← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

خيرًا، لأن لهم رحمًا وذمة (١). فقالوا: قرابةٌ بعيدةٌ لا يصل مثلها إلا الأنبياءُ معروفة شريفة، كانت ابنة ملكنا وكانت من أهل مَنْف والملك فيهم، فأديل (٢) عليهم أهل عين شمس فقتلوهم وسلبوهم ملكهم واغتربوا فلذلك صارت إلى إبراهيم (٣) ﵇ مرحبًا به وأهلًا. أمِّنَّا حتى نرجع إليك، فقال عمرو: إن مثلي لا يخدع ولكنّي أؤجلكما ثلاثًا لتنظرا ولتناظرا قومكما وإلا ناجزتكم. قالا: زدنا، فزادهم (يومًا، فقالا: زدنا. فزادهم يومًا) فرجعا إلى المُقَوْقِس فأبى أرطبون أن يجيبهما وأمر بمناهدتهم، فقالا لأهل مصر: أما نحن فسنجتهد أن ندفع عنكم ولا نرجع إليهم. وقد بقيتْ أربعةُ أيامٍ (قاتلوا) وأشار عليهم بأن يبيِّتوا (٤) للمسلمين، فقال الملأ منهم: ما تقاتلون من قوم قتلوا كسرى وقيصر وغلبوهم على بلادهم، فألحّ الأرطبون في أن يبّيتوا للمسلمين ففعلوا فلم يظفروا بشيء بل قتل منهم طائفة منهم الأرطبون، وحاصر المسلمون عين شمس من مصر في اليوم الرابع. وارتقى الزبير عليهم سورَ البلد، فلما أحسُّوا بذلك خرجوا إلى عمرو من الباب الآخر فصالحوه واخترقَ الزُّبير البلدَ حتى خرجَ من الباب الذي عليه عمرو فأمْضوا الصلحَ وكتب لهم عمرو كتاب أمان: "بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهلَ مصر من الأمان على أنفسهم وملّتهم وأموالهم وكنائسهم وصُلُبهم وبرّهم وبَحْرهم لا يدخل عليهم شيء من ذلك، ولا يُنتقص ولا يساكنهم النوبة، وعلى أهل مصر أن يُعْطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصلح وانتهت زيادةُ نهرهم خمسين ألف ألف وعليهم جَنَى لُصُوتُهم (٥)، فإن أبى أحدٌ منهم أن يجيبَ رُفع عنهم من الجزاء بقدرهم، وذمّتنا ممن أبى بريئة. وإن نقص نهرهم من غايته [إذا انتهى] رفع عنهم بقدر ذلك ومنْ دخل في صلحهم من الروم والنوبة، فله مثل مالهم وعليه مثل ما عليهم، ومنْ أبى واختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه أو يخرج من سلطاننا، عليهم ما عليهم أثلاثًا، (في كل ثلث جباية ثلث ما عليهم). على ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخليفة أمير المؤمنين وذمم المؤمنين، وعلى النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأسًا، وكذا وكذا فرسًا على أن لا يغزوا ولا يمنعوا من تجارة (٦) صادرة ولا واردة، شهد الزُّبير وعبد الله ومحمد ابناه وكتب وردان وحضر" فدخل في ذلك أهل مصر كلهم وقبلوا الصلح واجتمعت الخيولُ بمصر وعَمَروا الفسطاط (٧)، وظهر أبو مريم وأبو مريام فكلَّما عَمْرًا في السبايا التي أصيبت بعد

стр. 3362

المعركة. فأبى عمرو أن يردّها عليهما، وأمر بطردهما وإخراجهما من بين يديه، فلما بلغ ذلك أميرَ المؤمنين عمر بن الخطاب أمر أنّ كلّ سبي أخذ في الخمسة أيام التي أمَّنوهم فيها أن يرد عليهم، وكلّ سبي أخذ ممن لم يقاتل وكذلك منْ قاتل فلا يردّ عليه سباياه. وقيل إنّه أمره أن يخيِّروا منْ في أيديهم من السبي بين الإسلام وبين أن يرجع إلى أهله، فمنِ اختار الإسلامَ فلا يردّوه إليهم، ومن اختارهم ردّوه عليهم وأخذوا منه الجزيةَ، وأما ما تفرّق من سبيهم في البلاد ووصل إلى الحرمين وغيرهما، فإنه لا يقدر على ردّهم ولا ينبغي أن يصالحهم على ما يتعذر (١) الوفاء به. ففعل عمرو ما أمر به أمير المؤمنين، وجمع السبايا وعرضوهم وخيَّروهم، فمنهم من اختار الإسلامَ، ومنهم من عاد إلى دينه، وانعقد الصلحُ بينهم. ثم أرسل عمرو جيشًا إلى إسكندرية - وكان المُقَوْقسُ صاحب الإسكندرية قبل ذلك يؤدي خراج بلده وبلد مصر إلى ملك الروم - فلما حاصره عمرو بن العاص جمع أساقفته وأكابر دولته وقال لهم: إن هؤلاء العرب غلبوا كسرى وقيصر وأزالوهم عن ملكهم ولا طاقة لنا بهم. والرأي عندي أن نؤدي الجزية إليهم. ثم بعث إلى عمرو بن العاص يقول: إني كنت أؤذي الخراج إلى منْ هو أبغضُ إليَّ منكم - فارس والروم - ثم صالحهم على أداء الجزية، وبعث عمرو بالفتح والأخماس إلى عمر بن الخطاب ﵁. وذكر سيف أن عمرو بن العاص لما التقى مع المُقَوْقِس جعل كثير من المسلمين يفرّ من الزحف فجعل عمرو يُذَمِّرهم (٢) ويحثهم على الثبات: فقال له رجلٌ من أهل اليمن: إنّا لم نخلق من حجارة ولا حديد. فقال له عمرو: اسكت فإنما أنت كلب. فقال له الرجل: فأنت إذًا أمير الكلاب (٣). فأعرض عنه عمرو ونادى يطلب أصحابَ رسول الله ﷺ فلما اجتمع إليه منْ هناك من الصحابة قال لهم عمرو: تقدّموا فَبِكُم ينصرُ اللهُ المسلمين - فنهدوا إلى القوم ففتحَ اللهُ عليهم وظفروا أتمَّ الظفر. قال سيف: ففتُحت مصرُ في ربيع الأول من سنة ستّ عشرة، وقام فيها ملك الإسلام ولله الحمد والمنة. وقال غيره: فُتحت مصر في سنة عشرين، وفتحت إسكندرية في سنة خمس وعشرين بعد محاصرة ثلاثة أشهر عنوةً، وقيل صلحًا على اثني عشر ألف دينار. وقد ذكر أنّ المُقَوْقِس سأل من عمرو أن يهادنه أولًا، فلم يقبل عمرو وقال له: قد علمتم ما فعلنا بملككم الأكبر هرقل. فقال المُقَوْقس لأصحابه: صدقَ فنحن أحقُّ بالإذعان. ثم صالح على ما تقدم. وذكر غيره أن عَمرًا والزبير سارا إلى عين شمس (٤) فحاصراها وأن عمرًا بعث إلى الفرما (٥) أبرهة بن

стр. 3363

الصباح، وبعث عوف بن مالك إلى الإسكندرية فقال كل منهما لأهل بلده: إن نزلتم فلكم الأمان. فتربّصوا ماذا يكون من أهل عين شمس، فلما صالحوا صالح الباقون. وقد قال عوف بن مالك لأهل إسكندرية: ما أحسنَ بلدَكُم؟ فقالوا: إنّ إسكندر لمّا بناها قال: لأبنينَّ مدينة فقيرةّ إلى الله غنيةً عن الناس. (فبقيت بهجتها). وقال أبرهة لأهل الفرما، ما أقبحَ (١) مدينتكم؟ فقالوا: إن الفرما - وهو أخو الإسكندر - لمّا بناها قال لأبنينّ مدينة غنيةً عن الله فقيرةً إلى الناس. فهي لا يزال (٢) ساقطًا بناؤها، فشوهت بذلك. وذكر سيفٌ أنَّ عبدَ الله بن سعد بن أبي سَرْح لمّا ولي مصر بعد ذلك زاد في الخراج عليهم رؤوسًا من الرقيق يهدونها إلى المسلمين في كلّ سنة، ويعوّضهم المسلمون بطعام مسمى وكسوةٍ. وأقرّ ذلك عثمان بن عفان وولاة الأمور بعده، حتى كان عمر بن عبد العزيز فأمضاه أيضًا نظرًا لهم، وإبقاءٌ لعهدهم (٣). قلت: وإنما سميت ديار (٤) مصر بالفسطاط نسبة إلى فسطاط عمرو بن العاص، وذلك أنّه نصب خيمتَه وهي الفسطاط موضع مصر اليوم، وبنى الناس حوله، وتركت مصر القديمة من زمان عمرو بن العاص وإلى اليوم، ثم رفع الفسطاط وبنى موضعه جامعًا وهو المنسوب إليه اليوم. وقد غزا المسلمون بعد فتح مصر النوبة فنالهم جراحات كثيرة، وأصيبت أعين كثيرة، لجودة رمي النوبة فسموهم جند الحدق. ثم فتحها الله بعد ذلك وله الحمد والمنة. وقد اختلف في بلاد مصر فقيل: فتحت صلحًا إلَّا الإسكندرية، وهو قول يزيد بن أبي حبيب. وقيل: كلّها عنوة، وهي قول ابن عمر وجماعة. وعن عمرو بن العاص أنه خطب الناس فقال: ما قعدت مقعدي هذا ولأحدٍ من القبط عندي عهدٌ إن شئت - قبلت، وإن شئت بعت، وإن شئت خمست، إلا لأهل الطابلس فإنّ لهم عهدًا نُوفي (٥) به. قصة نيل مصر روينا من طريق ابن لهيعة، عن قيس بن الحجاج، عمن حدَّثه قال: لما افتتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص - حين دخل بؤنة من أشهر العجم - فقالوا: أيها الأمير، لنيلنا (٦) هذا سُنّة لا يجري إلا

стр. 3364

بها. قال: وما ذاك؟ قالوا: إذا كانت ثنتا (١) عشرة ليلة خلت من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر من أبويها، فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضلَ ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل. فقال لهم عمرو: إن هذا مما لا يكون في الإسلام، إن الإسلام يهدم ما قبله. قال: فأقاموا بؤنة وأبيب ومسرى والنيل لا يجري قليلًا ولا كثيرًا، حتى همّوا بالجلاء، فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب بذلك، فكتب إليه: إنك قد أصبت بالذي فعلت، وإني قد بعثت إليك بطاقة داخل كتابي (٢)، فألقها في النيل. فلما قدم كتابه أخذ عمرو البطاقة فإذا فيها "من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر. أما بعد، فإن كنتَ إنما تجري من قِبَلِكَ ومن أمركَ فلا تَجْرِ فلا حاجةَ لنا فيكَ، وإن كنتَ إنّما تجري بأمر الله الواحد القهار، وهو الذي يُجريكَ فنسألُ الله تعالى أن يجريكَ" قال: فألقى البطاقة في النيل فأصبحوا يوم السبت وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعًا في ليلة واحدة وقطع الله [تلك] السُّنَّةَ عن أهل مصر إلى اليوم. قال سيف بن عمر (٣): وفي ذي القعدة من هذه السنة - وهي عنده سنة ست عشرة - جعل عمر (٤) المسالح (٥) على أرجاء مصر، وذلك لأن هرقل أغزا الشام ومصر في البحر. قال ابن جرير (٦): وفي هذه السنة غزا أرض الروم أبو بَحْرِية (٧) عبد الله بن قيس العبدي - وهو أولُ من دخلها فيما قيل - فسلم وغنم. وقيل: أول من دخلها ميسرة بن مسروق العبسي. قال الواقدي: وفيها عزل عمر قدامة بن مظعون عن البحرين (وحدّ (٨) في الشراب، وولَّى على البحرين) واليمامة أبا هريرة الدوسي ﵁. قال: وفيها شكا أهل الكوفة سعدًا في كل شيء، حتى قالوا: لا يُحسن يُصلّي، فعزله عنها وولى عليها عبد الله بن عبد الله بن عتبان - وكان نائب سعد - وقيل بل ولاها عمَّار بن ياسر (٩). وقال الإمام أحمد (١٠): حدَّثنا سفيان، عن عبد الملك، سمعه من جابر بن سَمُرَة. قال: شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر فقالوا: إنه لا يُحسن يصلِّي، قال الأعاريب؟ والله ما آلو بهم صلاة رسول الله ﷺ

стр. 3365

في الظهر والعصر، أردّد في الأوليين وأصرف في الأُخريين (١). فسمعتُ عمر يقول: كذا الظنُّ بك يا أبا إسحاق. وفي صحيح مسلم (٢) أن عمر بعث من يسأل عنه أهل الكوفة فأثنوا خيرًا إلا رجلًا يقال له: أبو سعدة أسامة بن قتادة (٣) قام فقال: أما إذ أنشدتنا فإنَّ سعدًا لا يقسم بالسَّوية، ولا يعدل في القضية، ولا يخرج في السَّريَّة. فقال سعد: اللهمّ إن كان عبدكَ هذا قام مقام رياءٍ وسمعةٍ، فأطل عمره وأدم فقرَهُ وعرِّضْهُ للفتن. فأصابته دعوةُ سعد - فكان شيخًا كبيرًا يرفع حاجبيه عن عينيه. ويتعرّض للجواري في الطرق فيغمزهن، فيقال له في ذلك، فيقول: شيخ كبير مفتون أصابته دعوة سعد. وقد قال عمر في وصيته - وذكره في الستة (٤) - فإن أصابت الإمرَة سعدًا فذاك، وإلا فليستعنْ به أيّكم ولّي، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة. قال: وفيها أجلى عمرُ يهودَ خيبر عنها إلى أذرعات وغيرها. وفيها أجلى عمر يهود نجران منها أيضًا إلى الكوفة، وقسم خيبر، ووادي القرى، ونجران بين المسلمين. قال وفيها دوّنَ عمر الدواوين، وزعم غيره أنّه دوّنها قبل ذلك، فالله أعلم. قال: وفيها بعث عمر عَلْقَمة بن مُجَزِّز المُدْلجي (٥) إلى الحبشة في البحر فأصيبوا، فآلى عمر على نفسه أن لا يبعث جيشًا في البحر بعدها. وقد خالف الواقدي في هذا أبو معشر فزعم أن غزوة الحبشة إنما كانت في سنة إحدى وثلاثين - يعني في خلافة عثمان بن عفان - والله أعلم. قال الواقدي. وفيها تزوج عمر فاطمة بنت الوليد، التي مات عنها الحارث بن هشام في الطاعون، وهي أخت خالد بن الوليد. قال: وفيها مات هلال (٦) بدمشق.

