← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

لا وارث لهم إلا بيت المال، والإمام يرى الأصلح في ذلك، وخلَّى سبيل عبيد الله. قالوا: فكان زياد بن لبيد البياضي إذا رأى عبيد الله بن عمر يقول (١): [من الطويل] ألا يا عُبَيْدَ اللهِ مالكَ مهربٌ (٢) … ولا ملجأٌ من ابن أروى ولا خَفَرْ أصَبْتَ دمًا واللهِ في غيرِ حِلّهِ … حرامًا وقتلُ الهُرْمزانِ لهُ خَطَرْ على غيرِ شيءٍ غيرَ أنْ قالَ قائلٌ … أتَتَّهمُونَ الهُرْمُزانَ على عُمَرْ فقالَ سفيهٌ والحَوادثُ جَمَّةٌ … نَعمْ أتَّهمهُ قد أشارَ وَقَدْ أمَرْ وكان (٣) سلاحُ العَبْدِ في جَوْفِ بيتهِ … يُقَلّبها والأمرُ بالأمْرِ يُعتبرْ قال: فشكا عبيد الله بن عمر زيادًا إلى عثمان فاستدعى عثمان زياد بن لبيد فأنشأ زياد يقول في عثمان: [من الوافر] أبا عمرو عُبَيْدُ اللهِ رهنٌ … فلا تَشْكُكْ بقَتْلِ الهُرْمزانِ فإنَّكَ إنْ غَفَرْتَ الجُرْمَ عنهُ … وأسبابُ الخطا فَرَسا رِهان (٤) أتعفُو إذْ عفوتَ بغيرِ حقٍّ … فمالكَ بالذي تحكي (٥) يدان قال: فنهاه عثمان عن ذلك وزبره فسكت زياد بن لَبيد عمَّا يقول. ثم كتب عثمان بن عفان إلى عماله على الأمصار أمراء الحرب، والأئمة على الصلوات، والأمناء على بيوت المال يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحثّهم على طاعة الله وطاعة رسوله، ويحرضهم على الاتِّباع وترك الابتداع. قال ابن جرير (٦): وفي هذه السنة عزل عثمان المغيرةَ بن شعبة عن الكوفة وولَّى عليها سعد بن أبي وقاص فكان أول عامل ولاه، لأن عمر قال: فإن أصابت الإمرة سعدًا فذاك، وإلا فليستعن به أيكم ولِّي، فإني لم أعزله عن عجزٍ ولا خيانة، فاستعمل سعدًا عليها سنة وبعض أخرى. ثم رواه ابن جرير من طريق سيف، عن مجالد، عن الشَّعبي، وقال الواقدي فيما ذكره عن زيد بن أسلم عن أبيه أنَّ عمر أوصى أن تقر عماله سنة، فلما ولِّي عثمان أقر المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة [ثم عزله، واستعمل سعدًا ثم عزله وولَّى الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيْط.

стр. 3432

قال ابن جرير: فعلى ما ذكره الواقدي تكون ولاية سعد على الكوفة سنة] (١) خمس وعشرين. قال ابن جرير (٢): وفي هذه السنة -أعني سنة أربع وعشرين- غزا الوليد بن عقبة أذربيجان وأرمينية حين منع أهلها ما كانوا صالحوا عليه أهل الإسلام في أيام (٣) عمر بن الخطاب، وهذا في رواية أبي مخنف، وأما في رواية غيره فإن ذلك كان في سنة ست وعشرين، ثم ذكر ابن جرير ها هنا هذه الوقعة وملخصها أنَّ الوليد بن عقبة سار بجيش الكوفة نحو أذربيجان وأرمينية، حين نقضوا العهدَ فوطئ بلادهم وأغار بأراضي تلك الناحية فغنم وسبى وأخذ أموالًا جزيلة فلمَّا أيقنوا بالهلكة صالحهم أهلها على ما كانوا صالحوا عليه حُذيفة بن اليمان ثمانمئة ألف درهم في كل سنة، فقبض منهم جزية سنة ثم رجع سالمًا غانمًا إلى الكوفة، فمرَّ بالموصل. وجاءه كتاب عثمان وهو بها يأمره أن يمدَّ أهل الشام على حرب أهل الروم. قال ابن جرير: وفي هذه السنة جاشت الروم حتى خاف أهل الشام وبعثوا إلى عثمان ﵁ يستمدّونه فكتب إلى الوليد بن عقبة: أن إذا جاءك كتابي هذا فابعث رجلًا أمينًا كريمًا شجاعًا في ثمانية آلاف أو تسعة آلاف أو عشرة آلاف إلى إخوانكم بالشام. فقام الوليد بن عقبة في الناس خطيبًا حينَ وصلَ إليه كتابُ عثمان فأخبرهم بما أمره به أمير المؤمنين وندب الناسَ وحثَّهم على الجهاد ومعاونة معاوية وأهل الشام، وأمَّر سلمان بن ربيعة على الناس الذين يخرجون إلى الشام فانتدب في ثلاثة أيام ثمانيةَ آلافٍ، فبعثهم إلى الشام وعلى جند المسلمين حبيبُ بن مَسْلَمَة (٤) الفهري، فلمَّا اجتمع الجيشان شَنُّوا الغاراتِ على بلاد الروم فغنموا وسَبوْا شيئًا كثيرًا وفتحوا حصونًا كثيرةً ولله الحمد. وزعم الواقدي أنَّ الذي أمدَّ أهل الشام بسلمان بن ربيعة إنّما هو سعيد بن العاص عن كتاب عثمان ﵁ فبعث سعيد بن العاص سلمان بن ربيعة بستة آلاف فارس حتى انتهى إلى حبيب بن مسلمة وقد أقبل إليه المَوْريان (٥) الرومي في ثمانين ألفًا من الروم والترك، وكان حبيب بن مسلمة شجاعًا شهمًا، فعزم على أن يبيّت جيش الروم فسمعته امرأته يقول للأمراء ذلك فقالت له: فأين موعدي (٦) معك -تعني أين أجتمع بك غدًا- فقال لها: موعدك سرادق المَوْريان أو الجنة، ثم نهض إليهم في ذلك الليل بمن معه من المسلمين، فقتل من أشرف له وسبقته امرأته إلى سرادق المَوْريان فكانت أول امرأة من العرب ضُرب عليها سرادق. وقد مات عنها حبيب بن مسلمة بعد ذلك، فخلف عليها بعده الضحّاكُ بن قيس الفهري، فهي أم ولده.

стр. 3433

قال ابن جرير (١): واختلف فيمن حجَّ بالناس في هذه السنة فقال الواقدي وأبو معشر: حجَّ بهم عبد الرحمن بن عوف بأمر عثمان. وقال آخرون: حجَّ بالناس عثمان بن عفَّان ﵁. والأول هو الأشهر فإنَّ عثمان لم يتمكن من الحجِّ في هذه السنة لأجل رعاف أصابه مع الناس في هذه السنة حتى خشي عليه، وكان يقال لهذه السنة سنة الرعاف. وفيها افتتح أبو موسى الأشعري الرّيَّ بعدما نقضوا العهد الذي كان واثقَهُمْ عليه حُذَيْفة بن اليمان ﵁. وفيها توفي: سُراقة بن مالك بن جُعْشُم المُدْلِجي (٢). ويكنى بأبي سفيان، وكان ينزل قديدًاً، وهو الذي اتَّبع رسول الله ﷺ وأبا بكر وعامر بن فهيرة وعبد الله بن أُرَيْقط الدّيلي حين خرجوا من غار ثور قاصدين المدينة فأراد أنْ يردَّهم على أهل مكة لمَّا جعلوا في كل واحد من النبي ﷺ وأبي بكر مئة من الإبل، فطمع أن يفوز بهذا الجعل، فلم يسلّطه الله عليهم، بل لمَّا اقترب منهم وسمع قراءة رسول الله ﷺ ساخت قوائم فرسه في الأرض حتى ناداهم بالأمان، فأعطوه الأمان، وكتب له أبو بكر كتاب أمان عن إذن رسول الله ﷺ (ثم قدم به بعد غزوة الطائف فأسلم وأكرمه النبي ﷺ ) وهو القائل: يا رسول الله أعُمْرَتُنا هذه لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال له: "بل لأبد الأبد - دخلت العمرة في الحجِّ إلى يوم القيامة" (٣). ثم دخلت سنة خمس وعشرين وفيها (٤) نقض أهل الإسكندرية العهدَ، وذلك أن ملكَ الروم بعث إليهم منويل الخصي (٥) في مراكب من البحر فطمعوا في النُّصْرة ونقضوا ذمتهم، فغزاهم عمرو بن العاص في ربيع الأول، فافتتح الأرض عنوةً وافتتح المدينة صلحًا. وفيها حج بالناس عثمان بن عفان ﵁. وفيها في قول سيف عَزل عثمانُ سعدًا عن الكوفة وولى الوليد بن عُقْبة بن أبي مُعيط مكانه، فكان هذا مما نقم على عثمان.

стр. 3434

وفيها وجه عمرو بن العاص عبدَ الله بن سعد بن أبي سَرْح لغزو بلاد المغرب، واستأذنه ابن أبي سَرْح في غزو إفريقية فأذن له. ويقال فيها أيضًا عزلَ عثمانُ عمرو بن العاص عن مصر وولَّى عليها عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، وقيل بل كان هذا في سنة سبع وعشرين كما سيأتي، والله أعلم. وفيها فتح معاوية الحصون. وفيها ولد ابنه يزيد بن معاوية. ثم دخلت سنة ستٍّ وعشرين قال الواقدي: فيها أمر عثمان بتجديد أنصاب الحرم. وفيها وُسِّعَ المسجد الحرام. وفيها عَزَلَ سعدًا عن الكوفة وولّاها (١) الوليد بن عُقْبة، وكان سبب عزل سعدٍ أنَّه اقترض من ابن مسعود مالًا من بيت المال، فلما تقاضاه به ابن مسعود ولم يتيَّسر قضاؤُه تقاولا، وجرت بينهما خصومةٌ شديدةٌ، فغضب عليهما (٢) عثمان فعزل سعدًا واستعمل الوليد بن عُقْبة (٣). وكان عاملًا لعمر على عرب الجزيرة - فلما قدمها أقبل عليه أهلها، فأقام بها خمس سنين، وليس على داره باب، وكان فيه رفقٌ برعيّته. قال الواقدي: وفيها حجَّ بالناس عثمانُ بن عفان ﵁. وقال غيره. وفيها افتتح عثمانُ بن أبي العاص سابور صلحًا على ثلاثة آلاف ألف وثلاثمئة ألف. ثم دخلت سنة سبع وعشرين قال الواقدي وأبو معشر: وفيها (٤) عزل عثمان عمرو بن العاص عن مصر وولَّى عليها عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح -وكان أخا عثمان من الرّضاع- وهو الذي شفع له يوم الفتح حين كان أهدر رسولُ الله ﷺ دمَه.

стр. 3435

غزوة إفريقية أمر عثمانُ عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح أن يغزوَ بلاد إفريقية، فإذا فتحها (١) الله عليه فله خُمس الخُمس من الغنيمة نفلًا، فسار إليها في عشرة آلاف فافتتحها سهلَها وجبلَها، وقتل خلقًا كثيرًا من أهلها، ثم اجتمعوا (٢) على الطاعة والإسلام، وحسن إسلامهم، وأخذ عبد الله بن سعد خُمسَ الخُمس من الغنيمة، وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان، وقسم أربعة أخماس الغنيمة بين الجيش، فأصاب الفارس ثلاثة آلاف دينار والراجل ألف دينار. قال الواقدي: وصالحه بطريقها على ألفي ألف دينار [وخمسمئة ألف دينار] وعشرين ألف دينار، فأطلقها كلها (عثمان) في يوم واحد لآل الحَكم، ويقال لآل مروان (٣). غزوة الأندلس لما افتتحت إفريقية بعث عثمان إلى عبد الله بن نافع بن عبد قيس وعبد الله بن نافع بن الحصين الفهريين (٤) من فورهما إلى الأندلس، فأتياها من قِبلِ البَحْر، وكتب عثمان إلى الذين خرجوا إليها يقول: إن القسطنطينية إنّما تُفتح من قِبلِ البحر، وأنتم إذا فتحتم الأندلسَ فأنتم شركاء لمن يفتتح قسطنطينية في الأجر آخر الزمان والسلام، قال فساروا إليها فافتتحوها ولله الحمد والمنة. وقعة جرجير والبربر مع المسلمين لما قصد المسلمون وهم عشرون ألفًا إفريقية، وعليهم عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، وفي جيشه عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، صمدَ إليهم ملك البربر جرجير في عشرين ومئة ألف، وقيل في مئتي ألف؛ فلما تراءى الجمعان أمر جيشه فأحاطوا بالمسلمين هالةً، فوقف المسلمون في موقف لم يُرَ أشنعَ منه ولا أخوف عليهم منه. قال عبد الله بن الزبير: فنظرتُ إلى الملك جرجير من وراء الصفوف وهو راكب على برذون، وجاريتان تظلانه بريش الطواويس، فذهبت إلى عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح فسألته أن يبعث معي من يحمي ظهري وأقصد الملك، فجهّز معي جماعةً من الشجعان، قال: فأمر بهم فحموا ظهري، وذهبت حتى خرقت الصفوف إليه -وهم يظنّون أنّي في رسالة إلى الملك- فلما اقتربتُ منه أحسّ مني الشرّ ففر على

