← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

ثم عاد الجميع بعد هذه الوقعة التي أوردناها، وادَّعَوْا أن الفرس أجبروهم على نقض العهود، وأخذوا منهم الخَراجَ وغير ذلك. فصدقوهم في ذلك تألفًا (١) لقلوبهم، وسنذكر حكم أهل (٢) السواد في كتابنا "الأحكام الكبير" إن شاء الله تعالى. (وقد ذهبَ ابنُ إسحاق وغيرُه إلى أنَّ وَقْعَةَ القادسية كانت في سنة خمس عشرة. وزعمَ الواقديُّ أئها كانت في سنة ست عشرة. وأما سيفُ بن عمر وجماعةٌ فذكروها في سنة أربع عشرة، وفيها ذكرها ابن جرير (٣)، فاللّه أعلم). قال ابن جرير (٤) والواقدي: في سنة أربع عشرة جمع عمرُ بن الخطاب الناسَ على أُبيّ بن كعب في التَّراويح وذلك في شهر رمضان منها، وكتب إلى سائر الأمصار يأمرهم بالاجتماع في قيام شهر رمضان. قال ابن جرير (٥): وفيها (بعث) عمر بن الخطاب عتبةَ بن غزوان إلى البصرة وأمره أن ينزل فيها (٦) بمن معه من المسلمين، وقطعَ مادة أهل فارس عن الذين بالمدائن ونواحيها منهم في قول المدائني، وروايته. قال: وزعم سيف أنَّ البصرةَ إنّما مُصِّرتْ في ربغ من سنة ست عشرة، وأن عتبة بن غزوان إنما خرجَ إلى البصرة من المدائن بعد فراغ سعد من جلولاء وتكريت، وجَّههُ إليها سعدٌ بأمرِ عمر ﵃. وقال أبو مخنف (٧): عن مجالد، عن الشعبي: إن عمر ﵁ بعثَ عتبةَ بن غزوان إلى أرض البصرة في ثلاثمئة وبضعة عشر رجلًا، وسار (٨) إليه من الأعراب ما كمل معه خمسمئة، فنزلها في ربيع الأول سنة أربع عشرة، والبصرة يومئذ تُدْعى أرض الهند فيها حجارة بيض خشنة، وجعل يرتاد لهم منزلًا حتى جاؤوا حيال الجسر الصغير فإذا فيه (٩) حَلْفاء وقَصب نابت، فنزلوا. فركب إليهم صاحبُ الفرات في أربعة آلاف أسوار (١٠)، فالتقاه عتبة بعد ما زالت الشمس، وأمر الصحابة فحملوا عليهم فقتلوا الفُرْسَ عن آخرهم، وأسروا صاحبَ الفرات، وقام عتبة خطيبًا فقال في خطبته: إن الدنيا قد آذنت بصَرْمٍ (١١)، وولَّت حَذَّاء (١٢)، ولم يبق منها

стр. 3292

إلا صُبابَةٌ (١) كصبابة الإناءِ، وإنكم منتقلون منها إلى دار القرار، فانتقلوا عما بحضرتكم، فقد ذُكر لي لو أنَّ صخرةً أُلقيتْ من شَفير جهنم هوتْ سبعين خريفًا ولتملأنَّه، أو عجبتم؟ ولقد ذُكر لي أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنّة مسيرةَ أربعين عامًا، وليأتينَّ عليه يومٌ وهو كظيظ من الزّحام، ولقد رأيتُني وأنا سابعُ سبعةٍ، وأنا مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام إلا ورق السَّمُّر (٢)، حتى تقرَّحتْ (٣) أشداقُنا، والتقطتُ بُردةً فشققتها بيني وبين سعد، فما منا من أولئك السبعة من أحد إلا هو أمير على مِصْر من الأمصارِ، وسيُجَرَّبون الناسَ بعدنا. وهذا الحديث في صحيح مسلم (٤) بنحو من هذا السياق. وروى علي بن محمد المدائني: أن عمر كتب إلى عتبة بن غزوان حين وجهه إلى البصرة (٥): يا عُتبة إنّي استعملتك على أرضِ الهندِ وهي حَوْمة (٦) من حومةِ العدوّ، وأرجو أن يكفيك الله ما حولها، وأن يُعينكَ عليها، وقد كتبت إلى العَلاء بن الحضْرمي يمدّكَ بعَرْفجة بن هرثمة. فإذا قدم عليك فاستشره وقرِّبه، وادعُ إلى الله، فمنْ أجابَكَ فاقبلْ منه، ومنْ أبى فالجزية عن صَغارٍ وذلَّةٍ، وإلا فالسيفُ في غير هوادة، واتَّقِ اللهَ فيما وُلَّيت، وإياكَ أن تنازعَكَ نفسُك إلى كِبْرٍ فتفسد عليك آخرتك (٧)، وقد صحبتَ رسول الله ﷺ فعززتَ بعد الذلّة، وقويتَ بعد الضعف، حتى صرت أميرًا مُسلَّطًا، وملكًا مُطاعًا، تقول فيُسمع منك، وتأمر فيُطاع أمرك، فيا لها نعمة إذا لم ترق فوق قدرك، وتبطر على من دونك، احتفظ من النعمة احتفاظَكَ من المَعْصية، وهي أخوفُهما عندي عليك أن يستدرج (٨) ويخدعك فتسقط سقطةً تصير (٩) بها إلى جهنم، أعيذك باللّه ونفسي من ذلك، إن الناس أسرعوا إلى الله حتى رفعت لهم الدنيا فأرادوها، فأردِ الله ولا تردِ الدنيا، واتَق مصارع الظالمين. وقد فتح عتبة الأبُلَّة في رجب أو شعبان من هذه السنة. ولما ماتَ عتبةُ بن غزوان في هذه السنة استعمل عمرُ على البصرة المغيرةَ بن شعبة سنتين، فلما رُمي بما رُمي به عزلَه ووثَى عليها أبا موسى الأشعري ﵃. وفي هذه السنة ضرب عمرُ بن الخطاب ابنهُ عُبَيْدَ الله في الشراب (هو وجماعة معه.

стр. 3293

وفيها ضرب أبا محجن الثقفي في الشراب) أيضًا سبع مرات، وضربَ معه (ربيعة) بن أمية بن خلف. وفيها نزل سعد بن أبي وقاص بالكوفة. وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب. قال: وكان بمكة عتاب بن أسيد، وبالشام أبو عبيدة، وبالبحرين عثمان بن أبي العاص - وقيل: العلاء بن الحضرمي - وعلى العراق سعد، وعلى عُمان حُذَيْفة بن مِحْصَن. ذكرُ منْ تُوفّي في هذا العام من المشاهير [والأعيان] ففيها توفي: سعدُ (١) بن عبادة في قولٍ، والصحيح في التي قبلها، والله أعلم. عتبة (٢) بن غزوان بن جابر بن أهيب المازني، حليف بني عبد شمس صحابي بدري، وأسلم قديمًا بعد سنة وهاجر إلى أرض الحبشة، وهو أول من اختطَّ البصرة عن أمر عمر في إمرته له على ذلك كما تقدم، وله فضائل ومآثر، وتوفي سنة أربع عشرة، وقيل سنة خمس عشرة، وقيل سنة سبع عشرة، وقيل سنة عشرين، فاللّه أعلم (٣). وقد جاوزَ الخمسين، وقيل: بلغَ ستّين سنة ﵁. عمرو (٤) بن أمّ مكتوم الأعْمى، ويقال اسمه عبد الله، صحابي مهاجري، هاجر بعد مُصعب بن عُمَيْر، قَبْلَ النبي ﷺ ، فكان يُقْرئ الناسَ القرآنَ، وقد استخلفه رسول الله ﷺ على المدينة غيرَ مرةٍ، فيقال: ثلاث عشرة مرة، وشهد القادسيَّة مع سعد زمنَ عمر، فيقال: إنه قُتل بها شهيدًا ويقال: إنه (٥) رجع إلى المدينة وتوفي بها، والله أعلم.

стр. 3294

المثنى (١) بن حارثة بن سلمة بن ضمضم بن سعد بن مُرَّة بن ذُهْل بن شيبان الشيباني، نائب خالد على العراق، وهو الذي صارت إليه الإمرةُ بعد أبي عُبَيْد يومَ الجسر، فدارى بالمسلمين حتى خلَّصَهم من الفُرْس يومئذ، وكان أحد الفرسان الأبطال، وهو الذي ركبَ إلى الصدّيق فحرضه (٢) على غزو العراق، ولما تُوفي تزوَّج سعدُ بن أبي وقاص بامرأته سلمى بنت حفص ﵄ وأرضاهما. وقد ذكره ابن الأثير في كتابه "الغابة (٣) في أسماء الصحابة (٤) ". أبو زيد الأنصاري النَّجَّاري (٥) أحدُ القُرّاء الأربعة الذين حفظوا القرآن من الأنصار في عهد رسول الله ﷺ كما ثبت ذلك في حديث أنس بن مالك، وهم معاذ بن جبل، وأُبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. قال أنس أحد عمومتي. قال الكلبي واسم أبي زيد هذا: قيس بن السَّكن بن قَيس بن زَعُوراء بن (حَرَام (٦) بن) جُنْدب بن غَنْم (٧) بن عَديّ بن النَجَّار شهد بدرًا. قال موسى بن عقبة: واستشُهد يومَ جسرِ أبي عُبَيْد وهي عنده في سنة أربع عشرة، وقال بعض النّاس: أبو زيد الذي يجمع القرآن سعد بن عُبَيْد، وردّوا هذا برواية قتادة عن أنس بن مالك. قال: افتخرتِ الأوسُ والخزرجُ، فقالت الأوسُ: منّا غسيلُ الملائكة حنظلةُ بن أبي عامر، ومنَّا الذي حمته الدَّبْر (٨) عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح (٩)، ومنَّا الذي اهتزَّ له عرشُ الرحمن سعد بن معاذ، ومنَّا الذي جعلت شهادته شهادة رجلين خزيمة بن ثابت. فقالت الخزرجُ: منَّا أربعةٌ جمعوا القرآن (على عهد رسول الله ﷺ ) أبيٌّ، وزيد بن ثابت، ومعاذ، وأبو زيد ﵃ أجمعين. أبو عُبَيْد بن مسعود (١٠) بن عمرو الثقفي والد المختار بن أبي عُبَيْد أمير العراق، ووالد صَفية امرأة عبد الله بن عمر.

стр. 3295

أسلم أبو عبيد (١) في حياة النبي ﷺ وذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر في الصحابة. قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي (٢): ولا يبعد أن يكون له رؤية (٣)، واللّه أعلم. أبو قُحافة والدُ الصدِّيق (٤) واسم أبي بكر الصدِّيق عبد الله بن أبي قُحافة عثمان بن عامر بن عمرو (٥) بن كعب بن سَعْد بن تَيْم بن مُرَّة بن كَعْب بن لُؤَيّ بن غالب، أسلم أبو فحافة عامَ الفتح فجاء به الصدِّيقُ يقودُه إلى النبي ﷺ فقال: "هلا أقررتم الشيخَ في بيته حتى كُنّا نحن نأتيه" تكرمةً لأبي بكر ﵁، فقال: بل هو أحق بالسَّعي إليكَ يا رسول الله. فأجلسه رسول الله ﷺ بين يديه ورأسه كالثغامة (٦) بياضًا ودعا له، وقال "غيِّروا هذا الشيب بشيء وجنّبوه السوادَ" (٧). ولما توفي رسول الله ﷺ وصارت الخلافة إلى الصدِّيق أخبره المسلمون بذلك وهو بمكة، فقال: أو أقرت بذلك بنو هاشم وبنو مخزوم؟ قالوا: نعم! قال: ذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء. ثم أُصيب بابنه الصدّيق ﵁. ثم توفي أبو قحافة في محرم وقيل في رجب سنة أربع عشرة بمكة، عن أربع وسبعين سنة ﵀ وأكرم مثواه. وممن ذكر شيخنا أبو عبد الله الذهبي (٨) من المستشهدين في هذه السنة مرتبين على الحروف أوس بن أوس بن عتيك قُتل يوم الجسر. بشير بن عنبس بن يزيد الظَّفَري، أُحُديٌّ، وهو ابنُ عم قتادة بن النعمان، ويعرف بفارس الحواء اسم فرسه. ثابت بن عتيك، من بني عمرو بن مبذول، صحابي قتل يوم الجسر. ثعلبة بن عمرو بن مِحْصن النّجّاري بدري قتل يومئذ. (الحارث بن عتيك بن النعمان النجاري شهد أحدًا قتل يومئذ. الحارث بن مسعود بن عبدة صحابي أنصاري قتل يومئذ.

стр. 3296

الحارث بن عدي بن مالك أنصاري أحدي قتل يومئذ). خالد بن سعيد بن العاص، قيل: إنه استشهد يوم مرج الصفر، وكان في سنة أربع عشرة في قولٍ. خزيمة بن أوس الأشْهَلي قتل يوم الجسر. ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب أرخ وفاته في هذه السنة ابنُ قانع. زيد بن سراقة يوم الجسر. سعد بن سلامة بن وقش الأشْهلي. سعد بن عبادة في قول. سلمة بن أسلم بن حَرِيش يوم الجسر. ضمرة بن غزية يوم الجسر. عبّاد وعبد الله وعبد الرحمن بنو مِرْبَع بن قيظي قتلوا يومئذ. عبد الله بن صعصعة بن وهب الأنصاريّ النَّجَّاري، شهد أحدًا وما بعدها. قال ابن الأثير في الغابة (١): وقتل يوم الجسر. عتبة بن غزوان تقدم. عقبة وأخوه عبد الله حضرا الجسر مع أبيهما قيظي بن قيس وقتلا يومئذ. العلاء بن الحضرمي توفي في هذه السنة في قول وقيل بعدها وسيأتي. عُمر (٢) بن أبي اليَسَر قتل يوم الجسر. قيس بن السكن أبو زيد الأنصاري ﵁ تقدم. المثنى بن حارثة الشيباني، توفي في هذه السنة ﵀ وقد تقدم. نافع بن غيلان قتل يومئذ. نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وكان أسنَّ من (عمه) العباس، قيل إنه توفى في هذه السنة والمشهور قبلها كما تقدم. واقد بن عبد الله قتل يوم [الجسر] (٣).