стр. 3366

وأُسَيْد بن الحُضَيْر في شعبان. وزينب بنت جَحْش أم المؤمنين، وهي أول منْ مات من أمهات المؤمنين ﵂. قال: وفيها مات هرقل وقام بعده ولده قسطنطين. قال: وحج بالناس في هذه السنة عمر، ونُوَّابُه وقضاتُه منْ تقدم في التي قبلها، سوى منْ ذكرنا أنه عزله وولى غيره. ذكر المتوفين [في هذه السنة] من الأعيان أُسَيْد بن الحُضَيْر (١) بن سِمَاك الأنْصاري الأشْهلي من الأوس، أبو يحيى: أحد النقباء ليلة العقبة، وكان أبوه رئيس الأوس يوم بعاث، وكان قبل الهجرة بست سنين وكان يقال له حُضَيْر الكتائب. يقال إنه أسلم على يَدَيْ مُصْعب بن عُمَيْر. ولما هاجر الناس آخى رسول الله ﷺ بينه وبين زيد بن حارثة، ولم يشهد بدرًا. وفي الحديث الذي صححه الترمذي (٢) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم الرجل أُسَيْد بن الحُضَيْر" وذكر جماعة. وقدم الشام مع عمر، وأثنت عليه عائشة، وعلى سعد بن معاذ، وعبّاد بن بشر، ﵃، وذكر ابن بكير أنه توفي بالمدينة سنة عشرين، وأن عمر حمل بين عموديه وصلَّى عليه ودفن بالبقيع، وكذا أرَّخَ وفاته سنة عشرين الواقدي وأبو عبيد وجماعة. أُنَيْس بن مَرْثَد (بن أبي) مَرْثَد الغَنَوي (٣): هو وأبوه وجده صحابة وكان أنيس (هذا) عينًا لرسول الله يوم حُنَيْن، ويقال (٤) إنه الذي قال له رسول الله ﷺ : "واغْدُ يا أُنَيْس إلى امرأة هذا فإن اعْتَرَفَتْ فارْجُمْها" (٥) والصحيح أنه غيره، فإن في الحديث: فقال لرجل من أسلم، فقيل: إنه أُنَيْس بن الضَّحاك

стр. 3367

الأسلمي. وقد مال ابن الأثير إلى ترجيحه، والله أعلم. له حديث في الفتنة (١) قال إبراهيم بن المنذر: توفي في ربيع الأول سنة عشرين. بلال بن رَبَاح الحَبَشي (٢) المُؤَذّن مولى أبي بَكْر: ويُقال له بلال بن حَمامة. وهي أمه. أسلم قديمًا فعُذِّبَ في الله فصبر فاشتراه الصديق فأعتقه. شهد بدرًا وما بعدها (٣). وكان عمر يقول: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا. رواه البخاري (٤). ولما شرع الأذان بالمدينة كان هو الذي يؤذن بين يدي رسول الله ﷺ وابن أم مكتوم يتناوبان. تارة هذا وتارة هذا، وكان بلال نديَّ الصوت حسنهُ، فصيحًا، وما يُروى "أنَّ سين بلال عند الله شينا" فليس له أصل. وقد أذّن يوم الفتح على ظهر الكعبة. ولما توفي رسول الله ﷺ ترك الأذان، ويقال أذَّن للصدّيق أيام خلافته ولا يصحّ. ثم خرج إلى الشام مجاهدًا. ولمّا قدم عمر إلى الجابية أذّن بين يديه بعد الخطبة لصلاة الظهر، فانتحب الناس بالبكاء. وقيل إنه زار المدينة في غضون ذلك فاذَّن فبكى الناس بكاءً شديدًا ويحق لهم ذلك ﵃. وثبت في الصحيح (٥) أن رسول الله ﷺ قال لبلال "إني دخلت الجنة فسمعت خشف (٦) نعليك أمامي فأخبرني بأرجى عمل عملته". فقال: ما توضأت إلا وصليت ركعتين. فقال: "بذاك". وفي رواية "ما أحدثت إلا توضأت وما توضأت إلا رأيت أن علي أن أصلّي ركعتين" قالوا: وكان بلال آدم (٧) شديد الأدمة طويلًا نحيفًا كثير الشعر خفيف العارضين. قال ابن بكير: توفي بدمشق في طاعون عَمَواس سنة ثماني عشرة. وقال محمد بن إسحاق وغير واحد: توفي سنة عشرين. قال الواقدي: ودفن بباب الصغير وله بضع وستون سنة. وقال غيره: مات بداريا، ودفن بباب كيسان. وقيل: دفن بداريا، وقيل: إنه مات بحلب. والأول أصح، والله أعلم. سعيد بن عامر بن حِذْيَم (٨): من أشراف بني جُمَح، شهدَ خيبر وكان من الزُّهّاد والعُبّاد، وكان أميرًا

стр. 3368

لعمر على حمص بعد أبي عبيدة، بلغ عمر أنه قد أصابته حاجه (١) شديدة، فأرسل إليه بألف دينار فتصدَّق بها جميعها، وقال لزوجته: أعطيناها لمن يتجر لنا فيها ﵁. قال خليفة (٢): فتح هو ومعاوية قَيْسارية كل منهما أمير على من معه. عِيَاضُ بن غَنْمٍ (٣) أبو سعد الفِهْري من المهاجرين الأولين، شهد بدرًا وما بعدها، وكان سمحًا جوادًا، شجاعًا، وهو الذي افتتح الجزيرة، وهو أول من جاز درب الروم غازيًا، واستنابه أبو عبيدة بعده على الشام فأقره عمر عليها إلى أن مات سنة عشرين عن ستين سنة. أبو سفيان بن الحارث (٤) بن عبد المطلب ابن عم رسول الله ﷺ قيل: اسمه المغيرة. أسلم عام الفتح فحسُنَ إسلامُه جدًّا، وكان قبل ذلك من أشد الناس على رسول الله ﷺ ، وعلى دينه ومن تبعه، وكان شاعرًا مطبقًا، يهجو الإسلام وأهله، وهو الذي ردَّ عليه حسان بن ثابت ﵁ في قوله (٥): [من الوافر] الا أبْلِغْ أبَا سُفيانَ عَنّي … مُغَلْغلةٌ فَقَدْ بَرح الخَفاءْ (٦) هَجَوْتَ مُحمَّدًا وأجَبْتُ (٧) عنه … وعندَ اللهِ في ذاكَ الجَزاءُ أتَهْجوهُ ولَسْتَ لهُ بكُفْءٍ … فشَرُّكما لخَيْرِكُما الفِداءُ ولما جاء هو وعبد الله بن أبي أمية ليسلما لم يأذن لهما ﵇ حتى شفعتْ أمُّ سلمة لأخيها فأذن له، وبلغه أنّ أبا سفيان هذا قال: والله لئن لم يأذن لي لآخذن بيد بنيَّ هذا - لولد معه صغير - فلأذهبن فلا يدرى أين أذهب، فرقَّ حينئذ له رسول الله ﷺ وأذن له، ولزم رسول الله ﷺ يوم حنين (٨) وكان آخذًا بلجام بغلته يومئذ، وقد روي أن رسول الله ﷺ أحبه وشهد له بالجنة، وقال: "أرجو أن تكون خلفًا من حمزة" (٩)

стр. 3369

وقد رَثَى رسول الله ﷺ حين توفي بقصيدةٍ ذكرناها فيما سلف (١) وهي التي يقول فيها (٢): [من الواض] أرقْتُ فَبَاتَ لَيْلي لايَزُولُ … وَلَيْلُ أخِ المُصيبةِ فيهِ طُولُ وَأسْعدني البُكاءُ وذاكَ فيما … أُصيبَ المسلمونَ بهِ قَليلُ فقدْ عَظُمتْ مُصيبتنا وجَلّت … عَشِيَّةَ قيلَ قد قُبضَ الرَّسُولُ فَقَدْنا الوَحْي والتَّنزيلَ فينا … يَروحُ به ويَغْدو جِبْرئيلُ ذكروا أنَّ أبا سفيان حجَّ فلما حلق رأسَه قطع الحالق ثؤلولًا (له) في رأسه فتمرض منه فلم يزل كذلك حتى مات بعد (٣) مرجعه إلى المدينة، وصلَّى عليه عمر بن الخطاب. وقد قيل إن أخاه نوفلًا توفي قبله بأربعة أشهر، والله أعلم. أبو الهَيْثَم بن التَّيِّهان (٤) هو مالك بن مالك بن عسل بن عمرو بن عبد الأعلم بن عامر بن زَعور بن جُشَم بن الحارث بن الخَزْرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنْصاري الأوْسي، شهد العقبة نقيبًا، وشهد بدرًا وما بعدها، ومات سنة عشرين، وقيل إحدى وعشرين، وقيل إنه شهد صفين مع علي، قال ابن الأثير وهو الأكثر. وقد ذكره شيخنا (٥) هنا، فالله أعلم. زينب بنت جَحْش (٦) بن رياب الأسدية من أسد خزيمة، أول أمهات المؤمنين وفاةً، أمها أميمة بنت عبد المطلب، وكان اسمها بَرَّة، فسمّاها رسول الله زينب، وتكنى أم الحكم، وهي التي زوَّجه الله بها، وكانت تفتخر (٧) بذلك على سائر أزواج النبي ﷺ فتقول: زوَّجَكُنَّ أهلوكن وزوَّجني اللهُ من السماء (٨). قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] الآية. وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة. فلما طلقها تزوجها رسول الله ﷺ . قيل كان ذلك في سنة ثلاث وقيل أربع وهو الأشهر. وقيل

стр. 3370

سنة خمس، وفي دخوله ﵇ بها نزل الحجاب كما ثبت في الصحيحين (١) عن أنس وهي التي كانت تسامي عائشة بنت الصديق في الجمال والحُظْوة، وكانت ديّنةً ورعةً عابدةً كثيرةَ الصّدقة. وذاك الذي أشار إليه رسول الله ﷺ بقوله " أسْرَعُكُنَّ لحاقًا بي أطولُكُنَّ يدًا (٢) أي: بالصدقة. وكانت امرأةّ صناعًا تعمل بيديها وتتصدق على الفقراء، قالت عائشة (٣): ما رأيتُ امرأةً قطُّ خيرًا في الدّين وأتْقَى لله وأصدقَ حديثًا وأوصلَ للرحم وأعظمَ أمانةً وصدقةً من زينب بنت جحش. ولم تحجّ بعد حجة الوداع لا هي ولا سودة، لقوله ﵇ لأزواجه:" هذه ثم ظهور الحصر" (٤) وأما بقية أزواج النبي ﷺ فكنّ يخرجن إلى الحجّ، وقالت (٥) زينب وسودة: والله لا تحركنا بعده دابة. قالوا: وبعث عمر إليها فرضها اثني عشر ألفًا فتصدقت به في أقاربها. ثم قالت: اللهمَّ لا يدركني عطاءُ عمر بعدَ هذا. فماتَتْ في سنة عشرين وصلى عليها عمر. وهي أول من صُنع (٦) لها النعشُ (٧)، ودفنت بالبقيع. صَفِيَّة بنت عبد المُطَّلب (٨) عمَّة رسول الله ﷺ : وهي أمّ الزبير بن العوام، وهي شقيقةُ حَمْزَةَ والمُقَوَّمِ وحَجْل، أُمُّهم هالةُ بنت وهيب بن عبد مَنافِ بن زهرة. لا خلافَ في إسلامها وقد حضرت يوم أحد ووجدتْ على أخيها حمزةَ وَجْدًا كثيرًا، وقَتَلَتْ يومَ الخندقِ رجلًا من اليهود جاء فجعل يطوف (٩) بالحصنِ التي هي فيه وهو فارع حصن حسَّان فقالت لحسان: انزل فاقتله، فأبى، فنزلت إليه فقتلته ثم قالت انزل فاسلبه فلولا أنه رجل لاستلبته (١٠). فقال: لا حاجةَ لي فيه. وكانت أولَ امرأةٍ قتلتْ رجلًا من المشركين. وقد اختُلِف في إسلام من عداها من عَمّاتِ النبي ﷺ فقيل: أسلمتْ أرْوَى وعاتكةُ. قال ابن الأثير وشيخنا أبو عبد الله الذهبي الحافظ: والصحيح أنه لم يسلم منهن غيرُها. وقد تزوجتْ أولًا بالحارث بن

стр. 3371

حرب بن أمية. ثم خلف عليها العوام بن خُوَيلد فولدتْ له الزبيرَ وعبدَ الكعبةِ. وقيل تزوَّج بها العوامُ بكرًا، والصحيحُ الأولُ. توفيتْ بالمدينة سنةَ عشرين عن ثلاثٍ وسبعين سنةً. ودفنتْ بالبقيعِ ﵂. وقد ذكر ابن إسحاق من توفي غيرها. عُوَيْم بن ساعِدَة الأَنْصاري (١): شهد العَقَبَتينِ والمشاهدَ كلَّها. وهو أولُ من استنجى بالماء، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾ [التوبة: ١٠٨] وله رواياتٌ. توفي هذه السنة بالمدينة. بشْر بن عَمرو بن حَنَش يُلَقَّبُ بالجَارُود (٢)، أسلم في السنة العاشرة، وكان شريفًا مُطاعًا في عبد القيس، وهو الذي شهد على قُدامة بن مَظْعون أنه شربَ الخمرَ، فعزله عمر عن البحرين وحدَّهُ. قُتِلَ الجارودُ شهيدًا. أبو خِراش (٣) خُوَيْلد بن مُرَّة الهُذَلي، كان شاعرًا مجيدًا مُخضرمًا أدرك الجاهلية والإسلام وكان إذا جرى سبَقَ الخَيْل (٤). نهشته حية فمات بالمدينة. ثم دخلت سنه إحدى وعشرين وكانت وقعة نَهاوَند (٥) [وفتحها على المشهور] وهي وقعة عظيمةٌ جدًّا لها شأن رفيع ونبأ عجيب، وكان المسلمون يسمونها فتح الفتوح قال ابن إسحاق والواقدي: كانت وقعة نَهاوندَ في سنة إحدى وعشرين. وقال سيف: كانت في سنة سبع عشرة. وقيل في سنة تسع عشرة والله أعلم. وإنما ساق أبو جعفر بن جرير (٦) قصَّتَها في هذه السنة فتبعناه في ذلك وجمعنا كلامَ هؤلاء الأئمة في هذا الشأن سياقًا واحدًا، حتى دخل سياقُ بعضهم في بعض.

