← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

أنهم [إنما] جاؤوا للحجّ لا لغيره، وليستعفوا هذا الوالي من بعض عماله، ما جئنا إلا لذلك، واستأذنوا للدخول (١)، فكُلُّ الناس أبى دخولهم ونهى عنه، فتجاسروا واقتربوا من المدينة، وجاءت طائفة من المصريين إلى علي وهو في (٢) عسكر عند أحجار الزيت (٣)، عليه حلّة أفواف (٤)، معتم بشُقَيْقَةٍ (٥) حمراء يمانية، متقلدًا السيف وليس عليه قميص. وقد سَرَّحَ (٦) ابنَه الحسنَ إلى عثمان فيمن اجتمع إليه، فسلّم عليه المصريون فصاح بهم وطردهم، وقال: لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وذي خُشُبٍ ملعونون على لسان محمد ﷺ ، فارجعوا لا صبَّحكم الله، قالوا: نعم! وانصرفوا من عنده على ذلك، وأتى البصريون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى جنب -وقد أرسل ابنيه إلى عثمان- فسلّموا عليه فصاح بهم واطَّردهم وقال لهم كما قال عليّ لأهل مصر، وكذلك كان ردّ الزُّبير على أهل الكوفة، فرجع كل فريق (منهم) إلى قومهم، وأظهروا للناس أنهم راجعون إلى بلدانهم، وساروا أيامًا راجعين، ثم كرّوا عائدين إلى المدينة، فما كان غير قليل حتى سمع أهل المدينة التكبير، وإذا القوم قد زحفوا على المدينة وأحاطوا بها، وجمهورهم عند دار عثمان بن عفان وقالوا للناس: منْ كفَّ يده فهو آمنٌ، فكفَّ الناسُ ولزموا بيوتَهم، وأقام الناسُ على ذلك أيامًا. هذا كلُّه ولا يدري (الناس) ما القوم صانعون، ولا على ما هم عازمون، وفي كل ذلك أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ يخرج من داره فيصلّي بالناس، فيصلّي وراءه أهلُ المدينة وأولئك الآخرون، وذهب الصحابة إلى هؤلاء يؤنبونهم ويعذلونهم على رجوعهم، حتى قال علي لأهل مصر: ما رَدَّكُم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم؟ فقالوا: وجدنا مع بريد كتابًا بقتلنا - وكذلك قال البصريون لطلحة، والكوفيون للزبير. وقال أهل كل مصر: إنما جئنا (٧) لننصر أصحابنا. فقال لهم الصحابة: كيف علمتم بذلك من أصحابكم، وقد افترقتم وصار بينكم مراحل؟ إنما هذا أمر اتفقتم عليه، فقالوا: ضعوه على ما أردتم، لا حاجة لنا في هذا الرجل، ليعتزلنا ونحن نعتزله -يعنون (أنه) إن نزل عن الخلافة تركوه آمنًا- وكان المصريون فيما ذ كر، لما رجعوا إلى بلادهم (٨) وجدوا في الطريق بريدًا يسير،

стр. 3467

فأخذوه ففتشوه، فإذا معه في إداوة كتابًا (١) على لسان عثمان فيه الأمر بقتل طائفة (منهم)، وبصلب آخرين، وبقطع أيدي آخرين منهم وأرجلهم، وكان على الكتاب طابع بخاتم عثمان، والبريد أحد غلمان عثمان وعلى جَمَله، فلما رجعوا جاؤوا بالكتاب وداروا به على الناس، فكلَّم الناسُ أميرَ المؤمنين في ذلك، فقال بيِّنةٌ عليَّ بذلك وإلا فوالله لا كتبت (٢) ولا أمليت، ولا دريت بشيء من ذلك، والخاتم قد يزوّر على الخاتم، فصدَّقه الصادقون في ذلك، وكذَّبه الكاذبون. ويقال: إن أهل مصر كانوا قد سألوا من عثمان أن يعزل عنهم ابن أبي سَرْح، ويُولِّي محمد بن أبي بكر، فأجابهم إلى ذلك، فلما وجدوا (٣) ذلك البريد ومعه الكتاب بقتل محمد بن أبي بكر [وآخرين معه] فرجعوا (٤) وقد حنقوا عليه حنقًا شديدًا، وطافوا بالكتاب على الناس، فدخل ذلك في أذهان كثير من الناس. وروى ابن جرير (٥) من طريق محمد بن إسحاق، عن عمه عبد الرحمن بن يسار، أن الذي كان معه هذه الرسالة من جهة عثمان إلى مصر أبو الأعور السُّلمي، على جَمَلٍ لعثمان. وذكر ابن جرير (٦) من هذه الطريق أن الصحابة كتبوا إلى الآفاق من المدينة يأمرون الناس بالقدوم على عثمان ليقاتلوه، وهذا كذب على الصحابة، وإنما كُتبت كتبٌ مزورةٌ عليهم، كم كتبوا من جهة علي وطلحة والزبير إلى الخوارج كتبًا مزورة عليهم أنكروها، وهكذا زور هذا الكتاب على عثمان أيضًا، فإنه لم يأمر به ولم يعلم به أيضًا. واستمرّ عثمان يصلّي بالناس في تلك الأيام كلها، وهم أحقر في عينه من التراب، فلمّا كان في بعض الجمعات وقام على المنبر، وفي يده العصا التي كان يعتمد عليها رسول الله ﷺ في خطبته، وكذلك أبو بكر وعمر ﵄ من بعده، فقام إليه رجل من أولئك فسبَّه ونال منه، وأنزله عن المنبر، فطمع الناس فيه من يومئذ، كما قال الواقدي (٧): حدَّثني أسامة بن زيد، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه، قال: بينا أنا أنظر إلى عثمان [يخطب] على عصا النبي ﷺ التي كان يخطب عليها وأبو بكر وعمر، فقال له جهجاه: قم يا نعثل (٨) فانزل عن هذا المنبر، وأخذ العصا فكسرها على ركبته اليمنى فدخلت شظية منها (فيها) فبقي الجرح حتى أصابته الأكَلَة، فرأيتها تدوِّد،

стр. 3468

فنزل عثمان (وحملوه) وأمر بالعصا فشدوها، فكانت مضببة، فما خرج بعد ذلك اليوم إلا خَرْجَة أو خرجتين، حتى حُصِر فقتل. قال ابن جرير: وحدَّثنا أحمد بن إبراهيم، حدَّثنا عبد الله بن إدريس، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع: أنَّ الجهجاه الغِفاري أخذ عصًا كانت في يد عثمان فكسرها على ركبته، فرُمي في ذلك المكان بأكَلَةٍ. وقال الواقدي (١): وحدَّثني ابن أبي الزناد، عن موسى بن عُقْبة، عن أبي حَبيبة قال: خطب عثمان الناسِ في بعض أيامه فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين إنك قد ركبت نهابير (٢) وركبناها معك، فتُبْ نَتُبْ (معك). فاستقبلَ عثمانُ القبلةَ وشهرَ يديه. قال أبو حبيبة: فلم أرَ يومًا أكثر باكيًا ولا باكيةً من يومئذ. ثم لما كان بعد ذلك خطب الناس فقام إليه جهجاه الغفاري فصاح (إليه): يا عثمانُ ألا إن هذه شارف (٣) قد جئنا بها عليها عباءة وجامعة (٤)، فانزل فلندرجك في العباءة ولنَطْرَحكَ في الجامِعَةِ ولنَحْملْكَ على الشَّارِفِ ثم نَطْرحكَ في جبل الدخان. فقال عثمان: قبَّحكَ اللهُ وقبَّح ما جئتَ به، ثمّ نزل عثمان. قال أبو حبيبة: وكان آخر يومٍ رأيتُه فيه. وقال الواقدي: حدَّثني أبو بكر بن إسماعيل، عن أبيه، عن عامر بن سعد. قال: كان أول من اجترأ على عثمان بالنُّطْقِ السيِّء جَبَلة بن عمرو الساعدي؛ مرَّ به عثمان وهو في نادي قومه، وفي يد جبلة جامعة، فلما مرَّ عثمان سلَّم فردَّ القومُ، فقال جبلة: لم تردُّون عليه؟ رجل قال كذا وكذا، ثمّ أقبل على عثمان فقال: والله لأطرحنَّ هذه الجامعة في عنقكَ أو لتتركنَّ بطانتك هذه، فقال عثمان: أيّ بطانة؟ فوالله [إني] لأتخيَّر الناسَ، فقال: مروان تخيرته، ومعاوية تخيرته، وعبد الله بن عامر بن كُرَيْز تخيرته، وعبد الله بن سعد بن أبي سَرْحٍ تخيرته، منهم من نزل القرآن بذمّه، وأباح رسول الله ﷺ دمه، قال فانصرف عثمان فما زال الناس مجترئين عليه إلى هذا اليوم. قال الواقدي: وحدَّثني محمد بن صالح، عن عبيد الله بن رافع بن نقاخة، عن عثمان بن الشَّريد. قال: مرّ عثمان على جبلة بن عمرو الساعديّ وهو بفناء داره، ومعه جامعة، فقال يا نَعْثَلُ! والله لأقتلنَّك ولأحملنَّك على قَلوصٍ جَرْباء، ولأخرجنَّك إلى حرَّةِ النارِ. ثمّ جاءه مرةً أخرى، وعثمانُ على المنبر فأنزله عنه. وذكر سيف بن عمر أن عثمان بعد أن صلَّى بالناس يوم الجمعة صعد المنبر فخطبهم أيضًا فقال في خطبته: يا هؤلاء الغرباء! الله الله، فوالله إن أهل الفدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد ﷺ ،

стр. 3469

فامحوا الخطأ (١) بالصواب، فإنَّ الله لا يمحو السيِّء إلا بالحسن، فقام محمد بن مسلمة فقال: أنا أشهد بذلك، فأخذه حكيم بن جبلة فأقعده، فقام زيد بن ثابت فقال: إنه في الكتاب. فثار إليه من ناحية أخرى محمد بن أبي مريرة (٢) فأقعده وقال: يا نطع، وثار القوم بأجمعهم فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد، وحصبوا عثمان حتى صرع من المنبر مغشيًا عليه، فاحتمل وأدخل داره، وكان المصريون لا يطمعون في أحد من الناس أن يساعدهم إلا محمد بن أبي بكر، ومحمد بن جعفر، وعمار بن ياسر. وأقبل علي وطلحة والزبير إلى عثمان في أناس يعودونه ويشكون إليه بثَّهم وما حلَّ بالناس، ثمّ رجعوا إلى منازلهم، واستقبل جماعة من الصحابة، منهم أبو هريرة، وابن عمر، وزيد بن ثابت في المحاربة عن عثمان، فبعث إليهم يقسم عليهم لما كفوا أيديهم وسكنوا حتى يقضي الله ما يشاء. ذكر (٣) حصر أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ لما وقع ما وقع يومَ الجمعة، وشُجَّ أميرُ المؤمنين عثمانُ، وهو في رأس المنبر، وسقط مغشيًا عليه، واحتملَ إلى داره وتفاقم الأمرُ، وطمع فيه أولئك الأجلافُ الأخلاطُ من الناس، وألجؤوه إلى داره وضيَّقوا عليه، وأحاطوا بها محاصرين له، ولزم كثيرٌ من الصحابة بيوتهم، وسار إليه جماعة من أبناء الصحابة، عن أمر آبائهم، منهم الحسن والحسين، وعبد الله بن الزبير -وكان أمير الدار- وعبد الله بن عمرو، وصاروا يحاجّون عنه، ويناضلون دونه أن يصل إليه أحد منهم، وأسلمه بعض الناس رجاء أن يجيب أولئك إلى واحدة مما سألوا، فإنهم كانوا قد طلبوا منه إما أن يعزل نفسه، أو يسلِّم إليهم مروانَ بن الحكم، ولم يقع في خلد أحد أن القتل كان في نفس الخارجين (٤)، وانقطع عثمان عن المسجد فكان لا يخرج إلا قليلا في أوائل الأمر، ثم انقطع بالكلية في آخره، وكان يصلي (بالناس) في هذه الأيام الغافقي بن حرب. وقد استمر الحصر (٥) أكثر من شهر. وقيل أربعين يومًا. حتى كان آخر ذلك أنْ قُتلَ شهيدًا ﵁، على ما سنبينه إن شاء الله تعالى. والذي ذكره ابن جرير أنَّ الذي كان يصلِّي بالناس في هذه المدة وعثمان محصور، طلحة بن عبيد الله (٦). وروى الواقديّ أن عليًا صلى أيضًا، وصلى أبو أيوب، وصلى بهم سهل بن حُنَيْف، وكان يجمع