стр. 3297

يزيد بن قيس بن الخَطِيم الأنصاري الظفري (١) شهد أحدًا وما بعدها، قتل يوم الجسر، وقد أصابه يوم أُحُدٍ جراحاتٌ كثيرةٌ، وكان أبوه شاعرًا مشهورًا. أبو عُبَيْد بن مسعود الثقفي أمير يوم الجسر وبه عرف لقتله عنده، تخبّطه الفيل حتى قتله ﵁ بعدما قطع بسيفه خرطومه كما تقدم. أبو قحافة التَّيْمي والد أبي بكر الصدِّيق، توفي في هذه السنة ﵁. هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن أمية الأموية، والدة معاوية بن أبي سفيان، وكانت من سيدات نساء قريش ذات رأي ودهاءً ورياسة في قومها، وقد شهدت يوم أُحُد مع زوجها وكان لها تحريض على قتل المسلمين يومئذ، ولما قُتل حمزة مَثَّلَتْ به وأخذت من كبده فلاكَتْها فلم تستطع إساغتها، لأنه كان قد قتل أباها وأخاها يوم بدر، ثم بعد ذلك كله أسلمت وحَسُنَ إسلامها عام الفتح، بعد زوجها بليلةٍ. ولما أرادت الذهاب إلى رسول الله ﷺ لتبايعه استأذنت أبا سفيان فقال لها: قد كنت بالأمس مكذِّبة بهذا الأمر، فقالت واللّه ما رأيت الله عُبد حقَّ عبادته بهذا المسجد قبل هذه الليلة، واللّه لقد باتوا ليلهم (٢) كلّهم يُصَلّون فيه. فقال لها: إنك قد فعلتِ ما فعلتِ فلا تذهبي وحدك. فذهبت إلى عثمان بن عفان ويقال إلى أخيها أبي حذيفة بن عتبة فذهب معها، فدخلت وهي مُتَنقِّبَة (٣)، فلما بايعها رسولُ الله ﷺ مع غيرها من النساء قال: "على أن لا تُشْركْنَ باللّه شيئًا ولا تَسْرُقْنَ ولا تَزْنين" فقالت: أوتزني الحرة؟ "ولا تقتلن أولادكن" قالت: قد ربيناهم صغارًا نقتلهم كبارًا؟! فتبسم رسول الله ﷺ ، "ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك" (٤) فبادرت وقالت: في معروف. فقال: في معروف (٥). وهذا من فصاحتها وحزمها. وقد قالت لرسول الله ﷺ : واللّه يا محمد ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب إليّ من أن يذلوا من أهل خبائك، فقد واللّه أصبح (٦) اليوم وما على ظهر الأرض من أهل خباء أحب إليّ من أن يعزّوا من أهل خبائك. فقال: وكذلك والذي نفسي بيده. وشَكَتْ من شُحِّ أبي سفيان فأمرها أن تأخذ ما يكفيها ويكفي

стр. 3298

بنيها بالمعروف (١). وقصتها مع الفاكه بن المغيرة مشهورة، وقد شهدت اليرموك مع زوجها. وماتت يومَ ماتَ أبو قُحافة في سنة أربع عشرة، وهي أم معاوية بن أبي سفيان. ثم دخلت سنة خمس عشرة قال ابن جرير (٢): قال بعضهم فيها مَصَّر سعدُ بن أبي وقاص الكوفةَ، دلَّهم عليها ابن بُقيلة (٣)، قال لسعد: أدلُّكَ على أرضٍ ارتفعت عن البَقِّ، وانحدرتْ عن الفلاة؟ فدلَّهم على موضع الكوفة اليوم. [وقعة مرج الروم] قال: وفيها كانت وقعةُ مرجِ الرُّوم، وذلك لما انصرف أبو عبيدة وخالدٌ من وقعة فِحْل قاصدين إلى حمص حسب ما أمر به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ كما تقدم في رواية سيف بن عمر، فسارا حتَّى نزلا على ذي الكَلاع، فبعث هرقل بطريقًا يقال له توذَرا (٤) في جيش معه، فنزل بمرج دمشق وغربها، وقد هجم الشتاءُ، فبدأ أبو عبيدة بمرجِ الرُّوم، وجاء أمير آخر من الروم يقال له شنس (٥) وعسكرٌ معه كثيفٌ، فنازله أبو عبيدة فاشتغلوا به عن توذَرا، فسار توذَرا نحو دمشق لينازلها وينتزعها من يزيد بن أبي سفيان، فاتَّبعه خالد بن الوليد وبرز إليه يزيد بن أبي سفيان من دمشق، فاقتتلوا وجاء خالد، وهم في المعركة، فجعل يقتلهم من ورائهم ويزيد يفصل فيهم من أمامهم، حتى أناموهم (٦) ولم يفلت منهم إلا الشارد، وقتل خالد توذَرا وأخذوا من الروم أموالًا عظيمة فاقتسماها ورجع يزيد إلى دمشق وانصرف خالد إلى أبي عبيدة، فوجده قد واقع شنس بمرج الروم فقاتلهم فيه مقاتلةً عظيمة حتى أنتنت الأرض من زَهَمِهم (٧)، وقَتَلَ أبو عبيدة شنسَ وركبوا أكتافهم إلى حمص فنزل عليها يحاصرها. وقعة حمص الأولى لما وصلَ أبو عبيدة في اتّباعه الروم المنهزمين إلى حمص، نزل حولها يحاصرها، ولحقه خالد بن الوليد فحاصروها حصارًا شديدًا، وذلك في زمنِ البردِ الشديدِ، وصابرَ أهلُ البلد رجاء أن يصرفَهم عنهم شدة البرد، وصبرَ الصحابةُ صبرًا عظيمًا بحيث إنه ذكر غيرُ واحدٍ أن من الروم منْ كان يرجع وقد سقطت

стр. 3299

رجله وهي في الخفّ، والصحابةُ ليس في أرجلهم شيءٌ سوى النِّعال، ومع هذا لم يُصَبْ منهم قدَمٌ ولا أصبعٌ أيضًا، ولم يزالوا كذلك حتى انسلخ فصل الشتاء فاشتدَّ الحصارُ، وأشارَ بعضُ كبار أهل حمص عليهم بالمُصالحة، فأبوا عليه ذلك وقالوا: أنصالحُ والملكُ منا قريبٌ؟ فيقال: إن الصحابةَ كبّروا في بعض الأيام تكبيرة ارتجَّت منها المدينة حتى تَفَطَّرت منها بعض الجدران، ثم تكبيرة أخرى فسقطت بعض الدور، فجاءت عامتُهم إلى خاصَّتهم فقالوا: ألا تنظرون إلى ما نزل بنا، وما نحن فيه؟ ألا تصالحون القومَ عنا؟ قال: فصالحوهم على ما صالحوا عليه أهل دمشق، على نصف المنازل، وضرب الخراج على الأراضي، وأخذ الجزية على الرقاب بحسب الغنى والفقر (١). وبعث أبو عبيدة بالأخماس والبشارة إلى عمر مع عبد الله بن مسعود. وأنزل أبو عبيدة بحمص جيشًا كثيفًا يكون بها مع جماعة من الأمراء، منهم بلال والمقداد (٢) وكتب أبو عبيدة إلى عمر، يخبره بأن هرقلَ قد قطع الماء إلى الجزيرة وأنه يظهرُ تارةً ويخفى أخرى. فبعث إليه عمر يأمره بالمقام ببلده. وقعة قِنَّسْرين لما فتح أبو عبيدة حمص بعث خالد بن الوليد إلى قِنَّسْرين، فلما جاءها ثار إليه أهلُها ومنْ عندهم من نصارى العرب، فقاتلهم خالدٌ (فيها) قتالًا شديدًا، وقتل منهم خلقًا كثيرًا، فأما منْ هناك من الروم فأبادهم وقتل أميرهم ميتاس (٣). وأما الأعراب فإنهم اعتذروا إليه بأنَّ هذا القتالَ لم يكن عن رأينا فقبل منهم خالدٌ وكفَّ عنهم ثم خلصَ إلى البلدِ فتحصَّنوا فيه (٤)، فقال لهم خالد: إنكم لو كنتم في السَّحاب لحَمَلنا اللّهُ إليكم أو لأنزلكم إلينا. ولم يزَلْ بهم حتى فَتَحها الله عليه ولله الحمد. فلما بلغَ عمرُ ما صنعهُ خالدٌ في هذه الوقعة قال: يرحمُ الله أبا بكر، كان أعلمَ بالرجالِ مني، واللّهِ إنِّي لم أعزلْهُ عن ريبةٍ ولكن خشيتُ أن يُوكلَ الناسُ إليه. وفي هذه السنة تقهقر هرقل بجنوده، وارتحلَ عن بلاد الشام إلى بلاد الروم. هكذا ذكره ابن جرير (٥)، عن محمد بن إسحاق قال: وقال سيف: كان ذلك في سنة ست عشرة، قالوا: وكان هرقل كلَّما حجَّ إلى بيت المقدس وخرجَ منها يقولُ: عليكِ السلامُ يا سورية، تسليم مُودِّعٍ لم يَقْضِ منك وطره وهو عائدٌ. فلما عزم على الرحيلِ من الشام وبلغَ الرُّها، طلبَ من أهلها أن يصحبوه إلى الروم، فقالوا: إن بقاءَنا هاهنا أنفعُ لكَ من رحيلنا معك، فتركَهم. فلما وصل إلى شمشاط (٦) وعلا على شرف هنالك

стр. 3300

التفت إلى نحو بيت المقدس وقال: عليكِ السلامُ يا سوريةُ سلامًا لا اجتماع بعده إلا أن أسلِّمَ عليكِ تسليمَ المُفارقِ، ولا يعودُ إليكِ روميٌّ أبدًا إلا خائفًا حتى يولدَ المولودُ المشؤومُ، ويا ليتَهُ لم يولدْ. ما أحْلَى فعلَه وأمرَّ عاقبته على الروم!! ثم سار هرقلُ حتى نزلَ القسطنطينيةَ واستقرّ بها ملكه، وقد سأل رجلًا ممَّن اتّبعه كان قد أُسِرَ مع المسلمين، فقال: أخبرني عن هؤلاء القوم، فقال: أخبركَ كأنَّك تنظرُ إليهم، هم فرسان بالنهارِ، رهبانٌ بالليلِ، لا يأكلون في ذمتهم إلَّا بثمنٍ، ولا يدخلون إلَّا بسلام، يقفونَ على منْ حاربوه حتى يأتوا عليه. فقال: لئن كنت صدقتني ليملكن (١) موضعَ قدميَّ هاتين (٢). قلتُ: وقد حاصرَ المسلمون قسطنطينية في زمانِ بني أميةَ فلم يملكوها ولكن سيملكها المسلمون في آخر الزمان كما سنبينه في كتاب الملاحم، وذلك قبل خروج الدجال بقليل على ما صحَّتْ به الأحاديث عن رسول اللّه ﷺ في صحيح مسلم (٣) وغيره من الأئمة، ولله الحمد والمنة. وقد حرَّم الله على الروم أن يملكوا بلادَ الشام برُمَّتها إلى آخر الدهر، كما ثبت به الحديث في الصحيحين (٤) عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "إذا هلكَ كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصرُ فلا قيصرَ بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله " (٥). وقد وقع ما أخبر به صلوات الله وسلامه عليه كما رأيت، وسيكون ما أخبر به جزمًا لا يعود ملكُ القياصرة إلى الشام أبدًا لأنّ قيصرَ علَمُ جنسٍ عند العرب يُطلق على كل منْ ملكَ الشَام مع بلاد الروم، فهذا لا يعود لهم أبدًا.

стр. 3301

وقعة قَيْساريَّة (١) قال ابن جرير (٢): وفي هذه السنة أمَّر عمر معاويةَ بن أبي سفيان على قَيْساريَّة وكتب إليه: أما بعدُ فقد ولَّيْتُكَ قَيْسَارِيَّة فسرْ إليها واستَنْصرِ اللّهَ عليهم، وأكْثِرْ منْ قولِ لا حولَ ولا قوة إلا باللّه العليِّ العظيمِ، اللّهُ ربّنا وثقَتنا ورجاؤُنا ومولانا فنعمَ المولى ونعم النَّصير. فسار إليها فحاصرها، وزاحَفَه أهلُها مراتٍ عديدةً، وكان (آخرها) وقعةً أن قاتلوا قتالًا عظيمًا، وصمَّمَ عليهم معاوية، واجتهدَ في القتالِ حتّى فتحَ اللّهُ عليه فما انفصل الحال (٣) حتى قتلَ منهم نحوًا من ثمانين ألفًا، وكمَّلَ المئة الألف من الذين انهزموا عن المعركة، وبعثَ بالفتح والأخماسِ إلى أمير المؤمنين عمر ﵁. قال ابن جرير (٤): وفيها كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص بالمسير إلى إيلياء، ومناجزة صاحبها، فاجتاز في طريقه عند الرملة بطائفة من الروم فكانت (٥): وقعة أجْنادين (٦) وذلك أنه (٧) سار بجيشه وعلى ميمنته ابنُه عبدُ الله بن عمرو، وعلى مَيْسرته جُنادةُ بن تَميم المالكي، من بني مالك بن كنانة، ومعه شُرَحبيلُ بن حَسَنة، واستخلفَ على الأردن أبا الأعور السُّلمي، فلما وصلَ إلى الرَّملة وجدَ عندها جَمْعًا من الرُّوم عليهم الأرْطبون، وكان أدْهى الرُّوم وأبعدها غَوْرًا، وأنكاها فِعْلًا، وقد كان وضعَ بالرملةِ جُنْدًا عظيمًا وبإيلياء جُنْدًا عظيمًا، فكتب عمرو إلى عمر بالخبر. فلما جاءهُ كتابُ عمرو قال: قد رَمَيْنا أرْطَبونَ الرُّومِ بأرْطبون العَرَبِ، فانظروا عما تنفرج (٨). وبعثَ عمرُو بن العاص علقمةَ بن حكيم الفراسيّ، ومسروق (٩) بن بلال العكّي على قتالِ أهلِ إيلياء. وأبا أيوبّ المالكي إلى الرملةِ، وعليها التَّذارق، فكانوا بإزائهم ليشغلوهم عن عمرو بن العاص وجيشه، وجعل عمرو كلما قدم عليه إمداد من جهة عمر يبعث منهم طائفةً إلى هؤلاء وطائفة إلى هؤلاء. وأقام عمرو على أجنادين