стр. 3372

قال سيف وغيره: وكان الذي هاجَ هذه الوقعةَ أنَّ المسلمين لما افتتحوا الأهوازَ ومنعوا جيشَ العلاء من أيديهم واستولَوْا على دار الملك القديم من إصطخر مع ما حازوا من دار مملكتهم حديثًا، وهي المدائن، وأخذوا (١) تلك المدائن والأقاليم والكور والبلدان الكثيرة، فحموا عند ذلك واستجاشهم يَزْدَجِرْدُ الذي تقهقر من بلدٍ إلى بلدٍ حتى صار إلى أصبهان مُبْعَدًا طَريدًا، لكنّه في أسرة من قومه وأهله وماله، وكتب إلى ناحية نهاوَنْد وما والاها من الجبال والبلدان، فتجمَّعُوا وتراسلُوا حتى كمل لهم من الجنود ما لم يجتمع لهم قبل ذلك. فبعثَ سعدٌ إلى عمر يعلمه بذلك، وثار أهلُ الكوفة على سعد في غضون هذا الحال. فشَكَوْهُ في كلِّ شيءٍ حتى قالوا: لا يُحسنُ يُصلِّي. وكان الذي نهضَ بهذه الشكوى رجلٌ يقال له: الجَرَّاح بن سنان الأسَديّ في نفر معه، فلمَّا ذهبوا إلى عمر فشكَوْه قال لهم عمر: إنَّ الدليل على (ما عندكم من الشر) (٢) نهوضكم في هذا الحال عليه، وهو مستعدٌّ لقتال أعداء الله، وقد جمعوا لكم، ومع هذا لا يمنعني أن أنظرَ في أمركم. ثم بعث محمد بن مسلمة - وكان رسولَ العُمّال - فلما قدم محمد بن مسلمةَ الكوفة طافَ على القبائل والعشائر والمساجد بالكوفة. فكلٌّ يُثْني على سعدٍ خيرًا إلا ناحية الجَرَّاح بن سنان فإنّهم سكتوا فلم يذمُّوا ولم يشكروا، حتى انتهى إلى بني عبس، فقام رجك يُقال له أبو سعدة أسامة بن قتادة، فقال: أما إذ ناشدتنا (٣) فإنَّ سعدًا لا يقسم بالسوية، ولا يعدل في الرعية، ولا يغزو في السريّة. فدعا عليه سعدٌ فقال: اللهمّ إنْ كانَ قالها كذبًا ورياءً وسمعةً فأعم بصرَهُ، وكَثِّرْ عيالَهُ، وعَرِّضْة لمُضِلَّاتِ الفِتن. فَعَميَ واجتمعَ عنده عشرُ بناتٍ، وكانَ يسمعُ بالمرأة فلا يزال حتى يأتيها فيجسها فإذا عُثر عليه قال: دعوةُ سعدٍ الرجلِ المباركِ. ثم دعا سعد على الجَرّاحِ وأصحابه فكلٌّ أصابته قارعةٌ في جسده، ومصيبةٌ في ماله بعد ذلك. واستنفر محمد بن مسلمة أهلَ الكوفة لغزو أهل نَهاوند في غضون ذلك عن أمر عمر بن الخطاب. ثم سار سعد ومحمد بن مسلمة والجَرّاح وأصحابه حتى جاؤوا عمر فسأله عمر: كيف يُصلي؟ فأخبره أنه يطوّلُ في الأوليين ويُخففُ في الأُخريين وما آلو ما اقتديتُ به من صلاةِ رسول الله ﷺ . فقال له عمر: ذاك الظنُّ بك يا أبا إسحاق. وقال سعدٌ في هذه القصة: لقد أسلمتُ خامسَ خمسةٍ، ولقد كنا وما لنا طعام إلا ورق الحُبْلَةِ (٤) حتى تَقَرَّحتْ أشداقُنا، وإنّي لأولُ رجلٍ رمى بسهمٍ في سبيل الله، ولقد جمع لي رسولُ الله ﷺ أبويه

стр. 3373

وما جمعهما لأحد قبلي، ثم أصبحت بنو أسد يقولون: لا يحسن يُصلّي - وفي رواية يغرر بي على الإسلام - لقد خبتُ إذًا وضلَّ عملي (١). ثم قال عمر لسعد: منِ استخلفتَ على الكوفة؟ فقال: عبد الله بن عبد الله بن عِتْبان (٢)، فأقرَّهُ عمر على نيابته (٣) الكوفة - وكان شيخًا كبيرًا من أشراف الصحابة حليفًا لبني الحُبلي من الأنصار - واستمرّ سعدٌ معزولًا من غير عجْزٍ ولا خيانةٍ ويهدّد أولئك النفرّ، وكادَ يوقعُ بهم بأسًا. ثم تركَ ذلك خوفًا من أن لا يشكوَ أحد (٤) أميرًا. والمقصودُ أنَّ أهلَ فارس اجتمعوا من كل فج عميق بأرض نهاوند، حتى اجتمع منهم مئة ألف وخمسون ألف مقاتل، وعليهم الفيرزان ويقال: بندار، ويقال ذو الحاجب. وتذامروا فيما بينهم، وقالوا: إنَّ محمدًا الذي جاء العربَ بالدين لم يتعرَّضْ لبلادنا، ولا أبو بكر الذي قام بعده تعرَّض لنا في دار مُلكنا، وإن عمر بن الخطاب هذا لمّا طال ملكه انتهكَ حرمَتنا وأخذ بلادنا، ولم يكفه ذلك حتى أغزانا في عُقْر دارنا، وأخذ بيتَ المملكة وليس بمُنْتهِ حتى يخرجكم من بلادكم. فتعاهدوا وتعاقدوا على أن يقصدوا البصرةَ والكوفةَ ثم يشغلوا عمر عن باده، وتواثقوا من أنفسهم وكتبوا بذلك عليهم كتابًا. فلما كتب سعد بذلك إلى عمر - وكان قد عزل سعدًا في غضون ذلك - شافه (٥) سعد عمر بما تمالؤوا عليه وقصدوا إليه، وأنه قد اجتمع منهم مئة وخمسون ألفًا. وجاء كتاب عبد الله بن عبد الله بن عِتْبان من الكوفة إلى عمر مع قريب ظَفَر العَبْدي بأنَّهم قد اجتمعوا وهم منحرفون متذامرون على الإسلام وأهله، وأن المصلحة يا أمير المؤمنين أن نقصدهم فنعاجلهم عما هَمُّوا به وعزموا عليه من المسير إلى بلادنا. فقال عمر لحامل الكتاب: ما اسمُكَ؟ قال: قريبٌ. قال: ابنُ منْ؟ قال: ابن ظَفَر. فتفاءل عمر بذلك وقال: ظَفَرٌ قريبٌ. ثم أمر فنُودي: الصلاةُ جامعةٌ، فاجتمع الناسُ وكان أول من دخل المسجد لذلك سعد بن أبي وقاص، فتفاءل عمر أيضًا بسعد، فصعد عصر المنبر حتى اجتمع الناس فقال: إن هذا يومٌ له

стр. 3374

ما بعده من الأيام، ألا وإني قد هممت بأمر (١) فاسمعوا وأجيبوا وأوجزوا ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحُكم، إني قد رأيتُ أن أسيرَ بمن قِبَلي حتى أنزل منزلًا وسطًا بين هذين المِصْرين فأستنفر الناس، ثم أكون لهم رِدْءًا حتى يفتح اللهُ عليهم. فقام عثمانُ وعليٌّ وطلحةُ والزبيرُ وعبد الرحمن بن عوف في رجالٍ من أهل الرأي، فتكلَّم كلٌّ منهم بانفراده فأحسنَ وأجادَ، واتّفق رأيُهم على أن لا يسير من المدينة، ولكن يبعث البعوثَ ويحصرهم برأيه ودعائه. وكان من كلام عليٍّ ﵁ أن قال: يا أمير المؤمنين، إنَّ هذا الأمرَ لم يكن نصرُهُ ولا خذلانُهُ بكثرةٍ ولا قلةٍ، هو دينُهُ الذي أظْهَرَ، وجندُهُ الذي أعزَّه وأمدَّه بالملائكة حتى بلغَ ما بلغَ. فنحن على موعودٍ من الله، واللهُ منْجِزٌ وعده، وناصرٌ جنده، ومكانكَ منهم يا أمير المؤمنين مكان النظام من الخَرز يجمعه ويمسكه، فإذا انحلَّ تفرَّق وما فيه وذهب، ثم لم يجتمعْ بحذافيره أبدًا. والعرب اليوم وإن كانوا قليلًا فهم كثيرٌ عزيزٌ بالإسلام، فأقم مكانَكَ واكتبْ إلى أهل الكوفةِ فهم أعلامُ العرب ورؤساؤهم، فليذهبْ منهم الثُلثان ويقيم الثُّلث، واكتب إلى أهلِ البصرة يمدُّوه (٢) أيضًا. وكان عثمان قد أشار في كلامه أن يمدَّهم في جيوش (٣) من أهل اليمن والشام. ووافق عمرُ على الذهابِ إلى ما بين البصرة والكوفة - فرد عليّ على عثمان في موافقته على الذهاب إلى ما بين البصرة والكوفة كما تقدم، وردَّ رأيَ عثمان فيما أشار به من استمداد أهل الشام خوفًا على بلادهم إذا قلَّ جيوشها من الروم. ومن أهل اليمن خوفًا على بلادهم من الحبشة. فأعجبَ عمرَ قولُ علي وسُرَّ به. وكان عمرُ إذا استشار أحدًا لا يبرم أمرًا حتى يشاور العباسَ - فلما أعجبه كلام الصحابة في هذا المقام عرضه على العباس فقال: يا أمير المؤمنين خَفِّضْ عليكَ، فإنما اجتمعَ هؤلاء الفرس لنقمة تنزل عليهم. ثم قال عمر: أشيروا عليَّ بمن أولّيه أمرَ الحربِ وليكن عراقيًا. فقالوا: أنت أبصرُ بجندك يا أميرَ المؤمنين. فقال: أما والله لأوليَنَّ رجلًا يكون أولَ الأسنّةِ إذا لقيها غدًا. قالوا: من يا أميرَ المؤمنين؟ قال: النُّعمان بن مُقَرِّنٍ. فقالوا (٤): هو لها - وكان النعمانُ قد كتبَ إلى عمر وهو على كَسْكَر (٥) وسأله أن يعزلَه عنها ويوليه قتالَ أهل نَهاوَنْد - فلهذا أجابه إلى ذلك وَعَيَّنَه له، ثم كتب عمر إلى حذيفة أن يسير من الكوفة بجنود منها، وكتب إلى أبي موسى أن يسير بجنود البصرة. وكتب إلى النعمان - وكان بالبصرة - أن يسير بمن هناك من الجنود إلى نَهاوند، وإذا اجتمع الناسُ فكلُّ أميرٍ على جيشه والأميرُ على الناس كلِّهم النُّعمانُ بن مُقَرِّنٍ. فإذا قُتل فحذيفةُ بن اليَمَان، فإن قُتل

стр. 3375

فجَرير بن عبد الله، فإن قتل فقَيْس بن مَكْشوح، فإن قتل قيس ففلان ثم فلان، حتى عَدَّ سبعةً أحدهم المُغيرة بن شعبة، وقيل: لم يُسمَّ فيهم، والله أعلم. وصورة الكتاب (١): "بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر أمير المؤمنين، إلى النُّعمان بن مُقَرّن سلامٌ عليكَ، فإني أحمدُ إليك اللهَ الذي لا إله إلا هو، أمّا بعدُ فإنّه قد بلَغني أنَّ جموعًا من الأعاجم كثيرةً قد جمعوا لكم بمدينة نَهاوند، فإذا أتاكَ كتابي هذا فَسِرْ بأمرِ الله، وبعونِ الله، وبنصر الله، بمن معك من المسلمين، ولا توطئهم وعرًا فتؤذيَهم، ولا تمنعْهم حقَّهمِ فتكفِّرَهم، ولا تدخلهم غَيْضَةً، فإن رجلًا من المسلمين أحبُّ إليَّ من مئة ألف دينار، والسلام عليك. فسِرْ في وجهك ذلك حتى تأتي ماه (٢)؛ فإنّي قد كتبت إلى أهل الكوفة أن يوافوكَ بها، فإذا اجتمعَ إليكَ جنودكَ فَسِرْ إلى الفيرُزان ومن جمعَ معه من الأعاجم من أهل فارس وغيرهم، واستنصروا وأكثروا مِنْ لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله. وكتب عمر إلى نائب الكوفة - عبد الله بن عبد الله - أن يعينَ جيشا ويبعثهم (٣) إلى نِهاوند، وليكُنِ الأميرُ عليهم حذيفةَ بن اليَمَان حتّى ينتهيَ إلى النُّعمان بن مُقَرِّنٍ، فإن قُتل النعمانُ فحذيفة فإن قُتل فنُعيم بن مقرّن. وولَّى السائب بن الأقرع قَسْمَ الغنائم. فسار حذيفةُ في جيشٍ كثيفٍ نحو النعمان بن مُقَرِّن ليوافوه بماه، وسار مع حذيفة خلقٌ كثيرٌ من أمراء العراق، وقد أرصدَ في كلِّ كورةٍ ما يكفيها من المقاتلة، وجعل الحرس في كلِّ ناحية، واحتاطوا احتياطًا عظيمًا، ثم انتهوا إلى النُّعمان بن مُقَرِّن حيث اتَّعدوا، فدفع حُذيفة بن اليمان إلى النُّعمان كتاب عمر وفيه الأمرُ له بما يعتمده في هذه الوقعة، فكمل جيش المسلمين في ثلاثين ألفًا من المقاتلة فيما رواه سيف عن الشَّعبي، فمنهم من سادات الصحابة ورؤوس العرب خلقٌ كثيرٌ وجمٌّ غفيرٌ، منهم عبد الله بن عمر أمير المؤمنين، وجَرير بن عبد الله البَجَلي، وحُذَيْفَة بن اليمان، والمُغيرة بن شُعبة، وعمرو بن معدي كرب الزُّبيدي، وطُلَيْحة بن خُوَيْلد الأسدي، وقَيْس بن مَكْشوح المُرادي. فسار الناسُ نحو نِهاوند وبعثَ النعمان بن مُقَرّن الأمير بين يديه طليعةً ثلاثة وهم طُلَيْحة، وعمرو بن معدي كرب الزبيدي، وعمرو بن أبي سلمى (٤) ويقال له عمرو بنُ ثبيّ أيضًا، ليكشفوا له خبرَ القوم وما هم عليه. فسارتِ الطليعةُ يومًا وليلةً فرجع عمرو بن ثُبيٍّ فقيل له: ما رجعكَ؟ فقال: كنتُ في أرض العجم وقَتَلَتْ أرضٌ جاهلَها وقَتَلَ أرضًا عالمُها. ثم رجع بعده عمرو بن معدي كرب وقال: لم نر (٥) أحدًا وخفتُ أن يؤخذَ علينا الطريق، ونفذ طليحة ولم يحفِل برجوعهما فسار بعد ذلك نحوًا من بضعة

