← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

يا أبا محمد، إنا لله وإنا إليه راجعون والله لقد كنت كما قال الشاعر: [من الطويل] فتىً كانَ يدنيهِ الغنى منْ صديقهِ … إذا ماهو استغنى ويبعدهُ الفقرُ وأقام علي بظاهر البصرة ثلاثاً ثمَّ صلَّى على القتلى من الفريقين، وخَصَّ قريشاً بصلاة من بينهم، ثم جمع ما وجد لأصحاب عائشة في المعسكر وأمر به أن يحمل إلى مسجد البصرة، فمن عرف شيئاً هو لأهلهم فليأخذه، إلا [أن يكون] سلاحاً كان في الخزائن عليه سمة السلطان. وكان مجموع من قتل يوم الجمل من الفريقين عشرة آلاف: خمسة من هؤلاء، وخمسة من هؤلاء، ﵏ ورضي عن الصحابة منهم (١). وقد سأل بعض أصحاب علي علياً أن يقسِّم فيهم [أموالهم يعني] أموال أصحاب طلحة والزبير (فأبى عليهم) فطعن فيه السبئية وقالوا: كيف تحل (٢) لنا دماؤهم ولا تحل لنا أموالهم؟ فبلغ ذلك علياً فقال: أيكم يحب أن تصير أم المؤمنين في سهمه؟ فسكت القومُ، ولهذا لما دخل البصرةَ فضَّ في أصحابه أموالَ بيت المال، فنال كل رجلٍ منهم خمسمئة، وقال: لكم مثلها من الشام [في أعطياتكم]، فتكلم فيه السبئية أيضاً ونالوا منه من وراء وراء. فصل ولما فرغ علي من أمر الجمل أتاه وجوهُ الناس يسلّمون عليه، فكان ممن جاءه الأحنف بن قيس في بني سعد -وكانوا قد اعتزلوا القتال- فقال له علي: تربصت (٣) - (يعني) بنا- فقال: ما كنتُ أراني إلا قد (٤) أحسنت، وبأمرك كان ما كان يا أمير المؤمنين، فارفق فإن طريقك الذي سلكت بعيد، وأنت إليَّ غداً أحوج منك أمس، فاعرف إحساني، واستبق مودتي لغد، ولا تقل (لي) مثل هذا فإني لم أزل لك ناصحاً. قالوا: ثم دخل عليٌّ البصرة يوم الإثنين فبايعه أهلُها على راياتهم، حتى الجرحى والمستأمنة (٥). وجاءه عبد الرحمن بن أبي بكرة الثقفي فبايعه فقال له علي: أين المتربص (٦)؟ -يعني أباه- فقال: إنه والله مريض يا أمير المؤمنين، وإنه (٧) على مسرتك لحريص. فقال: امش أمامي، فمضى إليه فعاده، واعتذر إليه أبو بكرة فعذره، وعرض عليه البصرة (فامتنع وقال: رجل من أهلك يسكن إليه الناس،

стр. 3572

وأشار إليه بابن عباس فولاه على البصرة)، وجعل معه زياد بن أبيه على الخراج وبيت المال، وأمر ابن عباس أن يسمع من زياد -وكان زياد معتزلًا- ثم جاء علي إلى الدار التي فيها أم المؤمنين عائشة، فاستأذن ودخل فسلَّم عليها ورحبَّتْ به، وإذا النساء في دار بني خلف يبكين على منْ قتل، منهم عبد الله وعثمان ابنا خلف، فعبد الله قُتل مع عائشة، وعثمان قُتل مع علي، فلما دخل عليٌّ قالت له صفية امرأة عبد الله، أم طلحة الطلحات: أيتم الله منك أولادكَ كما أيتمتَ أولادي، فلم يردّ عليها عليٌّ شيئاً، فلما خرج أعادت عليه المقالةَ أيضاً فسكت، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين أتسكت عن هذه المرأة وهي تقول ما تسمع؟ فقال: ويحك! إنا أُمرنا أن نكف عن النساء وهن مشركات، أفلا نكف عنهن وهن مسلمات (١)؟ فقال له رجل: يا أمير المؤمنين إن على الباب رجلين ينالان من عائشة، فأمر عليٌّ القعقاعَ بن عمرو أن يجلدَ كلَّ واحدٍ منهما مئة وأن يخرجَهما من ثيابهما. وقد سألت عائشة عمن قتل معها من المسلمين (٢) ومن قتل من عسكر عليٍّ فجعلت كلما ذكر لها واحدٌ منهم تَرَحَّمتْ عليه ودَعَتْ له. ولما أرادات (أم المؤمنين) عائشة الخروجَ من البصرة بعثَ إليها علي ﵁ بكلّ ما ينبغي من مركبٍ وزادٍ ومتاعٍ وغير ذلك، وأذنَ لمن نجا ممَّنْ جاء في الجيش معها أن يرجع (٣) إلا أن يحبَّ المقامَ، واختارَ لها أربعين امرأةً من نساء أهل البصرة المعروفات، وسير (٤) معها أخاها محمد (بن أبي بكر). فلما كان اليوم الذي ارتحلت فيه جاء عليٌّ فوقفَ على الباب وحضرَ الناسُ، وخرجت من الدار في الهودج فودَّعتِ الناس ودعتْ لهم، وقالت: يا بنيَّ لا يعتب بعضنا على بعض (٥)، إنه والله ما كان بيني وبين علي في القدم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه على معتبتي [له] لمن الأخيار. فقال علي: صدقتِ والله ما كان بيني وبينها إلا ذاك، وإنها لزوجةُ نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة. وسار عليٌّ معها مودَّعاً ومشيعاً أميالًا، وسرّح بنيه معها بقية ذلك اليوم -وكان يوم السبت مستهل رجب سنة ست وثلاثين- وقصدت في مسيرها ذلك إلى مكة فأقامت بها إلى أن حجت عامها ذلك ثم رجعت إلى المدينة ﵂. وأما مروان بن الحكم فإنه لما فرَّ استجار بمالك بن مسمع فأجاره، ووفى له، ولهذا كان بنو مروان يكرمون مالكاً ويشرفونه، ويقال إنه نزل دار بني خلف فلما خرجت عائشة خرج معها، فلما سارت هي إلى مكة سار [هو] إلى المدينة.

стр. 3573

قالوا: وقد علم منْ بين مكة والمدينة والبصرة بالوقعة (يوم الوقعة)، وذلك مما كانت النسور تخطفه من الأيدي والأقدام فيسقط (١) منها هنالك، حتى إنَّ أهل المدينة علموا بذلك يوم الجمل قبل أن تغرب الشمس، وذلك أن نسراً مرَّ بهم ومعه شيء فسقط [منه] فإذا هو كفٌّ فيه خاتم نقشه عبد الرحمن بن عتاب. هذا ملخص ما ذكره (أبو جعفر) بن جرير ﵀ عن أئمة هذا الشأن، وليس فيما ذكر (٢) أهل الأهواء من الشيعة وغيرهم من الأحاديث المختلقة على الصحابة والأخبار الموضوعة التي ينقلونها بما فيها، واذا دُعوا [إلى الله وإلى] الحق الواضح أعرضوا عنه وقالوا: لنا أخبارنا ولكم أخباركم، (فنحن حينئذ) نقول لهم: سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين. فصل في ذكر أعيان من قُتل يومَ الجَمَل من السّادة النُّجباء من الصَّحابة وغيرهم من الفريقين ﵃ أجمعين، وقد قدَّمنا أن عدَّة القَتْلى نحو من عشرة آلافٍ، وأمّا الجَرْحى فلا يُحْصون كثرةً، ولم يكن في الفريقين من الصحابة إلا القليل. وقال الإمام أحمد: حدَّثنا إسماعيل، حدَّثنا أيوب، عن محمد بن سيرين قال: هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ عشرات ألوف فلم يحضرها منهم مئة، بل لم يبلغوا ثلاثين. وقال الإمام أحمد أيضاً: حدَّثنا إسماعيل -هو ابن عليّة- حدَّثنا منصور بن عبد الرحمن قال: قال الشعبي: لم يشهد الجمل من أصحاب النبي ﷺ غير علي وعمّار وطلحة والزبير؛ فإن جاؤوا بخامس فأنا كذاب. قلت: قد حضرتها عائشة وابن الزبير والحسن والحسين ومحمد بن أبي بكر وسهل بن حنيف وآخرون. قلت: قد يكون الشعبي أراد أنه لم يحضرها من المهاجرين غير من ذكر والله أعلم. فممن قتل يوم الجمل (٣) في المعركة: طلْحةُ بن عُبَيْد الله (٤) بن عُثمان بن عَمْرو بن كعب بن سَعْد (٥) بن تَيْم بن مُرَّة بن كَعْب بن لُؤَيّ بن

стр. 3574

غالب بن فِهْر بن مالك بن النَّضْر بن كِنانةَ أبو محمد القُرشىِ التَّيمي، ويعرف بطَلْحة الخَيْر، وطلحة الفَيّاض لكرمه ولكثرة جوده. أسلم قديماً على يَديْ أبي بكر الصّديق، فكان (١) نوفل بن خُوَيْلد بن العدوية يشدُّهما في حبل واحد، ولا تستطيع بنو تَيْم أن تمنعهما منه، فلذلك كان يقال لطلحة وأبي بكر القرينان. وقد هاجر وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبي أيوب الأنصاري، وشهد المشاهد كلَّها مع رسول الله ﷺ إلا بدراً -فإنَّه كان بالشام لتجارة- وقيل في رسالة، ولهذا ضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجره من بدر. وكانت له يوم أحد اليدُ البيضاءُ وشَلت يده يومئذ لأنه وقى بها رسول الله ﷺ واستمرت كذلك إلى أن مات. وكان الصديق إذا حدث عن يوم أحد يقول: ذاك يوم [كان] كله لطلحة، وقد قال له رسول الله ﷺ يومئذ: " أوجب طلحة" (٢) وذلك أنه كان على رسول الله ﷺ درعان فأراد أن ينهض وهما عليه ليصعد صخرة هنالك فما استطاع، فطأطأ له طلحة فصعد على ظهره حتى استوى عليها، وقال (٣): " أوْجَبَ طلحة". وهو أحدُ العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحدُ الستة أصحاب الشورى، وقد صحب رسول الله ﷺ فأحسن صحبته حتى توفي وهو عنه راض، وكذلك أبو بكر وعمر، فلما كانت قضية عثمان اعتزل عنه فنسبه بعض الناس إلى تحامل عليه (٤)، فلهذا لمّا حضر يوم الجمل واجتمع به عليٌّ فوعظه تأخّر فوقف في بعض الصفوف، فجاءه سهمٌ غَرْبٌ فوقع في ركبته وقيل في رقبته، والأول أشهر، وانتظم السهمُ مع ساقه خاصرة الفرس فجمح به حتى كاد يلقيه، وجعل يقول: إليّ عباد الله، فأدركه مولى له فركب وراءه وأدخله البصرة فمات بدار فيها، ويقال إنه مات بالمعركة، وأنَّ علياً لما دار بين القتلى رآه فجعل (٥) يمسحُ عن وجهه التُّرابَ وقال: رحمة الله عليك أبا محمد، يعز عليَّ أن أراك مُجَدَّلاً (٦) تحت نجوم السماء، ثم قال: إلى الله أشكو عُجَري وبُجَري (٧)، والله لوددتُ أني كنتُ متُّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة. ويقال إن الذي رماه بهذا السهم مروان بن الحكم، وقال لأبان بن عثمان: قد كفيتك رجالاً (٨) من قتلة عثمان، وقد قيل إن الذي رماه غيره، وهذا عندي أقرب، وإن كان الأول مشهوراً والله أعلم.

стр. 3575

وكان يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخر سنة ست وثلاثين، ودفن طلحة إلى جانب الكلأ (١) وكان عمره ستين سنة، وقيل: بضعاً وستين سنة، وكان آدم، وقيل أبيض، حسن الوجه كثير الشعر إلى القصر أقرب، وكانت غلته في كل يوم ألف درهم. وروى حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أبيه: أن رجلاً رأى طلحة في منامه، وهو يقول: حوِّلوني عن قبري فقد آذاني الماء، ثلاث ليالٍ، فأتى ابن عباس -وكان نائباً على البصرة- فأخبره (٢) فاشتروا له داراً بالبصرة بعشرة آلاف درهم فحوّلوه من قبره إليها، فإذا قد اخضّر من جسده ما يلي الماء، وإذا هو كهيئته يوم أصيب. وقد وردت له فضائل كثيرة. فمن ذلك ما رواه أبو بكر بن أبي عاصم: حدَّثنا الحسن بن علي، حدثنا سليمان [بن أيوب] بن عيسى بن موسى بن طلحة بن عبيد الله، حدَّثني أبي، عن جده، عن موسى بن طلحة عن أبيه قال: سمّاني رسول الله ﷺ يومَ أحدٍ طلحةَ الخير، ويوم العسرة طلحة الفياض. ويوم حنين طلحة الجود (٣). وقال أبو يعلى الموصلي (٤): حدَّثنا أبو كُريب، حدَّثنا يونس بن بُكَيْر، عن طلحة بن يحيى، عن موسى وعيسى ابني طلحة، عن أبيهما أن ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا لأعرابي جاء يسأل عمَّن قَضَى نَحْبهُ فقالوا: سلْ رسول الله ﷺ فسأله في المسجد، فأعرض عنه، ثمّ سأله، فأعرض عنه، ثُمّ اطَّلعتُ من باب المسجد، وعليَّ ثيابٌ خضرُ، فقال رسول الله ﷺ : "أين السائل؟ " قال ها أنا ذا فقال: " هذا ممَّن قضى نحبهُ ". وقال أبو القاسم البغوي: حدَّثنا داود بن رُشَيْد، حدَّثنا مسلم بن إبراهيم (٥)، حدَّثنا الصلت بن دينار، عن أبي نَضْرة، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "من أراد أن ينظر إلى شهيد يمشي على رجليه فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله" (٦). وقال الترمذي (٧): حدَّثنا أبو سعيد الأشج، حدَّثنا أبو عبد الرحمن بن منصور العنزي (٨) - اسمه

