← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

إنّي لَمِنْهُمْ وإنْ غابوا وإنْ شَهِدوا … مادمتُ حيًّا (١) وما سُمّيت حسانا لتسمعنَّ وشيكًا في ديارهمُ … اللّه أكبر يا ثاراتِ عثمانا يا ليتَ (٢) شِعْري وَلَيْتَ الطَّيْرَ تُخْبرني … ما كانَ شَأْنُ عليٍّ وابنِ عَفّانا (وهو القائل أيضًا (٣): [من البسيط] إنّ تُمْسِ دارُ ابن أروى (٤) منهُ خاويةً … نابٌ صريعٌ وبابٌ مُحْرَقٌ خَرِبُ فقدْ يُصادفُ باغي العرفِ (٥) حاجَتهُ … فيها ويأوي إليها المَجْدُ (٦) والحَسَبُ يا مَعْشَرَ النّاسِ (٧) أبْدوا ذات أنْفسكُم … لا يستوي الصِّدْقُ عندَ اللّهِ والكَذِبُ وقال الفرزدق (٨): [من البسيط] إنَّ الخِلافةَ لما أظْعنتْ ظَعَنَتْ … عنْ أهلِ يثربَ إذْ غيرَ الهُدى سَلكوا صارتْ إلى أهلها منهمْ ووارثها … لما رأى اللّه في عثمانَ ما انتهكوا السّافكي دَمهُ ظُلْمًا ومَعْصيةً … أيُّ دمٍ - لا هُدوا- من غَيّهم سفكوا وقال راعي الإبل النميري في ذلك (٩): [من الوافر] عَشِيَّةَ يَدْخلون بغَيرِ إذنٍ … على مُتوكّلٍ أوفى وطابا خليلُ محمّدٍ ووزيرُ صدقٍ … ورابعُ خيرِ مَنْ وطئ التُّرابا فصل إن قالَ قائلٌ: كيفَ وقعَ قتلُ عثمان ﵁ بالمدينة، وفيها جماعةٌ من كبار الصحابة ﵃؟ فجوابه من وجوه: أحدها: أن كثيرًا منهم بل أكثرهم أو كلّهم لم يكن يظنّ أنه يبلغ الأمر إلى قتله، فإن أولئك الأحزاب لم يكونوا يحاولون قتلَه عينًا، بل طلبوا منه أحدَ أمورٍ ثلاثةٍ، إما أن يَعْزلَ نَفْسَه، أو يُسْلمَ إليهم مروانَ بن

стр. 3502

الحكم، أو يقتلوه، فكانوا يرجون أن يسلِّم إلى الناس مروان، أو أن يعزل (نفسه) ويستريح من هذه الضائقة الشديدة. وأما القتل فما كان يظن أحد (١) أنه يقع، ولا أنَّ هؤلاء يجترئون عليه إلى ما هذا حدّه، حتى وقع ما وقع، والله أعلم. الثاني: أنَّ الصحابةَ مانعوا دونه أشدَّ المُمانعة، ولكن لمّا وقعَ التَّضييق الشديد، عزم عثمانُ على الناس أن يكفّوا أيديهم ويغمدوا أسلحتَهم ففعلوا، فتمكَّنَ أولئك مما أرادوا، ومع هذا ما ظن (أحد من) الناس أنه يقتل بالكلية. الثالث: أنَّ هؤلاء الخوارجَ لمّا اغتنموا غيبة كثير من أهل المدينة [أو أكثرهم] في أيّام الحجّ، ولم تقدم الجيوش من الآفاق للنصرة، بل لمَّا اقترب مجيئهم، انتهزوا فرصتهم، قبحهم الله، وصنعوا ما صنعوا من الأمر العظيم. الرابع: أنَّ هؤلاء الخوارج كانوا قريبًا من ألفي مقاتل من الأبطال، وربما لم يكن في أهل المدينة هذه العدَّة من المقاتلة، لأنَّ الناسَ كانوا في الثُّغور وفي الأقاليم في كل جهة [وفي الحج]، ومع هذا كان كثير من الصحابة [قد] اعتزل هذه الفتنة ولزموا بيوتَهم، ومنْ كان يحضرُ منهم المسجدَ لا يجيء إلا ومعه السيف، يضعه على حبوته إذا احتبى، والخوارجُ محدقون بدار عثمان ﵁، وربما لو أرادوا صرفهم عن الدار لما أمكنهم ذلك، ولكن [كان] كبار الصحابة قد بعثوا أولادَهم إلى الدار يحاجفون (٢) عن عثمان ﵁، لكي تقدم الجيوش من الأمصار لنصرته، فما فوجئ الناس إلا وقد ظفر أولئك بالدار من خارجها، وأحرقوا بابها، وتسوَّروا عليه حتى قتلوه، وأما ما يذكره بعضُ الناس من أنَّ بعضَ الصحابة أسلمه ورضي بقتله، فهذا لا يصحّ عن (٣) أحد من الصحابة أنه رضي بقتل عثمان ﵁، بل كلهم كرهه، ومقته وسب من فعله، ولكن (بعضهم) كان يودّ لو خلع نفسه من الأمر، كعمّار بن ياسر، ومحمد بن أبي بكر، و (عمرو) بن الحمق وغيرهم (٤). قال أبو عمر بن عبد البر (٥): دفنوا عثمان ﵁. بحش كوكب -وكان قد اشتراه وزاده في البقيع. ولقد أحسن بعض السلف إذ يقول (٦) وقد سئل عن عثمان: هو أمير البررة، وقتيل الفجرة، مخذول من خذله، منصور من نصره.

стр. 3503

وقال (شيخنا) أبو عبد الله الذهبي في آخر ترجمة عثمان وفضائله (١) - بعد حكايته هذا الكلام: الذين قتلوه أو ألَّبوا عليه قتلوا إلى عفو الله ورحمته، والذين خَذلوه خُذلوا وتنَغَّصَ عيشهم، وكان الملك بعده في نائبه معاوية وبنيه (٢)، ثم في وزيره مروان وثمانية من ذريته، استطالوا حياته وملُّوه مع فضله وسوابقه، فتملك عليهم من هو من بني عمه بضعًا وثمانين سنة، فالحكم لله العلي الكبير. وهذا لفظه بحروفه. بعض (٣) الأحاديث الواردة في فضائل [أمير المؤمنين] عثمان بن عفان هو عثمان (٤) بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مُرَّة بن كَعْب بن لُؤَيّ بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النَّضْر بن كنانة بن خُزَيْمة بن مُدْرِكة بن إلياس بن مُضَر بن نزار بن مَعَد بن عدنان، أبو عمرو وأبو عبد الله، القرشي، الأموي؛ أمير المؤمنين، ذو النورين، وصاحب الهجرتين، وزوج الابنتين، وأمُّه أروى بنت كُرَيْز بن ربيعة بن عبد شمس. وأنُّها أمُّ حكيم وهي البَيْضاء بنت عبد المطلب عمةُ رسول اللّه ﷺ ، وهو أحدُ العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وأحدُ الثلاثة الذين خلصت لهم الخلافة من الستّة، ثم تعينت فيه بإجماع المهاجرين والأنصار ﵃، فكان (٥) ثالثَ الخلفاء الرّاشدين، والأئمة المَهْديين، المأمور (٦) باتباعهم والاقتداء بهم. أسلم عثمانُ ﵁ قديمًا على يدي أبي بكر الصّدّيق، وكان سبب إسلامه عجيبًا (٧) فيما ذكره الحافظ ابن عساكر (٨)، وملخص ذلك أن لما بلغه أن رسول الله ﷺ زوج ابنته رقية -وكانت ذات جمال- من ابن عمها عتبة بن أبي لهب، تأسف إذ لم يكن هو تزوجها، فدخل على أهله مهمومًا فوجد عندهم خالته سعدى بنت كريز -وكانت كاهنة- فقالت له (٩): [من الرجز]

стр. 3504

أبْشِرْ وحييّتَ ثلاثًا تترى … ثم ثلاثًا وثلاثًا أخرى ثم بأخرى كي تتم عشرًا … أتاك خيرٌ ووقيتَ شرّا أُنكحتَ والله حصانًا زَهْرا … وأنت بكر ولقيت بكرا وافيتها بنتَ عظيم قدرا … بنيتَ أمرًا (١) قد أشاد ذكرا قال عثمان: فعجبت من أمرها حيث تبشرني بامرأة قد تزوجت غيري فقلت: يا خالة ما تقولين؟ فقالت: عثمانُ [من الرجز] لك الجمال ولك اللسان … هذا نبي (٢) معه البرهانُ أرسله بحقّه الديانُ … وجاءه التنزيل والفرقان فاتْبعه لا تغتالك الأوثان قال: فقلت إنك لتذكرين أمرًا ما وقع ببلدنا. فقالت: محمد بن عبد الله، رسول من عند الله، جاء بتنزيل الله، يدعو به إلى الله، ثم قالت: [جزوء الرجز] مصباحُهُ مصباحُ … ودينُهُ فلاحُ وأمرُه نجاحُ … وقرنُه نطّاحُ ذلَّتْ له البطاحُ … ما ينفع الصيّاح (٣) لو وقع الذّباح … وسُلَّتِ الصفاح ومُدَّتِ الرّماحُ قال عثمان: فانطلقت مفكرًا فلقيني أبو بكر فأخبرته، فقال: ويحكَ يا عثمانُ إنَّك لرجلٌ حازمٌ، ما يخفى عليك الحقُّ من الباطل، ما هذه الأصنام التي يعبدها قومنا؟ أليست من حجارة صم لا تسمع ولا تبصر ولا تضرُّ ولا تنفع؟ قال: قلت بلى! واللّه إنها لكذلك، فقال: والله لقد صدقتك خالتك، هذا رسول الله محمد بن عبد اللّه، قد بعثه اللّه إلى خلقه برسالته، هل (٤) لك أن تأتيه؟ فاجتمعنا برسول اللّه ﷺ فقال: "يا عثمان أجب اللّه إلى جنته (٥) فإنّي رسول الله إليك وإلى خلقه". قال: فوالله ما تمالكتُ حين سمعت (٦) قوله أن أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثم لم ألبث أن

стр. 3505

تزوجت رقية بنت رسول اللّه ﷺ فكان يقال: [أحسن زوج رقية وعثمان. قال عمارة بن زيد وكان يقال] (١): [من الرجز] أحسنُ زوجٍ رآهُ إنسانُ … رقيّةٌ وزوجُها عثمانُ فقالت في ذلك سعدى بنت كريز (٢): [من الطويل] هَدَى اللهُ عُثمانًا بقَوْلي إلى الهُدى … وأرْشَدَهُ واللّهُ يَهْدي إلى الحقِّ فتَابعَ بالرَّأيِ السَّديدِ مُحمَّدًا … وكان برأيٍ لا يَصُد (٣) عن الصِّدْقِ وأنْكحَهُ المَبْعوثُ بالحقِّ بنتَهُ … فكانا كبدْرٍ مازَجَ الشَّمْسَ في الأُفْقِ فِداؤكَ يا بنَ الهاشِميِّينَ مُهْجتي … وأنتَ أمينُ اللهِ أُرسِلْتَ للخَلْق قال: ثم جاء أبو بكر من الغد بعثمان بن مَظْعون، وبأبي عبيدة، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي سلمة بن عبد الأسد، والأرقم بن أبي الأرقم، فأسلموا، وكانوا مع من اجتمع مع رسول الله ثمانية وثلاثون رجلًا. وهاجر إلى الحبشة أوّلَ الناس ومعه زَوْجتهُ رقية بنت رسول اللّه ﷺ ، ثم عاد إلى مكة وهاجر إلى المدينة، فلما كانت وقعةُ بدرٍ اشتغلَ بتمريض ابنة رسول الله ﷺ ، وأقام بسببها في المدينة، فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه منها وأجره فيها، فهو معدودٌ فيمن شهدها. فلما تُوفِّيت زوَّجهُ رسولُ اللّه ﷺ بأُخْتها أمِّ كلثوم فتوفيت أيضًا في صحبته، وقال رسول اللّه ﷺ : "لو كان عندنا أخرى لزوجناها لعثمان" (٤). وشهد أُحدًا وفر يومئذ فيمن تولَّى، وقد نصَّ اللَّهُ على العفو عنهم، وشهد الخندق والحديبية، وبايع عنه رسول الله ﷺ يومئذ بإحدى يديه، وشهد خيبر وعمرة القضاء، وحضر الفتح وهوازن والطائف وغزوة تبوك، وجهز جيش (٥) العسرة. وتقدّم عن عبد الرحمن بن خباب أنه جهزهم يومئذ بثلاثمئة بعير باقتابها وأحلاسها، وعن عبد الرحمن بن سمرة أنه جاء يومئذ بألف دينار فصبَّها في حجر رسول اللّه ﷺ (فقال: "ما ضرَّ عثمانَ ما فعلَ بعد هذا اليوم" (٦) مرتين). وحجَّ مع رسول الله ﷺ حجةَ الوداع، وتوفي وهو عنه راضٍ، وصحب أبا بكرٍ فأحسنَ صُحْبته،