стр. 3436

برذونه، فلحقته فطعنته برمحي، وذففت (١) عليه بسيفي، وأخذت رأسه فنصبته على رأس الرمح وكبَّرت، فلما رأى ذلك البربر فرقوا وفروا كفرار القطا، واتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون فغنموا غنائم جمة وأموالًا كثيرة، وسبيًا عظيمًا، وذلك ببلد يقال له سُبَيْطِلَة (٢) -على يومين من القيروان- فكان هذا أول موقف اشتهر فيه أمر عبد الله بن الزبير ﵁ وعن أبيه وأصحابهما أجمعين. قال الواقدي: وفي هذه السنة افتتحت إصطخر ثانية على يديْ عثمان بن أبي العاص. وفيها غزا معاوية قنَّسرين (٣). وفيها حج بالناس عثمان بن عفان. قال ابن جرير: قال بعضهم: وفي هذه السنة غزا معاوية قبرص (٤). وقال الواقدي: كان ذلك في سنة ثمان وعشرين. وقال أبو معشر: غزاها معاوية سنة ثلاث وثلاثين، فالله أعلم. ثم دخلت سنة ثمانٍ وعشرين فتح قبرص ففيها ذكر ابن جرير (٥) فتحَ قبرص تبعًا للواقدي، وهي جزيرةٌ غربي بلاد الشام في البحر، مخلصة وحدها، ولها ذَنَبٌ مستطيلٌ إلى نحو الساحل مما يلي دمشق، وغربيها أعرضها (٦)، وفيها فواكه كثيرة، ومعادن، وهي بلدٌ جيدٌ، وكان فتحها على يدي معاوية بن أبي سفيان، ركب إليها في جيش كثيف من المسلمين ومعه عُبادة بن الصّامت وزوجته (٧) أم حرام بنت ملحان التي تقدَّم حديثها في ذلك حين نام رسول الله ﷺ في بيتها ثم استيقظ يضحكُ فقالت: ما أضحككَ يا رسولَ الله فقال: "ناسٌ من أمتي عرضوا عليَّ يركبون ثبج (٨) هذا البحر مثل الملوك على الأسِرَّةِ". فقالت: يا رسول الله ادعُ اللهَ أن يجعلني منهم. فقال: "أنت منهم" ثم نام فاستيقظ وهو يضحك فقال مثل ذلك فقالت: ادعُ الله أن

стр. 3437

يجعلني منهم فقال: "أنتِ من الأولين" (١) فكانت في هذه الغزوة وماتتْ بها، وكانت الثانية عبارة عن غزوة قسطنطينية بعد هذا كما سنذكره. والمقصود أن معاوية ركب البحر في مراكب فقصد الجزيرة المعروفة بقبرص، ومعه جيش عظيم من المسلمين، وذلك بأمر عثمان بن عفان ﵁ له في ذلك بعد سؤاله إياه، وقد كان سأل في ذلك عمر بن الخطاب فأبى أن يُمكِّنه من حمل المسلمين على هذا الخلق العظيم الذي لو اضطرب لهلكوا عن آخرهم، فلما كان عثمان لحَّ معاوية عليه في ذلك، فأذنَ له فركبَ في المراكب فانتهى إليها، ووافاه عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح إليها من الجانب الآخر. فالتقيا على أهلها فقتلوا خلقًا كثيرًا، وسبَوْا سبايا كثيرة، وغنموا مالًا جزيلًا جيدًا، ولما جيء بالأسارى جعل أبو الدرداء يبكي، فقال له جُبَيْر بن نُفَيْر: أتبكي وهذا يوم أعزَّ الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك إن هذه كانت أمة قاهرة لهم ملك، فلما ضيَّعوا أمر الله صيَّرهم إلى ما ترى، سلّط الله عليهم السبي، وإذا سلِّط على قوم السبي فليس لله فيهم حاجة، وقال ما أهون العباد على الله تعالى إذا تركوا أمره؟! ثم صالحهم معاويةُ على سبعة آلاف دينار في كل سنة، وهادنهم، فلما أرادوا الخروج منها قُدمِّتْ لأم حرام بغلةٌ لتركبها فسقطت عنها فاندقت عنقها، فماتت هناك، فقبرها هنالك يُعظِّمونه ويستسقون به ويقولون قبر المرأة الصالحة. قال الواقدي: وفي هذه السنة غزا حبيب بن مَسْلمة سوريةَ من أرض الروم. وتزوّج عثمان نائلة بنت الفُرافصة الكَلبية - وكانت نصرانية فأسلمت قبل أن يدخل (٢) بها. وفيها بنى عثمان داره بالمدينة الزَّوراء. وفيها حج بالناس أميرُ المؤمنين عثمان بن عفان ﵁. ثم دخلت سنة تسعٍ وعشرين ففيها (٣) عزلَ عثمان بن عفان أبا موسى الأشعري عن البصرة، بعد عمله ستَّ سنين، وقيل ثلاث، وأمَّر عليها عبد الله بن عامر بن كُرَيْز بن ربيعة بن حَبيب بن عَبْد شَمْسٍ، وهو ابن خال عثمان بن عفان، وجمع له بين جند أبي موسى وجند عثمان بن أبي العاص، وله من العمر خمس وعشرون سنة، فأقام بها ستَّ سنين. وفي هذه السنة افتتح عبد الله بن عامر فارسَ في قول الواقدي وأبي معشر. وزعم سيف أنه كان قبل هذه السنة، فالله أعلم.

стр. 3438

وفيها وسَّع عثمانُ بن عفان مسجدَ النبي ﷺ ، وبناه بالقَصَّة (١) -وهي الكلس- كان يؤتى به من بطن نخل (٢)، والحجارة المنقوشة، وجعل عمده حجارةً مرصعةً، وسقفه بالساج، وجعل طوله ستين ومئة ذراع، وعرضه خمسين ومئة ذراع، وجعل أبوابه ستة، على ما كانت (عليه) في زمان عمر بن الخطاب، ابتدأ بناءه في ربيع الأول منها. وفيها حج بالناس عثمان بن عفان، وضرب له بمنى فسطاطًا، فكان أول فسطاط ضربه عثمان بمنى، وأتمَّ الصلاة عامه هذا، فأنكر ذلك عليه غيرُ واحد من الصحابة، كعلي وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود، حتى قال ابن مسعود ليتَ حظّي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان، وقد ناظره عبد الرحمن بن عوف فيما فعله، فروى ابن جرير (٣) أنه قال: تأهلت بمكة؟ فقال له: ولك أهل بالمدينة وإنك تقوم حيث أهلك بالمدينة. قال: وإن لي مالًا بالطائف أريد أن أطلعه بعد الصدر، قال: إن بينك وبين الطائف مسيرة ثلاث، فقال: وإن طائفة من أهل اليمن قالوا: إن الصلاة بالحضر ركعتان فربما رأوني أصلي ركعتين فيحتجون بي، فقال له: قد كان رسول الله ﷺ ينزل عليه الوحي (والناس يومئذ الإسلام فيهم قليل)، وكان يصلّي ها هنا ركعتين، وكان أبو بكر يصلّي ها هنا ركعتين، وكذلك عمر بن الخطاب، وصليتَ أنتَ ركعتين صدرًا من إمارتك، قال فسكت عثمان ثم قال: إنما هو رأي رأيته. سنة ثلاثين من الهجرة النبوية فيها افتتح سعيدُ بن العاص طبرستان في قول الواقدي وأبي معشر والمدائني، وقال: هو أول من غزاها. وزعم سيف أنهم كانوا صالحوا سويد بن مُقَرّن قبل ذلك على ألا يغزوها، على مالٍ بذله له أصبهبذها، فالله أعلم. فذكر المدائني أن سعيد بن العاص ركب في جيش فيه الحسن والحسين، والعبادلة الأربعة، وحذيفة بن اليمان، في خلق من الصحابة فسار بهم فمرَّ على بلدانٍ شتَّى يصالحونه على أموال جزيلة، حتى انتهى إلى بلد معاملة جُرْجان، فقاتلوه حتى احتاجوا إلى صلاة الخوف، فسأل حذيفة: كيف صلى رسول الله ﷺ ؟ فأخبره فصلَّى كما أخبره، ثم سأله أهل ذلك الحصن الأمانَ، فأعطاهم على ألا يقتل منهم رجلًا واحدًا، ففتحوا الحصن فقتلهم إلا رجلًا واحدًا، وحوى ما كان في الحصن (٤). فأصاب رجل من بني نهد سفطًا مقفولًا فاستدعى به سعيد؟ ففتحوه فإذا فيه خرقة سوداء

стр. 3439

مدرجة فنشروها، فإذا فيها خرقة حمراء (فنشروها)، وإذا داخلها خرقة صفراء، وفيها أيْران كُميت وورد (فقال شاعر) يهجو بهما بني نهد (١): [من الطويل] آبَ الكِرامُ بالسَّبايا غَنيمةً … وفازَ بنو نَهْدٍ بأيْرين في سَفَطْ كُمَيْتٍ وورْدٍ وافِرَيْنِ كِلاهُما … فظَنُّوهُما غُنْمًا فناهِيكَ (٢) من غَلَطْ قالوا: ثم نقضَ أهلُ جُرجان ما كان صالَحَهُمْ عليه سعيدُ بن العاص، وامتنعوا عن أداء المال الذي ضربه عليهم -وكان مئة ألفِ دينار وقيل مئتي ألف دينار وقيل ثلاثمئة ألف دينار- ثم وجه إليهم (٣) يزيد بن المهلب، بعد ذلك كما سنذكره إن شاء الله تعالى. وفي هذه السنة عزل عثمانُ بن عفان الوليدَ بن عُقبة عن الكوفة، وولَّى عليها سعيد بن العاص وكان سببُ عزله أنَّه صلَّى بأهل الكوفة الصبحَ أربعًا ثم التفتَ فقال أزيدُكُمْ؟ فقال قائل: ما زلنا منكَ منذ اليوم في زيادة. ثم إنّه تصدَّى له جماعةٌ يقال كان بينهم وبينه شنآن، فشَكَوْه إلى عثمان، وشهد بعضُهم عليه أنه شربَ الخمر، وشهد آخرُ أنَّه رآه يتقيَّؤها، فأمر عثمان بإحضاره وأمر بجلده، فيقال إن عليًا نزعَ عنه حلته، وأن سعيد بن العاص جلده، بين يدي عثمان بن عفان، وعزله وأمَّر مكانَه على الكوفة سعيد بن العاص (٤). وفي هذه السنة سقطَ خاتمُ النبيّ ﷺ من يد عثمان في بئر أَرِيس (٥)، وهي على ميلين من المدينة، وهي من أقل الآبار ماءً، فلم يدرك خبره بعد بذل مال جزيل، والاجتهاد في طلبه حتى الساعة، فاستخلف عثمان بعده خاتمًا من فضةٍ، ونقشَ عليه "محمدٌ رسولُ الله ﷺ "، فلما قُتل عثمان ذهب الخاتم فلم يُدْرَ (٦) من أخذه. وقد روى ابن جرير (٧) ها هنا حديثًا طويلًا في اتخاذ النبي ﷺ خاتمًا من ذهب، ثم من فضة، وبعثه عمر بن الخطاب إلى كسرى، ثم دحية إلى قيصر، وإن الخاتم (الذي) كان في يد النبي، ثم في يد أبي بكر، ثم في يد عمر، ثم في يد عثمان ست سنين، ثم إنه وقع في بئر أريس، وقد تقدم بعض هذا في الصحيح (٨).

стр. 3440

وفي هذه السنة وقع بين معاوية وأبي ذرٍّ بالشام، وذلك أن أبا ذرٍّ أنكر على معاوية بعض الأمور، وكان ينكر على من يقتني مالًا من الأغنياء. ويمنع أن يدَّخر فوقَ القُوت، ويوجب أن يُتصدّقَ بالفضل، ويتأوّلَ قول الله : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] فينهاه معاوية عن إشاعة ذلك فلا يمتنع، فبعث يشكو (١) إلى عثمان، فكتب عثمان إلى أبي ذرِّ أن يقدمَ عليه المدينةَ، فقدمها فلامه عثمانُ على بعض ما صدر منه، واسترجعه فلم يرجع فأمره بالمقام بالرَّبَذَةِ -وهي شرقي المدينة- ويقال إنه سأل عثمان أن يقيم (بها) وقال: إن رسول الله ﷺ قال (لي): "إذا بلغ البناء سلعا (٢) فاخرج منها" (٣) وقد بلغ البناء سلعًا، فأذن له عثمان بالمقام بالرَّبَذَة، وأمره أن يتعاهد المدينة في بعض الأحيان، حتى لا يرتدّ أعرابيًا بعد هِجْرتهِ، ففعل فلم يزل مقيمًا بها حتى مات على ما سنذكره ﵁. وفي هذه السنة زاد عثمان النداء الثالث يوم الجمعة على الزَّوْراء (٤). فصل وممن ذكر شيخنا أبو عبد الله الذهبي (٥) أنه توفي في هذه السنة - أعني سنة ثلاثين: أُبيّ بن كعب (٦) فيما صححه الواقدي (٧). (جَبّار) بن صَخْر (٨) بن أُميَّة بن خَنْساء، أبو عبد الرحمن الأنصاري، عقبيٌّ بدريٌّ، وقد بعثه

стр. 3441

رسول الله ﷺ إلى خَيْبَر خارصًا (١)، وقد توفي عن ستين سنة. حَاطِب بن [أبي] بَلْتَعَة (٢) عَمْرو (٣) بن عُمَيْر اللَّخمي حليف بني أسد بن عبد العُزَّى، شهد بدرًا وما بعدها، وهو الذي كان كتب إلى المشركين يُعْلِمُهم بعَزْمِ رسولِ الله ﷺ (على فتح مكة، فعذره رسول الله ﷺ ) بما اعتذر به، ثم بعثه بعد ذلك برسالةٍ إلى المقوقس ملك الإسْكندريَّة. الطُّفيل بن الحارث (٤) بن المُطَّلِب أخو عبيدة، وحصين، شهد بدرًا. قال سعيد بن عُفَيْر (٥): توفي في هذه السنة: عبد الله بن كعب (٦) بن عمرو المازني أبو الحارث، وقيل أبو يحيى الأنصاري، شهد بدرًا وكان على الخمس يومئذ. عبد الله بن مَظْعُون (٧) أخو عثمان بن مَظْعون هاجر إلى الحبشة وشهد بدرًا. عِياض بن زُهَيْر (٨) بن أبي شَدّاد بن ربيعة بن هِلال أبو سعد (٩) القرشي الفِهْري، شهد بدرًا وما بعدها. مسعود بن ربيعة (١٠) وقيل ابن الربيع أبو عُمَيْر القاريّ (١١) شهد بدرًا وما بعدها. توفي عن نيف وستين سنة.