стр. 3376

عشر فرسخًا حتى انتهى إلى نِهاوند، ودخل في العجم وعلم من أخبارهم ما أحبَّ - ثم رجع إلى النعمان فأخبره بذلك، وأنه (١) ليس بينه وبين نِهاوند شيءٌ يكرهُهُ. فسار النّعمانُ على تعبئته، وعلى المقدمة نُعيم بن مقرن، وعلى المَجْنَبَتَيْنِ حذيفة وسُويد بن مُقَرّن، وعلى المجرَّدة القعقاع بن عمرو، وعلى الساقة مجاشع بن مسعود، حتى انتهوا إلى الفُرس وعليهم الفيرُزان، ومعه من الجيش كلّ من غاب عن القادسية في تلك الأيام المتقدمة، وهو في مئة وخمسين ألفًا، فلما تراءى الجمعان كبَّر النعمانُ وكبَّر المسلمون ثلاثَ تكبيراتٍ، فزلزلت الأعاجم، ورعبوا من ذلك رعبًا شديدًا. ثم أمر النعمانُ بحطّ الأثقالِ وهو واقفٌ، فحطَّ الناسُ أثقالَهم، وتركوا رحالَهم، وضربوا خيامَهم وقبابَهم، وضُربت خيمةٌ للنعمان عظيمةٌ، وكان الذين ضربوا أربعة عشر سن أشرافِ الجيش، وهم حذَيْفة بن اليمان، وعُتبة بن عمرو، والمُغيرة بن شعبة، وبَشير بن الخصاصية، وحَنظلة الكاتب، وابن الهَوْبَر، ورِبعيّ بن عامر، وعامر بن مَطَر، (وجرير بن عبد الله الحِمْيريّ) (٢)، وجرير بن عبد الله البَجَلي، والأقرع بن عبد الله الحِمْيري، والأشعث بن قَيْس الكِنْدي، وسعيد بن قيس الهَمْداني، ووائل بن حُجْر، فلم يُرَ بالعراق خيمة عظيمة أعظم من بناء هذه الخيمة، وحين حَطّوا الأثقال أمرَ النعمانُ بالقتال وكان يوم الأربعاء، فاقتتلوا ذلك اليوم والذيَ بعده والحرب سجالٌ، فلما كان يوم الجمعة انحجزوا في حصنهم، وحاصرهم المسلمون فأقاموا عليهم ما شاء الله، والأعاجم (يخرجون) إذا أرادوا ويرجعون إلى حصونهم إذا أرادوا. وقد بعث أمير الفرس يطلب رجلًا من المسلمين ليكلّمه، فذهب إليه المغيرةُ بن شعبة، فذكر من عظم (٣) ما رأى عليه من لبسه ومجلسه، وفيما خاطبه به من الكلام في احتقار العرب واستهانته بهم، وأنهم كانوا أطولَ الناس جوعًا، وأقلَّهم دارًا وقدرًا، وقال: ما يمنعُ هؤلاء الأساورة حولي أن ينتظموكم بالنُّشاب إلا تنجُّسًا (٤) من جيفكم، فإن تذهبوا نخلِّ عنكم، وإن تأبَوا؟ نُزِرْكم (٥) مصارِعَكُم. قال: فتشهدتُ وحمدتُ الله وقلت: لقد كنا أسوأ حالًا مما (٦) ذكرتَ، حتى بعث الله رسولَه فوعدنا النصرَ في الدنيا والخيرَ في الآخرة، وما زلنا نتعرَّف من ربنا النصرَ منذ بعث الله رسولَه إلينا، وقد جئناكم في بلادكم وإنا لن نرجعَ إلى ذلك الشقاء أبدًا حتى نغلبكم على بلادكم وما في أيديكم أو نُقْتل بأرضكم. فقال: أما والله إن الأعور لقد صدقكم ما في نفسه.

стр. 3377

فلما طال على المسلمين هذا الحالُ واستمرَّ، جمع النعمان بن مُقَرّن أهل الرأي من الجيش، وتشاوروا في ذلك، وكيف يكون من أمرهم حتى يتواجهوا هم والمشركون في صعيدٍ واحدٍ. فتكلّم عمرو بن أبي سلمى أولًا - وهو أسنُّ من كان هناك - فقال: إن بقاءَهم على ما هم عليه أضرّ عليهم من الذي يطلبه منهم وأبقى على المسلمين. فردَّ الجميع عليه وقالوا: إنّا لعلى يقين من إظهار ديننا، وإنجاز موعود الله لنا. وتكلّم عمرو عليه معدي كرب فقال: ناهِدْهُم وكاثِرْهم ولا تَخَفْهم. فردّوا جميعًا عليه وقالوا: إنما تناطح بنا الجدران، والجدرانُ أعوانٌ لهم علينا. وتكلم طُلَيْحَةُ الأسديُّ فقال: إنهما لم يصيبا، وإني أرى أن تبعثَ سريةً فتحدق بهم ويناوشوهم بالقتال ويحمشوهم (١) فإذا برزوا إليهم فليفروا إلينا هرابًا، فإذا استطردوا وراءهم وانتهوا (٢) إلينا عزمنا أيضًا على الفرار كلّنا، فإنهم حينئذ لا يشكّون في الهزيمة فيخرجون من حصونهم عن بكرةِ أبيهم، فإذا تكاملَ خروجُهم رجعنا إليهم فجالدناهم حتى يقضيَ اللهُ بيننا. فاستجادَ الناس هذا الرأيَ، وأمَّر النعمان على المجرَّدة القعقاع بن عمرو، وأمرهم أن يذهبوا إلى البلد فيحاصروهم وحدهم ويهربوا بين أيديهم إذا برزوا إليهم. ففعل القعقاعُ ذلك، فلما برزوا من حصونهم نكص القعقاعُ بمنْ معه ثم نكص ثم نكص فاغتنمها الأعاجمُ، ففعلوا ما ظنَّ طُلَيْحةُ، وقالوا: هي هي، فخرجوا بأجمعهم ولم يبقَ بالبلد من المُقاتلة إلا من يحفظُ لهم الأبوابَ، حتى انتهَوْا إلى الجيش، والنعمانُ بن مقرِّن على تعبئته. وذلك في صدر نهار جمعة، فعزم الناس على مصادمتهم، فنهاهم النعمان وأمرهم أن لا يقاتلوا حتى تزول الشمس، وتهب الأرواح، وينزل النصرُ كما كان رسول الله يفعل. وألحَّ الناس على النعمان في الحملة فلم يفعل - وكان رجلًا ثابتًا - فلما حانَ الزوال صلَّى بالمسلمين ثم ركبَ بِرْذَوْنًا له أحْوَى (٣) قريبًا من الأرض، فجعل يقف على كل راية ويحثهم على الصبر ويأمرهم بالثبات، ويقدم على المسلمين أنه يُكبِّر الأولى فيتأهبُ الناسُ للحملة، ويُكبِّر الثانية فلا يبقى لأحد أُهبة، ثم الثالثة ومعها الحملة الصادقة. ثم رجع إلى موقفه. وتعبَّئتِ الفرس تعبئةً عظيمةً واصطلفّوا صفوفًا هائلة، في عدد وعُدد لم ير مثله، وقد تغلغل (٤) كثيرٌ منهم بعضهم في بعض وألقوا حَسَكَ الحديد وراء ظهورهم حتى لا يمكنهم الهربُ ولا الفرارُ، ولا التحيّز. ثم إن النعمانَ بن مُقَرّن ﵁ كبَّر الأولى وهزّ الرايةَ فتأهب الناسُ للحملة، ثم كبَّر الثانيةَ وهزَّ

стр. 3378

الرايةَ فتأهّبوا أيضًا، ثم كبَّر الثالثةَ (وحمل) وحمل (١) الناس على المشركين وجعلت راية النعمان تنقض على (٢) الفرس كانقضاضِ العقاب على الفريسة، حتى تصافحوا بالسيوف فاقتتلوا قتالًا لم يُعْهَدْ مثله في موقفٍ من المواقف المتقدمة، ولا سمعَ السامعون بوقعة (٣) مثلها، قُتل من المشركين ما بين الزوال إلى الظلام من القتلى ما طبَّقَ وجهَ الأرض دمًا، بحيث إن الدواب كانت تطبع فيه، حتى قيل: إن الأمير النعمانَ بن مُقَرِّن زلق به حصانُه في ذلك الدم فوقع وجاءه سهمٌ في خاصرته (فقتله)، ولم يشعر به أحدٌ سوى أخيه سُوَيْد، وقيل نُعَيْم، وقيل غَطّاهُ بثوبه، وأخفى موتَه، ودفع الرايةَ إلى حُذيفة بن اليمان، فأقام حذيفة أخاه نُعيمًا مكانَه، وأمر بكتم موته حتى ينفصلَ الحالُ لئلا ينهزم الناس. فلما أظلم الليلُ انهزم المشركون مدبرين وتبعهم المسلمون وكان الكُفّار قد قرنوا منهم ثلاثين ألفًا بالسلاسل وحفروا حولهم خندقًا، فلما انهزموا وقعوا في الخندق وفي تلك الأودية نحو مئة ألف وجعلوا يتساقطون في أودية بلادهم فهلك منهم بشرٌ كثيرٌ نحو مئة ألف أو يزيدون، سوى منْ قُتل في المعركة، ولم يُفلت منهم إلا الشَّريد. وكان الفيرزان أميرهم قد صرع في المعركة فانفلت وانهزم واتبعه نُعيم بن مُقَرّن، وقدم القعقاع بين يديه وقصد الفيرزان هَمَذان فلحقه القَعْقاعُ وأدركه عند ثنية هَمَذان، وقد أقبل منها بغالٌ كثيرٌ وحُمُر تحمل عسلًا، فلم يستطع الفيرزان صعودها منهم، وذلك لحينه فترجَّلَ وتعلَّق في الجبل فاتبعه القعقاعُ حتى قتله، وقال المسلمون يومئذ: إنَّ لله جنودًا من عسل، ثم غنموا ذلك العسل وما خالطه من الأحمال وسُمِّيتْ تلك الثَّنيةُ ثَنيَّةَ العسل. ثم لحق القعقاعُ بقيةَ المنهزمين منهم إلى هَمَذان وحاصرها وحوى ما حولها، فنزل إليه صاحبُها - وهو خُسْرَ شَنُوم - فصالحه عليها. ثم رجع القعقاع إلى حُذيفة ومنْ معه من المسلمين، وقد دخلوا بعد الواقعةِ نهاوند عنوةً، وقد جمعوا الأسلابَ والمغانمَ إلى صاحب الأقباض (٤)، وهو السائبُ بن الأقرع. ولما سمع أهلُ ماه بخبر أهل هَمَذان بعثوا إلى حُذَيْفة وأخذوا لهم منه (٥) الأمان، وجاء رجل يقال له الهِرْبذ (٦) - وهو صاحب نارهم - فسأل من حذيفة الأمان ويدفع إليهم وديعةً لكسرى، ادخرها لنوائب الزمان، فأمَّنه حُذيفة وجاء ذلك الرجل بسفطين مملوءين (٧) جوهرًا ثمينًا لا يُقَوَّم، غير أنّ المسلمين لم يَعْبَؤُوا به، واتَّفق رأيهم على بعثه (٨) لعمر خاصة، وأرسلوه

стр. 3379

صحبةَ الأخماس والسبي صحبةَ السائب بن الأقْرع، وأرسل قبله بالفتح مع طريف بن سهم، ثم قسم حُذَيْفة بقيةَ الغنيمة في الغانمين، ورضخ ونفل لذوي النجدات، وقسم لمن كان قد أرصد من الجيوش لحفظ ظهور المسلمين من ورائهم، ومن كان ردءًا لهم، ومنسوبًا إليهم، وأما أمير المؤمنين فإنّه (١) كان يدعو اللهَ ليلًا ونهارًا لهم، دعاءَ الحوامل المقربات، وابتهال ذوي الضرورات، قد استبطأ الخبر عنهم فبينا رجل (من المسلمين) ظاهرَ المدينة إذا هو براكبٍ فسأله من أين أقبل؟ فقال: من نِهاوند. فقال: ما فعلَ الناسُ؟ قال: فتحَ الله عليهم وقُتل الأميرُ، وغنم المسلمون غنيمة عظيمةً أصاب الفارسَ ستةُ آلافٍ، والراجلَ ألفان. ثم فاته وقدم ذلك الرجل المدينةَ فأخبر الناسَ وشاعَ الخبرُ حتى بلغ أمير المؤمنين فطلبه فسأله عمَّن أخبره، فقال: راكب. فقال: إنه لم يجئني، وإنما هو رجل من الجنّ وهو يريدُهم واسمه عُثَيْم، ثم قدم طَريف بالفتح بعد ذلك بأيام، وليس معه سوى الفتح، فسأله عمَّنْ قتل (٢) النعمانَ، فلم يكن معه علم حتى قدم الذين معهم الأخماسُ، فأخبروا بالأمر على جليته، فإذا ذلك الجني قد شهدَ الوقعةَ ورجع سريعًا إلى قومه نذيرًا. ولما أُخبر عمر بمقتل النعمان بكى وسأل السائب عمَّنْ قُتل من المسلمين فقال: فلان وفلان وفلان، لأعيان الناس وأشرافهم. ثم قال وآخرون من أفناد (٣) الناس ممَّن لا يعرفهم أمير المؤمنين فجعل يبكي ويقول: وما ضرهم أن لا يعرفهم أمير المؤمنين؟ لكنَّ الله يعرفهم وقد أكرمهم الله بالشهادة، وما يصنعون بمعرفة عمر. ثم أمر بقسمة الخُمْسِ على عادته، وحُملت ذانك السفطان إلى منزل عمر، ورجعت الرسلُ، فلما أصبح عمر طلبهم فلم يجدهم، فأرسل في إثرهم البُرُدَ فما لحقهم البريدُ إلا بالكوفة. قال السائب بن الأقرع: فلما أنختُ بعيري بالكوفة، أناخَ البريدُ على عرقوب بعيري، وقال: أجبْ أميرَ المؤمنين، فقلت: لماذا؟ فقال: لا أدري. فرجعنا على إثرنا، حتى انتهيتُ إليه. قال: مالي ولك يا ابنَ أمّ السائب، بل ما لابن أمّ السائب ومالي، قال: فقلتُ: وما ذاك يا أميرَ المؤمنين؟ فقال: ويحكَ! والله إن هو إلا أن نمتُ في الليلة التي خرجتَ فيها فباتت ملائكةُ الله تسحبني إلى ذينك (٤) السفطين وهما يشتعلان نارًا، يقولون لنَكْوِيَنَّكَ بهما. فأقول: إني سأقسمهما بين المسلمين. فاذهبْ بهما لا أبالكَ فبعْهُما فاقسمهما في أعطية المسلمين وأرزاقهم، فإنهم لا يدرون ما وهبوا ولم تَدْرِ أنتَ معهم. قال السائب: فأخذتُهما حتى جئتُ بهما مسجدَ الكوفة وغشيتْني التجارُ فابتاعهما مني عمرو بن حُرَيْث المَخْزومي بألفَيْ ألفٍ. ثم خرج بهما إلى أرضِ الأعاجم فباعَهما بأربعةِ آلافٍ ألفٍ. فما زال أكثرَ أهلِ الكوفة مالًا بعد ذلك.