стр. 3470

بهم علي، وهو الذي صلّى بهم بعد (١)، وقد خاطب الناس في غبوب ذلك بأشياء، وجرت أمور سنورد منها ما تيسر وبالله المستعان. قال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا بهز، حدَّثنا أبو عوانة، حدَّثنا حصين، عن عمرو بن جاوان قال: قال الأحنف: انطلقنا حجاجًا فمررنا بالمدينة، فبينا نحن في منزلنا إذ جاءنا آتٍ فقال: الناس [من فزع] (في المسجد)، فانطلقتُ أنا وصاحبي، فإذا الناسُ مجتمعون على نفرٍ في المسجد، قال: فتخللتهم حتى قمت عليهم، فإذا علي بن أبي طالب والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص، قال: فلم يكن ذلك بأسرع من أن جاء عثمان يمشي، فقال: ها هنا علي؟ قالوا: نعم! قال: ها هنا الزبير؟ قالوا نعم! قال: ها هنا طلحة؟ قالوا: نعم! قال: ها هنا سعد (بن أبي وقاص)؟ قالوا: نعم! قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "من يبتاع مربد بني فلان غفر الله له" فابتعته فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: إني قد ابتعته، فقال: "اجعله في مسجدنا وأجره لك" قالوا: نعم! قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من يبتاع بئر رومة" فابتعتها بكذا وكذا، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت إني (قد) ابتعتُها -يعني بئر رومة- قال: "اجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك" (٣) قالوا: نعم! قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله ﷺ نظر في وجوه القوم يوم جيش العُسْرة فقال: "من يجهز هؤلاء غفر الله له" فجهزتهم حتى ما يفقدون خطامًا ولا عقالًا؟ قالوا: اللهم نعم! قال (٤): اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثم انصرف. ورواه النسائي (٥) من حديث حصين وعنده: إذ جاء عثمان (٦) وعليه ملاءة صفراء. طريق أخرى قال عبد الله بن أحمد (٧): حدَّثني عبيد الله (٨) بن عمر القواريري، حدَّثني القاسم بن الحكم بن أوس الأنصاري، حدَّثني أبو عبادة الزُّرقي الأنصاري، من أهل المدينة، عن زيد بن أسلم عن أبيه. قال: شهدت عثمان يوم حصر في موضع الجنائز، ولو أُلْقي حجرٌ لم يقع إلا على رأس رجل، فرأيتُ عثمان أشرف من الخوخة التي تلي مقام جبريل، فقال: أيها الناس! أفيكم طلحة؟ فسكتوا، ثم قال: أيها

стр. 3471

الناس: أفيكم طلحة؟ فسكتوا، ثم قال: أيها الناس! أفيكم طلحة (١)؟ فقام طلحة بن عبيد الله، فقال له عثمان: ألا أراك ها هنا؟ ما كنت أرى أنك تكون في جماعة قوم تسمع ندائي إلى آخر ثلاث مرات، ثم لا تجيبني؟ أنشدك الله يا طلحة تذكر يوم كنت أنا وأنت مع رسول الله ﷺ في موضع كذا وكذا، ليس معه أحد من أصحابه غيري وغيرك؟ فقال: نعم! قال: فقال لك رسول الله ﷺ : "يا طلحة إنه ليس من نبي إلا ومعه من أصحابه رفيق من أمته معه في الجنة، وإن عثمان بن عفان هذا (يعنيني) رفيقي معي في الجنة" فقال طلحة: اللهم نعم! ثم انصرف، لم يخرجوه. طريق أخرى قال عبد الله بن أحمد (٢): حدَّثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدَّثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدَّثنا هلال بن حِقٍّ (٣)، عن الجريري، عن ثمامة بن حَزْن (٤) القشيري. قال: شهدت الدار يوم أصيب عثمان، فأطلع عليهم اطلاعة، فقال ادعوا لي صاحبيكم اللذين ألبّاكم عليَّ، فدعيا له؛ فقال: أنشدكما الله أتعلمان (٥) أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة ضاق المسجد بأهله، فقال: مَنْ يشتري هذه البقعة من خالص ماله فيكون فيها كالمسلمين، وله خير منها في الجنة"؟ فاشتريتُها من خالص مالي، فجعلتُها بين المسلمين، وأنتم تمنعوني أن أصلي فيه ركعتين. ثم قال: أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة لم يكن فيها بئر يستعذب منه إلا (بئر) رومة فقال رسول الله ﷺ : "منْ يشتريها من خالص ماله فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين، وله خير منها في الجنة"؟ فاشتريتُها من (خالص) مالي، وأنتم تمنعوني أن أشرب منها. ثم قال: هل تعلمون أني صاحب جيش العُسْرة؟ قالوا: اللهم نعم!. وقد رواه الترمذي (٦): عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي (٧) وعباس الدُّوري وغير واحد. وأخرجه النسائي (٨): عن زياد بن أيوب كلهم عن سعيد بن عامر، عن يحيى بن أبي الحجاج المنقري (٩)، عن أبي مسعود الجُرَيري به، وقال الترمذي: حسن صحيح (١٠).

стр. 3472

طريق أخرى قال الإمام أحمد (١): حدَّثنا عبد الصمد (٢)، حدَّثنا القاسم -يعني ابن الفضل (٣) - حدَّثنا عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، قال: دعا عثمان رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فيهم عمار بن ياسر، فقال: إني سائلكم وإني أحب أن تصدقوني، نشدتكم (٤) الله أتعلمون أن رسول الله ﷺ كان يُؤْثر قريشًا على الناس، ويُؤْثر بني هاشم على سائر قريش؟ فسكت القوم. فقال: لو أن بيدي مفاتيح الجنة لأعطيتها بني أمية حتى يدخلوا من عند آخرهم. فبعث (إلى) طلحة والزبير فقال عثمان: ألا أحدثكما عنه -يعني (عمارًا) - أقبلت مع رسول الله ﷺ . أخذ بيدي نتمشَّى في البطحاء حتى أتى على أبيه وأمه وهم يعذبون، فقال أبو عمار: يا رسول الله، الدهر هكذا؟ فقال له النبي ﷺ : "اصبر" ثم قال: "اللهم اغفر لآل ياسر وقد فعلت". تفرَّد به أحمد ولم يخرجه أحدٌ من أصحاب الكتب. طريق أخرى قال الإمام أحمد (٥): حدَّثنا إسحاق بن سليمان، سمعت مغيرة بن مسلم أبا سلمة (٦) يذكر عن مطرٍ، عن نافع، عن ابن عمر: أن عثمان أشرف على أصحابه وهو محصور، فقال: علام تقتلونني؟ فإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، رجل زنى بعد إحصانه فعليه الرَّجْمُ، أو قتل عمدًا فعليه القود (٧)، أو ارتدَّ بعد إسلامه فعليه القتل". فوالله ما زنيتُ في جاهليةٍ ولا إسلامٍ، ولا قتلتُ أحدًا فأُقيد نفسي (٨) منه، ولا ارتددتُ منذ أسلمتُ، إني أشهدُ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله. رواه النسائي (٩) عن أحمد بن الأزهر، عن إسحاق بن سليمان (به).

стр. 3473

طريق أخرى قال الإمام أحمد (١): حدَّثنا عفان، حدَّثنا حماد بن زيد، حدَّثنا يحيى بن سعيد، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، قال: كنت مع عثمان في الدار، وهو محصورٌ، قال: وكُنَّا ندخل مدخلًا إذا دخلناه سمعنا كلامَ منْ على البلاط، قال: فدخل عثمان يومًا لحاجته فخرج إلينا منتقعًا لونه، فقال، إنهم ليتواعدوني بالقتل آنفًا. قال: فقلنا يكفيكهم الله يا أمير المؤمنين، قال: وبم يقتلونني؟ فإنّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا يحلُّ دمُ امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث، رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسًا بغير نفس" فوالله ما زنيتُ في جاهليةٍ ولا إسلام قطُّ، ولا تمنيتُ بدلًا بديني منذ هداني الله له، ولا قتلتُ نفسًا، فبم يقتلونني؟. وقد رواه أهل السنن الأربعة (٢) من حديث حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، حدَّثني أبو أمامة (٣). زاد النسائي: وعبد الله بن عامر بن ربيعة قالا: كنّا مع عثمان، فذكره. (وقال الترمذي: حسن. وقد رواه حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد فرفعه). طريق أخرى قال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا [أبو قطن]، حدَّثنا يونس -يعني ابن أبي إسحاق- عن أبيه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: أشرف عثمان (من القصر) وهو محصور، فقال: أنشد بالله من شهد رسول الله ﷺ يوم حِراء إذ اهتزَّ الجبل فركله (٥) بقدمه ثم قال: "اسكن حراءُ، ليس عليكَ إلا نبيٌّ أو صديقٌ أو شهيدٌ" وأنا معه، فانتشد له رجال. ثم قال: أنشد بالله من شهد رسول الله ﷺ [يوم] بيعة الرضوان إذ بعثني إلى المشركين إلى أهل مكة فقال: "هذه يدي وهذه يد عثمان" (٦). فبايع لي؟ فانتشد له رجالٌ. ثم أنشد بالله من شهدَ رسولَ الله ﷺ قال: "من يوسِّع (٧) لنا بهذا البيت في المسجد ببيت (٨) له

стр. 3474

في الجنة" فابتعتُه من مالي فوسعتُ به المسجد. فانتشد له رجالٌ. ثم قال: وأنشد (١) بالله من شهد رسول الله ﷺ يوم جيش العُسْرَة قال: "من ينفق اليوم نفقة متقبَّلة"؟ فجهزتُ نصفَ الجيش من مالي، فانتشد له رجال. (ثم) قال: وأنشد الله من شهد رومة يباع ماؤها ابنَ السبيل، فابتعتها من مالي فأبحتُها ابن السبيل قال: فانتشد له رجال. ورواه النسائي (٢) عن عمران بن بكار، عن خطاب بن عثمان، عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن جده أبي إسحاق السبيعي به. وقد ذكر ابنُ جرير (٣) أن عثمان ﵁ لمّا رأى ما فعل هؤلاء الخوارج من أهل الأمصار، من محاصرته في داره، ومنعه الخروج إلى المسجد، كتب إلى معاوية بالشام وإلى ابن عامر بالبصرة وإلى أهل الكوفة، يستنجدهم في بعث جيش يطردون هؤلاء من المدينة، فبعث معاويةُ مسلمةَ بن حبيب، وانتدب يزيد بن أسد القشيري في جيش، وبعث أهل الكوفة جيشًا، وأهل البصرة جيشًا، فلما سمع أولئك بخروج الجيوش إليهم صمَّمُوا في الحصار، فما اقترب الجيوش إلى المدينة حتى جاءهم قتلُ عثمان ﵁ كما سنذكره. وذكر ابن جرير (٤) أن عثمان استدعى الأشتر النخعي ووضعت لعثمان وسادة في كُوَّة من داره، فأشرف على الناس، فقال له عثمان: يا أشتر ماذا يريدون (٥)؟ فقال: إنهم يريدون منك إما أن تعزل (نفسك) عن الإمرة، وإما أن تُقيدَ من نفسك منْ قد ضربتَه؛ أو جلدتَه، أو حبستَه، وإما أن يقتلوك. وفي رواية أنهم طلبوا منه أن يعزل نوابَه عن الأمصار ويولّي عليها منْ يريدون هم، وإن لم يعزل نفسه أن يسلم لهم (٦) مروان بن الحكم فيعاقبوه كما زوّر على عثمان كتابه إلى مصر، فخشي عثمان إن سلمه إليهم أن يقتلوه، فيكون سببًا في قتل امرئ مسلم، وما فعل من الأمر ما يستحقّ بسببه القتل، واعتذر عن الاقتصاص مما قالوا بأنه رجل ضعيف البدن كبير السن. وأما ما سألوه من خلعه (٧) نفسه فأنه لا يفعل [ذلك] ولا ينزع قميصًا قمصه الله إياه، ويترك أمة محمد يعدو بعضها على بعض (ويولي السفهاء من الناس من يختاروه هم فيقع الهرج ويفسد الأمر بسبب ذلك، ووقع الأمر كما ظنه فسدت الأمة ووقع الهرج)، وقال لهم فيما قال. وأي شيء إليَّ من الأمر إنْ كنتُ كلمّا كرهتم أميرًا عزلتُه، وكلما رضيتُم

стр. 3475

عنه ولَّيته؟ وقال لهم فيما قال: واللهِ لئن قتلتموني لا تتحابُّوا بعدي، ولا تصلّوا جميعًا أبدًا، ولا تقاتلوا بعدي عدوًا جميعًا أبدًا، وقد صدق ﵁ فيما قال. وقال الإمام أحمد (١): حدَّثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدَّثنا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن عبد الله بن أبي قيس، حدَّثني النعمان بن بشير قال: كتب معي معاوية إلى عائشة كتابًا فدفعت إليها كتابه، فحدثتني أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول لعثمان: "إن الله لعله يقمّصك قميصًا، فإن أرادك أحدٌ على خلعه فلا تخلعه" ثلاث مرات، قال النعمان: فقلت يا أمَّ المؤمنين! فأين كنت عن هذا الحديث؟ فقالت: يا بني والله أُنسيتُه. وقد رواه الترمذي (٢) من حديث اللَّيث، عن معاوية بن صالح (٣)، عن ربيعة بن يزيد، عن عبد الله بن عامر (٤)، عن النعمان، عن عائشة به. ثم قال: هذا حديث حسن غريب. ورواه ابن ماجه (٥) من حديث الفرج بن فضالة عن ربيعة بن يزيد، عن النعمان، فأسقط عبد الله (٦) ابن عامر. [قال الإمام أحمد (٧): حدّثنا يحيى، عن إسماعيل (٨)، حدَّثنا قيس، عن أبي سهلة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "ادعوا لي بعض أصحابي" قلت: أبو بكر؟ قال: "لا" قلت: عمر؟ قال: "لا" قلت: ابن عمك عليّ؟ قال: "لا" قالت: قلت: عثمان؟ قال: "نعم" فلما جاء قال: "تَنَحّيْ" فجعل يسارُّه، ولون عثمان يتغيَّر، فلما كان يوم الدار وحُصِرَ فيها، قلنا: يا أمير المؤمنين ألا تقاتل؟ قال: لا! إن رسول الله ﷺ عهد إليَّ عهدًا وإني (٩) صابر نفسي عليه. تفرد به أحمد. وقال الإمام أحمد (١٠): حدَّثنا علي بن عياش، حدَّثنا الوليد بن مسلم، أخبرنا الأوزاعي، عن

