← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

عبد الله بن قيس (١) بن خالد الأنصاري، شهد بدراً. عبد الرحمن بن سهل (٢) بن زيد الأنصاري الحارثي، شهد أحداً وما بعدها. وقال ابن عبد البر: شهد بدراً. استعمله عمر على البصرة بعد موت عتبة بن غزوان، وقد نهشته حية فرقاه عمارة بن حزم، وهو القائل لأبي بكر -وقد جاءته جدتان فأعطى السدس أم الأم وترك الأخرى وهي أم الأب- فقال له: أعطيت التي لو ماتت لم ترثها، (وتركت التي لو ماتت لورثتها)، فشرَّك بينهما. عمرو بن سراقة (٣) بن المعتمر العدوي أخو عبد الله بن سراقة، وهو بدري كبير، روي أنه جاع مرة فربط حجراً على بطنه من شدة الجوع، ومشى يومه ذلك إلى الليل، فأضافه قوم من العرب ومن معه، فلما شبع قال لأصحابه: كنت أحسب الرِّجْلَيْن يحملان البطن، فإذا البطن يحمل الرِّجْلَيْن. عمير بن سعد الأنصاري (٤) الأوسي، صحابي جليل القدر، كبير المحل، كان يقال له نسيجَ وحدِهِ، لكثرة زهادته وعبادته، شهد فتحَ الشام مع أبي عُبيدة، ونابَ بحمص وبدمشق أيضاً في زمان عمر، فلما كانت خلافةُ عثمان عزله وولّى معاويةَ الشامَ بكماله، وله أخبار يطول ذكرها. عروة بن حزام (٥) أبو سعيد العُذري كان شاعراً مُغْرَماً في ابنةِ عمٍ له، وهي عفراء بنت مهاجر، يقول فيها الشعر واشتهر بحبها. فارتحل أهلها من الحجاز إلى الشام، فتبعهم عروة فخطبها إلى عمه فامتنع من تزويجه لفقره، وزوجها بابن عمها الآخر، فهلك عروة هذا في محبتها، وهو مذكور في كتاب "مصارع العشاق" (٦)، ومن شعره فيها قوله (٧): [من الطويل] وما هو (٨) إلا أنْ أراها فُجاءةً … فأبهتُ حتَّى ما أكادُ أجيبُ وأُصْرَفُ عن رَأْيي الذي كنت أرتئي … وأنْسَى الَّذي أعْددتُ حينَ تَغيبُ قطبة بن عامر (٩) أبو زيد الأنصاري عَقَبيٌّ بَدْري.

стр. 3537

قيس بن قهد (١) بن قيس بن ثعلبة الأنصاري النجاري، له حديث في الركعتين قبل الفجر، وزعم ابن ماكولا أنه شهد بدراً، قال مصعب الزبيري: هو جد يحيى بن سعيد الأنصاري، وقال الأكثرون: بل هو جد أبي مريم عبد الغفار بن القاسم الكوفي، فالله أعلم. لبيد بن ربيعة (٢) أبو عقيل العامري الشاعر المشهور. صح أن رسول الله ﷺ قال (٣): "أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد" [من الطويل] ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ … وتمام البيت: وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائلُ فقال عثمان بن مظعون: إلا نعيم الجنة، وقد قيل إنه توفي سنة إحدى وأربعين، فالله أعلم. المسيب بن حزن (٤) بن أبي وهب المخزومي، شهد بيعة الرضوان وهو والد سعيد بن المسيب سيد التابعين. معاذ بن عمرو بن الجموح (٥) الأنصاري شهد بدراً، وضرب يومئذ أبا جهل بسيفه فقطع رجله، وحمل عكرمة بن أبي جهل على معاذ هذا فضربه بالسيف فحل يده من كتفه، فقاتل بقية يومه وهي معلقة يسحبها خلفه، قال معاذ: فلما انتهيت وضعت قدمي عليها ثم تمطيت عليها حتى طرحتها ﵁. (وعاش بعد ذلك إلى هذه السنة سنة خمس وثلاثين). محمد بن جعفر (٦) بن أبي طالب، القرشي الهاشمي، ولد لأبيه وهو بالحبشة، فلما هاجر إلى المدينة سنة خيبر، وتوفي يوم مؤتة شهيداً، جاء رسول الله ﷺ إلى منزلهم فقال لأمهم أسماء بنت عميس: " إيتيني ببني أخي " فجيء بهم كأنهم أفرخ فجعل يقبِّلهم، ويشمهم ويبكي، فبكت أمهم فقال: " أتخافين عليهم العيلة وأنا وليهم في الدنيا والآخرة؟ " ثم أمر الحلاق فحلق رؤوسهم (٧). وقد

стр. 3538

مات محمد وهو شاب في أيام عثمان كما ذكرنا، وزعم ابن عبد البر (١) أنه توفي في تستر، فالله أعلم. معبد بن العباس (٢) بن عبد المطلب ابن عم رسول الله ﷺ ، قتل شاباً بإفريقية من بلاد المغرب. مُعَيْقيب بن أبي فاطمة الدَّوْسي (٣)، صاحب خاتم النبي ﷺ ، قيل توفي في أيام عثمان، وقيل قبل ذلك، وقيل سنة أربعين، والله أعلم. منقذ بن عمرو الأنصاري (٤)، أحد بني مازن بن النجار، كان قد أصابته آمَّة (٥) في رأسه فكسرت لسانه، وضعف عقله، وكان يكثر من البيع والشراء، فقال له النبي ﷺ (٦): " من بايعت فقل لا خِلابة، ثم أنت بالخيار في كل ما تشتريه ثلاثة أيام" قال الشافعي: كان مخصصاً بإثبات الخيار ثلاثة في كل بيع، سواء اشترط الخيار أم لا. نعيم بن مسعود (٧)، أبو سلمة الغطفاني، وهو الذي خذَّل بين الأحزاب وبين بني قريظة كما قدمناه، فله بذلك اليد البيضاء، والراية العليا. أبو ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي (٨)، الشاعر، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد موت النبي ﷺ ، وشهد يوم السقيفة وصلى على النبي ﷺ ، وكان أشعر هذيل، وهذيل أشعر العرب، وهو القائل (٩): [من الكامل] وإذا المَنيَّةُ أنشَبَتْ أظْفَارها … ألْفَيْتَ كُلَّ تَميمةٍ لا تَنْفعُ وتَجلُّدي للشّامتينَ أريهمُ … أنّي لِرَيْب الدَّهْرِ لا أتَضَعْضَعُ توفي غازياً بإفريقية في خلافة عثمان. أبو رهم سبرة بن عبد العزى القرشي الشاعر ذكره في هذا الفصل محمد بن سعد وحده (١٠).

стр. 3539

أبو زبيد الطائي (١)، الشاعر، اسمه حرملة بن المنذر (كان نصرانياً) وكان يجالس الوليد بن عقبة فأدخله على عثمان فاستنشده شيئاً من شعره، فأنشده قصيدة له في الأسد بديعة، فقال له عثمان: تفتأ تذكر الأسد ما حييت؟ إني لأحسبك جباناً نصرانياً. أبو سبرة بن أبي رهم العامري (٢)، أخو أبي سلمة بن عبد الأسد، أمهما برة بنت عبد المطلب، هاجر إلى الحبشة وشهد بدراً وما بعدها، قال الزبير: لا نعلم بدرياً سكن مكة بعد النبي ﷺ سواه، قال: وأهله ببدر في ذلك. أبو لبابة (٣) بن عبد المنذر أحد نقباء ليلة العقبة، وقيل إنه توفي في خلافة علي، والله أعلم. أبو هاشم بن عتبة تقدم وفاته في سنة إحدى وعشرين، وقيل في خلافة عثمان، والله أعلم (٤). * * *

стр. 3540

خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (١) ﵁ ولنذكر شيئاً (٢) من ترجمته على سبيل الاختصار قبل ذلك. هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - واسمه عبد مناف -بن عبد المطلب - واسمه شيبة - بن هاشم - واسمه عمرو - بن عبد مناف - واسمه المغيرة - بن قصي - واسمه زيد بن كلاب بن مُرَّة بن كعب بن لُؤَيّ بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النَّضر بن كِنانة بن خزيمة بن مُدْركة بن إلياس بن مُضر بن نِزار بن مَعدّ بن عدنان، أبو الحسن والحسين، ويكنى بأبي تراب، وأبي القاسم (٣) الهاشمي، ابن عم رسول الله ﷺ ، وختنه (٤) على ابنته فاطمة الزهراء. وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قُصي، ويقال: إنَّها أولُ هاشميةٍ ولدت هاشمياً (٥). وكان له من الأخوة: طالبٌ، وعقيلٌ، وجعفرٌ (٦)، وكانوا أكبرَ منه، بين كل واحد منهم وبين الآخر عشر سنين، له أختان؛ أم هانئ وجمانة، وكلهم من فاطمة بنت أسد، وقد أسلمت وهاجرت. وكان عليٌّ أحدَ العشرةِ المشهود لهم بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى، وكان ممن توفي رسول الله ﷺ [وهو] راضٍ عنهم. وكان رابعَ الخلفاء الراشدين وكان رجلاً آدمَ شديد الأدمة أشكل العينين عظيمهما، ذو بطن، أصلع، وهو إلى القصر أقرب، وكان عظيم اللحية، قد ملأت صدره ومنكبيه، أبيضها، وكان كثيرَ شعر الصَّدْرِ والكتفين، حسنَ الوجه، ضحوكَ السّنِّ، خفيف المشي على الأرض. أسلم عليٌّ قديماً، وهو ابن سبع، وقيل (ابن) ثمان، وقيل تسع، وقيل عشر، وقي ل إحدى عشرة، وقيل اثنتي عشرة، وقيل ثلاث عشرة،

стр. 3541

وقيل أربع عشرة، وقيل (ابن) خمس عشرة، أو ست عشرة سنة قاله عبد الرزاق (١) عن معمر، عن قتادة، عن الحسن. ويقال إنه أول من أسلم (٢) من الغلمان، كما أن خديجة أول من أسلمت (٣) من النساء، وزيد بن حارثة أول من أسلم من الموالي، وأبو بكر الصديق أول من أسلم من الرجال الأحرار (٤). وكان سبب إسلام عليّ صغيراً أنه كان في كفالة رسول الله ﷺ ، لأنه كان قد أصابتهم سنةُ مجاعةٍ، فأخذه من أبيه، فكان عنده (٥)، فلما بعثه الله بالحقّ آمنت خديجة وأهل البيت ومن جملتهم علي، وكان الإيمان النافع المتعدي نفعه إلى الناس إيمان الصّدّيق ﵁. وقد ورد عن علي أنه قال: أنا أولُ من أسلم. ولا يصحّ إسناده إليه. وقد رُوي في هذا المعنى أحاديث أوردها ابن عساكر (٦) [وهي] كثيرة منكرة لا يصحّ شيٌ منها، والله أعلم. وقد روى الإمام أحمد (٧) من حديث شعبة، عن عمرو بن مُرَّة، سمعت أبا حمزة -رجلاً من موالي الأنصار- قال: سمعت زيد بن أرقم يقول: أول من أسلم مع رسول الله ﷺ عليٌّ. وفي رواية أول من صلَّى. قال عمرو: فذكرت ذلك للنَّخعي فأنكره، وقال: أبو بكر أول من أسلم (٨). وقال محمد بن كعب القرظي: أول من آمن من النساء خديجة وأول رجلين آمنا أبو بكر وعلي، ولكن كان أبو بكر يظهر إيمانه وعلي يكتم إيمانه. قلت: يعني خوفاً من أبيه، ثم أمره أبوه بمتابعة ابن عمه ونصرَته، وهاجر عليٌّ بعد خروج رسول الله ﷺ من مكة وكان قد أمره بقضاء ديونه وردّ ودائعه، ثم يلحق به، فامتثل ما أمره به، ثم هاجر، وآخى النبي ﷺ . بينه وبين سهل بن حنيف. وذكر ابن إسحاق وغيره من أهل السير والمغازي أن رسول الله ﷺ آخى بينه وبين نفسه (٩)، وقد

стр. 3542

ورد في ذلك أحاديث كثيرة لا يصح شيء منها لضعف أسانيدها، ورِكَّة بعض متونها. فإنَّ في بعضها: " أنت أخي ووارثي وخليفتي وخير من أُمِّر بعدي" وهذا الحديث موضوع مخالف لما ثبت في الصحيحين (١) وغيرهما، والله أعلم (٢). وقد شهد علي بدراً وكانت له اليدُ البيضاء فيها، بارز يومئذ فغلب وظهر وفيه، وفي عمه حمزة وابن عمه عبيدة بن الحارث وخصومهم الثلاثة -عتبة وشيبة والوليد بن عتبة- نزل قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] الآية. وقال الحكم وغيره عن مِقْسَم عن ابن عباس قال (٣): دفعَ النبيُّ الرايةَ يوم بدرٍ إلى عليّ وهو ابن عشرين سنة. وقال الحسن بن عرفة: (حدَّثني) عمار بن محمد، عن سعيد بن محمد الحنظلي، عن أبي جعفر محمد بن علي قال: نادى منادٍ في السماء يومَ بدر يُقال له رضوان: لا سيفَ إلا ذو الفقار ولا فتىً إلا علي. قال ابن عساكر (٤): وهذا مرسل وإنما تنفل رسول الله ﷺ سيفه ذا الفقار يوم بدر ثم وهبه من علي بعد ذلك. وقال يونس بن بُكَيْر: عن مسعر (٥)، عن أبي عوف عن أبي صالح عن علي قال: قيل لي يوم بدر ولأبي بكر قيل لأحدنا معك (٦) جبريل ومع الآخر ميكائيل قال وإسرافيل ملك عظيم يشهد القتال ولا يقاتل ويكون في الصف. وشهد عليٌّ أُحُداً وكان على الميمنة ومعه الراية بعد مصعب بن عمير، وعلى الميسرة المنذر بن عمرو الأنصاري، وحمزة بن عبد المطلب على القلب، وعلى الرَّجَّالة الزبير بن العوام وقيل المقداد بن الأسود، وقد قاتل علي يوم أحد (٧) قتالاً شديداً، وقتل خلقاً كثيراً من المشركين، وغسل عن وجه النبي ﷺ الدم الذي كان أصابه من الجراح حين شُجَّ في وجهه (٨) وكُسرتْ (٩) رباعيتُه، وشهدَ يوم الخندق فَقَتلَ يومئذ فارسَ العرب، وأحدَ شجعانهم المشاهير، عمرو بن عَبْد ودٍّ العامري، كما قدّمنا ذلك في غزوة الخندق، وشهدَ الحُدَيْبية وبيعةَ الرِّضْوان، وشهدَ خيبرَ وكانت له بها مواقفُ هائلةٌ،