стр. 3576

النضر- حدَّثنا عقبة بن علقمة اليَشكُري سمعت علي بن أبي طالب يقول: سمعت أذناي رسول الله ﷺ يقول: "طلحة والزبير جاراي في الجنة" وقد روي من غير وجه عن علي أنه قال (١): إني أرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير وعثمان ممن قال الله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧]. وقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب أن رجلاً كان يقع في طلحة والزبير وعثمان وعلي ﵃، فجعل سعدٌ ينهاه ويقول: لا تقع في إخواني فأبى فقام (٢) فصلَّى ركعتين ثم قال: اللهم إن كان [هذا] سخطاً لك فيما يقول، فأرني فيه اليوم آية واجعله للناس عبرةً. فخرج الرجل فإذا ببختي (٣) يشقُّ الناسَ فأخذه بالبلاط فوضعه بين كركرته (٤) والبلاط فسحقه حتى قتله. قال سعيد بن المسيب: فأنا رأيت الناس يتبعون سعداً ويقولون: هنيئاً لك أبا إسحاق أُجيبت دعوتُك. والزُّبير بن العَوّام بن خُوَيْلد (٥) بن أَسَد بن عبد العزّى بن قُصَيّ بن كِلاب بن مُرَّة بن كعب بن لُؤَيّ بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النَّضْر بن كنانة أبو عبد الله القرشي الأسدي، وأمه صفيَّة بنت عبد المطلب عمةُ رسول الله ﷺ أسلم قديماً وعمره خمس عشرة سنة، وقيل أقل وقيل أكثر. هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة فآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سلمة بن سلامة بن وقش (٦)، وقد شهد المشاهد كلَّها. وقد قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب " من يأتينا بخبر القوم؟ " فقال: أنا، ثم ندب الناس فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير، فقال رسول الله ﷺ : "إنَّ لكل نبيٍّ حوارياً وحواريَّ الزبير" (٧) ثبت ذلك من رواية زِزًّ عن على (٨). وثبت عن الزُّبير أنه قال: جمع لي رسول الله ﷺ أبويه يوم بني قريظة. وروي أنه أولُ من سلَّ سيفاً في سبيل الله، وذلك بمكة حين بلغ الصحابة أنَّ رسول الله قد قُتل فجاء

стр. 3577

[الزبير] شاهراً سيفه حتى رأى رسول الله ﷺ فشام (١) سيفه، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ، وصحب الصدّيق فأحسنَ صحبتَه، وكان خَتنه على ابنته أسماء (٢) وابنه عبد الله منها أول مولود ولد للمسلمين بعد الهجرة، وخرج مع الناس إلى الشام مجاهداً فشهد (٣) اليرموك فتشرفوا بحضوره، وكانت له بها اليد البيضاء والهمة العلياء، اخترق عساكر (٤) الروم وصفوفهم [من بين الناس] مرتين من أولهم إلى آخرهم، وكان من جملة من دافع عن عثمان (وحاجف عنه)، فلما كان يوم الجمل ذكَّره علي بما ذكّره به [كما تقدم] فرجع عن القتال وكرَّ راجعاً إلى المدينة، فمر بقوم الأحنف بن قيس -وكانوا قد اعتزلوا (٥) عن الفريقين- فقال قائل [منهم] يقال له الأحنف: ما بال هذا جمع بين الناس حتى إذا التقوا كرَّ راجعاً إلى بيته؟ من رجل يكشف لنا خبره؟ فاتبعه عمرو بن جرموز وفضالة بن حابس ونفيع في طائفة من غواة بني تميم فيقال إنهم لما أدركوه تعاوروا عليه حتى قتلوه ويقال بل أدركه عمرو بن جرموز فقال له عمرو: إن لي إليك حاجة فقال: ادن! فقال مولى الزبير، واسمه عطية- إن (٦) معه سلاحاً فقال: وإن [كان]، فتقدَّم إليه فجعل يحدثه (٧) وحان (٨) وقت الصلاة فقال له الزبير: الصلاة فقال: الصلاة فتقدم الزبير ليصلي بهما فطعنه عمرو بن جرموز فقتله. ويقال: بل أدركه (عمرو) بواد يقال له وادي السباع وهو نائم (في القائلة) فهجم عليه فقتله وهذا القول هو الأشهر، ويشهد له شعر امرأته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل وهي (٩) آخر من تزوجها وكانت قبله تحت عمر بن الخطاب فقتل عنها [أيضاً] وكانت قبلة (١٠) تحت عبد الله بن أبي بكر الصديق فقتل عنها فلما قتل الزبير رثته بقصيدة [جيدة الشعر] محكمة المعنى فقالت (١١): [من الكامل] غَدَرَ ابنُ جُرْموزٍ بفارسِ بُهمةٍ (١٢) … يَوْمَ اللّقاءِ وكان غَيْرَ مُعَرِّدِ (١٣) يا عَمْرو لَوْ نَبَّهْتهُ لوَجدْتَهُ … لا طائشاً رَعْشَ الجنان ولا اليد

стр. 3578

ثَكِلَتْك أمُّكَ إنْ ظَفِرْتَ بِمِثْلِه … ممنْ بقي ممنْ يَروحُ ويَغْتدي (١) كمْ غَمْرَةٍ قَدْ خاضَها لم يَثْنِهِ … عَنْها طِرادُك (٢) يابنَ فَقْع (٣) الفَدفَدِ (٤) واللّهِ رَبّي (٥) إن قتلتَ لمُسْلماً … حلّتْ عَلَيْكَ عُقوبةُ المُتعَمِّدِ (٦) ولما قتله عمرو (بن جرموز) احتزَّ رأسَه وذهب به إلى عليٍّ ورأى أن ذلك يحصل له به حظوة عنده، فاستأذنَ فقال علىّ: لا تأذنوا له وبشِّروه بالنار، وفي رواية أن علياً قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " بشر قاتلَ ابن صفية بالنار" (٧) (ودخل ابن جرموز ومعه سيف الزبير فقال علي: إن هذا السيف طالما فرج الكرب عن وجه رسول الله ﷺ )، فيقال إن عمرو بن جرموز لما سمع ذلك قتل نفسه، وقيل بل عاش إلى أن تأمر مصعب بن الزبير، على العراق فاختفى منه، فقيل لمصعب: إن عمرو بن جرموز هاهنا وهو مختفٍ، فهل لك فيه؟ فقال: مروه فليظهر فهو آمن، والله ما كنت لأقيد (٨) للزبير منه فهو أحقر من أن (٩) أجعله عدلاً للزبير. وقد كان الزُّبير ذا مال جزيل وصدقات كثيرة جداً، ولمّا كان يوم الجمل أوصى إلى ابنه عبد الله، فلما قُتل وجدوا عليه من الدين ألفي ألف ومئتا ألف فوفوها عنه، وأخرجوا بعد ذلك ثُلْثَ ماله الذي [كان] أوصى به، ثم قُسمت التَّركة بعد ذلك فأصاب كل واحدة من زوجاته وكنّ أربعاً (١٠) من ربع الثُّمن ألف ألف ومئتا ألف درهم، فعلى هذا يكون (مجموع) ما قُسم بين الورثة ثمانيةً وثلاثين ألف ألف وأربعمئة ألف (والثلث الموصى به تسعة عشر ألف ألف ومئتا ألف فتلك الجملة سبعة) وخمسون ألف ألف وستمئة ألف، والدَّين (المخرج) قبل ذلك ألفا ألف ومئتا ألف (١١) فعلى هذا يكون جميع ما تركه من

стр. 3579

لدين والوصية والميراث تسعة وخمسين ألف ألف وثمانمئة ألف، وإنما نبَّهنا على هذا لأنه وقع في صحيح البخاري (١) ما فيه نظر ينبغي أن ينتبه (٢) له، والله أعلم. وقد جمع ماله هذا بعد الصدقات الكثيرة والمآثر الغزيرة (٣) مما أفاء الله عليه من الجهاد ومن خمس الخمس ما يخص (٤) أمه منه، ومن التجارة المبرورة (وقد) قيل إنه كان له ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، فربما تصدَّقَ في بعض الأيام بخراجهم كلَّهم ﵁ وأرضاه. وكان قتله يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وقد نيف على الستين (٥) بست أو سبع. وكان أسمر ربعةً من الرجال، معتدلَ اللحم، خفيفَ اللحية، ﵁. وفي هذه السنة أعني سنة ست وثلاثين ولَّى عليُّ بن أبي طالب [أمير المؤمنين] نيابةَ الدّيار المصرية لقيس (٦) بن سعد بن عبادة، وكان على نيابتها في أيام عثمان عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فلمّا توجّه أولئك الأحزاب من خوارج المصريين إلى عثمان [ليقتلوه]؛ وكانَ الذي جَهَّزهم إليه مع عبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء محمد بن أبي حذيفة بن عتبة، وكان لما قتل أبوه باليمامة، [قد] أوصى به إلى عثمان، فكفله [عثمان] ورباه في حجره ومنزله وأحسن إليه إحساناً كثيراً ونشأ في عبادة وزهادة، وسأل من عثمان أن يوليه عملاً فقال له: متى ما صرت أهلاً لذلك وليتك، فتعتب (٧) في نفسه على عثمان فسأل من عثمان أن يخرج إلى الغزو فأذن له، فقصد الديارَ المصريةَ وحَضَرَ مع أميرها عبد الله بن سعد بن أبي سرح غزوةَ الصَّواري كما قدمنا، وجعل (٨) ينتقص عثمان ﵁ وساعد (٩) على ذلك محمد بن أبي بكر [الصديق]، فكتب بذلك ابن أبي سَرْح إلى عثمان يشكوهما (إليه) فلم يعبأ بهما عثمان، ولم يزل ذلك دأب محمد بن أبي حذيفة حتى استنفرَ أولئك إلى عثمان فلما بلغه أنهم قد حصروا عثمان تغلب على الديار المصرية وأخرج منها

стр. 3580

(عبد الله) بن سعد بن أبي سرح، وصلى بالناس فيها، فلما كان ابن أبي سرح ببعض الطريق جاءه الخبر بقتل (أمير المؤمنين) عثمان فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. وبلغه أن عليًا قد بعث على إمرة مصر قيس بن سعد بن عبادة، فشمت بمحمد بن أبي حذيفة، إذ لم يمتَّع بملك الديار المصرية سنة، وسار عبد الله بن سعد (١) إلى الشام إلى معاوية فأخبره بما كان من أمره بديار مصر، وأن محمد بن أبي حذيفة قد استحوذ عليها، فسار معاوية وعمرو بن العاص [إليه] ليخرجاه منها لأنه من أكبر الأعوان على قتل عثمان، مع أنه كان قد رباه (وكفله) وأحسن إليه، فعالجا دخول مصر فلم يقدرا فلم يزالا يخدعانه حتى خرج إلى العريش في ألف رجل فتحصَّن بها، وجاء عمرو بن العاص فنصب عليه المنجنيق حتى نزل في ثلاثين من أصحابه فقتلوا، ذكره محمد بن جرير (٢)، ثم سار إلى مصر قيس بن سعد بن عبادة بولاية من علي (٣)، فدخل مصر في سبعة نفر، فرقي المنبر وقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (٤). بسم الله الرحمن الرحيم! من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من بلغه كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين، سلام عليكم فإني أحمد الله [إليكم] كثيرًا الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإن الله بحسن صنيعه وتقديره وتدبيره اختار الإسلام دينًا لنفسه وملائكته ورسله، وبعث به الرسل إلى عباده وخصَّ به من انتخب (٥) من خلقه، فكان مما أكرم الله به هذه الأمة، وخصَّهم به من الفضيلة أن بعث محمدًا يعلمهم الكتاب والحكمة والفرائض والسنة (٦)، لكيما يهتدوا، وجمعهم لكيما يتفرقوا، وزكاهم لكي يتطهَّروا، ووفَّقهم لكيلا يجوروا. فلمّا قضى من ذلك ما عليه قبضه الله إليه، صلوات الله وسلامه عليه وبركاته ورحمته، ثم إن المسلمين استخلفوا بعده أميرين صالحين، عَمِلا بالكتاب و [السنة] وأحسنا السيرةَ ولم يعدُوا السنَّة ثم توفاهما الله فرحمهما الله، ثم ولي بعدهما والٍ أحدث أحداثًا، فوجدت الأمة عليه مقالًا فقالوا، ثم نقموا عليه فغيّروا، ثم جاؤوني فبايعوني فاستهدي الله بهداه وأستعينه على تقواه (٧)، ألا وإن لكم علينا العمل بكتاب الله وسنة رسول الله، والقيام عليكم بحقه (٨) والنصح لكم بالغيب واللهُ المستعانُ وحسبنا الله ونعم الوكيل، وقد بعثت إليكم قيسَ بن سعد بن عبادة فوازروه وكانفوه وأعينوه على

стр. 3581

الحق، وقد أمرته بالإحسان إلى محسنكم والشدة على مريبكم (١) والرفق بعوامكم وخواصّكم، وهو ممن أرضى هديه، وأرجو صلاحه ونصيحته، أسأل الله لنا ولكم عملًا زاكيًا وثوابًا جزيلًا ورحمة واسعة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وكتب عبد الله (٢) بن أبي رافع في صفر سنة ست وثلاثين. قال: ثم قام قيس بن سعد فخطب (٣) الناس ودعاهم إلى البيعة لعلي، فقام الناس فبايعوه، واستقامت له طاعة بلاد مصر سوى قرية منها يقال لها خِرْبتا (٤)، فيها ناس قد أعظموا قتل عثمان - وكانوا سادة الناس ووجوههم وكانوا في نحو من عشرة آلاف [منهم بشر بن أبي أرطأة ومسلمة بم مخلَّد ومعاوية بن خديج وجماعة من الأكابر] وعليهم رجل يقال له يزيد بن الحارث المُدْلجي - وبعثوا إلى قيس بن سعد فوادعهم، وكذلك مسلمة بن مُدْلج الأنصاري تأخَّر عن البيعة فتركه قيس (بن سعد) ووادعه. ثم كتب معاوية بن أبي سفيان - وقد استوسق (٥) له أمر الشام بحذافيره - إلى أقصى بلاد الروم والسواحل وجزيرة قبرص أيضًا تحت حكمه (٦) وبعض بلاد الجزيرة كالرها وحران وقرقيسيا وغيرها، وقد ضوى إليها (٧) الذين هربوا يوم الجمل من العثمانية، وقد أراد الأشتر انتزاع هذه البلاد من نوّاب معاوية، فبعث إليه عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ففر منه الأشتر (٨)، واستقرّ أمرُ معاوية على تلك البلاد [فلما استوسقت له البلاد كما ذكرنا] كتب إلى قيس بن سعد يدعوه إلى القيام بطلب دم عثمان وأن يكون مؤازرًا له على ما هو بصدده من القيام في ذلك، ووعده أن يكون نائبه على العراقين إذا تمّ له الأمر ما دام سلطانًا فلمّا بلغه الكتاب - وكان قيس رجلا حازمًا - لم يخالفه، ولم يوافقه بل بعث يلاطف معه الأمر وذلك لبعده عن علي وقربه من بلاد الشام وما مع معاوية من الجنود، فسالمه قيس وتاركه ولم يواقعه على ما دعا إليه ولا وافقه (٩) عليه: فكتب إليه معاوية (١٠): إنه لا يسعك معي تسويفك بي وخديعتك لي ولا بد أن أعلم أنك سلم (١١) أو عدو - وكان معاوية حازمًا أيضًا -