стр. 3476

محمد بن عبد الملك بن مروان أنَّه حدَّثه، عن المغيرة بن شعبة أنه دخل على عثمان وهو محصور فقال: إنَّك إمام العامَّة، وقد نزل بك ما ترى، وإنّي أعرضُ عليك خصالًا ثلاثًا، اختر إحداهن: إمَّا أن تخرج فتقاتلهم، فإن معك عددًا وقوة، وأنت على الحق، وهم على الباطل، وإمَّا أن نخرق لك بابًا سوى الباب الذي هم عليه فتقعد على رواحلك فتلحق بمكة، فإنَّهم لن يستحلوك وأنت بها، وإمّا أن تلحق بالشام، فإنَّهم أهل الشام، وفيهم معاوية. فقال ﵁: أما أن أخرج فأقاتل فلن أكون أولَ من خَلَفَ رسول الله ﷺ في أمته بسفك الدماء؛ وأما أن أخرج إلى مكة وإنهم لن يستحلوني بها، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يُلْحدُ رَجُلٌ من قُرَيشٍ بمكَّةَ يكون عليه نصفُ عذابِ العالم" ولن أكون أنا [إيَّاه]؛ وأما أن ألحق بالشام فإنَّهم أهل الشام وفيهم معاوية؛ فلن أفارق دار هجرتي ومجاورة رسول الله ﷺ . وقال أحمد (١): حدَّثنا إسماعيل بن أبان الوراق، حدَّثنا يعقوب، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبْزَى، عن عثمان قال: قال له [عبد الله بن] الزبير حين حُصِرَ: إن عندي رواحل قد أعددتها لك فهل لك أن تَحوَّلَ إلى مكة فيأتيك من أراد أن يأتيك. قال: لا، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يُلْحدُ بمكة كَبْشٌ من قريش اسمه عبد الله عليه مثل [نصف] أوزار الناس". تفرَّد به، وهذا غريب جدًا وإسناد رجاله ثقات إلا يعقوب فإنه القمي -فيما يغلب على الظن- وهو شيعي فلعل الآفة منه] (٢). وقال محمد بن عائذ الدمشقي. حدَّثنا الوليد بن مسلم، حدَّثنا عبد الله بن لهيعة، عن يزيد بن عمرو أنه سمع أبا ثور الفَهْمي (٣) يقول: قدمت على عثمان، فبينا أنا عنده فخرجتُ، فإذا بوفد أهل مصر قد رجعوا، فدخلتُ على عثمان فأعلمته، قال: فكيف (٤) رأيتهم؟ فقلت: رأيت في وجوههم الشر، وعليهم ابن عُدَيْس البَلَوي، فصعِد ابن عُدَيْس منبر رسول الله ﷺ فصلّى بهم الجمعة، وتنقَّص عثمان في خطبته، فدخلتُ على عثمان، فأخبرته بما قال فيهم، فقال: كذب والله ابن عُدَيْس، ولولا ما ذكر ما ذكرت (٥)، إني رابع أربعة في الإسلام، ولقد أنكحني رسول الله ﷺ ابنته ثمَّ توفيت، فأنكحني ابنته الأخرى، ولا زنيت ولا سَرقت في جاهلية ولا إسلام، ولا تعنَّيت ولا تمنّيت منذ أسلمت، ولا مسست فرجي بيميني منذ بايعت بها رسول الله ﷺ ولقد جمعت القرآن على عهد رسول الله ﷺ ولا أتت عليّ جمعة إلا وأنا أعتق فيها رقبة منذ أسلمت، إلا أن لا أجدها في تلك الجمعة فأجمعها في الجمعة الثانية. ورواه يعقوب بن سفيان، عن عبد الله بن أبي بكر عن ابن لهيعة، قال: لقد اختبأت عند ربي عشرًا، فذكرهن (٦).

стр. 3477

فصل كان الحصار مستمرًا من أواخر ذي القعدة إلى يوم الجمعة الثامن عشر من ذي الحجة، فلما كان قبل ذلك بيوم، قال عثمان للذين عنده في الدار من المهاجرين والأنصار - وكانوا قريبًا من سبعمئة، فيهم عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير (١) والحسن والحسين ومروان وأبو هريرة وخلق من مواليه، ولو تركهم لمنعوه فقال لهم: أقسم على من لي عليه حق أن يكفّ يده وأن ينطلق إلى منزله، وعده من أعيان الصحابة وأبنائهم جمٌّ (غفير) وقال لرفيقه: من أغمد سيفه فهو حرٌّ. فبرد القتالُ من داخلٍ، وحمي من خارجٍ، واشتدَّ الأمرُ، وكان سببُ ذلك أن عثمان رأى في المنام رؤيا دلّت على اقتراب أجله فاستسلم لأمر الله رجاء موعوده، وشوقًا إلى رسول الله ﷺ وليكن كخير ابني آدم حيث قال حين أراد أخوه قتله (٢): ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٩] وروي أنّ آخرَ من خرجَ من عند عثمان من الدار، بعد أن عزم عليهم في الخروج، الحسنُ بن عليّ وقد خرج، وكان أمير الحرب على أهل الدار عبد الله بن الزبير ﵃. وروى موسى بن عقبة عن سالم أو نافع أن ابن (عمر) لم يلبس سلاحه بعد رسول الله ﷺ إلا يوم (الدار) ويوم نجدة الحروري. قال أبو جعفر الرازي (٣)، عن أيوب السّختياني، عن نافع، عن ابن عمر: أن عثمان ﵁ أصبح يحدّث الناس، قال: رأيت النبيَّ في المنام فقال: "يا عثمانُ أفطر عندنا" فأصبح صائمًا وقُتل من يومه. وقال سيف بن عمر، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعُم، عن رجل قال: دخل عليه كثير بن الصلت فقال: يا أمير المؤمنين أخرجْ فاجلسْ بالفِناء فيرى (الناس) وجهَكَ فإنَّك إن فعلت ارتدعوا. فضحك وقال: يا كثير رأيت البارحة وكأنّي دخلتُ على نبي الله ﷺ وعنده أبو بكر وعمر، فقال: "ارجع فإنَّك مُفْطرٌ عندي غدًا" ثم قال عثمان: ولن تغيب (الشمس) والله غدًا أو كذا وكذا إلا وأنا من أهل الآخرة قال: فوضع سعدٌ وأبو هريرة السلاحَ وأقبلا حتى دخلا على عثمان (٤). وقال موسى بن عقبة: حدَّثني أبو علقمة -مولى لعبد الرحمن بن عوف- حدَّثني ابن الصَّلت قال: أغفى عثمانُ بن عفان في اليوم الذي قُتل فيه فاستيقظَ فقال: لولا أن يقول الناس تمنّى عثمان أمنيةً

стр. 3478

لحدَّثتكم. قال: قلنا أصلحك الله، حدِّثنا فلسنا نقول ما يقول الناس، فقال: إنّي رأيتُ رسولَ الله ﷺ في منامي هذا، "فقال: إنكَ شاهدٌ معنا الجمعةَ". وقال ابن أبي الدنيا (١): حدَّثنا أبو عبد الرحمن القرشي: حدَّثنا خلف بن تميم، حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر البَجَلي، حدَّثنا عبد الملك بن عُمَيْر، حدَّثني كثير بن الصَّلْت قال: دخلت على عثمان وهو محصورٌ، فقال لي: يا كثير ما أراني إلا مقتولًا يومي هذا. قال: قلتُ ينصركَ الله على عدوكَ يا أمير المؤمنين، قال: ثم أعاد عليَّ فقلتُ وقّت لك في هذا اليوم (شيء)؟ أو قيل لك شيء؟ قال: لا! ولكنّي سهرتُ في ليلتي هذه الماضية، فلما كان عند (٢) السحر أغفيتُ إغفاءةً فرأيت فيما يرى النائم رسولَ الله ﷺ ، وأبا بكر وعمر، ورسول الله ﷺ يقول لي: يا عثمان الحقنا لا تحبسنا، فإنا ننتظرك" قال: فقتل من يومه ذلك. وقال ابن أبي الدنيا (٣): حدَّثنا إسحاق بن إسماعيل، حدَّثنا يزيد بن هارون، عن فرج بن فَضَالة، عن مروان بن أبي أمية، عن عبد الله بن سَلَام. قال (٤): أتيت عثمان لأُسلِّم عليه وهو محصورٌ، فدخلتُ عليه فقال: مرحبًا بأخي (٥)، رأيتُ رسولَ الله ﷺ الليلةَ في هذه الخَوْخَة -قال: وخوخة في البيت- فقال: "يا عثمان حصروك؟ " قلتُ: نعم! قال: "عطَّشوك؟ " قلت: نعم! فأدلى دلوًا فيه ماءٌ فشربت حتى رويت حتى إني لأجد برده بين ثَدْيَىَّ و (بين) كتفي، وقال لي: "إن شئت نُصِرْتَ (٦) عليهم، وإن شئت أفطرت عندنا" فاخترتُ أن أفطر عنده؛ فقُتل ذلك اليوم. وقال محمد بن سعد (٧): أخبرنا عفان بن مسلم، حدَّثنا وُهَيْب، حدَّثنا داود، عن زياد بن عبد الله، عن أم هلال بنت وكيع، عن امرأة عثمان -قال: وأحسبها بنت الفرافصة- قالت: أغفى عثمان فلمّا استيقظ قال: إن القومَ يقتلونني، قلت: كلا يا أمير المؤمنين. قال: إني رأيت رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر، فقالوا: أفطرْ عندنا الليلةَ، أو إنّك مفطرٌ عندنا الليلة. وقال الهيثم بن كليب: حدَّثنا عيسى بن أحمد العَسْقَلاني، حدَّثنا شَبابة، حدَّثنا يحيى بن أبي راشد

стр. 3479

مولى عمرو بن حُرَيْث، عن محمد بن عبد الرحمن الجرشي، وعقبة بن أسيد (١)، عن النعمان بن بشير، عن نائلة بنت الفرافصة الكلبية -امرأة عثمان- قالت: لما حُصِرَ عثمانُ ظَلَّ اليوم الذي كان فيه قتله (٢) صائمًا، فلما كان عند إفطاره سألهم الماءَ العذبَ فأبَوْا عليه، وقالوا: دونَكَ ذلك الرُّكِيَّ (٣). ورُكِيٌّ في الدّار الذي يُلْقى فيه النتنُ - قالت: فلم يُفْطِرْ فأتيت جارات لنا على أجاجير (٤) متواصلة -وذلك في السحر- فسألتهم الماءَ العذب، فأعطوني كوزًا من ماءٍ، فأتيته فقلت: هذا ماء عذب أتيتك به، قالت: فنظر فإذا الفجر قد طلع فقال: إني أصبحت صائمًا، قالت: فقلتُ: ومن أين أكلت؟ ولم أر أحدًا أتاك بطعام ولا شراب؟ فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ اطلع عليّ من هذا السقف ومعه دلو من ماءٍ فقال: "اشربْ يا عثمانُ" فشربتُ حتى رويتُ، ثم قال: "ازدد" فشربتُ حتى نهلت (٥)، ثم قال: "أما إنَّ القوم سينكرون (٦) عليك، فإن قاتلتهم ظفرت، وإن تركتهم أفطرت عندنا" قالت: فدخلوا عليه من يومه فقتلوه. وقال أبو يعلى الموصلي وعبد الله بن الإمام أحمد (٧): حدَّثني عثمان بن أبي شيبة، حدَّثنا يونس بن أبي يَعْفُور (٨) العَبْدي، عن أبيه، عن مسلم أبي (٩) سعيد مولى عثمان بن عفان (١٠): أن عثمان أعتق عشرين مملوكًا ودعا بسراويل فشدّها ولم يلبسها في جاهلية ولا إسلام، وقال: إني رأيت رسول الله ﷺ في المنام، وأبا بكر وعمر، وإنّهم قالوا لي: اصبر فإنك تفطر عندنا القابلة، ثُمّ دعا بمصحف فنشره بين يديه فقتل وهو بين يديه. قلت: إنما لبس السراويلَ ﵁ في هذا اليوم لئلا تبدو عورتُه إذا قُتل فإنّه كانَ شديدَ الحياء، كانت تستحيي منه ملائكة (١١) السماء، كما نطق بذلك النبي ﷺ ، ووضع بين يديه المصحفَ يتلو فيه،

стр. 3480

واستسلم لقضاء اللّه ، وكفَّ (١) يده عن القتال، وأمر الناس وعزم عليهم أن لا يقاتلوا دونه، ولولا عزيمته عليهم لنصروه من أعدائه، ولكن كان أمرُ اللّه قدرًا مقدورًا. وقال هشام بن عروة، عن أبيه: إن عثمان ﵁ أوصى إلى الزبير. وقال الأصمعي: عن العلاء بن الفضل، عن أبيه. قال (٢): لما قتل عثمان فتَّشوا خزانته فوجدوا فيها صندوقًا مقفلًا ففتحوه فوجدوا فيه حُقَّةً فيها ورقةٌ مكتوب فيها: هذه وصيةُ عثمان. بسم اللّه الرحمن الرحيم، عثمانُ بن عفّان يشهدُ أن لا إله إلا اللّه وحدَه لا شريكَ له، وأنّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وأن الجنةَ حقٌّ، وأن النارَ حقٌّ، وأن الله يبعثُ مَنْ في القبور، ليوم لا ريبَ فيه، إن اللّه لا يُخلفُ الميعاد، عليها يحيا (٣) وعليها يموت، وعليها يبعث إن شاء اللّه تعالى. وروى ابن عساكر (٤) أن عثمان ﵁ قال يوم دخلوا عليه فقتلوه: [من الطويل] أرى المَوْتَ لا يُبقي عَزيزًا ولم يَدَعْ. . . لعادٍ ملاذًا في البلادِ ومرتقى (٥) وقال أيضًا: [من الطويل] يُبَيِّتُ (٦) أهل الحصنِ والحصنُ مغلقٌ. . . ويأتي الجبالَ الموتُ في شماريخها العلا (٧) صفة قتله ﵁ - وقال خليفة بن خياط (٨): حدَّثنا ابن عُلَيَّة، حدَّثنا ابن عون، عن الحسن قال: أنبأني وثّابٌ. قال: بعثني عثمان فدعوت له الأشترَ فقال: ما يريد الناس؟ قال: ثلاث ليس من إحداهن بدٌّ، قال: ما هن؟ قال: يخيّرونك بينَ أن تخلعَ لهم أمرهم، فتقول: هذا أمركم فاختاروا منْ شئتم، وبين أن تقتصَّ (٩) من نفسك، فإن أبَيْتَ فإنَّ القومَ قاتِلوكَ. فقال: أما أن أخلعَ لهم أمرهم فما كنتُ لأخلعَ سِرْبالًا