стр. 3302

لا يقدر من الأرطبون على سقطة ولا تشفيه الرسل فوليه بنفسه، فدخل عليه كأنه رسولٌ، فأبلغه ما يريدُ وسمعَ كلامَه وتأمل حضرته (١) حتى عرف ما أراد، وقال الأرطبون في نفسه: واللهِ إنَّ هذا لعمرو أو أنَّه الذي يأخذُ عمرو برأيه، وما كنتُ لأصيبَ القومَ بأمرٍ هو أعظم من قتله. فدعا حَرَسِيَّا فسارَّه فأمره بقتله (٢) فقال: اذهب فقم في مكان كذا وكذا، فإذا مر بك (٣) فاقتله، ففطن عمرو بن العاص، فقال للأرطبون: أيها الأميرُ إني قد سمعتُ كلامَكَ وسمعتَ كلامي، وإني واحد من عشرة بعثنا عمرُ بن الخطابِ لنكونَ مع هذا الوالي لنشهدَ أمورَهُ، وقد أحببتُ أن آتيكَ بهم ليسمَعُوا كلامَكَ ويروا ما رأيتَ. فقال الأرطبون: نعم! فاذهبْ فأتني بهم، ودعا رجلًا فسارَّه فقال: اذهب إلى فلانٍ فردَّه. وقام عمرو فذهبَ إلى جيشه ثم تحقَّق الأرطبونُ أنه عمرُو بن العاص، فقال: خَدَعني الرجلُ، هذا والله أدهَى العربِ. وبلغت عمرَ بن الخطاب فقال: لله در عمرو. ثم ناهضه عمرو فاقتتلوا بأجنادين قتالًا عظيمًا، كقتال اليرموك، حتى كثرتِ القتلى بينهم ثم اجتمعت بقيةُ الجيوشِ إلى عمرو بن العاص، وذلك حين أعياهم صاحب إيلياء وتحصَّنَ منهم بالبلدِ، وكثُر جيشُه، فكتب الأرطبون إلى عمرو بأنَّكَ صديقي ونظيري أنت في قومك مثلي في قومي، والله لا تفتحُ من فلسطين شيئًا بعد أجنادين فارجع ولا تغرَّ فتلقى مثلَ ما لقي الذين قبلك من الهزيمة، فدعا عمرو رجلًا يتكلم بالرُّومية، فبعثه إلى أرطبون وقال: اسمع ما يقول لك ثم ارجع فأخبرني. وكتبَ إليه معه: جاءني كتابُكَ وأنتَ نظيري ومثلي في قومك، لو أخطأتْكَ خَصْلَة تجاهلت فضيلتي وقد علمتَ أنّي صاحب فتح هذه البلاد، وأقرأ كتابي هذا بمحضرٍ من أصحابك ووزرائك. فلما وصله الكتاب جمع وزراءه، وقرأ عليهم الكتاب. فقالوا للأرطبون: من أين علمتَ أنه ليس بصاحب فتح هذه البلاد؟ فقال: صاحبُها رجل اسمه على ثلاثة أحرف. فرجع الرسولُ إلى عمرو فأخبره بما قال. فكتب عمرو إلى عمر يستمده ويقول له: إني أعالج حربًا (٤) كؤودًا صدومًا، وبلادًا ادخرَتْ لكَ، فرأيكَ. فلما وصل الكتاب إلى عُمر علم أن عَمْرًا لم يقل ذلك إلا لأمرٍ علمه، فعزم عمرُ على الدخول إلى الشام لفتح بيتِ المقدسِ كما سنذكر تفصيله. [دخل عمر الشامَ أربع مرات] قال سيفُ بن عمر عن شيوخه: وقد دخل عمرُ الشام أربعَ مراتٍ، الأولى كان راكبًا فرسًا حين فتح بيت المقدس، والثانية على بعيبر، والثالثة وصلَ إلى سَرْع (٥) ثم رجع لأجل ما وقعَ بالشام

стр. 3303

من الوباء. والرابعة دخلها على حمار هكذا نقله ابن جرير عنه (١). فَتْحُ بيتِ المَقْدسِ على يَدَيْ عُمرَ بن الخطَّابِ ذكره أبو جعفر بن جرير (٢) في هذه السنة عن رواية سيف بن عمر، ومُلَخَّص ما ذكره هو وغيره: أنّ أبا عبيدة لما فرغَ من دمشق كتبَ إلى أهل إيليا (٣) يدعوهم إلى الله وإلى الإسلام، أو يبذلون الجزيةَ أو يؤذنوا بحربٍ. فأبَوْا أن يجيبوا إلى ما دعاهم إليه. فركبَ إليهم في جنوده واستخلفَ على دمشق سعيدَ بن زَيْد، ثم حاصرَ بيت المَقْدس وضيَّقَ عليهم حتى أجابوا إلى الصلح بشرطِ أن يقدم إليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. فكتب إليه أبو عبيدة بذلك، فاستشار عمر الناسَ في ذلك، فأشار عثمان بن عفان بأن لا يركبَ إليهم ليكونَ أحقرَ لهم وأرغمَ لأنوفهم، وأشار علي بن أبي طالب بالمسير إليهم ليكونَ أخفَّ وطأةً على المسلمين في حصارهم بينهم، فهوي ما قالَ عليّ، ولم يهو ما قال عثمان. وسار بالجيوش نحوهم واستخلف على المدينة عليَّ بن أبي طالب، وسار العباس بن عبد المطلب على مقدمته، فلما وصل إلى الشام تَلقّاه أبو عبيدة ورؤوسُ الأمراءَ، كخالد بن الوليد، ويزيد بن أبي سفيان، فترجَّل أبو عبيدة، وترجَّل عمر فأشار أبو عبيدة ليقبّل يد عمر فهم عمرُ بتقبيل رِجلِ أبي عبيدة، فكفَّ عمر. ثم سار حتى صالحَ نصارى بيت المقدس، واشترطَ عليهم إجلاء الروم إلى ثلاث ثم دخلها إذ دخل المسجد من الباب الذي دخل منه رسول الله ليلةَ الإسراء. ويقال إنه لبَّى حينَ دخل بيت المقدس فصلَّى فيه تحية المسجد بمحراب داود، وصلَّى بالمسلمين فيه صلاةَ الغداة من الغد فقرأ في الأولى بسورة ص وسجد فيها والمسلمون معه، وفي الثانية بسورة بني إسرائيل، ثم جاء إلى الصخرة فاستدلّ على مكانها من كعب الأحبار، وأشار عليه كعب أن يجعلَ المسجد من ورائه (٤)، فقال: ضاهيت اليهودية. ثم جعل المسجد في قِبْلِي بيت المقدس، وهو العُمَريّ اليوم، ثم نقل التراب عن الصخرة في طرف ردائه وقبائه، ونقل المسلمون معه في ذلك، وسخر أهل الأردن في نقل بقيتها، وقد كانت الروم جعلوا الصخرة مزبلةً لأنها قبلة اليهودِ، حتى إنَّ المرأة كانت ترسلُ خرقةَ حيضتها من داخل الحوز لتلْقى في الصخرة، وذلك مكافأة لما كانت اليهودُ عاملتْ به القمامةَ، وهي المكانُ الذي كانت اليهود صلبوا فيه المصلوبَ فجعلوا يُلْقون على قبره القمامة، فلأجل ذلك سُمّي ذلك الموضع القمامة وانسحبَ هذا الاسم على الكنيسة التي بناها النصارى هنالك. وقد كان هرقل حين جاءه الكتاب النبويّ، وهو بإيلياء، وعظ النصارى فيما كانوا قد بالغوا في إلقاء

стр. 3304

الكناسة على الصخرة حتى وصلت إلى محراب داود، قال لهم: إنكم لخليقٌ أن تقتلوا على هذه الكناسة مما امتهنتم هذا المسجد، كما قتلت بنو إسرائيل على دم يحيى بن زكريا، ثم أمروا بإزالتها فشرعوا في ذلك فما أزالوا ثلثها حتى فتحها المسلمون، فأزالها عمر بن الخطاب وقد استقصى هذا كله بأسانيده ومتونه الحافظ بهاء الدين بن الحافظ أبي القاسم بن عساكر في كتابه "المستقصى في فضائل المسجد الأقصى". وذكر سيفٌ (١) في سياقه: أن عمر ﵁ ركبَ من المدينة على فرس ليسرع السير بعد ما استخلف عليها علي بن أبي طالب، فسار حتى قدم الجابية فنزل بها وخطبَ بالجابية خطبةً طويلةً بليغةً منها: "أيها الناسُ أصْلحُوا سَرائرَكُم تَصْلُحْ علانيتكُمْ، واعملُوا لآخرتِكُم تُكْفَوا أمرَ دنياكم، واعلموا أن رجلًا ليس بينه وبين آدم أبٌ حيٌّ، ولا بينه وبين الله هوادةٌ، "فمن أراد بُحْبُوحَةَ (٢) الجنة فليلزمِ الجماعة، فإن الشيطانَ مع الواحدِ وهو مع الاثنين أبعد، ولا يخلون أحدُكم بامرأةٍ فإنَّ الشيطانَ ثالثُهما، ومن سرَّتْهُ حَسَنتُهُ وسَاءَتْهُ سَيِّئتُهُ فهو مؤمن" (٣). وهي خطبةٌ طويلةٌ اختصرناها. ثم صالح عمرُ أهلَ الجابية ورحل إلى بيتِ المَقْدسِ وقد كتب إلى أمراءَ الأجْنادِ أن يوافوه في اليوم الفلاني إلى الجابية فتوافَوْا أجمعون في ذلك اليوم إلى الجابية، فكان أول من تلقاه يزيد بن أبي سفيان، ثم أبو عبيدة، ثم خالد بن الوليد في خيول المسلمين وعليهم يلامقُ (٤) الدِّيباح، فسار إليهم عمر ليحصبهم (٥) فاعتذروا إليه بأنَّ عليهم السلاحَ، وأنهم يحتاجون إليه في حروبهم. فسكت عنهم واجتمعَ الأمراءُ كلهم بعد ما استخلفوا على أعمالهم، سوى عمرو بن العاص وشُرَحبيل فإنهما مواقفان (٦) الأرطبون بأجنادين. فبينما عمر في الجابية إذا بكُردوس من الروم بأيديهم سيوفٌ مُسلَّلة، فسار إليهم المسلمون بالسلاح فقال عمر: إن هؤلاء قومٌ يستأمنون. فساروا نحوهم فإذا هم جندٌ من بيت المقدس يطلبون الأمانَ والصلحَ من أمير المؤمنين حين سمعوا بقدومه، فأجابهم عمرُ ﵁ إلى ما سألوا، وكتب لهم كتابَ أمانٍ ومصالحة، وضرب عليهم الجزيةَ، واشترطَ عليهم شروطًا ذَكرها ابن جرير (٧)، وشهد في الكتاب خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان، وهو كاتب الكتاب، وذلك في سنة خمسة عشر.

стр. 3305

ثم كتب لأهل لُدٍّ (١) ومَنْ هنالك من الناس كتابًا آخر وضربَ عليهم الجزيةَ، ودخلوا فيما صالحَ عليه أهل إيلياء، وفرَّ الأرطبون إلى بلاد مصر، فكان بها حتى فتحَها عمرو بن العاص، ثم فرَّ إلى البحر فكان يلي بعض السرايا الذين يقاتلون المسلمين، فظفر به رجل من قيس فقطع يد القيسي وقتله القيسي وقال في ذلك: [من البسيط] فإنْ يكنْ أرطبونُ الرُّومِ أفْسدها … فإنَّ فيها بحمدِ اللّهِ مُنْتَفعا وإنْ يكنْ أرطبونُ الرومِ قطَّعها … فقد تركتُ (بها) أوصالَه قِطَعا ولما صالح أهلُ الرملة وتلك البلاد، أقبلَ عمرو بن العاص وشُرَحْبيل بن حَسَنة حتى قدما الجابيةَ فوجدا أمير المؤمنين عمرَ بن الخطاب راكبًا، فلما اقتربا منه أكبَّا على ركبتيه فقبَّلاها واعتنقهما عمر معًا ﵃. قال سيف (٢): ثم سار عمر إلى بيت المقدس من الجابية وقد توحّى (٣) فرسه فأتوه ببرذون فركبه فجعل يهملج (٤) به فنزل عنه وضرب وجهه، وقال: لا علّم الله من علَّمك، هذا من الخيلاء، ثم لم يركب برذونًا قبله ولا بعده، ففُتحت إيلياء وأرضُها على يديه ما خلا أجنادين فعلى يدي عمرو. وقيسارية فعلى يدي معاوية. هذا سياق سيف بن عمر، وقد خالفه غيره من أئمة السير فذهبوا إلى أن فتح بيت المقدس كان في سنة ست عشرة. قال محمد بن عائذ: عن الوليد بن مسلم، عن عثمان بن حصن بن علان، قال يزيد بن عبيدة: فتحت بيت المَقْدس سنةَ ستَّ عشرةَ، وفيها قدم عمرُ بن الخطاب الجابية. وقال أبو زرعة الدمشقي (٥): عن دُحَيم، عن الوليد بن مسلم قال: ثم عاد في سنة سبع عشرة فرجع من سَرْع (٦)، ثم قدم سنة ثماني عشرة فاجتمع إليه الأمراء وسلّموا إليه ما اجتمع عندهم من الأموال فقسَّمها وجنّد الأجناد ومصَّر الأمصار ثم عاد إلى المدينة. وقال يعقوب بن سفيان (٧): ثم كان فتح الجابية وبيت المقدس سنة ست عشرة. وقال أبو معشر: ثم

стр. 3306

كان عَمَواس والجابية في سنة ستَ عشرة. ثم كانت سَرْغ في سبع عشرة، ثم كان عام الرمادة في سنة ثماني عشرة، قال: وكان فيها طاعون عَمَواس - يعني فتح البلدة المعروفة بعَمَواس (١) - فأما الطاعون المنسوب إليها فكان في سنة ثماني عشرة كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى. قال أبو مخنف (٢): لمَّا قدمَ عمرُ الشامَ فرأى غوطةَ دمشق ونظر إلى المدينة والقصور والبساتين تلا قوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٨]. ثم أنشد قول النابغة (٣). [من الطويل] هُما فَتَيا دَهْرٍ يكُرُّ عليهما … نهارٌ وليلٌ يلحقانِ التَّواليا إذا ما هُما مَرّا بحيٍّ بغبطةٍ … أناخا بهم حتى يُلاقوا الدَّواهيا وهذا يقتضي بادئ الرأي أنه دخلَ دمشقَ وليس كذلك، فإنّه لم ينقل أحدٌ أنه دخلها في شيء من قدَماته الثلاث إلى الشام، أما الأولى وهي هذه فإنه سارَ من الجابية إلى بيت المقدس، كما ذكر سيف وغيره واللّه أعلم، وقال الواقدي: أما رواية غير أهل الشام فهي أنَّ عمرَ دخلَ الشامَ مرتين ورجع الثالثةَ من سَرْغ سنة سبع عشرة، وهم يقولون دخلَ في الثالثة دمشق وحمص وأنكر الواقديُّ ذلك. قلت: ولا يعرف أنه دخل دمشق إلا في الجاهلية قبل إسلامه كما بسطنا ذلك في سيرته. وقد روينا أن عمر حين دخلَ بيتَ المقدس سأل كعب الأحبار عن مكان الصخرة فقال: يا أميرَ المؤمنين أذرع (من) وادي جهنَّم كذا وكذا ذراعًا فهي ثمَّ. فذرعوا فوجدوها، وقد اتخذها النَّصارى مَزْبلةً، كما فعلتِ اليهودُ بمكانِ القُمامة، وهو المكانُ الذي صُلب فيه المَصْلوب الذي شُبِّه بعيسى فاعتقدتِ النصارى واليهودُ أنه المسيحُ. وقد كذِّبوا في اعتقادهم هذا كما نصَّ الله تعالى على خطئهم في ذلك. والمقصودُ أنَّ النصارى لما حكموا على بيت المقدس قبلَ البعثة بنحوٍ من ثلاثمئة سنة، طَهروا مكان القُمامة واتخذُوه كنيسةً هائلةً بَنَتْها أمُّ الملك قسطنطين باني المدينة المنسوبة إليه، واسم أمه هيلانة (الحرانية) البندقانية (٤). وأمرت ابنها فبنى للنَّصارى بيتَ لحم على موضع الميلاد، وبنت هي على موضع القبر فيما يزعمون. والغرضُ أنَّهم اتخذوا مكانَ قبلة اليهود مزبلةَ أيضًا، في مقابلة ما صنعوا في قديم الزمان وحديثه. فلما فتحَ عمرُ بيت المقدس وتحقق موضع الصخرة، أمر بإزالة ما عليها من الكناسة حتى قيل إنه كنسها بردائه، ثم