стр. 3543

ومشاهد طائلة، منها أنَّ رسول الله ﷺ قال (١): "لأعطينَّ الرايةَ غداً رجلاً يحبُّ الله ورسولَه، ويحبُّه الله ورسولُه" فباتَ الناس [ليلتهم] يدوكون أيّهم يعطاها، فدعا علياً -وكان أرمدَ- فدعا له، وبصقَ في عينه فلم يرمد بعدها، فبرأ وأعطاه الرايةَ، ففتح الله على يديه، وقتل مرحباً (٢) اليهودي. وذكر محمد بن إسحاق (٣): عن عبد الله بن حسن عن بعض أهله عن أبي رافع أن يهودياً ضرب علياً فطرح ترسه، فتناول باباً عند الحصن فتترس به، فلم يزل في يده حتى فتح الله على يديه ثم ألقاه من يده، قال أبو رافع: فلقد رأيتني أنا وسبعة (معي) نجتهد أن نقلب ذلك الباب على ظهره يوم خيبر فلم نستطع. وقال ليث: عن أبي جعفر عن جابر أن علياً حمل الباب على ظهره يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه ففتحوها، فلم يحمله إلا أربعون رجلاً. ومنها أنه قتل مرحباً فارس يهود وشجعانهم. وشهد عليٌّ عمرة القضاء وفيها قال له النبي ﷺ (٤): " أنت مني، وأنا منك" وأما [ما] يذكره كثير من القصاص في مقاتلة عليّ (٥) الجن في بئر ذات العلم -وهو بئر قريب من الجحفة- فلا أصل له، وهو من وضع الجهلة من الأخباريين فلا يغتر به (٦). وشهد الفتح وحنيناً والطائف، وقاتل في هذه المشاهد قتالًا كثيراً، واعتمر من الجعرانة مع رسول الله ﷺ ولما خرج رسول الله ﷺ إلى تبوك واستخلفه على المدينة، قال له: يا رسول الله أتخلفني مع النساء والصبيان؟ فقال (٧): " ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي". وبعثه رسول الله ﷺ أميراً وحاكماً على اليمن، ومعه خالد بن الوليد، ثم وافى رسول الله ﷺ عام [حجة] الوداع، إلى مكة، وساق معه هدياً، وأهلَّ كإهلال النبيّ ﷺ ، فأشركه في هَدْيِهِ، واستمرَّ على

стр. 3544

إحرامه، (ونحرا هديهما بعد فراغ نسكهما كما تقدم) ولما مرض رسول الله ﷺ قال له العباس: سلْ رسولَ الله ﷺ فيمن الأمر بعده؟ فقال: والله لا أسأله فإنه إن منعناها لا يعطيناها الناس بعده أبداً، والأحاديث الصحيحة الصريحة دالة على أن رسول الله ﷺ لم يوص إليه ولا إلى غيره بالخلافة، بل لوَّح بذكرِ الصدِّيقِ؛ وأشار [إشارة] مفهمة ظاهرة جداً إليه، كما قدمنا ذلك ولله الحمد. وأما ما يفتريه كثيرٌ من جَهَلةِ الشِّيعة والقصاص (الأغبياء)، من أنه أوصى إلى عليٍّ بالخلافة، فكذبٌ وبهتٌ وافتراءٌ عظيمٌ يلزمُ منه خطأٌ كبيرٌ، من تخوين (١) الصحابة وممالأتهم بعده على ترك إنفاذ وصيته وإيصالها إلى منْ أوصى إليه، وصرفهم إياها إلى غيره، لا لمعنى ولا لسبب، وكلُّ مؤمنٍ بالله ورسوله متحقق (٢) أن دينَ الإسلام هو الحق، يعلم بطلان هذا الافتراء، لأنّ الصحابةَ كانوا خيرَ الخلقِ بعد الأنبياء، وهم خيرُ قرون هذه الأمة، التي هي أشرفُ الأمم بنصّ القرآن؛ وإجماع السلف والخلف، في الدنيا والآخرة، (ولله الحمد). وما قد يقصُّه بعضُ القُصّاص من العوام وغيرهم في الأسواق وغيرها من الوصية لعليّ في الآداب والأخلاق (٣) في المأكل والمشرب والملبس مثل ما يقولون: يا علي لا تعتمّ وأنت قاعد، يا علي لا تلبس سراويلك وأنت قائم، يا علي لا تمسك عضادتي الباب، ولا تجلس على أُسْكُفَّة الباب، ولا تُخيّطْ ثوبك وهو عليك، ونحو ذلك، كل ذلك من الهذيانات، فلا أصل لشيء منه (٤)، بل هو اختلاق (٥) (بعض السَّفلة الجَهلة، ولا يعوِّل على ذلك ويغتر به إلا غبي عيي). ثم لما مات رسول الله ﷺ كان عليٌّ من جملة من غسله وكفنه وولي دفنه كما تقدم ذلك (مفصلاً ولله الحمد والمنة). وسيأتي في باب فضائله ذكر تزويج رسول الله ﷺ له من فاطمة بعد وقعة بدر فولد له منها حسن وحسين ومحسن (كما قدّمنا). وقد وردت أحاديثُ في ذلك لا يصحّ شيء منها بل أكثرها من وضع الروافض والقصاص. ولما بويع الصديقُ يومَ السقيفة كان علي من جملة من بايعَ بالمسجد (كما قدّمنا). وكان بين يدي الصديق كغيره من أمراء الصحابة يرى طاعته فرضاً عليه، وأحب الأشياء إليه. ولما توفيت فاطمة بعد ستة أشهر -وكانت قد تغضبت بعض الشيء (٦) على أبي بكر بسبب الميراث الذي فاتها من أبيها ﵇، ولم تكن اطلعت على النص المختص بالأنبياء وأنهم لا يورثون، فلما

стр. 3545

بلغها سألت أبا بكر أن يكون زوجها ناظراً على هذه (١) الصدقة، فأبى ذلك عليها، فبقي في نفسها شيء كما قدّمنا، واحتاج علي أن يداريها بعض المداراة، فلما توفيت جدد البيعةَ مع الصديق ﵄، فلما توفي أبو بكر وقام عمر في الخلافة بوصية أبي بكر إليه بذلك: كان علي من جملة من بايعه، وكان معه يشاوره في الأمور، ويقال إنه استقضاه في أيام خلافته، وقدم معه من جملة سادات أمراء الصحابة إلى الشام؛ وشهد خطبته بالجابية، فلما طعن عمر وجعل الأمر شورى في ستةٍ أحدُهم عليٌّ، (ثم خلص منهم بعثمان وعلي كما قدمنا)، فقدم عثمان على عليٍّ، فسمع وأطاع. فلما قُتل عثمان يوم الجمعة لثمان عشرةَ خلت من ذي الحجة سنة خمسٍ (٢) وثلاثين على المشهور، عدل الناس إلى علي فبايعوه، قبل أن يدفن عثمان. وقيل بعد دفنه كما تقدم، وقد امتنع علي من إجابتهم (٣) إلى قبول الأمارة حتى تكرر قولهم له وفر منهم إلى حائط بني عمرو بن مبذول، وأغلق بابه فجاء الناس فطرقوا الباب وولجوا عليه، وجاءوا معهم بطلحة والزبير، فقالوا له: إن هذا الأمر لا يمكن بقاؤه بلا أمير، ولم يزالوا به حتى أجاب. ذكر بيعة علي ﵁ بالخلافة يقال: إنَّ أولَ من بايعه طلحةُ بيده اليُمنى وكانت شَلاَّء (٤) من يوم أُحدٍ - لما وقى بها رسولَ الله ﷺ فقال بعضُ القوم: والله إن هذا الأمر لا يتمّ، وخرج عليٌّ إلى المسجد فصعد المنبر وعليه إزارٌ وعمامةُ خزٍّ ونعلاه في يده، يتوكَّأ على قوسه، فبايَعه عامَّةُ الناس، وذلك يوم السَّبت التاسع عشر من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، ويقال: إن طلحة والزبير إنما بايعاه بعد أن طلبهما وسألاه أن يؤمِّرهما على البصرة والكوفة، فقال لهما: بل تكونان عندي أستأنسُ بكما. ومن الناس من يزعم أنه لم يبايعه طائفة من الأنصار، منهم حَسَّان بن ثابتٍ، وكعبُ بن مالكٍ، ومسلمة بن مخلدٍ، وأبو سعيد، ومحمد بن مسلمة، والنُّعمان بن بَشير، وزيدُ بن ثابتٍ، ورافع بن خديجٍ، وفضالةُ بن عبيد، وكعب بن عُجْرة. ذكره ابن جرير (٥) من طريق المدائني، عن شيخ من بني هاشم، عن عبد الله بن الحسن. قال المدائني: حدَّثني منْ سمع الزهري يقول: هرب قوم من المدينة إلى الشام ولم يبايعوا

стр. 3546

علياً، ولم يبايعه قدامة بن مظعون، وعبد الله بن سلام، والمغيرة بن شعبة. قلت: وهرب مروان بن الحكم والوليد بن عقبة وآخرون إلى الشام. وقال الواقدى (١): بايع الناسُ علياً بالمدينة، وتربص سبعة نفر لم يبايعوا، منهم ابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وصهيب، وزيد بن ثابت، ومحمد بن أبي مسلمة، وسلمة بن سلامة بن وقش، وأسامة بن زيد، ولم يتخلَّف أحدٌ من الأنصار إلَّا بايع فيما نعلم. وذكر سيف بن عمر (٢) عن جماعة من شيوخه قالوا: بقيتِ المدينةُ خمسةَ أيامٍ بعد مقتل عثمان وأميرُها الغافقيُّ بن حرب، يلتمسون منْ يُجيبهم إلى القيام بالأمر. والمصريون يلحُّون على عليّ وهو يهربُ منهم إلى الحيطان، ويطلب الكوفيون الزُّبير فلا يجدونه، والبصريون يطلبون طلحة فلا يجيبهم، فقالوا فيما بينهم لا نولي أحداً من هؤلاء الثلاثة، فمضوا إلى سعد بن أبي وقاص فقالوا: إنك من أهل الشورى فلم يقبل منهم، ثم راحوا (٣) إلى ابن عمر فأبى عليهم، فحاروا في أمرهم، ثم قالوا: إن نحن رجعنا إلى أمصارنا بقتل عثمان من غير إمرة اختلف الناسُ في أمرهم ولم نسلم، فرجعوا إلى عليٍّ فألحوا عليه، وأخذ الأشترُ بيده فبايعه وبايعه الناسُ. وأهل الكوفةِ يقولون: أولُ من بايعه الأشترُ النَّخعي وذلك يوم الخميس الرابعُ والعشرون من ذي الحجة، وذلك بعد مراجعة الناس له في ذلك، وكلهم يقول: لا يصلح لها إلا عليّ، فلما كان يوم الجمعة وصعد (عليٌّ) المنبر بايعه من لم يبايعه بالأمس، وكان أول من بايعه طلحة بيده الشلاء، فقال قائل: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم الزبير، ثم قال الزبير: إنما بايعت علياً واللج على عنقي والسلام (٤)، ثم راح إلى مكة فأقام أربعة أشهر، وكانت هذه البيعة يوم الجمعة لخمسٍ (٥) بقين من ذي الحجة. وكان أول خطبةٍ (٦) خطبها أنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله تعالى أنزل كتاباً هادياً بيَّن فيه الخير والشر، فخذوا بالخير ودعوا الشرَّ، إن الله حَرَّم حُرَماً [غير] مجهولة، وفَضَّلَ حُرْمةَ المُسلم على الحُرَم كلِّها، وشدَّ بالإخلاصِ والتوحيدِ حقوقَ المسلمين، والمسلمُ من سلم المسلمون (٧) من لسانه ويده إلَّا بالحق، لا يحل لمسلم أذى مسلم إلا بما يجبُ، بادروا أمر العامة، وخاصَّة أحدكم الموت (٨)، فإنّ

стр. 3547

الناسَ أمامكم، وإنما خلفَكم الساعة تحدو كم فتخففوا تلحقوا، فإنما ينتظر بالناس أخراهم، اتقوا الله عباده في عباده وبلاده، فإنكم مسؤولون (حتى) عن البقاع والبهائم، (ثم) أطيعوا الله ولا تعصوه، هاذا رأيتم الخير فخذوا به (هاذا رأيتم الشرّ فدعوه) ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٢٦] الآية. فلما فرغ من خطبته قال المصريون (١): [من الرجز] خُذْها إلَيْكَ واحْذَرَنْ أبا الحَسَنْ … إنّا نُمِرُّ الأمْرَ إمْرارَ الرَّسَنْ صَوْلةُ آساد كآسادِ السُّفُنْ … بمَشْرفياتٍ كغُدْرانِ اللَّبَنْ ونَطْعنُ المُلْكَ بلَيْنٍ كالشَّطَنْ … حَتَّى يُمرَّنَّ على غَيْرِ عَننْ فقال علي مجيباً لهم (٢): إنّي عجزتُ عَجْزةً لا أعْتَذِرْ … سوفَ أكيسُ بَعْدها وأسْتمِرْ أرْفَعُ منْ ذَيْليَ ما كُنتُ أجُرْ … وأجْمَعُ الأمْرَ (٣) الشَّتيتَ المُنْتشرْ إن لمْ يُشاغِبْني (العَجول) المُنْتَصِرْ … أن يَتْرُكُوني (٤) والسِّلاحُ يُبْتدرْ وكان على الكوفة أبو موسى الأشعري على الصلاة، و (على) الحرب القعقاع بن عمرو، وعلى الخراج جابر بن فلان المزني، وعلى البصرة عبد الله بن عامر، وعلى مصر عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، وقد تغلب عليه محمد بن أبي حذيفة، وعلى الشام معاوية بن أبي سفيان، ونوابه على حمص عبدُ الرحمن بن خالد بن الوليد، وعلى قِنَّسرين حبيبُ بن مَسْلَمَه، وعلى الأردنّ أبو الأعور، وعلى فلسطين حكيم بن علقمة، وعلى أذْرَبيجان الأشعثُ بن قيس، وعلى قَرْقيسيا جريرُ بن عبد الله البجلي، وعلى حُلْوان عُتَيْبة (٥) بن النَّهّاس، وعلى قيسارية (٦) مالك بن حبيب، وعلى همذان حبيش (٧)، هذا ما ذكره ابن جرير من نواب عثمان الذين توفي وهم نواب الأمصار، وكان على بيت المال عقبة بن عمرو، وعلى قضاء المدينة زيد بن ثابت. ولما قتل عثمان بن عفان خرج النعمان بن بشير ومعه قميص عثمان مُضَمَّخٌ بدمه، ومعه أصابع نائلة

