← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

ثلاثة آلاف، وسهم الراجل ألف درهم. وبعثوا بالأخماس مع فرات بن حيان، وبالفتح مع الحارث بن حسان، وولي إمرة حرب الموصل ربعي بن الأفكل، وولي الخراج بها عَرْفَجة بن هَرْثَمة. فتح ماسَبَذان (١) من أرض العراق لما رجع هاشم بن عتبة من جلولاء إلى عمر بالمدائن، بلغ سعدًا أن آذين بن الهرمزان قد جمع طائفة من الفرس، فكتب إلى عمر في ذلك، فكتب إليه أن ابعث جيشًا وأمر عليهم ضرار بن الخطّاب. فخرج ضرار في جيشٍ من المدائن، وعلى مقدمته ابن الهزيل (٢) الأسدي، فتقدم ابن الهزيل بين يدي الجيش، فالتقى مع آذين وأصحابه قبل وصول ضرار إليه، فكسر ابن الهزيل طائفة الفرس، وأسر آذين بن الهرمزان، وفرَّ عنه أصحابه، وأمر ابن الهزيل فضرب عنق آذين بين يديه، وساق وراء المنهزمين حتى انتهى إلى ماسَبَذان - وهي مدينة كبيرة - فأخذها عنوة، وهرب أهلها في رؤوس الجبال والشعاب، فدعاهم فاستجابوا له، وضرب على منْ لم يسلم الجزيةَ، وأقام نائبًا عليها حتى تحوّل سعد من المدائن إلى الكوفة كما سيأتي. فتح قَرْقِيسياء وهيت (٣) في هذه السنة قال ابن جرير (٤) وغيره: لما رجع هاشم من جلولاء إلى المدائن وكان أهل الجزيرة قد أمدوا هرقل على أهل حمص على قتال أبي عبيدة وخالد - لما كان هرقل بقنسرين - واجتمع أهل الجزيرة في مدينة هيت، كتب سعد إلى عمر في ذلك، فكتب إليه أن يبعث إليهم جيشًا، وأن يؤمِّر عليهم عمر بن مالك بن عتبة بن نوفل بن عبد مناف، فسار فيمن معه من المسلمين إلى هيت، فوجدهم قد خندقوا عليهم، فحاصرهم حينًا فلم يظفر بهم، فسار في طائفة من أصحابه، واستخلف على محاصرة هيت الحارث بن يزيد، فراح عمر بن مالك إلى قرقيسياء فأخذها عنوة، وأنابوا إلى بذل الجزية، وكتب إلى نائبه على هيت: إن لم يصالحوا أن يحفر من وراء خندقهم خندقًا، ويجعل له أبوابًا من ناحيته. فلما بلغهم ذلك أنابوا إلى المصالحة. قال شيخنا أبو عبد الله الحافظ الذهبي (٥): وفي هذه السنة بعث أبو عبيدة عمرو بن العاص بعد فراغه

стр. 3327

من اليرموك إلى قنسرين فصالح أهل حلب، ومنبج، وأنطاكية، على الجزية. وفتح سائر بلاد قنّسرين عنوة. قال: وفيها افتتحت سَروج والرُّها (١) على يدي عياض بن غنم. قال: وفيها فيما ذكر ابن الكلبي سار أبو عبيدة وعلى مقدمته خالد بن الوليد، فحاصر إيلياء فسألوا الصلح على أن يقدم عمر فيصالحهم على ذلك، فكتب أبو عبيدة إلى عمر، فقدم حتى صالحهم وأقام أيامًا ثم رجع إلى المدينة. قلت: قد تقدم هذا فيما قبلَ هذه السنة، واللّه أعلم. قال الواقدي: وفي هذه السنة حمى عمر الرَّبذة بخيل المسلمين. وفيها غرَّب عمر أبا محجن الثقفي إلى باضع (٢). وفيها تزوَّج عبد الله بن عمر صفية بنت أبي عُبيد. قلت: الذي قُتل يوم الجسر، وكان أمير السّرية، وهي أخت المختار بن أبي عُبيد أمير العراق فيما بعد، وكانت امرأةً صالحة، وكان أخوها فاجرًا وكافرًا أيضًا. قال الواقدي: وفيها حجَّ عمرُ بالناس، واستخلف على المدينة زيدَ بن ثابت. قال: وكان نائبه على مكة عتّاب، وعلى الشام أبو عبيدة، وعلى العراق سعد، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص، وعلى اليمن يعلى بن أمية، وعلى اليمامة والبحرين العلاء بن الحَضْرمي، وعلى عُمان حذيفة بن محصن، وعلى البصرة المغيرة بن شعبة، وعلى الموصل ربعي بن الأفكل، وعلى الجزيرة عِياض بن غَنْم الأشعري. [وضع عمر ﵁ التأريخ الهجري] قال الواقدي: وفي ربيع الأول من هذه السنة - أعني سنة ست عشرة - كتب عمر بن الخطاب التاريخ (٣)، وهو أول من كتبه. قلت: قد ذكرنا سببه في سيرة عمر، وذلك أنه رُفع إلى عمر صك مكتوبٌ لرجل على آخر بدَيْنٍ يحلّ عليه في شعبان، فقال: أي شعبان؟ أمن هذه السنة أم التي قبلها، أم التي بعدها؟ ثم جمع الناس فقال: ضعوا للناس شيئًا يعرفون فيه حلول ديونهم. فيقال إنهم أراد بعضهم

стр. 3328

أن يؤرخوا كما تؤرخ الفرس بملوكهم، كلما هلك ملك أرَّخوا من تاريخ ولاية الذي بعده، فكرهوا ذلك. ومنهم من قال: أرخوا بتاريخ الروم من زمان إسكندر فكرهوا ذلك، ولطوله أيضًا، وقال قائلون: أرِّخوا من مولد رسول الله ﷺ : وقال آخرون من مبعثه ﵇. وأشار علي بن أبي طالب وآخرون أن يؤرخ من هجرته من مكة إلى المدينة لظهوره لكلّ أحد فإنه أظهر من المولد والمبعث. فاستحسن ذلك عمر والصحابة، فأمر عمر أن يؤرخ من هجرة رسول الله ﷺ وأرخوا من أول تلك السنة من محرَّمها، وعند مالك ﵀ فيما حكاه السهيلي (١) وغيره أن أول السنة من ربيع الأول لقدومه ﵊ إلى المدينة. والجمهورُ على أنَّ أول السنة من المحرم، لأنه أضبطُ لئلا تختلف الشهور، فإنَّ المحرمَ أول السنة الهلالية العربية. وفي هذه السنة - أعني سنة ست عشرة - توفيت مارية أم إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، وذلك في المحرم منها فيما ذكره الواقدي وابن جرير (٢) وغير واحد، وصلَّى عليها عمر بن الخطاب، وكان يجمع الناس لشهود جنازتها، ودُفنت بالبقيع ﵂ وأرضاها، وهي مارية القبطية، أهداها صاحب إسكندرية - وهو جريج بن مينا - في جملة تحفٍ وهدايا لرسول الله ﷺ ، فقبل ذلك منه، وكان معها أختُها سيرين (٣) التي وهبها رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت، فولدت له ابنه عبد الرحمن بن حسان. ويقال أهدى المقوقس معهما جاريتين أُخْرَيين (٤)، فيُحتمل أنهما كانتا خادمتين لمارية وسيرين. وأهدى معهن غلامًا خَصِيًّا اسمه مأبور، وأهدى مع ذلك بغلةً شهباءَ اسمها الدُّلدُل، وأهدى حلةَ حرير من عمل الإسكندرية. وكان قدوم هذه الهدية في سنة ثمان. فحَملت مارية من رسول الله ﷺ بإبراهيم ﵇، فعاش عشرين شهرًا، ومات قبل أبيه رسول الله ﷺ (بسنة سواء. وقد حزن عليه رسول الله ﷺ ) وبكى عليه وقال: "تدمع العينُ، ويحزنُ القلبُ، ولا نقول إلا ما يُرْضي ربَّنا، وإنا بك يا إبراهيمُ لمحزونون" (٥). وقد تقدم ذلك في سنة عشر. وكانت مارية هذه من الصالحات الخيرات الحسان. وقد حظيت عند رسول الله ﷺ وأُعجب بها، وكانت جميلة ملَّاحة، أي: حلوة، وهي تشابه هاجر سرية الخليل، فإن كلًّا منهما من ديار مصر وتسرّاها نبيٌّ كريم، وخليل جليل، ﵉.

стр. 3329

ثم دخلت سنة سبع عشرة في المُحرم منها انتقل سعد بن أبي وقاص من المدائن إلى الكوفة، وذلك أنَّ الصحابةَ استوخموا (١) المدائن، وتَغيَّرتْ ألوانُهم، وضعفتْ أبدانُهم، لكثرةِ ذبابها وغبارها، فكتبَ سعد إلى عمر في ذلك، فكتب (عمر): إنَّ العربَ لا تصلحُ إلا حيثُ يوافق إبلَها. فبعث سعد حُذَيْفة وسلمان (بن زياد) يرتادان (٢) للمسلمين منزلًا مناسبًا يصلحُ لإقامتهم. فمرَّا على أرض الكوفة، وهي حصباء في رملة حمراء، فأعجبتهما ووجدا هنالك ديرات ثلاث (٣) دير حرقة بنت النعمان، ودير أم عمرو، ودير سلسلة، وبين ذلك خصاص (٤) خلال هذه الكوفة، فنزلا فصلَّيا هنالك، وقال كل واحد منهما: اللهم ربّ السماء وما أظَلَّتْ، وربّ الأرض وما أقلَّتْ، وربّ الريح وما ذَرَتْ، والنجوم وما هَوَتْ، والبحار وما جَرَتْ، والشياطين وما أضلَّتْ، والخصاص وما أجنَّتْ، باركْ لنا في هذه الكوفة واجعلها منزلَ ثباتٍ، ثم كتبا إلى سعد بالخبر. فأمر سعد باختطاط الكوفة، وسار إليها في أول هذه السنة في محرمها، فكان أول بنا (٥) وضع فيها المسجد. وأمر سعد رجلًا راميًا شديد الرمي، فرمى من المسجد إلى الأربع جهات فحيثُ سقطَ سهمُه بنى الناسُ منازلهم، وعَمَّر قصرًا تلقاء (٦) محراب المسجد للإمارة وبيت المال، فكان أول ما بنوا المنازل بالقصب، فاحترقت (٧) في أثناء السنة، فبنوها باللَّبِنِ عن أمر عمر، بشرط أن لا يسرفوا ولا يجاوزوا الحدَّ. وبعث سعد إلى الأمراء والقبائل فقدموا عليه، فأنزلهم الكوفةَ، وأمر سعد أبا هَيّاج (٨) الموكل بإنزال الناس فيها بأن يعمُروا ويدعوا للطريق المنهج وسع أربعين ذراعًا. ولما دون ذلك ثلاثين وعشرين ذراعًا، وللأزقَّة سبعة أذرع. وبُني لسعد قصر قريب من الشُوق، فكانت غوغاء الناس [تمنع] سعدًا من الحديث، فكان يغلق بابه ويقول: سكِّنِ الصويت، فلما بلغت هذه الكلمة عمر بن الخطاب بعث محمد بن مسلمة، فأمره إذا انتهى إلى الكوفة أن يقدح زناده ويجمع حطبًا ويحرق باب القصر ثم يرجع من فوره. فلما انتهى إلى الكوفة فعل ما أمره به عمر، وأمر سعدًا أن لا يغلق بابه عن الناس، ولا يجعل على

стр. 3330

بابه أحدًا يمنع الناس عنه، فامتثل ذلك سعد وعرض على محمد بن مسلمة شيئًا من المال فامتنع من قبوله، ورجع إلى المدينة، واستمر سعد بعد ذلك في الكوفة ثلاث سنين ونصفا (١)، حتى عزله عنها عمر، من غير عجز ولا خيانة. قصة أبي عبيدة وحصر الروم له بحمص وقدوم عمر إلى الشام [أيضًا لينصره] وذلك أن جمعًا من الروم عزموا على حصار أبي عبيدة بحمص، واستجاشوا (٢) بأهل الجزيرة، وخلق ممن هنالك، وقصدوا أبا عبيدة، فبعث أبو عبيدة إلى خالد فقدم عليه من قنّسرين، وكتب إلى عمر بذلك، واستشار أبو عبيدة المسلمين في أن يناجر (٣) الروم، أو يتحصَّنَ بالبلد حتى يجيء أمرُ عمر؟ فكلّهم أشار بالتَّحصُّنِ، إلا خالدًا فإنه أشار بمناجزتهم، فعصاهُ وأطاعهم. وتحصَّن بحمص وأحاط به الروم، وكلُّ بلدٍ من بلدان الشام مشغولٌ أهله (٤) عنه بأمرهم، ولو تركوا ما هم فيه وأقبلوا إلى حمص لا نخرم النظام في الشام كله. وكتب عمر إلى سعد أن يندبَ الناس مع القعقاع بن عمرو، ويسيّرهم إلى حمص من يوم يقدم عليه الكتاب، نجدة لأبي عبيدة فإنه محصورٌ، وكتب إليه أن يُجهِّز جيشًا إلى أهل الجزيرة الذين مالؤوا الروم على حصار أبي عبيدة ويكون أمير الجيش إلى الجزيرة عِياض بن غَنْم. فخرج الجيشان معًا من الكوفة: القعقاع في أربعة آلاف نحو حمص لنجدة أبي عبيدة، وخرج عمر بنفسه من المدينة لينصر أبا عبيدة، فبلغ الجابية، وقيل إنما بلغ سَرْغ. قاله ابن إسحاق، وهو أشبه، والله أعلم. فلما بلغ أهل الجزيرة الذين مع الروم على حمص أن الجيش قد طرق بلادهم، انشمروا (٥) إلى بلادهم، وفارقوا الروم، وسمعت الروم بقدوم أمير المؤمنين عمر لينصر نائبه عليهم فضعف جانبهم جدًّا. وأشار خالد على أبي عبيدة بأن يبرز إليهم ليقاتلهم، ففعل ذلك أبو عبيدة، ففتح الله عليه ونصره، وهُزمت الرومُ هزيمة فظيعةً. وذلك قبل ورود عمر عليهم، وقبل وصول الأمداد إليهم بثلاث ليالٍ. فكتب أبو عبيدة إلى عمر، وهو بالجابية، يخبره بالفتح، وأن المدد وصل إليهم بعد ثلاث ليال وسأله (٦) هل يدخلهم في القَسْم معهم مما أفاء الله عليهم؟ فجاء الجوابُ بأن يدخلهم معهم في الغنيمة، فإنَّ العدوَّ إنما ضعف، وإنما انشمر عنه المدد من خوفهم منهم، فأشركهم أبو عبيدة في