стр. 3442

معْمَر بن أبي سَرْح (١) بن ربيعة بن هلال القُرشي أبو سعد (٢) الفِهْري] (٣)، وقيل اسمه عمرو، بدري قديم الصحبة. أبو أسيد (٤) مالك بن ربيعة. قال الفَلَّاس: مات في هذه السنة، والأصح أنه مات سنة أربعين، وقيل سنة ستين فالله أعلم. ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ففيها كانت غزوة الصَّواري، وغزوة الأساودة في البحر فيما ذكره الواقدي (وقال أبو معشر: كانت غزوة الصواري سنة أربع وثلاثين. وملخص ذلك فيما ذكره الواقدي) وسيف وغيرهما: أن الشامَ كان قد جمعها (٥) لمعاوية بن أبي سفيان لسنتين مضتا من خلافة عثمان بن عفان ﵁، وقد أحرزه غايةَ الحفظ وحمى حَوْزته، ومع هذا له في كلّ سنة غزوة في بلاد الروم في زمن الصيف، -ولهذا يسمُّون هذه الغزوة الصائفة- فيقتلون خلقًا، ويأسرون آخرين، ويفتحون حصونًا ويغنمون أموالًا ويُرْعبون الأعداء، فلما أصاب عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح منْ أصاب من الفرنج والبربر، ببلاد إفريقية والأندلس، حميت الروم واجتمعت على قسطنطين بن هرقل، وساروا إلى المسلمين في جمع لم يُر مثله منذ كان الإسلام، خرجوا في خمسمئة مركب، وقصدوا عبد الله بن أبي سَرْح في أصحابه من المسلمين الذين ببلاد المغرب، فلما تراءى الجمعان بات الروم يقسقسون (٦) ويُصلِّبون، وبات المسلمون يقرؤون ويُصلُّون، فلما أصبحوا صفَّ عبد الله بن سعد أصحابه صفوفًا في المراكب، وأمرهم بذكر الله وتلاوة القرآن. قال بعض من حضر ذلك: فأقبلوا إلينا في أمر لم يُرَ مثله من كثرة المراكب، وعقدوا (٧) صواريها، وكانت الريح لهم وعلينا، فأرسينا ثم سكنت الريحُ عنّا، فقلنا لهم: إنْ شئتم خرجنا نحن وأنتم إلى البر فمات الأعجل (٨) منّا ومنكم، قال فنخروا نخرةَ رجلٍ واحدٍ وقالوا: الماء الماء، قال: فدنونا منهم،

стр. 3443

وربطنا سفننا بسفنهم، ثم اجتلدنا وإياهم بالسيوف يثبُ الرجالُ بالسيوف والخناجر، وضَربتِ الأمواجُ في عيونِ تلك السفن حتى ألجأتها إلى الساحل، وألقتِ الأمواجُ جثثَ الرجال إلى الساحل، حتى صارت مثل الجبل العظيم، وغلب الدم على لون الماء، وصبر المسلمون يومئذ صبرًا لم يُعْهد مثلُه قطُّ، وقُتل منهم بشرٌ كثيرٌ، ومن الروم أضعاف ذلك، ثم أنزلَ الله نصرَهُ على المسلمين فهربَ قسطنطيينُ وجيشُه -وقد قلُّوا جدًا- وبه جراحات شديدة مكينة (١) مكث حينًا يداوى منها بعد ذلك، وأقام عبد الله بن سعد بذات الصواري أيامًاَ، ثم رجع مُؤَيَّدًا منصورًا مُظَفَّرًا. قال الواقدي: فحدثني معمر عن الزُّهري قال: كان في هذه الغزوة محمد بن أبي حذيفة، ومحمد ابن أبي بكر، فأظهرا (٢) عيبَ عثمان وما غيَّر وما خالفَ أبا بكرٍ وعمر، ويقولان دمُه حلالٌ لأنّه استعملَ عبد الله بن سعد - وكان قد ارتدّ وكفر بالقرآن العظيم، وأباحَ رسولُ الله ﷺ دَمَه، وأخرج رسولُ الله ﷺ أقوامًا واستعملهم عثمان، ونزع أصحاب رسول الله ﷺ واستعمل (٣) سعيد بن العاص وعبد الله بن عامر، فبلغ ذلك عبد الله بن سعد فقال: لا تركبا معنا، فركبا في مركب ما فيه أحد من المسلمين، ولقوا العدو فكانا أنكل (٤) المسلمين قتالًا، فقيل لهما في ذلك فقالا: كيف نُقاتل مع رجلٍ لا ينبغي لنا أن نُحكِّمهُ؟ فأرسل إليهما عبد الله بن سعد فنهاهما أشدَّ النهي وقال: والله لولا لا أدري ما يوافق أمير المؤمنين لعاقبتكما وحبستكما. قال الواقدي: وفي هذه السنة فُتحتْ أرمينية على يَدَيْ حَبيب بن مَسْلمة. وفي هذه السنة قتل كسرى ملك الفرس. كيفية قتل كسرى ملك الفرس (٥) وهو يَزْدَجِرْدُ قال ابن إسحاق: هرب يَزْدَجِرْد من كرمان في جماعة يسيرة إلى مَرْو، فسأل من بعض أهلها مالًا فمنعوه وخافوه على أنفسهم، فبعثوا إلى التُّرك يَسْتَفِزُّونهم عليه، فأتَوْه فقتلوا أصحابه، وهربَ -هو- حتى أتى منزل رجل ينقر الأرحيه (٦) على شط، فأوى إليه ليلًا، فلما نام قتله. وقال المدائني: لما هربَ بعد قتل أصحابه انطلقَ ماشيًا عليه تاجُه ومِنْطَقتُهُ وسيفُه، فانتهى إلى منزل

стр. 3444

هذا الرجل الذي يَنْقر الأرْحية، فجلس عنده فاستغفله وقتله وأخذ ما كان عليه وجاءتِ الترك في طلبه فوجدوه قد قتله وأخذ حاصله، فقتلوا ذلك الرجل وأهلَ بيته، وأخذوا ما كان مع كسرى، ووضعوا كسرى في تابوتٍ، وحملوه إلى إصطخر، وقد كان يَزْدَجِرْد وطئ امرأةً من أهل مرو قبل أن يُقْتل، فحملت منه، ووضعت بعد قتله غلامًا ذاهب الشق، وسُمِّي ذلك الغلامُ (المُخْدَج) (١) وكان له نسل وعقب في خراسان، وقد سَبى قتيبةُ بن مسلمٍ في بعض غزواته بتلك البلاد جاريتين من نسله. فبعث بإحداهما إلى الحَجّاج، فبعث بها إلى الوليد بن عبد الملك فولدت له ابنَه يزيدَ بن الوليد المُلقب بالنّاقِص. وقال المدائني في رواية عن بعض شيوخه: إن يَزْدَجرد لمّا انهزم عنه أصحابُه عقرَ جوادَه وذهب ماشيًا حتى دخل رحى على شطِّ نهر يقال له المَرْغاب (٢) فمكث فيه ليلتين، والعدوُّ في طلبه لم يدرِ أين هو، ثم جاء صاحبُ الرحى، فرأى كسرى وعليه أُبَّهتُهُ، فقال له: ما أنت؟ إنسيٌّ أم جنيٌّ؟ قال: إنسيٌّ، فهل عندك طعامٌ؟ قال نعم! فأتاه بطعام. فقال: إني مزمزم فأتني بما أزمزم به، قال: فذهب الطحّانُ إلى أسوار من الأساورة فطلب منه ما يزمزم به، قال: وما تصنع به؟ قال: عندي رجلٌ لم أر مثله قطُّ، وقد طلب مني هذا، فذهب به الأسوار إلى ملك البلد -مرو، واسمه ماهويه بن باباه- فأخبره خبره فقال: هذا (٣) يزدجرد، اذهبوا فجيئوني برأسه، فذهبوا مع الطحّان (فلما دنوا من دار الرحى هابوا أن يقتلوه وتدافعوا وقالوا للطحان) ادخلْ أنت فاقتلْه، فدخل فوجده نائمًا، فأخذ حجرًا فشدخَ به رأسَه ثم احتزَّه فدفعه إليهم وألقى جسده في النهر، فخرجت العامةُ إلى الطحان فقتلوه، وخرج أسقف، فأخذ جسده من النهر، وجعله في تابوتٍ، وحمله إلى إصطخر فوضعه في ناووس. ويروى أنه مكث في منزل ذلك الطحان ثلاثة أيامٍ لا يأكلُ حتى رقَّ له وقال له: ويحك يا مسكين ألا تأكل؟ وأتاه بطعام، فقال: إنّي لا أستطيعُ أن آكل إلا بزمزمة فقال له: كُلْ وأنا أزمزم لك، فسأل أن يأتيه بمزمزم، فلما ذهب يطلب له من بعض الأساورة شمّوا رائحة المسك من ذلك الرجل، فأنكروا رائحة المسك (٤) منه فسألوه فأخبرهم فقال: إنَّ عندي رجلًا من صفته كيت وكيت، فعرفوه وقصدوه مع الطّحّان، وتقدم الطحانُ فدخل عليه، وهمَّ بالقبض عليه، فعرف يزدجرد ذلك فقال له: ويحك خُذْ خاتمي وسواري ومنْطقتي ودعني أذهب من ها هنا، فقال لا، أعطني أربعة دراهم وأنا أطلقك، فزاده إحدى قرطيه (٥) من أذنه، فلم يقبل حتى يعطيه أربعة دراهم (أخرى). فهم في ذلك إذ دهمهم الجند.

стр. 3445

فلما أحاطوا به وأرادوا قتله قال: ويحكم لا تقتلوني، فإنّا نجدُ في كتبنا أنّ من اجترأ على قتل الملوك عاقبه الله بالحريق (١) في الدنيا مع ما هو قادم عليه، فلا تقتلوني واذهبوا بي إلى الملك أو إلى العرب، فإنهم يستحيون من قتل الملوك، فأبَوْا عليه ذلك، فسَلَبوه ما كان عليه من الحلي، فجعلوه في جراب، وخنقوه بوتر، وألقوه في النهر، فتعلّق بعود فخذه أسقف -واسمه إيليا- فحنَّ عليه مما كان من أسلافه من الإحسان إلى النصارى الذين كانوا ببلادهم، فوضعه في تابوت، ودفنه في ناووس، ثم حمل ما كان عليه من الحلي إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ففُقِدَ قرطٌ من حليه (٢) فبعث إلى دهقان تلك البلاد فأغرمه ذلك. وكان مُلْكُ يزدجرد عشرين سنة، منها أربع سنين في دعة، وباقي ذلك هاربًا (٣) من بلد إلى بلد، خوفًا من الإسلام وأهله. وهو آخر ملوك الفرس في الدنيا على الإطلاق، لقول رسول الله ﷺ "إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله" رواه البخاري (٤). وثبت في الحديث (الصحيح) (٥) أنّه لما جاء كتاب النبي ﷺ مَزَّقَه، فدعا عليه النبي ﷺ أن يمزّق كل مُمزَّق، فوقع الأمر كذلك. وفي هذه السنة فتح ابن عامر فتوحات كثيرة كان قد نقض أهلها ما كان لهم من الصلح، فمن ذلك ما فتح عنوة، ومن ذلك ما فتح صلحًا، فكان في جملة ما صالح عليه بعض المدائن وهي مرو على ألفي ألف ومئتي ألف، وقيل على ستة آلاف ومئتي ألف. وفي هذه السنة حج بالناس عثمان بن عفان ﵁. ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين وفيها غزا معاوية بلادَ الروم حتى بلغَ المضيق -مضيق القسطنطينية- ومعه زوجتُه عاتكةُ، ويقالُ: فاطمة بن قرطة بنت عبد (عمرو بن) نوفل بن عبد مناف. قاله أبو معشر والواقدي. وفيها استعمل سعيد بن العاص سلمانَ بن ربيعة على جيشٍ وأمره أن يغزو الباب، وكتب إلى عبد الرحمن بن ربيعة نائب تلك الناحية بمساعدته، فسار حتى بلغ بَلَنْجَر فحصروها. ونُصبت عليها

стр. 3446

المجانيقُ والعَرّادات. ثم إن أهل بَلَنْجر خرجوا إليهم، وعاونهم الترك فاقتتلوا قتالًا شديدًا -وكانت الترك تهابُ قتالَ المسلمين، ويظنّون أنهم لا يموتون- حتى اجترؤوا عليهم بعد ذلك، فلما كان هذا اليوم التقَوا معهم فاقتتلوا، فقُتل يومئذ عبد الرحمن بن ربيعة -وكان يقال له ذو النون- وانهزم المسلمون فافترقوا فرقتين، ففرقة ذهبت إلى بلاد الخزَر. وفرقة سلكوا ناحية بلاد جيلان وجرجان، وفي هؤلاء أبو هريرة وسلمان الفارسي. وأخذت الترك جسد عبد الرحمن بن ربيعة -وكان من سادات المسلمين وشجعانهم- فدفنوه في بلادهم فهم يستسقون عنده إلى اليوم، ولما قُتل عبد الرحمن بن ربيعة استعمل سعيد بن العاص على ذلك الفرع سلمان بن ربيعة، وأمدّهم عثمان بأهل الشام عليهم حبيب بن مسلمة، فتنازع حبيب وسلمان في الإمرة حتى اختلفا، فكان أولَ اختلافٍ وقعَ بين أهل الكوفة وأهل الشام، حتى قال في ذلك رجل من أهل الكوفة وهو أوس (١): [من الطويل] فإن (٢) تضربوا سلمانَ نضْربْ حَبيبكمْ … وَإنْ تَرْحَلوا نَحْو ابن عَفّان نَرْحلُ وإنْ تُقْسِطُوا فالثَّغرُ ثغرُ أميرنا (٣) … وهذا أميرٌ في الكتائبِ مُقبلُ ونَحْنُ ولاةُ الثَّغْرِ كُنّا حُمَاتهُ … لَيَاليَ نَرْمي كُلَّ ثَغْرٍ ونُنْكِلُ (٤) وفيها فتح ابن عامر مروَ الرَّوْذ والطالقان والفارياب والجُوْزجان وطُخارستان. فأما مرو الرَّوْذ فبعث إليهم (٥) ابن عامر الأحنفَ بن قَيْس فحصَرَها فخرجوا إليه فقاتلهم حتى كسرهم فاضطرَّهم إلى حصنهم، ثم صالحوه على مالٍ جزيلٍ وعلى أن يضرب على أراضي الرعية الخراجَ، ويدعَ الأرض التي كان اقتطعها (٦) كسرى لوالد المرزبان، صاحب مرو، حين قتل الحيةَ التي كانت تقطع الطريق على الناس وتأكلهم، فصالحهم الأحنف على ذلك، وكتب لهم كتاب صلح بذلك، ثم بعث الأحنف الأقرعَ بن حابسٍ إلى الجُوْزجان ففتحها بعد قتال وقع بينهم، قتل فيه خلقٌ من شُجعان المسلمين، ثم نُصروا فقال في ذلك أبو كثير النَّهْشلي قصيدة طويلة فيها (٧): [من الوافر] سَقَى مُزُنُ السَّحَاب إذا اسْتَهلَّتْ … مَصَارعَ فِتْيَةٍ بالجُوزَجَان إلى القَصْرينِ منْ رُسْتاقِ خُوطٍ (٨) … أبادَهُمُ هُناك الأقْرَعانِ

