.

стр. 3287

وقد قال رجل من المسلمين في سعد ﵁ (١): [من الطويل] نُقاتلُ حَتَّى أنْزَلَ اللّهُ نَصْرهُ … وَسَعْدٌ ببابِ القادِسيَّةِ مُعْصمُ فأُبْنا وَقَدْ آمَتْ نساءٌ كَثيرةٌ … ونِسْوة سَعْدٍ ليسَ فيهنّ أيّمُ فيقالُ: إن سعدًا نزل إلى الناس فاعتذر إليهم مما فيه من القروح في فخذيه وأليتيه، فعذره الناسُ. ويذكر أنه دعا على قائل هذين البيتين وقال: اللهم إن كان كاذبًا، أو قال الذي قال رياء وسمعة وكذبًا فاقطع لسانَهُ ويَدهُ. (فجاءه سهم) وهو واقفٌ بين الصَّفَّين فوقعَ في لسانه فبطل شقه فلم يتكلم حتى مات. رواه سيف (٢) عن عبد الملك بن عُمَيْر عن قبيصة بن جابر فذكره. وقال سيف عن المقدام بن شريح الحارثي عن أبيه. قال: قال جرير بن عبد الله البجلي (٣): [من الرجز] أنا جريرُ كنيتي (٤) أبوعمرو … قدْ فتحَ اللّهُ وسعدٌ في القصْر فأشرف سعد من قصره وقال (٥): [من الوافر] وما أرْجو بَجِيْلة غيرَ أنّي … أُؤمِّلُ أجْرَها (٦) يَوْمَ الحِساب وقدْ لقيتْ خيولُهُم خيولًا … وَقَدْ وَقَعَ الفوارسُ في الضّرابِ (٧) وقد دلفت (٨) بعَرْصَتِهمْ خُيول (٩) … كأنّ زهاءَها إبلُ الجِرابِ (١٠) فَلْولا (١١) جَمْعُ قَعْقاعِ بن عَمْرو … وحمّالٌ للجُّوا في الرِّكاب (١٢) وَلَوْلا ذاك ألْفَيْتمْ رعاعًا … تسيلُ جُموعُكم مِثْل (١٣) الذُّبابِ

стр. 3288

وقد روى محمد بن إسحاق (١)، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم البجلي - وكان ممن شهد القادسية - قال: كان معنا رجل من ثقيف فلحق بالفُرس مرتدًّا، فأخبرهم أن بأسَ الناس في الجانب الذي فيه بجيلة. قال: وكُنَّا رُبْع الناسِ، قال: فوجَّهوا إلينا ستةَ عشرَ فيلًا، وجعلوا يلقون تحت أرجل خيولنا حسكَ الحديد، ويرشقوننا بالنُّشّاب، فلكأنه المطر، وقرنوا (٢) خيولهم بعضها إلى بعض لئلا ينفروا. قال: وكان عمرو بن مَعْدِيكرب الزُّبَيْدي يَمُرُّ بنا فيقول: يا معشر المهاجرين، كونوا أُسودًا فإنما الفارسي تيسٌ. قال: وكان فيهم أسوارٌ لا تكاد تسقطُ له نُشَّابةٌ، فقلنا له يا أبا ثور اتَّقِ (٣) ذاك الفارسيّ (٤) فإنّه لا تسقطُ له نُشَّابةٌ، فوجه إليه الفارسيّ ورماه بنشابة (٥) فأصاب ترسه، وحمل عليه عمرو فاعتنقه فذبحه فاستلبه سوارين من ذهب، ومِنْطقة من ذهبٍ، ويَلْمقا (٦) من ديباجٍ. قال: وكان المسلمون ستةَ آلافٍ أو سبعةَ آلافٍ، فَقَتلَ اللّهُ رستمًا (٧)، وكان الذي قتله رجلٌ يقال له هلال بن علقمة (٨) التميمي، رماه رستم بنُشّابة فأصاب قدمه، وحمل عليه هلال فقتله واحتز رأسه، وولت الفرسُ فاتبعهم المسلمون يقتلونهم فأدركوهم في مكانٍ قد نزلوا فيه واطمأنّوا (٩)، فبينما هم سكارى قد شربوا ولعبوا إذ هجمَ عليهمُ المسلمون فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وقُتل هنالك الجالينوس، قتله زهرة بن حَوِيَّة (١٠) التميمي. ثم ساروا خلفهم، فكلما تواجه الفريقان نصرَ اللّهُ حزبَ الرحمن، وخذلَ حزبَ الشيطان وعَبَدة النيران. واحتاز المسلمون من الأموال ما يعجزُ عن حَصْرهِ ميزانٌ وقبَّانٌ، حتى إن منهم من يقول من يقايض (١١) بيضاء بصفراء لكثرةِ ما غنموا من الفرسان. ولم يزالوا يتبعونهم حتى جازوا الفراتَ وراءهم وفتحوا المدائنَ وجلولاءَ على ما سيأتي تفصيلُه في موضعه إن شاء الله تعالى وبه الثقة.