стр. 3331

الغنيمة. وقال عمر: جزى الله أهل الكوفة خيرًا يحمون حوزتهم ويمدون أهل الأمصار. فتح الجزيرة (قال ابن جرير (١): وفي هذه السنة فتحت الجزيرة (٢) فيما قاله سيف بن عمر). قال ابن جرير: في ذي الحجة من سنة سبعَ عشرةَ. فوافقَ سيف بن عمر في كونها في هذه السنة. وقال ابن إسحاق: كان ذلك في سنة تسع عشرة. سار إليها عياض بن غنم. وفي صحبته أبو موسى الأشعري وعمر بن سعد بن أبي وقاص، وهو غلام صغير السنّ ليس إليه من الأمر شيء، وعثمان بن أبي العاص. فنزل الرُّها فصالحه أهلها على الجزية، وصالحت حَرَّان على ذلك. ثم بعث أبا موسى (الأشعري) إلى نَصيبين، وعمر بن سعد إلى رأس العين، وسار بنفسه إلى دارا، فافتتحت هذه البلدان، وبعث عثمان بن أبي العاص إلى أرمينية، فكان عندها شيء من قتال، قتل فيه صفوان بن المُعطَّل السُّلمي شهيدًا. ثم صالحهم عثمان بن أبي العاص على الجزية، على كل أهل بيت دينار. وقال سيف في روايته: جاء عبد الله بن عبد الله بن غسان فسلك على رجليه حتى انتهى إلى الموصل فعبر إلى بلد حتى انتهى إلى نَصيبين، فلقوه بالصلح وصنعوا كما صنع أهل الرّقَّة. وبعث إلى عمر برؤوس النصارى من عرب أهل الجزيرة، فقال لهم عمر: أدُّوا الجزيةَ. فقالوا: أبْلِغْنا مأمننَا فَوالله لئن وضعت علينا الجزية لندخلن (٣) (أرض الروم)، والله لتفضحنا من بين العرب. فقال لهم: أنتم فضحتم أنفسَكم، وخالفتم أُمتكم، ووالله لتؤدُنَّ الجزيةَ وأنت صَغَرَةٌ قَمَأَة (٤)، ولئن هربتم إلى الروم لأكتبنَّ فيكم، ثم لأسبينَّكم. قالوا: فخذ منا شيئًا ولا تُسمِّه (٥) جزية. فقال: أما نحن فنسميه جزية، وأما أنتم فسمُّوه ما شئتم. فقال له علي بن أبي طالب: ألم يُضْعف عليهم سعد الصدقة؟ قال: بلى: وأصغى إليه ورضي به منهم. [قدوم عمر ﵁ إلى الشام] قال ابن جرير (٦): وفي هذه السنة قدم عمر بن الخطاب ﵁ إلى الشام فوصل إلى سَرْغ في قول محمد بن إسحاق، وقال سيف: وصل إلى الجابية. قلت: والأشهر أنه وصل سَرْغ، وقد تلقّاه

стр. 3332

أمراءُ الأجناد، أبو عبيدة، ويزيد بن أبي سفيان، وخالد بن الوليد، إلى سَرْغ فأخبروه بأن الوباء قد وقع بالشام، فاستشار عمر المهاجرين والأنصار فاختلفوا عليه، فمن قائل يقول: أنت قد جئت لأمر فلا ترجع عنه. ومن قائل يقول: لا نرى أن تقدم بوجوه أصحاب رسول الله ﷺ على هذا الوباء. فيقال إن عمر أمر الناس بالرجوع من الغد (١). فقال أبو عبيدة: أفرارًا من قدر الله؟ قال: نعم! نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو هبطت واديًا ذا عدوتين إحداهما مخصبة والأخرى مجدبة، فإن رعيت الخِصبة رعيتها بقدر الله، وإن أنت رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ ثم قال: لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة. قال ابن إسحاق في روايته وهو في صحيح البخارب (٢): وكان عبد الرحمن بن عوف متغيبًا في بعض شأنه، فلما قدم قال: إن عندي من ذلك علمًا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا سمعتم به بأرض قوم فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارًا منه". فحمد الله عمر - (يعني) لكونه وافق رأيه - ورجع بالناس. وقال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا وكيع، حدَّثنا سفيان، عن حبيب (٤) بن أبي ثابت، عن إبراهيم بن سعد، عن سعد بن مالك بن أبي وقاص وخزيمة بن ثابت وأسامة بن زيد قالوا: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ هذا الطاعون رجزٌ وبقيةُ عذابٍ عُذِّب به قومٌ قبلكم، فإذا وقع بأرض وأنتم بها (٥) فلا تخرجوا منها فرارًا منه، وإذا سمعتم به بأرضٍ فلا تدخلوا عليه". ورواه (الإمام) أحمد (٦) أيضًا من حديث سعيد بن المسيّب ويحيى بن سعد (٧)، عن سعد بن أبي وقاص به. قال سيف بن عمر (٨): كان الوباء قد وقعَ بالشام في المُحَرَّم من هذه السنة ثم ارتفع، وكأن سيفًا يعتقدُ أنَّ هذا الوباء هو طاعون عَموَاس، الذي هلك فيه خلق من الأمراء ووجوه المسلمين، وليس الأمر كما زعم، بل طاعون عَمَواس، من السنة المستقبلة بعد هذه، كما سنبينه إن شاء الله تعالى. وذكر سيف بن عمر أن أمير المؤمنين عمر كان قد عزمَ على أن يطوفَ البلدان، ويزورَ الأمراء. وينظر

стр. 3333

فيما اعتمدوه وما آثروا من الخير، فاختلف عليه الصحابة فمن قائلٍ يقولُ إبدأ بالعراق، ومن قائل يقول بالشام. فعزم عمر على قدوم الشام لأجل قَسْمِ مواريث منْ مات من المسلمين في طاعون عمواس، فإنه أشكل قَسْمُها على المسلمين بالشام فعزم على ذلك. وهذا يقتضي أن عمر عزمَ على قدوم الشام بعد طاعون عمواس، وقد كان الطاعون في سنة ثماني عشرة كما سيأتي، فهو قدوم آخر غير قدوم سَرْغ. والله أعلم. قال سيف: عن أبي عثمان وأبي حارثة والربيع بن النعمان قالوا: قال عمر: ضاعت مواريثُ الناس بالشام، أبدأ بها فأقسم المواريث وأقيم لهم ما في نفسي، ثم أرجع فأتقلّب في البلاد وأنبذ إليهم أمري. قالوا: فأتى عمر الشام أربعَ مراتٍ مرتين في سنة ست عشرة، ومرتين في سنة سبع عشرة. (ولم يدخلها في الأولى من الأخريين. وهذا يقتضي ما ذكرناه عن سيف أنه يقول بكون طاعون عمواس في سنة سبع عشرة) وقد خالفه محمد بن إسحاق وأبو معشر وغير واحد، فذهبوا إلى أنه كان في سنة ثماني عشرة. وفيه توفي أبو عبيدة ومعاذ ويزيد بن أبي سفيان، وغيرهم من الأعيان، على ما سيأتي تفصيلا (١) إن شاء الله تعالى. [ذكر] شيءٍ من أخبار طاعون عَمَواس (٢) الذي توفي فيه أبو عبيدة ومعاذ ويزيد بن أبي سفيان وغيرهم من أشراف الصحابة وغيرهم، أورده ابن جرير (٣) في هذه السنة. قال محمد بن إسحاق (٤): عن شعبة، عن المخارق (٥) بن عبد الله البَجَلي عن طارق بن شهاب البَجَلي قال: أتينا أبا موسى، وهو في داره بالكوفة، لنتحدَّث عنده، فلما جلسنا قال: لا تَخفّوا (٦) فقد أصيب في الدار إنسان بهذا السقم، ولا عليكم أن تتنزهوا عن هذه القرية فتخرجوا في فسيح بلادكم ونزهها، حتى يرتفع (٧) هذا البلاء، فإني سأخبركم بما يكرَه مما يتقى، من ذلك أن يظنَّ منْ خرج أنه لو

стр. 3334

قام مات! ويظن منْ أقام فأصابه ذلك أنه لو خرج لم يُصِبْهُ، فإذا لم يظنّ ذلك هذا المرءُ المسلمُ فلا عليه أن يخرجَ وأن يتنزَّه عنه، إني كنت مع أبي عبيدة بن الجراح بالشام عام طاعون عَمَواس، فلما اشتعل (١) الوجعُ وبلغ ذلك عمر كتب إلى أبي عبيدة ليستخرجه منه: أن سلامٌ عليكَ، أمّا بعد، فإنّه قد عرضَت لي إليكَ حاجةٌ أريدُ أن أشافِهَكَ بها، فعزمتُ عليك إذا نظرت في كتابي هذا أن لا تضعه من يدك حتى تُقبل إليَّ. قال: فعرفَ أبو عبيدة أنَّه إنَّما أرادَ أن يستخرجَه من الوباء، فقال: يغفر اللهُ لأميرِ المؤمنين. ثم كتبَ إليه يا أمير المؤمنين إنّي قد عرفت حاجتَكَ إليَّ، وإني في جندٍ من المسلمين لا أجدُ بنفسي رغبةً عنهم، فلستُ أريدُ فراقهم حتى يقضيَ الله فيّ وفيهم أمرَهُ وقضاءَهُ، فخلِّني من عزمتك (٢) يا أمير المؤمنين، ودعني في جندي (٣). فلما قرأ عمر الكتابَ بكى. فقال الناس: يا أمير المؤمنين أماتَ أبو عبيدة؟ قال: لا، وكأن قد. قال: ثم كتب إليه سلام: عليك (أما بعد فإنك) (٤) أنزلت الناس أرضًا عميقة فارفعهم إلى أرضٍ مرتفعةٍ نزهةٍ. قال أبو موسى: فلما أتاه كتابه دعاني فقال: يا أبا موسى، إن كتاب أمير المؤمنين قد جاءني بما ترى، فاخرج فارتد للناس منزلًا حتى أتبعك بهم، فرجعتُ إلى منزلي لأرتحل فوجدت صاحبتي قد أصيبت، فرجعتُ إليه وقلتُ: والله لقد كان في أهلي حدثٌ. فقال: لعلَّ صاحبتَك قد أصيبتْ؟ قلت: نعم، فأمر ببعير فرحِّل له، فلما وضع رجلَه في غرْزِهِ طُعِنَ فقال: والله لقد أُصِبْتُ، ثم سار بالناس حتى نزل الجابيةَ ورفعَ عن الناس الوباءَ. وقال محمد بن إسحاق (٥)، عن أبان بن صالح، عن شهر بن حوشب، عن رابِّه - رجلٍ من قومه - وكان قد خلف على أمّه بعد أبيه، وكان قد شهد طاعون عَمَواس. قال: لما اشتعل الوجعُ قام أبو عبيدة في الناس خطيبًا فقال: أيها الناس، إن هذا الوجعَ رحمةُ ربِّكم (٦) ودعوةُ نبيّكم وموتُ الصالحين قبلكم (وإنَّ أبا عبيدة يسأل الله أن يقسم لأبي عبيدة حظَّه، فطُعِنَ، فماتَ وأستخلف على الناس معاذ بن جبل، فقام خطيبًا بعده. فقال: أيّها الناسُ، إنَّ هذا الوجع رحمة ربِّكم، ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم) وإن معاذًا يسأل الله تعالى اْن يقسم لآل معاذ حظَّهم، فطُعِنَ ابنهُ عبد الرحمن فمات، ثم قام فدعا

стр. 3335

لنفسه، فطُعن في راحته فلقد رأيته ينظر إليها، ثم يقلب (١) ظهر كفه، ثم يقول: ما أحبُّ أنَّ لي بما (فيك) شيئًا من الدنيا. فلما مات استخلف على الناس عمرو بن العاص، فقام فيهم خطيبًا فقال أيها الناس، إن هذا الوجعَ إذا وقعَ فإنّما يشتعلُ اشتعالَ النار، فتحصَّنوا (٢) منه في الجبال. فقال أبو واثلة (٣) الهُذَليّ: (كذبت) والله لقد صحبتُ رسولَ الله ﷺ وأنت شرٌّ من حماري هذا. فقال: والله ما أردّ عليك ما تقول، وأيم الله لا نقيم عليه. قال: ثم خرج وخرج الناسُ فتفرقوا ودفعه الله عنهم. قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب من رأي عمرو بن العاص فوالله ما كرهه. قال ابن إسحاق: ولما انتهى إلى عمر مصاب أبي عبيدة ويزيد بن أبي سفيان، أمَّر معاوية على جند دمشق وخراجها، وأمّر شُرحْبيل بن حَسَنة على جندِ الأردن وخراجها. (وقال سيف بن عمر عن شيوخه قالوا: لما كان طاعون عَمَواس وقع مرتين لم ير مثلهما وطال مكثه، وفني خلق كثيرٌ من الناس، حتى طمع العدوّ وتخوفتْ قلوبُ المسلمين لذلك. قلتُ: ولهذا قدم عمر بعد ذلك إلى الشام فقسم مواريث الذين ماتوا لمَّا أشكل أمرها على الأمراء. وطابت قلوب الناس بقدومه، وانقمعت الأعداء من كل جانب لمجيئه إلى الشام ولله الحمد والمنة. ((٤) وقال سيف - بعد ذكره قدوم عمر بعد طاعون عمواس في آخر سنة سبع عشرة - قال: فلما أراد القُفول إلى المدينة في ذي الحجة منها خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ألا إني قد ولَّيْتُ عليكم وقضيتُ الذي عليَّ في الذي ولَّاني اللهُ من أمركم إن شاء الله، فبسطنا (٥) بينكم فيأكم ومنازلكم ومغازيكم، وأبلغناكم ما لدينا، فجنَّدنا لكم الجنود، وهيَّأنا لكم الفُروج (٦) وبوأنا لكم، ووسعنا عليكم ما بلغَ فَيْؤُكُمْ وما قاتلتم عليه من شامكم، وسمينا لكم أطعماتكم، وأمرنا لكم بأعطياتكم وأرزاقكم ومغانمكم. فمن علم شيئًا ينبغي العمل به فليعلمنا نعمل به إن شاء الله ولا قوة إلا بالله. قال وحضرت الصلاة فقال الناس: لو أمرتَ بلالًا فأذَّن؟ فأمره فأذَّنَ فلم يبقَ أحدٌ كان أدرك رسولَ الله وبلال يؤذن إلَّا بكى (٧) حتى بلَّ لحيتَه، وعمرُ أشدُّهم بكاءً، وبكى من لم يدركه لبكائهم ولذكره ﷺ .