стр. 3447

ثم سار الأحنف من مرو الرّوذ إلى بلخ فحاصرهم حتى صالحوه على أربعئمة ألف واستناب (١) ابن عمه أسيد بن المُتَشمِّس (٢) على قبض المال، ثم ارتحل يُريد الجهادَ، وداهمه الشتاء فقال لأصحابه: ما تشاؤون؟ فقالوا: قد قال عمرو بن معدي كرب (٣): [من الوافر] إذا لم تَسْتَطعْ شَيْئًا فَدَعْهُ … وجَاوِزْهُ إلى ما تستَطيعُ فأمر الأحنف بالرَّحيل إلى بلخ فأقام بها مدة الشتاء، ثم عاد إلى [ابن] عامر فقيل لابن عامر: ما فتح على أحد ما فتح عليك، فارس وكرمان وسجستان وعامة خراسان، فقال: لا جرمَ، لأجعلنَّ شُكْري لله على ذلك أن أحرم بعمرةٍ من موقفي هذا مُشمِّرًا فأحرمَ بعمرة من نيسابور، فلما قدم على عثمان لامه على إحرامه من خراسان. وفيها أقبل قارن في أربعين ألفًا فالتقاه عبد الله بن حازم في أربعة آلاف، وجعل لهم مقدمة ستمئة رجل، وأمر كلًا منهم أن يحمل على رأس رمحه نارًا، وأقبلوا إليهم في وسط الليل فبيتوهم فثاروا إليهم فناوشتهم المقدمة فاشتغلوا بهم، وأقبل عبد الله بن حازم بمن معه من المسلمين فاتفقوا هم وإياهم، فولى المشركون مدبرين، واتبعهم المسلمون يقتلون من شاؤوا وكيف شاؤوا، وغنموا شيئًا كثيرًا وأموالًا جزيلة، ثم بعث عبد الله بن حازم [بالفتح إلى ابن عامر، فرضي عنه وأقره على خراسان -وكان قد عزله عنها- فاستمر بها عبد الله بن حازم] (٤) إلى ما بعد ذلك. ذكر من توفي من الأعيان في هذه السنة العباس بن عبد المطلب (٥) بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي أبو الفضل المكي عم رسول الله ﷺ ، ووالد الخلفاء العباسيين، وكان أسنَّ من رسول الله ﷺ بسنتين أو ثلاث، أسر يوم بدر فافتدى نفسه بمالٍ، وافتدى ابني أخويه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث. وقد ذكرنا أنه لما أُسر وشُدَّ في الوثاق وأمسى الناس، أرقَ رسول الله ﷺ فقيل يا رسول الله مالك؟ فقال "إني أسمع أنين العباس في وثاقه فلا

стр. 3448

أنام" (١) فقام رجل من المسلمين فحلَّ من وثاق العباس حتى سكن أنينه فنام رسول الله ﷺ ، ثم أسلم عام الفتح، وتلقَّى رسول الله ﷺ إلى الجحفة فرجع معه، وشهد الفتح، ويقال إنه أسلم قبل ذلك ولكنه أقام بمكة بإذن النبي ﷺ له في ذلك، كما ورد به الحديث (٢)، فالله أعلم. وقد كان رسول الله ﷺ يُجلُّه ويُعظِّمُه ويُنْزله منزلةَ الوالدِ من الولد، ويقول: "هذا بقيةُ آبائي" (٣) وكان من أوصل الناس لقريش وأشفقهم عليهم، وكان ذا رأي وعقل تام وافٍ (٤)، وكان طويلًا جميلًا أبيض بضًّا (٥) ذا ضفيرتين، وكان له من الولد عشرةُ ذكور سوى الإناث، وهم تمام -وكان أصغرهم- والحارث، وعبد الله، وعبيد الله، وعبد الرحمن، وعون، والفضل، وقثم، وكثير، ومعبد. وأعتق سبعين مملوكًا من غلمانه. وقال الإمام أحمد (٦): حدَّثنا علي بن عبد الله قال: حدَّثني محمد بن طلحة التيمي (٧) من أهل المدينة، حدَّثني أبو سهيل نافع بن مالك، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ للعباس: "هذا العباس بن عبد المطلب أجودُ قريش كَفًّا وأوصلُها" تفرَّد به (٨). وثبت في الصحيحين (٩): أن رسول الله ﷺ قال لعمر حين بعثه على الصدقة فقيل منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عم رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : "ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرًا فأغناه، وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا وقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأما العباس فهي عليَّ ومثلُها" ثم قال "يا عمر أما شعرت أن عمَّ الرجل صنو أبيه" (١٠)؟. وثبت في صحيح البخاري (١١) عن أنس: أن عمر خرج يستسقي وخرج بالعباس معه يستسقي به، وقال: اللهم إنّا كنّا إذا قحطنا توسّلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعمِّ نبينا، قال: فيسقون.

стр. 3449

ويقال: إن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا إذا مرا بالعباس وهما راكبان ترجّلا إكرامًا له. قال الواقدي وغير واحد: توفي العباس في يوم الجمعة لاثنتي (١) عشرة ليلة خلت من رجب، وقيل من رمضان سنة ثنتين وثلاثين، عن ثمان وثمانين سنة، وصلى عليه عثمان بن عفان، ودفن بالبقيع وقيل توفي سنة ثلاث وثلاثين، وقيل سنة أربع وثلاثين، وفضائله ومناقبه كثيرة جدًا. عبد الله بن مَسْعُود (٢) بن غَافلِ بن حبيب بن شَمْخ بن فار (٣) بن مَخْزُوم بن صاهِلَة بن كاهِل بن الحارث بن تميم (٤) بن سعد بن هُذَيْل بن مُدْركة بن إلياس بن مُضر الهُذَلي، أبو عبد الرحمن (٥) حليف بني زهرة، أسلم قديمًا قبل عمر، وكان سبب إسلامه حين مرَّ به رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁، وهو يرعى غنمًا فسألاه لبنًا فقال: إني مؤتمن، قال فأخذ رسول الله ﷺ عناقًا (٦) لم ينز (٧) عليها الفحل، فاعتقلها ثمَّ حلب وشرب وسقى أبا بكر، ثم قال للضرع: "أقلص" (٨) فقلص، فقلت: علّمني من هذا الدعاء فقال: "إنك غلام (٩) معلَّم" الحديث (١٠). وروى محمد بن إسحاق (١١)، عن يحيى بن عروة [عن عروة] (١٢)، عن أبيه: أنَّ ابن مسعود كان أول من جهر بالقرآن بمكة، بعد النبي ﷺ عند البيت، وقريش في أنديتها قرأ سورة ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن: ١ - ٢] فقاموا إليه فضربوه، ولزم رسول الله ﷺ حين أسلم، وكان يحمل نعليه وسواكه، وقال له: "إذنك عليَّ أن تسمعَ سوادي" (١٣) ولهذا كان يقال له صاحب السواك والسِّواد (١٤)،

стр. 3450

وهاجر إلى الحبشة ثم عاد إلى مكة ثم هاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا، وهو الذي قتل أبا جهل بعد ما أثبته ابنا عفراء (١)، وشهد بقية المشاهد. وقال له رسول الله ﷺ يومًا: "اقرأ علي" فقلت أقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال: "إني أحب أن أسمعه من غيري" فقرأ عليه من أول سورة النساء إلى قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] فبكى رسول الله ﷺ وقال: "حسبك" (٢). وقال أبو موسى: قدمت أنا وأخي من اليمن وما كنا نظن إلا أن ابن مسعود وأمه من أهل بيت النبي ﷺ ، لكثرة دخولهم بيت النبي ﷺ . وقال حذيفة: ما رأيت أحدًا أشبه برسول الله ﷺ في هَدْيهِ ودَلِّه وسَمْتهِ من ابن مسعود. ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ﷺ أن ابن أم عبد أقربهم إلى الله زلفى، وفي الحديث "وتمسكوا بعهد ابن أم عبد" (٣). وفي الحديث الآخر الذي رواه أحمد (٤)، عن محمد بن فضيل، عن مغيرة، عن أمِّ موسى (٥)، عن علي: أن ابن مسعود صعد شجرة يجتني الكَبَاث (٦) فجعل الناس يعجبون من دِقة ساقيه، فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أُحُد". وقال عمر بن الخطاب ﵁ -وقد نظر إلى قصره وكان يوازي بقامته الجلوس- فجعل يتبعه ثمَّ قال: هو كُنَيف (٧) مليء علمًا. وقد شهد ابن مسعود بعد النبي ﷺ مواقف كثيرة، منها اليرموك وغيرها، وكان قدم من العراق حاجًا فمر بالرَّبذة فشهد وفاة أبي ذر ودفنه، ثم قدم إلى المدينة فمرض بها فجاءه عثمان بن عفان عائدًا، فيروى

стр. 3451

أنه قال له: ما تشتكي؟ قال ذنوبي، قال فما تشتهي؟ قال رحمة ربي، قال ألا آمر لك بطبيب؟ فقال: الطبيب أمرضني، قال: ألا آمر لك بعطائك؟ -وكان قد تركه سنتين- فقال: لا حاجة لي فيه. فقال: يكون لبناتك من بعدك. فقال: أتخشى على بناتي الفقر؟ إني أمرتُ بناتي أن يقرأْنَ كلَّ ليلةٍ سورةَ الواقعة، وإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "منْ قرأ الواقعةَ كلَّ ليلةٍ لم تُصِبْهُ فاقةٌ أبدًا" (١). وأوصى عبد الله بن مسعود إلى الزّبير بن العوّام، فيقال إنه هو الذي صلى عليه ليلًا، ثمّ عاتب عثمانُ الزبير على ذلك، وقيل بل صلَّى عليه عثمان، وقيل عمَّار، فالله أعلم. ودفن بالبقيع عن بضع وستين سنة. عبد الرحمن بن عوف (٢) بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة، أبو محمد القرشي، الزُّهري، أسلم قديمًا على يديْ أبي بكر، وهاجر إلى الحبشة وإلى المدينة، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع، وشهد بدرًا وما بعدها، وأمَّره رسول الله ﷺ حين بعثه إلى بني كلب وأرخى له عذبة (٣) بين كتفيه، ليكون أمارة عليه للإمارة، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الثمانية السابقين إلى الإسلام، وأحد الستة أصحاب الشورى، ثمَّ أحد الثلاثة الذين انتهت إليهم منهم، كما ذكرنا، ثمّ كان هو الذي اجتهد في تقديم عثمان ﵁، وقد تقاول هو وخالد بن الوليد في بعض الغزوات فأغلظ له خالد في المقال، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال "لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أُحُدٍ ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" وهو في الصحيح (٤). وقال معمر، عن الزُّهري: تصدق عبد الرحمن بن عوف على عهد النبي ﷺ بشطر ماله أربعة آلاف، ثم تصدَّق بأربعين ألفًا، ثمّ تصدّق بأربعين ألف دينار، ثمّ حمل على خمسمئة فرس في سبيل الله، ثمّ حمل على خمسمئة راحلة في سبيل الله (٥). وكان عامة ماله من التجارة، فأمّا الحديث الذي قال عبْدُ بن حُميد في "مسنده" (٦) حدَّثنا يحيى بن إسحاق، حدَّثنا عمارة بن زاذان، عن ثابت البُناني، عن أنس بن مالك، أن عبد الرحمن بن عوف لمّا هاجر آخى رسول الله ﷺ بينه وبين عثمان بن عفان فقال له: إن لي حائطين فاختر أيهما شئت، فقال: بارك الله لك في حائطيك، ما لهذا أسلمت، دلَّني على السوق، قال

стр. 3452

فدلّه فكان يشتري السمنة (١) والأُقَيْطة (٢) والإهاب (٣)، فجمع فتزوج فأتى النبي ﷺ فقال: "بارك الله لك أولمْ ولو بشاة" قال فكثر ماله حتى قدمت له سبعمئة راحلة تحمل البرّ وتحمل الدقيق والطعام، قال: فلما دخلت المدينة سمع لأهل المدينة رجّة، فقالت عائشة: ما هذه الرجّةُ؟ فقيل لها عير قدمت لعبد الرحمن بن عوف سبعمئة تحمل البُرَّ والدقيقَ والطعامَ. فقالت عائشة: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول "يدخلُ عبد الرحمن بن عوف الجنة حَبْوًا" (٤) فلما بلغ عبد الرحمن ذلك قال: أُشهدكِ يا أمه أنَّها بأحمالها وأحلاسها (٥) وأقتابها في سبيل الله. وقال الإمام أحمد (٦): حدَّثنا عبد الصمد بن حسان، حدَّثنا عمارة -هو ابن زاذان- عن ثابت، عن أنس قال: بينما عائشة في بيتها إذ سمعتْ صوتًا في المدينة قالت: ما هذا؟ قالوا عير لعبد الرحمن بن عوف قدمتْ من الشّام تحملُ كلَّ شيء -قال وكانت سبعمئة بعير- قال فارتجَّتِ المدينةُ من الصوت، فقالت عائشة: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "قد رأيتُ عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حَبْوًا" فبلغ ذلك عبد الرحمن فقال: لئن استطعتُ لأدخلنَّها قائمًا، فجعلها بأقتابها وأحمالها في سبيل الله. فقد تفرّد به عمارة بن زاذان الصيدلاني وهو ضعيف. وأما قوله (٧) في سياق عبد بن حميد: إنه آخى بينه وبين عثمان بن عفان، فغلط (٨) محض مخالف لما في صحيح البخاري (٩) من أن الذي آخى بينه وبينه إنما هو سعد بن الربيع الأنصاري ﵄. وثبت في الصحيح (١٠) أن رسول الله ﷺ صلى وراءه الركعة الثانية من صلاة الفجر في بعض الأسفار، وهذه منقبةٌ عظيمةٌ لا تُبارى. ولما حضرته الوفاة أوصى لكل رجل ممن بقي من أهل بدر بأربعمئة دينار -وكانوا مئة- فأخذوها حتى عثمان وعلي، وقال علي: اذهب يا بن عوف فقد أدركت صفوها، وسبقت زيفها، وأوصى لكلّ امرأةٍ من أمُّهات المؤمنين بمبلغٍ كثيرٍ حتَّى كانت عائشةُ تقولُ: سقاهُ اللهُ من السَّلْسَبيل. وأعتقَ خلقًا من مماليكه.