стр. 3548

التي أُصيبتْ حين حاجَفَتْ (١) عنه بيدها، فقُطعتْ مع بعض الكفّ فورد به على معاوية بالشام، فوضعه معاوية على المنبر ليراه الناس، وعلق الأصابع في كم القميص، وندب الناس إلى الأخذ بهذا الثأر والدم وصاحبه، فتباكى الناس حول المنبر، وجعل القميص يرفع تارة ويوضع تارة، والناس يتباكون حوله سنة، وحث (٢) بعضهم بعضاً على الأخذ بثأره، واعتزل أكثر الناس النساء في هذا العام، وقام في الناس معاوية وجماعة من الصحابة معه يحرِّضون الناسَ على المطالبة بدم عثمان، ممَّن قتله من أولئك الخوارج: منهم عُبادة بن الصّامِت، وأبو الدَّرداء، وأبو أمامة، وعمرو بن عَبَسَة (٣) وغيرهم من الصحابة، ومن التابعين: شريك بن حباشة، وأبو مسلم الخولاني، وعبد الرحمن بن غَنْم، وغيرهم من التابعين. ولما استقرَّ أمرُ بيعة عليٍّ دخل عليه طلحة والزبير ورؤوس الصحابة ﵃، وطلبوا (منه) إقامة الحدود، والأخذ بدم عثمان. فاعتذر إليهم بأنَّ هؤلاء لهم مدد وأعوان، وأنه لا يمكنه ذلك يومه هذا، فطلب منه الزبير أن يوليه إمرةَ الكوفة ليأتيه بالجنود، وطلب منه طلحة أن يوليه إمرةَ البصرة، ليأتيه منها بالجنود ليقوى بهم على شوكة هؤلاء الخوارج، وجهلة الأعراب الذين كانوا معهم في قتل عثمان ﵁، فقال لهما: مهلاً (٤) عليَّ، حتى أنظر في هذا الأمر. ودخل عليه المغيرة بن شعبة على إثر ذلك فقال له: إني أرى أن تُقرَّ عمالكَ على البلاد، فإذا أتتكَ طاعتُهم استبدلتَ بعد ذلك بمن شئت وتركتَ منْ شئت، ثم جاءه من الغد، فقال له: إني أرى أن تعزلهم لتعلمَ من يُطيعكَ (ممن يعصيك)، فعرضَ ذلك عليّ على ابن عباس فقال: لقد نصحك بالأمس وغشَّك اليومَ، فبلغ ذلك المغيرةَ فقال: نعم نصحتُه فلما لم يقبل غششتُه ثم خرج المغيرة فلحق بمكة، ولحقه جماعة منهم طلحة والزبير: وكانوا قد استأذنوا عليّاً في الاعتمار فأذن لهم، ثم إنّ ابن عباس أشار على علي باستمرار نوابه في البلاد، إلى أن (٥) يتمكن الأمر، وأن يقر معاوية خصوصاً على الشام وقال له: إني أخشى إن عزلته عنها أن يطلبك (٦) بدم عثمان ولا آمن طلحة والزبير أن يتكلما (٧) عليك بسبب ذلك، فقال علي: إني لا أرى هذا ولكن اذهب أنت إلى الشام فقد ولَّيتُكَها، فقال ابن عباس لعلي: إنّي أخشى من معاوية أن يقتلني بعثمان، أو يحبسني لقرابتي منك، ولكن اكتب (معي) إلى معاوية فمنِّه وعِدْهُ، فقال علي: والله

стр. 3549

إنَّ هذا ما لا يكون أبداً، فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين: " الحرب خدعة " (١) كما قال رسول الله ﷺ ، فوالله لئن أطعتني لأوردنهم بعد صدرهم (٢) ونهى ابن عباس علياً فيما أشار عليه أن يقبل من هؤلاء الذين يحسِّنون إليه الرحيل (٣) إلى العراق، ومفارقة المدينة، فأبى عليه ذلك كله، وطاوع أمر أولئك الأمراء من أولئك الخوارج من أهل الأمصار. قال ابن جرير (٤): وفي هذه السنة قصد قسطنطين بن هرقل بلاد المسلمين في ألف مركب، فأرسل اللّه عليه قاصفاً من الريح فغَرَّقه الله بحوله وقوته، ومن معه، ولم ينج منهم أحد إلا الملك في شرذمة قليلة من قومه، فلما دخل صقلية عملوا له حماماً (فدخله) فقتلوه فيه، وقالوا: أنت قتلت رجالنا. ثُمَّ دخلت سنة ست وثلاثين من الهجرة استهلت هذه السنة وقد توَلَّى أميرُ المؤمنين عليُّ بن أبي طالب الخلافةَ، وولَّى على الأمصار نواباً، فولى عبيد الله (٥) بن عباس على اليمن، وولى سمرة بن جندب (٦) على البصرة، وعمارة بن شهاب على الكوفة، وقيس بن سعد بن عباد (٧) على مصر، وعلى الشام سهل بن حُنَيْف بدل معاوية، فسار حتى بلغ تبوك فتلقَّتْهُ خيلُ معاوية، فقالوا: منْ أنْتَ؟ فقال: أميرٌ، قالوا: على أيِّ شيءٍ؟ قال: على الشام، فقالوا: إن كان عثمانُ بعثَكَ فحيَّهلا بك، وإن كانَ غيرُه فارجعْ. فقال: أوما سمعتُم الذي كان؟ قالوا: بلى، فرجع إلى عليٍّ. وأما قيس بن سعد فاختلف عليه أهلُ مصر فبايع له الجمهور، وقالت طائفةٌ: لا نبايعُ حتى نقتُلَ قتلةَ عثمان، وكذلك أهل البصرة. وأما عمارة بن شهاب المبعوثُ أميراً على الكوفة فصدَّه عنها طلحةُ بن خُوَيْلد غضباً لعثمان، فرجعَ إلى عليٍّ فأخبره.

стр. 3550

وانتشرت الفتنة وتفاقمَ الأمرُ، واختلفت الكلمةُ، وكتب أبو موسى إلى علي بطاعة أهل الكوفة ومبايعتهم إلا القليل منهم. وبعث عليٌّ إلى معاوية كتباً كثيرة فلم يرد عليه جوابها (١)، وتكرر ذلك مراراً إلى الشهر الثالث من مقتل عثمان في صفر، ثم بعث معاوية طوماراً (٢) مع رجلٍ فدخل به على عليٍّ فقال: ما وراءك؟ قال جئتك من عند قوم لا يريدون إلا القود (٣) كلهم موتور (٤)، تركت ستين ألف (٥) شيخ يبكون تحت قميص عثمان، وهو على منبر دمشق، فقال عليٌّ: اللهم إنّي أبرأ إليك من دم عثمان، ثم خرج رسول معاوية من بين يدي عليٍّ فهمّ به أولئك الخوارج الذين قتلوا عثمان يريدون قتله، فما أفلتَ إلا بعدَ جهدٍ. وعزم عليٌّ ﵁ على قتالِ أهلِ الشامِ، وكتب إلى قيس بن سعد بمصر يستنفر الناسَ لقتالهم، وإلى أبي موسى بالكوفة، وبعث إلى عثمان بن حنيف بذلك، وخطبَ الناسَ فحثَّهم على ذلك. وعزم على التّجهُّزِ، وخرج من المدينة، واستخلف عليها قُثَمَ بن العباس، وهو عازم أن يقاتل بمن أطاعه منْ عصاه، وخرج عن أمره (ولم يبايعه مع الناس)، وجاء إليه ابنهُ الحسنُ بن علي فقال: يا أبتِ دَعْ هذا فإنّ فيه سفكَ دماءِ المسلمين، ووقوع الاختلاف بينهم، فلم يقبل منه ذلك، بل صمم على القتال، ورتب الجيش، فدفع اللواء إلى محمد بن الحنفية، وجعل ابن العباس على الميمنة، وعمر (٦) بن أبي سلمة على الميسرة، وقيل: (جعل على الميسرة) عمرو بن سفيان بن عبد الأسد، وجعل على مقدمته أبا ليلى بن عمر (٧) بن الجراح، ابن أخي أبي عبيدة، واستخلف (على المدينة) قُثَمَ بن العباس، ولم يبقَ شيء إلا أن يخرج (من المدينة) قاصداً (إلى) الشام، حتى جاءه (٨) ما شغله عن ذلك كله وهو ما سنورده. ابتداء وقعة الجمل ولما وقع قتل عثمان بعد أيام التشريق، وكان أزواج النبي ﷺ (أمهات المؤمنين) قد خرجْنَ إلى الحج في هذا العام فراراً من الفتنة، فلما بلغ الناسَ أنَّ عثمانَ قد قُتل، أقمنَ بمكةَ بعد ما خرجوا منها،

стр. 3551

(ورجعوا إليها وأقاموا بها) وجعلوا ينتظرون ما يصنع (الناس ويتحسسون الأخبار) فلما بُويع لعلي وصار حظ الناس عنده -بحكم الحال وغلبة الرأي، لا عن اختيار منه لذلك- رؤوس أولئك الخوارج الذين قتلوا عثمان، مع أن علياً في نفس الأمر يكرههم، ولكنه تربص بهم الدوائر، ويود لو تمكن منهم ليأخذ حق الله منهم، ولكن لما وقع الأمر هكذا واستحوذوا عليه، وحجبوا عنه (عِلْيَةَ) الصحابة فرّ جماعةٌ من بني أمية وغيرهم إلى مكة، واستأذنه طلحةُ والزبيرُ في الاعتمار، فأذن لهما فخرجا إلى مكة وتبعهم خلقٌ كثيرٌ، وجمٌّ غفيرٌ، وكان علي لما عزم على قتال أهل الشام قد ندب أهل المدينة إلى الخروج معه فأبَوْا عليه، فطلب عبد الله بن عمر بن الخطاب وحرَّضَه على الخروج معه، فقال: إنما أنا رجلٌ من أهل المدينة، إن خرجوا خرجت على السمع والطاعة، ولكن لا أخرج للقتال في هذا العام، ثم تجهَّز ابنُ عمر وخرج إلى مكة. وقدم إلى مكة (أيضاً في) هذا العام يَعْلى بن أمية من اليمن، -وكان عاملاً عليها لعثمان- ومعه ستمئة بعير وستمئة ألف (درهم)، وقدم إليها عبد الله بن عامر من البصرة، وكان نائبها لعثمان، فاجتمع فيها (١) خلق من سادات الصحابة وأمهات المؤمنين، فقامت عائشة ﵂ في الناس تخطبهم وتحثهم على القيام بطلب دم عثمان، وذكرتْ ما افْتأتَ به أولئك من قتله في بلد حرام وشهر حرام (٢)، ولم يراقبوا جوار رسول الله ﷺ وقد سفكوا الدماء، وأخذوا الأموال. فاستجاب الناس لها، وطاوعوها على ما تراه من الأمر (بالمصلحة)، وقالوا لها: حيثما سرتِ سرنا معك، فقال قائل: نذهب إلى الشام، فقال بعضهم: إن معاوية قد كفاكم أمرها، ولو قدموها لغلبوا، واجتمع الأمر كله لهم، لأن أكابر الصحابة معهم. وقال آخرون: نذهب إلى المدينة فنطلب من علي أن يسلم إلينا قتلة عثمان فيقتلوا، وقال آخرون: بل نذهب إلى البصرة فنتقوى (من هنالك) بالخيل والرجال، ونبدأ بمن هناك من قتلة عثمان. فاتفق الرأي على ذلك، وكان بقية أمهات المؤمنين قد وافقن عائشة على المسير إلى المدينة (٣)، فلما اتفق الناس على المسير إلى البصرة رجعن عن ذلك وقلن: لا نسير إلى غير المدينة، وجهز الناس يعلى بن أمية فأنفق فيهم ستمئة بعير وستمئة ألف درهم (٤)، وجهزهم ابن عامر أيضاً بمال كثير، وكانت حفصة بنت عمر أم المؤمنين قد وافقت عائشة على المسير إلى البصرة، فمنعها أخوها عبد الله من ذلك، وأبى هو أن يسير معهم إلى غير المدينة، وسار الناسُ صحبةَ عائشةَ في ألفِ فارسٍ، وقيل تسعمئة (فارس) من أهل المدينة ومكة، وتلاحق بهم آخرون، فصاروا في ثلاثة آلاف، وأم المؤمنين (٥) عائشة تُحْملُ في

стр. 3552

هَوْدجٍ على جمل اسمه عسكر، اشتراه يعلى بن أمية من رجل من عرينة بمئتي دينار، وقيل بثمانين ديناراً، وقيل غير ذلك، وسار معها أمهات المؤمنين إلى ذات عرق ففارقنها هنالك وبكين للوداع، وتباكى الناس، وكان ذلك اليوم يسمى يوم النحيب، وسار الناس قاصدين البصرة، وكان الذي يُصلِّي بالناس عن أمر عائشة ابن أختها عبد الله بن الزبير، ومروان بن الحكم يؤذن للناس في أوقات الصلوات (١)، وقد مروا في مسيرهم ليلاً بماء يقال له الحَوْأَب (٢)، فنبحتهم كلابٌ عنده، فلما سمعتْ ذلك عائشة قالت: ما اسم هذا المكان قالوا الحَوْأب، فضربتْ بإحدى يديها على الأخرى وقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما أظنني إلا راجعة، قالوا: ولم؟ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول (لنسائه): "ليت شعري أيتكن التي تنبحها كلاب الحَوْأَب" (٣)، ثم ضربت عضدَ بعيرها فأناخته، وقالت: ردّوني ردّوني، وأنا والله صاحبة ماء الحَوْأب. وقد أوردنا هذا الحديث بطرقه وألفاظه في دلائل النبوة. كما سبق، فأناخ الناس حولها يوماً وليلة، وقال لها عبد الله بن الزبير: إن الذي أخبرك أن هذا ماء الحَوْأَب قد كذب، ثم قال الناس: النجا النجا، هذا جيش علي بن أبي طالب، قد أقبل؛ فارتحلوا نحو البصرة، فلما اقتربت من البصرة كتبت إلى الأحنف بن قيس وغيره من رؤوس الناس، أنها قد قدمت، فبعث عثمانُ بن حُنَيْف عمران بن حصين وأبا الأسود الدؤلي (٤) إليها ليعلما ما جاءت له، فلما قدما عليها سلَّما عليها واستعلما منها ما جاءت له، فذكرت لهما ما الذي جاءت له من القيام بطلب دم عثمان، لأنه قُتل مظلوماً فيِ شهر حرام وبلدٍ حرامٍ. وتلت قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤] فخرجا من عندها فجاءا إلى طلحة فقالا له: ما أقدمكَ؟ فقال: الطلبُ بدم عثمان، فقالا: ما بايعت علياً؟ قال: بلى والسيف على عنقي، ولا أستقيله إن هو لم يُخلِ بيننا وبين قتلةِ عثمان. فذهبا إلى الزبير فقال مثل ذلك، قال: فرجع عمران وأبو الأسود إلى عثمان بن حُنَيْف، فقال أبو الأسود (٥): [من الرجز] يا بنَ حُنَيْفٍ (٦) قد أُتيتَ فانْفرِ … وطاعنِ القَوْمَ وجالِدْ واصْبِرِ وَاخرجْ لَهُمْ مُسْتَلْئِماً وَشَمِّرِ (٧)