стр. 3336

وذكر ابن جرير (١) في هذه السنة من طريق سيف بن عمر عن أبي المجالد أن عمر بن الخطاب بعث ينكر على خالد بن الوليد في دخوله إلى الحمام، وتدلكه بعد النُّورة بعصفر معجون بخمر، فقال في كتابه: إن الله قد حرَّم ظاهر الخمر وباطنه، كما حرَّم ظاهر الإثم وباطنه، وقد حرم مسّ الخمر فلا تمسّوها أجسامكم فإنها نجس، فإن فعلتم فلا تعودوا. فكتب إليه خالد: إنا قتلناها فعادت غسولًا غير خمر. فكتب إليه عمر: إني أظنّ أن آل المغيرة قد آبتلوا بالجفاء فلا أماتكم الله عليه فانتهى لذلك) (٢). قال سيف: وأصاب أهلَ البصرة تلك السنة طاعون أيضًا فماتَ بشرٌ كثيرٌ وجمٌّ غفيرٌ، ﵏ ورضي الله عنهم أجمعين. قالوا: وخرج الحارث بن هشام في سبعين من أهله إلى الشام فلم يرجع منهم إلا أربعة. فقال المهاجر بن خالد (٣) في ذلك: [من السريع] منْ يسكنِ الشَّام يُعرِّسْ بهِ … والشّامُ إنْ لمْ يُفْننا كاربُ أفنى بني رَيْطة فُرسانهُمُ … عِشْرون لمْ يُقْصصْ لهم شاربُ ومنْ بني أعْمامِهمْ مِثْلهمْ … لِمِثْلِ هذا يعجب (٤) العاجبُ طَعْنًا وطاعونًا مناياهُمُ … ذلكَ ما خطَّ لنا الكاتبُ كائنةٌ غَريبةٌ فيها عزل خالد عن قِنَّسرين أيضًا قال ابن جرير (٥): وفي هذه السنة أدرب خالد بن الوليد وعياض بن غنم، أي: سلكا درب الروم وأغارا عليهم، فغنموا أموالًا عظيمة وسبيًا كثيرًا. ثم روى من طريق سيف، عن أبي عثمان وأبي حارثة والربيع وأبي المجالد، قالوا: لما رجع خالدٌ ومعه أموالٌ جزيلةٌ من الصائفة انتجعه الناس يبتغون رفده ونائله، فكان ممَّن دخل عليه الأشعث بن قيس فأجازه بعشرة آلاف، فلما بلغ ذلك عمر (٦) كتب إلى أبي عبيدة يأمره أن يقيم خالدًا ويكشف عمامته وينزع عنه قلنسوته ويقيّده بعمامته ويسأله عن هذه العشرة آلاف، إن كان أجازها الأشعث من ماله فهو سَرَفٌ، وإن كان من مال الصائفة فهي خيانة (٧)، ثم اعزله عن عمله. فطلب أبو عبيدة خالدًا وصعد أبو عبيدة المنبر، وأقيم خالد بين يدي المنبر، وقام إليه بلال ففعل

стр. 3337

ما أمر به عمر بن الخطاب هو والبريد (١) الذي قدم بالكتاب. هذا وأبو عبيدة ساكتٌ لا يتكلّمُ، ثم نزل أبو عبيدة واعتذر إلى خالد مما كان بغير اختياره وإرادته، فعذره خالد وعرف أنه لا قصد له في ذلك. ثم سار خالد إلى قِنَّسرين فخطب أهل البلد وودَّعهم (٢)، وسار بأهله إلى حمص فخطبهم أيضًا وودعهم وسار إلى المدينة، فلما دخل (خالد على) عمر أنشد عمر قول الشاعر (٣): [من الطويل] صَنَعْتَ فَلَمْ يَصْنعْ كَصُنعكَ صانعٌ … وما يَصْنع الأقْوامُ فَاللهُ صانِعُ ثم سأله من أين هذا اليسار الذي تجيز منه بعشرة آلاف، فقال: من الأنفال والسهمان. قال: فما زاد على الستين ألفًا فلك، ثم قوَّم أمواله وعروضه وأخذ منه عثرين ألفًا ثم قال: والله إنك عليّ لكريم، وإنك إلي لحبيب، ولن تعمل لي بعد اليوم على شيء. وقال سيف (٤)، عن عبد الله، عن المستورد، عن أبيه، عن عدي بن سهل (٥) قال: كتب عمر إلى الأمصار: إني لم أعزل خالدًا عن سخطة ولا خيانة، ولكن الناس فتنوا به فأحببت (أن يعلموا) أن الله هو الصانعُ. ثم رواه سيف، عن مبشِّر، عن سالم، قال: لما قدم خالد على عمر … فذكر مثله. قال الواقدي: وفي هذه السنة اعتمر عمر في رجب منها، وعمَّر في المسجد الحرام وأمر بتجديد أنصاب الحرم، أمر بذلك لمخرمة بن نوفل، وأزهر بن عبد عوف، وحويطب بن عبد العُزَّى، وسعيد بن يربوع. قال الواقدي: وحدَّثني كثير بن عبد الله المرّي، عن أبيه، عن جده قال: قدم عمر مكة في عمرة سنة سبع عشرة، فمر في الطريق فكلّمه أهل المياه أن يبنوا منازل بين مكة والمدينة - ولم يكن قبل ذلك بناء - فأذنَ لهم وشرطَ عليهم أنَّ ابن السبيل أحقُّ بالظلِّ والماء. قال (الواقدي): وفيها تزوَّج عمر بأم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، من فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ودخل بها في ذي القعدة. وقد ذكرنا في سيرة عمر ومسنده صفة تزويجه بها وأنه أمهرها أربعين ألفًا، وقال: إنما تزوجتُها لقول رسول الله ﷺ "كل سبب ونسب فإنه ينقطعُ يومَ القيامة إلَّا سببي ونسبي" (٦).

стр. 3338

[ذكر خبر عزل المغيرة بن شعبة عن البصرة وولاية أبي موسى] قال: وفي هذه السنة ولَّى عمر أبا موسى الأشعري البصرة، وأمره أن يشخصَ إليه المغيرة بن شعبة في ربيع الأول. فشهد عليه فيما حدَّثني معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: أبو بكرة، وشبل بن معبد البَجَلي، ونافع بن عبيد، وزياد. ثم ذكر الواقدي وسيف (١) هذه القصة وملخصها: أن امرأةً كان يُقال لها أمَّ جميل بنتَ الأفْقَم، من نساء بني عامر بن صعصعة، ويقال من نساء بني هلال. وكان زوجُها من ثقيف قد توفي عنها، وكانت تغشى نساءَ الأمراءِ والأشرافِ، وكانت تدخل على بيت المغيرة بن شُعبة وهو أمير البصرة، وكانت دار المغيرة تجاه دار أبي بكرة، وكان بينهما الطريقُ، وفي دار أبي بكرة كُوَّةٌ تُشرفُ على كُوَّةٍ في دار المغيرة، وكان لا يزال بين المغيرة وبين أبي بكرة شَنآنٌ (٢). فبينما أبو بكرة في داره وعنده جماعة يتحدَّثون في العُلِّيَّةِ (٣)، إذ فَتحتِ الريحُ بابَ الكُوَّة فقام أبو بكرة ليُغلقها، فإذا كوةُ المغيرة مفتوحة، وإذا هو على صدر امرأة وبين رجليها، وهو يُجامعها، فقال أبو بكرة لأصحابه: تعالوا فانظروا إلى أميركم يزني بأمِّ جميل. فقاموا فنظروا إليه وهو يجامع تلك المرأة، فقالوا لأبي بكرة: ومن أين قلتَ إنها أم جميل؟ - وكان رأساهما من الجانب الآخر -. فقال: انتظروا، فلما فرغا قامت المرأة فقال أبو بكرة: هذه أم جميل. فعرفوها فيما يظنون. فلما خرج المغيرة - وقد اغتسل - ليصلّي بالناس منعه أبو بكرة أن يتقدم. وكتبوا إلى عمر في ذلك، فولى عمر أبا موسى (الأشعري) أميرًا على البصرة. وعزل المغيرة، فسار إلى البصرة فنزل البرد (٤). فقال المغيرة: والله ما جاء أبو موسى تاجرًا ولا زائرًا (ولا جاء) إلا أميرًا. ثم قدم أبو موسى على الناس، وناولَ المغيرةَ كتابًا من عمر هو أوجز كتاب فيه: أما بعد فإنه بلغني نبأ عظيم فبعثت أبا موسى أميرًا فسلِّم ما في يديك والعجل. وكتب إلى أهل البصرة: إني قد وليتُ عليكم أبا موسى ليأخذ من قويكم لضعيفكم، وليقاتل بكم عدوكم، وليدفع عن دينكم، وليجبي لكم فيأكم (ثم ليقسمه بينكم) وأهدى المغيرة لأبي موسى جاريةً من مولدات الطائف تُسمَّى عقيلة (وقال: إنّي رضيتُها لك، وكانت فارهة (٥). وارتحل المغيرة والذين شهدوا عليه) وهم أبو بكرة، ونافع بن كلدة، وزياد بن أمية، وشبل بن معبد البجلي. فلما قدموا على عمر جمع بينهم وبين المغيرة. فقال المغيرة: سَلْ هَؤلاء الأعبد كيف رأوني؟ مستقبلهم أو مستدبرهم؟ وكيف رأوا المرأة وعرفوها، فإن كانوا مستقبلي فكيف لم

стр. 3339

يستتروا (١)؟ أو مستدبريَّ فكيف استحلّوا النظر في منزلي على (٢) امرأتي؟ والله ما أتيت إلا امرأتي وكانت تشبهها. فبدأ عمر بأبي بكرة فشهد عليه أنه رآه بين رجلي أم جميل وهو يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة، قال: كيف رأيتهما؟ (قال): مستدبرهما. قال: فكيف استبنت (٣) رأسها (٤) قال: تحاملتُ. ثم دعا شبل بن معبد فشهد بمثل ذلك، فقال استقبلتهما أم استدبرتهما؟ قال: استقبلتهما. وشهد نافع بمثل شهادة أبي بكرة ولم يشهد زياد بمثل شهادتهم. قال: رأيته جالسًا بين رجلي امرأة فرأيت قدمين مخضوبتين يخفقان وآستين مكشوفتين، وسمعت حفزانًا (٥) شديدًا. قال: هل رأيت كالميل (٦) في المكحلة؟ قال: لا. قال: فهل تعرف المرأة؟ قال: لا ولكن أشبهها. قال: فتنحَّ. وروي أن عمر ﵁ كبر عند ذلك ثم أمر بالثلاثة فجُلدوا الحدَّ، وهو يقرأ قوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣)﴾ [النور: ١٣] فقال المغيرة: أشفني من الأعبد. قال: اسكت، أسكتَ اللهُ فاكَ، والله لو تمَّتِ الشهادة لرجمناكَ بأحجاركَ. فتح الأهْواز ومَنَاذِر (٧) ونهرتِيْرَي (٨) قال ابن جرير (٩): كان في هذه السنة، (وقيل: في سنة) ست عشرة. ثم روى من طريق سيف عن شيوخه أن الهُرْمزان كان قد تغلَّب على هذه الأقاليم (وكان ممَّنْ فَرَّ يوم القادسية من الفرس، فجهَّز أبو موسى من البصرة، وعتبة) بن غزوان من الكوفة جيشين لقتاله، فنصرهم الله عليه، وأخذوا منه ما بين دجلة إلى دجيل، وغنموا من جيشه ما أرادوا، وقتلوا من أرادوا، ثم صانعَهم وطلب مصالحتهم عن بقية بلاده، فشاورا في ذلك عتبة بن غزوان فصالحه، وبعث بالأخماس والبشارة إلى عمر، وبعث وفدًا فيهم الأحنف بن قيس. فأعجب عمر به وحظي عنده. وكتب إلى عتبة يوصيه به ويأمره بمشاورته والاستعانة برأيه. ثم نقض الهُرْمزان العهد والصلح، واستعان بطائفةٍ من الأكراد، وغزَّته نفسه، وحَسَّن له الشيطانُ عملَه في ذلك. فبرز إليه المسلمون فنُصِروا عليه وقتلوا من جيشه جمًا غفيرًا، وخلقًا كثيرًا،

стр. 3340

وجمعًا عظيمًا، واستلبوا منه ما بيده من الأقاليم والبلدان إلى تُسْتَر (١)، فتحصن بها، وبعثوا إلى عمر بذلك. وقد قال الأسود بن سريع في ذلك - وكان صحابيًا رضي الله عنا (٢) -[من الوافر] لَعَمْرُكَ ما أضاعَ بنو أبينا (٣) … ولكنْ حافَظوا فيمنْ يُطِيعُ (٤) أطاعوا ربَّهُم وعَصاهُ قَوْمٌ … أضاعوا أمْرَهُ فيمَنْ يُضيعُ مَجوسٌ لا يُنَهْنهُها كِتابٌ … فلاقوا كبَّةً فيها قبوعُ وولّى الهُرْمزانُ على جَواب … سريعِ الشدِّ يَثْفِنُه (٥) الجميعُ وخَلَّى سُرَّة الأهوازِ كَرْهًا … غَداةَ الجِسْرِ إذ نجَم (٦) الرَّبيعُ وقال حُرْقوص بن زهير السَّعدي وكان صحابيًا أيضًا: [من الوافر] غَلَبْنا الهُرْمُزانَ على بلادٍ … لها في كلِّ ناحيةٍ ذخائرْ سواءٌ بَرُّهمْ والبَحْرُ فيها … إذا صارت نواحيها (٧) بَواكرْ لها بَحْرٌ يَعجّ بجانِبَيْهِ … جَعَافِرُ (٨) لا يزالُ لها زواخِرْ فتح تُسْتَر المرَّة الأولى صلحًا قال ابن جرير (٩): كان ذلك في هذه السنة في قول سيف وروايته. وقال غيره: في سنة ست عشرة وقال غيره: كانت في سنة تسع عشرة. ثم قال ابن جرير: ذكر الخبر عن فتحها، ثم ساق من طريق سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو (١٠) قالوا: ولما افتتح حُرْقُوص بن زُهَيْر سوق الأهواز، وفرَّ الهُرْمزان بين يديه، فبعث في إثره جَزْء بن معاوية - وذلك عن كتاب عمر بذلك - فما زال جَزْء يتبعه حتى انتهى إلى رامَهُرْمُزا (١١) فتحصن الهُرْمزان في بلادها، وأعجز جَزْءًا تَطلُّبهُ، واستحوذ جَزْء على تلك البلاد