стр. 3453

ثمّ تركَ بعد ذلك كلِّه مالًا جزيلًا، من ذلك ذهبٌ قُطِّعَ بالفُؤوس حتى مجلت (١) أيدي الرجال، وتركَ ألفَ بعيرٍ ومئةَ فرسٍ، وثلاثةَ آلافِ شاةٍ تَرْعى بالبقيع. وكان نساؤُهُ أربعًا فصُولحت إحداهن من ربع الثمن بثمانين ألفًا (٢). ولما مات صلى عليه عثمان بن عفان، وحَمَلَ في جنازته سعدُ بن أبي وقاص، ودفن بالبقيع عن خمس وسبعين سنة. وكان أبيضَ مُشْرَبًا (حمرةً)، حسنَ الوجه، دقيقَ البشرة، أعين (٣)، أهدبَ الأشفار (٤)، أقنى (٥)، له جمةٌ، ضخم الكفّين، غليظ الأصابع، لا يغيِّر شيبه ﵁. أبو ذَرٍّ الغِفَارِي (٦) واسمه جُنْدُبُ بنُ جُنَادَة على المشهور، أسلم قديمًا بمكة فكان رابع أربعة أو خامس خمسة. وقصة إسلامه تقدمت قبل الهجرة، وهو أول من حيَّا رسول الله ﷺ بتحية الإسلام، ثم رجع إلى بلاده وقومه، فكان هناك حتى هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة فهاجر بعد الخندق ثم لزمَ رسولَ الله ﷺ حضرًا وسفرًا، وروى عنه أحاديث كثيرة. وجاء في فضله أحاديث كثيرة من أشهرها: ما رواه الأعمشُ، عن أبي اليقظانِ عثمان بن عُمَيْر، عن أبي حَرْب بن أبي الأسود، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال "ما أظلَّتِ الخَضْراء، ولا أقلَّت الغَبْراء أصدقَ لهجةً من أبي ذر" (٧) وفيه ضعف. ثمَّ لما (٨) مات رسول الله ﷺ ، ومات أبو بكر خرج إلى الشام فكان فيه حتى وقع بينه وبين معاوية فاستقدمه عثمانُ إلى المدينة، ثمَّ نزل الرَّبَذَة فأقامَ بها حتى مات في ذي الحجة من هذه السنة، وليس عنده سوى امرأتِه وأولادِه، فبينما هم كذلك لا يقدرون على دفنه إذ قدم عبد الله بن مسعود من العراق في جماعة من أصحابه، فحضروا موته، وأوصاهم كيف يفعلون به، وقيل قدموا بعد وفاته فولوا غسله

стр. 3454

ودفنه، وكان قد أمر أهله أن يطبخوا لهم شاةً من غنمه ليأكلوه بعد الموت، وقد أرسلَ عثمانُ بن عفان إلى أهله فضمهم إلى (١) أهله. ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين فيها كانَ فتحُ قبرص في قولِ أبي معشرٍ، وخالفه الجمهورُ فذكروها قبل ذلك كما تقدم. وفيها غزا عبد الله بن سعد بن أبي سرح إفريقية ثانيةً، حين نقض أهلها العهد. وفيها سيَّر أميرُ المؤمنين جماعةً من قُرَّاءِ أهلِ الكوفة إلى الشام، وكان سببُ ذلك أنَّهم تكلَّموا بكلامٍ قبيحٍ في مجلسِ سعيد بن العاص، فكتب إلى عثمان في أمرهم، فكتب إليه عثمان أن يُجْليَهم عن بلده إلى الشام، وكتب عثمان إلى معاوية أمير الشّام أنه قد أخرج (٢) إليك قراء من أهل الكوفة فأنزلهم وأكرمهم وتألفهم. فلما قدموا أنزلهم معاوية وأكرمهم واجتمع بهم ووعظهم ونصحهم فيما يعتمدونه من اتباع الجماعة وترك الانفراد والابتعاد (٣)، فأجابه متكلمهم والمترجم عنهم بكلامٍ فيه بشاعةٌ وشناعةٌ، فاحتملهم معاوية لحلمه، وأخذ في مدح قريش -وكانوا قد نالوا منهم- وأخذ في المدح لرسول الله ﷺ ، والثناء عليه، والصلاة والتسليم. وافتخر معاوية بوالده وشرفه في قومه، وقال فيما قال: (وأظن) أبا سفيان لو ولد الناس كلهم لم يلد إلا حازمًا، فقال له صَعْصَعةُ بن صُوحان: كذبت، قد ولد الناس كلُّهم لمن هو خير من أبي سفيان من خلقه الله بيده، ونفخَ فيه من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا له، فكان فيهم البرُّ والفاجرُ، والأحمقُ والكيّسُ. ثمَّ بذل لهم النصح مرةً أخرى فإذا هم يتمادون (٤) في غيّهم، ويستمرّون على جهالتهم وحماقتهم، فعند ذلك أخرجهم من بلده ونفاهم عن الشام، لئلا يُشَوِّشوا عقولَ الطغام (٥)، وذلك أنه كان يشتمل مطاوي كلامهم على القدح في قريشٍ كونهم فرَّطوا وضيَّعوا ما يجب عليهم من القيام فيه، من نُصْرَة الدين وقمع المفسدين. وإنما يريدون بهذا التنقيصَ والعيبَ ورجمَ الغيب، وكانوا يشتمون عثمانَ وسعيدَ بن العاص، وكانوا عشرةً، وقيل تسعة وهو الأشبه، منهم كُمَيْل بن زياد، والأشتر النَّخعي -واسمه مالك بن [الحارث، وصَعْصَعة بن صوحان وأخوه زيد بن صوحان، وكعب بن مالك الأرحبي، والأسود بن] (٦) يزيد- وعلقمة بن قيس النَّخعيّان، وثابت بن

стр. 3455

قيس النَّخَعي، وجندب بن زهير العامري، وجندب بن كعب الأزدي، وعُروة بن الجَعْد وعمرو بن الحَمِق الخُزاعي. فلما خرجوا من دمشق أووا إلى الجزيرة فاجتمع بهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد -وكان نائبًا على الجزيرة. ثمَّ ولي حمص بعد ذلك- فهددهم وتوعدهم. فاعتذروا إليه وأنابوا إلى الإقلاع عمّا كانوا عليه، فدعا لهم وسيَّر مالكاً الأشتر النَّخعي إلى عثمان بن عفان ليعتذر إليه عن أصحابه بين يديه، فقبل ذلك منهم وكف عنهم وخيّرهم أن يقيموا حيث أحبّوا، فاختاروا أن يكونوا في معاملة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فقدموا عليه حمص، فأمرهم بالمقام بالسّاحل، وأجرى عليهم الرزق. ويقال بل لما مقتهم معاوية كتب فيهم إلى عثمان فجاءه كتاب عثمان أن يردهم إلى سعيد بن العاص بالكوفة، فردّهم إليه، فلما رجعوا كانوا أَذْلَق (١) ألسنة، وأكثرَ شرًّا، فضج منهم سعيد بن العاص إلى عثمان، فأمره أن يسيّرهم إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بحمص، وأن يلزموا الدروب (٢). وفي هذه السنة سَيَّر عثمان بعض أهل البصرة منها إلى الشام، وإلى مصر بأسباب مسِّوغة لما فعله ﵁، فكان هؤلاء ممن يؤلِّب عليه ويمالئ الأعداء في الحط والكلام فيه، وهم الظالمون في ذلك، وهو البارّ الراشد ﵁. وفي هذه السنة حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ وتَقَبَّل الله منه. ثم دخلت سنة أربع وثلاثين قال أبو معشر: فيها كانت وقعة الصواري، والصحيح في قول غيره أنها كانت قبل ذلك (٣) كما تقدم. وفي هذه السنة تكاتب المنحرفون عن (طاعة) عثمان وكان جمهورهم من أهل الكوفة - وهم في معاملة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بحمص منفيون عن الكوفة، وثاروا على سعيد بن العاص أمير الكوفة، وتألَّبوا عليه، ونالوا منه ومن عثمان، وبعثوا إلى عثمان منْ يناظره فيما فعل وفيما اعتمد من عزل كثيرٍ من الصحابة وتولية جماعة من بني أمية من أقربائه، وأغلظوا له في القول، وطلبوا منه أن يعزل عمّاله ويستبدل أئمة غيرهم (من السابقين ومن الصحابة)، حتى شقَّ ذلك عليه جدًا، وبعث إلى أمراء الأجناد فأحضرهم عنده ليستشيرهم، فاجتمع إليه معاوية بن أبي سفيان أمير الشام، وعمرو بن العاص (أمير مصر)، وعبد الله بن سعد بن أبي سَرْح أمير المغرب، وسعيد بن العاص أمير الكوفة، وعبد الله ابن عامر أمير البصرة، فاستشارهم فيما حدث من الأمر (وافتراق الكلمة)؛ فأشار عبد الله بن عامر

стр. 3456

أن يشغلهم بالغزو عمّا هم فيه من الشرّ، فلا يكون همّ أحدهم إلا نفسه، وما هو فيه من دبر دابته وقمل (١) فروته (فإنّ غوغاء الناس إذا تفرغوا وبطلوا اشتغلوا بما لا يُغْني وتكلّموا بما لا يُرضي وإذا تفرَّقوا نفعوا أنفسهم وغيرهم). وأشار سعيد بن العاص بأن يستأصل (٢) شأفة المفسدين، ويقطع دابرهم (٣)، وأشار معاوية بأن يردّ عمَّالَه إلى أقاليمهم وأن لا يلتفت إلى هؤلاء وما تألبوا عليه من الشرّ، فإنَّهم أقلُّ وأضعفُ جندًا. وأشار عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح بأن يتألَّفهم بالمال فيعطيهم منه ما يكفّ به شرَّهم، ويأمن غائلتهم (٤)، ويعطف به قلوبهم إليه. وأما عمرو بن العاص فقام فقال: أما بعدُ يا عثمانُ فإنَّك قد ركبت الناس ما يكرهون، فإما أن تعزلَ عنهم ما يكرهون، وإما أن تقدم فتنزل عمالك على ما هم عليه، وقال له كلامًا فيه غلظةٌ، ثم اعتذر إليه في السر بأنه إنما قال هذا ليبلغ عنه من كان حاضرًا من الناس إليهم ليرضوا من عثمان بهذا، فعند ذلك قرَّر عثمانُ عمالَه على ما كانوا عليه، وتألَّف قلوبَ أولئك بالمال، وأمر بأن يُبعثوا إلى الغزو إلى الثغور، فجمع بين المصالح كلها، ولما رجعت العمال إلى أقاليمها امتنع أهل الكوفة من أن يدخل عليهم سعيد بن العاص، ولبسوا السلاح وحلفوا أن لا يمكنوه من الدخول فيها حتى يعزله عثمان ويولّي عليهم أبا موسى الأشعري، وكان اجتماعهم بمكانٍ يقال له الجرعة، (وقد قال يومئذ الأشتر النخعي: والله لا يدخلها علينا ما حملنا سيوفنا، وتواقف الناس بالجرعة) وأحجم سعيدٌ عن قتالهم وصمَّموا على منعه، وقد اجتمع في مسجد الكوفة في هذا اليوم حذيفة وأبو مسعود عقبة بن عمرو، فجعل أبو مسعود يقول: [والله لا يرجع سعيد بن العاص حتى يكون دماء. فجعل حذيفة يقول] (٥): والله ليرجعن ولا يكون فيها محجمة من دم، وما أعلم اليوم شيئًا إلا وقد علمته ومحمد ﷺ حي. والمقصود أن سعيد بن العاص كر راجعًا إلى المدينة وكسر الفتنة، فأعجب ذلك أهل الكوفة، وكتبوا إلى عثمان (أن يولي عليهم أبا موسى الأشعري) بذلك، فأجابهم عثمان إلى ما سألوا إزاحة لعذرهم، وإزالة لشبههم، وقطعًا لعللهم. وذكر سيف بن عمر (٦) أن سببَ تألُّبِ الأحزاب على عثمان أن رجلًا يقال له عبد الله بن سبأ كان يهوديًا فأظهر الإسلام وصار إلى مصر، فأوحى إلى طائفة من الناس كلامًا اخترعه من عند نفسه، مضمونه أنه يقول للرجل: أليس قد ثبت أن عيسى ابن مريم سيعود إلى هذه الدنيا؟ فيقول الرجل: نعم! فيقول له