стр. 3380

قال سيف: ثم قسم ثمنَهما بين الغانمين فنالَ كل فارس أربعة آلاف درهم من ثمن السفطين. قال الشعبي: وحصل للفارس من أصل الغنيمة ستة آلاف وللراجل ألفان وكان المسلمون ثلاثين ألفًا. قالى: وافتُتحتْ نهاوندُ في أول سنة تسعَ عشرةَ لسبع سنين من إمارة عمر. ورواه سيفٌ عن عمرو بن محمد عنه. وبه عن الشعبي قال: لما قدم سبي (١) نِهاوند إلى المدينة جعل أبو لؤلؤة -فيروز غلام المغيرة بن شعبة- لا يلقى منهم صغيرًا إلا مسح رأسه وبكى وقال: آكل عُمر كبدي -وكان أصل أبي لؤلؤة من نهاوند، فأسرته الروم أيامَ فارس وأسرته المسلمون بعد، فنسب إلى حيث سُبي (٢) - قالوا: ولم تقم للأعاجم بعد هذه الوقعة قائمة، وأتحف عمر الذين أبلوا فيها بألفين (٣) تشريفًا لهم وإظهارًا لشأنهم. [فتح أصبهان (٤)] وفي هذه السنة افتتح المسلمون أيضًا بعد نِهاوند مدينة جيّ -وهي مدينة أصبهان- بعد قتال كثير وأمور طويلة، فصالحوا المسلمين وكتب لهم عبد الله بن عبد الله كتاب أمان وصلح، وفرَّ منهم ثلاثون نفرًا إلى كرمان لن يصالحوا المسلمين. وقيل: إن الذي فتح (٥) أصبهان هو النعمان بن مُقرّن وأنه قتل بها، ووقع أمير المجوس وهو ذو الحاجبين عن فرسه فانشقّ بطنه ومات وانهزم أصحابه. والصحيح أن الذي فتح أصبهان عبد الله بن عبد الله بن عِتْبان -الذي كان نائب الكوفة. وفيها افتتح أبو موسى قُمّ وقاشان (٦)، وافتتح سهيل بن عدي مدينة كرمان (٧). وذكر ابن جرير (٨) عن الواقدي: أن عمرو بن العاص سار في جيش معه إلى طرابلس قال: وفي برقة فافتتحها صلحًا على ثلاثة عشر ألف دينار في كل سنة.

стр. 3381

قال: وفيها بعث عمرو بن العاص عقبة بن نافع الفهري إلى زويلة ففتحها بصلح، وصار ما بين برقة إلى زويلة سلمًا للمسلمين. قال: وفيها ولَّى عمرُ عمار ين ياسر على الكوفة بدل زياد بن حنظلة الذي ولاه بعد عبد الله بن عبد الله بن عِتبان، وجعك عبد الله بن مسعود على بيت المال، فاشتكى أهل الكوفة من عمار فاستعفى عمار من عمله، فعزله وولَّى جُبَيْر بن مُطعم، وأمره أن لا يُعلم أحدًا، وبعث المُغيرة بن شعبة امرأته إلى امرأة جبير يعرض عليها طعامًا للسفر فقالت: اذهبي فأتيني به. فذهب المغيرة إلى عمر فقال: بارك الله يا أمير المؤمنين فيمن وليت على الكوفة. فقال: وما ذاك؟ وبعث إلى جُبير بن مطعم فعزله وولى المُغيرة بن شعبة ثانية، فلم يزل عليها حتى مات عمر ﵃. قال: وفيها حجَّ عمر واستخلف على المدينة زيدَ بن ثابت، وكان عُمَّالُه على البلدان المتقدمون في السنة التي قبلها سوى الكوفة. قال الواقدي: وفيها توفي خالد بن الوليد بحمص وأوصى إلى عمر بن الخطاب. وقال غيره توفى سنة ثلاث وعشرين، وقيل بالمدينة. والأول أصح. وقال غيره: وفيها توفي العلاء بن الحضرميّ فولَّى عمرُ مكانَه أبا هريرة. وقد قيل إن العلاء توفي قبل هذا كما تقدم، والله أعلم. وقال ابن جرير فيما حكاه عن الواقدي: وكان أمير دمشق في هذه السنة عمير بن سعيد، وهو أيضًا على حمص وحوران وقنَّسرين والجزيرة، وكان معاوية على البقاء والأردن، وفلسطين والسواحل وأنطاكية، وغير ذلك. ذكر من توفي [في هذه السنة -أعني] سنة إحدى وعشرين - خالد بن الوليد (١) بن المغيرة بن عبد الله بن غمر بن مَخْزوم القرشي أبو سُليمان المَخْزومي، سيفُ الله، أحد الشجعان المشهورين، لم يُقهر في جاحليةٍ ولا إسلامٍ. وأمُّه، عَصْماء بنت الحارث، أخت لبابة (٢) بنت الحارث، وأخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين.

стр. 3382

قال الواقدي: أسلم أول يوم من صفر سنة ثمان، وشهد مؤتة وانتهت إليه الإمارة يومئذ عن غير إمرة، فقاتل يومئذ قتالًا شديدًا لم يُرَ مثله، اندقّت في يده تسعةُ أسيافٍ، ولم تثبت في يده إلا صفيحة يمانية. وقد قال رسول الله- ﷺ : "أخذ الراية زيدٌ فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، ثم أخذها سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه" (١). وقد رُويَ أن خالدًا سقطت قلنسوته يوم اليرموك وهو في الحرب فجعل يستحثّ في طلبها فعوتب في ذلك، فقال: إن فيها شيئًا من شعر ناصية رسول الله ﷺ ، وإنها ما كانت معي في موقف إلا نُصرتُ بها (٢). وقد روينا في مسند أحمد (٣) من طريق الوليد بن مسلم، عن وَحْشي بن حرب، عن أبيه، عن جدّه وَحْشي بن حرب، عن أبي بكر الصديق أنه لما أمَّر خالدًا على حرب أهل الردة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نعم عبدُ الله وأخو العشيرة خالدُ بن الوليد، خالد بن الوليد سيفٌ من سيوف الله سلَّه الله على الكفار والمنافقين". وقال أحمد (٤): حدَّثنا حسين الجعفي عن زائدة عن عبد الملك بن عمير قال: استعمل عمر بن الخطاب أبا عبيدة على الشام وعزل خالد بن الوليد، فقال خالد: بعث إليكم أمين هذه الأمة، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "أمينُ هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح" فقال أبو عبيدة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خالدٌ سيفٌ من سيوف الله نِعْمَ فَتى العشيرة". وقد أورده ابن عساكر (٥) من حديث عبد الله بن أبي أوفى، وأبي هريرة، ومن طرق مرسلة يقوي بعضها بعضًا. وفي الصحيح (٦): "وأما خالدٌ فإنكم تظلمون خالدًا وقد احتبس أدراعه وأعبده في سبيل الله". وشهد الفتح وشهد حنينًا وغزا بني جذيمة أميرًا في حياته ﵇. واختلف في شهوده خيبر (وقد دخل مكةَ أميرًا على طائفة من الجيش وقتل خلقًا كثيرًا من قريش، كما قدمنا ذلك مبسوطًا في موضعه ولله الحمد والمنة. وبعثه رسول الله ﷺ إلى العزى -وكانت لهوازن- فكسر قمَّتها أولًا ثم

стр. 3383

دعثرها (١) وجعل يقول: يا عُزَّى كفرانك لا سبحانك. إني رأيت الله قد أهانك. ثم حرقها) وقد استعمله الصدّيق بعد رسول الله ﷺ على قتال أهل الردة ومانعي الزكاة، فشفى واشتفى، ثم وجهه إلى العراق ثم أتى الشام فكانت له من المقامات ما ذكرناها مما تقرُّ بِهَا القلوب والعيون، وتَتَشَنَّفُ بها الأسماع. ثم عزله عمر عنها وولَّى أبا عبيدة وأبقاه مستشارًا في الحرب، ولم يزل بالشام حتى مات على فراشه ﵁. وقد روى الواقدي عن عبد الرحمن بن أبي الزّناد عن أبيه قال: لما حضرت خالدًا الوفاةُ بكى ثم قال: لقد حضرتُ كذا وكذا زحفًا، وما في جسدي شبرٌ إلا وفيه ضربةُ سيفٍ، أو طعنةٌ برمحٍ، أو رميةٌ بسهمٍ، وها أنا أموت على فراشي حتفَ أنفي كما يموت البعيرُ، فلا نامت (٢) أعينُ الجبناء، وقال أبو يعلى (٣): حدَّثنا سرَيج (٤) بن يونس، حدَّثنا يحيى بن زكريا، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس. قال: قال خالد بن الوليد: ما ليلة يُهدى إليَّ فيها عروس، أو أُبَشَرُ فيها بغلامٍ بأحبّ إليَّ من ليلةٍ شديدةِ الجليد في سَريّة من المهاجرين أُصَبِّح بهم العدو (٥). وقال أبو بكر بن عَيَّاش، عن الأعمش، عن خَيْثَمة قال: أُتِيَ خالدٌ برجلٍ معه زقُّ خمرٍ فقال: اللهمّ اجعله عسلًا، فصارَ عسلًا. وله طرق، وفي بعضها مرَّ عليه رجلٌ معه زقُّ خَمرٍ فقال له خالد: ما هذا؟ فقال: عَسَلٌ فقال: اللهم اجعله خلًا، فلما رجع إلى أصحابه قال: جئتكم بخمرٍ لم يشربِ العربُ مثلَه، ثم فتحه فإذا هو خلٌّ، فقال أصابته والله دعوة خالدٍ ﵁. وقال حماد بن سلمة، عن ثمامة، عن أنس. قال: لقي (٦) خالد عدوًا له فولَّى عنه المسلمون منهزمين وثبتَ هو وأخو البراء بن مالك، وكنت بينهما واقفًا، قال: فنكسَ خالدٌ رأسه ساعةً إلى الأرض ثم رفع رأسه إلى السماء ساعةً- قال: وكذلك كان يفعل إذا أصابه مثل هذا-، ثم قال لأخي البراء: قم، فركبا، واختطب خالد منْ معه من المسلمين وقال: ما هو إلا الجنة وما إلى المدينة سبيل. ثم حمل بهم فهزم المشركين. وقد حكى مالك عن عمر بن الخطاب أنه قال لأبي بكر: اكتب إلى خالد أن لا يعطي شاةً ولا بعيرًا إلا بأمرك. فكتب أبو بكر إلى خالد بذلك، فكتب إليه خالد: إما أن تدعني وعملي، وإلا فشأنك بعملك. فأشار عليه عمر بعزله، فقال أبو بكر: فمن يجزي عني جزاء خالد؟ قال عمر: أنا. قال: فأنت،

стр. 3384

فتجهز عمر حتى أنيخ الظهر في الدار (١)، ثم جاء الصحابة فأشاروا على الصديق بإبقاء عمر بالمدينة وإبقاء خالد بالشام. فلما ولي عمر كتب إلى خالد بذلك فكتب إليه خالد بمثل ذلك فعزله، وقال: ما كان (الله) ليراني آمر أبا بكر بشيء لا، أنفذه أنا. وقد روى البخاري في "التاريخ" (٢) وغيره من طريق عُلَي بن رباح عن ناشرة بن سُمي اليَزَني (٣)، قال: سمعتُ عمر يعتذر إلى الناس بالجابية من عزل خالد، فقال: أمرتُه أن يحبسَ هذا المال على ضعَفَةِ المهاجرين، فأعطاه ذا البأس، وذا الشرف واللسان، وأمَّرْتُ أبا عبيدة. فقال أبو عمرو بن حفص بن المغيرة: ما اعتذرت يا عمر، لقد نزعتَ عاملًا استعمله رسول الله- ﷺ ، ووضعتَ لواء رفعه رسول الله ﷺ ، وأغمدت سيفًا سلَّه الله، ولقد قطعتَ الرحم، وحسدتَ ابنَ العمّ. فقال عمر: إنك قريبُ القرابة، حديثُ السن مغضبٌ في ابن عمك. قال الواقدي ﵀، ومحمد بن سعد وغيرُ واحد: مات سنة إحدى وعشرين بقريةٍ على ميلٍ من حمص، وأوصى إلى عمر بن الخطاب. وقال دُحيم وغيره: مات بالمدينة. والصحيحُ الأولُ. وقدمنا (فيما سلف) تعزير عمر له حين أعطى الأشعث بن قيس عشرة آلاف، وأخذه من ماله عشرين ألفًا أيضًا. وقدمنا عتبهُ عليه لدخوله الحمّام وتدلكه بعد النورة بدقيقِ عصفرٍ معجونٍ بخمر، واعتذار خالد إليه بأنه صار غسولًا. وروينا عن خالد أنه طلَق امرأةً من نسائه وقال: إني لم أطلقها عن ريبة، ولكنها لم تمرض عندي ولم يصبها شيء في بدنها ولا رأسها ولا في شيء من جسدها. وروى سيف وغيره: أن عمر قال حين عزل خالدًا عن الشام، والمثنى بن حارثة عن العراق: إنما عزلتهما ليعلم الناسُ أنَّ اللهَ نصرَ الدِّين لا بنصرهما وأن القوةَ لله جميعًا. وروى سيفٌ أيضًا أن عمر قال حين عزل خالدًا عن قِنَّسرين وأخذ مه ما أخذ: إنك عليَّ لكريمٌ، وإنك عندي لعزيزٌ، ولن يصل إليك مني أمرٌ تكرهه بعد ذلك. وقد قال الأصمعي: عن سَلَمة، عن بلال، عن مُجالد، عن الشَّعبي قال: اصطرع عمر وخالد وهما غلامان -وكان خالد ابنَ خالِ عمر- فكسر خالدٌ ساقَ عمر، فعُولجت وجُبرت، وكان ذلك سببَ العداوة بينهما (٤). وقال الأصمعي، عن ابن عون عن محمد بن سيرين قال: دخل خالد على عمر وعليه قميص حرير