стр. 3341

والأقاليم والأراضي، فضرب الجزية على أهلها، وعمر عامرها، وشق الأنهار إلى خرابها ومواتها، فصارت في غاية العمارة والجودة. ولما رأى الهُرْمُزان ضيقَ بلاده عليه لمجاورة المسلمين، طلب من جَزْء بن معاوية المصالحة، فكتب إلى حُرْقوص، فكتب حرقوص إلى عُتبة بن غزوان، وكتب عتبة إلى عمر في ذلك. فجاء الكتاب العمري بالمصالحة على رامهُرْمز، وتُسْتَر، وجُنْدَيْ سابور (١)، ومدائن أخر مع ذلك. فوقع الصلحُ على ذلك كما أمر به عمر ﵁. ذكر غزو (بلاد) فارس من ناحية البحرين (عن) (٢) ابن جرير عن سيف وذلك أنَّ العلاء بن الحَضْرمي كان على البحرين في أيام الصدِّيق، فلما كان عمر عزله عنها وولاها لقدامة بن مظعون. ثم أعاد العلاءَ بن الحضْرمي إليها. وكان العلاء بن الحضرمي يباري سعد بن أبي وقاص. فلما افتتح سعد القادسية، وأزاح كسرى عن داره، وأخذ حدود ما يلي السواد، واستعلى وجاء بأعظم مما جاء به العلاء بن الحضرمي من ناحية البحرين. فأحب (العلاء) أن يفعل فعلًا في فارس نظيرَ ما فعله سعدٌ فيهم، فندب الناس إلى حربهم، فاستجاب له (أهل) بلاده، فجزَّأهم أجزاء، فعلى فرقة الجارود بن المُعلَّى، وعلى الأخرى السوّار بن همام، وعلى الأخرى خُلَيْد بن المُنْذر بن ساوَى، وخُليد هو أمير الجماعة. فحملهم في البحر إلى فارس، وذلك بغير إذن عمر له في ذلك - وكان عمر يكره ذلك لأن رسول الله ﷺ وأبا (٣) بكر (ما) غزيا فيه المسلمين - فعبرت تلك الجنود من البحرين إلى فارس، فخرجوا من عند إصطخر، فحالت فارس بينهم وبين سفنهم، فقام في الناس خُليد بن المنذر فقال: أيها الناس، إنما أراد هؤلاء القوم بصنيعهم هذا محاربتكم، وأنتم جئتم لمحاربتهم، فاستعينوا بالله وقاتلوهم، فإنما الأرض والسفن لمن غلب، واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين، فأجابوه إلى ذلك فصلوا الظهر ثم ناهدوهم فاقتتلوا قتالًا شديدًا في مكان من الأرض يدعى طاوُس، ثم أمر خُليد المسلمين فترجّلوا وقاتلوا فصبروا، ثم ظفروا فقتلوا فارس مقتلةً لم يُقتلوا قبلها مثلَها. ثم خرجوا يريدون البصرةَ فغرقت بهم سفنهم، ولم يجدوا إلى الرجوع في البحر سبيلًا، ووجدوا شَهْرَك في أهل اصطخر قد أخذوا على المسلمين بالطرق، فعسكروا وامتنعوا من العدو. ولما بلغ عمر ما صنع العلاء بن الحضرمي، اشتد غضبُه عليه، وبعث إليه فعزله وتوعَّده، وأمره بأثقل الأشياء عليه، وأبغض الوجوه إليه. فقال: الحق بسعد بن أبي وقاص (فخرج العلاءُ إلى سعد بن أبي وقاص) مضافًا إليه، وكتب عمر إلى عُتبة بن غزوان: إن العلاء بن الحضرمي خرج بجيش فأقطعهم أهل فارس وعصاني،

стр. 3342

وأظنّه لم يردِ اللهَ بذلك، فخشيتُ عليهم إلَّا يُنْصروا، أن يُغْلبوا ويُنْشَبوا (١)، فاندب إليهم الناسَ واضممهم إليك من قبل أن يجتاحوا. فندب (٢) عتبة المسلمين وأخبرهم بكتاب عمر إليه في ذلك، فانتدب جماعة من الأمراء الأبطال، منهم هاشم بن أبي وقاص، وعاصم بن عمرو، وعرفجة بن هَرْثمة، وحذيفة بن محصن، والأحْنف بن قيس، وغيرهم، في اثني عشر ألفًا. وعلى الجميع (أبو) سَبْرة بن أبي رُهْم. فخرجوا على البغال يجنبون الخيل سراعًا، فساروا على الساحل لا يلقون أحدًا حتى انتهوا إلى (موضع) الوقعة التي كانت بين المسلمين من أصحاب العلاء، وبين أهل فارس بالمكان المسمى بطاوُس، وإذا خُلَيد بن المنذر ومن معه (٣) من المسلمين محصورون قد أحاط بهم العدو من كل جانب، وقد تداعت عليهم تلك الأمم من كل وجه، وقد تكاملت أمداد المشركين، ولم يبق إلا القتال. فقدم المسلمون إليهم في أحوج ما هم فيه إليهم، فالتقوا مع المشركين رأسًا، فكسر أبو سبرة المشركين كسرةً عظيمةً. وقتل منهم مقتلةً عظيمةً جدًّا. وأخذ منهم أموالًا جزيلةً باهرةً، واستنقذ خُلَيدًا ومنْ معه من المسلمين من أيديهم، وأعزَّ به الإسلام وأهلَه، ودفعَ الشركَ وذلَّه ولله الحمد والمنة ثم عادوا إلى عُتبة بن غزوان إلى البصرة. ولما استكمل عتبة فتح تلك الناحية، استأذن عمر في الحج فأذن له فسار إلى الحجِّ واستخلف على البصرة أبا سَبْرة بن أبي رُهْم، واجتمع بعمر في الموسم، وسأله أن يقيله فلم يفعل، وأقسم عليه ليرجعن إلى عمله. فدعا عتبة الله فمات ببطن نخلة، وهو منصرفٌ من الحج، فتأثر (٤) عليه عمر وأثنى عليه خيرًا، وولَّى بعده بالبصرة المغيرةَ بن شُعبة، فوليها بقية تلك السنة والتي تليها، لم يقع في زمانه حدثٌ، وكان مرزوق السلامة في عمله. ثم وقع الكلام في تلك المرأة من أبي بكرة، فكان من أمره ما قدمنا. ثم بعث إليها أبا موسى الأشعري واليًا عليها ﵃. ذكر فتح تُسْتَر ثانية [عنوةً والسوس (٥) ورامهرمز] وأسر الهرمزان وبعثه إلى عمر بن الخطاب ﵁ قال ابن جرير (٦): كان ذلك في هذه السنة في رواية سيف بن عمر التميمي. وكان سبب ذلك أن

стр. 3343

يَزْدجرد كان يحرّض أهل فارس في كل وقت ويُؤَنّبهم بملك العرب بلادهم وقصدهم إياهم في حصونهم فكتب إلى أهل الأهواز وأهل فارس فتحرّكوا وتعاهدوا وتعاقدوا على حرب المسلمين، وأن يقصدوا البصرةَ. وبلغ الخبر إلى عمر، فكتب إلى سعد - وهو بالكوفة - أن ابعث جيشًا كثيفًا إلى الأهواز مع النُّعمان بن مُقَرِّن وعجّل وليكونوا بإزاء الهُرْمزان، وسمى رجالًا من الشجعان الأعيان الأمراء يكونون في هذا الجيش، منهم جريرُ بن عبد الله البجلي، وجَرير بن عبد الله الحِمْيري، والنُّعمان بن مُقرِّن، وسُوَيْد بن مُقَرِّن: وعبد الله بن ذي السَّهمين. وكتب عمر إلى أبي موسى وهو بالبصرة أن ابعثْ إلى الأهواز جندًا كثيفًا (١) وأمّر عليهم سهيل بن عدي، وليكن معه البَراء بن مالك، وعاصم بن عمرو، ومَجْزَأة بن ثَوْر، وكعب بن ثور، وعرفجة بن هَرْثَمة، وحذيفة بن محصن، وعبد الرحمن بن سهل، والحصين بن معبد. وليكن على أهل الكوفة وأهل البصرة جميعًا أبو سَبْرة بن أبي رُهم، وعلى كل منْ أتاه من المدد. قالوا: فسار النُّعمان بن مُقَرّن بجيش الكوفة فسبق البصريين فانتهى إلى رامهرمز وبها الهرمزان، فخرج إليه الهرمزان في جنده ونقض العهد بينه وبين المسلمين، فبادره طمعًا أن يقتطعه قبل مجيء أصحابه من أهل البصرة رجاء أن ينصر أهل فارس، فالتقى معه النعمان بن مُقَرّن بإربل، فاقتتلا قتالًا شديدًا، فهزم الهرمزان وفر إلى تُسْتر، وترك رامهرمز فتسلّمها النعمان عنوةً وأخذ ما فيها من الحواصل والذخائر والسلاح والعدد. فلما وصل الخبر إلى أهل البصرة بما صنع الكوفيون بالهرمزان وأنه [قد] فرّ فلجأ إلى تُسْتَر، ساروا إليها ولحقهم أهلُ الكوفة حتى أحاطوا بها فحاصروها جميعًا، وعلى الجميع أبو سَبْرة فوجدوا الهُرْمزان قد حشد بها خلقًا كثيرًا، وجمًا غفيرًا. وكتبوا إلى عمر في ذلك وسألوه أن يمدَّهم، فكتب إلى أبي موسى أن يسير إليهم. فسار إليهم - وكان أمير أهل البصرة واستمرّ أبو سَبْرة على الإمرة على جميع أهل الكوفة والبصرة، فحاصرهم (٢) أشهرًا وكثر القتل من الفريقين، وقتل البراء بن مالك أخو أنس بن مالك يومئذ مئة مبارزٍ سوى منْ قتل غير ذلك، وكذلك فعل كعب بن سُور (٣)، ومَجْزَأة بن ثَوْر، وأبو يمامة وغيرهم من أهل البصرة، وكذلك أهل الكوفة قَتل منهم جماعة مئة مبارزة كحبيب بن قرة، وربعي بن عامر، وعامر بن عبد الأسو (٤) وقد تزاحفوا أيامًا متعددة، حتى إذا كان في آخر زحف قال المسلمون للبراء بن مالك - وكان مجابَ الدعوة -: (يا براء) أقسم على ربك ليهزمنّهم لنا. فقال: اللهم اهزمهم لنا، واستشهدني قال: فهزمهم المسلمون حتى أدخلوهم خنادقهم واقتحموها عليهم، ولجأ المشركون إلى البلد فتحصنوا به، وقد ضاقت بهم البلد، وطلب رجل من أهل البلد الأمانَ من أبي موسى فأمَّنه، فبعث يدلُّ المسلمين على مكان يدخلون منه إلى البلد، وهو من مدخل

стр. 3344

الماء إليها، فندب الأمراءُ الناسَ إلى ذلك فانتدب [لذلك] رجال من الشجعان والأبطال، وجاؤوا فدخلوا مع الماء - كالبطّ - إلى البلد، وذلك في الليل، فيُقال كان أول من دخلها عبد اللّه بن مُغَفَّل (١) المُزَني، وجاءوا إلى البوابين فأناموهم (٢) وفتحوا الأبواب، وكبَّر المسلمون فدخلوا البلد، وذلك في وقت الفجر إلى أن تعالى النهار، ولم يصلّوا الصبح يومئذ إلا بعد طلوع الشمس كما حكاهُ البخاريُّ (٣) عن أنس بن مالك قال: شهدت فتح تُسْتَر، وذلك عند صلاة الفجر، فاشتغل الناس بالفتح فما صلوا الصبح إلا بعد طلوع الشمس فما أحب أن لي بتلك الصلاة حمرَ النعم (٤). احتج بذلك البخاري لمكحول والأوزاعي في ذهابهما إلى جواز تأخير الصلاة لعُذْرِ القتال. وجنح إليه البخاري واستدلّ بقصة الخندق في قوله ﵇ "شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا" (٥) وبقوله يوم بني قريظة "لا يصلين أحدٌ منكم العصر إلَّا في بني قريظة" (٦) فأخَّرها فريقٌ من الناس إلى بعد غروب الشمس، ولم يعنِّفهم، وقد تكلّمنا على ذلك في غزوة الفتح. والمقصود أن الهُرْمُزان لما فُتحت البلدُ لجأ إلى القلعة، فتبعه جماعةٌ من الأبطال ممن ذكرنا وغيرهم فلما حصروه في مكان من القلعة ولم يبق إلا تلافُه أو تلافُهم، قال لهم بعد ما قتل البراء بن مالك ومَجْزأة بن ثور رحمهما الله: إن معي جعبةً فيها مئة سهم، وإنه لا يتقدَّم إليَّ أحدٌ منكم إلا رميته بسهم قتلته، ولا يسقط لي سهم إلا في رجل منكم، فماذا ينفعكم إن أسرتموني بعدما قتلتُ منكم مئة رجل؟ قالوا: فماذا تريد؟ قال: تؤمّنوني حتى أسلِّمكم يدي فتذهبوا بي إلى عمر بن الخطاب فيحكم فيّ بما يشاء. فأجابوه إلى ذلك فألقى قوسه ونُشّابه وأسروه فشدوه وثاقًا وأرصدوه (٧) ليبعثوه إلى أمير المؤمنين عمر، ثم تسلموا ما في البلد من الأموال والحواصل فاقتسموا أربعة أخماسه، فنال كلُّ فارسٍ ثلاثةَ آلاف وكل راجلٍ ألفَ درهم.