стр. 3457

فرسول الله ﷺ أفضل منه فما تنكر أن يعود إلى هذه الدنيا، وهو أشرف من عيسى ابن مريم ﵇، ثم يقول: وقد كان أوصى إلى علي بن أبي طالب، فمحمد خاتم الأنبياء، وعليّ خاتم الأوصياء، ثُمَّ يقول: فهو أحق بالإمرة من عثمان، وعثمان معتدٍ في ولايته ما ليس له. فأنكروا عليه وأظهروا الأمرَ بالمعروفِ والنهيَ عن المنكر. فافُتتن به بشرٌ كثيرٌ من أهل مصر، وكتبوا إلى جماعات من عوام أهل الكوفة والبصرة، فتمالؤوا على ذلك، وتكاتبوا فيه، وتواعدوا أن يجتمعوا في الإنكار على عثمان، وأرسلوا إليه من يناظره ويذكر له ما ينقمون عليه من توليته أقرباءه وذوي رحمه وعزله كبار الصحابة. فدخل هذا في قلوب كثير من الناس، فجمع عثمان بن عفان نوّابه من الأمصار فاستشارهم فأشاروا عليه بما تقدم ذكرنا له، فالله أعلم. وقال الواقدي (١) فيما رواه عن عبد الله بن محمد، عن أبيه قال: لما كانت سنة أربع وثلاثين أكثر الناس (بالمقالة) على عثمان بن عفان ونالوا منه (٢) أقبح ما نيل من أحد، فكلَّم الناس علي (بن أبي طالب) أن يدخلَ على عثمان، فدخل عليه فقال له: إنَّ الناس (ورائي و) قد كلَّموني فيك، ووالله ما أدري ما أقول لك، وما أعرف شيئًا تجهله، ولا أدلُّكَ على أمرٍ لا تعرفه، إنك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، ولا خلونا بشيء فنبلغكه، وما خُصصنا بأمورٍ خَفيَ عنك إدراكُها، وقد رأيت وسمعت وصحبت رسول الله ﷺ ونلت صهره، (وما ابن أبي قحافة بأولى بعملِ الحقِّ منك، ولا ابن الخطاب بأولى بشيءٍ من الخيرِ منك، وإنك أقربُ إلى رسول الله ﷺ رحمًا، ولقد نلت من صهر رسول الله ﷺ ما لم ينالا، ولا سبقاك إلى شيء)، فاللهَ اللهَ في نفسك، فإنَّك واللهِ ما تُبصرُ من عَمىً، ولا تعلمُ من جَهْلٍ. وإنَّ الطريقَ لواضحٌ بيّنٌ، وإن أعلام الدين لقائمةٌ، تعلَّم يا عثمان أن أفضلَ عباد الله عند الله إمامٌ عادلٌ، هُديَ وهَدَى، فأقام سُنّة معلومةً، وأماتَ بدعةً معلومةً، فوالله إن كُلًّا لبيّنٌ، وإن السنن لقائمةٌ لها أعلامٌ، وإن البدعَ لقائمةٌ لها أعلامٌ، وإن شرَّ الناس عندَ الله إمام جائر ضل وأضل به فأمات سنةً معلومة وأحيا بدعةً متروكةً، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يُؤْتى يومَ القيامة بالإمام الجائر، وليس معه نصير ولا عاذر (٣)، فيُلْقى في جهنم، فيدورُ فيها كما تدورُ الرَّحا، ثمَّ يرتطم في غمرة جهنَّم" (٤) وإنِّي أحذرك الله وأحذرك سطوته ونقمته، فإن عذابه أليم شديد، واحذر أن تكون إمام هذه الأمة المقتول، فإنه كان يُقال يقتل في هذه الأمة إمام فيفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة، وتلبس أمورها عليها، ويتركون شيعًا لا يبصرون الحق من الباطل، يموجون فيها موجًا، ويمرحون فيها مرحًا. فقال عثمان: قد والله علمتُ لتقولن الذي قلت، (أما والله) لو كنت مكاني ما عنفتك

стр. 3458

(ولا أسلمتك)، ولا عبت (١) عليك، ولا جئت منكرًا، إني وصلتُ رحمًا، وسددتُ خلة، وآويتُ ضائعًا، ووليت شبيهًا بمنْ كان عمرُ يُولِّي، أنشدك الله يا علي هل تعلم أنَّ المغيرةَ بن شعبة ليس هناك؟ قال: نعم! قال: فتعلمُ أن عمرَ ولاه؟ قال: نعم! قال: فلم تلوموني (٢) أن وليت ابن عامر في رحمه وقرابته (٣)؟ فقال علي: سأخبرك أنَّ عمر كان كلما ولى أميرًا (٤) فإنما يطأ على صماخيه (٥)، وأنه (إن) بلغه حرف جاء به، ثمَّ بلغ به أقصى الغاية في (العقوبة)، وأنت لا تفعل، ضعفت ورفقت (٦) على أقربائك. فقال عثمان: هم أقرباؤك أيضًا، فقال علي: لعمري (٧) إنَّ رحمَهم مني لقريبةٌ، ولكنَّ الفضلَ في غيرهم. قال عثمان: هل تعلمُ أنَّ عمرَ ولَّى معاويةَ خلافته كلَّها، فقد وليتُه، فقال عليٌّ: أنشدك (الله) هل تعلم أن معاوية كان أخوفَ من عمر من يَرْفأ غلام عمرَ منه؟ قال: نعم! قال علي: فإنَّ معاويةَ يقطعُ الأمورَ دونك (وأنت تعلمها) ويقول للناس: هذا أمر عثمان، فليبلغك (٨) (فلا تنكر) ولا تغير على معاوية ثم خرج عليّ من عنده وخرج عثمان على إثره فصعد المنبر [فخطب الناس] (٩) فوعظ وحذَّر وأنذرَ، وتهدَّد وتوعد، وأبرقَ وأرعدَ، فكان فيما قال: ألا فقد (والله) عبتُم عليَّ بما أقررتُمْ به لابن الخطّاب، ولكنه وطئكم برجله، وضربكم بيده، وقمعكم (١٠) بلسانه، فدنتم له على ما أحببتم أو كرهتم، ولنت لكم، وأوطأت لكم كتفي، وكففتُ يدي ولساني عنكم، فاجترأتم عليَّ، أما واللهِ لأنا أعزُّ نفرًا وأقربُ ناصرًا وأكثرُ عددًا وأقْمن، إن قلت: هلمّ إليّ إليّ، ولقد أعددت لكم أقرانكم، وأفضلتُ عليكم فضولًا، وكشرت لكم عن نابي، فأخرجتم مني خُلُقًا لم أكن أُحسنه، ومنطقًا لم أنطق به، فكفّوا ألسنتكم وطعنكم وعيبكم على ولاتكم، فإنّي قد كففتُ عنكم منْ لو كان هو الذي يليكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا، ألا فما تفقدون من حقكم؟ فوالله ما قصرت في بلوغ ما كان يبلغ من كان قبلي، ثمّ اعتذر عما كان يعطي أقرباءه (١١) بأنه من فضل ماله. فقام مروان بن الحكم فقال: إن شئتم والله حكَّمنا بيننا وبينكم السيف، نحن والله وأنتم كما قال الشاعر: [من الطويل]

стр. 3459

فرشنا لكم أعراضنا فَنَبَتْ بكمْ … مغارسُكُم (١) تبنونَ في دِمنِ الثرى فقال عثمان: اسكت لا سكتَّ، دعني وأصحابي، ما منطقك في هذا (٢)، ألم أتقدَّمْ إليكَ أن لا تنطق. فسكتَ مروان ونزل عثمان ﵁. وذكر سيف بن عمر (٣) وغيره: أن معاوية لما ودّعه عثمان حين عزم على الخروج إلى الشام عرض عليه أن يرحل معه إلى الشام فإنهم قوم كثيرة طاعتهم للأمراء. فقال: لا أختار بجوار رسول الله ﷺ سواه. فقال: أجَهّز لك جيشًا من الشام يكونون (٤) عندك ينصرونك؟ فقال: إني أخشى أن أضيِّق بهم بلد رسول الله ﷺ على أصحابه من المهاجرين والأنصار. قال معاوية: فوالله يا أمير المؤمنين لتُغْتالن -أو قال: لتُغْزَين- فقال عثمان: حسبي الله ونعم الوكيل. ثم خرج معاوية من عنده وهو مُتقِّلدٌ السيفَ وقوسُه في يده، فمرّ على ملأ من المهاجرين (والأنصار)، فيهم علي بن أبي طالب، وطلحة، والزبير، فوقف عليهم واتكأ على قوسه وتكلَّم بكلام بليغ يشتمل (٥) على الوصاة بعثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، والتحذير من إسلامه إلى أعدائه، ثُمَّ انصرف ذاهبًا. فقال الزبير: ما رأيتُه أهيبَ في عيني من يومه هذا. وذكر ابنُ جرير (٦) أن معاوية استشعر الأمر لنفسه من قدمته هذه إلى المدينة، وذلك أنه سمع حاديًا يرتجز في أيام الموسم في هذا العام وهو يقول: [من الرجز] قَدْ علمتْ ضَوامرُ المَطيِّ … وضمَّراتُ عَوَجِ القِسيِّ أنَّ الأميرَ بَعْدهُ عليُّ … وفي الزُّبَيْرِ خَلَفٌ رَضِيُّ وطلحةُ الحافي لها وليُّ [فقال كعب الأحبار وهو يسير خلف عثمان: والله إن الأمير بعده صاحب البغلة الشهباء. وأشار إلى معاوية] (٧) فلما سمعها معاوية لم يزل ذلك في نفسه، حتى كان ما كان على ما سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى وبه الثقة.

стр. 3460

قال ابن جرير (١): وفي هذه السنة مات: أبو عبس بن جبير (٢) بالمدينة وهو بدري. ومات أيضًا مسطح بن أثاثة (٣). وعاقل بن البكير (٤). وحج بالناس في هذه السنة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه. ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ففيها مقتل عثمان [بن عفان ﵁] (٥) وكان السبب في ذلك أن عمرو بن العاص حين عزله عثمان عن مصر ولَّى عليها عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح. وكان سبب ذلك أن الخوارج من المصريين كانوا محصورين من عمرو بن العاص، (مقهورين معه لا يستطيعون أن يتكلَّموا بسوء في خليفة ولا أمير). فما زالوا حتى شكوه (٦) إلى عثمان لينزعه عنهم ويُوَلِّي عليهم من هو ألينُ منه. فلم يزل ذلك دأبُهم حتى عزل عَمرًا (٧) عن الحرب وتركه على الصلاة، وولَّى على الحرب والخراج عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح. ثمَّ سَعَوْا فيما بينهما بالنميمة فوقع بينهما، حتى كان بينهما كلامٌ قبيحٌ. فأرسل عثمان فجمع لابن أبي سرح جميع عمالة مصر، خراجها (وحربها) وصلاتها، وبعث إلى عمرو يقول له: لا خير لك في المقام (٨) عند من يكرهك، فاقدم إليَّ، فانتقل عمرو بن العاص إلى المدينة وفي نفسه من عثمان أمر عظيم وشر كبير، فكلَّمه فيما كان من أمره بنفس، وتقاولا في ذلك، وافتخر عمرو بن العاص بأبيه على

стр. 3461

عثمان (١)، وأنه كان أعز منه. فقال له عثمان: دَعْ هذا فإنّه من أمر الجاهلية. وجعل عمرو بن العاص يؤلِّبُ الناسَ على عثمان. وكان بمصر جماعة يبغضون (٢) عثمان ويتكلَّمون فيه بكلام قبيحٍ على ما قدمنا، وينقمون عليه (في عزله جماعة من عليّة) الصحابة وتوليته من دونهم، أو منْ لا يصلح عندهم للولاية. وكره أهل مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح، بعد عمرو بن العاص، واشتغل عبد الله بن سعد عنهم بقتال أهل المغرب، وفتحه بلاد البربر والأندلس وإفريقية. ونشأ بمصر طائفة من أبناء الصحابة يؤلِّبون الناس على حربه والإنكار عليه، وكان عظم ذلك مسندًا إلى محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة، حتى استنفرا (٣) نحوًا من ستمئة راكب يذهبون إلى المدينة في صفة معتمرين في شهر رجب، لينكروا على عثمان، فساروا إليها تحت أربع رفاق (٤)، وأمرُ الجميع إلى عمرو بن بُدَيْل بن وَرْقاء الخُزاعي، وعبد الرحمن بن عُدَيْس (البلوي، وكنانة بن بشر) التُّجيبي، (وسُودان بن حُمْران السَّكُوني). وأقبل معهم محمد بن أبي بكر، وأقام بمصر محمد بن أبي حُذَيْفة يُؤَلِّبُ الناسَ ويدافع عن هؤلاء (وكتب عبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى عثمان يعلمه بقدوم هؤلاء) القوم إلى المدينة مُنْكرين عليه في صفة مُعْتمرين. فلما اقتربوا من المدينة أمر عثمان علي (٥) بن أبي طالب أن يخرجَ إليهم ليردهم إلى بلادهم قبل أن يدخلوا المدينة. ويقال: بل ندب الناس إليهم، فانتدب علي لذلك فبعثه، وخرج معه جماعة الأشراف وأمره أن يأخذ معه عمار بن ياسر. فقال علي لعمار فأبى عمار أن يخرج معه، فبعث عثمان سعد بن أبي وقاص أن يذهب إلى عمار ليحرِّضه على الخروج مع علي إليه، فأبى عمار كلَّ الإباء، وامتنع أشدَّ الامتناع، وكان متعصبًا على عثمان بسبب (تأديبه له فيما تقدم على أمر وضربه إياه في ذلك، وذلك بسبب) شتمه عباس بن عتبة بن أبي لهب، فأدبهما عثمان، فتآمر عمّارٌ عليه لذلك، وجعل يحرِّضُ الناسَ عليه، فنهاه سعد بن أبي وقاص عن ذلك ولامه عليه، فلم يُقْلِعْ عنه ولم يرجع ولم ينزع، فانطلق علي بن أبي طالب إليهم وهم بالجحفة، وكانوا يعظمونه ويبالغون (٦) في أمره، فردَّهم وأنَّبهم وشَتَمهم، فرجعوا على أنفسهم بالملامة، وقالوا: هذا الذي تحاربون الأمير بسببه، وتحتجون عليه (٧) به. ويقال إنه ناظرهم في عثمان، وسألهم ماذا ينقمون (٨) عليه، فذكروا أشياء منها أنه حمى