стр. 3481

سَرْبَلَنيه اللّهُ، وأما أن أقتصَّ لهم من نفسي فواللّه لقد علمت أن صاحبيّ بين يدي وقد كانا يعاقبان وما يقوم بدني بالقصاص، وأما أن تقتلوني (١) فواللّه لئن قتلتموني لا تَحابُّون بعدي، ولا تُصلّون بعدي جميعًا، ولا تقاتلون بعدي جميعًا عدوًا أبدا (٢). قال: وجاء رويجل كأنه ذئب، فاطَّلع من باب ورجع، وجاء محمد بن أبي بكر في ثلاثة عشر رجلًا، فأخذ بلحيته فقال بها حتَّى سمعتُ وقعَ أضراسه، فقال: ما أغنى عنكَ معاوية، وما أغنى عنك ابنُ عامر، وما أغنت عنك كتبك، قال: أرْسلْ لحيتي يا بن أخي، قال: فأنا رأيته استعدى رجلًا من القوم بعينه -يعني أشار إليه- فقام إليه بمِشْقَص (٣) فوجأ به رأسه. قلت: ثم مَه (٤)؟ قال: ثم تعاوروا (٥) عليه حتى قتلوه. قال سيف بن عمر التميمي ﵀: عن الغُصْن (٦) بن القاسم، عن رجل، عن خنساء مولاة أسامة بن زيد -وكانت تكون مع نائلة بنت الفرافصة امرأة عثمان-: أنها كانت في الدّار [يومئذ] (٧) ودخل محمد بن أبي بكر فأخذ بلحيته وأهوى بمشاقص معه فوجأ بها في حلقه، فقال: مهلًا يا بن أخي، فواللّهِ لقد أخذتَ مأخذًا ما كان أبوكَ ليأخذَ به، فتركه وانصرف مُستحييًا نادمًا، فاستقبله القوم على باب الصفة فردّهم طويلًا حتى غلبوه، فدخلوا وخرجَ محمدُ راجعًا، فأتاه رجلٌ بيده جريدة يقدمهم حتَّى قام على عثمان فضرب بها رأسه فشجَّه، فقطر دمُه على المصحف حتى لطخه، ثم تعاوروا (٨) عليه فأتاه رجل فضربه على الثدي بالسيف [فسقط] ووثبت نائلة بنت الفرافصة (الكلبية فصاحت) وألقت نفسَها عليه، وقالت: يا بنتَ شيبة أيقتل أميرُ المؤمنين؟ وأخذتِ السيفَ، فقطعَ الرجل يدها، وانتهبوا متاع الدار (٩) ومرّ رجل على عثمان ورأسه مع المصحف فضرب رأسه برجله ونحاه عن المصحف وقال: ما رأيتُ كاليوم وجهَ كافرٍ أحسنَ ولا مضجعَ كافرٍ أكرم (١٠). قال: فلا واللّه ما تركوا في داره شيئًا حتى الأقداح إلا ذهبوا به (١١).

стр. 3482

وروى (الحافظ) ابنُ عساكر (١): أن عثمان لما عزم على أهل الدار في الانصراف ولم يبق عنده سوى أهله تسوّروا عليه الدار وأحرقوا الباب ودخلوا عليه، وليس فيهم أحدٌ من الصحابة ولا أبنائهم إلا محمد بن أبىِ بكر، وسبقه بعضهم، فضربوه حتى غشي عليه، وصاح النسوة فانذعروا وخرجوا، ودخل محمد بن أبي بكر، وهو يظن أنّه قد قُتل، فلما رآه قد أفاق قال: على أي دين (٢) أنت يا نعثل؟ قال: على دين الإسلام، ولست بنعثل ولكني أمير المؤمنين، فقال: غَيَّرتَ كتابَ الله، فقال: كتاب الله بيني وبينكم، فتقدّم إليه وأخذ بلحيته وقال: إنا لا يقبل منا يوم القيامة أن نقول: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧] وشحطه بيده من البيت إلى باب الدار، وهو يقول: يا بن أخي ما كان أبوك ليأخذ بلحيتي. وجاء رجلٌ من كِندة من أهل مصر، يُلقب حمارًا، ويكنى بأبي رومان. وقال قتادة: اسمه رومان، وقال غيره: كان أزرقَ أشقرَ، وقيل: كان اسمه سُودان بن رومان المرادي. وعن ابن عمر قال: كان اسم الذي قتل عثمان أسود بن حُمران ضربه بحربة وبيده السيف صلتًا قال: ثم جاء فضربه به في صدره حتى أقعصه (٣)، ثم وضع ذُباب السيف في بطنه واتكى عليه وتحامل حتى قتله، وقامت نائلة دونه فقطع السيف أصابعها ﵂، ويروى أن محمد بن أبي بكر طعنه بمشاقص في أذنه حتى دخلت في حلقه. والصحيح أن الذي فعل ذلك غيره، وأنه استحيا ورجع حين قال له عثمان: لقد أخذت بلحيةٍ كان أبوك يكرمها. فتذمم (٤) من ذلك وغطَّى وجهه ورجع وحاجز دونه فلم يفد، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا، وكان ذلك في الكتاب مسطورًا. وروى ابن عساكر (٥)، عن ابن عون: أن كنانة بن بشر ضرب جبينَه ومقدَّم رأسه بعمودِ حديدٍ فخر لجنبه، وضربه سُودان بن حُمران المرادي بعدما خر لجنبه فقتله، وأما عمرو بن الحمق فوثب على عثمان فجلس على صدره، وبه رمق، فطعنه تسع طعنات، وقال: أما ثلاث منهن فلله، وست لما كان في صدري عليه. وقال الطبرانى (٦): حدَّثنا أحمد بن محمد بن صدقة البغدادي، وإسحاق بن داود الصواف التُّسْتَري قالا: حدَّثنا محمد بن خالد بن خِداش، حدَّثنا سلم (٧) بن قتيبة حدَّثنا مبارك عن الحسن. قال: حدَّثني سياف عثمان:

стр. 3483

أن رجلًا من الأنصار دخل على عثمان فقال: ارجع يا بن أخي فلست بقاتلي، قال: وكيف علمت ذلك (١)؟ قال: لأنه أتى بك النبيُّ ﷺ يومَ سابِعك فَحنَّكَكَ ودعا لك بالبركة، ثم دخل عليه رجل (آخر) من الأنصار فقال له مثل ذلك سواء. ثم دخل محمد بن أبي بكر فقال: أنت قاتلي. قال: وما يدريك يا نَعْثَلُ؟ قال: لأنّه أُتي بك رسولُ اللّه ﷺ يومَ سابِعَك ليُحَنِّككَ ويدعو لك بالبركة، فخريتَ. . .، قال: فوثب على صدره وقبض على لحيته، ووجأه بمشاقص كانت في يده. هذا حديث غريب جدًا وفيه نكارة. (وثبت) من غير وجه أنَّ أولَ قطرةٍ من دمه سقطت على قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧] ويروى أنه كان قد وصل إليها في التلاوة أيضًا حين دخلوا عليه، وليس ببعيد، فإنه كان قد وضع المصحف يقرأ فيه القرآن. وروى ابن عساكر (٢) أنَّه لما طُعن قال: بسم اللّه توكَلْتُ على الله، فلما قطر (٣) الدم قال: سبحان اللّه العظيم. وقد ذكر ابن جرير في "تاريخه" (٤) بأسانيده أن المصريين لما وجدوا ذلك الكتاب مع البريد إلى أمير مصر، فيه الأمر بقتل بعضهم، وصلب بعضهم، وبقطع أيدي بعضهم وأرجلهم، وكان قد كتبه مروان بن الحكم على لسان عثمان، متأولًا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٢، ٣٣] وعنده أن هؤلاء الذين خرجوا على أمير المؤمنين عثمان ﵁ من جملة المُفْسدين في الأرض، ولا شكَّ أنَّهم كذلك، ولكن لم يكن له أن يفتئت على عثمان ويكتب على لسانه بغير علمه، ويزوّر على خطّه وخاتمه، ويبعث غلامه على بعيره، بعدما وقعَ الصلحُ بين عثمان وبين المصريين، على تأمير محمد بن أبي بكر على مصر، بخلاف ذلك كله، ولهذا لمّا وجدوا هذا الكتاب على خلاف ما وقع الاتفاق عليه، وظنّوا أنه من عثمان، أعظموا ذلك، مع ما هم مشتملون عليه من الشر فرجعوا إلى المدينة فطافوا به على رؤوس الصحابة، وأعانهم على ذلك قومٌ آخرون، حتى ظنَّ بعضُ الصحابة أن هذا عن أمر عثمان ﵁، فلما قيل لعثمان ﵁ في أمر هذا الكتاب بحضرة جماعة من أعيان الصحابة وجمهور المصريين، حلفَ باللّهِ العظيم، وهو الصادقُ البارُّ الراشدُ، أنَّه لم يكتبْ هذا الكتاب ولا أملاه على منْ كتبه، ولا علم به، فقالوا له: فإن عليه خاتمك. فقال: إن الرجل قد يزور على خطه (وخاتمه) قالوا: فإنه مع غلامك

стр. 3484

وعلى جملك. فقال: واللّهِ لم أشعرْ بشيءٍ من ذلك. فقالوا له -بعد كلِّ مقالة- إن كنتَ قد كتبتَه فقد خنتَ، وإن لم تكن قد كتبته بل كُتبَ على لسانك وأنتَ لا تعلم فقد عجزتَ، ومثلُكَ لا يصلُحُ للخلافةِ، إما لخيانتك، وإما لعجزك، وهذا الذي قالوا باطلٌ على كلّ تقدير فإنه لو فرض أنه كتب الكتاب، وهو لم يكتبه في نفس الأمر، لا يضرّه ذلك لأنه قد يكون رأى ذلك مصلحة للأمة في إزالة شوكة هؤلاء البغاة الخارجين على الإمام، وأما إذا لم يكن قد علم به فأي عجزٍ ينسب إليه إذا لم يكن قد اطَّلع عليه وزُوّر على لسانه؟ وليس هو بمعصوم بل الخطأ (١) والغفلةُ جائزان عليه ﵁. وإنما هؤلاء الجهلةُ البغاةُ مُتَعنتون خَونةٌ، ظَلَمةٌ مُفْترون، ولهذا صمَّموا بعد هذا على حصره والتضييق عليه، حتى منعوه الميرة والماء والخروج إلى المسجد، وتهددوه بالقتل، ولهذا خاطبهم بما خاطبهم به من توسعة المسجد وهو أول من منع منه، ومن وقفه بئر رومة على المسلمين وهو أول من منع ماءها، ومن أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أنه لا إله إلا اللّه إلا بإحدى ثلاث، النفس بالنفس، والثيب (الزاني)، والتارك لدينه المفارق للجماعة" وذكر أنه لم يقتل نفسًا، ولا ارتدَّ بعد إيمانه، ولا زنى في جاهلية ولا إسلام، بل ولا مسَّ فرجَه بيمينه بعد أن بايع بها رسول اللّه ﷺ ، وفي رواية بعد أن كتب بها المُفصَّل. ثمَّ ذكر لهم من فضائله ومناقبه ما لعله ينجع فيهم بالكف عنه والرجوع إلى الطاعة للّه (٢) ولرسوله ولأولي الأمر منهم، فَأبَوْا إلا الاستمرارَ على ما هم عليه من البغي والعدوان، ومنعوا الناس من الدخول إليه والخروج من عنده، حتى اشتدَّ عليه الحالُ، وضاق المجالُ، ونفد ما عنده من الماء، فاستغاث بالمسلمين في ذلك، فركب علي بنفسه وحمل معه قُرَبًا من الماء، فبالجهد حتى أوصلها إليه بعدما ناله من جهلة أولئك كلام غليظ، وتنفير لدابته، وإخراق عظيم بليغ، وكان قد زجرهم أتم الزجر، حتى قال (٣) لهم فيما قال: واللّه إن فارسَ والرومَ لا يفعلون كفعلكم هذا لهذا (٤) الرجل، واللّه إنهم ليأسرون فيطعمون ويسقون، فأبوا أن يقبلوا منه حتى رمى بعمامته في وسط الدار. وجاءت أم حبيبة راكبة بغلة وحولها حشمها وخدمها فقالوا: ما جاء بك؟ فقالت: إن عنده وصايا (٥) بني أمية، لأيتامٍ وأرامل، فأحببتُ أن أذَكِّره بها، فكذّبوها في ذلك ونالها منهم شدة عظيمة، وقطعوا حزام البغلة (وندّت بها) وكادت أو سقطت عنها، وكادت تُقتل لولا تلاحق بها الناس فأمسكوا بدابتها، ووقع أمر كبير (٦) جدًا، ولم يبق يحصل لعثمان وأهله من الماء إلا ما يوصله إليهم آل عمرو بن حزم في الخفية ليلًا، فإنا للّه وإنا إليه راجعون.