стр. 3289

وقال سيفُ بن عمر (١): عن سليمان بن بشير، عن أمّ كثير امرأةِ همام بن الحارث النخعي قالت: شهدنا القادسيةَ مع سعدٍ مع أزواجنا، فلما أتانا أن قد فرغ من الناس، شدَدْنا علينا ثيابنا وأخذنا الهَراوَى ثم أتينا القتلى، فمن كان من المسلمين سقيناه ورفعناه، ومن كانَ من المشركين أجهزنا عليه، ومعنا الصبيانُ فنوليهم ذلك - تعني استلابهم - لئلا يكشفن عن عوراتِ الرجال. وقال سيفٌ بأسانيده عن شيوخه قالوا (٢): وكتب سعد إلى عمر يخبره بالفتح وبعدَّةِ منْ قَتَلوا من المشركين. وبعدَّة منْ قُتل من المسلمين، وبعث (٣) بالكتاب مع سَعْدِ بن عُمَيْلَة (٤) الفزاري وصورته: أما بعدُ فإنَّ الله نَصرنا على أهل فارس ومنحناهم (٥) سنن منْ كانَ قبلهم من أهل دينهم، بعد قتالٍ طويل، وزَلْزالٍ شديد، وقد لقوا المسلمين بعدَّةٍ لم يَرَ الرّاؤُون مثلَ زُهائها، فلم ينفعهم الله بذلك، بل سلبوه ونقله عنهم إلى المسلمين، واتَّبعهم المسلمون على الأنهار، وصفوف (٦) الآجام، وفي الفجاج. وأصيب من المسلمين سعد بن عُبيد القاري وفلان وفلان، ورجالٌ من المسلمين لا يعلمهم إلا الله، فإنّه بهم عالمٌ كانوا يُدَوُّون (٧) بالقرآن إذا جنَّ عليهم الليلُ كدويّ النَّحْل، وهم آساد في النهار لا تشبههم الأسود، ولم يَفْضل منْ مَضَى منهم منْ بقي إلا بفضل الشهادة إذ (٨) لم تُكْتبْ لهم. فيقالُ: إنَّ عمر قرأ هذه البشارة على الناس فوق المنبر ﵃. ثم قال عمر للناس: إني حريصٌ على أن لا أرى (٩) حاجةً إلا سددتُها، ما اتسع بعضنا لبعض، فإذا عجزَ ذلك عنّا تآسينا في عيشنا حتى نسْتوي في الكَفاف، ولوددتُ أنَّكم علمتمُ من نفسي مثلَ الذي وقع فيها لكم، ولستُ معلِّمكُم إلا بالعمل، إنّي واللّهِ لستُ بملكٍ فأستعبدكم، ولكنّي عبدُ الله، عَرَضَ عليَّ الأمانة فإن أبيتُها ورددتُها عليكم واتَّبعتكم حتى تشبعوا في بيوتكم، وتَروَوْا سعدتُ بكم، وإنْ أنا حملتُها واستتبعتكم (إلى بيتي) شقيتُ بكم، ففرحتُ قليلًا، وحزنتُ طويلًا، فبقيتُ لا أُقال ولا أُرَدّ فأستعتب. وقال سيفٌ عن شيوخه قالوا (١٠): وكانت العربُ من العُذَيْب إلى عَدَنِ أبْين، يتربَّصون وقعةَ القادسية