стр. 3345

فتح السوس ثم ركب أبو سَبْرة في طائفة من الجيش ومعه أبو موسى الأشعري والنُّعمان بن مُقَرِّن، واستصحبوا معهم الهُرْمزان، وساروا في طلب المنهزمين من الفرس حتى نزلوا على السوس، فأحاطوا بها. وكتب أبو سَبْرة إلى عمر فجاء الكتاب بأن يرجعَ أبو موسى إلى البصرة، وأمر عمر ززَّ بن عبد الله بن كُلَيب الفُقَيْمي (١) - وهو صحابيٌّ - أن يسير إلى جُنْديسابُور. فسار. ثم بعث أبو سَبْرة بالخُمْس والهُرْمُزان (٢) مع وفدٍ فيهم أنسُ بن مالك والأحنفُ بن قيس، فلما اقتربوا من المدينة هيؤوا (٣) الهُرْمزان بلبسه الذي كان يَلبسه من الدّيباج والذَّهب المُكلل بالياقوت واللآلئ. ثم دخلوا المدينةَ وهو كذلك فتيمَّموا به منزلَ أمير المؤمنين، فسألوا عنه فقالوا: إنَّه ذهب إلى المسجد بسبب وفد من الكوفة. فجاؤوا المسجد فلم يَرَوْا أحدًا فرجعوا، فإذا غِلْمانٌ يلعبون فسألوهم عنه فقالوا: إنه نائمٌ في المسجد متوسدًا برنسًا له. فرجعوا إلى المسجد فإذا هو متوسد (٤) برنسًا له كان قد لبسه للوفد، فلما انصرفوا عنه توسَّد البرنس ونام، وليس في المسجد غيره، والدِّرَّة معلقةٌ في يده. فقال الهُرْمُزان: أين عمر؟ فقالوا: هو ذا. وجعل الناس يخفضون أصواتهم لِئَلا ينبهوه، وجعل الهُرْمزان يقول: وأين حُجَّابُهُ؟ أين حَرَسُهُ؟ فقالوا: ليس له حُجّابٌ ولا حَرسٌ، ولا كاتبٌ ولا ديوانٌ. فقال: ينبغي أن يكون نبيًا. فقالوا: بل يعملُ عمل الأنبياء. وكثر (٥) الناس فاستيقظ عمر بالجلبة فاستوى جالسًا، ثم نظر إلى الهُرْمُزان، فقال: الهُرمُزان؟ قالوا: نعم فتأمَّله وتأمَّلَ ما عليه ثم قال: أعوذُ بالله من النار وأستعين (٦) بالله. ثم قال: الحمدُ الله الذي أذلَّ بالإسلام هذا وأشياعَه، يا معشرَ المسلمين تمسّكوا بهذا الدين، واهتدوا بهدي نبيكم، ولا تبطرنكم الدنيا فإنها غَرَّارَة (٧). فقال له الوفد: هذا ملكُ الأهواز فكلِّمْهُ. فقال: لا حتى لا يبقى عليه من حليته شي ءٌ. ففعلوا ذلك وألبسوه ثوبًا صفيقًا (٨)، فقال عمر: يا هُرْمُزان كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله؟ فقال: يا عمرُ: إنا وإيّاكم في الجاهلية كان الله قد خلَّى بيننا وبينكم فغلبناكم، (إذ لم يكن معنا ولا معكم)، فلما كان معكم غلبتمونا. فقال عمر: إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرّقنا. ثم

стр. 3346

قال: ما عذركَ وما حجتكَ في انتقاضك (١) مرةً بعد مرةٍ؟ فقال: أخافُ أن تقتلني قبل أن أخبرك. قال: لا تَخَفْ ذلك. فاستسقى الهرمزان ماءً فأتي به في قدح (غليظ، فقال: لو مت عطشًا لم أستطع أن أشرب في هذا. فأتي به في قدح) آخر يرضاه فلما أخذه جعلت يده ترعد، وقال: إني أخاف أن أُقتل وأنا أشربُ. فقال عمر: لا بأس عليك حتى تشربه فأكفأه، فقال عمر: أعيدوه عليه ولا تجمعوا عليه القتلَ والعطشَ. فقال: لا حاجةَ لي في الماء، إنما [أردت] أن أستأنس (٢) به. فقال له عمر: إني قاتلُك، فقال: إنك أمَّنتني. قال: كذبتَ، فقال أنس: صدقَ يا أميرَ المؤمنين، فقال عمر: ويحك يا أنس أنا أُؤمن من قتل مَجْزأة والبراء؟ لتأتيني بمخرج وإلا عاقبتك، قال: قلت لا بأس عليك حتى تخبرني. وقلت لا بأس عليك حتى تشربه، وقال له منْ حوله مثل ذلك. فأقبل على الهُرْمزان فقال: خدعتني، والله لا أنخدع إلا أن تُسلم. فأسلم ففرض (له) في ألفين وأنزله المدينة. وفي روايةٍ أنَّ الترجمان بين عمر وبين الهرمزان كان (٣) المغيرة بن شعبة، فقال له عمر: قُلْ له من أي أرضٍ أنت؟ قال مهرجاني. قال: تكلّم بحجتك. فقال: أكلام حي أم ميت؟ قال: بل كلام حي. فقال قد أمَّنتني، فقال: خدعتني ولا أقبل ذلك إلا أن تسلم. فأسلم ففرض له في ألفين وأنزله المدينة. ثم جاء زيد فترجم بينهما أيضًا. قلت: وقد حَسُن إسلام الهرْمزان وكان لا يفارقُ عمر حتى قُتل عمر فاتَّهمه بعضُ الناس بممالأة أبي لؤلؤة هو وجفينة، فقتل عبيد الله بن عمر الهرمزان وجفينة على ما سيأتي تفصيله. وقد روينا أن الهرمزان لما علاه عبيد الله بالسيف قال: لا إله إلا الله. وأما جفينة فصلب على وجهه. والمقصود أن عمر كان يحجر على المسلمين أن يتوسَّعوا في بلاد العجم خوفًا عليهم من العجم، حتى أشار عليه الأحنف بن قيس بأن المصلحة تقتضي توسُّعهم في الفتوحات، فإن الملك يَزْدَجِرْد لا يزال يستحثّهم على قتال المسلمين، وإن لم يستأصل شأفة (٤) العجم وإلا طمعوا في الإسلام وأهله، فاستحسن عمر ذلك منه وصوَّبه. وأذن للمسلمين في التوسع في بلاد العجم، ففتحوا بسبب ذلك شيئًا كثيرًا، ولله الحمد. وأكثر ذلك وقع في سنة ثماني عشرة كما سيأتي بيانه فيها. ثم نعودُ إلى فتح السوس وجُنْديسابور وفتح نهاوند في قول سيف. كان قد تقدّم أن أبا سبْرة سار بمن معه من علية الأمراء من تُسْتر إلى السُّوس، فنازلها حينًا وقُتل من الفريقين خلقٌ كثيرٌ، فأشرف عليه علماءُ

стр. 3347

أهلها فقالوا: يا معشر المسلمين لا تتعبوا في حصار هذا البلد فإنا نأثر فيما نرويه (١) عن قدمائنا من أهل هذا البلد أنه لا يفتحه إلا الدجّال أو قوم معهم الدجال، واتفق أنه كان في جيش أبي موسى الأشعري صاف بن صَيّاد، فأرسله أبو موسى فيمن يحاصره، فجاء إلى الباب فدقه (٢) برجله فتقطعت السلاسل، وتكسرت الأغلاق، ودخل المسلمون البلد فقتلوا من وجدوا حتى نادوا بالأمان ودعوا إلى الصلح فأجابوهم إلى ذلك، وكان على السوس شهريار أخو الهرمزان، فاستحوذ المسلمون على السوس، وهو بلدٌ قديمُ العمارة في الأرض يقال إنه أول بلد وضع وجه الأرض، والله أعلم. وذكر ابن جرير (٣) أنهم وجدوا قبر دانيال بالسوس، وأن أبا موسى لما أقام (٤) بها بعد مضيّ أبي سَبْرة إلى جُنْدَيْ سابور، كتب إلى عمر في أمره (٥) فكتب إليه أن يدفنه وأن يُغيِّب عن الناس موضعَ قبره، ففعل. وقد بسطنا ذلك في سيرة عمر ولله الحمد. قال ابن جرير: وقال بعضهم إنَّ فتحَ السوس ورامهرمز وتسيير الهُرمُزان من تُسْتَر إلى عمر في سنة عشرين والله أعلم، وكان الكتاب العمريّ قد ورد بأن النعمان بن مُقَرِّن يذهب إلى أهل نهاوند فسار إليها فمر بماه - بلدة كبيرة قبلها - فافتتحها ثم ذهب إلى نهاوند ففتحها ولله الحمد. قلت: المشهور أن فتح نهاوند إنما وقع في سنة إحدى وعشرين كما سيأتي فيها بيان ذلك، وهي وقعةٌ عظيمة وفتحٌ كبيرٌ، وخبرٌ غريبٌ، ونبأٌ عجيبٌ، وفتح زر بن عبد الله الفُقَيْمي مدينة جُنْدَيْ سابور فاستوثقت (٦) تلك البلاد للمسلمين. هذا وقد تحول يَزْدَجرد من بلد إلى بلد [ومن ذلك البلد إلى غيره] حتى انتهى أمره إلى الإقامة بأصبهان، وقد كان صرف طائفة من أشراف أصحابه قريبًا من ثلاثمئة من العظماء (٧) عليهم رجل يقال له سياه، فكانوا يفرّون من المسلمين من بلدٍ إلى بلدٍ حتى فتح المسلمون تُسْتر وإصطخرَ، فقال سياه لأصحابه: إنَّ هؤلاء بعد الشقاء والذلّة ملكوا أماكن الملوك الأقدمين، ولا يلقون جندًا إلا كسروه، والله ما هذا عن باطل. ودخل في قلبه الإسلام وعظمته فقالوا له: نحن تبعٌ لك. وبعث عمارُ بن ياسر في غضون ذلك يدعوهم إلى الله، فأرسلوا إلى أبي موسى الأشعري بإسلامهم [وكتب فيهم إلى عمر في ذلك، فأمره أن يفرض لهم في ألفين ألفين، وفرض لستة منهم في ألفين

стр. 3348

وخمسمئة، وحسن إسلامهم] (١) وكان لهم نكاية عظيمة في قتال قومهم حتى بلغ من أمرهم أنهم حاصروا حصنًا فامتنع عليهم فجاء أحدهم فرمى بنفسه في الليل على باب الحصن (٢) وضمَّخَ ثيابه بدمٍ، فلما نظروا إليه حسبوا أنه منهم، ففتحوا إليه باب الحصن ليُؤْووه فثار إلى البوّاب فقتله، وجاء بفية أصحابه ففتحوا ذلك الحصن، وقتلوا منْ فيه من المَجوس، إلى غير ذلك من الأمور العجيبة، والله يهدي منْ يشاء إلى صراط مستقيم. وذكر ابن جرير (٣) أنّ عمرَ بن الخطاب عقدَ الألويةَ والرايات الكبيرة في بلاد خراسان والعراق لغزو فارس والتوسع في بلادهم كما أشار عليه بذلك الأحنفُ بن قيس، فحصل بسبب ذلك فتوحات كثيرة في السنة المستقبلة بعدها كما سنبينه وننبه عليه ولله الحمد والمنة. قال: وحج بالناس في هذه السنة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ثم ذكر نُوّابه على البلاد، وهم منْ ذكر في السنة قبلها غير المغيرة فإن على البصرة بدله أبو موسى الأشعري. قلت: وقد توفي في هذه السنة أقوام قيل إنهم توفوا قبلها وقد ذكرناهم، وقيل فيما بعدها وسيأتي ذكرهم في أماكنهم، والله تعالى أعلم. ثم دخلت سنة ثماني عشرة المشهور الذي عليه الجمهورُ أنَّ طاعونَ عَمَواس كان بها، وقد تبعنا قول سيف بن عمر وابن جرير في إيراده ذلك في السنة التي قبلها، لكنّا نذكرُ وفاةَ منْ ماتَ في الطّاعون في هذه السنة إن شاء الله تعالى. قال ابن إسحاق وأبو معشر: كان في هذه السنة طاعون عَمَواس وعام الرَّمادة، فتفانى فيهما الناسُ. قلتُ: كان في عام الرمادة جَدبٌ عمَّ أرضَ الحجاز، وجاع الناسُ جوعًا شديدًا. وقد بسطنا القولَ في ذلك في سيرة عمر. وسُمِّيتْ عام الرمادة لأنّ الأرضَ اسودّت من قلّة المطر حتى عاد لونها شبيهًا بالرماد. وقيل: لأنها تسفي (٤) الريح ترابًا كالرماد. ويمكن أن تكون (سميت) لكل (٥) منهما والله أعلم. وقد أجدبت الناس في هذه السنة بأرض الحجاز، وجفلت (٦) الأحياء إلى المدينة ولم يبق عند أحد منهم زاد، فلجؤوا إلى أمير المؤمنين، فأنفقَ فيهم من حواصل بيت المال ممَّا فيه من الأطعمة والأموال

стр. 3349

حتى أنفده، وألزمَ نفسه لأن لا يأكل سمنًا ولا سمينًا حتى يكشف ما بالناس، فكان في زمن الخصب يبث (١) له الخبز باللبن والسمن، ثم كان عام الرمادة يبث له بالزيت والخل، وكان يستمرئ الزيت. وكان لا يشبع مع ذلك، فاسودّ لون عمر ﵁ وتغيّر جسمه حتى كاد يُخْشى عليه من الضعف. واستمرّ هذا الحال في الناس تسعةَ أشهرٍ، ثم تحوّل الحال إلى الخصب والدعة وانشمر الناس عن المدينة إلى أماكنهم. قال الشافعي: بلغني أنّ رجلًا من العرب قال لعمر حين ترحلت (٢) الأحياء عن المدينة: لقد انجلت عنك ولأنّك لابن حرة. أي: واسيت الناس وأنصفتهم وأحسنت إليهم. وقد روينا أن عمر عس (٣) المدينة ذات ليلة عامَ الرمادة فلم يجدْ أحدًا يضحك، ولا يتحدّث الناس في منازلهم على العادة، ولم ير (٤) سائلًا يسأل، فسأل عن سبب ذلك فقيل له: يا أمير المؤمنين إن السُّؤَّال سألوا فلم يُعْطوا فقطعوا السؤال، والناسُ في همٍّ وضيقٍ فهم لا يتحدّثون ولا يضحكون. فكتب عمر إلى أبي موسى بالبصرة أن يا غوثاه لأمة محمد. وكتب إلى عمرو بن العاص بمصر أن يا غوثاه لأمة محمد. فبعث إليه كل واحد منهما بقافلة عظيمة تحمل البُر وسائر الأطعمات، ووصلت ميرة عمرو في البحر إلى جدة ومن جدة إلى مكة. وهذا الأثر جيد الإسناد، لكنَّ ذِكْرَ عمرو بن العاص في عام الرمادة مُشْكل، فإن مصر لم تكن فُتحت في سنة ثماني عشرة، (فإمّا أن يكونَ عامُ الرمادة بعد سنة ثماني عشرة)، أو يكون ذكر عمرو بن العاص في عام الرمادة وهمٌ، والله أعلم. وذكر سيف عن شيوخه أنّ أبا عبيدة قدم المدينة ومعه أربعة آلاف راحلة تحمل طعامًا، فأمره عمر بتفريقها (٥) في الأحياء حول المدينة، فلما فرغ من ذلك أمر له بأربعة آلاف درهم فأبى أن يقبلها، فألحَّ عليه عمر حتى قبلها. ((٦) وقال سيف بن عمر (٧)، عن سهل بن يوسف السُّلَمي، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كان عام الرمادة في آخر سنة سبع عشرة، وأول سنة ثماني عشرة، أصاب أهلَ المدينةِ وما حولها جوعٌ فهلك كثير من الناس، حتى جعلتِ الوحشُ تأوي إلى الإنس، فكان (٨) الناس بذلك وعمر