стр. 3385

فقال عمر: ما هذا يا خالد؟ فقال: وما بأسٌ يا أميرَ المؤمنين، أليس قد لبسه عبد الرحمن بن عوف؟ فقال: وأنت مثل ابن عوف؟ ولك مثل ما لابن عوف؟ عزمتُ على منْ بالبيت إلا أخذَ كلُّ واحد منهم بطائفة مما يليه. قاد: فمزَّقوه حتى دم يبق منه شيء (١). وقال عبد الله بن المبارك: عن حماد بن زيد، حدَّثنا عبد الله بن المختار، عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل -ثم شك حماد في أبي وائل- قال: ولما حضرت خالدَ بن الوليد الوفاةُ قاك (٢): لقد طلبتُ القتلَ في مظانّه فلم يُقَدَّر لي إلا أن أموتَ على فراشي. وما من عملي شيءٌ أرْجَى عندي بعد لا إله إلا الله من ليلة بتُّها وأنا مُتَترّسٌ والسماء تهلّني ننتظر الصبح (٣)، حتى نُغير على الكفار. ثم قال: إذا أنا متُّ فانظروا إنى سلاحي وفرسي (٤) فاجعلوه عدّة في سبيل الله. فلما توفي خرج عمر على جنازته فذكر قوله: ما على آل نساء الوليد أن يَسْفَحْن على خالدٍ من دموعِهِنَّ ما لم يكن نَقْعًا أو لقْلَقَةً. قال ابن المختار: النقع: التراب على الرأس، واللقلقة: الصوت. وقد علّق البخاري في صحيحه (٥) بعض هذا فقال: وقال عمر: دعهن يبكين على أبي سليمان ما لم يكن نقعٌ أو لقلقةٌ. وقال محمد بن سعد (٦): حدَّثنا وكيع وأبو معاوية وعبد الله بن نمير قالوا: حدَّثنا الأعمش، عن شقيق بن سلمة قال: لما مات خالد بن الوليد اجتمع نسوة بني المغيرة في دار خالد يبكين عليه فقيل لعمر: إنهنَّ قد اجتمعن في دار خالد يبكين عليه، وهنّ خلقاء أن يسمعنك بعض ما تكره. فأرسلْ إليهنَّ فانههنَّ. فقال عمر: وما عليهنَّ أن ينزفن من دموعهنّ على أبي سليمان، ما لم يكن نقعًا أو لقلقة. ورواه البخاري في "التاريخ" (٧) من حديث الأعمش بنحوه. وقال إسحاق بن بشر وقال محمد: مات خالد بن الوليد بالمدينة فخرج عمر في جنازته وإذا أمه تندبه وتقول (٨): [من الخفيف]

стр. 3386

أنتَ خيرٌ من ألفِ ألفٍ (١) من القو … مِ إذا ما كُبَّتْ وُجوهُ الرِّجالِ فقال: صدقتِ (واللهِ) إن كان لكذلك. وقال سيف بن عمر عن شيوخه عن سالم (٢). قال: فأقام خالدٌ في المدينة حتى إذا ظن عمر أنه قد زال ما كان يخشاه من افتتان الناس به. وقد عزم على توليته بعد أن يرجع من الحج، واشتكى (٣) خالد بعد (٤)، وهو خارج من المدينة زائرًا لأمه فقال لها: احدُروني إلى مهاجري، فقدمت به المدينة ومرَّضته فلما ثقل وأظل (٥) قدوم عمر (لقيه لاقٍ على مسيرة) ثلاث صادرًا عن حجه فقال له عمر: مَهْيَم (٦). فقال: خالدُ بن الوليد ثقيلٌ لما به. فطوى عمر ثلاثًا في ليلة فأدركه حين قَضَى، فرقَّ عليه واسترجع وجلس ببابه حتى جُهّز، وبكَتْهُ البواكي، فقيل لعمر: ألا تسمعُ؟ ألا تَنْهاهن؟ فقال: وما على نساءِ قريشٍ أن يبكينَ أبا سليمان؟ ما لم يكن نَقْعٌ ولا لَقْلَقةٌ. فلما خرج لجنازته رأى عمر امرأة محترفة تبكيه وتقول: [من الخفيف] أنتَ خيرٌ منْ ألف ألفٍ منَ النا … سِ إذا ما كُبَّتْ وجُوهُ (٧) الرَّجالِ أشُجَاعٌ فأنتَ أشجعُ منْ ليـ … ـثِ عَرينٍ جهم (٨) أبي أشبالِ أجَوادٌ فأنتَ أجْودُ منْ سَيْلِ … رئاسٍ (٩) يَسيلُ (١٠) بين الجبال فقال عمر: مَنْ هذه؟ فقيل له: أمّه. فقال أمُّه والإله- ثلاثًا. وهل قامت النساء عن مثل خالد. قال: فكان عمر يَتَمثَّل في طيه تلك الثلاث في ليلة وفي قدومه: [من الوافي] أتبكي ما وصلْتَ بهِ الندامى … ولا تبكي فوارسَ كالجبالِ أولئكَ إنْ بكيتَ أشدُّ فقدًا … من الإذهابِ والعكرِ (١١) الجلالِ (١٢)

стр. 3387

تَمَنّى بعدهم قومٌ مداهم … فلمْ يدنوا لأسبابِ الكمالِ وفي رواية أنَّ عمر قال لأمِّ خالد: أخالدًا أو أجره تُرزئين؟ عزمت عليك أن لا تبيني حتى تسودَّ يداك من الخضاب. وهذا كله (١) يقتضي موته بالمدينة النبوية، وإليه ذهب دُحيم عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي. ولكنّ المشهور عن الجمهور وهم الواقدي، وكاتبه محمد بن سعد، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وإبراهيم بن المنذر، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وأبو عبد الله العصفري، وموسى بن أيوب، وأبو سليمان بن أبي محمد وغيرهم: أنه مات بحمص سنة إحدى وعشرين. زاد الواقدي: وأوصى إلى عمر بن الخطاب. وقد روى محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد وغيره قالوا: قدم خالد المدينة بعدما عزله عمر فاعتمر ثم رجع إلى الشام، فلم يزل بها حتى مات في سنة إحدى وعشرين. وروى الواقدي أنَّ عمر رأى [بالمدينة قومًا] حجاجًا يصلّون (٢) بمسجد قباء فقال: أين نزلتم بالشام؟ قالوا: بحمص، قال: فهل من معرفة خبر؟ قالوا: نعم مات خالد بن الوليد، قال: فاسترجع عمر وقال: كان والله سدادًا لنحور العدو، ميمون النقيبة. فقال له علي: فلم عزلته؟ قال: لبذله المال لذوي الشرف واللسان. وفي رواية أنَّ عمر قال لعلي: ندمت على ما كانَ منّي. وقال محمد بن سعد (٣): أخبرنا عبد الله بن الزُّبير الحميدي، حدَّثنا سفيان بن عيينة، حدَّثنا إسماعيل بن أبي خالد، سمعت قيس بن أبي حازم يقول: لما مات خالد بن الوليد قال عمر: رحم الله أبا سليمان، لقد كنا نظن به أمورًا ما كانت. وقال جويرية، عن نافع قال: لما مات خالد لم يوجد له إلا فرسه وغلامه وسلاحه. وقال القاضي المعافى بن زكريا الجريري: حدَّثنا أحمد بن العباس العسكري، حدَّثنا عبد الله بن أبي سعد، حدَّثني عبد الرحمن بن حمزة اللّخمي، حدَّثنا أبو علي الحرْمازي (٤) قال: دخل هشام بن البَخْتري في ناس من بني مخزومٍ على عمر بن الخطاب فقال له: يا هشام أنشدني شعرَكَ في خالدٍ. فأنشده فقال: قصَّرتَ في الثناء على أبي سليمان ﵀، إنه كان ليحب أن يُذِلَّ الشرك (٥) وأهلَه، وإن كان الشامتُ به لمتعرضًا لمقت الله. ثم قال عمر قاتل الله أخا بني تميم ما أشعره؛ [من الطويل] وَقُلْ للَّذي يبقَى خِلافَ الذي مضى … تَهَيَّأ لأُخرى مثلَها فكأنْ قَدِ

стр. 3388

فما عيشُ منْ قد عاش بعدي بنافعي … ولا موت من قد ماتَ يومًا بمخلدي (١) ثم قال عمر: رحم الله أبا سليمان، ما عند الله خيرٌ له ممّا كان فيه. ولقد مات فقيدًا (٢) وعاش حميدًا، ولكن رأيت الدهر ليس بقائل (٣). طُلَيْحَة بن خُوَيْلدِ (٤) بنِ نَوْفَل بن نَضْلَة بن الأشْتَر بن حَجوان بن فَقْعس بن طَريف بن عَمرو (٥) بنِ قُعَيْن ابن الحارث بن ثَعْلبة بن دُودَان (٦) بن أسَد بن خُزيمة الأسَدي الفَقْعسي. كان ممن شهد الخندقَ، من ناحية المشركين. ثم أسلم سنة تسعٍ، ووفدَ على رسول الله ﷺ إلى المدينة. ثم ارتدَّ بعد وفاة رسوك الله ﷺ في أيام الصديق، وادَّعى النبوةَ كما تقدم -وررى ابن عساكر (٧) أنه ادعى النبوة في حياة رسول الله ﷺ وأنّ ابنه خيال (٨) قدم على رسول الله ﷺ فسأله: "لقد اسمُ الذيَ يأتي إلى أبيك؟ " فقال: ذو النون الذي لا يكذب ولا يخون، ولا يكون كما يكون. فقال: "لقد سمَّى مَلَكًا عظيمَ الشأن". ثم قال لابنه: "قتلكَ الله وحرمك الشهادة". ورده كما جاء. فقتل خيال في الرّدة في بعض الوقائع، قتله عُكاشَة بن مِحْصَن ثم قتَلَ طُلَيحة عُكَّاشة وله مع المسلمين وقائع. ثم خذله الله على يدي خالد بن الوليد، وتفرق جنده فهرب حتى دخل الشام فنزل على آل جفنة، فأقام عندهم حتى مات الصديق حياءً منه. ثم رجع إلى الإسلام واعتمر، ثم جاء يسلَّم (٩) على عمر فقال له: اغرب عني فإنك قاتلُ الرجلين الصالحين، عُكَّاشة بن مِحْصن، وثابت بن أقْرَم، فقال: يا أمير المؤمنين هما رجلان أكرمهما الله على يدي ولم يهني بأيديهما. فأعجبَ عمرَ كلامه ورضي عنه. وكتب له بالوصاة إلى الأمراء أن يشاوَرَ رلا يُولَّى شيئًا من الأمر، ثم عاد إلى الشام مجاهدًا فشهدَ اليرموك وبعضَ حروبٍ كالقادسية ونهاوند الفرس، وكان من الشجعان المذكورين، والأبطال المشهورين، وقد حَسُن إسلامه بعد هذا كله.

стр. 3389

وذكره محمد بن سعد (١) في الطبقة الرابعة من الصحابة وقال: كان يعد بألف فارس لشدّته وشجاعته وبصره بالحرب (٢). وقال أبو نصر بن ماكولا: أسلم ثم ارتدّ أسلم وَحَسُنَ إسلامُهُ، وكان يعدل بألفِ فارسٍ. ومن شعره أيام ردته وادِّعائه النبوة في قتل المسلمين أصحاب (٣): [من الطويل] فما ظنُّكم بالقوم إذْ تَقْتُلُونَهُمْ … ألَيْسُوا وإنْ لَم يُسْلِموا برجالِ فإنْ تك أذواد أصبَن (٤) ونسوةً … فلم يذهبوا فزعًا بقتلِ خيالِ نَصَبْتْ لهم صَدْرَ الحمالةِ إنَّها … معاودةٌ قِيلَ الكُماةِ نَزالِ فيومًا تراها في الجلال مَصُونةً … (ويومًا تراها غَيْرَ ذاتِ جلالِ) (ويَوْمًا تَراها تُضيء المَشْرَفيَّة نَحْوها) … ويومًا تراها في ظلالِ عوالي عَشِيَّة غادَرت ابْنَ أقْرَم ثاويًا … وعُكَّاشَةَ الغَنْميّ (٥) عندَ مجالِ وقال سيف بن عمر (٦)، عن مبشر بن الفضيل، عن جابر بن عبد الله. قال: باللهِ الذي لا إله إلا هو ما اطَّلعنا على أحدٍ من أهل القادسية يريد الدنيا مع الآخرة، ولقد اتهمنا ثلاثةَ نفرٍ، فما رأينا كما هجمنا عليهم من أمانتهم وزهدهم: طُلَيْحة بن خوَيْلد الأسدي، وعَمْرو بن معدي كرب، وقيس بن المكشوح. قال ابن عساكر: ذكر أبو الحسين (٧) محمد بن أحمد بن القواس (٨) الورَّاق أنّ طليحة استشهد بنهاوند سنة إحدى وعشرين مع النُّعمان بن مُقَرِّن، وعمرو بن معديكرب ﵃. عَمْرو بن معْدي كَرِب (٩) بن عبد الله بن عَمْرو بن عاصم (١٠) بن عمرو بن زُبَيْد الأصغر [وهو مُنبِّه] بن

стр. 3390

ربيعة بن سلمة بن مازن بن ربيعة بن مُنبِّه (١) -وهو (٢) زُبَيْد الأكبر- بن الحارث بن صَعْب (٣) بن سَعْد العشيرة بن مَذْحج الزُّبيدي المَذْحجي أبو ثَوْر: أحد الفرسان المشاهير الأبطال، والشجعان المذاكير. قدمَ على رسول الله ﷺ سنة تسع (٤)، وقيل عشر مع وفد مُراد، وقيل في وفد زُبَيْدٍ قومه. وقد ارتدَّ مع الأسود العَنْسي، فسار إليه خالد بن سعيد بن العاص، فقاتله فضربه خالد بن سعيد بالسيف على عاتقه فهرب وقومه، وقد استلب خالد سيفَه الصمصامةَ، ثم أُسر ودُفع إلى أبي بكر فأنَّبه وعاتبه واستتابه، (فتاب) وحسُنَ إسلامُه بعد ذلك. فسيَّره إلى الشام، فشهد اليرموكَ، ثم أمره عمر بالمسير إلى سعدٍ، وكتب بالوصاة به، وأن يشاوَرَ ولا يُولَّى شيئًا، فنفعَ اللهُ به الإسلامَ وأهلهُ؛ وأبلى بلاءً حسنًا يوم القادسية. وقيل إنه قُتل بها، وقيل بنِهاوند، وقيل ماتَ عَطَشًا في بعض القُرى يُقال لها روذة (٥)، فالله أعلم. وذلك كله في [سنة] إحدى وعشرين، فقال بعض من رثاه من قومه (٦) [من الطويل] لَقَدْ غادرَ الرُّكبانَ يومَ تَحَمَّلوا … برُوذةَ شَخْصًا لا جَبانًا ولا غَمْرا فَقُلْ لزُبَيْدٍ بل لمَذْحِجَ كُلِّها … رُزِئْتُمْ أبا ثورٍ قَريعَ الوَغى (٧) عَمْرا وكان عمرو بن معديكرب ﵁ من الشعراء المجيدين، فمن شعره (٨): [من الوافر] أعاذلَ عُدَّتي بَدني ورُمْحي … وَكُلّ مُقَلَّصٍ سَلِسِ القيَادِ أعاذلَ إنَّما أُفْني شَبابي … إجابتيَ الصَّريخَ إلى المُنادي معَ الأبْطالِ حتَّى سُلَّ جسمي … وأقرعَ عاتقي حملُ النِّجادِ وَيَبْقى بَعْدَ حِلْمِ القَوْمِ حِلْمي (٩) … وَيَفْني قَبْلَ زادِ القَوْمِ زادي تَمَنَّى أن يلاقيني قييسٌ … وَددتُ وأيْنَما منّي وِدادي