стр. 3307

استشار كعبًا أين يضعُ المَسْجد؟ فأشار (١) عليه بأن يجعله وراءَ الصخرة، فضربَ في صدره وقال. يا ابنَ أمِّ كعب ضارعتَ اليهود (٢) وأمر ببنائه في مُقَدَّمِ بيت المقدس. قال (الإمام) أحمد (٣): حدَّثنا أسود بن عامر، حدَّثنا حماد بن سلمة، عن أبي سنان، عن عبيد بن آدم وأبي مريم وأبي شعيب أنَّ عمر بن الخطاب كان بالجابية فذكر فتح بيت المقدس، قال قال ابن سلمة؛ فحدثني أبو سنان عن عبيد بن آدم سمعت عمر يقول لكعب: أين ترى أن أصلي؟ قال إن أخذت (عني) صليت خلفَ الصخرة وكانت القدسُ كلُّها بين يديك، فقال عمر: ضاهيتَ اليهوديةَ لا ولكن أصلِّي حيثُ صلَّى رسولُ اللّه ﷺ ، فتقدَّم إلى القبلة فصلَّى، ثم جاء فبسط رداءَهُ وكَنَس الكُناسة في ردائه وكنسَ الناسُ. وهذا إسناد جيد اختاره الحافظ ضياء الدين المقدسي في كتابه "المُسْتخرج" وقد تكلَّمنا على رجاله في كتابنا الذي أفردناه في "مسند عمر" (٤) ما رواه من الأحاديث المرفوعة وما روي عنه من الآثار الموقوفة مبوبًا على أبواب الفقه وللّه الحمد والمنة. وقد رَوى سيفُ بن عمر (٥) عن شيوخه (٦) عن سالم قال: لمّا دخلَ عمرُ الشامَ تلقاه رجلٌ من يهود دمشق، فقال السلامُ عليك يا فاروقُ، أنتَ صاحبُ إيلياء؟ لا ها للّه لا ترجع حتى يفتح اللّهُ عليك إيلياء. وقد روى أحمد بن مروان الدِّينوري (٧)، عن محمد بن عبد العزيز، عن أبيه، عن الهيثم بن عدي، عن أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن جده أسلم - مولى عمر بن الخطاب - أنّه قدم دمشق في تجار من قريش، فلما خرجوا تخلَّف عمرُ لبعض حاجته، فبينما هو في البلد إذا ببطْريقٍ يأخذُ بعنقه، فذهب ينازعه فلم يقدر، فأدخل دارًا فيها ترابٌ وفأس ومجرفةٌ وزنبيلٌ، وقال له: حوّل هذا من هاهنا إلى هاهنا، وغلق عليه الباب، وانصرف فلم يجئ إلى نصف النهار. قال: وجلست مفكرًا ولم أفعل مما قال لي شيئًا. فلما جاء قال: ما لك لم تفعل؟ ولكمني في رأسي بيده قال: فأخذت الفأس فضربته بها فقتلته وخرجت على وجهي فجئت ديرًا لراهبٍ فجلستُ عنده من

стр. 3308

العشي، فأشرفَ علي فنزل وأدخلني الدير فأطعمني وسقاني، وأتحفني، وجعل يحقّق النظر فيّ، وسألني عن أمري فقلت: إني أضللت أصحابي. فقال: إنك لتنظر بعينِ خائفٍ، وجعل يتوسّمني ثم قال: لقد علم أهل دين النصرانية أني أعلمهم بكتابهم، وإني لأراك الذي تخرجنا من بلادنا هذه، فهل لكَ أن تكتبَ لي كتابَ أمانٍ على ديري (١) هذا؟ فقلت: يا هذا لقد ذهبتَ غير مذهب. فلم يزل بي حتى كتبت له صحيفةً بما طلب مني، فلما كان وقتُ الانصراف أعطاني أتانًا فقال لي: اركبها، فإذا وصلت إلى أصحابك فابعث إليَّ بها وحدَها فإنها لا تمرّ بدير إلا أكرموها. ففعلتُ ما أمرني به، فلما قدم عمر لفتح بيت المقدس أتاه ذلك الراهب وهو بالجابية بتلك الصحيفة فأمضاها له عمر واشترط عليه ضيافة من يمرّ به من المسلمين، وأن يرشدهم إلى الطريق. رواه ابن عساكر (٢) وغيره. وقد ساقه ابن عساكر (٣) من طريق أخرى في ترجمة يحيى بن عبد الله بن أسامة القرشي البَلْقاوي عن زيد بن أسلم، عن أبيه فذكر حديثًا (٤) طويلًا عجيبًا هذا (بعضه). وقد ذكرنا الشروطَ العمرية على نصارى الشام مَطوّلًا في كتابنا "الأحكام" وأفردنا له مصنفًا على حِدَةٍ وللّه الحمد والمنة. (وقد) ذكرنا خطبته في الجابية بألفاظها وأسانيدها في الكتاب الذي أفردناه لمسند عمر، وذكرنا تواضعه في دخوله الشام في السيرة التي أفردناها له. وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدَّثني الربيعُ بن ثَعْلب، حدَّثنا أبو إسماعيل المؤدّب، عن عبد الله بن مسلم بن هُرْمز المكّي، عن أبي العالية (٥) الشامي قال: قدمَ عمرُ بن الخطاب الجابية على طريق إيلياء على جملٍ أوْرَق (٦)، تلوحُ صلعتُه للشمس، ليس عليه قلنسوةٌ ولا عمامةٌ، تصطفقُ رجلاه بين شعبتي الرَّحل بلا ركاب، وِطاؤُه (٧) كِساءٌ أنْبِجانيٌّ (٨) ذو صُوف هو وطاؤُه إذا ركب، وفراشُه إذا نزل، حقيبته نمرة (٩) أو شملة محشّوة ليفًا، هي حقيبته إذا ركب ووسادته إذا نزل، وعليه قميصٌ من كرابيس (١٠) قد

стр. 3309

رسم (١) وتَخرَّق جنبه. فقال: ادعوا لي رأسَ القوم، فدعوا له الجلومس، فقال: اغسلوا قميصي وخَيِّطوه وأعيروني ثوبًا أو قميصًا. فأُتي بقميص كتانٍ فقال: ما هذا؟ قالوا: كتان. قال: وما الكتان؟ فأخبروه فنزعَ قميصَه فغُسل ورُقع وأُتي به فنزعَ قميصَهم ولبس قميصَه. فقال له الجلومس: أنتَ ملكُ العرب وهذه بلادٌ لا تصلح بها الإبلُ، فلو لبستَ شيئًا غير هذا وركبتَ برذونًا لكان ذلك أعظم في أعين الروم. فقال: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فلا نطلب بغير الله بديلًا. فأُتي ببرذون فطرح عليه قطيفة بلا سرج ولا رحلٍ فركبه بها فقال: احبسوا احبسوا، ما كنتُ أرى الناسَ يركبونَ الشيطان قبل هذا فأُتي بجمله فركبه. وقال إسماعيل بن محمد الصَّفّار (٢): حدَّثنا سعدان بن نصر، حدَّثنا سفيان، عن أيوب الطائي، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: لمّا قدم عمرُ الشامَ عرضتْ له مخاضةٌ فنزل عن بعيره ونزعَ موقية (٣) فأمسكهما بيدٍ (٤) وخاض الماء ومعه بعيره، فقال له أبو عبيدة: قد صنعتَ اليوم صنيعًا عظيمًا عند أهل الأرض، صنعت كذا وكذا، قال: فصكَّ في صدره وقال: أوَ لَوْ غيرك يقولُها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذل الناس وأحقر الناس وأقل الناس، فأعزَّكم الله بالإسلام فمهما تطلبوا العزَّ بغيره يذلكم الله. قال ابن جرير (٥): وفي هذه السنة - أعني سنة خمس عشرة - كانت بين المسلمين وفارس وقعات في قول سيف بن عمر. وقال ابن إسحاق والواقدي: إنما كان ذلك في سنة ست عشرة، ثم ذكر ابن جرير وقعاتٍ كثيرة كانت بينهم، وذلك حين بعث عمرُ بن الخطاب إلى سعدِ بن أبي وقاص يأمره بالمسير إلى المدائن، وأن يخلف النساء والعيال بالعتيق (٦) في خيل كثيرة كثيفة. فلما تفرَّغَ سعدٌ من القادسيةِ بعثَ على المقدِّمة زُهْرة بن حويَّة، ثم أتبعه بالأمراء واحدًا بعد واحد، ثم سار في الجيوش، وقد جعل هاشم بن عتبة بن أبي وقاص على خلافته مكان خالد بن عُرْفطة. وجعل خالدًا هذا على الساقة، فساروا في خيول عظيمة، وسلاح كثير، وذلك لأيامٍ بقينَ من شوّال من هذه السنة، فنزلوا الكوفة وارتحل زهرة بين أيديهم نحو المدائن، فلقيه بها بُصْبُهرى في جيش من فارس فهزمهم زُهْرة وذهبت الفرس في هزيمتهم

стр. 3310

إلى بابل (وبها جمع كثير ممن انهزم يوم القادسية قد جعلوا عليهم الفيرُزان، فبعث زُهرة إلى سعد فأعلمه باجتماع المنهزمين ببابل، فسار سعد بالجيوش إلى بابل)، فتقابل هو والفيرُزان عند بابل فهزمهم كأسرع من لفَّة الرِّداء، وانهزموا (بين يديه) فرقتين ففرفة ذهبت إلى المدائن، وأخرى سارت (١) إلى نهاوند، وأقام سعد ببابل أيامًا، ثم سار منها نحو المدائن، فلقوا جمعًا آخر من الفُرس، فاقتتلوا قتالًا شديدًا وبارزوا (٢) أميرَ الفُرس، وهو شهريار، فبرز إليه رجل من المسلمين يقال له نائل الأعرجي أبو نباتة (٣) من شجعان بني تميم، فتجاولا ساعةً بالرّماح، ثم ألقياها فانتضيا سيفيهما وتصاولا بهما، ثم تعانقا وسقطا عن فرسَيْهما إلى الأرض، فوقع شهريار على (٤) صدر أبي نباتة، وأخرج خنجرًا ليذبحه بها، فوقعت أصبعه في فم أبي نباتة فقضمها حتى شغله عن نفسه، وأخذ الخنجر فذبح شهريار بها وأخذ فرسه وسِوَارَيْه وسَلبَه، وانكشف أصحابه فهزموا، فأقسم سعد على نائل ليلبس سِوَاري شهريار وسلاحه، وليركبنَّ فرسه إذا كان حربٌ، فكان يفعل ذلك، قالوا: وكان أول من تسوَّر بالعراق، وذلك بمكانٍ يقال له كوثى (٥). وزار المكان الذي حُبس فيه الخَليل وصلَّى عليه وعلى سائر الأنبياء، وقرأ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] الآية. بَهُرَسِير (٦) قالوا: ثم قدّم سعد زهرة بين يديه من كوثى إلى بَهُر سير فمضى إلى المقدمة وقد تلقاه شيرزاذ إلى ساباط بالصلح والجزية فبعثه إلى سعد فأمضاه، ووصل سعد بالجنود إلى مكان يقال له مظلم ساباط، فوجدوا هنالك كتائب كثيرة لكسرى يسمونها بوران (٧)، وهم يقسمون كل يوم لا يزول ملك فارس ما عشنا، ومعهم أسد كبير لكسرى يقال له المقرَّط، قد أرصدوه في طريق المسلمين، فتقدم إليه ابن أخي سعد، وهو هاشم بن عتبة، فقتل الأسد والناس ينظرون، وسمي يومئذ (٨) سيفه المتين، وقبّل سعدٌ يومئذ رأسَ هاشم، وقبَّل هاشمٌ قدم سعد. وحملَ هاشمٌ على الفُرس فأزالهم عن أماكنهم وهزمهم وهو

стр. 3311

يتلو (١) قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ [إبراهم: ٤٤] فلما كان الليلُ ارتحل المسلمون ونزلوا بَهُرَ سير فجعلوا كُلَّما وقفوا كَبَّروا، وكذلك حتى كان آخرهم مع سعد فأقاموا بها شهرين ودخلوا في الثالث وفرغت السنة. قال ابن جرير (٢): وفيها حجَّ بالنَّاس عُمر، وكان عامله فيها على مكَّة عَتّاب (بن أسيد)، وعلى الشام أبو عُبَيْدة، وعلى الكوفه (٣) والعراق سعد، وعلى الطائف يعلى بن أمية (٤) وعلى البحرين واليمامة عثمان بن أبي العاص، وعلى عُمان حُذيْفة بن محصن (٥). قلت: وكانت وقعة اليرموك في سنة خمس عشرة في رجب منها عند الليث بن سعد وابن لهيعة وأبي معشر والوليد بن مسلم ويزيد بن عبيدة وخليفة بن خَيّاط وابن الكلبي ومحمد بن عائذ وابن عساكر وشيخنا أبي عبد الله الذهبي الحافظ (٦). وأما سيف بن عمر وأبو جعفر بن جرير فذكروا وقعة اليرموك في سنة ثلاث عشرة. وقد قدمنا ذكرها هنالك تبعًا لابن جرير، وهكذا وقعة القادسية عند بعض الحفاظ أنها كانت في أواخر هذه السنة - سنة خمس عشرة - وتبعهم في ذلك شيخنا الحافظ الذهبي (٧). والمشهور أنها كانت في سنة أربع عشرة كما تقدم. ثم ذكر شيخنا الذهبي (٨): من توفي في هذه السنة مرتبين على الحروف: سعد (٩) بن عبادة الأنصاري الخزرجي: وهو أحد أقوال المؤرخين وقد تقدم. سعد (١٠) بن عُبَيْد بن النُّعمان أبو زيد الأنصاري الأوْسمي: قُتل بالقادسية، ويقال إنه أبو زيد القارئ أحد الأربعة الذين جَمَعوا القرآنَ على عهد رسول الله ﷺ . وأنكر آخرون ذلك، ويقال إنه والد عُمَيْر بن سَعْد