стр. 3506

وتوفي وهو عنه راضٍ، وصحب عمر فأحسنَ صحبتَهُ وتوفي وهو عنه راضٍ. ونصَّ عليه في أهل الشورى الستة، فكان خيرَهم كما سيأتي. فولي الخلافة بعده ففتح اللّه على يديه كثيرًا من الأقاليم والأمصار، وتوسعت المملكة الإسلامية، وامتدت الدولة المحمدية، وبلغت الرسالة المصطفوية في مشارق الأرض ومغاربها، وظهر للناس مصداق قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥] وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] وقوله ﷺ : "إن الله زوى لي مشارق الأرض ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها" (١) وقوله ﷺ : "إذا هلكَ قيصرٌ فلا قيصرَ بعده، وإذا هلكَ كسرى فلا كسرى بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله" (٢) وهذا كله تحقَّق وقوعه وتأكَّدَ وتوطَّد في زمان عثمان ﵁. وقد كان ﵁ حسنَ الشكل، مليحَ الوجه، كريمَ الأخلاق، ذا حياءٍ كثير، وكرمٍ غزيرٍ، يُؤْثرُ أهلَه وأقاربَه (٣) في الله، تأليفًا لقلوبهم من مَتاعِ الحياةِ الدُّنيا الفاني، لعله يرغِّبهم في إيثار ما يبقى على ما يفنى، كما كان النبي ﷺ يُعطي أقوامًا ويدعُ آخرين، يعطي أقوامًا خشيةَ أن يَكبَّهُمْ اللّهُ على وجوههم في النار، وَيَكلُ آخرين إلى ما جَعلَ اللهُ في قلوبهم من الهُدى والإيمان، وقد تَعنَّتَ عليه بسب هذه الخصلة أقوامٌ، كما تَعنَّتَ بعضُ الخوارج على رسول الله ﷺ في الإيثار. وقد قدمنا ذلك في غزوة حُنين حيث قسم غنائمها. وقد وردت أحاديثُ كثيرةٌ في فضل عثمان ﵁ نذكر ما تيسر منها إن شاء الله وبه الثقة وهي قسمان: الأول: فيما ورد في فضائله مع غيره فمن ذلك الحديثُ الذي رواه البخاريّ في صحيحه (٤): حدَّثنا مُسدد، حدَّثنا يحيى بن سعيد، عن سعيد، عن قتادة أن أنسًا (٥) حدَّثهم قال: "صعدَ النبيُّ أُحدًا ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجفَ فقال: اسكن أحد -أظنُّه ضربَه برجله- فليس عليك إلَّا نبيٌّ وصدِّيقٌ وشهيدان" تفرد (٦) به دون مسلم.

стр. 3507

وقال الترمذي (١): حدَّثنا قتيبة، حدَّثنا عبد العزيز بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول اللّه ﷺ كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة، فقال النبي ﷺ : "اهدئي فما عليك إلا نبي أو صدِّيق أو شهيد". ثم قال في الباب: عن عثمان وسعيد بن زيد وابن عباس، وسهل بن سعد، وأنس بن مالك، وبُرَيْدة الأسلمي، وهذا حديث صحيح. قلت: ورواه أبو الدرداء، ورواه الترمذي عن عثمان في خطبته يوم الدار، وقال: على ثبير. حديث آخر وهو [ما ثبت في الصحيحين (٢) من حديث] أبي عثمان النَّهدي، عن أبي موسى الأشعري قال: كنتُ مع رسول اللّه ﷺ في حائط، فأمرني بحفظ الباب، فجاء رجلٌ يستأذن فقلت: من هذا؟ قال: أبو بكر، فقال رسول اللّه ﷺ : "ائذنْ له وبشّره بالجنَّة". ثمَّ جاء عمر فقال: "ائْذنْ له وبشره بالجنَّة" ثمَّ جاء عثمان فقال: "ائذن له وبشّره بالجنة على بلوى تصيبُه". فدخل وهو يقول: اللهمَّ صبرًا وفي رواية -اللّه المستعان، رواه عنه قتادة وأيوب السختياني. وقال البخاري (٣): وقال حماد بن زيد: حدَّثنا عاصم الأحول وعليّ بن الحكم، سمعا أبا عثمان يحدِّث عن أبي موسى الأشعري بنحوه، وزاد عاصم: أن رسول الله ﷺ كان قاعدًا في مكان فيه ماء قد انكشف (٤) عن ركبتيه، أو ركبته، فلما دخل عثمان غطاها. وهو في الصحيحين (٥) أيضًا من حديث سعيد بن المسيِّب، عن أبي موسى، وفيه: أن أبا بكر وعمر دلَّيا أرجلهما مع رسول اللّه في باب القفّ وهو في البئر، وجاء عثمان فلم يجد له موضعًا [فجلس ناحيةً] " قال سعيد [بن المسيب]: فأولت ذلك قبورهم اجتمعت وانفرد عثمان. وقال (٦) الإمام أحمد (٧): حدَّثنا يزيد بن هارون (٨)، حدَّثنا محمد بن عمرو، عن أبي سَلمة. قال: قال نافع بن عبد الحارث:

стр. 3508

خرجت مع رسول اللّه ﷺ حتى دخل حائطًا فقال: "أمسك عليَّ البابَ"، فجاء حتى جلس على القُفِّ (١) ودلَّى رجليه، فضرب الباب فقلتُ: منْ هذا؟ فقال: أبو بكر، فقلت يا رسول الله هذا أبو بكر، قال: "ائذن له وبشِّره بالجنَّة". فدخل فجلس مع رسول اللّه ﷺ على القُفَّ ودلَّى رجليه في البئر، ثم ضُرِبَ البابُ: فقلت: منْ هذا؟ قال: عمر: قلت: يا رسول اللّه هذا عمر، قال: "ائذن له وبشِّره بالجنة" (ففعلت)، فجاء فجلس مع رسول اللّه ﷺ على القُفِّ ودلّى رجليه في البئر ثم ضُربَ البابُ فقلت: منْ هذا؟ قال: عثمان، قلت: يا رسول اللّه هذا عثمان، قال: "ائذن له وبشِّره بالجنة معها بلاء" فأذنت له وبشرته بالجنة، فجلس مع رسول الله ﷺ على القُفِّ ودلَّى رجليه في البئر. هكذا وقع في هذه الرواية، وقد أخرجه أبو داود والنسائي (٢) من حديث أبي سلمة، فيحتمل أن أبا موسى ونافع بن عبد الحارث كانا مُوكَّلين بالباب، أو أنها قصة أخرى. وقد رواه الإمام أحمد (٣): عن عفَّان، عن وهيب، عن موسى بن عقبة سمعت أبا سلمة ولا أعلمه إلا عن نافع بن عبد الحارث. "أنَّ رسول اللّه ﷺ دخل حائطًا فجلس على قُفِّ البئر، فجاء أبو بكر فاستأذن فقال لأبي موسى: ائذن له وبشِّره بالجنة. ثم جاء عمر فقال: ائذن له وبشِّره بالجنة" ثمَّ جاء عثمان فقال: "ائذن له وبشره بالجنة وسيلقى بلاءً". وهذا السياق أشبه من الأول، على أنه قد رواه النسائي (٤) من حديث صالح بن كيسان، عن أبي الزناد، عن أبي سلمة، عن عبد الرحمن بن نافع بن عبد الحارث، عن أبي موسى الأشعري فالله أعلم. وقال الأمام أحمد (٥): حدَّثنا يزيد، أخبرنا همام، عن قتادة، عن ابن سيرين ومحمد بن عبيد، عن عبد (٦) اللّه بن عمرو قال: كنت مع رسول اللّه ﷺ فجاء أبو بكر فاستأذن فقال: "ائذن له وبشره بالجنة" ثم جاء عمر فقال: "ائذن له وبشره بالجنة" ثم جاء عثمان فاستأذن فقال: "ائذن له وبشره بالجنة". قال: قلت فأين أنا؟ قال: أنت مع أبيك. تفرّد به أحمد. وقد رواه البزار وأبو يعلى من حديث أنس بن مالك بنحو ما تقدم.

стр. 3509

حديث آخر قال الإمام أحمد (١): حدَّثنا حجاج، حدَّثنا ليث، حدَّثني عقيل، عن ابن شهاب، عن يحيى بن سعيد بن العاص، أن سعيد بن العاص أخبره، أن عائشة زوج النبي ﷺ وعثمان حدَّثاه: أن أبا بكر استأذن على النبي ﷺ وهو مضطجعٌ على فراشه لابسٌ مرطَ (٢) عائشة، فأذن لأبي بكر وهو كذلك فقضى إليه حاجته ثم انصرف، فاستأذن عمر فأذن له وهو على تلك الحالة فقضى إليه حاجته ثم انصرف، قال عثمان: ثم استأذنت عليه فجلس وقال: "اجمعي عليك ثيابك" فقضيت إليه حاجتي ثم انصرف، فقالت عائشة: يا رسول الله! ما لي لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان؟ فقال رسول اللّه ﷺ : "إن عثمان رجل حييٌّ، وإني خشيتُ إن أذنتُ له على تلك الحالة ألا يبلغ إليَّ حاجته" قال (الليث): وقال جماعة الناس: إنَّ رسول اللّه ﷺ قال لعائشة: "ألا أستحي ممن تستحي منه [ملائكة الرحمن". ورواه مسلم (٣) من حديث الليث بن سعد به، ومن حديث صالح بن كيسان، عن الزهري به]؟. ورواه مسلم (٤) من حديث محمد بن أبي حرملة، عن عطاء وسليمان بن يسار (عن) أبي سلمة، عن عائشة. ورواه أبو يعلى الموصلي من حديث سهيل، عن أبيه، عن عائشة. ورواه جبير بن نفير وعائشة بنت طلحة عنها. وقال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا مروان، حدَّثنا عبد اللّهْ (٥) بن سيَّار (٦): سمعت عائشة بنت طلحة تذكر، عن عائشة أم المؤمنين: أن رسول اللّه ﷺ كان جالسًا كاشفًا عن فخذه فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عمر فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عثمان فأرخى عليه ثيابه، فلما قاموا قلتُ: يا رسولَ الله استأذنَ عليكَ أبو بكرٍ وعمرُ فأذنتَ لهما وأنتَ على حالك، فلما استأذن عليك عثمان أرخيتَ عليكَ ثيابكَ. فقال: "يا عائشةُ ألا أستحي من رجل -واللّه- إن الملائكة لتستحي منه؟ ". تفرد به أحمد من هذا الوجه. طريق أخرى عن حفصةَ رواه الحسن بن عرفة، وأحمد بن حنبل (٧)، عن روح بن عبادة (عن ابن جريج)؛ أخبرني أبو خالد