стр. 3391

فَمنْ ذا عاذري من ذي سَفَاهٍ … يرودُ بنفسهِ شرَّ المَرَادِ (١) أُريدُ حياتَهُ ويُريدُ قتلي … عَذِيرك منْ خليلكَ منْ مُراد له حديث واحد في التلبية رواه شراحيل بن القعقاع عنه، قال: كُنَّا نقولُ في الجاهلية إذا لَبَّيْنا (٢): [من الرجز] لَبَّيْكَ تعظيمًا إليكَ عُذْرا … هذي زُبيدٌ قدْ أتَتْكَ قَسْرا يعدو بها مُضمَّراتٌ شُزرًا … تَقْطعن خَبْنًا وجبالًا وَعْرا قد تركوا الأوثان خِلْوًا صِفرا قال عمرو: فنحنُ نقولُ الآن، ولله الحمد، كما علَّمنا رسولُ الله ﷺ : لبّيك اللهم لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إنَّ الحمدَ والنعمةَ لكَ والملك، لا شريك لك. العلاء بن الحَضْرميّ (٣) أميرُ البحرين لرسول الله ﷺ ، وأقرَّه عليها أبو بكر ثم عمر. تقدّم أنه تُوفي سنة أربع عشرة. ومنهم منْ يقول: إنّه تأخَّر إلى سنة إحدى وعشرين، وِعزله عمر عن البَحْرين وولَّى مكانه أبا هريرة. وأمره عمر على الكوفة، فمات قبل أن يصل إليها منصرفهُ من الحجِّ. كما قدَّمنا ذلك والله أعلم. وقد ذكرنا في دلائل النبوة قصته في سيره بجيشه على وجه الماء وما جرى له من خرق العادات ولله الحمد. النُّعْمان بن مُقَرِّن بن عائد المُزَني (٤) أمير وقعة نهاوند، صحابيّ جليل. قدم مع قومه من مُزَيْنة في أربعمئة راكب، ثم سكن البصرة، وبعثه الفاروقُ أميرًا على الجنود إلى نِهاوند، ففتحَ اللهُ على يديه فتحًا عظيمًا. ومكّن الله له في تلك البلاد، ومكَّنه من رقاب أولئك العباد، ومكَّن به للمسلمين هنالك إلى يوم التَّناد، ومنحه النصر في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وأتاح (٥) له بعدما أراه ما أحبَّ شهادةً عظيمةً وذلك غايةُ المراد، فكان ممَّن قال الله تعالى في حقّه في كتابه المبين وهو صراطه المستقيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا

стр. 3392

فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١] ثم دخلت سنة اثنتين (١) وعشرين وفيها كانت فتوحات كثيرة منها (٢): فتح هَمَذان ثانية ثم الرَّيَ وما بعدها ثم أذْرَبِيجان قال الواقدي وأبو معشر: كانت في سنة اثنتين وعشرين. وقال سيف: كانت في سنة ثماني عشرة بعد فتح هَمَذان والرَّيّ وجُرْجان. وأبو معشر يقول بأنّ أذْرَبيجان كانت بعد هذه البلدان، ولكن عنده أنّ الجميع كان في هذه السنة (٣). وعند الواقدي أنَّ فتحَ هَمَذان والرَّي في سنة ثلاث وعشرين، فَهَمذان افتتحها المُغيرة بعد مقتل عُمر بستةِ أشهر، قال: ويقال كان فتح الرَّيّ قبلَ وفاة عمر بسنتين، إلا أنَّ الوقديَّ وأبا معشر متفقان على أن أذْرَبيجانَ في هذه السنة، وتبعهما ابن جرير (٤) وغيره. وكان السبب في ذلك أنّ المسلمين لما فرغوا من نهاوند وما وقع من الحرب المتقدم، فتحوا (٥) حُلوان وهَمَذَان بعد ثم ذلك. ثم إنَّ أهلَ هَمَذان نقضوا عهدهم (٦) الذي صالحهم عليه القعقاعُ بن عمرو، فكتب عمر إلى نُعَيم بن مُقَرِّن أن يسير إلى هَمَذان، وأن يجعل على مقدِّمته أخاه سوَيْد بن مقَرِّن، وعلى مجْنَبَتَيْه رِبْعي بن عامر الطّائي، ومُهلهل بن زيد التَّميمي. فسار حتى نزل على ثَنيَّة العَسَل، ثم تحدَّر على هَمَذان، واستولى على بلادها؛ وحاصرها، فسألوه الصلحَ فصالحهم ودخلها، فبينما هو فيها ومعه اثنا (٧) عشر ألفًا من المسلمين إذ تكاتب (٨) الروم والديلم وأهل الرَّي وأهل أذْرَبيجان، واجتمعوا على حرب نُعَيْم بن مقَرِّن في جمعٍ كثير، فعلى الديلم ملكهم واسمه موتا (٩)، وعلى أهل الري أبو الفَرُّخان وعلى أذربيجان إسْفَنْدياذ أخو رستم، فخرج إليهم بمن مَعهُ من المسلمين، حتى التَقوْا بمكانٍ يقال له واج

стр. 3393

الرُّوذ، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وكانت وقعة عظيمة تعدل نهاوند ولم تكُ دونها، فاقتلوا من المشركين جمعًا كثيرًا، وجمَاً غفيرًا لا يُحْصَون كَثْرَةً، وقتل ملك الديلم موتا وتمزَّق شملُهم، وانهزموا بأجمعهم، بعد من قتل بالمعركة منهم. فكان نُعَيْم بن مُقَرِّن أولَ من قاتل الديلم من المسلمين. وقد كان نُعيم كتب إلى عمر يعلمه باجتماعهم فهمَّه ذلك واغتمَّ له. فلم يفجأه إلَّا البريد بالبشارة فحمد الله وأثنى عليه، وأمر بالكتاب فقُرِئء على الناس، ففرحوا وحمدوا الله . ثم قدم عليه بالأخماس ثلاثةٌ من الأمراء وهم سِمَاك بن خَرَشَة، ويعرف بأبي دُجانة، وسماك بن عُبَيد، وسِماك بن مَخرَمة. فلما استسماهم عمر قال (١): اللهم اسمكْ بهم الإسلام، وأمدَّ بهم الإسلام، ثم كتب إلى نُعيم بن مُقَرِّن بأن يستخلف على همذان ويسير إلى الري فامتثل نُعيم. وقد قال نعيم في هذه الوقعة (٢): [من الطويل] ولَمّا أتاني أنَّ موتا وَرَهْطَهُ … بَني باسلٍ جَرُّوا جُنود الأعاجمِ نَهَضْتُ إلَيْهمْ بالجُنودِ مُساميًا … لأمْنَع منْهُمْ ذِمَّتي بالقواصمِ (٣) فَجِئْنا إلَيْهمْ بالحَديدِ كَأنَّنا … جِبالٌ تَراءَى منْ فروعِ القَلاسمِ فَلَمَا لَقينَاهُم بها مُسْتَفيضةَ … وقَدْ جَعَلُوا يَسْمُونَ فعل المُسَاهِمِ صَدَمْناهُم في واجِ رُوذ بِجَمْعنا … غَدَاةَ رَمَيْناهُمْ بإحدَى العَظائمِ فَمَا صبَرُوا في حَوْمةِ المَوْتِ سَاعة … لِحَدِّ (٤) الرِّماحِ والسُّيوف الصَّوارِمِ كأنَّهمُ عِندَ انْبَثاثِ (٥) جُمُوعِهِمْ … جِدَارٌ تَشَظَّى لَبْنهُ للهوادمِ أصَبْنا بها موتا (٦) ومنْ لَفَّ جَمْعَهُ … وفيها نهابٌ قَسْمُهُ (٧) غَيْرُ عَاتِمِ تَبعْناهُمُ حَتّى أوَوْا في شِعَابِهِمْ … فَنَقتُلُهمْ (٨) قتْلَ الكِلابِ الجَوَاحِم (٩)

стр. 3394

كَأنَّهُمُ في واج رُوذَ وَجَوِّهِ … ضَئين (١) أصَابَتْها (٢) فُروجُ المَخَارمِ (٣) فتح الرَّيّ استخلف نُعَيْم بن مُقَرِّن على هَمَذان يزيدَ بن قَيْس الهَمْدَاني وسار بالجيوش حتى لحق بالرَّيّ، فلقي هناك جمعًا كثيرًا من المشركين (٤)، فاقتتلوا عند سفح جبل الرَّيّ فصبروا صبرًا عظيمًا ثم انهزموا، فَقَتلَ منهم نُعيم (٥) بن مُقَرّن مقتلةً عظيمةً بحيث عُدُّوا بالقصب فيها، وغنموا منهم غنيمة عظيمة قريبًا مما غنم المسلمون (٦) من المدائن. وصالح أبو الفَرُّخان على الرَّيّ، وكتب له أمانا (٧) بذلك، ثم كتب نُعَيْم إلى عمر بالفتح ثم بالأخماس، ولله الحمد والمنة. فتح قُومِس ولما ورد البشيرُ بفتح الرَّي وأخماسها كتب عمر إلى نُعيم بن مقرن أن يبعث أخاه سُوَيد بن مُقَرّن إلى قُومِس. فسار إليها سُوَيْد، فلم يقم له شيء حتى أخذها سلمًا وعسكر بها وكتب لأهلها كتاب أمان (٨) (وصلح). فتح جُرْجان لما عسكر سُوَيْد بقُومس بعث إليه أهلُ بلدانٍ شتَّى منها جُرجان وطبرستان وغيرُها يسألونه الصلحَ على الجزية، فصالحَ الجميعَ وكتبَ لأهل كلِّ بلدةٍ كتابَ أمانٍ وصلحٍ. وحكى المدائني أن جُرجان فُتحت في سنة ثلاثين أيّام عثمان، فالله أعلم. وهذا فتح أَذْرَبيجان لما افتتح نُعَيْم بن مُقَرِّن همذان ثم الرَّيَّ، وكان قد بعث بين يديه بُكَيْر بن عبد الله من هَمَذان إلى

стр. 3395

أذْرَبيجان وأردفه بسِماك بن خَرَشَة، فلقي إسفَنْدياذ بن الفرخزاذ بُكَيْرًا وأصحابه، قبل أن يقدم عليهم سِماك، فاقتتلوا فهزم الله المشركين، وأسر بُكَيْر إسفَنْدِياذ، فقال له إسْفَندياذ: الصلحُ أحبُّ إليكَ أمِ الحربُ؟ فقال: بل الصلحُ. قال: فأمسكني عندك. فأمسكه ثم جعل يفتحُ بلدًا بلدًا وعتبة بن فَرْقَد أيضًا يفتحُ معه بلدًا بلدًا في مقابلته من الجانب الآخر. ثم جاء كتاب عمر بأن يتقدَّم بُكَيْر إلى الباب وجعل سِماك [بن خَرَشَة] موضعه نائبًا لعُتبة بن فرقد، وجمع عمر أذربيجان كلها لعُتبة بن فرقد، وسلَّم إليه بُكَير إسْفَنْدياذ، وسار كما أمره عمر إلى الباب. قالوا: وقد كان اعترض بهرام بن فرخزاذ لعتبة بن فرقد، فهزمه عتبة وهرب بهرام فلما بلغ ذلك إسفندياذ وهو في الأسر عند بُكير قال: الآن تمَّ الصلح (وطفئت الحرب. فصالحه فأجاب إلى ذلك كلهم). وعادت أذربيجان سلمًا، وكتب بذلك عُتبة وبُكير إلى عمر. وبعثوا بالأخماس إليه، وكتب عتبة حين انتهت إمرة أذربيجان لأهلها كتابَ أمانٍ وصلحٍ (١). فتح الباب (٢) قال ابن جرير (٣): وزعم سيف أنه كان في هذه السنة كتب عمر بن الخطاب كتابًا بالإمرة على هذه الغزوة لسُراقة بن عمرو -المُلقَّب بذي النور (٤) -وجعل على مقدمته عبد الرحمن بن ربيعة، ويقال له-ذو النور أيضًا- وجعل على إحدى المَجْنَبتين حُذيْفَة بن أَسِيد، وعلى الأخرى بُكَيْر بن عبد الله اللّيثي- وكان قد تقدمهم إلى الباب- وعلى المقاسم سلمان بن ربيعة. فساروا كما أمرهم عمر، وعلى تعبئته، فلمَّا انتهى مقدِّم العساكر -وهو عبد الرحمن بن ربيعة- إلى الملك الذي هناك عند الباب وهو شهربراز ملك أرْمينية وهو من بيت الملك الذي قتل بني إسرائيل وغزا الشام في قديم الزمان. فكتب شهربراز لعبد الرحمن واستأمنه فأمَّنه عبد الرحمن بن ربيعة، فقدم عليه الملك، فأنهى إليه أنّ صَغْوَه (٥) إلى المسلمين، وأنه مناصحٌ للمسلمين. فقال له: إنَّ فوقي رجلًا فاذهب إليه. فبعثه إلى سُراقة بن عمرو أمير الجيش، فسأل من سراقة الأمانَ، فكتب إلى عمر فأجاز ما أعطاه من الأمان، واستحسنه، فكتب له سراقة كتابًا بذلك. ثم بعث سُراقة بُكيرًا. وحبيب بن مسلمة، وحُذَيْفة بن أُسيد، وسلمان بن ربيعة، إلى أهل تلك الجبال المحيطة بأرْمينية جبال اللان وتَفْليس وموقان، فافتتح بُكير موقان، وكتب لهم كتاب أمان ومات في غضون ذلك أميرُ المسلمين هنالك، وهو سُراقة بن عمرو، واستُخلف بعده عبد الرحمن ابن ربيعة، فلما بلغ عمر ذلك أقره على ذلك وأمره بغزو الترك.