стр. 3290

هذه، يَرَونَ أن ثباتَ مُلْكهم وزوالَه بها، وقد بعثَ أهلُ كلّ بلدةٍ قاصدًا يكشفُ ما يكونُ من خبرهم، فلما كان ما كان من الفتح سبقتِ الجنُّ بالبشارةِ إلى أقصى البلادِ قبل رُسُلِ الإنس فسمعت امرأة ليلًا بصنعاء على رأس جبل وهي تقول: [من الطويل] فحُيِّيتِ عنَّا عِكْرم ابْنَة خالدٍ … وما خيرُ زادٍ بالقَليلِ المُصَرَّدِ (١) وَحَيّتكِ عنّي الشمسُ عندَ طلوعها … وحَيّاك عني كلُّ ناجٍ مُفَرَّدِ (٢) وَحَيَّتْكِ عنّي عُصْبة نَخَعيَّة … حِسانُ الوُجوه آمنوا بمُحمدِ أقاموا لكسرى يَضْربون جُنودهُ … بكُلِّ رقيقٍ الشَّفْرتينِ مُهنّدِ إذا ثَوَّبَ (٣) الدَّاعي أناخوا بكَلْكلٍ (٤) … من الموتِ مسودِّ الغياطل أجردِ (٥) قالوا: وسمع أهلُ اليمامة مُجْتازًا يُغنّي بهذه الأبيات: [من الوافر] وجدنا الأكثرين (٦) بني تَميم … غداةَ الرَّوعٍ أكثرُهم رجالا هُمُوا ساروا بأرْعَن مُكْفهرٍّ … إلى لَجِبٍ فزَرّتهم (٧) رعالا بحورٌ للأكاسرِ من رجالٍ … كاُسدِ الغابِ تَحْسَبُهُم جبالًا (٨) تَرَكْن لهم بقادسَ عزَّ فَخْرٍ … وبالخيفَيْنِ أيامًا طوالا مُقَطَّعةً أكُفُّهُمُ وسوقٌ … بمُرْدٍ (٩) حيث قابلتِ الرجالا (١٠) قالوا: وسُمع ذلك في سائر بلاد العرب، وقد كانت بلاد العراق بكمالها التي فتحها خالد نقضت العهود والذمم والمواثيق التي كانوا أعطوها خالدًا، سوى أهل بانِقْيا وباروسما، وأهل ألَّيس (١١) الآخرة