стр. 3553

فقال عثمان بن حُنَيْف: إنا لله وإنا إليه راجعون، دارت رحا الإسلام ورب الكعبة، فانظروا بأي زَيَفانٍ نزيف (١)، فقال عمران: إي والله لنَعْرُكَنَّكُمْ عركاً طويلاً. يشير (٢) عثمان بن حنيف إلى حديث ابن مسعود مرفوعاً " تدور رحا الإسلام لخمس وثلاثين" الحديث كما تقدم، ثم قال عثمان بن حنيف لعمران بن حصين: أشِرْ عَلَيَّ، ففال: اعتزل فإني قاعدٌ في منزلي، أو قال: قاعد على بعيري، فذهب. فقال عثمان: بل أمنعهم حتى يأتيَ أميرُ المؤمنين، فنادى في الناس يأمرهم بلبس السلاح والاجتماع في المسجد، فاجتمعوا فأمرهم بالتجهُّز. فقام رجل (٣) (وعثمان على المنبر) فقال: أيها الناس إن كان هؤلاء القوم جاؤوا خائفين فقد جاؤوا من بلد يأمنُ فيه الطيرُ، وإن كانوا جاؤوا يطلبون بدم عثمان فما نحن بقتلته، فأطيعوني وردُّوهم من حيث جاؤوا. فقام الأسود بن سريع السعدي (٤) فقال: إنَّما جاؤوا يستعينون بنا على قتلة عثمان منّا ومن غيرنا، فحصبه الناس، فعلم عثمان بن حُنَيْف أن لقتلة عثمان بالبصرة أنصاراً، فكره ذلك. وقدمت أم المؤمنين بمن معها من الناس، فنزلوا المِرْبد من أعلاه قريباً من البصرة، وخرج إليها من أهل البصرة منْ أرادَ أن يكونَ معها (٥)، وخرج عثمان بن حُنَيْف بالجيش، فاجتمعوا بالمِرْبَد، فتكلَّم طلحة -وكان على الميمنة- فندب إلى الأخذ بثأر عثمان، والطَّلب بدمه، وتابعه الزُّبَيْر فتكلَّم بمثل مقالته، فردَّ عليهما ناسٌ من جيش عثمان بن حُنَيْف (٦)، وتكلَّمت أم المؤمنين فحرَّضَتْ وحثّتْ على القتال، فتناور طوائف من أطراف الجيش فترامَوْا بالحجارة، ثم تحاجزَ الناسُ، ورجعَ كلُّ فريقٍ إلى حَوْزتهِ، وقد صارت طائفةٌ من جيش عثمان بن حُنَيْف إلى جيش عائشة، فكثروا. وجاء حارثة بن قدامة السعدي فقال: يا أم المؤمنين! والله لقتلُ عثمان أهونُ من خروجكِ من بيتكِ على هذا الجمل عرضةً للسلاح، إن كنتِ أتيتنا طائعةً فارجعي من حيثُ جئتِ إلى منزلك، وإن كنتِ أتيتنا مكرهةً فاستعيني بالناس في الرجوع. وأقبل حكيم بن جبلة -وكان على خيل عثمان بن حُنَيف- فأنشب القتال وجعل أصحابُ أمِّ المؤمنين يكفُّون أيديهم ويمتنعون من القتال، وجعل حكيمٌ يقتحمُ عليهم فاقتتلوا على فم السّكّةِ، وأمرت عائشةُ أصحابها فتيامنوا حتى انتهَوْا إلى مقبرة بني مازن، وحجزَ الليلُ بينهم.

стр. 3554

فلما كان اليوم الثاني قَصَدوا للقتال، فاقتتلوا قتالًا شديداً، إلى اْن زالَ النهارُ، وقُتل خلقٌ كثيرٌ من اْصحاب ابن حُنَيْف، وكثرت الجراح في الفريقين، فلما عضتهم الحرب تداعَوْا إلى الصلح على أن يكتبوا بينهم كتاباً ويبعثوا رسولاً إلى أهل المدينة يسأل أهلها، إن كان طلحة والزبير أُكرها على البيعة، خرج عثمان بن حنيف عن البصرة وأخلاها، وإن لم يكونا أكرها على البيعة خرج طلحة والزبير عنها وأخلوها لهم، وبعثوا بذلك كعبَ بن سُور القاضي، فقدمَ المدينة يومَ الجمعة، فقام في الناس، فسألهم: هل بايعَ طلحةُ والزبيرُ طائعين أو مُكْرهين؟ فسكت الناس فلم يتكلم إلا أسامة بن زيد، فقال: بل كانا مُكْرهين، فثار إليه بعض الناس فأرادوا ضربه، فحاجف (١) دونه صهيبٌ، وأبو أيوب، وجماعة حتى خلصوه؛ وقالوا له: ما وسعك ما وسعنا من السكوت (٢)؟ فقال: لا والله ما كنت أرى أن الأمر ينتهي إلى هذا. وكتب عليٌّ إلى عثمان بن حُنَيْف يقول له: إنهما لم يكرها على فرقة، ولقد أكرها على جماعة وفضل فإن كانا يريدان الخلعَ فلا عذرَ لهما، وإن كانا يريدان غيرَ ذلك نظرا ونظرنا، وقدم كعب بن سُور على عثمان بكتاب عليٍّ، فقال عثمان: هذا أمرآخر غير ما كنا فيه، وبعث طلحة والزبير إلى عثمان بن حُنَيْف أن يخرج إليهما فأبى، فجمعا الرجالَ في ليلةٍ مظلمةٍ وشهدا بهم صلاةَ العشاء في المسجد الجامع، ولم يخرج عثمان بن حنيف (٣) تلك الليلة، فصلى بالناس عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، ووقع من رعاع الناس من أهل البصرة كلام وضرب، فقتل منهم نحواً [من] أربعين رجلاً، ودخل الناسُ على عثمان بن حنيف قصرَهُ فأخرجوه إلى طلحة والزبير، ولم يبقَ في وجهه شعرة إلا نتفوها، فاستعظما ذلك وبعثا إلى عائشة فأعلماها الخبرَ، فأمرت أن يُخْلى سبيله، فأطلقوه وولَّوْا على بيتِ المال عبد الرحمن بن أبي بكر، وقسم طلحة والزبير أموالَ بيتِ المال في الناس وفضَّلوا أهلَ الطاعة، وأكبَّ عليهم الناسُ يأخذون أرزاقهم، وأخذوا الحرسَ، واستَبَدُّوا في الأمر بالبصرة، فحمي لذلك جماعةٌ من قومِ قتلةِ عثمانَ وأنصارهم، فركبوا في جيشٍ قريبٍ من ثلاثمئة، ومقدّمُهُم حكيم بن جبلة، وهو أحدُ من باشر قتلَ عثمان، فبارزوا وقاتلوا، فضربَ رجلٌ رِجلَ حكيم بن جبلة فقطعها، فزحف حتى أخذها وضربَ بها ضاربه فقتله ثم اتَّكَأ عليه وجعل يقول (٤): [من مجزوء الرجز] يا ساق (٥) لن تُراعي … إنّ لكِ ذراعي أحمي بها كُراعي (٦)

стр. 3555

وقال أيضاً (١): [من الرجز] فليسَ عليَّ أنْ أموتَ عارُ … والعارُ في النّاسِ هو الفِرارُ والمَجْدُ لا يَفْضحُهُ الدَّمارُ فمر عليه رجل وهو مُتكَئٌ برأسه على ذلك الرجل، فقال له: منْ قتلكَ؟ فقال له: وسادتي. ثم مات حكيم قتيلاً هو ونحوٌ من سبعين من قَتلةِ عثمانَ وأنصارهم (أهل المدينة)، فضعف جأشُ منْ خالفَ طلحةَ والزبير من أهل البصرة. ويقال: إنَّ أهل البصرة بايعوا طلحةَ والزبيرَ، وندب الزبيرُ ألفَ فارسٍ يأخذها معه، ويلتقي بها علياً قبل أن يجيء فلم يجبه أحد، وكتبوا بذلك إلى أهل الشام يبشّرونهم بذلك، وقد كانت هذه الوقعهُ لخمسِ ليالٍ بقينَ من ربيع الآخر سنة ست وثلاثين. وقد كتبت عائشة إلى زيد بن صُوحان تدعوه إلى نصرتها والقيام معها فإنْ لم يَجئْ فليكفّ يده وليلزم منزله، أي: لا يكون عليها ولا لها، فقال: أنا في نصرتك ما دمت في منزلك، وأبى أن يطيعها في ذلك، وقال: رحمَ اللهُ أمَّ المؤمنين، أمرَها اللهُ أن تلزمَ بيتَها وأمرنا أن نقاتل، فخرجت من منزلها وأمرتنا بلزوم بيوتنا التي كانت هي أحقّ بذلك منا، وكتبت (عائشة) إلى أهل اليمامة والكوفة بمثل ذلك. [ذكر] مسير [أمير المؤمنين] علي بن أبي طالب من المدينة إلى البصرة بدلًا (٢) من [مسيره إلى] الشام بعد أن كان قد تجهَّز قاصداً الشام كما ذكرنا، فلما بلغه قَصْدُ طلحة والزبير البصرةَ، خطبَ الناسَ وحثَّهم على المسير إلى البصرة ليمنعَ أولئك من دخولها، إن أمكن، أو يطردَهم عنها إن كانوا قد دخلوها، فتثاقل عنه أكثرُ أهل المدينة، واستجابَ له بعضُهم. قال الشعبي: ما نهض معه في هذا الأمر غيرُ ستة نفرٍ من البَدْريّين ليس لهم سابع. وقال غيره: أربعة. وذكر ابن جرير (٣) وغيره قال: كان ممن استجاب له من كبار الصحابة أبو الهيثم بن التّيهان، وَأبو قتادة الأنصاري، وزياد بن حنظلة، وخزيمة بن ثابت. قالوا: وليس بذي الشهادتين، ذاك مات في زمن عثمان ﵁. وسار علي من المدينة نحو البصرة على تعبئته المتقدم ذكرها، غير أنه استخلف على المدينة تمام بن عباس (وعلى) مكة قُثَم بن عبّاس وذلك في آخر شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين.

стр. 3556

وخرجِ (علي من المدينة) في نحو من تسعمئة مقاتل، وقد لقي عبد الله بن سلام ﵁ علياً وهو بالزَّبَذَةِ (١)، فأخذ بعنان فرسه وقال: يا أمير المؤمنين! لا تخرج (منها) فوالله لئن خرجت منها لا يعود إليها سلطان المسلمين أبداً، فسبَّه بعض الناس، فقال علي: دعوه فنعمَ الرجلُ من أصحاب النبي ﷺ . وجاء الحسن بن علي إلى أبيه في الطريق فقال: لقد نهيتُكَ فعَصَيْتني تُقْتلُ غداً بمضيعةٍ لا ناصر لك. فقال له علي: إنك لا تزال تحنّ عليَّ حنينَ الجارية، وما الذي نهيتَني عنه فعَصْيتُكَ؟ فقال: ألم آمرك قبل مَقْتل عثمان أن تخرج منها لئلا يقتل وأنت بها، فيقول قائل أو يتحدث متحدث؟ ألم آمرك أن لا تبايع الناس بعد قتل عثمان حتى يبعث إليك أهل كل مصر ببيعتهم؟ وأمرتك حين خرجت هذه المرأة وهذان الرجلان أن تجلس في بيتك حتى يصطلحوا فعصيتني في ذلك (كله)؟ فقال له علي: أما قولك أني خرجت (٢) قبل مقتل عثمان فلقد أُحيط بنا كما أُحيط به، وأما مبايعتي قبل مجيء بيعة الأمصار فكرهتُ أن يضيعَ هذا الأمر، وأما أن أجلس وقد ذهب هؤلاء إلى ما ذهبوا إليه. فتريد مني (٣) أن أكونَ كالضَّبع التي يحاط بها، ويقال ليست هاهنا، حتى يشق عرقوبها فتخرج، فإذا لم أنظر فيما يلزمني في هذا الأمر ويعنيني، فمن ينظر فيه؟ فكُفَّ عنّي يا بنيّ، ولمّا انتهى إليه خبر ما صنع القوم بالبصرة (من الأمر الذي قدمنا) كتب إلى أهل الكوفة مع محمد بن أبي بكر، ومحمد بن جعفر، إني قد اخترتكم على (أهل) الأمصار، فرغبت إليكم وفزعت لما حدث، فكونوا لدين الله أعواناً وأنصاراً، وانهضوا إلينا فالإصلاح نريد لتعود (٤) هذه الأمة إخواناً، فمضيا، وأرسل إلى المدينة فأخذ ما أراد من سلاح ودواب، وقام في الناس خطيباً فقال: إنَّ الله أعزَّنا بالإسلام، ورفعنا به، وجعلنا به إخواناً، بعد ذلّةٍ وقلةٍ وتباغضٍ وتباعدٍ، فجرى الناس على ذلك ما شاء الله، الإسلامُ دينُهم، والحقُّ قائمٌ بينهم، والكتاب إمامُهم، حتى أصيبَ هذا الرجل بأيدي هؤلاء القوم الذين نزغهم (٥) الشيطان لينزغَ بين هذه الأمة، ألا وإنَّ هذه الأمة لا (بد) مفترقة كما افترقتِ الأممُ قبلها، فنعوذ بالله من شرّ ما هو كائن. ثم عاد ثانية فقال: (إنه) لا بدَّ مما هو كائن أن يكون، ألا وإنّ هذه الأمة ستفترق على ثلاثٍ وسبعين فرقةً، شرُّها فرقة تحبّني ولا تعمل بعملي، وقد أدركتم ورأيتم، فالزموا دينكم، واهتدوا بهدْيي فإنَّه هدي نبيِّكم، واتبعوا سُنَّته، وأعرضوا