стр. 3396

أول غزو الترك وهو تصديق الحديث المُتقدم الثابت في الصحيح (١) عن أبي هريرة وعمرو بن تغلب (٢)، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقومُ الساعة حتى تقاتلوا قومًا عِرَاض الوجوه، ذُلْفَ (٣) الأنوف، حمرَ الوجوه، كأنه وجوهَهم المَجانُ: (٤) المُطَرَّقَةُ"، وفي رواية "يَنْتَعِلون (٥) الشَّعَر". لما جاء كتابُ عمر إلى عبد الرحمن بن ربيعة يأمره بأن يغزو التركَ (٦)، سار حتى قطع البابَ قاصدًا لما أمره عمر، فقال له شهربراز: أين تريدُ؟ قال: أريدُ ملك الترك بلنجر، فتمال له شهربراز: إنّا لنرضى منهم بالموادعة، ونحن من وراء الباب. فقال له عبد الرحمن: إن الله بعث إلينا رسولًا، ووعدنا على لسانه بالنصر والظفر، ونحن لا نزال منصورين، فقاتل الترك وسار في بلاد بنجر مئتي فرسخ، وغزا مرات متعددة. ثم كانت له وقائع هائلة في زمن عثمان كما سنورده (في موضعه) إن شاء الله تعالى. وقال سيف بن عمر، عن الغصن بن القاسم، عن رجل، عن سلمان بن ربيعة (٧). قال: لمَّا دخل عليهم عبد الرحمن بن ربيعة بلادَهما حال الله بين الترك والخروج عليه، وقالوا: ما اجترأ علينا هذا الرجلُ إلا ومعهم الملائكة تمنعُهم من الموت. فَتَحصَّنوا منه وهربوا بالغنْم (والظَّفر). ثم إنّه غزاهم غزواتٍ في زمن عثمان فظفر بهم، كما كان يظفر بغيرهم. فلمّا ولّى عثمان على الكوفة بعضَ من كان ارتدّ غزاهم، فتذامرت التركُ وقال بعضهم لبعض: إنّهم لا يموتون، (قال: انظروا، وفعلوا) فاختفوا لهم في الغياض فرمى رجل منهم رجلًا من المسلمين على غِرَّةٍ فقتله وهرب عنه (أصحابه)، فخرجوا على المسلمين بعد ذلك حتى عرفوا أنّ المسلمين يموتون، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، ونادى مناب من الجو: صبرًا آل (٨) عبد الرحمن وموعدكم الجنَّة، فقاتل عبدُ الرحمن حتى قُتل، وانكشف الناس، وأخذ الرايةَ

стр. 3397

سلمانُ بن ربيعة، فقاتل بها، ونادى المنادي من الجو: صبرًا آل سلمان بن ربيعة، فقاتل قتالًا شديدًا ثم تحيّز سلمان وأبو هريرة بالمسلمين، وفروا من كثرة الترك ورميهم الشديد السديد على جِيلان فقطعوها إلى جُرْجان، واجترأت الترك بعدها، ومع هذا أخذت التركُ عبد الرحمن بن ربيعة فدفنوه شي بلادهم، فهم يستسقون بقبره إلى اليوم. سيأتي تفصيل ذلك كله. قصة السدّ ذكر ابن جرير (١) بسنده أنَّ شهربراز قال لعبد الرحمن بن ربيعة لمّا قدا عليه حين وصل إلى الباب، وأراه رجلًا، فقال شهربراز: أيّها الأميرُ إنّ هذا الرجلُ كنتُ بعثته نحو السدّ، وزودته مالًا جزيلًا وكتبتُ له إلى الملوك الذين يلوني (٢)، وبعثتُ لهم هدايا، وسألت منهم أن يكتبوا له إلى منْ يليهم من الملوك حتى ينتهي إلى سدِّ ذى القرنين، فينظر إليه ويأتينا بخبره. فسار حتى انتهى إلى الملك الذي السَّد في أرضه، فبعثه إلى عامله مما يلي السدّ، فبعث معه بازياه (٣) ومعه عقابه، فلما انتهَوا إلى السدّ إذا جبلان بينهما سدٌّ مسدودٌ، حتى ارتفع على الجبلين، وإذا دون السدّ خندقٌ أشدُّ سوادًا من الليل لبعده، فنظر إلى ذلك كله وتفرَّس فيه، ثم لمّا همّ بالانصراف قال له البازيارُ على رِسْلكَ، ثم شرح بضعة لحم معه فألقاها شي ذلك الهواء (٤)، وانقضَّ عليها العقاب. فقال: إن أدركتها قبل أن تقع فلا شيء (٥)، وإن لم تدركها حتى تتمع فذلك شيء. قال: فلم تدركها حتى وقعت في أسفله وأتبعها العقاب فأخرجها فإذا فيها ياقوتة (وهي هذه). ثم ناولها الملك شهربراز لعبد الرحمن بن ربيعة، فنظر إليها عبد الرحمن ثم ردَّها إليه، فلمّا ردّها إليه فرح وقال: واللهِ لهذه خيرٌ من مملكة هذه المدينة -يعني مدينة باب الأبواب التي هو فيها -ووالله لأنتم أحبُّ إليَّ اليومَ من مملكة آل كسرى، ولو كنت في سلطانهم وبلغهم (٦) خبرها لانتزعوها (مني)، وايم الله لا يقوم لكم شيءٌ ما وفيتم ووفى ملككم الأكبر، ثم أقبل عبد الرحمن بن ربيعة على الرسول الذي ذهب على السدّ فقال: ما حالُ هذا الردم؟ -يعني ما صفته- فأشار إلى ثوب في زرقةٍ وحمرةٍ فقال: مثل هذا. فقال رجل لعبد الرحمن: صدق والله لقد نفذ ورأى. (فقال: أجل) وصف صافة الحديد والصُّفْر: قال الله تعالى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦].

стр. 3398

وقد ذكرت صفة السدّ في التفسير، وفي أوائل هذا الكتاب. وقد ذكر البخاري في صحيحه (١) تعليقًا أنّ رجلًا قال للنبي ﷺ رأيت السدَّ. فقال: "كيف رأيته"؟ قال: مثل البُرْدِ المُحَبرِ. ["قال: قد] (٢) رأيته". قالوا: ثم قال عبد الرحمن بن ربيعة لشهربراز: كم كانت هديتك؟ قال: قيمة مئة ألف في بلادي وثلاثة آلاف ألف في تلك البلدان. بقية من خبر السد أوردَ شيخُنا أبو عبد الله الذَّهبي (٣) الحافظ في هذه السنة ما ذكره صاحبُ كتاب "مسالك الممالك" عما أملاه عليه سلامٌ الترجمان، حين بعثه الواثق بأمر الله بن المعتصم -وكان قد رأى في النوم كأنَّ السدَّ قد فُتح -فأرسل سلامًا هذا (٤) وكتب له إلى الملوك بالوصاة به، وبعث معه ألفَيْ بغل تحملُ طعامًا فساروا بين سامراء إلى إسحاق بتَفْليس، فكتب لهم إلى صاحب السرير، وكتب لهم صاحب السرير إلى ملك اللان، فكتب لهم إلى قبلان شاه، فكتب لهم إلى ملك الخزر، فوجّه معه خمسة أَدلَّاء (٥) فساروا ستة وعشرين يومًا. انتهوا إلى أرضٍ سوداءَ منتنةٍ حتى جعلوا يَشمُّون (٦) الخَلَّ، فساروا فيها عشرةَ أيامٍ، فانتهوا إلى مدائن خرابٍ مدة سبعة وعشرين يومًا، وهي التي كانت يأجوج ومأجوج تطرقها فخربت من ذلك الحين، وإلى الآن، ثم انتهوا إلى حصنٍ (٧) قريب من السَّدّ فوجدوا قومًا يعرفون بالعربية وبالفارسية ويحفظون القرآن، ولهم مكاتب ومساجد، فجعلوا يعجبون منهم ويسألونهم من أين أقبلوا، فذكروا لهم أنَّهم من جهة أمير المؤمنين (الواثق) فلم يعرفوه بالكلّية. ثم انتهوا إلى جبلٍ أملسَ ليس عليه خضراء (٨) وإذا السدُّ هنالكَ من لِبْنِ حديد مغيب في نحاس، وهو مرتفعٌ جدًا لا يكادُ البصرُ ينتهي إليه، وله شرفاتٌ من حديدٍ، وفي وسطه بابٌ عظيمٌ بمصراعين مغلقين، عرضُهما مئة ذراع، في طول مئة ذراع في ثخانة خمسة أذرع، وعليه قفل طوله سبعة أذرع في غلظ باع -وذكر أشياء كثيرة- وعند ذلك المكان حرسٌ

стр. 3399

يضربون عند القُفل في كلّ يومٍ فيسمعون بعد ذلك صوتًا عظيمًا مزعجًا [فيعلمون] أنَّ وراءَ هذا الباب حرسًا (١) وحفظة، وقريب من هذا الباب حصنان عظيمان بينهما عين ماءً عذبة، وفي إحداهما بقايا العمارة من مغارف ولِبْنٍ من حديد وغير ذلك، وإذا طول اللبنة ذراع ونصف في مثله. في سمك شبر. وذكروا أنهم سألوا أهل تلك البلاد هل رأوا أحدًا من يأجوج ومأجوج فأخبروهم أنهم رأوا منهم يومًا أشخاصًا فوق الشرفات، فهبت الريح فألقتهم إليهم، فإذا طول الرجل منهم شبرٌ أو نصفُ شبر والله أعلم. قال الواقدي (٢): وفي هذه السنة غزا معاوية الصائفةَ، من بلاد الروم، وكان معه حمادٌ والصحابة فسار وغنمَ ورجعَ سالمًا. وفيها ولد يزيد بن معاوية، وعبد الملك بن مروان. وفيها حج بالناس عمر بن الخطاب وكان عماله فيها على البلاد، هم الذين كانوا في السنة (قبلها). وذكر أنّ عمر عزل عمارًا في هذه السنة عن الكوفة اشتكاه أهلها وقالوا: لا يحسن السياسة، فعزله وولّى أبا موسى الأشعري، فقال أهل الكوفة: لا نريده، وشكوا في غلامه فقال: دعوني حتى أنظر في أمري، وذهب إلى طائفة من المسجد ليفكّر من يولّي. فنام من الهمّ فجاءه المغيرة فجعل يحرسه حتى استيقظ فقال (له): إنّ هذا الأمر عظيم يا أمير المؤمنين، الذي بلغ بك هذا. قال: وكيف [لا] وأهل الكوفة مئة ألف لا يرضون عن أميرٍ، ولا يرضى عنهم أمير. ثم جمع الصحابة واستشارهم، هل يولّي عليهم قويًا مشدّدًا أو ضعيفًا مسلمًا؟ فقال له المغيرة بن شعبة: (يا أمير المؤمنين)، إنّ القويَّ قوته لك وللمسلمين وتشديده لنفسه، وأما الضعيف المسلم فضعفه عليك وعلى المسلمين وإسلامه لنفسه. فقال عمر للمغيرة -واستحسن ما قال (له) -: اذهب فقد وليّتك الكوفة. فردَّه إليها بعد ما كان عزله عنها بسبب ما كان شهد عليه الذين تقدّم حدهم بسبب قذفه، والعلم عند الله . وبعث أبا موسى الأشعري إلى البصرة (فقيل لعمار: أساءك العزل؟ فقال: والله ما سرتني الولاية، ولقد ساءني العزل. وفي رواية أنّ الذي سأله عن ذلك عمر ﵁ ثم أراد عمر أن يبعثَ سعدَ بن أبي وقاص على الكوفة بدلَ المُغيرة فعاجلته المنيةُ في سنة ثلاثٍ وعشرين على ما سيأتي بيانه، ولهذا أوصى لسعدٍ به. قال الواقدي: وفي هذه السنة غزا الأحنفُ بن قيس بلادَ خراسان، وقصد البلد الذي فيه يَزْدجردُ ملكُ الفرس. قال ابن جرير (٣): وزعم سيفٌ أنّ هذا كان في سنة ثماني عشرة. قلت: والأول هو المشهور، والله أعلم.

стр. 3400

قصة يزدجرد بن شهريار بن كسرى [الذي كان ملك الفُرس] لما استلب سعدٌ من يديه مدينة سلكِهِ، ودارَ مقرّه، وإيوانَ سلطانِه، وبساطَ مشورتِه وحواصله، تحوَل من هناك إلى حُلوان، ثم جاء المسلمون ليحاصروا حلوان فتحوّل إلى الري، وأخذ المسلمون حلوان ثمَّ أُخذت الريّ، فتحوّل منها إلى أصبهان، فأخذت أصبهان فسار إلى كِرمان فقصد المسلمون كِرمان فافتتحوها: فانتقل إلى خراسان فنزلها، هذا كلُّه والنارُ التي يعبدُها من دون الله يسير بها معه من بلد إلى بلد، ويبني لها في كل بيت توقد فيهم على عادتهم، وهو يُحمل في اللَّيل في مسيره إلى هذه البلدان على بعيبرِ عليه هودجٌ ينامُ فيه. فبينما هو ذاتَ ليلةٍ في هودجه وهو نائمٌ فيه، إذ مرّوا به على مخاضة فأرادوا أن ينبّهوه قبلها لئلا ينزعجَ إذا استيقظ في المخاضة، فلما أيقظوه تغضّب عليهم شديدًا وشتَمهم، وقال: حرمتموني أن أعلم مدةَ بقاء هؤلاء في هذه البلاد وغيرها، إني رأيتُ في منامي هذا أنَّي ومحمدًا [تناجينا] عند الله، فقال له: ملككم مئة سنة، فقال: زدني. فقال: عشرًا ومئة، فقال: زدني فقال: عشرين ومئة سنة. فقال: زدني فقال: لك. وأنبهتموني، فلو تركتموني لعلمت مدة هذه الأمة. [غزو المسلمين بلاد] خراسان مع الأحنف بن قيس وذلك أنّ الأحنفَ بن قيسٍ هو الذي أشار على عمر بأن يتوسَّع المسلمون (١) بالفتوحات في بلاد العجم، ويضيِّقوا على كسرى يزدجرد، فإنّه هو الذي يستحثّ الفرسَ والجنودَ على قتال المسلمين. فأذنَ عمرُ بن الخطاب في ذلك عن رأيه، وأمَّرَ الأحنفَ، وأمَرَهُ بغزو بلاد خراسان. فركب الأحنف في جيش كثيف إلى خراسان قاصدًا حرب يَزْدجردَ. فدخل خراسان فافتتح هراةَ عنوةً واستخلف عليها صُحار بن فُلان العَبْدي، ثم سار إلى مرو الشَّاهْجان وفيها يَزْدجردُ، وبعث الأحنفُ بين يديه مطرّف بن عبد الله بن الشخِّير إلى نيسابور، والحارث بن حسان إلى سرخس. ولما (٢) اقترب الأحنف من مرو الشاهجان، ترحل منها يزدجرد إلى مرو الرَّوْذ (فافتتح الأحنف مرو الشاهجان فنزلها. وكتب يزدجرد حين نزل مرو الروذ) إلى خاقان ملك الترك يستمده وكتب إلى (ملك) الصُّغد [يستمده، وكتب إلى ملك الصين] (٣) يستعينه. وقصده الأحنف بن قيس إلى مَرْو الرَّوْذِ وقد استخلف على مَرْو الشاهْجَان
следующие страницы →