стр. 3582

فكتب إليه [قيس] لما صمم عليه: إني مع علي إذ هو أحق بالأمر منك، فلما بلغ ذلك معاوية يئس منه ورجع ثم أشاع بعض أهل الشام أن قيس بن سعد (١) يكاتبهم في الباطن ويمالثهم على أهل العراق. وروى ابن جرير (٢) أنه جاء من جهته كتاب مزور بمبايعته معاوية والله أعلم بصحته. ولما بلغ ذلك عليا فاتهمه وكتب له أن يغزو أهل خِرِبْتا (٣) الذين تخلفوا عن البيعة، فبعث إليه يعتذر إليه بأنَّهم عدد كثير، وهم وجوه الناس. وكتب إليه: إن كنت إنما أمرتني بهذا لتختبرني لأنك اتَّهمتني [في طاعتك]، فابعث على عملك بمصر غيري، فبعث علي على إمرة مصر الأشتر النحعي، فسار إليها فلما بلغ القلزم شرب شربة من عسل فكان فيها حتفه، فبلغ ذلك أهل الشام فقالوا: إن لله جندًا من عسل، فلما بلغ عليًا مهلك الأشتر بعث محمد بن أبي بكر على إمرة مصر، وقد قيل وهو الأصح إن عليًا ولى محمد بن أبي بكر (٤) بعد قيس بن سعد، فارتحل قيس إلى المدينة، ثم ركب هو وسهل بن حنيف إلى علي فاعتذر إليه قيس بن سعد فعذره علي، وشهدا معه صفين كما سنذكره، فلم يزل محمد بن أبي بكر بمصر قائم الأمر مهيبًا بالديار المصرية، حتى (كانت) وقعة صفين، وبلغ أهل مصر خبر معاوية ومن معه من أهل الشام على قتال أهل العراق، وصاروا إلى التحكيم فطمع أهل مصر في محمد بن أبي بكر واجترأوا عليه وبارزوه بالعداوة، فكان من أمره ما سنذكره. وكان عمرو بن العاص قد بايع معاوية على القيام بطلب دم عثمان، وكان قد خرج من المدينة حين أرادوا حصره لئلا يشهد مهلكه، مع أنه كان متعتبًا عليه (٥) بسب عزله له عن ديار مصر وتوليته عليها (٦) عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فتسرح عن المدينة على تغضب (٧) فنزل قريبًا من الأردن، فلما قتل عثمان ﵁ صار إلى معاوية فبايعه على ما ذكرنا [من القيام بدم عثمان]. فصل في [ذكر وقعة صفّين] بين أهل العراق [من أصحاب عليّ] وبين أهل الشام [من أصحاب معاوية] قد تقدم ما رواه (الإمام) أحمد، عن إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، أنه

стр. 3583

قال: هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ عشرات الألوف فلم يحضرها منهم مئة، بل لم يبلغوا ثلاثين. وقال الإمام أحمد: حدَّثنا أمية بن خالد قال لشعبة إن أبا شيبة روى عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: شهد صفين من أهل بدر سبعون رجلًا، فقال: كذب أبو شيبة، والله لقد ذاكرنا الحكم في ذلك فما وجدناه شهد صفين من أهل بدر غير خُزَيْمة بن ثابت؟ وقد قيل إنه شهدها من أهل بدر سهل بن حُنَيْف، وكذا أبو أيوب الأنصاري؟ قاله شيخنا العلامةُ ابنُ تَيْمية في كتاب الرَّد على الرافضة. وروى ابن بطة بإسناده عن بكير (١) بن الأشج أنه قال أما إن رجالًا من أهل بدر لزموا بيوتهم بعد قتل عثمان فلم يخرجوا إلَّا إلى قبورهم. وأما علي بن أبي طالب ﵁ فإنه لما فرغ من وقعة الجمل ودخل البصرة وشيع أم المؤمنين عائشة لما أرادت الرجوع إلى مكة، سار من البصرة إلى الكوفة (٢). قال أبو الكنُود عبد الرحمن بن عبيد فدخلها علي يوم الإثنين لثنتي عشرة ليلةً خَلَتْ من رجب سنةَ ستٍّ وثلاثين فقيل له: انزل بالقصر الأبيض، فقال: لا! إن عمر (بن الخطاب) كان يكره نزوله فأنا أكرهه كذلك، فنزل في الرحبة وصلَّى في الجامع الأعظم ركعتين، ثم خطب الناس فحثَّهم على الخيْر ونهاهم عن الشر، ومدح أهل الكوفة في خطبته هذه، ثم بعث إلى جرير بن عبد الله - وكان على همذان من زمان عثمان - وإلى الأشعث بن قيس - وهو على نيابة أذربيجان من زمان (٣) عثمان -[يأمرهما] أن يأخذا البيعة [له] على من هنالك (من الرعايا) ثم يقبلا إليه، ففعلا ذلك. فلما أراد علي ﵁ أن يبعث إلى معاوية ﵁ يدعوه إلى بيعته. قال جرير بن عبد الله: أنا أذهب إليه (يا أمير المؤمنين) فإن بيني وبينه ودًا، فآخذ لك منه البيعة (٤)، فقال الأشتر: لا تبعثه يا أمير المؤمنين فإني أخشى أن يكون هواه معه. فقال علي: دعه، وبعثه (٥) وكتب معه كتابًا إلى معاوية يعلمه باجتماع المهاجرين والأنصار على بيعته، ويخبره بما كان في وقعة الجمل، ويدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس. فلما انتهى إليه جرير بن عبد الله أعطاه الكتاب فطلب (٦) معاوية عمرو بن العاص ورؤوس أهل الشام فاستشارهم فأبوا أن يبايعوا حتى يقتل قتلة عثمان، أو أن يسلم إليهم قتلة عثمان، وإن لم يفعل قاتلوه ولم يبايعوه حتى يقتل

стр. 3584

قتلة عثمان بن عفان ﵁. فرجع (١) جرير إلى علي فأخبره بما قالوا، فقال الأشتر: يا أمير المؤمنين ألم أنهك (٢) أن تبعث جريرًا؟ فلو كنت بعثتني لما فتح معاوية بابًا إلا أغلقته. فقال له جرير: لو كنت ثمَّ لقتلوكَ بدم عثمان. فقال الأشتر: والله لو بعثني لم يعنني جواب معاوية ولأعجلنه عن الفكرة، ولو أطاعني قبل لحبسك وأمثالك حتى يستقيم أمر هذه الأمة، فقام جرير مغضبًا وأقام بقرقيسيا، وكتب إلى معاوية يخبره بما قال وما قيل له، فكتب إليه معاوية يأمره بالقدوم عليه. وخرج (٣) أمير المؤمنين علي (بن أبي طالب) من الكوفة عازمًا على الدخول إلى الشام فعسكر بالنخيلة واستخلف على الكوفة أبا مسعود عقبة بن عمرو (٤) البدري الأنصاري وكان قد أشار عليه جماعة بأن يقيم بالكوفة ويبعث الجنود. وأشار آخرون (٥) أن يخرج فيهم بنفسه، وبلغ معاوية أن عليًا قد خرج [إليه] بنفسه فاستشار عمرو بن العاص فقال له: اخرج أنت أيضًا بنفسك، وقام عمرو بن العاص في الناس فقال إن صناديد أهل الكوفة والبصرة قد تفانوا [يوم الجمل، ولم يبق مع علي إلَّا شرذمة قليلة (من الناس)، ممن قتل، (وقد قتل) الخليفة أمير المؤمنين عثمان] (٦) (بن عفان)، فالله الله في حقّكم أن تضيعوه، وفي دم عثمان خليفة الله فلا تطلبوه (٧). وكتب إلى أجناد الشام فحضروا، وعقدت الألوية والرايات للأمراء، وتهيَّأ أهلُ الشام وتأهّبوا، وخرجوا أيضًا إلى نحو الفرات من ناحية صفين - حيث يكون مقدم علي (بن أبي طالب ﵁ - وسار علي ﵁ بمنْ معه من الجنود من النخيلة قاصدًا أرض الشام. قال أبو إسرائيل، عن الحكم بن عتيبة (٨): وكان في جيشه ثمانون بدريًا ومئة وخمسون ممن بايع تحت الشجرة. رواه ابن ديزيل. وقد اجتاز في طريقه براهب فكان من أمره ما ذكره [إبراهيم بن] الحسين بن ديزيل (٩) في كتابه فيما رواه عن يحيى بن عبد الله الكرابيسي، عن نصر بن مزاحم (١٠)، عن عمر بن سعد، حدَّثني مسلم الأعور، عن حبَّة العُرني قال:

стр. 3585

لما أتى علي الرّقَّة نزل بمكانٍ يقال له البليخ (١) على جانب الفرات فنزل إليه راهب من صومعته فقال لعلي: إن عندنا كتابًا توارثناه عن آبائنا كتبه أصحاب عيسى ابن مريم ﵉، أعرضه عليك؟ فقال (علي): نعم! فقرأ الراهب (الكتاب): "بسم الله الرحمن الرحيم الذي قضى فيما قضى وسطر فيما سطر، وكتب فيما كتب أنه باعث في الأميين رسولًا منهم يعلمهم الكتابَ والحكمةَ ويزكّيهم ويدلّهم على سبيل الله، لا فظّ ولا غليظ ولا صخاب (٢) في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، أمته الحمَّادون (٣) الذين يحمدون اللهَ على كل شرف، وفي كل صعود وهبوط، وتذل ألسنتهم بالتهليل والتكبير، وينصره الله على كل منْ ناوأه فإذا توفّاه الله اختلفت (أمته) ثم اجتمعت فلبثت بذلك ما شاء الله ثم اختلفت (٤) ثم يمر رجل من أمته بشاطئ هذا الفرات يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويقضي بالحق ولا ينكس الحكم، الدنيا أهون (عليه من الرماد) أو قال التراب - في يوم عصفت فيه الريح - والموت أهون عليه من شرب الماء، يخاف الله في السر، وينصح (٥) في العلانية، ولا يخاف في الله لومة لائم، فمن أدرك ذلك النبي من أهل البلاد فآمن به كان ثوابه رضواني والجنة، ومن أدرك ذلك العبد الصالح فلينصره فإن القتل معه شهادة. ثم قال لعلي: فأنا أصاحبك فلا أفارقك حتى يصيبني ما (أصابك) فبكى عليُّ ثم قال: الحمد لله الذي لم يجعلني عنده نسيًا منسيًا، والحمد لله الذي ذكرني عنده في كتب الأبرار. فمضى الراهب معه وأسلم فكان مع عليّ حتى أصيب يوم صفين. فلما (٦) خرج الناس يطلبون (٧) فتلاهم قال علي: اطلبوا الراهب، فوجدوه قتيلًا، (فلما وجدوه) صلَّى عليه ودفنه واستغفرَ له. وقد بعث علي بين يديه زياد بن النضر الحارثي طليعةً في ثمانية آلاف، ومعه شريح بن هانئ، في أربعة آلاف، فساروا في طريق بين يديه غير طريقه. وجاء علي [كرم الله وجهه] ففطع دجلة من جسر منبج وسارت المقدمتان، فبلغهم أنَّ معاويةَ قد ركب في أهل الشام ليلتقي (٨) أمير المؤمنين عليًا فهمّوا بلقياه فخافوا من قلة عددهم بالنسبة إليه، فعدلوا عن طريقهم وجاءوا ليعبروا من عانات فمنعهم أهل عانات فساروا فعبروا من هيت ثم لحقوا عليًا - وقد