стр. 3557

عمّا أشكلَ عليكم، حتى تعرضوه على الكتاب، فما عرفه القرآن فالزموه (١)، وما أنكره فردُّوه، وارضوا باللّه ربًّا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وبالقرآن حكماً وإماماً. قال: فلما (٢) عزم على المسير من الرَّبَذَة قام إليه ابن أبي رفاعة بن رافع، فقال: يا أمير المؤمنين أي شيء تريد؟ وأين تذهب بنا؟ فقال: أما الذي نريد وننوي فالإصلاح، إن قبلوا منا وأجابوا إليه، قال: فإن لم يجيبوا إليه؟ قال: ندعهم بغدرهم ونعطيهم الحق ونصبر. قال: فإن لم يرضوا؟ قال: ندعهم ما تركونا، قال: فإن لم يتركونا؟ قال: امتنعنا منهم، قال: فنعم إذاً. فقام إليه الحجاج بن غزية الأنصاري فقال: لأرضينك بالفعل كما أرضيتني بالقول، والله لينصرني الله كما سمَّانا أنصاراً. قال: وأتت جماعة من طىِّءٍ وعليٌّ بالربذة، فقيل له: هؤلاء جماعة جاؤوا من طىِّءٍ منهم منْ يريد الخروج معك، ومنهم من يريد السلام عليك، فقال: جزى الله كلاًّ خيراً ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥] قالوا: فسار علي (٣) من الربذة على تعبئته وهو راكبٌ ناقةً حمراءَ يقودُ فرساً كميتاً فلما كان بفَيْد (٤) جاءه جماعة من أسد وطيء، فعرضوا أنفسهم عليه فقال: فيمن معي كفاية، وجاء رجل من أهل الكوفة يقال له عامر بن مطر الشيباني، فقال له عليٌّ: ما وراءك؟ فأخبره الخبر، فسأله عن أبي موسى فقال: إن أردت الصلح فأبو موسى صاحبه، وإن أردت القتالَ فليس بصاحبه، فقال علي: والله ما أريد إلا الصلح ممن تمرد علينا، وسار، فلما اقترب من الكوفة وجاءه الخبر بما وقع من الأمر على جليَّته، من قتل ومن إخراج عثمان بن حُنَيْف من البصرة، وأخذهم أموال بيت المال، جعل يقول: اللهم عافني مما ابتليت به طلحة والزبير، فلما انتهى إلى ذي قار أتاه عثمان بن حنيف مهشماً، وليس في وجهه شرة فقال: يا أمير المؤمنين بعثتني إلى البصرة وأنا ذو لحية، وقد جئتك أمرداً (٥)، فقال: أصبت خيراً وأجراً. وقال عن طلحة والزبير: اللهم احْلل ما عَقَدا (٦)، ولا تُبرم ما أحْكما في أنفسهما، وأرهما المَسَاءة فيما قد عَمِلا -يعني في هذا الأمر- وأقام عليٌّ بذي قار ينتظر جواب ما كتب به مع محمد بن أبي بكر وصاحبه محمد بن جعفر -وكانا قد قدما بكتابه على أبي موسى وقاما في الناس بأمره- فلم يجابا في شيء، فلما أمسوا دخل أناس من ذوي الحجى على أبي موسى يعرضون عليه الطاعة لعلي، فقال: كان هذا بالأمس فغضب محمد ومحمد فقالا له قولًا غليظاً: فقال لهما: والله إن بيعة عثمان لفي

стр. 3558

عنقي وعنق صاحبكما، فإن لم يكن بد من قتال فلا نقاتل أحداً حتى نفرغ من قتلة عثمان حيث كانوا ومن كانوا، فانطلقا إلى عليٍّ فأخبراه الخبرَ، وهو بذي قار، فقال للأشتر: أنت صاحبنا في أبي موسى والمعترض (١) في كل شيء فاذهب أنت وابن عباس فأصْلحْ ما أفسَدْتَ، فخرجا فقدما الكوفةَ وكلَّما أبا موسى واستعانا عليه بنفرٍ من الكوفة فقام في الناس فقال: أيها الناس، إن أصحاب محمد ﷺ الذين صحبوه أعلمُ بالله ورسوله ممن لم يصحبه، وإن لكم علينا حقاً وأنا مؤدٍّ إليكم نصيحةً، كان الرأي أن لا تستخفُّوا بسلطان الله وألا تجترئوا على أمره، وهذه فتنةٌ النائمُ فيها خيرٌ من اليقظان، واليقظانُ خيرٌ من القاعد، والقاعدُ خير من القائم والقائم خير من (الراكب، والراكب خير) من الساعي فأغمدوا السيوفَ وأنصلوا الأسنةَ، واقطعوا الأوتار، وآووا المضطَهَدَ والمظلومَ حتى يلتئم هذا الأمر، وتنجلي هذه الفتنة، فرجع ابنُ عباس والأشتر إلى علي فأخبراه الخبر، فأرسل الحسنَ وعمّار بن ياسر، وقال لعمار: انطلق فأصلحْ ما أفسدتَ، فانطلقا حتى دخلا المسجدَ فكان أول من سلم عليهما مسروق بن الأجدع، فقال لعمار: علام قتلتم عثمان؟ فقال: على شتم أعراضنا وضرب أبشارنا (٢)، فقال: والله ما عاقبتم بمثل ما عوقبتم به، ولو صبرتم لكان (٣) خيراً للصابرين. قال: وخرج أبو موسى فلقي الحسن بن علي فضمَّه إليه، وقال لعمار: يا أبا اليقظان أعدوت على أمير المؤمنين عثمان قتلته؟ فقال: لم أفعل، ولم يسؤني ذلك، فقطع عليهما الحسن بن علي فقال لأبي موسى: لمَ تثبط الناس عنا؟ فوالله ما أردنا إلا الإصلاح، ولا مثل أمير المؤمنين يخاف على شيء، فقال: صدقتَ بأبي وأمي، ولكنَّ المستشارَ مؤتمنٌ، سمعتُ النبي ﷺ يقول (٤): "إنها ستكون فتنةٌ القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ خيرٌ من الماشي، والماشي خيرٌ من الراكب" وقد جعلنا الله إخواناً، وحرّم علينا دماءنا وأموالنا، فغضب عمار وسبَّه، وقال: يا أيها الناس، إنما قال له رسولُ الله ﷺ وحدَه أنت فيها قاعداً خير منك قائماً، فغضب رجلٌ من بني تميم لأبي موسى ونال من عمارٍ، وثار آخرون، وجعل أبو موسى يكفكف الناس، وكثر اللَّغط، وارتفعت الأصوات. وقال أبو موسى: أيها الناس، أطيعوني وكونوا خيرَ قومٍ من خيرِ أمم العرب، يأوي إليهم المظلوم، ويأمن فيهم الخائف، وإن الفتنة إذا أقبلت شبِّهت، وإذا أدبرت بيّنَتْ (٥) ثم أمر الناس بكفّ أيديهم ولزوم بيوتهم.

стр. 3559

فقام زيد بن صُوحان فقال: أيها الناس سيروا إلى أمير المؤمنين، وسيّد المسلمين، سيروا إليه أجمعون. فقام القعقاع بن عمرو فقال: إن الحقَّ ما قاله الأميرُ، ولكن لابدَّ للناس من أمير يردع الظالم ويُعْدِي (١) المظلومَ، وينتظم به شملُ الناس، وأمير المؤمنين عليٌّ ملي بما ولي، وقد أُنصف في الدعاء (٢)، وإنما يريدُ الإصلاح، فانفروا إليه. وقام عبد خير (٣) فقال: الناس أربع فرق، علىٌّ بمَنْ مَعَهُ في ظاهر الكوفة، وطلحةُ والزبيرُ بالبصرة، ومعاويةُ بالشام، وفرقةٌ بالحجاز لا تقاتلُ ولا عناء بها، فقال أبو موسى: أولئك خير الفرق، وهذه فتنةٌ. ثم تراسل الناسُ في الكلام، ثم قام عمّارٌ والحسنُ بن علي في الناس على المنبر يدعوان (٤) الناسَ إلى النَّفير إلى أمير المؤمنين، فإنه إنما يريد الإصلاحَ بين الناس، وسمع عمارٌ رجلاً يسبُّ عائشة فقال: اسكت مقبوحاً منبوحاً، والله إنها لزوجة رسول الله ﷺ في الدنيا والآخرة، ولكنَّ الله ابتلاكُمْ بها ليعلم أتطيعوه أو إياها، رواه البخاري (٥). وقام حجر بن عدي فقال: أيها الناس، سيروا إلى أمير المؤمنين، ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١] وجعل الناس كلَّما قام رجل فحرَّض (٦) الناس على النفير يُثَبِّطُهم أبو موسى من فوق المنبر، (وعمار والحسن معه على المنبر) حتى قال له الحسن بن علي: ويحك! اعتزْلنا لا أمَّ لكَ، ودع منبرنا. ويقال إن علياً بعث الأشتر فعزل أبا موسى عن الكوفة وأخرجه من قصر الإمارة من تلك الليلة، واستجاب الناس للنفير فخرج مع الحسن تسعة آلاف في البرّ وفي دجلة، ويقال: سار معه اثنا عشر ألف رجل ورجل واحد، وقدموا (٧) على أمير المؤمنين فتلقّاهم بذي قار إلى أثناء الطريق في جماعةٍ، منهم ابن عباس فرحَّبَ بهم وقال: يا أهل الكوفة! أنتم لقيتُم ملوكَ العجم ففَضَضْتمُ جموعَهم، وقد دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة، فإن يرجعوا فذاك الذي نُريده، وإن أبَوْا داويناهم بالرِّفْقِ حتى يَبْدؤونا بالظلم، ولم ندع أمراً فيه صلاح إلا آثرناه على ما فيه الفساد إن شاء الله تعالى. فاجتمعوا عنده بذي قار، وكان (من) المشهورين من رؤساء من انضاف إلى عليٍّ: القعقاع بن

стр. 3560

عمرو، سِعْر (١) بن مالك، وهند بن عمرو، والهيثم بن شهاب، وزيد بن صوحان، والأشتر، وعديُّ بن حاتم، والمسيّب بن نَجبة، ويزيد بن قيس، وحُجْر بن عَدي وأمثالهم. وكانت عبد القيس بكمالها بين علي وبين البصرة ينتظرونه وهم ألوفٌ، فبعث عليٌّ القعقاع رسولًا إلى طلحة والزبير بالبصرة يدعوهما إلى الألْفةِ والجماعة، ويُعظم عليهما الفرقةَ والاختلافَ. فذهب القعقاعُ إلى البصرة فبدأ بعائشة أمِّ المؤمنين، فقال: أي أماه! ما أقدمكِ هذا البلدَ؟ فقالت: أي بنيّ! الإصلاحُ بين الناس، فسألها أن تبعث إلى طلحة والزبير ليحضرا عندها، فحضرا، فقال القعقاع: إني سألتُ أمَّ المؤمنين ما أقدمها؟ فقالت إنما جئت للإصلاح (٢) بين الناس، فقالا: ونحن كذلك. قال: فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح؟ وعلى أي شيء يكون؟ فوالله لئن عرفناه لنصطلحن، ولئن أنكرناه لا نصطلحن، قالا: قتلة عثمان، فإن هذا إن ترك (٣) كان تركاً للقرآن، فقال قتلتما قتلته (٤) من أهل البصرة، وأنتما قبل قتلهم أقرب منكم إلى الاستقامة منكم اليوم، قتلتم ستمئة رجل، فغضب لهم ستة آلاف فاعتزلوكم، وخرجوا من بين أظهركم، وطلبتم حرقوص بن زهير فمنعه ستة آلاف، فإن تركتموهم وقعتم فيما تقولون، وإن قاتلتموهم فأديلوا عليكم كان الذي حذرثم وفرقتم من هذا الأمر أعظم مما أراكم تدفعون وتجمعون منه -يعني أن الذي تريدونه من قتل قتلة عثمان مصلحة، ولكنه يترتب عليه مفسدة هي أربى منها- وكما أنكم عجزتم عن الأخذ بثأر عثمان من حرقوص بن زهير، لقيام ستة آلاف في منعه ممن يريد قتله، فَعَليٌّ أعذرُ في تركه الآن قتل قتلة عثمان، وإنما أخَّرَ قتل قتلة عثمان إلى أن يتمكن منهم، فإنَّ الكلمة في جميع الأمصار مختلفة (٥)، ثم أعلمهم أن خلقاً من ربيعة ومضر قد اجتمعوا (٦) لحربهم بسبب هذا الأمر الذي وقع. فقالت له عائشة (أم المؤمنين): فماذا تقول أنت؟ قال: أقول إن هذا الأمر الذي وقع دواؤه التسكين، فإذا سكن اختلجوا، فإن أنتم بايعتمونا فعلامةُ خيرٍ وتباشيرُ رحمةٍ، وإدراكُ الثأر، وإن أنتم أبيتم إلا مكابرةَ هذا الأمر وائتنافه كانت علامةَ شرٍّ وذهابَ هذا الملك، فآثروا العافية ترزقوها، وكونوا مفاتيحَ خيرٍ كما كنتم أولًا، ولا تعرِّضونا للبلاء فتتعرضوا له، فيصرعنا الله وإياكم، وايم الله إني لأقول قولي هذا وأدعوكم إليه، وإني لخائف أن لا يتم حتى يأخذ الله حاجته من هذه الأمة التي قل متاعها، ونزل بها ما نزل، فإن هذا الأمر