стр. 3510

عثمان بن خالد، عن عبد اللّه بن أبي سعيد المدني: حدَّثتني حفصة، فذكر مثل حديث عائشة، وفيه: فقال: "ألا أستحي (١) ممن تستحي منه الملائكة". طريق أخرى عن ابن عبّاس قال الحافظ أبو بكر البزار: حدَّثنا أبو كريب، حدَّثنا يونس بن بكير، حدَّثنا النضر -هو ابن عبد الرحمن أبو عمر الخزاز الكوفي- عن عكرمة، عن ابن عباس. قال قال رسول اللّه ﷺ "ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة عثمان بن عفان؟ " ثم قال البزار: لا نعلمه يُروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد. قلت وهو على شرط الترمذي ولم يخرجوه (٢). طريق أخرى عن ابن عمر قال الطبراني (٣): حدَّثنا عبد اللّه بن أحمد بن حنبل، حدَّثنا محمد بن أبي بكر المقدَّمي، حدَّثنا أبو معشر، حدَّثني إبراهيم بن عمر بن أبان، حدَّثني أبي: عمر بن أبان، عن أبيه. قال سمعت عبد الله بن عمر يقول: بينما رسول اللّه ﷺ جالسٌ، وعائشةُ وراءه، إذ استأذن أبو بكر فدخل، ثم استأذن عمر فدخل، ثم استأذن سعد بن مالك فدخل، ثم استأذن عثمان بن عفان فدخل، ورسول الله ﷺ يتحدث كاشفًا عن ركبته، فردَّ ثوبَه على ركبته حين استأذن عثمان، وقال لامرأته: "استأخري" فتحدثوا ساعةً ثم خرجوا، فقالت عائشة: يا نبيَّ الله! دخل أبي وأصحابه فلم تُصلح ثوبَكَ على ركبتك، ولم تؤخرني عنك، فقال النبي ﷺ : "يا عائشة ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟ والذي نفسي بيده إن الملائكة لتستحي من عثمان كما تستحي من الله ورسوله، ولو دخل، وأنت قريب مني، لم يتحدث ولم يرفع رأسه حتى يخرج". هذا حديث غريب من هذا الوجه، وفيه زيادةٌ على ما قبله، وفي سنده ضعف. قلت: وفي الباب عن علي وعبد الله بن أبي أوفى، وزيد بن ثابت. وروى أبو مروان القرشي، عن أبيه، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "عثمان حيى تستحي منه الملائكة" (٤).

стр. 3511

حديث آخر قال الإمام أحمد (١): حدَّثنا وكيع، عن سفيان، عن خالد الحذّاء، عن أبي قلابة، عن أنس. قال قال رسول اللّه ﷺ : "أرحمُ أمَّتي أبو بكر، وأشدُّها في دين اللّه عمرُ، وأشدُّها حياءً عثمانُ، وأعلمُها بالحلال والحرام معاذُ بن جبل، وأقرؤُها لكتاب اللّه أبيٌّ، وأعلمُها بالفرائض زيدُ بن ثابت، ألا وإن لكلِّ أمةٍ أمينٌ، وأمينُ هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح" (وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه (٢) من حديث خالد الحذاء، وقال الترمذي: حسن صحيح. وفي صحيح البخاري ومسلم (٣) آخره "ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح") وقد روى هشيم، عن كوثر (٤) بن حكيم، عن نافع، عن ابن عمر مثل حديث أبي قِلابة عن أنس أو نحوه. حديث آخر قال الإمام أحمد (٥): حدَّثنا يزيدُ بن عبد ربه، حدَّثنا محمد بن حرب، حدَّثني الزُّبيدي، عن ابن شهاب، عن عمرو بن أبان بن عثمان، عن جابر بن عبد اللّه، أنه كان يحدّث أن رسول الله ﷺ قال: "أري الليلةَ رجلٌ صالحٌ أن أبا بكر نيط برسول اللّه ﷺ ، ونيط عمر بأبي بكر، ونيط عثمان بعمر" فلما قمنا من عند رسول اللّه ﷺ قلنا: أما الرجل الصالح فرسول اللّه ﷺ ، وأما ما ذكره (٦) رسول اللّه ﷺ من نوط بعضهم ببعض، فهؤلاء ولاةُ هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه ﷺ . ورواه أبو داود (٧) عن عمرو بن عثمان عن محمد بن حرب، ثم قال: ورواه يونس وشعيب عن الزهري فلم يذكرا عَمرًا. حديث آخر قال الإمام أحمد (٨): حدَّثنا أبو داود -عمر بن سعد- حدَّثنا بدر بن عثمان، عن عُبيد اللّه بن

стр. 3512

مروان (١)، عن أبي عائشة، عن ابن عمر قال: خرج علينا رسولُ اللّه ﷺ ذاتَ غداةٍ بعد طلوعِ الشمس فقال: "رأيتُ قبلَ الفجرِ كأنّي أعطيتُ المقاليدَ والموازينَ، فأما المقاليدُ، فهذه المفاتيحُ، وأما الموازين فهي التي يوزن بها، فوضعتُ في كفة، ووضعت أمتي في كفة، فوزنت بهم فرجحت، ثم جيء بأبي بكر فوزن فوزن بهم، ثم جيء بعمر فوزن فوزن بهم، ثم جيء بعثمان فوزن فوزن بهم، ثم رفعت". تفرد به أحمد. وقال يعقوب بن سفيان: حدَّثنا هشام بن عمار، حدَّثنا عمرو بن واقد، حدَّثنا يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس، عن معاذ بن جبل، قال قال رسول اللّه ﷺ : "إني رأيت أني وُضعت في كفَّةٍ وأمتي في كفة فعدلتها، ثم وضع أبو بكر في كفة وأمتي في كفة فعدلها، ثم وضع عمر في كفة وأمتي في كفة فعدلها، ثم وضع عثمان في كفة وأمتي في كفة فعدلها" (٢). حديث آخر قال أبو يعلى (٣): حدَّثنا عبد الله بن مطيع، حدَّثنا هشيم، عن العَوَّام، عمن حدَّثه، عن عائشة، قالت: لما أسَّس رسول الله ﷺ مسجدَ المدينة جاء بحجر فوضعه، وجاء أبو بكر بحجر فوضعه، وجاء عمر بحجر فوضعه، وجاء عثمان بحجر فوضعه، قالت: فسئل رسول اللّه ﷺ عن ذلك فقال: "هم أمراء الخلافة من بعدي". وقد تقدم هذا الحديث في بناء المسجد، أولَ مقدمِهِ المدينةَ ﵊. وكذلك تقدم في دلائل النبوة من حديث الزُّهري: عن رجل، عن أبي ذر في تسبيح الحصا في يده ﵇، ثمَّ في كفِّ أبي بكر، ثمَّ في كفِّ عمر، ثُمَّ في كفِّ عثمان، ﵃. وفي بعض الروايات: فقال رسول اللّه ﷺ : "هذه خلافة النبوة" (٤). وسيأتي حديث سفينة أن رسول اللّه ﷺ قال: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكًا" (٥) فكانت

стр. 3513

ولاية عثمان ومدتها اثنتي عشرة سنة، من جملة هذه الثلاثين بلا خلاف بين العلماء العاملين، كما أخبر به سيد المرسلين ﷺ وصحبه أجمعين. حديث آخر وهو ما روي من طرق متعدِّدةٍ عن رسول اللّه ﷺ أنه شهدَ للعشرة بالجنة، (وهو أحدهم بِنصِّ النبي ﷺ . حديث آخر قال البخاري (١): حدَّثنا محمد بن حاتم (٢) بن بزيع، حدَّثنا شاذان، حدَّثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن عبيد اللّه، عن نافع، عن ابن عمر. قال: كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدلُ بأبي بكر أحدًا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نذر (٣) أصحاب النبي ﷺ لا نفاضلُ بينهم. تابعه عبد الله بن صالح عن عبد العزيز، تفرَّد به البخاري، ورواه إسماعيل بن عياش، والفرج بن فضالة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافع، عن ابن عمر. ورواه أبو يعلى (٤) عن أبي معمر، عن يزيد بن هارون، عن اللَّيث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن عمر به. طريق أخرى عن ابن عمر ﵄ قال الإمام أحمد (٥): حدَّثنا أبو معاوية، حدَّثنا سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن ابن عمر. قال: كنا نعُدُّ، ورسولُ (٦) الله ﷺ وأصحابه متوافرون أبو بكر وعمر وعثمان ثم نسكت. طريق أخرى عن ابن عمر بلفظ آخر قال الحافظ أبو بكر البزّار (٧): حدَّثنا عمرو بن علي وعقبة بن مكرم قالا: حدَّثنا أبو عاصم، عن

стр. 3514

عمر بن محمد، عن سالم، عن أبيه. قال: كنا نقول في عهد النبي ﷺ : أبو بكر وعمر وعثمان -يعني في الخلافة- وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجوه، لكن قال البزار: وهذا الحديث قد روي عن ابن عمر من وجوه: كنا نقول أبو بكر وعمر وعثمان، ثم لا نفاضل بعد. وعمر بن محمد لم يكن بالحافظ، وذلك -يتبين في حديثه (١) إذا روى عن غير سالم فلم يقل شيئًا. وقد رواه غير واحد من الضعفاء عن الزُّهري، عن سالم، عن أبيه به. وقد اعتنى الحافظ ابن عساكر (٢) بجمع طرقه عن ابن عمر فأفاد وأجاد. فأما الحديث الذي قال الطبراني (٣): حدَّثنا سعيد بن عبد ربه الصَّفار البغدادي، حدَّثنا علي بن جميل (٤) الرَّقي، أخبرنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس. قال: قال رسول الله ﷺ : "في الجنة شجرة -أو ما في الجنة شجرة- شك علي بن جميل، ما عليها ورقة إلا مكتوب عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله، أبو بكر الصديق، عمر الفاروق، عثمان ذو النورين" فإنه حديث ضعيف، في إسناده من تكلم فيه ولا يخلو من نكاره، واللّه أعلم. القسم الثاني فيما ورد من (٥) فضائله وحده قال البخاري (٦): حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا أبو عوانة، حدَّثنا عثمان بن موْهَب، قال: جاء رجلٌ من أهل مصر حجَّ البيتَ، فرأى قومًا جلوسًا فقال: من هؤلاء القوم؟ قالوا: قريشٌ، قال: فمن (٧) الشيخِ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر. قال: يا بن عمر! إني سائلُكَ عن شيء فحدِّثني، هل تعلم أن عثمانَ فرّ يومَ أحد؟ قال: نعم! قال: تعلم أنه تغيَّب يوم بدر ولم يشهدها؟ قال: نعم! قال: تعلم أنه تغيَّب عن بيعةِ الرضوان ولم يشهدها؟ قال: نعم! قال: الله أكبر، قال ابن عمر: تعال أبيِّن لك، أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له، وأما تغيبه عن بدر فإنه كانت تحته بنت رسول اللّه وكانت مريضة، فقال له رسول الله: "إن لك أجرَ رجلٍ ممن شهد بدرًا وسهمه". وأما تغيبة (٨) عن بيعة الرضوان فلو كان أحدٌ أعزَّ ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله ﷺ عثمان وكانت بيعة