стр. 3586

سبقهم - فقال علي: مقدمتي تأتي من ورائي؟ فاعتذروا إليه بما جرى لهم، فعذرهم ثم قدمهم أمامه إلى معاوية بعد أن عبروا (١) الفرات فتلقاهم أبو الأعور عمرو بن سفيان السلمي في مقدمة أهل الشام فتواقفوا، ودعاهم (٢) زياد بن النضر أمير مقدمة أهل العراق، إلى البيعة فلم يجيبوه بشيء فكتب إلى علي بذلك فبعث إليهم عليُّ الأشتر النخعي أميرًا، وعلى ميمنته زياد [بن النضر]، وعلى ميسرته شريح، وأمره أن لا يتقدم إليهم بقتال حتى يبدؤوه [أولًا] بالقتال، ولكن ليدعهم إلى البيعة مرة بعد مرةٍ، فإن امتنعوا فلا يقاتلهم حتى يقاتلوه ولا يقرب منهم قرب من يريد الحرب، ولا يبتعد منهم ابتعاد منْ يهاب الرجال، ولكن صابرهم حتى آتيك فأنا حثيث السير وراءك إن شاء الله (فتحاجزوا يومهم ذلك، فلما كان آخر النهار حمل عليهم أبو الأعور السلمي) وبعث معه بكتاب الإمارة على المقدمة مع الحارث بن جهمان الجعفي، فلما قدم الأشتر على [أمير] المقدمة امتثل ما أمره به علي، فتواقف هو ومقدمة معاوية وعليها أبو الأعور [فتخاصموا يومهم ذلك من كان آخر النهار حمل عليهم أبو الأعور] السلمي، فثبتوا له واصطبروا لهم ساعة (٣) ثم انصرف أهل الشام عند المساء، فلما كان الغد تواقفوا أيضًا وتصابروا فحمل الأشتر، فقُتِلَ عبد الله بن المنذر التنوخي - وكان من فرسان أهل الشام - قتلة (٤) رجل من أهل العراق يقال له ظبيان بن عمارة التميمي، فعند ذلك حمل عليهم أبو الأعور بمن معه، فتقدموا إليهم وطلب الأشتر من أبي الأعور أن يبارزه فلم يجبه أبو الأعور إلى ذلك، وكأنه رآه غير كفء له في ذلك والله أعلم. ثم تحاجز القوم عن القتال عند إقبال الليل من اليوم الثاني (٥). فلما كان صباح اليوم الثالث أقبل علي ﵁ في جيوشه، وجاء معاوية ﵁ في جنوده، فتواجه الفريقان وتقاتل الجمعان وبالله المستعان، فتوافقوا طويلًا. وذلك بمكان يقال له: صفين (٦) (وذلك) في أوائل ذي الحجة، ثم عدل علي ﵁ فارتاد لجيشه منزلًا، وقد كان معاوية سبق بجيشه (فنزلوا) على مشرعة الماء في أسهل موضع وأفيحه (٧)، فلما جاء علي نزل (٨) بعيدًا من الماء، وجاء سرعان أهل العراق ليردوا من الماء فمنعهم أهل الشام، فوقع بينهم مقاتلة بسبب ذلك، وقد كان معاوية وكل (٩) على الشريعة أبا الأعور الشُلمي، وليس هناك مشرعة سواها، فعطشَ أصحابُ

стр. 3587

عليٍّ عطشًا شديدًا فبعث عليٌّ الأشعثَ بن قيس الكندي (في جماعة) ليصلوا إلى الماء فمنعهم أولئك وقال: موتوا عطشًا كما منعتم عثمان الماء، فترامَوْا بالنبل ساعة، ثم تطاعنوا بالرماح أخرى، ثم تقاتلوا بالسيوف بعد ذلك كله، وأمدَّ كل طائفة أصحابها (١)، حتَّى جاء الأشترُ النخعي من ناحية العراقيين وعمرو بن العاص من ناحية الشاميين، واشتدت الحرب بينهم أكثر مما كانت، وقد قال رجل من أهل العراق - وهو عبد الله بن عوف بن الأحمر الأزدي - وهو يقاتل (٢): [من الرجز] خَلُّوا لنا ماءَ الفُراتِ الجاري … أو اثبتوا لِجَحْفَلٍ جَرّارِ لِكُلِّ قَرْمٍ مَستميت شاري (٣) … مُطاعنٍ برُمْحِهِ كَرّار ضَرّابِ هاماتِ العِدا مِغْوارِ ثم ما زال أهلُ العراق يكشفون الشاميين عن الماء حتى أزاحوهم عنه وخلوا بينهم وبينه، ثم اصطلحوا على الورود حتى صاروا يزدحمون في تلك الشريعة لا يكلم أحدٌ أحدًا، ولا يؤذي إنسانٌ (٤) إنسانًا. وفي رواية أن معاوية لما أمر أبا الأعور بحفظ الشريعة وقف دونها برماحٍ مشرعةٍ، وسيوفٍ مسللةٍ، وسهامٍ مفوقةٍ، وقسيٍّ موترة (٥)، فجاء أصحابُ عليٍّ عليًا فَشَكوا إليه ذلك فبعث صعصعة بن صوحان إلى معاوية يقول له: إنا جئنا كافين عن قتالكم حتى نقيم عليكم الحجة، فبعثت إلينا مقدمتك فقاتلتنا قبل أن نبدأكم [بالفتال] ثم هذه أخرى قد منعونا (٦) الماء، (فلما بلغه ذلك) قال معاوية للقوم: ماذا ترون (٧)؟ فقال عمرو (٨): خل بينهم وبينه، فليس من النصف أن نكون ريَّانين وهم عطاش، فقال الوليد [بن عقبة]: دعهم يذوقوا (٩) من العطش ما أذاقوا أمير المؤمنين عثمان حين حصروه (في داره)، ومنعوه طيب الماء والطعام أربعين صباحًا (١٠)، وقال عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح: امنعهم الماء إلى الليل فلعلَّهم يرجعون إلى بلادهم. فسكت معاوية فقال له صعصعة بن صوحان: ماذا جوابك؟ فقال: سيأتيكم رأي بعد هذا، فلمّا رجع صعصعة فأخبر الخبر ركب (١١) الخيل والرجال، فما زالوا حتى

стр. 3588

أزاحوهم عن الماء ووردوه قهرًا، ثم اصطلحوا فيما بينهم على ورود الماء (١)، لا يمنع أحد أحدًا منه، وأقام عليٌّ يومين لا يكاتب معاويةَ ولا يكاتبه معاويةُ، ثم دعا عليُّ بشير بن عمرو الأنصاري وسعيد بن قيس الهمداني وشَبَث بن ربعي السَّهمي فقال: إيتوا هذا الرجل فادعوه إلى الطاعة والجماعة واسمعوا ما يقول (لكم)، فلما دخلوا على معاوية (٢) قال له بشير بن عمرو: يا معاوية! إن الدنيا عنك زائلة، وإنك راجع إلى الآخرة، والله محاسبك بعملك، ومجازيك بما قدمت يداك، وإني أنشدك الله أن تفرق جماعة هذه الأمة، وأن (٣) تسفك (دماءها) بينها. فقال له معاوية: هلا أوصيت (٤) بذلك صاحبكم؟ فقال له: (إنَّ) صاحبي أحقُّ هذه البرية بالأمر في فضله ودينه وسابقته وقرابته، وإنه يدعوك إلى مبايعته فإنه أسلمُ لك في دنياك، وخيرٌ لك في آخرتك (٥). فقال معاوية: ويُطلُّ دمُ عثمان؟ لا والله لا أفعل ذلك أبدًا، ثم أراد سعيد بن قيس الهمداني أن يتكلم فبدره شبَث بن ربعي فتكلم قبله بكلام فيه غلظة وجفاء في حق معاوية، فزجره معاوية وزبره في افتئاته على من هو [أكبر منه و] أشرف وكلامه (٦) بما لا علم له به، ثم أمر بهم فأخرجوا من بين يديه، وصمَّم على القيام (٧) بطلب دم عثمان (الذي قتل مظلومًا)، [فلما أخبروا عليًا بما قالوا له وما رد عليهم؛] فعند ذلك نشبت الحرب بينهم، وأمر علي بالطلائع والاْمراء أن يتقدموا (٨) للحرب، وجعل عليُّ يُؤمر على كل قوم من الحرب أميرًا، فمن أمرائه على الحرب: الأشتر النخعي - وهو أكبر من كان يخرج للحرب - وحجر بن عدي، وشَبَث بن رِبْعي، وخالد بن المعمر (٩) وزياد بن النَّضْر، وزياد بن خَصَفة (١٠)، وسعيد بن قيس (١١)، ومعقل بن قيس، وقيس بن سعد، وكذلك كان معاوية يبعث على الحرب كل يوم أميرًا (١٢)، فمن أمرائه عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وأبو الأعور السلمي، وحبيب بن مسلم، وذو الكلاع الحميري، وعبيد الله بن عمر بن الخطاب، وشرحبيل بن السمط، وحمزة بن مالك الهمداني، وربما اقتتل الناس في اليوم مرتين، وذلك في شهر ذي الحجة بكماله.

стр. 3589

وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن عباس عن أمر علي له بذلك. فلما انسلخ ذو الحجة ودخل المحرم تداعى الناس للمتاركة، لعل الله أن يصلح بينهم على أمر يكون فيه حقن دمائهم، فكان ما سنذكره، إن شاء الله تعالى. ثم دخلت سنة سبع وثلاثين استُهِلَّت هذه السنة وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ متواقف هو ومعاوية بن أبي سفيان ﵁، كل منهما في جنوده بمكانٍ يقال له صفّين بالقرب من الفرات شرقي بلاد الشام، وقد اقتتلوا في مدة شهر ذي الحجة [بكماله] كل يوم، وفي بعض الأيام ربما اقتتلوا مرتين، وجرت (بينهم) حروبٌ يطولُ ذكرها. والمقصود أنه لما دخل شهرُ المحرّم تحاجزَ القومُ رجاءَ أن يقع بيهم مهادنة وموادعة يؤول أمرها إلى الصلح بين الناس وحقن دمائهم. فذكر ابن جرير (١) من طريق (هشام عن) أبي مخنف قال: حدَّثني سعد أبو المجاهد (٢) الطائي عن مُحِلّ بن خليفة أن عليًا بعث عدي بن حاتم ويزيد بن قيس الأرحبي، وشَبَث بن رِبْعي وزياد بن خَصَفة إلى معاوية، فلما دخلوا عليه - وعمرو بن العاص إلى جانبه - قال عدي بعد حمد الله والثناء عليه: أما بعد يا معاوية فإنا جئناك ندعوك إلى أمر يجمع الله به كلمتنا وأمتنا (٣) وتحقن به الدماء (٤)، ويؤمَّن (٥) به السبل، ويصلح ذات البين، إن ابن عمك سيد المسلمين أفضلها سابقة، وأحسنها في الإسلام أثرًا، وقد استجمع له الناس، وقد أرشدهم الله بالذي رَأوْا، فلم يبق أحدٌ غيرك وغير من معك من شيعتك، فانتَهِ يا معاويةُ لا يصبْكَ الله وأصحابه مثل [ما أصاب الناس] يوم الجمل. فقال له معاوية: كأنك إنما جئت متهددًا (٦) ولم تأت مصلحًا، هيهات والله (٧) يا عدي، كلا والله إني لابن حرب، لا يقعقع (٨) لي بالشِّنان (٩)، أما والله إنك لمن المجلبين على ابن عفان، وإنك لمن قَتَلَتِهِ،

стр. 3590

وإني لأرجو أن تكونَ ممَّن يقتله الله به، وتكلّم شَبَث بن رِبعي وزياد بن خَصَفَة فذكرا من فضل علي وقالا: إتق الله يا معاوية ولا تخالفه فإنا واللهِ ما رأيا رجلًا قط أعملَ بالتقوى، ولا أزهدَ في الدنيا، ولا أجمعَ لخصال الخير كلّها منه. فتكلم معاوية فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنكم دعوتموني إلى الجماعة والطاعة، فأما الجماعة فمعنا هي، وأما الطاعة فكيف أطيع رجلًا أعان على قتل عثمان وهو يزعم أنه لم يقتله؟ ونحن لا نردّ ذلك عليه ولا نتهمه به، ولكنه آوى قتلت (١)، فيدفعهم إلينا حتى نقتلهم، ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة. فقال له شَبَث بن ربعي: أنشدك الله يا معاوية، لو تمكنت من عمار أكنت قاتله بعثمان؟ قال معاوية: [والله] لو تمكنت من ابن سُمَيَّة ما قتلته بعثمان، ولكني كنت قتلته بغلام عثمان. فقال له شَبَث بن ربعي: وإله الأرض والسماء لا تصل إلى قتل عمار حتى تندر الرؤوس عن كواهلها، ويضيق فضاء الأرض ورحبها عليك. فقال معاوية ولو قد كان ذلك كانت عليك أضيق. وخرج القوم من بين يديه فذهبوا إلى علي فأخبروه بما قال (٢). وبعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهري. وشُرَحبيل بن السِّمْط، ومعن بن يزيد بن الأخْنَس إلى عليُّ، فدخلوا عليه فبدأ حبيب فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإن عثمان بن عفان كان خليفةً مهديًا عمل بكتاب الله وثبت (٣) لأمر الله، فاستثقلتم حياته، واستبطاتئم (٤) وفاته، فعدوتم عليه فقتلتموه فادفع إلينا قتلته إن زعمت أنك لم تقتله، ثم اعتزل أمر الناس فيكون أمرهم شورى بينهم، فيولي الناس أمرهم منْ جمع عليه رأيهم. فقال له علي: وما أنت لا أم لك، وهذا الأمر وهذا العزل، فاسكت فإنكَ لستَ هناك ولا بأهل لذاك. فقال له حبيب: أما والله لتريني (٥) حيث تكره، فقال له على: وما أنتَ ولو أجلبتَ بخيلك ورَجِلِكَ لا أبقى الله عليك إن أبقيت، اذهب فصعِّدْ وصوَّب ما بدا لك. ثم ذكر أهل السير كلامًا طويلًا جرى بينهم وبين علي، وفي صحة ذلك عنهم وعنه نظر فإن في مطاوي ذلك الكلام من [كلام] عليٍّ ما ينتقص فيه معاويه وأباه، وأنهم إنما دخلوا في الإسلام [كرهًا] ولم يزالا في تردد فيه وغير ذلك وأنه قال في غبون ذلك: لا أقول إن عثمان قُتل مظلومًا ولا ظالمًا. فقالوا: نحن نبرأ ممن لم يقل إن عثمان قُتل مظلومًا، وخرجوا من عنده، فقال عليٌّ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [النمل: ٨٠ - ٨١]