стр. 3291

ثم عاد الجميع بعد هذه الوقعة التي أوردناها، وادَّعَوْا أن الفرس أجبروهم على نقض العهود، وأخذوا منهم الخَراجَ وغير ذلك. فصدقوهم في ذلك تألفًا (١) لقلوبهم، وسنذكر حكم أهل (٢) السواد في كتابنا "الأحكام الكبير" إن شاء الله تعالى. (وقد ذهبَ ابنُ إسحاق وغيرُه إلى أنَّ وَقْعَةَ القادسية كانت في سنة خمس عشرة. وزعمَ الواقديُّ أئها كانت في سنة ست عشرة. وأما سيفُ بن عمر وجماعةٌ فذكروها في سنة أربع عشرة، وفيها ذكرها ابن جرير (٣)، فاللّه أعلم). قال ابن جرير (٤) والواقدي: في سنة أربع عشرة جمع عمرُ بن الخطاب الناسَ على أُبيّ بن كعب في التَّراويح وذلك في شهر رمضان منها، وكتب إلى سائر الأمصار يأمرهم بالاجتماع في قيام شهر رمضان. قال ابن جرير (٥): وفيها (بعث) عمر بن الخطاب عتبةَ بن غزوان إلى البصرة وأمره أن ينزل فيها (٦) بمن معه من المسلمين، وقطعَ مادة أهل فارس عن الذين بالمدائن ونواحيها منهم في قول المدائني، وروايته. قال: وزعم سيف أنَّ البصرةَ إنّما مُصِّرتْ في ربغ من سنة ست عشرة، وأن عتبة بن غزوان إنما خرجَ إلى البصرة من المدائن بعد فراغ سعد من جلولاء وتكريت، وجَّههُ إليها سعدٌ بأمرِ عمر ﵃. وقال أبو مخنف (٧): عن مجالد، عن الشعبي: إن عمر ﵁ بعثَ عتبةَ بن غزوان إلى أرض البصرة في ثلاثمئة وبضعة عشر رجلًا، وسار (٨) إليه من الأعراب ما كمل معه خمسمئة، فنزلها في ربيع الأول سنة أربع عشرة، والبصرة يومئذ تُدْعى أرض الهند فيها حجارة بيض خشنة، وجعل يرتاد لهم منزلًا حتى جاؤوا حيال الجسر الصغير فإذا فيه (٩) حَلْفاء وقَصب نابت، فنزلوا. فركب إليهم صاحبُ الفرات في أربعة آلاف أسوار (١٠)، فالتقاه عتبة بعد ما زالت الشمس، وأمر الصحابة فحملوا عليهم فقتلوا الفُرْسَ عن آخرهم، وأسروا صاحبَ الفرات، وقام عتبة خطيبًا فقال في خطبته: إن الدنيا قد آذنت بصَرْمٍ (١١)، وولَّت حَذَّاء (١٢)، ولم يبق منها

стр. 3292

إلا صُبابَةٌ (١) كصبابة الإناءِ، وإنكم منتقلون منها إلى دار القرار، فانتقلوا عما بحضرتكم، فقد ذُكر لي لو أنَّ صخرةً أُلقيتْ من شَفير جهنم هوتْ سبعين خريفًا ولتملأنَّه، أو عجبتم؟ ولقد ذُكر لي أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنّة مسيرةَ أربعين عامًا، وليأتينَّ عليه يومٌ وهو كظيظ من الزّحام، ولقد رأيتُني وأنا سابعُ سبعةٍ، وأنا مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام إلا ورق السَّمُّر (٢)، حتى تقرَّحتْ (٣) أشداقُنا، والتقطتُ بُردةً فشققتها بيني وبين سعد، فما منا من أولئك السبعة من أحد إلا هو أمير على مِصْر من الأمصارِ، وسيُجَرَّبون الناسَ بعدنا. وهذا الحديث في صحيح مسلم (٤) بنحو من هذا السياق. وروى علي بن محمد المدائني: أن عمر كتب إلى عتبة بن غزوان حين وجهه إلى البصرة (٥): يا عُتبة إنّي استعملتك على أرضِ الهندِ وهي حَوْمة (٦) من حومةِ العدوّ، وأرجو أن يكفيك الله ما حولها، وأن يُعينكَ عليها، وقد كتبت إلى العَلاء بن الحضْرمي يمدّكَ بعَرْفجة بن هرثمة. فإذا قدم عليك فاستشره وقرِّبه، وادعُ إلى الله، فمنْ أجابَكَ فاقبلْ منه، ومنْ أبى فالجزية عن صَغارٍ وذلَّةٍ، وإلا فالسيفُ في غير هوادة، واتَّقِ اللهَ فيما وُلَّيت، وإياكَ أن تنازعَكَ نفسُك إلى كِبْرٍ فتفسد عليك آخرتك (٧)، وقد صحبتَ رسول الله ﷺ فعززتَ بعد الذلّة، وقويتَ بعد الضعف، حتى صرت أميرًا مُسلَّطًا، وملكًا مُطاعًا، تقول فيُسمع منك، وتأمر فيُطاع أمرك، فيا لها نعمة إذا لم ترق فوق قدرك، وتبطر على من دونك، احتفظ من النعمة احتفاظَكَ من المَعْصية، وهي أخوفُهما عندي عليك أن يستدرج (٨) ويخدعك فتسقط سقطةً تصير (٩) بها إلى جهنم، أعيذك باللّه ونفسي من ذلك، إن الناس أسرعوا إلى الله حتى رفعت لهم الدنيا فأرادوها، فأردِ الله ولا تردِ الدنيا، واتَق مصارع الظالمين. وقد فتح عتبة الأبُلَّة في رجب أو شعبان من هذه السنة. ولما ماتَ عتبةُ بن غزوان في هذه السنة استعمل عمرُ على البصرة المغيرةَ بن شعبة سنتين، فلما رُمي بما رُمي به عزلَه ووثَى عليها أبا موسى الأشعري ﵃. وفي هذه السنة ضرب عمرُ بن الخطاب ابنهُ عُبَيْدَ الله في الشراب (هو وجماعة معه.