стр. 3515

الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال النبي ﷺ بيده اليمنى: "هذه يد عثمان" فضرب بها على يده فقال: "هذه لعثمان" فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك. تفرد به دون مسلم. طريق أخرى وقال الإمام أحمد (١): حدَّثنا معاوية بن عمرو، حدَّثنا زائدة، عن عاصم، عن شقيق (٢). قال: لقي عبد الرحمن بن عوف الوليدَ بن عقبة، فقال له الوليد (٣): ما لي أراك جفوتَ أمير المؤمنين عثمان؟ فقال له عبد الرحمن: أبْلِغْهُ أني لم أفرَّ يوم عَيْنَيْنِ، قال عاصم: يقول يوم أُحُد- ولم أتخلَّف يوم بدر، ولم أترك سُنَّة عمر، قال: فانطلق فخبَّر بذلك عثمان فقال: أما قوله: إني لم أفرّ يوم عَيْنين؛ فكيف يعيرني بذنبٍ وقد عفا الله عني فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥] وأما قوله: إني تخلفت يوم بدر، فإنّي كنتُ أمرّضُ رقيةَ بنتَ رسول اللّه ﷺ وقد ضربَ لي رسول الله ﷺ بسهمي، ومن ضرب له رسول الله ﷺ بسهمه فقد شهد، وأما قوله: ولم أترك سُنّة عمر، فإنّي لا أطيقها ولا هو، فائْتِهِ فحدِّثْهُ بذلك. حديث آخر قال البخاري (٤): حدَّثنا أحمد بن شبيب بن سعيد (٥)، حدَّثنا أبي، عن يونس، قال ابن شهاب: أخبرني عروة أن عبيد اللّه بن عدي بن الخيار أخبره: أن المِسْور بن مَخْرَمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث قالا: ما يمنعكَ أن تكلم عثمان لأخيه الوليد فقد أكثر الناس فيه؟ فقصدت لعثمان حين خرج إلى الصلاة. فقلت: إنَّ لي إليك حاجةً، وهي نصيحة لك، فقال: يا أيها المرء منك. قال أبو عبد اللّه قال معمر: أعوذ باللّه منك -فانصرفتُ فرجعتُ إليهما إذ جاء رسول عثمان فأتيته فقال ما نصيحتك؟ فقلت: إن الله بعث محمدًا ﷺ بالحقّ وأنزلَ عليه الكتابَ، وكنتَ ممن استجاب للّه ولرسوله، وهاجرتَ الهجرتين، وصحبتَ رسول اللّه ﷺ ورأيتَ هديه، وقد أكثرَ النَّاسُ في شأن الوليد. فقال: أدركتَ رسول الله ﷺ ؟ قلتُ (٦): لا! ولكن خلص إليّ من علمه ما يخلصُ إلى العذراءِ في سِترها، قال: أما بعد! فإن اللّه بعث محمدًا بالحق، وكنتُ ممن استجاب للّه ولرسوله، فآمنت بما بعث به، وهاجرت الهجرتين كما قلتَ، وصحبتُ رسولَ اللّه ﷺ وبايعتُهُ، فوالله ما عصيتُهُ ولا غششتُهُ حتى توفاه اللّه

стр. 3516

، ثم أبو بكر مثله، ثم عمر مثله، ثم استخلفتُ، أفليس لي من الحق مثلُ الذي لهم؟ قلت: بلى! قال: فما هذه الأحاديث التي تبلغُني عنكم؟ أمّا ما ذكرت من شأن الوليد فسآخذ (١) فيه بالحق إن شاء اللّه. ثم دعا عليًا فأمره أن يجلده فجلده ثمانين. حديث آخر قال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا أبو المغيرة، حدَّثنا الوليد بن سليمان (٣)، حدَّثني ربيعة بن يزيد، عن عبد الله بن عامر، عن النعمان بن بشير، عن عائشة ﵂ قالت: أرسل رسول الله ﷺ إلى عثمان بن عفان فجاء فأقبل عليه رسول الله ﷺ ، فلما رأينا إقبالَ رسول الله ﷺ على عثمان أقبلت إحدانا على الأخرى فكان من آخر [كلام] (٤) كلَّمه أن ضرب منكبه وقال: "يا عثمان إن الله عسى أن يلبسك قميصًا، فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني" ثلاثًا. فقلت لها: يا أم المؤمنين؟ فأين كان هذا عنك؟ قالت: نسيتُه والله ما ذكرته، قال: فأخبرته معاوية بن أبي سفيان فلم يرضَ بالذي أخبرته حتى كتب إلى أم المؤمنين: أن اكتبي إليّ به، فكتبت إليه به كتابًا. وقد رواه أبو عبد اللّه الجَسْري (٥): عن عائشة وحفصة بنحو ما تقدم. ورواه قيس بن أبي حازم وأبو سلمة (٦) عنها. ورواه أبو سهلة: عن عثمان: إن رسول اللّه ﷺ عهد إليَّ عهدًا فأهنا صابر نفسىِ عليه. ورواه فرج بن فضالة: عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن الزُّهري، عن عروة، عن عائشة فذكره (٧)، (قال الدارقطني: تفرد به الفرج بن فضالة). ورواه أبو مروان محمد بن (٨) عثمان بن خالد العُثماني (٩)، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.

стр. 3517

ورواه ابن عساكر (١) من طريق المنهال بن بحر (٢)، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة عن أبيه عنها. ورواه ابن أسامة عن الجريري حدَّثني أبو بكر العدوي قال: سألت عائشة، وذكر عنها نحو ما تقدم، تفرّد به الفرج بن فضالة. ورواه خصيف: عن مجاهد، عن عائشة بنحوه. وقال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا محمد بن كناسة (٤) الأسدي أبو يحيى، حدَّثنا إسحاق (٥) بن سعيد عن أبيه، قال: بلغني أن عائشة قالت: ما استمعت رسول اللّه ﷺ إلَّا مرة، فإن عثمان جاءه في نحر (٦) الظهيرة، فظننت أنه جاءه في أمر النساء، فحملتني الغيرة على أن أصغيت إليه فسمعته يقول: "إن اللّه ملبسك قميصًا تريدك أمتي على خلعه فلا تخلعه". فلما رأيت عثمان يبذل لهم ما سألوه إلَّا خلعه علمت أنه عهد من رسول الله ﷺ الذي عهد إليه. طريق أخرى قال الطَّبراني: حدَّثنا مطلب بن سعيد الأزْدي، حدَّثنا عبد اللّه بن صالح، حدَّثنا الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف، قال: كنا عند شُفي (٧) الأصبحي فقال: حدَّثنا عبد اللّه بن عمر قال: "التفت رسولُ اللّه ﷺ فقال: يا عثمان كساك اللّه (٨) قميصًا فأرادكَ الناسُ على خلعِه فلا تَخْلعه، فواللّه لئن خلعتَه لا ترى الجنةَ حتى يلجَ الجملُ في سمّ الخِياط". وقد رواه أبو يعلى (٩) من طريق عبد اللّه بن عمر عن أخته حفصة أم المؤمنين. وفي سياق متنه غرابة واللّه أعلم.

стр. 3518

حديث آخر قال الإمام أحمد (١): حدَّثنا عبد الصمد، حدَّثتني فاطمة بنت عبد الرحمن قالت: حدَّثتني أمي أنها سألت عائشة وأرسلها عمُّها فقال: قولي إن أحد بنيك يفرئك السلام ويسألك عن عثمان بن عفان فإنّ الناسَ قد شتموه، فقالت: لعنَ اللّهُ من لعنهُ، فواللّه لقد كان قاعدًا عند رسول اللّه ﷺ ، وإن رسولَ اللّه ﷺ لمسندٌ ظهره إليَّ، وإن جبريلَ ليوحي إليه القرآن، وإنه ليقول له: "أكتب يا عُثيْم" قالت عائشة: فما كان اللّه لينزلَ تلك المنزلة إلَّا كريمًا على اللّه ورسوله. ثم رواه الإمام أحمد: عن يونس، عن عمر بن إبراهيم (٢) اليشكري، عن أمه، أنها سألت عائشة عند الكعبة عن عثمان فذكرت مثله. حديث آخر قال البزَّار (٣): حدَّثنا عمر بن الخطاب قال: ذكر أبو المغيرة، عن صفوان بن عمرو، عن ماعز التميمي، عن جابر: أن رسولَ الله ﷺ ذكرَ فتنةً فقال أبو بكر: أنا أدركها؟ فقال: "لا"! فقال عمر: أنا يا رسول اللّه أدركها؟ قال: "لا"! فقال عثمان: يا رسول الله فأنا أدركها؟ قال: "بك يُبْتَلَوْنَ". قال البزار: وهذا لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه. حديث آخر قال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا أسود بن عامرْ (٥)، حدَّثنا سنان بن هارون، حدَّثنا كليب بن وائل، عن ابن عمر. قال:

стр. 3519

"ذكر رسول اللّه ﷺ فتنةً [فمر رجل] (١) فقال: "يقتل فيها هذا المُقنَّع يومئذٍ مظلومًا" فنظرت فإذا هو عثمان بن عفان. ورواه الترمذي (٢) عن إبراهيم بن سعيد، عن شاذان به وقال: حسن غريب. حديث آخر قال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا عفَّان، حدَّثنا وُهيب (٤)، حدَّثنا موسى بن عقبة، حدَّثني أبو أمي أبو حبيبة (٥) أنه دخل الدار وعثمانُ محصورٌ فيها، وأنّه سمع أبا هريرة يستأذنُ عثمانَ في الكلام فأذن له، فقام فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال: إني سمعتُ رسولَ اللّه ﷺ يقول: "إنكم تلقون بعدي فتنةً واختلافًا" -أو قال: اختلافًا وفتنةً- فقال له قائل من الناس: فمنْ لنا يا رسول الله؟ قال: "عليكم بالأمين (٦) وأصحابه" وهو يشير إلى عثمان بذلك. تفرَّد به أحمد وإسناده جيد حسن ولم يخرجوه من هذا الوجه. وقال الإمام أحمد (٧): حدَّثنا أبو أسامة حماد (٨) بن أسامة، حدَّثنا كَهْمَس بن الحسن، عن عبد الله بن شَقيق، حدَّثني هرمي (٩) بن الحارث وأسامة بن خُرَيم -وكانا يغازيان فحدثاني حديثًا ولم يشعر كل واحد منهما أن صاحبه حدَّثنيه عن مرّة البَهزي قال: "بينما نحن مع رسول اللّه ﷺ في طريق من طرق المدينة فقال: كيف تصنعون في فتنة تثور في أقطار الأرض كأنها صياصي بقر" قالوا: نصنع ماذا يا رسول اللّه؟ قال: "عليكم هذا وأصحابه -أو اتبعوا هذا وأصحابه-" قال: فأسرعتُ حتى عييتُ فأدركتُ الرجلَ فقلتُ: هذا يا رسول اللّه؟ قال: "هذا" فإذا هو عثمانُ بن عفان. فقال: هذا وأصحابه فذكره. طريق أخرى وقال الترمذي (١٠) في "جامعه": حدَّثنا محمد بن بشار، حدَّثنا عبد الوهَّاب الثقفي، حدَّثنا

стр. 3520

أيوب، عن أبي قِلابة، عن أبي الأشعث الصَّنْعاني أن خُطَباء قامت بالشام وفيهم رجالٌ من أصحاب النبيِّ ﷺ رجل يقال له مُرَّة بن كعب، فقال: لولا حديث سمعته من رسول اللّه ﷺ ما تكلمت، وذكر الفتن فقرَّبها فمر رجل مُقَنَّع (١) في ثوب، فقال: "هذا يومئذ على الهدى" فقمت إليه. فإذا هو عثمان بن عفان، فأقبلت عليه بوجهه فقلت: هذا؟ قال: "نعم"! ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي الباب عن ابن عمر وعبد الله بن حوالة وكعب بن عُجْرة (٢). قلت: وقد رواه أسد بن موسى، عن معاوية بن صالح، حدَّثني سليم بن عامر، عن جبير بن نفير، عن مرة بن كعب البَهْزي فذكر نحوه. وقد رواه الإمام أحمد (٣) عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن سليم بن عامر، عن جبير بن نفير، عن كعب بن مرة البَهْزي، الصحيح مرة بن كعب كما تقدم (٤). وأما حديث ابن حوالة، فقال حماد بن سلمة عن سعيد الجريري، عن عبد اللّه بن شقيق (٥)، عن عبد اللّه بن حوالة. قال: قال رسول اللّه ﷺ : "كيف أنت وفتنة تكون في أقطار الأرض؟ " قلت: ما خار الله لي ورسوله، قال:، اتبع هذا الرجل، فإنه يومئذ ومن اتبعه على الحق" قال: فاتبعته فأخذت بمنكبه ففتلته فقلت: هذا يا رسول الله؟ فقال: "نعم"! فإذا هو عثمان بن عفان. وقال حرملة: عن ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ربيعة بن لقيط، عن ابن حوالة. قال: قال رسول اللّه ﷺ : "ثلاث من نجا منهن فقد نجا: موتي، وخروج الدجال، وقتل خليفة مصطبر (٦) قوَّام بالحقّ يعطيه". وأما حديث كعب بن عجرة. فقال الإمام أحمد (٧): حدَّثنا إسحاق بن سليمان الرازي، أخبرني مغيرة بن مسلم (٨)، عن مطر الوراق، عن ابن سيرين، عن كعب بن عجرة قال: ذكر رسول اللّه ﷺ فتنة فقرَّبها وعظَّمها، قال: ثم مرَّ رجلٌ مُقَنَّعٌ في ملحفة فقال: "هذا يومئذٍ على الحق". قال: فانطلقتُ مُسرعًا أو محضرًا