стр. 3485

ولمّا وقعَ هذا أعظمه الناس جدًا، ولزم أكثر الناس بيوتَهم، وجاء وقت الحج فخرجت أم المؤمنين عائشة في هذه السنة إلى الحج، فقيل لها: إنك لو أقمت كان أصلح، لعل هؤلاء القوم يهابونك، فقالت: إني (أخشى أن) أشيرَ عليهم برأي فينالني منهم من الأذية ما نال أم حبيبة، فعزمت على الخروج (١). واستخلف عثمان ﵁ في هذه (السنة) على الحج عبد اللّه بن عباس، فقال له عبد اللّه بن عباس: إن مقامي على بابك أحاجف (٢) عنك أفضلُ من الحج. فعزم عليه، فخرج بالناس إلى الحج، واستمرّ الحصارُ بالدّار حتى مضت أيامُ التَّشْريق ورجع البشير من الحجّ، فأخبر بسلامة الناس، وأخبر أولئك بأن أهلَ الموسم عازمون على الرجوع إلى المدينة ليكفوكم عن أمير المؤمنين. وبلغهم أيضًا أن معاوية قد بعث جيشًا مع حبيب بن مسلمة، وأن عبد اللّه بن سعد بن أبي سَرْح قد نفذ آخر مع معاوية بن خديج، وأن أهل الكوفة قد بعثوا القعقاعَ بن عمرو (في جيش)، وأنَّ أهلَ البصرة بعثوا مجاشعًا (في جيش)، فعند ذلك صمَّموا على أمرهم وبالغوا فيه، وانتهزوا الفرصة بقلَّة الناس وغيبتهم في الحجّ، وأحاطوا بالدار، وجدّوا في الحصار، وأحرقوا الباب، وتسوروا من الدار المتاخمة للدار، كدار (٣) عمرو بن حزم وغيرها، وحاجفَ الناس عن عثمان أشدَّ المحاجفة، واقتتلوا على الباب قتالًا شديدًا، وتبارزوا وتراجزوا بالشعر في مبارزتهم، وجعل أبو هريرة (يقول): هذا يوم طاب في الضراب فيه. وقُتل طائفة من أهل الدار وآخرون من أولئك الفجار، وجُرح عبد اللّه بن الزبير جراحات كثيرة، وكذلك جرح الحسن بن علي ومروانُ بن الحكم فقطع إحدى علباويه (٤) فعاش أو قص (٥) حتى مات. (ومن أعيان من قتل من أصحاب عثمان، زياد بن نعيم الفهري)، والمغيرة بن الأخنس بن شريق، ونيار بن عبد اللّه الأسلمي، في أناس وقت المعركة، ويقال إنه انهزم أصحابُ عثمان ثم رجعوا (٦). ولما رأى عثمان ذلك عزم على الناس لينصرفوا إلى بيوتهم، فانصرفوا كما تقدم، فلم يبق عنده أحد سوى أهله، فدخلوا عليه من الباب، ومن الجدران، وفزع عثمان إلى الصلاة وافتتح سورة طه، وكان سريع القراءة -فقرأها والناس في غلبة عظيمة، قد احترق الباب والسقيفة (التي) عنده، وخافوا أن يصل (٧) الحريق إلى بيت المال، ثمَّ فرغ عثمان من صلاته وجلس وبين يديه المصحف، وجعل يتلو هذه الآية: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] فكان أول من

стр. 3486

دخل عليه رجل يقال له الموت الأسود فخنقه خنقًا شديدًا حتى غشي عليه، وجعلت نفسه تتردد في حلقه، فتركه وهو يظن أنه قد قتله، ودخل (١) ابن أبي بكر فمسك بلحيته ثم ندم (٢) وخرج، ثمّ دخل عليه ومعه سيف فضربه به فاتقاه بيده فقطعها، فقيل: إنه أبانها: وقيل: بل قطعها ولم يبنها، إلا أن عثمان قال: واللّه إنها لأول (٣) يد كتبت المُفَصَّلَ، فكان أول قطرة دم منها سقطت على هذه الآية ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧]، ثم جاء آخر شاهرًا سيفه فاستقبلته نائلةُ بنت الفرافصة لتمنعَه منه، وأخذت السيف فانتزعه منها فقطع أصابعها. ثمّ إنّه تقدّم إليه فوضع السيف في بطنه فتحامل عليه [حتى قتله]، رضي الله عن عثمان. وفي رواية أن الغافقيَّ بن حرب تقدم إليه بعد محمد بن أبي بكر فضربه بحديدة في يده (٤)، ورفس المصحف الذي بين يديه برجله فاستدار المصحف ثم استقر بين يدي عثمان ﵁. وسالت عليه الدماء، ثم تقدم سُودان بن حُمران بالسيف فمانعته نائلة فقطع أصابعها فولت فضرب عجيزتها بيده وقال: إنها لكبيرة العجيزة. وضرب عثمان فقتله (غضب اللّه ولعنته على قاتله)، (فجاء كلام عثمان فضرب سودان فقتله)، فضرب الغلام رجل يقال له قترة (٥) فقتله. وذكر (٦) ابن جرير (٧) أنهم أرادوا حزَّ رأسه بعد قتله، فصاح النساء (٨) وضربن وجوههن، فيهن امرأتاه نائلة وأم البنين (٩)، وبناته، فقال ابن عديس: اتركوه، فتركوه. ثم مال هؤلاء الفَجَرَةُ على ما في البيت (١٠) فنهبوه، وذلك أنه نادى مناد منهم (١١): أيحل لنا دمُه ولا يحلّ لنا ماله، فانتهبوه ثم خرجوا فأغلقوا (١٢) الباب على عثمان وقتيلين معه، فلما خرجوا إلى صحن الدار وثب غلام لعثمان على قترة فقتله، وجعلوا لا يمرّون على شيء إلا أخذوه حتى استلب رجل يقال له كلثوم التجيبي، ملاءةَ نائلة، فضربه غلام لعثمان فقتله، وقُتل الغلامُ أيضًا، ثمَّ تنادى القوم: أن أدركوا بيت المال لا تستبقوا إليه، فسمعهم حفظة بيت المال (فقالوا: يا قوم النجاء النجاء، فإن هؤلاء القوم لم يصدقوا فيما قالوا من أن قصدهم قيام الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك مما ادعوا أنهم إنما قاموا لأجله

стр. 3487

وكذبوا إنما قصدهم الدنيا، فانهزموا وجاء الخوارج فأخذوا مال بيت المال) وكان فيه شيء كثير جدًا (١). وقد ذكر الحافظ ابن عساكر (٢) في ترجمة سهم بن خنبش أبو خنبش أو [أبو] خنيس (٣) الأزدي -وكان قد شهد الدار- ورواه محمد بن عائذ عن إسماعيل بن عياش عن محمد بن يزيد الرحبي عنه، وكان قد استدعاه عمر بن عبد العزيز إلى دير سمعان فسأله عن مقتل عثمان فذكر ما ملخصه: أنَّ وفدَ الأشقياء -وهم وفد مصر- كانوا قدموا على عثمان ﵁ فأجازهم وأرضاهم فانصرفوا راجعين ثمَّ كروا إلى المدينة فوافوا عثمان قد خرج لصلاة الغداة أو الظهر فحصبوه بالحصباء والنعال والخفاف فانصرف إلى الدار ومعه أبو هريرة والزبير وابنه عبد الله وطلحة ومروان والمغيرة بن الأخنس في أناس، وأطاف وفد مصر بداره، فاستشار الناس فقال عبد الله بن الزبير: يا أمير المؤمنين؛ إني أشير بإحدى ثلاث خصال، إما أن نُحرمَ بعمرة فتحرم عليهم دماؤنا، وإما أن نركبَ معك إلى مأمننا بالشام، وإما أن نخرج فنضرب بالسيف حتى يحكم الله بيننا فإنا على الحق وهم على الباطل. فقال عثمان: أما ما ذكرت من الإحرام بعمرة ليحرموا دماءنا فإنهم يرونا حلالًا الآن وحال الإحرام وبعد الإحرام، وأما الذهاب إلى الشام، فإني أستحيي [أن آتي أهل الشام هاربًا] (٤) من بلدي خائفًا ليؤمنني أهل الشام، وأما القتال فإني أرجو أن ألقى الله وليس يهراق بسببي محجمة (٥) دم. قال: ثم صلينا معه صلاةَ الصبح ذات يوم فلما فرغ أقبل على الناس فقال: إني رأيتُ أبا بكرٍ وعمرَ الليلةَ فقالا: صم يا عثمان إنك تفطر عندنا، وأنا أشهدكم أني قد أصبحت صائمًا، وإني أعزم على منْ كان يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يخرج من الدار سالمًا مسلومًا منه. فقلنا: يا أمير المؤمنين إن خرجنا لم نأمنهم علينا، فأذن لنا أن نكون في بيت من الدار يكون لنا فيه جماعةٌ ومنعةٌ، فأذن لهم وأمر بباب الدار ففتح ودعا بالمصحف فأكبَّ عليه وعنده امرأتاه بنت الفرافصة الكلبية وبنت شيبة؛ فكان أول من دخل عليه محمد بن أبي بكر فأخذ بلحيته فقال: دَعْها يا بن أخي، فوالله لقد كان أبوك ليتلطف بها بأدنى من هذا؛ فاستحيا فخرج فقال: قد أشعرته لكم. وأخذ عثمان ما أُسْقِطَ (٦) من لحيته فأعطاه إحدى امرأتيه، ثم دخل رومان بن سودان رجل أزرق قصير مخدد (٧) عدادُه من مرادٍ، ومعه جرز (٨) من حديد فاستقبله فقال

стр. 3488

على أي ملة يا نَعْثَلُ. فقال: لست بنعثل ولكني عثمان بن عفان، وأنا على ملة إبراهيم حنيفًا مسلمًا وما كنت من المشركين. فقال: كذبت فضربه بالجرز على صدغه الأيسر فقتله فخر. وأدخلته بنت الفرافصة بينها وبين ثيابها -وكانت امرأةً جسيمةً ضليعةً (١) - وألقت بنت شيبة نفسَها على ما بقي من جسده ودخل رجل من [أهل] (٢) مصر بالسيف مصلتًا فقال: واللّه لأقطعن أنفه فعالج المرأة عنه فغلبته، فكشف عنها درعها من خلفها حتى نظر إلى متنها؛ فلما لم يصل إليه أدخل السيف بين درعها ومنكبها فقبضت على السيف فقطع أناملها. فقالت: يا رباح -لغلام لعثمان أسود- يا غلام اغن عني (٣) هذا الرجل، فمشى إليه الغلام فقتله وخرج أهل البيت فقاتلوا عن أنفسهم فقُتل المغيرةُ بن الأخنس وجُرح مروان. قال: فلما أمسينا قلنا: إن تركتم صاحبكم حتى يصبح مَثَّلوا به، فاحتملناه إلى بقيع الغَرْقَد في جوف الليل، وغشينا سواد من خلفنا حتى هبناهم، وكدنا أن نتفرق عنه، فنادى منادٍ منهم ألَّا رَوْعَ عليكم، اثبتوا وإنما جئنا لنشهده معكم، فكان أبو خنيس يقول: هم ملائكة اللّه؛ فدفناه ثم هربنا إلى الشام من ليلتنا [فلقينا أهل الشام] (٤) بوادي القرى عليهم حبيب بن مسلمة (٥) قد أتوا في نُصرة عثمان، فأخبرناهم بقتله ودفنه. فصل ولما وقع هذا الأمر العظيم، الفظيع الشنيع، أسقط في أيدي الناس، فأعظموه (٦) جدًا، وندم أكثرُ هؤلاء الجهلة الخوارج بما (٧) صنعوا، وأشبهوا من تقدمهم ممن قصّ اللّه علينا خبرهم في كتابه العزيز، من الذين عبدوا العجل. في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٩]. ولما بلغ الزبيرَ مقتلُ عثمان -وكان قد خرج من المدينة- قال: إنا للّه وإنا إليه راجعون، ثم ترحَّم على عثمان، وبلغه أن الذين قتلوه ندموا فقال: تبًّا لهم، ثم تلا قوله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٤٩، ٥٠] وبلغ عليًا قتلهُ فترحَّم عليه. وسمع بندم الذين قتلوه فتلا قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر: ١٦] ولما بلغَ سعدَ بن أبي وقاصٍ قتلُ عثمان استغفر له

стр. 3489

وترحّم عليه، وتلا في حق الذين قتلوه: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣، ١٠٤] ثم قال سعد: اللهم أنْدِمْهم ثمّ خُذْهم. وقد أقسم بعض السلف باللّه إنه ما مات أحد من قتله (١) عثمان إلا مقتولًا. رواه ابن جرير (٢). وهكذا ينبغي أن يكون لوجوهٍ: (منها) دعوةُ سعد المستجابة كما ثبت في (الحديث) الصحيح. وقال بعضهم: ما مات أحد منهم حتى جن. وقال الواقدي: حدَّثني عبد الرحمن بن أبي الزّناد، عن عبد الرحمن بن الحارث قال: الذي قتل عثمان كنانة بن بشر بن عتّاب (٣) التجيبي، وكانت امرأة منظور بن سيار الفزاري تقول: خرجنا إلى الحج وما علمنا لعثمان بقتل، حتى إذا كنا بالمَرْج سمعنا رجلًا يُغني تحت الليل (٤): [من الطويل] ألا إنَّ خيرَ النّاس بعد ثلاثةٍ … قتيلُ التُّجَيْبي الذي جاء من مِصْر ولما رجع الحج وجدوا عثمان ﵁ قد قُتل، وبايع الناسُ عليَّ بن أبي طالب ﵁. ولما بلغ أمهات المؤمنين في أثناء الطريق أنَّ عثمان قد قُتل، رجعن إلى مكة فأقمن بها نحوًا من أربعة أشهر كما سيأتي. فصل كانت مدة حصار (٥) عثمان ﵁ في داره أربعين يومًا على المشهور، وقيل كانت بضعةً وأربعين يومًا. وقال الشعبي: كانت ثنتين وعشرين ليلةً. ثم كان قتله ﵁ في يوم الجمعة بلا خلاف. قال سيف بن عمر عن مشايخه: في آخر ساعة منها، ونص عليه مصعب (٦) بن الزبير وآخرون. وقال آخرون ضحوة (نهارها)، وهذا أشبه، وكان ذلك لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة على المشهور، وقيل في أيام التشريق، رواه ابن جرير (٧): حدَّثني أحمد بن زهير، حدَّثنا أبو خيثمة، حدَّثنا وهب بن جرير، سمعت يونس بن يزيد، عن الزُّهري. قال: قُتل عثمان، فزعم بعضُ الناس أنه قُتل في أيام التشريق [ورواه عبد اللّه بن أحمد بن عبيد اللِّه بن معاذ، عن معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن

стр. 3490

أبي عثمان قال: قتل عثمان في أوسط أيام التشريق]، وقال بعضهم قتل يوم الجمعة لثلاث خلت من ذي الحجة. وقيل قتل يوم النحر، حكاه ابن عساكر ويستشهد له بقول الشاعر: ضَحّوا بأشمط عنوان السجودِ بهِ … يقطّعُ الليلَ تسبيحًا وقرآنًا قال: والأول هو الأشهر، وقيل (١) إنه قتل يوم الجمعة لثماني عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين على الصحيح المشهور، وقيل سنة ست وثلاثين، قال مصعب بن الزبير (٢) وطائفة: وهو غريب. فكانت خلافته ثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يومًا، لأنه بويع له في مستهلّ المحرم سنة أربع وعشرين. فأما (٣) عُمره ﵁ فإنه جاوز ثنتين وثمانين سنة، وقال صالح بن كيسان: توفي عن اثنتين وثمانين سنة وأشهر، وقيل: أربع وثمانون سنه (٤)، وقال أحمد (٥) عن حسن بن موسى (حدثنا أبو هلال (٦) عن قتادة: توفي عن ثمانٍ وثمانين أو تسعين سنة. وفي رواية عنه توفي عن ثنتين (٧) وثمانين سنة. وعن هشام بن الكلبي [أنه] توفي عن خمس وسبعين سنة، وهذا غريب جدًا، وأغرب منه ما رواه (سيف) بن عمر عن مشايخه، وهم محمد وطلحة وأبو عثمان وأبو حارثة أنهم قالوا: قتل عثمان ﵁ عن ثلاث وستين سنة (٨). وأما موضع قبره فلا خلاف أنه (دفن) بحشّ كوكب -شرقي البقيع- وقد بني عليه في زمن (٩) بني أمية قبة عظيمة وهي باقية إلى اليوم. قال الإمام مالك ﵁: بلغني أن عثمان ﵁ كان يمرّ بمكان قبره من حشّ كوكب فيقول: إنه سيدفن هاهنا رجل صالح. وقد ذكر ابن جرير (١٠) أن عثمان ﵁ بقي بعد أن قتل ثلاثة أيام لا يدفن. قلت: وكأنه اشتغل الناس عنه بمبايعة علي ﵁ حتى تَمَّتْ، وقيل إنه مكث ليلتين، وقيل بل دفن من ليلته، ثم كان دفنه [في، ما بين المغرب والعشاء خيفة (١١) من الخوارج، وقيل: بل استؤذن

стр. 3491

في ذلك بعض رؤسائهم، فخرجوا به في نفر قليل من الصحابة، فيهم (١) حكيم بن حزام، وحُوَيْطب بن عبد العُزّى، وأبو الجهم بن حذيفة، ونيار (٢) بن مكرم الأسلمي، وجُبَيْر بن مُطْعم، وزيد بن ثابت، وكعب بن مالك، وطلحة والزبير، وعلي بن أبي طالب وجماعة من أصحابه ونسائه، منهن امرأتاه نائلة وأم البنين بنت عتبة بن حصين، وصبيان. - وهذا مجموع من كلام الواقدي وسيف بن عمر التميمي [وقال أحمد (٣): حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: صلى الزبير على عثمان ودفنه وكان أوصى إليه]. وروى عبد اللّه (٤) من طريق إبراهيم بن عبد اللّه بن فروخ (عن أبيه قال:) (٥): شهدت عثمان دفن في ثيابه بدمائه ولم يغسل] [وقيل: إن] جماعة من خدمه حملوه على باب بعدما غسَّلوه وكفَّنوه. وزعم بعضهم أنه لم يغسل ولم يكفن، والصحيح الأول. وصلى عليه جُبَيْر بن مطعم، وقيل الزبير بن العوام، وقيل حكيم بن حزام، وقيل مروان بن الحكم، وقيل المسور بن مَخْرَمة، وقد عارضه بعض الخوارج وأرادوا رجمه، وإلقاءه عن سريره، وعزموا على أن يدفن بمقبرة اليهود بدير سلع، حتى بعث علي ﵁ إليهم من نهاهم عن ذلك. وحمل جنازته حكيم بن حزام، (وقيل مروان بن الحكم، وقيل المسور بن مخرمة)، وأبو جهم بن حذيفة ونيار بن مكرم، وجبير بن مطعم. وذكر الواقدي (٦) أنه لما وضع ليُصَلَّى عليه -عند مصلَّى الجنائز- أراد بعض الأنصار أن يمنعهم من ذلك، فقال أبو جهم بن حذيفة: ادفنوه فقد صلَّى الله عليه وملائكته ثم قالوا: لا يدفن في البقيع، ولكن ادفنوه وراء الحائط، فدفنوه شرقي البقيع تحت نخلات هناك. وذكر الواقدي (٧) أن عمير بن ضابئ نزا على سريره وهو موضوع للصلاة عليه فكسر ضلعًا من أضلاعه وقال: أحبست ضابئًا حتى مات في السجن. وقد قتل الحجاج فيما بعد عمير بن ضابئ هذا وقال البخاري في "التاريخ (٨): حدَّثنا موسى بن إسماعيل، عن عيسى بن منهال، حدَّثنا غالب، عن محمد بن سيرين قال: كنتُ أطوفُ بالكعبة وإذا رجلٌ يقول: اللهم اغفر لي، وما أظن أن تغفر لي،

стр. 3492

فقلت: يا عبد اللّه ما سمعت أحدًا يقول ما تقول، قال: كنتُ أعطيتُ للّه عهدًا إن قدرتُ أن ألطم وجهَ عثمان إلا لطمته، فلما قُتل ووضع على سريره في البيت والناس يجيئون فيصلون عليه، فدخلتُ كأنّي أصلّي عليه، فوجدت خلوة فرفعتُ الثوب عن وجهه ولحيته ولطمته وقد يبست يميني. قال ابن سيرين: فرأيتها يابسة كأنها عود. ثم خرجوا (١) بعَبْدَي عثمان اللذين قتلا في الدار، وهما صبيح ونجيح، ﵄، فدفنا إلى جانبه بحشّ كَوْكَب، وقيل إن الخوارج لم يمكنوا من دفنهما، بل جرُّوهما بأرجلهما حتى ألقوهما بالبلاط فأكلتهما (٢) الكلاب، وقد اعتنى معاوية في أيام إمارته بقبر عثمان، ورفع الجدار بينه وبين البقيع، وأمر الناس أن يدفنوا موتاهم حوله (حتى اتصلت بمقابر المسلمين). ذكر صفته ﵁ كان ﵁ حسنَ الوجه دقيقَ البشرة، كبيرَ (٣) اللحية، معتدلَ القامة، عظيم الكراديس، بعيد ما بين المنكبين، كثيرَ شعر الرأس، حسنَ الثغر، فيه سمرة (٤)، وقيل كان في وجهه شيء من آثار الجدري، ﵁. وعن الزهري: كان حسنَ الوجه والثغر، مربوعًا، أصلع، أزوح (٥) الرجلين (يخضب بالصفرة، وكان قد شد أسنانه بالذهب وقد كسى ذراعيه الشعر). وقال الإمام أحمد (٦): حدَّثنا عبد الصمد، حدَّثنا سالم أبو جُمَيع، حدَّثنا الحسن -وذكر عثمان وشدة حيائه- فقال: إن كان ليكون بالبيت والباب عليه مغلق فما يضع عنه الثوب ليفيض عليه الماء، يمنعه الحياء أن يقيم صلبه. وقال عبد الله (٧): حدَّثنا زياد بن أيوب، حدَّثنا هُشَيْم، قال: زعم أبو المقدام، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: دخلت المسجد فإذا بعثمان بن عفان متوكئ على ردائه؛ فأتاه سقاءان يختصمان فقضى بينهما ثم أتيته فنظرت إليه؛ فإذا رجل حسن الوجه، بوجنتيه نكتات جدريّ، وإذا شعره قد كسا ذراعيه. وقال واقد بن عبد اللّه (٨): حدَّثني من رأى عثمان بن عفان أنه ضبب أسنانه بالذهب.

стр. 3493

وقال الواقدي (١): حدَّثنا ابن أبي سبرة، عن سعيد بن أبي زيد، عن الزهريّ، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة قال: كان لعثمان عند خازنه يوم قتل، ثلاثون ألف ألف درهم وخمسمئة ألف درهم، [وخمسون] ومئة ألف دينار، فانْتُهبتْ وذهبت، وترك ألف بعير بالرَّبَذَة، وترك صدقات كان تصدق بها، بئر أريس، وخيبر، ووادي القرى، فيه مئتا ألف دينار. (وبئر رومة كان اشتراها في حياة النبي ﷺ وسبَّلها). وقال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا أبو المغيرة، حدَّثنا أرطاة بن المنذر، حدَّثنا أبو عون الأنصاري: أن عثمان قال لابن مسعود: هل أنت مُنتهٍ عما بلغني عنك؛ فاعتذر بعض العذر؛ فقال عثمان: إني قد سمعت وحفظت وليس كما سمعت، سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: إنه سيقتل أمير، وينتزي منتز (٣) وإني أنا المقتول وليس عمر، إن عمر قتله واحد، وإنه سيجتمع عليَّ. وقال أحمد (٤): حدَّثنا وكيع، عن إسماعيل، عن قيس قال: حدَّثني أبو سهلة أن عثمان قال يوم الدار: إن رسول الله ﷺ عهد لي عهدًا فأنا صابر عليه. قال قيس: فكانوا يرونه ذلك اليوم. ورواه الترمذي (٥) من حديث وكيع ويحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد به. وفي مسند أبي يعلى من طريق أبي سهلة قال: قال لي رسول اللّه ﷺ : ستبتلى بعدي فلا تقاتل. فصل قال الأعمش عن زيد بن وهب، عن حذيفة أنه قال: أول الفتن قتل عثمان، وآخر الفتن الدجال. وروى (الحافظ) ابن عساكر (٦) من طريق شبابة، عن حفص بن مورِّق الباهلي، عن حَجّاج بن أبي عثمان (٧) الصوَّاف عن زيد بن وهب عن حذيفة. قال: أول الفتن قتل عثمان، وآخر الفتن خروج الدجال، والذي نفسي بيده لا يموت رجل وفي قلبه مثقال حبة من حُبِّ قتل عثمان إلا تبع الدجال إن أدركه، وإن لم يدركه آمن به في قبره. وقال أبو بكر بن أبي الدنيا وغيره: (أخبرنا محمد بن سعد)، أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي، حدَّثنا أبو الأشهب، حدَّثني عوف، عن محمد بن سيرين أن حذيفة بن اليمان قال:

стр. 3494

اللهمَّ إن كان قتل عثمان بن عفان خيرًا، فليس لي فيه نصيب؛ وإن كان قتله شرًا فأنا منه بريء، واللّه لئن كان قتله خيرًا ليحلبنه لبنًا، وإن كان قتله شرًا ليمتصن (١) به دمًا. وقد ذكره البخاري في "صحيحه" (٢). طريق أخرى عنه قال محمد بن عائذ: ذكر يحيى (٣) بن حمزة، حدَّثني أبو عبد الله النَّجْراني (٤)، أن حذيفة بن اليمان في مرضه الذي هلك فيه، كان عنده رجلٌ من إخوانه، وهو يناجي امرأته، ففتح عينيه فسألهما فقالا خيرًا، فقال: شيئًا تسرانه دوني ما هو بخير، قال: قتل الرجلُ -يعني عثمانَ- قال: فاسترجع ثم قال: اللهم إني كنت من هذا الأمر بمعزلٍ، فإن كان خيرًا فهو لمن حضره، وأنا منه بريء، وإن كان شرًا فهو لمنْ حضره وأنا منه بريء، اليوم تغيرت القلوب يا عثمان، الحمد للّه الذي سبق بي الفتن قادتها وعلوجها، الحَظيُّ من تردّى بعيره فشبع شحمًا وقلَّ عمله. وقال الحسن بن عرفة: حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عُلَية، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي موسى الأشعري، قال: لو كان قتل عثمان هُدًى لاحتلبت به الأُمَّةُ لبنًا، ولكنّه كان ضلالًا فاحتلبت به الأُمَّةُ دمًا. وهذا منقطع. وقال محمد بن سعد (٥): أخبرنا عارم (٦) بن الفضل، أخبرنا الصَّعق بن حَزْن، حدَّثنا قتادة، عن زَهْدم الجَرْمي. قال: خطب ابن عبّاس فقال: لو لم يطلب الناس بدم عثمان لرموا بالحجارة من السماء. وقد رُوي من غير هذا الوجه عنه. وقال الأعمش وغيره عن ثابت بن عبيد بن أبي جعفر (٧) الأنصاري. قال: لما قُتل عثمان جئت عليًا وهو جالس في المسجد، وعليه عمامةٌ سوداءُ، فقلت له: قُتل عثمان، فقال: تبًا لهم آخر الدهر (٨) - وفي رواية: خيبة لهم-.