стр. 3561

الذي قد حدث أمرٌ عظيمٌ، وليس كقتل الرجل الرجلَ، (ولا النفر الرجل)، ولا القبيلة القبيلة. فقالوا: قد أصبتَ وأحسنتَ فارجع، فإن قدم علي وهو على مثل رأيك صلح الأمر، قال: فرجع إلى علي فأخبره فأعجبه ذلك، وأشرف القوم على الصلح، كره ذلك من كرهه ورضيه من رضيه. وأرسلت عائشة إلى علي تعلمه أنها إنما جاءت للإصلاح (١)، ففرح هؤلاء وهؤلاء. وقام عليٌّ في الناس خطيباً فذكر الجاهلية وشقاءها وأعمالها، وذكر الإسلام وسعادة أهل بالأُلفة والجماعة، وأن الله جمعهم بعد نبيه ﷺ على الخليفة أبي بكر الصديق، ثم بعده على عمر بن الخطاب، ثم على عثمان ثم حدث هذا الحدث الذي جرَّه على الأمة أقوامٌ طلبوا الدنيا وحسدوا من أنعم الله عليه بها، وعلى الفضيلة التي منّ الله بها، وأرادوا ردَّ الإسلام والأشياء على أدبارها، واللهُ بالغُ أمْرِهِ. ثم قال: ألا إني مرتحلٌ غداً فارتحلوا، ولا يرتحل معي أحدٌ أعانَ على قتل عثمان بشيء من أمور الناس. فلما قال هذا اجتمع من رؤوسهم جماعة كالأشتر النَّخعي، وشُريح بن أوفى، وعبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء، وسالم بن ثعلبة، وعِلباء (٢) بن الهيثم، وغيرهم في ألفين وخمسمئة، وليس فيهم صحابي ولله الحمد، فقالوا: ما هذا الرأي، وعلي -والله- أعلم (٣) بكتاب الله [وهو] ممن يطلب قتلة عثمان، وأقرب إلى العمل بذلك، وقد قال ما سمعتم، وغداً يجمع عليكم الناس، وإنما يريد القوم كلهم أنتم، فكيف بكم وعددكم قليل في كثرتهم، فقال الأشتر: قد عرفنا رأي طلحة والزبير فينا، وأما رأي علي فلم نعرفه إلى اليوم، فإن كان قد اصطلح معهم فإنهم اصطلحوا على دمائنا، فإن كان الأمر هكذا ألحقنا علياً بعثمان، فرضي القوم منا بالسكوت، فقال ابن السوداء: بئس ما رأيت، لو قتلناه قتلنا (٤)، فإنا يا معشر قتلة عثمان في ألفين وخمسمئة، وطلحة والزبير (وأصحابهما) في خمسة آلاف، لا طاقة لكم بهم، وهم إنما يريدونكم، فقال عِلباء بن الهيثم: دعوهم وارجعوا بنا حتى نتعلق ببعض البلاد فنمتنع بها، فقال ابن السوداء: (بئس ما قلتَ، إذاً والله كان يتخطفكم الناس، ثم قال ابن السوداء) قبحه الله: يا قوم إن عِزَّكم في خُلْطة الناس (٥) [فصانعوهم] (٦) فإذا التقى الناس فانشبوا الحرب والقتال بين الناس ولا تدعوهم يجتمعون فمن أنتم معه لا يجد بداً من أن يمتنع، ويشغل الله طلحة والزبير ومنْ معهما عمّا يُحبّون، ويأتيهم ما يكرهون، فأبصروا الرأي وتفرقوا عليه. وأصبح عليٌّ مرتحلاً ومرَّ بعبد القيس فساروا معه حتى نزلوا بالزاوية، وسار منها يريد البصرة، وسار

стр. 3562

طلحة والزبير ومن معهما للقائه، فاجتمعوا عند قصر عبيد الله بن زياد، ونزل الناس كلٌّ في ناحية. وقد سبق علي جيشه وهم يتلاحقون به، فمكثوا ثلاثة أيام والرسل بينهم، فكان ذلك للنصف من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، فأشار (١) بعض الناس على طلحة والزبير بانتهاز الفرصة، من قتلة عثمان فقالا: إن علياً أشار بتسكين هذا الأمر، وقد بعثنا إليه بالمصالحة على ذلك، وقام علىٌّ في الناس خطيباً. فقام إليه الأعور بن بُنان (٢) المِنْقُري، فسأله عن إقدامه على أهل البصرة، فقال: الإصلاح، وإطفاء الثائرة ليجتمع الناسُ على الخير، ويلتئم شملُ هذه الأمة، قال: فإن لم يجيبونا؟ قال: تركناهم ما تركونا، قال: فإن لم يتركونا؟ قال: دفعناهم عن أنفسنا، قال: فهل لهم في هذا الأمر مثل الذي لنا، قال: نعم! وقام إليه أبو سلام (٣) الدَّالاني، فقال: هل لهؤلاء القوم حجةٌ فيما طلبوا من هذا الدم، إن كانوا أرادوا اللهَ في ذلك؟ قال: نعم! قال: فهل لك من حجة في تأخيرك ذلك؟ قال: نعم! قال؟ فما حالنا وحالهم إن ابتلينا غداً؟ قال: إني لأرجو أن لا يقتل منا ومنهم أحدٌ نقَّى قلبه لله إلا أدخله اللهُ الجنةَ. وقال في خطبته: أيها الناس أمسكوا عن هؤلاء القوم أيديَكم وألسنتَكم، وإياكم أن يسبقونا غداً، فإن المخصوم غداً مخصوم اليوم. وجاء في غبون ذلك الأحنفُ بن قيس في جماعةٍ فانضافَ إلى عليٍّ. وكان قد منع حرقوص بن زهير من طلحة والزبير وكان قد بايع علياً بالمدينة وذلك أنه قدم المدينة وعثمان محصور فسأل عائشة وطلحة والزبير: إن قتل عثمان من أبايع؟ فقالوا بايع علياً فلما قتل عثمان بايع علياً قال: ثم رجعت إلى قومي فجاءني بعد ذلك ما هو أفظع، حتى قال الناس: هذه عائشة جاءت لتأخذ بدم عثمان، فحرتُ في أمري لمن أتبع، فمنعني الله بحديث سمعتُه من أبي بكر قال: قال رسول الله ﷺ وقد بلغه أنَّ الفرس قد ملَّكوا عليهم ابنةَ كسرى فقال: "لن يفلح قومٌ ولَّوا أمرهم امرأة" وأصل هذا الحديث في صحيح البخاري (٤). والمقصود أن الأحنف لما انحاز إلى علي ومعه ستة آلاف [قوس، فقال لعلي: إن شئت قاتلت معك، وإن شئت كففت عنك عشرة آلاف سيف، فقال: اكفف عنا] (٥) عشرة آلاف سيف، ثم بعث علي إلى طلحة والزبير يقول: إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع بن عمرو فكفوا حتى ننزل فننظر في هذا

стр. 3563

الأمر، فأرسلا إليه في جواب رسالته: إنا على ما فارقنا القعقاع بن عمرو من الصلح بين الناس، فاطمأنت النفوس وسكنت، واجتمع كل فريق بأصحابه (١) من الجيشين، فلما أمسوا بعث علي عبد الله بن عباس إليهم، وبعثوا إليه محمد بن طليحة السجَّاد وبات الناس بخير ليلة، وبات قتلةُ عثمان بشرِّ ليلةٍ، وباتوا يتشاورون وأجمعوا على أن يثيروا الحرب من الغلس، فنهضوا من قبل طلوع الفجر وهم قريبٌ من ألفي رجل فانصرفَ كلُّ فريق إلى قراباتهم فهجموا عليهم بالسيوف، فثارت (٢) كلُّ طائفة إلى قومهم ليمنعوهم، وقام الناسُ من منامهم إلى السلاح، فقالوا: طرقتنا أهلُ الكوفة ليلاً، وبيتونا وغدروا بنا، وظنوا أن هذا عن ملأ من أصحاب علي فبلغ الأمر علياً فقال: ما للناس؟ فقالوا، بيتنا أهل البصرة، فثار كل فريق إلى سلاحه (٣) ولبسوا اللأْمة (٤) وركبوا الخيولَ، ولا يشعر أحدٌ منهم بما وقع الأمرُ عليه في نفس الأمر، وكان أمرُ الله قدراً مقدوراً، وقامت الحربُ على ساقٍ وقدمٍ، وتبارز الفرسان، وجالت الشجعان (٥)، فنشبت الحرب، وتوافف الفريقان، وقد اجتمع مع علي عشرون ألفاً، والتفَّ (٦) على عائشة ومن معها نحو من ثلاثين ألفاً، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والسابئة أصحاب ابن السوداء قبَّحه الله لا يفترون عن القتل، ومنادي عليٍّ ينادي: ألا كُفوا، ألا كُفّوا، فلا يسمع أحد. وجاء كعب بن سُور قاضي البصرة فقال: يا أم المؤمنين أدركي الناس لعل الله أن يصلح بك بين الناس، فجلست في هودجها فوق بعيرها وستروا الهودج بالدروع، وجاءت فوقفت بحيث تنظر إلى الناس عند حركاتهم (٧)، فتصاولوا وتجاولوا (٨). وكان في جملة من تبارز الزبير وعمار، فجعل عمار ينخزه بالرمح والزبير كافٌّ عنه، ويقول له، أتقتلني يا أبا اليقظان؟ فيقول: لا يا أبا عبد الله، وإنما تركه الزبير لقول رسول الله ﷺ : "تقتلكَ الفئةُ الباغيةُ" وإلا فالزبير أقدر عليه منه عليه، فلهذا كفَّ عنه. وقد كان من سنَّتهم في هذا اليوم أنه لا يُذَفَّف على جريح، ولا يتبع مدبر، وقد قتل مع هذا خلق كثير جداً، حتى جعل علي يقول لابنه الحسن: يا بني ليت أباك مات قبل هذا اليوم بعشرين عاماً فقال له: يا أبتِ قد كنتُ أنهاكَ عن هذا.

стр. 3564

قال سعيد بن أبي عروبة (١): عن قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عبادة قال: قال عليٌّ يوم الجمل: يا حسنُ ليتَ أباك مات منذ عشرين سنة، فقال له: يا أبهْ قد كنت أنهاك عن هذا، قال: يا بني إني لم [أكن] أرى أن الأمر يبلغ هذا. وقال مبارك بن فضالة، عن الحسن بن أبي بكرة: لما اشثدَّ القتالُ يومَ الجمل، ورأى عليٌّ (الرؤوس) تُنْدر (٢) أخذ عليٌّ ابنَه الحسنَ فضمَّه إلى صدره، ثم قال: إنا لله يا حسن! أيُّ خيرٍ يُرْجَى بعد هذا؟ فلما ركبَ الجيشان وتراءى (٣) الجمعان، طلبَ عليٌّ طلحةَ والزبيرَ ليُكَلِّمَهُما، فاجتمعوا حتَّى التفَّتْ أعناقُ خيولهم، فيُقال إنه قال لهما: إني أراكما قد جمعتما خيلاً ورجالًا وعدداً، فهل أعددتما (٤) عذراً يوم القيامة كذلك؟ فاتَّقيا اللهَ ولا تكونا كالتي نَقَضَتْ غَزْلَها من بعد قوة أنكاثاً، ألم أكن أخاكما في دينكما تحرمان دمي وأحرم دمكما، فهل من حديث أحلَّ لكما دم أخيكما (٥) فقال طلحة: [أنت] ألَّبتَ على عثمان. فقال علي: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [النور: ٢٥]. ثم قال: لعن الله قتلة عثمان، ثم قال: يا طلحة! أجئت بِعِرْسِ رسول الله ﷺ تقاتل بها، وخبأت عِرْسكَ في البيت؟ أما بايعتني؟ فقال: بايعتك والسيفُ على عنقي. وقال للزُّبير: ما أخرجكَ؟ قال: أنت، ولا أراك بهذا الأمر أولى به مني. فقال له علي: أما تذكرُ يومَ مررتُ مع رسول الله ﷺ في بني غَنْم فنظر إليَّ وضحكَ وضحكت إليه، فقلت: لا يَدع (٦) ابن أبي طالب زَهوهُ، فقال لك رسول الله ﷺ : "إنه ليس بمزْهُوٍّ (٧) لتقاتلنَّه وأنت ظالمٌ له؟ " فقال الزبير: اللهم نعم! ولو ذكرت [ذلك] ما سرت مَسيري هذا، ووالله لا أقاتلكَ، وفي هذا السياق كله نظر. والمحفوظ منه الحديث، كما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي (٨) فقال: حدَّثنا أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الدَّورقي (٩)، حدَّثنا أبو عاصم، عن عبد الله بن محمد بن عبد الملك بن مسلم الرَّقاشيّ، عن جده عبد الملك، عن أبي جرو المازني قال: شهدت علياً والزبير حين تواقفا -[يعني يوم الجمل]- فقال له عليٌّ: يا زُبير! أنشدكَ الله أسمعتَ

стр. 3565

رسولَ الله ﷺ يقول: "إنك تقاتلني وأنت ظالم [لي] "؟ قال: نعم! ولم (١) أذكره إلا في موقفي هذا، ثم انصرف. وقد رواه البيهقي (٢): عن الحاكم، عن أبي الوليد، لفقيه، عن الحسن بن سفيان، عن قَطن بن بشير، عن جعفر بن سليمان، عن عبد الله بن محمد بن عبد الملك بن مسلم الرَّقَّاشي، عن جدِّه، عن أبي جرو (٣) المازني، عن علي والزبير به. وقال عبد الرزاق (٤): أخبرنا معمر، عن قتادة قال: لما ولَّى الزبير يوم الجمل، بلغ علياً فقال: لو كان ابن صفيَّة يعلم أنه على حق [وخير] ما ولَّى، وذلك أن رسول الله ﷺ لقينا (٥) في سقيفة بني ساعدة فقال: "أتحبه يا زبير"؟ فقال: وما يمنعني [أن أحبه]؟ قال: "فكيف بك إذا قاتلته وأنت ظالم له؟ " قال: فيرون أنَّه إنَّما ولَّى لذلك. قال البيهقي (٦): وهذا مرسل. وقد روي موصولًا من وجه آخر: أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن (٧) القاضي، أخبرنا أبو عامر (٨) بن مطر، أخبرنا أبو العباس عبد الله بن محمد بن سوَّار الهاشمي الكوفي، أخبرنا منجاب بن الحارث، حدَّثنا عبد الله بن الأجلح، حدَّثنا أبي، عن يزيد الفقير (٩)، عن أبيه. قال: وسمعت المُفَضَّل بن فضالة يُحدِّثُ عن حرب بن أبي الأسود الدُّئلي، عن أبيه (١٠) -دخل حديث أحدهما في حديث صاحبه- قال: لما دنا عليُّ وأصحابه من طلحة والزُّبير، ودنت الصفوف بعضها من بعض، خرجَ عليُّ وهو على بغلةِ رسولِ الله ﷺ فنادى: ادعوا لي الزبيرَ بن العوّام فإني عليُّ، فدُعي له الزبير فأقبل حتى اختلفت أعناق دوابِّهما، فقال عليٌّ: يا زبيرُ! نشدتكَ بالله، أتذكرُ يومَ مرّ بك رسول الله ﷺ ونحنُ في مكانِ كذا وكذا،