стр. 3591

ثم قال لأصحابه: لا يكن هؤلاء أولى بالجد في ضلالتهم منكم بالجد في حقكم وطاعة نبيكم، وهذا عندي لا يصح عن علي ﵁. وقد روى ابن ديزيل من طريق عمرو بن سعد بإسناده: أن قراء أهل العراق (وقراء أهل الشام عسكروا ناحية وكانوا قريبًا من ثلاثين ألفًا، وإن جماعة من قراء العراق) منهم عبيدة السلماني (١)، وعلقمة بن قيس، وعامر بن عبد قيس، وعبد الله بن عتبة بن مسعود، وغيرهم جاؤوا معاوية (٢) فقالوا له: ما تطلب؟ قال: أطلب بدم عثمان قالوا: فمن تطلب به؟ قال: عليًا، قالوا: أهو قتله؟ قال: نعم! وآوى قتلته، فانصرفوا إلى علي فذكروا له ما قال فقال: كذب! لم أقتله وأنتم تعلمون أني لم أقتله. فرجعوا إلى معاوية فقال: إن لم يكن قتله بيده فقد أمر بقتله ومالأ عليه (٣) فرجعوا إلى علي [فأخبروه] فقال: والله لا قتلت ولا أمرت ولا ماليت. فرجعوا [إلى معاوية] فقال معاوية فإن كان صادقًا فليقدنا من قتلة عثمان، فإنهم في عسكره وجنده، فرجعوا [إلى علي] فقال: علي: تأول القوم عليه القرآن في فتنة ووقعت الفرقة لأجلها وقتلوه في سلطانه وليس لي عليهم سبيل. فرجعوا إلى معاوية فأخبروه فقال: إن كان الأمر على ما يقول فماله أنفذ (٤) الأمر دوننا من غير مشورة منا ولا ممن هاهنا؟ فرجعوا إلى علي فقال علي: إنما الناس مع (٥) المهاجرين والأنصار، فهم شهود الناس على ولايتهم وأمر دينهم، ورضوا (٦) وبايعوني، ولست أستحل أن أدع مثل معاوية يحكم على الأمة ويشق عصاها، فرجعوا إلى معاوية فقال: ما بال من هاهنا من المهاجرين والأنصار لم يدخلوا في هذا الأمر؟ فرجعوا فقال علي: إنما هذا للبدريين دون غيرهم، وليس على وجه الأرض بدري إلا وهو معي، وقد [تابعني و] بايعني وقد رضي [بي]، فلا يغرنكم من دينكم وأنفسكم، قال: فأقاموا يتراسلون في ذلك شهر ربيع الآخر وجماديين ويقرعون في غبون ذلك القرعة بعد القرعة ويزحف بعضهم على بعض، ويحجز بينهم القراء، فلا يكون [في ذلك] قتال قال: فقرعوا في ثلاثة أشهر خمسة وثمانين قرعة. قال: وخرج أبو الدرداء وأبو أمامة فدخلا على معاوية فقالا له: يا معاوية على م تقاتل هذا الرجل؟ فوالله إنه أقدم (٧) منك ومن أبيك إسلامًا، وأقرب منك إلى رسول الله ﷺ وأحق بهذا الأمر منك. فقال: أقاتله على دم عثمان لأنه آوى قتلته، فاذهبا إليه فقولا له فليقدنا من قتلة عثمان ثم أنا أول من يبايعه من أهل الشام، فذهبا إلى علي فقالا له ذلك فقال: هؤلاء الذين تريان فخرج خلق كثير فقالوا: كلنا فتلة عثمان

стр. 3592

فمن شاء فليرمنا [ويكدنا]. قال: فرجع أبو الدرداء وأبو أمامة فلم يشهدا لهم قتالًا بل لزما بيوتهما. وقال عمرو بن سعد بإسناده: حتى إذا كان رجب وخشي معاوية أن يبايع القراء كلهم عليًا كتب في سهم من عبد الله الناصح: يا معشر أهل العراق! إن معاوية يريد أن يفجِّر عليكم الفرات ليغرقكم فخذوا حذركم، ورمى به في جيش أهل العراق. فأخذه الناس فقرؤوه وتحدثوا به، وذكروه لعلي فقال: إن هذا ما لا يكون ولا يقع، وشاع ذلك [فيهم] وبعث معاوية مئتي فاعل يحفرون في جنب الفرات وبلغ الناس ذلك فتشوش (١) أهل العراق من ذلك وفزعوا إلى علي فقال: ويحكم! إنه يريد أن يخدعكم ويوهن كيدكم ليزيلكم (٢) عن مكانكم هذا وينزل فيه لأنه خير من مكانه. فقالوا: لابد من أن نخلي (٣) عن هذا الموضع فارتحلوا منه، وجاء معاوية فنزل بجيشه - وكان علي آخر من ارتحل - فنزل بهم وهو يقول: فَلَوْ أنِّي أطعْتُ عَصَمْتُ قَوْمي … إلى رُكْنِ اليَمامةِ أو شَآمِ (٤) ولكني إذا أبْرَمْتُ أمْرًا … يخالفه (٥) الطغامُ بنو الطّغامِ قال: فأقاموا إلى شهر ذي الحجة ثم شرعوا في المقاتلة فجعل علي يؤمِّر على الحرب كل يوم رجلًا وأكثر من كان يؤمَّر الأشتر. وكذلك معاوية يُؤمّر كلَّ يوم أميرًا فاقتتلوا شهر ذي الحجة بكماله؛ (وربما اقتتلوا في بعض الأيام مرتين). قال ابن جرير ﵀ (٦): (ثم) لم تزل الرسل تتردَّد بين علي ومعاوية والناس كافّون عن القتال حتى انسلخ المحرمُ من هذه السنة ولم يقع بينهم صلحٌ، فأمر علي بن أبي طالب يزيدَ بن الحارث الجشمي فنادى أهل الشام عند غروب الشمس: ألا إنّ أمير المؤمنين يقول لكم: إني قد استأنيتكم لتراجعوا (٧) الحق، وأقمت عليكم الحجة فلم تجيبوا، وإني قد نبذت (٨) إليكم على سواء إن الله لا يحب الخائنين. ففزع أهل الشام إلى أمرائهم فأعلموهم بما سمعوا المنادي ينادي فنهض عند ذلك معاوية وعمرو فَعَبَّأا الجيش ميمنة وميسرة، وبات علي يعبِّئ جيشه من ليلته، فجعل على خيل أهل الكوفة الأشتر النخعي، وعلى رجَّالتهم عمار بن ياسر، وعلى خيل أهل البصرة سهل بن حنيف، وعلى رجَّالتهم قيس بن سعد وهاشم بن عتبة، وعلى قرائهم سعد بن فدكي التميمي، وتقدم علي إلى الناس أن لا يبدؤوا

стр. 3593

أحدًا (١) بالقتال حتى يبدأ أهل الشام، وأنه لا يُذَفَّفُ على جريحٍ ولا يتبع مدبرٌ ولا يُكْشفُ سترُ امرأةٍ ولا تُهان، وإن شتمت أمراء الناس وصلحاءهم، وبرز معاوية صبح تلك الليلة، وقد جعل على الميمنة ابن ذي الكلاع الحميري، وعلى الميسرة حبيب بن مسلمة الفهري، وعلى المقدمة أبا الأعور السلمي، وعلى خيل دمشق عمرو بن العاص، وعلى رجالتهم الضحاك بن قيس. ذكره ابن جرير. وروى (ابن) ديزيل (٢): من طريق جابر الجعفي، عن أبي جعفر الباقر زيد (٣) بن الحسن بن علي وغيرهما. قالوا: لما بلغ معاوية سير علي، سار معاوية نحو عليّ، واستعمل على مقدمته سفيان بن عمرو أبا الأعور السلمي وعلى الساقة بسر بن أبي أرطاة حتى توافوا جميعًا سائرين إلى جانب صفين (٤). وزاد ابن الكلبي فقال: جعل على المقدمة أبا الأعور السلمي، وعلى الساقة بسرًا، وعلى الخيل عبيد الله بن عمر، ودفع اللواء إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وجعل على الميمنة حبيب بن مسلمة، وعلى رجَّالتها يزيد بن زحر العنسي (٥)، وعلى الميسرة عبد الله بن عمرو بن العاص، وعلى رجالتها حابس بن سعد الطائي، وعلى خيل دمشق الضحاك بن قيس وعلى رجالتهم يزيد بن لبيد بن كرز البجلي، وجعل على (٦) أهل حمص ذا الكلاع وعلى أهل فلسطين مسلمة بن مُخَلَّد، وقام معاوية في الناس خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال (٧): أيها الناس! والله ما أصبت الشام إلا بالطاعة ولا أضبط حرب أهل العراق إلا بالصبر ولا أكابد أهل الحجاز إلا باللطف، وقد تهيأتم وسرتم لتمنعوا الشام وتأخذوا العراق، وسار القوم ليمنعوا العراق ويأخذوا الشام ولعمري ما للشام رجاء (٨) في العراق ولا أموالها، ولا للعراق خبرة أهل الشام ولا بصائرها، مع أن القوم وبعدهم أعدادهم، وليس بعدكم غيركم فإن غلبتموهم لم تغلبوا (٩) إلا مِن أناتكم وصبركم وإن غلبوكم غلبوا من بعدكم والقوم لاقوكم بكيد أهل العراق، ورقة أهل اليمن وبصائر أهل الحجاز، وقسوة أهل مصر، وأنما ينصر غدًا من ينصر اليوم ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا (١٠) بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ [الأعراف: ١٢٨] وقد بلغ عليًا خطبة معاوية فقام (١١) في أصحابه فحرضهم على الجهاد ومدحهم بالصبر وشجعهم بكثرتهم بالنسبة إلى أهل الشام.

стр. 3594

قال جابر الجعفي: عن أبي جعفر الباقر وزيد بن حسن (١) وغيرهما قالوا: سار علي [إلى الشام] في مئة وخمسين ألفًا من أهل العراق وأقبل معاوية في نحو منهم من أهل الشام. وقال غيرهم: أقبل علي في مئة ألف أو يزيدون، وأقبل معاوية في مئة ألف وثلاثين ألفًا - رواها (٢) ابن ديزيل في كتابه - وقد تعاقد جماعة من أهل الشام على أن لا يفروا فعقلوا أنفسهم بالعمائم، وكان هؤلاء خمسة صفوف (٣) ومعهم ستة صفوف آخرين وكذلك أهل العراق كانوا أحد عشر صفًا أيضًا فتواقفوا على هذه الصفة أول يوم من صفر وكان ذلك يوم الأربعاء، وكان أمير الحرب يومئذ (للعراقيين) الأشتر (النخعي)، وأمير الحرب يومئذ للشاميين (٤) حبيب بن مسلمة، فاقتتلوا ذلك اليوم قتالًا شديدًا ثم تراجعوا من آخر يومهم وقد انتصف بعضهم من بعض وتكافؤوا في القتال، ثم أصبحوا من الغد يوم الخميس وأمير حرب أهل العراق (٥) هاشم بن عتبة، وأمير الشاميين يومئذ أبا الأعور السلمي فاقتتلوا قتالًا شديدًا تحمل الخيل على الخيل والرجال على الرجال ثم تراجعوا من آخر يومهم وقد صبر كل من الفريقين للآخر وتكافؤوا ثم خرج في اليوم الثالث - وهو يوم الجمعة - عمّار بن ياسر من ناحية أهل العراق وخرج (٦) إليه عمرو بن العاص في الشاميين فاقتتل الناس قتالًا شديدًا وحمل عمار على عمرو بن العاص فأزاله عن موقفه وبارز زياد بن النضر الحارثي وكان على الخيالة رجلًا فلما توافقا تعارفا فإذا هما أخوان من أم، فانصرف كل واحد منهما إلى قومه وترك صاحبه، وتراجع الناس من العشي وقد صبر كل فريق لصاحبه، وخرج في اليوم الرابع - وهو يوم السبت - محمد بن علي - وهو ابن الحنفي (٧) - ومعه جمع عظيم فخرج إليه في كثير من جهة الشاميين عبيد الله بن عمر، فاقتتل الناس قتالًا شديدًا، وبرز عبيد الله بن عمر فطلب (٨) من ابن الحنفية أن يبرز إليه فبرز إليه؟ فلما كادا أن يقتربا قال علي: من المبارز؟ قالوا محمد ابنك وعبيد الله [بن عمر]، فيقال إن عليًا حرك دابته وأمر ابنه أن يتوقف وتقدم إلى عبيد الله (٩) [بن عمر] فقال له تقدم إلي قال [عبيد الله] له: لا حاجة لي في مبارزتك، فقال: بلى، فقال: لا! فرجع عنه علي وتحاجز الناس يومهم ذلك. ثم خرج في اليوم الخامس - وهو يوم الأحد - في العراقيين عبد الله بن عباس وفي الشاميين الوليد بن

стр. 3595

عقبة، واقتتل الناس قتالًا شديدًا، وجعل الوليد ينال من ابن عباس فيما ذكره أبو مخنف ويقول: قتلتم خليفتكم ولم تنالوا ما طلبتم؟ ووالله إن الله ناصرنا عليكم. فقال له ابن عباس: فابرز إلي فأبى عليه، ويقال إن ابن عباس قاتل يومئذ قتالًا شديدًا بنفسه ﵁. ثم خرج في اليوم السادس - وهو يوم الإثنين - وعلى الناس من جهة العراقيين (١) قيس بن سعد [بن عبادة]، ومن جهة أهل الشام ابن ذي الكلاع فاقتتلوا قتالًا شديدًا أيضًا وتصابروا ثم تراجعوا. ثم خرج الأشتر النخعي في اليوم السابع - وهو يوم الثلاثاء [من جهة علي]- وخرج إليه قِرْنه [من جهة معاوية] حبيب بن مسلمة فاقتتلوا قتالًا شديدًا أيضًا ولم يغلب أحد أحدًا في هذه الأيام كلها. قال أبو مخنف: حدَّثني مالك بن أعين الجُهَني، عن زيد بن وهب: أن عليًا قال: حتى متى لا نناهض هؤلاء القوم بأجمعنا؟ ثم قام في الناس عشية الأربعاء (٢) بعد العصر فقال: الحمد لله الذي لا يبرم (٣) ما نقض وما أبرم لم ينقضه الناقضون، لو شاء ما اختلف اثنان من خلقه، ولا تنازعت الأمة في شيء من أمره، ولا جحد المفضول ذا الفضل فضلَه، وقد ساقتنا وهؤلاء القوم الأقدار وجمعت (٤) بيننا في هذا المكان، فنحن من ربنا بمرأى ومسمع فلو شاء لعجل النقمة وكان منه التغيير (٥) حتى يكذب الله الظلم، ويعلم الحقُ أين مصيرُه، ولكنه جعل الدنيا دار الأعمال، وجعل الآخرة عنده هي دار القرار ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١] ألا وإنكم لاقوا القومِ غدًا فأطيلوا الليلةَ القيامَ، وأكثروا تلاوةَ القرآن، واسألوا الله النصر والصبر والقَوْهم (٦) بالجدّ والحزم وكونوا صادقين. قال: فوثب الناس إلى سيوفهم ورماحهم ونبالهم يصلحونها. قال: ومر بالناس وهم كذلك كعب بن جُعَيْل (٧) التغلبي فرأى ما يصنعون (٨) فجعل يقول: [من الرجز] أَصْبَحَتِ الأمَّةُ في أمْرٍ عَجَبْ … والمُلْكُ مَجْموعٌ غدًا لمنْ غَلَبْ فَقُلتُ قَوْلًا صادقًا غيرَ كَذِبْ … إن غدًا تهلك أعْلامُ العَرَبْ قال: ثم أصبح علي في جنوده قد عبَّأهم كما أراد، وركب معاوية في جيشه قد عبَّاهم كما أراد، وقد