стр. 3293

وفيها ضرب أبا محجن الثقفي في الشراب) أيضًا سبع مرات، وضربَ معه (ربيعة) بن أمية بن خلف. وفيها نزل سعد بن أبي وقاص بالكوفة. وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب. قال: وكان بمكة عتاب بن أسيد، وبالشام أبو عبيدة، وبالبحرين عثمان بن أبي العاص - وقيل: العلاء بن الحضرمي - وعلى العراق سعد، وعلى عُمان حُذَيْفة بن مِحْصَن. ذكرُ منْ تُوفّي في هذا العام من المشاهير [والأعيان] ففيها توفي: سعدُ (١) بن عبادة في قولٍ، والصحيح في التي قبلها، والله أعلم. عتبة (٢) بن غزوان بن جابر بن أهيب المازني، حليف بني عبد شمس صحابي بدري، وأسلم قديمًا بعد سنة وهاجر إلى أرض الحبشة، وهو أول من اختطَّ البصرة عن أمر عمر في إمرته له على ذلك كما تقدم، وله فضائل ومآثر، وتوفي سنة أربع عشرة، وقيل سنة خمس عشرة، وقيل سنة سبع عشرة، وقيل سنة عشرين، فاللّه أعلم (٣). وقد جاوزَ الخمسين، وقيل: بلغَ ستّين سنة ﵁. عمرو (٤) بن أمّ مكتوم الأعْمى، ويقال اسمه عبد الله، صحابي مهاجري، هاجر بعد مُصعب بن عُمَيْر، قَبْلَ النبي ﷺ ، فكان يُقْرئ الناسَ القرآنَ، وقد استخلفه رسول الله ﷺ على المدينة غيرَ مرةٍ، فيقال: ثلاث عشرة مرة، وشهد القادسيَّة مع سعد زمنَ عمر، فيقال: إنه قُتل بها شهيدًا ويقال: إنه (٥) رجع إلى المدينة وتوفي بها، والله أعلم.