стр. 3521

فأخذت بضبعيه (١) فقلت: هذا يا رسول اللّه؟ قال: "هذا" فإذا هو عثمان بن عفان. ثم رواه أحمد (٢): عن يزيد بن هارون، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن كعب بن عُجْرة فذكر مثله. ورواه أبو يعلى: عن هُدْبَة، عن هَمّام، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عن كعب بن عُجْرة. وكذا رواه أبو عون: عن ابن سيرين، عن كعب. وقد تقدم (٣) حديث أبي ثور الفَهْمي عنه في قوله في الخطبة التي خاطب بها الناس من داره: واللّه ما تَعنَّيتُ ولا تمنَّيتُ ولا زَنيتُ في جاهلية ولا إسلام ولا مسست فرجي بيميني منذ بايعت بها رسول الله ﷺ ، وأنه كان يعتق كل يوم جمعة عتيقًا، فإن تعذّر عليه أعتق في الجمعة الأخرى عتيقين. وقال مولاه حمران: كان عثمان يغتسل كل يوم منذ أسلم. ﵁. حديث آخر قال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا علي بن عيَّاش، حدَّثنا الوليد بن مسلم، أنبأنا الأوزاعي، عن محمد بن عبد الملك بن مروان أنه حدَّثَه عن المغيرة بن شعبة أنه دخل على عثمان وهو محصورٌ فقال: إنك إمامُ العامة، وقد نزلَ بك ما تَرى، وإني أعرضُ عليكَ خصالًا ثلاثًا اختر إحداهن: إمّا أن تخرجَ فتقاتلهم فإن معك عددًا وقوةً وأنت على الحق وهم على الباطل، وإما أن نخرق لك بابًا سوى الباب الذي هم عليه فتقعد على رواحلك فتلحق مكة، فإنهم لن يستحلّوك وأنت بها، وإما أن تلحق بالشام فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية. فقال عثمان: أما أن أخرج فأقاتل فلن أكون أولَ من خلفَ رسول اللّه ﷺ في أمته بسفك الدماء، وأما أن أخرجَ إلى مكة فإنَّهم لن يستحلّوني بها، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يُلْحِدُ رجُلٌ من قريشٍ بمكَّة يكون عليه نصفُ عذابِ العالم" (٥) ولن أكون أنا، وأما أن ألحق بالشام فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية فلن أفارق دار هجرتي ومجاورة رسول اللّه ﷺ . وقال الإمام أحمد (٦): حدَّثنا أبو المغيرة، حدَّثنا أرطاة -يعني ابن المنذر- حدَّثني أبو عون الأنصاري، أن عثمان قال لابن مسعود: هل أنتَ مُنتهٍ عمَّا بلغني عنْكَ؟ فاعتذر بعضَ العذر، فقال عثمان: ويحك! إني قد سمعتُ وحفظتُ -وليس كما سمعتَ-، أنَّ رسول اللّه ﷺ قال: "سيقتل

стр. 3522

أميرٌ، ويَنْتَزي مُنْتَزٍ (١) وإني أنا المقتول، وليس عمر، إنما قتل عمر واحد، إنه يُجْتمعُ عليَّ. وهذا الذي قاله لابن مسعود قبل مقتله بنحو من أربع سنين فإنه ماتَ قبلَه بنحو ذلك. حديث آخر قال عبد اللّه بن أحمد (٢): حدَّثنا عُبَيْد اللّه بن عمر القَواريري (٣)، حدَّثنا القاسم بن الحكم بن أوس الأنصاري، حدَّثني أبو عبادة الزُّرقي الأنصاري -من أهل المدينة- عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: شهدتُ عثمان يوم حُصِرَ في موضع الجنائز، ولو أُلْقي حجرٌ لم يقع إلا على رأس رجل، فرأيت عثمان أشرف من الخوخة التي تلي باب مقام جبريل، فقال: أيها الناسّ أفيكم طلحة؟ فسكتوا، ثم قال: أيها الناس! أفيكم طلحة بن عبيد اللّه؟ فسكتوا، ثم قال: أيها الناس! أفيكم طلحة؟ فقام طلحة بن عبيد اللّه فقال له عثمان: ألا أراك هاهنا؟ ما كنت أرى أنك تكون في جماعة قوم تسمع ندائي آخر ثلاث مرات، ثم لا تجيبني (٤)؟ أنشدك اللّه يا طلحة تذكر يوم كنتُ أنا وأنتَ مع رسول الله ﷺ في موضع كذا وكذا ليس معه أحدٌ من أصحابه غيري وغيرك؟ فقال: نعم! قال: فقال لكَ رسولُ اللّه ﷺ "إنه ما من نبي إلا ومعه من أصحابه رفيق في الجنة، وإن عثمان بن عفان هذا -يعني نفسه- رفيقي في الجنة؟ " فقال طلحة: اللهم نعم!. تفرَّدَ به أحمد. حديث آخر عن طلحة قال الترمذي (٥): حدَّثنا أبو هشام الرِّفاعي، حدَّثنا يحيى بن اليمان، عن شيخ من بني زهرة، عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب (٦)، عن طلحة بن عبيد اللّه قال قال رسول اللّه ﷺ : "لكلِّ نبىّ رفيقٌ ورفيقي في الجنة عثمانُ" ثم قال: هذا حديث غريب وليس إسناده بالقوي، وإسناده منقطعٌ. ورواه أبو مروان (٧) محمد بن عثمان عن أبيه عن أبي الزناد عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة. وقال الترمذي (٨): حدَّثنا الفضل بن أبي طالب البغدادي وغير واحد قالوا: حدَّثنا عثمان بن زُفَر، حدَّثنا محمد بن زياد، عن محمد بن عجلان، عن أبي الزبير، عن جابر قال: أتي النبيُّ ﷺ بجنازة رجل

стр. 3523

ليُصلِّي عليه فلم يُصلِّ عليه، فقيل: يا رسول اللّه، ما رأيناك تركت الصلاة على أحدٍ قبل هذا؟ فقال: "إنه كان يبغض عثمان فأبغضه اللّه " ئم قال الترمذي: هذا حديث غريب، ومحمد بن زياد هذا صاحب ميمون بن مهران ضعيف الحديث جدًا، ومحمد بن زياد صاحب أبي هريرة بصري ثقة، يكنى أبا الحارث، ومحمد بن زياد الألهاني (١) صاحب أبي أمامة ثقة شامي يكنى أبا سفيان. حديث آخر روى الحافظ ابن عساكر (٢) من حديث أبي مروان العثماني (٣): حدَّثنا أبي عثمانُ بن خالد، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول اللّه ﷺ لقي عثمان بن عفان على باب المسجد فقال: "يا عثمان! هذا جبريل يخبرني أن اللّه قد زوَّجك أم كلثوم بمثل صداق رقية، وعلى مثل مصاحبتها" وقد روى ابن عساكر (٤) أيضًا من حديث ابن عباس وعائشة وعمارة بن رُوَيْبة وعصمة بن مالك الخطمي وأنس بن مالك وابن عمر وغيرهم، وهو غريب ومنكر (٥) من جميع طرفه. وروي بإسناد ضعيف عن علي (٦) أن رسول اللّه ﷺ قال "لو كان لي أربعون ابنة لزوجتهن بعثمان واحدة بعد واحدة، حتى لا يبقى منهن واحدة". وقال محمد بن سعيد الأموي: عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن المهلب بن أبي صفرة قال: سألتُ أصحابَ رسول اللّه ﷺ لم قلتم في عثمان: أعلاها (٧) فُوقًا؟ قالوا: لأنه لم يتزوج رجل من الأولين والآخرين ابنَتَيْ نبي غيره. رواه ابن عساكر (٨). وقال إسماعيل بن عبد الملك (٩)، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ رافعًا يديه حتى يبدو ضَبْعَيْه (١٠) إلا لعثمان بن عفان، إذا دعا له.

стр. 3524

وقال مسعر (١): عن عطية، عن أبي سعيد قال: رأيت رسول اللّه ﷺ من أول الليل إلى أن طلع الفجر رافعًا يديه يدعو لعثمان يقول: "اللهم عثمان رضيت عنه فارض عنه". وفي رواية يقول لعثمان (٢): "غفر الله لك ما قدمتَ وما أخرتَ، وما أسررتَ وما أعلنتَ وما كان منك وما هو كائنٌ إلى يوم القيامة". ورواه الحسن بن عرفة: عن محمد بن القاسم الأسدي، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن النبي ﷺ مرسلًا. وقال ابن عدي (٣): عن أبي يعلى عن عمار أبي ياسر المستملي، عن إسحاق بن إبراهيم المستملي، عن أبي إسحاق، عن أبي وائل، عن حذيفة: أن رسول الله ﷺ بعث إلى عثمان يستعينه في غزاةٍ غزاها، فبعث إليه عثمانُ بعشرةِ آلافِ دينارٍ، فوضعها بين يديه، فجعل يقلّبها بين يديه ويدعو له: "غفر الله لكَ يا عثمان ما أسررتَ وما أعلنتَ وما أخفيتَ وما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، ما يبالي عثمان ما فعل بعدها". حديث آخر وقال ليث بن أبي سليم (٤): أول من خَبَّص الخبيصَ عثمان، خلطَ بين العسلِ والنَّقِيّ (٥) ثم بعث به إلى رسول الله ﷺ إلى منزل أمّ سلمة، فلم يصادفه، فلما جاء وضعوه بين يديه، فقال؛ من بعث هذا؟ قالوا: عثمان: قالت: فرفع يديه إلى السماء فقال: "اللَّهم إنَّ عثمان يترضاك فارض عنه". حديث آخر روى أبو يعلى (٦) عن شيبان بن فروخ، عن طلحة بن زيد، عن عبيدة (٧) بن حسان، عن عطاء الكَيْخاراني، عن جابر أن رسول اللّه ﷺ اعتنق عثمان وقال: "أنت وليّ في الدنيا ووليي فى الآخرة" (٨).