стр. 3462

الحمى (١)، وأنَّه حرقَ المصاحف وأنّه أتم الصلاة، وأنه ولَّى الأحداث (الولايات وترك الصحابة الأكابر) وأعطى (٢) بني أمية أكثر من الناس. فأجاب علي (٣) عن ذلك: أما الحمى فإنما حماه لإبل الصدقة لتسمن، ولم يَحْمِهِ لإبله ولا لغنمه، وقد حماه عمر من قبله. وأما المصاحفُ فإنّما حرق ما وقع فيه اختلاف، وأبقى لهم المتفق عليه، كما ثبت في العرضة الأخيرة، وأما إتمامه الصلاة بمكة، فإنه كان قد تأهَّلَ بها ونوى الإقامة فأتمها، أما توليته الأحداث فلم يولِّ إلا رجلًا سويًا عدلًا، وقد ولَّى رسول الله ﷺ عتاب بن أسيد (على مكة) وهو ابن عشرين (سنة)، وولَّى أسامةَ بن زيد بن حارثة، وطعن (٤) الناس في إمارته فقال: "إنه لخليقٌ بالإمارة" (٥) وأما إيثارُهُ قومَه بني أمية فقد كان رسول الله ﷺ يُؤْثِر قريشًا على الناس، وواللهِ لو أن مفتاحَ الجنة بيدي لأدخلتُ بني أمية إليها. ويقال: إنهم عتبوا عليه في عمّارٍ ومحمد بن أبي بكر، فذكر عثمان عذره في ذلك، وأنه أقام فيهما (٦) ما كان يجب عليهما. وعتبوا عليه في إيوائه الحَكم بن أبي العاص، وقد نفاه رسول الله ﷺ إلى الطائف، فذكر أن رسول الله ﷺ كان قد نفاه إلى الطائف ثمَّ ردَّه، ثمَّ نفاه إليها، فال: فقد نفاه رسول الله ﷺ ثم رَدَّه. وروي أنَّ عثمان خطب الناس بهذا كلِّه بمحضرٍ من الصحابة، وجعل يستشهد بهم فيشهدون له فيما فيه شهادة له، ويروى أنهم بعثوا طائفة منهم فشهدوا خطبة عثمان هذه، فلما تمهدت (٧) الأعذار، وانزاحت عللهم، ولم يبق لهم شبهة، أشار جماعة من الصحابة على عثمان بتأديبهم فصفح عنهم [وتركهم]، ﵁. وردَّهم إلى قومهم، فرجعوا خائبين من حيث أتوا، ولم ينالوا شيئًا مما كانوا أمَّلوا وراموا، ورجع عليٌّ إلى عثمان، فأخبره برجوعهم عنه، وسماعهم منه، وأشار على عثمان أن يخطب الناس خطبةً يعتذر إليهم فيها مما كان وقع من الأثرة لبعض أقاربه، ويشهدهم عليه بأنه قد تاب من ذلك، وأناب إلى الاستمرار على ما كان عليه من سيرة الشيخين قبله (٨)، وأنه لا يحيد عنها، كما كان الأمر أولًا في مدة ست سنين الأُول، فاستمع عثمان هذه النصيحة، وقابلها بالسمع والطاعة. ولما كان يوم الجمعة وخطب الناس، رفع يديه في أثناء الخطبة، وقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب

стр. 3463

إليك، اللهم إني أول تائب مما كان مني، وأرسل عينيه بالبكاء فبكى المسلمون أجمعون، وحصل للناس رقة شديدة على إمامهم، وأشهد عثمان الناس على نفسه بذلك، وأنه قد لزم ما كان عليه الشيخان، أبو بكر وعمر ﵄، وأنه قد سبل (١) بابه لمن أراد الدخول عليه، لا يمنع أحد من ذلك، ونزل فصلّى بالناس ثمَّ دخل منزله، وجعل من أراد الدخول على أمير المؤمنين لحاجة أو مسألة أو سؤال، لا يمنع أحد من ذلك مدة. قال الواقدي: فحدَّثني علي بن عمر، عن أبيه قال: ثمَّ إن عليًا جاء عثمان بعد انصراف المصريين فقال له: تكلم كلامًا يسمعه (٢) الناس منك ويشهدون عليك، ويشهد الله على ما في قلبك من النزوع والإنابة، فإن البلاد قد تمخضت عليك، ولا آمن ركبًا آخرين (٣) يقدمون من قبل الكوفة، فتقول: يا علي اركب إليهم، ويقدم آخرون من البصرة فتقول: يا علي اركب إليهم، فإن لم أفعل قطعت رحمك واستخففت بحقك. قال: فخرج عثمان فخطب الخطبة التي نزع فيها، وأعلم الناس من نفسه التوبة، فقام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، أيها الناس، فوالله ما عاب من عاب شيئًا أجهله، وما جئتُ شيئًا إلا وأنا أعرفه، ولكن ضلَّ رشدي، ولقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من زلَّ فليتبْ، ومن أخطأ فليتب، ولا يتمادى في الهلكة، إن من تمادى في الجور كان أبعد عن الطريق" (٤) فأنا (٥) أولُ من اتَّعظَ، أستغفر الله مما فعلتُ وأتوبُ، فمثلي نزع وتاب، فإذا نزلت فليأتني أشرافكم، فوالله لأكوننَّ كالمرقوق إن مُلِكَ صبر، وإن عُتِقَ شكر، وما عن الله مذهبٌ إلا إليه. قال: فرقَّ الناسُ له [يومئذٍ] (٦) وبكى منْ بكى، وقام إليه سعيد بن زيد فقال: يا أمير المؤمنين! الله الله في نفسك! فأتمم على ما قلت. فلما انصرف عثمان إلى منزله وجد به جماعةً من أكابر الناس، وجاءه مروان بن الحكم فقال: أتكلم يا أمير المؤمنين أم أصمت؟ فقالت امرأة عثمان -نائلة بنت الفرافصة الكلبية- من وراء الحجاب: بل اصمت، فوالله إنهم لقاتلوه، ولقد قال مقالة لا ينبغي النزوع عنها. فقال لها: وما أنت وذاك؟ فوالله لقد مات أبوك وما يحسن (أن) يتوضَّأ. فقالت له: دع (ذكر) الآباء، ونالت من أبيه الحكم، فأعرض عنها مروان. وقال لعثمان: يا أمير المؤمنين أتكلَّم أم أصمت؟ فقال له عثمان: بل تكلّم؛ فقال مروان: بأبي أنت وأمي، لوددتُ أنَّ مقالتك هذه كانت وأنت ممتنعٌ (٧)

стр. 3464

منيعٌ، فكنت أول من رضي بها وأعان عليها، ولكنك قلت ما قلت حين جاوز (١) الحزام الطُّبْيَيْنِ، وبلغ (٢) السيلُ الزُّبَى، وحين أعطى الخطة الذليلة الذليل، والله لإقامةٌ على خطيئةٍ يُسْتَغفَرُ منها، خيرٌ من توبة خُوِّفَ عليها، وإنك لو شئت لعزمت (٣) التوبة ولم تقرر لنا بالخطيئة، وقد اجتمع إليك على الباب مثل الجبال من الناس. فقال عثمان: (قم) فاخرج إليهم فكلّمهم، فإني أستحيي أن أكلمهم. قال: فخرج مروان إلى الباب، والناسُ يركب بعضهم بعضًا، فقال: ما شأنكم كأنكم قد جئتم لنهب، شاهت (٤) الوجوه (كل إنسان آخذ بأُذن صاحبه) إلا من أريدَ، جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا، اخرجوا عنا، (أما والله لئن رمتمونا) (٥) ليمرَّن عليكم أمرٌ يسوؤكم ولا تحمدوا غبّه، ارجعوا إلى منازلكم، فوالله ما نحن مغلوبين على ما بأيدينا. قال: فرجع الناس، وخرج بعضهم حتى أتى عليًا فأخبره الخبر، فجاء علي مغضبًا حتى دخل على عثمان، فقال: أما رضيتَ من مروان ولا رضي منك إلا بتحويلك عن دينك وعقلك؟! وإن مثلك مثل جمل الظعينة (٦) سار حيث يسار به، والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه، وايم الله إني لأراه سيوردك ثم لا يصدرك (٧)، وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أذهبتَ سوقك (٨)، وغُلبت على أمرك. فلما خرج عليٌّ دخلت نائلةُ على عثمان فقالت: أتكلَّم أو أسكت؟ فقال: تكلَّمي، فقالت: [قد] سمعتُ قولَ عليٍّ أنه ليس يعاودك، وقد أطعتَ مروان [يقودك] (٩) حيث شاء، قال: فما أصنع؟ قالت: تَتَّقي اللهَ وحده لا شريك له، وتتَّبع سُنَّةَ صاحِبَيْكَ من قبلك، فإنك متى أطعت مروان قَتَلَك ومروان ليس له عند أحد (١٠) قدرٌ ولا هَيْبَةٌ ولا محبةٌ، فأرسلْ إلى علي فاستصلحه فإن له قرابةً منك وهو

стр. 3465

لا يُعصى. قال فأرسل عثمان إلى علي فأبى أن يأتيه، وقال: قد أعلمته أني لست بعائد. قال: وبلغ مروان قول نائلة (فيه فجاء إلى عثمان فقال: أتكلَّم أو أسكت؟ فقال: تكلَّم، فقال: إن نائلة) بنت الفرافصة. - فقال (١) عثمان لا تذكرها بحرف فأسوِّئ (٢) لك وجهك، فهي والله أنصح لي منك. (قال: فكف مروان). ذِكْرُ مجيء الأحزابِ إلى عثمان للمرَّةِ الثانية من مصر [وغيرها في شوال من هذه السنة] وذلك أن أهل الأمصار لما بلغهم خبر مروان، وغضب علي على عثمان بسببه، ووجدوا الأمر على ما كان عليه لم يتغير (ولم يسلك سيرة صاحبيه) فكاتب أهل مصر وأهل الكوفة و (أهل) البصرة وتراسلوا، وزُوِّرتْ كتبٌ على لسان الصحابة الذين بالمدينة، وعلى لسان عليٍّ وطلحة والزبير، يدعون الناس إلى قتال عثمان ونُصرة الدين، وأنه أكبر الجهاد اليوم. وذكر (٣) سيف بن عمر التميمي عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان، وقاله غيرهم أيضًا، قالوا: لما كان في شوال سنة خمس وثلاثين، خرج أهل مصر في أربع رِفاق على أربعة أمراء، المُقَلِّلُ لهم يقول ستمئة، والمُكْثِرُ يقول: ألف. على الرفاق عبد الرحمن بن عُدَيْس البَلَوي. وكنانة بن بشر اللَّيثي (٤)، وسُودان بن حُمْران السَّكوني، وقُتَيْرة (٥) السَّكوني، وعلى القوم جميعًا الغافقي بن حرب العَكّي، وخرجوا فيما يظهرون للناس حجاجًا، ومعهم ابن السوداء -وكان أصله ذميًا فأظهر الإسلام وأحدث بدعًا قوليةً وفعليةً، قبحه الله- وخرج أهل الكوفة في عدتهم في أربع رفاق (أيضًا)، وأمراؤهم: زيد بن صُوحان، والأشتر النَّخعي، وزياد بن النَّضْر الحارثي، وعبد الله بن الأصمّ، وعلى الجميع عمرو بن الأصَمّ. وخرج أهل البصرة في عدتهم أيضًا في أربع رايات مع حُكَيْم بن جَبَلَة العَبْدي، وبشر بن شُرَيْح بن ضُبَيْعة القيسي، وذَريح بن عباد العبدي، وعليهم كلّهم حرقوص بن زهير السعدي، وأهل مصر مصرون على ولاية علي بن أبي طالب، وأهل الكوفة عازمون على تأمير الزُّبير، وأهل البصرة مصممون على تولية طلحة. لا تشكّ كلّ فرقةٍ أن أمرها سيتمّ، فسار كل طائفة من بلدهم حتى توافوا حول المدينة، كما تواعدوا في كتبهم، في شهر شوال فنزل طائفة منهم بذي خُشُبٍ، وطائفة بالأعْوَص، والجمهور بذي المروَة، وهم على وجل من أهل المدينة، فبعثوا قصَّادًا وعيونًا بين أيديهم ليخبروا الناس