стр. 3312

الزاهد أمير حمص. وذكر محمد بن سعد وفاته بالقادسية وقال (١): كانت في سنة ست عشرة والله أعلم. سهيل بن عمرو (٢) بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن حِسْل بن عامر بن لُؤَيّ أبو يزيد العامري: أحد خطباء قريش وأشرافهم، أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه وكان سمحًا جوادًا فصيحًا كثيرَ الصلاة والصوم والصدقة وقراءة القرآن والبكاء. ويقال إنه قام وصام حتى شحب لونه. وله سعيٌ مشكورٌ في صلح الحُدَيبية. ولما مات رسول الله ﷺ خطب الناسَ بمكة خطبة عظيمة تُثبّتُ الناسَ على الإسلام، وكانت خطبته بمكة قريبًا من خطبة الصدّيق بالمدينة، ثم خرج في جماعةٍ إلى الشام مجاهدًا فحضر اليرموكَ وكان أميرًا على بعض الكراديس، ويقال إنه استشهد يومئذ. وقال الواقديّ والشافعي: توفي بطاعون عَمَواس. عامر (٣) بن مالك بن أُهيب الزُّهري أخو سَعْد بن أبي وقَّاص، هاجر إلى الحبشة، وهو الذي قدم بكتاب عمر إلى أبي عبيدة بولايته على الشام وعزل خالد عنها، استشهد يوم اليرموك. عبد الله (٤) بن سُفيان بن عبد الأسَدَ المَخْزومي، صحابي هاجر إلى الحبشة مع عمه أبي سلمة بن عبد الأسد. روى عنه عمرو بن دينار منقطعًا لأنه قتل يوم اليرموك. (عبد الرحمن (٥) بن العوام، أخو الزبير بن العوام، حضر بدرًا مشركًا ثم أسلم واستشهد يوم اليرموك في قول). عُتْبة بن غَزْوان توفي فيها في قول (٦). عكرمة بن أبي جهل استشهد باليرموك في قول (٧). عمرو بن أم مكتوم استشهد يوم القادسية وقد تقدم (٨). ويقال بل رجع إلى المدينة. عمرو بن الطفيل (٩) بن عمرو تقدم.

стр. 3313

عيَّاش (١) بن أبي ربيعة تقدم. فراس (٢) بن النضر بن الحارث يقال استشهد يوم اليرموك. قيس (٣) بن عدي (بن سهم) من مهاجرة الحبشة) قُتل باليرموك. قيس (٤) بن أبي صعصعة عمرو بن زيد بن عوف الأنصاري المازني: شهد العقبة وبدرًا، وكان أحد أمراء الكراديس يوم اليرموك، وقتل يومئذ، وله حديث قال: قلت يا رسول الله في كم أقرأ القرآن؟ قال: "في خمس عشرة … " الحديث (٥)، قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي (٦): ففيه دليل على أنه ممن جمع القرآن في عهد رسول الله ﷺ . نُضَيْر (٧) بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي القرشي العبدري، أسلم عام الفتح، وكان من علماء قريش، وأعطاه رسول الله ﷺ يوم حنين مئة من الإبل، فتوقف في أخذها وقال: لا أرتشي على الإسلام، ثم قال: واللّه ما طلبتها (٨) ولا سألتها، وهي عطية من رسول اللّه ﷺ ، فأخذها وحسن إسلامه، واسثشهد يوم اليرموك. نوفل (٩) بن الحارث بن عبد المطلب (ابن عم رسول اللّه ﷺ ، كان أسن من أسلم من بني عبد المطلب) وكان ممن أسر يوم بدر ففاداه العباسُ، ويُقال إنه هاجر أيام (١٠) الخندق وشهد الحديبية والفتح، وأعان رسول الله ﷺ يوم حنين بثلاثة آلاف رمح، وثبت يومئذ وتوفي سنة خمس عشرة، وقيل سنة عشرين والله أعلم، توفي بالمدينة وصلَّى عليه عمر ومشى في جنازته ودُفن بالبقيع وخلف عدة أولاد فضلاء وأكابر.

стр. 3314

هشام بن العاص أخو عمرو بن العاص تقدم (١) وقال ابن سعد (٢): قتل يوم اليرموك. ثم دخلت سنة ست عشرة استُهِلَّتْ هذه السنة وسعدُ بن أبي وقاص منازل مدينة بَهُرَسِير، وهي إحدى مدينتي كسرى مما يلي دجلةَ من الغرب وكان قدومُ سعدٍ إليها في ذي الحجة من سنة خمس عشرة، واستُهلت هذه السنة وهو نازل عندها. وقد بعثَ السرايا والخيول في كل وجهٍ، فلم يجدوا واحدًا من الجند، بل جمعوا من الفلاحين مئة ألفٍ فحبسوا حتى كتب إلى عمر ما يفعل بهم، فكتب إليه عمر: إنَّ منْ كان من الفلاحين لم يعنْ عليكم وهو مقيمٌ ببلده فهو أمانة، ومنْ هرب فأدركتموه فشأنكم به. فأطلقهم سعد بعد ما دعاهم إلى الإسلام فأبوا إلا الجزية. ولم يبقَ من غربي دجلة إلى أرض العرب (٣) أحد من الفلاحين إلا تحت الجزية والخراج، وامتنعت بَهُرَسير من سعد أشدَّ الامتناع، وقد بعث إليهم سعد سلمان الفارسي فدعاهم إلى الله أو الجزية أو المقاتلة، فأبوا إلا المقاتلةَ والعصيان، ونصبوا المجانيق والدبّابات، وأمر سعد بعمل المجانيق فعُملت عشرون منجنيقًا، ونصبت على بَهُرَسير، واشتدَّ الحصار، وكان أهل (٤) بَهُرسير يخرجون فيقاتلون قتالًا شديدًا ويحلفون أن لا يفروا (٥) أبدًا، فأكذبهم الله وهزمهم (٦) زُهْرة بن حَويَّة بعد ما أصابه سهم وقَتَل بعد مصابه كثيرا (٧) من الفرس، وفرُّوا بين يديه ولجؤوا إلى بلدهم، فكانوا (٨) يحاصرون فيه أشدَّ الحصار، وقد انحصر أهل البلد حتى أكلوا الكلابَ والسنانير، وقد أشرف رجل منهم على المسلمين فقال: يقول لكم الملك: هل لكم إلى المصالحة على أنَّ لنا ما يلينا من دجلة إلى (جبلنا، ولكم ما يليكم من دجلة إلى) جبلكم؟ أما شبعتم؟ لا أشبع الله بطونَكُم. قال: فبدر الناس رجل يُقال له أبو مُفَزِّر (٩) الأسود بن قُطْبة فأنطقه الله بكلامٍ لم يَدْرِ ما قال لهم، قال: فرجع الرجل

стр. 3315

ورأيناهم يقطعون من بَهُرَسير إلى المدائن. فقال الناس لأبي مُفَرِّز: ما قلت لهم؟ فقال: والذي بعث محمدًا بالحق ما أدري ما قلتُ لهم إلا أن عليَّ سكينة وأنا أرجو أن أكون قد أنطقْتُ بالذي هو خير، وجعل الناس ينتابونه يسألونه عن ذلك، وكان فيمن سأله سعد بن أبي وقاص، وجاءه سعد إلى منزله فقال: يا أبا مُفَزِّرٍ ما قلتَ؟ فواللّه إنهم هُرَّابٌ. فحلفَ له أنَّه لا يدري ما قال. فنادى سعد في الناس ونهد بهم إلى البلد والمجانيق تضرب في البلد، فنادى رجل من البلد بالأمان فأمنّاه، فقال والله ما بالبلد أحد، فتسور الناس السورَ فما وجدنا فيها أحدًا إلا قد هربوا إلى المدائن. وذلك في شهر صفر من هذه السنة فسألنا ذلك الرجل وأناسًا من الأسارى فيها لأي شيء هربوا؟ قالوا بعثَ الملك إليكم يعرض عليكم الصلح فأجابه ذلك الرجل بأنه لا يكون بينكم وبينه صلحٌ أبدًا حتى نأكلَ عسل أفريذين بأترج كوثى. فقال الملك: يا ويلاه! إنَّ الملائكةَ لتتكلمُ على ألسنتهم، تردُّ علينا وتُجيبنا عن العرب. ثم أمر الناسَ بالرحيل من هناك إلى المدائن، فجازوا في السفن منها إليها وبينهما دجلة، وهي قريبة منها جدًّا ولما دخل المسلمون بَهُرسير لاح لهم القصر الأبيض من المدائن وهو قصر الملك الذي ذكره رسول الله ﷺ أنه سيفتحه اللّهُ على أمّتهِ، وذلك قريب الصباح، فكان أول من رآه من المسلمين ضرار بن الخَطاب، فقال: الله أكبر أبيضُ كِسْرى، هذا ما وعدنا الله ورسوله. ونظر الناس إليه فتتابعوا التكبير إلى الصبح. ذكر فتح المدائن [التي هي مستقرّ ملك كسرى] لمّا فتحَ سعدٌ بَهُرَسِير واستقرَّ بها، وذلك في صفة لم يجد فيها أحدًا ولا شيئًا مما يغنم، بل قد تحوَّلوا بكمالهم إلى المدائن، وركبوا السفن (وضمّوا السفنَ إليهم، ولم يجد سعدٌ ﵁ شيئًا من السفن)، وتعذَّرَ عليه تحصيلُ شيء منها بالكُلِّية، وقد زادت دجلةُ زيادةً عظيمةً واسودّ ماؤها، ورمت بالزَّبد من كثرة الماء بها، وأخبر سعدٌ بأنّ كسرى يَزْدَجرد عازمٌ على أخذ الأموال والأمتعة من المدائن إلى حلوان، وأنك إن لم تدركه قبلَ ثلاث فات عليك، وتفارط الأمر. فخطبَ سعدٌ المسلمين على شاطئ دجلة، فحمدَ اللّهَ وأثنى عليه وقال: إن عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر، فلا تخلصون إليهم معه، وهم يخلصون إليكم إذا شاؤوا (١) فَيُناوشونكم في سفنهم، وليس وراءكم شيء تخافون أن تُؤْتوا منه، وقد رأيتُ أن تبادروا جهادَ العدو بنيّاتكم قبل أن تحصركم (٢) الدنيا، ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم، فقالوا جميعًا: عزم الله لنا ولك على الرشد فافعل. فعند (ذلك ندب سعد الناس إلى العبور ويقول: من يبدأ فيحمي لنا الفراض - يعني ثغرة) المخاضة من الناحية الأخرى - ليجوز الناس إليهم آمنين، فانتدب عاصم بن عمرو وذو البأس من الناس قريب من ستمئة، فأمّر سعد عليهم عاصم بن عمرو ووقفوا على حافة دجلة فقال عاصم: من ينتدب (معي) لنكون قبل الناس دخولًا في هذا البحر،

стр. 3316

فنحمي الفراض من الجانب الآخر.؟ فانتدب له ستون من الشجعان المذكورين - والأعاجم وقوف (١) صفوفًا من الجانب الآخر - فتقدم رجل من المسلمين وقد أحجم الناس عن الخوض في دجلة، فقال: أتخافون من هذه النطفة؟ ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: ١٤٥] ثم أقحم فرسه فيها واقتحم الناس، وقد افترق الستون فرقتين: أصحاب الخيل الذكور، وأصحاب الخيل الإناث. فلما رآهم الفُرْس يطفون على وجه الماء قالوا: ديوانا ديوانا، يقولون: مجانين (مجانين). ثم قالوا: والله ما تقاتلون إنسًا بل تقاتلون جنًا. ثم أرسلوا فرسانًا منهم في الماء يلتقون أول المسلمين ليمنعوهم من الخروج من الماء، فأمر عاصم بن عمرو أصحابه أن يشرعوا لهم الرماحَ ويتَوَخَّوا الأعين، ففعلوا ذلك بالفُرس فقلعوا عيونَ خيولهم، فرجعوا أمام المسلمين لا يملكون كفَّ خيولهم حتى خرجوا من الماء، واتَّبعهم عاصمٌ وأصحابُه فساقُوا وراءهم حتى طَرَدُوهم عن الجانب الآخر، ووقفوا على حافة الدجلة من الجانب الآخر. ونزل بقيةُ أصحاب عاصم من (الستمئة) في دجلة (فخاضوها) حتى وصلوا إلى أصحابهم من الجانب الآخر فقاتلوا مع أصحابهم حتى نَفَوْا الفرس عن ذلك الجانب، وكانوا يُسمُّون الكتيبةَ الأولى كتيبةَ الأهوال، وأميرها عاصم بن عمرو، والكتيبة الثانية الكتيبة الخرساء، وأميرها القعقاع بن عمرو. وهذا كلُّه وسعدٌ والمسلمون ينظرون إلى ما يصنع (٢) هؤلاء الفرسان بالفرس، وسعد واقع على شاطئ (٣) دجلة. ثم نزل سعدٌ ببقية الجيش، وذلك حينَ نظروا إلى الجانب الآخر قد تحصَّنَ بمَنْ حصلَ فيه من الفرسان المسلمين، وقد أمر سعدٌ المسلمين عند دخول الماء أن يقولوا: نستعينُ بالله ونتوكَّلُ عليه، حسبُنا اللّهُ ونعمَ الوكيل، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله العلي العظيم. ثم اقتحم بفرسه دجلةَ واقتحمَ الناس لم يتخلَّفْ عنه أحدٌ، فساروا فيها كأنّما يسيرون على وجه الأرض حتى ملؤوا ما بين الجانبين، فلا يرى وجه الماء من الفرسان والرجالة، وجعل الناس يتحدّثون على وجه الماء كما يتحدثون على وجه الأرض، وذلك لما حصل لهم من الطمأنينة والأمن، والوثوق بأمر الله ووعده ونصره وتأييده، ولأنَّ أميرهم سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وقد توفي رسول الله ﷺ وهو عنه راضٍ. ودعا له. فقال:" اللهم أجبْ دعوتَه، وسَدِّدْ رميتَهُ" (٤) والمقطوع به أن سعدًا دعا لجيشه هذا في هذا اليوم بالسلامة والنصر، وقد رمى بهم في هذا اليَمّ فسدَّدَهُم الله وسلمهم، فلم يُفْقَدْ من المسلمين