стр. 3566

فقال: "يا زبير أتحب (١) علياً"؟ فقلت: ألا أحبُّ ابنَ خالي وابنَ عمّي وعلى ديني؟ فقال: "يا زبير أما والله لتقاتلنه وأنت ظالم له؟ " فقال الزبير: بلى! والله لقد نسيتُه منذ سمعته من رسول الله ﷺ ، ثم ذكرتُه الآن، والله لا أقاتلك. فرجع الزبير على دابته يشق الصفوف، فعرض (٢) له ابنه عبد الله بن الزبير، فقال: ذكّرني عليٌّ حديثاً سمعتُه من رسول الله ﷺ ، سمعته يقول " لتقاتلنه وأنت ظالم له " فقال: أو للقتال جئت؟ إنما جئت لتصلحَ بين الناس ويصلح الله بك هذا الأمر، قال: قد حلفت أن لا أقاتله، قال: أعتق غلامكَ سرجس (٣) وقف حتى تصلح بين الناس. فأعتق غلامه ووقف، فلما اختلف أمر الناس (٤) ذهب على فرسه [وروى البراء، عن أحمد بن عبدة (٥)، عن الحسين بن الحسن، عن رفاعة بن إياس بن أبي إياس، عن أبيه، عن جده قال (سمعت علياً ﵀ يقول يوم الجمل لطلحة: أنشدك الله يا طلحة أما" (٦): سمعت رسول الله ﷺ يقول: " اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " قال: بلى، وانصرف. وقد استغربه البزار (٧) وهو جدير بذلك] (٨). قالوا: فرجع الزبير إلى عائشة فذكر لها أنه قد آلى ألا يقاتلَ علياً، فقال له ابنه عبد الله: إنك [قد] جمعت الناس، فلما تراءى بعضهم لبعض خرجت من بينهم، كفِّر عن يمينك واحضر. فأعتق غلاماً، له اسمه مكحول، وقيل غلامه سرجس. وقد قيل إنه إنما رجع عن القتال لمّا رأى عماراً مع علي وقد سمع رسول الله ﷺ يقول لعمار: " تقتلك الفئة الباغية " فخشي أن يُقْتل عمارٌ في هذا اليوم. وعندي أن الحديث الذي أوردناه (٩) إن كان صحيحاً عنه فما رجعه سواه، ويبعد أن يكفِّر عن يمينه ثم يحضر بعد ذلك لقتال على (١٠)، والله أعلم. والمقصود أن الزبيرَ لمّا رجعَ يومَ الجمل سار فنزل (١١) وادياً يُقال له وادي السباع (١٢)، فاتبعه (رجل

стр. 3567

يقال له) عمرو (١) بن جرموز، فجاءه وهو نائم ففتله غيلةً كما سنذكر تفصيله (٢). وأما طلحة فجاءه في المعركة سهم غرب (٣) يقال رماه به مروان بن الحكم، فالله أعلم، فانتظم رجله مع فرسه فجمحت به الفرس فجعل يقول: إلي عباد الله، (إليّ عباد الله)، فاتبعه مولى له فامسكها، فقال له: ويحك! اعدل (٤) بي إلى البيوت، وامتلأ خفه دماً، فقال لغلامه [انزعه وأردفني]، وذلك أنه نزفه الدم وضعف، فركب [الغلام] وراءه وجاء به إلى بيت في البصرة فمات فيه، ﵁. وتقدمت عائشة ﵂ (في هودجها) وناولت كعبَ بن سُور قاضي البصرة مصحفاً وقالت: ادعهم إليه -وذلك أنه حين اشتدّ الحربُ وحميَ القتالُ، ورجع الزبير، وقُتل طلحة ﵄ فلما تقدم كعب بن سُور بالمصحف يدعو إليه استقبله مقدمة (٥) جيش الكوفيين، وكان (٦) عبد الله بن سبأ -وهو ابن السوداء- وأتباعه بين (٧) يدي الجيش، يقتلون من قدروا عليه من أهل البصرة، لا يتوقفون في أحد، فلما رأوا كعب بن سُور رافعاً المصحف رشقوه بنبالهم رشقة رجل واحد فقتلوه، ووصلت النبال إلى هودج (أم المؤمنين) عائشة ﵂، فجعلت تنادي: الله الله! يا بني اذكروا يوم الحساب، ورفعت يديها تدعو على أولئك النفر من قتلة عثمان، فضجَّ الناسُ معها بالدعاء حتى وصلت (٨) الضجة إلى علي فقال: ما هذا! فقالوا: أم المؤمنين تدعو على قتلة عثمان وأشياعهم. فقال: اللهم العن قتلة عثمان، وجعل أولئك النفر لا يقلعون عن رشق هودجها بالنبال حتى بقي مثل القنفذ، وجعلت تحرض الناس على منعهم وكفهم، فحملت معه الحفيظة فطردوهم حتى وصلت الحملة إلى الموضع الذي فيه علي بن أبي طالب، فقال لابنه محمد بن الحنفية: ويحك! تقدم بالراية، فلم يستطع، فأخذها علي من يده فتقدّم بها، وجعلت الحرب تأخذ وتعطي، فتارة لأهل البصرة، وتارة لأهل الكوفة، وقُتل (٩) خلقٌ كثيرٌ، وجمٌّ غفيرٌ، ولم تُر وقعة أكثر من قطع الأيدي والأرجل فيها من هذه الوقعة، وجعلت عائشة تحرّض الناس على أولئك النفر من قتلة عثمان، ونظرت عن يمينها فقالت: من هؤلاء القوم؟ فقالوا: نحن بكر بن وائل، فقالت: لكم يقول القائل (١٠): [من الطويل]

стр. 3568

وجاؤوا إلينا بالحديدِ كأنّهمْ … منَ العزَّةِ القعساءِ بكرُ بنُ وائلِ ثم لجأ (١) إليها بنو ناجية ثم بنو ضبة فقتل عندها (٢) منهم خلق كثير، ويقال إنه قطعت يد سبعين رجلاً وهي آخذة بخطام الجمل فلما أثخنوا تقدم بنو عدي بن عبد مناف فقاتلوا قتالًا شديداً، ورفعوا رأس الجمل، وجعل أولئك يقصدون الجمل وقالوا: لا يزال الحرب قائماً ما دام هذا الجمل واقفاً، ورأس الجمل في يد عمرة (٣) بن يثربي، وقيل أخوه عمرو بن يثربي (ثم صمد عليه علباء بن الهيثم) وكان من الشجعان المذكورين [والفرسان المشهورين]، فتقدم إليه [نفيل بن] عمرو الجملي فقتله ابن يثربي [ثم عمد إليه علباء بعد الهيثم فقتله ابن يثربي أيضاً] وقتل زيد (٤) بن صوحان، وأرتث صعصعة بن صوحان فدعاه عمار إلى البراز فبرز له، فتجاولا بين الصفين -وعمار [يومئذ] ابن تسعين سنة عليه فروة قد ربط وسطه بحبل ليف- فقال الناس: إنا لله وإنا إليه راجعون الآن يُلحق عماراً بأصحابه، فضربه ابن يثربي بالسيف فاتقاه عمار بدرقته فغاص فيها السيف ونشب، وضربه عمار فقطعَ رجليه وأخذ أسيراً (٥) إلى بين يَدَيْ علي فقال: استبقني يا أمير المؤمنين، فقال: أبعد ثلاثة تقتلهم؟ ثم أمر به فقتل واستمر زمام الجمل بعده بيد رجل (٦) كان قد استنابه فيه من بني عدي فبرز إليه ربيعة العقيلي فتجاولا حتى قتل كل واحد [منهما] صاحبه واخذ الزمام الحارث الضبي فما رؤي أشدَّ منه وجعل يقول (٧): [من الرجز] نحن بني (٨) ضبّةَ أصحابُ الجَملْ … نُبارزُ القرْنَ إذا القرنُ نَزل نَنْعَى ابنَ عفَّان بأطْرافِ الأسَلْ (٩) … الموْتُ أحْلَى عِنْدنا من العَسَلْ ردوا علينا شيخنا ثم بجل [وقد] قيل: إنَّ هذه الأبياتَ لوسيم بن عمرو الضبي. فكلما قُتل واحدٌ ممن يمسك الجملَ يقوم (١٠) غيره حتى قُتل منهم أربعون رجلاً، قالت عائشة: ما زال جملي معتدلا حتى فقدتُ أصواتَ بني ضبة ثم أخذ الخطامَ سبعون رجلاً من قريش وكل واحدٍ يُقتلُ بعد صاحبه، فكان منهم محمد بن طلحة المعروف بالسّجّاد فقال لعائشة مريني بأمرك يا أمه. فقالت: آمرك أن تكون كخير ابني آدم، فامتنع أن

стр. 3569

ينصرف وثبت في مكانه وجعل يقول: حم لا ينصرون، فتقدَّم إليه نفرٌ فحملوا عليه فقتلوه وصار كل واحد منهم بعد ذلك يدَّعي قتله، وقد طعنه بعضهم بحربة فأنفذه وقال (١): [من الطويل] وَأشْعَثَ قوّامٍ بآياتِ رَبِّهِ … قَليلِ الأذى فيما ترى العَيْنُ مُسْلمِ هتكتُ له بالرُّمْح جَيْبَ قَميصهِ … فَخرَّ صَريعاً لليَدينِ وللْفَمِ يُناشدُني (٢) حاميمُ (٣) والرُّمْحُ شاجرٌ … فهلا تَلا حاميمَ قبلَ التَّقَدُّمِ على غَيْرِ شيءٍ غيرَ أن ليسَ تابعاً … عَليّاً ومنْ لا يتْبَعِ الحَقَّ يَنْدمِ وأخذ الخطام عمرو بن الأشرف فجعل لا يدنو منه أحدٌ إلا خبطه (٤) بالسيف فأقبل إليه الحارث بن زهير الأزدي وهو يقول (٥): [من الرجز] يا أمنا يا خيرَ أمٍّ نعلمُ (٦) … أما ترين كمْ شجاعٍ يُكْلمُ وتُجتلى هامتُهُ والمعصم فاختلفا (٧) ضربتين فقتل كل واحد صاحبه، وأحدق أهل النجدات [والمروءات] والشجاعة بعائشة، فكان لا يأخذ الراية ولا بخطام الجمل (٨) إلا شجاع معروف، فيقتل من قصده ثم يقتل بعد ذلك، وقد فقأ بعضهم عين عدي بن حاتم ذلك اليوم، ثم تقدم عبد الله بن الزبير فأخذ بخطام الجمل وهو لا يتكلم فقيل لعائشة إنه ابنك وابن أختك فقالت: واثكل أسماء! وجاء مالك بن الحارث الأشتر النخعي فاقتتلا فضربه الأشتر على رأسه فجرحه جرحاً شديداً وضربه عبد الله [بن الزبير] ضربةً خفيفة (٩) ثم اعتنقا وسقطا إلى الأرض يعتركان فجعل عبد الله بن الزبير يقول: [من جزوء الخفيف] اقتلوني ومالكاً … واقتلوا مالكاً معي [فأرسلها مثلاً] وجعل (١٠) الناس لا يعرفون مالكاً من هو وإنما هو معروف (١١) بالأشتر، فحمل أصحابُ عليّ وعائشة فخلَّصوهما وقد جُرح عبدُ الله بن الزبير يومَ الجمل بهذه الجراحة سبعاً وثلاثين

стр. 3570

جراحةً، وجُرح مروان بن الحكم أيضاً، ثم جاء رجل فضرب الجملَ على قوائمه فعقره وسقط إلى الأرض، فسُمع له عجيج ما سُمع أشد ولا أنفذ منه، وآخر من كان الزمام بيده زُفَر بن الحارث، فعُقر الجمل وهو في يده، ويقال إنه اتفق هو وبجير بن دلجة على عقره، ويقال إنَّ الذي أشار بعقر الجمل علي، وقيل القعقاع بن عمرو لئلا تصاب أم المؤمنين، فإنها صارت (١) غرضاً للرماة، ومن يمسك بالزمام بُرْجاساً (٢) للرِّماح، ولينفصل هذا الموقفُ الذي قد تَفَانى فيه الناس ولما سقط الجمل (٣) إلى الأرض انهزم من حوله من الناسِ، وحُمل هودجُ عائشة وإنه لكالقنفذ من السهام (٤)، ونادى منادي عليٍّ في الناس: إنه لا يتبع مدبر ولا يُذفَّفُ على جريحٍ، ولا تُدخل (٥) الدور، وأمر علي نفراً أن يحملوا الهودجَ من بين القتلى، وأمر محمد بن أبي بكر وعماراً أن يضربا عليه قبة، وجاء إليها أخوها محمد فسألها هل وصل إليك شيء من الجراح؟ فقالت: (لا)! وما أنت ذاك يا بن الخثعمية. وسلَّم عليها عمار فقال: كيف أنت يا أمُّ (٦)؟ فقالت: لست لك بأمٍّ. قال: بلى! وإن كرهتِ، وجاء إليها عليُّ بن أبي طالب (أمير المؤمنين) مسلِّماً فقال: كيف أنت (يا أمَّهْ؟) قالت: بخير فقال: يغفر الله لك. وجاء وجوهُ الناس [إليها] من الأمراء والأعيان يسلمون على أم المؤمنين (٧) ﵂، ويقال إن أَعْيَن (٨) بن ضُبيعة المُجاشعي اطلع في الهودج فقالت: إليك لعنك الله، فقال: والله ما أرى إلا حُمَيْراء، فقالت: هتكَ الله ستركَ وقطعَ يدكَ وأبدى عورتكَ. فقُتل بالبصرة، وسُلب، وقُطعت يده، ورمي عرياناً في خربة من خَرابات الأزد. فلمَّا كان الليل دخلت أم المؤمنين البصرةَ -ومعها أخوها محمد بن أبي بكر- فنزلت في دار عبد الله بن خلف الخزاعي- وهي أعظم دار بالبصرة- على صفية بنت الحارث بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار (٩)، وهي أم طلحة الطلحات [بن] عبد الله بن خلف، وتسلل الجرحى من بين القتلى فدخلوا البصرة (١٠)، وقد طاف علي بين القتلى فجعل كلما مر برجل يعرفه ترحّم (١١) عليه ويقول: يعز عليَّ أن أرى قريشاً صرعى. وقد مر علي فيما ذكر على طلحة بن عبيد الله وهو مقتولٌ فقال: لهفي عليك