стр. 3495

وقال أبو القاسم البغوي: أنبأنا علي بن الجعد، أخبرنا شريك، عن عبد الله بن عيسى، عن ابن أبي ليلى. قال: سمعت عليًا وهو بباب المسجد، أو عند أحجار الزَّيت، رافعًا صوته يقول: اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان. وقال أبو هلال: عن قتادة، عن الحسن. قال: قُتل عثمان وعليٌّ غائب في أرض له، فلما بلغه قال: اللهم إني لم أرض ولم أمالئ (١). وروى الربغ بن بدر، عن سيّار بن سلامة عن أبي العالية: أن عليًا دخل على عثمان فوقع عليه وجعل يبكي حتى ظنّوا أنه سيلحق به. وقال الثوري وغيره عن ليث، عن طاووس، عن ابن عباس قال: قال علي يوم قتل عثمان: والله ما قتلت ولا أمرتُ ولكني غُلبت. ورواه غير ليث، عن طاووس، عن ابن عباس، عن علي نحوه (٢). وقال حبيب بن أبي العالية، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال علي: إن شاء الناس حلفت لهم عند مقام إبراهيم باللّه ما قتلتُ عثمان ولا أمرت بقتله، ولقد نهيتهم فعصوني، وقد رُوي من غير وجه عن علي بنحوه. وقال محمد بن يونس الكُدَيْمي (٣): حدَّثنا هارون بن إسماعيل، حدَّثنا قرَّة بن خالد، عن الحسن، عن قيس بن عباد. قال: سمعت عليًا يوم الجمل يقول: (اللهم) إني أبرأ إليك من دم عثمان، ولقد طاش عقلي يوم قُتل عثمان، وأنكرت نفسي، وجاؤوني للبيعة فقلت: واللّه إني لأستحيي من اللّه أن أبايع قومًا قتلوا رجلًا قال فيه رسول اللّه ﷺ : "إني لأستحيي ممن تستحي منه الملائكة" وإني لأستحيي من الله أن أُبايع وعثمان قتيل (في) الأرض لم يُدْفَن بعد، فانصرفوا، فلما دُفن رجع الناس يسألوني (٤) البيعة فقلت: اللهم إني أشفق (٥) مما أقدم عليه، ثم جاءت عزمة فبايعت. فلما قالوا: أمير المؤمنين كان صدع قلبي وأسكت نفرة من ذلك. وقد اعتنى الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر (٦) بجمع الطرق الواردة عن علي أنه تبرأ من دم

стр. 3496

عثمان، وكان يقسم على ذلك في خطبه وغيرها أنه لم يقتله ولا أمر بقتله لا مالأ ولا رضي به، ولقد نهى عنه فلم يسمعوا منه. ثبت ذلك عنه من طرق تفيد القطع عند كثير من أئمة الحديث وللّه الحمد والمنة. وثبت عنه أيضًا من غير وجه أنه قال: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] وثبت عنه (١) أيضًا من غير وجه أنه قال: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣] وفي رواية أنه قال: كان عثمان ﵁ خيرنا وأوصلنا للرحم، وأشدنا حياء، وأحسننا طهورًا، وأتقانا للرب . وروى يعقوب بن سفيان (٢)، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن مجالد، عن عمير بن زوذي (٣) أبي كثير. قال: خطب علي فقطع الخوارج عليه خطبته فنزل فقال: إنَّ مَثَلي ومَثَل عثمان كمثل أثوارٍ ثلاثةٍ، أحمر وأبيض وأسود، ومعهم في أجَمةٍ أسدٌ، فكان كلما أراد قتلَ أحدهم منعَه الآخران، فقال للأسود والأحمر: إنّ هذا الأبيضَ قد فضحنا في هذه الأجمة فخلِّيا عنه حتى آكله، (فخلَّيا عنه فأكله)، ثم كان كُلَّما أرادَ أحدَهما منعَه الآخرُ فقال للأحمر: إن هذا الأسود قد فضحنا (في هذه الأجَمة)، وإنَّ لوني على لونك، فلو خَلَّيْتَ عنه أكلته، فَخَلَّى عنه الأحمر فأكله، ثم قال للأحمر (٤): إنّي آكلُكَ، فقال: دَعْنيِ حتى أصيحَ ثلاثَ صيحاتٍ، فقال دونك، فقال: ألا إني إنما أُكلتُ يومَ أُكلَ الأبيض (٥) ثلاثًا (فلو أنّي نصَرْتُه لما أكِلْتُ) ثم قال علي: وإنما أنت وهنت يوم قُتِلَ عثمان، (ولو أني نصرته لما وهنت) قالها ثلاثًا. وروى ابنُ عساكر (٦) من طريق محمد بن هارون الحَضْرمي، عن سَوّار بن عبد الله العَنْبَري (٧) القاضي، عن (ابن) مهدي، عن حمّاد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المُسَيّب. قال: وكانت (٨) المرأةُ تجيءُ في زمان عثمان إلى بيتِ المال فتحملُ وَقرَها وتقول: اللهم بدِّلْ، اللهم غَيِّر. فقال حسان بن ثابت حين قتل عثمان ﵁ (٩): [من الرمل]

стр. 3497

قُلْتُمُ بَدِّلْ فبُدّلتمْ به (١) … سَنةً حَرَّى وحَرْبًا كاللَّهبْ ما نقَمْتُمْ من ثيابٍ خِلْفَةٍ … وعَبيدٍ وإماءٍ وذَهَبْ قال: وقال أبو حميد أخو بني ساعدة -وكان ممن شهد بدرًا، وكان ممن جانب عثمان- فلما قتل قال: واللّه ما أردنا قَتْلَه، ولا كُنّا نرى أن يبلغ منه القتلُ، اللَّهُمّ إنَّ لكَ عليّ أن لا أفعل كذا وكذا (٢) ولا أضحك حتى ألقاك. وقال محمد بن سعد (٣): أخبرنا عبد اللّه بن إدريس، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيْل. قال: لقد رأيتُني وإنَّ عمرَ مُوثقي وأختَه على الإسلام، ولو ارْفضَّ أحَدٌ فيما صنعتم بابن عفّان لكان حقيقًا. وهكذا رواه البخاري في "صحيحه" (٤). وروى محمد بن عائذ (٥)، عن إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جُبَيْر. قال: سمع عبد اللّه بن سلام رجلًا يقول لآخر: قتل عثمان بن عفان فلم ينتطح فيه عنزان. فقال ابن سلام أجل! إن البقر والمعز لا تنتطح في قتل الخليفة، ولكن ينتطح فيه الرجال بالسلاح، واللّه ليُقْتلنَّ به أقوامٌ إنهم لفي أصلابِ آبائهم ما ولدوا بعدُ. وقال ليث (٦): عن طاووس. قال: قال ابن سلام: يحكَّم عثمان يوم القيامة في القاتل والخاذل. وقال أبو عبد اللّه المحاملي: حدَّثنا أبو الأشعث، حدَّثنا حزم بن أبي حزمٍ، سمعت أبا الأسود يقول: سمعت أبا بكرة يقول (٧): لأن أخرَّ من السماء إلى الأرض أحبُّ إليَّ من أن أشْرَكَ في قتل عثمان. وقال أبو يعلى (٨): حدَّثنا إبراهيم بن محمد بن عَرْعَرة، حدَّثنا محمد بن عباد الهنائي، حدَّثنا البراء بن أبي فضالة، حدَّثنا الحضرمي، عن أبي مريم رضيع الجارود. قال: كنت بالكوفة فقام الحسن بن علي خطيبًا فقال: أيها الناس! رأيتُ البارحةَ في منامي عجبًا، رأيتُ

стр. 3498

الربَّ ﵎ فوقَ عرشه فجاء رسول الله ﷺ حتى قام عند قائمةٍ من قوائم العرش، فجاء أبو بكر فوضع يده على منكب النبي ﷺ ثم جاء عمر فوضع يده على منكب أبي بكر، ثم جاء عثمان فكان بيده (١) - يعني رأسه- فقال: ربِّ سلْ عبادَكَ فيم قتلوني؟ فانبعثَ من السماء ميزابان من دمٍ في الأرض. قال: فقيل لعلي ألا ترى ما يحدِّثُ به الحسن؟! فقال: حدَّثَ بما رأى. ورواه أبو يعلى (٢) أيضًا: عن سفيان بن وكيع، عن جُميع بن عُمَير (٣) بن عبد الرحمن: عن مجالد، عن طُحْرُب (٤) العِجْلي: سمعت الحسن بن علي يقول: ما كنت لأقاتل بعد رؤيا رأيتها، رأيت العرش ورأيت رسول اللّه ﷺ متعلقًا بالعرش، ورأيت أبا بكر واضعًا يده على (منكب رسول الله، وكان عمر واضعًا يده على منكب أبي بكر، ورأيت عثمان واضعًا يده على) منكب عمر، ورأيت دمًا دونهم، فقلت: ما هذا؟ فقيل: دم عثمان يطلب الله به. وقال مسلم بن إبراهيم: حدَّثنا سلام بن مسكين، عن وهب بن شبيب، عن زيد بن صوحان أنه قال: يوم قتل عثمان نفرت القلوب منافرها، والذي نفسي بيده لا تتألف إلى يوم القيامة. وقال محمد بن سيرين (٥): قالت عائشة: مُصتموه مَوْصَ (٦) الإناء ثم قتلتموه؟ وقال خليفة بن خياط (٧): حدَّثنا أبو قتيبة، حدَّثنا يونس بن أبي إسحاق، عن عون بن عبد اللّه بن عتبة. قال: قالت عائشة: غضبت لكم من السوط ولا أغضب لعثمان من السيف؟! استَعْتبتُموه حتى إذا تركتموه كالقُلْب (٨) المُصَفَّى قتلتموه. وقال أبو معاوية (٩): عن الأعمش، عن خَيْثمة، عن مسروق، قال: قالت عائشة ﵂ حين قتل عثمان: تركتموه كالثوب النقيِّ من الدَّنسِ ثمَّ قتلتموه. وفي رواية: ثم قربتموه فذبحتموه كما يُذْبحَ الكَبْشُ؟ فقال لها مسروقٌ: هذا عملكِ، أنتِ كتبتِ إلى الناس تأمرينهم أن يخرجوا إليه، فقالتْ:

стр. 3499

لا والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون، ما كتبتُ لهم سوداءَ في بيضاءَ حتى جلست مجلسي هذا. قال الأعمش: فكانوا يرون أنه كتب على لسانها. وهذا إسنادٌ صحيحٌ إليها. وفي هذا وأمثاله دلالة ظاهرة على أن هؤلاء الخوارج قبحهم اللّه، زوَّروا كتبًا على لسان الصحابة إلى الآفاق يحرضونهم على قتال عثمان، كما قدمنا بيانه وللّه الحمد والمنة. وقال أبو داود الطيالسي (١): حدَّثنا حزم القُطَعي، حدَّثنا أبو الأسود [والد] سوادة (٢) أخبرني طلق بن خشاف (٣) قال: قال قتل عثمان فتفرَّقنا في أصحاب محمد ﷺ نسألهم عن قتله، فسمعت عائشة تقول: قُتل مظلومًا لعن اللّه قَتَلَتَهُ. وروى محمد بن عبد اللّه الأنصاري (٤): عن أبيه، عن ثُمامة، عن أنس. قال: قالت أم سليم لما سمعت بقتل عثمان ﵀، أما إنه لم يحلبوا بعده إلَّا دمًا. وأما كلام أئمة التابعين في هذا الفصل فكثير جدًا يطول ذكرنا له، فمن ذلك قول أبي مسلم الخولاني حين رأى الوفد الذين قدموا من قتله (٥): إنكم مثلهم أو أعظم جرمًا، أما مررتم ببلاد ثمود قالوا: نعم! قال: فأشهد أنكم مثلهم، لخليفة اللّه أكرم عليه من ناقته. وقال ابن علية: عن يونس بن عبيد، عن الحسن. قال (٦): لو كان قتلُ عثمان هدى لاحتلبتْ به الأمةُ لبنًا، ولكنه كان ضلالًا فاحتلبت به الأمة دمًا. وقال أبو جعفر الباقر (٧): كان قتل عثمان [بن عفان] على غير وجه الحق. وهذا ذكر بعض ما رُثي به ﵁ قال مجالد: عن الشعبي: ما سمعت من مراثي عثمان أحسن من قول كعب بن مالك (٨): [من الطويل]

стр. 3500

فَكَفَّ يَدَيْهِ ثُمَّ أغْلَق بابَهُ … وأيْقَن أنَّ اللهَ ليسَ بغافِلِ وقالَ لأهلِ الدّارِ لا تقتلوهُم (١) … عفا اللّهُ عن كُلِّ امرِئٍ لم يُقاتلِ فكيفَ رأيتَ اللّهَ صبَّ عليهمُ الـ … ـــــعداوةَ والبَغْضاءَ بَعْدَ التَّواصلِ وكيفَ رأيتَ الخَيْرَ أدبرَ بعدهُ … عنِ الناسِ إدبارَ (٢) النَّعامِ الجَوافِلِ وقد نسب هذه الأبيات سيف بن عمر إلى المغيرة [بن] الأخنس (٣) بن شريق. وقال سيف بن عمر: وقال حسان بن ثابت (٤): [من الطويل] ماذا أرَدْتُمْ منْ أخي الدِّين باركتْ … يدُ اللّهِ في ذاكَ الأديمِ المُقَدَّدِ قَتَلْتُمْ وليَّ اللّه في جَوْفِ دارِهِ … وجئتُمْ بأمْرٍ جائرٍ غَيْرِ مُهْتدِ فَهلا رَعَيْتُمْ ذمَّةَ اللّهِ بينكم (٥) … وَأوْفَيْتُمُ بالعَهْدِ عَهْدِ مُحمَّدِ ألَمْ يَكُ فيكمْ ذا بَلاءٍ ومَصْدَقٍ … وأوْفاكُمُ عهدًا (٦) لدى كُلِّ مَشْهدِ فَلا ظَفِرَتْ أيْمانُ قَوْمٍ تَبايَعُوا (٧) … على قَتْل عُثْمانَ الرَّشيدِ المُسدَّدِ وقال ابن جرير (٨): وقال حسان بن ثابت ﵁ (٩): [من البسيط] منْ سرَّهُ الموتُ صِرْفًا لا مِزَاجِ لهُ … فَلْيَأتِ مَأْسَدَةً (١٠) في دارِ عُثْمانا مُسْتَحْقِبي حَلَق الماذيّ قد شَفعَتْ … فَوْقَ المَخَاطِم بيض (١١) زان أبدانا ضَحُّوا بأشْمَط عُنوانُ السُّجودِ بهِ … يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبيحًا وقُرآنا صَبْرًا (١٢) فِدىً لَكُمُ أمّي وما وَلَدتْ … قد يَنْفعُ الصَّبْرُ في المَكْروهِ أحْيانًا فقد رضينا (١٣) بأرض الشَّامِ نافرةً … وبالأمير وبالإخوانِ إخوانا