стр. 3317

رجلٌ واحدٌ غير أنَّ رجلًا (واحدًا) يقال له غَرْقَدَة (١) البارقي. زلّ عن فرس له شقراء، فأخذ القعقاعُ بن عمرو بلجامها، وأخذ بيد الرجل حتى عدَّله على فرسه، وكان من الشجعان، فقال: عجزَ النساءُ أن يلدنَ مثل القعقاع بن عمرو. ولم يعدم للمسلمين شيء من أمتعتهم غير قدح من خشبٍ لرجل يُقال له مالك بن عامر، كانت علاقته رثَّة فأخذه الموج، فدعا صاحبُه اللّهَ ، وقال: اللهم لا تجعلني من بينهم يذهب متاعي، فردَّه الموج إلى الجانب الذي يقصدونه، فأخذه الناس، ثم ردُّوه على صاحبه بعينه. وكان الفَرَسُ إذا أعيا، وهو في الماء، يُقيِّضُ الله له مثل النشز المرتفع فيقف عليه فيستريحٍ، وحتى إنَّ بعضَ الخيل ليسير وما يصلُ الماءُ إلى حزامها، وكان يومًا عظيمًا وأمرًا هائلًا، وخطبًا جليلا، وخارقًا باهرًا، ومعجزةً لرسول الله ﷺ ، خلقها الله لأصحابه لم يُرَ مثلها في تلك البلاد، ولا في بقعة من البقاع، سوى قضية العلاء بن الحضرمي المتقدمة، بل هذا أجلُّ وأعظمُ، فإن هذا الجيش كان (٢) أضعافَ ذلك. قالوا: وكان الذي يساير سعد بن أبي وقاص في الماء سلمان الفارسي، فجعلَ سعدٌ يقول: حَسْبُنا اللّهُ ونعمَ الوكيلُ. واللّه لينصرنَّ الله وليَّه وليظهرنَّ اللّهُ دينَه، وليهزمنَّ اللّهُ عدوَّه، إن لم يكن في الجيش بغيٌ أو ذنوبٌ تغلب الحسنات. فقال له سلمان: إنَّ الإسلام جديد. ذُلِّلَتْ لهم واللّه البحورُ كما ذُلِّل (لهم) البر، أما والذي نفسُ سلمانَ بيده ليخرِجنَّ منه أفواجًا كما دخلوا أفواجًا. فخرجوا منه كما قال سلمان لم يغرق منهم أحدٌ، ولم يفقدوا شيئًا. ولما استقلَّ المسلمون على وجه الأرض خرجت الخيول تنفض أعرافها صاهلةً، فساقوا وراء الأعاجم حتى دخلوا المدائنَ، فلم يجدوا بها أحدًا، بل قد أخذ كسرى أهله، وما قدروا عليه من الأموال والأمتعة والحواصل، وتركوا ما عجزوا عنه من الأنعام والثّياب والمتاع، والآنية والألطاف والأدْهان ما لا يدرى قيمتُه. وكان في خزانة كسرى ثلاثة آلاف ألف ألف ألف دينار ثلاث مرات فأخذوا من ذلك ما قدروا عليه، وتركوا ما عجزوا عنه، وهو مقدار النصف من ذلك أو ما يقاربه. فكان أول من دخل المدائن كتيبة الأهوال ثم الكتيبة الخرساء، فأخذوا في سككها (٣) لا يلقون أحدًا ولا يخشونه غير القصر الأبيض ففيه مقاتلةٌ وهو محصَّنٌ. فلما جاء سعد بالجيش دعا أهل القصر الأبيض ثلاثة أيام على لسان سلمان الفارسي، فلما كانَ اليوم الثالث نزلوا منه وسكنه سعد، واتّخذ الإيوان مُصلَّىً، وحين دخله تلا قوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٨] ثم تقدَّم إلى صدره فصلَّى ثمان ركعات صلاةَ الفَتْحِ.

стр. 3318

وذكر سيف في روايته أنه صلاها بتسليمةٍ واحدة وأنه جمَّعَ بالإيوان في صفر (١) من هذه السنة، فكانت أولَ جمعةٍ جمِّعت بالعراق، وذلك لأنَّ سعدًا نوى الإقامة بها، وبعثَ إلى العيالات فأنزلهم دور (٢) المدائن واستوطنوها، حتى فتحوا جلولاء وتكريت والموصل، ثم تحوّلوا إلى الكوفة بعد ذلك كما سنذكره. ثم أرسل السرايا في إثر كسرى يَزْدَجِرْدَ فلحق بهم (٣) طائفة فقتلوهم وشَرَّدوهم واستَلَبُوا منهم أموالًا عظيمة. وأكثر ما استرجعوا من ملابس كسرى وتاجه وحليه. وشرعَ سعدٌ في تحصيل ما هنالك من الأموال والحواصل والتحف، مما لا يقوَّم ولا يُحدُّ ولا يوصف كثرةً وعظمةً. وقد روينا أنه كان هناك (٤) تماثيل من جصٍّ فنظر سعد إلى أحدها وإذا هو يشير بأصبعه إلى مكان، فقال سعد: إن هذا لم يوضع هكذا سدى، فأخذوا ما يسامت (٥) أصبعه فوجدوا قبالتها كنزًا عظيمًا من كنوز الأكاسرة الأوائل، فأخرجوا منه أموالًا عظيمة جزيلة، وحواصل باهرة، وتحفًا فاخرة. واستحوذ المسلمون على ما هنالك أجمع مما لم يَرَ أحدٌ في الدنيا أعجب منه. وكان في جملة ذلك تاج كسرى وهو مُكفَلٌ بالجواهر النفيسة التي تُحيِّر الأبصار، ومنطقته كذلك وسيفه وسواره وقباؤه وبساط إيوانه، وكان مربعًا ستون ذراعًا في مثلها، من كل جانب، والبساط مثله سواء، وهو منسوج بالذهب واللآلئ والجواهر الثمينة، وفيه مصور جميع ممالك كسرى، بلاده بأنهارها وقلاعها، وأقاليمها، وكنوزها، وصفة الزروع والأشجار التي في بلاده. فكان إذا جلس على كرسى مملكته ودخل تحت تاجه، وتاجُه معلَّقٌ بسلاسل الذهب، لأنه كان لا يستطيع أن يقلَّه (٦) (على رأسه) لثقله، بل كان يجيء فيجلسُ تحته ثم يُدخل رأسه تحت التاج والسلاسل الذهب تحمله عنه، وهو يستره حال لبسه فإذا رفع الحجاب عنه خرَّتْ له الأمراء سجودًا. وعليه المنطقةُ والسواران والسيفُ والقباءُ المُرَضَعُ بالجواهر فينظر في البلدان واحدة واحدة، فيسأل عنها ومن فيها من النواب، وهل حدث فيها شيء من الأحداث؟ فيخبره بذلك ولاة الأمور بين يديه. ثم ينتقل إلى الأخرى، وهكذا حتى يسأل عن أحوال بلاده في كل وقت، لا يهمل أمر المملكة، وقد وضعوا هذا البساط بين يديه تذكارًا له بشأن الممالك، وهو إصلاحٌ جيدٌ منهم في أمر السياسة. فلمّا جاءَ قَدَرُ الله زالت تلك الأيدي عن تلك الممالك (والأراضي) وتسلمها المسلمون من أيديهم قسرًا، وكسروا شوكتَهم عنها وأخذوها بأمر الله صافية (ضافية)، وللّه الحمد والمنة.

стр. 3319

وقد جعل سعد بن أبي وفاص على الأقباض (١) عمرو بن عمرو (٢) بن مُقرِّن فكان أول ما حصل ما كان في القصر الأبيض ومنازل كسرى، وسائر دور المدائن، وما كان بالإيوان مما ذكرنا، وما يفد من السرايا الذين في صحبة زُهْرة بن حَوية، وكان فيما رَدّ زُهْرة بغلٌ كان قد أدركه وغصبه من الفرس، وكانت تحوطه بالسيوف فاستنقذه منهم، وقال: إنَّ لهذا لشأنًا فردّه إلى الأقباض هاذا عليه سفطان فيهما ثياب كسرى وحليه، ولبسه الذي كان يلبسه على السرير كما ذكرنا، وبغل آخر عليه تاجه الذي ذكرنا في سفطين أيضًا رُدَّا (٣) من الطريق مما استلبه أصحابُ السرايا، وكان فيما رَدَّتِ السرايا أموالٌ عظيمةٌ وفيها أكثر أثاث كسرى وأمتعته والأشياء النفيسة التي استصحبوها معهم، فلحقهم المسلمون فاستلبوها منهم. ولم تقدر الفَرَس على حمل البساط لثقله عليهم، ولا حمل الأموال لكثرتها. فإنه كان المسلمون يجيئون بعض تلك الدور فيجدون البيت ملآن (٤) إلى أعلاه من أواني الذهب والفضة، ويجدون من الكافور شيئًا كثيرًا، فيحسبونه ملحًا، وربما استعمله بعضهم في العجين فوجدوه مُرًّا حتى تبيَّنوا (٥) أمره فتحصل الفيء على أمر عظيم من الأموال، وشرع سعد فخمَّسه وأمر سلمان الفارسي فقسم أربعه (٦) الأخماس بين الغانمين، فحصل لكلّ واحد من الفرسان اثني عشر ألفًا، وكانوا كلهم فرسانًا، ومع بعضهم جنائب، واستوهب سعد أربعة أخماس البساط ولبس كسرى من المسلمين، ليبعثه إلى عمر والمسلمين بالمدينة لينظروا إليه ويتعجَّبوا منه، فطيبوا له ذلك وأذنوا فيه، فبعثه سعد إلى عمر مع الخُمس مع بشير بن الخصاصية، وكان الذي بشَّر بالفتح قبله خنيس (٧) بن فلان الأسدي، فروينا أن عمر لما نظر إلى ذلك قال إنَّ قومًا أدَّوْا هذا لأمناءُ، فقال له علي بن أبي طالب: إنك عَفَفْتَ فَعَفَّتْ رَعيتُكَ، ولو رَتَعْتَ لرَتَعتْ. ثم قسم عمر ذلك في المسلمين فأصاب عليًّا (٨) قطعة من البساط فباعها بعشرين ألفًا. وقد ذكر سيفُ بن عمر (٩) أنَّ عمر بن الخطاب ألبسَ ثياب كسرى لخشبة ونصبها أمامه ليرى الناس ما في هذه الزينة من العجب، وما عليها من زهرة الحياة الدنيا الفانية. وقد روينا أنَّ عمرَ ألبس ثياب كسرى لسُراقة بن مالك بن جُعْشُم أمير بني مُدْلج ﵁.

стр. 3320

قال الحافظ أبو بكر البيهقي في "دلائل النبوة" (١): أخبرنا عبد الله بن يوسف الأصبهاني، أخبرنا أبو سعيد بن الأعرابي، قال: وجدت في كتابي بخطّ يدي عن أبي داود، حدَّثنا محمد بن عُبيد، حدَّثنا حمّاد، حدَّثنا يونس، عن الحسن: أن عمر بن الخطاب أُتي بفروةِ كسرى فوُضعت بين يديه وفي القوم سُراقة بن مالك بن جُعْشُم، قال فألقى إليه سِوَاري كسرى بن هرمز فجعلهما في يده فبلغا منكبيه، فلما رآهما في يدي سُراقة قال: الحمدُ للّه: سواري [كسرى] (٢) بن هرمز في يدي سُراقة بن مالك بن جُعْشُم أعرابي من بني مُدْلج. وذكر الحديث. هكذا ساقه البيهقي. ثم حكى عن الشافعي أنه قال: وإنما ألبسهما سُراقة لأنَّ رسول الله ﷺ قال لسُراقة ونظر إلى ذراعيه: "كأني بك وقد أُلبست سواري كسرى" (قال الشافعي: وقد قال عمر لسراقة حين ألبسه سواري كسرى): قل: الله أكبر. فقال: الله أكبر. ثم قال: قل الحمدُ للّه الذي سلبهما كسرى بن هرمز وألبسهما سراقة بن مالك أعرابي من بني مدلج. وقال الهيثم بن عدي (٣): أخبرنا أسامة بن زيد اللّيثي، حدَّثنا القاسم بن محمد بن أبي بكر. قال: بعث سعد بن أبي وقاص أيام القادسية إلى عمر بقباء كسرى وسيفه ومنطقته وسواريه وسراويله وقميصه وتاجه وخُفيه، قال فنظر عمر في وجوه القوم. وكان أجسمهم وأبدنهم قامة سراقة بن مالك بن جُعْشُم فقال يا سراق: قم فالبس، قال سراقة: فطمعت فيه فقمت فلبست فقال [له]: أدبر فأدبرت، ثم قال أقبل فأقبلت، ثم قال بخٍ بخٍ. أُعيرابيٌّ من بني مُدْلج عليه قَباء كسرى وسراويله وسيفه ومنطقته وتاجه وخفاه. رُبَّ يومٍ يا سُراق بن مالك، لو كان عليك فيه هذا من متاع كسرى وآل كسرى، كان شرفًا لك ولقومك، انزع. فنزعت. فقال: اللهم إنَّكَ منعتَ هذا رسولك ونبيك، وكان أحبّ إليك مني (وأكرم عليك مني). ومنعته أبا بكر وكان أحبَّ إليك مني، وأكرم عليك مني، وأعطيتنيه فأعوذ بك أن تكون أعطيتنيه لتمكر بي. ثم بكى حتى رحمه من كان عنده. ثم قال لعبد الرحمن بن عوف: أقسمت عليك لما بعته ثم قسمته قبل أن تمسي. وذكر سيف بن عمر التميمي (٤): أن عمر حينَ ملك تلك الملابس والجواهر جيء (٥) بسيف كسرى ومعه عدةُ سيوف منها سيفُ النعمان بن المنذر نائب كسرى على الحيرة، وأن عمر قال: الحمدُ الله