стр. 3294

المثنى (١) بن حارثة بن سلمة بن ضمضم بن سعد بن مُرَّة بن ذُهْل بن شيبان الشيباني، نائب خالد على العراق، وهو الذي صارت إليه الإمرةُ بعد أبي عُبَيْد يومَ الجسر، فدارى بالمسلمين حتى خلَّصَهم من الفُرْس يومئذ، وكان أحد الفرسان الأبطال، وهو الذي ركبَ إلى الصدّيق فحرضه (٢) على غزو العراق، ولما تُوفي تزوَّج سعدُ بن أبي وقاص بامرأته سلمى بنت حفص ﵄ وأرضاهما. وقد ذكره ابن الأثير في كتابه "الغابة (٣) في أسماء الصحابة (٤) ". أبو زيد الأنصاري النَّجَّاري (٥) أحدُ القُرّاء الأربعة الذين حفظوا القرآن من الأنصار في عهد رسول الله ﷺ كما ثبت ذلك في حديث أنس بن مالك، وهم معاذ بن جبل، وأُبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. قال أنس أحد عمومتي. قال الكلبي واسم أبي زيد هذا: قيس بن السَّكن بن قَيس بن زَعُوراء بن (حَرَام (٦) بن) جُنْدب بن غَنْم (٧) بن عَديّ بن النَجَّار شهد بدرًا. قال موسى بن عقبة: واستشُهد يومَ جسرِ أبي عُبَيْد وهي عنده في سنة أربع عشرة، وقال بعض النّاس: أبو زيد الذي يجمع القرآن سعد بن عُبَيْد، وردّوا هذا برواية قتادة عن أنس بن مالك. قال: افتخرتِ الأوسُ والخزرجُ، فقالت الأوسُ: منّا غسيلُ الملائكة حنظلةُ بن أبي عامر، ومنَّا الذي حمته الدَّبْر (٨) عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح (٩)، ومنَّا الذي اهتزَّ له عرشُ الرحمن سعد بن معاذ، ومنَّا الذي جعلت شهادته شهادة رجلين خزيمة بن ثابت. فقالت الخزرجُ: منَّا أربعةٌ جمعوا القرآن (على عهد رسول الله ﷺ ) أبيٌّ، وزيد بن ثابت، ومعاذ، وأبو زيد ﵃ أجمعين. أبو عُبَيْد بن مسعود (١٠) بن عمرو الثقفي والد المختار بن أبي عُبَيْد أمير العراق، ووالد صَفية امرأة عبد الله بن عمر.

стр. 3295

أسلم أبو عبيد (١) في حياة النبي ﷺ وذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر في الصحابة. قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي (٢): ولا يبعد أن يكون له رؤية (٣)، واللّه أعلم. أبو قُحافة والدُ الصدِّيق (٤) واسم أبي بكر الصدِّيق عبد الله بن أبي قُحافة عثمان بن عامر بن عمرو (٥) بن كعب بن سَعْد بن تَيْم بن مُرَّة بن كَعْب بن لُؤَيّ بن غالب، أسلم أبو فحافة عامَ الفتح فجاء به الصدِّيقُ يقودُه إلى النبي ﷺ فقال: "هلا أقررتم الشيخَ في بيته حتى كُنّا نحن نأتيه" تكرمةً لأبي بكر ﵁، فقال: بل هو أحق بالسَّعي إليكَ يا رسول الله. فأجلسه رسول الله ﷺ بين يديه ورأسه كالثغامة (٦) بياضًا ودعا له، وقال "غيِّروا هذا الشيب بشيء وجنّبوه السوادَ" (٧). ولما توفي رسول الله ﷺ وصارت الخلافة إلى الصدِّيق أخبره المسلمون بذلك وهو بمكة، فقال: أو أقرت بذلك بنو هاشم وبنو مخزوم؟ قالوا: نعم! قال: ذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء. ثم أُصيب بابنه الصدّيق ﵁. ثم توفي أبو قحافة في محرم وقيل في رجب سنة أربع عشرة بمكة، عن أربع وسبعين سنة ﵀ وأكرم مثواه. وممن ذكر شيخنا أبو عبد الله الذهبي (٨) من المستشهدين في هذه السنة مرتبين على الحروف أوس بن أوس بن عتيك قُتل يوم الجسر. بشير بن عنبس بن يزيد الظَّفَري، أُحُديٌّ، وهو ابنُ عم قتادة بن النعمان، ويعرف بفارس الحواء اسم فرسه. ثابت بن عتيك، من بني عمرو بن مبذول، صحابي قتل يوم الجسر. ثعلبة بن عمرو بن مِحْصن النّجّاري بدري قتل يومئذ. (الحارث بن عتيك بن النعمان النجاري شهد أحدًا قتل يومئذ. الحارث بن مسعود بن عبدة صحابي أنصاري قتل يومئذ.
следующие страницы →