стр. 3525

حديث آخر قال أبو داود الطَّيالسي (١): حدَّثنا حمّاد بن سلمة وحمّاد بن زيد، عن الجُرَيْري، عن عبد اللّه بن شَقيق (٢)، عن عبد اللّه بن حوالة. قال قال رسول اللّه ﷺ : "تهجمون على رجل مُعْتَجر (٣) ببردةٍ من أهل الجنة، يبايع الناس" قال فهجمنا على عثمان بن عفان فرأيناه مُعْتجرًا يبايع الناس. [فصل في] ذكر شيء من سيرته وهي دالّة على فضيلته قال ابن مسعود (٤): لما توفّي عمر بايعنا خيرنا ولم نأل، وفي رواية بايعوا خيرهم ولم يألوا. وقال الأصمعي (٥): عن أبي الزناد، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان بن عفان قال: كان نقش خاتم عثمان آمنت بالذي خلق فسوى. وقال محمد بن المبارك (٦) بلغني أنه كان نقش خاتم عثمان آمن عثمان بالله العظيم. وقال البخاري في "التاريخ" (٧): حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا مبارك بن فضالة، قال: سمعت الحسن يقول: أدركت عثمان على ما نقموا عليه. قلَّما يأتي على الناس يومٌ إلا وهم يقتسمون فيه خيرًا، يقال لهم: يا معشر المسلمين اغدوا على أعطياتكم، فيأخذونها وافرة، ثم يقال لهم: اغدوا على أرزاقكم فيأخذونها وافرة، ثم يقال لهم: اغدوا على السمن والعسل، الأعطيات جارية، والأرزاق دارَّةٌ، والعدو منفيٌّ (٨)، وذات البين حسن، والخيرُ كثيرٌ، وما من مؤمن يخاف مؤمنًا، من (٩) لقيه فهو أخوه من كان أُلفَتُه ونصيحتُه ومودتُه، قد عُهد إليهم أنها ستكون أثره (١٠)، فإذا كانت فاصبروا. قال الحسن: فلو أنهم صبروا حين رأوها لوسعهم ما كانوا فيه من العطاء والرزق والخير الكثير، قالوا لا واللّه

стр. 3526

ما (١) نصابرها: فواللّه ما وردوا وما سلموا، والأخرى كان السيف مغمدًا عن أهل الإسلام فسلّوه على أنفسهم، فوالله ما زال مسلولًا إلى يوم الناس هذا، وأيم الله إنّي لأراه سيفًا مسلولًا إلى يوم القيامة. وقال غيرُ واحد: عن الحسن البصري (٢) قال: سمعت عثمان يأمر في خطبته بذبح الحمام وقتل الكلاب. وروى سيف بن عمر (٣): أن أهل المدينة اتخذ بعضهم الحمام ورمى بعضهم بالجلاهقات (فوكل عثمان رجلًا من بني ليث يتبع ذلك، فيقص الحمام ويكسر الجلاهقات) - وهي قسى البندق-. وقال محمد بن سعد (٤): أنبأنا القعنبي وخالد بن مخلد، حدَّثنا محمد بن هلال عن جدته -وكانت تدخل على عثمان وهو محصور- فولدت هلالًا، ففقدها يومًا فقيل له: إنها قد ولدت هذه الليلة غلامًا، قالت: فأرسل إليّ بخمسين درهمًا وشُقَيْقَة سنبلانية (٥)، وقال: هذا عطاء ابنك وكسوته، فإذا مرت به سنة رفعناه إلى مئة. وروى الزبير بن أبي بكر (٦): عن محمد بن سلام، عن ابن دأبٍ (٧) قال: قال ابن سعيد بن يربوع بن عَنْكثة (٨) المخزومي: انطلقت وأنا غلام في الظهيرة ومعي طير أرسله في المسجد، والمسجد يُبْنى (٩)، فإذا شيخ جميل حسن الوجه نائم، تحت رأسه لبنة أو بعض لَبنة، فقمت أنظر إليه أتعجب من جماله، ففتح عينيه فقال: من أنت يا غلام؟ فأخبرته، فإذا غلام نائم قريبًا منه فدعاه فلم يُجْبه، فقال لي: ادعه! فدعوته فأمره بشيء، وقال لي: اقعد! فذهب الغلامُ، فجاء بحلَّةٍ وجاء بألف درهم، ونزع ثوبي وألبسني الحلَّة؟ وجعل الألف درهم فيها، فرجعت إلى أبي فأخبرته؟ فقال: يا بُنيَّ منْ فعلَ هذا بك؟ فقلت: لا أدري إلا أنه رجل في المسجد نائم لم أر قطُّ أحسنَ منه، قال: ذاك أميرُ المؤمنين عثمانُ بن عفان. وقال عبد الرزاق (١٠): عن ابن جريج، أخبرني يزيد (١١) بن خصيفة، عن أبي السائب بن يزيد، أن

стр. 3527

رجلًا سأل عبد الرحمن بن عثمان التيمي (١) عن (٢) صلاة طلحة بن عبيد الله [قال: إن شئت] أخبرتك عن صلاة عثمان قال: نعم! قال: قلت: لأغلبنَّ الليلةَ النفرَ على الحجر -يعني المقام- فلما قمتُ فإذا رجلٌ يزحمني مُفنَّعًا قال: فالتفت فإذا بعثمان (٣)، فتأخرت (٤) عنه فصلَّى فإذا هو يسجد بسجود القرآن، حتى إذا قلت هذا هو أذان الفجر أوتر بركعة لم يصلّ غيرها ثم انطلق. وفد روي هذا (٥) من غير وجه أنه صلى بالقرآن العظيم في ركعة واحدة عند الحجر الأسود، أيام الحج، وقد كان هذا من دأبه ﵁. ولهذا روينا عن ابن عمر (٦) أنه قال في قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] قال: هو عثمان بن عفان. وقال ابن عباس (٧) في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦] قال: هو عثمان. وقال حسان (٨): [من البسيط] ضَحُّوا بأشْمط عُنْوانُ السُّجودِ به … يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبيحًا وقُرْآنا وقال سفيان بن عيينة: حدَّثنا إسرائيل بن موسى، سمعت الحسن يقول قال عثمان: لو أن قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربنا، وإني لأكره أن يأتي عليّ يوم لا أنظر في المصحف. وما مات عثمان حتى خرق مصحفه من كثرة ما يديم النظر فيه. وقال أنس ومحمد بن سيرين (٩): قالت امرأة عثمان يوم الدار: اقتلوه أو دعوه، فوالله لقد كان يحيي الليل بالقرآن في ركعة. وقال غير واحد (١٠): إنه ﵁ كان لا يوقظ أحدًا من أهله إذا قام من الليل ليعينه على وضوئه، إلا أن يجده يقظانًا (١١)، وكان يصوم الدهر، وكان يعاتب فيقال: لو أيقظت بعض الخدم؟

стр. 3528

فيقول: لا! الليل لهم يستريحون فيه. وكان (١) إذا اغتسل لا يرفع المئزر عنه، وهو في بيت مغلق عليه، ولا يرفع صلبه جيدًا من شدة حيائه ﵁. [فصل في ذكر] شيء من خطبه قال الواقدي (٢): حدَّثني إسماعيل بن إبراهيم (٣) بن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن أبي ربيعة المخزومي، عن أبيه. أن عثمانَ لمّا بويع خرجَ إلى الناس فخطبهم، فحمدَ اللهَ وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس أولُ كلِّ مركبٍ صعبٌ، وإنَّ بعد اليوم أيامًا، وإن أعشْ تأتِكُم الخطبة على وجهها، وما كنا خطباء وسيُعلمُنا الله. وقال الحسن: خطبَ عثمان فحمدَ اللّه وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! اتَّقوا الله فإنَّ تقوى اللّه غُنْمٌ، وإن أكيسَ الناس من دانَ نفسَهُ، وعملَ لما بعدَ الموتِ، واكتسب من نورِ اللهِ نورًا لظلْمةِ القَبْرِ، وليَخْشَ عبدٌ أن يحشرَه الله أعمى، وقد كان بصيرًا، وقد يلقي الحكيم جوامع الكلم، والأصمُّ ينادى من مكانٍ بعيدٍ، واعلموا أنَّ منْ كانَ الله له لم يَخَفْ شيئًا، ومنْ كانَ الله عليه فمنْ يرجو بعدَه؟. وقال مجاهد: خطب عثمان فقال: ابنَ آدمَ!، اعلم أن ملكَ الموتِ الذي وكل بك لم [يزل] (٤) يُخْلفكَ ويَتَخطَّى إلى غيركَ منذ أنتَ في الدنيا، وكأنه قد تَخطَّى غيرَك إليكَ، وَقَصَدكَ، فخُذْ حِذْركَ، واستعدّ له، ولا تَغْفُلْ فإنّه لا يَغْفُلُ عنكَ، واعلم ابنَ آدم إنْ غفلتَ عن نفسكَ ولم تستعدّ لها لم يستعدّ لها غيرُكَ، ولا بدّ من لقاء اللّه، فخُذْ لنفسك ولا تَكِلْها إلى غيركَ والسلام. وقال سيف بن عمر: عن بدر بن عثمان، عن عمه، قال: آخر خطبةٍ خطبها عثمانُ في جماعة: إن الله إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرةَ، ولم يعطكموها لتركنوا إليها، إن الدنيا تَفْنى وإن الآخرة تَبْقى، لا تُبْطرنكم الفانية، ولا تشغلنَّكم عن الباقية، فآثروا ما يَبْقى على ما يَفْنى، فإنَّ الدنيا منقطعةٌ وإن المصيرَ إلى الله، اتَّقوا اللهَ فإنَّ تقواه جُنَةٌ من بأسه، ووسيلةٌ عنده واحذروا من اللّه الغِيَرَ، والزموا جماعتكم لا تصيروا أحزابًا: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] إلى آخر الآيتين.

стр. 3529

فصل قال الإمام أحمد (١): حدَّثنا هُشيم، حدَّثنا محمد بن قيس الأسدي، عن موسى بن طلحة. قال: سمعت عثمان بن عفان وهو على المنبر والمؤذن يقيم الصلاة وهو يستخبر الناس يسألهم عن أخبارهم، وأسعارهم (٢). وقال أحمد (٣): حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدَّثنا يونس -يعني بن عُبَيْد- حدَّثني عطاء بن فروخ مولى القرشيين: أن عثمان اشترى من رجلٍ أرضًا فأبطأ عليه فلقيه فقال: ما منعكَ من قبض مالكَ؟ قال: إنك غَبْنتني، فما ألقى من الناس أحدًا إلا وهو يلومني، قال: أذلك يمنعك؟ قال: نعم! قال: فاختر بين أرضكَ ومالكَ، ثم قال: قال رسول اللّه ﷺ : "أدخل اللّه الجنةَ رجلًا كان سهلًا مشتريًا وبائعًا، وقاضيًا مقتضيًا". وروى ابنُ جرير (٤) أنَّ طلحة لقيَ عثمانَ وهو خارجٌ إلى المسجد فقال له طلحة: إن الخمسين ألفًا التي لك عندي قد حصلت فأرسل من يقبضها (٥)، فقال له عثمان: إنا قد وهبناكها لمروءتك. وقال الأصمعي (٦): استعمل ابنُ عامر قَطَنَ بن عوف الهلالي على كرمان، فأقبل جيشٌ من المسلمين -أربعة آلاف- وجرى الوادي فقطعهم عن طريقهم، وخشي قَطَنٌ الفوتَ فقال: من جاز الوادي فله ألفُ درهم، فحملوا أنفسهم على العوم (٧)، فكان إذا جاز الرجل منهم قال قَطنٌ: أعطوه جائزَتَهُ، حتى جازوا جميعًا وأعطاهم أربعةَ آلافِ ألفِ درهم، فأبى ابنُ عامر أن يَحْسِبَها له، فكتب بذلك إلى عثمان بن عفان، فكتب عثمان: أن احْسِبْها له، فإنه إنَّما أعانَ المسلمين في سبيل اللّه. فمن ذلك اليوم سُمِّيتِ الجوائزَ لإجازةِ الوادي، فقال الكناني في ذلك: [من الوافر] فِدَىً للأكْرَمين بني هِلالٍ … على عِلاتِهمْ أهلي ومالِي هُمُوا سَنّوا الجَوائِزَ في مَعَدٍّ … فَعادَتْ سُنّةً أخرى اللَّيالي رماحُهُمُ تَزيدُ على ثَمانٍ … وعَشْرٍ قَبْلَ تَرْكيبِ النِّصالِ