стр. 3596

أمر عليٌّ كل قبيلة من أهل العراق أن تكفيه أختها من أهل الشام [ثم زحف الناس بعضهم إلى بعض] فتقاتل (١) الناس قتالًا عظيمًا لا يفرُّ أحدٌ من أحد ولا يغلب أحد أحدًا، ثم تحاجزوا عند العشي، وأصبح عليّ فصلى الفجر بغلس وباكر القتال، ثم استقبل أهل الشام فاستقبلوه بوجوههم، فقال علي فيما رواه أبو مخنف عن مالك بن أعين، عن زيد بن وهب: اللهم رب السقف المحفوظ المكفوف الذي جعلته سقفًا لليل والنهار، وجعلت فيه مجرى الشمس والقمر ومنازل النجوم، وجعلت فيه سبطًا من الملائكة لا يسامون العبادة، ورب [هذه] الأرض التي جعلتها قرارًا للأنام والهوام والأنعام (٢)، وما لا يحصى مما نرى وما لا نرى (٣) من خلقك العظيم، ورب الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، ورب السحاب المسخر بين السماء والأرض، ورب البحر المسجور المحيط بالعالم، ورب الجبال الرواسي التي جعلتها للأرض أوتادًا وللخلق [منافع و] متاعًا، إن أظهرتنا على عدونا فجنبنا البغي والفساد وسددنا للحق، وإن أظهرتهم علينا فارزقني (٤) الشهادة وجنب بقية أصحابي من الفتنة. ثم تقدم علي وهو في القلب في أهل المدينة وعلى ميمنته يومئذ عبد الله بن بُديل، وعلى الميسرة عبد الله بن عباس، وعلى القراء عمار - بن ياسر وقيس بن سعد، والناس على راياتهم فزحف بهم نحو (٥) القوم، وأقبل معاوية - وقد بايعه أهل الشام على الموت - فتواقف الناس في موطن مهول وأمر عظيم، وحمل عبد الله بن بديل أمير ميمنة علي على ميسرة أهل الشام وعليها حبيب بن مسلمة، فاضطره [ابن بُديل] حتى ألجأه إلى القلب، وفيه معاوية، وقام عبد الله بن بُديل خطيبًا في الناس يحرّضهم على القتال ويحثهم على الصبر والجهاد، وحرض أمير المؤمنين عليُّ الناس على الصبر والثبات والجهاد، وحثهم على قتال أهل الشام، وقام كل أمير في أصحابه يحرضهم، وتلا عليهم آيات القتال من أماكن متفرقة من القرآن، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] ثم (٦) قال: قدموا المدارع وأخروا الحاسر وعضوا على الأضراس، فإنه أنكأ للسيوت عن الهام، وألبوا إلى أطراف الرماح فإنه أفوق للأسنة، وغضوا الأبصار فإنه أربط للجأش وأثبت (٧) للقلب، وأميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل وأولى (٨) بالوقار، راياتكم لا تميلوها ولا تزيلوها ولا تجعلوها إلا بأيدي (٩) شجعانكم.

стр. 3597

وقد ذكر علماء التاريخ وغيرهم أن عليًا ﵁ بارز في أيام صفين وقاتل وقتل خلقًا حتى ذكر بعضهم أنه قتل خمسمئة، فمن ذلك أن كريب بن الصباح قتل أربعة من أهل العراق [مبارزة] ثم وضعهم تحت قدميه ثم نادى: هل من مبارز؟ فبرز إليه عليٌّ فتجاولا ساعة ثم ضربه عليٌّ فقتله ثم قال علي: هل من مبارز؟ فبرز إليه الحارث بن وداعة الحميري فقتله، ثم برز إليه رواد بن الحارث الكلاعي فقتله، ثم برز إليه المطاع بن المطلب القيسي فقتله. فتلا (١) علي قوله تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] ثم نادى ويحك يا معاوية! ابرز إلي ولا تفني العرب بيني وبينك، فقال له عمرو بن العاص: [يا معاوية] اغتنمه فإنه قد أثخن بقتل هؤلاء الأربعة، فقال له معاوية: والله لقد علمت أن عليًا لم يقهر قط، وإنما أردت قتلي لتصيب الخلافة من بعدي، اذهب إليك! فليس مثلي يخدع. وذكروا أن عليًا حمل على عمرو بن العاص يومًا فضربه بالرمح فألقاه إلى الأرض فبدت سوءته فرجع عنه [علي] فقال له أصحابه: ما لك يا أمير المؤمنين رجعت عنه؟ فقال: أتدرون ما هو؟ قالوا: لا! قال: هذا (٢) عمرو بن العاص تلقاني بسوءته فذكرني بالرحم فرجعت عنه، فلما رجع عمرو إلى معاوية قال له: احمد الله واحمد استك. وقال إبراهيم بن الحسين بن ديزيل: حدّثنا يحيى، حدَّثنا (٣) نصر (٤)، حدَّثنا عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي، عن نمير الأنصاري قال: والله لكأني أسمع عليًا وهو يقول لأصحابه يوم صفين أما تخافون مقت الله حتى متى، ثم انفتل إلى القبلة يدعو ثم قال: والله ما سمعنا برئيس أصاب بيده [من القتل] ما أصاب علي يومئذ إنه قتل فيما ذكر العادُّون زيادة على خمسمئة رجل، يخرج فيضرب بالسيف حتى ينحني ثم يجيء فيقول: معذرةً إلى الله وإليكم، والله لقد هممتُ أن أقلعَه ولكن يحجزني عنه أنّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا سيفَ إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي" (٥) قال: فيأخذه فيصفحه ثم يرجع به. وهذا إسناد ضعيف وحديث منكر. وحدَّثنا يحيى (حدَّثنا) ابن وهب، أخبرني اللَّيث، عن يزيد بن حبيب أنه أخبره من حضر صفّين مع علي ومعاوية. قال ابن وهب: وأخبرني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ربيعة بن لقيط قال: شهدنا صفين مع علي ومعاوية قال فمطرت السماء علينا دمًا عبيطًا.

стр. 3598

قال الليث في حديثه: حتى إن كانوا ليأخذونه بالصحاف والآنية قال ابن لهيعة: فتمتلئ ونهريقها. وقد ذكرنا أن عبد الله بن بدير كسر (١) الميسرة التي فيها حبيب بن مسلمة حتى أضافها إلى القلب (٢) فأمر معاوية الشجعان أن يعاونوا حبيبًا على الكرَّة وبعث إليه معاوية يأمره بالحملة (والكرَّة) على ابن بُديل، فحمل حبيب بمن معه من الشجعان على ميمنة أهل العراق (فأزالوهم عن أماكنهم وانكشفوا عن أميرهم حتى لم يبق معه إلا زهاء ثلاثمئة وانجفل بقية أهل العراق)، ولم يبق مع علي من تلك القبائل إلا أهل مكه (٣) وعليهم سهل بن حنيف، وثبت ربيعة مع علي ﵁ واقترب أهل الشام منه حتى جعلت نبالهم تصل إليه، وتقدم إليه مولى لبني أمية فاعترضه مولى لعلي فقتله الأموي وأقبل يريد عليًا وحوله بنوه الحسن والحسين ومحمد بن حنفية، فلما وصل إلى علي أخذه علي بيده فرفعه ثم ألقاه على الأرض فكسر عضده ومنكبه وابتدره الحسين ومحمد (بأسيافهما) فقتلاه فقال علي للحسن ابنه (وهو واقف معه): ما منعك أن تصنع كما صنعا فقال: كفياني أمره (يا أمير المؤمنين) وأسرع إلى عليٍّ أهل الشام فجعل علي لا يزيد قربهم منه سرعة في مشيته، بل هو سائر على هينته، فقال له ابنه الحسن: يا أبتِ لو سعيتَ أكثرَ من مشيتك هذا (٤) فقال: يا بني إن لأبيك يومًا لن يعدوه ولا يبطئ به عنه (٥) السعي ولا يعجل به إليه المشي إن أباك والله ما يبالي وقع على الموت أو وقع عليه [الموت] ثم إن عليًا أمر الأشتر النخعي أن يلحق المنهزمين فيردهم فسار فأسرع (٦) حتى استقبل المنهزمين من العراق (٧) فجعل يؤنبهم ويوبخهم ويحرض القبائل والشجعان منهم على الكرة فجعل طائفة تتابعه (٨) وآخرون يستمرون في هزيمتهم فلم يزل ذلك دأبه حتى اجتمع عليه خلق عظيم من الناس فجعل (٩) لا يلقى قبيلة [من الشاميين] إلا كشفها ولا طائفة إلّا ردها حتى انتهى إلى أمير الميمنة وهو عبد الله بن بُديل ومعه نحو من ثلاثمئة قد ثبتوا في مكانهم فسألوا عن أمير المؤمنين فقالوا (١٠) حي صالح فالتفوا عليه، فتقدم بهم حتى تراجع كثير من الناس وذلك ما بين صلاة العصر إلى الغروب (١١)، وأراد ابن بُديل أن يتقدم إلى أهل الشام فأمره الأشتر أن يثبت مكانه

стр. 3599

فإنه خير له فأبى عليه (ابن بُديل)، وحمل نحو معاوية، فلما انتهى إليه وجده واقفًا أمام أصحابه وفي يده سيفان وحوله كتائب أمثال الجبال، فلما اقترب ابن بُديل حمل عليا (١) جماعة منهم فقتلوه وألقوه إلى الأرض قتيلًا، وَفَرّ أصحابه منهزمين وأكثرهم مجروح، فلما انهزلم (٢) أصحابه قال معاوية لأصحابه: انظروا إلى أميرهم، فجاؤوا إليه فلم يعرفوه فتقدم معاوية إليه فإذا هو عبد الله بن بُديل، فقال معاوية: هذا والله (٣) كما قال الشاعر، وهو حاتم الطّائي (٤): [من الطويل] أخُو الحَرْبِ إنْ عضَّتْ به الحَرْبُ عَضَّها … وإنْ شَمَّرَتْ يَوْمًا به الحَرْبُ شَمَّرا ويَحْمي إذا ما الموتُ حان (٥) لقاؤُهُ … كذلك ذو الأشْبالِ يَحْمي إدْا ما تأمَّرا (٦) كَلَيْثٍ هِزَبْرٍ كان يَحْمي ذِمارَهُ … رَمَتهُ المَنايا لسَهْمَها فَتَقَطَّرا ثم حمل الأشتر النخعي بمن رجع معه من المنهزمين، فصدق الحملةَ حتى خالط الصفوف الخمسة الذين تعاقدوا [وتعاهدوا على الموت و] أن لا يفروا وهم حول معاوية، فخرق منهم أربعة وبقي بينه وبين معاوية صفٌّ، قال الأشتر فرأيت هولًا عظيمًا، وكدت أن أفرّ فما ثبتني إلا قول ابن الإطنابة وهي أمه من بلْقين وكان هو معه من الأنصار وهو جاهلي (٧): [من الوافر] أبَتْ لي عِفَّتي وأبَى بَلائي … وإقْدامي على البَطَل المُشيحِ وإعْطائي على المَكْروهِ مالي … وضَرْبي هامةَ الرجلِ (٨) السميحِ وَقَوْلي كُلَّما جَشَأتْ وَجاشَتْ … مكانَكِ تُحمَدي أو تَسْتريحي قال: فهذا الذي ثَبَّتني في ذلك الموقف. والعجب أن ابن ديزيل روى في كتابه أن أهل العراق حملوا حملةً واحدةً، فلم يبق لأهل الشام صفٌّ إلا أزالوه حتى أفْضَوْا إلى معاوية فدعا بفرسه لينجو عليه، قال معاوية: فلما وضعتُ رِجْلي في الرِّكاب تمثلتُ بأبيات عَمْرو بن الإطنابة: أبَتْ لي عِفَّتي وأبَى بَلائي … وأخْذي الحَمْدَ بالثَّمَن الرَّبيحِ وإعْطائي على المَكْروهِ مالي … وَضَرْبي هامَةَ البَطَل المُشيحِ

стр. 3600

وَقَوْلي كُلَّما جَشَأتْ وجَاشَتْ … مكانَكِ تُحمدي أو تَسْتَريحي قال: فثبت. ونظر معاوية إلى عمرو بن العاص [يوم صفين] فقال: اليوم صبر وغدًا فخر، فقال له عمرو: صدقت. قال معاوية: فاصبت خير الدنيا وأنا أرجو أن أصيب خير الآخرة. ورواه محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الرحمن بن حاطب، عن معاوية، وبعث معاوية إلى خالد بن المعتمر وهو أمير الخيالة لعلي فقال له: اتبعني على ما أنت عليه ولك إمرةُ العراق، فطمع فيها، فلما ولي معاويه (١) (ولاه العراق فلم يصل إليها خالد ﵀، ثم إن عليًا لما رأى الميمنة قد اجتمعت رجع إلى الناس فأنّب بعضَهم وعذر بعضهم وحرّض الناس وثبَّتهم ثم تراجع أهلُ العراق فاجتمع شملُهم ودارت رحى الحرب بينهم، وجالوا في الشاميين وصالوا، وتبارز الشجعان فقُتل خلقٌ كثيرٌ من الأعيان من الفريقين فإنا لله وإنا إليه راجعون. [وقيل ممن قتل في هذا اليوم] (٢) عبيد الله بن عمر بن الخطاب من الشاميين، واختلفوا فيمن قتله من العراقيين (٣)، وقد ذكر إبراهيم بن الحسين (بن) ديزيل أن عبيد الله لما خرج يومئذ أميرًا على الحرب [من جهة معاوية] أحضر امرأتيه (٤) أسماء بنت عطارد بن حاجب التميمي وبحرية بنت هانئ بن قبيصة الشيباني - فوقفتا وراءه في راحلتين لينظرا إلى قتاله وشجاعته وقوته، فواجهته من (٥) جيش العراقيين ربيعة الكوفة وعليهم زياد بن خَصَفَة التيمي، فشدوا عليه شدة رجل واحد (٦) فقتلوه بعدما انهزم عنه أصحابه، ونزلت ربيعة فضربوا لأميرهم خيمة فبقي طنب (٧) منها لم يجدوا له وتدًا فشدوه برجل عبيد الله [بن عمر]، وجاءت امرأتاه تولولان حتى وقفتا عليه وبكتا عنده، وشفعت امرأته بحرية إلى الأمير فأطلقه (٨) لهما فاحتملتاه معهما في هودجهما وقتل معه أيضًا ذو الكلاع [الحميري]، وقال الشعبي: ففي مقتل عبيد الله بن عمر [بن الخطاب] يقول كعب بن جُعَيْل (٩) التغلبي (١٠): [من الطويل] أَلا إنَّما تَبْكي العُيونُ لفارِسٍ … بصِفِّين وَلَّتْ خَيْلُهُ وَهُو واقِفُ