стр. 3501

إنّي لَمِنْهُمْ وإنْ غابوا وإنْ شَهِدوا … مادمتُ حيًّا (١) وما سُمّيت حسانا لتسمعنَّ وشيكًا في ديارهمُ … اللّه أكبر يا ثاراتِ عثمانا يا ليتَ (٢) شِعْري وَلَيْتَ الطَّيْرَ تُخْبرني … ما كانَ شَأْنُ عليٍّ وابنِ عَفّانا (وهو القائل أيضًا (٣): [من البسيط] إنّ تُمْسِ دارُ ابن أروى (٤) منهُ خاويةً … نابٌ صريعٌ وبابٌ مُحْرَقٌ خَرِبُ فقدْ يُصادفُ باغي العرفِ (٥) حاجَتهُ … فيها ويأوي إليها المَجْدُ (٦) والحَسَبُ يا مَعْشَرَ النّاسِ (٧) أبْدوا ذات أنْفسكُم … لا يستوي الصِّدْقُ عندَ اللّهِ والكَذِبُ وقال الفرزدق (٨): [من البسيط] إنَّ الخِلافةَ لما أظْعنتْ ظَعَنَتْ … عنْ أهلِ يثربَ إذْ غيرَ الهُدى سَلكوا صارتْ إلى أهلها منهمْ ووارثها … لما رأى اللّه في عثمانَ ما انتهكوا السّافكي دَمهُ ظُلْمًا ومَعْصيةً … أيُّ دمٍ - لا هُدوا- من غَيّهم سفكوا وقال راعي الإبل النميري في ذلك (٩): [من الوافر] عَشِيَّةَ يَدْخلون بغَيرِ إذنٍ … على مُتوكّلٍ أوفى وطابا خليلُ محمّدٍ ووزيرُ صدقٍ … ورابعُ خيرِ مَنْ وطئ التُّرابا فصل إن قالَ قائلٌ: كيفَ وقعَ قتلُ عثمان ﵁ بالمدينة، وفيها جماعةٌ من كبار الصحابة ﵃؟ فجوابه من وجوه: أحدها: أن كثيرًا منهم بل أكثرهم أو كلّهم لم يكن يظنّ أنه يبلغ الأمر إلى قتله، فإن أولئك الأحزاب لم يكونوا يحاولون قتلَه عينًا، بل طلبوا منه أحدَ أمورٍ ثلاثةٍ، إما أن يَعْزلَ نَفْسَه، أو يُسْلمَ إليهم مروانَ بن

стр. 3502

الحكم، أو يقتلوه، فكانوا يرجون أن يسلِّم إلى الناس مروان، أو أن يعزل (نفسه) ويستريح من هذه الضائقة الشديدة. وأما القتل فما كان يظن أحد (١) أنه يقع، ولا أنَّ هؤلاء يجترئون عليه إلى ما هذا حدّه، حتى وقع ما وقع، والله أعلم. الثاني: أنَّ الصحابةَ مانعوا دونه أشدَّ المُمانعة، ولكن لمّا وقعَ التَّضييق الشديد، عزم عثمانُ على الناس أن يكفّوا أيديهم ويغمدوا أسلحتَهم ففعلوا، فتمكَّنَ أولئك مما أرادوا، ومع هذا ما ظن (أحد من) الناس أنه يقتل بالكلية. الثالث: أنَّ هؤلاء الخوارجَ لمّا اغتنموا غيبة كثير من أهل المدينة [أو أكثرهم] في أيّام الحجّ، ولم تقدم الجيوش من الآفاق للنصرة، بل لمَّا اقترب مجيئهم، انتهزوا فرصتهم، قبحهم الله، وصنعوا ما صنعوا من الأمر العظيم. الرابع: أنَّ هؤلاء الخوارج كانوا قريبًا من ألفي مقاتل من الأبطال، وربما لم يكن في أهل المدينة هذه العدَّة من المقاتلة، لأنَّ الناسَ كانوا في الثُّغور وفي الأقاليم في كل جهة [وفي الحج]، ومع هذا كان كثير من الصحابة [قد] اعتزل هذه الفتنة ولزموا بيوتَهم، ومنْ كان يحضرُ منهم المسجدَ لا يجيء إلا ومعه السيف، يضعه على حبوته إذا احتبى، والخوارجُ محدقون بدار عثمان ﵁، وربما لو أرادوا صرفهم عن الدار لما أمكنهم ذلك، ولكن [كان] كبار الصحابة قد بعثوا أولادَهم إلى الدار يحاجفون (٢) عن عثمان ﵁، لكي تقدم الجيوش من الأمصار لنصرته، فما فوجئ الناس إلا وقد ظفر أولئك بالدار من خارجها، وأحرقوا بابها، وتسوَّروا عليه حتى قتلوه، وأما ما يذكره بعضُ الناس من أنَّ بعضَ الصحابة أسلمه ورضي بقتله، فهذا لا يصحّ عن (٣) أحد من الصحابة أنه رضي بقتل عثمان ﵁، بل كلهم كرهه، ومقته وسب من فعله، ولكن (بعضهم) كان يودّ لو خلع نفسه من الأمر، كعمّار بن ياسر، ومحمد بن أبي بكر، و (عمرو) بن الحمق وغيرهم (٤). قال أبو عمر بن عبد البر (٥): دفنوا عثمان ﵁. بحش كوكب -وكان قد اشتراه وزاده في البقيع. ولقد أحسن بعض السلف إذ يقول (٦) وقد سئل عن عثمان: هو أمير البررة، وقتيل الفجرة، مخذول من خذله، منصور من نصره.

стр. 3503

وقال (شيخنا) أبو عبد الله الذهبي في آخر ترجمة عثمان وفضائله (١) - بعد حكايته هذا الكلام: الذين قتلوه أو ألَّبوا عليه قتلوا إلى عفو الله ورحمته، والذين خَذلوه خُذلوا وتنَغَّصَ عيشهم، وكان الملك بعده في نائبه معاوية وبنيه (٢)، ثم في وزيره مروان وثمانية من ذريته، استطالوا حياته وملُّوه مع فضله وسوابقه، فتملك عليهم من هو من بني عمه بضعًا وثمانين سنة، فالحكم لله العلي الكبير. وهذا لفظه بحروفه. بعض (٣) الأحاديث الواردة في فضائل [أمير المؤمنين] عثمان بن عفان هو عثمان (٤) بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مُرَّة بن كَعْب بن لُؤَيّ بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النَّضْر بن كنانة بن خُزَيْمة بن مُدْرِكة بن إلياس بن مُضَر بن نزار بن مَعَد بن عدنان، أبو عمرو وأبو عبد الله، القرشي، الأموي؛ أمير المؤمنين، ذو النورين، وصاحب الهجرتين، وزوج الابنتين، وأمُّه أروى بنت كُرَيْز بن ربيعة بن عبد شمس. وأنُّها أمُّ حكيم وهي البَيْضاء بنت عبد المطلب عمةُ رسول اللّه ﷺ ، وهو أحدُ العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وأحدُ الثلاثة الذين خلصت لهم الخلافة من الستّة، ثم تعينت فيه بإجماع المهاجرين والأنصار ﵃، فكان (٥) ثالثَ الخلفاء الرّاشدين، والأئمة المَهْديين، المأمور (٦) باتباعهم والاقتداء بهم. أسلم عثمانُ ﵁ قديمًا على يدي أبي بكر الصّدّيق، وكان سبب إسلامه عجيبًا (٧) فيما ذكره الحافظ ابن عساكر (٨)، وملخص ذلك أن لما بلغه أن رسول الله ﷺ زوج ابنته رقية -وكانت ذات جمال- من ابن عمها عتبة بن أبي لهب، تأسف إذ لم يكن هو تزوجها، فدخل على أهله مهمومًا فوجد عندهم خالته سعدى بنت كريز -وكانت كاهنة- فقالت له (٩): [من الرجز]

стр. 3504

أبْشِرْ وحييّتَ ثلاثًا تترى … ثم ثلاثًا وثلاثًا أخرى ثم بأخرى كي تتم عشرًا … أتاك خيرٌ ووقيتَ شرّا أُنكحتَ والله حصانًا زَهْرا … وأنت بكر ولقيت بكرا وافيتها بنتَ عظيم قدرا … بنيتَ أمرًا (١) قد أشاد ذكرا قال عثمان: فعجبت من أمرها حيث تبشرني بامرأة قد تزوجت غيري فقلت: يا خالة ما تقولين؟ فقالت: عثمانُ [من الرجز] لك الجمال ولك اللسان … هذا نبي (٢) معه البرهانُ أرسله بحقّه الديانُ … وجاءه التنزيل والفرقان فاتْبعه لا تغتالك الأوثان قال: فقلت إنك لتذكرين أمرًا ما وقع ببلدنا. فقالت: محمد بن عبد الله، رسول من عند الله، جاء بتنزيل الله، يدعو به إلى الله، ثم قالت: [جزوء الرجز] مصباحُهُ مصباحُ … ودينُهُ فلاحُ وأمرُه نجاحُ … وقرنُه نطّاحُ ذلَّتْ له البطاحُ … ما ينفع الصيّاح (٣) لو وقع الذّباح … وسُلَّتِ الصفاح ومُدَّتِ الرّماحُ قال عثمان: فانطلقت مفكرًا فلقيني أبو بكر فأخبرته، فقال: ويحكَ يا عثمانُ إنَّك لرجلٌ حازمٌ، ما يخفى عليك الحقُّ من الباطل، ما هذه الأصنام التي يعبدها قومنا؟ أليست من حجارة صم لا تسمع ولا تبصر ولا تضرُّ ولا تنفع؟ قال: قلت بلى! واللّه إنها لكذلك، فقال: والله لقد صدقتك خالتك، هذا رسول الله محمد بن عبد اللّه، قد بعثه اللّه إلى خلقه برسالته، هل (٤) لك أن تأتيه؟ فاجتمعنا برسول اللّه ﷺ فقال: "يا عثمان أجب اللّه إلى جنته (٥) فإنّي رسول الله إليك وإلى خلقه". قال: فوالله ما تمالكتُ حين سمعت (٦) قوله أن أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثم لم ألبث أن

стр. 3505

تزوجت رقية بنت رسول اللّه ﷺ فكان يقال: [أحسن زوج رقية وعثمان. قال عمارة بن زيد وكان يقال] (١): [من الرجز] أحسنُ زوجٍ رآهُ إنسانُ … رقيّةٌ وزوجُها عثمانُ فقالت في ذلك سعدى بنت كريز (٢): [من الطويل] هَدَى اللهُ عُثمانًا بقَوْلي إلى الهُدى … وأرْشَدَهُ واللّهُ يَهْدي إلى الحقِّ فتَابعَ بالرَّأيِ السَّديدِ مُحمَّدًا … وكان برأيٍ لا يَصُد (٣) عن الصِّدْقِ وأنْكحَهُ المَبْعوثُ بالحقِّ بنتَهُ … فكانا كبدْرٍ مازَجَ الشَّمْسَ في الأُفْقِ فِداؤكَ يا بنَ الهاشِميِّينَ مُهْجتي … وأنتَ أمينُ اللهِ أُرسِلْتَ للخَلْق قال: ثم جاء أبو بكر من الغد بعثمان بن مَظْعون، وبأبي عبيدة، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي سلمة بن عبد الأسد، والأرقم بن أبي الأرقم، فأسلموا، وكانوا مع من اجتمع مع رسول الله ثمانية وثلاثون رجلًا. وهاجر إلى الحبشة أوّلَ الناس ومعه زَوْجتهُ رقية بنت رسول اللّه ﷺ ، ثم عاد إلى مكة وهاجر إلى المدينة، فلما كانت وقعةُ بدرٍ اشتغلَ بتمريض ابنة رسول الله ﷺ ، وأقام بسببها في المدينة، فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه منها وأجره فيها، فهو معدودٌ فيمن شهدها. فلما تُوفِّيت زوَّجهُ رسولُ اللّه ﷺ بأُخْتها أمِّ كلثوم فتوفيت أيضًا في صحبته، وقال رسول اللّه ﷺ : "لو كان عندنا أخرى لزوجناها لعثمان" (٤). وشهد أُحدًا وفر يومئذ فيمن تولَّى، وقد نصَّ اللَّهُ على العفو عنهم، وشهد الخندق والحديبية، وبايع عنه رسول الله ﷺ يومئذ بإحدى يديه، وشهد خيبر وعمرة القضاء، وحضر الفتح وهوازن والطائف وغزوة تبوك، وجهز جيش (٥) العسرة. وتقدّم عن عبد الرحمن بن خباب أنه جهزهم يومئذ بثلاثمئة بعير باقتابها وأحلاسها، وعن عبد الرحمن بن سمرة أنه جاء يومئذ بألف دينار فصبَّها في حجر رسول اللّه ﷺ (فقال: "ما ضرَّ عثمانَ ما فعلَ بعد هذا اليوم" (٦) مرتين). وحجَّ مع رسول الله ﷺ حجةَ الوداع، وتوفي وهو عنه راضٍ، وصحب أبا بكرٍ فأحسنَ صُحْبته،
следующие страницы →