стр. 3571

يا أبا محمد، إنا لله وإنا إليه راجعون والله لقد كنت كما قال الشاعر: [من الطويل] فتىً كانَ يدنيهِ الغنى منْ صديقهِ … إذا ماهو استغنى ويبعدهُ الفقرُ وأقام علي بظاهر البصرة ثلاثاً ثمَّ صلَّى على القتلى من الفريقين، وخَصَّ قريشاً بصلاة من بينهم، ثم جمع ما وجد لأصحاب عائشة في المعسكر وأمر به أن يحمل إلى مسجد البصرة، فمن عرف شيئاً هو لأهلهم فليأخذه، إلا [أن يكون] سلاحاً كان في الخزائن عليه سمة السلطان. وكان مجموع من قتل يوم الجمل من الفريقين عشرة آلاف: خمسة من هؤلاء، وخمسة من هؤلاء، ﵏ ورضي عن الصحابة منهم (١). وقد سأل بعض أصحاب علي علياً أن يقسِّم فيهم [أموالهم يعني] أموال أصحاب طلحة والزبير (فأبى عليهم) فطعن فيه السبئية وقالوا: كيف تحل (٢) لنا دماؤهم ولا تحل لنا أموالهم؟ فبلغ ذلك علياً فقال: أيكم يحب أن تصير أم المؤمنين في سهمه؟ فسكت القومُ، ولهذا لما دخل البصرةَ فضَّ في أصحابه أموالَ بيت المال، فنال كل رجلٍ منهم خمسمئة، وقال: لكم مثلها من الشام [في أعطياتكم]، فتكلم فيه السبئية أيضاً ونالوا منه من وراء وراء. فصل ولما فرغ علي من أمر الجمل أتاه وجوهُ الناس يسلّمون عليه، فكان ممن جاءه الأحنف بن قيس في بني سعد -وكانوا قد اعتزلوا القتال- فقال له علي: تربصت (٣) - (يعني) بنا- فقال: ما كنتُ أراني إلا قد (٤) أحسنت، وبأمرك كان ما كان يا أمير المؤمنين، فارفق فإن طريقك الذي سلكت بعيد، وأنت إليَّ غداً أحوج منك أمس، فاعرف إحساني، واستبق مودتي لغد، ولا تقل (لي) مثل هذا فإني لم أزل لك ناصحاً. قالوا: ثم دخل عليٌّ البصرة يوم الإثنين فبايعه أهلُها على راياتهم، حتى الجرحى والمستأمنة (٥). وجاءه عبد الرحمن بن أبي بكرة الثقفي فبايعه فقال له علي: أين المتربص (٦)؟ -يعني أباه- فقال: إنه والله مريض يا أمير المؤمنين، وإنه (٧) على مسرتك لحريص. فقال: امش أمامي، فمضى إليه فعاده، واعتذر إليه أبو بكرة فعذره، وعرض عليه البصرة (فامتنع وقال: رجل من أهلك يسكن إليه الناس،

стр. 3572

وأشار إليه بابن عباس فولاه على البصرة)، وجعل معه زياد بن أبيه على الخراج وبيت المال، وأمر ابن عباس أن يسمع من زياد -وكان زياد معتزلًا- ثم جاء علي إلى الدار التي فيها أم المؤمنين عائشة، فاستأذن ودخل فسلَّم عليها ورحبَّتْ به، وإذا النساء في دار بني خلف يبكين على منْ قتل، منهم عبد الله وعثمان ابنا خلف، فعبد الله قُتل مع عائشة، وعثمان قُتل مع علي، فلما دخل عليٌّ قالت له صفية امرأة عبد الله، أم طلحة الطلحات: أيتم الله منك أولادكَ كما أيتمتَ أولادي، فلم يردّ عليها عليٌّ شيئاً، فلما خرج أعادت عليه المقالةَ أيضاً فسكت، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين أتسكت عن هذه المرأة وهي تقول ما تسمع؟ فقال: ويحك! إنا أُمرنا أن نكف عن النساء وهن مشركات، أفلا نكف عنهن وهن مسلمات (١)؟ فقال له رجل: يا أمير المؤمنين إن على الباب رجلين ينالان من عائشة، فأمر عليٌّ القعقاعَ بن عمرو أن يجلدَ كلَّ واحدٍ منهما مئة وأن يخرجَهما من ثيابهما. وقد سألت عائشة عمن قتل معها من المسلمين (٢) ومن قتل من عسكر عليٍّ فجعلت كلما ذكر لها واحدٌ منهم تَرَحَّمتْ عليه ودَعَتْ له. ولما أرادات (أم المؤمنين) عائشة الخروجَ من البصرة بعثَ إليها علي ﵁ بكلّ ما ينبغي من مركبٍ وزادٍ ومتاعٍ وغير ذلك، وأذنَ لمن نجا ممَّنْ جاء في الجيش معها أن يرجع (٣) إلا أن يحبَّ المقامَ، واختارَ لها أربعين امرأةً من نساء أهل البصرة المعروفات، وسير (٤) معها أخاها محمد (بن أبي بكر). فلما كان اليوم الذي ارتحلت فيه جاء عليٌّ فوقفَ على الباب وحضرَ الناسُ، وخرجت من الدار في الهودج فودَّعتِ الناس ودعتْ لهم، وقالت: يا بنيَّ لا يعتب بعضنا على بعض (٥)، إنه والله ما كان بيني وبين علي في القدم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه على معتبتي [له] لمن الأخيار. فقال علي: صدقتِ والله ما كان بيني وبينها إلا ذاك، وإنها لزوجةُ نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة. وسار عليٌّ معها مودَّعاً ومشيعاً أميالًا، وسرّح بنيه معها بقية ذلك اليوم -وكان يوم السبت مستهل رجب سنة ست وثلاثين- وقصدت في مسيرها ذلك إلى مكة فأقامت بها إلى أن حجت عامها ذلك ثم رجعت إلى المدينة ﵂. وأما مروان بن الحكم فإنه لما فرَّ استجار بمالك بن مسمع فأجاره، ووفى له، ولهذا كان بنو مروان يكرمون مالكاً ويشرفونه، ويقال إنه نزل دار بني خلف فلما خرجت عائشة خرج معها، فلما سارت هي إلى مكة سار [هو] إلى المدينة.

стр. 3573

قالوا: وقد علم منْ بين مكة والمدينة والبصرة بالوقعة (يوم الوقعة)، وذلك مما كانت النسور تخطفه من الأيدي والأقدام فيسقط (١) منها هنالك، حتى إنَّ أهل المدينة علموا بذلك يوم الجمل قبل أن تغرب الشمس، وذلك أن نسراً مرَّ بهم ومعه شيء فسقط [منه] فإذا هو كفٌّ فيه خاتم نقشه عبد الرحمن بن عتاب. هذا ملخص ما ذكره (أبو جعفر) بن جرير ﵀ عن أئمة هذا الشأن، وليس فيما ذكر (٢) أهل الأهواء من الشيعة وغيرهم من الأحاديث المختلقة على الصحابة والأخبار الموضوعة التي ينقلونها بما فيها، واذا دُعوا [إلى الله وإلى] الحق الواضح أعرضوا عنه وقالوا: لنا أخبارنا ولكم أخباركم، (فنحن حينئذ) نقول لهم: سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين. فصل في ذكر أعيان من قُتل يومَ الجَمَل من السّادة النُّجباء من الصَّحابة وغيرهم من الفريقين ﵃ أجمعين، وقد قدَّمنا أن عدَّة القَتْلى نحو من عشرة آلافٍ، وأمّا الجَرْحى فلا يُحْصون كثرةً، ولم يكن في الفريقين من الصحابة إلا القليل. وقال الإمام أحمد: حدَّثنا إسماعيل، حدَّثنا أيوب، عن محمد بن سيرين قال: هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ عشرات ألوف فلم يحضرها منهم مئة، بل لم يبلغوا ثلاثين. وقال الإمام أحمد أيضاً: حدَّثنا إسماعيل -هو ابن عليّة- حدَّثنا منصور بن عبد الرحمن قال: قال الشعبي: لم يشهد الجمل من أصحاب النبي ﷺ غير علي وعمّار وطلحة والزبير؛ فإن جاؤوا بخامس فأنا كذاب. قلت: قد حضرتها عائشة وابن الزبير والحسن والحسين ومحمد بن أبي بكر وسهل بن حنيف وآخرون. قلت: قد يكون الشعبي أراد أنه لم يحضرها من المهاجرين غير من ذكر والله أعلم. فممن قتل يوم الجمل (٣) في المعركة: طلْحةُ بن عُبَيْد الله (٤) بن عُثمان بن عَمْرو بن كعب بن سَعْد (٥) بن تَيْم بن مُرَّة بن كَعْب بن لُؤَيّ بن

стр. 3574

غالب بن فِهْر بن مالك بن النَّضْر بن كِنانةَ أبو محمد القُرشىِ التَّيمي، ويعرف بطَلْحة الخَيْر، وطلحة الفَيّاض لكرمه ولكثرة جوده. أسلم قديماً على يَديْ أبي بكر الصّديق، فكان (١) نوفل بن خُوَيْلد بن العدوية يشدُّهما في حبل واحد، ولا تستطيع بنو تَيْم أن تمنعهما منه، فلذلك كان يقال لطلحة وأبي بكر القرينان. وقد هاجر وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبي أيوب الأنصاري، وشهد المشاهد كلَّها مع رسول الله ﷺ إلا بدراً -فإنَّه كان بالشام لتجارة- وقيل في رسالة، ولهذا ضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجره من بدر. وكانت له يوم أحد اليدُ البيضاءُ وشَلت يده يومئذ لأنه وقى بها رسول الله ﷺ واستمرت كذلك إلى أن مات. وكان الصديق إذا حدث عن يوم أحد يقول: ذاك يوم [كان] كله لطلحة، وقد قال له رسول الله ﷺ يومئذ: " أوجب طلحة" (٢) وذلك أنه كان على رسول الله ﷺ درعان فأراد أن ينهض وهما عليه ليصعد صخرة هنالك فما استطاع، فطأطأ له طلحة فصعد على ظهره حتى استوى عليها، وقال (٣): " أوْجَبَ طلحة". وهو أحدُ العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحدُ الستة أصحاب الشورى، وقد صحب رسول الله ﷺ فأحسن صحبته حتى توفي وهو عنه راض، وكذلك أبو بكر وعمر، فلما كانت قضية عثمان اعتزل عنه فنسبه بعض الناس إلى تحامل عليه (٤)، فلهذا لمّا حضر يوم الجمل واجتمع به عليٌّ فوعظه تأخّر فوقف في بعض الصفوف، فجاءه سهمٌ غَرْبٌ فوقع في ركبته وقيل في رقبته، والأول أشهر، وانتظم السهمُ مع ساقه خاصرة الفرس فجمح به حتى كاد يلقيه، وجعل يقول: إليّ عباد الله، فأدركه مولى له فركب وراءه وأدخله البصرة فمات بدار فيها، ويقال إنه مات بالمعركة، وأنَّ علياً لما دار بين القتلى رآه فجعل (٥) يمسحُ عن وجهه التُّرابَ وقال: رحمة الله عليك أبا محمد، يعز عليَّ أن أراك مُجَدَّلاً (٦) تحت نجوم السماء، ثم قال: إلى الله أشكو عُجَري وبُجَري (٧)، والله لوددتُ أني كنتُ متُّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة. ويقال إن الذي رماه بهذا السهم مروان بن الحكم، وقال لأبان بن عثمان: قد كفيتك رجالاً (٨) من قتلة عثمان، وقد قيل إن الذي رماه غيره، وهذا عندي أقرب، وإن كان الأول مشهوراً والله أعلم.

стр. 3575

وكان يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخر سنة ست وثلاثين، ودفن طلحة إلى جانب الكلأ (١) وكان عمره ستين سنة، وقيل: بضعاً وستين سنة، وكان آدم، وقيل أبيض، حسن الوجه كثير الشعر إلى القصر أقرب، وكانت غلته في كل يوم ألف درهم. وروى حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أبيه: أن رجلاً رأى طلحة في منامه، وهو يقول: حوِّلوني عن قبري فقد آذاني الماء، ثلاث ليالٍ، فأتى ابن عباس -وكان نائباً على البصرة- فأخبره (٢) فاشتروا له داراً بالبصرة بعشرة آلاف درهم فحوّلوه من قبره إليها، فإذا قد اخضّر من جسده ما يلي الماء، وإذا هو كهيئته يوم أصيب. وقد وردت له فضائل كثيرة. فمن ذلك ما رواه أبو بكر بن أبي عاصم: حدَّثنا الحسن بن علي، حدثنا سليمان [بن أيوب] بن عيسى بن موسى بن طلحة بن عبيد الله، حدَّثني أبي، عن جده، عن موسى بن طلحة عن أبيه قال: سمّاني رسول الله ﷺ يومَ أحدٍ طلحةَ الخير، ويوم العسرة طلحة الفياض. ويوم حنين طلحة الجود (٣). وقال أبو يعلى الموصلي (٤): حدَّثنا أبو كُريب، حدَّثنا يونس بن بُكَيْر، عن طلحة بن يحيى، عن موسى وعيسى ابني طلحة، عن أبيهما أن ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا لأعرابي جاء يسأل عمَّن قَضَى نَحْبهُ فقالوا: سلْ رسول الله ﷺ فسأله في المسجد، فأعرض عنه، ثمّ سأله، فأعرض عنه، ثُمّ اطَّلعتُ من باب المسجد، وعليَّ ثيابٌ خضرُ، فقال رسول الله ﷺ : "أين السائل؟ " قال ها أنا ذا فقال: " هذا ممَّن قضى نحبهُ ". وقال أبو القاسم البغوي: حدَّثنا داود بن رُشَيْد، حدَّثنا مسلم بن إبراهيم (٥)، حدَّثنا الصلت بن دينار، عن أبي نَضْرة، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "من أراد أن ينظر إلى شهيد يمشي على رجليه فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله" (٦). وقال الترمذي (٧): حدَّثنا أبو سعيد الأشج، حدَّثنا أبو عبد الرحمن بن منصور العنزي (٨) - اسمه
следующие страницы →