стр. 3466

أنهم [إنما] جاؤوا للحجّ لا لغيره، وليستعفوا هذا الوالي من بعض عماله، ما جئنا إلا لذلك، واستأذنوا للدخول (١)، فكُلُّ الناس أبى دخولهم ونهى عنه، فتجاسروا واقتربوا من المدينة، وجاءت طائفة من المصريين إلى علي وهو في (٢) عسكر عند أحجار الزيت (٣)، عليه حلّة أفواف (٤)، معتم بشُقَيْقَةٍ (٥) حمراء يمانية، متقلدًا السيف وليس عليه قميص. وقد سَرَّحَ (٦) ابنَه الحسنَ إلى عثمان فيمن اجتمع إليه، فسلّم عليه المصريون فصاح بهم وطردهم، وقال: لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وذي خُشُبٍ ملعونون على لسان محمد ﷺ ، فارجعوا لا صبَّحكم الله، قالوا: نعم! وانصرفوا من عنده على ذلك، وأتى البصريون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى جنب -وقد أرسل ابنيه إلى عثمان- فسلّموا عليه فصاح بهم واطَّردهم وقال لهم كما قال عليّ لأهل مصر، وكذلك كان ردّ الزُّبير على أهل الكوفة، فرجع كل فريق (منهم) إلى قومهم، وأظهروا للناس أنهم راجعون إلى بلدانهم، وساروا أيامًا راجعين، ثم كرّوا عائدين إلى المدينة، فما كان غير قليل حتى سمع أهل المدينة التكبير، وإذا القوم قد زحفوا على المدينة وأحاطوا بها، وجمهورهم عند دار عثمان بن عفان وقالوا للناس: منْ كفَّ يده فهو آمنٌ، فكفَّ الناسُ ولزموا بيوتَهم، وأقام الناسُ على ذلك أيامًا. هذا كلُّه ولا يدري (الناس) ما القوم صانعون، ولا على ما هم عازمون، وفي كل ذلك أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ يخرج من داره فيصلّي بالناس، فيصلّي وراءه أهلُ المدينة وأولئك الآخرون، وذهب الصحابة إلى هؤلاء يؤنبونهم ويعذلونهم على رجوعهم، حتى قال علي لأهل مصر: ما رَدَّكُم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم؟ فقالوا: وجدنا مع بريد كتابًا بقتلنا - وكذلك قال البصريون لطلحة، والكوفيون للزبير. وقال أهل كل مصر: إنما جئنا (٧) لننصر أصحابنا. فقال لهم الصحابة: كيف علمتم بذلك من أصحابكم، وقد افترقتم وصار بينكم مراحل؟ إنما هذا أمر اتفقتم عليه، فقالوا: ضعوه على ما أردتم، لا حاجة لنا في هذا الرجل، ليعتزلنا ونحن نعتزله -يعنون (أنه) إن نزل عن الخلافة تركوه آمنًا- وكان المصريون فيما ذ كر، لما رجعوا إلى بلادهم (٨) وجدوا في الطريق بريدًا يسير،

стр. 3467

فأخذوه ففتشوه، فإذا معه في إداوة كتابًا (١) على لسان عثمان فيه الأمر بقتل طائفة (منهم)، وبصلب آخرين، وبقطع أيدي آخرين منهم وأرجلهم، وكان على الكتاب طابع بخاتم عثمان، والبريد أحد غلمان عثمان وعلى جَمَله، فلما رجعوا جاؤوا بالكتاب وداروا به على الناس، فكلَّم الناسُ أميرَ المؤمنين في ذلك، فقال بيِّنةٌ عليَّ بذلك وإلا فوالله لا كتبت (٢) ولا أمليت، ولا دريت بشيء من ذلك، والخاتم قد يزوّر على الخاتم، فصدَّقه الصادقون في ذلك، وكذَّبه الكاذبون. ويقال: إن أهل مصر كانوا قد سألوا من عثمان أن يعزل عنهم ابن أبي سَرْح، ويُولِّي محمد بن أبي بكر، فأجابهم إلى ذلك، فلما وجدوا (٣) ذلك البريد ومعه الكتاب بقتل محمد بن أبي بكر [وآخرين معه] فرجعوا (٤) وقد حنقوا عليه حنقًا شديدًا، وطافوا بالكتاب على الناس، فدخل ذلك في أذهان كثير من الناس. وروى ابن جرير (٥) من طريق محمد بن إسحاق، عن عمه عبد الرحمن بن يسار، أن الذي كان معه هذه الرسالة من جهة عثمان إلى مصر أبو الأعور السُّلمي، على جَمَلٍ لعثمان. وذكر ابن جرير (٦) من هذه الطريق أن الصحابة كتبوا إلى الآفاق من المدينة يأمرون الناس بالقدوم على عثمان ليقاتلوه، وهذا كذب على الصحابة، وإنما كُتبت كتبٌ مزورةٌ عليهم، كم كتبوا من جهة علي وطلحة والزبير إلى الخوارج كتبًا مزورة عليهم أنكروها، وهكذا زور هذا الكتاب على عثمان أيضًا، فإنه لم يأمر به ولم يعلم به أيضًا. واستمرّ عثمان يصلّي بالناس في تلك الأيام كلها، وهم أحقر في عينه من التراب، فلمّا كان في بعض الجمعات وقام على المنبر، وفي يده العصا التي كان يعتمد عليها رسول الله ﷺ في خطبته، وكذلك أبو بكر وعمر ﵄ من بعده، فقام إليه رجل من أولئك فسبَّه ونال منه، وأنزله عن المنبر، فطمع الناس فيه من يومئذ، كما قال الواقدي (٧): حدَّثني أسامة بن زيد، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه، قال: بينا أنا أنظر إلى عثمان [يخطب] على عصا النبي ﷺ التي كان يخطب عليها وأبو بكر وعمر، فقال له جهجاه: قم يا نعثل (٨) فانزل عن هذا المنبر، وأخذ العصا فكسرها على ركبته اليمنى فدخلت شظية منها (فيها) فبقي الجرح حتى أصابته الأكَلَة، فرأيتها تدوِّد،

стр. 3468

فنزل عثمان (وحملوه) وأمر بالعصا فشدوها، فكانت مضببة، فما خرج بعد ذلك اليوم إلا خَرْجَة أو خرجتين، حتى حُصِر فقتل. قال ابن جرير: وحدَّثنا أحمد بن إبراهيم، حدَّثنا عبد الله بن إدريس، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع: أنَّ الجهجاه الغِفاري أخذ عصًا كانت في يد عثمان فكسرها على ركبته، فرُمي في ذلك المكان بأكَلَةٍ. وقال الواقدي (١): وحدَّثني ابن أبي الزناد، عن موسى بن عُقْبة، عن أبي حَبيبة قال: خطب عثمان الناسِ في بعض أيامه فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين إنك قد ركبت نهابير (٢) وركبناها معك، فتُبْ نَتُبْ (معك). فاستقبلَ عثمانُ القبلةَ وشهرَ يديه. قال أبو حبيبة: فلم أرَ يومًا أكثر باكيًا ولا باكيةً من يومئذ. ثم لما كان بعد ذلك خطب الناس فقام إليه جهجاه الغفاري فصاح (إليه): يا عثمانُ ألا إن هذه شارف (٣) قد جئنا بها عليها عباءة وجامعة (٤)، فانزل فلندرجك في العباءة ولنَطْرَحكَ في الجامِعَةِ ولنَحْملْكَ على الشَّارِفِ ثم نَطْرحكَ في جبل الدخان. فقال عثمان: قبَّحكَ اللهُ وقبَّح ما جئتَ به، ثمّ نزل عثمان. قال أبو حبيبة: وكان آخر يومٍ رأيتُه فيه. وقال الواقدي: حدَّثني أبو بكر بن إسماعيل، عن أبيه، عن عامر بن سعد. قال: كان أول من اجترأ على عثمان بالنُّطْقِ السيِّء جَبَلة بن عمرو الساعدي؛ مرَّ به عثمان وهو في نادي قومه، وفي يد جبلة جامعة، فلما مرَّ عثمان سلَّم فردَّ القومُ، فقال جبلة: لم تردُّون عليه؟ رجل قال كذا وكذا، ثمّ أقبل على عثمان فقال: والله لأطرحنَّ هذه الجامعة في عنقكَ أو لتتركنَّ بطانتك هذه، فقال عثمان: أيّ بطانة؟ فوالله [إني] لأتخيَّر الناسَ، فقال: مروان تخيرته، ومعاوية تخيرته، وعبد الله بن عامر بن كُرَيْز تخيرته، وعبد الله بن سعد بن أبي سَرْحٍ تخيرته، منهم من نزل القرآن بذمّه، وأباح رسول الله ﷺ دمه، قال فانصرف عثمان فما زال الناس مجترئين عليه إلى هذا اليوم. قال الواقدي: وحدَّثني محمد بن صالح، عن عبيد الله بن رافع بن نقاخة، عن عثمان بن الشَّريد. قال: مرّ عثمان على جبلة بن عمرو الساعديّ وهو بفناء داره، ومعه جامعة، فقال يا نَعْثَلُ! والله لأقتلنَّك ولأحملنَّك على قَلوصٍ جَرْباء، ولأخرجنَّك إلى حرَّةِ النارِ. ثمّ جاءه مرةً أخرى، وعثمانُ على المنبر فأنزله عنه. وذكر سيف بن عمر أن عثمان بعد أن صلَّى بالناس يوم الجمعة صعد المنبر فخطبهم أيضًا فقال في خطبته: يا هؤلاء الغرباء! الله الله، فوالله إن أهل الفدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد ﷺ ،

стр. 3469

فامحوا الخطأ (١) بالصواب، فإنَّ الله لا يمحو السيِّء إلا بالحسن، فقام محمد بن مسلمة فقال: أنا أشهد بذلك، فأخذه حكيم بن جبلة فأقعده، فقام زيد بن ثابت فقال: إنه في الكتاب. فثار إليه من ناحية أخرى محمد بن أبي مريرة (٢) فأقعده وقال: يا نطع، وثار القوم بأجمعهم فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد، وحصبوا عثمان حتى صرع من المنبر مغشيًا عليه، فاحتمل وأدخل داره، وكان المصريون لا يطمعون في أحد من الناس أن يساعدهم إلا محمد بن أبي بكر، ومحمد بن جعفر، وعمار بن ياسر. وأقبل علي وطلحة والزبير إلى عثمان في أناس يعودونه ويشكون إليه بثَّهم وما حلَّ بالناس، ثمّ رجعوا إلى منازلهم، واستقبل جماعة من الصحابة، منهم أبو هريرة، وابن عمر، وزيد بن ثابت في المحاربة عن عثمان، فبعث إليهم يقسم عليهم لما كفوا أيديهم وسكنوا حتى يقضي الله ما يشاء. ذكر (٣) حصر أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ لما وقع ما وقع يومَ الجمعة، وشُجَّ أميرُ المؤمنين عثمانُ، وهو في رأس المنبر، وسقط مغشيًا عليه، واحتملَ إلى داره وتفاقم الأمرُ، وطمع فيه أولئك الأجلافُ الأخلاطُ من الناس، وألجؤوه إلى داره وضيَّقوا عليه، وأحاطوا بها محاصرين له، ولزم كثيرٌ من الصحابة بيوتهم، وسار إليه جماعة من أبناء الصحابة، عن أمر آبائهم، منهم الحسن والحسين، وعبد الله بن الزبير -وكان أمير الدار- وعبد الله بن عمرو، وصاروا يحاجّون عنه، ويناضلون دونه أن يصل إليه أحد منهم، وأسلمه بعض الناس رجاء أن يجيب أولئك إلى واحدة مما سألوا، فإنهم كانوا قد طلبوا منه إما أن يعزل نفسه، أو يسلِّم إليهم مروانَ بن الحكم، ولم يقع في خلد أحد أن القتل كان في نفس الخارجين (٤)، وانقطع عثمان عن المسجد فكان لا يخرج إلا قليلا في أوائل الأمر، ثم انقطع بالكلية في آخره، وكان يصلي (بالناس) في هذه الأيام الغافقي بن حرب. وقد استمر الحصر (٥) أكثر من شهر. وقيل أربعين يومًا. حتى كان آخر ذلك أنْ قُتلَ شهيدًا ﵁، على ما سنبينه إن شاء الله تعالى. والذي ذكره ابن جرير أنَّ الذي كان يصلِّي بالناس في هذه المدة وعثمان محصور، طلحة بن عبيد الله (٦). وروى الواقديّ أن عليًا صلى أيضًا، وصلى أبو أيوب، وصلى بهم سهل بن حُنَيْف، وكان يجمع

стр. 3470

بهم علي، وهو الذي صلّى بهم بعد (١)، وقد خاطب الناس في غبوب ذلك بأشياء، وجرت أمور سنورد منها ما تيسر وبالله المستعان. قال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا بهز، حدَّثنا أبو عوانة، حدَّثنا حصين، عن عمرو بن جاوان قال: قال الأحنف: انطلقنا حجاجًا فمررنا بالمدينة، فبينا نحن في منزلنا إذ جاءنا آتٍ فقال: الناس [من فزع] (في المسجد)، فانطلقتُ أنا وصاحبي، فإذا الناسُ مجتمعون على نفرٍ في المسجد، قال: فتخللتهم حتى قمت عليهم، فإذا علي بن أبي طالب والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص، قال: فلم يكن ذلك بأسرع من أن جاء عثمان يمشي، فقال: ها هنا علي؟ قالوا: نعم! قال: ها هنا الزبير؟ قالوا نعم! قال: ها هنا طلحة؟ قالوا: نعم! قال: ها هنا سعد (بن أبي وقاص)؟ قالوا: نعم! قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "من يبتاع مربد بني فلان غفر الله له" فابتعته فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: إني قد ابتعته، فقال: "اجعله في مسجدنا وأجره لك" قالوا: نعم! قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من يبتاع بئر رومة" فابتعتها بكذا وكذا، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت إني (قد) ابتعتُها -يعني بئر رومة- قال: "اجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك" (٣) قالوا: نعم! قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله ﷺ نظر في وجوه القوم يوم جيش العُسْرة فقال: "من يجهز هؤلاء غفر الله له" فجهزتهم حتى ما يفقدون خطامًا ولا عقالًا؟ قالوا: اللهم نعم! قال (٤): اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثم انصرف. ورواه النسائي (٥) من حديث حصين وعنده: إذ جاء عثمان (٦) وعليه ملاءة صفراء. طريق أخرى قال عبد الله بن أحمد (٧): حدَّثني عبيد الله (٨) بن عمر القواريري، حدَّثني القاسم بن الحكم بن أوس الأنصاري، حدَّثني أبو عبادة الزُّرقي الأنصاري، من أهل المدينة، عن زيد بن أسلم عن أبيه. قال: شهدت عثمان يوم حصر في موضع الجنائز، ولو أُلْقي حجرٌ لم يقع إلا على رأس رجل، فرأيتُ عثمان أشرف من الخوخة التي تلي مقام جبريل، فقال: أيها الناس! أفيكم طلحة؟ فسكتوا، ثم قال: أيها
следующие страницы →