стр. 3350

كالمحصور عن أهل الأمصار حتى أقبل بلال بن الحارث المزني فاستأذن على عمر فقال: أنا رسولُ رسولِ الله إليك، يقول لك رسول الله ﷺ : "لقد عهدتُكَ كيسًا، وما زلتَ على ذلك، فما شأنُكَ"؟ قال: متى رأيتَ هذا؟ قال: البارحةَ. فخرج فنادى في الناس الصلاة جامعة، فصلَّى بهم ركعتين ثم قام فقال: أيها الناس أنشدكم (١) الله هل تعلمون مني أمرًا غيره خير (٢) منه؟ فقالوا: اللهم لا، فقال: إن بلال بن الحارث يزعم ذَيَّة وذَيَّة (٣). قالوا: صدق بلال فاستغث بالله ثم المسلمين. فبعث إليهم - وكان عمر عن ذلك محصورًا - فقال عمر: الله أكبر، بلغ البلاء مدته فانكشف. ما أذنَ لقوم في الطلب إلا وقد رُفعَ عنهم الأذى والبلاء. وكتب إلى أُمراء الأمصار أن أغيثوا أهلَ المدينة ومنْ حولها، فإنه قد بلغ جَهْدهم. وأخرج الناس إلى الاستسقاء فخرج وخرج معه (٤) العباس بن عبد المطلب ماشيًا، فخطب وأوجز وصلى ثم جثا لركبتيه وقال: اللهم إياك نعبد وإياك نستعين، اللهم اغفر لنا وارحمنا وارض عنا. ثم انصرف فما بلغوا المنازل راجعين حتى خاضوا الغُدْران). ثم روى سيف (٥)، عن مبشر بن الفضيل، عن جبير بن صخر، عن عاصم بن عمر بن الخطاب: أن رجلًا من مزينة عام الرّمادة سأله أهله أن يذبح لهم شاة فقال: ليس فيهن شيء. فألحوا عليه، فذبح شاة فإذا عظامُها حمرٌ. فقال: يا محمداه (٦). فلما أمسى أري في المنام أنَّ رسول الله يقول له: "أبشرْ بالحياة (٧)، ائت عمر، فأقرئه منّي السلام وقل له: إن عهدي بك وفيُّ العهد شديد العقد، فالكَيْس الكَيْس يا عمر"، فجاء حتى أتى باب عمر فقال لغلامه: استأذن لرسول رسول اللّه ﷺ . فأتى عمر فأخبره ففزع ثم صعد عمر المنبر فقال للناس: أنشدكم الله الذي (٨) هداكم للإسلام هل رأيتم مني شيئًا تكرهونه؟ فقالوا: اللهم لا، وعم ذاك؟ فأخبرهم بقول المزني (٩) - وهو بلال بن الحارث - ففطنوا ولم يفطن. فقالوا: إنما استبطأك في الاستسقاء فاستسق بنا. فنادى في الناس فخطب فأوجز ثم صلى ركعتين فأوجز ثم قال: اللهم عجزتْ عنا أنصارُنا، وعجزَ عنا حولُنا وقوتنا، وعجزتْ عنا أنفسُنا، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بكَ، اللهم اسْقنا وأحْي العبادَ والبلادَ.

стр. 3351

وقال الحافظ أبو بكر البيهقي (١): أخبرنا أبو نصر بن قتادة وأبو بكر الفارسي قالا: حدَّثنا أبو عَمْرو (٢) بن مطر، حدَّثنا إبراهيم بن علي الذُّهلي، حدَّثنا يحيى بن يحيى، حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن مالك قال: أصاب الناسَ قحطٌ في زمن عمر بن الخطاب فجاء رجلٌ إلى قبر النبي ﷺ فقال: يا رسولَ الله استسقِ اللهَ لأمتك فإنهم قد هلكوا. فأتاه رسول الله ﷺ في المنام فقال: ائت عمر فأقرئه مني السلامَ وأخبرهم أنهم مُسْقَوْن (٣)، وقل له عليك بالكيس الكَيْس. فأتى الرجل فأخبر عمر فقال: يا رب ما آلوا إلا ما عجزت عنه. وهذا إسناد صحيح (٤). وقال الطبراني (٥): حدَّثنا أبو مسلم الكشّي، حدَّثنا محمد الأنصاري (٦)، حدَّثنا أبي، عن ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن أنس: أن عمر خرج يستسقي وخرج بالعباس معه يستسقي يقول: اللهم إنّا كُنا إذا قُحِطنا على عهد نبيّنا توسَّلنا إليك بنبينا، وإنا نتوسَّل إليك بعمّ نبينا ﷺ . وقد رواه البخاري (٧) عن الحسن بن محمد، عن محمد بن عبد الله [الأنصاري] به ولفظه عن أنس: أنَّ عمرَ كان إذا قُحِطوا يستسقي بالعباس بن عبد المطلب فيقول: اللهم إنّا كُنا نتوسَّلُ إليكَ بنبينا ﷺ فتسقينا وإنا نتوسَّلُ إليك بعمِّ نبينا فاسْقِنا. قال: فيُسْقَوْنَ. وقال أبو بكر بن أبي الدنيا - في كتاب المطر وفي كتاب مجابي الدعوة - حدَّثنا أبو بكر النيسابوري، حدَّثنا عطاء بن مسلم، عن العُمري، عن خوَّات بن جبير قال: خرج عمر يستسقي بهم فصلّى ركعتين فقال: اللهم إنا نستغفرك ونستسقيك فما برحَ من مكانه حتى مُطِروا، فقدم أعراب فقالوا: يا أمير المؤمنين بينا نحن في وادينا في ساعة كذا إذ أظلتنا غمامة فسمعنا منها صوتًا: أتاك الغوث أبا حفص، أتاك الغوث أبا حفص. وقال أبن أبي الدنيا: حدَّثنا إسحاق بن إسماعيل، حدَّثنا سفيان، عن مطرف بن طريف، عن الشَّعبي قال: خرج عمر يستسقي بالناس فما زاد على الاستغفار حتى رجع، فقالوا: يا أمير المؤمنين

стр. 3352

ما نراك استسقيتَ. فقال: لقد طلبتُ المطرَ بمجاديع (١) السماء التي يستنزل بها المطر (٢) ثم قرأ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١)﴾ [نوح: ١٠، ١١] ثم قرأ: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا﴾ [هود: ٣]. وذكر ابن جرير (٣) في هذه السنة من طريق سيف بن عمر، عن أبي المجالد والربيع (وأبي) عثمان وأبي حارثة، وعن عبد الله بن شُبرُمة، عن الشَّعبي قالوا: كتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب أن نفرًا من المسلمين أصابوا الشراب، منهم ضرار وأبو جندل بن سهل، فسألناهم فقالوا: خُيِّرنا فاخْتَرْنا. قال: فهل أنتم مُنْتهون؟ (ولم يعزم. فجمعَ عمرُ الناسَ فأجمعوا على خلافهم، وأن المعنى: فهل أنتم منتهون) أي: انتهوا. وأجمعوا على جلدهم ثمانين ثمانين. وأن منْ تأوَّل هذا التأويل وأصرَّ عليه يُقْتل. فكتب عمر إلى أبي عبيدة أن ادعُهُم فسلهم عن الخمر، فإن قالوا هي حلال فاقتلهم، وإن قالوا هي حرام فاجلدهم، فاعترف (٤) القوم بتحريمها، فجُلدوا الحدّ، وندموا على ما كان منهم من اللّجاجة فيما تأولوه (٥)، حتى وُسْوس أبو جندل في نفسه، فكتب أبو عبيدة إلى عمر في ذلك، وسأله أن يكتب إلى أبي جند (٦) ويذكره، فكتب إليه عمر بن الخطاب في ذلك: من عمر إلى أبي جندل، إن الله لا يغفر أن يُشْركَ به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فتُبْ وارفَعْ رأسَكَ وابرز ولا تقنط فإن الله تعالى يقول ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣] وكتب عمر إلى الناس: أن عليكم أنفسكم ومن غيَّر فغيِّروا عليه، ولا تُعيِّروا أحدًا فيفشوا فيكم البلاء، وقد قال أبو الزهراء القشيري في ذلك (٧): [من الطويل] ألمْ تَرَ أنَّ الدَّهْرَ يَعْثُرُ بالفَتَى … وليسَ على صَرْفِ المَنونِ بقَادِرِ (٨)

стр. 3353

صَبَرْتُ ولمْ أجْزَعْ وقَدْ ماتَ إخْوتي … ولستُ عن الصَّهبا (١) يومًا بصابِرِ رماها أميرُ المُؤْمنينَ بحَتْفها … فخُلَّانُها يَبْكُونَ حولَ المَعاصِرِ (٢) قال الواقدي (٣) وغيره: وفي هذه السنة في ذي الحجة منها حَوَّلَ عمرُ المقام - وكان مُلْصقًا بجدار الكعبة - فأخّره إلى حيث هو الآن لئلا يشوِّشَ المصلون عنده على الطّائفين. قلت: قد ذكرت أسانيد ذلك في سيرة عمر ولله الحمد (والمنة). قال: وفيها استقضى عمر شريحًا على الكوفة، وكعب بن سور على البصرة. قال: وفيها حجَّ عمرُ بالناس، وكان نوابه فيها الذين تقدَّم ذكرهم في السنة (الماضية). وفيها فُتحت الرَّقَّة والرُّها وحَرّان على يدي عياض بن غنم. قال: وفُتحت رأس عين الوردة (٤) على يدي عمر بن سعد بن أبي وقاص. وقال غيره خلاف ذلك. وقال شيخنا الحافظ الذهبي في "تاريخه" (٥): وفيها - يعني هذه السنة - افتتح أبو موسى الأشعري الرُّها وسُمَيْساط (٦) عنوةً، وفي أوائلها وجَّه أبو عبيدة عياض بن غنم إلى الجزيرة فوافق أبا موسى فافتتحا حران ونصيبين وطائفة من الجزيرة عنوة، وقيل: صلحًا. وفيها سار عياض إلى الموصل فافتتحها وما حولها عنوة. وفيها بنى سعد جامع الكوفة. وقال الواقدي: وفيها كان طاعون عَمَواس فمات فيه خمسة وعشرون ألفًا. قلت: هذا الطاعون منسوب إلى بلدة صغيرة يقال لها عَمَواس - وهي بين القدس والرملة - لأنها كان أول ما نجم الداء بها، ثم انتشر في الشام منها فنسب إليها، فإنّا لله وإنا إليه راجعون. قال الواقدي: توفي في عام طاعون عَمَواس من المسلمين بالشام خمسة وعشرون ألفًا. وقال غيره: ثلاثون ألفًا. وهذا ذكر طائفة من أعيانهم ﵃. الحارث بن هشام (٧)، أخو أبي جهل، أسلم يوم الفتح، وكان سيدًا شريفًا في الإسلام كما كان

стр. 3354

في الجاهلية، استشهد بالشام في هذه السنة في قول، وتزوج عمر بعده بامرأته فاطمة. شُرَحْبِيل ابن حَسَنَة (١)، أحد أمراء الأرباع، وهو أمير فلسطين، وهو شُرَحبيل بن عبد الله بن المُطاع بن قطن الكِنْدي حليف بني زُهْرة، وحَسَنَةُ أمه، نسب إليها وغلب عليه ذلك. أسلم قديمًا وهاجر إلى الحبشة وجهزه الصّدّيق إلى الشام، فكان أميرًا على ربع الجيش، وكذلك في الدولة العمرية، وطعن هو وأبو عبيدة وأبو مالك الأشعري في يوم واحد سنة ثماني عشرة. له حديثان روى ابن ماجه أحدهما في الوضوء وغيره (٢). عامر بن عبد الله بن الجرّاح (٣) بن هِلال بن أُهَيْب (بن ضَبَّة بن الحارث) بن فِهْر القُرَشي أبو عبيدة (بن الجَرّاح) الفِهْري، أمينُ هذه الأمة، وأحدُ العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحدُ الخمسة الذين أسلموا في يوم واحدٍ، وهم عُثمان بن مَظْعون، وعُبَيْدة بن الحارث، وعبد الرحمن بن عَوْف، وأبو سلمهَ بن عبد الأسد، وأبو عُبَيْدة بن الجَرّاح. أسلموا على يدي الصديق. ولما هاجروا آخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن معاذ، وقيل بين محمد بن مسلمة. وقد شهدَ بدرًا وما بعدها، وقال رسول الله ﷺ : "إن لكلِّ أمةٍ أمينًا وأمينُ هذه الأمة أبو عُبَيْدة بن الجَرّاح" ثبت ذلك في الصحيحين (٤). وثبت في الصحيحين (٥) أيضًا أن الصدّيق قال يوم الشَّقيفة: وقد رضيتُ لكم أحدَ هذين الرجلين فبايعوه - يعني عمر بن الخطاب وأبا عُبَيْدة. وبعثه الصديق أميرًا على ربع الجيش إلى الشام، ثم لما انتدب خالدًا على العراق كان أميرًا على أبي عبيد وغيره لعلمه بالحروب (٦) فلما انتهت الخلافةُ إلى عمر عزلَ خالدًا وولَّى أبا عبيدة بن الجراح، وأمره أن يستشير خالدًا، فجمعَ للأمة بين أمانة أبي عُبَيْدة وشجاعة خالد. قال ابن عساكر: وهو أولُ من سُمِّي أميرَ الأمراء بالشام. قالوا: وكان أبو عبيدة طوالًا نحيفًا أَجْنًا (٧)