стр. 3601

تبدّل من أسماءَ أسْيافُ وائلٍ … وكانَ فتىً لو أخَطَأتْهُ المَتالِفُ تركنَ عُبَيْدَ الله بالقاعِ ثاويًا … تسيلُ دماهُ والعروق نوازفُ (١) يَنوءُ ويَغْشاهُ شَآبيبُ من دمٍ … كمَا لاحَ من جَيْبِ القَميصِ الكَفائفُ وقدْ صَبَرَتْ حولَ ابن عمِّ محمدٍ … لَدى الموت أربابُ المَناقبِ شارفُ فما برحوا حتى رأى اللهُ صَبْرهمْ … وحتى رقتْ فَوْقَ الأكُفِّ المَصاحِفُ وزاد غيره فيها: مَعاوي لا تَنْهَضْ بغيرِ وثيقةٍ … فإنكَ بَعْدَ اليَومِ بالذُّلِّ عارِفُ وقد أجابه أبو جهم الأسدي بقصيدة فيها أنواع من الهجاء تركناها قصدًا. مقتل عمار بن ياسر ﵁ وهذا مقتل عمار بن ياسر ﵁ مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قتله أهل الشام. وبان وظهر بذلك سرُّ ما أخبر به الرسول ﷺ من أنه تقتله الفئة الباغية، وبان بذلك أن عليًا محق وأن معاوية باغ، وما في ذلك من دلائل (٢) النبوة. ذكر ابن جرير (٣) من طريق أبي مخنف، حدَّثني مالك بن أعين الجُهني، عن زيد بن وهب الجُهني، أن عمارًا قال يومئذ: [أين] من يبتغي رضوان الله ولا يلوي (٤) إلى مال ولا ولد، قال: فأتته عصابةٌ من الناس فقال: أيها الناس اقصدوا بنا نحو هؤلاء القوم الذين يبتغون دم عثمان ويزعمون أنه قُتل مظلومًا، والله ما قصدُهم الأخذُ بدمه ولا الأخذ بثأره، ولكن القوم ذاقوا الدنيا واستحلوها واستمرؤوا الآخرة فَقَلوْها، وعلموا أن الحق إذا لزمهم حال بينهم وبين ما يتمرّغون فيه من دنياهم وشهواتهم، ولم يكن للقوم سابقةٌ في الإسلام يستحقُّون بها طاعةَ الناس لهم ولا الولاية عليهم، ولا تمكَّنتْ من قلوبهم خشيةُ الله التي تمنعُ منْ تمكنتْ من قلبه عن نيل الشهوات، وتعقله عن إرادة الدنيا وطلب العلو فيها، وتحمله على اتّباع الحقّ والميل إلى أهله، فخدعوا أتباعَهم بقولهم إمامُنا قُتل مظلومًا، ليكونوا بذلك جبابرةً ملوكًا، وتلك مكيدةٌ بلغوا بها ما تَرَون، ولولا ذلك ما تبعهم من الناس رجلان ولكانوا أذلَّ وأخسَّ وأقلَّ، ولكنَّ قولَ الباطل له حلاوةٌ في أسماعِ الغافلين، فسيروا إلى الله سيرًا جميلًا، واذكروه ذكرًا كثيرًا.

стр. 3602

ثم تقدم فلقيه عمرو بن العاص وعبيد الله بن عمر فلامهما وأنبهما (١) ووعظهما، وذكروا من كلامه لهما ما فيه غلظة، فالله أعلم. وقال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، سمعت عبد الله بن سلمة يقول: رأيت عمارًا يوم صفين شيخًا كبيرًا آدم طوالا آخذًا الحربة (٣) بيده ويده ترعد، فقال: والذي نفسي بيده لقد قاتلت بهذه الراية مع رسول الله ﷺ مرات وهذه الرابعة، والذي نفسي بيده لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات (٤) هجر لعرفت أن مُصْلِحينا على الحق، وأنهم على الضلالة. وقال (الإمام) أحمد (٥): حدَّثنا (محمد بن) جعفر، حدَّثنا شعبة. وحجاج، قال: حدَّثني شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث عن أبي نضرة. قال حجاج: سمعت أبا نضرة، عن قيس بن عُبَاد قال: قلت لعمار بن ياسر: أرأيت قتالكم مع علي رأيا (٦) رأيتموه، فإن الرأي يخطئ ويصيب، أو عهد عهده إليكم رسول الله ﷺ ؟ فقال: ما عهد إلينا رسول الله ﷺ شيئًا لم يعهده إلى الناس كافة. وقد رواه مسلم (٧): من حديث شعبة. وله تمام عن عمار عن حذيفة في المنافقين. وهذا كما ثبت في الصحيحين وغيرهما (٨) عن جماعة من التابعين، منهم الحارث بن سويد،

стр. 3603

وقيس بن عبادة، وأبو جحيفة وهب بن عبد الله السّوائي، ويزيد بن شريك، وأبو حسان الأعرج وغيرهم أن كلًّا منهم قال: قلت لعلي: هل عندكم شيء عهده إليكم رسول الله ﷺ لم يعهده إلى الناس؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في القرآن، وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في هذه الصحيفة؟ فإذا فيها العقل وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر، وأن المدينة حرم ما بين ثبير إلى ثور. وثبت في الصحيحين (١) أيضًا من حديث الأعمش، عن أبي وائل، عن سفيان بن مسلم، عن سهل بن حنيف أنه قال يوم صفين: يا أيها الناس! اتهموا الرأي على الدين، فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أقدر لرددتُ على رسول الله ﷺ أمره، ووالله ما حملنا سيوفنا على عواتفنا منذ أسلمنا لأمر يقطعنا إلا أسهل بنا إلى أمر نعرفه، غير أمرنا هذا، فإنا لا نسدّ منه خُصْمًا إلا انفتح لنا غيره لا ندري كيف نبالي له. وقال أحمد (٢): حدَّثنا وكيع، حدَّثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي البختري، قال: قام عمار يوم صفين فقال: إئتوني بشربة لبن، فإن رسولَ الله ﷺ قال: "آخر شربة تشربها من الدنيا (شربة لبن". وقال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن حبيب، عن أبي البختري أن عمارًا أتي) بشربة لبن فضحك وقال: إن رسول الله قال لي: "آخر شراب أشربه (لبن) حين (٤) أموت". وقال إبراهيم بن الحسين بن ديزيل: حدَّثنا يحيى، حدثنا نصر (٥)، حدَّثنا عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي قال: سمعت الشعبي عن الأحنف بن قيس: قال: ثم حمل عمار بن ياسر عليهم فحمل عليه ابن حوى السكسكي وأبو الغادية الفزاري، فأما أبو الغادية فطعنه، وأما ابن حوى فاحتز رأسه. وقد كان ذو الكلاع سمع قول عمرو بن العاص يقول: قال رسول الله ﷺ لعمار بن ياسر: "تقتلك الفئة الباغية، وآخر شربة تشربها صاع لبن" فكان ذو الكلاع يقول لعمرو: ويحك (٦)! ما هذا يا عمرو؟! فيقول له عمرو: إنه سيرجع إلينا. قال: فلما أصيب عمار بعد ذي الكلاع قال عمرو لمعاوية: ما أدري بقتل أيهما أنا أشد فرحًا، بقتل عمار أو ذي الكلاع، والله لو بقي ذو الكلاع بعد قتل عمار لمال بعامة أهل الشام [إلى علي] ولأفسد علينا جندنا. قال: وكان لا يزال يجيء رجل فيقول لمعاوية وعمرو: أنا قتلت

стр. 3604

عمارًا فيقول له عمرو: فما سمعته يقول؟ فيخلطون حتى جاء [ابن] حوى فقال أنا سمعته يقول: اليوم ألْقَى الأحبَّه … مُحمَّدًا وحِزْبَه فقال له عمرو: صدقت أنت إنك لصاحبه (١)، ثم قال له (٢): رويدًا، أما والله ما ظفرت يداك ولقد أسخطت ربك. وقد روى ابن ديزيل من طريق أبي يوسف، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الرحمن الكندي، عن أبيه، عن عمرو بن العاص: أن رسول الله ﷺ قال لعمار: "تقتلك الفئة الباغية". ورواه أيضًا من حديث جماعة من التابعين أرسلوه منهم عبد الله بن أبي الهذيل ومجاهد وحبيب بن أبي ثابت وحَبّة العُرْني. وساقه من طريق أبان عن أنس مرفوعًا، ومن حديث عمرو بن شمر عن جابر الجُعْفي عن أبي الزُّبير عن حذيفة مرفوعًا: "ما خُيِّر عمار بين شيئين إلا اختار أرشدهما". وبه عن عمرو بن شمر عن السريِّ عن يعقوب بن راقط (٣) قال: اختصم رجلان في سلب عمار وفي قتله، فأتيا عبد الله بن عمرو بن العاص ليتحاكما (٤) إليه، فقال لهما: ويحكما اخرجا عني، فإن رسول الله ﷺ قال: ولعبت قريش بعمار -: "ما لهم ولعمار؟ عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، قاتله وسالبه في النار" قال: فبلغني أن معاوية قال: إنما قتله من أخرجه، يخدع بذلك أهل الشام. وقال إبراهيم بن الحسين: حدَّثنا يحيى، حدَّثنا عدي (٥) بن عمر، حدَّثنا هشيم، حدَّثنا العوام بن حوشب عن (٦) الأسود بن مسعود، عن حنظلة بن خويلد - وكان يأتي من عند علي ومعاوية - قال: بينا هو عند معاوية إذ جاءه رجلان يختصمان في قتل عمار، فقال لهما عبد الله بن عمرو: ليطب (٧) كل واحد منكما نفسًا لصاحبه بقتل عمار، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تقتله الفئة الباغية" فقال معاوية لعمرو: ألا تنهى عنا مجنونك هذا؟!. ثم أقبل معاوية على عبد الله فقال له: فلم تقاتل معنا؟ فقال له إن رسول الله ﷺ أمرني بطاعة والدي ما كان حيًا وأنا معكم ولست أقاتل.

стр. 3605

وحدَّثنا يحيى حدثنا (١) نصر، حدَّثنا حفص بن عمران البرجمي [قال:] حدَّثني نافع بن عمر الجمحي، عن ابن أبي مليكة أن عبد الله بن عمرو قال لأبيه: لولا أن رسول الله ﷺ أمرني بطاعتك ما سرت معك هذا المسير، أما سمعت رسول الله يقول لعمار: "تقتلك الفئة الباغية". وحدَّثنا يحيى، حدَّثنا عبد الرحمن بن زياد، حدَّثنا هشيم، عن مجالد، عن الشعبي قال: جاء قاتل عمار يستأذن على معاوية وعنده عمرو [بن العاص] فقال: إئذن له وبشره بالنار. فقال الرجل: أوما تسمع ما يقول عمرو. فقال معاوية (٢): صدق؟ إنما قتله الذين جاؤوا به. وقال ابن جرير (٣): وحدَّثنا أحمد بن محمد، حدَّثنا الوليد بن صالح، حدَّثنا عطاء بن مسلم، عن الأعمش قال: قال أبو عبد الرحمن السلمي: كنّا مع علي بصفين وكنا قد وكَّلنا بفرسه نفسين يحفظانه ويمنعانه أن يحمل [بنفسه على القوم خوفًا عليه] فكان إذا حانت منهما غفلة حمل فلا يرجع حتى يخضب سيفه، وإنه حمل ذات يوم فلم يرجع حتى انثنى سيفه، فألقاه إليهم وقال: لولا أنه انثنى ما رجعت، قال: ورأيت عمارًا لا يأخذ واديًا من أودية صفين إلا اتبعه من كان هناك من أصحاب رسول الله ﷺ ، ورأيته جاء إلى هاشم بن عتبة وهو صاحب راية علي فقال: يا هاشم تقدم (٤)! الجنة تحت ظلال السيوف، والموت في أطراف الأسنة، وفد فتحت أبواب الجنة (٥) وتزينت الحور العين. اليوم ألْقَى الأحبَّة … مُحمَّدًا وحِزْبه ثم حملا هو وهاشم فقتلا رحمهما الله تعالى، قال: وحمل حينئذ علي وأصحابه على أهل الشام حملة رجل واحد كأنهما: كان - يعني عمارًا وهاشمًا - علَمًا لهم قال: فلما كان الليل قلت لأدخلن الليلة إلى العسكر الشاميين حتى أعلم هل بلغ منهم قتل عمار ما بلغ منا؟ - وكنا إذا توادعنا من القتال تحدثوا إلينا وتحدثنا إليهم - فركبت فرسي وقد هدأت الرّجل، ثم دخلت عسكرهم فإذا أنا بأربعة يتسامرون (٦)، معاوية وأبو الأعور السلمي، وعمرو بن العاص، وابنه عبد الله بن عمرو وهو خير الأربعة. قال: فأدخلت فرسي بينهم مخافةَ أن يفوتني ما يقول بعضهم لبعض، فقال عبد الله لأيبه: يا أبة قتلتم هذا الرجل في يومكم هذا وقد قال فيه رسول الله ﷺ ما قال، قال: وما قال؟ قال (٧): ألم يكن معنا ونحن نبني المسجد والناس ينقلون حجرًا حجرًا، ولبنة لبنة، وعمار ينقل حجرين حجرين ولبنتين لبنتين؟ فأتاه