стр. 3321

الذي جعلَ سيفَ كسرى فيما يضره ولا ينفعه. ثم قال: إن قومًا أدَّوْا هذا لأُمَناءُ، أو لذووا أمانة. ثم قال: إنَّ كسرى لم يزدْ على أن تشاغلَ بما أوتي عن آخرته فجمع لزوج امرأته، أو زوج ابنته، ولم يقدّم لنفسه، ولو قدَّم لنفسه ووضع الفضول في مواضعها لحصلَ له. وقد قال بعض المسلمين وهو أبو نجيد (١) نافع بن الأسود (في ذلك) (٢): [من الخفيف] وأَسَلْنا (٣) على المدائن (٤) خيلًا … بحرُها مثلُ بَرِّهنّ أريضا فانتثلنا (٥) خزائن المرءِ كسرى … يوم ولّوا وحاصَ منا جريضا وقعة جلولاء (٦) لما سار كسرى وهو يَزْدَجِرْد بن شهريار من المدائن هاربًا إلى حلوان شرعَ في أثناء الطريق في جمع رجال وأعوان وجنود، من البلدان التي هناك، فاجتمع إليه خلقٌ كثير، وجم غفير من الفرس وأمَّرَ على الجميع مهران، وسار كسرى إلى حلوان (٧) فاقام (٨) الجمع الذي جمعه بينه وبين المسلمين في جلولاء، واحتفروا خندقًا عظيمًا حولها، وأقاموا بها في العَدد والعُدد (٩) وآلات الحصار، فكتب سعد إلى عمر يخبره بذلك. فكتب إليه عمر أن يقيم هو بالمدائن ويبعث ابن أخيه هاشم بن عتبة (أميرًا على الجيش الذي يبعثه إلى كسرى، ويكون على المقدمة القعقاع) بن عمرو، وعلى الميمنة سعد بن مالك وعلى الميسرة أخوه عمر بن مالك، وعلى الساقة عمرو بن مرة الجُهني. ففعل سعد ذلك وبعث مع ابن أخيه جيشًا كثيفًا يقارب اثني عشر ألفًا. من سادات المسلمين ووجوه المهاجرين والأنصار، ورؤوس العرب. وذلك في صفر من هذه السنة بعد فراغهم من أمر المدائن، فساروا حتى انتهوا إلى المجوس وهم بجلولاء قد خندقوا عليهم، فحاصرهم هاشم بن عتبة، وكانوا يخرجون من بلدهم للقتال في كل وقت فيقاتلون قتالًا لم يُسمع بمثله. وجعل كسرى يبعث إليهم الأمداد، وكذلك سعد يبعث المددَ إلى ابن أخيه، مرةً بعد أخرى، وحمي القتالُ، واشتد النزالُ، واضطرمت نار الحرب، وقام في الناس هاشمٌ فخطبهم غيرَ

стр. 3322

مرةٍ، فحرَّضهم على القتال والتوكل على الله. وقد تعاقدت الفرس وتعاهدت، وحلفوا بالنار أن لا يفرّوا أبدًا حتى يفنوا العرب. فلما كان الموقف الأخير، وهو يوم الفيصل والفرقان، تواقفوا من أول النهار، فاقتتلوا قتالًا شديدًا لم يُعْهدْ مثله حتى فني النُّشَّابُ من الطَّرفين، وتَقَصَّفَت الرماحُ من هؤلاء ومن هؤلاء، وصاروا إلى السيوف والطبرزينات (١)، وحانت صلاةُ الظهر فصلَّى المسلمون إيماء، وذهبت فرقة المجوس وجاءت مكانها أخرى، فقام القعقاع بن عمرو في المسلمين فقال: أهالكم ما رأيتم أيها المسلمون؟ قالوا: نعم إنا كالّون (٢) وهم مريحون، فقال: بل إنا حاملون عليهم ومُجدُّون في طلبهم، حتى يحكم الله بيننا، فاحملوا عليهم حملةً رجل واحدٍ حتى نخالطهم، فحمل وحمل الناس، فأما القعقاع فإنه صمَّم الحملة في جماعة من الفرسان والأبطال والشجعان، حتى انتهى إلى باب الخندق، وأقبل الليل بظلامه، وجالت بقية الأبطال بمنْ معهم في الناس وجعلوا يأخذون في التحاجز من أجل إقبال الليل وفي الأبطال (٣) يومئذ طُلَيْحة الأسَدي، وعمرو بن معديكرب الزبيدي، وقَيْس بن مَكْشوح، وحجر بن عدي. ولم يعلموا بما صنعه القعقاع في ظلمة الليل، ولم يشعروا بذلك، لولا مناديه ينادي: أين أيها المسلمون (٤) هذا أميركم على باب خندقهم. فلما سمع ذلك المجوس فرّوا وحمل المسلمون نحو القعقاع بن عمرو فإذا هو على باب الخندق قد ملكه عليهم، وهربت الفرس كل مَهْربٍ، وأخذهم المسلمون من كل وجه، وقعدوا لهم كل مرصد، فقتل منهم في ذلك الموقف مئة ألف حتى جللوا وجه الأرض بالقتلى، فلذلك سميت جلولاء. وغنموا من الأموال والسلاح والذهب والفضة قريبًا مما (٥) غنموا من المدائن قبلها. وبعث هاشم بن عتبة القعقاع بن عمرو في إثر من انهزمَ منهم وراء كسرى، فساق خلفهم حتى أدرك مِهْران منهزمًا، فقتله القعقاع بن عمرو، وأفلتهم الفيرزان فاستمرَّ منهزمًا، وأسر سبايا كثيرة بعث بها إلى هاشم بن عتبة، وغنموا دوابّ كثيرة جدًّا. ثم بعث هاشم بالغنائم والأموال إلى عمه سعد بن أبي وقاص فنفل سعد ذوي النجدة ثم أمر بقسم ذلك على الغانمين. قال الشعبي: كان المال المتحصّل من وقعة جلولاء ثلاثين ألف ألف. وكان خمسه ستة آلاف ألف وقال غيره: كان الذي أصاب كل فارس يوم جلولاء نظير ما حصل له يوم المدائن - يعني اثني عشر ألفًا لكل فارس - وقيل أصاب كل فارس تسعة آلاف وتسع (٦) دواب. وكان الذي ولى قسم ذلك بين المسلمين

стр. 3323

وتحصيله، سلمان الفارسي ﵁. ثم بعث سعد بالأخماس من المال والرقيق والدواب مع زياد بن أبي سفيان، وقضاعي بن عمرو، وأبي مفزر (١) الأسود. فلما قدموا على عمر (سأل عمر) زياد بن أبي سفيان عن كيفية الوقعة فذكرها له، وكان زياد فصيحًا، فأعجب إيراده لها عمر بن الخطاب ﵁، وأحبَّ أن يسمعَ المسلمون منه ذلك، فقال له: أتستطيع أن تخطب الناس بما أخبرتني به؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، إنه ليس أحد على وجه الأرض أهيب عندي منك، فكيف لا أقوى على هذا مع غيرك؟ فقام في الناس فقصَّ عليهم (خبر) الوقعة، وكم قتلوا، وكم غنموا، بعبارة عظيمة بليغة فقال عمر: إن هذا لهو الخطيب المِصْقَع (٢) - يعني الفصيح! فقال زياد: إن جندنا أطلقوا بالفَعال لساننا. ثم حلف عمر بن الخطاب أن لا يجنّ هذا المال الذي جاؤوا به سقف حتى يقسمه، فبات عبد الله بن أرقم وعبد الرحمن بن عوف يحرسانه في المسجد، فلما أصبح جاء عمر في الناس، بعد ما صلى الغداةَ وطلعتِ الشمس، (فأمر) فكشف عنه جلابيبه، فلما نظر إلى ياقوته وزبرجده وذهبه الأصفر وفضته البيضاء، بكى عمر، فقال له عبد الرحمن: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فوالله إن هذا لموطن شكر، فقال عمر: والله ما ذاك يبكيني، وتاللّه ما أعطى الله قومًا (إلا تحاسدوا وتباغضوا، ولا تحاسدوا) إلا ألقى بأسهم بينهم، ثم قسمه كما قسم أموال القادسية. وروى سيف بن عمر (٣) عن شيوخه أنهم قالوا: وكان فتح جلولاء في ذي القعدة من سنة ست عشرة، وكان بينه وبين فتح المدائن تسعة أشهر. وقد تكلم ابن جرير هاهنا فيما رواه عن سيف على ما يتعلّق بأرض السواد وخراجها، وموضع تحرير ذلك كتاب "الأحكام". وقد قال هاشم بن عُتبة في يوم جلولاء (٤): [من الرجز] يومُ جَلولاءَ ويومُ رُسْتم (٥) … ويومُ زحفِ الكوفةِ المُقَدّمْ ويومُ عَرْضِ النَّهر (٦) المُحزَم … وأيامٌ خَلَتْ من بينهن صُرَّم (٧) شَيَّبْنَ أصداغي فهُنَّ هُرّمْ … مِثْلُ ثَغام (٨) البلدِ المُحرّمْ

стр. 3324

(وقال أبو نجيد (١) في ذلك) (٢): [من الطويل] وَيَوْم جَلولاءَ الوَقيعة أصْبحتْ … كتائبُنا تَرْدي بأسدٍ عَوابسِ فضضتُ (٣) جموعَ الفُرْسِ ثم أنَمتُهُمْ … فتبًّا لأجْسادِ المَجُوسِ النَّجائس وأفْلَتَهنَّ الفيرزانُ بجرْعةٍ … ومِهْرانَ أرْدَتْ يومَ حَزِّ القَوانس أقاموا بدارٍ لِلْمَنيَّةِ مَوْعدٍ … وللتَّرْبِ تَحْثوها خَجُوج (٤) الروامسِ (٥) ذكر فتح حلوان (٦) ولما انقضت الوقعة أقام هاشم بن عتبة بجلولاء عن أمر عمر بن الخطاب - في كتابه إلى سعد - وتقدم القعقاع بن عمرو إلى حلوان، عن أمر عمر أيضًا ليكون ردءًا للمسلمين هنالك، ومرابطًا لكسرى حيث هرب. فسار كما قدمنا، وأدرك أمير الوقعة وهو مِهْران الرازي، فقتله وهرب منه الفيرزان، فلما وصل إلى كسرى وأخبره بما كان من أمر جلولاء، وما جرى على الفرس بعده، وكيف قتل منهم مئة ألف، وأدرك مِهْران فقتل، هرب عند ذلك كسرى من حلوان إلى الري، واستناب على حلوان أميرًا يقال له خسروشُنُوم (٧)، (فتقدم إليه القعقاع بن عمرو، وبرز إليه خسروشنوم) إلى مكان خارج من حلوان، فاقتتلوا هنالك قتالًا شديدًا ثم فتحَ اللّهُ ونصرَ المسلمين وانهزمَ خسروشنوم، وساق القعقاع إلى حلوان فتسلمها (٨) ودخلها المسلمون فغنموا وسَبَوا، وأقاموا بها، وضربوا الجزيةَ على منْ حولها من الكُور والأقاليم، بعدما دعوا (٩) إلى الدخول في الإسلام فأبَوْا إلَّا الجزيةَ. فلم يزلِ القعقاعُ بها حتى تحوَّل سعد من المدائن إلى الكوفة، فسار إليها كما سنذكره إن شاء الله تعالى. فتح تكْريت (١٠) والموصِل لما افتتحَ سعدٌ المدائنَ بلغه أن أهلَ الموصل قد اجتمعوا بتكريت على رجل من الكفرة يقال له

стр. 3325

الأنطاق، فكتب إلى عمر بأمر جلولاء واجتماع الفرس بها، وبأمر أهل الموصل، فتقدم ما ذكرناه من كتاب عمر في أهل جلولاء، وما كان من أمرها. وكتب عمر في قضية أهل الموصل الذين قد اجتمعوا بتَكْريت على الأنطاق، أن يعيِّن جيشًا لحربهم، ويؤمّر عليه عبد الله بن المُعْتَم (١)، وأن يجعل على مقدمته ربعي بن الأفكل العنزي (٢)، وعلى الميمنة الحارث بن حسّان الذّهلي، وعلى الميسرة فرات بن حيان العِجْلي، وعلى السَّاقة هانئ بن قيس، وعلى الخيل عَرْفَجة بن هَرْثَمة. ففصل عبد الله بن المُعْتمّ في خمسة آلاف من المدائن! فسار في أربع حتى نزل بتكريت على الأنطاق، وقد اجتمع إليه جماعة من الروم، ومن الشهارجة، ومن نصارى العرب، ومن إياد وتغلب والنمر. وقد أحدقوا بتكريت، فحاصرهم عبد الله بن المعتمّ أربعين يومًا. وزاحفوا (٣) في هذه المدة أربعًا وعشرين مرة. ما من مرة إلا وينتصر عليهم ويفلّ جموعهم، فضَعُفَ جانبُهم، وعزمت الرومُ على الذهاب في السفن بأموالهم وراسل عبد الله بن المعتم إلى منْ هنالك من الأعراب، فدعاهم إلى الدخول معه في النصرة على أهل البلد، (فجاءت القصاد) إليه عنهم بالإجابة إلى ذلك، فأرسل إليهم: إن كنتم صادقين فيما قلتم فاشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأقِرُّوا بما جاء من عند الله. فرجعت القصاد إليه بأنهم قد أسلموا، فبعث (٤) إليهم: إن كنتُم صادقين فإذا كبّرنا وحملنا على البلد الليلةَ فأمسكوا علينا أبواب السفن، وامنعوهم أن يركبوا فيها، واقتلوا منهم منْ قدرتم على قتله. ثم شدّ عبد الله وأصحابه، وكبَّروا تكبيرة رجلٍ واحدٍ، وحملوا على البلد، فكبرت الأعراب من الناحية الأخرى، فحار أهل البلد، وأخذوا في الخروج من الأبواب التي تلي دجلة، فتلقتهم (٥) إياد والنمر وتغلب، فقتلوهم قتلًا ذريعًا، وجاء عبد الله بن المعتم بأصحابه من الأبواب الأخر فقتل جميعَ أهلِ البلد عن بكرة أبيهم، ولم يسلم إلا منْ أسلم من الأعراب من إياد وتغلب والنمر، وقد كان عمر عهد في كتابه (٦) إذا نُصروا على تكريت أن يبعثوا ربعي بن الأفكل إلى الحصنين وهي الموصل سريعًا، فسار إليها (كما أمر عمر، ومعه سرية كثيرة، وجماعة من الأبطال، فسار إليها) حتى فجئها قبل وصول الأخبار إليها، فما كان إلا أن واقفها حتى أجابوا إلى الصلح (٧) فضربت عليهم الذِّلَّة (٨) (عن يد) وهم صاغرون، ثم قسمت الأموال التي تحصلت من تكريت، فبلغ سهم الفارس