стр. 3355

معروف الوجه، خفيف اللحية، أهتم (١)، وذلك لأنه لما انتزع الحلقتين من وَجْنتي رسول الله ﷺ يوم أُحد خاف أن يؤلم رسول الله ﷺ فتحامل على ثنيتيه فسقطتا، فما رُئيَ أحسن هتمًا منه. توفي بالطاعون عام عَمَواس كما تقدم سياقه في سنة ست عشرة عن سيف بن عمر. والصحيح أنّ عَمَواس كانت في هذه السنة - سنة ثماني عشرة - بقرية (فِحْل)، وقيل بالجابية. وقد اشتهر في هذه الأعصار قبر بالقرب من عقبة ينسب إليه، والله أعلم. وعمره يوم مات ثمانٍ وخمسون سنة. الفضل بن عباس بن عبد المطلب (٢)، كان حسنًا وسيمًا جملًا، أردفه رسول الله ﷺ وراءه يوم النحر من حجة الوداع، وهو شاب حسن، وقد شهد فتح الشام، واسثُشهد بطاعون عَمَواس، في قول محمد بن سعد والزبير بن بكار وأبي حاتم وابن البرقي (٣)، وهو الصحيح. وقيل يوم مرج الصفر، وقيل بأجنادين. ويقال باليرموك [ويقال] سنة ثمان وعشرين. معاذ بن جَبَل (٤) بن عمرو بن أوس بن عائذ (٥) بن عَدي بن كَعْب بن عَمرو بن أُدَيّ بن [سعد بن] علي بن أَسَد بن سارِدَة بن يزيد بن جُشَم بن الخزرج الأنصاري الخَزرجي أبو عبد الرحمن المَدني: صحابيٌّ جليلٌّ كبيرُ القَدْرِ. قال الواقديُّ: كان طُوالًا حسنَ الشَّعرِ والثَّغْرِ بَرَّاق الثّنايا، لم يولد له. وقال غيره: بل وُلد له ولد وهو عبد الرحمن. شهد معه اليرموك. وقد شهد معاذ العقبة. ولما هاجر الناس آخى رسول الله ﷺ بينه وبين ابن مسعود. وحكى الواقديّ الإجماعَ على ذلك. وقد قال محمد بن إسحاق: آخى بينه وبين جعفر بن أبي طالب، وشهد بدرًا وما بعدها. وكان أحدَ الأربعة من الخزرج الذين جمعوا القرآنَ في حياةِ النبيّ ﷺ ، وهم: أبيّ بن كعبٍ، وزَيْدُ بن ثابتٍ، ومُعاذُ بن جَبَلٍ، وأبو زيد عمّ أنس بن مالك (٦). وصحَّ في الحديث الذي رواه أبو داود والنّسائي (٧) من حديث حَيْوة بن شُرَيْح، عن عقبة بن مسلم، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلّي، عن الصُّنابحي، عن مُعاذ أن رسول الله ﷺ قال له: "يا مُعاذ والله إني لأحبُّكَ، فلا تدعنَّ أن تقولَ في دبُرَ كلِّ صلاةٍ: اللَّهُمّ أعنّي على ذكرك وشُكركَ

стр. 3356

وحُسنِ عبادتك". وفي المُسند والنَّسائي وابن ماجه (١) من طريق أبي قِلابة، عن أنسٍ مرفوعًا: "وأعْلَمهم بالحلالِ والحرامِ مُعاذ بن جبل" وقد بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن وقال له: "بم تحكمُ"؟ فقال: بكتاب الله … الحديث (٢). وكذلك أقرَّه الصّديق على ذلك يعلّم الناس الخيرَ باليمن. ثم هاجر إلى الشام فكان بها حتى مات بعد ما استخلفه أبو عبيدة حين طُعن ثم طُعن بعده في هذه السنة. وقد قال عمر بن الخطاب: "إن معاذًا يبعث أمام العلماء برتوة" (٣). ورواه محمد بن كعب مُرْسلًا (٤). وقال ابن مسعود: كنا نُشبِّهه بإبراهيم الخليل. وقال ابن مسعود: إن معاذًا كان قانتًا لله حنيفًا ولم يك من المشركين (٥). وكانت وفاته شرقي غور بَيْسان سنة ثماني عشرة. وقيل سنة تسع عشرة، وقيل (سبع عشرة، عن ثمان وثلاثين سنة على المشهور وقيل) غير ذلك والله أعلم. يزيد بن أبي سفيان (٦) أبو خالد يزيد بن صَخْر بن حَزب بن أُمية بن عبد شمس بن عبد مناف القُرَشي الأموي، أخو معاوية، وكان يزيد أكبرَ وأفضلَ. وكان يقال له يزيد الخير، أسلم عام الفتح، وحضر حُنَينًا، وأعطاه رسول الله ﷺ مئة (من الإبل) وأربعين أوقية، واستعمله الصّدّيق على ربع الجيش إلى الشام، وهو أول أمير وصل إليها، ومشى الصّدّيق في ركابه يوصيه، وبعث معه أبا عبيدة وعمرو بن العاص وشُرَحْبيل بن حَسَنة، فهؤلاء أمراء الأرباع. ولما افتتحوا دمشق دخلَ هو من باب الجابية الصغير عنوةً كخالد في دخوله من الباب الشرقي عنوةً، وكان الصدِّيق قد وعده بإمرتها، فوليها عن أمر عمر وأنفذ

стр. 3357

له ما وعده الصّدّيق، وكان أولَ من وليها من المسلمين. المشهور أنه مات في طاعون عَمَواس كما تقدم. وزعم الوليد بن مسلم أنه توفي سنة تسع عشرة بعد ما فتح قيسارية. ولما مات كان قد استخلف أخاه معاوية على دمشق فأمضى عمر بن الخطاب له ذلك ﵃. وليس له في الكتب شيء، وقد روى عنه أبو عبد الله الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: "مثلُ الذي يُصلِّي ولا يُتمُّ ركوعَهُ ولا سجوده مثلُ الجائعِ الذي لا يأكلُ إلا التمرةَ والتمرتين لا يغنيان عنه شيئًا" (١). أبو جَنْدل بن سُهَيْل (٢) بن عمرو، وقيل اسمه العاص: أسلم قديمًا، وقد جاء يوم صلح الحديبية مسلمًا يرسف في قيوده لأنّه كان قد استضعف فردّه أبوه وأبى أن يصالح حتى يُردّ، ثم لحق أبو جندل بأبي بَصير (٣) إلى سِيف البحر (٤)، ثم هاجر إلى المدينة وشهد فتح الشام. وقد تقدم أنه تأول آية الخمر ثم رجع (٥)، ومات بطاعون عَمَواس ﵀ ورضي عنه. أبو عبيدة بن الجراح هو عامر بن عبد الله تقدم. أبو مالك الأشعري (٦)، قيل اسمه كعب بن عاصم، قدم مهاجرًا سنة خيبر مع أصحاب السفينة، وشهد ما بعدها، واستُشهد بالطاعون عام عَمَواس هو وأبو عبيدة ومعاذ في يوم واحد ﵃ أجمعين. ثم دخلت سنة تسع عشرة قال الواقدي وغيره: كان فتحُ المدائن وجلولاء فيها. والمشهوِرُ خلافُ ما قال كما تقدَّم. وقال محمد بن إسحاق: كان فتحُ الجزيرة والرُّها وحَرّان ورأس العين ونَصيبين في هذه السنة. وقد خالفه غيره (٧). وقال أبو معشر وخليفة (٨) وابن الكلبي: كان فتح قَيْسَارِيّة في هذه السنة وأميرُها معاويةُ. وقال غيره يزيد بن أبي سفيان. وقد تقدّم أن معاوية افتتحها قبل هذا بسنتين. وقال محمد بن إسحاق: كان

стр. 3358

فتحُ قَيْسارية من فلسطين، وهرب هرقل، وفتح مصر في سنة عشرين. وقال سيف بن عمر: كان فتح قيسارية وفتح مصر في سنة ست عشرة. قال ابن جرير (١): فأما فتحُ قيسارية فقد تقدم، وأما فتح مصر فإني سأذكره في سنة عشرين إن شاء الله تعالى. قال الواقدي: وفي هذه السنة ظهرت نارٌ من حرْةِ ليلى (٢) فأراد عمر أن يخرج بالرجال إليها، ثم أمر المسلمين بالصدقة فطفئت ولله الحمد. ويقال كان فيها وقعة أرمينية وأميرها عثمان بن أبي العاص، وقد أصيب فيها صفوان بن المُعَطَّل بن رَحْضَة (٣) السُّلَمي ثم الذَّكواني، وكان أحد الأمراء يومئذ. وقد قال فيه رسول الله ﷺ "ما علمت عليه إلا خيرًا" (٤) وهو الذي ذكره المنافقون في قصة الإفك فبرَّأَ اللهُ ساحتَه، وجنابَ أمّ المؤمنين زوجة رسول الله ﷺ مما قالوا. وقد كان إلى حين قالوا لم يتزوج، ولهذا قال: والله ما كشفت كنف أنثى قط. ثم تزوج بعد ذلك، وكان كثير النوم ربما غلب عليه عن صلاة الصبح في وقتها، كما جاء في سنن أبي داود (٥) وغيره. وكان شاعرًا ثم حصلت له شهادةٌ في سبيل الله، قيل بهذا البلد، وقيل بالجزيرة، وقيل بسُمَيْساط (٦). وقد تقدَّم بعضُ هذا فيما سلف. وفيها فُتحت تكريتُ في قولٍ، والصحيح قبل ذلك. وفيها فيما ذكرنا أسرت الروم عبدَ الله بن حُذافة (٧). وفيها في ذي الحجة منها كانت وقعةٌ بأرض العراقِ قتل فيها أميرُ المجوس (٨) شهرك، وكان أمير المسلمين يومئذ الحكم بن أبي العاص ﵁. قال ابن جرير (٩)، وفيها (حجَّ) بالناس عمرُ، ونوابه في البلاد وقضاته هم المذكورون قبلها والله أعلم.

стр. 3359

(ذكر من توفي فيها من الأعيان) وممن توفي فيها من الأعيان: أُبَيُّ بن كعب (١) سيد القراء، وهو أُبَيّ بن كعب بن قيس بن عبيد بن زَيْد بن مُعاوية بن عَمْرو بن مالك بن النَّجّار، أبو المُنْذر وأبو الطُّفَيْل، الأنْصاري النَّجَّاري سيِّد القُرّاء: شهد العَقَبَة وبدرًا وما بعدهما، وكان سَيِّدًا جليلَ القدر. وهو أحد القراء الأربعة الخزرجيين الذين جمعوا القرآن في حياة رسول الله ﷺ وقد قال لعمر يومًا: إني تلقيت القرآن ممن تلقاه منه جبريل وهو رطب. وفي المسند والنسائي وابن ماجه (٢) من طريق أبي قِلابة عن أنس مرفوعًا: "أقرأُ أُمتي أُبي بن كعب" وفي الصحيح (٣) أنَّ رِسول الله ﷺ قال له: "إنَّ اللهَ أمرني أن أقرأَ عليكَ القرآن". قال: وسمّاني لكَ؟ قال: "نعم" فذرفتْ عيناه. وقد تكلّمنا على ذلك في التفسير عند سورةِ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١)﴾ [البينة: ١]. قال الهَيْثَم بن عَدِيّ: توفي أُبي سنة تسع عشرة. وقال يحيى بن مَعين: سنة سبع عشرة أو عشرين. وقال الواقدي عن غير واحد: توفي سنة اثنتين وعشرين. وبه قال أبو عبيد وابن نمير وجماعة. وقال الفلاس وخليفة (٤): توفي في خلافة عثمان بن عفان ﵁. وفيها مات خَبَّاب (٥) مولى عُتْبَة بن غَزْوان من المهاجرين شهد بدرًا وما بعدها، وهو صحابيٌّ من السّابقين وصلَّى عليه عمرُ. ومات فيها صَفْوان بن المُعطَّل (٦) في قول كما تقدم، والله أعلم.

стр. 3360

سنة عشرين من الهجرة قال محمد بن إسحاق: فيها كان فتحُ مصر. وكذا قال الواقدي: إنّها فُتحت هي وإسكندرية في هذه السنة. وقال أبو معشر: فُتحت مصر سنة عشرين، وإسكندرية في سنة خمس وعشرين. وقال سيف: فتحت مصر وإسكندرية في سنة ست عشرة في ربيع الأول منها (١). ورجّح ذلك أبو الحسن بن الأثير في "الكامل" (٢) لقصة بعث عمرو الميرة من مصر عام الرّمادة، وهو معذور فيما رجحه، والله أعلم. وفيها كان فتح تُسْتَر في قول طائفةٍ من علماء السير بعد محاصرة سنتين وقيل سنة ونصف، والله أعلم. صفة فتح [بلاد] مصر [مجموعًا من كلام] (٣) ابن إسحاق وسيف [وغيرهما] قالوا: لما استكملَ (عمر) والمسلمون فتحَ الشام بعثَ عمرو بن العاص إلى مصرَ. وزعم سيفٌ أنَّه بعثه بعد فتح بيت المقدس، وأردفه بالزُّبير بن العَوَّام وفي صحبته بُسْر بن أرطاة (٤)، وخارِجَة بن حُذافَة وعُمَيْر بن وَهْب الجُمَحي. فاجتمعا على باب مصر فلقيهم أبو مريم جاثليق مصر، ومعه الأسقفّ (٥) أبو مريام في أهل الثبات (٦)، بعثه المُقَوْقِسُ صاحب إسْكَنْدَرِيَّة لمنع بلادهم، فلما تصافُّوا قال عمرو بن العاص لا تعجلوا حتى نُعْذرَ، ليبرز إليَّ أبو مريم وأبو مريام راهبا هذه البلاد، فبرزا إليه، فقال لهما عمرو بن العاص: أنتما راهبا هذه البلاد فاسمعا، إن الله بعث محمدًا ﷺ بالحق وأمره به وأمرنا به محمد ﷺ ، وأدَّى إلينا كلّ الذي أُمر به، ثم مضى وتركنا على الواضحة، وكان مما أمرنا به الإعذار إلى الناس، فنحن ندعوكم إلى الإسلام، فمن أجابنا (إليه) فمثلنا، ومن لم يجبنا (٧) عرضنا عليه الجزية وبذلنا له المنعة، وقد أعلمنا [ ﷺ ] أنا مفتتحوكم، وأوصانا بكم حفظًا لرحمنا منكم، وإنَّ لكم إن أجبتمونا بذلك ذمة إلى ذمة. ومما عهد إلينا أميرنا: استوصوا بالقِبْطيِّين خيرًا، فإنّ رسول الله ﷺ أوصانا بالقِبْطيِّين