стр. 3606

رسول الله ﷺ فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول: "ويحك يا بن سمية الناس ينقلون حجرًا حجرًا ولبنة لبنة، وأنت تنقل حجرين حجرين ولبنتين لبنتين رغبة منك في الأجر (وكنت مع ذلك) ويحك تقتلك الفئة الباغية" قال فرجع عمرو صدر فرسه ثم جذب معاوية إليه فقال: يا معاوية أما تسمع ما يقول عبد الله؟ قال: وما يقول؟ قال: يقول وأخبره (١) الخبر فقال معاوية إنك شيخ أخرق ولا تزال تحدث بالحديث وأنت تدحض في بولك، أو نحن قتلنا عمارًا؟ إنما قتل عمارًا من جاء به؟ قال: فخرج الناس من عند فساطيطهم وأخبيتهم وهم يقولون: إنما قتل عمارًا من جاء به، فلا أدري من كان أعجب هو أو هم. وقال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا أبو معاوية، حدَّثنا الأعمش، عن عبد الرحمن بن أبي زياد قال: إني لأسير مع معاوية منصرفه من صفّين بينه وبين عمرو بن العاص فقال عبد الله بن عمرو: يا أبه أما سمعت رسول الله ﷺ يقول لعمار: "ويحك يا بن سُمية تقتلك الفئة الباغية قال فقال عمرو لمعاوية: ألا تسمع ما يقول عبد الله هذا؟! فقال معاوية لا يزال يأتينا بهنة بعد هنة، أنحن قتلناه؟ إنما قتله الذين جاؤوا به. ثم رواه أحمد (٣) عن أبي نعيم، عن سفيان الثوري، عن الأعمش به نحوه، تفرد به أحمد بهذا السياق من هذا الوجه، وهذا التأويل الذي سلكه معاوية ﵁ بعيد، ثم لم ينفرد عبد الله بن عمرو بهذا الحديث بل قد روي من وجوه أخر. قال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة، عن خالد، عن عكرمة، عن أبي سعيد الخُدري أن رسول الله ﷺ قال لعمار: "تقتلك الفئة الباغية". وقد روى البخاري في صحيحه (٥) من حديث عبد العزيز بن المختار وعبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن أبي سعيد في قصة بناء المسجد أن رسول الله ﷺ قال لعمار: "يا ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار" قال يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن، وفي بعض نسخ البخاري: "يا ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار". وقال أحمد (٦): حدَّثنا سليمان بن داود، حدَّثنا شعبة، حدَّثنا (٧) عمرو بن دينار، عن

стр. 3607

أبي هشام (١)، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال لعمار: "تقتلك الفئة الباغية". وروى مسلم (٢) من حديث شعبة، عن [أبي مسلمة، عن] (٣) أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: حدَّثني من هو خير مني - يعني أبا قتادة - أن رسول الله ﷺ قال لعمار: "تقتلك الفئة الباغية". (وروى مسلم (٤) أيضًا: من حديث شعبة، عن خالد الحذاء، عن الحسن وسعيد بن أبي الحسن عن أمهما خيرة عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال لعمار: "تقتلك الفئة الباغية". ورواه (٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن علية، عن ابن عون، عن الحسن، عن أمه عن أم سلمة به) وفي رواية: وقاتله في النار. وروى البيهقي (٦) عن الحاكم، وغيره، عن الأصم، عن أبي بكر محمد بن إسحاق الصغاني، عن أبي الجوَّاب، عن عمار بن رزيق، عن عمّار الدُّهني، عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (لعمار): "إذا اختلف الناس كان ابن سُمية مع الحق". وقال إبراهيم بن الحسين بن ديزيل في "سيرة علي": حدَّثنا يحيى بن عبيد (٧) الله الكرابيسي، حدَّثنا أبو كريب، حدَّثنا أبو معاوية، عن عمّار بن رزيق، عن عمّار الدُّهني، عن سالم بن أبي الجعد قال: جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: إن الله قد أَمَّننا أن يظلمنا ولم يؤمنا أن يفتننا، أرأيت إذا نزلت فتنة كيف أصنع؟ قال: عليك بكتاب الله، قلت: أرأيت إن جاء قوم كلهم يدعون إلى كتاب الله؟ فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا اختلف (٨) الناس كان ابن سُمية مع الحق". وروى ابن ديزيل عن عمرو بن العاص نفسه حديثًا في ذكر عمار وأنه مع الحق، وإسناده غريب. وروى البيهقي (٩): أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الأسفاطي، حدَّثنا أبو مصعب، حدَّثنا (١٠) يوسف بن الماجشون، عن أبيه، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر،

стр. 3608

عن مَوْلاةٍ لعمّار قالت: "اشتكى عمار شكوى أرق منها فغُشي عليه، فأفاق ونحنُ نبكي حوله، فقال: ما تبكون؟ أتخشون أن أموت على فراشي؟ أخبرني حبيبي ﷺ أنه تقتلني الفئة الباغية، وأن آخر أدمي من الدنيا مذقة من لبن". وقال أحمد (١): حدَّثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: أمرنا رسول الله ﷺ ببناء المسجد فجعلنا ننقل لبنة لبنة، وكان عمار ينقل لبنتين لبنتين، فتترب رأسه قال: فحدثني أصحابي ولم أسمعه من رسول الله ﷺ أنه جعل ينفض رأسه ويقول: "ويحك يابن سمية تقتلك الفئة الباغية". تفرد به أحمد، وما زاده الروافض (٢) في هذا الحديث بعد قوله "الباغية": لا أنالها والله شفاعتي يوم القيامة، فهو كذب وبهت على رسول الله ﷺ فإنه قد ثبتت الأحاديث عنه صلوات الله عليه وسلامه بتسمية الفريقين مسلمين، كما سنورده قريبًا إن شاء الله. قال ابن جرير (٣) وقد ذكر أن عمارًا لما قُتل قال علي لربيعة وهمدان: أنتم درعي ورمحي، فانتدب له نحو من اثني عشر ألفًا، وتقدمهم علي ببغلته فحمل وحملوا معه حملة رجل واحد، فلم يبق لأهل الشام صف إلا انتقض وقتلوا كل من انتهوا إليه حتى بلغوا معاوية وعلي يقاتل ويقول (٤): [من الرجز] أَضْرِبُهم ولا أرى مُعاويهْ … الجاحظَ العَيْنِ عَظيم الحاويهْ قال: ثم دعى عليٌّ معاوية إلى أن يبارزه فأشار عليه عمرو بن العاص [أن يبرز إليه] فقال له معاوية: إنك لتعلم أنه لم يبارزه رجل (قط) إلا قتله، ولكنك طمعت فيها بعدي، ثم قدم علي ابنه محمدًا في عصابة كثيرة (من الناس)، فقاتلوه قتالًا شديدًا ثم تبعه علي في عصابة أخرى، فحمل بهم فقُتِلَ في هذا الموطن خلقٌ كثير من الفريقين (لا يعلمهم إلا الله) وقتل من العراقيين خلق كثير أيضًا، وطارت أكفٌّ ومعاصمُ ورؤوسٌ عن كواهلها، ﵏. ثم حانت صلاة المغرب فما صلَّى بالناس إلَّا إيماءً صلاتي العشاءَ واستمرّ القتال في هذه الليلة كلها وهي من أعظم الليالي شرًا بين المسلمين، وتسمى (هذه الليلة) ليلة الهرير، وكانت ليلة الجمعة تقصفت [فيها] الرماح ونفدت النبال، وصار الناس إلى السيوف، وعليٌّ ﵁ يحرّضُ القبائل، ويتقدَّم إليهم يأمر بالصَّبْر والثبات (٥) وهو أمام الناس في قلب الجيش، وعلى الميمنة الأشتر [النخعي]، تولاها بعد قتل (٦) عبد الله بن بُدَيْل عشية الخميس ليلة الجمعة - وعلى الميسرة ابن عباس، والناس يقتتلون من كل جانب [وذلك لما قتل عمار عرف أهل العراق

стр. 3609

أن أهل الشام بغاة ليس معهم حق] فذكر غير واحد من علماء السير - أنهم اقتتلوا بالرماح حتى تقصفت (١)، وبالنبال حتى فنيت، وبالسيوف حتى تحطمت ثم صاروا إلى أن تقاتلوا بالأيدي والرمي بالحجارة والتراب في الوجوه، وتعاضُّوا بالأسنان يقتتل الرجلان حتى يثخنا (٢) ثم يجلسان يستريحان، وكل واحد منهما يهمر على الآخر ويهمر عليه ثم يقومان فيقتتلان كما كانا [ولا يتمكن أحدهما الفرار من الآخر] فإنا لله وإنا إليه راجعون. ولم يزل ذلك دأبهم حتى أصبح الناس من يوم الجمعة وهم كذلك وصلى الناس الصبح إيماءً وهم (٣) في القتال حتى تضاحى النهار وتوجه النصر لأهل العراق (٤) على أهل الشام، وذلك أن الأشتر النخعي صارت إليه إمرة الميمنة [وكان من الشجعان الأبطال الذين يعرفون الحروب ولا يهابون القتل]، فحمل بمن معه على أهل الشام وتبعه علي فتنقضت غالب صفوفهم وكادوا ينهزمون (٥)، فعند ذلك رفع أهل الشام المصاحف فوق الرماح: وقالوا: هذا بيننا وبينكم قد فني الناس فمن للثغور؟ ومن لجهاد المشركين والكفار (٦). وذكر ابن جرير (٧) وغيره من أهل التاريخ أن الذي أشار برفع المصاحف (٨) عمرو بن العاص، وذلك لما رأى أن أهل العراق قد ظهروا وانتصروا (٩) في ذلك الموقف، أحب أن ينفصل الحال وأن يتأخر الأمر فإن كلًّا من الفريقين صابر للآخر، والناس يتفانون. فقال لمعاوية: إني قد رأيت أمرًا لا يزيدنا هذه الساعة إلا اجتماعًا ولا يزيدهم (١٠) إلا فرقة، أرى أن نرفع المصاحف وندعوهم إليها، فإن أجابوا كلهم إلى ذلك برد القتال [هذه الساعة] وإن اختلفوا فيما بينهم بأن يقول بعضهم نجيبهم وبعضهم (١١) لا نجيبهم، فشلوا وذهب ريحهم. وقال الإمام أحمد (١٢)، حدَّثنا يعلى بن عبيد، عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت قال:

стр. 3610

أتيت أبا وائل في مسجد أهله أسأله عن هؤلاء القوم الذين قتلهم عليٌّ بالنهروان فيما استجابوا له وفيما فارقوه، وفيما استحلَّ قتالهم فقال: كنا بصفّين فلما استحرّ القتال بأهل الشام اعتصموا بتل فقال عمرو بن العاص لمعاوية: أرسل إلى علي بمصحف فادعُهُ إلى كتاب الله فإنه لن يأبى عليك [الإجابة إلى كتاب الله] فجاء به رجل [منهم] فقال: بيننا وبينكم كتاب الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران: ٢٣] فقال علي: نعم! أنا أولى بذلك بيننا وبينكم كتاب الله، قال: فجاءته الخوارجُ ونحن ندعوهم يومئذ القُرّاء وسيوفهم على عواتقهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما ينتظر هؤلاء القوم الذين على التل ألا نمشي إليهم بسيوفنا حتى يحكم الله بيننا وبينهم؟ فتكلم سهل بن حُنيف فقال: يا أيها الناس اتهموا أنفسكم فلقد رأيتنا يوم الحديبية - يعنى (١) الصلح الذي كان بين رسول الله وبين المشركين - ولو نرى قتالًا لقاتلنا، فجاء عمر إلى رسول الله، فقال: (يا رسول الله) ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ [قال: "بلى"، وذكر تمام الحديث كما تقدم في موضعه. [ذكر] رفع أهل الشام المصاحف (٢) فلما رُفعت المصاحفُ قال أهل العراق: نُجيب إلى كتاب الله ونُنيب إليه. قال أبو مخنف (٣): حدَّثني عبد الرحمن بن جندب الأزدي عن أبيه أن عليًا قال: عباد الله أمضوا إلى حقّكم وصدقكم وقتال عدوكم، فإنَّ معاويةَ وعمرو بن العاص وابنَ أبي مُعَيْط وحبيب بن مسلمة وابن أبي سَرْح والضّحّاك بن قيس ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، أنا أعرف بهم منكم، صحبتهم أطفالًا، وصحبتهم رجالًا، فكانوا شرَّ أطفالٍ وشرَّ رجالٍ، ويحكم والله إنهم ما رفعوها أنهم يقرؤونها ولا يعملون بما فيها وما رفعوها إلا خديعة ودهاءً ومكيدة. [ومكرًا وتخذيلًا لكم وكسرًا لحدتكم وقتالكم، ولم يبق إلا هزيمتهم وفرارهم ونصركم عليهم] فقالوا له: ما يسعنا أن نُدعى إلى كتاب الله فنأبى أن نقبله، فقال لهم: (إني) إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم الكتاب فإنهم قد عَصَوا الله فيما أمرهم به، وتركوا عهده، ونبذوا [أمره] وكتابه. فقال له مسعر بن فدكي التميمي وزيد بن حصين الطائي ثم السبائي في عصابة معهما من القُرّاء الذين صاروا بعد ذلك خوارج: يا علي أجب إلى كتاب الله إذ دعيتَ إليه وإلا دفعناك برمتك إلى القوم أو نفعل بك ما فعلنا بابن عفان، إنه غلبنا أن يعمل بكتاب الله فقتلناه، والله لتفعلنها أو لنفعلنها بك. قال: فاحفظوا عني نهيي إياكم واحفظوا مقالتكم لي، أما أنا فإن تطيعوني فقاتلوا، وإن تعصوني فاصنعوا ما بدا لكم، قالوا: فابعث إلى الأشتر فليأتك ويكفّ عن القتال، فبعث إليه علي ليكفَّ عن القتال.
следующие страницы →