стр. 3326

ثلاثة آلاف، وسهم الراجل ألف درهم. وبعثوا بالأخماس مع فرات بن حيان، وبالفتح مع الحارث بن حسان، وولي إمرة حرب الموصل ربعي بن الأفكل، وولي الخراج بها عَرْفَجة بن هَرْثَمة. فتح ماسَبَذان (١) من أرض العراق لما رجع هاشم بن عتبة من جلولاء إلى عمر بالمدائن، بلغ سعدًا أن آذين بن الهرمزان قد جمع طائفة من الفرس، فكتب إلى عمر في ذلك، فكتب إليه أن ابعث جيشًا وأمر عليهم ضرار بن الخطّاب. فخرج ضرار في جيشٍ من المدائن، وعلى مقدمته ابن الهزيل (٢) الأسدي، فتقدم ابن الهزيل بين يدي الجيش، فالتقى مع آذين وأصحابه قبل وصول ضرار إليه، فكسر ابن الهزيل طائفة الفرس، وأسر آذين بن الهرمزان، وفرَّ عنه أصحابه، وأمر ابن الهزيل فضرب عنق آذين بين يديه، وساق وراء المنهزمين حتى انتهى إلى ماسَبَذان - وهي مدينة كبيرة - فأخذها عنوة، وهرب أهلها في رؤوس الجبال والشعاب، فدعاهم فاستجابوا له، وضرب على منْ لم يسلم الجزيةَ، وأقام نائبًا عليها حتى تحوّل سعد من المدائن إلى الكوفة كما سيأتي. فتح قَرْقِيسياء وهيت (٣) في هذه السنة قال ابن جرير (٤) وغيره: لما رجع هاشم من جلولاء إلى المدائن وكان أهل الجزيرة قد أمدوا هرقل على أهل حمص على قتال أبي عبيدة وخالد - لما كان هرقل بقنسرين - واجتمع أهل الجزيرة في مدينة هيت، كتب سعد إلى عمر في ذلك، فكتب إليه أن يبعث إليهم جيشًا، وأن يؤمِّر عليهم عمر بن مالك بن عتبة بن نوفل بن عبد مناف، فسار فيمن معه من المسلمين إلى هيت، فوجدهم قد خندقوا عليهم، فحاصرهم حينًا فلم يظفر بهم، فسار في طائفة من أصحابه، واستخلف على محاصرة هيت الحارث بن يزيد، فراح عمر بن مالك إلى قرقيسياء فأخذها عنوة، وأنابوا إلى بذل الجزية، وكتب إلى نائبه على هيت: إن لم يصالحوا أن يحفر من وراء خندقهم خندقًا، ويجعل له أبوابًا من ناحيته. فلما بلغهم ذلك أنابوا إلى المصالحة. قال شيخنا أبو عبد الله الحافظ الذهبي (٥): وفي هذه السنة بعث أبو عبيدة عمرو بن العاص بعد فراغه

стр. 3327

من اليرموك إلى قنسرين فصالح أهل حلب، ومنبج، وأنطاكية، على الجزية. وفتح سائر بلاد قنّسرين عنوة. قال: وفيها افتتحت سَروج والرُّها (١) على يدي عياض بن غنم. قال: وفيها فيما ذكر ابن الكلبي سار أبو عبيدة وعلى مقدمته خالد بن الوليد، فحاصر إيلياء فسألوا الصلح على أن يقدم عمر فيصالحهم على ذلك، فكتب أبو عبيدة إلى عمر، فقدم حتى صالحهم وأقام أيامًا ثم رجع إلى المدينة. قلت: قد تقدم هذا فيما قبلَ هذه السنة، واللّه أعلم. قال الواقدي: وفي هذه السنة حمى عمر الرَّبذة بخيل المسلمين. وفيها غرَّب عمر أبا محجن الثقفي إلى باضع (٢). وفيها تزوَّج عبد الله بن عمر صفية بنت أبي عُبيد. قلت: الذي قُتل يوم الجسر، وكان أمير السّرية، وهي أخت المختار بن أبي عُبيد أمير العراق فيما بعد، وكانت امرأةً صالحة، وكان أخوها فاجرًا وكافرًا أيضًا. قال الواقدي: وفيها حجَّ عمرُ بالناس، واستخلف على المدينة زيدَ بن ثابت. قال: وكان نائبه على مكة عتّاب، وعلى الشام أبو عبيدة، وعلى العراق سعد، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص، وعلى اليمن يعلى بن أمية، وعلى اليمامة والبحرين العلاء بن الحَضْرمي، وعلى عُمان حذيفة بن محصن، وعلى البصرة المغيرة بن شعبة، وعلى الموصل ربعي بن الأفكل، وعلى الجزيرة عِياض بن غَنْم الأشعري. [وضع عمر ﵁ التأريخ الهجري] قال الواقدي: وفي ربيع الأول من هذه السنة - أعني سنة ست عشرة - كتب عمر بن الخطاب التاريخ (٣)، وهو أول من كتبه. قلت: قد ذكرنا سببه في سيرة عمر، وذلك أنه رُفع إلى عمر صك مكتوبٌ لرجل على آخر بدَيْنٍ يحلّ عليه في شعبان، فقال: أي شعبان؟ أمن هذه السنة أم التي قبلها، أم التي بعدها؟ ثم جمع الناس فقال: ضعوا للناس شيئًا يعرفون فيه حلول ديونهم. فيقال إنهم أراد بعضهم

стр. 3328

أن يؤرخوا كما تؤرخ الفرس بملوكهم، كلما هلك ملك أرَّخوا من تاريخ ولاية الذي بعده، فكرهوا ذلك. ومنهم من قال: أرخوا بتاريخ الروم من زمان إسكندر فكرهوا ذلك، ولطوله أيضًا، وقال قائلون: أرِّخوا من مولد رسول الله ﷺ : وقال آخرون من مبعثه ﵇. وأشار علي بن أبي طالب وآخرون أن يؤرخ من هجرته من مكة إلى المدينة لظهوره لكلّ أحد فإنه أظهر من المولد والمبعث. فاستحسن ذلك عمر والصحابة، فأمر عمر أن يؤرخ من هجرة رسول الله ﷺ وأرخوا من أول تلك السنة من محرَّمها، وعند مالك ﵀ فيما حكاه السهيلي (١) وغيره أن أول السنة من ربيع الأول لقدومه ﵊ إلى المدينة. والجمهورُ على أنَّ أول السنة من المحرم، لأنه أضبطُ لئلا تختلف الشهور، فإنَّ المحرمَ أول السنة الهلالية العربية. وفي هذه السنة - أعني سنة ست عشرة - توفيت مارية أم إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، وذلك في المحرم منها فيما ذكره الواقدي وابن جرير (٢) وغير واحد، وصلَّى عليها عمر بن الخطاب، وكان يجمع الناس لشهود جنازتها، ودُفنت بالبقيع ﵂ وأرضاها، وهي مارية القبطية، أهداها صاحب إسكندرية - وهو جريج بن مينا - في جملة تحفٍ وهدايا لرسول الله ﷺ ، فقبل ذلك منه، وكان معها أختُها سيرين (٣) التي وهبها رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت، فولدت له ابنه عبد الرحمن بن حسان. ويقال أهدى المقوقس معهما جاريتين أُخْرَيين (٤)، فيُحتمل أنهما كانتا خادمتين لمارية وسيرين. وأهدى معهن غلامًا خَصِيًّا اسمه مأبور، وأهدى مع ذلك بغلةً شهباءَ اسمها الدُّلدُل، وأهدى حلةَ حرير من عمل الإسكندرية. وكان قدوم هذه الهدية في سنة ثمان. فحَملت مارية من رسول الله ﷺ بإبراهيم ﵇، فعاش عشرين شهرًا، ومات قبل أبيه رسول الله ﷺ (بسنة سواء. وقد حزن عليه رسول الله ﷺ ) وبكى عليه وقال: "تدمع العينُ، ويحزنُ القلبُ، ولا نقول إلا ما يُرْضي ربَّنا، وإنا بك يا إبراهيمُ لمحزونون" (٥). وقد تقدم ذلك في سنة عشر. وكانت مارية هذه من الصالحات الخيرات الحسان. وقد حظيت عند رسول الله ﷺ وأُعجب بها، وكانت جميلة ملَّاحة، أي: حلوة، وهي تشابه هاجر سرية الخليل، فإن كلًّا منهما من ديار مصر وتسرّاها نبيٌّ كريم، وخليل جليل، ﵉.

стр. 3329

ثم دخلت سنة سبع عشرة في المُحرم منها انتقل سعد بن أبي وقاص من المدائن إلى الكوفة، وذلك أنَّ الصحابةَ استوخموا (١) المدائن، وتَغيَّرتْ ألوانُهم، وضعفتْ أبدانُهم، لكثرةِ ذبابها وغبارها، فكتبَ سعد إلى عمر في ذلك، فكتب (عمر): إنَّ العربَ لا تصلحُ إلا حيثُ يوافق إبلَها. فبعث سعد حُذَيْفة وسلمان (بن زياد) يرتادان (٢) للمسلمين منزلًا مناسبًا يصلحُ لإقامتهم. فمرَّا على أرض الكوفة، وهي حصباء في رملة حمراء، فأعجبتهما ووجدا هنالك ديرات ثلاث (٣) دير حرقة بنت النعمان، ودير أم عمرو، ودير سلسلة، وبين ذلك خصاص (٤) خلال هذه الكوفة، فنزلا فصلَّيا هنالك، وقال كل واحد منهما: اللهم ربّ السماء وما أظَلَّتْ، وربّ الأرض وما أقلَّتْ، وربّ الريح وما ذَرَتْ، والنجوم وما هَوَتْ، والبحار وما جَرَتْ، والشياطين وما أضلَّتْ، والخصاص وما أجنَّتْ، باركْ لنا في هذه الكوفة واجعلها منزلَ ثباتٍ، ثم كتبا إلى سعد بالخبر. فأمر سعد باختطاط الكوفة، وسار إليها في أول هذه السنة في محرمها، فكان أول بنا (٥) وضع فيها المسجد. وأمر سعد رجلًا راميًا شديد الرمي، فرمى من المسجد إلى الأربع جهات فحيثُ سقطَ سهمُه بنى الناسُ منازلهم، وعَمَّر قصرًا تلقاء (٦) محراب المسجد للإمارة وبيت المال، فكان أول ما بنوا المنازل بالقصب، فاحترقت (٧) في أثناء السنة، فبنوها باللَّبِنِ عن أمر عمر، بشرط أن لا يسرفوا ولا يجاوزوا الحدَّ. وبعث سعد إلى الأمراء والقبائل فقدموا عليه، فأنزلهم الكوفةَ، وأمر سعد أبا هَيّاج (٨) الموكل بإنزال الناس فيها بأن يعمُروا ويدعوا للطريق المنهج وسع أربعين ذراعًا. ولما دون ذلك ثلاثين وعشرين ذراعًا، وللأزقَّة سبعة أذرع. وبُني لسعد قصر قريب من الشُوق، فكانت غوغاء الناس [تمنع] سعدًا من الحديث، فكان يغلق بابه ويقول: سكِّنِ الصويت، فلما بلغت هذه الكلمة عمر بن الخطاب بعث محمد بن مسلمة، فأمره إذا انتهى إلى الكوفة أن يقدح زناده ويجمع حطبًا ويحرق باب القصر ثم يرجع من فوره. فلما انتهى إلى الكوفة فعل ما أمره به عمر، وأمر سعدًا أن لا يغلق بابه عن الناس، ولا يجعل على

стр. 3330

بابه أحدًا يمنع الناس عنه، فامتثل ذلك سعد وعرض على محمد بن مسلمة شيئًا من المال فامتنع من قبوله، ورجع إلى المدينة، واستمر سعد بعد ذلك في الكوفة ثلاث سنين ونصفا (١)، حتى عزله عنها عمر، من غير عجز ولا خيانة. قصة أبي عبيدة وحصر الروم له بحمص وقدوم عمر إلى الشام [أيضًا لينصره] وذلك أن جمعًا من الروم عزموا على حصار أبي عبيدة بحمص، واستجاشوا (٢) بأهل الجزيرة، وخلق ممن هنالك، وقصدوا أبا عبيدة، فبعث أبو عبيدة إلى خالد فقدم عليه من قنّسرين، وكتب إلى عمر بذلك، واستشار أبو عبيدة المسلمين في أن يناجر (٣) الروم، أو يتحصَّنَ بالبلد حتى يجيء أمرُ عمر؟ فكلّهم أشار بالتَّحصُّنِ، إلا خالدًا فإنه أشار بمناجزتهم، فعصاهُ وأطاعهم. وتحصَّن بحمص وأحاط به الروم، وكلُّ بلدٍ من بلدان الشام مشغولٌ أهله (٤) عنه بأمرهم، ولو تركوا ما هم فيه وأقبلوا إلى حمص لا نخرم النظام في الشام كله. وكتب عمر إلى سعد أن يندبَ الناس مع القعقاع بن عمرو، ويسيّرهم إلى حمص من يوم يقدم عليه الكتاب، نجدة لأبي عبيدة فإنه محصورٌ، وكتب إليه أن يُجهِّز جيشًا إلى أهل الجزيرة الذين مالؤوا الروم على حصار أبي عبيدة ويكون أمير الجيش إلى الجزيرة عِياض بن غَنْم. فخرج الجيشان معًا من الكوفة: القعقاع في أربعة آلاف نحو حمص لنجدة أبي عبيدة، وخرج عمر بنفسه من المدينة لينصر أبا عبيدة، فبلغ الجابية، وقيل إنما بلغ سَرْغ. قاله ابن إسحاق، وهو أشبه، والله أعلم. فلما بلغ أهل الجزيرة الذين مع الروم على حمص أن الجيش قد طرق بلادهم، انشمروا (٥) إلى بلادهم، وفارقوا الروم، وسمعت الروم بقدوم أمير المؤمنين عمر لينصر نائبه عليهم فضعف جانبهم جدًّا. وأشار خالد على أبي عبيدة بأن يبرز إليهم ليقاتلهم، ففعل ذلك أبو عبيدة، ففتح الله عليه ونصره، وهُزمت الرومُ هزيمة فظيعةً. وذلك قبل ورود عمر عليهم، وقبل وصول الأمداد إليهم بثلاث ليالٍ. فكتب أبو عبيدة إلى عمر، وهو بالجابية، يخبره بالفتح، وأن المدد وصل إليهم بعد ثلاث ليال وسأله (٦) هل يدخلهم في القَسْم معهم مما أفاء الله عليهم؟ فجاء الجوابُ بأن يدخلهم معهم في الغنيمة، فإنَّ العدوَّ إنما ضعف، وإنما انشمر عنه المدد من خوفهم منهم، فأشركهم أبو عبيدة في
следующие страницы →