стр. 3361

خيرًا، لأن لهم رحمًا وذمة (١). فقالوا: قرابةٌ بعيدةٌ لا يصل مثلها إلا الأنبياءُ معروفة شريفة، كانت ابنة ملكنا وكانت من أهل مَنْف والملك فيهم، فأديل (٢) عليهم أهل عين شمس فقتلوهم وسلبوهم ملكهم واغتربوا فلذلك صارت إلى إبراهيم (٣) ﵇ مرحبًا به وأهلًا. أمِّنَّا حتى نرجع إليك، فقال عمرو: إن مثلي لا يخدع ولكنّي أؤجلكما ثلاثًا لتنظرا ولتناظرا قومكما وإلا ناجزتكم. قالا: زدنا، فزادهم (يومًا، فقالا: زدنا. فزادهم يومًا) فرجعا إلى المُقَوْقِس فأبى أرطبون أن يجيبهما وأمر بمناهدتهم، فقالا لأهل مصر: أما نحن فسنجتهد أن ندفع عنكم ولا نرجع إليهم. وقد بقيتْ أربعةُ أيامٍ (قاتلوا) وأشار عليهم بأن يبيِّتوا (٤) للمسلمين، فقال الملأ منهم: ما تقاتلون من قوم قتلوا كسرى وقيصر وغلبوهم على بلادهم، فألحّ الأرطبون في أن يبّيتوا للمسلمين ففعلوا فلم يظفروا بشيء بل قتل منهم طائفة منهم الأرطبون، وحاصر المسلمون عين شمس من مصر في اليوم الرابع. وارتقى الزبير عليهم سورَ البلد، فلما أحسُّوا بذلك خرجوا إلى عمرو من الباب الآخر فصالحوه واخترقَ الزُّبير البلدَ حتى خرجَ من الباب الذي عليه عمرو فأمْضوا الصلحَ وكتب لهم عمرو كتاب أمان: "بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهلَ مصر من الأمان على أنفسهم وملّتهم وأموالهم وكنائسهم وصُلُبهم وبرّهم وبَحْرهم لا يدخل عليهم شيء من ذلك، ولا يُنتقص ولا يساكنهم النوبة، وعلى أهل مصر أن يُعْطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصلح وانتهت زيادةُ نهرهم خمسين ألف ألف وعليهم جَنَى لُصُوتُهم (٥)، فإن أبى أحدٌ منهم أن يجيبَ رُفع عنهم من الجزاء بقدرهم، وذمّتنا ممن أبى بريئة. وإن نقص نهرهم من غايته [إذا انتهى] رفع عنهم بقدر ذلك ومنْ دخل في صلحهم من الروم والنوبة، فله مثل مالهم وعليه مثل ما عليهم، ومنْ أبى واختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه أو يخرج من سلطاننا، عليهم ما عليهم أثلاثًا، (في كل ثلث جباية ثلث ما عليهم). على ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخليفة أمير المؤمنين وذمم المؤمنين، وعلى النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأسًا، وكذا وكذا فرسًا على أن لا يغزوا ولا يمنعوا من تجارة (٦) صادرة ولا واردة، شهد الزُّبير وعبد الله ومحمد ابناه وكتب وردان وحضر" فدخل في ذلك أهل مصر كلهم وقبلوا الصلح واجتمعت الخيولُ بمصر وعَمَروا الفسطاط (٧)، وظهر أبو مريم وأبو مريام فكلَّما عَمْرًا في السبايا التي أصيبت بعد

стр. 3362

المعركة. فأبى عمرو أن يردّها عليهما، وأمر بطردهما وإخراجهما من بين يديه، فلما بلغ ذلك أميرَ المؤمنين عمر بن الخطاب أمر أنّ كلّ سبي أخذ في الخمسة أيام التي أمَّنوهم فيها أن يرد عليهم، وكلّ سبي أخذ ممن لم يقاتل وكذلك منْ قاتل فلا يردّ عليه سباياه. وقيل إنّه أمره أن يخيِّروا منْ في أيديهم من السبي بين الإسلام وبين أن يرجع إلى أهله، فمنِ اختار الإسلامَ فلا يردّوه إليهم، ومن اختارهم ردّوه عليهم وأخذوا منه الجزيةَ، وأما ما تفرّق من سبيهم في البلاد ووصل إلى الحرمين وغيرهما، فإنه لا يقدر على ردّهم ولا ينبغي أن يصالحهم على ما يتعذر (١) الوفاء به. ففعل عمرو ما أمر به أمير المؤمنين، وجمع السبايا وعرضوهم وخيَّروهم، فمنهم من اختار الإسلامَ، ومنهم من عاد إلى دينه، وانعقد الصلحُ بينهم. ثم أرسل عمرو جيشًا إلى إسكندرية - وكان المُقَوْقسُ صاحب الإسكندرية قبل ذلك يؤدي خراج بلده وبلد مصر إلى ملك الروم - فلما حاصره عمرو بن العاص جمع أساقفته وأكابر دولته وقال لهم: إن هؤلاء العرب غلبوا كسرى وقيصر وأزالوهم عن ملكهم ولا طاقة لنا بهم. والرأي عندي أن نؤدي الجزية إليهم. ثم بعث إلى عمرو بن العاص يقول: إني كنت أؤذي الخراج إلى منْ هو أبغضُ إليَّ منكم - فارس والروم - ثم صالحهم على أداء الجزية، وبعث عمرو بالفتح والأخماس إلى عمر بن الخطاب ﵁. وذكر سيف أن عمرو بن العاص لما التقى مع المُقَوْقِس جعل كثير من المسلمين يفرّ من الزحف فجعل عمرو يُذَمِّرهم (٢) ويحثهم على الثبات: فقال له رجلٌ من أهل اليمن: إنّا لم نخلق من حجارة ولا حديد. فقال له عمرو: اسكت فإنما أنت كلب. فقال له الرجل: فأنت إذًا أمير الكلاب (٣). فأعرض عنه عمرو ونادى يطلب أصحابَ رسول الله ﷺ فلما اجتمع إليه منْ هناك من الصحابة قال لهم عمرو: تقدّموا فَبِكُم ينصرُ اللهُ المسلمين - فنهدوا إلى القوم ففتحَ اللهُ عليهم وظفروا أتمَّ الظفر. قال سيف: ففتُحت مصرُ في ربيع الأول من سنة ستّ عشرة، وقام فيها ملك الإسلام ولله الحمد والمنة. وقال غيره: فُتحت مصر في سنة عشرين، وفتحت إسكندرية في سنة خمس وعشرين بعد محاصرة ثلاثة أشهر عنوةً، وقيل صلحًا على اثني عشر ألف دينار. وقد ذكر أنّ المُقَوْقِس سأل من عمرو أن يهادنه أولًا، فلم يقبل عمرو وقال له: قد علمتم ما فعلنا بملككم الأكبر هرقل. فقال المُقَوْقس لأصحابه: صدقَ فنحن أحقُّ بالإذعان. ثم صالح على ما تقدم. وذكر غيره أن عَمرًا والزبير سارا إلى عين شمس (٤) فحاصراها وأن عمرًا بعث إلى الفرما (٥) أبرهة بن

стр. 3363

الصباح، وبعث عوف بن مالك إلى الإسكندرية فقال كل منهما لأهل بلده: إن نزلتم فلكم الأمان. فتربّصوا ماذا يكون من أهل عين شمس، فلما صالحوا صالح الباقون. وقد قال عوف بن مالك لأهل إسكندرية: ما أحسنَ بلدَكُم؟ فقالوا: إنّ إسكندر لمّا بناها قال: لأبنينَّ مدينة فقيرةّ إلى الله غنيةً عن الناس. (فبقيت بهجتها). وقال أبرهة لأهل الفرما، ما أقبحَ (١) مدينتكم؟ فقالوا: إن الفرما - وهو أخو الإسكندر - لمّا بناها قال لأبنينّ مدينة غنيةً عن الله فقيرةً إلى الناس. فهي لا يزال (٢) ساقطًا بناؤها، فشوهت بذلك. وذكر سيفٌ أنَّ عبدَ الله بن سعد بن أبي سَرْح لمّا ولي مصر بعد ذلك زاد في الخراج عليهم رؤوسًا من الرقيق يهدونها إلى المسلمين في كلّ سنة، ويعوّضهم المسلمون بطعام مسمى وكسوةٍ. وأقرّ ذلك عثمان بن عفان وولاة الأمور بعده، حتى كان عمر بن عبد العزيز فأمضاه أيضًا نظرًا لهم، وإبقاءٌ لعهدهم (٣). قلت: وإنما سميت ديار (٤) مصر بالفسطاط نسبة إلى فسطاط عمرو بن العاص، وذلك أنّه نصب خيمتَه وهي الفسطاط موضع مصر اليوم، وبنى الناس حوله، وتركت مصر القديمة من زمان عمرو بن العاص وإلى اليوم، ثم رفع الفسطاط وبنى موضعه جامعًا وهو المنسوب إليه اليوم. وقد غزا المسلمون بعد فتح مصر النوبة فنالهم جراحات كثيرة، وأصيبت أعين كثيرة، لجودة رمي النوبة فسموهم جند الحدق. ثم فتحها الله بعد ذلك وله الحمد والمنة. وقد اختلف في بلاد مصر فقيل: فتحت صلحًا إلَّا الإسكندرية، وهو قول يزيد بن أبي حبيب. وقيل: كلّها عنوة، وهي قول ابن عمر وجماعة. وعن عمرو بن العاص أنه خطب الناس فقال: ما قعدت مقعدي هذا ولأحدٍ من القبط عندي عهدٌ إن شئت - قبلت، وإن شئت بعت، وإن شئت خمست، إلا لأهل الطابلس فإنّ لهم عهدًا نُوفي (٥) به. قصة نيل مصر روينا من طريق ابن لهيعة، عن قيس بن الحجاج، عمن حدَّثه قال: لما افتتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص - حين دخل بؤنة من أشهر العجم - فقالوا: أيها الأمير، لنيلنا (٦) هذا سُنّة لا يجري إلا

стр. 3364

بها. قال: وما ذاك؟ قالوا: إذا كانت ثنتا (١) عشرة ليلة خلت من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر من أبويها، فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضلَ ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل. فقال لهم عمرو: إن هذا مما لا يكون في الإسلام، إن الإسلام يهدم ما قبله. قال: فأقاموا بؤنة وأبيب ومسرى والنيل لا يجري قليلًا ولا كثيرًا، حتى همّوا بالجلاء، فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب بذلك، فكتب إليه: إنك قد أصبت بالذي فعلت، وإني قد بعثت إليك بطاقة داخل كتابي (٢)، فألقها في النيل. فلما قدم كتابه أخذ عمرو البطاقة فإذا فيها "من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر. أما بعد، فإن كنتَ إنما تجري من قِبَلِكَ ومن أمركَ فلا تَجْرِ فلا حاجةَ لنا فيكَ، وإن كنتَ إنّما تجري بأمر الله الواحد القهار، وهو الذي يُجريكَ فنسألُ الله تعالى أن يجريكَ" قال: فألقى البطاقة في النيل فأصبحوا يوم السبت وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعًا في ليلة واحدة وقطع الله [تلك] السُّنَّةَ عن أهل مصر إلى اليوم. قال سيف بن عمر (٣): وفي ذي القعدة من هذه السنة - وهي عنده سنة ست عشرة - جعل عمر (٤) المسالح (٥) على أرجاء مصر، وذلك لأن هرقل أغزا الشام ومصر في البحر. قال ابن جرير (٦): وفي هذه السنة غزا أرض الروم أبو بَحْرِية (٧) عبد الله بن قيس العبدي - وهو أولُ من دخلها فيما قيل - فسلم وغنم. وقيل: أول من دخلها ميسرة بن مسروق العبسي. قال الواقدي: وفيها عزل عمر قدامة بن مظعون عن البحرين (وحدّ (٨) في الشراب، وولَّى على البحرين) واليمامة أبا هريرة الدوسي ﵁. قال: وفيها شكا أهل الكوفة سعدًا في كل شيء، حتى قالوا: لا يُحسن يُصلّي، فعزله عنها وولى عليها عبد الله بن عبد الله بن عتبان - وكان نائب سعد - وقيل بل ولاها عمَّار بن ياسر (٩). وقال الإمام أحمد (١٠): حدَّثنا سفيان، عن عبد الملك، سمعه من جابر بن سَمُرَة. قال: شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر فقالوا: إنه لا يُحسن يصلِّي، قال الأعاريب؟ والله ما آلو بهم صلاة رسول الله ﷺ

стр. 3365

في الظهر والعصر، أردّد في الأوليين وأصرف في الأُخريين (١). فسمعتُ عمر يقول: كذا الظنُّ بك يا أبا إسحاق. وفي صحيح مسلم (٢) أن عمر بعث من يسأل عنه أهل الكوفة فأثنوا خيرًا إلا رجلًا يقال له: أبو سعدة أسامة بن قتادة (٣) قام فقال: أما إذ أنشدتنا فإنَّ سعدًا لا يقسم بالسَّوية، ولا يعدل في القضية، ولا يخرج في السَّريَّة. فقال سعد: اللهمّ إن كان عبدكَ هذا قام مقام رياءٍ وسمعةٍ، فأطل عمره وأدم فقرَهُ وعرِّضْهُ للفتن. فأصابته دعوةُ سعد - فكان شيخًا كبيرًا يرفع حاجبيه عن عينيه. ويتعرّض للجواري في الطرق فيغمزهن، فيقال له في ذلك، فيقول: شيخ كبير مفتون أصابته دعوة سعد. وقد قال عمر في وصيته - وذكره في الستة (٤) - فإن أصابت الإمرَة سعدًا فذاك، وإلا فليستعنْ به أيّكم ولّي، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة. قال: وفيها أجلى عمرُ يهودَ خيبر عنها إلى أذرعات وغيرها. وفيها أجلى عمر يهود نجران منها أيضًا إلى الكوفة، وقسم خيبر، ووادي القرى، ونجران بين المسلمين. قال وفيها دوّنَ عمر الدواوين، وزعم غيره أنّه دوّنها قبل ذلك، فالله أعلم. قال: وفيها بعث عمر عَلْقَمة بن مُجَزِّز المُدْلجي (٥) إلى الحبشة في البحر فأصيبوا، فآلى عمر على نفسه أن لا يبعث جيشًا في البحر بعدها. وقد خالف الواقدي في هذا أبو معشر فزعم أن غزوة الحبشة إنما كانت في سنة إحدى وثلاثين - يعني في خلافة عثمان بن عفان - والله أعلم. قال الواقدي. وفيها تزوج عمر فاطمة بنت الوليد، التي مات عنها الحارث بن هشام في الطاعون، وهي أخت خالد بن الوليد. قال: وفيها مات هلال (٦) بدمشق.
следующие страницы →