стр. 3530

فصل: [من مناقبه] ومن مناقبه الكبار وحسناته العظيمة أنَّه جمعَ الناسَ على قراءة واحدةٍ، وكتب المصحفَ على العرضة الأخيرة، التي درسَها جبريل على رسول الله ﷺ في آخر سنيِّ حياته، وكان سبب ذلك أن حُذَيْفَة بن اليَمان كان في بعض الغزوات، وقد اجتمع فيها خلقٌ من أهل الشام، ممَّنْ يقرأُ على قراءةِ المِقْدادِ بن الأسْود، وأبي الدَّرْداء، وجماعة من أهل العراق، ممَّنْ يَقْرأُ على قراءة عبد الله بن مسعود، وأبي موسى، وجعل من لا يعلم بَسَوغان القراءة على سبعة أحرف، يفضل قراءته على قراءة غيره، وربما خَطَّأ الآخر أو كَفَّره، فأدى ذلك إلى اختلاف شديد، وانتشار في الكلام السيء بين الناس، فركبَ حُذَيْفَة إلى عثمان فقال: يا أمير المؤمنين أدْرِكْ هذه الأمةَ قبلَ أن تختلف في كتابها كاختلافِ اليهود والنصارى في كتبهم. وذكر له مشاهدَ من اختلاف الناس في القراءة، فعند ذلك جمعَ عثمانُ الصحابةَ وشاورهم في ذلك، ورأى أن يكتب المصحف على حرف واحد، وأن يجمعَ الناسَ في سائر الأقاليم على القراءة به، دون ما سواه، لما رأى في ذلك من مصلحةِ كفِّ المنازعةِ، ودفعِ الاختلافِ، فاستدعى بالصُّحف التي كان الصّديقُ أمر زيدَ بن ثابت بجمعها، فكانت عند الصديق أيام حياته، ثم كانت عند عمر، فلما توفي صارت إلى حفصة أم المؤمنين، فاستدعى بها عثمان وأمر زيد بن ثابت الأنصاري أن يكتبَ وأن يمليَ عليه سعيدُ بن العاص الأموي، بحضرة عبد الله بن الزبير الأسدي وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، وأمرهم إذا اختلفوا في شيء أن يكتبوه بلغةِ قريشٍ، فكتبَ لأهل الشام مصحفاً، ولأهل مصر آخر، وبعث إلى البصرة مصحفاً وإلى الكوفة بآخر، وأرسل إلى مكة مصحفاً وإلى اليمن مثله، وأقر بالمدينة مصحفاً. ويقال لهذه (١) المصاحف الأئمة، وليست كلها بخطّ عثمان، بل ولا واحد منها، وإنما هي بخطّ زيد بن ثابت، وإنما يقال لها المصاحف العثمانية نسبةً إلى أمره وزمانه، وإمارته، كما يقال دينار هرقلي، أي ضُرب في زمانه ودولته. قال الواقدي (٢): حدَّثنا ابن أبي سبرة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة. ورواه غيره من وجه آخر عن أبي هريرة قال: لما نسخ عثمان المصاحف دخل عليه أبو هريرة فقال: أصَبْتَ ووُفِّقْتَ، أشهد لسمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إنَّ أشدَّ أمتي حُبًّا لي قومٌ يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني، يعملون بما في الورق المُعلَّق" (٣) فقلت: أيّ ورق؟ حتى رأيت المصاحف، قال: فأعجب ذلك عثمان، وأمر لأبى هريرة بعشرة آلاف، وقال: والله ما علمتُ أنّك لتحبس علينا حديث نبينا ﷺ .

стр. 3531

ثم عمد إلى بقية المصاحف التي بأيدي الناس مما يخالف ما كتبه فحرقه، لئلا يقع بسببه اختلاف. فقال أبو بكر بن أبي داود -في كتاب "المصاحف" (١) - حدَّثنا محمد بن بشار، حدَّثنا محمد بن جعفر وعبد الرحمن قالا: حدَّثنا شعبة، عن علقمة بن مَرْثِد (٢) عن رجل عن سُوَيْد بن غَفَلة قال: قال لي عليٌّ حين حرق عثمان المصاحف: لو لم يصنعْه هو لصنعته. وهكذا رواه أبو داود الطَّيالسي (٣) وعمرو بن مرزوق، عن شُعبة مثله. وقد رواه البَيْهقي (٤) وغيره من حديث محمد بن أبان -زوجِ أختِ حسين- عن علقمة بن مرثد قال: سمعتُ العَيْزار بن جرول سمعت سُويد بن غَفَلة قال: قال عليٌّ: أيها الناس! إياكم والغُلُوَّ في عثمان تقولون حرّق المصاحف، والله ما حرّقها إلا عن ملأ من أصحاب محمد ﷺ ، ولو وليت مثل ما ولي لفعلتُ (مثل) الذي فعل. وقد روي عن ابن مسعود (٥) أنه تعتّب لما أخذ منه مصحفه فحرِّق، وتكلَّم في تقدم إسلامه على زيد بن ثابت الذي كتب المصاحف، وأمر أصحابه أن يغلُّوا (٦) مصاحفهم، وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] فكتب إليه عثمان ﵁ يدعوه إلى اتباع الصحابة فيما أجمعوا عليه من المصلحة في ذلك، وجمع الكلمة، وعدم الاختلاف، فأناب وأجاب إلى المتابعة وترك المخالفة ﵃ أجمعين. وقد قال أبو إسحاق: عن عبد الرحمن بن يزيد: أن عبد الله بن مسعود دخل مسجد منى فقال كم صلَّى أميرُ المؤمنين الظهرَ؟ قالوا: أربعاً، فصلَّى ابنُ مسعود أربعاً، فقالوا: ألم تُحدِّثنا أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر صلّوا ركعتين؟ فقال: نعم! وأنا أحدثكموه الآن، ولكني أكره الاختلاف. وفي الصحيح (٧) أن ابن مسعود قال: ليت حظي من أربع ركعات ركعتين متقبلتين. وقال الأعمش (٨): حدَّثني معاوية بن قرة -بواسط- عن أشياخه قالوا:

стр. 3532

صلى عثمان الظهر بمنى أربعاً فبلغ ذلك ابن مسعود فعاب عليه، ثم صلى بأصحابه العصرَ في رَحْلِهِ أربعاً، فقيل له: عَتبتَ على عثمان وصليتَ أربعاً؟ فقال: إني أكره الخلاف -وفي رواية: الخلاف شر- فإذا كان هذا متابعة من ابن مسعود إلى عثمان في هذا الفرع فكيف بمتابعته إياه في أصل القرآن؟ والاقتداء به في التلاوة التي عزم على الناس أن يقرؤوا بها لا بغيرها؟ وقد حكى الزُّهري (١) وغيره: أن عثمان إنما (أتم) خشية على الأعراب أن يعتقدوا أن فرض الصلاة ركعتان، وقيل: بل قد تأهل بمكة. فروى أبو يعلى (٢)، وغيره من حديث عكرمة بن إبراهيم، حدَّثني عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذباب (٣)، عن أبيه: أنَّ عثمانَ صلَّى بهم بمنى أربع ركعات، ثم أقبل عليهم فقال: إني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إذا تزوَّجَ الرجلُ ببلد فهو من أهله" وإني أتمت لأني تزوجتُ بها منذ قدمتها. وهذا الحديث لا يصح، وقد تزوَّجَ رسول الله ﷺ في عمرة القضاء بميمونة بنت الحارث ولم يتمّ الصلاة، وقد قيل إن عثمان تأول أنه أمير المؤمنين حيث كان، وهكذا تأولت عائشة فأتمت، وفي هذا التأويل نظر، فإن رسول الله ﷺ هو رسول الله حيث كان، ومع هذا ما أتمَّ الصلاةَ في الأسفار. ومما كان يعتمده عثمان بن عفان أنه كان يُلْزمُ عُمَّاله بحضور الموسم كلَّ عام، ويكتب إلى الرعايا: منْ كانتْ له عند أحدٍ منهم مَظْلمةٌ فليوافِ إلى الموسم فإني آخذُ له حقَّه من عامله، وكان عثمانُ قد سمحَ لكثير من (كبار) الصحابة في المسير حيث شاؤوا من البلاد، وكان عمر يحجر عليهم في ذلك، حتى ولا في الغزو، ويقول: إني أخاف أن تروا الدنيا وأن يراكم (٤) أبناؤها، فلما خرجوا في زمان عثمان اجتمع عليهم الناس، وصار لكل واحد أصحاب، وطمع كل قوم في تولية صاحبهم الإمارةَ العامةَ بعد عثمان، فاستعجلوا موته، واستطالوا حياته، حتى وقعَ ما وقعَ من بعض أهلِ الأمصار، كما تقدَّم، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله العزيز الحكيم، العلي العظيم. ذكر زوجاته وبنيه وبناته ﵃ تزوج برُقيّة بنت رسول الله ﷺ فولد له منها عبد الله، وبه كان يُكنى، بعدما كان يُكنى في الجاهلية بأبي عمرو.

стр. 3533

ثمَّ لما توفيت تزوَّج بأختها أم كلثوم. ثمَّ توفيت فتزوج بفاختة بنت غزوان بن جابر، فولد له منها عبيد الله الأصغر. وتزوج بأم عمرو بنت جندب بن عمرو الأزدية، فولدت له عَمراً، وخالداً، وأبانا، وعمر، ومريم. وتزوج بفاطمة بنت الوليد بن عبد شمس المخزومية. فولدت له الوليد وسعيداً. وتزوج أم البنين بنت عيينة بن حصن الفزارية، فولدت له عبد الملك، ويقال: وعتبة. وتزوج رملة بنت شيبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي فولدت له عائشة وأم أبان وأم عمرو، بنات عثمان. وتزوج نائلة بنت الفرافصة بن الأحوص بن عمرو بن ثعلبة بن حصن بن ضَمْضَم بن عدي بن حيان بن كليب (١)، فولدت له مريم، ويقال: وعنبسة. وقتل ﵁ وعنده أربع: نائلة، ورملة، وأم البنين، وفاختة. ويقال: إنه طلق أم البنين وهو محصور. فصل تقدم في دلائل النبوة الحديث الذي رواه الإمام أحمد (٢) وأبو داود (٣) من حديث سفيان الثَّوري عن منصور عن ربعي بن ناجية الكاهلي، عن عبد الله بن مسعود، قال قال رسول الله ﷺ : "إن رحا الإسلام ستدور لخمس وثلاثين، أو ست وثلاثين، أو سبع وثلاثين، فإن تهلك (٤) فسبيل ما هلك وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سعبين عاماً" قال: فقال عمر يا رسول الله أبما مضى أم بما بقي؟ قال: "بل بما بقي" وفي لفظ له ولأبي داود " تدور رحا الإسلام لخمس وثلاثين، أو ست وثلاثين " الحديث. وكأن هذا الشك من الراوي، والمحفوظ في نفس الأمر خمس وثلاثون، فإن فيها قتل أمير المؤمنين عثمان على الصحيح، وقيل ست وثلاثين، والصحيح الأول وكانت أمور شنيعة ولكن الله سلَّم ووقى بحوله وقوّته فلم يكن بأسرع من أن بايع الناس علي بن أبي طالب ﵁، وانتظم الأمر، واجتمع الشمل، ولكن جرت (٥) بعد ذلك أمورٌ في يوم الجمل وأيام صفين على ما سنبينه إن شاء الله تعالى.

стр. 3534

فصل في ذكر من توفي في زمان دولة (١) عثمان ممن لا يعرف وقت وفاته على التعيين [على ما ذكره شيخنا أبو عبد الله الذهبي (٢)] أنس بن معاذ (٣) بن أنس بن قيس الأنصاري النجاري، ويقال له أُنَيْس أيضاً، شهد المشاهد كلها ﵁. أوس بن الصّامت (٤)، أخو عُبادة بن الصّامت الأنصاريان (٥) شهدا بدراً، وأوس هو زوج المجادلة المذكور في قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] (وامرأته) خوله (٦) بنت ثعلبة. أوس بن خَوَليّ (٧) الأَنْصاري من بني الحُبْلى، شهد بدراً، وهو المنفرد من بين الأنصار بحضور غسل النبي ﷺ ، والنزول مع أهله في قبره، ﵊. الجدُّ (٨) بن قيس (٩)، كان سيداً في الأنصار، ولكن كان بخيلاً ومتهماً بالنفاق، يقال إنه شهد بيعة الرضوان فلم يبايع، واستتر ببعير له، وهو الذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: ٩٤] الآية. وقد قيل إنه تاب وأقلع، فالله أعلم. الحُطَيْئَةُ (١٠) الشاعر المشهور. قيل اسمه جَرْول ويكنى بأبي مُلَيْكَة، من بني عبس، أدرك أيام الجاهلية، وأدرك صدراً من الإسلام، وكان يطوف في الآفاق يمتدح الرؤساء من الناس، ويستجديهم ويقال كان بخيلاً مع ذلك، سافر مرة فودع امرأته فقال لها: [من الكامل]

стр. 3535

عدّي السنينَ إذا خرجتُ لغيبةٍ (١) … ودَعي الشهورَ فإنهنَّ قصارُ (وكان مدّاحاً هجّاء، وله شعر جيد، ومن شعره ما قاله بين يَدَيْ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فاستجاد منه قوله (٢): [من البسيط] من يَفْعلِ الخيرَ لم يَعْدَمْ جَوائِزَهُ (٣) … لا يَذْهبُ العُرْفُ بينَ اللهِ والنّاسِ) خُبَيْب بن يساف (٤) بن عتبة الأنصاري أحد من شهد بدراً. سلمان بن ربيعة الباهلي (٥)، يقال له صحبةٌ، كان من الشجعان الأبطال (المذكورين)، والفرسان المشهورين، ولّاه عمر فضاء الكوفة، ثم ولي في زمن عثمان إمرة على قتال الترك، فقتل ببَلَنْجرَ (٦)، فقبره هناك في تابوت يستسقي به الترك إذا قحطوا. عبد الله بن حُذافة بن قيس القُرشي السَّهْمي (٧)، هاجر هو وأخوه قيس إلى الحبشة، وكان من سادات الصحابة، وهو القائل: يا رسول الله من أبي (٨)؟ -وكان إذا لاحى الرجالُ دعي لغير أبيه- فقال: "أبوك حذافة": (٩). وكان رسول الله ﷺ أرسله إلى كسرى فدفع كتابه إلى عظيم بصرى فبعث معه من يوصله إلى هرقل (١٠) كما تقدَّم، وقد أسرته الرومُ في زمن عمر بن الخطاب ﵁، في جملة ثمانين من المسلمين، فأرادوه على الكفر فأبى عليهم، فقال له الملك: قبِّل رأسي وأنا أطلقك ومن معك من المسلمين، فقبَّل رأسه (فأطلقهم، فلما قدم على عمر فال له: حقٌّ على كل مسلم أن يقبِّل رأسك، ثم قام عمر فقبَّل رأسه) قبل الناس ﵁. عبد الله بن سراقة (١١) بن المعتمر، العدوي صحابي أُحُديٌّ، وزعم الزهريُّ أنه شهد بدراً، فالله أعلم.

стр. 3536

عبد الله بن قيس (١) بن خالد الأنصاري، شهد بدراً. عبد الرحمن بن سهل (٢) بن زيد الأنصاري الحارثي، شهد أحداً وما بعدها. وقال ابن عبد البر: شهد بدراً. استعمله عمر على البصرة بعد موت عتبة بن غزوان، وقد نهشته حية فرقاه عمارة بن حزم، وهو القائل لأبي بكر -وقد جاءته جدتان فأعطى السدس أم الأم وترك الأخرى وهي أم الأب- فقال له: أعطيت التي لو ماتت لم ترثها، (وتركت التي لو ماتت لورثتها)، فشرَّك بينهما. عمرو بن سراقة (٣) بن المعتمر العدوي أخو عبد الله بن سراقة، وهو بدري كبير، روي أنه جاع مرة فربط حجراً على بطنه من شدة الجوع، ومشى يومه ذلك إلى الليل، فأضافه قوم من العرب ومن معه، فلما شبع قال لأصحابه: كنت أحسب الرِّجْلَيْن يحملان البطن، فإذا البطن يحمل الرِّجْلَيْن. عمير بن سعد الأنصاري (٤) الأوسي، صحابي جليل القدر، كبير المحل، كان يقال له نسيجَ وحدِهِ، لكثرة زهادته وعبادته، شهد فتحَ الشام مع أبي عُبيدة، ونابَ بحمص وبدمشق أيضاً في زمان عمر، فلما كانت خلافةُ عثمان عزله وولّى معاويةَ الشامَ بكماله، وله أخبار يطول ذكرها. عروة بن حزام (٥) أبو سعيد العُذري كان شاعراً مُغْرَماً في ابنةِ عمٍ له، وهي عفراء بنت مهاجر، يقول فيها الشعر واشتهر بحبها. فارتحل أهلها من الحجاز إلى الشام، فتبعهم عروة فخطبها إلى عمه فامتنع من تزويجه لفقره، وزوجها بابن عمها الآخر، فهلك عروة هذا في محبتها، وهو مذكور في كتاب "مصارع العشاق" (٦)، ومن شعره فيها قوله (٧): [من الطويل] وما هو (٨) إلا أنْ أراها فُجاءةً … فأبهتُ حتَّى ما أكادُ أجيبُ وأُصْرَفُ عن رَأْيي الذي كنت أرتئي … وأنْسَى الَّذي أعْددتُ حينَ تَغيبُ قطبة بن عامر (٩) أبو زيد الأنصاري عَقَبيٌّ بَدْري.

стр. 3537

قيس بن قهد (١) بن قيس بن ثعلبة الأنصاري النجاري، له حديث في الركعتين قبل الفجر، وزعم ابن ماكولا أنه شهد بدراً، قال مصعب الزبيري: هو جد يحيى بن سعيد الأنصاري، وقال الأكثرون: بل هو جد أبي مريم عبد الغفار بن القاسم الكوفي، فالله أعلم. لبيد بن ربيعة (٢) أبو عقيل العامري الشاعر المشهور. صح أن رسول الله ﷺ قال (٣): "أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد" [من الطويل] ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ … وتمام البيت: وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائلُ فقال عثمان بن مظعون: إلا نعيم الجنة، وقد قيل إنه توفي سنة إحدى وأربعين، فالله أعلم. المسيب بن حزن (٤) بن أبي وهب المخزومي، شهد بيعة الرضوان وهو والد سعيد بن المسيب سيد التابعين. معاذ بن عمرو بن الجموح (٥) الأنصاري شهد بدراً، وضرب يومئذ أبا جهل بسيفه فقطع رجله، وحمل عكرمة بن أبي جهل على معاذ هذا فضربه بالسيف فحل يده من كتفه، فقاتل بقية يومه وهي معلقة يسحبها خلفه، قال معاذ: فلما انتهيت وضعت قدمي عليها ثم تمطيت عليها حتى طرحتها ﵁. (وعاش بعد ذلك إلى هذه السنة سنة خمس وثلاثين). محمد بن جعفر (٦) بن أبي طالب، القرشي الهاشمي، ولد لأبيه وهو بالحبشة، فلما هاجر إلى المدينة سنة خيبر، وتوفي يوم مؤتة شهيداً، جاء رسول الله ﷺ إلى منزلهم فقال لأمهم أسماء بنت عميس: " إيتيني ببني أخي " فجيء بهم كأنهم أفرخ فجعل يقبِّلهم، ويشمهم ويبكي، فبكت أمهم فقال: " أتخافين عليهم العيلة وأنا وليهم في الدنيا والآخرة؟ " ثم أمر الحلاق فحلق رؤوسهم (٧). وقد

стр. 3538

مات محمد وهو شاب في أيام عثمان كما ذكرنا، وزعم ابن عبد البر (١) أنه توفي في تستر، فالله أعلم. معبد بن العباس (٢) بن عبد المطلب ابن عم رسول الله ﷺ ، قتل شاباً بإفريقية من بلاد المغرب. مُعَيْقيب بن أبي فاطمة الدَّوْسي (٣)، صاحب خاتم النبي ﷺ ، قيل توفي في أيام عثمان، وقيل قبل ذلك، وقيل سنة أربعين، والله أعلم. منقذ بن عمرو الأنصاري (٤)، أحد بني مازن بن النجار، كان قد أصابته آمَّة (٥) في رأسه فكسرت لسانه، وضعف عقله، وكان يكثر من البيع والشراء، فقال له النبي ﷺ (٦): " من بايعت فقل لا خِلابة، ثم أنت بالخيار في كل ما تشتريه ثلاثة أيام" قال الشافعي: كان مخصصاً بإثبات الخيار ثلاثة في كل بيع، سواء اشترط الخيار أم لا. نعيم بن مسعود (٧)، أبو سلمة الغطفاني، وهو الذي خذَّل بين الأحزاب وبين بني قريظة كما قدمناه، فله بذلك اليد البيضاء، والراية العليا. أبو ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي (٨)، الشاعر، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد موت النبي ﷺ ، وشهد يوم السقيفة وصلى على النبي ﷺ ، وكان أشعر هذيل، وهذيل أشعر العرب، وهو القائل (٩): [من الكامل] وإذا المَنيَّةُ أنشَبَتْ أظْفَارها … ألْفَيْتَ كُلَّ تَميمةٍ لا تَنْفعُ وتَجلُّدي للشّامتينَ أريهمُ … أنّي لِرَيْب الدَّهْرِ لا أتَضَعْضَعُ توفي غازياً بإفريقية في خلافة عثمان. أبو رهم سبرة بن عبد العزى القرشي الشاعر ذكره في هذا الفصل محمد بن سعد وحده (١٠).

стр. 3539

أبو زبيد الطائي (١)، الشاعر، اسمه حرملة بن المنذر (كان نصرانياً) وكان يجالس الوليد بن عقبة فأدخله على عثمان فاستنشده شيئاً من شعره، فأنشده قصيدة له في الأسد بديعة، فقال له عثمان: تفتأ تذكر الأسد ما حييت؟ إني لأحسبك جباناً نصرانياً. أبو سبرة بن أبي رهم العامري (٢)، أخو أبي سلمة بن عبد الأسد، أمهما برة بنت عبد المطلب، هاجر إلى الحبشة وشهد بدراً وما بعدها، قال الزبير: لا نعلم بدرياً سكن مكة بعد النبي ﷺ سواه، قال: وأهله ببدر في ذلك. أبو لبابة (٣) بن عبد المنذر أحد نقباء ليلة العقبة، وقيل إنه توفي في خلافة علي، والله أعلم. أبو هاشم بن عتبة تقدم وفاته في سنة إحدى وعشرين، وقيل في خلافة عثمان، والله أعلم (٤). * * *

стр. 3540

خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (١) ﵁ ولنذكر شيئاً (٢) من ترجمته على سبيل الاختصار قبل ذلك. هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - واسمه عبد مناف -بن عبد المطلب - واسمه شيبة - بن هاشم - واسمه عمرو - بن عبد مناف - واسمه المغيرة - بن قصي - واسمه زيد بن كلاب بن مُرَّة بن كعب بن لُؤَيّ بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النَّضر بن كِنانة بن خزيمة بن مُدْركة بن إلياس بن مُضر بن نِزار بن مَعدّ بن عدنان، أبو الحسن والحسين، ويكنى بأبي تراب، وأبي القاسم (٣) الهاشمي، ابن عم رسول الله ﷺ ، وختنه (٤) على ابنته فاطمة الزهراء. وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قُصي، ويقال: إنَّها أولُ هاشميةٍ ولدت هاشمياً (٥). وكان له من الأخوة: طالبٌ، وعقيلٌ، وجعفرٌ (٦)، وكانوا أكبرَ منه، بين كل واحد منهم وبين الآخر عشر سنين، له أختان؛ أم هانئ وجمانة، وكلهم من فاطمة بنت أسد، وقد أسلمت وهاجرت. وكان عليٌّ أحدَ العشرةِ المشهود لهم بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى، وكان ممن توفي رسول الله ﷺ [وهو] راضٍ عنهم. وكان رابعَ الخلفاء الراشدين وكان رجلاً آدمَ شديد الأدمة أشكل العينين عظيمهما، ذو بطن، أصلع، وهو إلى القصر أقرب، وكان عظيم اللحية، قد ملأت صدره ومنكبيه، أبيضها، وكان كثيرَ شعر الصَّدْرِ والكتفين، حسنَ الوجه، ضحوكَ السّنِّ، خفيف المشي على الأرض. أسلم عليٌّ قديماً، وهو ابن سبع، وقيل (ابن) ثمان، وقيل تسع، وقيل عشر، وقي ل إحدى عشرة، وقيل اثنتي عشرة، وقيل ثلاث عشرة،
следующие страницы →